صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مجموع فتاوى العثيمين

وهكذا يكيد الله عز وجل لكل من انتصر لدينه، فإنه يكيد له ويؤيده، قال الله تعالى: { كذلك كدنا ليوسف } [يوسف: 76]، يعني: عملنا عملاً حصل به مقصوده دون أن يشر به أحد.
وهذا من فضل الله عز وجل على المرء، أن يقيه شر خصمه على وجه الكيد والمكر على هذا الخصم الذي أراد الإيقاع به.
فإن قلت: ما هو تعريف المكر والكيد والمحال؟ .
فالجواب: تعريفها عند أهل العلم : التوصل بالأسباب الخفية إلى الإيقاع بالخصم ؛ يعني: أن توقع بخصمك بأسباب خفية لا يدري عنها. وهي في محلها صفة كمال يحمد عليها وفي غير محلها صفة نقص يذم عليها.
ويذكر أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه لما بارز عمرو بن ود-والفائدة من المبارزة أنه إذا غلب أحدهما أنكسرت قلوب خصومه-فلما خرج عمرو ؛ صرخ علي : ما خرجت لأبارز رجلين. فالتفت عمرو ، فلما التفت؛ ضربه علي رضي الله عنه على رقبته حتى أطاح برأسه ‍‍‍
هذا خداع ، لكنه جائز، ويحمد عليه؛ لأنه في موضعه ؛ فإن هذا الرجل ما خرج ليكرم علي بن أبي طالب ويهنئه، ولكنه خرج ليقتله ؛ فكاد له علي بذلك.
والمكر والكيد والمحال من صفات الله الفعلية التي لا يوصف بها على سبيل الإطلاق ؛ لأنها تكون مدحاً في حال ، وذماً في حال؛ فيوصف بها حين تكون مدحاً ، ولا يوصف بها إذا لم تكن مدحاً ؛ فيقال: الله خير الماكرين، خير الكائدين، أو يقال: الله ماكر بالماكرين، خادع لمن يخادعه.
والاستهزاء من هذا الباب ؛ فلا يصح أن نخبر عن الله بأنه مستهزئ على الإطلاق ؛ لأن الاستهزاء نوع من اللعب ، وهو منفي عن الله ؛ قال الله تعالى : { وما خلقنا السموات والأرض وما بينهما لاعبين } {الدخان: 38}، لكن في مقابلة من يستهزئ به يكون كمالاً ؛ كما قال تعالى: { وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزئون } {البقرة: 14} ؛ قال الله: { الله يستهزئ بهم } {البقرة: 15}.

(113/71)


فأهل السنة والجماعة يثبتون هذه المعاني لله عز وجل على سبيل الحقيقة.
لكن أهل التحريف يقولون : لا يمكن أن يوصف بها أبداً ، لكن ذكر مكر الله ومكرهم من باب المشاكلة اللفظية، والمعنى مختلف؛ مثل: { رضي الله عنهم ورضوا عنه } {المائدة: 119}.
ونحن نقول لهم: هذا خلاف ظاهر النص ، وخلاف إجماع السلف. وقد قلنا سابقاً: إذا قال قائل : أئت لنا بقول لأبي بكر أو عمر أو عثمان أو علي يقولون فيه: إن المراد بالمكر والاستهزاء والخداع الحقيقة‍
فنقول لهم: نعم ؛ هم قرؤوا القرآن وآمنوا به ، وكونهم لم ينقلوا هذا المعنى المتبادر إلى معنى آخر ؛ يدل على أنهم أقروا به، وأن هذا إجماع، ولهذا يكفينا أن نقول في الإجماع: لم ينقل عن واحد منهم خلاف ظاهر الكلام، وأنه فسر الرضى بالثواب ، أو الكيد بالعقوبة . . . . ونحو ذلك . وهذه الشبهة ربما يوردها علينا أحد من الناس ؛ يقولون : أنتم تقولون : هذا إجماع السلف؛ أين إجماعهم؟
نقول: عدم نقل ما يخالف ظاهرها عنهم دليل الإجماع.
ما نستفيده من الناحية المسلكية في إثبات صفة المكر والكيد والمحال:
المكر: يستفيد به الإنسان بالنسبة للأمر المسلكي مراقبة الله سبحانه وتعالى، وعدم التحيل على محارمه ، وما أكثر المتحيلين على المحارم ‍فهؤلاء المتحيلون على المحارم، إذا علموا أن الله تعالى خير منهم مكراً، وأسرع منهم مكراً ؛ فإن ذلك يستلزم أن ينتهوا عن المكر .
ربما يفعل الإنسان شيئاً فيما يبدوا للناس أنه جائز لا بأس به، لكنه عند الله ليس بجائز ، فيخاف ، ويحذر.
وهذا له أمثلة كثيرة جداً في البيوع والأنكحة وغيرهما :

(113/72)


مثال ذلك في البيوع: رجل جاء إلى آخر ؛ قال : أقرضني عشرة آلاف درهم . قال : لا أقرضك إلا بأثني عشر ألف وهذا رباً وحرام سيتجنبه لأنه يعرف أنه رباً صريح لكن باع عليه سلعة بأثنى عشر آلفاً مؤجلة إلى سنة بيعاً تاماً وكتبت الوثيقة بينهما، ثم إن البائع أتى إلى المشترى ، وقال: بعنية بعشرة ألاف نقداً . فقال: بعتك إياه . وكتبوا بينهما وثيقة بالبيع فظاهر هذا البيع الصحة، ولكن نقول: هذه حيلة ؛ فإن هذا لما عرف أنه لا يجوز أن يعطيه عشر ألفاً ؛ قال: أبيع السلعة عليه باثني عشر، وأشتريها نقداً بعشرة.
ربما يتسمر الإنسان في هذه المعاملة لأنها أمام الناس معاملة ليس فيها شيئاً لأنها أمام الناس معاملة ليس فيها شيء لكنها عند الله تحيل على محارمه ، وقد يملي الله تعالى لهذا الظالم ، حتى إذا آخذه لم يفلته؛ يعني : يتركه ينمو ماله ويزداد وينمو بهذا الرباء لكن إذا أخذه لم يفلته ؛ وتكون هذه الأشياء خسارة عليه فيما بعد ، وماله إلى الإفلاس ، ومن الكلمات المشهورة على ألسنة الناس : من عاش في الحيلة مات فقيراً.
مثال في الأنكحة: امرأة طلقها زوجها ثلاثاً ؛ فلا تحل له إلا بعد زوج، فجاء صديق له، فتزوجها بشرط أنه متى حللها –يعني: متى جامعها –طلقها ، ولما طلقها ؛ أنت بالعدة ، وتزوجها الأول ؛ فإنها ظاهراً تحل للزوج الأول، لكنها باطناً لا تحل؛ لأن هذه حيلة.
فمتى علمنا أن الله أسرع مكراً ، وأن الله خير الماكرين؛ أو جب لنا ذلك أن نبتعد غاية البعد عن التحيل على محارم الله .
صفة العفو والمغفرة والرحمة والعزة
وقوله: { إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفواً قديراً } . . .
(1) (1) ذكر المؤلف رحمه الله أربع آيات في صفة العفو والقدرة والمغفرة والرحمة والعزة:

(113/73)


الآية الأولى: في العفو والمقدرة : قوله: { إن تبدوا خيراً أو تخفوه أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفواً قديراً } {النساء: 149}.
يعني : إن تفعلوا خيراً ، فتبدوه ؛ أي : تظهروه للناس ، { أو تخفوه } ؛ يعني: عن الناس فإن الله تعالى يعلمه، ولا يخفى عليه شيء.
وفي الآية الثانية: { إن تبدوا شيئاً أو تخفوه فإن الله كان بكل شيء عليماً } {الأحزاب: 54} ، وهذا أعم يشمل الخير والشر وما ليس بخير ولا شر .
ولكل آية مكانها ومناسبتها لمن تأمل .
وقوله : { أو تعفوا عن سوء } : العفو: هو التجاوز عن العقوبة؛
فإذا أساء إليكم إنسان فعفوت عنه ؛ فإن الله سبحانه وتعالى يعلم ذلك. ولكن العفو يشترك للثناء على فاعله أن يكون مقروناً بالإصلاح ؛ لقوله تعالى : { فمن عفا وأصلح فأجره على الله } {الشورى : 40} ، وذلك أن العفو قد يكون سبباً للزيادة في الطغيان والعدوان ، وقد يكون سبباً للانتهاء عن ذلك، وقد لا يزيد المعتدي ولا ينقصه.
1-فإذا كان مسباً للزيادة في الطغيان ؛ كان العفو هنا مذموماً ، وربما يكون ممنوعاً ؛ مثل أن نعفوا عن هذا المجرم ، ونعلم - أو يغلب على الظن أنه يذهب فيجرم إجراماً أكبر ؛ فهنا لا يمدح العافي ؛ عنه ، بل يذم.
2-وقد يكون العفو سبباً للانتهاء عن العدوان ؛ بحيث يخجل ويقول : هذا الذي عفا عني لا يمكن أن أعتدي عليه مرة أخرى، ولا على أحد غيره. فيخجل أن يكون هو من المعتدين ، وهذا الرجل من العافين ؛ فالعفو محمود ومطلوب وقد يكون واجباً.
3-وقد يكون العفو لا يؤثر ازدياداً ولا نقصاً ؛ فهو أفضل لقوله تعالى : { وان تعفوا أقرب للتقوى } {البقرة : 237} .

(113/74)


وهنا يقول تعالى: { أو تعفوا عن سوء فإن الله كان عفواً قديراً } ؛ يعني: إذا عفوتم عن السوء ؛ عفا الله عنكم ، ويؤخذ هذا الحكم من الجواب: { فإن الله كان عفواً قديراً } ؛ يعني : فيعفو عنكم مع قدرته على الانتقام منكم ، وجمع الله تعالى هنا بين العفو والقدير؛ لأن كمال العفو أن يكون عن قدرة . أما العفو الذي يكون عن عجز ؛ فهذا لا يمدح فاعله ؛ لأنه عاجز عن الأخذ بالثأر . وأما العفو الذي لا يكون مع قدرة ؛ فقد يمدح لكنه ليس عفواً كاملاً، بل العفو الكامل ما كان عن قدرة.
ولهذا جمع الله تعالي بين هذين الاسمين ( العفو) و ( التقدير ) :
فالعفو: هو المتجاور عن سيئات عباده، والغالب أن العفو يكون عن ترك الواجبات، و المغفرة عن فعل المحرمات.
والقدير: ذو القدرة يتمكن بها الفاعل من الفعل بدون عجز.
وهذان الاسمان يتضمنان صفتين، وهما العفو، والقدرة.
{ وليعفوا وليصفحوا آلا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم } (1).
(1) (1) الآية الثانية: في المغفرة والرحمة: قوله: { وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم } [ النور: 22].
· · هذه الآية نزلت في أبي بكر رضي الله عنه، وذلك أن مسطح بن أثاثه رضي الله عنه كان ابن خالة أبي بكر، وكان ممن تكلموا في الإفك.
وقصة الإفك(1): أن قوماً من المنافقين تكلموا في عرض عائشة رضي الله عنها، وليس والله قصدهم عائشة، لكن قصدهم رسول الله صلي الله عليه وسلم: أن يدنسوا فراشه، وأن يلحقوه العار والعياذ بالله! ولكن الله ولله الحمد فضحهم، وقال: { والذي تولي كبره منهم له عذاب عظيم } [ النور: 11].

(113/75)


تكلموا فيها، وكان أكثر من تكلم فيها المنافقون، وتكلم فيها نفر من الصحابة رضي الله عنهم معروفون بالصلاح، ومنهم مسطح بن أثاثة، فلما تكلم فيها، وكان هذا من أكبر القطيعة قطعية الرحم أن يتكلم إنسان في قريبه بما يخدش كرامته، لا سيما وأن ذلك في أم المؤمنين زوجة رسول الله صلي الله عليه وسلم، أقسم أبو بكر إلا ينفق عليه، وكان أبو بكر هو الذي ينفق عليه، فقال الله تعالي: { ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعه أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله } وكل هذه الأوصاف ثابتة في حق مسطح، فهو قريب ومسكين ومهاجر { وليعفوا وليصفحوا آلا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم } [ النور: 22]، فقال أبو بكر رضي الله عنه: بلي والله، نحب أن يغفر الله لنا! فرد عليه النفقة.
هذا هو ما نزلت فيه الآية:
· · أما تفسيرها، فقوله: { وليعفوا وليصفحوا } : اللام لامر الأمر، وسكنت لأنها أتت بعد الواو، ولام الأمر تسكن إذا وقعت بعد الواو كما هنا أو بعد الفاء أو بعد ( ثم ) : قال الله تعالي: { ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله } [ الطلاق: 7] وقال تعالي: { ثم ليقضوا ثفثهم } [ الحج: 29]، هذا إذا كانت لام أمر، أما إذا كانت لام تعليل، فإنها تبقي مكسورة، لا تسكن ، وإن وليت هذه الحروف.
· · قوله: { وليعفوا } ، يعني: يتجاوزوا عن الأخذ بالذنب.
· · { وليصفحوا } ، يعني: يعرضوا عن هذا الأمر، ولا يتكلموا فيه، مأخوذ من صفحة العنق، وهي جانبه، لأن الإنسان إذا أعرض، فالذي يبدو منه صفحة العنق.
والفرق بين العفو والصفح: أن الإنسان قد يعفو ولا يصفح، بل يذكر هذا العدوان وهذه الإساءة، لكنه لا يأخذ بالندب، فالصفح أبلغ من مجرد العفو.
· · وقوله: { آلا تحبون أن يغفو الله لكم } : { ألا } : للعرض، والجواب: بلي نحب ذلك، فإذا كنا نحب أن يغفر الله لنا، فلتتعرض لأسباب المغفرة.

(113/76)


· · ثم قال: { والله غفور رحيم } : { غفور } : هذه إما أن تكون اسم فاعل للمبالغة، وإما أن تكون صفة مشبهة، فإذا كانت صفة مشبهة، فهي دالة على الوصف اللازم الثابت، هذا هو مقتضى الصفة المشبهة، وإن كانت اسم فاعل محولاً إلي صيغة التكثير، كانت دالة على وقوع المغفرة من الله بكثرة.
وبعد هذا نقول: إنها جامعة بين الأمرين، فهي صفة مشبهة، لأن المغفرة صفة دائمة لله عز وجل، وهي أيضاً فعل يقع بكثرة، فما أكثر مغفرة الله عز وجل وما أعظمها.
· · وقوله: { رحيم } : هذه أيضاً اسم فاعل محول إلي صيغة المبالغة، وأصل أسم الفاعل من رحم: راحم، لكن حول إلي رحيم لكثرة رحمة الله عز وجل وكثرة من يرحمهم الله عز وجل.
والله سبحانه وتعالي يقرن بين هذين الاسمين، لأنهما دالان على معني متشابه، ففي المغفرة زوال المكروب و اثار الذنب، وفي الرحمة حصول المطلوب، كما قال الله تعالي للجنة: " أنت رحمتي أرحم بك من أشاء" (1).
وقوله: { ولله العزة ولرسوله والمؤمنين } (1).................................
(1) (1) الآية الثالثة: في العزة، وهي قوله: { ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين } [المنافقون:8].
· · هذه الآية نزلت في مقابلة قول المنافقين: { لئن رجعنا إلي المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل } [ المنافقون: 8]، يدون أنهم الأعز، وأن رسول الله والمؤمنين الأذلون، فبين الله تعالي أنه عزة لهم، فضلاً عن أن يكونوا هم الأعزون، وأن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.
· · ومقتضى قول المنافقين أن الرسول صلى الله عليه وسلم، وعلي آله وسلم والمؤمنين هم الذين يخرجون المنافقين، لأنهم أهل العزة، والمنافقين أهل الذلة، ولهذا كانوا يحسبون كل صيحة عليهم، وذلك لذلهم وهلعهم، وكانوا إذا لقوا الذين آمنوا، قالوا: آمنا، خوفاً وجبناً، وإذا خلوا إلي شياطينهم ، قالوا: إنا معكم، إنما نحن مستهزءون ! وهذا غاية الذل.

(113/77)


أما المؤمنون، فكانوا أعزاء بدينهم، قال الله عنهم في مجادلة أهل الكتاب: { فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون } آل عمران:64]، فيعلنونها صريحة، لا يخافون في الله لومه لائم.
· · وفي هذه الآية الكريمة إثبات العزة لله سبحانه وتعالي.
وذكر أهل العلم أن العزة تنقسم إلي ثلاثة أقسام: عزة القدر، وعزة القهر، وعزة الامتناع:
1. 1. فعزة القدر: معناه أن الله تعالي ذو قدر عزيز، يعني: لا نظير له.
2. 2. وعزة القهر: هي عزة الغلبة، يعني: أنه غالب كل شيء، قاهر كل شيء، ومنه قوله تعالي: { فقال أكفلنيها وعزني في الخطاب } [ ص: 23]، يعني: غلبني في الخطاب. فالله سبحانه عزيز له بل هو غالب كل شيء.
3. 3. وعزة الامتناع: وهي أن الله تعالي يمتنع أن يناله سوء أو نقص، فهو مأخوذ من القوة والصلابة، ومنه قولهم: أرض عزاز، يعني قوية شديدة.
هذه معاني العزة التي أثبتها الله تعالي لنفسه، وهي تدل على كمال قهره وسلطانه، وعلي كمال صفاته، وعلي تمام تنزهه عن النقص.
تدل على كمال قهره وسلطانه في عزة القهر.
وعلى تمام صفاته وكمالها وأنه لا مثيل لها في عزة القدر.
وعلى تمام تنزهه عن العيب والنقص في عزة الامتناع.
· · قوله: { ولرسوله وللمؤمنين } ، يعني: أن الرسول صلى الله عليه وسلم، له عزة، وللمؤمنين أيضاً عزة وغلبة.

(113/78)


· · ولكن يجب أن نعلم أن العزة التي أثبتها الله لرسوله وللمؤمنين ليست كعزة الله، فإن عزة الرسول عليه الصلاة والمؤمنين قد يشوبها ذلة، لقوله تعالي: { ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة } [ آل عمران: 123]، وقد يغلبون أحياناً لحكمة يريدها الله عز وجل، ففي أحد لم يحصل لهم تمام العزة، لأنهم غلبوا في النهاية لحكم عظيمة، وكذلك في حنين ولوا مدبرين، ولم يبق مع النبي صلى الله عليه وسلم، من أثني عشر ألفاً إلا نحو مئة رجل. هذا أيضاً فقد للعزة، لكنه مؤقت. أما عزة الله عز وجل، فلا يمكن أبداً أن تفقد.
وبهذا عرفنا أن العزة التي أثبتها الله لرسوله وللمؤمنين ليست كالعزة التي أثبتها لنفسه.
وهذا أيضاً يمكن أن يؤخذ من القاعدة العامة، وهي أنه: لا يلزم من اتفاق الاسمين أن يتماثل المسميان، ولا من اتفاق الصفتين أن يتماثل الموصوفان.
وقوله عن إبليس: { فبعزتك لأغوينهم أجمعين } (1) ............................
(1) (1) الآية الرابعة: في العزة أيضاً، وهي قوله عن إبليس: { فبعزتك لأغوينهم أجمعين } [ ص: 82].
· · الباء هنا للقسم، لكنه اختار القسم بالعزة دون غيرها من الصفات لأن المقام مقام مغالبة، فكأنه قال: بعزتك التي تغلب بها من سواك لأغوين هؤلاء وأسطير عليهم يعني: بني آدم حتى يخرجوا من الرشد إلي الغي.
ويستثني من هذا عباد الله المخلصون، فإن إبليس لا يستطيع أن يغويهم، كما قال تعالي: { إن عبادي ليس لك عليهم سلطان } [ الحجر: 42].
ففي هاتين الآيتين إثبات العزة لله.
وفي الآية الثالثة إثبات أن الشيطان يقر بصفات الله!
فكيف نجد من بني آدم من ينكر صفات الله أو بعضها، أيكون الشيطان أعلم بالله وأعقل مسلكاً من هؤلاء النفاة؟!
ما نستفيده من الناحية المسلكية:

(113/79)


في العفو والصفح: هو أننا إذا علمنا أن الله عفو، وأنه قدير، أوجب لنا ذلك أن نسأله العفو دائماً، وأن نرجو منه العفو عما حصل منا من التقصير في الواجب.
أما العزة أيضاً: نقول: إذا علمنا أن الله عزيز، فإننا لا يمكن أن نفعل فعلاً نحارب الله فيه.
مثلاً الإنسان المرابي معاملته مع الله المحاربة: { فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } [ البقرة: 279]. إذا علمنا أن الله ذو عزة لا يغلب، فإنه لا يمكننا أن نقدم على محاربة الله عز وجل.
قطع الطريق محاربة: { إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فساداً أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض } [المائدة: 33]، فإذا علمنا أن قطع الطريق محاربة لله، وأن العزة لله، امتنعنا عن العمل، الله هو الغالب.
ويمكن أن نقول فيها فائدة من الناحية المسلكية أيضاً، وهي أن الإنسان المؤمن ينبغي له أن يكون عزيزاً في دينه، بحيث لا يذل أمام أحد من الناس، كائناً من كان، على المؤمنين، فيكون عزيزاً على الكافرين، ذليلاً على المؤمنين.
إثبات الاسم لله تعالي
إثبات الاسم لله تعالي
وقوله: { تبارك اسم ربك ذي الجلال والأكرم } (1) ........................
(1) (1) ذكر المؤلف رحمه الله آية في إثبات الاسم لله تعالي، وآيات أخري كثيرة في تنزيه الله تعالي ونفي المثيل عنه.
آية إثبات الاسم: { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } [الرحمن: 78].
· · { تبارك } : قال العلماء: معناها: تعالي وتعاظم إن وصف بها الله، كقوله: { فتبارك الله أحسن الخاقلين } [المؤمنين : 14] ، وإن وصف بها اسم الله، معناها: أن البركة تكون باسم الله، أي أن اسم الله إذا صاحب شيئاً، صارت فيه البركة.
ولهذا جاء في الحديث: " كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بـ " بسم الله " فهو أبتر " (1)، أي: ناقص البركة.

(113/80)


بل إن التسمية تفيد حل الشيء الذي يحرم بدونها، فإنه إذا سمي الله على الذبيحة صارت حلالاً، وإذا لم يسم صارت حراماً وميتة، وهناك فرق بين الحلال الطيب الطاهر، والميتة النجسة الخبيثة.
وإذا سمي الإنسان على طهارة الحدث، صحت، وإذا لم يسم، لم تصح على أحد القولين.
وإذا سمي الإنسان على طعامه، لم يأكل معه الشيطان، وإن لم يسم، أكل معه.
وإذا سمي الإنسان على جماعه، وقال: " اللهم ! جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا " (2)، ثم قدر بينهما ولد، لم يضره الشيطان أبداً، وإن لم يفعل، فالولد عرضه لضرر الشيطان.
وعليه، فنقول: إن { فتبارك } هنا ليست بمعني: تعالي وتعاظم، بل يتعين أن يكون معناها: حلت البركة باسم الله، أي أن أسمه سبب للبركة إذا صحب شيئاً.
* وقوله: { ذي الجلال والإكرام } : { ذي } : بمعني صاحب، وهي
صفة لـ ( رب )، لا لـ ( اسم )، لو كانت صفة لـ ( اسم )، لكانت، ذو .
· · و { الجلال } ، بمعني: العظمة.
· · و { الإكرام } ، بمعني: التكريم، وهو صالح لأن يكون الإكرام من الله لمن أطاعه، وممن أطاعه له.
فـ { الجلال } : عظمته في نفسه، { والإكرام } : عظمته في المؤمنين، فيكرمونه ويكرمهم.
آيات الصفات المنفية في تنزيه الله ونفي المثل عنه
وقوله: { فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً } (1) ……………
(1) (1) قوله: { فاعبده واصطبر لعبادته هل تعلم له سمياً } [ مريم: 65].
شرع المؤلف رحمه الله بصفات السلبية، أي صفات النفي.
وقد مر علينا فيما سبق أن صفات الله عز وجل ثبوتية وسلبية أي: منفية، لأن الكمال لا يتحقق إلا بالإثبات والنفي، إثبات الكمالات، ونفي النقائض.

(113/81)


· · قوله: { فاعبده واصطبر لعبادته } : الفاء مفرعة على ما سبق، وهو قوله: { رب السموات والأرض وما بينهما } [ مريم: 65]، فذكر سبحانه وتعالي الربوبية { رب السموات والأرض وما بينهما } ، وفرع على ذلك وجوب عبادته، لأن كل ما من أقر بالربوبية، لزمه الإقرار بالعبودية والألوهية، وإلا، صار متناقضاً.
· · فقوله: { فاعبده } ، أي: تذلل له من محبة وتعظيماً، والعبادة، يراد بها المتعبد به، ويراد بها التعبد الذي هو فعل العبد، كما سبق في المقدمة.
· · وقوله: { واصطبر } : اصطبر، أصلها في اللغة: اصتبر، فأبدلت التاء طاء لعلة تصريفية. والصبر: حبس النفس. وكلمة ( اصطبر ) أبلغ من ( اصبر )، لأنها تدل على معاناة، فالمعني اصبر، وإن شق عليك ذلك، واثبت القرين لقرينه في القتال.
· · وقوله: { لعبادته } ، قيل: إن اللام بمعني ( علي ) ، أي: اصطبر عليها، كما قال تعالي: { وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها } [ طه: 132].
وقيل: بل اللام على أصلها، أي : اصطبر لها ، أي كن مقابلاً لها بالصبر، كما يقابل القرين قرينه في ميدان القتال.
· · وقوله: { هل تعلم له سميا } : الاستفهام للنفي، وإذا كان الاستفهام بمعني النفي، كان مشرباً معني التحدي، يعني: إن كنت صادقاً، فأخبرنا: { هل تعلم له سمياً } ؟ (السمي) : الشبيه والنظير.
يعني : هل تعلم له مسامياً أو نظيراً يستحق مثل اسمه؟
والجواب: لا.
فإذا كان كذلك، فالواجب أن تعبده وحده.
وفيها من الصفات: قوله: { هل تعلم له سمياً } ، وهي من الصفات السلبية.
فما الذي تتضمنه من صفات الكمال ( لأننا ذكرنا فيما سبق أن الصفات السلبية لابد أن تتضمن ثبوتاً) فما هو الثبوت الذي تضمنه النفي هنا؟
الجواب: الكمال المطلق، فيكون المعني: هل تعلم له سمياً لثبوت كماله المطلق الذي لا يساميه أحد فيه؟
وقوله: { ولم يكن له كفواً أحد } (1) ………………………

(113/82)


الآية الثانية: قوله: { ولم يكن له كفواً أحد } [ الأخلاص: 4] .
· · تقدم الكلام عليها، أي: ليس يكافئه أحد، وهو نكره في سياق النفي فتعم.
· · و { كفوا } : فيها ثلاث قراءات: كفواً، وكفئاً، وكفواً، فهي بالهمزه ساكنة الفاء ومضمومتها، وبالواو مضمومة الفاء لا غير، وبهذا نعفرف خطأ الذين يقرؤون بتسكين الفاء مع الواو ( كفوا).
هذه الآية أيضاً فيها نفي الكفء لله عز وجل، وذلك لكمال صفاته، فلا أحد يكافئه، لا في علمه ، ولا سمعه، ولا بصره ، ولا قدرته، ولا عزته، ولا حكمته، ولا غير ذلك من صفاته.
{ فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون } (1)………………………
(1) (1) الآية الثالثة: قوله: { فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون } [ البقرة: 22].
· · هذه مفرع على قوله: { ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذي من قبلكم لعلكم تتقون ، الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم } ، وكل هذا من توحيد الربوبية، ثم قال: { فلا تجعلوا لله أنداداً } [ البقرة: 21-22] يعني: في الألوهية، لأن أولئك القوم المخاطبين لم يجعلوا لله أنداداً في الربوبية، إذا، فلا تجعلوا لله أنداداً في الألوهية كما أنكم تقرون أنه ليس له أنداداً في الربوبية.
· · وقوله: { أنداداً } : جمع ند، وند الشيء ما كان مناداً ( أي مكافئاً ) له ومتشابهاً، وما زال الناس يقولون: هذا ند لهذا، أي : مقابل له ومكافىءله.
· · وقوله: { وأنتم تعلمون } : الجملة هنا حالية، وصاحب الحال هي الواو قوله: { فلا تجعلوا } ، والمفعول محذوف، يعني: وأنتم تعلمون أنه لا ند له.
الجملة الحالية هنا صفة كاشفة، والصفة الكاشفة كالتعليل للحكم ، فكأنه قال: لا تجعلوا لله أنداداً، لأنكم تعملون أنه لابد له، فإذا كنتم تعلمون ذلك، فكيف تلجعلونه فتخالفون علملكم؟ !

(113/83)


وهذه أيضاً سلبية، وذلك من قوله : { لا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون } ، لأنه لا ند له، لكمال صفاته.
{ ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله } (1) ….
(1) (1) الآية الرابعة: قوله: { ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله } [ البقرة: 165].
* { ومن } : تبعيضية، والميزان لـ ( من ) التبعيضية أن يحل محلها: بعض، يعني: وبعض الناس.
· · { من يتخذ من دون الله أنداداً } : يتخذهم أنداداً، يعني: في المحبة، كما فسره بقوله: { يحبونهم كحب الله } ، ويجوز أن نقول: إن المراد بالأنداد ما هو أعم من المحبة، يعني: أنداداً يعبدونهم كما يعبدون الله، وينذرون لهم كما ينذرون لله، لأنهم يحبونهم كحب الله، يحبون هذه الأنداد كحب الله عز وجل.
وهذا إشراك في المحبة، بحيث تجعل غير الله مثل الله في محبته.
وينطبق ذلك على من أحب رسول الله كحب الله، لأنه يجب أن تحب رسول الله صلي الله عليه وسلم محبة ليست كمحبة الله، لأنك إنما تحب الرسول صلي الله عليه وسلم تبعاً لمحبة الله عز وجل، لا علي أنه مناد لله، فكيف بمن يحبون الرسول صلي الله عليه وسلم أكثر مما يحبون الله؟!
وهنا يجب أن نعرف الفرق بين المحبة مع الله والمحبة لله:
المحبة مع الله: أن تجعل غير الله مثله في محبته أو أكثر. وهذا شرك.
والمحبة في الله أو لله: هي أن تحب الشيء تبعاً لمحبة الله عز وجل.
والذي نستفيده من الناحية المسلكية في هذا الآيات:
أولا: في قوله: { تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام } : إذا علمنا أن الله تعالي موصوف بالجلال، فإن ذلك يستوجب أن نعظمه، وأن نجله.
وإذا علمنا أنه موصوف بالإكرام فإن ذلك يستوجب أن نرجو كرمه وفضله.
وبذلك نعظمه بما يستحقه من التعظيم والتكريم.

(113/84)


ثانياً: قوله: { فاعبده واصطبر لعبادته } ، فالفوائد المسلكية في ذلك هو أن يعبد العبد ربه، ويصطبر للعبادة، لا يمل، ولا يتعب، ولا يضجر، بل يصبر عليها صبر القرين لقرينه في المبارزة في الجهاد.
ثالثاً: قوله: { هل تعلم له سمياً } ، { ولم يكن له كفواً أحد } ، { فلا تجعلوا لله أنداداً } ، ففيها تنزيه لله عز وجل، وأن الإنسان يشعر في قلبه بأن الله تعالي منزه عن كل نقص، وأنه لا مثيل له، ولا ندله، وبهذا يعظمه حق تعظيمه بقدر استطاعته.
رابعاً: قوله: { ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً } ، فمن فوائدها من الناحية المسلكية: أنه لا يجوز للإنسان أن يتخذ أحداً من الناس محبوباً كمحبة الله، وهذه تسمي المحبة مع الله.
{ وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً } (1) …………………………….
(1) (1) الآية الخامسة: قوله: { وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره كبيراً } [ الأسراء: 111].
· · { وقل } : الخطاب في مثل هذا: إما خاص بالرسول عليه الصلاة والسلام، أو عام لكل من يصح توجيه الخطاب إليه.
فإن كان خاصاً بالرسول صلي الله عليه وسلم، فهو خاص به بالقصد الأول، وأمته تبع له.
وإن كان عاماً، فهو يشمل الرسول صلي الله عليه وسلم وغيره بالقصد الأول.
· · { الحمد الله } : سبق تفسيه هذه الجملة، وأن الحمد هو وصف المحمود بالكمال مع المحبة والتعظيم.
· · وقوله : { لله } : اللام هنا للاستحقاق والاختصاص:
للاستحقاق، لأن الله تعالي يحمد وهو أهل للحمد.
والاختصاص، لأن الحمد الذي يحمد الله به ليس كالحمد الذي يحمد به غيره، بل هو أكمل وأعظم وأعم وأشمل.

(113/85)


* وقوله: { الذي لم يتخذ ولدا } : هذا من الصفات السلبية: { لم يتخذ ولداً } لكمال صفاته وكمال غناه عن غيره، ولأنه لا مثيل له، فلو اتخذ ولداً، لكان الولد مثله، لو كان له ولد، لكان محتاجاً إلي الولد يساعده ويعينه، لو كان له ولد، لكان ناقصاً، لأنه إذا شابهه أحد من خلقه، فهو نقص.
اليهند قالوا: لله ولد، وهو عزير.
والنصارى قالوا: لله ولد، وهو المسيح.
والمشركون قالوا: لله ولد، وهم الملائكة.
* وقوله: { ولم يكن له شريك في الملك } : هذا معطوف على قوله: { لم يتخذ ولداً } ، يعني: والذي لم يكن له شريك في الملك، لا في الخلق، ولا في الملك، ولا في التدبير.
كل ما سوى الله، فهو مخلوق لله، مملوك له، يدبره كما يشاء، ولم يشاركه أحد في ذلك، كما قال تعالى: { قل ادعوا الذين عمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض } [سبأ: 23] على سبيل التعين، { وما لهم فيهما من شرك } [سبأ: 23] على سبيل الشيوع، { وما له منهم من ظهير } [سبأ: 23]، لم يعاونه أحد في هذه السموات والأرض، { ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } [سبأ: 22-23]، وبهذا تقطعت جميع الأسباب التي يتعلق بها المشركون في آلهتهم.
فالآلهة هذه لا تملك من السماوات والأرض شيئاً معيناً، وليست شريكة لله، ولا معينة، ولا شفاعة، إلا بإذنه، يقول: { ولم يكن له شريك في الملك } [الإسراء: 111].
* وقوله: { ولم يكن له ولي من الذل } : لم يكن له ولي، لكن قيد بقوله: { من الذل } .
* و { من } هنا للتعليل، لأن الله تعالى له أولياء: { ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون (62) الذين آمنوا وكانوا يتقون } [يونس: 62-63]، وقال تعالى في الحديث القدسي: "من عادى لي ولياً، فقد آذنته بالحرب.."(1)، ولكن الولي المنفي هو الولي من الذل، لأن الله تعالى له العزة جميعاً، فلا يلحقه الذل بوجه من الوجوه، لكما عزته.

(113/86)


* وقوله: { وكبره تكبيرا } ، يعني: كبر الله عز وجل تكبيراً، بلسانك وجنانك: اعتقد في قلبك أن الله أكبر من كل شيء، وأن له الكبرياء في السماوات والأرض، وكذلك بلسانك تكبره، تقولك: الله أكبر!
وكان من هدي النبي وأصحابه أنهم يكبرون كلما علوا نشراً(2)، أي: مرتفعاً، وهذا في السفر، لأن الإنسان إذا علا في مكانه، قد يشعر في قلبه أنه مستعل على غيره، فيقول: الله أكبر. من أجل أن يخفف تلك العلياء التي شعر بها حين علا وارتفع.
وكانوا إذا هبطوا، قالوا: سبحان الله. لأن النزول سفول، فيقول: سبحان الله، أي: أنزهه عن السفول الذي أنا الآن فيه.
* وقوله: { تكبيرا } : هذا مصدر مؤكد، يراد به التعظيم، أي: كبره تكبيراً عظيماً.
والذي نستفيده من الناحية المسلكية في هذه الآية:
أن الإنسان يشعر بكمال غنى الله عز جل عن كل أحد، وانفراده بالملك، وتمام عزته وسلطانه، وحينئذ يعظم الله سبحانه وتعالى بما يستحق أن يعظم به بقدر استطاعته.
ونستفيد حمد الله تعالى على تنزهه عن العيوب، كما يحمد على صفات الكمال.
{ يسبح لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير } (1)..................................................................................
(1) الآية السادسة: قوله تعالى: { يسبح لله ما في السموات وما في الأرض له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير } [التغابن: 1].
* { يسبح } ، بمعنى: ينزه عن كل صفة نقص وعيب، و(سبح) تتعدى بنفسها وتتعدى باللام.
- أما تعهديها بنفسها، فمثل قوله تعالى: { لتؤمنوا بالله ورسوله وتعزروه وتوقروه وتسبحوه بكرة وأصيلا } [الفتح: 9].
- وأما تعديها باللام، فهي كثيرة، فكل السور المبدوءة بهذا متعدية باللام.
قال العلماء: وإذا أريد مجرد الفعل، تعدت بنفسها: { وتسبحوه } ، أي: تقولوا: سبحان الله!

(113/87)


وإذا أريد بيان القصد والإخلاص، تعدت باللام، { يسبح لله } ، أي: سبحوا إخلاصاً لله واستحقاقاً.
فاللام هنا تبين كمال الإرادة من الفاعل، وكمال الاستحقاق من المسبح، وهو الله.
* وقوله: { ما في السموات وما في الأرض } : عام يشمل كل شيء.
لكن التسبيح نوعان: تسبيح بلسان المقال، وتسبيح بلسان الحال.
- أما التسبيح بلسان الحال، فهو عام: { وإن من شيء إلا يسبح بحمده } [الإسراء: 44].
- وأما التسبيح بلسان المقال، فهو عام كذلك، لكن يخرج منه الكافر، فإن الكافر لم يسبح الله بلسانه، ولهذا يقول تعالى: { سبحان الله عما يشركون } [الحشر: 23]، { سبحان الله عما يصفون } [الصافات: 159] فهم لم يسبحوا الله تعالى، لأنهم أشركوا به ووصفوه بما لا يليق به.
فالتسبيح بلسان الحال يعني: أن حال كل شيء في السماوات والأرض تدل على تنزيه الله سبحانه وتعالى عن العبث وعن النقص، حتى الكافر إذا تأملت حاله، وجتها تدل على تنزه الله تعالى عن النقص والعيب.
وأما التسبيح بلسان المقال، فيعني: أن يقول: سبحان الله.
* وقوله: { له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير } .
هذه الصفات الأخيرة صفات ثبوتية، وسبق ذكر معناها، لكن { يسبح لله } صفة سلبية، لأن معناها، تنزيهه عما لا يليق به.
{ تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقدير } (1)........
(1) الآية السابعة والثامنة: وقوله: { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً (1) الذي له ملك السموات والأرض ولم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديراً } [الفرقان: 1-2].
* { تبارك } ، بمعنى: تعالى وتعاظم.
* و { الذي نزل الفرقان على عبده } : هو الله عز وجل.

(113/88)


* وقوله: { الفرقان، يعني به: القرآن، لأنه يفرق بين الحق والباطل، وبين المسلم والكافر، وبين البر والفاجر، وبين الضار والنافع، وغير ذلك مما فيه الفرقان، فكله فرقان.
{ على عبده } : محمد عليه الصلاة والسلام، فوصفه بالعبودية في مقام التحدث عن تنزل القرآن عليه، وهذا المقام من أشرف مقامات النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وله وصفه الله تعالى بالعبودية في مقام تنزل القرآن عليه، كما هنا، وكما في قوله: { الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب } [الكهف: 1]، ووصفه بالعبودية في مقام الدفاع عنه والتحدي: { وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا } [ البقرة: 23]، ووصفه بالعبودية في مقام تكريمة بالمعراج، فقال : { سبحان الذي أسري بعبده ليلاً من المسجد الحرام } [الأسراء:1] ، وقال في سورة النجم: { فأوحي إلي عبده ما أوحي } [ النجم: 10]، مما يدل على أن وصف الإنسان بالعبودية لله يعد كمالاً، لأن العبودية لله هي حقيقة الحرية، فمن لم يتعبد له، كان عابداً لغيره.
قال ابن القيم رحم الله.
هوبوا من الرق الذي خلقوا له وبلوا برق النفس والشيطان
و" الرق الذي خلقوا له " : عبادة الله عز وجل .
و " بلوا برق النفس والشيطان " : حيث صاروا أرقاء لنفوسهم، وأرقاء للشيطان، فما من إنسان يفر من عبودية الله، إلا وقع في عبودية هواه وشيطانه ، قال الله تعالي: { أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم } [ الجاثية: 23] .
* قوله: { ليكون للعالمين نذيراً } : اللام هنا للتعليل، والضمير في { ليكون } عائد على النبي عليه الصلاة والسلام، لأنه أقرب مذكور، ولأن الله تعالي قال : { لتتذر به } [ الأعراف: 2]، وقال تعالي: { لأنذركم به ومن بلغ } [ الأنعام : 19] ، فالمنذر: الرسول عليه الصلاة والسلام.
* وقوله: { للعالمين } : يشمل الجن والإنس.

(113/89)


* وقوله: { ولم يتخذ ولدا لم يكن له شريك في الملك } : سبق معناهما، وهما صفة سلبية.
* { وخلق كل شىء فقدره تقديراً } : الخلق: الإيجاد على وجه معين.
والتقدير : بمعني التسوية أو بمعني القضاء في الأزل، والأول أصح، ويدل لذلك قوله تعالي: { الذي خلق فسوي } [ الأعلي:2 ]، وبه تكون الآية على الترتيب الذكري والمعنوي، وعلى الثاني تكون الآية على الترتيب الذكري.
ونستفيد من هذه الآيات من الناحية المسلكية:
أنه يجب علينا أن نعرف عظمة الله عز وجل، وننزهه عن كل نقص، وإذا علمنا ذلك، ازددنا محبة له وتعظيماً.
ومن آيتي الفرقان نستفيد بيان هذا القرآن العظيم، وأن مرجع العباد، وأن الإنسان إذا أراد أن تتبين له الأمور، فليرجع إلي القرآن، لأن الله سماه فرقاناً: { نزل الفرقان على عبده } [ الفرقان: 1].
ونستفيد أيضاً من الناحية المسلكية التربوية: أن تتأكد وتزداد محبتنا لرسول الله صلي الله عليه وسلم حيث كان عبد الله، قائماً بإبلاغ الرسالة وإنذار الخلق.
ونستفيد أيضاً: أن النبي عليه الصلاة والسلام آخر الرسل، فلا نصدق بأي دعوي للنبوة من بعده، لقوله: { للعالمين } ، ولو كان بعده رسول، لكان تنتهي رسالته بهذا الرسول، ولا كانت للعالمين كلهم.
{ ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون عالم الغيب والشهادة فتعالي عما يشركون } (1)..
(1) الآية التاسعة والعاشرة: قوله: { ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون ، عالم الغيب والشهادة فتعالي عما يشركون } [ المؤمنون:91-92].
* ينفي الله تعالي في هذه الآية أن يكون اتخذ ولداً، أو أن يكون معه إله.

(113/90)


ويتأكد هذا النفي بدخول { من } في قوله { من ولد } ، وقوله: { من إله } ، لأن زيادة حرف الجر في سياق النفي ونحو تفيد التوكيد.
* فقوله: { ما اتخذ الله من ولد } ، يعني: ما اصطفي أحداً يكون ولداً له، لا عزير، ولا المسيح، ولا الملائكة ولا غيرهم، لأنه الغني عما سواه.
وإذا انتفي اتخاذه الولد فانتفاء أن يكون والداً من باب أولي.
· · وقوله: { من إله } : { إله } ، بمعني: مألوه، مثل: بناء، بمعني: مبني، وفراش، بمعني: مفروش، فالإله بمعني المألوه، أي: المعبود المتذلل له.
يعني: ما كان معه من إله حق، أما الآلهات الباطلة، فهي موجودة، لكن لكونها باطلة، كانت كالعدم، فصح أن يقال: ما كان مع الله من إله.
* { إذا } ، يعني: لو كان معه إله.
* { لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض } : لو كان هناك إله آخر يساوي الله عز وجل ، لكان له ملك خاص ولله ملك خاص، يعني: لا نفرد كل واحد منهم بما خلق، قال: هذا خلقي لي، وكذلك الآخر.
وحينئذ، يريد كل منهما أن يسيطر على الآخر كما جرت به العادة، فملوك الدنيا كل واحد منهم يريد أن يسيطر على الآخر، وتكون المملكة كلها له، وحينئذ:
إما أن يتمانعا، فيعجز كل واحد منهما عن الآخر، وإذا عجز كل واحد منهما عن الآخر، ما صح أن يكون واحد منهما إلهاً، لأن الإله لا يكون عاجزاً.
وإما أن يعلو أحدهما على الآخر، فالعالي هو الإله.
فترجع المسألة إلي أنه لابد أن يكون للعالم إله واحد ، ولا يمكن أن يكون للعالم إلهان أبداً لأن القضية لا تخرج من هذين الاحتمالين.
كما أننا أيضاً إذا شاهدنا الكون علوية وسفلية، وجدنا أنه كون يصدر عن مدبر واحد، وإلا، لكان فيه تناقض، فأحد الإلهين يقول مثلاً: أنا أريد الشمس تخرج من المغرب ! والثاني يقول: أريدها تطلع من المشرق! واتفاق الإرادتين بعيد جداً، ولا سيما أن المقام مقام سلطة، فكل واحد يريد أن يفرض رأيه.

(113/91)


ومعلوم أننا لا نشاهد الآن الشمس تطلع يوماً مع هذا ويوماً مع هذا، أو يوماً تتأخر لأن الثاني منعها ويوماً تتقدم لأن الأول أمر الثاني بإخراجها، فلا تجد هذا، نجد الكون كله واحداً متناسباً متناسقاً، مما يدل دلالة ظاهرة على أن المدبر له واحد، وهو الله عز وجل.
فبين الله سبحانه وتعالى بدليل عقلي أنه لا يمكن التعدد، إذ لو أمكن التعدد، لحصل هذا، لا نفصل كل واحد عن الثاني، وذهب كل إله بما خلق، وحينئذ إما أن يعجز أحدهما عن الآخر، وإما أن يعلو أحدهما الآخر، فإن كان الأول، لم يصلح أي واحد منهما للألوهية، وإن كان الثاني، فالعالي هو الإله، وحينئذ يكون الإله واحداً.
فإن قيل: ألا يمكن أن يصطلحا وينفرد كل واحد بما خلق؟
فالجواب: أنه لو أمكن ووقع، لزم أن يختل نظام العالم.
ثم إن اصطلاحهما لا يكون إلا لخوف كل واحد منهما من الآخر، وحينئذ لا تصلح الربوبية ولواحد منهما، لعجزه عن مقاومة الآخر.
* ثم قال تعالى: { سبحان الله عما يصفون } ، أي: تنزيهاً لله عز وجل عما يصفه به الملحدون المشركون الذي يقولون في الله سبحانه مالا يليق به.
* { عالم الغيب والشهادة } : الغيب: ما غاب عن الناس، والشهادة: ما شهده الناس.
* { فتعالى عما يشركون } : { فتعالى } ، يعني: ترفع وتقدس.
* { عما يشركون } : عن الأصنام التي جعلوها آلهة مع الله تعالى.
وفي هاتين الآيتين من صفات النفي: تنزه الله تعالى عن اتخاذ الولد الذي وصفه به الكافرون، وعن الشريك له في الألوهية الذي أشرك به المشركون.
وهذا النفي لكمال غناه وكمال ربوبيته وإلهيته.
ونستفيد منهما من الناحية المسلكية: أن الإيمان بذلك يحمل الإنسان على الإخلاص لله عز وجل.
(1) الآية الحادية عشرة: قوله: { فلا تضربوا لله الأمثال إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } [النحل: 74].
* يعني: لا تجعلوا لله مثلاً، فتقولون: مثل الله كمثل كذا وكذا‍ أو تجعلوا له شريكاً في العبادة.

(113/92)


* يعني { إن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } ، بمعنى: أنه سبحانه وتعالى يعلم بأنه ليس له مثل، وقد أخبركم بأنه لا مثل، وقد أخبركم بأنه لا مثل له، في قوله: { ليس كمثله شيء } [الشورى: 11]، وقوله: { ولم يكن له كفواً أحد } [الإخلاص: 4]، وقوله: { هل تعلم له سمياً } [مريم: 65]... وما أشبه ذلك، فالله يعلم وأنتم لا تعلمون.
يقال: إن هذه الجملة تتضمن الدليل الواضح على أن الله ليس له مثل، وأنها كضرب المثل في امتناع المثل، لأننا نحن لا نعلم والله يعلم، فإذا انتفى العلم عنا، وثبت لله، فأين المماثلة؟‍ هل يماثل الجاهل من كان عالماً؟‍
ويدلك على نقص علمنا: أن الإنسان لا يعلم ما يفعله في اليوم التالي: { وما تدري نفس ماذا تكسب غداً } [لقمان: 34]، وأن الإنسان لا يعلم روحه التي بين جنبيه: { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي } [الإسراء: 85].
وما زال الفلاسفة والمتفلسفة وغيره يبحثون عن حقيقة هذه الروح، ولم يصلوا إلى حقيقتها، مع أنها هي مادة الحياة، وهذا يدل على نقصان العلم في المخلوق، ولهذا قال تعالى: { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا } [الإسراء: 85].
فإن قلت: كيف تجمع بين هذه الآية: { فلا تضربوا لله الأمثال أن الله يعلم وأنتم لا تعلمون } [البقرة: 22]؟‍

(113/93)


الجواب: أنه هناك يخاطب الذين يشركون به في الألوهية فيقول: { فلا تجعلوا لله أندادا } في العبادة والألوهية { وأنتم تعلمون } أنه لا ند له في الربوبية، بدليل قوله: { يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (21) الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون } [البقرة: 21-22]. أما هنا: ففي باب الصفات: { فلا تضربوا لله الأمثال } ، فتقولوا: مثلاً: إن يد الله مثل يد كذا! وجه الله مثل وجه كذا! وذات الله مثل الذات الفلانية... وما أشبه هذا، لأن الله تعالى يعلم وأنتم لا تعلمون وقد أخبركم بأنه لا مثيل له.
أو يقال: إن إثبات العلم لهم خاص في باب الربوبية، ونفيه عنهم خاص في باب الألوهية، حيث أشركوا بالله فيها، فنزلوا منزلة الجاهل.
وهذه الآية تتضمن من الكما كمال صفات الله عز وجل، حيث إنه لا مثيل له.
أما الفائدة المسلكية التي تؤخذ من هذه الآية، فهي: كمال تعظيمنا للرب عز وجل، لأننا إذا علمنا أنه لا مثيل له، تعلقنا به رجاءً وخوفاً، وعظمناه، وعلمنا أنه لا يمكن أن يماثله سلطان ولا ملك ولا وزير ولا رئيس، مهما كانت عظمة ملكيتهم ورئاستهم ووزارتهم، لأن الله سبحانه ليس له مثل.
{ قل إنما حرم ربي الواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله مالا تعلمون } (1).....................
(1) الآية الثانية عشرة: قوله: { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } [الأعراف: 33].
* { قل } : الخطاب للنبي - صلى الله عليه وسلم -، أي: قل معلناً للناس.
* { إنما } : أداة حصر، وذلك لقابلة تحريم من حرم ما أحل الله.

(113/94)


* { حرم } ، بمعنى: منع، وأصل هذه المادة (ح ر م) تدل على المنع، ومنه حريم البئر: للأرض التي تحميه حوله: لأنه يمنع من التعدي عليه.
* { الفواحش } : جمع فاحشة، وهي الذنب الذي يستفحش، مثل: الزنى واللواط.
والزنى، قال الله فيه: { ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة } [الإسراء: 32].
وفي اللواط، قال لوط لقومه: { أتأتون الفاحشة } [الأعراف: 80].
ومن الزنى أن يتزوج الإنسان امرأة لا تحل له لقرابة أو رضاع أو مصاهرة، قال الله تعالى: { ولا تنكحوا ما نكح أباؤكم من النساء إلا ما قد سلف إنه كان فاحشة ومقتا وساء سبيلا } [النساء: 22]، بل إن هذا أشد من الزنى، لأنه وصفه بثلاثة أوصاف: فاحشة، ومقت، وساء سبيلاً، وفي الزنى وصفه الله بوصفين: { إنه كان فاحشة وساء سبيلاً } [الإسراء: 32].
* وقوله: { ما ظهر منها وما بطن } : قيل: إن المعنى ما ظهر فحشه وما خفي، وقيل: المعنى ما ظهر للناس وما بطن عنهم، باعتبار فعل الفاعل، لا باعتبار العمل، أي: ما أظهره الإنسان للإنسان وما أبطنه.
* قوله: { والإثم والبغي بغير الحق } ، يعني: حرم الإثم والبغي بغير الحق.
والإثم: المراد به ما يكون سبباً له من المعاصي.
والبغي: العدوان على الناس، قال الله تعالى: { إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق } [الشورى: 42].
* وفي قوله: { والبغي بغير الحق } : إشارة إلى أن كل بغي فهو بغير حق، وليس المراد أن البغي ينقسم إلى قسمين: بغي بحق، وبغي بغير حق، لأن البغي كله بغير حق.
وعلى هذا، فيكون الوصف هنا من باب الوصف الكاشف، ويسميها العلماء صفة كاشفة، أي: مبينة، وهي التي تكون كالتعليل لموصوفها.

(113/95)


* قوله: { وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً } : هذه معطوفة على ما سبق، يعني: وحرم ربي أن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً، يعني: أن تجعلوا له شريكاً لم ينزل به سلطاناً، أي حجة، وسميت الحجة سلطاناً، لأنها سلطة للمحتج بها.
وهذا القيد: { ما لم ينزل به سلطاناً } : نقول فيه كما قلنا في { والبغي بغير الحق } ، أي: أنه قيد كاشف، لأن كل من أشرك بالله، فليس له سلطان بشركه.
* قوله: { وأن تقولوا على الله ما لا تعملون } ، يعني: وحرم أن تقولوا على الله ما لا تعلمون، فحرام علينا أن نقول على الله مالا نعلم، سواء كان في ذاته أو أسمائه أو صفاته أو أفعاله أو أحكامه.
فهذه خمسة أشياء حرمها الله علينا.
وفيها رد على المرشكين الذين حرموا مالم يحرمه الله.
إذا قال قائل: أين الصفة السلبية في هذه الآية؟
قلنا: هي { وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } ، فالاثنتان جميعاً من باب الصفات السلبية: { وأن تشركوا } ، يعني: لا تجعلوا لله شريكاً لكماله. { وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } كذلك، لكماله، فإنه من تمام سلطانه أن لا يقول عليه أحد ما لا يعلم.
الفائدة المسلكية من هذه الآية هي: أن تتجنب هذه الأشياء الخمسة التي صرح الله تعالى بتحريمها.
وقد قال أهل العلم: إن هذه المحرمات الخمسة مما أجمعت الشرائع على تحريمها.
ويدخل في القول على الله بغير علم تحريف نصوص الكتاب والسنة في الصفات وغيرها، فإن الإنسان إذا حرف نصوص الصفات، مثل أن يقول: المراد باليدين النعمة فقد قال على الله مالا يعلم من وجهين:
الوجه الأول: أنه نفي الظاهر بلا علم.
والثاني: أثبت لله خلافه بغير دليل.
فهو يقول: لم يرد الله كذا، وأراد كذا، فنقول: هات الدليل على أنه لم يرد، وعلى أنه أراد كذا! فإن لم تأت بالدليل فإنك قد قلت على الله ما لا تعلم.
استواء الله على عرشه

(113/96)


وقوله: { الرحمن على العرش استوى } ، { ثم استوى على العرش } في سبع مواضع في سورة الأعراف، قوله: { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش } (1)..................................................................
(1) ذكر المؤلف رحمه الله ثبوت استواء الله على عرشه وأنه في سبعة مواضع في القرآن:
الموضع الأول: قوله في سورة الأعراف: { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش } [الأعراف: 54].
{ الله } خبر { إن } .
{ خلق السموات والأرض } : أوجدهما من العدم على وجه الإحكام والإتقان.
* { في ستة أيام } : ومدة هذه الأيام كأيامنا التي تعرف، لأن الله سبحانه وتعالى ذكرها منكرة، فتحمل على ما كان معروفاً.
وأول هذه الأيام يوم الأحد، وآخرها يوم الجمعة.
منها أربعة أيام للأرض، ويومان للسماء، كما فصل الله ذلك في سورة فصلت:
{ قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين (9) وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين } [فصلت: 9-10]، فصارت أربعة: { ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرها قالتا أتينا طائعين (11) فقضاهن سبع سموات في يومين } [فصلت: 11-12].
* وقوله: { ثم استوى على العرش } : { ثم } : للترتيب.
* و { العرش } : هو ذلك السقف المحيط بالمخلوقات، ولا نعلم مادة هذا العرش، لأنه لم يرد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - حديث صحيح يبين من أين خلق هذا العرش، لكننا نعلم أنه أكبر المخلوقات التي نعرفها.
وأصل العرش في اللغة: السرير الذي يختص به الملك، ومعلوم أن السرير الذي يختص به الملك سيكون سريراً عظيماً فخماً لا نظير له.
وفي هذه الآية من صفات الله تعالى عدة صفات، لكن المؤلف ساقها لإثبات صفة واحدة، وهي الاستواء على العرش.

(113/97)


* وأهل السنة والجماعة يؤمنون بأن الله تعالى مستوى على عرشه استواء يليق بجلاله ولا يماثل استواء المخلوقين.
فإن سألت: ما معنى الاستواء عندهم؟ فمعناه العلو والاستقرار.
وقد ورد عن السلف في تفسيره أربعة معاني: الأول: علا، والثاني: ارتفع، والثالث: صعد. والرابع: استقر.
لكن (علا) و (ارتفع) و (صعد) معناها واحد، وأما (استقر)، فهو يختلف عنها.
ودليلهم في ذلك: أنها في جميع مواردها في اللغة العربية لم تأت إلا لهذا المعنى إذا كانت متعدية بـ(على):
قال الله تعالى: { فإذا استويت أنت ومن معك على الفلك } [المؤمنون: 28].
وقال تعالى: { وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون (12) لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه } [الزخرف: 12-13].
* وفسره أهل التعطيل بأن المراد به الاستيلاء، وقالوا: معنى: { ثم استوى على العرش } [الأعراف: 54]، يعني: ثم استولى عليه.
واستدلوا لتحريفهم هذا بدليل موجب وبدليل سالب:
- أما الدليل الموجب، فقالوا: إننا نستدل بقول الشاعر:
قد استوى بشر على العراق من غير سيف أو دم مهراق
(بشر): ابن مروان، (استوى)، يعني: استولى على العراق.
قالوا: وهذا بيت بن رجل عربي، ولا يمكن أن يكون المراد به استوى على العراق، يعني علا على العراق! لا سيما أنه في ذلك الوقت لا طائرات يمكن أن يعلو على العراق بها.
أما الدليل السلبي، فقالوا لو أثبتنا أن الله عز وجل مستو على عرشه بالمعنى الذي تقولون، وهو العلو والاستقرار، لزم من ذلك أن يكون محتاجاً إلى العرش، وهذا مستحيل، واستحالة اللازم تدل على إستحالة الملزوم. ولزم من ذلك أن يكون جسماً، لأن استواء شيء على شيء بمعنى علوه عليه يعني أنه جسم. ولزم أن يكون محدوداً، لأن المستوي على الشيء يكون محدودا، وإذا استويت على البعير، فأنت محدود في منطقة معينة محصور بها وعلى محدود أيضاً.

(113/98)


هذه الأشياء الثلاثة التي زعموا أنها تلزم من إثبات أن الاستواء بمعنى العلو والارتفاع.
* والرد عليهم من وجوه:
أولاً: تفسيركم هذا مخالف لتفسير السلف الذي أجمعوا عليه، والدليل على إجماعهم أنه لم ينقل عنهم أنهم قالوا به وخالفوا الظاهر، ولو كانوا يرون خلاف ظاهره، لنقل إلينا، فما منهم أحد قال: إن (استوى) بمعنى (استولى) أبداً.
ثانياً: أنه مخالف لظاهر اللفظ، لأن مادة الاستواء إذا تعدت بـ(على)، فهي بمعنى العلو والاستقرار، هذا ظاهر اللفظ، وهذه مواردها في القرآن وفي كلام العرب.
ثالثاً: أنه يلزم عليه لوازم باطلة:
1- يلزم أن يكون الله عز وجل حين خلق السماوات والأرض ليس مستولياً على عرشه، لأن الله يقول: { خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش } [الأعراف: 54]، و { ثم } تفيد الترتيب، فيلزم أن يكون العرش قبل تمام خلق السماوات والأرض لغير الله.
2- أن الغالب من كلمة (استولى) أنها لا تكون إلا بعد مغالبة! ولا أحد يغالب الله.
أن المفر والإله الطالب والأشرم المغلوب ليس الغال
3- من اللوازم الباطلة أنه يصح أن نقول: إن الله استوى على الأرض والشجر والجبال، لأنه مسئول عليها.
وهذه لوازم باطلة، وبطلان اللازم يدل على بطلان الملزوم.
وأما استدلالهم بالبيت، فنقول:
1- أثبتوا لنا سند هذا البيت وثقة رجاله، ولن يجدوا إلى ذلك سبيلاً.
2- من هذا القائل؟ أفلا يمكن أن يكون قاله بعد تغير اللسان؟ لأنه كل قول يستدل به على اللغة العربية بعد تغير اللغة العربية فإنه ليس بدليل، لأن العربية بدأت تتغير حين اتسعت الفتوح ودخل العجم مع العرب فاختلف اللسان، وهذا فيه احتمال أنه بعد تغير اللسان.
3- أن تفسيركم "استوى بشر على العراق" بـ(استولى) تفسير تعضده القرينة، لأنه من المعتذر أن بشراً يسعد فوق العراق فيستوي عليه كما يستوي على السرير أو على ظهر الدابة فلهذا نلجأ إلى تفسيره بـ(استولى).

(113/99)


هذا نقوله من باب التنزل، وإلا، فعندنا في هذا جواب آخر:
أن نقول: الاستواء في البيت بمعنى العلو، لأن العلو نوعان:
1- علو حسي، كاستوائنا على السرير.
32- وعلو معنوي، بمعنى السيطرة والغلبة.
فيكون معنى "استوى بشر على العراق" يعني: علا علو غلبة وقهر.
وأما قولكم: إنه يلزم من تفسير الاستواء بالعلو أن يكون الله جسماً.
فجوابه: كل شيء يلزم من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، فهوحق، ويجب علينا أن نلتزم به، ولكن الشأن كل الشأن أن يكون هذا من لازم كلام الله ورسوله، لأنه قد يمنع أن يكون لازماً، فإذا ثبت أنه لازم، فليكن، ولا حرج علينا إذا قلنا به.
ثم نقول: ماذا تعنون بالجسم الممتنع؟
إن أردتم به أنه ليس لله ذات تتصف بالصفات اللازمة لها اللائقة بها، فقولكم باطل، لأن لله ذاتاً حقيقية متصفة بالصفات، وأن له وجهاً ويداً وعيناً وقدماً، وقولوا ما شئتم من اللوازم التي هي لازم حق.
وأن أردتم بالجسم الذي قلتم يمتنع أن يكون الله جسماً:
الجسم المركب من العظام واللحم والدم وما أشبه ذلك، فهذا ممتنع على الله، وليس بلازم من القول بأن استواء الله على العرش علوه عليه.
وأما قولهم: إنه يلزم أن يكون محدوداً.
فجوابه أن نقول بالتفصيل: ماذا تعنون بالحد؟
إن أردتم أن يكون محدوداً، أي: يكون مبايناً للخلق منفصلاً عنهم، كما تكون أرض لزيد وأرض لعمر، فهذه محدودة منفصلة عن هذه، فهذا حق ليس فيه شيء من النقص.
وإن أردتم بكونه محدوداً: أن العرش محيط به، فهذا باطل، وليس بلازم، فإن الله تعالى مستوى على العرش، وإن كان عز وجل أكبر من العرش ومن غير العرش، ولا يلزم أن يكون العرش محيطاً به بل لا يمكن أن يكون محيطاً به، لأن الله سبحانه وتعالى أعظم من كل شيء وأكبر من كل شيء والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة، والسماوات مطويات بيمينه.
وأما قولهم: يلزم أن يكون محتاجاً إلى العرش.

(113/100)


فنقول: لا يلزم، لأن معنى كونه مستوياً على العرش: أنه فوق العرش، لكنه علو خالص، وليس معناه أن العرش يقله أبداً، فالعرش لا يقله، والسماء لا تقله، وهذا اللازم الذي ادعيتموه ممتنع، لأنه نقص بالنسبة إلى الله عز وجل، وليس بلازم من الاستواء الحقيقي، لأننا لسنا نقول: إن معنى { استوى على العرش } ، يعني: أن العرش يقله ويحمله، فالعرش محمول: { ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية } [الحاقة: 17]، وتحمله الملائكة الآن، لكنه ليس حاملاً لله عز وجل، لأن الله سبحانه وتعالى ليس محتاجاً إليه، ولا مفتقراً إليه، وبهذا تبطل حججهم السلبية.
* وخلاصة ردنا لكالمهم من عدة أوجه:
الأول: أن قولهم هذا مخالف لظاهر النص.
ثانياً: مخالف لإجماع الصحابة وإجماع السلف قاطبة.
ثالثاً: أنه لم يرد في اللغة العربية أن (استوى) بمعنى (استولى)، والبيت الذي احتجوا به على ذلك لا يتم به الاستدلال.
رابعاً: أنه يلزم عليه لوازم باطلة منها:
1- أن يكون العرش قبل خلق السماوات والأرض، ملكاً لغير الله.
2- أن كلمة (استولى) تعطي في الغالب أن هناك مغالبة بين الله وبين غيره، فاستولى عليه وغلبه.
3- أنه يصح أن نقول ـ على زعمكم ـ: أن الله استوى على الأرض والشجر والجبال والإنسان والبعير، لأنه (استولى) على هذه الأشياء، فإذا صح أن نطلق كلمة (استولى) على شيء، صح أن نطلق كلمة (استولى) على شيء، صح أن نطلق (استوى) على ذلك الشيء، لأنهما مترادفان على زعمكم.
فبهذه الأوجه يتبين أن تفسيرهم باطل.
* ولما كان أبو المعالي الجويني ـ عفا الله عنه ـ يقرر مذهب الأشاعرة، وينكر استواء الله على العرش، بل وينكر علو الله بذاته، قال:
"كان الله تعالى ولم يكن شيء غيره، وهو الآن على ما كان عليه". وهو يريد أن ينكر استواء الله على العرش، يعني: كان ولا عرش، وهو الآن على ما كان عليه، إذاً: لم يستو على العرش. فقال له أبو العلاء الهمذاتي:

(113/101)


يا أستاذ! دعنا من ذكر العرش والاستواء على العرش ـ يعني: لأن دليله سمعي، ولولا أن الله أخبرنا به ما علمناه ـ أخبرنا عن هذه الضرورة التي تجد في نفوسنا: ما قال عارف قط: يا الله! إلا وجد من قلبه ضرورة بطلب العلو. فبهت أبو المعالي، وجعل يضرب على رأسه: حيرني الهمذاني، حيرني الهمذاتي!وذلك لأن هذا دليل فطري لا أحد ينكره.
وقال في سورة يونس عليه السلام: { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش } (1)، وقال في سورة الرعد: { الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش } (2).....................................................
(1) الموضع الثاني: في سورة يونس، قال الله تعالى: { إن ربكم الله الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش } [يونس: 3].
نقول فيها ما قلنا في الآية الأولى.
(2) الموضع الثالث: في سورة الرعد قال الله تعالى: { الله الذي رفع السموات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش } [الرعد: 2] .
· · { رفع السموات بغير عمد } : { بغير عمد } : هل يعني: ليس لها عمد مطلقاً؟ أو لها عمد لكنها غير مرئية لنا؟
فيه خلاف بين المفسرين، فمنهم من قال: إن جملة { ترونها } صفة لـ { عمد } ، أي: بغير عمد مرئية لكم، ولها عمد غير مرئية. ومنهم من قال: إن جملة { ترونها } جملة مستأنفة، معناها: ترونها كذلك بغير عمد. وهذا الأخير أقرب، فإن السماوات ليس لها عمد مرئية ولا غير مرئية، ولو كان لها عمد، لكانت مرئية في الغالب، وإن كان الله تعالى قد يحجب عنا بعض المخلوقات الجسيمة لحكمة يريدها.
* وقوله: { ثم استوى على العرش } : هذا الشاهد، ويقال في معناها ما سبق.
(1) الموضع الرابع: في سورة طه قال: { الرحمن على العرش استوى } [طه: 5].

(113/102)


* قدم { على العرش } وهو معمول لـ { استوى } لإفادة الحصر والتخصيص وبيان أنه سبحانه وتعالى لم يستو على شيء سوى العرش.
* وفي ذكر { الرحمن } إشارة إلى أنه مع علوه وعظمته موصوف بالرحمة.
(2) الموضع الخامس: في سورة الفرقان قوله: { ثم استوى على العرش الرحمن } [الفرقان: 59].
* { الرحمن } : فاعل { استوى } .
وقال في سورة آلم السجدة : { الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش } ، وقال في سورة الحديد : { هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم أستوى على العرش } .
(1) (1) الموضع السادس : في سورة آلم السجدة قال: { الله الذي خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام ثم استوى على العرش } {السجدة: 4} .
نقول فيها مثل ماقلنا في آيتي الأعراف ويونس ، لكن هنا فيه زيادة:
{ وما بينهما } ؛ يعني : بين السماء والأرض ، والذي بينهما مخلوقات عظيمة استحقت أن تكون معادلة للسماوات والأرض، والذي بينهما مخلوقات عظيمة استحقت أن تكون معادلة للسماوات والأرض وهذه المخلوقات العظيمة منها ما هو معلوم لنا كالشمس والقمر والنجوم والسحاب ومنها ما هو مجهول إلى الآن.
(2)الموضع السابع: في سورة الحديد قال: { هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش } {الحديد:4}.
فهذه سبعة مواضع؛ كلها يذكر الله تعالى فيها الإستواء معدى بـ { على } .
وبعد؛ فقد قال العلماء : إن أصل هذه المادة (س و ي) تدل على الكمال { الذي خلق فسوى } {الأعلى:2} ؛ أي : أكمل ما خلقه ؛ فأصل السين والواو والياء تدل على الكمال.
ثم هي على أربعة أوجه في اللغة العربية: معداة بـ(إلى) ، ومعداة بـ (على) ، ومقرونة بالواو ، ومجردة:
-فالمعداة بـ (على) مثل: { استوى على العرش } {الحديد: 4} ، ومعناها:
علا واستقر

(113/103)


والمعداة بـ ( إلى ) : مثل قوله تعالى: { ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات }
{البقرة : 29} .
فهل معناها كالأولى المعداة بـ(على) ؟
فيها خلاف بين المفسرين:
منهم من قال : إن معناها واحد ، وهذا ظاهر تفسير ابن جرير رحمه الله ؛ فمعنى { استوى إلى السماء } ؛ أي : ارتفع إليها.
ومنهم من قال: بل الاستواء هنا بمعنى القصد الكامل ؛ فمعنى: استوى إليها؛ أي: قصد إليها قصداً كاملاً ، وأيدوا تفسيرهم هذا بأنها عديت بما يدل على هذا المعنى ، وهو (إلى) ، وإلى هذا ذهب ابن كثير رحمه الله ؛ ففسر قوله: { ثم استوى إلى السماء } ؛ أي: قصد إلى السماء، وإلا ستواء ها هنا مضمن معنى القصد والإقبال ؛ لأنه عدي بـ(إلى) .أ.هـ كلامه.
والمقرونة بالواو ؛ كقولهم : استوى الماء والخشبة ؛ بمعنى : تساوى الماء والخشبة.
والمجردة ؛ كقوله تعالى : { ولما بلغ أشده واستوى } {القصص:14} ، ومعناها : كمل.
تنبيه:
إذا قلنا: استوى على العرش ؛ بمعنى : علا ؛ فها هنا سؤال ، وهو: إن الله خلق السماوات ، ثم استوى على العرش؛ فهل يستلزم أنه قبل ذلك ليس عالياً؟
فالجواب: لا يستلزم ذلك؛ لأن الاستواء على العرش أخص من مطلق العلو ؛ لأن الاستواء على العرش علو خاص به، والعلو شامل على جميع المخلوقات ؛ فعلوه عز وجل ثابت له أزلاً وابداً ، لم يزل عالياً على كل شيء قبل أن يخلق العرش ، ولا يلزم من عدم استوائه على العرش عدم علوه، بل هو عال ، ثم بعد خلق السماوات والأرض علا علواً خاصاً على العرش.
فإن قلت: نفهم من الآية الكريمة أنه حين خلق السماوات والأرض علا علواً خاصاً على العرش . فإن قلت: نفهم من الآية الكريمة أنه حين خلق السماوات والأرض ليس مستوياً على العرش ، لكن قبل خلق السماوات والأرض ، هل هو مستو على العرش أولاً؟
فالجواب: الله أعلم بذلك.
فإن قلت: هل استواء الله تعالى على عرشه من الصفات الفعلية أو الذاتية؟

(113/104)


فالجواب: أنه من الصفات الفعلية ؛ لأنه يتعلق بمشيئته ، وكل صفة تتعلق بمشيئته ؛ فهي من الصفات الفعلية.
إثبات علو الله على مخلوقاته
وقوله: { يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي }
(1) ذكر المؤلف رحمه الله في إثبات علو الله على خلقه ست آيات.
الآية الأولى: قوله : { يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي } {آل عمران: 55}
الخطاب لعيسى بن مريم الذي خلقه الله من أم بلا أب ، ولهذا ينسب إلى أمه ، فيقال : عيسى بن مريم.
يقول الله : { إني متوفيك } : ذكر العلماء فيها ثلاثة أقوال:
القول الأول: { متوفيك } ؛ بمعنى قابضك ، ومنه قولهم : توفى حقه؛
أي: قبضه.
القول الثاني: { متوفيك } : منيمك ؛ لأن النوم وفاة ؛ كما قال تعالى: { وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثك فيه ليقضي أجل مسمى } {الأنعام : 60}.
القول الثالث: أنه وفاة موت : { متوفيك } : مميتك ، ومنه قوله تعالى : { الله يتوفى الأنفس حين موتها } {الزمر : 43} .
والقول بأن { متوفيك } متوفيك بمعنى مميتك بعيد؛ لأن عيسى عليه السلام لم يمت، وسينزل في آخر الزمان ؛ قال الله تعالى: { وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمن به قبل موته } {النساء: 159} ؛ أي : قبل موت عيسى على أحد القولين، وذلك إذا نزل في آخر الزمان . وقيل : قبل موت الواحد ؛ يعني : ما من أحد من أهل الكتاب إلا إذا حضرته الوفاة ؛ أمن بعيسى ، حتى وإن كان يهودياً . وهذا القول ضعيف.
بقى النظر بين وفاة القبض ووفاة النوم ، فنقول : إنه يمكن أن يجمع بينهما فيكون قابضاً له حال نومه ؛ أي أن الله تعالى ألقى عليه النوم؛ ثم رفعه ، ولا منافاة بين الأمرين.
قوله: { ورافعك إلى } : الشاهد هنا ؛ فإن { إلي } تفيد الغاية ، وقوله: { ورافعك إلي }
يدل على أن المرفوع إليه كان عالياً، وهذا يدل على علو الله عز وجل.

(113/105)


فلو قال قائل : المراد : رافعك منزلة ؛ كما قال الله تعالى : { وجيها في الدنيا والآخرة ومن المقربين } {آل عمران: 45}.
قلن هذا لا يستقيم ؛ لأن الرفع هنا عدى بحرف يختص بالرفع الذي هو الفوقية؛ رفع الجسد، وليس رفع المنزلة.
واعلم أن علو الله عز وجل ينقسم إلى قسمين: علو معنوي ، وعلو ذاتي:
1-أما العلو المعنوي ؛ فهو ثابت لله بإجماع أهل القبلة ؛ أي: بالإجماع من أهل البدع وأهل السنة؛ كلهم يؤمنون بأن الله تعالى عال علواً معنوياً .
2-وأما العلو الذاتي ؛ فيثبته أهل السنة ، ولا يثبته أهل البدعة ؛ يقولون : إن الله تعالى ليس عالياً علواً ذاتياً.
فنبدأ أولاً بأدلة أهل السنة على علو الله سبحانه وتعالى الذاتي فنقول : إن أهل السنة استدلوا على علو الله تعال علواً ذاتياً بالكتاب والسنة والإجماع والعقل والفطرة :
أولاً : فالكتاب تنوعت دلالته على علو الله ؛ فتارة بذكر العلو، وتارة بذكر القوقية ، وتارة بذكر نزول الأشياء من عنده، وتارة بذكر صعودها إليه، وتارة بكونه في السماء. . .
(1) فالعلو مثل قوله: { وهو العلي العظيم } {البقرة : 255} ، { سبح أسم ربك الأعلى } {الأعلى: 1}.
(2) والفوقية: { وهو القاهر فوق عباده } {الأنعام: 18}، { يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون } {النحل:50} .
(3) ونزول الأشياء منه ؛ مثل قوله: { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } {فاطر: 10} ، ومثل قوله : { تعرج الملائكة والروح إليه } {المعارج: 4} .
(4) كونه في السماء ؛ مثل قوله : { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض } {الملك: 16}.
ثانياً : وأما السنة فقد تواترت عن النبي ، صلى الله عليه وسلم من قوله وفعله وإقراره :
(1) فأما قول الرسول عليه الصلاة والسلام :

(113/106)


فجاء بذكر العلو والفوقية ، ومنه قوله ، صلى الله عليه وسلم "سبحان ربي الأعلى" (1)، وقوله لما ذكر السماوات ؛ قال: "والله فوق العرش"(2) .
وجاء بذكر أن الله في السماء ؛ مثل قوله ، صلى الله عليه وسلم : "ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء"(3).
(2) وأما الفعل ؛ فمثل رفع أصبعه إلى السماء ، وهو يخطب الناس في أكبر جمع ، وذلك في يوم عرفة ، عام حجة الوداع ؛ فإن الصحابة لم يجتمعوا اجتماعاً أكبر من ذلك الجمع؛ إذ إن الذي حج معه بلغ نحو مئة ألف ، والذي مات عنهم نحو مئة وأربعة وعشرين ألفاً: يعني: عامة المسلمين حضروا ذلك الجمع، فقال عليه الصلاة والسلام : "ألا هل بلغت؟" . قالوا : نعم . "ألا هل بلغت؟ ". قالوا : نعم. "ألا هل بلغت؟ وكان يقول : "اللهم أشهد" ؛ يشير إلى السماء بأصبعه ، وينكتها إلى الناس (1)
ومن ذلك رفع يديه إلى السماء في الدعاء.
وهذا إثبات للعلو بالفعل.
(3) وأما التقرير ؛ فإنه في حديث معاوية بن الحكم رضي الله عنه؛ أنه أتى بجارية يريد أن يعتقها ، فقال لها النبي ، صلى الله عليه وسلم : "أين الله؟" . قالت: في السماء . فقال : "من أنا؟" . قالت: رسول الله . قال: "أعتقها ؛ فإنها مؤمنة"(2) . فهذه جارية لم تتعلم ، والغالب على الجواري الجهل ، لا سيما أمة غير حرة ، لا تملك نفسها ،تعلم أن ربها في السماء، وضلال بني آدم ينكرون أن الله في السماء ، ويقولون : إما أنه لا فوق العالم ولا تحته ولا يمين ولا شمال ! أو أنه في كل مكان!!
ثالثاً: وأما دلالة الإجماع؛ فقد أجمع السلف على أن الله تعالى بذاته في السماء ، من عهد الرسول عليه الصلاة والسلام ، إلى يومنا هذا. إن قلت كيف أجمعوا؟
نقول: إمرارهم هذه الآيات والأحاديث مع تكرار العلو فيها والفوقية ونزول الأشياء منه وصعودها إليه دون أن يأتوا بما يخالفها إجماع منهم على مدلولها.

(113/107)


ولهذا لما قال شيخ الإسلام: "إن السلف مجمعون على ذلك"؛ قال: "ولم يقل أحد منهم : إن الله ليس في السماء ، أو : إن الله في الأرض ، أو : إن الله لا داخل العالم ولا خارجه ولا متصل ولا منفصل، أو : إنه لا تجوز الإشارة الحسية إليه".
رابعاً: وأما دلالة العقل؛ فنقول: لا شك أن الله عز وجل إما أن يكون في العلو أو في السفل ، وكونه في السفل مستحيل؛ لأنه نقص يستلزم أن يكون فوقه شيء من مخلوقاته فلا يكون له العلو التام والسيطرة التامة والسلطان التام فإذا كان السفل مستحيلاً ؛ كان العلو واجباً.
وهناك تقرير عقلي آخر ، وهو أن نقول : إن العلو صفة كمال باتفاق العقلاء ، وإذا كان صفة كمال ؛ وجب أن يكون ثابتاً لله؛ لأن كل صفة كمال مطلقة؛ فهي ثابتة لله.
وقولنا : "مطلقة": احترازاً من الكمال النسبي ، الذي يكون كمالاً في حال دون حال؛ فالنوم مثلاً نقص، ولكن لمن يحتاج إليه ويستعيد قوته به كمال.
خامساً : وأما دلالة الفطرة: فأمر لا يمكن المنازعة فيها ولا المكابرة ؛ فكل إنسان مفطور على أن الله في السماء ، ولهذا عندما يفجؤك الشيء الذي لا تستطيع دفعه، وإنما تتوجه إلى الله تعالى بدفعه؛ فإن قلبك ينصرف إلى السماء حتى الذين ينكرون علو الذات لا يقدرون أن ينزلوا أيديهم إلى الأرض.
وهذه الفطرة لا يمكن إنكارها. حتى إنهم يقولون : إن بعض المخلوقات العجماء تعرف أن الله في السماء كما في الحديث الذي يروى أن سليمان بن داود عليه الصلاة والسلام وعلى أبيه خرج يستسقي ذات يوم بالناس ، فلما خرج ؛ رأى نملة مستلقية على ظهرها ، رافعة قوائمها نحو السماء، تقول: "اللهم ! إنا خلق من خلقك ، ليس بنا غنى عن سقياك" . فقال: "ارجعوا ؛ فقد سقيتم بدعوة غيركم". وهذا إلهام فطري.

(113/108)


فالحاصل أن : كون الله في السماء أمر معلوم بالفطرة. ووالله ؛ لولا فساد فطرة هؤلاء المنكرين لذلك ؛ لعلموا أن الله في السماء بدون أن يطالعوا أي كتاب ؛ لأن الأمر الذي تدل عليه الفطرة لا يحتاج إلى مراجعة الكتب.
والذين أنكروا علو الله عز وجل بذاته يقولون : لو كان في العلو بذاته ؛ كان في جهة، وإذا كان في جهة؛ كان محدوداً وجسماً ، وهذا ممتنع ! والجواب عن قولهم : "إنه يلزم أن يكون محدوداً وجسماً، وهذا ممتنع! والجواب عن قولهم: "إنه يلزم أن يكون محدوداً وجسماً" ؛ نقول:
أولاً: لا يجوز إبطال دلالة النصوص بمثل هذه التعليلات ، ولو جاز هذا ؛ لأمكن كل شخص لا يريد ما يقتضيه النص أن يعلله بمثل هذه العلل العليلة.
فإذا كان الله أثبت لنفسه العلو ، ورسوله ، صلى الله عليه وسلم أثبت له العلو، والسلف الصالح أثبتوا له العلو ؛ فلا يقبل أن يأتي شخص ويقول : لا يمكن أن يكون علو ذات؛ لأنه لو كان علو ذات ؛ لكان كذا وكذا.
ثانياً : نقول : إن كان ما ذكرتم لازماً لإثبات العلو لزوماً صحيحاً ؛ فلنقل به ؛ لأن لازم كلام الله ورسوله حق ؛ إذ أن الله تعالى يعلم ما يلزم من كلامه. فلو كانت نصوص العلو تستلزم معني فاسداً، لبينه، ولكنها لا تستلزم معني فاسداً.
ثالثاً: ثم نقول: ما هو الحد والجسم الذي أجلبتم علينا بخيلكم ورجلكم فيها.
أتريدون بالحد أن شيئاً من المخلوقات يحيط بالله؟ فهذا باطل ومنتف عن الله، وليس بلازم من إثبات العلو لله أو تريدون بالحد أن الله بائن من خلقه غير حال فيهم؟ فهذا حق من حيث المعني، ولكن لا نطلق لفظه نفياً ولا إثباتاً، لعدم ورود ذلك.

(113/109)


وأما الجسم، فنقول: ماذا تريدون بالجسم؟ أتريدون أنه جسم مركب من عظم ولحم وجلد ونحو ذلك؟ فهذا باطل ومنتصف عن الله، لأن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. أم تريدون بالجسم ما هو قائم بنفسه متصف بما يليق به؟ فهذا حق من حيث المعني، لكن لا نطلق لفظه نفياً ولا إثباتاً، لما سبق.
وكذلك نقول في الجهة، هل تريدون أن الله تعالي له جهة تحيط به؟ فهذا باطل، وليس بلازم من إثبات علوه. أم تريدون جهة علو لا تحيط بالله؟ فهذا حق لا يصح نفيه عن الله تعالي.
{ بل رفعه الله إليه } (1) …………………………………………….
(1) (1) الآية الثانية: قوله: { بل رفعه الله إليه } [ النساء: 158].
· · { بل } : للإضراب الإبطالي، لإبطال قولهم: { إنا قتلنا المسيح عيسي ابن مريم رسول الله وما قتلوه وما صلبوه ولكن شبه لهم وإن الذين اختلفوا فيه لفي شك منه ما لهم به من علم إلا اتباع الظن وما قتلوه يقينا ، بل رفعه الله إليه وكان الله عزيزاً حكيماً ، } [ النساء: 157-158]، فكذبهم الله بقوله: { وما قتلوه يقيناً ، بل رفعه الله إليه } .
والشاهد قوله: { بل رفعه الله إليه } ، فإنه صريح بأن الله تعالي عال بذاته، إذ الرفع إلي الشيء يستلزم علوه.
{ إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } (1)، الآية الثالثة: قوله: { إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه } [ فاطر: 10] .
· · { إليه } : إلي الله عز وجل.
· · { يصعد الكلم الطيب } : و { الكلم } هنا اسم جمع، مفرده كلمة، وجمع كلمة كلمات، والكلم الطيب يشمل كل كلمة يتقرب بها إلي الله، كقراءة القرآن والذكر والعلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فكل كلمة تقرب إلي الله عز وجل، فهي كلمة طيبة، تصعد إلي الله عز وجل، وتصل إليه، والعمل الصالح يرفعه الله إليه أيضاً.

(113/110)


فالكلمات تصعد إلي الله، والعمل الصالح يرفعه الله، وهذا يدل على أن الله عال بذاته، لأن الأشياء تصعد إليه وترفع.
{ يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب ، أسباب السموات فأطلع إلي إله موسي وإني لأظنه كاذباً } (2)..
(2) (2) الآية الرابعة: قوله: { يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلي إله موسي وإني لأظنه كاذباً } [ غافر:36-37].
هامان وزير فرعون، والآمر بالبناء فرعون.
· · { صرحاً } ، أي بناء عالياً.
· · { لعلي أبلغ الأسباب ، أسباب السموات } ، يعني: لعلي أبلغ الطرق التي توصل إلي السماء.
· · { فأطلع إلي إله موسي } ، يعني: أنظر إليه، وأصل إليه مباشرة، لأن موسي قال له: أن الله في السماء. فموه فرعون على قومه بطلب بناء هذا الصرح العالي ليرقي عليه ثم يقول: لم أجد أحداً، ويحتمل أنه قاله على سبيل التهكم، يقول: إن موسي قال: إلهه في السماء، اجعلونا نرقي لنراه !! تهكماً.
وأيا كان، فقد قال: { وإني لأظنه كاذباً } ، للتمويه على قومه، وإلا، فهو يعلم أنه صادق، وقد قال له موسي: { لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر } [ الإسراء: 102]، فلم يقل: ما علمت! بل أقره على هذا الخبر المؤكد باللام و( قد ) والقسم. والله عز وجل يقول في آية أخري: { وجحدوا بها وستيقنتها أنفهسهم ظلماً وعلوا } [ النمل: 14].
· · الشاهد من هذا: أن أمر فرعون ببناء صرح يطلع به على إله موسي يدل على أن موسي صلي الله عليه وسلم قال لفرعون وآله: إن الله في السماء. فيكون علو الله تعال ذاتياً قد جاءت به الشرائع السابقة.
{ أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور، أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حصاباً فستعلمون كيف نذير } (1)………

(113/111)


(1) (1) الآية الخامسة والسادسة: قوله: { أأمنتم من في السماء أن يخسف بكم الأرض فإذا هي تمور ، أم أمنتم من في السماء أن يرسل عليكم حاصباً فستعلمون كيف نذير } [الملك: 16-17].
· · والذي في السماء هو الله عز وجل، لكنه كني عن نفسه بهذا، لأن المقام مقام إظهار عظمته، وأنه فوقكم، قادر عليكم، مسيطر عليكم، مهيمن عليكم، لأن العالي له سلطة على من تحته.
· · { فإذا هي تمور } ، أي: تضطرب.
والجواب: لا تأمن والله! بل نخاف على أنفسنا إذا كثرت معاصينا أن تخسف بنا الأرض.
والانهيارات التي يسمونها الآن: أنهياراً أرضياً، وانهياراً جبلياً .. وما أشبه ذلك هي نفس التي هدد الله بها هنا، لكن يأتون بمثل هذه العبارات ليهونوا الأمر على البسطاء من الناس.
· · { أم أمنتم } ، يعني بل أأمنتم، و ( أم ) هنا بمعني ( بل ) والهمزة.
· · { أن يرسل عليكم حاصباً } : الحاصب عذاب من فوق يحصبون به، كما فعل بالذين من قبلهم، كقوم لوط وأصحاب الفيل، والخسف من تحت.
فالله عز وجل هددنا من فوق ومن تحت، قال الله تعالي : { فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصباً ومنهم من أخذنه الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا } [ العنكبوت:40]، أربعة أنواع من العذاب.
وهنا ذكر الله نوعين منها: الحاصب والخسف.
والشاهد من هذه الآية هو قوله: { من في السماء } .
والذي هاهنا إشكال، وهو أن (في) للظرفية، فإذا كان الله في السماء، و(في) للظرفيه، فإن الظرف محيط بالمظروف ! أرأيت لو قلت: الماء في الكأس، فالكأس محيط بالماء وأوسع من الماء ! فإذا كان الله يقول: { أأمنتم من في السماء } ، فهذا ظاهره أن السماء محيطة بالله، وهذا الظاهر باطل، وإذا كان الظاهر باطلاً، فإننا نعلم علم اليقين أنه غير مراد لله، لأنه لا يمكن أن يكون ظاهر الكتاب والسنة باطلاً.
فما الجواب على هذا الإشكال؟

(113/112)


قال العلماء: الجواب أن نسلك أحد طريقين:
1- 1- فإما أن نجعل السماء بمعني العلو، والسماء معني العلو وارد في اللغة، بل في القرآن ، قال تعالي: { أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها } [ الرعد: 17]، والمراد بالسماء العلو، لأن الماء ينزل من السحاب لا من السماء التي هي السقف المحفوظ، والسحاب في العلو بين السماء والأرض، كما قال الله تعالي: { والسحاب المسخر بين السماء والأرض } [ البقرة: 164].
فيكون معني { من في السماء } ، أي: من في العلو.
ولا يوجد إشكال بعد هذا، فهو في العلو. ليس يحاذيه شىء، ولا يكون فوقه شىء.
2- أو نجعل ( في ) بمعني ( علي ) ، ونجعل السماء هي السقف المحفوظ المرفوع، يعني: الآجرام السماوية، وتأتي ( في ) بمعني ( علي) في اللغة العربية، بل في القرآن الكريم، قال فرعون لقومه السحرة الذين آمنوا: { ولأصلبنكم في جذوع النخل } [ طه: 71] ، أي: على جذوع النخل.
فيكون معني { من في السماء } ، أي: من على السماء.
ولا إشكال بعد هذا.
فإن قلت: كيف تجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالي: { وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله } [ الزخرف: 84]، وقوله: { وهو الله في السموات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم } [ الأنعام: 3 ] ؟ !
فالجواب: أن نقول:
أما الآية الأولي، فإن الله يقول: { وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله } ، فالظرف هنا لألوهيته، يعني: أن ألوهيته ثابتة في السماء وفي الأرض، كما تقول: فلان أمير في المدينة ومكة، فهو نفسه في واحدة منهما، وفيهما جميعاً بإمارته وسلطته، فالله تعالي ألوهيته في السماء وفي الأرض، وأما هو عز وجل ففي السماء.

(113/113)


أما الآية الثاني: { وهو الله في السموات وفي الأرض } فنقول فيها كما قلنا في التي قبلها: { وهو الله } ، أي: وهو الإله الذي ألوهيته في السماوات وفي الأرض، أما هو نفسه، ففي السماء. فيكون المعني: هو المألوه في السماوات المألوه في الأرض، فألوهيته في السماوات وفي الأرض.
فتخرج هذه الآية كتخريج التي قبلها.
وقيل المعني: { وهو الله في السموات } ، ثم تقف، ثم تقرأ: { وفي الأرض يعلم سركم وجهركم } ، أي أنه نفسه في السماوات، ويعلم سركم وجهركم في الأرض، فليس كونه في السماء مع علوه بمانع من علمه بسركم وجهركم في الأرض.
وهذا المعني فيه شيىء من الضعف، لأنه يقتضي تفكيك الآية وعدم ارتباط بعضها ببعض، والصواب الأول: أن نقول: { وهو الله في السموات وفي الأرض } ، يعني أن ألوهيته ثابتة في السماوات وفي الأرض، فتطابق الآية الأخري.
من الفوائد المسلكية في هذه الآيات:
أن الإنسان إذا علم بأن الله تعالي فوق كل شيء، فإنه يعرف مقدار سلطانه وسيطرته على خلقه، وحينئذ يخافه و يعظمه، وإذا خاف الإنسان ربه وعظمه، فإنه يتقيه ويقوم بالواجب ويدع المحرم.

إثبات معية الله لخلقه
(1) (1) شرع المؤلف بسوق أدلة المعية؛ أي: أدلة معية الله تعالى لخلقه، وناسب أن يذكرها بعد العلو ؛ لأنه قد يبدون للإنسان أن هناك تناقضاً بين كونه فوق كل شيء وكونه مع العباد، فكان من المناسب جداً أن يذكر الآيات التي تثبت معية الله للخلق بعد ذكر آيات العلو.
وفي معية الله تعالى لخلقه مباحث:
المبحث الأول في أقسامها :
معية الله عز وجل تنقسم إلى قسمين: عامة، وخاصة.
والخاصة تنقسم إلى قسمين: مقيدة بشخص ، ومقيدة بوصف.
أما العامة ؛ فهي التي تشمل كل أحد من مؤمن وكافر وبر وفاجر . ودليلها قوله تعالى: { وهو معكم أين ما كنتم } {الحديد: 4} .

(113/114)


أما الخاصة المقيدة بوصف ؛ فمثل قوله تعالى: { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } {النحل: 128}.
وأما الخاصة المقيدة بشخص معين؛ فمثل قوله تعالى عن نبيه : { إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } {التوبة 40، وقال لموسى وهارون : { إنني معكما أسمع وأرى } {طه : 46}.
وهذه أخص من المقيدة بوصف.
فالمعية درجات: عامة مطلقة، وخاصة مقيدة بوصف، وخاصة مقيدة بشخص. فأخص أنواع المعية ما قيد بشخص ، ثم ما قيد بوصف، ثم ما كان عاماً. فالمعية العامة تستلزم الإحاطة بالخلق علماً وقدرة وسمعاً وبصراً وسلطاناً وغير ذلك من معاني ربوبيته، والمعية الخاصة بنوعيها تستلزم مع ذلك النصر والتأييد.
المبحث الثاني: هل المعية حقيقية أو هي كتابة عن علم الله عز وجل وسمعه وبصره وقدرته وسلطانه وغير ذلك من معاني ربوبيته؟
أكثر عبارات السلف رحمهم الله يقولون : إنها كتابة عن العلم وعن السمع والبصر والقدرة وما أشبه ذلك ، فيجعلون معنى قوله: { وهو معكم } أي: وهو عالم بكم سميع لأقوالكم ، بصير بأعمالكم ، قادر عليكم حاكم بينكم . . . . وهكذا ، فيفسرونها بلازمها.
واختار شيخ الإسلام رحمه الله في هذا الكتاب وغيره أنها على حقيقتها ، وأن كونه معنا حق على حقيقته ، لكن ليست معيته كمعية الإنسان للإنسان التي يمكن أن يكون الإنسان مع الإنسان في مكانه ؛ لأن معية الله عز وجل ثابتة له وهو في علوه ؛ فهو معنا وهو عال على عرشه فوق كل شيء ، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون معنا في الأمكنة التي نحن فيها.
وعلى هذا، فإنه يحتاج إلى الجمع بينها وبين العلو.
والمؤلف عقد لها فصلاً خاصاً سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى، وأنه لا منافاة بين العلو والمعية، لأن الله تعالى ليس كمثله شيء في جميع صفاته، فهو علي في دنوه، قريب في علوه.

(113/115)


وضرب شيخ الإسلام رحمه الله لذلك مثلاً بالقمر، قال: إنه يقال: مازلنا نسير والقمر معنا، وهو موضوع في السماء، وهو من أصغر المخلوقات، فكيف لا يكون الخالق عز وجل مع الخلق، الذي الخلق بالنسبة إليه ليسوا بشيء، وهو فوق سماواته؟!
وما قاله رحمه الله فيه دفع حجة بعض أهل التعطيل حيث احتجوا على أهل الصسنة، فقالوا: أنتم تمنعون التأويل، وأنتم تؤولون في المعبة، تقولون: المعية بمعنى العلم والسمع والبصر والقدرة والسلطان وما اشبه ذلك.
فنقول: إن المعية حق على حقيقتها، لكنها ليست في المفهوم الذي فهمه الجهمية ونحوهم، بأنه مع الناس في كل مكان وتفسير بعض السلف لها بالعلم ونحوه، بأنه مع الناس في كل مكان وتفسير بعض السلف لها بالعلم ونحوه تفسير باللازم.
*المبحث الثالث: هل المعية من الصفات الذاتية أو منا لصفات الفعلية؟
فيه تفصيل:
- - أما المعية العامة، فهي ذاتية، لأن الله لم يزل ولا يزال محيطاً بالخلق علماً وقدرة وسلطاناً وغير ذلك من معاني ربوبيته.
- - وأما المعية الخاصة، فهي صفة فعلية، لأنها تابعة لمشيئة الله، وكل صفة مقرونة بسبب هي من الصفات الفعلية، فقد سبق لنا أن الرضى من الصفات الفعلية، لأنه مقرون بسبب، إذا وجد السبب الذي به يرضى الله، وجد الرضى، وكذلك المعية الخاصة إذا وجدت التقوى أو غيرها من أسبابها في شخص، كان الله معه.
*المبحث الرابع في المعية: هل هي حقيقة أو لا؟
ذكرنا ذلك، وأن من السلف من فسرها باللازم، وهو الذي لا يكاد يرى الإنسان سواه. ومنهم من قال: هي على حقيقتها، لكنها معية تليق بالله، خاصة به.
وهذا صريح كلام المؤلف هنا في هذا الكتاب وغيره، لكن تصان عن الظنون الكاذبة، مثل أن يظن أن الله معنا في الأرض ونحو ذلك، فإن هذا باطل مستحيل!
*المبحث الخامس في المعية: هل بينها وبين العلو تناقض؟
الجواب: لا تناقض بينهما، لوجوه ثلاثة:

(113/116)


الوجه الأول: أن الله جمع بينهما فيما وصف به نفسه، ولو كانا يتناقضان ما صح أن يصف الله بهما نفسه.
الوجه الثاني: أن نقول: ليس بين العلو والمعية تعارض، أصلاً، إذ من الممكن أن يكون الشيء عالياً وهو معك، ومنه ما يقوله العرب: القمر معنا ونحن نسير، والشمس معنا ونحن نسير، والقطب معنا ونحن نسير، مع أن القمر والشمس والقطب كلها في السماء، فإذا أمكن اجتماع العلو والمعية في المخلوق، فاجتماعهما في الخالق من باب أولى.
أرأيت لو أن إنساناً على جبل عالٍ، وقال للجنود: اذهبوا إلى مكان بعيد في المعركة، وأنا معكم، وهو واضع المنظار على عينيه، ينظر إليهم من بعيد، فصار معهم، لأنه الآن يبصر كأنهم بين يديه، وهو بعيد عنهم، فالأمر ممكن في حق المخلوق، فكيف لا يمكن في حق الخالق؟!
الوجه الثالث: أنه لو تعذر اجتماعهما في حق المخلوق، لم يكن متعذراً في حق الخالق، لأن الله أعظم وأجل، ولا يمكن أن تقاس صفات الخالق بصفات المخلوقين، لظهور التباين بين الخالق والمخلوق.
والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول في سفره: "اللهم أنت الصاحب فىالسفر، والخليفة في الأهل"(1)، فجمع بين كونه صاحباً له وخليفة له في أهله، مع أنه بالنسبة للمخلوق غير ممكن، لا يمكن أن يكون شخص ما صاحباً لك في السفر وخليفة لك في أهلك.
وثبت في الحديث الصحيح(2): أن الله عز وجل يقول إذا قال المصلى: { الحمد لله رب العالمين } : "حمدني عبدي". كم من مصل يقول: { الحمد لله رب العالمين } ؟ لا يحصون، وكم من مصليين، أحدهما يقول: { الحمد لله رب العالمين } ، والثاني يقول: { إياك نعبد وإياك نستعين } ، وكل واحد منهما له رد، الذي يقول: { الحمد لله رب العالمين } : يقول الله له: "حمدني عبدي". والذي يقول: { إياك نعبد وإياك نستعين } : يقول الله له: "هذا بيني وبين عبدي نصفين".....

(113/117)


إذاً، يمكن أن يكون الله معنا حقاً وهو على عرشه في السماء حقاً، ولا يفهم أحداً أنهما يتعارضان، إلا من أراد أن يمثل الله بخلقه، ويجعل معية الخالق كمعية المخلوق.
ونحن بينا إمكان الجمع بين نصوص العلو ونصوص المعية، فإن تبين ذلك، وإلا، فالواجب أن يقول العبد: آمنت بالله ورسوله، وصدقت بما قال الله عن نفسه ورسوله، ولا يقول: كيف يمكن؟! منكراً ذلك!
إذا قال: كيف يمكن؟! قلنا: سؤالك هذا بدعة، لم يسأل عنه الصحابة، وهم خير منك، ومسؤولهم أعلم من مسؤولك وأصدق وأفصح وأنصح، عليك أن تصدق، لا تقل: كيف؟ ولا لم؟ ولكن سلم تسليماً.
تنبيه:
تأمل في الآية، تجد كل الضمائر تعود على الله سبحانه وتعالى: { خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم استوى } ، { يعلم ما يلج في الأرض } ، فكذلك ضمير { وهو معكم } ، فيجب علينا أن نؤمن بظاهر الآية الكريمة، ونعلم علم اليقين أن هذه المعية لا تقتضي أن يكون الله معنا في الأرض، بل هو معنا مع استوائه على العرش. هذه المعية، إذا آمنا بها، توجب لنا خشية الله عز وجل وتقواه، ولهذا جاء في الحديث: "أفضل الإيمان أن تعلم أن الله معك حيثما كنت"(1).
أما أهل الحلول، فقالوا: إن الله معنا بذاته في أمكنتنا، إن كنت في المسجد، فالله معك في المسجد والذين في السوق الله معهم فىالسوق!! والذين في الحمامات الله معهم في الحمامات!!

ما نزهوه عن الأقذار والأنتان وأماكن اللهو والرفث!!
المبحث السادس: في شبهة القائلين بأن الله معنا في أكنتنا والرد عليهم:
شبهتهم : يقولون : هذا ظاهر اللفظ : { وهو معكم } ؛ لأن كل الضمائر تعود على الله : { هو الذي خلق } ، { ثم استوى } ، { يعلم } ، { وهو معكم } ، وإذا كان معنا ؛ فنحن لأنفهم من المعية إلا المخالطة أو المصاحبة في المكان!!
والرد عليهم من وجوه:

(113/118)


أولاً: أن ظاهرها ليس كما ذكرتم؛ إذ لو كان الظاهر كما ذكرتم ؛ لكان في الآية تناقض: أن يكون مستوياً على العرش، وهو مع كل إنسان في أي مكان ! والتناقض في كلام الله تعالى مستحيل .
ثانياً : قولكم : "إن المعية لا تعقل إلا مع المخالطة أو المصاحبة في المكان! هذا ممنوع ؛ فالمعية في اللغة العربية أسم لمطلق المصاحبة، وهي أوسع مدلولاً مما زعمتم ؛ فقد تقتضصي الإختلاط ، وقد تقتضي المصاحبة في المكان، وقد تقتضي مطلق المصاحبة وإن اختلف المكان ؛ هذه ثلاثة أشياء:
1-مثال المعية التي تقتضي المخالطة: أن يقال: اسقوني لبناً مع ماء ؛ أي : مخلوطاً بماء.
2-ومثال المعية التي تقتضي المصاحبة في المكان: قولك: وجدت فلاناً مع فلان يمشيان جميعاً وينزلان جميعاً.
3-ومثال المعية التي تقتضي الإختلاط ولا المشاركة في المكان: أن يقال :
فلان مع جنوده . وإن كان في غرفة القيادة ، لكن يوجههم . فهذا ليس فيه اختلاط ولا مشاركة في مكان.
ويقال: زوجة فلان معه. وإن كانت هي في المشرق وهو في المغرب. فالمعية إذا كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وكما هو ظاهر من شواهد اللغة: مدلولها مطلق المصاحبة، ثم هي بحسب ما تضاف إليه. فإذا قيل : { إن الله مع الذين اتقوا }
{النحل : 128} ؛ فلا يقتضي ذلك لا اختلاطاً ولا مشاركة في المكان ، بل هي معية لائقة بالله ، ومقتضاها النصر والتأييد.
ثالثاً: نقول: وصفكم الله بهذا ! من أبطل الباطل وأشد التنقص لله عز وجل ، والله عز وجل ذكرها هنا عن نفسه متمدحاً ؛ أنه مع علوه على عرشه ؛ فهو مع الخلق ، وإن كانوا أسفل منه ، فإذا جعلتم الله في الأرض ؛ فهذا نقص. إذا جعلتم الله نفسه معكم في كل مكان ، وأنتم تدخلون الكنيف ؛ هذا أعظم النقص ، ولا تستطيع أن تقوله ولا لملك من ملوك الدنيا: إنك أنت في الكنيف ! لكن كيف تقوله لله عز وجل ؟!

(113/119)


رابعاً : يلزم على قولكم هذا أحد أمرين لا ثالث لهما ، وكلاهما ممتنع : إما أن يكون الله متجزئاً ، كل جزء منه في مكان.
وإما أن يكون متعدداً ؛ يعني : كل إله في جهة ضرورة تعدد الأمكنة.
خامساً: أن نقول : قولكم هذا أيضاً يستلزم أن يكون الله حالاً في الخلق ؛ فكل مكان في الخلق ؛ فالله تعالى فيه، وصار هذا سلماً لقول أهل وحدة الوجود. فأنت ترى أن هذا القول باطل ، ومقتضى هذا القول الكفر.
ولهذا نرى أن من قال: إن الله معنا في الأرض ؛ فهو كافر؛ يستتاب ، ويبين له الحق، فإن رجع، وإلا ؛ وجب قتله.
وهذه آيات المعية:
الآية الأولى: قوله تعالى: { هو الذي خلق السموات والأرض في ستة أيام ثم أستوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير } {الحديد: 4} : والشاهد فيها قوله: { وهو معكم أين ما كنتم } ، وهذه من المعية العامة؛ لأنها تقتضي الإحاطة بالخلق علماً وقدرة وسلطاناً وسمعاً وبصراً وغير ذلك من معاني الربوبية.
(1)الآية الثانية: قوله: { ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم } {المجادلة: 7}.
{ ما يكون } : { يكون } ؛ تامة يعني: ما يوجد.
وقوله : { من نجوى ثلاثة } : قيل: إنها من باب إضافة الصفة إلى الموصوف ، وأصلها : من ثلاثة نجوى ، ومعنى { نجوى } ؛ أي: متناجين.

(113/120)


وقوله: { إلا هو رابعهم } ولم يقل : إلا هو ثالثهم ؛ لأنه من غير الجنس ، وإذا كان من غير الجنس ، فإنه يؤتى بالعدد التالي، أما إذا كان من الجنس؛ فإنه يؤتى بنفس العدد، أنظر قوله تعالى عن النصارى : { لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة } {المائدة: 73} ، ولم يقولوا : ثالث أثنين ؛ لأنه من الجنس على زعمهم فعندهم كل الثلاثة آلهة ، فلما كان من الجنس على زعمهم ؛ قالوا فيه : ثالث ثلاثة.
قوله : { ولا خمسة هو سادسهم } ذكر العدد الفردي ثلاثة وخمسة، وسكت عن العدد الزوجي، لكنه داخل في قوله : { ولا أدنى من ذلك } : الأدنى من ثلاثة أثنان ، { ولا أكثر } من خمسة ، ستة فما فوق.
ما من أثنين فأكثر يتناجيان بأي مكان من الأرض ؛ إلا والله عز وجل معهم.
وهذه المعية عامة؛ لأنها تشمل كل أحد: المؤمن ، والكافر، والبر، والفاجر ، ومقتضاها الإحاطة بهم علماً وقدرة وسمعاً وبصراً وسلطاناً وتدبيراً وغير ذلك.
وقوله: { ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة } ؛ يعني : أن هذه المعية تقتضي إحصاء ما عملوه ؛ فإذا كان يوم القيامة ؛ نبأهم بما عملوا ؛ يعني: أخبرهم به وحاسبهم عليه ؛ لأن المراد بالإنباء لازمه ، وهو المحاسبة ، لكن إن كانوا مؤمنين ؛ فإن الله تعالى يحصي أعمالهم ، ثم يقول : "سترتها وقوله : { لا تحزن إن الله معنا }
عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم"(1).
وقوله عز وجل : { إن الله بكل شيء عليم } : كل شيء موجود أو معدوم ، جائز أو واجب أو ممتنع ، كل شيء ؛ فالله عليم به. وقد سبق لنا الكلام على صفة العلم ، وأن علم الله يتعلق بكل شيء، حتى بالواجب والمستحيل والصغير والكبير ، والظاهر والخفي.
(1)الآية الثالثة: { لا تحزن إن الله معنا } {التوبة: 40}.

(113/121)


الخطاب لأبي بكر من النبي ، صلى الله عليه وسلم : ؛ قال الله تعالى: { إلا تنصروه فقد نصره الله إذ هما في الغار إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا } {التوبة:40}.
أولاً: نصره حين الإخراج و { إذ أخرجه الذين كفروا } .
ثانياً: وعند المكث في الغار { إذ هما في الغار } .
ثالثاً: عند الشدة حينما وقف المشركون على فم الغار : { إذ يقول لصاحبه لا تحزن } .
فهذه ثلاثة مواقع بين الله تعالى فيها نصره لنبيه ، صلى الله عليه وسلم .
وهذا الثالث حين وقف المشركون عليهم ؛ يقول أبو بكر : "يا رسول الله ! لو نظر أحدهم إلى قدمه ؛ لأبصرنا"(2) ؛ يعني : إننا على خطر ؛ كقول أصحاب موسى لما وصلوا إلى البحر : { إنا لمدركون } {الشعراء: 61}، وهنا قال
النبي ، صلى الله عليه وسلم ، لأبي بكر رضي الله عنه : { لا تحزن إن الله معنا } . فطمأنه وأدخل الأمن في نفسه ، وعلل ذلك بقوله: { إن الله معنا } .
وقوله : { لا تحزن } : نهي يشمل الهم مما وقع وما سيقع؛ فهو صالح للماضي والمستقبل.
والحزن: تألم النفس وشدة همها.
{ إن الله معنا } : وهذه المعية خاصة، مقيدة بالنبي ، صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وتقتضي مع الإحاطة التي هي المعية العامة النصر والتأييد. ولهذا وقفت قريش على الغار ، لوم يبصروهما ! أعمى الله أبصارهم. وأما قول من قال : فجاءت العنكبوت فنسجت على باب الغار ، والحمامة وقعت على باب الغار، فلما جاء المشركون ، وإذا على الغار ، حمامة وعش عنكبوت ، فقالوا: ليس فيه أحد؛ فانصرفوا . فهذا باطل!! الحماية الإلهية والآية البالغة أن يكون الغار مفتوحاً صافياً ؛ ليس فيه مانع حسي ، ومع ذلك لا يرون من فيه، هذه هي الآية!!
أما أن تأتي حمامة وعنكبوت تعشش ؛ فهذا بعيد ، وخلاف قوله: "لو نظر أحدهم إلى قدمه، لأبصرنا".

(113/122)


المهم أن بعض المؤرخين –عفا الله عنهم –يأتون باشياء غريبة شاذة منكرة لا يقبلها العقل ولا يصح بها النقل.
(1) (1) الآية الرابعة: قوله: { إنني معكما أسمع وأرى } {طه: 46}.
هذا الخطاب موجه لموسى وهارون ، لما أمرهما الله عز وجل أن يذهبا إلى فرعون ؛ قال: { إذهبا إلى فرعونإنه طغى فقولا له قولاً لينا لعله يتذكر أو يخشى قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى } {طه:43-46}.
فقوله : { أسمع وأرى } : جملة استئنافية لبيان مقتضى هذه المعية الخاصة، وهو السمع والرؤية، وهذا سمع ورؤية خاصان تقتضيان النصر والتأييد والحماية من فرعون الذي قالا عنه: { إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى } .
(1) (1) الآية الخامسة: قوله: { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } {النحل: 128}.
هذه جاءت بعد قوله : { وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عرفتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين واصبر وما صبرك إلا بالله ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون } {النحل: 126-127}.
عقوبة الجاني بمثل ما عوقب به من باب التقوى ، وأكثر ظلم وعدوان، والعفو إحسان ، ولهذا قال: { إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون } .
والمعية هنا خاصة مقيدة بصفة: كل من كان من المتقين المحسنين؛ فالله معه.
وهذا يثمر لنا بالنسبة للحالة المسلكية : الحرص على الإحسان والتقوى ؛ فإن كل إنسان يحب أن يكون الله معه.
(2)الآية السادسة: قوله: { واصبروا إن الله مع الصابرين } {الأنفال:46}.
سبق لنا أن الصبر حبس النفس على طاعة الله ، وحبسها عن معصية الله، وحبسها عن التسخط على أقدار الله ؛ سواء باللسان أو بالقلب أو بالجوارح.

(113/123)


وأفضل أنواع الصبر: الصبر على طاعة الله، ثم عن معصية الله لأن فيهما اختياراً : إن شاء الإنسان فعل المأمور، وإن شاء لم يفعل ، وإن شاء ترك المحرم وإن شاء ما تركه ، ثم على أقدار الله ؛ لن أقدار الله واقعة شئت أم أبيت؛ فإما أن تصبر صبر الكرام وإما أن تسلو سلو البهائم.
والصبر درجة عالية لا تنال إلا بشيء يصبر عليه ، أما من فرشت له الأرض وروداً ، وصار الناس ينظرون إلى مايريد ؛ فإنه لا بد أن يناله شيء من التعب النفس أو البدني الداخلي أو الخارجي.
ولهذا جمع الله لنبيه عليه الصلاة والسلام بين الشكر والصبر.
فالشكر ؛ كان يقوم حتى تتورم قدماه ، فيقول : "افلا أكون عبداً شكوراً؟" (1)
والصبر : صبر على ما أوذي ، فقد أوذي من قومه ومن غيرهم من اليهود والمنافقين، ومع ذلك؛ فهو صابر.
(1)الآية السابعة : قوله: { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين } {البقرة:249} .
{ كم } : خبرية ، تفيد التكثير ؛ يعني: فئة قليلة غلبت فئة كثيرة عدة مرات، أو فئات قليلة متعددة غلبت فئات كثيرة متعددة، لكن لا بحولهم ولا بقوتهم، بل بإذن الله ، أي: بإرادته وقدرته.
ومن ذلك: أصحاب طالوت غلبوا عدوهم وكانوا كثيرين.
أصحاب بدر خرجوا لغير قتال، بل لأخذ عير أبي سفيان ، وأبو سفيان لما علم بهم؛ أرسل صارخاً إلى أهل مكة يقول: أنقذوا عيركم، محمد وأصحابه خرجوا إلينا يريدون أخذ العير. فيها أرزاق كثيرة لقريش، فخرجت قريش بأشرافها وأعيانها وخيلائها وبطرها، يظهرون القوة والفخر والعزة ، حتى قال أبو جهل: والله ؛ لا ترجع حتى نقدم بدراً فنقيم فيها ثلاثاً ؛ ننحر الجزور، ونسقي الخمور، وتعزف علينا القيان، وتسمع بنا العرب ؛ فلا يزالون يهابوننا أبداً.
فالحمد لله ، غنوا عل قتله هو ومن معه!

(113/124)


كان هؤلاء القوم ما بين تسعمائة وألف، كل يوم ينحرون من الإبل تسعاً إلى عشر، والنبي عليه الصلاة والسلام هو أصحابه ثلاثمائة وأربعة عشر رجلاً ، معهم سبعون بعيراً وفرسان فقط يتعاقبونها ، ومع ذلك قتلوا الصناديد العظماء لقريش حتى جيفوا وانتفخوا من الشمس وسحبوا إلى قليب من قلب بدر خبيثة.
فـ { كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين } ؛ لأن الفئة القليلة صبرت، { والله مع الصابرين } ؛ صبرت كل أنواع الصبر؛ على طاعة الله ، وعن معصية الله، وعلى ما أصابها من الجهد والتعب والمشقة في تحمل أعباء الجهاد، { والله مع الصابرين } .
انتهت آيات المعية، وسيأتي للمؤلف رحمه الله فصل كامل في تقريزها.
فما هي الثمرات التي نستفيدها بأن الله معنا؟
أولاً: الإيمان بإحاطة الله عز وجل بكل شيء ، وأنه مع علوه فهو مع خلقه، لا يغيب عنه شيء من أحوالهم أبداً.
ثانياً: أننا إذا علمنا ذلك وآمنا به؛ فإن ذلك يوجب لنا كمال مراقبته بالقيام بطاعته وترك معصيته ؛ بحيث لا يفقدنا حيث أمرنا ، ولا يجدنا حيث نهانا ، وهذه ثمرة عظيمة لمن آمن بهذه المعية.

(113/125)


مجموع فتاوى ورسائل - 8
شرح الواسطية - القسم الثالث
محمد بن صالح العثيمين
إثبات الكلام لله تعالى وأن القرآن من كلامه تعالى
(1)ذكر المؤلف رحمه الله الآيات الدالة على كلام الله تعالى وأن القرآن من كلامه تعالى.
الآية الأولى والثانية: قوله: { ومن أصدق من الله حديثاً } {النساء: 87} { ومن أصدق من الله قيلاً } {النساء: 122}.
{ ومن } : اسم استفهام بمعنى النفي ، وإتيان النفي بصيغة الإستفهام أبلغ من إتيان النفي مجرداً ؛ لأنه يكون بالاستفهام مشرباً معنى التحدي؛ كأنه يقول : لا أحد أصدق من الله حديثاً ، وإذا كنت تزعم خلاف ذلك؛ فمن اصدق من الله؟
وقوله: { حديثاً } و { قيلاً } : تمييز لـ { اصدق } .
وإثبات الكلام في هاتين الآيتين يؤخذ من: قوله: { أصدق } ؛ لأن الصدق يوصف به الكلام ، وقوله: { حديثاً } لأن الحديث هو الكلام، ومن قوله في الآية الثانية: { قيلاً } ؛ يعني : قولاً ، والقول لا يكون إلا باللفظ.
ففيهما إثبات الكلام لله عز وجل، وأن كلامه حق وصدق ، ليس فيه كذب بوجه من الوجوه.
(1)الآية الثالثة: قوله: { وإذ قال الله عيسى ابن مريم } {المائدة: 116}.
قوله : { يا عيسى } : مقول القول، وهي جملة من حروف : { يا عيسى ابن مريم } .
ففي هذا إثبات أن الله يقول : وأن قوله مسموع، فيكون بصوت ، وأن قوله كلمات وجمل ، فيكون بحرف.
ولهذا كانت عقيدة أهل السنة والجماعة : أن الله يتكلم بكلام حقيقي متى شاء ، كيف شاء، بما شاء ، بحرف وصوت، لا يماثل أصوات المخلوقين.
"متى شاء" : باعتبار الزمن.
"بما شاء" :باعتبار الكلام؛ يعني: موضوع الكلام من أمر أو نهي أو غير ذلك.
"كيف شاء" : يعني على الكيفية والصفة التي يريدها سبحانه وتعالى. قلنا: إنه بحرف وصوت لا يشبه أصوات المخلوقين.
الدليل على هذا من الآية الكريمة { وإذ قال الله يا عيسى ابن مريم } : هذا حروف.

(114/1)


وبصوت؛ لأن عيسى يسمع ما قال.
لا يماثل أصوات المخلوقين ؛ لأن الله قال: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } {الشورى: 11}.
(1)الآية الرابعة: قوله: { وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً } {الأنعام: 115} .
{ كلمة } ؛ بالإفراد، وفي قراءة (كلمات) ؛ بالجمع ، ومعناها واحد؛ لأن { كلمة } مفرد مضاف فيعم.
تمت كلمات الله عز وجل على هذين الوصفين: الصدق والعدل، والذي يوصف بالصدق الخبر، والذي يوصف بالعدل الحكم، ولهذا قال المفسرون : صدقاً في الأخبار، وعدلاً في الأحكام.
فكلمات الله عز وجل في الأخبار صدق لا يعتريها الكذب بوجه الوجوه ، وفي الأحكام عدل لا جور فيها بوجه من الوجوه.
هنا وصفت الكلمات بالصدق والعدل . إذا ؛ فهي أقوال ؛ لأن القول هو الذي يقال فيه : كاذب أو صادق.
(2)الآية الخامسة : قوله: { وكلم الله موسى تكليماً } {النساء:164}.
{ الله } : فاعل ؛ فالكلام واقع منه.
{ تكليماً } : مصدر مؤكد ، والمصدر المؤكد –بكسر الكاف-؛ قال العلماء: إنه ينفي احتمال المجاز. فدل على أنه كلام حقيقي؛ لأن المصدر المؤكد ينفي احتمال المجاز.
أرأيت لو قلت : جاء زيد. فيفهم أنه جاء هو نفسه، ويحتمل أن يكون المعنى جاء خبر زيد، وإن كان خلاف الظاهر ، لكن إذا أكدت فقلت: جاء زيد نفسه. أو : جاء زيد. انتفى أحتمال المجاز.
فكلام الله عز وجل لموسى كلام حقيقي ، بحرف وصوت سمعه ، ولهذا جرت بينهما محاورة ؛ كما في سورة طه وغيرها. { منهم من كلم الله } {البقرة:253}.
{ منهم } ؛أي: من الرسل
{ من كلم الله } : الاسم الكريم { الله } فاعل كلم، ومفعولها محذوف يعود على { من } ، والتقدير: كلمه الله.
(2)الآية السابعة: قوله: وقوله: { ولما جاء موسى لميقاتنا وكلمه ربه } .
{الأعراف:143}.

(114/2)


أفادت هذه الآية أن الكلام يتعلق بمشيئته ، وذلك لأن الكلام صار حين المجيئ. ، لا سابقاً عليه، فدل هذا على أن كلامه يتعلق بمشيئته. فيبطل به قول من قال: إن كلامه هو المعنى القائم بالنفس ، وإنه لا يتعلق بمشيئته ، وذلك لأن الكلام صار حين المجيئ، لا سابقاً عليه، فدل هذا على أن كلامه يتعلق بمشيئته.
فيبطل به قول من قال: إن كلامه هو المعنى القائم بالنفس ، وإنه لا يتعلق بمشيئته ؛ كما تقوه الأشاعرة.
وفي هذه الآية إبطال زعم من زعم أن موسى فقط هو الذي كلم الله ، وحرف قوله تعالى: { وكلم الله موسى تكليماً } إلى نصب الأسم الكريم؛ لأنه في هذه الآية لا يمكنه زعم ذلك ولا تحريفها.
(3)الآية الثامنة: قوله: وقوله: { وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا } .{مريم:52}.
{ وناديناه } : ضمير الفاعل يعود إلى الله ، وضمير المفعول يعود إلى موسى؛ أي: نادى الله موسى.
{ نجياً } : حال ، وهو فعيل بمعنى مفعول ؛ أي : مناجي.
والفرق بين المناداة والمناجاة أن المناداة تكون للبعيد ، والمناجاة تكون للقريب وكلاهما كلام.
وكون الله عز وجل يتكلم مناداة ومناجاة داخل في قول السلف: "كيف شاء".
فهذه الآية مما يدل على أن الله يتكلم كيف شاء مناداة كان الكلام أو مناجاة.
(1)الآية التاسعة: قوله: { وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين } {الشعراء:10}.
{ وإذ نادى } ؛ يعني: واذكر إذ نادى.
والشاهد قوله: { ربك موسى } : فسر النداء بقوله: { أن ائت القوم الظالمين } .
فالنداء يدل على أنه بصوت، و { أن ائت القوم الظالمين } : يدل على أنه بحرف.
(2)الآية العاشرة: قوله: { وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة } {الأعراف:22}.
{ وناداهما } : ضمير المفعول يعود على آدم وحواء.

(114/3)


{ ألم أنهكما عن تلكما الشجرة } : يقرر أنه نهاهما عن تلكما الشجرة ، وهذا يدل على أن الله كلمهما من قبل، وأن كلام الله بصوت وحرف، ويدل على أنه يتعلق بمشيئته ؛ لقوله: { ألم أنهكما } ؛ فإن هذا القول بعد النهي، فيكون متعلقاً بالمشيئة.
(1)الآية الحادية عشرة: قوله: { ويوم يناديهم فيقول ماذا أجبتم المرسلين } {القصص:65}.
يعني : واذكر يوم يناديهم، وذلك يوم القيامة ، والمنادي هو الله عز وجل: { فيقول } .
وفي هذه الآية إثبات الكلام من وجهين: النداء والقول.
وهذه الآيات تدل بمجموعها على أن الله يتكلم بكلام حقيقي، متى شاء ، بما شاء ، بحرف وصوت مسموع، لا يماثل أصوات المخلوقين.
وهذه هي العقيدة السلفية عقيدة أهل السنة والجماعة.
إثبات أن القرآن كلام الله تعالى
ذكر المؤلف رحمه الله الآيات الدالة على أن القرآن كلام الله. وهذه المسألة وقع فيها النزاع الكثير بين المعتزلة وأهل السنة ، وحصل بها شر كثير على أهل ، وممن أوذي في الله في ذلك الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله إمام أهل السنة، الذي قال فيه بعض العلماء: "إن الله سبحانه وتعالى حفظ الإسلام (أو قال: نصره) بأبي بكر يوم الردة، وبالإمام أحمد يوم المحنة".
والمحنة: هو أن المأمون عفا الله عنا وعنه أجبر الناس على أن يقولوا بخلق القرآن ، حتى إنه صار يمتحن العلماء ويقتلهم إذا لم يجيبوا ، وأكثر العلماء رأوا أنهم في فسحة من الأمر، وصاروا يتأولون:
إما بأن الحال حال إكراه ، والمكره إذا قال الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان؛ فإنه معفو عنه.
وإما بتنزيل اللفظ على غير ظاهره؛ يتأولون، فيقولون مثلاً: القرآن والتوراة والإنجيل والزبور؛ هذه مخلوقة . وهو يتأول أصابعه.

(114/4)


أما الإمام أحمد ومحمد بن نوح (1) رحمهما ؛ فأبيا ذلك، وقالا: القرآن كلام الله منزل غير مخلوق . ورايا أن الإكراه في هذا المقام لا يسوغ لهما أن يقولا خلاف الحق؛ لأن المقام مقام جهاد ، والإكراه يقتضي العفو إذا كانت المسألة شخصية؛ بمعنى أن تكون على الشخص نفسه، أما إذا كانت المسألة شخصية ؛ بمعنى أن تكون على الشخص نفسه ، أما إذا كانت المسألة لحفظ شريعة الله عز وجل.
لو قال الإمام أحمد في ذلك الوقت : إن القرآن مخلوق ، ولو بتأويل أو لدفع الإكراه ؛ لقال الناس كلهم : القرآن مخلوق! وحينئذ يتغير المجتمع الإسلامي من أجل دفع الإكراه، لكنه صمم ، فصارت العاقبة له، ولله الحمد.
المهم أن القول في القرآن جزء من القول في كلام الله على العموم ، لكن لما وقعت فيه المحنة، وصار محك النزاع بين المعتزلة وأهل السنة ؛ صار الناس يفردون القول في القرآن بكلام خاص، والمؤلف رحمه الله من الآن ساق الآيات الدالة على أن القرآن كلام الله في آيات متعددة.

الآية الأولى : قوله: { وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله } {التوبة:6}.
{ أحد } : هذه اسم ، و { وإن } : أداة الشرط ، والأسم إذا ولي أداة الشرط ؛ فقد ولي أداة لا يليها إلا الفعل، فاختلف النحويون في هذا: فقال بعضهم: إنه فاعل لفعل محذوف يفسره ما بعده ، وعليه يكون { أحد } فاعل لفعل محذوف ، والتقدير: وإن استجارك أحد من المشركين؛ فأجره، ومثلها: { إذا السماء انشقت.
القول الثاني: وهو قول الكوفيين وهم في الغالب أسهل من البصريين: أن { أحد } فاعل مقدم، والفعل استجارك مؤخر ، ولا حاجة للتقدير.
القول الثالث: أن ورود الأسماء بعد أدوات الشرط في القرآن كثيراً يدل على عدم امتناعه، وعلى هذا القول يكون الإسم الواقع بعد أداة الشرط مبتدأ إذا كان مرفوعاً، فيكون { أحد } : مبتدأ ، و { استجارك } : خبر المبتدأ.

(114/5)


والقاعدة عندي أن ما كان أسهل من أقوال النحويين؛ فهو المتبع، حيث لا مانع شرعاً من ذلك.
قوله : { استجارك } ؛ أي: طلب جوارك، والجوار: بمعنى العصمة والحماية.
{ حتى يسمع } : { حتى } : للغاية ؛ والمعنى: إن أحد استجارك ليسمع كلام الله ؛ فأجره حتى سمع كلام الله ؛ أي: القرآن، وهذا بالاتفاق.

وإنما قال: { فأجره حتى يسمع كلام الله } ؛ لأن سماع كلام الله عز وجل مؤثر ولا بد كما قال تعالى: { إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد } {ق:37}، وكم من إنسان سمع كلام الله فآمن ، لكن بشرط أن يكون يفهمه تماماً.
وقوله : { كلام الله } : أضاف الكلام إلى نفسه ، فقال: { كلام الله } ، فدل هذا على أن القرآن كلام الله، وهو كذلك.
وعقيدة أهل السنة والجماعة في القرآن ؛ يقولون : إن القرآن كلام الله ، منزل ، غير مخلوق منه بدأ ، وإليه يعود.
قولهم : "منزل": دليلة قوله تعالى: { شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن } {البقرة:185} ، وقوله: { إنا أنزلناه في ليلة القدر } {القدر: 1} ، وقوله: { وقرأنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلاً } {الإسراء:106}.
وقولهم: "غير مخلوق" : دليله: قوله تعالى: { ألا له الخلق والأمر } {الأعراف:54} ؛ فجعل الخلق شيئاً والأمر شيئاً آخر؛ لأن العطف يقتضي المغايرة ، والقرآن من الأمر؛ بدليل قوله تعالى: { وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا } {الشورى:52}؛ فإذا كان القرآن أمراً ، وهو قسيم للخلق؛ صار غير مخلوق ؛ لأنه لو كان مخلوقاً؛ ما صح التقسيم. وهذا دليل سمعي.

(114/6)


أما الدليل العقلي؛ فنقول: القرآن كلام الله، والكلام ليس عيناً قائمة بنفسها حتى يكون بائناً من الله، ولو كان عيناً قائمة بنفسها بائنة من الله ؛ لقلنا: إنه مخلوق ، لكن الكلام صفة للمتكلم به، فإذا كان صفة للمتكلم به، وكان من الله؛ كان غير مخلوق؛ لأن صفات الله عز وجل كلها غير مخلوقة.
وأيضاً ؛ لو كان مخلوقاً ؛ لبطل مدلول الأمر والنهي والخبر والاستخبار ؛ لأن هذه الصيغ لو كانت مخلوقة. لكانت مجرد أشكال خلقت على هذه الصورة لا دلالة لها على معناها؛ كما يكون شكل النجوم والشمس والقمر ونحوها.
وقولهم: "منه بدأ"؛ أي: هو الذي ابتدأ به، وتكلم به أولاً. والقرآن أضيف إلى الله وإلى جبريل وإلى محمد ، صلى الله عليه وسلم .
مثال الأول: قول الله عز وجل: { فأجره حتى يسمع كلام الله } {التوبة:6} ، فيكون منه بدأ؛ أي: من الله جل جلاله ، ومنه: حرف جر وضمير قدم على عامله لفائدة الحصر والاختصاص.
ومثال الثاني-إضافته إلى جبريل-: قوله تعالى: { إنه لقول رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين } {التكوير : 19-20} .
ومثال الثالث- إضافته إلى محمد عليه الصلاة والسلام -: قوله: { إنه لقول رسول كريم وما هو بقول شاعر } {الحافة: 40-41} ، لكن أضيف إليها لأنهما يبلغانه، لا لأنهما ابتدأاه.
وقولهم: "وإليه يعود" : في معناه وجهان:
الأول: أنه كما جاء في بعض الآثار : يسرى عليه في ليلة ، فيصبح الناس ليس بين أيديهم قرآن ؛ لا في صدورهم ، ولا في مصاحفهم ، يرفعه الله عز وجل(1).

(114/7)


وهذا-والله أعلم-حينما يعرض عنه الناس إعراضاً كلياً؛ لا يتلونه لفظاً ولا عقيدة ولا عملاً ؛ فإنه يرفع ؛ لأن القرآن أشرف من أن يبقى بين يدي أناس هجروه وأعرضوا عنه فلا يقدرونه قدره، وهذا-والله أعلم-نظير هدم الكعبة في آخر الزمان(2) ؛ حيث يأتي رجل من الحبشة قصير أفحج أسود ، يأتي بجنوده من البحر إلى المسجد الحرام، وينقض على الكعبة حجراً حجراً، كلما نقض حجراً ؛ مده للذي يليه . . . . وهكذا يتمادون الأحجار إلى أن يرموها في البحر، والله عز وجل يمكنهم من ذلك، مع أن أبرهة جاء بخيله ورجله وفيله فصمه الله قبل أن يصل إلى المسجد هيبته وعظمته، ولكن آخر الزمان لن يبعث نبي بعد محمد عليه الصلاة والسلام، وإذا أعرض الناس عن تعظيم هذا البيت نهائياً ؛ فإنه يسلط عليه هذا الرجل من الحبشة ؛ فهذا نظير فع القرآن . والله أعلم.
الوجه الثاني: في معنى قولهم : "وإليه يعود" : أنه يعود إلى الله وصفاً ؛ أي أنه لا يوصف به أحد سوى الله فيكون المتكلم بالقرآن هو الله عز وجل، وهو الموصوف به.
ولا مانع أن نقول: إن المعنيين كلاهما صحيح.
هذا كلام أهل السنة والجماعة في القرآن الكريم.
ويرى المعتزلة أن القرآن مخلوق، وليس كلام الله!
ويستدلون لذلك بقول الله تعالى: { الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل } {الزمر:62} ، والقرآن شيء ، فيدخل في عموم قوله: { كل شيء } ، ولأنه ما ثم إلا خالق ومخلوق ، والله خالق ، وما سواه مخلوق.
والجواب من وجهين:
الأول : أن القرآن كلام الله تعالى، وهو صفة من صفات الله ، وصفات الخالق غير مخلوقة.
الثاني: أن مثل هذا التعبير { كل شيء } عام قد يراد به الخاص ؛ مثل قوله تعالى عن ملكة سبأ : { وأوتيت من كل شيء } {النمل:23}، وقد خرج شيء كثير لم يدخل في ملكها منه شيء؛ مثل ملك سليمان.
فإن قال قائل: هل هناك فرق كبير بين قولنا : إنه منزل ، وقولنا :إنه مخلوق؟

(114/8)


فالجواب : نعم؛ بينهما فرق كبير، جرت بسببه المحنة الكبرى في عصر الإمام أحمد.
فإذا قلنا : إنه منزل. فهذا ما جاء به القرآن ؛ قال الله تعالى: { تبارك الذي نزل الفرقان على عبده } {الفرقان:1}.
وإذا قلنا: إنه مخلوق. لزم من ذلك:
أولاً: تكذيب للقرآن ؛ لأن الله يقول: { وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا } {الشورى:52}، فجعله الله تعالى موحى إلى الرسول عليه الصلاة والسلام ، ولو كان مخلوقاً ؛ ما صح أن يكون موحى ؛ فإذا كان وحياً لزم ألا يكون مخلوقاً؛ لأن الله هو الذي تكلم به.
ثانياً: إذا قلنا: إنه مخلوق ؛ فإنه يلزم على ذلك إبطال مدلول الأمر والنهي والخبر والاستخبار ؛ لأن هذه الصيغ لو كانت مخلوقة ؛ لكانت مجرد شكل خلق على هذه الصورة؛ كما خلقت الشمس على صورتها ، والقمر على صورته، والنجم على صورته. . وهكذا ، ولم تكن أمراً ولا نهياً ولا خبراً ولا استخباراً ؛ فمثلاً : كلمة (قل) (لا تقل) (قال فلان) (هل قال فلان) كلها نقوش على هذه الصورة ، فتبطل دلالتها على الأمر والنهي والخبر والاستخبار ، وتبقى كأنها صور ونقوش لا تفيد شيئاً.
ولهذا قال ابن القيم في "النونية" : "إن هذا القول يبطل به الأمر والنهي؛ لأن الأمر كأنه شيء خلق على هذه الصورة دون أن يعتبر مدلوله، والنهي خلق على هذه الصورة دون أن يعتبر مدلوله ، والنهي خلق على هذه الصورة دون أن يقصد مدلوله، وكذلك الخبر والاستخبار".
ثالثاً: إذا قلنا: إن القرآن مخلوق، وقد أضافه إلى نفسه إضافة خلق؛ صح أن نطلق على كل كلام من البشر وغيرهم أنه كلام الله؛ لأن كل كلام الخلق مخلوق، وبهذا التزم أهل الحلول والاتحاد ؛ حيث يقول قائلهم:
وكل كلام في الوجوه كلامه سواء علينا نثره ونظامه
وهذا اللازم باطل، وإذا بطل اللازم بطل الملزوم.
فهذه ثلاثة أوجه تبطل القول بأنه مخلوق.
والوجه الرابع : أن نقول: إذا جوزتم أن يكون الكلام-وهو معنى لا

(114/9)


يقوم إلا بمتكلم – مخلوقاً ؛ لزمكم أن تجوزوا أن تكون جميع صفات الله مخلوقة ؛ إذ لا فرق ؛ ؛ فقولوا إذا: سمعه مخلوق ، وبصره مخلوق. . . . وهكذا.
فإن أبيتم إلا أن تقولوا: إن السمع معنى قائم بالسامع لا يسمع منه ولا يرى، بخلاف الكلام ؛ فإنه جائز أن الله يخلق أصواتاً في الهواء فتسمع !! قلنا لكم : لو خلق أصواتاً في الهواء، فسمعت ؛ لكان المسموع وصفاً للهواء ، وهذا أنتم بأنفسكم لا تقولوه ؛ فكيف تعيدون الصفة إلى غير موصوفها ؟!
هذه وجوه أربعة كلها تدل على أن القول بخلق القرآن باطل، ولو لم يكن منه إلى إبطال الأمر والنهي والخبر والاستخبار ؛ لكان ذلك كافياً.
(1)الآية الثانية: قوله: { وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون } {البقرة:75}.
هذا في سياق قوله تعالى: { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم } ؛ يعني: لا تطمعون أن يؤمنوا لكم ؛ أي : اليهود.
{ فريق منهم } : طائفة منهم، وهم علماؤهم.
{ يسمعون كلام الله } : يحتمل أن يراد به القرآن ، وهو ظاهر صنيع المؤلف، فيكون دليلاً على أن القرآن كلام الله . ويحتمل أن يراد به كلام الله تعالى لموسى حين اختار موسى سبعين رجلاً لميقات الله تعالى، فكلمه الله وهم يسمعون ، فحرفوا كلام الله تعالى من بعدما عقلوه وهم يعلمون. ولم أر الاحتمال الأول لأحد من المفسرين.
أيا كان ؛ ففيه إثبات أن كلام الله بصوت مسموع ، والكلام صفة المتكلم ، وليس شيئاً بائناً منه؛ فوجب أن يكون القرآن كلام الله لا كلام غيره.
{ ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون } : { يحرفونه } : أي : يغيرون معناه.
وقوله: : { من بعد ما عقلوه وهم يعلمون } : { يحرفونه } هذا أشد في قبح عملهم وجرأتهم على الله سبحانه وتعالى: أن يحرفوا الشيء من بعد ما عقلوه ووصل إلى عقولهم وهم يعلمون أنهم محرفون له؛ لأن الذي يحرف المعنى عن جهل أهون من الذي يحرفه بعد العقل والعلم.

(114/10)