صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : قصة الحضارة

وأصاب صديقه كارلو دولتشي غم شديد حين رأى ما أحرزه لوكا من نجاح، فمات بعد قليل(23)، وتروي لنا إيطاليا المحبة لفنانيها من الأساطير الكثيرة عنهم قدر ما ترويه عن قديسيها. وفي رواية أخرى أن نائب الملك الأسباني في نابلي أوصي برسم حشوة كبيرة لكنيسة القديس فرانسس زافير، وثار غضبه حين وجد أن شيئاً لم ينجز في هذا التكليف رغم التأجيلات الطويلة، وما راعه بعد يومين إلا أن يجد العمل كاملاً وجميلاً. وقال نائب الملك "إن راسم هذه الصورة أما ملاك وأما شيطان(24)".
وطبقت شهرة الملاك الشيطاني الآفاق حتى بلغت مدريد، وسرعان ما تكاثرت الدعوات على لوكا من شارل الثاني لينضم للبلاط الأسباني. ومع أن الملك كان مشرفاً على الإفلاس فإنه وصل الفنان بألف وخمسمائة دوكاتيه، ووضع سفينة ملكية تحت تصرفه للرحلة. فلما بلغ جوردانو مدريد (1692) استقبلته ست مركبات ملكية على الطريق. وما لبث أن بدأ العمل في الأسكوريال وهو في السابعة والستين. فزين بالصور الجصية سلم الدير الكبير، وعلى قبو الكنيسة رسم "صورة طبق الأصل" من السماوات، ترينا شارل الخامس وفيليب الثاني في الفردوس-وقد غفرت ذنوبهما كلها تحية من الثالوث الأقدس لآل هابسبورج. وفي السنتين التاليتين رسم عدداً كبيراً من الصور الجصية يعدها مؤرخو الفن الأسباني خير ما رسم في الأسكوريال(25). وفي "القصر" بمدريد، وفي بوين ريتيرو، وفي كنائس طليطلة والعاصمة، رسم صوراً بلغت من الكثرة، وأنفق فيها من الجهد، ما جعل منافسيه يعيرونه بأنه يعمل ثماني ساعات في اليوم وفي أيام الأعياد. كذلك ساءهم أنه جمع ثروة بطرق غير لائقة، وأنه يضيق على نفسه ولكنه يشتري الجواهر الغالية استثماراً آمناً لماله لأن كل شيء في هذه الدنيا سيتغير ويتبدل إلا غرور الإنسان. وقد كرمه كل البلاط، ووصفه شارل الثاني في لحظة صفاء بأنه أعظم من ملك.
ومات شارل في 1700، ومكث جوردانو في أسبانيا رغم ما تلا
صفحة رقم : 11145

(31/287)


قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> الفن الإيطالي

ذلك من حرب الوراثة الأسبانية، ولما ارتقى العرش فيليب الخامس ظل يتلقى تكليفات سخية عسيرة. ثم عاد إلى إيطاليا في 1702، وتخلف في روما ليلثم قدم البابا، ووصل إلى نابلي والغار يكلله. وعلى أسقف التشرتوزا (دير الكرتوزيين) بسان مارينو، المطل على المدينة، رسم في ثمان وأربعين ساعة سلسلة من الصور الجصية أظهرت نشاطاً وحذقاً لا يكادان يصدقان في رجل بلغ الثانية والسبعين (1704). وفاضت روحه بعد ذلك بعام وهو يقول متأوهاً "إيه يا نابلي، يا نسمة حياتي(26)".
ولم يعدله شهرة عند وفاته فنان آخر في جيله. ونافس الأعيان الهولنديون الأباطرة والملوك في شراء صوره، وفي إنجلترا النائية تغني مافيو برايور بمديح "جوردان الإلهي" وأعجب عامة الناس بغنى ألوانه، وبأس أشخاصه، وجلال أفكاره، وقوة عرضه. ولكن الفنانين-بعد أن أفاقوا من هذا الخدر العام-بينوا علامات التعجل في إنتاج لوكا فا-برستو، والخلط المتناقض بين الأفكار أو المواضيع الوثنية والمسيحية في المشهد الواحد، والمواقف المفتعلة، والإفراط في الإضاءة الساطعة، والافتقار إلى التناسق والهدوء. ولقد رد لوكا على ناقديه قبل ذلك بزمن طويل، إذ عرف المصور القدير بأنه ذلك الذي يحبه جمهور الشعب(27). ومن العسير تفنيد هذا التعريف ما دمنا نفتقر إلى معيار موضوعي للامتياز أو سلامة الذوق، ولكنا قد نجد أدنى محك ذاتي للعظمة في مبلغ تأثير إنسان ما في الزمان والمكان، وأدنى مقياس ذاتي للشهرة في قدرتها على البقاء. ولقد سعد جوردانو بحياة ناجحة، وهو لا يشعر بأي أذى من جراء شهرته الآفلة.

(31/288)


وكان الفنان فرانشسكو سولمينا يناهز الثامنة والأربعين حين مات فا-برستو، ولكن سني عمره التسعين بلغت بمدرسة الفن النابولية قرابة منتصف القرن الثامن عشر. وكان لوكا قد رسم صحن دير مونتي كاسينو، ورسم فرانشسكو الخورس، وتهدم هذا وذاك في الحرب العالمية الثانية. ولكن المتاحف تحتفظ بفن سولمينا، ففي فيينا "اغتصاب أوريثيا" وهي نشوة بضة من عضلات الذكر ومنعطفات الأنثى، وفي اللوفر نرى صدى وتحدياً لرفائيل في لوحته "هليودوروس" يطرد من الهيكل"، وفي كريمونا صورة "مادونا
صفحة رقم : 11146
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> الفن الإيطالي

أدولوراتا" ويصحب العذراء فيها ملاك فيه من العذوبة ما يجعلنا نتقبل فكرة الخلود إذا كان في الجنة الكثير من أمثاله.

صفحة رقم : 11147
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> أوديسة كرستينا

3- أوديسة كرستينا
كانت الفنون الآن مجرد جزء صغير من حياة روما الثقافية. فيها أيضاً مئات من الموسيقيين، والشعراء، والمسرحيين، والعلماء، والمؤرخين. وقد يسرت المتاحف والمكتبات والكليات كنوز الماضي للطلاب، وشجعت الأكاديميات الأدب والعلم. وكانت أوهام ماريني الموشاة ما زالت عدواها تسري في الشعر الإيطالي، ولكنه لذع هجائيات تاسوني، وحرارة نزعة ماريني الحسية، وتدفق مقاطع تاسو الفوار، كل أولئك كان قد أعطى الشعر الإيطالي حافزاً وإلهاماً ما زالت تحس بهما النفوس المترنمة بالشعر.
أما أعظم الشعراء الغنائيين في العصور الحديثة(28)، إذا صدقنا ماكولي، فهو فنتشنزو دا فيليكايا، وقد شدا هذا الشاعر بتلخيص سوبيسكي لفيينا في قصائد كثيرة شاكرة، ورحب بمجيء كرستينا إلى روما في تملق نشوان، ووصف في خزي ساخط إخضاع وطنه للجيوش الدخيلة، يقول:

(31/289)


"إيطاليا، إيه يا إيطاليا، يا من كتب عليك أن تلبسي تاج الجمال المهلك، فأصبح سجل الويل والثبور موسوماً على جبينك إلى الأبد! ليت ميراثك كان جمالاً أقل وبأساً أشد! حتى يجدك أولئك الذين يستخفهم الطرب لأن حقدهم أذلك، أكثر إرهاباً أو أقل جمالاً(29)".
على أن هنري هالام، الذي طوف لغوياً خبيراً بكل الآداب الأوربية، ذهب إلى أن كارلو اليساندرو جيدي، لا فيليكايا، هو الذي "ارتفع إلى أسمى ذروة بلغها أي شاعر غنائي إيطالي" و.. أن "قصيدته الغنائية في الحظ على الأقل تعدل أي قصيدة غنائية أخرى في الإيطالية(30).، ولا يستطيع أحد لم يتمكن من الإيطالية أن يحسم هذا الخلاف بين ماكولي وهالام ولا بين جيدي وبترارك، ولا بين فيليكايا وبيرون أوشلي أوكيتس.
صفحة رقم : 11148
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> أوديسة كرستينا

كان جيدي واحداً من شعراء عدة صدحوا بقوافيهم في صالون كرستينا بروما. وكانت ملكة السويد هذه قد طبقت شهرتها الآفاق لا ملكة على دولة عظمى فحسب، بل راعية ونموذجاً للعلم، والمضيفة الحفية بسالماسيوس وديكارت. وكانت تخليها عن التاج في سبيل المذهب، وتحولها عن البروتستنتية التي مات أبوها من قبل لينقذها، ورحلتها الطويلة مارة بقصور ملوك أوربا وأمرائها لتلثم قدمي البابا-كانت هذه كلها أحداثاً لا تقل عن الحروب والثورات استهواء للذهن الأوربي.

(31/290)


كانت في ربيعها الثامن والعشرين يوم غادرت السويد (1654). وأعطاها ابن عمها شارل العاشر، الذي اختارته ليتبوأ عرشها، خمسين ألف كراون تجمل بها رحلتها، وقرر لها الديت السويدي دخلاً كبيراً، وحقوق ملكة على حاشيتها. فوصلت هامبورج بعد رحلة سريعة في الدنمرك، وهناك صدمت مشاعر الأهالي بنزولها ببيت مالي يهودي كان قد أخلص لها الخدمة وهو يعمل وكيلاً مالياً لها. واجتازت هولندة البروتستنتية متنكرة، ولكنها اتخذت زيها السافر في أنتورب الكاثوليكية. وهناك استقبلها استقبالاً ملكياً الأرشيدوق ليوبولد، وإليزابث ملكو بوهيميا السابقة (وهي ملكة مخلوعة أخرى)، وابنتها الأميرة إليزابث (وهي تلميذة أخرى لديكارت). ثم واصلت رحلتها إلى بروكسل، حيث استقبلت بالألعاب النارية، والصواريخ، وطلقات المدافع، والجموع الهاتفة المصفقة. وأسلمت نفسها حيناً في اغتباط للمراقص ومباريات الفروسية ورحلات الصيد والتمثيليات، وأوفد مازاران فرقة تمثيلية من باريس للترفية عنها، وفي عشية عيد الميلاد ارتدت سراً عن المذهب اللوثري، وأعلنت عزمها على ألا تستمتع إلى مزيد من المواعظ(31)"، ثم أطالت مكثها في فلاندر ريثما تعد الكوريا البابوية بروما العدة لاستقبالها رسمياً في الكنيسة وإيطاليا. وبعد أن غادرت بروكسل اخترقت النمسا في رحلة وئيدة. وفي انزبروك جهرت رسمياً باعتناقها المذهب الكاثوليكي. وكانت رحلتها في إيطاليا قاصدة روما أشبه برحلات القياصرة الظافرين عظمة وجلالاً. فتزينت المدينة تلو المدينة لتحييها، ونظمت المهرجانات والعروض تكريماً لها في مانتوا، وبولونيا، وفاينزا، وريميني، وبيزارو،
صفحة رقم : 11149
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> أوديسة كرستينا

(31/291)


وأنكونا، وأخيراً (19 ديسمبر 1655) دخلت روما وسط مهرجان من الأضواء هزأ بتنكرها. وفي الغد مضت إلى الفاتيكان حيث رحب بها البابا اسكندر السابع. وبعد أن مكثت بروما ثلاثة أيام غادرتها مصحوبة بحرس الشرف لتدخلها ثانية ذلك الدخول الرسمي الذي رتبه لها كبار رجال الكنيسة، فمرت بقوس نصر، وبالبورتا ديلبوبولو (بابا الشعب)، إلى المدينة ممتطية صهوة جواد أبيض يخطر على مهل، بين صفوف الجند وحشوة الأهالي وكأنما شعرت الكنيسة القديمة أن حركة الإصلاح البروتستنتي بأسرها قد أطاح بها ارتداد امرأة واحدة عن البروتستنتية.
فلما اكتمل هذا مله، سمح لكرستينا بأن تتصرف في وقتها كما تشاء، تستقبل الأساقفة، والحكام، والعلماء، وتزور المتاحف، والمكتبات، والأكاديميات، والأطلال، وتدهش مرشديها بمعلوماتها في تاريخ إيطاليا وآدابها وفنونها. وأغرقتها كبار الأسر بالولائم والهدايا والتحيات، ووقع الكردينال كولونا في غرامها وهو في الخمسين، وعزف لها ألحان حبه، ولم يكن بد من نفيه إنقاذاً لكرامة الكنيسة. وما لبثت أن وجدت نفسها وقد تورطت في منافسات الحزبيين الفرنسي والأسباني في البلاط البابوي. وقطعت السويد دخلها المقرر لها حين وجدت مشقة في تمويل حربها مع بولندة، فرهنت مجوهراتها، وتلقت قرضاً من البابا.
وفي يوليو 1656 خرجت في زيارة لفرنسا. وهناك أيضاً لقيت ما تلقى الملكات من تكريم. ودخلت باريس على جواد أبيض مطهم، وخرج ألف فارس لاستقبالها، وهتفت لها الجموع، وكاد كبار الموظفين يخنقونها بأزهارهم الخطابية، ووصفها دوق جيز ذلك العهد، الذي أوفده مازاران لمرافقتها، بهذه العبارات:

(31/292)


"ليست طويلة، ولكن لها خصراً ممتلئاً وشفتين كبيرتين، وذراعين حلوتين، ويداً بضة حسنة التكوين، ولكنها أقرب إلى يد الرجل منها إلى يد المرأة... ووجهها كبير دون أن ينتقص ذلك من مظهره... وأنفها معقوف، وفمها كبير نوعاً ولكنه ليس منفراً... وعيناها بديعتان تشعان ناراً... وعلى رأسها غطاء عجيب جداً...
صفحة رقم : 11150
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> أوديسة كرستينا

باروكة رجل، كثة عالية... ترتدي حذاء رجل، ولها نبرات صوت الرجل وكل تصرفات الرجل تقريباً، -تتظاهر بلعب دور المرأة المسترجلة (الأمازونة).. وهي غاية في التأدب والمجاملة، وتتكلم ثماني لغات، لا سيما الفرنسية-وكأنها ولدت في باريس، إنها تعرف أكثر مما تعرف أكاديميتنا، مضافاً إليها السوربون، وتفهم التصوير فهماً جديراً بالإعجاب، وكذلك تفهم كل ما عداه. إنها لشخصية غاية في الغرابة(32)".

(31/293)


وأنزلت جناح الملك في اللوفر. ثم صحبها دوق جيز بعد ذلك إلى كومبيين، حيث استقبلها لويس الرابع عشر، وكان يومها فتى وسيماً في الثامنة عشرة. والتفت سيدات القصر حولها كالفراشات، ولكن أربكهن استرجالها في اللباس والحديث. وذهبت مدام دموتفيل إلى أنها "تبدو لأول وهلة كأنها إحدى الغجريات سيئات السيرة" ولكن "بعد ذلك... بدأت آلف لباسها.. ولاحظت أن عيناها جميلتان متألقتان، وأن في وجهها رقة، ولطفاً يمتزج بالكبرياء. وأخيراً أدركت في دهشة أنها أرضتني(33)". على أنه يمكن القول عموماً أن النساء اللاتي وشين ما في المجتمع الفرنسي من عادات وأزياء وبهجة وكياسة ورشاقة، هؤلاء ساءهن إهمال كرستينا لملبسها، و "إفراطها في الضحك، وتحررها في حديثها سواء عن الدين أو عن المواضيع التي تتطلب أصول اللياقة عند النساء مزيداً من التحفظ فيها.. وقد جهرت بأنها تحتقر جميع النساء لجهلهن، ووجدت لذة في التحدث إلى الرجال سواء في المواضيع الطيبة أو الخبيثة. وضربت بالقواعد كلها عرض الحائط(34)". ويرى فولتير أن نساء المجتمع الفرنسي قسون في الحكم على هذه الملكة المتمردة لأنها لم تسر على الجادة. قال "لم يكن في البلاط الفرنسي امرأة واحدة وهبت ذكاءها(35)". أما كرستينا فقد حكمت على سيدات البلاط بأنهن شديدات التكلف، وعلى الرجال بأنهم شديدو التخنث، وعلى الفريقين بالافتقار إلى الإخلاص. وفي سنليس، في طريقها عائدة من كومبيين إلى باريس، طلبت أن ترى "آنسة تدعى نينون (دلانكلو)، مشهورة بالرذيلة، والتهتك، والجمال، والذكاء. ولم تبد أي علامة من علامات الاحترام إلا لهذه المرأة وحدها، دون سائر النساء اللائي رأتهن في فرنسا(36)". وقد
صفحة رقم : 11151
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> أوديسة كرستينا

(31/294)


وجدت نينون حبيسة مؤقتاً في دير للراهبات. وتحدثت إليها كرستينا في مرح، وأقرتها على امتناعها عن الزواج(37). ثم عادت إلى إيطاليا بعد أن زارت مؤسسات فرنسا الثقافية وأهم آثارها الفنية (نوفمبر 1656).
وفي سبتمبر 1657 زارت فرنسا ثانية. ولم تستقبل ذلك الاستقبال الرسمي السابق، ولكنها أنزلت فونتنبلو بما يقرب من الحفاوة بالملوك. وهناك روعت فرنسا بما خالته استعمالاً مشروعاً لحقوقها الملكية على حاشيتها. وتفصيل ذلك أن ياورها المركيز مونالديسكي اشترك في مؤامرة ضدها كشفتها باعتراض رسائله. وزاد الموقف سوءاً باتهامه رجلاً آخر من حاشيتها بالتآمر عليها. فواجهته برسائله التي تثبت التهمة عليه، وأمرت قسيساً أن يسمع اعترافه ويمنحه غفران الكنيسة، ثم أصدرت الأمر لحراسها فأعدموا المركيز. وصعقت فرنسا، وحتى أولئك الذين اعترفوا بما منحها الديت السويدي من حقوق على أتباعها صمهم هذا الاستعمال الفجائي التعسفي لسلطتها في مسكن يملكه ملك فرنسا. وسمح لكرستينا بأن تنفق الشتاء في باريس، وتستمتع بالتمثيليات وحفلات الرقص، ولكن البلاط تنفس الصعداء حين رحلت إلى إيطاليا (مايو 1658).

(31/295)


وقد سبب لها قطع الدخل الذي يأتيها من السويد من الحرج الشديد ما جعلها فيما روي تطلب إلى الإمبراطور ليوبولد الأول جيشاً تقوده ضد شارل العاشر، ولكن ثناها عن هذه المغامرة العسكرية معاش سنوي من اثني عشر ألف سكودي قرره لها البابا الإسكندر السابع. وقد زارت السويد مرتين (1660-1667) لتستعيد دخلها، وربما تاجها. ورد إليها دخلها، ولكنها لم تلق ترحيباً في استوكهولم، واتهمها رجال الدين اللوثريين بأنها تتآمر لتحول الأمة إلى الكاثوليكية، ومنعت من الاستماع إلى القداس في مسكنها. وكانت بعد كل زيارة من هاتين الزيارتين تعتكف في هامبورج. ومنها أرسلت مندوبين إلى وارسو في 1668 ليعرضوا ترشيحها نفسها لعرش بولندة الذي خلا باعتزال يوحنا كازيمير. وعزز البابا كلمنت السابع مطلبها، ولكن الديت البولندي رفضها لأسباب كثيرة، منها رفضها أن تتزوج. وقد قالت إن إمبراطورية العالم بأسرها لن تحملها على الرضا
صفحة رقم : 11152
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> أوديسة كرستينا

بالزواج(38). ثم عادت إلى إيطاليا في 1668، ومكث بها حتى ماتت.

(31/296)


وكانت تلك السنوات العشرون الأخيرة أجمل سني عمرها. وأصبح جناحها في قصر كورسيني أهم الصالونات في روما، وملتقى الأساقفة، والعلماء، والملحنين، والنبلاء، والدبلوماسيين الأجانب. هناك رحبت بأليساندرو سكارلاتي، وتلقت من أركانجلو كوريللي إهداء أول سوناتاته المنشورة. وزينت حجراتها بالصور والتماثيل وغيرها من التحف المنتقاة بذوق كان مثار إعجاب الخبراء، أما المخطوطات التي جمعتها فقد عدت فيما بعد من خيرة ما ضمنته مكتبة الفاتيكان من مخطوطات. وكانت تثبط الأسلوب المتكلف الذي نما في الشعر الإيطالي، وأثرت على جيدي ليتزعم حركة تعود إلى نقاء اللغة، واستقامة التعبير، اللذين سادا في أيام أسرة مديتشي. وكانت مذكراتها مثالاً للكلام البسيط القوي، و "أقوالها المأثورة". آراء جادة سديدة لامرأة خبيرة بالدنيا، لم تسمح لتقواها بأن تفسد استمتاعها بالحياة. ولم تكن متعصبة، فقد أدانت عنف الكاثوليك الفرنسيين في تنفيذ قانون فسخ مرسوم نانت، وكتبت تقول "إني أنظر إلى فرنسا نظرتي إلى مريضة بتر ذراعاها وساقاها علاجاً لمرض كانت تشفى منه تماماً بممارسة اللطف والصبر(39)". وذهب بيل إلى أن هذه العواطف بقية متخلفة من تربيتها البروتستنتية، فوبخته على هذا التفسير، فكتب إليها معتذراً، فغفرت له شريطة أن يوافيها بكتب جديدة أو غريبة(40).
وماتت عام 1689 بالغة الثالثة والستين، ودفنت في كنيسة القديس بطرس. وبعد موتها بثلاث سنوات أسس جوفاني ماريا كريسكمبيني تخليداً لذكراها "الأكاديمية الأركادية" وأكثر أعضائها الأوائل ممن اجتمعوا تحت جناحها. وواصلوا الصلة القديمة بين الشعر والرعوية، وسموا أنفسهم رعاة، واتخذوا أسماء ريفية، وعقدوا اجتماعاتهم في الحقول. وأنشئوا فروعاً في مدن إيطاليا الرئيسية، ومع احتفاظهم بالحيل البارعة ف بنيان قصائدهم، فإنهم أنهوا تسلط الأوهام على الشعر الإيطالي.

صفحة رقم : 11153

(31/297)


قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> من مونتيفردي إلى سكارلاتي

4- من مونتيفردي إلى سكارلاتي
كانت الموسيقى في ذلك المجتمع المرح، مجتمع إيطاليا القرن السابع عشر، نغمة الحياة ونسيمها. لقد خاض هذا الشعب المشبوب العاطفة الحروب في الأوبرات، وحارب معارك الحب في أغانيه الشعرية، بعد أن ألزمته أسبانيا والبابوية السلام رغم إرادته.
واتخذت الآلات الموسيقية عشرات الأشكال. وأصبح الأرغن الآن منفاخاً مزيناً له لوحتا مفاتيح لليدين ولوحة للقدمين، بالإضافة إلى أنابيب متنوعة، وكان هناك بالطبع أراغن متنقلة للشارع. وفي تاريخ مبكر (1598) نسمع بآلة أخرى لها لوحات مفاتيح سميت "البيانو أي فورتي" (أي الخافت والقوي) ورد ذكرها في قائمة الآلات التي يملكها ويعزف عليها الدوق ألفونسو الثاني في مودينا، ولكنا ما زلنا نجهل الفرق بينها وبين "البيلن القيثاري" بنوعيه elavieembalo (الهاربيسكورد) و spinetta. وينقضي قرن قبل أن نسمع بالبيانو فورت الثانية. وفي 1709 عرض بارتولوميو كريستوفوري آلة موسيقية سماها gravicemblo col pianoe forte، وكان صانع الآلات الموسيقية لأمير عاشق للموسيقى يدعى فرديناند دي مديتشي بفلورنسة. وكانت هذه الآلة تختلف اختلافاً هاماً وإن كان طفيفاً عن الهاربسيكورد. فالنغمة تصدرها مطرقة صغيرة ترتفع لتقرع وتراً، وفي الإمكان خفض الصوت أو رفعه بتنويع لمس الأصابع للمفتاح-بينما النغمات في الآلات السابقة ذات لوحات المفاتيح تنبعث بوساطة ريشة (من ريش الطير أو الجلد القاسي) ترتفع لتنقر الوتر، ولا يمكن أحداث تنويع في قوة الصوت . وحل البيانوفورت بالتدريج محل الهاربسيكورد في القرن الثامن عشر، لا لأنه يستطيع أن يعزف الأصوات "الخافتة والعالية" فحسب، بل لأن مطارقه كانت تبلى بسرعة أقل مما يبلى ريش الطير.
أما الكمان فقد تطور من القيثارة (الليرة lyre) في القرن
صفحة رقم : 11154

(31/298)


قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> من مونتيفردي إلى سكارلاتي

السادس عشر، لا سيما في بريشا . فجلب أندريا أماتي فن صنع الكمان إلى كريمونا، وهناك تفوق حفيده نيكولو على جميع منافسيه في هذه الحرفة، إلى أن تفوق عليه هو ذاته تلميذاه أندريا جارنيري وأنطونيو ستراديفاي. وآل جارنيري مثال آخر من الأسر التي جرى فيها النبوغ في نفس الحرفة، فهناك أندريا وولداه بييترو "دي مانتوا" وجوزيبي الأول، وحفيده بييترو الثاني "دي فينيتسيا" وحفيد أخيه جوزيف الثاني "ديل جيزو"-الذي جعل بأجانيني يؤثر الكمان على سائر الآلات الموسيقية. وأقدم كمان يحمل توقيع ستراديفاري يرجع تاريخه إلى 1666، حين كان في الثانية والعشرين، وقد كتب عليه "أنطونيوس ستراديفاريوس ألومنوس نيكول أماتي فاتشيبات آنو 1666" ويلي هذا شعاره الشخصي-وهو صليب مالطي والحرفان الأولان من اسمه، أ. س، داخل دائرة مزدوجة. وكان يوقع فيما بعد ببساطة يشوبها الفخر "سترافيداريوس". وقد ألف العمل دون انقطاع، والقصد في الطعام، وعاش ثلاثة وتسعين عاماً، وجمع من الثروة بفضل ما تميزت به آلاته من روعة الجمال والبناء والنغم والصقل ما أصبحت معه عبارة "غني مثل ستراديفاري" مرادفاً كريمونياً للثراء العريض. والمعروف أنه صنع 1.116 كماناً، وفيولا، وفيولنسيلو، وبقيت منها على قيد الحياة 540 كماناً، بيع بعضها بعشرة آلاف دولار(41). وقد ضاع سر الطلاء الذي كان يصقل به آلاته.

(31/299)


وشجع هذا التحسن في الآلات تطور الأوركسترا، وتأليف الموسيقى الآلاتية وأداءها. واكتشف المؤلفون والعازفون في الكمان مرونة في الحركة وتنوعاً في النغم يستحيلان على الصوت البشري، إذا كان في استطاعتهم أن يصعدوا ويهبطوا على السلم الموسيقي بيسر يفوق الوصف فعلاً، وأن يبنوا التنويعات ويتلاعبوا بها، وأن يهربوا من روتين اللحن ويقتحموا الجديد من الإيقاعات، والتطويرات، والتجارب. وأمكن بعد الجمع بين الآلات الكثيرة تحرير التأليف من الرقص ومن الأغنية على السواء، واستطاع التأليف أن يحلق على
صفحة رقم : 11155
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> من مونتيفردي إلى سكارلاتي

جناحيه هو في الجديد من المتتاليات، والتجميعات، والأشكال. وكان تومازو فيتالي سباقاً بسوناتات الكمان التي لم يعرف لها مثيل من قبل في غنى الابتكار، والتي أعانت على إرساء تعاقب الحركات السريعة والبطيئة والنشيطة. أما أركانجيلو كوريللي، فقد مهد الطريق بوصفه مؤلفاً وعازفاً ماهراً، للموسيقى الحجرية التي شاعت في القرن الثامن عشر بسوناتاته التي وضعها للكمان، وكان له هو وفيتالي في إيطاليا، وكوناو وهينريش فون بيبر في ألمانيا، الفضل في إعطاء السوناتا بناء وشكلاً باعتبارها قطعة "تعزف" بالآلات فقط، مقابل "الكانتاتات" التي هي مؤلفات تغني بالصوت. وكوريللي هو الذي قرر شكل "الكونشرتو جروسو"-كمانان وفيولنتشيللو واحدة تقود أوركسترا وترياً-بألحان بسيطة مشجية مثل "كونشرتو عيد الميلاد" (1712)، ففتح بذلك طريقاً لكونشرتو فيفالدي وهندل ومتتابعات باخ الأوركسترية وقد احتفظت ألحان كوريللي بشعبيتها في القرن الثامن عشر فترة طالت حتى لقد خيل لبيرني وهو يكتب حوالي عام 1780 أن شهرتها ستبقى "ما بقي النظام الحالي للموسيقى مبعث بهجة لآذان البشر(42)".

(31/300)


وكما أصبح كوريللي المؤلف المفضل للكمان، فكذلك هيمن أليساندرو شتراديللا على موسيقى هذا العصر الصوتية، بالأصوات الفردية، والثنائية، والثلاثية، والأوراتوريوات. وكانت حياته ذاتها دراما في الموسيقى، وقد حولت إلى تمثيلية وأوبرا. ذلك أنه أحرز في عمله مدرساً للغناء بالبندقية نجاحاً محزناً. فقد فرت معه لروما إحدى تلميذاته الأرستقراطيات، واسمها أورتنسيا، مع أنها كانت مخطوبة لعضو الشيوخ البندقي ألفيزي كونتاريني. وأرسل عضو الشيوخ فتاكاً ليقتلوه. ولكن حين سمعه هؤلاء القتلة المرهفة الحس يرتل الدور الرئيسي في لحنه "أوراتوريو دي سان جوفاني باتيستا" في كنيسة سان جوفاني باللاتيرانو، تأثروا بالموسيقى (كما تقول القصة) تأثرهم جعلهم يقلعون عن القيام بما كفلوا به، ويحذرونه هو ورفيقته ليلتمسا مخبأً آمناً. وفر العشيقان إلى تورينو، ولكن سرعان ما اشتهر أليساندرو هناك بمؤلفاته وصوته شهرة هددته بالخطر. وأرسل كونتاريني فاتكين لا يهويان الموسيقى ليقتلاه، فهاجماه، وتركاه وهما
صفحة رقم : 11156
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> من مونتيفردي إلى سكارلاتي

يحسبانه قد مات. ولكنه أفاق، وتزوج أورتنسيا، ورحل معها إلى جنوه. وهناك عثر عليهما مأجورو عضو الشيوخ، فطعناهما طعنات أودت بحياتهما (1682)(43). وظل الأوراتوريو الذي قيل أنه أنقذ حياته محتفظاً بشعبيته قرناً كاملاً، وقد مهد السبيل أمام هندل.

(31/301)


وغدت الأوبرا الآن هوساً في إيطاليا. فالبندقية وحدها كانت بها ست عشرة داراً للأوبرا في 1699، وقد استمعت إلى قرابة مائة أوبرا مختلفة بين عامي 1662 و 1680(44). كذلك أقبلت نابلي على هذه الفرجة المشجعة بما يقرب من هذا التهافت. أما في روما فقد أصبحت الأوبرا رمزاً على حركة علمنة الموسيقى السائرة قدماً، وقد ألف كلمنت التاسع نفسه بعض الفكاهيات الموسيقية قبل أن يرتقي عرش البابوية(45). وكان هناك اضمحلال مؤقت في جودة الأوبرا الإيطالية بعد مونتفردي ففقد الحبكات بعض وقارها ودلالتها، وازدادت سخفاً وعنفاً. وطور فرانشسكو كافاللي، أحد تلاميذ مونتفردي، اللحن المنفرد باعتباره أحلى جزء من العرض، وسرعان ما طالبت الجماهير بسلسلة من الألحان الدرامية، وكانت تحتمل فترات الاستراحة بصبر نافد. وقام الخصيان من الغلمان أو الرجال بكثير من أدوار السوبرانو أو الكونترالتو، ولكن البريمادونات بدأن الآن ينافسن الملكات. ووجه ملتن أغنيات لاتينية إلى ليونورا باروني، وخرجت نابلي على بكرة أبيها لترحب بأم ليونورا، أدريانا بازيلي، أعظم المغنيات السوبرانو إثارة للأحاسيس في زمانها-ولعل أجهزة المسرح الآلية بلغت في هذا العصر الغاية التي ما بعدها غاية. يقول مولمنتي أن مسرح سان كاسيانو، في بندقية القرن السابع عشر، كان يستطيع عند الطلب أن يعرض قصراً ملكياً، وغابة، ومحيطاً، وجبل أولمب، والجنة، ومرة علقت قاعة رقص كاملة الإضاءة، بكل أثاثها وراقصيها، فوق المسرح الثابت، وكانت تخفض لتستقر عليه أو ترفع لتواري عن الأنظار حسب مقتضيات القصة(46). وحاول ماركانطونيو تشستي أن ينقذ الأوبرا من الأغنية، فأعطى مزيداً من الاتساع والبروز للاستهلال، ومن المنطق والرصانة للرواية، ثم نوع الغناء بالريستاتيف. وكان تشستي وكوريللي كلاهما مبعوثين موسيقيين، حملا الأوبرا الإيطالية الواحد إلى باريس على عهد لويس الرابع عشر، والآخر إلى فيينا على عهد ليوبولد

(31/302)


الأول. وهكذا كانت
صفحة رقم : 11157
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> من مونتيفردي إلى سكارلاتي

أوربا شمال جبال الألب، في فن الأوبرا، مستعمرة إيطالية(47).
وكان أبرز ملحني الأوبرا الآن أليساندرو سكارلاتي. ولقد طغت شهرة ابنه دومنيكو اليوم على شهرته، ولكن اسم "سكارلاتي" كان إلى عهده القريب يعني أليساندرو، وكان دومنيكو أشبه بتوقيع متعاقب سريع على وتر اسم مشهور. وقد وفد أليساندرو على روما وهو في الثالثة عشرة، ودرس حيناً على كاريسيمي، ولحن للكانتاتات، وحفز همته فن ستراديللا وسيرته، وفي العشرين أخرج أولى أوبراته المعروفة L'errore innocente (الغلطة البريئة) وقد أعجبت الأوبرا كرستينا ملكة السويد، فبسطت جناحها على أليساندرو، وأخرجت أوبراته التالية على مسرحه الخاص. وفي 1684 قبل وظيفة "المايسترو دي كابللا" لنائب الملك الأسباني في نابلي، وظل يشغلها ثمانية عشر عاماً، يخرج الأوبرات في تتابع سريع حتى بلغت عند وفاته على الأقل 114، لا يعيش منها اليوم سوى نصفها، ولعل سوليمينا رسم في هذه الفترة اللوحة الممتازة التي ترى في كونسرفاتوريو نابلي الموسيقى-وجه نحيل، يفيض حساسية، وتركيزاً، وعزيمة.

(31/303)


وجاءت حرب الوراثة الأسبانية فكدرت صفاء نابلي، وتأخر صرف راتب سكارلاتي كثيراً حتى اضطر للرحيل إلى فلورنسة مع زوجته وأسرته، ولحن وأخرج الأوبرات تحت رعاية الأمير فرديناند. وبعد عام انتقل إلى روما رئيساً لفرقة مرتلي الكنيسة للكردينال بييترو أوتوبوني، وكان كنسياً مرحاً مثقفاً، خلف كرستينا قطباً وراعياً للفنون في روما، ووزع طاقاته الدنيوية على الفن والأدب والموسيقى والخليلات(48). وفي 1707 ذهب أليساندرو إلى البندقية حيث أخرج رائعته Mitridate Eupatore وهي أوبرا تتميز بخلوها تماماً من تشويق الحب. في ذلك العام دانت نابلي للحكم النمساوي، فدعا نائب الملك سكارلاتي ليعود إلى سابق وظيفته، فوافق، وأنفق هناك العقد الأخير من حياته، حين بلغ أوج شهرته.
وقد قررت أوبراته أسلوباً دام نصف قرن. جعل الاستهلال مؤلفاً هاماً لا يرتبط بالأوبرا، وقسمه إلى ثلاث حركات ظلت قياسية حتى
صفحة رقم : 11158
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> من مونتيفردي إلى سكارلاتي

مجيء موتسارت: الألليجرو، والأداجيو، والألليجرو. أما اللحن (الآربا) فأعطاه سيطرته النموذجية في القرن الثامن عشر وشكله الأعادي da capo، الذي يعيد فيه القسم الثالث الأول، ونفث فيه الحرارة العاطفة، والحنان، والتلوين الرومانسي، وجعله أداة لإبداعات المغنين في العزف والارتجال، ولكن تكراره قطع الوجدان والحركة قطعاً مفتعلاً. وقد قاوم حيناً طلب الجماهير للألحان العاطفية، وأخيراً أذعن، وظلت دراما الموسيقى خمسين عاماً تحظى بألف انتصار دون أن تنتج آثاراً قادرة على مغالية تقلبات الذوق. واضمحلت الأوبرا حين أيقظها جلوك لحياة وشكل جديدين، في فيينا (1762) وباريس، بجمال أوبرا Orfeo ed Euridice المقيم.

صفحة رقم : 11159
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> البرتغال

5- البرتغال
1640-1700

(31/304)


حين توج دوق براجانزا ملكاً باسم يوحنا الرابع (1640) بدأت البرتغال حرباً امتدت ثمانية وعشرين عاماً لتدافع عن استقلالها الذي استردته من أسبانيا. وقدمت لها فرنسا يد المعونة حتى 1659، حين وافق مازاران في صلح البرانس على أن يكف عن مساعدة البرتغال. واتجه الفونسو السادس إلى إنجلترا طالباً العون. وأوفدت كاترين أميرة براجانزا إلى لندن عروساً لتشارلز الثاني (1663)، حاملة معها صداقاً هو بومباي، وطنجة، و500.000 جنيه. وأرسلت إنجلترا الجند والسلاح مقابل ذلك. وبهذه المعونة وغيرها، وبجهود البرتغاليين وقيادتهم وحسن نظامهم قبل كل شيء، راحوا يردون جيوش أسبانيا على أعقابها الواحد تلو الآخر، حتى اعترفت أسبانيا رسمياً بمقتضى معاهدة لشبونة (1668) باستقلال البرتغال.
وعزز بيدرو الثاني العلاقات مع إنجلترا بمعاهدة ميثوين (1703). فوافقت كل من الأمتين على أن تمنح الأخرى تعريفات تفضيلية، وعلى أن تستورد البرتغال السلع المصنوعة من إنجلترا وتستورد النبيذ والفاكهة من البرتغال. وهكذا شربت إنجلترا القرن الثامن عشر نبيذ البورت من أوبورتو، بدلاً من الكلاريت "الصافي clear" من بوردو. وقد وفر هذا التحالف الاقتصادي للبرتغال ومستعمراتها الباقية حماية دائمة من أسبانيا وفرنسا.
صفحة رقم : 11160
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> البرتغال

(31/305)


وفي 1693 كشفت مناجم ذهب ميناس جيرايس في البرازيل، وسرعان ما غلت لبيدرو الثاني من سبائك الذهب ما أتاح له أن يحكم بعد 1697 دون حاجة لدعوة الكورتيز (المجلس التشريعي) للموافقة على منحه المال، وأن يحتفظ في لشبونة ببلاط من أفخم البلاطات في أوربا. على أن المذهب الأمريكي تمخض في البرتغال عن نفس النتائج التي تمخض عنها في أسبانيا: فقد استعمل لشراء السلع المصنوعة من الخارج بدلاً من تمويل المشاريع الصناعية في الداخل، وظل الاقتصاد الوطني اقتصاداً زراعياً كسولاً، وحتى الكروم المحيطة بأوبورتو وقعت في قبضة الإنجليز الذين اشتروها بالذهب البرتغالي الذي حصلوا عليه من التجارة الإنجليزية.
وواصل المؤلفون البرتغاليون تنشيط الأدب بالأعمال. من ذلك أن فرانشسكو مانويل دي ميلو اللشبوني التحق بالأفواج الأسبانية الذاهبة إلى فلاندر بعد أن درس في كلية أنتاو اليسوعية، وخاض معارك عدة كتبت له فيها الحياة، وقاتل في صف ملك أسبانيا في التمرد القتلوني وألف تاريخاً له (تاريخ حرب قتلونيا) في كتاب من عيون الأدب الكثيرة التي أسهم بها البرتغاليون في الأدب الأسباني. فلما أعلنت البرتغال تحررها من ربقة أسبانيا عرض خدماته على يوحنا الرابع، ولقي عرضه ترحيباً، وجهز أسطولاً برتغالياً وتولى قيادته، ثم وقع في غرام كونتيسة فيللانوفا الساحرة، فقبض عليه بإيعاز من زوجها، وقضى تسع سنين في السجن. فلما أطلق سراحه شريطة أن ينفى إلى البرازيل، ذهب ليعيش في باهيا (بايا)، حيث كتب Apologos dialogaes. وسمح له بالعودة في 1659. فأصدر في السنين السبع الباقية في أجله مؤلفات في الأخلاق والأدب، وبعض الشعر، وتمثيلية سبق بها موضوع وفكاهة تمثيلية موليير "البورجوازي مدعي النبل". ومع أنه كتب بالأسبانية، فإن البرتغال تحسبه بحق ابناً من ألمع أبنائها.

(31/306)


وكاتب آخر هو أنطونيو فييرا، الذي ولد في لشبونة (1608)، وأخذ في طفولته إلى البرازيل، وتلقى العلم على يد اليسوعيين في باهيا، وانضم إلى طريقتهم، وأدهش الناس جميعاً حين اقترح في مواعظ وكتيبات بليغة على الحكومة أن تمارس المسيحية. فلما
صفحة رقم : 11161
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> البرتغال

بعث في مهمة إلى البرتغال (1641) أثر في يوحنا الرابع بنزاهة خلقه وتنوع مواهبه تأثيراً حدا به إلى تعيينه عضواً في المجلس الملكي، وهناك شارل بنصيب غير صغير في التخطيط للانتصارات التي ردت لوطنه استقلاله. ثم هز الأفكار الراسخة بالمطالبة بإصلاح ديوان التفتيش، وفرض الضرائب على جميع الناس دون اعتبار للطبقة، والسماح لليهود بدخول البرتغال، وإلغاء التمييز بين "المسيحيين القدامى" و "المسيحيين الجدد" (أي اليهود الذين اعتنقوا المسيحية). وكان مثالاً، من أمثلة كبيرة، على حيوية اليسوعيين وتعدد قدراتهم ونزعتهم التحررية المتكررة الظهور.

(31/307)


فلما عاد إلى البرازيل (1652)، أرسل مبعوثاً إلى مارانهاو، ولكن نقده الصارم لهمجية سادة العبيد وأخلاقهم حملهم على السعي حتى نفي إلى البرتغال (1654). ودافع أمام الملك عن قضية الهنود المظلومين، وحصل على شيء من التخفيف عنهم. فلما عاد إلى أمريكا الجنوبية (1655)، أنفق ست سنوات كان فيها "رسول البرازيل"، يقطع مئات الأميال على الأمازون وروافده، ويخاطر بحياته كل يوم بين القبائل المتوحشة وأهوال الطبيعة، ويعلم الوطنيين فنون الحضارة، ويدافع عنهم ضد سادتهم في شجاعة حملت هؤلاء أيضاً على الحصول على أمر بنقله إلى البرتغال (1661). وهناك قبض عليه ديوان التفتيش متهماً إياه بأن كتاباته تحتوي على هرطقات خطرة وتطرفات تستحق الإدانة (1665). وهالته الأحوال في سجون الديوان-إذ رأى خمسة رجال محشورين في زنزانة عرضها تسعة أقدام وطولها أحد عشر، لا يدخلها الضوء الطبيعي إلا من شق في السقف، ولا تغير فيها الأواني إلا مرة في الأسبوع(49). وأطلق سراحه بعد سنتين، ولكنه منع من الكتابة أو الوعظ أو التعليم. فذهب إلى روما (1669)، وهناك رحب به كلمنت العاشر وكرمه، واستهوى الكرادلة والعامة بفصاحته. وعبثاً التمست منه كرستينا ملكة السويد السابقة أن يكون مرشدها الروحي. وقد عرض على البابا اتهاماً مفصلاً لديوان التفتيش باعتباره وصمة على جبين الكنيسة ونكبة على رفاهية البرتغال. وأمر كلمنت بأن تحال إلى روما كل القضايا المعروضة
صفحة رقم : 11162
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> البرتغال

على ديوان التفتيش البرتغالي، وعطل إنوسنت الحادي عشر تلك الهيئة خمس سنوات.

(31/308)


وأحس فييرا بوحشة للهنود رغم انتصاراته، فأبحر مرة أخرى إلى البرازيل (1681)، وجاهد هناك معلماً ومرسلاً رسولياً حتى أدركته الوفاة وهو في التاسعة والثمانين. وتحتوي مؤلفاته التي يضمها سبعة وعشرون مجلداً، على الكثير من الألغاز الغيبية، ولكن عظاته التي قورنت بعظات بوسوية، وضعته في صف "فحول اللغة البرتغالية(50)"، وخدماته وطنياً ومصلحاً حملت الشاعر البروتستنتي صدى على أن يسلكه في عداد أعظم ساسة وطنه وزمانه(51).

صفحة رقم : 11163
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> انهيار إسبانيا

6- انهيار أسبانيا
1665-1700

(31/309)


كانت أسبانيا في 1665 لا تزال أعظم الإمبراطوريات في العالم المسيحي. حكمت الأراضي المنخفضة الجنوبية، وسردانيا، وصقلية، ومملكة نابلي، ودوقية ميلان، ومساحات شاسعة في أمريكا الشمالية والجنوبية. ولكنها كانت قد فقدت القوة البحرية والحربية اللازمة للسيطرة على تجارة هذا الملك المبعثر ومصيره. وكانت أساطيلها الثمينة قد دمرها الإنجليز (1588) والهولنديون (1639)، وهزمت جيوشها هزائم فاصلة في روكروا (1643) ولينز (1648)، واعترف دبلوماسيوها في صلح البرانس (1659) بانتصار فرنسا، وكان اقتصادها يعتمد على تدفق الذهب والفضة من أمريكا، وهذا التدفق كان يقطعه المرة بعد المرة الأسطول الهولندي أو الإنجليزي. وتقلصت تجارتها وصناعاتها لاعتمادها على الذهب الأجنبي واحتقار شعبها للمتاجرة. وكان الكثير من التجارة الأسبانية يحمل في سفن أجنبية. ونقص عدد السفن الأسبانية العاملة بين أسبانيا وأمريكا 75% في عام 1700 عنه في عام 1600. وكانت البضائع المصنوعة تستورد من إنجلترا وهولندا، ويدفع ثمن جزء منها فقط بتصدير النبيذ أو الزيت أو الحديد أو الصوف، والباقي يدفع سبائك ذهبية، ومعنى ذلك أن الذهب الأمريكي إنما كان يمر مروراً بأسبانيا والبرتغال في طريقه إلى إنجلترا وفرنسا والأقاليم المتحدة. وكانت قرطبة وبلنسية
صفحة رقم : 11164
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> انهيار إسبانيا

(31/310)


في حالة اضمحلال واع برم بعد شهرتها الماضية بحرفها. وكان طرد المغاربة قد آذى الزراعة، وغش العملة المرة بعد المرة أربك المالية. وبلغت حال الطرق من السوء وحال النقل من التخلف مبلغاً وجدت معه المدن القريبة من البحر، أو الواقعة على أنهار صالحة للملاحة، أنه أرخص لها أن تستورد البضائع، حتى الغلال، من الخارج عن أن تجلبها من مصادرها في أسبانيا. وحاولت الضرائب الباهظة، بما فيها ضريبة بيع ارتفعت إلى 14%، أن تمول حروب أسبانيا ضد أعداء استعصت هزيمتهم إلى حد لا يصدق، رغم الافتراض بأنهم ملعونون من الله. وهبط مستوى المعيشة هبوطاً حمل أعداداً لا تحصى من الأسبان على هجر مزارعهم ومتاجرهم وأخيراً وطنهم. وارتفعت وفيات الأطفال، ويبدو أنه كان هناك بعض التحديد الماكر لعدد أفراد الأسرة. فقد أصبح آلاف الرجال والنساء رهباناً عقيمين أو راهبات وانطلقت آلاف أخرى للمغامرة في أراض نائية. وفقدت إشبيلية، وطليطلة، وبرجوس، وسقوبية بعض سكانها. وهبط سكان مدريد في القرن السابع عشر من 400.000 إلى 200.000(52) لقد كانت أسبانيا تموت من مرض الذهب.
وفي وسط الفقر المنتشر المتكاتف كدست الطبقات العليا ثروتها وعرضتها على الأنظار. وأمسك النبلاء، الذين طال إثراؤهم باستغلال الأهالي أو بالكنوز المستوردة، عن استثمار ثروتهم في الصناعة أو التجارة، وراحوا يبهرون أبصار بعضهم البعض بالجواهر والمعدن النفيس، وبالملاهي الغالية والأثاث الفخم. من ذلك أن دوق ألفا كان يملك 7.200 من صحاف الفضة و9.600 من الآنية الفضية الأخرى، وأن أمير ستليانو صنع لزوجته محفة من الذهب والمرجان بلغ ثقلها حداً لم يسمح باستعمالها. كذلك احتفظت الكنيسة بغناها، واستكثرت منه(53)، وسط الفاقة المحيطة بها. ورأى رئيس أساقفة سنتياجو أن يبني كنيسة كاملة من الفضة، فلما ثنوه عن ذلك بناها كلها بالرخام(54). لقد كان دم الشعب تربة الثروة ومجد الله.

(31/311)


أما ديوان التفتيش فكان على عهدنا به من شدة البأس، بل أشد بأساً من الحكومة. وقلت الاحتفالات التي يصدر فيها الحكم بالموت على المهرطقين عن ذي قبل، لا لشيء إلا لأن الهرطقة كانت قد أبيدت
صفحة رقم : 11165
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> انهيار إسبانيا

حرقاً. وكانت القيود التي أعجزت الكاثوليك في إنجلترا لا تقاس بما يلقاه البروتستنت من أخطار في أسبانيا. وعجز كرومويل عن حماية التجار الإنجليز هناك. وقبض ديوان التفتيش في 1691 على الخادم البروتستنتي للسفير الإنجليزي، وفي تلك السنة نبش الشعب جثة القسيس الأنجليكاني الخاص بالسفير ومثل بها تمثيلاً. واستمر حرق اليهود المنتصرين الذين اتهموا بأنهم يضمرون يهوديتهم. وبنى ديوان التفتيش لنفسه في ميورقه قصراً جميلاً من الثروة التي صادرها في تحقيق واحد(55). وكانت الجماهير تؤيد بحرارة هذه المحرقات وإن حاول كثير من النبلاء تثبيطها. فلما أعرب شارل الثاني في 1680 عن رغبته في أن يشهد احتفالاً بحرق المهرطقين، تطوع صناع مدريد بأن يبنوا مدرجاً للمشهد المقدس، وفي أثناء قيامهم بالعمل كانوا يشجعون بعضهم بعضاً على الإسراع والاجتهاد بألوان من الحض الديني، لقد كان حقاً جهداً من جهود المحبة. وحضر شارل وعروسه الشابة في كل أبهة الملك، وحوكم 120 سجيناً، وأحرق واحد وعشرون حتى الموت في مرجل في الميدان الكبير، وكان هذا أعظم وأفخم احتفال بحرق المهرطقين في تاريخ أسبانيا، ونشر كتاب من 308 صفحة يصف الحدث ويخلد ذكراه(56). وفي 1696 عين شارل "هيئة كبرى" لفحص مفاسد ديوان التفتيش، فقدمت تقريراً أماط اللثام عن شرور كثيرة وأدانها، ولكن الرئيس العام للديوان أقنع الملك بأن يلقي بهذا "الاتهام الرهيب" في زوايا النسيان. فلما طلبه فليب الخامس في 1701 لم يعثر على نسخة منه(57). على أن الدين خفف من غلوائه بعد ذلك وقلل من حرائقه.

(31/312)


أما الكنيسة فقد حاولت أن تفتدي ثروتها وتدعم الإيمان بتمويلها للفن. ففي 1677 صمم فرانشسكو دي هيريرا ايلموزو كتدرائية سرقسطة الثانية التي سميت "ديل بيلار" لأنها تفاخر بعمود اعتقد الناس أن العذراء نزلت عليه من السماء. وجاءت العمارة الباروكية الآن إلى أسبانيا، وبين عشية وضحاها تحول المزاج الأسباني من الاكتئاب القوطي إلى الإسراف الزخرفي. وأشهر المعماريين هنا خوزي شوريجويرا، وقد أصبح لفظ "شوريجويريسكا" حيناً علماً على الباروك الأسباني. ولد في سلمنقة عام 1665، وأبدى نشاطاً مفرطاً
صفحة رقم : 11166
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> انهيار إسبانيا

في العمارة والنحت وصناعة الأثاث والتصوير. فلما وفد على مدريد في الثالثة والعشرين دخل في مسابقة لتصميم نعش لجنازة الملكة ماريا لويزا، ففاز بالجائزة، وتوطدت شهرته بالبراعة الزخرفية العربية بفضل هذا البناء المختلط(58)، المؤلف من أعمدة عجيبة الشكل وكرانيش مكسرة، والمزين بالهياكل العظمية والعظام المتقاطعة والجماجم. ثم عاد غلى سلمنقة حوالي 1690، وظل يكد فيها عشر سنين، يزخرف الكتدرائية، ويبني المذبح العالي في كنيسة القديس أسطفان، والبهو الفخم في مجلس المدينة. وفي مدريد صمم قرب ختام حياته واجهة كنيسة القديس توما، ولما مات (1725) ترك استكمال البناء لولديه جيرونيمو ونيقولا، وفي أثناء اشتغالهما بهذه العمليات سقطت القبة فوق رءوس الكثير من العمال والمصلين فسحقتهم. وهاجر إلى المكسيك لون معتدل نوعاً ما من باروك شوريجويرا، وهناك أثمر بعض المباني التي تعد من أجمل ما شيد في أمريكا الشمالية.

(31/313)


وظل النحت تعبيراً قوياً عن الروح الأسبانية. وكان مصدر هذه القوة أحياناً واقعية شاذة، كما نراها بتفصيل دموي في رأس يوحنا المعمدان أو غيره من القديسين مقطوعي الرءوس. وكان متحف بلد الوليد يحتفظ برأسين من هذا النوع للقديس بولس(59). وظلت حجب المذبح لوناً أثيراً من ألوان الفن، فترى بيدرو رولدان ينحت الحجب الكبرى في كنيسة الأبرشية الملحقة بالكاتدرائية، وفي مستشفى دي لا كاريداد في إشبيلية، وابنته لويزا رولدانا، مثاله أسبانيا الفذة تنحت في كتدرائية قادس مجموعة تماثيل تتركز حول "نوسترا سينورا دي لاس أنجوستياس" (سيدة الأحزان). وهيمن بيدرو دي مينا على العصر بتماثيل عراياه (وما أندرها في الفن الأسباني)، وتماثيل السيدة العذراء، ومقعد المرتلين في كاتدرائية ملقا، ويعد تمثاله" سان فرانسسكو" في كاتدرائية إشبيلية من أروع أمثلة النحت الأسباني. وحوالي نهاية القرن السابع عشر أدرك هذا الفن ما أدرك غيره من تدهور عام. فأثقلت الحشوات بالزخارف، وزودت التماثيل بأجهزة آلية لتحريك الرأس والعينين والفم، وأضيف الشعر والملابس الحقيقية، واللون دائماً، في جهد للوصول إلى أبسط التصور والذوق الجماهيريين.
وولى عصر العمالقة في التصور الأسباني، ولكن
صفحة رقم : 11167
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> انهيار إسبانيا

(31/314)


بقى الكثير من صغار الأبطال. فكان خوان كارينو دي ميراندا، الذي خلف فيلا سكويز مصوراً للبلاط، محبوباً كسلفه تقريباً-رجلاً متواضعاً لطيفاً، يبلغ به الاستغراق في عمله مبلغاً ينسيه أحياناً هل أكل أو لم يأكل. وقد سرت صوره لشارل الثاني وحاشيته الملك الشاب حتى عرض عليه لقب الفروسية وصليب سنتياجو، ولكن كارينو رفض هذا التشريف لأنه رآه فوق ما يستحق. وفي تلك الأيام ابتهجت مدريد بقصة "الكنتريللو دي مييل" (برطمان العسل). وتفصيل ذلك أن فناناً مغموراً يدعى جريجوريو أوتاندي رسم لوحة للراهبات الكرمليات طلب عليها أجراً مائة دوكاتية، فاستكثرن عليه الأجر، ولكن وافقن على تحكيم كارينو. وقبل أن يسمع كارينو بالأمر، أهداه أوتاندي برطمان عسل، ورجاه في أن يضع اللمسات الأخيرة للوحة. ففعل، وتحسنت الصورة كثيراً. ودهش كارينو حين طلبت إليه الراهبات تقييمها. فرفض، ولكن فناناً ثالثاً قدرها بمائتي دوكاتية، وكتم السر حتى دفع الثمن.

(31/315)


وفي ختام حياته يسر كارينو سبيل النجاح لأحد خلفائه، وهو كلوديو كويللو، الذي ظل يرسم آناء الليل وأطراف النهار دون أن يحقق نتائج ذات بال. فصادقه كارينو، وحصل له على إذن بأن يدرس وينسخ أعمال تتسيانو وروبنز وفانديك في قاعات الفن الملكية. وأعانت هذه التجربة كلوديو على النضج، وفي 1684، وقبل موت كارينو بعام، عين كويللو مصوراً للملك. وقد أحرز الشهرة في وطنه بلوحته "ساجرادا فورما" أي القربانة المقدسة، التي ظهرت فيها هذه القربانة تقدم إلى شارل الثاني لوضعها على مذبح في الأسكوريال. والأسطورة التي من وراء الصورة تعبر عن مزاج أسبانيا. تقول الرواية أنه في أثناء الحرب مع الهولنديين داس بعض الكلفنيين الفجرة قطعة من خبز القربان المقدس تحت أقدامهم، وسالت من القربانة المصابة قطرات من دم، هدت للتو أحد مدنسيها إلى الكاثوليكية، وحملت القربانة التي استنقذت إلى فيينا في احترام وإجلال، وأرسلت هدية إلى فيليب الثاني، ومنذ ذلك التاريخ وهي تعرض دورياً، ملطخة بدم المسيح على العابدين الخاشعين. وصور كويللو الملك وكبار حاشيته راكعين في تعبد أمام الخبز المعجز. وظهر في الصورة نحو خمسين
صفحة رقم : 11168
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> انهيار إسبانيا

شخصاً، كلهم تقريباً صاحب شخصية متميزة، وقد رتبوا في منظور ذي عمق خداع للبصر بشكل ملحوظ(60). بعد هذا العمل الذي اقتضاه الفراغ منه عامين، أصبح كويللو سيد الفنانين قاطبة في العاصمة غير منازع. وبعد ست سنوات (1692) حجبه بغتة وصول لوكا فاريريستو جوردانو من إيطاليا، وكلف لوكا على الفور بالدور الأول في زخرفة الأسكوريال من جديد. وزاد لوكا الطين بلة بامتداحه صور كلوديو. وأنهى كويللو الصور التي كلف بها، ولكنه ألقى فرشاته جانباً. وبعد عام من وصول جوردانو مات كويللو وهو بعد في الحادية والخمسين، وقيل قهراً وغيرة(61).

(31/316)


وخلال ذلك شهدت إشبيلية ميلاد ووفاة (1630-90) آخر فنان عظيم في التصوير الأسباني قبل جويا، وهو خوان دي فالديس ليال. وكان مثل كويللو برتغالي الأبوين أسباني المولد. وبعد أن أنفق سنوات في قرطبة، رحل إلى إشبيلية ليتحدى تفوق موريللو. وكان فيه من الكبرياء ما لم يسمح له بأن يقدم لرعاته الجمال الناعم لعذارى (مادونات) محتشمات. وقد صور العذراء في صعودها، ولكنه وضع قلبه وقوته في صور أخرى لا تعرف هوادة في الغض من لذات الحياة والإيماء إلى الموت الذي لا مهرب منه. فرسم القديس أنطونيوس يتولى في هلع عن فتنة النساء(62). وصورت لوحته "آن أكتو أوكولي" (أي في طرفة عين) الموت هيكلاً عظمياً يطفئ شمعة الحياة التي يكشف ضوءها القصير الأجل، في فوضى اختلطت على أرض الحجرة، عدة الأطماع الدنيوية ومجد العالم-الكتب، والسلاح، وتاج أسقف، وتاج ملك، وسلسلة لطائفة "الفروة الذهبية". وفي صورة مغايرة تدور حول هذه الفكرة أرانا ليال حفرة مقبرة تبعثرت فيها الجثث والهياكل والجماجم، ومن فوقها كلها يد جميلة تمسك بميزان تحتوي إحدى كفتيه على شعارات فارس، والأخرى على شارات أسقف، والكفة الأولى كتب عليها "نيماس" أي لا أكثر، والثانية "نيمينوس" أي لا أقل-فرجال الدنيا ورجال الدين على السواء وجدوا ناقصين في موازين الله. ورأى موريللو أول الصورتين، فقال لفالديس "إنها أيها الزميل صورة لا يستطيع المرء أن ينظر إليها دون أن يمسك بأنفه(63)"-وهي عبارة يمكن أن تفسر بأنها ثناء على واقعية المصور، أو رد فعل عقل سليم للفن المنحط.
صفحة رقم : 11169
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> انهيار إسبانيا

(31/317)


ذلك أن الانحطاط كان سمة للعهد، فلم يشرفه أديب عظيم، ولم تعرض على مسرحه تمثيلية فذة. أما الجامعات فكانت تنزوي وسط الخراب والظلامية السائدين، ففي جامعة سلمنقة هبط عدد الطلاب في هذه الفترة من 7.800 إلى 2.076(64). وجاهد ديوان التفتيش وقائمة الكتب المحرمة بنجاح ليقصيا عن أسبانيا كل أدب يسيء إلى الكنيسة، وظلت أسبانيا طوال قرن توصد أبوابها كأنها صومعة عابد في وجه حركات الذهن الأوربي. وتربع الانحطاط بشخصه على عرش الملك رمزاً للعهد.
وبيان ذلك أن شارل الثاني أصبح ملكاً وهو بعد في الرابعة (1665) وفي سني حداثته كانت أمه الملكة ماريانا تحكم البلاد اسماً، أما حاكمها الفعلي فكان كاهن اعترافها اليسوعي يوهانز ابرهارد نيذارد، ثم عشيقها فرناندو فالنزويلا. وتفاقمت الفوضى، وكانت الوزارة الكفء التي تولاها دون خوان نمساوي آخر، أقصر أجلاً من أن توقف الانحلال. وفي 1677 تقلد الملك ذو الستة عشر عاماً الحكم وجلس عاجزاً على قمة هذا الصرح المنهار. ولعل التزاوج المتصل بين أفراده أسرة هابسبورج أسهم في ضعف بدنه وعقله. وكانت الذقن الهابسبورجية في شارل بارزة بروزاً أعجزه عن مضغ طعامه، ولسانه من الكبر بحيث لم يكد كلامه يفهم. وظل إلى العاشرة يعامل كأنه طفل يحمل بين الذراعين. وكان لا يكاد يستطيع القراءة، ولم يتلق من التعليم إلا القليل، وكان أعز ميراثه خرافات مذهبه وأساطيره. ويصف مؤرخ أسباني كبير بأنه "عليل، أبله شديد التعلق بالخرافات"، وكان "يعتقد أنه ممسوس، وكان ألعوبة لأطماع كل من أحاطوا به(65)". وقد تزوج مرتين، ولكن "كان من المعروف للجميع أنه لا يستطيع توقع الخلف(66)". هذا القصير الأعرج، المصروع، الخرف، المصلع تماماً قبل أن يبلغ الخامسة والثلاثين، كان دائماً على شفا الموت، ولكنه حير العالم المسيحي المرة بعد المرة ببقائه على قيد الحياة.

(31/318)


وأصبح تفكك أوصال أسبانيا الآن مأساة أوربية. فقد ازدادت الحكومة اقتراباً من الإفلاس برغم الضرائب والتضخم واستغلال المناجم
صفحة رقم : 11170
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> انهيار إسبانيا

الأمريكية حتى عجزت عن دفع فوائد دينها، وحتى المائدة الملكية اضطرت إلى التقتير في خدمة الملك. أما البيروقراطية الإدارية التي قلت رواتبها فكانت فاسدة متراخية. واستبد الفقر بالناس حتى كانوا يقتتلون للحصول على الخبز، وسطت عصابات من الجياع على البيوت لتسرع وتقتل، وكان عشرون ألف شحاذ يجوبون شوارع مدريد. أما رجال الشرطة العاجزون عن الحصول على رواتبهم فقد تشتتوا وانضموا إلى المجرمين.
ووسط الفوضى والقلق والخراب واجه الملك المسكين، الكسيح، نصف المعتوه، الشاعر بدنو أجله، في حيرة وتذبذب، مشكلة الفصل في وراثة عرشه. وإذ كان سلطانه من الناحية النظرية مطلقاً، فإن سطراً واحداً بخطه كان يكفي للتوصية بإمبراطوريته التي تمتد رقعتها في أربع قارات، أما للنمسا وأما لفرنسا. وانتصرت أمه للنمسا، ولكن شارل كان يكره تآمرها كما يكره جشع زوجته الألمانية الخبيث. وذكره السفير الفرنسي بأنه ما دام صداق عروس لويس الرابع عشر الأسبانية لم يدفع بعد، فإن تنازلها عن الوراثة قد بطل، وكان لويس يلح مطالباً بحقوقها، ويملك القوة لفرض مطلبه. فلو أن شارل داس هذه الحقوق لاشتعلت أوربا بنيران الحرب، وربما تمزقت أسبانيا إرباً في هذا الصراع. وانهار شارل تحت وطأة اتخاذ القرار، وبكى واشتكى من أن ساحرة قد ابتلته بخطوب لا قبل له بتحملها. وبينما كان يستمع إلى الحجج التي زادته اختلاطاً حاصر مثيرو الشغب قصره صائحين في طلب الخبز.

(31/319)


وفي سبتمبر 1700 لزم شارل فراش الموت وكسب الحزب الفرنسي، وهو أحد الأحزاب التي أحاطت به، رئيس أساقفة طليطلة-وكان كبير أساقفة أسبانيا-إلى صفه، وقد لازم الملك المحتضر ليل نهار، وذكره بأن لويس الرابع عشر وحده يملك من القوة ما يتيح له الحفاظ على الإمبراطورية الأسبانية سليمة واستخدامها معقلاً للكنيسة
صفحة رقم : 11171
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجنوب المراح -> انهيار إسبانيا

الكاثوليكية. ونصح البابا إنوسنت الثاني عشر شارل بتفضيل فرنسا، وذلك تحت إلحاح لويس. وخيراً أذعن شارل، ووقع الوصية المشئومة التي خلف فيها كل ممتلكاته لفيليب دوق أنجو، حفيد ملك فرنسا (3 أكتوبر 1700). وفي أول نوفمبر مات شارل، غير متجاوز التاسعة والثلاثين، وكأنه شيخ في الثمانين. وهكذا كانت خاتمة فرع الهابسبورج الأسباني في غروب شاعت فيه حمرة الحرب الداهمة.

صفحة رقم : 11172
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> الصفارديم

الفصل السادس عشر
الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية
1564-1715
1- الصفارديم
إن بقاء اليهود أحياء بعد تسعة عشر قرناً من الشدة والثأر أشبه بلحن كئيب في تاريخ الجهل، والكراهية، والشجاعة، والمرونة. ذلك أنهم بعد أن حرموا الوطن، وأكرهوا على التماس الملجأ في جيوب عنصرية بين أعداء عتاة، وتعرضوا في كل لحظة للإهانة والظلم، وللمصادرة أو الطرد والمذابح الفجائية، دون أن يكون لهم سلاح يدافعون به عن أنفسهم سوى سلاح الصبر والمكر والتصميم اليائس والإيمان بدينهم-فإنهم عاشوا مغالبين خطوباً وشدائد لم يقو على مغالبتها شعب آخر في التاريخ، ولم تتحطم إرادتهم قط، ومن فقرهم وحزنهم أنجبوا شعراء وفلاسفة بعثوا ذكرى المشترعين والأنبياء العبرانيين الذين وضعوا الأسس الروحية للعالم الغربي.

(31/320)


وكان استئصال شأفة اليهود في أسبانيا الآن كاملاً تقريباً، فلم يكن لهم من بقاء الاكتيار مختبئ في الدم الأسباني، حتى أن أسقفاً أسبانياً استطاع أن يعرب عام 1595 عن ارتياحه لأن اليهود المتنصرين أمكن استيعابهم بنجاح بطريق التزاوج بينهم وبين المسيحيين، وأن أخلافهم الآن مسيحيون أتقياء(2). ولكن ديوان التفتيش لم يوافقه على رأيه هذا، ففي 1654 أحرق عشرة رجال في كوينكا واثنا عشر في غرناطة، وفي 1660 قبض على واحد وثمانين في إشبيلية، وأحرق سبعة، بتهمة التمسك سراً بالشعائر اليهودية(3).
صفحة رقم : 11173
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> الصفارديم

وفي البرتغال، على الأخص، وأصل الكثير من المتنصرين في الظاهر (الكونفرسو conversos أو المارانو) ممارسة اليهودية ونقلها في عزلة بيوتهم، ووقع أكثر من مائة منهم ضحايا لديوان التفتيش لأنهم مرتدون (relapsos) بين عامي 1565 و1595(4)-ووجد اليهود المتسترون مكاناً قلقاً في الحياة البرتغالية كتاباً، وأساتذة، وتجاراً، وماليين، بل ورهباناً وقسيسين، على الرغم من كل أخطار الكشف عن حقيقتهم. وكان ألمع الأطباء يهوداً متخفين، وفي لشبونة طورت أسرة منديس شركة مصرفية من أعظم الشركات في أوربا.

(31/321)


وبعد أن اندمجت البرتغال في أسبانيا (1580)، زاد نشاط ديوان التفتيش البرتغالي، ففي السنين العشرين التالية أقيم خمسون احتفالاً لإقامة المهرطقين، وحكم على 162 بالإعدام، وعلى 2.979 تائباً بالعقوبات التفكيرية، وأحرق في لشبونة (1603) راهب فرنسسكاني يدعى ديوجودا أسومساو، يبلغ الخامسة والعشرين، بعد أن اعترف باعتناقه اليهودية(5). وهاجر إلى أسبانيا الكثير من المارانو بعد أن وجدوا ديوان التفتيش البرتغالي أشد وحشية من نظيره الأسباني. وفي 1604، بفضل رشوة قدرها 1.860.000 دوكاتية دفعوها لفيليب الثالث، ورشا أقل لوزرائه، أقنعوا الملك بأن يحصل من البابا كلمنت الثامن على مرسوم يأمر فيه قضاة التفتيش البرتغاليين بأن يفرجوا عن جميع المارانو المسجونين ويفرضوا عليهم عقوبات روحية فقط. فأطلق في يوم واحد (16 يناير 1605) سراح 410 من هؤلاء الضحايا. ولكن مفعول هذا الرشا وأمثالها كان يضعف بمضي الوقت، ولم يلبث الإرهاب البرتغالي أن عاد سيرته الأولى عقب موت فيليب الثالث (1621). ففي 1623 قبض على مائة من "المسيحيين المحدثين" في بلدة مونتمور أو نوفو. وفي كوامبرا، مركز المملكة الثقافي، قبض على 247 في 1626، وعلى 218 في 1629، وعلى 247 في 1631. وخلال عشرين عاماً (1620-40) أحرق 230 يهودياً برتغالياً شخصياً، و161 دمية تمثلهم بعد أن هربوا، و"صولح" 4.995 بعقوبات أخف(6). وفر الآن المارانو من البرتغال كما فروا من قبل من أسبانيا، مخاطرين بحياتهم وتاركين ثروتهم خلفهم إلى أركان المسكونة كلها.
صفحة رقم : 11174
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> الصفارديم

(31/322)


والتمست الكثرة العظمى من منفيي الصفارديم ملاذاً في بلاد المسلمين، وكونوا أو انضموا إلى مستوطنات يهودية في شمال أفريقية وسالونيك، والقاهرة، والآستانة، وأدرنة، وأزمير، وحلب، وإيران. في هذه المراكز تعرض اليهود لقيود سياسية واقتصادية، ولكن ندر أن تعرضوا لاضطهاد بدني. وبلغ اليهود مكانة مرموقة لا بوصفهم أطباء فحسب، بل مشاركين في شئون الدولة. من ذلك أن يوسف ناصي، أحد المارانو كان مقرباً لسليم الثاني، وكان بصفته دوق ناكسوس (1566) يتسلم إيراد عشر جزر في الأرخبيل(7). وكان يهودي ألماني يدعى سليمان بن ناثان أشكنازي سفيراً لتركيا في فيينا في 1571، ودخل في مفاوضات هناك لإبرام صلح أنهى الحرب حيناً مع الباب العالي.
أما في إيطاليا فإن حظوظ اليهود كانت بين صعود وأفول تبعاً لحاجات الأدواق والبابوات وأمزجتهم. ففي ميلان ونابلي، وكلاهما كانت تحكمه أسبانيا، كادت الحيل تستحيل عليهم، وفي عام 1669 طردهم مرسوم صريح من جميع الممتلكات الأسبانية. أما في بيزا وليفورنو (لجهورن) فقد منحهم كبار الأدواق التوسكانيون الحرية الكاملة تقريباً، لحرصهم على تنمية تجارة هذين الثغرين الحرين. وصدر في 1593 مرسوم للتجار في هاتين المدينتين كان في حقيقته دعوة موجهة للمارانو "نود ألا يقوم أي... تحقيق ديني، أو افتقاد، أو تنديد، أو اتهام. ضدكم أو ضد أسركم، حتى ولو كانوا فيما مضي يعيشون خارج أملاكنا متخفين كمسيحيين، أو تسموا بأسماء المسيحيين(8)" ونجحت الخطة، وازدهرت ليفورنو، واشتهرت جاليتها اليهودية-التي لم تفقها عدداً سوى جاليتي رما والبندقية-بثقافتها كما اشتهرت بثرائها.

(31/323)


أما مجلس شيوخ البندقية فكان يطرد اليهود المرة بعد المرة خوفاً عن علاقاتهم بتركيا، ويسمح لهم المرة بعد المرة بالعودة باعتبارهم عنصراً ذا قيمة لا في التجارة والمالية فحسب بل في الصناعة أيضاً، فقد استخدمت المشاريع اليهودية في البندقية أربعة آلاف عامل مسيحي(9). واستوطنها اليهود الألمان والشرقيون كما استوطنها اليهود الصفارديم، وبسط مجلس الشيوخ عليهم حمايته من ديوان
صفحة رقم : 11175
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> الصفارديم

التفتيش. وكانوا كلهم تقريباً يعيشون في حي اليهود، "الجوديكا"، ولكنهم لم يلزموا بسكناه، وكان هذا "الغيت ghetto" يضم الكثير من الأسر الغنية، والبيوت الجميلة، ومجمعاً مؤثثاً تأثيثاً فاخراً بني في 1584، ثم أعيد بناؤه في 1655 بإشراف المعماري الشهير بلداساري لونجينا. وكان يهود البندقية الستة الآلاف أرقى ثقافة من أي جالية يهودية في هذا العصر.
واستقرت في فرارا حوالي 1560 مستوطنة من المارانو القادمين صلاً من البرتغال، ولكنها شتتت في 1851 بأمر البابا، الذي فعل هذا تحت ضغط ديوان التفتيش البرتغالي. وفي مانتوا كان أدواق جونزاجو يحمون اليهود، ولكنهم يسلبونهم دورياً بالتبرعات و "القروض"، وفي 1610 أجبر جميع يهود مانتوا على مسكن حي مسور لليهود تقفل بواباته عند الغروب وتفتح في الفجر(10). فلما ستفشي الطاعون في مانتاوا أتم اليهود بأنهم هم الذين جلبوه إليها، وحين استولى جنود الإمبراطور على المدينة إبان حرب الوراثة المانتوية، نهبوا حتى اليهود تماماً، واغتصبوا 800.000 سكودي جواهر ونقوداً، وأمروا اليهود أن يرحلوا عن مانتوا خلال ثلاثة أيام غير آخذين من مقتنياتهم إلا ما يستطيعون حمله(11).

(31/324)


أما في روما، حيث درج البابوات من قبل على حماية اليهود، فإنهم بعد عام 1565 (باستثناء سيكستوس الخامس) أصدروا سلسلة طويلة من المراسيم المعادية لهم. فأمر بيوس الخامس (1566) جميع السلطات الكاثوليكية بأن تطبق تطبيقاً كاملاً كل ما فرض على اليهود من قيود وحدود دينية. فلا بد منذ الآن أن يقصروا على أحياء معزولة عزلاً مادياً عن السكان المسيحيين، وعليهم أن يلبسوا شعاراً أو ثوباً مميزاً، ولا حق لهم في تملك الأرض، ولا في أن يكون لهم أكثر من مجمع واحد في أية مدينة. وفي 1569، بمقتضى مرسوم بابوي اتهم اليهود بالربا، والقوادة، والشعوذة، وفنون السحر، أمر بيوس الخامس بطرد جميع اليهود من الولايات البابوية فيما عدا مدينتي أنكونا وروما(12). وحرم جريجوري الثالث عشر (1581) على المسيحيين استخدام الأطباء اليهود، وأمر بمصادرة الكتب العبرية، وجدد (1584) إلزام اليهود بالاستماع إلى مواعظ هدفها هدايتهم
صفحة رقم : 11176
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> الصفارديم

(31/325)


إلى المسيحية. وأنهى سيكستوس الخامس هذا الاضطهاد بعض الوقت ففتح حي اليهود (1586)، وسمح لليهود أن يسكنوا أني شاءوا في الولايات البابوية، وأعفاهم من ارتداء أي شارة أو لباس مميز، وأذن لهم بطبع التلمود وغيره من المؤلفات العبرية، ومنحهم حرية العبادة كاملة، وأمر المسيحيين بأن يعاملوا اليهود ومجامعهم بالاحترام والرأفة(13). ولكن هذه البابوية المسيحية كانت قصيرة الأجل، فقد جدد كلمنت الثامن مرسوم الطرد (1593). وما حل عام 1640 حتى كان جميع يهود إيطاليا تقريباً يسكنون الغيت، فإذا بارحوه كان عليهم أن يلبسوا شارة تدل على سبطهم، وحرموا من الاشتغال بالزراعة أو الانتماء إلى الطوائف الحرفية. وقد وصف مونتيني أثناء جولته في روما عام 1581 كيف كان اليهود في السبت يلزمون بإرسال ستين من شبابهم إلى كنيسة سنتانجيلو في بسكيريا ليستمعوا إلى عظات تحضهم على اعتناق المسيحية(14). وقد شهد جون ايفلين احتفالاً كهذا في روما (7 يناير 1645)، ولا حظ أن "الاهتداء أمر نادر جداً" وكان كثير من خصائص اليهود المنفرة، سواء البدنية والخلقية، نتيجة لطول الحبس والذل والفقر.

(31/326)


أما في فرنسا فقد كان اليهود من الناحية النظرية خاضعين لجميع القيود التي طلب بيوس الخامس فرضها عليهم، أما من الناحية الفعلية فقد أكسبتهم أهميتهم في الصناعة والتجارة المالية تسامحاً صامتاً. وقد أكد كولبير في أحد أوامره المزايا التي تحصل عليها مرسيليا من مشروعات اليهود التجارية(15). واستقر لاجئوا المارانو في بوردو وبايون، وبلغ إسهامهم في الحياة الاقتصادية لجنوب غربي فرنسا مبلغاً حمل السلطات على السماح لهم بممارسة شعائرهم اليهودية في تخف يقل شيئاً فشيئاً. ولما غزا جيش من المرتزقة بوردو في 1675، خشي مجلس المدينة أن يعطل نزوح اليهود المرتاعين في أعدا كبيرة عن المدينة ثراءها، فبدونهم-كما قال ناظر ملكي في تقريره-ستخرب لا محالة تجارة بوردو والإقليم بأسره(16)". وبسط لويس الرابع عشر حمايته على اجالية اليهودية في متز، فلما عذب القضاة المحليون يهودياً حتى الموت (1670) لاتهامه بقتل طفل قتلاً طقسياً أدان الملك إعدام الرجل قائلاً إنه جريمة قتل ارتكبها القضاء، وأمر
صفحة رقم : 11177
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> الصفارديم

بأن تعرض بعد ذلك الاتهامات الجنائية لليهود على المجلس الملكي(17). وقرب ختام حكم لويس، حين أفضت حرب الوراثة الأسبانية بالحكومة الفرنسية إلى شقا الإفلاس، وضع المالي اليهودي صموئيل برنار ثروته تحت تصرف الملك، ودان الملك المتكبر بالشكر لمعونة "أعظم مصرفي في أوربا(18)".

صفحة رقم : 11178
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> أورشليم الهولندية

2- أورشليم الهولندية

(31/327)


لعبت هجرة اليهود من أسبانيا والبرتغال دوراً (مبالغاً فيه أحياناً)(19) في انتقال الزعامة التجارية من هاتين الدولتين إلى الأراضي المنخفضة. هناك قصد اليهود المنفيون أنتورب أولاً، ولكن في 1549 أمر شارل الخامس بأن يطرد من الأراضي المنخفضة كل المارانو الذين دخلوها من البرتغال في السنوات الخمس الأخيرة. والتمس عمد أنتورب الاستثناء من هذا المرسوم، ولكنه نفذ، واستأنف المهاجرون الجدد بحثهم عن وطن يلجئون إليه. وفقدت أنتورب تفوقها التجاري لا نتيجة لهذه الهجرة الجزئية، بل للخطوب التي ألمت بالمدينة في حرب التحرير ومعاهدة وستفاليا، التي أقفلت الشلت في وجه الملاحة.
واجتذبت حرية العبادة في الأقاليم المتحدة، تلك الحرية المتزايدة رغم ما شابها من نقص، اليهود إلى المدن الهولندية-إلى لاهاي، وروتردام، وهارلم، وأهم من ذلك كله أمستردام. هناك ظهر يهود المارانو في 1593، وبعد أربع سنين افتتحوا مجمعاً لهم. وكانت العبرية لغة عبادتهم، والأسبانية أو البرتغالية لغتهم في حياتهم اليومية. وفي 1615، وبعد تقرير وضعه هوجو جروتيوس، أقرت سلطات المدينة رسمياً وجود الجالية اليهودية، ومنحتها حرية العبادة، ولكنها منعت اليهود من التزاوج مع المسيحيين ومن التهجم على الدين المسيحي(20)، ومن هنا هذا الذعر الذي استولى على رؤساء المجمع حين مست هرطقات أوريل أكوستا وباروخ سبينوزا أسس العقيدة المسيحية.
وكان من بين اليهود نفر من أغنى التجار في الثغر المزدهر وكانوا يديرون قسماً هاماً من التجارة الهولندية مع شبه الجزيرة
صفحة رقم : 11179
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> أورشليم الهولندية

(31/328)


الأسبانية، ومع جزر الهند الشرقية والغربية. وفي إحدى المناسبات، في زفاف فتاة يهودية، كان أربعون من الضيوف يمتلكون ثروات جملتها أربعون مليون فلورين(21). وفي 1688، حين كان رئيس الدولة وليم الثالث يخطط لحملته التي قام بها ليظفر بتاج إنجلترا، أقرضه إسحاق سواسو-فيما روي-مليوني فلورين دون فائدة قائلاً "إذا حالفك الحظ ستردها إلى، وإلا فأني راض بأن أخسرها(22)". وكان بعض هذا الثراء لافتاً للنظر فوق ما ينبغي، مثال ذلك أن داود بنتو أسرف في تزيين بيته إسرافاً حمل السلطات المدنية على توبيخه(23)، على أننا يجب أن نضيف أن آل بنتو تصدقوا بالملايين على مشروعات البر اليهودية والمسيحية(24). وكان من وراء هذه الواجهة الاقتصادية حياة ثقافية نشطة، حفلت بالعلماء والأحبار والأطباء والشعراء والرياضيين والفلاسفة. وكانت المدارس توفر التعليم، وأصدرت مطبعة عبرية أسسها منسي بن إسرائيل في 1627 عدداً كبيراً من الكتب والنشرات، وسوف تكون أمستردام طوال القرنين التاليين مركز التجارة اليهودية في الكتب. وفي 1671-75 دلت الجالية البرتغالية-اليهودية على ثرائها بتشييد المجمع البديع الذي ما زال أحد معالم أمستردام، وقيل إن المسيحيين ساهموا في تكريسه. لقد كانت لحظة سعيدة في حياة اليهود المحدثين.
على أن هذه الشمس كان يشوبها الكلف. فحوالي سنة 1630 وفد اليهود الأشكنازيم (أي الشرقيون ) على أمستردام من بولندة وألمانيا. وكانوا يتكلمون لهجتهم الألمانية، وأنشئوا مجمعاً خاصاً بهم، وتكاثروا سريعاً، وأثاروا الكثير من العداء بين يهود الصفارديم، الذين كانوا فخورين بما بزوهم به من لغة، وثقافة، ولباس، وثروة، ونظروا إلى التزاوج مع اليهود الاشكنازيم كأنه مروق عن الدين. وتكون داخل جماعة الصفارديم انقسام طبقي، فكان صغار الحرفيين والفقراء
صفحة رقم : 11180

(31/329)


قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> أورشليم الهولندية

المتكاثرون ينددون بـ "أصحاب الملايين" الذين يسيطرون على سياسة المجمع وموظفيه. وقد ورد في هجاء معاصر "إن الريال يحل ويربط، وهو يرفع الجهال إلى أكبر منصب في المجتمع(25)". وكان القادة الفكريون-شارل ليفي مورتيرا، وإسحاق أبوآب دا فونسيكا، ومنسي بن إسرائيل-رجالاً ذوي كفاية ونزاهة، ولكنهم كانوا محافظين بحذر في شئون السياسة والدين والأخلاق. وأصبحوا متزمتين تزمت الأسبان الذين اضطهدوا أسلافهم، ومارسوا التفتيش اليقظ عن الهرطقات المحتملة(26).
وترك منسي بن إسرائيل بصمته على التاريخ بفتح إنجلترا لليهود من جديد. ولد في لاروشيل لأبوين من المارانو وصلا حديثاً من لشبونة، وأخذ إلى أمستردام في طفولته، وانقطع لدرس العبرية والأسبانية والبرتغالية واللاتينية والإنجليزية، واختير وهو في الثامنة عشرة واعظاً لمجمع نيفه شالوم. وقد سر المسيحيين واليهود على السواء بتأليفه "الكونسليادور" ليوفق بين التناقضات المزعومة في التوراة. وكان له الكثيرون من المراسلين والأصدقاء المسيحيين-هويت، وجروتيوس، وكرستينا ملكة السويد، وديونيسيوس فوسيوس الذي ترجم كتابه إلى اللاتينية، ورمبرانت الذي حفر صورته في 1636. وأهم من ذلك أنه أثار اهتمام الحالمين من المسيحيين لأنه بشر بقرب مجيء "مسيا" يحكم الأرض.

(31/330)


ذلك أن منسي كان قبلانياً ومثالياً صوفياً يحلم بقرب العثور على أسباط إسرائيل العشرة المفقودة وتوحيدها، وبأنهم ربما كانوا اليهود الأمريكيين، وبأن اليهود سيسمح لهم بالعودة إلى إنجلترا وإسكندناوة، وبأن الأرض المقدسة ستعاد عندئذ لإسرائيل في كل مجد المسيا. وراسله البيورتان من شيعة الملكية الخامسة في إنجلترا، ومع أن مسيحهم المنتظر لم يكن مسيحه، فإنهم رحبوا بآرائه في قرب مجيء ملكوت الله. وإذ وجد هذا التشجيع فإنه نشر (1650) رسالة عن تطلعات إسرائيل، يناشد فيها السلطات أن ترد اليهود إلى إنجلترا. وقدم لترجمة لاتينية للكتاب بمقدمة موجهة إلى البرلمان الإنجليزي، وبين أن عودة اليهود إلى وطنهم سيسبقها طبقاً لنبوات الكتاب المقدس تشبثهم في جميع الأقطار، ورجا الحكومة الإنجليزية أن تعين على
صفحة رقم : 11181
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> أورشليم الهولندية

تحقيق هذا الشرط الأولي بقبول اليهود في إنجلترا والسماح لهم بممارسة دينهم وبناء مجامعهم. وأعرب عن أمله في أن يؤذن له بالمجيء إلى إنجلترا ليساعد في تكوين مجتمع عبري.

(31/331)


وكان كرومويل ميالاً لإجابة هذا الطلب، فقال "إن تعاطفي عظيم مع هذا الشعب المسكين الذي اختاره الله وأعطاه ناموسه(27)". وبعث اللورد مدلسكس، ربما ممثلاً للبرلمان برسالة إقرار بالجميل وشكر "لأخي العزيز، الفيلسوف العبري، منسي بن إسرائيل". وزار السفير الإنجليزي في هولندا منسي، فاستقبل بالموسيقى والصلاة العبريتين (أغسطس 1651). ولكن في أكتوبر أقر البرلمان قانون ملاحة وجه بشكل ظاهر ضد التجارة الهولندية، وأفضت المنافسة التجارية إلى الحرب الهولندية الأولى (1652-54)، وكان على منسي أن يتريث حتى تواتيه الفرصة، وتلقى "برلمان بيربون" (1653) بالرضا طلبه المجدد، وأرسل إليه إذناً بدخول إنجلترا في أمان، فلما وضعت الحرب أوزارها أيد كرومويل الدعوة، وفي أكتوبر 1655 عبر منسي وابنه البحر إلى إنجلترا.

صفحة رقم : 11182
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> إنجلترا واليهود

3- إنجلترا واليهود
لم يكن مسموحاً لليهود بالعيش في إنجلترا في الفترة بين طردهم منها في 1290 وتقلد كرومويل السلطة في 1649. وربما ظهر بعض الباعة اليهود المتجولين في القرى، وبعض تجارهم وأطبائهم في المدن، ولكن كل ما كان يعرفه الإليزابيثي تقريباً عن اليهود أو يراه فيهم كان مصدره الأقاويل أو المؤلفات المسيحية. من هذين المصدرين استقى مارلو شخصية بارباس وشكسبير شخصية شيلوك.
وظن بعض النقاد(28) أن شكسبير كتب "تاجر البندقية" استجابة لاقتراح من فرقته بالإفادة من عاصفة العداء للسامية التي أثارتها في إنجلترا حديثاً قضية رودريجو لوبيز، الذي أعدم عام 1594 لما قيل من محاولته تسميم الملكة إليزابث. وقد ولد لوبيز هذا في البرتغال لأبوين يهوديين، وأقام بلندن في 1559، وشق طريقه إلى التفوق في مهنة الطب. واستخدمه ايرل ليستر طبيباً له، فاتهم
صفحة رقم : 11183

(31/332)


قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> إنجلترا واليهود

بمساعدته على التخلص من أعدائه بالسم، وفي 1586 أصبح كبير أطباء الملكة. وقد عالج فيمن عالج ايرل اسكس الثاني، ولكنه أثار عداءه لأنه أفشي سر علله. وحوالي 1590 انضم إلى فرانسس والسنجهام في دسائس مع بلاط أسبانيا ضد دوم أنطونيو، المطالب بعرش البرتغال، وتلقى خاتماً من الماس قدره يومها بمائة جنيه، من عملاء فيليب الثاني فيما يبدو. وفي 1593 قبض على اسطفان داجاما في بيت لوبيز بتهمة التآمر على أنطونيو، وقبض على آخرين، واتهمت بعض الاعترافات لوبيز بالاشتراك في مؤامرة ضد إليزابث. وتزعم اتهام الطبيب اسكس، الذي كان يؤيد أنطونيو، فلما وضع لوبيز على دولاب التعذيب، اعترف بأنه تلقى وتكتم عرضاً بخمسين ألف دوكاتية ليدس السم للملكة، ولكنه زعم أنه لم يقصد إلا لسلب مال ملك أسبانيا. فشنق هو واثنان آخران وأفرغت أحشاؤهم وقطعوا أرباعاً. وقد أعلن وهو يلفظ أنفاسه أنه يحب الملكة ويحب المسيح، وهو ما أثار احتقار المتفرجين(29). وأخرج شكسبير، الميال إلى اسكس، "تاجر البندقية" بعد هذا الإعدام بشهرين، ولا بد أن كثيراً من المستمعين للمسرحية لاحظوا أن اسم الضحية التي أراد شيلوك البطش بها كان أنطونيو.

(31/333)


وقد خفف انتشار الكتاب المقدس، الذي عجلت به ترجمة الملك جيمس، من حدة العداء لليهود لأنها وثقت معرفة إنجلترا بالعهد القديم. وتغلغلت أفكار العبرانيين القدماء ومشاعرهم في فكر البيورتان وعباراتهم. وبدت لهم حروب اليهود صورة سابقة لحروبهم مع تشارلز الأول، وكان يهوه رب الجنود-على نحو ما-أنسب لحاجاتهم من ملك السلام الذي جاء وصفه في العهد الجديد. ورسم الكثير من الكتائب البيورتانية أسد يهوذا على راياتهم، وسار أعوان كرومويل "ذوو الجوانب الحديدية" إلى المعركة وهو يتغنون بأغاني كتابية. وإذ أقبل البيورتان أدب التوراة الرائع على أنه كلمة الله بحذافيرها، فإنهم أحسوا بأنهم مضطرون إلى الاعتراف باليهود مختارين من الله ليكونوا المتسلمين المباشرين لوحيه، وأخبر واعظ منهم شعب كنيسته أن اليهود ينبغي أن يظلوا مكرمين باعتبارهم مختاري الله، وسمي بعض جماعة "المسوين" أنفسهم يهوداً(30). وشعر كثير من البيورتان أن تأكيد المسيح الصريح لناموس موسى يرجح رفض بولس إياه، وحملوا جميع
صفحة رقم : 11184
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> إنجلترا واليهود

المسيحيين المتمسكين بالكتاب المقدس على الالتزام بممارسة ذلك الناموس. واقترح أحد قادة البيورتان، وهو اللواء تومس هاريسون، وكان من ألصق مساعدي كرومويل به، جعل الشريعة الموسوية جزءاً من القانون الإنجليزي(31). وفي 1949 قدم مشروع قانون لمجلس العموم بتغيير يوم الرب من الأحد الوثني إلى السبت اليهودي. فالإنجليز أيضاً هم الآن-في زعم البيورتان-شعب الله المختار.

(31/334)


وكانت جماعة صغيرة من المارانو سكنت لندن على عهد جيمس الأول (1603-25). وكانوا أول الأمر يختلفون إلى الصلوات المسيحية، ولكنهم بعد ذلك لم يعبئوا بإخفاء ولائهم لليهودية. وشارك الماليون اليهود أمثال أنطونيو كارفاجال في تلبية حاجات البرلمان الطويل والجمهورية للمال(32). فلما تقلد كرومويل السلطة استخدم التجار المارانو مصادر للمعلومات الاقتصادية والسياسية المتصلة بهولندة وأسبانيا، ولاحظ في شيء من الحسد ما أصابته التجارة الهولندية من توفيق يرجع بعضه إلى تدفق اليهود وعلاقاتهم الدولية.
وبعد أن وصل منسي بن إسرائيل إلى إنجلترا بقليل استقبله كرومويل، ووضع مسكناً في لندن تحت تصرفه. وقدم منسي ملتمساً، ونشر عن طريق الصحف "إعلاناً" بالمبررات الدينية والاقتصادية الداعية للإذن اليهود بدخول إنجلترا. وبين السبب في أن اليهود اضطرتهم القيود القانونية، وعدم أمنهم المادي والمالي، إلى الزهد في الزراعة والإقبال على التجارة. وأشار إلى يهود أمستردام يرتزقون من الاستثمار في التجارة لا من إقراض المال، وأنهم لا يتعاملون الربا بل يضعون أموالهم السائلة في مصارف ويقنعون بفائدة قدرها خمسة في المائة على ودائعهم. ودلل على انعدام أي أساس للأسطورة التي زعمت أن اليهود يقتلون الأطفال المسيحيين ليستعملوا دمهم في الشعائر الدينية. وأكد للمسيحيين أن اليهود لا يبذلون محاولات ليفتنوا الناس عن دينهم. واختتم بطلب السماح لليهود بدخول إنجلترا، شريطة أن يقسموا يمين الولاء للملكة، وبأن يمنحوا الحرية الدينية، والحماية من العنف وأن يقضي أحبارهم وقوانينهم في خلافاتهم دون إضرار بالقانون والمصالح الإنجليزية.
صفحة رقم : 11185
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> إنجلترا واليهود

(31/335)


وفي 4 ديسمبر 1655، جمع كرومويل في هوايتهول مؤتمراً من الفقهاء وكبار الموظفين ورجال الدين للبحث في قبول اليهود. ودافع هو شخصياً عن الفكرة بقوة وفصاحة، مؤكداً الجانب الديني والاقتصادي إذ لا بد من تبشير اليهود بالإنجيل الطاهر، ولكن "أنستطيع تبشيرهم إذا لم نحتمل عيشهم بين ظهرانينا(33)؟" ولم تلق حججه تعاطفاً كثيراً. وأصر رجال الدين على أن لا مكان لليهود في دولة مسيحية واعترض ممثلو التجارة بأن التجار اليهود سينتزعون التجارة والثروة من أيدي الإنجليز. وقرر المؤتمر أن اليهود لا يستطيعون المقام في إنجلترا "إلا بإذن خاص من سموه(34)".
لقد كان الرأي العام معادياً لقبولهم عداءً طاغياً. وذاعت شائعات زعمت أن اليهود إذا سمح لهم بدخول إنجلترا سيحولون كتدرائية القديس بولس إلى مجمع يهودي. وأصدر وليم برين (1655-56) كتاباً سماه "اعتراض موجز" جدد فيه الاتهامات القديمة لليهود بأنهم يزيفون العملة ويقتلون الأطفال، وكان قد أثار زوبعة قبل ذلك بعشرين سنة بهجومه على المسرح الإنجليزي في كتابه Historiomastix ورد بيورتاني متحمس يدعى توماس كوليز على برين، ولكنه أضعف حججه بمطالبته بإكرام اليهود باعتبارهم شعب الله المختار. ونشر منسي نفسه (1656) "دفاعاً" ناشد فيه روح الإنصاف في الشعب الإنجليزي. وقال أيستطيعون حقاً أن يصدقوا "تلك الفرية العجيبة الرهيبة... التي تزعم أن اليهود اعتادوا الاحتفال بعيد الفطير، بتخميره بدم بعض المسيحيين الذين قتلوهم لذلك الغرض؟" وقال كم مرة من التاريخ افترى شهود الزور بمثل هذه التهم أو لم يؤيدها غير اعترافات انتزعت بالتعذيب، وكم من مرة وضحت براءة اليهود المتهمين بها بعد إعدامهم. ثم اختتم بإيمان وحرارة مؤثرين قائلاً:

(31/336)


"وإلى الشعب الإنجليزي الأكرم أرفع رجائي المتواضع بأن يعيدوا قراءة حججي دون تحيز، ... مسلماً نفسي تماماً إلى فضلهم ورضاهم، متضرعاً إلى الله بحرارة أن يتفضل ويعجل بالوقت الذي وعد به (النبي) صفنياً، يوم نخدمه تعالى جميعاً برأي واحد، وبطريقة واحدة، ويكون لنا كلنا رأي واحد، وأنه بما أن اسمه واحد، فكذلك تكون مخافته واحدة، ونرى جود الرب (تبارك اسمه إلى الأبد) وتعزيا صهيون(35)".
صفحة رقم : 11186
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> إنجلترا واليهود

ولكن الدعاء لم يكسب الشعب الإنجليزي، ولم يظفر منسي بقبول رسمي لليهود. وطرح كرومويل المشكلة جانباً في غمرة جهوده لحماية حكومته وحياته، ولكنه أجاز منسي بمعاش سنوي قدرة مائة جنيه (لم يدفع قط) من الخزانة العامة. وفي سبتمبر 1657 مات ابن منسي. وأعانته منحة من حامي الجمهورية على نقل جثة ولده إلى هولندا لدفنها، ولكن "الرسول المبعوث إلى إنجلترا" مات في مدلبورج في 20 نوفمبر بعد أن أعياه السفر وهده الحزن، غير مخلف من المال ما يكفي لتشييع جنازته.

(31/337)


على أنه في واقع الأمر لم يفشل في مهمته. كتب ايفلين في "يوميته" تحت يوم 14 ديسمبر 1655 "الآن قبل اليهود" لم يبح عودتهم إلى إنجلترا شرعاً أي مرسوم من حامي الجمهورية، أو قانون من البرلمان، ولكن أعداداً متزايدة دخلت بموافقة كرومويل الصامتة. وفي 1657 سمح ليهود لندن ببناء مقبرتهم الخاصة بوصفهم يهوداً لا مسيحيين، وما لبثوا أن افتتحوا مجمعاً ومارسوا شعائرهم في هدوء. فلما عادت الملكية إلى إنجلترا، تذكر تشارلز الثاني الدعم المالي الذي تلقاه في منفاه بهولندا من منديس داكوستا وغيره من العبرانيين، وأدرك المنافع التي حصلت عليها إنجلترا من المشروعات التجارية التي اضطلع بها يهود لندن، فأغضي عن المزيد من الهجرة اليهودية لإنجلترا. وواصل وليم الثالث هذا الموقف المتسامح وهو يذكر كذلك معونة اليهود، وذلك برغم شكاوي التجار ورجال الدين الإنجليز المتكررة. واكتسب سليمان مديناً أول لقب فروسية يهودي بخدماته متعهداً للجيش لوليم الثالث وملبره(36). وما أقبلت سنة 1715 حتى كان السماسرة اليهود يعملون في سوق لندن المالية، والماليون اليهود قوة صغيرة في البلاد. وفي عام 1904 احتفل اليهود الإنجليز بالذكرى الثلاثمائة لمولد منسي.

صفحة رقم : 11187
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> الأشكنازيم

4- الأشكنازيم
في سنة 1564 كانت بقية لا يستهان بها من المستوطنات اليهودية باقية في ألمانيا لا سيما في فرانكفورت-أم-مين، وهامبورج، وفورمز، برغم الحملات الصليبية الوسيطة ومئات التقلبات. غير أن
صفحة رقم : 11188
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> الأشكنازيم

(31/338)


حركة الإصلاح البروتستنتي لم تكن قد خففت من تلك الكراهية التي أحس بها المسيحيون نحو شعب غريب لم يستطع أن يقبل المسيح على أنه ابن الله، بل زادتها حدة. ففي فرانكفورت حرم على اليهود أن يبرحوا حيهم إلا لأمر عاجل، ولم يكن مباحاً لهم استضافة زوار من خارج المدينة دون علم القضاة، وكان عليهم أن يضعوا على ملابسهم شعاراً أو لوناً خاصاً، وأن تحمل بيوتهم علامات مميزة كثيراً ما كانت غريبة قبيحة المنظر. وقد اشترت رشوة موظفي المدينة أحياناً الإعفاءات من هذه القيود المذلة، ولكن عداء أفراد الشعب البسطاء كان خطراً دائماً يتهدد حياة اليهود وممتلكاتهم. مثال ذلك ما حدث في سبتمبر 1614 حين اقتحم جمع مسيحي باب حي اليهود بينما كانت كان معظم يهود فرانكفورت يقيمون الصلاة، وبعد أن استمتعوا بليلة من النهب والتدمير، أجبروا 1.380 يهودياً على مبارحة المدينة دون أن يحملوا من المتاع إلا ما على أجسادهم من ثياب. وأطعمت عدة أسر مسيحية اللاجئين وآوتهم، وألزم رئيس أساقفة مينز بلدية فرانكفورت بردهم لبيوتهم، وتعويضهم عن خسائرهم، وشنق زعيم الغوغاء(37). وبعد سنة قامت حركة ممثلة في فورمز، فطردت اليهود من المدينة وانتهكت حرمة مجامعهم ومدافنهم، ولكن رئيس أساقفة فورمز وأمير هسي-دار مشتات قدماً الملجأ للمنفيين، وبسط عليهم ناخب بالاتين حمايته في رجوعهم. ويمكن القول عموماً أن كبار الأكليروس وأفراد الطبقات العليا كانوا ميالين للتسامح، ولكن صغار الأكليروس وجماهير الشعب كان من السهل إثارتهم وإشعال نار الحقد في نفوسهم. وكانت القيود القديمة-حتى بعد تخفيفها-مسلطة أبداً فوق رءوس اليهود، واحتمالات الإهانة والأذى ماثلة في أي يوم. وكان بعض المسيحيين الغيورين يخطفون الأطفال من فوق صدور أمهاتهم ويعمدونهم بالإكراه(38). حقاً لولا الجهل لما كان للتاريخ وجود.

(31/339)


وتركت حرب الثلاثين يهود ألمانيا في سلامة نسبية. فقد استغرق البروتستنت والكاثوليك في قتل بعضهم البعض استغراقاً كاد ينسيهم أن يقتلوا اليهود، حتى ولو كانوا أقرضوهم مالاً. وكان الإمبراطور فرديناند الأول قد فرض لوائح ثقيلة على يهود النمسا، وطردهم من بوهيميا (1559)، ولكن فرديناند الثاني حماهم، وسمح لهم بأن
صفحة رقم : 11189
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> الأشكنازيم

بينوا مجمعاً في فيينا الكاثوليكية وأن يخلعوا شعاراتهم، وأباح رجوع اليهود إلى بوهيميا. وتعهد يهود بوهيميا بدفع أربعين ألف جولدن كل عام إسهاماً منهم في القضية الإمبراطورية في تلك الحرب الكبيرة. ورغبة في تهدئة خواطر المسيحيين الذين تذمروا من سياسة فرديناند الثاني المتسامحة، أمر (1635) بأن يستمع يهود براغ كل أحد للعظات المسيحية، وفرض الغرامات عقاباً للتهرب أو النوم أثناء العظات.

(31/340)


واتسعت المستوطنات العبرية في ألمانيا بسرعة بعد صلح وستفاليا. فقد سوأت فظائع الحرب إلى حد ما سمعة التعصب والاضطهاد. وأقبل مئات اليهود من بولندة بعد المذابح المنظمة التي تلت ثورة القوزاق التي نشبت في 1648. وفيما بين عامي 1675و 1720 كان يختلف إلى أسواق ليبزج من التجار اليهود كل سنة 648 تاجراً في المتوسط. واستعان الأمراء الألمان بالمهارة اليهودية في إدارة مالياتهم وتنظيم تموين جيوشهم وقصورهم. مثال ذلك أن صموئيل أو بنهايمر أشرف على المالية الإمبراطورية خلال الحملات التي اختتم بها القرن السابع عشر، وأشرف سمسون فرتايمر على القوميسارية الإمبراطورية في حرب الوراثة الأسبانية. وكان من أثر نفوذه الإمبراطورة مارجريت تريزا، الأسبانية المولد اليسوعية الروح، على زوجها ليوبولد الأول أنه أمر بنفي اليهود من النمسا، ولكن الناخب الأكبر فردريك وليم رحب بكثير من المنفيين في براندنبورج، ونمت الجالية اليهودية في برلين حتى غدت من أكبر الجاليات في أوربا.
ومنذ القرن الثاني عشر كان يهود وسط أوربا يطورون لهجتهم "الييدية Yiddish" المؤلف معظمها من إضافات ألمانية مع إضافات عبرية وسلافية، والمكتوبة بأحرف عبرية. وواصل اليهود المتعلمون دراسة العبرية، ولكن المطبوعات العلمانية التي نشرها الأشكنازيم أصبح معظمها بالييدية. وظهر أدب بيدي، غني بالفكاهة المرة والعاطفة البيتية، في قصص شعبية منقولة عبر القرون والحدود، وفي تمثيليات قصيرة Purimspiele لمهرجان الربيع المرح، وفي أمثال من الحكمة البسيطة (كقولهم "أب واحد يعول عشرة أبناء، ولكن عشرة أبناء لا يعولون أباً واحداً"(39)). وقبل 115 لم يكن في استطاعة هذا الأدب أن يفاخر إلا بمؤلف مرموق واحد، هو أيليا بوشر، وهو عالم
صفحة رقم : 11190
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> الأشكنازيم

(31/341)


في العبرية وشاعر بالييدية، كتب رومانسيات غريبة في مقطوعات ثمانية من الشعر ottava rima وترجم المزامير إلى لغة الشعب. وظهرت ترجمة يبدية للأسفار الموسوية الخمسة في 1544، بعد خمسة عشر عاماً فقط من ترجمة لوثر الألمانية للكتاب المقدس، ونشرت ترجمة ييدية للعهد القديم كله بأمستردام في 1676-79. لقد كان اليهود الألمان في طريقهم إلى زعامة شعبهم الثقافية.
وفي القرن العاشر دخل اليهود بولندة من ألمانيا وزكوا وتكاثروا تحت حماية الحكومة رغم المذابح العارضة. وفي 1501 كان هنا نحو خمسين ألف يهودي في بولندة، وفي 1648 نصف مليون(40)، وناصر الأعيان szlachta الذين يهيمنون على مجلس الأمة اليهود، لأن الملاك تبينوا فيهم كفاية خاصة في جميع الإيجارات وجباية الضرائب وإدارة الضياع، وكل حكام بولندة في القرنين السادس عشر والسابع عشر، فيما عدا قلة منهم، من أكثر ملوك زمانهم تسامحاً. فأصدر ستيفن باتوري مرسومين يؤكدان الحقوق التجارية لليهود، ويدمغان تهم القتل الطقسي التي يرمي بها اليهود بأنها "افتراءات" قاسية لا يسمح بها في المحاكم البولندية (1567)(41). ولكن عداء الشعب لليهود لم يخف. فلم ينقض عام واحد على هذين المرسومين حتى هاجم جمع من الغوغاء الحي اليهودي في بوزنان، ونهبوا البيوت، وقتلوا كثيراً من اليهود. وفرض باتوري غرامة على موظفي المدينة لفشلهم في وقف الشغب. وواصل سجسمند الثالث سياسة التسامح الملكي.

(31/342)


وتضافر عاملان لإنهاء هذا العهد الذي توافرت فيه حسن نية الحكومة قبل اليهود. أولهما أن التجار الألمان في بولندة كرهوا منافسة اليهود لهم، فأشعلوا ثورات شعبية في بوزنان وفيلنو، حيث هدم مجمع لليهود ونهبت بيوت اليهود (1592)، وقدموا للملك ملتمساً de non tolerandis Judaeis بعدم التسامح مع اليهود (1619). وانضم إلى الحملة لوقف التسامح اليسوعيين الذين استقدم باتوري وما لبثوا أن تولوا القيادة الفكرية للكاثوليك في بولندة. وظفرت اتهامات اليهود بالقتل الطقسي باعتراف الحكومة بها الآن. ففي 1589 عشر في لوبلن على جثة صبي في مستنقع، فأكره ثلاثة يهود بالتعذيب على الاعتراف بأنهم قتلوه، ثم شنقوا وانتزعت أحشاؤهم وقطعوا
صفحة رقم : 11191
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> الأشكنازيم

أرباعاً، وأصبح جثمان الصبي الذي حفظ في كنيسة كاثوليكية محل الإجلال الديني. وازدادت المؤلفات المعادية للسامية ضراوة عن ذي قبل.
وفي 1618 نشر سبستيان ميشنسكي الكراكاوي كتيباً اسمه "مرآة للتاج البولندي" اتهم فيه اليهود بقتل الأطفال، والسحر، والسرقة، والنصب، والخيانة، ودعا مجلس الأمة لطرد جميع اليهود من بولندة. وأثار الكتيب الشعور العام إثارة حملت سجسموند على مصادرته. واتهم طبيب من بولندي الأطباء اليهود بتسميم الكاثوليك بشكل منظم (1623) وأمر الملك لاديسلاس الرابع السلطات البلدية بأن تحمي اليهود من الثورات الشعبية، وحاول التخفيف من عداء المسيحيين لهم بمنع اليهود من السكنى في الأحياء المسيحية، أو بناء مجامع جديدة، أو فتح مدافن جديدة، دون ترخيص ملكي. وألزم برلمان 1643 جميع التجار بألا تتجاوز أرباحهم 7% إن كانوا مسيحيين، و3% إن كانوا يهوداً، وكانت النتيجة أن المسيحيين أقبلوا على الشراء من اليهود فأثروا وأثاروا مزيداً من الحقد.

(31/343)


وتكاثر اليهود البولنديون برغم الكراهية والقيود والشدائد والفقر وبنوا المعابد والمدارس، وتناقلوا تقاليدهم وأخلاقهم ونواميسهم التي أعانتهم على الاستقرار، وصانوا إيمانهم المعزى. ونظم المدارس الأولية معلمون خصوصيون ينقدهم الأدباء أجورهم بواقع التلميذ والفترة، أما التلاميذ العاجزون عن الدفع فإن معظم الجاليات اليهودية أنفقت على مدرسة خاصة بهم من الأموال العامة. وكان حضور المدرسة الأولية إلزامياً على الصبية من السادسة إلى الثالثة عشرة. ووفر التعليم العالي في كلية (يشيبا) يشرف عليها الأحبار. وفيما يلي وصف للنظام بقلم حبر معاصر (1653):
"كانت كل جالية يهودية تعول طلاب الكلية (الباهور) وتمنحهم قدراً من المال كل أسبوع... ويكلف كل طالب من هؤلاء الباهور بتعليم صبيين على الأقل... فالجالية ذات الخمسين أسرة يهودية تعول ما لا يقل عن ثلاثين من هؤلاء الشباب والصبيان، فتوفر الأسرة الواحدة الطعام لطالب كلية وتلميذيه، ويجلس الطالب إلى مائدة الأسرة كواحد
صفحة رقم : 11192
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> الأشكنازيم

من أبنائها... وندر أن وجد بيت... لم تدرس فيه التوراة، أو لم يكن رب البيت، أو ابنه، أو صهره، أو طالب الكلية الذي يتناول الطعام على مائدته، خبيراً في الثقافة اليهودية(42)".

(31/344)


ونحن إذا نظرنا ن إذا نظرنا لى تعليم اليهود البولنديون وأدبهم من وجهة نظرنا الحديثة والعلمانية، وجدناهما ربانيين بشكل ضيق، لأنهما يكادان يقتصران على التلمود، والتوراة، والقبلانية، والعبرية، ولكن لما كان التلمود مشتملاً على الشريعة اليهودية اشتماله على الدين والتاريخ اليهوديين، فقد صلح أداة لضبط الذهن ضبطاً صارماً متعمقاً. وما من ريب في أن الجاليات المطاردة شعرت بأنه لا يولد فيهم القوة على احتمال التعيير والاضطهاد والشدائد والمخاطر المتصلة غير الإيمان الديني الحار، والدراسة التي تمد جذورها في تقاليد الشعب اليهودي وعاداته. وقد ظل اليهود البولنديون يعيشون كأنهم في العصور الوسطى حتى أصبحت الحداثة حديثة بقدر يكفي لإعطائهم الحرية-أو الموت.
وجاءهم عام 1648 بتذكير رهيب لهم بوضعهم القلق في العالم المسيحي. ذلك أن الثورة التي تفجرت آنذاك بين القوزاق ضد ملاكهم البولنديين واللتوانيين وقعت وطأتها على كاهل اليهود الذين كانوا يعملون وكلاء للضياع أو جباة للضرائب. فذبح الآلاف منهم في بيريياسلاف، وبيرياتين، ولوبني، وغيرها من المدن، سواء كانوا يخدمون النبلاء أو لا يخدمونهم. واحتفظ بعضهم بحياتهم إما باعتناقهم مذهب الروم الأرثوذكس، وإما بالالتجاء إلى التتار الذين باعوهم عبيداً. وقد اشتط غيظ القوزاق المكبوت فاتسم بشراسة لا تصدق. يقول مؤرخ روسي:
"كان القتل مصحوباً بضروب من التعذيب الهمجي: فكان الضحايا تسلخ جلودهم أحياء، أو يمزقون إرباً، أو يضربون بالهراوات حتى يموتوا، ويشوون على الجمر، أو يحرقون بالماء المغلي... على أن أبشع ألوان القسوة أصاب اليهود. فقد حكم عليهم بالإبادة الكاملة، وكانت أقل علامة على الرأفة بهم تعتبر خيانة. وانتزع القوزاق لفافات الشريعة من المجامع وراحوا يرقصون عليها وهم
صفحة رقم : 11193

(31/345)


قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> الأشكنازيم

يشربون الوسكي. ثم طرحوا عليها اليهود وذبحوهم بغير رحمة. وألقى آلاف الأطفال اليهود في الآبار أو أحرقوا أحياء(43)".
وروي أن 6.000 يهودي هلكوا في هذه الثورة في مدينة واحدة هي نيميروف. وفي تولشيمن حوصر 1.500 يهودي في حديقة عامة وخيروا بين اعتناق المسيحية أو الموت، وإذا جاز لنا أن نصدق المؤرخ الأخباري اليهودي فإن 1.500 اختاروا الموت. وقيل أن 10.000 (؟) يهودي في مدينة بولونوي قتلهم القوزاق أو أسرهم التتار. ونشبت في مدن أوكرانية أخرى مذابح منظمة أقل شأناً. ولما تحالف القوزاق مع روسيا بعد أن تصدى لهم الجيش البولندي (1654)، انضم الجنود المسكوفيون إلى القوزاق في قتل أو طرد يهود موجيليف، وفيتيبسك، وفيلنو، وغيرها من المدن التي انتزعت من اللتوانيين أو البولنديين.
وفي 1655 خلق غزو شارل العاشر ملك السويد لبولندة مشكلة أخرى لليهود. ذلك أنهم ككثيرين من البولنديين قبلوا الفاتح السويدي دون مقاومة، منقذاً لهم من الروس المرهوبين. فلما قام جيش بولندي جديد وطرد السويديين، ذبح اليهود في جميع أرجاء ولايات بوزنان، وكاليش، وكراكاو، وبيوتركوف، فيما عدا مدينة بوزنان ذاتها. وعلى الجملة كانت هذه الكوارث التي مني بها اليهود من 1684 إلى 1658 في بولندة ولتوانيا وروسيا، حتى عصرنا الحاضر، أدمي الكوارث في تاريخ اليهود الأوربيين، ففاقت في هولها وضحاياها مذابح الحروب الصليبية، والموت الأسود. وقد حسب تقدير متحفظ أن 34.719 يهودياً ماتوا، و531 جالية يهودية أبيدت(44). هذا العقد الفاجع هو الذي بدأ هجرة اليهود الجماعية من الأراضي السلافية إلى أوربا الغربية وأمريكا الشمالية، مما أسفر عن توزيع جديد كامل للسكان اليهود على سطح الأرض.

(31/346)


وفي بولندة عاد من بقي من اليهود على قيد الحياة إلى بيوتهم وأعادوا في صبر بناء جالياتهم التي دمرت. وأعلن الملك يوحنا كازيمير عن عزمه على تعويض رعاياه اليهود قدر استطاعته عن النكبات التي تحملوها، فمنحهم مراسيم جديدة بالحقوق والحماية، وإعفاءً مؤقتاً من الضرائب في تلك المراكز التي اشتد كربها. ولكن العداء الشعبي
صفحة رقم : 11194
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> الأشكنازيم

واللاهوتي ظل قائماً، نخفف منه المواساة المسيحية بين الحين والحين. ففي 1660 أعدم حبران بالتهمة القديمة التي طالما استنكرها البابوات، وهي تهمة القتل الطقسي، وفي 1663 لقي صيدلي يهودي في كراكاو الموت بتهمة لم تثبت عليه، وهي أنه كتب هجاء يندد فيه بعبادة مريم العذراء، وكان موته بالترتيب الهمجي الذي قضت به المحكمة: فبترت شفتاه، وأحرقت يده، وقطع لسانه، وأحرق جسده على الخازوق(45). وأرسل قائد الطريقة الدومنيكية من روما (9 فبراير 1664) رسالة يحض فيها الرهبان الدومنيكان في كركاو "على الدفاع عن اليهود التعساء ضد كل قرية تفتري عليهم(46)". وفي لفوف غزا تلاميذ أكاديمية يسوعية حي اليهود، وقتلوا مائة منهم، وهدموا البيوت، وانتهكوا حرمة المجامع (1664)، ولكن الطلبة اليسوعيين في فيلنو حموا اليهود من الغوغاء محدثي الشغب (1682)(47). وحاول سوبيسكي السمح الكريم (1674-96) جاهداً أن يطيب خاطر يهود بولندة، فأكد من جديد حقوقهم المنتهكة، وحررهم من قضاء السلطات البلدية الخاضعة لعواطف الجماهير، واستمع في تعاطف إلى المندوبين الذين قدموا التماسات اليهود إلى بلاطه. فما اختتم حكمه حتى كان اليهود البولنديون قد أفاقوا، عددياً، من ذلك العقد القاسي، ولكن أهواله ظلت عالقة أجيالاً بذاكرة اليهود.

(31/347)


لم يكن في روسيا، قانوناً، يهود قبل 1772. وقد أبدى إيفان الرهيب رأيه فيهم في جوابه على طلب رجاه فيه سجسموند الثاني أن يسمح لليهود اللتوانيين بدخول روسيا للمتاجرة (1550):
"ليس من المناسب السماح لليهود بالمجيء إلى روسيا بسلعهم لأن شروراً كثيرة تنجم عنهم. ذلك أنهم يدخلون الأعشاب السامة إلى مملكتنا، ويفتنون الروس عن المسيحية إذن ينبغي له (أي الملك) ألا بعيد الكتابة عن هؤلاء اليهود(48)".
ولما احتل الجيش الروسي مدينة الحدود البولندية بولوتسك (1565)، أرسل إيفان أوامره بتحويل اليهود المحليين إلى المسيحية، أو إغراقهم. وحين نشبت الحرب بين روسيا وبولندة في 1654 أدهش الروس أن يجدوا مدناً كثيرة في لتوانيا وأوكرانيا بها
صفحة رقم : 11195
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> الأشكنازيم

أقسام كاملة آهلة باليهود. فقتلوا بعض هؤلاء "المهرطقين الخطرين"، وأخذوا بعض أسرى إلى موسكو، حيث أصبحوا نواة لمستوطنة يهودية صغيرة غير شرعية. وفي 1698 تلقى بطرس الأكبر وهو في هولندا عن طريق أعمدة أمستردام، ملتمساً مقدماً من بعض اليهود يرجونه فيه السماح لهم بدخول روسيا، وكان جوابه:
"عزيزي ويتسن، إنك تعرف اليهود، وتعرف أخلاقهم وعاداتهم، وكذلك تعرف الروس. وأنا أعرف الاثنين، وصدقني أن الوقت لم يحن للجمع بين القوميتين. فقل لليهود إني شاكر لهم اقتراحهم، وإني مدرك كم ستفيدني خدماتهم، ولكني مشفق عليهم أن يعيشوا بين ظهراني الروس(49)".
وظلت هذه السياسة الروسية، سياسة إبعاد اليهود، معمولاً بها حتى الملتمس البولندي الأول (1772).

صفحة رقم : 11196
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> إلهامات الإيمان

5- إلهامات الإيمان

(31/348)


لا بد لكي نفهم عداء المسيحيين لليهود أن ننفذ إلى ذهن كاثوليك العصور الوسطى وبروتستنت حركة الإصلاح الديني. لقد تذكروا صلب المسيح، ولكنهم لم يتذكروا جموع اليهود العريضة التي استمعت في فرح إلى المسيح ورحبت به في دخوله أورشليم. وآمنوا بيسوع ذلك "الممسوح"، ابن الله، ولكن اليهود لم يستطيعوا أن يروا في المسيح ذلك المسيا الذي وعدهم بها أنبياؤهم، والمخلص الذي سيحررهم من رقهم ويجعلهم من جديد شعباً حراً مرفوع الرأس. وكان عسيراً على المسيحيين أن ينظروا نظرة التسامح الأخوي إلى قلة لم تكن وحدانيتهم منافساً بعيداً كوحدانية الإسلام، بل صرخة حارة، تسمع من مجامع تتكاثر في قلب العالم المسيحي-"أصغ يا إسرائيل! الرب إلهنا واحد!" وشعر المسيحيون أن العقيدة السامية المتكبرة هي تحد ماثل أبداً للإيمان المسيحي الأساسي، الإيمان بأن ابن الإنسان الذي مات على الصليب هو في كل الحق ابن الله، الذي كفرت ذبيحته غير المحدودة عن خطايا الإنسان، وفتحت له أبواب الفردوس. أيمكن أن يكون في الحياة شيء أثمن وأعظم تشديداً للنفوس من ذلك الإيمان؟
صفحة رقم : 11197
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> إلهامات الإيمان

(31/349)


ولكن يحمي مسيحيو أوربا ذلك الإيمان حاولوا عزل اليهود بالحواجز الجغرافية، والقيود السياسية، والرقابة الفكرية، والأغلال الاقتصادية. فلم يسمح لهم بالمواطنة الكاملة وبحقوقها في أي بلد في أوربا المسيحية قبل الثورة الفرنسية-ولا حتى في أمستردام. وحيل بينهم وبين الوظائف العامة، والجيش والمدارس والجامعات، والاشتغال بالقانون في المحاكم المسيحية. وفرضت عليهم الضرائب الباهظة، وتعرضوا للقروض الإجبارية، ولمصادرة ثروتهم في أي وقت. وأبعدوا عن الزراعة بقيود على ملكية الأرض، وبانعدام الأمن الذي ما برح ملازماً لهم والذي أكرههم على وضع مدخراتهم في النقد أو السلع المنقولة. وحرموا من الانضمام للطوائف الحرفية لأنها كانت من بعض الوجوه دينية شكلاً وهدفاً، واشترطت اليمين والشعائر المسيحية. وإذ قصر نشاطهم على الصناعات الصغيرة، وعلى التجارة والمالية، فإنهم وجدوا أنفسهم مطاردين حتى في هذه الأشغال بتحريمات خاصة تتفاوت بتفاوت المكان وتتغير في أي وقت.ففي إقليم حرم عليهم أن يكونوا باعة متجولين، وفي آخر أن يتجروا في دكاكين، وفي ثالث أن يتعاملوا في الجلد أو الصوف(50). ومن ثم عاش أكثر اليهود تجاراً صغاراً، وباعة متجولين، أو تجاراً في البضائع المستعملة أو الثياب القديمة، أو خياطين، أو خداماً لمواطنيهم الأغنياء، أو صناعاً يصنعون السلع لليهود. ومن هذه الأشغال، ومن ذلك العيش في الغيت، اكتسب فقراء اليهود عاداتهم تلك في الملبس والحديث، وحيل التجارة وخصائص الذهن التي مجتها الشعوب الأخرى والطبقات العليا من الناس.

(31/350)


ومن فوق هذه الكثرة المتواضعة كان الأحبار، والأطباء، والتجار، والماليون. وقد لعب نشاط المصدرين والمستوردين اليهود دوراً هاماً في ثراء هامبورج وأمستردام. وكان جزء على اثني عشر من تجارة إنجلترا الخارجية يمر بأيدي اليهود في النصف الأول من القرن السابع عشر(51). وغلب العنصر اليهودي في استيراد الجواهر والمنسوجات من الشرق. وانتفع اليهود في التجارة الدولية من علاقاتهم الأسرية في مختلف الدول، ومن إجادتهم اللغات، وكان لهم مسالكهم التي تصلهم منها المعلومات، فهدتهم بين الحين والحين إلى توقعات
صفحة رقم : 11198
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> إلهامات الإيمان

نافعة في السوق المالية(52). ومكنتهم هذه الاتصالات الأجنبية من تطوير خطابات الاعتماد والكمبيالات. ولم يكن اليهود بالطبع مخترعي الرأسمالية الحديثة، فقد رأينا ذلك النظام ينمو مستقلاً تمام الاستقلال عنهم، وفي الصناعة أكثر منه في المالية، وكان دورهم حتى في المالية صغيراً إذا قورن بدور آل مديتشي الفلورنسيين، أو آل جريماليري الجنوبين، أو آل فوجير الأوجزبورجيين. وكان مقرضو المال اليهود يتقاضون فوائد عالية، ولكنها لم تكن أعلى مما يتقاضاه المصرفيون المسيحيون الذين يواجهون أخطاراً معادلة.

(31/351)


واكتسب الذهن اليهودي، الذي شحذته الشدائد والظلم والدراسة، في التجارة والمالية مقدرة مرهفة على الكسب لم يغتفرها لليهود منافسوهم قط. ولم تر أخلاقيات اليهود في الثروة أي عيب أو وصمة عار، شأنها في ذلك شأن أخلاقيات البيورتان. ورأى فيها الأحبار دعامة البر، وعصب المجمع، والملجأ الأخير إذا أريد الخلاص من أذى الملوك أو الجماهير المضطهدة. ومع ذلك فصحيح أنه وجد في الجاليات اليهودية في هولندة وألمانيا وبولندة وتركيا رجال جعلوا جمع المال مسرة نفوسهم لا مجرد أداة لحماية شعبهم، واستعملوا في جمعية الحيلة أكثر مما استعملوا الضمير، وأظهروا بني جلدتهم بذلك المظهر المزعج مظهر الثراء العريض يلوثه الترف الواضح، ولا تكفر عنه أعمال البر الكبيرة إلا جزئياً. ومن حولهم في الغيت كان ثلث إخوانهم يعيشون في فقر، لا يحول دون تضورهم جوعاً غير الصدقات(54).
ولقد عانى دين اليهود كما عانت أخلاقهم من فقر الحياة في الغيت وانطوائها وهوانها. فالأحبار الذين كانوا في العصور الوسطى رجالاً ذوي شجاعة وحكمة، أصبحوا في العصر أتباع صوفية تهرب من جحيم الاضطهاد والفاقة إلى جنة الأحلام التعويضية. وقد حل التلمود في العصور الوسطى محل التوراة روحاً لليهودية، أما الآن فقد حلت القبلانية محل التلمود. وزعم مؤلف فرانكفورتي من كتاب القرن السابع عشر أنه كان في أيامه أحبار كثيرون لم يروا توراة قط(55). وكان سليمان لوريا (1510-72) علامة عينت هذا الانتقال، فقد بدأ بالتلمود، وبنى عليه كتابه "يم شيل شلومو" (بحر سليمان)، ولكن حتى ذهنه المرهف استسلم آخر الأمر للقبلانية، فقد كانت
صفحة رقم : 11199
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> إلهامات الإيمان

(31/352)


"التقليد السري" لمتصوفة اليهود في العصر الوسيط، الذين اعتقدوا أنهم وجدوا وحياً إلهياً مستتراً في رمزية الأعداد، والحروف، والألفاظ، ولا سيما في الحروف التي يتألف منها اسم يهوه الذي لا ينطق به. وكان العالم تلو العالم في الغيت يضل في هذه الأوهام، حتى لقد صرح أحدهم بأن من يهمل حكمة القبلانية السرية يستحق الحرم(56). يقول أكبر المؤرخين اليهود المحدثين أنه في القرنين السادس عشر والسابع عشر "خنقت القبلانية الطفيلية حياة اليهود الدينية بجملتها. وكل الأحبار وقادة الجاليات اليهودية تقريباً... وقعوا في شراكها" من أمستردام إلى بولندة إلى فلسطين(57).
وكان سند الحياة في نظر اليهود المشتتين على هذا النحو، والذين كثيراً ما كانوا معدمين مفترى عليهم، هو الإيمان بأنه في يوم قريب سيأتي المسيا الحقيقي لينتشلهم من وهدة تعاستهم وعارهم ويرفعهم إلى مكان القوة والمجد. ومن المؤسف أن نرى كيف كان دجال أو متعصب يظهر القرن بعد القرن فيقبله اليهود على أنه هذا المخلص الذي طال ارتقابهم له. ولقد رأينا في موضوع سابق من هذا الكتاب كيف أن داود روبيني العربي هلل له عبرانيو البحر المتوسط في 1524 على أنه المسيا، مع أنه هو نفسه لم يدع هذا. وهاهو ذا يهودي من أزمير يدعى سبتاي زيفي، يظهر عام 1648 ويزعم أنه الفادي الموعود.

(31/353)


لقد بدا هذا المختار، من الناحية الجسمية، اختياراً جديراً بالإعجاب. فهو رجل طويل القامة، حسن التكوين، مليح الوجه، له شعر الشاب الصفاردي ولحيته السوداوان(58) "اجتذبته كتابات سليمان لوريا إلى القبلانية، فأخضع ذاته لنظام صارم من النسك أملاً في أن يصبح بهذا جديراً بالتقليد السري" في أكمل إعلانه. فأذل جسده، وأكثر من الاستحمام في البحر في جميع الفصول، وغالى في الاحتفاظ بنظافته حتى لقد احتفل أتباعه برائحة لحمه الزكية. ولم يشعر بميل للنساء، وقد تزوج في شبابه الباكر امتثالاً للعرف اليهودي، ولكن زوجته ما لبثت أن طلقته لفشله في أداء واجباته الزوجية. ثم تزوج ثانية، بنفس النتيجة. والتف الشبان من حوله، معجبين بصوته الرخيم وهو يرتل التراتيل القبلانية، متسائلين أليس هذا قديساً مبعوثاً من السماء. وكان أبوه أحد جماعة آمنت بقرب مجيء المسيا-
صفحة رقم : 11200
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> إلهامات الإيمان

وبأن ذلك لن يتجاوز سنة 1666. وسمعهم سبتاي يتنبأون بأن الفداء العظيم سيأتي على يد رجل طاهر النفس شديد الورع، ملم بأسرار القبلانية، قادر على جمع شمل كل الأبرار ليعيشوا في عصر السلالم الموعود. وخيل إليه، بعد أن طهره الزهد، أنه الفادي الإلهي. وكان "الظهر"، وهو نص في القبلانية يرجع إلى القرن الثالث عشر، قد حدد السنة اليهودية 5408 (1648 الميلادية) فاتحه لعصر الفداء. في تلك السنة أعلن سبتاي أنه المسيا، وكان آنئذ في الثانية والعشرين.

(31/354)


وصدقه رهط من مريديه. فأدانتهم حاخامية أزمير باعتبارهم مجدفين، ولكنهم أصروا، فنفوا من المدينة. وانتقل سبتاي إلى سالونيك، وهناك أقام احتفالاً قبلانياً زوج فيه نفسه للتوراة، فطرده أحبار سالونيك، فمضى إلى أثينا، ثم إلى القاهرة، حيث ضم إليه تابعاً غنياً يدعى رفائيل شلبي، ثم انتقل إلى أورشليم، وهناك وقع زهده موقعاً طيباً حتى في نفوس الأحبار. وأوفدت الجالية اليهودية في أورشليم سبتاي ليلتمس المعونة في القاهرة بعد أن أفقرها انقطاع الصدقات من يهود أوكرانيا المنكوبين. فعاد إلى أورشليم مصحوباً لا بالمال بل بزوجة ثالثة تدعى سارة، أضفى حسنها الإشراق على دعاواه وفي غزة-التي مر بها في طريقه-انضم إليه تابع غني آخر يسمى ناتان غزاتي، أذاع أنه هو ذاته ايليا، ولد من جديد ليقوم الطريق أمام المسيا، وأنه لن ينقضي عام حتى يسقط المسيا السلطان العثماني ويقيم ملكوت السماوات. وصدقه آلاف اليهود، وأذلوا أجسادهم ليكفروا عن ذنوبهم ويصبحوا جديرين بالفردوس الأرضي. فلما عاد سبتاي إلى أزمير، دخل عام 1665 المجمع في رأس السنة اليهودية، وأعلن نفسه المسيا مرة أخرى. وقبله هذه المرة جمع غفير أخذته نشوة الفرح. فلما رماه حبر عجوز بأنه دجال نفاه سبتاي من أزمير.
وانتشر نبأ مجيء المسيا في أرجاء غربي آسيا فكهرب الجاليات اليهودية. وحمل البشرى تجار مصر و إيطاليا، وهولندا، وألمانيا، وبولندة، إلى بلادهم، وخبروا بالمعجزات التي نسبت إلى سبتاي في عدد متزايد. وتشكك بعض اليهود، ولكن الآلاف صدقوا بعد أن أعدتهم لذلك النبوءات القبلانية والآمال الحارة. لا بل إن بعض المسيحيين
صفحة رقم : 11201
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> إلهامات الإيمان

(31/355)


شاركوهم الابتهاج، وقالوا أن مسيا أزمير هو حقاً المسيح المولود من جديد. ذكر هنري أولدنبرج في رسالة من لندن إلى سبينوزا (ديسمبر 1655) أن "كل العالم هنا يتحدث عن شائعة عودة الإسرائيليين المشتتين منذ أكثر من ألفي عام إلى وطنهم. وقليلون يصدقون الخبر، وكثيرون يتمنونه... فإذا تأكد، فربما أحدث ثورة في كل شيء(59)". وفي أمستردام أعلن أحبار بارزون إيمانهم بسبتاي، واحتفل في المجمع بمجيء الملكوت بالموسيقى والرقص، وطبعت كتب الصلوات لتعلم المؤمنين ضروب التكفير والتراتيل الممهدة لدخول أرض الميعاد. ففي مجمع هامبورج راح العائدون اليهود من جميع الأعمار يثبون ويطفرون ويرقصون وفي أيديهم درج الناموس. وفي بولندة هجر يهود كثيرون بيوتهم وأملاكهم ورفضوا أن يشتغلوا قائلين أن المسيا آت بشخصه سريعاً وسيقودهم في موكب النصر إلى أورشليم(60). واتخذ آلاف اليهود أهبتهم للرحيل إلى فلسطين-كان منهم أحياناً جاليات بأكملها، كجالية أفنيون. واقترح بعض المتحمسين في أزمير، الذين أثار عواطفهم ذلك الولاء العالمي لزعيمهم، أن توجه الصلوات اليهودية منذ الآن، لا إلى يهوده، بل إلى "ابن الله البكر، سبتاي زيفي، المسيا والفادي" (وكذلك كان المسيحيون يصلون للمسيح أو العذراء أكثر مما يصلون لله). وأرسل أمر من أزمير بأن يحتفل منذ الآن بأيام الحداد المقدسة عند اليهود أعياداً للفرح، وبأن كل فروض الناموس المضنية ستبطل سريعاً في أمن الملكوت وسعادته.

(31/356)


ويلوح أن سبتاي ذاته انتهى إلى الإيمان بقوة المعجزة. فأعلن أنه ماض إلى الآستانة، ولعل هدفه كان تحقيق نبوءة غزاني بأن المسيا سيأخذ في هدوء تاج الدولة العثمانية (بما فيها فلسطين) من السلطان. (على أن يعضهم زعم أن القاضي التركي في أزمير أمره بالمثول بين أيدي كبار موظفي الدولة في العاصمة). وقبل أن يبرح سبتاي أزمير قسم العالم وحكومته بين أخلص معاونيه. ثم انطلق إلى الآستانة في أول يناير 1666 وبرفقته نفر من مريديه. وكان قد تنبأ بتاريخ وصوله، ولكن عاصفة عطلت سفينته. وقلب رفاقه خطأه الحسابي هذا إلى برهان جديد على ألوهيته، وقالوا أنه أسكت العاصفة بكلمة إلهية منه.
صفحة رقم : 11202
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> إلهامات الإيمان

وما أن رسا على ساحل الدردنيل حتى قبض عليه، وجيء به إلى الآستانة مكبلاً بالأغلال، وزج به في السجن. وبعد شهرين نقل إلى سجن أرحم في أبيدوس. وسمح لزوجته أن تلحق به، ووفد عليه أصدقاؤه من كل فج ليواسوه، ويقدموا له الولاء، ويأتوه بالمال. ولم يفقد أتباعه إيمانهم به، فزعموا أنه أوثق النبوءات تنبأت بأن المسيا سيرفض أولاً من رؤساء هذا العالم، الذين سيوقعون به ألواناً من العذاب والهوان. وتوقع اليهود في كل أرجاء أوربا الإفراج عنه في أي لحظة، وأنه سيحقق نبوءات أسعد. وعلق حرفا اسمه الأولان، س، ز في المجامع. وفي أمستردام، ولجهورن، وهامبورج، كادت أعمال اليهود التجارية تتعطل تماماً، فقد اشتد إيمان اليهود هناك بأنهم عائدون جميعاً عما قريب إلى الأرض المقدسة. وتعرض من أعرب من اليهود عن شكوكهم في أن سبتاي هو المسيا لخطر الموت كل يوم.

(31/357)


وحير السلطات التركية ذلك الهياج الذي اضطربت له الحياة الاقتصادية لكثير من المجتمعات العثمانية، ولكن الترك خشوا أنهم لو أعدموا سبتاي بوصفه ثائراً ودجالاً لعملوا بذلك على تقديسه شهيداً، ولحولوا حركته إلى تمرد يكلفهم ثمناً غالياً، لذلك قرروا أن يجربوا حلاً سلمياً. فأخذ سبتاي إلى أدرنة. وهناك أخبر بأن أمراً قضى بأن يسحل في الشوارع ويعذب بالمشاعل الموقدة، ولكن في استطاعته أن يتفادى هذه النهاية وأن يظفر بأسباب التكريم الكبير في الإسلام لو اعتنق دين محمد (صلى الله عليه وسلم)، فقبل،، وفي 14 سبتمبر مثل أمام السلطان، وأكد مروقه عن دينه بخلع ملابسه اليهودية وارتداء الزي التركي. وخلع عليه السلطان اسم محمد أفندي، وعينه حاجباً لبابه براتب كبير. ونالت سارة، التي اعتنقت الإسلام هي أيضاً، الهدايا الثمينة من السلطانة.
وقوبل نبأ هذا الارتداد بالتكذيب من يهود آسيا وأوربا وأفريقيا، ولكن حين تأكد النبأ آخر الأمر كاد ينفطر له قلب العالم اليهودي. فكاد الحاخام الأكبر في أزمير يموت خزياً وهو الذي قبل سبتاي بعد تشكك كثير. وأصبح اليهود في كل مكان أضحوكة المسلمين والمسيحيين. وحاول أعوان سبتاي مواساة أتباعه بأن بينوا لهم أن اعتناقه الإسلام إنما هو جزء من خطة ماكرة ليكسب المسلمين إلى
صفحة رقم : 11203
قصة الحضارة -> عصر لويس الرابع عشر -> محيط القارة -> الجيوب اليهودية داخل البلاد الأجنبية -> إلهامات الإيمان

(31/358)