صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مجلة المنار - المجلدات 31 - 35
الشيخ : محمد رشيد رضا

تقريظ المطبوعات الجديدة

( كتاب الآداب الشرعية والمنح المرعية )
طالما كنت أتمنى العثور على كتاب في الآداب الشرعية والأخلاق الدينية ،
حافل الريّ بالمسائل النفسية واللسانية والاجتماعية والصحية ، حاوٍ للصحيح من
الأخبار النبوية ، والآثار السلفية ، خالٍ من البدع والخرافات ، وحكاية غرائب
الإسرائيليات ، ومن المجون والخلاعة ، والفحش والرقاعة ، ينتفع بقراءته الرجال
والنساء ، ولا تخجل من الاطلاع عليه ذوات الخفر والحياء ، فيكون جامعًا لفوائد
العلم الصحيح ، والقدوة بأهل الكمال ، من أهل العلم والصلاح ، ما زلت أتمنى هذا
وأرقب العثور عليه حتى ظفرت بهذا الكتاب ( الآداب الشرعية والمنح المرعية )
تصنيف العلامة الفقيه المحدِّث الواسع الاطلاع الشيخ محمد بن مفلح المقدسي
الحنبلي المتوفى بصالحية دمشق سنة 885 ، فإذا هو الضالة المنشودة ، قد جمع
مؤلفه فيه خلاصة مصنفات عديدة ، وزاد عليها زيادات مفيدة ، إلا أنه أطال في
المباحث الطبية وما يتعلق بها ، ومنه أمور الوقاع مما كنا نود أن يجعله كتابًا مستقلاًّ.
أرسله إليَّ الإمام العادل محيي السنة وناشر علوم الملة ، ومقيم شريعة الإسلام
بالحكم والعلم والعمل ، عبد العزيز آل سعود ملك الحجاز ونجد ، ليكون مما أطبعه
له من الكتب النافعة التي يوزعها في الحجاز ونجد ابتغاء وجه الله تعالى ، ولما كان
من المحال أن تصل صدقات الإمام إلى جميع بلاد الإسلام ، زدت على ما طبعته
لجلالته نسخًا أخرى لمكتبة المنار ، تبيعها بثمن معتدل لتعميم نفعه في الأقطار ،
ويكون له حظ عظيم من الثواب .
ويتألف الكتاب من ثلاثة أجزاء تم طبع الجزء الأول منها ، وهو يدخل في
511 صفحة أصلية ، وجعلنا ثمنه خمسة عشر قرشًا مصريًّا يُضاف إليها أجرة
البريد والتجليد لمن أراد .
________________________

(10/13)


أهم حوادث الشرق في هذا العام

( ثورة الهند )
من حسن حظ الهند أنه يوجد فيها عدة زعماء في كل من طوائف الهندوس
والمسلمين ، وأنه نبغ فيهم زعيم كبير أذعنوا له بالقداسة الدينية والسياسة
العصرية ، تدين له شعوب الهند كلها بالزعامة العامة ، وهذا من النوادر التي حُرم
منها الأمم منذ قرون كثيرة ، ألا وهو ( مهاتما غاندي ) الذي يقدسه الوثنيون ، ويجله
المسلمون ؛ لأنه لم يوجد في الوثنيين من ينصفهم ويعترف لهم بحق المساواة في
المصالح الوطنية مثله ، وقد كان رضي من الدولة البريطانية بأن تمنح
الإمبراطورية الهندية نظام الممتلكات المستقلة ، وكانت وزارة العمال الحاضرة
وعدت بذلك ؛ ولكنها لمعارضة سائر الأحزاب لها ولا سيما المحافظين غلاة
الاستعمار وعشاق الاستعباد البشري اضطرت إلى المراوغة والتسويف وتعليل
البلاد بدرس اللجان لحالها ، ووعدها بتأليف مؤتمر في لندن ينظر في شأنها ، ولم
تعتبر بامتناع بلاد الهند من الاحتفال بولي عهد الإمبراطورية عند زيارته لها ، حتى
شاهد مدنها العظيمة كالمقابر خالية من الزائرين غيره ، وغير من معه من قومه ،
ولقد أنذرها الزعيم الأكبر غاندي ثورة العصيان المدني عليها ، والبدء فيها بعصيان
قانون احتكار الملح الذي يألم من حيفه كل فرد من أفراد الأمة ، وضرب لهذا
العصيان أجلاً ، وجعل له موعدًا ، فتمارى رجالها في الهند وفي لندن بإنذاره ،
واستكبروا عن الاستجابة له ، لعدهم ذلك مخلاًّ بالعظمة البريطانية ، التي لا تقل
كثيرًا عن دعوى الربوبية ، وخيل لها احتقارها للبشر عجزه عن تنفيذ تلك النذر ؛
ولكنه شرع في التنفيذ وشرعت هي في المقاومة ، فكان فوزها جزئيًّا موضعيًّا ،
وفوزه عامًّا كليًّا ، فقد امتدت الثورة وانتشرت ، واستشرت وتفاقمت ، وهي تدنو
من العصيان العام ، والامتناع من دفع الضرائب الزراعية والعقارية ، أعني أنها
تدنو من الثورة الدموية العامة بتدريج منتظم ثابت ، بدءًا بمقاطعة البضائع
الإنكليزية والمواد الكحولية ، وسحب الأموال الوطنية من المصارف الإنكليزية ، ثم
بمقاومة رجال البوليس بالقوة ، ثم بتهييج القبائل على الحدود الأفغانية ، حتى
شعرت كبرياء الحكومة البريطانية بالخطر ، ولا تزال في حيرة من تلافي الخطب
المنتظر ، وسنرى ما يخبئ لها القدر .
***
( المفاوضة المصرية البريطانية )
نوَّهنا في الجزء الماضي بخبر هذه المفاوضة ، وما اعترض في سبيلها من
عقبة مسألة السودان ، وإصرار الحكومة البريطانية على اعتراف الوفد المصري
المفاوض لها بإقرار الحالة الحاضرة فيه ، أي امتلاكها للسودان كله امتلاكًا شرعيًّا
بإقرار الحكومة المصرية والأمة المصرية ، ورضاهما بأن تكون حياة مصر
الاقتصادية والزراعية ، بل حياته الحقيقية التي يقابلها الموت والخراب في قبضة
الحكومة البريطانية القهارة الجبارة … وقد امتنع الوفد المصري من قبول ذلك
بالطبع ، فانقطعت المفاوضة مع الاتفاق بين الفريقين على بقاء بابها مفتوحًا ، وعدّ
كل ما تقرر فيها مقبولاً ، إلى أن يرجع أحدهما إلى رأي الآخر في مسألة السودان .
وكان الجمهور يخشى أن تنقطع المفاوضة على جفاء ومشاكسة ، فيعود
الإنكليز إلى العبث بالحكومة وإلغاء الدستور ثانية ؛ ولكن كان من علم مصطفى
باشا النحاس وحلمه ، وكياسته وفهمه ، ودهاء أعضاء وفده ، ما مكَّنهم من تمكين
المودة بينهم وبين الحكومة الإنكليزية ، بحيث لا يخشى أن تتدخل في أمور هذه
الحكومة النيابية ، وهي براعة لم تتح لوفد من الوفود السابقة ؛ ولذلك أكبرت البلاد
أمر وفدها ، وازدادت استمساكًا بعروته ، وثقة بخدمته ، وقد انصرفت همة الحكومة
الوفدية الآن إلى النهوض بالمصالح الوطنية الداخلية بلا معارض ولا منازع .
***
( الوفد الفلسطيني )
سافر الوفد إلى لندن برياسة شيخ الشعب صاحب السعادة السيد موسى كاظم
باشا الحسيني ، وكان من أركان أعضائه في هذه المرة روح النهضة الفلسطينية
صاحب السماحة السيد محمد أمين الحسيني مفتي القدس ورئيس المجلس الشرعي
الإسلامي الفلسطيني الأعلى ، وكان قد سبق الوفد إلى لندن رائده الشاب الذكي
البارع السيد جمال الدين الحسيني ، فمهَّد له السبيل بما ألقاه من الخطب في المحافل
المختلفة ، ومن المقالات في الجرائد الكبرى ، ومن الأحاديث مع كبار الرجال في
المسألة الفلسطينية ، فكان ذلك موضع الإعجاب والتقدير ، ولولا أن نفوذ اليهود في
بلاد الإنكليز لا يعلوه نفوذ آخر لنجح الوفد في سعيه إلى تأليف حكومة نيابية في
البلاد ، فإنه مطلب يقتضيه النظام المسمى بالانتداب ، ولم يوجد أحد من الإنكليز
حتى أعوان اليهود منهم يصف العرب الفلسطينيين بما يصفون به الوطنيين من
الهنود والمصريين والعراقيين من التطرف أو عداوة الحكومة البريطانية .
وقد ثبت للفلسطينيين الآن بعد خيبة الوفد أنهم كانوا مخطئين في نوط أملهم
بالحكومة الإنكليزية وغرورهم بكلام بعض المنصفين من الإنكليز الذين يكرهون

(10/14)


اليهود ، وأن خصمهم الحقيقي في وطنهم هو الدولة الإنكليزية ، وأن اليهود ليسوا
إلا جندًا من جنودها تستعين بهم على نزع أرض هذه البلاد منهم حتى لا يكون لهم
حق في حكومتها من بعد ، وأن من مقاصدها أن تقطع أوصال الأمة العربية فتفصل
بين مصر و العراق بشعب أجنبي تخرج به البلاد عن كونها عربية وإسلامية ،
فالواجب يحتم عليهم أن يوجهوا كل قواهم إلى مقاومة الاستعمار الإنكليزية في
بلادهم بالاتحاد مع جيرانها العرب - من أهل شرق الأردن و سورية والعراق وكذا
نجد و الحجاز - على استقلال هذه البلاد كلها وتأليف الوحدة العربية التي وطَّن
الأنفس عليها جميع المفكرين من العرب ، وعليهم مع ذلك أن يستعينوا على خطتهم
بمسلمي سائر الأقطار كما يفعل اليهود ، ولا سيما مسلمي الهند الذين لم يقصِّروا في
إظهار العطف عليهم ، ومخاطبة الحكومة الإنكليزية في وجوب إجابة مطالبهم ؛ لأنه
يعز على كل مسلم في الأرض أن يستولي اليهود على بيت المقدس ويجعلوا المسجد
الأقصى ثالث الحرمين هيكلاً يهوديًّا ، وهم يحفظون ما ورد في أخبار مسيح اليهود
الدجال ، ومحاربة اليهود للمسلمين تحت رايته ، وما وعدهم رسول الله وخاتم
النبيين من نصرهم عليهم .
***
( مؤتمر شرق الأردن )
لا حاجة بنا إلى وصف ما كان من نبأ ذلك المؤتمر الشريف وهو الثالث ، ولا
إلى نشر مقرراته بالتفصيل ، وقد نشرتها جرائد مصر وسورية وفلسطين ، وحسبنا
منها تقريره تأليف حكومة نيابية مستقلة ، وعدم اعترافه بشيء مما قررته حكومته
الحاضرة مع الإنكليز وقصاراه جعل البلاد منطقة بريطانية عسكرية محضة !! وإنما
نقول : إن عرب شرق الأردن أقدر من غيرهم من أهل فلسطين وسورية على تنفيذ ما
يقررونه ، وإلزام حكومتهم العمل به إذا جدوا وعرفوا قيمة قوتهم بالوحدة وبالسلاح ،
وعرفوا ما ينذرهم من الخطر إذا طال العهد على البركان الذي عليه البلاد ، فهم لابد
أن يجرَّدوا من القوتين في يوم الأيام إذا لم يظفروا في هذه الفرصة بجعل حكومتهم
نيابية شعبية ، خالية من قوة الاحتلال الأجنبية ، بل الخطر على كل بلاد العرب حتى
الحجاز كامن في بلادهم ، فليستيقظوا من رقادهم .
***
( القانون الأساسي لسورية )
وضع موسيو بونسو العميد الفرنسي لسورية قانونًا أساسيًّا لسورية سماها به
جمهورية نيابية ، وحصرها في مضيق عدة حكومات أو دويلات من ملحقاتها
مستقلة بالاسم كاستقلالها وهي لبنان الكبير وجبل الدروز والعلويين أو اللاذقية
وأنطاكية والصحراء أو البادية … وقيَّدها بكل ما تصرف به سلفه المندوبون
السامون من المظالم قبله ، وبكل ما تفرضه عليهم فرنسة باسم الانتداب في الحال
والاستقبال ، وخلاصة هذا القانون الذي يفرضه على سورية أن يبقى الاستبداد
الفرنسي فيها كما كان ، إلا أن رئيس هذه الحكومة السورية التي لا تتجاوز دمشق
وحمص و حماه و حلب يُسمى رئيس جمهورية ، ويكون لها مجلس نيابي لا يستقل
بشيء من التشريع إلا ما تريده فرنسة في جزيرة العرب والعراق .
خمدت نيران الفتن في جزيرة العرب وظفر إماماها يحيى و عبد العزيز
بإخضاع العصاة لهما في بلادهما ، وانتهى موسم الحج في هذا العام بصحة وأمن
وسلام ، وقد اعترفت دولة بولونية بمملكة ابن السعود بما نبينه في الجزء الآتي إن
شاء الله .
ومن أكبر الحوادث فيه اجتماع ملك نجد والحجاز بملك العراق ، ووضع
أساس للاتفاق بين حكومتيهما وقد كان ذلك في أواخر رمضان ، ولما يظهر لذلك
أثر فعلي في تنفيذ مواد الاتفاق .
***
( مملكة الأفغان )
وأكبر الحوادث التي فرح بها المؤمنون ، واغتم بها الملحدون ، استواء الشاه
محمد نادر خان على عرش الأفغان ، وإقامته للأحكام والإصلاح على قواعد الإسلام ،
وجعل التجديد الإلحادي الذي ابتدعه أمان الله خان مما دخل في خبر كان .
________________________

(10/15)


خاتمة المجلد الثلاثين

بسم الله وبحمده نختتم المجلد الثلاثين من المنار كما بدأناه ، وقد تمكَّنا بحول
الله وقوته من إصداره في سنة كاملة ، إذ جعلنا شهري الراحة فيها متفرقين لا
متصلين كعادتنا ، واستدار الزمان فعدنا إلى جعل صدور المجلة في السنين الهجرية
القمرية كما كان من قبل ، فلا محل لشكوى أحد من قرائه بتأخير صدور بعض
أجزائه ، وعسى أن لا ينسى المقصرون منهم في أداء حقه ما يجب عليهم منه ،
وأن يتقوا الله فيه ، وأن يفكروا فيما نبذله من حياتنا وصحتنا ومالنا في سبيل هذه
الخدمة ، وأن لا يرضى المفكر في ذلك أن يكون هو الهاضم لحق العامل ، المعرقل
للعمل بالباطل ، ولا أن يكون غيره من القراء المؤدين لما وجب عليهم خيرًا منه …
وقد بدا لنا في أواخر هذه السنة أن نجيب الملحين علينا بوجوب الإسراع في
إنجاز تفسير المنار إلى اقتراحهم ، فأكثرنا منه في الأجزاء الأخيرة حتى كان أكثر
من ستة أعشار هذا الجزء منه ، فإن كان قد نُشر نصف الجزء العاشر من التفسير
في سنتين ونيف ، فالمرجو أن يتم النصف الثاني منه في هذا العام وحده الذي
يصدر فيه المجلد 31 ، وقد سبق لنا الوعد للمقترحين بعزمنا على اختصار التفسير
من أول الجزء الحادي عشر ، ونرجو حينئذ أن يوفقنا الله تعالى إلى كتابة تفسير
جزءين في كل عام .
وسيكون أهم مواد المجلد الآتي بعد التفسير إتمام تحرير مسألة الربا التي
كانت وما زالت أعقد مسائل الأحكام المدنية في الإسلام ، وقد عمَّ الحرج والبلوى
بها جميع المسلمين في جميع الأمصار ، ولدينا كثير من المسائل المهمة في باب
الفتوى أرجأنا الإفتاء فيها على إلحاح مرسليها بها ، وسنجيب عنها إن شاء الله
تعالى ونقدم أهمها فأهمها .
ولدينا بعد إتمام مقالات ( المساواة بين النساء والرجال ) التي من فروعها
مسألة السفور والحجاب - محاضرتنا التي ألقيناها في شهر رمضان في مسألة
( التجديد والمجددين ) وهي مهمة جدًّا ألقمنا فيها أدعياء التجديد الإلحادي الحجر ،
وكان لمجددي الإصلاح الإسلامي بها الظفر ، وقد حضرها بعض علماء أوربة من
المستشرقين فاستحسنوها ، وشهدوا لنا بالاعتدال فيها .
وسيرى القراء فيه ردًّا على بعض الجامدين على التأويل والتقليد من الشيوخ
المعاصرين ، إذ تصدى منهم شيخ تركي شايعه آخر مصري لتشويه مذهب السلف
والطعن في بعض كبار حفاظ السنة ، وفي المهتدين بها في هذا العصر ؛ لأن هذا
أضر على الإسلام من طعن المبشرين والملحدين فيه .
وقد اضطررنا هذا في هذا العام إلى الرد على كتاب آخر جديد من كتب شيعة
سورية ولبنان بما حرَّف فيه من آي القرآن ، للطعن الفظيع في جميع من رضي
الله عنهم من المهاجرين والأنصار ، ورميهم بالجبن وخذلان الرسول ونكث ما
عاهدوا الله عليه ، والغلو في علي كرَّم الله وجهه ، بجعل المنة له وحده في حياة
الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم وبقاء الإسلام ، إذ أقسم أغلظ الأيمان بأنه
لولاه لقُتل النبي صلى الله عليه وسلم في حنين ، ولذهب الإسلام وأطفئ نوره
بالرغم من وعد الله تعالى بإتمام نوره ، وإظهاره على الدين كله ، ونصر رسوله...
إلخ .
وقد اطلعنا في مجلة العرفان على رد علينا للسيد عبد الحسين صاحب هذا
الكتاب وهذه اليمين ، أخلف فيه ما كنا نظنه فيه من النزاهة وحسن الآداب في الرد
وامتيازه فيه على خصمنا القديم السيد محمد محسن ، فإذا هما سيان في المراوغة
والمراء والمجادلة في الحق بعدما تبين ، وفي القذع والسباب ، والنبز بالألقاب ،
ولو رأينا في ردودهما شيئًا من الاعتراف ولو ببعض الحق ، والتزام الصدق ،
لدخلنا معهما في المناظرة وحكَّمْنَا لجنة من أهل العلم واستقلال الرأي فيها ، وإنما
نقول مع الأسف والحزن : إنهما ليسا أهلاً لذلك ؛ لأن المقلد المتعصب الذي تربى
على الجدل والتأويل لا يطلب الحق في شيء من جدله ، والله إنه ليعز علينا أن
يكونا كذلك ، وإن الشاب الشيعي الأستاذ مصطفى جواد أحد محرري مجلة لغة
العرب ، لأدنى منهما إلى مراعاة قوانين العلم والأدب على تعصبه للمذهب ، وقد
انتقد الجزء التاسع من التفسير في تلك المجلة بما سنراجعه وننصفه فيه عند سنوح
أول فرصة إن شاء الله تعالى ، فإننا إنما لمحناه في أثناء مرضنا لمحًا .
أنا لا أجادل فيما أنكر السيد محسن على السيد الآلوسي في مسألة فتاوى
المهدي المنتظر ، ولا في المتعة الدورية التي هي أقبح فضائح البشر ؛ ولكنني
أتحداه وأتحدى مجلة العرفان بأن ينشرا فيها صورة الكتاب الذي يزعمان أن السيد
محمود شكري الآلوسي قرَّظ فيه كتاب السيد محمد بن عقيل ( النصائح الكافية ) …
بعد أخذها عن الأصل ( بالزنكوغراف ) فإننا نعرف خط السيد محمود ، ونعلم أنه
كان لا يداهن ولا يتكلم إلا بالحق .
________________________

(10/16)


المجلد 32
العدد 1
جمادى الآخرة 1350
أكتوبر 1931

فاتحة المجلد الثاني والثلاثين

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى ، وأفضل صلاته وأزكى تسليمه
على رسوله خاتم النبيين محمد المصطفى ، وآله وأصحابه الأصفياء الحُنفاء ،
وعلى كل مَن اتَّبع هداهم واقتفى .
أما بعد : فإنني كاشفت قراء المنار بسبب صدور الجزء الأخير من المجلد
الحادي والثلاثين في آخر شهر صفر ، واستصرختهم لأداء حقوقه الممطولة منهم ،
منقوصًا منها خمسها ، فنصفها ؛ لئلا تضطرني العسرة والغرامة إلى ترك إصدار
المنار في هذا العام فلم يرسل أحد منهم درهمًا ولا دينارًا ، ولم يرجع إلينا وعدًا
ولا اعتذارًا ، ولا عجب فإن غيرة جميع العالم الإسلامي على مساعدة الإصلاح
الديني لا تزن غيرة يهودي ولا نصراني واحد ، وإنني قد حبست نفسي في هذه
الثلاثة الأشهر على إتمام تاريخ الأستاذ الإمام ، لم أكتب فيها غيره ، فأنا أجعل
فاتحة تصديره ومقدمته فاتحة للمجلد الثاني والثلاثين ، وعسى أن أجد من ثمنه ما
أنفق منه على إصدار المنار ، وحسب الماطلين الهاضمين لحقه الخزي والعار ، وما
بعده من عذاب النار ! ولا نقبل بعد صدور هذا الجزء حقنا إلا تامًّا ، لا نعفو منه
شيئًا ، ولا نشكو هاضميه إلا إلى الله عز وجل ، وكفى بالله وليًّا ، وكفى بالله
نصيرًا .
________________________

(11/1)


تصدير التاريخ

ببيان كُنْه التجديد والإصلاح الذي نهض به حكيم الشرق والإسلام
وشيخنا الأستاذ الإمام ، ووجه الحاجة إليه ، ووجوب المحافظة عليه

بسم الله الرحمن الرحيم
{ وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ
الْوَارِثِينَ } ( القصص : 5 ) ، { وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لاَ
نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ } ( الأعراف : 170 ) - ، { وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ
وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ } ( آل عمران :
140 ) .
جرت سنة الله تعالى في أفراد البشر أن يؤتيهم قوى المشاعر الحسية والمدارك العقلية بالتدريج ، حتى يبلغ أحدهم أشده ، ويستكمل رشده ، ويستقل بنفسه
بالعلم والعمل والتجارب ، وجرت سنته في الشعوب والأمم أن يمنح كلاًّ منهم من
هداية الوحي في كل طور من أطوار حياتهم الاجتماعية ما هو مستعد له وصالح
لحاله وزمانه ، على مثال سنة التدريج في الأفراد . إلى أن استعد النوع البشري في
جملته ومجموعه لفهم أعلى هداية إلهية لا يحتاج بعدها إلا لاستعمال عقله في
الاهتداء بها ، في كل زمان ومكان بحسبهما ، فوهبه هداية القرآن وختم النبوة
برسالة محمد عليه الصلاة والسلام .
ولما كان من طباع البشر أن يضعف تأثير الوحي في قلوبهم بطول الأمد على
عهد النبوة ، فيفسقوا عن أمر ربهم ، ويتأولوا كتبه بأهوائهم ، أنعم عليهم بما يحيي
هداية النبوة فيهم ، بأن يبعث فيهم بعد عصر النبوة مجددين ، وأئمة مصلحين ،
يرثون الأنبياء بالدعوة إلى إصلاح ما أفسد الظالمون في الأرض ، ويكونون حجج
الله على الخلق ، وقد بشرنا نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المصلحين ، بأن الله
تعالى يبعث في هذه الأمة على رأس كل مائة سنة مَن يجدد لها أمر دينها ؛ ليكونوا
خلفاءه فيما جدده من دين الله تعالى للأمم كلها { لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ
الرُّسُلِ } ( النساء : 165 ) إذا طال عليهم الأمد ، فقست قلوبهم ، وفسقوا عن أمر
ربهم .
إنما كان المجددون يُبعثون بحسب الحاجة إلى التجديد لما أبلى الناس من لباس
الدين ، وهدموا من بنيان العدل بين الناس ، فكان الإمام عمر بن عبد العزيز مجددًا
في القرن الثاني لما أبلى قومه بنو أمية وأخلقوا ، وما مزقوا بالشقاق وفرَّقوا ، وكان
الإمام أحمد بن حنبل مجددًا في القرن الثالث لما أخلق بعض بني العباس من لباس
السنة ، ورشاد سلف الأمة ، باتباع ما تشابه من الكتاب ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله ،
وتحكيم الآراء النظرية في صفات الله وما ورد في عالم الغيب ، بالقياس على ما
يتعارض في عالم الشهادة ، وكان الشيخ أبو الحسن الأشعري مجددًا في القرن
الرابع بهذا المعنى ، وحجة الإسلام أبو حامد الغزالي مجددًا في أواخر القرن
الخامس وأول السادس لما شبرقت نزغات الفلاسفة وزندقة الباطنية ، والإمام أبو
محمد علي بن حزم الظاهري في القرن السادس لما سحقت الآراء من فقه النصوص
الشرعية ، وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم مجددين في آخر القرن السابع
وأول الثامن لجميع ما مزَّقت البدع الفلسفية والكلامية والتصوفية والإلحادية ، من
حلل الكتاب والسُّنة السَّنية ، في جميع العلوم والأعمال الدينية ، وحسبنا هؤلاء
الأمثال في التجديد الديني العام .
وظهر مجددون آخرون في كل قرن ، كان تجديدهم خاصًّا انحصر في قطر
أو شعب ، أو موضع كبير أو صغير ، كأبي إسحاق الشاطبي صاحب الموافقات
والاعتصام في الأندلس ، و ولي الله الدهلوي والسيد محمد صديق خان في الهند ،
والمولى محمد بن بير علي البركوي في الترك ، والشيخ محمد عبد الوهاب في نجد ،
والمقبلي والشوكاني وابن الوزير في اليمن .
وهنالك مجددون آخرون للجهاد الحربي بالدفاع عن الإسلام ، أو تجديد ملكه
وفتح البلاد له ، وإقامة أركان العمران فيه ، وهم كثيرون في الشرق والغرب
والوسط ، ورجاله معروفون ، كبعض خلفاء العباسيين والأمويين ، ومنهم من جمع
بين أنواع من التجديد كالسلطان صلاح الدين الأيوبي الذي كسر جيوش الصليبيين
من شعوب الإفرنج المتحدة ، وأجلاهم عن البلاد الإسلامية المقدسة وغيرها ، وأزال
دولة ملاحدة العبيديين الباطنية من البلاد المصرية ، وكذلك فتح الترك لكثير من
ممالك أوربة ، عُرف فيها مجد الإسلام .

ضعف الإسلام السياسي وملكه :
ثم اتسع مُلك الإسلام وزالت وحدة أحكامه بانقسام الخلافة إلى خلافتين ،
فزوال كل منهما ، وكثرت دوله ، فتفرقت وحدة أمته السياسية إلى شعوب مختلفة في
الأجناس والأوطان ، ووحدة ملته الدينية إلى مذاهب مختلفة في الأصول والفروع ،
فتعادَوْا في الدنيا والدين ، وتقاتلوا على عصبيات الملوك والسلاطين ، فحق عليهم

(11/2)


قول كتاب ربهم : { وَلاَ تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ } ( الأنفال : 46 )
فسلط الله عليهم أعداءهم ، فثلوا أكثر عروشهم ، وانتزعوا منهم أكثر بلادهم { ذَلِكَ
بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِّعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ
عَلِيمٌ } ( الأنفال : 53 ) { وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ }
(هود : 117 ) وكان يظهر في هذه الدول المتفرقة مجددون متفرقون في العلم كما
تقدم ، وفي الإدارة والعمران كمحمد علي باشا بمصر ، وفي الحرب كالأمير عبد
القادر في الجزائر ، و يعقوب بك في تركستان الصينية ، وفي السياسة كمصطفى
رشيد باشا ، و عالي باشا و فؤاد باشا في الترك و خير الدين باشا في تونس ، وفي
إرشاد العامة والبدو للدين والدنيا كالسيد السنوسي .
حال البشر الأخير وما يقتضيه من التجديد :
في أثناء هذا الضعف الإسلامي العام ، دخلت الشعوب الإفرنجية في طور
جديد في الفتح والغلب والسياسة والعمران ، قوامه العلوم الكونية والفنون
والصناعات والثروة والنظام ، وتجدد فيها من آلات الحرب وكراعها ، وأسلحة
القتال وعتادها ، ما يمكِّن الجند القليل من إبادة جند يفوقه أضعافًا مضاعفة في العدد
والشدة والشجاعة في زمن قصير .
واستُحدِث فيه من النظام ما يسهل به على أفراد ممن حذقوه ومردوا عليه أن
يسخِّروا لخدمتهم شعبًا كبيرًا غريبًا عنهم في جنسه ولغته ودينه ، كما يسخِّرون
الأنعام الداجنة والسائمة ، والحمر الموكفة والخيل المسومة ، فيُذلون بالجماعات
المذللة منه الجماعات المتمردة ، ويستنزفون ثروته كلها فيجرفونها إلى بلادهم التي
نزحوا منها فاتحين مستعمرين ، ويتصرفون في قواه المعنوية وروابطه القومية
والدينية ، كما يتصرفون في حرثه ونسله ، ولحمه ودمه ، وأرضه وماله ، وهكذا
يتصرف العلم بالجهل والنظام بالفوضى .
وابتدع فيه من مراكب النقل والتسيار ، وآلات رفع الأثقال ، وأجهزة تبليغ
الأخبار ، ما مهَّد السبل لمبتدعيها ومتخذيها من كل ما أشرنا إليه من الأعمال
الحربية ، والتصرفات السياسية ، والوسائل الاقتصادية ، وصارت المسافة بين
القارة والقارة أقرب من المسافة بين بلد وآخر من مملكة واحدة ، وهو ما عُبِّر عنه
في الحديث النبوي بتقارب الزمان .
اتسعت بذلك مسافة الخُلف بين الشعوب في العلم والعمل ووسائلهما ، واشتدت
الحاجة إلى تجديد الحياة في المتخلفة منها عن المتقدمة ، لا ينهض بمثله أمثال
أولئك المجددين القدماء بالوسائل القديمة وحدها ، ولا يطمح إليه صوفي يستمد قوته
من الأموات ويتكل على الكرامات ويغتر بالمنامات ، ولا يطمع في تذليل صعابه
واقتحام عقابه غريقٌ في بحار النظريات العقلية ، ومغترق الأفكار بنظريات الفلسفة ،
ولا يطَّلِع ثناياه ، ويجتلي خفاياه ، منقطع إلى كتب الشرائع ، واستنباط أحكام
الوقائع ، ولا يتسامى إليه من تعلم العلوم والفنون العصرية تعليمًا آليًّا ليكون أحد
العمال في دائرة من دوائر الحضارة ، أو ديوان من دواوين حكومتها .
إن هذا لبدع من الخطوب الكبرى غير العادي ، لا ينبعث إلى تلافيه إلا بدع
من كبراء الرجال غير عادي ، أمم قوية بالعلم الجديد والفن الحديد ، والسلاح
الشديد ، والنظام الدقيق في السياسة والإدارة والمال ، والتعاون بتوزيع الأعمال
واستخدام قوى الطبيعة ، تستلب مُلك أمم جاهلة ، متفرقة متخاذلة مختلة النظام ،
مستعبدة للمستبدين ، منقادة للخرافيين ، وقد قذف في قلوبهم الرعب ؛ فكانوا مصداق
قول النبي صلى الله عليه وسلم : ( يوشك أن تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأَكَلَة
إلى قصعتها [1] ، فقال قائل : ومن قلة نحن يومئذٍ ؟ قال : بل أنتم يومئذ كثير ؛
ولكن غثاء كغثاء السيل ، ولينزعن الله من صدور عدوكم المهابة منكم ، وليقذفن
في قلوبكم الوهن ، قال قائل : يا رسول الله وما الوهن ؟ قال : حب الدنيا وكراهية
الموت ) [2] ، فمَن ذا الذي يضطلع بتجديد حياة هؤلاء الموتى ، ويحشرهم من
قبورهم .
ألا إن الرجل الذي ينبعث إلى نفخِ روح الحياة في شعوب هبطت إلى هذه
الدركات من الوهن ، وبعْثِها إلى مجاهدة أمم عرجت إلى تلك الدرجات من القوة -
يجب أن يكون ذا روح علوية ، أوتيت حظًّا عظيمًا من وراثة النبوة في كمال
الإيمان ، وصحة الإلهام ، وعلو الهمة ، وقوة الإرادة ، وصدق العزيمة ، وإخلاص
النية ، وقوة الفراسة ، والزهد في الشهوات البدنية ، واحتقار الزينة الخادعة ،
والزهد في الجاه الباطل وعدم الخوف من الموت ، وأن يكون ذا وقوف على حالة
العصر ، وتاريخ الشعوب الديني والسياسي ، وسنن الله في الاجتماع ، وفصل
الخطاب في الإقناع ، وفصاحة اللسان وبلاغة التعبير وقوة التأثير ، ثم يكون ما
يحذقه من سائر العلوم مددًا له في عمله .
حكيم الشرق والإسلام :
كذلك كان ذلك الروح العلوي النبوي ، الذي تمثل للأفغان في ناسوت بشري

(11/3)


جلس في دروس العلم ، فحذق العلوم والفنون القديمة نقليّها وعقليّها في بضع سنين ،
وألمَّ بالهند لتلقِّي مبادئ العلوم الأوربية ، فوقف على ما شاء منها في زهاء سنتين ،
ثم حج في سنة 1273 ، ومكث في سفره زهاء سنة يتقلب في البلاد الإسلامية
لاكتناه أخلاقها وعقائدها الدينية ، واختبار أحوالها الاجتماعية والسياسية .
ثم عاد إلى بلاده فانتظم في سلك حكومتها وهي ممزقة بالفتن الداخلية ،
وموبوءة بالدسائس البريطانية ، فكاد بتدبيره يخلص الأمر فيها لأميرها محمد أعظم
خان الذي بوَّأه مكان الوزير الأول عنده ، لولا ما عارض ذلك من الدسائس
الإنكليزية ، التي تمدها القناطير المقنطرة من الجنيهات الإسترلينية ، والروبيات
الهندية .
واضطر بفشل أميره إلى هجر وطن ولادته ونشأته ، إلى حيث يمكنه
الإصلاح من أوطان أمته ، فمرَّ بالهند ، فبالغت حكومتها الإنكليزية بالحفاوة في
ضيافته ، مع إحاطة عمالها وجواسيسها بمجالسه ، ومنع علمائها من الاتصال به ،
ولكنه نفخ فيمن لقيه من كبرائها روح الاستقلال ، والجرأة على كسر مقاطر
الاستعباد ، ثم كان يغذي ذلك الروح بالكتاب وتلقين الأفكار ، لِمَن يلقى من رجالها
في مصر وأوربة وسائر البلاد ، وبمقالات له في الجرائد نشرناها في المنار ،
وناهيك ( بالعروة الوثقى ) التي كادت تضرم نيران الثورة فيها ، وكان موقنًا باستقلالها
من بعده ، حتى إنه قال للشيخ عبد الرشيد التتاري : ( يا ولد ، إنك ستصلي صلاة
الجنازة على القيصرية الروسية ، وستحضر تشييع جنازة الإمبراطورية الإنكليزية
في الهند ) وقد تمت البشارة الأولى ، وظهرت بوادر الثانية في هذه الأعوام .
وأغرب من ذلك أنه حمَّله تقريرًا منه إلى جمعية سياسية سرية في عاصمة
الروسية رئيسها عم القيصر ، وقال له : ( اذهب بهذه الرسالة وأوصلها إلى
الغراندوق فلان ، واعلم أنك إما أن تُقتل ، وإما أن تفوز وتغنم ) فأوصلها فقام
الغراندوق لها وقعد ، ثم أعاده بها إلى بلاد اليونان ليطبعها فيها باللغة الروسية
ويرسلها إليه ، وعرض عليه من المال ما شاء ، فلم يأخذ إلا القدر الضروري ،
ولقي أهوالاً كادت تُذهب بحياته .
جاء هذا السيد مصر فنفخ فيها روح الحكومة النيابية ، وألَّف فيها الحزب
الوطني الأول لتقييد سلطان الحكومة الشخصية ، وغذَّى تلاميذه ومريديه بعشق
الحرية ووسائلها من العلم والكتابة والخطابة ، كما أرشد المسلمين منهم إلى الإصلاح
الديني ، والجمع بينه وبين العلم العصري ، وكان من أثر هذا ما شرحه هذا الكتاب .
ذهب إلى إيران ، فنفخ فيها روح التجديد في السياسة والعمران ، فما زال
يفعل فعله فيها بين قيام وقعود ، وهبوط وصعود ، حتى ظفرت بالحكومة النيابية في
عهد الشاه مظفر خان ، وما زالت تنتقل في أطوار التجديد والإصلاح .
ثم انتهى إلى عاصمة الدولة العثمانية ، فأنشأ يرشد السلطان لوسائل الاستفادة
من منصب الخلافة الإسلامية ، ويجمع له كلمة الشعوب والمذاهب المختلفة ، حتى
إنه أقنع كثيرًا من علماء الشيعة المجتهدين بالاعتراف بخلافته وجعلها مناط الوحدة
الجامعة للمسلمين ؛ ولكن قرناء السوء خوَّفوا السلطان من النهوض بهذه الجامعة ،
فأعرض عنها ، وكان السيد مع ذلك يبث هنالك أفكار الإصلاح والتجديد ، الجامع
بين الطريف والتليد إلى أن قضى نحبه ولقي ربه ، رحمه الله وقدَّس سره .

الأستاذ الإمام :
أرأيتك هذا المصلح العظيم ، والمجدد الحكيم ، إنه لم يظفر في شعب
من الشعوب الإسلامية بمَن يصلح أن يكون خليفة له ، ومتممًا لإصلاحه بما يرجى
به دوامه ، بعد أن وجه إليه الوجوه ، وعلقت بطلبه القلوب ، على كثرةٍ من
المصطبغين بصبغته ، إلا رجل مصر الشيخ محمد عبده ؛ لأن منصب إمامة
الإصلاح والتجديد لا يُرتقَى إليه بوسائل الذكاء والتفكير والتربية والتعليم وحدها ، بل
لا بد فيه من الاستعداد الروحي والمواهب الفطرية كما قررنا .
كان الشيخ محمد عبده سليم الفطرة ، قُدسي الروح ، كبير النفس ، وصادف
تربية صوفية نقية ، زهَّدته في الشهوات والجاه الدنيوي ، وأعدَّته لوراثة هداية
النبوة ، فكان زيته في زجاجة نفسه صافيًا ، يكاد يضيء ولو لم تمسسه نار ، فمسته
شعلة من روح السيد جمال الدين الأفغاني ؛ فاشتعل نورًا على نور { يَهْدِي اللَّهُ
لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ( النور : 35 ) .
اقرأ في الصفحة 25 من هذا الكتاب كيف زار السيد للمرة الأولى هو
وصديقه وأستاذه الشيخ حسن الطويل في خان الخليلي ، وكيف كان أول حديثه
معهما السؤال عن تفسير بعض آي القرآن وما يقول العلماء و الصوفية فيها ، وأنه
بيَّن لهما قصور كل ما قالوه وجاء مِن عنده بخيرٍ منه ، وكيف أُعجبا كلاهما بما قال ؛
ولكن الشيخ حسنًا ظل على حاله ؛ لأنه كان قد بلغ منتهى استعداده ، وكان أرقى
علماء الأزهر عقلاً وعلمًا وزهدًا .

(11/4)


وأما الشيخ محمد عبده فكان يشعر بأن كل ما أصابه من حسن تربية الشيخ
درويش ، ومن علم الشيخ الطويل والشيخ القصير [3] دون ما تسمو إليه نفسه ،
ويتطلع إليه عقله ، وتضطلع به همته ، وكان يطلبه بما استطاع من الوسائل فلا
يجده ؛ ذلك أن روحه كانت مستشرفة للعرفان الذي يصعد بها إلى سماء الوراثة
النبوية في إصلاح البشر ، وتجديد أمر الدين الذي بشَّر به المصلح الأعظم صلى
الله عليه وسلم ، فاتصل بالسيد جمال الدين من ذلك اليوم حتى اقتبسه منه ، وكان
خليفته فيه ، لكن من ناحية تربية الأمة التي كان يتمنى قيام السيد بنفسه بها - إذ لا
يثبت إصلاح الحكومات بدونها - لا من ناحية استبدال حكومة مستبدة بغيرها
( راجع ص974 ) .
تلك الوراثة النبوية التي عبر عنها يوم موت السيد بقوله في رثائه الوجيز
البليغ : ( والدي أعطاني حياة يشاركني فيها علي ومحروس [4] ، والسيد جمال
الدين أعطاني حياة أشارك بها محمدًا وإبراهيم وموسى وعيسى صلى الله عليهم
وسلم والأولياء والقديسين ، ما رثيته بالشعر لأنني لست بشاعر ، ما رثيته بالنثر
لأنني لست الآن بناثر ، رثيته بالوجدان والشعور لأنني إنسان أشعر وأفكر ) اهـ
بنصه تقريبًا [5] .
هذه الوراثة هي التي أخرج الله تعالى بها محمدًا عبده من خمول تصوفه ،
وخمود أزهريته إلى ميادين الجهاد في سبيل التجديد الديني ، والإصلاح الاجتماعي
المدني ، يخوض غمرات الثورات ، وتتقاذفه أمواج الأسفار ، وتكافحه فتن الأمراء
المستبدين ، وجهالة حملة العمائم الجامدين ، من حيث بقي حسن الطويل نديده في
التصوف والفلسفة قابعًا في كسر بيته ، راضيًا بخموله وراحة نفسه ، وإن في
الصلاة لراحة ، وإن في العلم والذكر للذة ؛ ولكن ثوابهما قاصر على صاحبهما ،
وثواب الجهاد متعد لكل من ينتفع به ، والإنسان الكامل من يجمع بينهما .
بهذا الروح العلوي كان يقول له أستاذه السيد جمال الدين ، وهو مجاور يلبس
الزعبوط : ( قل لي بالله أي أبناء الملوك أنت ؟ ) ذلك السيد الذي كان يخاطب الملوك
المستبدين خطاب الأقران ، بل يهدد بعضهم ، ويمن على بعض فيقول للسلطان عبد
الحميد : ( إنني لأجل أمرك قد عفوت عن شاه إيران ) ويقول له السلطان بحق :
( يخاف منك الشاه خوفًا عظيمًا ) [6] .
بهذا الروح العلوي كان يشرف من سماء إدارة المطبوعات بالسيطرة
والسلطان على الحكومة المصرية من أعلاها إلى أدناها ، فيأمرها وينهاها ، منتقدًا
أعمالها ، مرشدًا عمالها ، يُخطِّئ لغتهم الكتابية فيضطرهم إلى إصلاحها في معاهد
التعليم ، ويفند أعمالهم فيقيمهم على صراط العدل المستقيم ، بل أزعج بمقالاته في
انتقاد وزارة المعارف ناظرها حتى شكاه إلى رئيس النظار رياض باشا فما أشكاه ،
وكلَّم الرئيسُ الشيخَ فأقام له البرهان على وجوب الإصلاح ، وأقنعه بإنشاء المجلس
الأعلى المقيد لاستبداد وزيرها في الأعمال ، فأنشأه برأيه ، وكان هو سكرتير ذلك
المجلس وصاحب التأثير الأكبر فيه .
بهذا الروح العلوي كتب ذلك الكتاب البليغ في سجنه وأعلن فيه عفوه عمن
وشوا به وأساءوا إليه على ما كان من إحسانه إليهم ، وجزم بما أعدت له العناية من
المجد ، واعدًا بأن سيفعل المعروف ، ويغيث الملهوف .. . وكذلك كان .
بهذا الروح العلوي كان هو الرأس المدبر في كل مجلس رسمي عين عضوًا
مرءوسًا فيه ، كمجلس إدارة الأزهر ، ومجلس الأوقاف الأعلى ، ومجلس شورى
القوانين ، وتجد إثبات ذلك في بيان أعماله فيها من هذا الكتاب ، سافرة الوجه ليس
دونها نقاب .
بل بهذا الروح العلوي كان أميره يكبره ويهابه ، ويقول إنه يدخل عليَّ كأنه
فرعون ؛ وإنما كان يدخل عليه كدخول موسى عليه السلام على فرعون ، متوكئًا
على عصا الحق ، داعيًا إلى الإصلاح والخير ، ناهيًا عن الاستبداد والبغي ، كقوله
له في مجلس تشريف المقابلة الحافل بالعلماء : إن مجلس إدارة الأزهر لا يعرف
لسموكم أمرًا عليه ، إلا بهذا القانون الذي بين يديه ، دون الأوامر الشفوية التي
يبلغها عنكم من لا يثق به المجلس لمخالفته لقانونكم .
تلك آيات بينات من حياة كل من الروحين على الانفراد ، فما رأيك إذا اجتمع
هذا الروح العلوي بذلك الروح الأعلى الذي أذكى سراجه الوهاج ، واتحدا في عمل
من الأعمال ؟ ذلك ما كان من إصدارهما جريدة العروة الوثقى ، التي لا نعرف في
تاريخنا كلامًا بشريًّا أبلغ من مقالاتها في إصابة مواقع الوجدان من النفس ،
ومواضع الإقناع من العقل ، وتجرئة الضعفاء على الثورة على الأقوياء ، والجهاد
لتحرير أمتهم ، واستقلال بلادهم .
فإن سألت عن تأثيرها في رعب العظمة البريطانية ، وإثارة العالم الإسلامي
والشعوب الشرقية ؛ فإنك تجد قصصها مبسوطًا في هذا الكتاب ، بما يشبع نهمتك
السياسية من إسهاب ، ويروي غلتك الأدبية من إطناب ( ص298 و303 ) .
وإنه ليبسط لك بالروايات الصحيحة ، والشواهد الصادقة ، كل ما أشرنا إليه
في هذا التصدير من آثار تلك الروح القدسية ، وتجديد الإصلاح المنقذ للأمم

(11/5)


والشعوب من رق الفاتحين المستعمرين ، وظلم المستبدين القاهرين ، وجمود الفقهاء
المقلدين ، ودجل المتصوفة الخرافيين ، فاطلبه من هذا التاريخ ؛ فإنه يقصه عليك
مفصلاً تفصيلاً .
فاقرأه أيها الغيور على قومه ووطنه فصلاً فصلاً ، وتدبر مقاصد فصوله
مقصدًا مقصدًا ، ثم اقرأ في الجزء الثاني له مقالات الإمام الاجتماعية والأدبية ،
ولوائحه في إصلاح التربية والتعليم ، ورسائله الدينية والأدبية للعلماء والأدباء ، ثم
ارجع البصر إلى الجزء الثالث واعتبر بتأثير وفاته في العالم الديني والمدني ،
وتأمل إجماع كتاب الأمم والشعوب المختلفة الأجناس والأديان والآراء والأفكار على
تزكيته وتقديسه ، أو تدبر مقدمتنا لكل منهما تعلم أنه هو الإمام الذي يجب اتباعه في
تجديد الأمة وإحياء الملة ، وإيجاد المدنية الفاضلة ، ثم انظر ما اقترحته على مصر
في خاتمة هذا الكتاب لعلك تكون من حزب الدعاة المصلحين ، وأنصار التجديد
المستبصرين الذين قال الله فيهم : { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي
الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ } ( القصص : 5 ) .
هذا ما توخيت التنويه به من هذا الضرب البديع من التجديد لحياة الشرق
على ما وصفت من التباين بينه وبين الغرب ، وما كان من تأثيره الذي يشبه
خوارق العادات ، كإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الأموات .

المجددون للوثنية والدجل :
ألا وإنه قد نجم في هذين القرنين قَرْنان - أو قُرون - من أدعياء التجديد ،
بعضهم في إيران وبعضهم في الهند ، وإن هم إلا مُسحاء دجالون ، ومتنبئون كذَّابون ،
لبَّسوا على الناس لباس الإصلاح الديني ، وتمثلوا لهم بالشكل الذي تُصوره تقاليدهم لما
ينتظرون من المسيح و المهدي ، وانتحلوا لدعايتهم آيات ، واخترقوا لأنفسهم معجزات
، فمنهم من ادعى النبوة ، ومنهم من ادعى الألوهية ، وقد اتبعهم فئام من المحرومين
من مزايا الإنسان ، الكافرين بنعمتي العقل والقرآن ، الجاهلين لثبوت نبوة خاتم النبيين
بالعلم والعقل ، وإن الله ختم به نزول الوحي ، فزادهم رجسًا على رجسهم ، وعبودية
للأجانب على عبوديتهم ، فكانوا دعاة أو أنصارًا للمعتدين على استقلال بلادهم ،
المستبدين لأقوامهم ، فوالله لو عمت فتنتهم لاستولى الإنكليز على بلاد فارس كلها ،
ولما وجد في الهند من يطالب الإنكليز باستقلال ، ولا بحق من الحقوق ولا عمل من
الأعمال .
أليس من مثار العجب الذي جاء بها أبو العجب [7] أن يضع كل من أتباع
هؤلاء الدجالين لأنفسهم نظامًا ، ويجمعوا لبث نحلتهم أموالاً ، وينفروا للدعوة إليها
خفافًا وثقالاً ؟ فيكون لهم في كل وادٍ أثر ، وفي كل قطر ذكر ، وينضوي إليهم
بعض الملاحدة طمعًا في أموالهم ، لا إيمانًا بمسيحهم أو إلههم ؟
أو ليس بأوغل من هذا في أعماق العجب ، وأولغ في أحشائه أن يتخاذل
العارفون بقدر حكيمي الشرق ، وإمامي الإسلام بالحق ، عن تأليف حزب لتعميم
إصلاحهما ، واستمرار تجديدهما ، وأن يكون لجماعتهم نظام يكفل دوام سيرهم
ومال يضمن نجاح سعيهم ، ومدارس تربي النابتة على منهاجهم ، وأطباء يداوون
أمراض الاجتماع بعلاجهم على استقلال الفكر ، وحرية العلم والرأي وهداية الدين ،
وتوطين النفس على الجهاد لإعلاء كلمة الحق ، وإقامة ميزان العدل لتكون عزيزة
لا تدين لأجنبي معتدٍ ، ولا لوطني مستبد ؟ .
نعم إن ذلك لعجيب ، وإن هذا لأعجب منه ، ويشبههما في العجب أن المنتمين
إلى السنة من المسلمين أقل من المبتدعة تعاونًا وتناصرًا وعصبية ودعاية ، أفلا
أنبئك بالسبب ، الذي ينتاشك من حيرة العجب ؟ .
إن حقيقة السنة والجماعة هي حقيقة الإسلام ، وإن الإسلام الحق هو دين
توحيد العبودية والربوبية لله وحده ، والحرية وعزة النفس تجاه ما سواه ، واتباع
رسوله وحده فيما بلَّغه عنه ، والعمل بمقتضى الوازع النفسي التابع للعقيدة ، والنظام
الاجتماعي الذي تقرره الشريعة ، فلا تذل نفس صاحبه بالانقياد لرئيس ديني لا
دنيوي لذاته ، ولا لسلطان وراثي أو تقليدي فيما وراء تنفيذ أحكامه .
وأما هذه النحل الباطلة والمذاهب المبتدعة التي أشرنا إلى بعضها فأساسها
العبودية والخضوع لفرد أو جماعة من البشر ، يقدس منتحلها أشخاصهم ويرفعهم
على نفسه وعلى سائر الناس وهم منهم ، ويوجب طاعتهم عند فريق وعبادتهم عند
آخر ، فتكافل هؤلاء يكون تامًّا شاملاً لأنه تعبدي ، وعصبيتهم تكون أقوى لأنها
وجدانية لا عقل للأفراد ولا رأي للجمهور فيها .
ويرد علينا ههنا أن العقائد الباطلة والتعاليم الواطئة ، خير للجماعات
وللشعوب التي تأخذ بها من العقائد الصحيحة والتعاليم العالية ، من حيث جمع الكلمة
ووحدة الأمة ، ونرد هذا الإيراد بقولنا : إن العقائد الحق والتعاليم الصحيحة لا يقوم
بها إلا أصحاب العقول النيرة والأفكار المستقلة الذي آمنوا بها عن حجة وإذعان ،
وما تنازع هؤلاء مع المخالفين لهم إلا وكان لهم الرجحان ، سواء أكان التنازع في

(11/6)


الدين أو في الحكم والسلطان ، وبهذا ظهر الإسلام على جميع الأديان .
وهذا الفريق - فريق العقل واستقلال الفكر - قَلَّ في جميع فرق المسلمين ببناء
التعليم فيهم على أساس التقليد الذي يحتم على طالب العلم أن يقبل كل ما يقرره
شيوخه بعنوان مذهبه ، وإن لم يكن منه ، سواء أعَقَلَه أم لم يعقله ، فإن نازعه فيه
حكم بكفره ، ولهذا صار أكثر المسلمين يقبلون البدع والخرافات مهما تكن المذاهب
التي ينتمون إليها ، إذ ليست المذاهب فيهم إلا عناوين لعصبيات لها رؤساء يطاعون
باسمها ، وأكثرهم يجهلون أصولها وقواعدها ، ومن تلقى شيئًا منها ؛ فإنما هو لفظ
ينقله ولا يعقله ، ولا يرجع إليه في فروع علمه ولا عمله ، ومن كان غير مستقل الفهم
والعقل في عقيدته ، لا يكون مستقل الإرادة في عمله ، ومن نتائج هذا الخضوع أن
صاروا خانعين للمستبدين وظهراء للظالمين ، وإن كانوا بملتهم كافرين .
وأساس الإصلاح الديني والسياسي الذي قام به وعليه الإسلام دينًا ودولة ،
وقامت عليه الدول القوية هو الاستقلال بنوعيه ، وهو الذي دعا إليه الحكيمان
المجددان : الأفغاني والمصري ، وقد بيَّنه الأستاذ الإمام في رسالة التوحيد ، لهذا كان
أنصارهما من رجال الدين هم الأقلين وخصومهما منهم هم الأكثرين ، وكان أشد ما
أنكروه عليهما : القول بوجوب الاجتهاد ، وتحريم التقليد . ويقابله أن كان أكثر
المعجبين بهما والذين قدروهما قدرهما ، هم الذين نبغوا في المدارس المدنية العالية
التي يسير فيها التعليم على منهاج استقلال الفكر ، وكذا من تلقى من بعض أهلها
وعاشرهم على استعداد فيه فصار مستقلاًّ ، ثلة من المدنيين وقليل من المعممين .
ولو كان ما دعا إليه الحكيمان هو التجديد السياسي والمدني دون الديني لألَّف
له هؤلاء الأنصار حزبًا كبيرًا منظمًا ، كما فعل سعد باشا من تلاميذهما بعدهما .
ولو دعا الأستاذ الإمام إلى نهضة دينية تقليدية صوفية لوجد من الأزهريين
وأهل الطرق من يؤسس له عصبية قوية يتبعها الألوف وألوف الألوف في زمن
قريب ، ولا سيما إذا أباح لنفسه أن يظهر لهم تعبده الخفي ، ومعرفته بأسرار
التصوف ، وغير ذلك من خصائصه الروحانية ، التي كان يعتقد وجوب كتمانها
لأنها غير طبيعية ، فإظهارها للمقيدين بالسنة الطبيعية فتنة لهم ، وفيها كثير مما يُعَدُّ
من الكرامات عندهم ، وقد نقلت هذا عنه في بيان رأيه في التصوف والصوفية .
بيد أن كلاًّ منهما حكيم عاقل ، وأن السيد جمال الدين رجل دين ، وإن غلبت
عليه السياسة ، والشيخ محمد عبده رجل سياسة وإن غلب عليه الدين ، بل هو
أقرب من أستاذه إلى الموقف الوسط بين رجال الدين والدنيا من المرتقين فيهما ،
فقد كان في الأزهر لا يعلو قولَه قولٌ ، ولا يغلب رأيَه رأيٌ . وكذلك كان بين
الراقين من رجال الدنيا كالوزراء والقضاة والمحامين والأدباء والمنشئين ، بل كان
كذلك بين علماء الإفرنج وساستهم ، وترى نموذجًا من شهادات الجميع له في هذا
التاريخ .
________________________
(1) تداعى - بفتح الدال - أصله تتداعى ، أي يدعو بعضها بعضًا ، والأكلة - بفتحتين - جمع آكل .
(2) رواه أبو داود و البيهقي في دلائل النبوة من حديث ثوبان رضي الله عنه .
(3) المراد بالشيخ القصير : أحمد الرفاعي ، القصير القامة ، وكان أصلب الأزهريين جمودًا ، كما كان الشيخ الطويل أشدهم استقلالاً .
(4) هما أخواه اللذان يشتغلان بالزراعة .
(5) كنت كتبت العبارة من مذكرة له ، وفقدت المكتوب وبقي المحفوظ .
(6) هذا لفظ السيد في ترجمة لفظ السلطان ، سمعه منه كثيرون في الآستانة .
(7) أبو العجب الشعوذي ، وكل من يأتي بالأعاجيب .

(11/7)


خلاصة الخلاصة في وجوب الجمع بين التجديدين الديني والمدني وحزب الإصلاح المعتدل الذي يقوم به

وخلاصة ما أريد عرضه على قراء هذا التاريخ في هذا التصدير أن إصلاح
الأمة الإسلامية في أي شعب من شعوبها لن يكون إلا بالجمع بين التجديد الديني
والدنيوي ، هذا ما صرَّح به الحكيمان وجريا عليه بالعمل ، وصرَّح لي به سعد باشا
زغلول وقد نقلته عنه في المنار ، بل هذا ما يعتقده أهل الرأي الناضج من غير
المسلمين ، وقد صرَّح به الكثيرون منهم قولاً وكتابة ، كما يراه القارئ فيما كتبه
بعضهم في تأبينهم الأستاذ الإمام وترجمتهم له من الجزء الثالث ، وذكرت كلمات
منها في الشهادات المعدودة لأشهرهم قبل خاتمة هذا الجزء .
فالجهاد الذي يخوض غمراته دعاة الاستقلال السياسي والإصلاح المدني لا يتم
لهم النصر فيه ، ولا يتسق أمره وتثبت بوانيه ، إلا بالتعاون والتظاهر مع دعاة
الإصلاح الديني ، وقد كثر جنده المستقلون في فهم الإسلام في الأزهر وغيره من
القطر المصري ، وفي سائر الأقطار الإسلامية ، وهم منذ سنين يفكرون في تكوين
وحدتهم وتنظيم حزبهم ، فإذا وجدوا من زعماء الأحزاب المدنية رغبة في الاتحاد
بهم والتعاون معهم ، ظهر لهؤلاء من قوتهم في الرأي ، وتأثيرهم في الشعب
بألسنتهم الخاطبة وأقلامهم الكاتبة ، ما لم يكونوا يحتسبون .
وأختصر في هذا الموضوع هنا لأنني قد وفَّيته حقه في خاتمة الكتاب بما ليس
وراءه مزيد ، إلا إذا ظهر الاستعداد له وانتقل إلى حيز التنفيذ .
{ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } ( آل عمران : 101 ) .
وكتبه محمد رشيد رضا في سلخ جمادى الأولى سنة 1350 .
* * *
المواد المهمة
التي اعتمدنا عليها في كتابة هذا التاريخ
1- ما كان شرع فيه الأستاذ الإمام من ترجمة نفسه بخطه .
2- مذكرة بتاريخ حياته كتبها لي لأجعلها أصلاً لخلاصة لتاريخه طلبت منه .
3- ما كتبه من تاريخ الثورة العرابية ومذكراته الوجيزة فيها .
4- مجموعة خطية له ، فيها بعض المستندات في عمله مع السيد جمال الدين
في تأسيس جمعية العروة الوثقى السرية ونظامها ، وبعض المكاتبات بينه وبين
أعضائها .
5- مسودات مقالات ومكتوبات وتقارير كان يعطيني إياها لتبييضها ، أو
بسطها ونشرها في الجرائد أو إرسالها لبعض الناس ، ومنها ما هو خاص بالأزهر .
6- مؤلفاته كلها وما اقتبسته من تفسيره ودروسه في الأزهر .
7- جملة من المكتوبات والرسائل والقصائد التي كانت تُرسل إليه وحفظها
عنده .
8- مجموعة فيها حِكم مقتبسة منثورة بخط السيد جمال الدين وخطه ومقالات
له .
9- مقالاته الإصلاحية في جريدة الوقائع المصرية .
10- مجموعة العروة الوثقى برمتها بخطي وخط بعض إخواني .
11- قوانين الأزهر ولوائح التعليم فيه ومحفوظات أخرى في شأنه .
12- كتاب أعمال مجلس إدارة الأزهر .
13- تقرير محمد بك أبو شادي في مسألة فتوى طعام أهل الكتاب .
14- إرشاد الأمة الإسلامية إلى أقوال الأئمة في الفتوى الترانسفالية لجماعة
من أكابر علماء الأزهر .
15- مجموعة مجلدات المنار وما فيها من المقالات والآراء له وعنه وفي
شأنه .
16- عدة أجزاء من مجلة ضياء الخافقين ، فيها مقالات للسيد جمال الدين .
17- مجموعات المجلات والجرائد المصرية التي نشرت ترجمة السيد
وترجمته .
18- كتاب الدفاع عن العرابيين لمحاميهم مستر برودلي .
19- ما كتبه لي أصدقاؤنا من تلاميذه ومريديه عن سيرته في سورية بعد
النفي ، ورحلته إلى السودان وفي مدحه والدفاع عنه .
20- مذكراتي الخاصة ومكتوباته لي ، وما اقتبسته واستفدته من معاشرته 8
سنين .
((يتبع بمقال تالٍ))
________________________

(11/8)


مقدمة كتاب التاريخ

بسم الله الرحمن الرحيم

{ رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ وَاجْعَل لِّي لِسَانَ صِدْقٍ فِي
الآخِرِين } ( الشعراء : 83 ) ، { أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً
وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } ( يوسف : 101 ) .
فلك الحمد أن جعلت سِير الأولين عبرة للآخرين ، ومننت على عبادك بمن
بعثته في الأميين ، يتلو عليهم آياتك ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من
قبل لفي ضلال مبين ، محمد خاتم النبيين ، ورحمتك العامة للعالمين ، فَصَلِّ وسلم
اللهم عليه وعلى آله وصحبه ، والمجددين لهديه وإصلاحه من بعده ، حتى ترث
الأرض ومن عليها ، وأنت خير الوارثين .
أما بعد ، فيقول محمد رشيد رضا صاحب المنار : إن مصر لن تنسى ذكر
الحكيمين المجددين ، والإمامين المصلحين ، السيد جمال الدين الأفغاني ، والشيخ
محمد عبده المصري ، فطلاب الإصلاح الديني والإصلاح المدني والإصلاح
السياسي ، لا يفتئون يشيدون باسميهما على أعواد المنابر ، وفي أعمدة المجلات
والجرائد ، ولا يزالون يجعلونهما مضرب الأمثال ، ويتناقلون ما يُؤثر عنهما من
حكم الأقوال ، وجلائل الأعمال ، بل ذكرهما الحميد معروف في سائر الشرق ، غير
مجهول في عالم الغرب ، وإن لقب ( حكيم الشرق ) ولقب ( الأستاذ الإمام ) لاصقان
بهما ، ومُغنِيان عن تسميتهما .
وقد أجمع العارفون والمدونون للتاريخ الحديث على أنهما مصدر هذه النهضة
العصرية في مصر والأفغان وإيران والهند ، وهم يشعرون بالحاجة إلى وضع
تاريخ لهما يدون سيرتهما ، ويفصِّل أعمالهما الإصلاحية ، ويرون أن ما كتب في
الصحف عند وفاة كل منهما ، وما ينشر فيها أحيانًا من التنويه بإصلاحهما نَزْرٌ
يسير من أعمالهما وآرائهما النافعة . وعجب بعض المفكرين أن رأوا بعض الإفرنج
يكتب في تاريخهما ما لم يكتب مثله أولادهما وأحفادهما من دعاة الإصلاح والتجديد .
وينحون بأشد اللائمة على المصريين منهم عامة ، وعلى صاحب المنار
خاصة ! إذ كان أخص مريدي الأستاذ الإمام وناشر علمه وحكمته ، والمدافع عن
إصلاحه في عهده ومن بعده ، وقد وعد بكتابة تاريخ له عقب وفاته ، فنشر سفرًا
جمع فيه أكثر منشآته القلمية ، وجزءًا جمع فيه أهم ما قيل وما كتب في تأبينه
ورثائه ، وسماهما ( الجزء الثاني والثالث من تاريخ الأستاذ الإمام ) وقد مرَّ ربع قرن
ونيف ولم يصدر الجزء الأول الذي هو التاريخ الحقيقي .
أشهد أن لوم اللائمين لمصر على هذا التقصير حق ، وإنني بما يخصني من
التثريب علي لأجله - وهو أكبره - أحق ، ورب لائم مليم ، ورب ملوم معذور ،
وها أنذا ألخص عذري بعد أن اعترفت بتقصيري ، وبرئت من ذنبي بإنجاز وعدي .
توفي الأستاذ الإمام رحمه الله تعالى في إثر معارك من جهاده في الإصلاح ما
صلي نارها معه غيري ، وحملت ما تصديت له من الضرر ، غير متململ ولا
ضَجِر ، وأما ما لذع قلبي من نار فقده فهو الذي لم يكن لي بحمله حول ولا قوة إلا
بالله العلي العظيم ، ثم كنت مهددًا بعده بالنفي من هذه البلاد كما هُددت في آخر
عهده ، وقد وطَّنت نفسي على النفي وعزمت على السفر إلى الهند ، ولم أتحول عن
خطتي قيد شعرة .
أعلنت عزمي على كتابة تاريخ للأستاذ الإمام فلم ألبث أن بُلِّغت عن الأستاذ
الشيخ عبد الكريم سلمان أن أصدقاءه قد قرروا تأليف تاريخه بالتعاون بينهم وهم به
أولى ، فقلت للمُبَلِّغ : إن تأليف تاريخين لهذا الإمام الكبير ليس بكثير ولا كبير
فليكتبوا ما عندهم ولأكتب ما عندي .
ثم أرسل إليَّ عميد حزبه المدني وأقوى أركانه سعد باشا زغلول ، وكان عاد مع
شقيقه أحمد فتحي باشا من أوربة ، فجئته فبلَّغني أنه هو وإخوانه من مريدي الإمام
وأصدقائه يرون أن أتولى كتابة تاريخه ، وأن يساعدوني بما لديهم من المواد
والمعلومات ، ثم يساعدوني على طبعه ونشره بالمال ، بشرط أن أطلعهم على عملي
وأستشيرهم فيه ؛ فإن كثيرًا من سيرته - رحمه الله - كانوا يُعَدَّون متكافلين معه فيه ،
ويُعَدَّون من بعده مسئولين عنه .
فأجبته أنني لست إلا واحدًا منكم ، بل أنا أصغركم ، ولا أستغني عن
مساعدتكم ومشاورتكم ، ولا أحب الخروج عما ترونه من مصلحتكم . وفي إثر ذلك
اجتمع بدعوة منه : الشيخ عبد الكريم سلمان وحسن باشا عاصم ومحمد بك راسم
وقاسم بك أمين والشيخ عبد الرحيم الدمرداش باشا ، وقرروا ندب أحدهم - أحمد فتحي
باشا زغلول - ليكون نائبًا عنهم في التعاون والتشاور معي في العمل ، وبلَّغوا حمودة
بك عبده ذلك ، وأنه يرضيهم أن يعطيني ما عنده من مواد هذا التاريخ ؛ وإنما
اختاروه لذلك لأنه أنشطهم وأقدرهم عليه وأكثرهم مودة وزيارة لي ، وطلاقة في
حرية الكلام معي ، وكان هو المتصل من جماعتهم بسمو الخديو ، ومحيطًا بسياسته
وسياسة الإنكليز في الأمور علمًا ، وهما الجانبان اللذان يحسب لرضاهما وسخطهما
كل حساب .

(11/9)


وكان كل ما قدمه لي من المساعدة نسخ مقالات الأستاذ الإمام الإصلاحية من
جريدة الوقائع المصرية الرسمية ، إذ كان يقتني مجموعتها ، وكان أول ما شاورته
فيه مقالات جريدة العروة الوثقى وكانت كلها منسوخة عندي ، فأما ما كان منها
خاصًّا بالسياسة ومسألة مصر والسودان وتهييج العالم الإسلامي والهند على الدولة
الإنكليزية - فقد وافقته على تركه وعدم نشر شيء منه في منشآته ؛ لأن الحرية في
مصر لا تتسع لنشره ، وقد كانت العروة الوثقى ممنوعة من مصر والسودان والهند
لأجلها ، وقد نشرت أهمها في هذا الجزء ، وأعطاني حمودة بك بعض المواد ومن
أهمها ما كتبه الأستاذ من تاريخ الثورة العرابية .
وأما المقالات الإصلاحية العامة التي بث الحكيمان فيها الدعوة إلى جمع كلمة
المسلمين وإصلاح ذات بينهم ، والتعاون على إحياء مدنيتهم بما تقتضيه وسائل هذا
العصر - فقد اتفقنا على نشر أكثرها ، وترك ما تعده إنكلترة تحريضًا عليها منها ؛
ولكنه أشار أيضًا بحذف جمل من بعض المقالات ما وافقته عليه إلا كارهًا ، وأيقنت
أنني لا يمكنني أن أكتب هذا التاريخ تحت مراقبته والتقيد بمشاورته بالحرية التي
أريدها ، وقد ساعدتني اللجنة بمبلغ من المال أعطيتها في مقابله مئات من النسخ
وزَّعها أعضاؤها بالمجان ، وبِيعَ بعضها بثمن بخس .
فهذا ما حملني على التعجيل بجزء التأبين والرثاء والتعازي ، ثم بجزء
المنشآت ، والتسويف بجزء الترجمة ، ثم التطويل في فصول تربية الأستاذ الإمام
وتعليمه منه بذكر ذلك الاستطراد الطويل في الكلام على حقيقة التصوف وما يوافق
الكتاب والسنة وما يخالفهما منه .
واتفقنا على جعل ترجمة المنار للأستاذ الإمام هي الأصل لجزء الترجمة في
مواده مع بسطها والتوسع فيها ، وقد قرأه هو ورتَّبه وأشار بالحبر الأحمر إلى حذف
بعض المسائل منها لمخالفتها لمقتضى الحال أو سياسة الوقت .
وفي أثناء ذلك استقال لورد كرومر العميد البريطاني وخلفه السر ألدون
غورست صديق سمو الخديو ، وكان ذلك في أوائل سنة 1325 قبل أن تتم على
وفاة الإمام سنتان ، فكبر نفوذ سموه في الحكومة وضاقت بكبره سعة الحرية علينا ،
وأعيد في عهده العمل بقانون المطبوعات ، فاقتنع أحمد فتحي باشا نفسه بأن كتابة
تاريخ الأستاذ الإمام كتابة حرة مفيدة صار متعذرًا ، فاتفقنا على الوقوف عند ما كان
قد تم منه ، وهو إلى 232 صفحة ، وهو المقدار الذي أطلعت عليه الشيخ عبد
الكريم سلمان إذ رأيته شاكًّا في بدئي بطبع الكتاب ، فاعترف بأنه لا يمكن نشره .
وجملة القول : إن طبع هذا الجزء كان يسوء الخديو عباسًا ، وإن لم ينشر فيه
ما كان من مقاومته للإمام في إصلاح الأزهر والمحاكم الشرعية والأوقاف حتى
المساجد ؛ فإن نشر هذا فيه كما يراه القارئ هنا فإنه كان يبذل كل قواه في عقاب
مؤلفه ، وما كان أحمد فتحي باشا ليرضى بذلك ، ولا سعد باشا أيضًا ، ومكانهما في
حكومة جنابه مكانهما .
وما انتهى عهد سموه إلا بسبب الحرب الكبرى التي جعلت الحكومة
الإنجليزية مصر في أثنائها خاضعة لأحكامها العسكرية وأعلنت حمايتها عليها ،
واشتدت مراقبتها العسكرية ومراقبة الحكومة المحلية بأمرها على المطبوعات ،
واستمرت هذه المراقبة الشديدة إلى ما بعد الحرب بزمن طويل .
وإنما سنحت الفرصة الأولى لإصدار الكتاب في العهد الأخير لسعد باشا في
زعامة الأمة ورياسة الحكومة واستقرار نفوذه في البلاد أي في سنة 1345 هـ ، إذ
لم يبق للإنكليز من النفوذ القوي في هذا العهد ما يخشى أن يمكِّنهم من حمل
الحكومة على مصادرته ، على أن ثورة مصر قد انتهت ولم يعد ما في الكتاب من
التحريض السابق يضيق على حريتهم ، بيد أنه قد عاقني عن افتراص هذه السانحة
بالسرعة عدة عوائق ؛ منها أنني كنت انتقلت من الدار التي طبعت فيها القسم الأول
من التاريخ إلى دار أخرى ، وتعذر وضع كل نوع من المطبوعات الكثيرة وحده ،
فلم نقدر على العثور على المطبوع من التاريخ إلا بعد الانتقال إلى دار المنار
الجديدة ووضع كل كتاب من مطبوعاتنا في محل خاص به ، وإنما تم بعد وفاة سعد
رحمه الله تعالى ، وقد وجدنا بعض المطبوع تالفًا وبعضه قد فُقد ، فاضطررنا إلى
إعادة طبع أكثرها .
وشرعت في إتمام الكتاب في أواخر سنة 1348 ، وعرض لي موانع عن
المضي فيه مدة سنة ، وعدت إليه في أواخر سنة 1349 ، وكنت أقدِّره بثمانين
كراسة ( ملزمة ) أو مائة ، ثم كنت كلما شرعت في مقاصد فصل من الفصول
أتذكر من مواده ومسائله ما كنت ذاهلاً عنه حتى بلغ ما يراه القارئ ، وقد صبرت
نفسي وحبستها على كتابة ثلثه الأخير أربعة أشهر من هذا العام ( 1350 ) لا
أشرك به عملاً آخر حتى تم طبعه في هذه الأيام ، وبقي كثير من المواد والمستندات
من تاريخه وتاريخ السيد جمال الدين ضاق عنها هذا الجزء فوعدت بإثباتها في
جزء الذيل الذي أضعه له إن شاء الله .

كيف كُتب هذا التاريخ :
كُتب هذا التاريخ في أثناء سنين كثيرة وفترات بعيدة ، وأوقات يختلف فيها

(11/10)


الفكر والشعور باختلاف الأحوال ، والأناة ، والاستعجال ، ولم تكن مواده مجموعة
مرتبة ؛ وإنما جريت في ترتيب أكثرها على ما كتبته في المنار عقب وفاة الأستاذ
الإمام من ترجمته ، ومنها ما ليس له ذكر في تلك الترجمة ، ومن ثم يجد القارئ فيه
تكرارًا لبعض المسائل عن سهو أو عمد ، وربما تختلف فيه العبارة في المسألة
الواحدة بعض الاختلاف في اللفظ كاختلاف الورق ، ولا سيما المسائل التي اعتمدت
في كتابتها على حفظي ، وأرجو أن لا يكون فيها شيء من التناقض ؛ فإنني بفضل
الله تعالى قوي الذاكرة للمعاني .
ولولا أن طال هذا الجزء حتى صار يثقل حمله ، وعطلت أهم أعمالي لأجل
إتمامه ، مع سوء الحال ، وقلة المال - لوضعت له خلاصة كلية ألخص فيها مقدمات
كل مقصد من مقاصد فصوله ونتيجته ، وأبيِّن مواضع العبرة فيه على نحو ما
ذكرته في أثنائه لبعضها ، كأن أعد ما كان عليه الأزهر قبل تصدي الإمام لإصلاحه
من الصفات والأحوال واحدة واحدة ، وأعد ما كان عليه شيوخه وطلابه من
الصفات والعادات والأعمال صفة صفة وعادة عادة وعملاً عملاً ، ثم أبيِّن ما كان
من تغيير الإصلاح لبعض ما ذكر ، وأعد فوائده واحدة بعد واحدة ، ومثله أن
ألخص آراءه في التربية والتعليم ، فأعد المفاسد التي ذكرها في لوائح إصلاح
التعليم في الدولة العثمانية وفي مصر ، وما ذكره منها في خطبه في احتفالات
مدارس الجمعية الخيرية ، ثم أعد ما ذكره في تلك المواضع وغيرها من قواعد
الإصلاح كلها وهي التي أدعو إليها ، ولكنت أفعل هذا في كل فصل بل كل مقصد ،
وإذًا لكانت الفائدة أتم والنفع أعم ، وإذ تعذر علي كتابة هذا فإنني أوجه همة
الراغبين في مثله أن يتولوه لأنفسهم بأنفسهم ، ومن لا يعنيه ذلك فلا يهتم لقراءته ،
وعسى أن أوفق لهذا في الذيل الذي أرجو أن يكون هو المكمل له .
وقد جريت على سنن علمائنا المتقدمين من رواة الآثار - المحدثين
والمؤرخين - في بيان آراء الأستاذ الإمام وعاداته وشمائله وأخلاقه بالصراحة
والحرية والصدق ، ومنها ما هو منتقد عندي على ما كان بيننا من الاتفاق ، الذي يندر
أن يوجد مثله بين اثنين من الناس ، وأنا أعلم أن منها ما يكون منتقدًا في نظر غيري
وإن كان صوابًا عندي ، ومنها ما ينتقد عليَّ نشره لأن مثله غير معتاد ، أو لأنه من
مبالغاته التي ربما كان يقصد بها التأثير الخاص ، ككلمته في تحريف الفقهاء ، وهذا
نادر .
ومن أنعم النظر في فوائد هذا الاستقصاء رأى أن أهمها تمثيل حقيقة الرجل
من كل ناحية كي يحيط القارئ به خبرًا ، ويحكم عليه حكمًا صحيحًا ؛ فإن الذين
يترجمون الرجال بذكر محاسنهم ومناقبهم ، وإخفاء هناتهم ومثالبهم ؛ إنما هم شعراء
مداحون ، لا مؤرخون حقيقيون .
فإذا رأى القارئ أنني على إعجابي بسعة علومه ورسوخه في معارفه التي
كان بها جديرًا بلقب الأستاذ الإمام ، الذي قبله وأجازه الرأي العام - أُثبت أنه كان
مقصرًا في علوم الحديث من حيث الرواية والحفظ والجرح والتعديل كغيره من
علماء الأزهر ، وإنني على إعجابي بأخلاقه التي كان بها حقيقًا بزعامة الإصلاح
والتجديد للأمة والملة ، صرحت بأنه كان كأستاذه لا يخلو من الحدة ، ومما يقابلها
من الضعف بشدة الرحمة والمبالغة في الورع ، المغريتين لصاحبهما بإيثارهما على
المصلحة العامة ، وإنني على إعجابي بقوة تدينه وحسن تعبده ومحافظته على تهجده ،
صرحت بأنه كان يجمع بين الصلاتين في الحضر أحيانًا ترخصًا اجتهاديًّا خالف
فيه المذاهب الأربعة ؛ ولكنه وافق حديثًا صحيحًا أخذ به غيرهم من الأئمة .
إذا رأى القارئ هذا وذاك أيقن أنني لم أكن محابيًا له في هذا التاريخ ، ولا
سالكًا فيه مسلك الشعراء ، ولا أنصار المذاهب وزعماء السياسة الذين يصورون
أئمتهم وزعماءهم صورًا مكبرة مزينة مجملة بما يظهر محاسنهم ويخفي مساويهم ،
أو يبدل سيئاتهم حسنات ، وعلم أن كل ما انتقد على الأستاذ يصح أن يقال فيه :
( حسنات الأبرار سيئات المقربين ) وإنني - وأيم الحق - لم أطلع له على عمل ينافي
العفة والنزاهة ولا الورع والشرف ، ولا هفوة تدل على كامن من حقد أو حسد ،
فهو أكمل من عرفت من البشر ، ومن اطلع على دخائل كثير من المشهورين بالعلم
والتقوى ، أو الحكمة والفلسفة ، أو تاريخهم الصحيح - رأى كثيرًا من العُجَر والبُجَر ،
فما قولكم في زعماء السياسة وعشاق الرياسة ؟
ولقد كنت داعية لزعامته وإمامته ؛ وإنما كانت دعاية صدق ودين ، وجهاد
وجلاد ، لزعامة تجديد وإصلاح ، لا زعامة رياسة وجاه ، ومناصب ومال ، وهل
يتوسل العاقل المتدين إلى الحق بالباطل ، وإلى الإصلاح بالكذب الذي مطية كل
إفساد ، فيتعجل لنفسه الإجرام نقدًا ، لأجل ما يرجو لغيره من الإصلاح نسيئًا ؟ وقد
سُئل الأستاذ الإمام : أترجو أن تجني ثمر إصلاحك في حياتك ؟ قال : ( أستبعد هذا
ولا أظنه ، وحسبي أن يتم فيجنيه مَن بعدي ) .
وجملة القول : إن هذا الرجل أكمل من عرفت من البشر دينًا وأدبًا ونفسًا

(11/11)


وعقلاً وخلقًا وعلمًا وعملاً وصدقًا وإخلاصًا ، وإن من مناقبه ما ليس له فيه ند ولا
ضريب ، وإنه لهو السري الأحوذي العبقري الحقيق بلقب ( المثل الأعلى ) من
ورثة الأنبياء في هذا العصر وإن لم أطلقه عليه لأنه على إطلاقه خاص بالله في
نص كتابه ، وقد ابتذله الناس في الخطب والجرائد حتى خرج عن معناه .

صنوف قراء هذا التاريخ :
ألا وإن قراء هذا التاريخ صنوف : فمنهم طلاب الإصلاح والتجديد النافع
للأمة ، مع المحافظة على مقوماتها ، ومشخصاتها التي تمت بها حقيقتها وامتازت من
غيرها ، وهؤلاء يشكرون لي عملي ويرون أنني أحسنت فيه وأصبت ، ويعفون عما
عساني أخطأت فيه أو قصَّرت ، ويساعدونني على نشر الكتاب ؛ لأنه خير عون على
إثارة الهمم ، وتقوية الأمل ، والتنشيط على العمل ، بل هؤلاء منا ، من عرفنا منهم
ومن لم يعرفنا .
ويليهم المستعدون للإصلاح بسلامة فطرتهم وحسن نيتهم ؛ ولكنهم غافلون
عنه لفقد الباعث والمنبه ، وسيجدون في هذا التاريخ أقوى دعاية ، وأوضح هداية ،
فلا يلبث قارئه أن يكون منا وينصرنا بقدر ما أوتي من همة واستطاعة .
ومنهم دعاة النهضة المدنية الوطنية اللادينية ، وسيجد المخلصون منهم أن
أمامنا إمام لهم في جانب من جانبي إصلاحه ، وأن الجانب الآخر ينفعهم ولا
يضرهم ، فإن الجامدين في التقاليد الدينية والخرافيين فيها هم أعداء التجديد المدني ،
فإذا صلحوا التقوا معهم في تعزيز النهضة الوطنية وتعاونوا معهم عليها ، ما لم
يكونوا دعاة للإلحاد لذاته ، وقد كان المعاصرون منهم للحكيم الأفغاني والإمام
المصري يدينون لزعامتهما ، وإن لم يكونوا من مريديهما والمقتبسين منهما مباشرة ،
بل كان المخلص منهم لقومه ووطنه يعترف بفائدة إصلاحهما الديني وضرورته
لإكمال النهضة المدنية ، والرابطة الوطنية ، كما ترى في تأبين أحرار النصارى
وملاحدة المسلمين للأستاذ الإمام .
وأما الجامدون المصرون على التقاليد والخرافات ، المطبوع على قلوبهم بما
مردوا عليه من الخطيئات ، فقد يوجد فيهم من يلتمس لنا العثرات ، ويبدل حسناتنا
سيئات ، ويكبر الصغير من الهفوات . ولا خوف على أنصارنا منهم فالحق يدمغ
الباطل والنور يطرد الظلمات ؛ وإنما ضررهم محصور في مقلدتهم من العوام
الجاهلين الخرافيين ، يصدونهم عن قراءة كتبنا ، وما قرأها أحد وفهمها إلا واتبعنا .
ومن دون هذه الصنوف والطبقات صنف الملاحدة والزنادقة ، ودعاة الإباحة
المطلقة ، وصنف أجراء الأجانب وأعوانهم ، وصنف المتملقين للظلمة المفسدين ،
وهؤلاء تحوت أدنياء لا يرجعون عن غيهم إلا إذا صار للإصلاح دولة قوية غنية
تستصلح هؤلاء بالرزق ، وتكبح شر أولئك بالقوة ، وأما نحن فإذا خاطبونا قلنا
سلامًا . وإذا مررنا بلغوهم مررنا كرامًا ، ونسأله تعالى أن يجعلنا معهم ممن قال
فيهم : { وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ
أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُم مَّرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ
يُنفِقُونَ وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ لاَ
نَبْتَغِي الجَاهِلِينَ إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ
بِالْمُهْتَدِينَ } (القصص : 53 - 56 ).
________________________

(11/12)


فتاوى المنار

أسئلة من عالم راخو فتسا برزرين
في يوغوسلافية - أوربة
( تأخرت سهوًا وقد سبق لنا بيان أكثرها )
( س1 - 10 ) من الفقير العاجز يحيى سلامي ألاييكي إلى السيد الجليل
ملجأ الباحثين ، وملاذ الناقدين ، مفتي الأنام ، شيخ مشايخ الإسلام ، الشيخ محمد
رشيد رضا صاحب مجلة المنار الأغر الأعلى الإسلامي بمصر .
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد فقد أتيح لي أن أسأل حضرتكم عن
حقيقة المسائل الآتي ذكرها ، وأسترشد بدلالتكم وإرشادكم إلى صحيح الجواب الذي
هو هدي القرآن والسنة النبوية .
1- ما معنى قول الله عز وجل في حق إدريس عليه السلام : { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً
عَلِياًّ } ( مريم : 57 ) الآية ؟ هل إدريس في قيد الحياة أم لا ؟
2- أكان معراج نبينا صلى الله عليه وسلم إلى السموات وإلى ما شاء الله
جسمانيًّا أم لا ؟ وما معنى { وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَتِي أَرَيْنَاكَ } ( الإسراء : 60 ) ؟
3- هل كان الطوفان على قوم نوح عليه السلام فقط أو لجميع العالم ؟ وما
معنى قوله تعالى : { وَاسْتَوَتْ عَلَى الجُودِيِّ } ( هود : 44 ) ؟
4- ما هي حقيقة طير الأبابيل الواردة في سورة الفيل ؟
5- هل جملة ( من زار قبري وجبت له شفاعتي ) حديث صحيح أم لا ؟
6- ( القناعة كنز لا يفنى ) هل هي من الأحاديث الصحيحة الواردة ، وما
معنى القناعة ، أيمكن أن يكون مفهومها الاقتصاد بتعبير هذا العصر ؟
7- أتأكل الأرض أجساد الأنبياء والأولياء وحفاظ القرآن الكريم ، أم لا كما
هو مشهور عند العامة بعدم أكلها ، وقد روى الفقيه أبو الليث السمرقندي في كتابه
( تنبيه الغافلين ) في باب فضل الجمعة حديثًا مسندًا بهذا الشأن ؟
8- كيف كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي الجمعة ، والخلفاء الراشدون
بعده ، والأصحاب والتابعون رضوان الله عليهم ؟
9- رجل رضع ثدي امرأته ما حكمه في الشرع هل تحل له أم لا ؟
10- ( الجعة ) ما حكمها في الشريعة السمحة ؟
راخو فتسا
( يوغوسلافيا )
أجوبة المنار
( 1 ) رفع إدريس عليه السلام :
قال الحافظ البغوي في تفسير : { وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِياًّ } ( مريم : 57 ) قيل :
هي الجنة ، وقيل : هي الرفعة بعلو الرتبة في الدنيا ، وقيل : إنه رُفع إلى السماء
الرابعة ، وروى أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة عن النبي صلى الله عليه
وسلم أنه رأى إدريس في السماء الرابعة ليلة المعراج اهـ . وذكر بعد هذا عن
كعب الأحبار قصة إسرائيلية في رفعه وسببه ، وهي من قصصه الخرافية ، وممن
رواها عنه ابن عباس رضي الله عنهما ، فلا يعتد بها . قال العماد ابن كثير بعد
إيرادها في تفسيره : ( هذا من أخبار كعب الأحبار الإسرائيليات ، وفي بعضه نكارة ،
والله أعلم ، وعزاه إليه الحافظ ابن حجر في الفتح أيضًا .
والقول الأول ، وهو تفسير المكان العلي بالجنة ، مروي عن الحسن البصري ،
وهو لا يعارض بحديث المعراج فإن الأنبياء الذين رآهم النبي صلى الله عليه وسلم
في ليلة المعراج قد ماتوا في أزمنتهم ودفنوا ، إلا ما ورد في عيسى عليهم السلام ،
وقد ورد أيضًا أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى موسى في تلك الليلة في قبره
بالكثيب الأحمر من فلسطين ، فهذه أمور روحانية غيبية لا نعلم كنهها ، وقد قال الله
تعالى في الرسل عليهم السلام : { وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ } ( البقرة : 253 )
والظاهر أن إدريس مات في الدنيا كغيره ، قال الحافظ ابن حجر في الفتح : وكون
إدريس رفع وهو حي لم يثبت من طريق مرفوعة قوية .

( 2 ) المعراج جسماني أم روحاني :
الخلاف في هذه المسألة مشهور يذكرونه في القصة التي يقرءونها في الاحتفال
الذي يجتمع له الناس في ليلة 27 رجب من كل عام ، والروايات فيه متعارضة
متناقضة ، والجمهور على أنه بالروح والجسد ؛ لأن الإنسان روح في جسد ، وفي
اليقظة لأن جمهور المحدثين حكموا بغلط رواية شريك في كتاب التوحيد من صحيح
البخاري في كونه رؤيا منامية ، وهي في أمر من أمور عالم الغيب فلا تقاس على
عالم الشهادة ، والمعقول في فهمها أن تكون الروحانية هي الغالبة على الجسمانية
فيها ، فيكون الرسول صلى الله عليه وسلم فيها كالملَك حين يتمثل في صورة جسدية
كما تمثل جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم مرارًا ، وكما تمثل للسيدة مريم عليها
السلام ، وكما تمثل غيره من الملائكة لإبراهيم صلى الله عليه وسلم ، وبهذا التقريب
يزول كل إشكال في فهمها ؛ فإن الروح إذا غلب سلطانها على الجسد تلطفه فيخف
ويكون كالأثير الذي يفرضه علماء الكون في نفوذه من الكثائف ، وتقطع به المسافات
الشاسعة بسرعة النور أو أسرع من الأثير ، نقول هذا على طريقة التقريب للفهم ،
وعالم الغيب لا تُعرف أسراره وتتجلى أنواره ، إلا لمن زُجّ فيه .
وأما قوله تعالى : { وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَّ فِتْنَةً لِّلنَّاسِ } ( الإسراء :
60 ) فمعناه : وما جعلنا الرؤيا المنامية التي أريناكها في المنام إلا بلاءً واختبارًا

(11/13)


للناس في دينهم ، ظهر بها تمرد المشركين الكافرين ، وزلزال الضعفاء ويقين
المؤمنين ، وليس في القرآن بيان لهذه الرؤيا أوضح من قوله تعالى من سورة الفتح :
{ لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ المَسْجِدَ الحَرَامَ إِن شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ }
( الفتح : 27 ) الآية ، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى في منامه أنه دخل -
ومعه أصحابه - المسجد آمنين فطافوا بالبيت وحلقوا وقصروا ، وكانت هذه
الرؤيا سبب عمرة الحديبية المشهورة فصدَّهم المشركون عن دخول مكة وعقدوا
معهم ذلك الصلح الذي ساء جمهور المسلمين ، وكادوا يعصون الرسول صلى الله
عليه وسلم إذ أمرهم بالتحلل من عمرتهم بالحلق أو التقصير ، لولا أن ثبتهم الله
تعالى وأنزل عليهم السكينة ، وهذا التفسير للرؤيا رواه ابن مردويه عن ابن عباس
رضي الله عنه .
ولكن هذه الواقعة كانت سنة ست من الهجرة ، والآية في سورة الإسراء وهي
مكية ، فقيل : إن الله تعالى أراه ذلك وأخبره به في مكة ثم كان تأويله بعد الهجرة ،
وكثيرًا ما يقولون في مثل هذا : إن الآية مدنية ووضعت في هذه السورة لمناسبتها
لها ، وهو على الوجهين خلاف الظاهر .
وفسرها بعضهم بالرؤيا التي ذُكرت في سورة الأنفال : { إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي
مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ وَلَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَلَكِنَّ اللَّهَ سَلَّمَ } ( الأنفال :
43 ) وما ورد في سياقها في الحديث من أن الله أرى نبيه صلى الله عليه وسلم
مصارع رؤسائهم في الكفر ، وهذه كانت بعد الهجرة أيضًا ولكن ورد أنه صلى الله
عليه وسلم ذكرها في مكة قبل الهجرة فهزئ به كفار قريش ، وفي الصحيح أن سعد
ابن معاذ أتى مكة عقب الهجرة وقبل وقعة بدر فنزل على صديقه في الجاهلية أمية
ابن خلف وكان مما أخبره به قوله : لقد سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
إنهم قاتلوك - يعني المسلمين - قال : بمكة ؟ قال : لا أدري ، ففزع أمية لذلك
فزعًا شديدًا ، وفي رواية أنه قال له : إنه قاتلك - يعني النبي صلى الله عليه وسلم -
وإن أمية قال : فوالله ما يكذب محمد . ولما دعاهم أبو سفيان للخروج إلى بدر
امتنع أمية من الخروج خوفًا من القتل لاعتقاده أن النبي صلى الله عليه وسلم وسلم
لا يكذب وإن أخبر عن المستقبل ، فما زال به أبو جهل حتى خرج وقُتل .
وفسَّرها الجمهور بما جاء في حديث الإسراء من افتتان بعض الناس به
بارتداد بعض ضعفاء الإيمان وخوض المشركين في إخباره صلى الله عليه وسلم بما
هو غير معقول خلافًا لعادته ، واحتج به من قالوا : إن ذلك كان رؤيا منام . ورواه
ابن إسحاق عن معاوية بن أبي سفيان ، وهو صريح رواية شريك في البخاري ،
والجمهور على خلافه ، وقد حكموا بغلط شريك لشذوذه عما رواه الكثيرون كما تقدم ،
وقالوا : إن لفظ الرؤيا قد يُطلق على ما يُرى في اليقظة ليلاً ، وقيل : مطلقًا ، ولا
يعرف له نقل ، إلا ما روى البخاري عن عكرمة عن ابن عباس في تفسيرها : أنها
رؤيا عين أريها رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة أسري به ، واللفظ صريح في
أن المراد بها شيء أراه الله تعالى إياه في تلك الليلة لا نفس الإسراء ، ولهذا قال
الحافظ في شرحها : إنه لم يصرح بالمرئي ، وذكر عن سعيد بن منصور عن
طريق أبي مالك : هو ما أُري في طريقه إلى بيت المقدس ، أي ومنه أنه رأى عيرًا
لهم قد ضلت وجمعها فلان ، فالإشكال في هذه الرواية محصور في إضافة الرؤيا
إلى العين ، وهو خلاف استعمال القرآن والأحاديث الكثيرة وما نقل رواة اللغة ،
والآية صريحة في أن هذه الرؤيا كانت فتنة للناس لا بعض ما شاهده صلى الله
عليه وسلم في ليلتها ، وهذا المكان لا يتسع لتحرير هذا البحث .
وفسَّرها بعضهم بما روي من رؤيته صلى الله عليه وسلم كأن بني أمية
يتعاورون على منبره ، وقد كان ملك بني أمية مثار أكبر الفتن في الإسلام ، وقد
عرفت رأي الجمهور .
( 3 ) طوفان نوح :
ظاهر القرآن أنه كان على قوم نوح فقط لأنه عقاب لهم ، وهل كان يوجد
على الأرض غيرهم من البشر حتى يكون لهذا السؤال وجه من النظر ؟ قد يقال :
إنه لم يكن يوجد غيرهم بدليل قوله تعالى : { وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ
مِنَ الكَافِرِينَ دَيَّارًا } ( نوح : 26 ) وهذه الدلالة غير قطعية ، فإن كل قوم يطلقون
لفظ الأرض على أرض وطنهم كقوله تعالى : { وَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأَرْضِ
لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا } ( الإسراء : 76 ) فالمراد بالأرض هنا أرض مكة ، ولهذا
أمثال .
والتحقيق في المسألة أنه ليس في القرآن نص قطعي على أن الطوفان عمَّ
الأرض كلها ؛ ولكنه هو الذي جرى عليه المفسرون وغيرهم بناء على أنه ظاهر
الآيات في القصة كان عليه جميع أهل الكتاب ، ولا يوجد دليل قطعي ينقض هذا
الظاهر الظني فنحتاج إلى تأويله ، وما يقوله علماء الجيولوجية قد يرد على

(11/14)


نصوص التوراة التي تحدد تاريخ نوح والطوفان بحد قريب ، إذ يجزمون بأن
الأرض كانت فيه على ما هي عليه اليوم بالتقريب ، والقرآن لم يحدد تاريخ التكوين
والبشر ببضعة آلاف من السنين كسفر التكوين ، بل قال الله تعالى فيه : { مَّا
أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ } ( الكهف : 51 ) فعلى هذا
يحتمل أن يكون الطوفان قد وقع منذ مئات الألوف أو ألوف الألوف من السنين ، إذ
كانت اليابسة التي نتأت في الكرة المائية صغيرة ، والجبال فيها قليلة غير شامخة ،
فطبيعتها كانت قابلة لمثل هذا الطوفان ، وجاء في المواقف عن الإمام الرازي أن
هذه الأرض كانت مغمورة بالمياه بدليل ما يُرى في رؤوس الجبال من الأصداف
البحرية ، وكذا الأسماك المتحجرة ، وهذا متفق عليه عند علماء الكون في هذا
العصر . والجودي المكان أو الجبل الذي استوت عليه السفينة ، وليس في الكتاب
ولا في الأحاديث المرفوعة تعيين مكانه ؛ لأن العبرة لا تتوقف عليه .
وللأستاذ الإمام فتوى في أن عموم الطوفان هو ظاهر النصوص لا مدلولها
القطعي ، وإننا لا نعدل عن القول بالظاهر إلا إذا قام دليل قطعي على خلافه ، ولما
يقم هذا الدليل عندنا وهذه الفتوى منشورة في المنار في تاريخ الأستاذ الإمام .

( 4 ) حقيقة الطير الأبابيل :
ليس عندنا دليل نقلي عن الله ولا عن رسوله صلى الله عليه وسلم نعرف به
حقيقة تلك الطير ؛ ولكن جاء في الأخبار التاريخية التي كانت العرب تتناقلها أن
أصحاب الفيل الذين جاءوا لهدم بيت الله تعالى في مكة أصابهم وباء الجدري
والحصبة فأهلكهم .
فالظاهر أن تلك الطير الأبابيل أي الجماعات هي التي حملت إليهم جراثيم
هذا المرض بصفة وبائية ، إذ رمتهم بحجارة من سجيل وهو الطين المتحجر ، وقد
روي أنها جاءت من البحر ، فيظهر أنها كانت ملوثة بسم المرض من مستنقع في
شاطئه فأصاب أبدانهم من جروح أحدثتها بها أو كانت فيهم ، واختلطت بطعامهم
وشرابهم ، وجوَّز شيخنا في تفسير السورة أن تكون تلك الطير من الأحياء الصغيرة
التي تسمى في عرف أطباء هذا العصر بالميكروبات ، فراجعوا عبارته في تفسير
جزء عم .
( 5 ) حديث ( من زار قبري وجبت له شفاعتي ) :
رواه ابن عدي في الكامل ، و البيهقي في الشعب عن ابن عمر ، وكذا ابن
خزيمة وفي سنده عبد الله بن عمر العمري ، قال أبو حاتم : مجهول ، وموسى بن
هلال البصري ، قال العقيلي : لا يصح حديثه ، ولهذا قال ابن القطان : فيه
ضعيفان ، وقال النووي : ضعيف جدًّا .
( 6 ) ( القناعة كنز لا يفنى ) :
يُروى بلفظ ( القناعة مال لا ينفد وكنز لا يفنى ) رواه الطبراني في معجمه
الأوسط ، وقال الحافظ الذهبي : سنده ضعيف ، وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله
ابن عمرو : ( قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا وقنعه الله بما أعطاه ) وفي معناه عند
الترمذي والنسائي في الكبير من حديث فضالة بن عبيد ( طوبى لمن هدي إلى
الإسلام وكان عيشه كفافًا وقنع به ) صححه الترمذي . والقناعة ضد الطمع فهي
عبارة عن رضاء الإنسان بما يصيبه من الرزق قلَّ أو كثر ، وعدم طمعه فيما ليس
له واستشرافه لما في أيدي الناس ، هذا هو التحقيق ، واقتصر بعض العلماء في
تفسيره على الاجتزاء باليسير من أعراض الدنيا ؛ لأن من رضي بالقليل كان
بالكثير أرضى ، وقد يكون الاقتصاد في المعيشة سببًا للقناعة ، بل قال أبو حامد
الغزالي في الإحياء : الاقتصاد في المعيشة هو الأصل في القناعة ، ونعني به الرفق
في الإنفاق ، وترك الخرق فيه اهـ .
( 7 ) أجساد الأنبياء والصالحين بعد موتهم :
إن سنة الله تعالى في أجساد البشر واحدة في حياتهم وموتهم ؛ وإنما يمتاز
الأنبياء على غيرهم بما هو خاص بمعنى النبوة وما يتعلق بها لقوله تعالى لرسوله :
{ قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ } ( الكهف : 110 ) الآية ، وقوله له تلقينًا
لجواب طلاب الآية منه : { قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إِلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً } ( الإسراء :
93 ) ومن ثم يذكر العلماء في كتب العقائد أنه يجوز على الأنبياء طروء
الأعراض البشرية عليهم من المرض والتعب والجوع والعطش والنوم والموت
والقتل ؛ لأن ذلك لا يخل بوظيفة الوحي ولا بالتبليغ له ، ومثلها الجسد ، ولكن ورد
في غير الصحاح أحاديث آحادية في أن أجساد الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لا
تأكلها الأرض ، أمثلها حديث أوس بن أوس في فضل يوم الجمعة الذي فيه أن
الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم تُعرض عليه ، قال أوس : قالوا : يا رسول الله ،
كيف تُعرض صلاتنا عليك وقد أرمت ؟ - يعني بليت - قال : ( إن الله عز وجل
حرَّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء ) رواه أحمد في مسنده و أبو داود
والنسائي والبيهقي في الشعب ، وفي رسالته ( حياة الأنبياء ) وغيرهم ، وقد صححه
بعضهم وحسنه آخرون منهم المنذري ، لكن قال الحافظ السخاوي بعد أن أورد

(11/15)


تصحيحهم وتحسينهم ما نصه : قلت : ولهذا الحديث علة خفية ، وهي أن حسينًا
الجعفي راويه أخطأ في اسم جد شيخه عبد الرحمن بن بديد حيث سماه جابرًا وإنما
هو تميم ، كما جزم به أبو حاتم وغيره ، وعلى هذا فابن تميم منكر الحديث ، ولهذا
قال أبو حاتم : إن الحديث منكر وقال ابن العربي : إنه لم يثبت ؛ لكن رد هذه العلة
الدارقطني وقال : إن سماع حسين من جابر ثابت ، وإلى هذا جنح الخطيب ، والعلم
عند الله تعالى .
وهنالك أحاديث أخرى ثلاثة منها بمعنى هذا الحديث ولكنها دونه في السند ،
ومنها ما هو في تبليغ الملائكة إياه صلى الله عليه وسلم من يصلي عليه ، وقد
تكلمنا عليها في أواخر المجلد الثامن من المنار صفحة ( 903 - 909 ) وقد قلت
فيها : إنها في مجموعها تدل على أن الأنبياء أحياء في البرزخ ؛ ولكن هذه الحياة
غيبية لا نعرف حقيقتها ، وليست هي كالحياة في هذه الدنيا ، كما حققه ابن القيم في
كتاب الروح ، وغيره من المحققين ... إلخ .
وجملة القول : إن هذه المسألة ينظر فيها من وجهين :
( أحدهما ) : أنها من مسائل الإيمان بعالم الغيب فهي اعتقادية ، وما يجب
اعتقاده والإيمان به لا يثبت إلا بالنصوص القطعية الرواية والدلالة ، وليس فيها
نص ظني راجح فضلاً عن القاطع .
( وثانيهما ) : أنها من مسائل المناقب والفضائل التي يقبلون فيها الروايات
الظنية ولا يأبون إثباتها بما دونها من الضعاف ، وبهذا النظر قبل بعض العلماء ما
روي فيها وإن كان معلولاً ، وحينئذ يقال في كون معناها مخالفًا لسنن الله تعالى في
الأجساد : إنها تنظم في سلك خوارق العادات ، وإذ كانت ليست بعقيدة واجبة ولا
يترتب عليها عمل فلا حرج على من صدَّقها ولا على من أنكرها ؛ ولكن بعض
العلماء أدخلوا فيها القياس وهي مما لا يُقاس عليه ولو ثبت ، فقالوا : إن جميع
الأولياء والشهداء كالأنبياء في هذه المنقبة ، وزاد آخرون : العلماء والمؤذنين
والمحتسبين ، ويتساهل في كتابة هذا المؤلفون المقلدون السطحيون والخرافيون
كأبي الليث السمرقندي ، وينقلون فيها حكايات سبقهم إلى مثلها النصارى في
شهدائهم وقديسيهم . وإن التسليم بهذه الخرافات وعدم إنكار العلماء لها قد كان فتنة
للعقلاء المستقلين ، منفرًا لهم عن الدين ، وقد نبش بعض رجال الحكومة التركية
اللادينية الحاضرة بعض قبور الأولياء المعتقدين عند العامة أمام الجماهير منهم
فأروهم بأعينهم أنه ليس فيها إلا عظام نخرة ، واستدلوا بهذا على أن الدين كله
خرافات باطلة ، فما يتساهل فيه الخرافيون لتقوية إيمان العوام ، قد يفضي إلى هدم
إيمان الخواص والعوام .
( 8 ) صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم الجمعة :
كان الصحابة يسعون إلى المسجد يوم الجمعة متنافسين في التبكير ما
استطاعوا ، فيصلي كلٌّ ما تيسر له ، فإذا جاء وقت الصلاة خرج رسول الله صلى
الله عليه وسلم من بيته إلى المسجد وابتدر المنبر ، وحينئذ يؤذن المؤذن بين يديه ،
فإذا فرغ من أذانه قام صلى الله عليه وسلم وخطب الناس خطبتين يفصل بينهما
بجلسة خفيفة ، ثم ينزل فيصلي بالناس الجمعة ، فإذا فرغ انصرف إلى بيته فصلى
فيه ركعتين ، وخرج المسلمون كذلك فانتشروا في الأرض يبتغون من فضل الله كما
أمر الله تعالى ، وقد بيَّنا الروايات في هذا مرارًا ، وهكذا كان الخلفاء يصلونها ، إلا
أن عثمان رضي الله عنه زاد أذانًا خارج المسجد لإعلام الناس بالوقت ؛ لأنهم
كثروا وكثرت شواغلهم .
( 9 ) حكم من رضع ثدي امرأته :
رضاع الرجل الكبير لا تثبت به البنوة ؛ فإن جماهير السلف والخلف على أن
الرضاعة المُحرِّمة ما كانت في الصغر ، إذ يكون مدار نمو البدن على الرضاع
الذي أشير إليه في الأحاديث بأنه ما كان من المجاعة ، وقبل الفطام والفصال ، وما
فتق الأمعاء في الثدي ، أي في أيام الثدي ، وهي سنتان عند الجمهور ، وسنتان
ونصف عند أبي حنيفة وهنالك أقوال أخرى متقاربة ، ولا معارض لذلك إلا حديث
عائشة في مسألة سالم مولى أبي حذيفة ، فإنه كان يدخل على امرأته وهو صغير ،
وكان عبدًا له فأعتقه ، فلما بلغ الحُلم صار يشق على أبي حذيفة دخوله على أهله
فذكرت زوجه سهلة بنت سهيل ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال لها :
( أرضعيه تحرمي عليه ) ففعلت ، فزال ما في نفس أبي حذيفة ، وقد تأول الجمهور
من السلف والخلف هذا الحديث بأنه فتوى خاصة في حال ضرورة ، إذ كان أبو
حذيفة وأهله في حاجة شديدة إلى خدمة هذا الغلام الذي رباه هو وامرأته صغيرًا ،
وقال بعض فقهاء الحديث : إنه يقصر على مثل هذه الحال من الضرورة ، وما كان
كذلك في مراعاة المصلحة لا يدخل فيه هدم أكبر المصالح الزوجية وهو تحريم
المرأة على زوجها إذا مص ثديها عن شهوة ومداعبة ، فيحكم عليه بأنه صار ولدًا
لها كأولاده منها ، على أنه ينبغي اتقاء ذلك احتياطًا .
( 10 ) شرب الجعة المسماة بالبيرا :
المشهور عن الجعة أنه يسكر الكثير منها دون القليل في الغالب ، فهي محرَّمة
لما حققناه في التفسير وغيره أن ما أسكر كثيره فقليله حرام .
________________________

(11/16)


إلحاد في القرآن و دين جديد بين الباطنية و الإسلام

المقالة الرابعة
السنن الكونية الاجتماعية ونظام الكون
لقد أكثر هذا الملحد من ذكر السنن الإلهية ونظام الكون في هوامشه ومقدمتها ،
وجعلها هي المستند له في جحود آيات الله تعالى التي أيَّد بها رسله ، وتحريف
الآيات الواردة فيها وفي أخبار عالم الغيب كما تقدم ، وقد وعدنا بإظهار جهله في
هذه المسألة فنقول :
إننا بفضل الله قد انفردنا دون سائر المفسرين بالكلام على هذه السنن والنظام
الإلهي في تفسيرنا ومجلتنا ، وهو قد سمع ذلك منا ولكنه لم يفهمه ، بل لبسه
كالفرو مقلوبًا ، ونكس على رأسه فاتخذه منكوسًا ، نحن قد أوردناه لتقوية الإيمان ،
والحجة على إعجاز القرآن ، فجعله هو شبهة على الإيمان بالغيب وجحود آيات
الأنبياء عليهم السلام ، وما أوردناه من تأويل لبعض ما يحتمل التأويل على طريقة
المتكلمين ، قصدنا به تقريبه من عقول الجامدين على المألوف من النظريات
العقلية أو العلمية ، لئلا يَرُدُّوا النصوص بها فيرتَدُّوا ، وقد صرحنا مرارًا بأن الذي
ندين الله به من أخبار عالم الغيب ، وما في معناها من آيات الله تعالى في الخلق ،
هو الإيمان بما صح منها بلا تعطيل ولا تمثيل ولا تأويل ، وقد جعلها هذا الملحد
قانونًا لتحريف ما لا يحتمل التأويل ، كما قال الله : { فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأَوِيلِهِ } ( آل عمران : 7 ) الآية ،
فوجب أن نأتي بخلاصة في المسألة مما نشرناه في مواضع متفرقة في المنار
وتفسيره ، ونقفي عليها بتفنيد ضلالته فيها ، فنقول :
قد أخبر الله تعالى في مواضع من كتابه بأن له سُنُنًا في عباده والأقوام الذين
بعث فيهم رسله ، وأن سننه لا تبديل لها ولا تحويل ، وأخبر أيضًا بأنه أحسن كل
شيء خلقه ، وأتقن كل شيء ، وأن كل شيء عنده بمقدار ، وأن خلقه في منتهى
الإحكام والنظام .
فما بيَّنه الله تعالى من أنواع هذه السنن ، كنصره لرسله على الجاحدين
المعاندين لهم ، ومن إهلاكه للظالمين ، ومن تدميره على الفاسقين المفسدين - فهو
كما قال تعالى .
وكذا ما بيَّنه من نظام الخلق ومقاديره ، ككون الشمس والقمر بحسبان ، وما
جعله لهما في السماء من المنازل والبروج ، ومن كونها لا تفاوت فيها من فطور ولا
فروج ، فهو كما قال عز وجل .
وأما ما لم يبيِّنه لنا من ذلك في كتابه بنوعه أو عينه ، فالطريق إلى معرفته هو
ما أرشَدَنا إليه من النظر في ملكوت السموات والأرض ، وما خلق من شيء ،
والتأمل في آياته في الآفاق وفي أنفسنا ، والسير في الأرض لمعرفة آثار من قبلنا
وكذا من في عصرنا بالأولى .
قد أرشدنا كتاب الله عز وجل إلى كل هذا ، وقد أشرنا في مواضع من المنار
وتفسيره إلى ما هو ثابت بالحس من أن أعلم الناس بسنن الله وحكمه ونظمه في
خلقه هم أكثرهم انتفاعًا بهذا العلم ، واهتداء به إلى تسخير هذا الكون .

سنن الله مادية وروحية :
وبيَّنا أيضًا أن هذه السنن وهذا النظام والتقدير والإحكام والتدبير ، عام في كل
ما خلقه تعالى من عالمي الغيب والشهادة ، أو عالمي الأجساد والأرواح ، أو المادة وما
وراء المادة ، على اختلاف الاصطلاح .
وصرَّحنا بأن ما أيَّد به تعالى رسله من المعجزات ، وكذا ما دون ذلك من
خوارق العادات التي تسمى الكرامات ، إذ لم يكن جاريًا على سنن النظام المألوف في
القوى الجسدية والنظم المادية ، فقد يكون جاريًا على السنن الروحية والمقادير
الغيبية ، وقد يكون بمحض القدرة الكاملة ، فهو مزيد كمال في قدرته وحكمتها لا نقضًا
لهما ، ولا نقصًا فيهما .
فإذا لم يكن من سنته تعالى في حياة الجسد إذا فُقدت بالموت أن تعود إلى
الميت ؛ فإن هذه السنة السلبية لا تنافي أن يهب الله تعالى بعض خواص الروحانيين
من خلقه ، كالملائكة أو المسيح الذي خلقه بالنفخ من روحه في أمه أن يمد بهذا
الروح القوي ميتًا كألعازر أو البنت اللذين روت الأناجيل خبر إحيائه إياهما ،
فيسري فيهما من روحه ما يجذب إليهما الروح التي خرجت منهما بقدرة الله تعالى ،
ومثل ذلك حلول الحياة في عصا موسى في الوقت المعلوم الذي أمره الله فيه بإلقائها
عند بعثته ، وعند امتحان السحرة له ، والله على كل شيء قدير .
لا فرق بين ما لا نعلمه من هذه السنن الروحية ، وما نعلمه من السنن
الجسدية في كون كل منهما فعل مبدع الأرواح ، وخالق الأجساد ، ولا يعترض
بإحداهما على الأخرى عند من يؤمن بأن الخالق واحد هو واضع السنن ومقدرها ؛
ولكن هذا الأمر النادر ينكره من لا يؤمن بأن كلاًّ منهما فعل الله القادر على كل
شيء .
ومن الغريب أن أطباء هذا العصر وأعلم علمائه الماديين يرون من الجائز في
العقل الذي يقرب أن يصل إليه العلم ، أن تعود الحياة إلى جسد الإنسان أو الحيوان
بعد موته بمدة غير طويلة كحياة البنت الميتة التي دخل المسيح عليه السلام بيت

(11/18)


أبيها وأمها وسأل عنها فقيل له : إنها نائمة حتى لا ينغصوا عليه ضيافتهم له ،
فناداها قائلاً : لك أقول يا صبية قومي ، فقامت بإذن الله تعالى .
وأغرب من هذا أن منهم من يقول بإمكان إيجاد الحياة في بعض الأجسام
بطريقة علمية صناعية ، ونُقل أخيرًا عن عالم منهم اسمه مورجان أنه قام بتجارب
عملية أثبت بها إمكان استيلاد مخلوقات حية على سبيل الشذوذ Emergeney ،
وملحد دمنهور لا يصدِّق أن المسيح أحيا الناس من موت الجهل والرذيلة ؛ ولكن
هذا النوع من الإحياء ثابت لجميع العلماء الذين يُعلِّمون الصغار - والجاهلين من
الكبار - ما يزيل جهلهم ويحييهم حياة دينية أو أدبية أخلاقية ، فهو لا يمكن أن تكون
آية لعيسى عليه السلام ينوه بها كتاب الله ، ويخبرنا أن الجاحدين لنبوته وصفوها
بالسحر .
وما عهد من المؤمنين بالله ورسله أحد ينكر هذه الآيات بمثل هذه الشبهة ،
وإنما عهد ذلك من الكافرين بالله وبرسله ، أو من الزنادقة الذين يُظهرون الإيمان
ويسرون الكفر لخداع المؤمنين وتشكيكهم في دينهم توسلاً إلى إخراجهم منه كملاحدة
الباطنية .
السنن من الممكنات بين المحو والإثبات :
فإذا كنا نقول بثبوت سنن الله واطرادها لما بيَّنه الله من ذلك ، فالواجب في
ذلك أن نتبع كتاب الله فيما يبينه من خوارق العادات أيضًا ، فلا نكون ممن قال الله
تعالى فيهم : { أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ
مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ العَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ
عَمَّا تَعْمَلُونَ } ( البقرة : 85 ) .
وإذا أردنا أن نثبت هذه السنن واطّرادها من طريق العلم ونبني عليه تأويل ما
يخالفها كله من نصوص الكتاب والسنة على طريقة المتكلمين المعروفة ( وهو ما
يمكن أن يستمسك به ملحد دمنهور ) فيجب علينا قبل كل شيء أن نبين ما تقوم
الأدلة العلمية القطعية على صحته واطراده واستحالة تغيره وتخلفه مطلقًا ، وحينئذ
لا نكاد نجد شيئًا بهذه الصفات إلا قليلاً من الضروريات ( ككون النقيضين لا
يجتمعان ولا يرتفعان ) وليس منها عودة الحياة إلى من مات ولم يطل العهد على
موته ، كالبنت التي أحياها المسيح عليه السلام ، ولا إعادة وظائف التناسل إلى من
فقدها من النساء والرجال ، كما وقع لزكريا وزوجه عليهما السلام .
والقاعدة عند علماء الكون - حتى الماديين منهم - أن كل ما نقول إنه من
سنن الكون ( أو نواميسه ) فإنما هو بحسب ما ظهر لنا ببحثنا وتجاربنا ، وأنه
يجوز أن يظهر لنا ما يخالفه ويثبت لنا خطأنا فيه ، كما حصل مرارًا فيما ظهر
للباحثين من خطأ من كان قبلهم من العلماء والفلاسفة المتقدمين والمتأخرين ، ولا
أرجع في التمثيل لهذا إلى ما نقض علماء الحضارة الأوربية من قواعد علوم اليونان
والعرب وأفلاكهم وفلسفتهم ، ولا إلى ما نقض بعضهم من قواعد بعض في القرون
الأربعة الماضية ، بل أكتفي بأهم ما حدث من ذلك في عصرنا هذا :
عثروا على مادة الراديوم الذي لا يجهل اسمه قارئ للجرائد ، دع متلقي العلوم
في المدارس ، فكان بدء عصر جديد في الكيمياء والطبيعة تقوضت فيه سنن
ونواميس كانت من المسلَّمات ، وثبت خلافها ، كإشعاعه الحرارة والنور إشعاعًا
دائمًا من غير أن ينقص من وزنه شيء ، وكعدم تأثير ما حوله فيه من حرارة
وبرودة ، وكتحول المادة الغازية التي تنبعث منه إلى عنصر الهيليوم ، وبهذا ثبت
شيء كان علماء هذا الفن يجهلونه ؛ إذ كانوا يقولون إن عناصر المادة البسيطة لا
يتحول شيء منها فيستحيل إلى غيره .
وقد كانت سنة الجاذبية من المسلَّمات التي لا نزاع فيها حتى قام الأستاذ
أينشتين الألماني بتقويض دعائمها بنظرية النسبية ، التي فتحت في العلم بابًا جديدًا
من أبواب المحو والإثبات في الطبيعيات وفي الرياضيات أيضًا .
وتلك نظرية داروين في الانتخاب الطبيعي التي تدعمها سنن كثيرة في
الجيولوجية والنبات والحيوان والإنسان قد وقعت في النزع والاحتضار ، كما بيَّنا
في مقالة خاصة في المنار ، أو قُضي عليها بالتبع للقضاء على النظرية الميكانيكية
التي بنيت عليها ، كما نشر في بعض الصحف في هذه الأيام .
أساس الكون ومصدره ومظهره :
وما لي لا آتي إلى أساس هذا الكون والسنن التي قام بها تكوينه في الأطوار
المختلفة ، ألم يكونوا يقولون : إنه مؤلَّف من مادة ذات عناصر بسيطة ، وقوة هي
منشأ التركيب الذي حدثت به الصور المختلفة في العالم كله .
قد هُدم هذا الأساس إن لم يكن بما ثبت من تحول عنصر إلى عنصر ، فبما
ثبت من تحول القوة إلى مادة ، ثم بما ثبت من أن ما نسميه المادة والقوة اصطلاح
لا تُعرف له حقيقة ، وأن هذا الوجود الذي نعرفه في أرضنا وسمائنا ليس سوى
مظهر من مظاهر تموجات الكهرباء ، وأن كل ذرة من ذراته تتألف من عدة كهارب
سلبية تدور حول كهرب إيجابي - والكهرب هو الوحدة من الكهرباء - وهذه

(11/19)


الكهارب لا يمكن أن يقال إنها مادة ولا إنها قوة ، وإنما حقيقتها مجهولة .
وهذا الذي استقر عليه رأي علماء الكون أخيرًا يؤيد ما أثبتناه في المنار وفي
تفسيره من أن أول مظهر من مظاهر التكوين الذي نسميه المخلوق الأول مجهول
للبشر ، وأن علماء الكون اختلفوا في إمكان علم البشر به ، فمنهم من يقول : إنه
يمكن الوصول إلى العلم به بطول الترقي في معارج العلم ، ومنهم من يقول بعدم
إمكان ذلك ، ونقل هذا عن الفيلسوف سبنسر قبل القول الأخير بتركب الذرات من
الكهارب ، ورأينا في هذه الأيام من نقله عن الأستاذ صليفان .
بل هو مثبت لأقوى الأدلة العقلية على وجود الله تعالى عندنا ، وهو أن جميع
مظاهر هذا الكون السماوية والأرضية تطورات تستند إلى حقيقة غيبية لا يعلم أحد
كنهها ، وقد بيَّنا ذلك مرارًا كثيرة منها مناظرة دارت بيننا وبين العلامتين صاحبي
المقتطف .
فإذا كانت المادة تصدر عن القوة كما قالوا فما المانع من القول بأن هذه القوة
هي قوة الله وقدرته ؟ وإذا كان الوجود الممكن كله مظهرًا من مظاهر تموجات
الكهرباء المجهولة الكنه ، فأي بعد بين قولهم هذا وقول أتباع الوحي : إن الوجود
الممكن الظاهر صادر عن الوجود الواجب الغيبي الباطن و { هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ
وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } ( الحديد : 3 ) .
نكتفي بهذه الكلمة الوجيزة في سنن الوجود الظاهر المدرَك بالحواس ، الذي
بلغ البشر من العلم بها مستوى لم يُعرف في التاريخ ما يقرب منه لأحد من شعوب
الحضارة القديمة .
وإذا نحن ارتقينا عنه إلى علم النفس ، وما تجدد فيه عند علماء العصر ،
علمنا أن في الوجود سننًا غير سنن المادة بأنواعها بعد أن صار التنويم المغناطيسي
من الحقائق الثابتة بالتجارب المطردة ، وما تبع ذلك وتقرر من بعض أنواع الكشف
الذي يعبرون عن بعضه بقراءة الأفكار وبمراسلة الأفكار ، وقد شاهدنا بعض ذلك
بالطريقة الصناعية ، بعد ثبوته عندنا بالهبة الإلهامية .
ووراء هذا وذاك مسألة مناجاة الأرواح التي آمن ببعض مظاهرها مَن لا
يحصى لهم عدد من العلماء الطبيعيين والرياضيين ، ووقف كثير منهم عندها
حائرين .
وفوق ما ذُكر كله قدرة رب العالمين ، وإرادته واختياره في الخلق والتقدير
والتدبير ، وهو واضع السنن والقوانين ، ومُسخِّر الأسباب والنواميس ، الحاكم بها
وعليها وفيها بعد إيجاده لها ، والمبدع لما شاء قبل وجوده وبعده { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا
أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ * فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ
تُرْجَعُونَ } ( يس : 82-83 ) .
الإيمان بقدرة الفاطر فطري أو فكري والشذوذ فيه :
فالإيمان بقدرة الفاطر المبدع ، الخالق المصور المقدِّر ، غريزي في هذا
الإنسان المفكر ، ظهر في أجياله المفكرة في مظاهر مختلفة ، من فطرية ساذجة ،
وفكرية راقية ، ووجدانية شعرية ، وروحانية إلهامية .
وشذَّ أفراد من المفكرين في هذا الأمر وفي اختلاف الناس فيه كشذوذ الناس
في كل علم وعمل ، لم يظهر لهم الصواب في جانب أحد منهم ، ولا في شيء آخر
يصح أن يكون فصلاً فيما اختلفوا فيه ، فكانوا فريقين ( أحدهما ) معطِّل لا يؤمن
بشيء غيبي فوق هذا الوجود المدرَك بالحواس ( والثاني ) شاك حائر بين إثباته
ونفيه .
ذلك بأن البشر قد فُطِرُوا على التفاوت العظيم في الاستعداد للعلم والعمل ،
وهذا التفاوت يقتضي بطبعه الاختلاف في الفهم للشيء والحكم فيه ، والاختلاف بين
الناس في وسائل معارفهم البشرية ومقاصدها ، يفضي بهم إلى الترقي فيها ، فهو
نافع ما لم يكن علة أو معلولاً للتفرق والتعادي .
ومن المعلوم بالعقل والتجارب أنه لا مثار لاختلاف التفرق فيما ترتقي به
الزراعة والصناعة ، ولا في وسائل انتشار التجارة ، إذ لا يرى أحد من الناس
غضاضة على نفسه ولا على قومه في اتباع ما سبقهم إليه غيرهم فيه .
وأما العلم بما يجب الإيمان به من وجود الفاطر وصفاته وشكره وعبادته ، وما
يرضيه أن يكون عليه عباده ، فهو مما لا يرتقي ويتمحص باختلاف الناس فيه ،
ولا هو مما يسهل عليهم أن يأخذ كل قوم ما سبقهم إليه غيرهم فيه بكسبهم
واجتهادهم ، إذ لا يمكن أن يصل ذلك إلى درجة القطع التي يزول فيها الخلاف
بالضرورة ، وقد ثبت بالتجربة في الأجيال والآماد الكثيرة ، أنه كان أعظم أسباب
التفرق والتعادي وسفك الدماء الغزيرة .
حاجة البشر إلى الدين المستمَد من الوحي :
فمن ثم كان البشر في أشد الحاجة لبيان الحق فيه إلى وحي من الله عز وجل ،
تقوم به الحجة على جميع أولئك الفرق من المؤمنين المختلفين ، ومن الملحدين
المعطلين ، والشاكين اللاأدريين { فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ
مَعَهُمُ الكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ } ( البقرة : 213 ) الآية .

(11/20)


وقد كان من حكم كتاب الله الحق فيما اختلف فيه الناس بمقتضى ما ذكرنا من
غريزة التفاوت بينهم في العلم والفهم والحكم ، أن العالم كله صادر عن قدرة الله
تعالى ومشيئته واختياره ، سواء فيه ما أبدعه ابتداء ، وما خلقه بنظام السنن العامة
في الأسباب والمسببات ، فالسنن وما وضعت له وجرت فيه كل ذلك بيد الله
يتصرف فيها بمشيئته ليس مقيدًا بشيء منها ، فهو إذا شاء غيرها ؛ ولكنه لا يفعل إلا
ما تقتضيه حكمته ، فصفات الله تعالى من العلم والحكمة والمشيئة والقدرة والرحمة
لا تناقض ولا تعارض في متعلقاتها ، كما بيَّناه مرارًا في تفسيرنا .
هذا حكم الله تعالى في كتبه لرسله كما نراه في نصوص آخرها الذي أنزله الله
مصدقًا لها ومهيمنًا عليها ، وسنذكر بعض الشواهد منه فيها .
ويقابله قول معطلة الماديين الذين يُنكرون الخالق والخلق بالمشيئة ، وبعض
الفلاسفة الإلهيين الذين يثبتون لرب العالمين من صفات الكمال ما عدا الاختيار في
المشيئة ، ومذاهبهم في تأثير الطبائع بذاتها ، وضرورة اتصال العلل بمعلولاتها ،
وكون الله تعالى خلق المادة وأودع فيها قواها ونظامها ، وتركها لنفسها فلم يبق له
فعل فيها ، كل ذلك معروف ليس من موضوعنا تفصيله والرد عليه ؛ وإنما غرضنا
من ذكره أن نبين أن الناس على قسمين : مليين على هدي أنبياء الله تعالى يؤمنون
بأن الله فاعل مختار بيده ملكوت كل شيء في كل وقت ، وكفار يزعمون أن كل
حركة وسكون في هذا الكون تجري على سنن نواميس فيه بمقتضى الضرورة لا
تأثير فيها لموجود غيرها ، وما يشاهدونه في كل زمن من وجود أشياء على غير
هذه السنن المعروفة يسمونه ( فلتات الطبيعة ) ويقولون إنه لا بد له من سبب وإن
كنا لا نعرفه ، وما ينقل في كتب المليين من آيات الأنبياء ، منهم من ينكره ومنهم
من يتأوله ، ومنهم من يقول : إنه من فلتات الطبيعة التي لم يظهر لنا سببها ،
فمذاهبهم في هذه المسائل متعددة .
وملحد دمنهور قد جرى على أصل هؤلاء القائلين بأن السنن والنواميس
ضرورية لا يمكن تغيير شيء منها ولا تبديله ولو بفعل الله ومشيئته ، وأنه ما وقع
ذلك في الماضي للرسل ولا لغيرهم ، فهو مخالف لجميع المليين من أتباع الرسل
عليهم السلام ، ولولا هذا لم يكن محتاجًا إلى تحريف ما جاء في القرآن من أخبار
الغيب ومعجزات الرسل .
شبهة ملحد دمنهور في السنن وبيان بطلانها :
قد يقول بغروره بجهله : إنني قد أخذت في هذا بما جهله جميع المسلمين وجميع
المليين من قبلهم ( أي وعرفه ملاحدة الباطنية لا سيما البهائية آخرهم ) وهو ما
نص عليه القرآن في مثل قوله تعالى : { فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَن تَجِدَ
لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلاً وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلاً } ( فاطر : 43 ) .
ونقول في جوابه ( أولاً ) : إن سنة الله التي قال إنه لا تبديل لها ولا تحويل ،
هي نصر رسله على المعاندين لهم من أقوامهم ، كما هو صريح الآيات التي وردت
فيها في سور الإسراء والأحزاب وفاطر والفتح ، وفي السور التي لم يذكر فيها أنه
لا تبديل لها أيضًا .
وجاء لفظ السنن جمعًا بهذا المعنى في سياق الكلام على غزوة أحد من سورة
آل عمران { قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ
المُكَذِّبِينَ } ( آل عمران : 137 ) وجاء بمعنى التشريع الديني في سياق محرمات
النكاح وحكمتها من سورة النساء { يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُم
وَيَتُوبَ } ( النساء : 26 ) فهو لم يقل هذا في أمر الخلق والتكوين ، وربما كنت أنا
الذي التزمت إطلاق هذا اللفظ على ما يسميه علماء الكون والفلسفة بالنواميس
الطبيعية في المنار والتفسير ، وفي نظام مدرسة الدعوة والإرشاد ، إذ أطلقت اسم
سنن الكائنات على الدروس التي وضعها الدكتور محمد توفيق صدقي - رحمه الله
تعالى - في علم حفظ الصحة ومقدماته من علم الطبيعة وعلم وظائف الأعضاء ،
فنشرتها في المنار وطبعتها على حدتها بهذا الاسم .
وأول من أرشدنا إلى كون أصول علم الاجتماع من سنن الله في خلقه ،
حكيمنا العربي الواضع الأول لقواعد هذا العلم عبد الرحمن بن خلدون رحمه الله
تعالى ؛ فإنه يكرر في مقدمته عقب بيان القاعدة العمرانية قوله : سنة الله في خلقه ،
أو سنة الله التي قد خلت في عباده ، ثم زاد عليه في هذا أستاذنا الإمام في مقالات
العروة الوثقى الاجتماعية ، وزدت عليهما تعميم ذلك في النواميس الكونية كلها .
هذا وإنه ليس عندنا دليل ديني ولا عقلي على استحالة وقوع التبديل والتحويل
في هذه السنن ، ولا على اطرادها وعدم الشذوذ فيها مع الجزم بإمكانها .
وأما الأدلة العلمية المبنية على التجارب العملية فقد بيَّنا آنفًا أن أهلها لا
يقولون بوجوب شيء من هذه السنن المعروفة ، بحيث يستحيل نقضه وثبوت خلافه ،

(11/21)


وأنهم يثبتون الشذوذ بالأسباب المجهولة المعبَّر عنها بفلتات الطبيعة ، وبالأسباب
العلمية العملية ، وقد كان بعض الناس ينكرون ما جاء به الأنبياء من أخبار عالم
الغيب كالملائكة والجن والبعث بعد الموت لاستبعادها في مألوفاتهم وزعمهم أنها لا
تعقل ، وما وصل إليه البشر في هذا العصر من أسرار الكهرباء لم يبق شيئًا من
ذلك مستبعدًا فضلاً عن كونه محالاً عقلاً .
أفليس المؤمنون بوجود الخالق الفعال لما يريد ، وأن ( ما شاء كان ، وما لم
يشأ لم يكن ) أولى منهم بالإيمان بقدرته على التصرف في هذه السنن متى شاء ؟
ثانيًا : إذا قيل : إن قوله تعالى : { سُنَّةَ اللَّهِ } ( الأحزاب : 38 ) مفرد
مضاف يفيد العموم ، وأنه يجري فيه قول علماء الأصول ، بأن العبرة بعموم اللفظ
لا بخصوص السبب ، قلنا : نعم ، وإنما عموم كل شيء في موضوعه ، وموضوع
هذه السنة المنصوصة عباد الله من الأمم مع رسلهم ، ويصح إطلاق اللفظ على غير
ما ورد به النص من قواعد الاجتماع والعمران أيضًا ؛ ولكن لا يصح الاستدلال
بالنص على عدم التبديل فيها .
ثالثًا : إن سنن الاجتماع تختلف باختلاف أحوال البشر في البداوة والحضارة
والقوة والضعف والعلم والجهل ، وآلات القتال والنقل ، فهي أمور نسبية متبدلة ، لا
قواعد رياضية مطردة ، وذلك معروف من سير الأمم وتواريخها ؛ وإنما تكون سنة
بحسب الأحوال التي تكون بها مطردة .
مثال ذلك سنة غلب الكثرة للقلة التي عبر عنها الشاعر العربي بقوله :
ولست بالأكثر منهم حصى وإنما العزة للكاثر
يراعى في صحتها مساواة الكثرة للقلة في أسباب الغلب الصورية كالسلاح
والنظام ، والمعنوية كالصبر والثبات والإيمان ، فإذا كانت هذه الأسباب متوفرة في
القلة دون الكثرة ، كان لها الغلب وفيها قال الله تعالى : { كَم مِّن فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً
كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ } ( البقرة : 249 ) .
رابعًا : إن السنن الاجتماعية والكونية تتعارض وتتنافى كما تتعارض أسباب
النصر والغلب وأضدادها في المثل المذكور آنفًا ، ومن ذلك تعارض أسباب الصحة
وأسباب المرض ، وتعارض التأثيرات الجسدية مع التأثيرات النفسية ، فمن كان له
الرجحان يكون مبطلاً للآخر ذاهبًا باطراده ، وليس في هذا الوجود الممكن لا علويه
ولا سفليه ، ناموس من نواميس النظام يقوم الدليل القطعي على استحالة تغيره
وتبدله ، بل كله جائز بأسباب مما يعقله الباحثون ويتوقعون حدوثه أو بغير ذلك ،
كما يقولون في خراب هذا العالم وزوال هذه الأرض ، أو انقطاع حياتها وعالمها
بزوال حرارة الشمس بالتدرج البطيء ، أو بتصادم بينها وبين بعض الأجرام
السماوية ، وهو ما تشير إليه آيات القرآن المجيد .
السنن والنظام في الخلق خاضعان لمشيئة الخالق :
ثم أقول خامسًا : إن خالق الخلق بما شاء من النظام والسنن لم يقيد بها قدرته
ومشيئته ويجعلها حاكمة عليه ، بحيث يكون بها مقهورًا لا قاهرًا ، وعاجزًا عن
التصرف لا قادرًا ، حتى لا فائدة في دعائه والتضرع له ، بل دل كتابه - الذي لا
يفهمه هذا الملحد الجاهل بلغته وبشريعته - أنه قيدها بمشيئته ، وأن العالم كله في
قبضته { إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ
مِنْ بَعْدِهِ } ( فاطر : 41 ) فهذه الآية صريحة في أن العالم في قبضة تصرف خالقه
في كل وقت ، وأن بقاءه بقدرته تعالى لا بما يظهر من سنن النظام فإنها مفعولة لا
فاعلة ، أو ظواهر صورية ، لا حقائق وجودية ، كما قال بعضهم في سنة الجاذبية .
ومن هذا القبيل قوله تعالى : { وَمِنْ آيَاتِهِ الجَوَارِ فِي البَحْرِ كَالأَعْلامِ * إِن
يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ } ( الشورى : 32-33 ) فحركات
الريح تجري بحسب سنته تعالى في تأثير الحرارة فيها ، وهو يقول أنه إذا شاء
أسكنها .
وقد دل كتابه أيضًا على أنه تعالى جعل للسنن الكونية والتشريعية استثناء
يضعه موضعه بحكمته ورحمته ، حتى أن عذاب الأمم المعاندين لرسله والذي نص
كتابه على أنه لا تبديل فيه ولا تحويل قد دخله الاستثناء بالفعل ، كما قال تعالى في
سورة يونس : { فَلَوْلاَ كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا
عَنْهُمْ عَذَابَ الخِزْيِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ } ( يونس : 98 ) فإن
يونس عليه السلام كان خرج من قومه عندما جاء موعد ما أنذرهم من العذاب ولم
يؤمنوا ، فلما رأوا بوادر العذاب وكاد يقع بهم آمنوا فنفعهم إيمانهم ولم ينزل العذاب
بهم ، فهذا استثناء من السنة العامة في وقوع العذاب على الأقوام في مثل تلك الحال ،
سواء كان متصلاً أو منفصلاً في الإعراب .
ومما يدل على تقييد السنن العامة بالمشيئة قوله تعالى بعدما ذكر في سورة

(11/22)


يونس : { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً } ( يونس : 99 ) وهذه
المشيئة إنما تكون بخلق البشر على غير هذه السنن المعروفة في خلقهم من اختلاف
الاستعداد للإيمان والكفر معًا ، ومن ترجيح بعض متعلق هذا الاستعداد على بعض ،
أو بإزالة هذا الاستعداد بعض وجوده ، وهو من سنن الله في نوع الإنسان .
ومن هذا الاستثناء عفو الله تعالى عما شاء من ذنوب عباده في الدنيا والآخرة ؛
فإن عقاب المذنب من سنن العدل ، والعفو والمغفرة من الرحمة والفضل ، فكل
مذنب مستحق للعقاب بحسب سنة الله في تأثير الأعمال في النفس المقررة في قوله
تعالى : { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا } ( الشمس : 9-10 ) وما كل
مذنب يستحق العفو ، وقد اتفق حكماء البشر على أن من الحكمة الاستثناء في
القوانين بالعفو عن بعض العقوبات .
والآيات المحكمة الصريحة في فعل الله لما يريد ، وأنه ما شاء كان وما لم
يشأ لم يكن - كثيرة ، والمسلمون مجمعون على ذلك ؛ ولكن إجماعهم لا قيمة له عند
ملحد دمنهور ولا يحتج به في دينه ، وقد يعبر عنهم بما يدل على أنه ليس منهم كما
قال في تفسير : { وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً } ( الفرقان : 8 )
وهذا نصه :
( ومن الغريب مع هذا الدليل المبين أن المسلمين ينقلون في كتبهم أن النبي
سُحر بناء على حديث رواه اليهود ، كما ينقل النصارى صلب المسيح بناء على
حديث رواه اليهود أيضًا ) اهـ . فقد أنكر على المسلمين لا على المحدِّثين ، ويعني
بقوله : كتبهم ، أصح كتب الحديث وجميع كتب التفسير ؛ ولكنه كذب في زعمه أن
حديث السحر المذكور قد رواه اليهود ، والغرض من ذكر عبارته هنا أنه يهزأ
بأعظم كتب المسلمين في التفسير والحديث هزو الساخر المتبرئ من المسلمين ،
وأما تحقيق المسألة فقد بيَّناه في المنار .
ومنها قوله تعالى : { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } ( يس :
82 ) وهذا المعنى مكرر في القرآن ، وهو ظاهر فيما يخلقه تعالى بدون نظام
الأسباب ، كخلق آدم من تراب ، وخلق عيسى بن مريم من أم بدون أب .
وجملة القول في مسألة سنن الله تعالى في نظام الكون وسنن الاجتماع
والعمران : أن ما ثبت منها فهو مقتضى حكمته ، وأنه غير مقيد لعموم مشيئته
وشمول قدرته ، وأن ما ثبت في كتابه أو في خليقته من آياته المخالفة للمعروف من
تلك السنن فهو من تصرفه بمشيئته واختياره ، لحكمة يعلمها في ذلك وقد يعلمها من
شاء من خلقه ، كمعجزات رسله عليهم السلام ؛ فإن حكمتها ظاهرة بيَّنها علماء
أتباع الرسل أحسن البيان .
وإن منتهى الجهل والكفر بالله تعالى جعله مقيدًا بما يظهر لبعض الناس من
هذه السنن مع تخبطهم فيها ، وعدم اتفاق عقلائهم وعلمائهم على ضرورة اطرادها ،
وما هذه الأرض وسننها إلا كذرة من ذراتها في جملتها ومجموعها ، بالنسبة إلى
مُلك الله العظيم الذي ثبت لعلماء الفلك أن بعض أجرامه يبعد عن البعض الآخر بما
يُقدَّر بملايين السنين لسرعة النور ، وهو يقطع نحوًا من مائة مليون ميل في زهاء
عشرة دقائق ، فمن أنت أيها الجهول حتى تبيح لنفسك تحريف كلام الله لتأويل آياته
في خلقه اغترارًا بما لا تُعلم حقيقته من هذه السنن .
فإذا كان شيطان الجهل والغرور قد زيَّن لملحد دمنهور أنه يمكنه أن يكون
رجلاً عظيمًا في الأرض بوضع دين جديد لمن غلبت عليهم ظواهر الفلسفة المادية
لا يوجد فيه شيء مخالف للمألوف عندهم ، فليبعد عن القرآن والإنجيل والتوراة
والزبور ، فإن أديان جميع رسل الله مؤسسة على عقيدة تصرف رب العالمين في
خلقه بمشيئته واختياره في كل وقت ، وعلى تأييده لمن شاء من رسله بخوارق
العادات ، وسنن الاجتماع والكائنات ، وعلى أن عالم الغيب من الملائكة والجن
وغيرهم لا يقاس على عالم المادة ، وأن الإيمان بما ورد الوحي فيه من ذلك كما
ورد أصل من أصول الدين لا يصح الدين بدونه .

عجز فلاسفة أوربة عن وضع دين يخضع له البشر :
وليعلم أن بعض فلاسفة أوربة وأعلام الآداب والتشريع فيها قد وضعوا أصولاً
لديانة سموها الديانة الطبيعية ، راعوا فيها من الفضائل والمصالح العامة والخاصة
ما استحسنه السواد الأعظم من الماديين وغيرهم ؛ ولكن لم يتخذها شعب من
الشعوب ، ولا جماعة من الجماعات ، ولا فرد من الأفراد دينًا يلتزمه في أعماله
وآدابه ! ولماذا ؟
لأن الدين الذي يحتاج إليه البشر لتكميل فطرتهم وإزالة الخلاف من بينهم فيما
يجب عليهم من معرفة الله وعبادته ، ومن أصول التشريع العامة والفضائل الثابتة
التي تحول دون الفوضى الدينية والأدبية التي تفرِّق كلمتهم ، هذا الدين لا يمكن أن
يتحقق إلا إذا كان مصدره السلطان الإلهي الأعلى الذي تذعن الأنفس لأمره ونهيه
القطعيين لذاته ، سواء وافق آراءهم وأهواءهم ونظرياتهم العقلية وتقاليدهم القومية

(11/23)


والوطنية أم لا ؛ لأن صاحب هذا السلطان أعلم منهم بما يضرهم وما ينفعهم ، وهو
القادر على إثابتهم إذا اتقوا وأحسنوا ، وعلى عقابهم إذا فسقوا وظلموا وأساءوا ،
وعلى العفو عنهم إذا تابوا وأصلحوا ، وعلى استجابة دعائهم إذا دعوا وتضرعوا .
فلو كانت أمور العالم كلها تجري بنظام اضطراري ليس لله فيه مشيئة ولا
اختيار ، لم يكن هنالك محل لثمرة الإيمان من الخوف والرجاء ، وهما الباعثان على
الطاعة والانقياد ، ولزال معنى الدين وذهب التدين هباء .
إلا أن المادية مضادة بل مناقضة لمعنى الدين والتدين ، وقد ظهر بعد الحرب
العامة من مفاسدها ما لم يكن ظاهرًا ، والعالم المدني قد شعر باضطراره إلى الهرب
من هذه المفاسد في العقل والآداب والاجتماع كما نوَّهنا بذلك من قبل ؛ وإنما الدين
الوسط هو الجامع بين المصالح المادية والفضائل الروحية ، كما بيَّناه في تفسير
قوله تعالى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً } ( البقرة : 143 ) من أول الجزء
الثاني من تفسيرنا .
وإذا لم يكن لرسل الله تعالى من آياته ما يميزهم من الفلاسفة والأدباء ، كما
يزعم ملحد دمنهور ، فأي باعث يبعث الناس على الانقياد لهم بالإذعان النفسي
والوجدان الاضطراري ، وهم يجدون عند الحكماء من الحجج العقلية والأدبية ما هو
أقرب إلى مألوفاتهم ونظرياتهم مما جاء به الأنبياء .

حكاية ابن سينا مع المفضِّل له على النبي صلى الله عليه وسلم :
ألم يعقل هذا الملحد ما سمعه منا وقرأه في كلامنا غير مرة من نبأ الفيلسوف
الكبير الرئيس ابن سينا مع خادمه ومريده المعجب بعلومه وفلسفته المفضل له بها
على محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي كان يلومه على اتباعه هذا النبي
صلى الله عليه وسلم وهو دونه بزعمه وجهله ، حتى إذا كانا في بعض ليالي الشتاء
الشديدة القر القارسة البرد في تبريز أيقظ الرئيس خادمه ليأتيه بماء يتوضأ به ،
فاعتذر له بشدة البرد ، وبعدم طلوع الفجر ، فأيقظه سيده الرئيس عندما كان المؤذن
ينطق بالشهادتين على المنارة وسأله ماذا يقول المؤذن ؟ قال إنه يقول : أشهد أن
محمدًا رسول الله ، قال : قد آن لي أن أبيِّن لك فساد عقلك ، وأَفَن رأيك ، في
تفضيلك إياي على رسول الله صلى الله عليه وسلم .
إنك أنت خادمي ، وقد بلغ من إعجابك بي ما تعلم ، وهو ما لم أر ما يقرب
منه من غيرك ، ثم إنك تكسل عن طاعتي في داخل الدار معتذرًا بشدة البرد ، وهذا
الرجل الفارسي يشيد بالشهادة لمحمد رسول الله صلى الله عليه وسلم بالرسالة في
أعلى هذه المنارة حيث البرد على أشده ، وهو في ذلك محتسب أجره عند الله ،
فعندما ترى لي من السلطان على قلبك مثل ما ترى لمحمد صلى الله عليه وسلم على
قلب هذا الفارسي بعد مضي أربعة قرون على بعثته تكون معذورًا فيما تهذي به من
تفضيلي .
وإذا كان من أصول الدين المادي الذي تدعو إليه باسم القرآن أنه يجوز لمتبعه
أن يخالف رسول الله صلى الله عليه وسلم لترجيح رأيه على طاعته ، أو لما يراه
بالتشاور مع غيره من المصلحة المخالفة له ، فأي معنى يبقى للدين ؟ وكيف تجتمع
الكلمة به على ما يكونون به أمة واحدة ، أوليس من الجائز على هذا أن يترك
الناس جميع ما جاء به الرسول لمخالفته لآرائهم وما يزعمون من مصالحهم غير
المقيدة بدين يتبع لذاته بإذعان الإيمان ، ولا يستحل صاحبه ترك شيء منه إلا بما
ورد النص فيه بكونه عذرًا كالضرورات التي تبيح المحظورات .
ثم إن هؤلاء الماديين لا يجدون أدنى باعث على قبول دين مادي يتوقف
إثبات ماديته على تحريف كثير من آيات كتابه عن مدلولها اللغوي الذي جرى عليه
جميع أهله من عهد النبي الذي جاء بهذا الكتاب إلى اليوم اتباعًا لجاهل مغرور في
تحريفها وجعلها مادية ، وقد حكم علماء أهلها بإلحاده في دينهم ومروقه منه .
ولا يغرن هذا الملحد أن الباطنية قبلوا أمثال هذا التحريف في القرآن من
دعاتهم ، فيظن أنه يوجد من يقبله منه ؛ فإن الذين قبلوا هذا من الباطنية إنما قبلوه
بعد إقناع الدعاة لهم بأنه بيان الإمام المعصوم لمراد الله من كتابه ، وبعد إقناعهم بأن
هذا المعصوم موجود ، وأنه لا يمكن فهم مراد الله وجمع كلمة المسلمين على ما
يرضيه إلا منه . فأنى لك أيها المغرور بإقناع الماديين والجاحدين لوجود الله أو
غيرهم بإمامتك وعصمتك ؟ .
فإن كنت أيها الملحد تعقل أن يتبعك أحد في دينك هذا فلك العذر في الحكم
على أستاذك الذي تبرأ منك ورد عليك إرشادًا لك ، بأنه قد اختل عقله فلا يدري ما
يقول ، وأنه يكيد لك مع شيخ الأزهر ، وفي قولك المناقض لهذا ، وفي سبك
وشتمك له ، مع ادعائك أنك عذرته بجنونه وخرفه : { وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا
عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ * وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ } ( هود : 121-122 ) .
________________________

(11/24)