صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الدعوة إلى الله في أقطار مختلفة

-

بسم الله الرحمن الرحيم
لقد شرعت في نسخ كتاب الشيخ الدكتور تقي الدين الهلالي المسمى " الدعوة إلى الله في أقطار مختلفة " يوم الخميس 21 من شهر رجب سنة 1424 , و أسأل من الله أن يعينني على إتمامه , و أن ينفع بعملي هذا و يرزقني فيه الإخلاص الأجر والمثوبة إنه ولي ذلك و القادر عليه .

………كتاب
………
الدعوة إلى الله في أقطار مختلفة(تجربة ذاتية)
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الذي جعل الدعوة إليه فرضا على كل من استطاع إليه سبيلا و أوعد باللعنة من كتم العلم و اشترى به ثمنا قليلا . أشهد أنه الله الذي لا إله إلا هو و أتخذه وكيلا , و أشهد أن محمدا عبده و رسوله الذي فضله على خلقه تفضيلا .
…اللهم صل وسلم عليه وعلى آله و أصحابه الذين كانوا يدعون إلى الله و يسبحونه بكرة وأصيلا .
…أما بعد فيقول العبد الفقير إلى الكبير المتعالي , محمد بن تقي الدين بن عبد القادر الهلالي : سألني خلق كثير من الإخوان في المشرق والمغرب، أخص بالذكر منهم الأخ الداعي إلى الله على بصيرة الدكتور وجيها زين العابدين أن أؤلف كتابا يشتمل على سيرتي و ما لقيته في حياتي في الحل و الترحال ، و ما جرى علي و ما جرى علي في رحلاتي الكثيرة من حوادث و أخبار، و خاصة في الدعوة إلى الله في أقطار مختلفة في المشرق و المغرب، و ما صادفته في ذلك من نجاح و ضده، و ما جرى بيني و بين علماء تلك الأقطار من مباحثات و محاورات .

(1/1)


…و لما رأيت ذلك كله بالتفصيل ـ بل ذكر ما بقي في ذاكرتي و لم يعفه النسيان ـ يحتاج إلى وقت طويل، و نفقات كثيرة، في طبعه و نشره، اقتصرت على ما يتعلق بالدعوة إلى الله تعالى في أقطار مختلفة من سنة1340 إلى1391 للهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التحية، على أمل أن أجد وقتا وتوفيقا من الله تعالى لتأليف كتاب في أخبار الشطر الأخير الذي لا يتعلق بالدعوة كالحوادث السياسية و الشدائد والمحن التي وقعت لي في أسفاري. و ستجد أيها القارئ في أثناء هذا الكتاب قصائد كثيرة هجوت بها بعض المعارضين للدعوة إلى توحيد الله واتباع نبيه الكريم، و ما أردت بذلك إلا الانتصار للحق ولم أسم أحدا. و قد قال النبي صلى الله عليه و سلم لحسان بن ثابت:"أهجم و روح القدس معك".
…و لما أنشد عبد الله بن رواحة بين يدي رسول الله صلى الله عليه و سلم:
خلوا بني الكفار عن سبيله……اليوم نضربكم على تنزيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله……و يذهل الخليل عن خليله ……قال له عمر: يا بن رواحة بين يدي رسول الله و في حرم الله تقول الشعر! فقال رسول الله صلى الله عليه و سلم:…"خل عنه يا عمر فلهن أسرع فيهم من نضح النبل" أخرجه الترمذي و صححه…………… و قيل:إن الذي انشد ذلك الشعر هو كعب بن مالك"راجع فتح الباري في شرح أحاديث عمرة القضاء"
فأرجو أن أكون سالكا هذه السبيل في هجو أولئك القوم,و الأعمال بالنيات، و لا أدعي العصمة و أرجوا الله أن يغفر لي كل خطأ و خطل فالجواد قد يكبوا و السيف قد ينبوا و الكمال لله سبحانه.
فإن تجد عيبا فسد الخللا……فجل من لا عيب فيه و علا

(1/2)


…و أرجوا أن ينفع الله بهذا الكتاب كل من قرأه أو أعان على نشره بقليل أو كثير من أنصار السنة المحمدية.و أما غيرهم من أعدائها فلا نبال بهم و هم بلا شك منهزمون و إلى الخسران في الدنيا و الآخرة صائرون و حسبنا الله و نعم الوكيل و هو نعم المولى و نعم النصير {فسيكفيكهم الله و هو السميع العليم}[سورة البقرة:137] . ………

……
الدعوة إلى الله في الإسكندرية

…أيها الداعي قدم مراد الله يقدم مرادك. ما من داع يدعوا إلى أمر بجد و إخلاص إلا و يحصل على شيء ما سواء أكان محقا أم مبطلا لكن المبطل عاقبته خسران عاجل أو آجل, و المحق له العاقبة الحسنى في العاجل والآجل{فأما الزبد فيذهب جفاء و أما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض}[سورة الرعد:17], كل من قرأ تاريخ الدعوات الباطلة من دعوات الخوارج و الشيعة والباطنية و ما تفرع منها يعلم يقينا صحة ما أشرت إليه أعلاه, و لا بد أن يكون الداعي مع إخلاصه عنده شيء من العلم بما يدعوا إليه و شيء من العلم بقواعد الدعوة.
…قد فصلت القول في سبب خروجي من الطريقة التيجانية و دخولي في السلفية الحنيفية ملة إبراهيم و خير أبنائه محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم, و هي الإسلام الطاهر, شرحت ذلك في كتاب (الهدية الهادية إلى الطائفة التيجانية) و قد أمر صاحب السماحة الأستاذ الرئيس الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز أمتع الله المسلمين بطول بقائه بطبع عشرة آلاف نسخة من هذا الكتاب نسأل الله أن يجزيه خيرا و ينفع بهذا الكتاب نفعا عظيما.

(1/3)


…و بعدما خرجت من الطريقة التيجانية و دخلت في الطريقة الحنفية توجهت إلى مصر و لقيت إمام الدعوة في ذلك الزمان السيد محمد رشيد رضا رحمة الله عليه و لقيه أكثر الدعاة إلى السلفية في مصر كالشيخ محمد الرمالي بالقاهرة و الشيخ حسن عبد الرحمن في مزرعته بين دمنهور و الإسكندرية و الشيخ عبد الظاهر أبي السمح و الشيخ محمد أبي زيد في دمنهور و الشيخ حامد الفقي بالقاهرة و الشيخ محمد بن عبد الرزاق حمزة بكفر عامر و الشيخ الألمعي عبد العزيز الخولي بالقاهرة .
…و لما وصلت إلى الإسكندرية إلى رملها بشاطئ بحرها لقيت أهل بيت(لا أقول أسرة و لا عائلة) من بلادنا سجل ماسة بالمغرب الأقصى مستوطنين الإسكندرية ففرحوا بي فرحا عظيما لأنهم يعرفون والدي و كان من علماء بلادنا و يجلونه, فأكرموني لأجل ذلك, ووجدهم تجانيين (طوخ) يعني غارقين في الطريقة سكارى بنشوتها, و كلمة طوخ فارسية فيما أظن, تستعمل في العراق بالمعنى المتقدم, فقلت في نفسي: يجب علي أن أنقذهم من هذه الطريقة كما أنقذني الله منها, ولكن خيل لي و أنا في أوائل الشباب أنني إذا صرحت لهم بانتقاد الطريقة ينفرون ولا يقبلون الدعوة, فأردت أن أخادعهم فأظهرت لهم أني لا أزال تجانيا.

(1/4)


…و لما أخذت أتلطف معهم في انتقاد بعض الأمور كالاجتماع لذكر الوظيفة جماعة بلسان واحد, فجاء رجل مصري من تجانيي الإسكندرية و قال لهم:(يا إخواننا أنا الراكل ده بعيني شفته يخش و يخرك في مسكد الوهابية بالرمل, و الوهابية ما بيخلوا حد يخش في مسكدهم إلا إذا كان منهم)معناه: بعيني رأيت هذا الرجل ـ يعني كاتب المقال ـ يدخل و يخرج في مسجد الوهابية برمل الإسكندرية و من عادة الوهابيين أنهم لا يتركون أحدا يدخل مسجدهم إلا إذا كان منهم و يعني بالمسجد مسجد أبي هشام المهندس رحمة الله عليه و كان قد خصص جزءا من أرضه و بنى فيه مسجدا صغيرا للشيخ عبد الظاهر أبي السمح و جماعة من السلفيين بالرمل وسبب إقامتي في هذا المسجد مدة شهرين ما يتلوا.
امتحان الدعاة إلى الله
…اعلم أن الدعاة إلى الله يمتحنون على قدر إيمانهم و صبرهم و تجلدهم و منهم الشيخ عبد الظاهر أبوا السمح رحمه الله فإنه كان يدعوا إلى الله برمل الإسكندرية و قد أنكر دعوته جميع من ينتسب إلى العلم في رمل الإسكنرية و في الإسكندرية نفسها, وكان معلما لبنات محمد باشا الديب ـ بالدال المهملة كما ينطق به في العامية المصرية ـ و يدعوا إلى الله بإلقاء الدروس في المسجد الذكور و صلاة الجمعة لوجه الله فمنع من ذلك فدعاني لأن أنوب عنه و عما قليل يأتيك سبب المنع, أي بعد أن أتم قصتي مع المغاربة .
…فلما سمع المغاربة من ذلك الرجل المصري التجاني ذلك الكلام غضبوا عليه غضبة مغربية فقالوا له: إنكم معشر المصريين عودتمونا أن نسمع ما نكره في كل عزيز لدينا فلا يطيب لكم عيش إلا إذا أسأتم إلينا نحن نعرف هذا الشاب و أباه وأمه و أهل بيته و هو لم يقدم من المغرب إلا منذ وقت قصير و نحن في المغرب ليس عندنا وهابيون فمن أين تعلم الوهابية, و صاحوا عليه صياحا منكرا.

(1/5)


…و كان الرجل داهية فلم يغضب بل قابل غضبهم بحلم و سعة صدر و قال لهم:(يا إخواننا يا مغاربة ما تزعلوش المسألة بسيطة عندنا الشيخ محمد بن مبارك السوسي و لا تشكوا في علمه و فضله و أنه أكبر عالم تكاني في مصرنكتب له و نسأله عن الشاب ده إذا قال هو تكاني صحيح أنا أكي و أبوس على روسكم و ركليكم كمان و أطلب منكم المسامحة و إذا قال غير ذلك تعرفوا الحق عليكم)معناه: أن الشيخ حمد بن المبارك المغربي هو شيخنا في الطريقة التجانية و هو يعرف ضيفكم هذا فهلم نتحاكم إليه فإن حكم بأن محمد تقي الدين الهلالي ضيفكم العزيز هو تجاني حقا اعتذرنا إليكم و قبلنا رؤوسكم و أرجلكم.
…و كان المغاربة قد هددوا المصرين بأنهم يفترقون معهم و يتخذون زاوية خاصة لأنفسهم و أكون أنا مقدمهم,ففرحت أنا بهذاالسراب الذي خيل لي أنه شراب و لكن الرجل بدهائه أحبط عملي. و من ذلك الحين علمت يقينا أنني أخفقت في مسعاي لأن الشيخ السوسي المذكور يعلم يقينا أنني من المنتقدين للطريقة التجانية و السبب في ذلك هو أن أخص مريديه و هو محمد الدادسي كان يغسل رأسي في بيته بالقاهرة فقال لي: هنيئا لكم معشر أهل البيت فإن الجنة مضمونة لكم على أي حال كنتم, فقلت و من ضمنها لنا؟ قال ألم تطلع على ما ذكره الشيخ الأكبر ابن عربي الحاتمي في تفسير قوله تعالى:{إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت و يطهكم تطهيرا}[الأحزاب:33]فقلت: وماذا قال؟فقال: قال الشيخ الأكبر:(إن أبناء فاطمة خلقهم الله طاهرين طهارة عينية فلا تصدر منهم المعاصي البتة و كل ما نراه في الظاهر من صدور المعاصي منهم يجب أن نكذب أعيننا و نصدق الله تعالى). فقلت: وهل ابن عربي معصوم من الخطأ؟فقال لي: إن سيدنا الشيخ التجاني نقل عنه ذلك و صدقه.فقلت: وهل الشيخ التجاني معصوم من الخطأ؟ فأصابه حزن عظيم ظهر في وجهه و اختصر غسل رأسي و سكت على مضض, فعلمت يقينا أنه لا بد أن يوصل ذلك إلى شيخه.

(1/6)


…و غبت عن الإسكندرية أياما ثم رجعت لأجس النبض و ليس لي إلا أمل ضئيل. فكظم المغاربة ما في أنفسهم و لم يظهروا لي شيئا و دعينا إلى العشاء عند بعض التجانيين عند بعض المغاربة الآخرين فجرى ذكر الملك الحسين بن علي ملك مكة فانتقدت أنا تحالفه مع الإنكليز و الفرنسيين و إدخال جيوشهم إلى قرب الحرم المكي, فانفجر أحد التجانيين غيظا و قال:صدق من قال: مثل العالم الذي لا يعمل بعلمه كجلد كلب ملئ عسلا, يعني أن الملك حسينا و هو من أهل البيت لا يصدر عنه إلا الطاعات فانتقادي له جهل و سفاهة لأن فيه إنكار على شيخ الطريقة. و سكت أصحابي و لم يدافعوا عني, فلما خرجنا جذبني أحد المغاربة من التجانيين المعتدلين و قال لي: ألم يبلغك ما أجاب به الشيخ السوسي؟ فقلت: لا. أفدني يرحمك الله, فقال: إنه أجاب التجانيين فقال في جوابه: إن محمدا تقي الدين الهلالي من آل البيت و قد أوصانا سيدنا رضي الله عنه يعني التجاني بإكرام أهل البيت فأكرموه و لا تأخذوا عنه شيئا من أمور الدين فعلمت أن القضية قد انتهت بالإخفاق كما كنت أتوقع و عقدت العزم على أن لا أداهن و لا أداجي في دين الله ما دمت حيا بل أقول الحق من أول وهلة, للربح أو للخسارة, و ما لقيت إلا الربح إلى حد الآن وسيأتيك الدليل فلا تعجل.
سبب منع أبي السمح من الصلاة و الوعظ
في مسجد أبي هاشم برمل الإسكندرية

(1/7)


…تقدم أن المنتسبين إلى العلم في مدينة الإسكندرية و رملها أنكروا على الشيخ أبي السمح دعوته إلى السلفية و سموها وهابية و كادوا له كيدا عظيما و اتهموه بتهم هائلة في ذلك الزمان منها أنه يقول: إن العصا خير من النبي صلى الله عليه و سلم لأن العصا تنفع في الدنيا و النبي صلى الله عليه و سلم لا ينفع لا يشفي مريضا من مرضه و لا يغني فقيرا من فقره و لا ينقذ عانيا من سجنه و لا يغيث من استغاث به. و هذا عند عباد القبور طعن عظيم في مقام النبوة و منها: أنه صلى صلاة الجمعة في أحد المساجد و وجد العلمين منتصبين عن يمين المنبر و شماله فألقاهما على الأرض وقال:{ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون}[الأنبياء:52] و منها أنه يدعوا إلى مذهب خامس و لا يؤمن بالمذاهب الأربعة و منها أنه أحدث فتنة في رمل الإسكندرية ففرق بين الأخ و أخيه و الأب وابنه والقريب وقريبه و كتبوا بذلك إلى محافظ الإسكندرية كتابا يطلبون منه أن يمنعه من هذه الدعوة التي يعدونها من أعظم الفساد.

(1/8)


…و في الوقت نفسه دبروا له مكيدة أخرى, فدعوه للمناظرة في أحد المساجد و أحضروا رجلا من العوام و قالوا له: أحضر معك عصا و إذا أشرنا إليك فاضربه, فلما حمي وطيس الجدل بينهم و بينه في مسألة الاستغاثة بالنبي عليه و سلم و ألجأوه أن يقول: إن النبي صلى الله عليه وسلم لا يملك لنفسه و لا لغيره نفعا و لا ضرا و إنما هو بشير ونذير أشاروا إلى الرجل فضربه في المسجد. و بعد قليل جاء أمر محافظ الإسكندرية بمنعه من الصلاة و الوعظ و سد المسجد، فأرسل إلي يدعوني دعوة عاجلة فحضرت في الليلة التي في غدها يسد السجد ففتحته و أخذت أصلي فيه و أعظ الإخوان السلفيين فجاءت الشرطة ليسدوا المسجد فوجدوني فقالوا من أنت, أنت أبوا السمح؟قلت:أنا تقي الدين محمد ابن عبد القادر الهلالي المغربي فتوقفوا ورجعوا إلى المحافظ و أخبروه, و اختفى أبوا السمح فصار لا يأتي المسجد أصلا فأمرهم المحافظ أن يتركوا المسجد و لا يسدوه.

(1/9)


…فاشتد غيظ أعداء السلفية من المنتسبين إلى العلم و أعوانه, فكتبوا في هذه المرة إلى الملك فؤاد, و كان ذلك سنة: إحدى و أربعين و ثلاثمائة و ألف و قالوا للملك مثلما قالوا للمحافظ قبل و زادوا على ذلك أنه ثبت صدق اتهامهم لأبي السمح عند محافظ الإسكندرية فأمر بطرده و سد المسجد, فأتى بمغربي له حماية فرنسية فناب عنه في المسجد فلم ينفذ ما أمر به المحافظ, فبعث الملك بشكواهم إلى محافظ الإسكندرية نفسه, فلما قرأها غضب عليهم غضبا شديدا لأمرين:أحدهما: أنهم لم يكتفوا به فتخطوه و كتبوا إلى الملك, و الثاني: أن طعنهم في عمل هذا المغربي يفتح بابا على الحكومة المصرية من النزاع مع دولة تتمتع بالامتيازات الأجنبية, و المطلعون على تاريخ مصر يعرفون معنى هذه الكلمة، فإن مقتضى الامتيازات الأجنبية يقضي على الحكومة المصرية ـ وكل حكومة تنكب بمثل هذه النكبة ـ أن ترد كل نزاع يقع بينها و بين أي شخص من رعايا الدولة صاحبة الامتياز إلى سفارة هذه الدولة فتحكم السفارة بدون شك على المصري بأنه هو الظالم و تطلب من الحكومة المصرية أن تنزل به أشد العقاب, وعليه أن يتحمل و يصبر على ظلمين, الظلم الأول من الشخص التابع للسفارة الأجنبية, والظلم الثاني من السفارة نفسها, و لذلك لا يحب أي مصري كيف ما كانت منزلته أن يدخل في نزاع مع أي سارة, من أجل ذلك دعا المحافظ الموقعين على العريضة المرفوعة إلى الملك فأدخلوا عليه واحدا بعد واحد و أخذ يسألهم, فقال للأول: هذا توقيعك؟ فقال: نعم, قال: وقع مرة أخرى فوقع ثم أخرج إلى مكان لا يرى فيه أحدا من أصحابه, و هكذا فعل بالثاني و الثالث إلى آخرهم, ثم جمعهم و عبس وبسر عليهم و قال لهم: كتبتم إلي تزعمون أن الشيخ عبد الظاهر أبا السمح وهابي و أنه فعل كيت وكيت فصدقتكم و أمرت بمنعه من الصلاة و الوعظ ولم يكفكم ذلك حتى تخطيتموني و ارتقيتم مرتقا صعبا فكتبتم إلى الملك تعرضون مزاعمكم عليه و قلتم في

(1/10)


عريضتكم: إنكم تخافون أن تحدث فتنة في رمل الإسكندرية تسفك فيها الدماء فلله دركم من حفظة ساهرين على الأمن فهل المحافظة على الأمن من اختصاصكم و من وكل إليكم ذلك؟ بعضكم إمام مسجد و بعضكم مأذون في المحكمة و بعضكم مدرس واعظ أو خطيب فكيف ارتقيتم حتى صرتم تحافظون على الأمن العام و هذا شغلي أنا و شغل أعواني من الشرط و الحرس أفأردتم أن تساعدوني, أنتم أصحاب الفتنة و دعاتها الموقدون لنارها و لم يبق عندي شك في أنكم مفسدون قلتم: إن المصري وهابي فهل المغربي أيضا و هابي؟ فقالوا: إي و الله يا سعادة المحافظ هذا وهابي (زيه تمام) فقال: اسمعوا ما أقوله لكم أنتم تستحقون العقاب و لكني أعفو عنكم في هذه المرة. و كل فتنة تقع في المستقبل في الإسكندرية أو رملها من هذا القبيل فأنتم المسئولون عنها, أغربوا عني لا نعم عوفكم و لا أمن خوفكم! فانطلقوا يتعثرون في أذيال الخيبة و{أقبل بعضهم على بعض يتلاومون}[القلم:30]{و كفى الله المؤمنين القتال}[الأحزاب:25], و لما سمع بذلك الشيخ أبوا السمح سار يحضر صلاة الجمعة ويصلي معنا مأموما و بعد انقضاء شهرين على هذه الحادثة أمن أبوا السمح و تجرأ فصلى بنا الجمعة إماما فاستأذنته أنا في إتمام السياحة في البلاد المصرية و رجعت إلى القاهرة و قد نفذ ما عندي من الدراهم, لأن التجانيين بعدما وصلت إلى القاهرة بعثوا إلي حوالة فقبضتها و قلت في نفسي: إنني قصرت في عدم إعلاني خروجي من الطريقة و أنا بين ظهرانيهم و لم أدع إلا أربعة أنفس سرا و قبلت مساعدتهم عند السفر و ها أنذا أقبل مساعدتهم بعد السفر فإن بقيت على هذه الحال فأي فرق بيني و بين شيخ الطريقة؟ فكتبت إليهم رسالة في أربع صفحات و جعلت منها أربعة نسخ بعثت كل نسخة منها إلى أحد رؤسائهم فحرقوا الأرم غيظا علي, ولم يجبني إلا أحدهم بيني وبينه مصاهرة فقال لي في جوابه: لقد قرأت ما كتبت و القلوب بيد الله يصرفها كيف يشاء و لئن كتبت إلي بعد هذا

(1/11)


و لو حرفا من الطعن في الطريقة التجانية لن أجيبك أبدا و تتحمل أنت و حدك إثم قطع الرحم.
…و لما نفذ ما عندي من الدراهم جاءني الشيخ محمد الخرشي الشنقيطي ـرحمه الله سواء أكان حيا أو ميتا ـ فأعطاني ريالين مصريين و كان من المتخرجين في الجامع الأزهر و له راتب من أو قاف الطلبة المغاربة قدره جنيهان مشاهرة و عشرة أرغفة مياومة و هو من الستينيين. و كان الطلبة المغاربة في ذلك الزمان ثلاثة أقسام: ستينيين, و عشرينيين و منتظرين فالستينيون عددهم[ستون رجلا يأخذون راتبا قدره جنيهان مشاهرة و عشرة أرغفة مياومة, و العشرينيون عددهم] عشرون رجلا يأخذون راتبا قدره نصف جنيه مشاهرة و خمسة أرغفة مياومة, والمنتظرون يعدون بالمئات لا يأخذون إلا رغيفين في كل يوم. وكانت الحرب قائمة على الدوام بين الستينيين و المنتظرين و العشرينيون على الحياد. و ذات يوم هجم ثلاثة من المنتظرين على شيخ رواق الغاربة ـ بعد السلام من صلاة الجمعة ـ في الأزهر فطعنوه بالخناجر حتى مات, فهرب الناس من المسجد لا يلوون على شيء و ركب بعضهم بعضا حتى مات بعض الضعفاء من الزحام( و أظن أن الأخ القارئ يعرف طبعي في الاستطراد, فأنا لا أحول عنه ولا أزول، كما قال المتنبي:
…………(لكل امرئ من دهره ما تعودا)
…فقال لي الشيخ محمد الخرشي: لا تقعد هنا مقيما على معيشة ضنك كالوتد ألم تسمع قول الشاعر:
…و لا يقيم على خسف يراد به……إلا الأذلان عير الحي والوتد
…هذا على الخسف مربوط برمته………و ذا يشجوا فلا يرثي له أحد
معنى البيتين لا يرضى أحد أن يقيم على ذل إلا الأذلان الحمار الأهلي والوتد الذي تضرب ب الخيمة و تثبت, فالحمار الأهلي مربوط بحبل لا يستطيع الفرار مع أنه يضيق عليه في العلف و يحمل من الأحمال ما لا يطيقه و علاوة على ذلك يضرب بالعصا و ينخس بالمنخاس و هو حاد كالإبرة, و الوتد يضرب على رأسه ليدخل في الأرض كلما أريد نصب الخيمة و لا يستطيع أن ينجو بنفسه.

(1/12)


…فقلت له مكره أخاك لا بطل. و ماذا عسيت أن أفعل و أنا هنا غريب؟! فمالي إلا الصبر الجميل. فقل لي: كل طلبة العلم الغرباء في مصر بدون استثناء و ما أكثرهم يخرجون إلى الفلاحين و يلقون دروس الوعظ في المساجد فلا يكاد الفلاحون يرونهم حتى يغمروهم بالإكرام بالدراهم و الثياب و الزاد دون أن يحوجوهم إلى تذلل ولا سؤال، فإن الفلاح المصري يضرب به المثل في الكرم و هذه عادتنا كلنا منذ حللنا هذه الديار فشكرته على هديته و نصيحته و عزمت على الخروج إلى الصعيد و هو الذي بقي لي لم أره, فإن الوجه البحري و هو ناحية الشمال في مصر قد رأيته من القاهرة إلى آخر الإسكندرية و بقي لي الوجه القبلي و هو ناحية الجنوب, فتوكلت على الله و سافرت بالقطار إلى مدينة (ملوي) فكنت أسمع بالشيخ عبد الظاهر الريرموني أنه من دعاة السلفية فسألت عنه فوجدته و نزلت عند مغربي يسمى الشيخ إبراهيم الدادسي و هو طبيب عيون يقدح العيون على طريقة الطب الإسلامي القديم بميل من حديد بدون تخدير فيخرج البياض من العين ثم يعالج الجرح بالأدوية إلى أن تشفى العين التي كانت عمياء لا تبصر شيئا و يعود إليها نورها بإذن خالقها, و هذه الطريقة لا تزال مستعملة إلى يومنا هذا في بعض القرى النائية عن المدن في بلاد المغرب وغيرها.

(1/13)


…فوجدت الشيخ عبد الظاهر الريرموني و فرح بي و أظهر السرور و أكثر الترحيب و اعتذر لي عن دعوته إياي إلى قرية الريرمون, فقال: أيها الأخ العزيز إن ضيافتك واجبة علي و لكن قريتي تبعد عن هذه المدينة بقدر نصف ساعة للراكب على الحمار الفاره, و أنا لا أشتغل في الغيط يعني ـ في المزرعة ـ و كل أهل القرية يخرجون إلى غيطانهم صباحا و يرجعون مساءا و أنا أجيء كل يوم إلى هذه المدينة أمكث فيها من الصباح إلى المساء فإن دعوتك إلى القرية فإما أن تبقى وحدك أو تتكلف المجيء كل يوم معي صباحا و ترجع مساءا و في ذلك من المشقة عليك ما لا يخفى, فشكرته على ذلك و رأيت عذره قائما.

(1/14)


…و أقمت عند الشيخ إبراهيم الدادسي بمدينة (ملوي) من مديرية أسيوط, من بلاد الصعيد أربعة أيام ثم عزمت على التوجه إلى قصبة المديرية و قاعدتها و هي مدينة أسيوط و كنت أجتمع بالشيخ عبد الظاهر الريرموني كل يوم و نتذاكر مسائل العلم. و في صباح يوم الخميس استعددت إلى السفر بالقطار إلى أسيوط فبينما أنا على ذلك إذا براكبين على حمارين قد أقبلا و نزلا و سلما على الشيخ إبراهيم الطبيب و قالا له: أين الأستاذ المغربي الذي بلغنا أنه عندك؟ فقال لهما و أشار إلي: هذا هو يريد أن يسافر إلى أسيوط الآن. فقال أحدهما و هو الشيخ عبد العليم رحمة الله عليه: أيها الأستاذ إن إخوانك السلفيين في الريرمون يقرؤونك السلام و يلتمسون أن تتفضل عليهم بالزيارة و لو ليوم واحد فإن أستاذنا الشيخ عبد الظاهر أخبرنا منذ أربعة أيام بقدومك فالتمسنا منه أن يدعوك إلى قريتنا فقال:إنك مستعجل تريد السفر إلى أسيوط و لا تستطيع أن تزورنا فقلنا له: و لا يوما واحدا فقال: و لا يوما واحدا و كررنا عليه الطلب في اليوم الثاني و الثالث حتى يئسنا منه, فأرسلنا إخوانك لندعوك إليهم لما علموا أنك عزمت السفر إلى أسيوط و قالوا لنا إن وجدتموه سافر فسافرا إلى أسيوط و بلغاه دعوتنا, و اعلم أيها الأستاذ المحترم أننا معشر السلفيين في قرية الريرمون لا يزيد عددنا على مئة بيت و قد اشتدت العداوة بيننا وبين قومنا المبتدعين عباد الأضرحة و شيوخ التصوف حتى انتقلت العداوة من أمور الدين إلى أمور الدنيا, و شيخ البلد منهم و العمدة معهم و نحن محاربون لأجل عقيدتنا فنرجو أن يهدي الله بك إخواننا و يجمع شملنا على كلمة التوحيد و اتباع سنة النبي صلى الله عليه و سلم فلا تخيب رجاءنا, فقلت لهما: أيها الأخوان العزيزان لستما في حاجة إلى كل هذا الإلحاح فإنني نذرت لله أن أدعو إلى توحيده و سنة نبيه صلى الله عليه وسلم حيثما كنت و هذا أهم غرض لي في الحياة.

(1/15)


الدعوة إلى الله في الصعيد
…فركبت أحد الحمارين و توجهت إلى الريرمون مع الشيخ عبد العليم فلما وصلت نزلت في مندرة ـ أي مضيف ـ الشيخ إسماعيل الصيفي رحمة الله عليه و اجتمع الإخوان السلفيون و احتفلوا بي كأني أحد الأمراء, و لم يكن عندي من الكتب إلا مجموعة الرسائل التي نشرها عيسى بن رميح رحمه الله و هي رسائل في التوحيد, فبدأت الدعوة بعد صلاة المغرب في المندرة المذكورة و اجتمع أهل القرية كلهم تقريبا فلم تسعهم المندرة فجلسوا في الشارع. و كان في مقدمتهم شيخ البلد الشيخ يوسف رحمة الله عليه فأخذ يلقي علي أسئلة في التوسل بالأولياء و شد الرحال إلى زيارة قبور الصلحين و الذبح و النذر و أوراد الطريقة و الا ستمداد من الشيوخ و الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه و سلم و ما إلى ذلك و أنا أجيبه بحلم و أناة و صبر و هبنيه الله لم أعهده في نفسي قبل ذلك.
……إذا اصطفاك لأمر هيأتك له……يد العناية حتى تبلغ الأملا

(1/16)


…و حضر هذا الدرس أستاذ الجامعة الشيخ عبد الظاهر الريرموني فأخذ يبحث عن عثراتي في النحو و الصرف و اللغة و يلقي عي أسئلة بقصد الزراية و إظهار نقصي فقابلت ـ بتوفيق من الله ـ كل ذلك بأدب و حلم كما يفعل التلميذ المتأدب مع أستاذه, و صرت إذا أجبته عن سؤال فلم يقبل جوابي أسلم أسلم له و أقول له: تفضل يا حضرة الأستاذ و أفدنا في هذه المسألة بما علمك الله فصبر الجماعة لهذه المقاطعات على مضض ثم عيل صبرهم فقال الشيخ إسماعيل صاحب البيت: يا شيخ عبد الظاهر هذه المسألة اللغوية التي تقطع بها على الأستاذ المغربي كلامه لا فائدة لنا فيها دعها إلى الوقت المناسب لها, ثم أنطلق في الوعظ شوطا أو شوطين, و إذا بالشيخ عبد الظاهر يعود إلى أسئلته فأعود أنا إلى التسليم و الأدب فيزداد المستمعون غيظا و يعيدون عله قولهم, و استمر الأمر على ذلك ثلاث ليال و لم ينته عما نهوه عنه فخشنوا له القول و انتهروه فقال لهم: هذا ضيفي أصنع به ما أشاء و يحق لي و لو شئت أن أقول له: إن أيام الضيافة ثلاثة وقد أنقضت فتفضل فارحل لقلت له ذلك, فقال له أحدهم و أظنه الشيخ إسماعيل:(إيه ده يا خوي أنت ما تقدرش تقوله كده ده ما هو ضيفك ده ضيفنا حنا إحنا دعوناه واحنا كبناه بعدما ترجيناك أنت تدعوه و يإسنا منك) معناه: ما هذا يا أخي؟! إنه ليس ضيفك و إنما هو ضيفنا نحن و لا تستطيع أن تقول له: ارحل. فعند ذلك غضب الشيخ عبد الظاهر و لم يعد يحضر دروس الوعظ و الدعوة.
السر الخفي
…كأني بك أيها القارئ قد تلجلج في صدرك سؤال تريد الإجابة عنه و هو لماذا امتنع الشيخ عبد الظاهر من دعوتك و لماذا صار يعكر درسك و في النهاية يريد أن يطردك؟

(1/17)


…الجواب: لإذا ظهر السبب زال العجب. اعلم يا أخي أن الشيخ عبد الظاهر كان قد خط لنفسه خطة في الدعوة و هي أنه كان يفرض على كل أحد من السلفيين في الريرمون أن يبايعه بيعة تشبه في بعض نواحيها بيعة المريد المتصوف لشيخ الطريقة, و كانت شروط هذه البيعة شديدة إلى حد أنه لو وقع من أحد الإخوان شئ طفيف مما يخالف ما يريده الشيخ عبد الظاهر, يغضب عليه و يقول له: انتقضت بيعتك فتب إلى الله و با يعني من جديد فلا يسعه إلا أن يتوب و يبايعه من جديد و إلا طرده الشيخ و أخرجه من حضيرة الإخوان.
…و من أمثلة ذلك أن بعضهم كان عنده ضيف فصب القهوة و بدأ بالضيف قبل الشيخ فغضب عليه و أمره بتجديد البيعة.
…و من ذلك أن الشيخ عبد الظاهر كان قد بلغ من العمر خمسا و ثلاثين سنة و لم يتزوج فعتب عليه بعض الجماعة و قالوا له: أنت أستاذنا و إمامنا فلا ينبغي لك أن تبقى عزبا و أنت تعلم ما فرض الله على مستطيعي الباءة فقال لهم: أنا فقير لا يرضى أحد أن يزوجني ابنته فقال أحدهم: أنا أزوجك ابنتي فسكة الشيخ, و مضى على ذلك سنتان فجاء خاطب فخطب الفتاة فوعده أبوها خيرا, فلما سمع بذلك الشيخ غضب عليه غضبا شديدا و قال له: انتقضت بيعتك فتب إلى الله و اعدل عن تزويج الفتاة بذلك الخاطب فقد وعدتني بها منذ سنتين فكيف تزوجها شخصا آخر؟! فقال: أيها الأستاذ حقا عرضت عليك ابنتي فلم تجبني ببنت شفة و مضى على ذلك سمتان فلم يبقى عندي شك أنه لا أرب لك فيها فقال الشيخ: كان الواجب يقضي عليك حين جاءك الخاطب أن تأتيني و تسألني عن رأيي في التزوج بها فإما أن أتزوج و إما أن أرخص لك في تزويجها فاختلف الإخوان السلفيون في هذه القضية فبعضهم صوب رأي الشيخ و بعضهم صوب رأي أبي الفتاة و اشتد نزاعهم.

(1/18)


…و كان كثير من الإخوان يشكون في البيعة و يظنون أنها غير مشروعة و ليست من السنة في شيء لأنهم لم يرو أحدا من الدعاة إلى السلفية فرضها عليهم قبل هذا الشيخ فهاتان المسألتان معضلتان تحتاجان إلى أبي حسن يكشف عنهما ظلام الإشكال و يبين حكم الله فيهم, و لما رآني الشيخ عبد الظاهر في مدينة ملوي, خاف أن أتصل بإخواننا فيسألوني عن القضيتين فأجيب بخلاف رأيه فلذك فعل ما فعل ليحول بيني و بينهم, و لم يدري أنه لا حيلة تنفع في رد المقدور فوقع ما خافه و لذك أخذ يعاكسني في دروس الوعظ و حاول أن يطردني.

عودة إلى دروس الوعظ

…استمررت في إلقاء الدروس كل مساء في مندرة الشيخ إسماعيل الصيفي و نسيت أن أقول أن الشيخ عبد الظاهر الريرموني رحمه الله بلغ في المعارضة و المعاكسة إلى أن خالفني في أمر لم يزل يقرره و يدعوا إليه و هو منع شد الرحال إلى زيارة قبور الصالحين, فقال له إخوانه: يا لله العجب أنت بنفسك لم تزل تقرر المنع, فقال: تغير رأيي و هل أنا معصوم! و من طباع المصريين المحمودة ـ و ما أكثرها ـ أن المرؤوس إذا ظهر له الحق لا يفكر في مذهب الرئيس و اعتقاده بل يتلقى الحق بالقبول و إن خاف رئيسه, و لذلك كان الناس في أثناء الوعظ يتوبون إلى الله و يعلنون توبتهم من الشرك والبدعة ففي كل ليلة يتوب اثنان أو ثلاثة.

(1/19)


…و في الليلة السادسة أو السابعة قام شيخ البلد فأعلن توبته وقال: أيها الشيخ المغربي إنك لم تأتنا بشيء جديد فكل هذه المسائل التي دعوتنا إليها سبقك إليها الشيخ علي التونسي و الشيخ عبد الظاهر الريرموني و فلان و فلان و لكن الفرق بين دعوتك و دعوتهم أننا إذا جادلناك تصبر على جدالنا و تجيبنا بلطف و لين حتى نقتنع و ننتقل إلى مسألة أخرى ثم أخرى إلى أن يزول ما عندنا من الإشكال. و أما الدعاة الذين تصدوا للدعوة قبلك فقد كات لهم أسلوب آخر متى جادلناهم و عرضنا عليهم شبهاتنا قالوا لنا: كفرتم! فنقول لهم: و أنتم أكفر و نفترق على أقبح ما يكون, ثم التفت إلى الشيخ إسماعيل الصيفي صاحب البيت و قال له: يا شيخ إسماعيل جزاك الله خيرا على دعوة هذا الأستاذ المغربي الذي هدانا الله إلى الحق بسببه, و لك الفضل و الحق أن تكون الدروس في مندرتك و أن يكون الأستاذ المغربي ضيفك و لكني أطلب من فضلك أن تسمح لي بأن يكون الأستاذ أسبوعا عندك و أسبوعا عندي. هذا في الدروس الخاصة التي تلقى في المنادر و أنا أطلب من الأستاذ المغربي أن يلقي لنا درسا في المسجد الجامع يوميا و أن يصلي بنا الجمعة ما دام مقيما عندنا فقال الشيخ إسماعيل: إني أقبل هذا الاقتراح بكل سرور.

(1/20)


…فناتقلت إلى مضيف شيخ البلد و استمررت على إلقاء الدروس و أضفت إليها درسا بعد العصر في المسجد الأعظم و اعتذرت إلى الشيخ يوسف عن قبول ما عرضه علي من صلاة الجمعة إماما و قلت له: إنني لا أحب الدعاء للملك فؤاد في كل خطبة و لا أريد أن أكون سببا في شر يصيبك فحسبي أن ألقي الدروس, فقال رحمه الله: أيهما صواب, الدعاء للملك في كل خطبة جمعة أم تركه على ما جاءت به سنة النبي صلى الله عليه و سلم؟ فقلت له: أنا أرى تركه هو الصواب فقال:(إيه ده يا خوي) نحن نعبد الله أو نعبد فؤاد؟ إذا رأيت الملك فؤادا أمامك في الصف الأول فلا تبال به أنا المسئول و صل كما أمرك الله و اخطب كما أمرك الله.
…و بعد توبة الشيخ يوسف تاب أهل البلد عن بكرة أبيهم إلا بيتين, أحدهما بيت شيخ الطريقة و الثاني بيت العمدة المرفوت, و المرفوت عندهم هو المعزول, وخدامهما, و بعدما كان السلفيون ممنوعين من جميع المساجد لأنهم وهابيون أهل مذهب خامس تصافح أهل القرية كلهم و زال كل ما كان بينهم من العداوة في الدين والدنيا و انتقلت العزلة التي كانت ملازمة لهم إلى شيخ الطريقة و العمدة المرفوت و خدامهما,فأخذوا يصلون منعزلين في زاوية فيوسطها قبر عليه تابوت كانوا يعبدونه,و بلغت العداوة بين الفريقين إلى أن صار يتهم بعضهم بعضا بإحراق الزروع في البيادر, واتهم المبتدعون السلفيين بإحراق تابوت ذلك الضريح الذي كانوا يعبدونه. والحقيقة أن امرأة أوقدت شمعة تتقرب بها إلى صاحب الضريح و جعلتها على التابوت فلما انقضة الشمعة وصلت النار إلى التابوت فأحرقت بعضه.

(1/21)


…و كأني بعابد القبر يقول يا هذا لقد أسرفت في القول فهل يعبد مسلم يشهد أن لا إله إلا الله و أن محمدا رسول الله قبرا؟ فأقول في الجواب: يمكن أن تغالط بهذا الكلام غيري أما أنا فلا تستطيع أن تغالطني لأنني أنا بنفسي كنت أعبد القبور فهداني الله إلى توحيده و هدى بي خلقا كثيرا و لله الحمد و أزيدك على ذلك ما يخرصك و يلقمك حجرا أن الجهال في هذا الزمان من أهل البلاد الإسلامية و ما أكثرهم يعبدون القبور و الأنصاب بل و الأشجار و يعبدون كل شيء حتى الحمير و دونك البرهان القاطع:
…أما عبادة الأضرحة فأمر متواتر مشاهد بالعيان في أكثر البلدان المنتسب أهلها إلى الإسلام كما هو في بلاد النصارى و هؤلاء يزيدون التماثيل.
…و أما عبادة الأشجار فقد حدثت من عهد بعيد فقد ذكر بن أبي شامة في كتاب البدع له: أن شجرة كانت تعبد في دمشق في زمانه. و أما في هذا الزمان فحدث عن البحر و لا حرج فقد شاهدت شجرة عظيمة وافرة الأغصان تعبد في مصر, و اخبرني الشيخ عبد الرزاق حمزة أنه هم بقطعها و أخذ فأسا و اشتغل طول الليل إلى أن كاد الفجر يطلع فلم يستطع أن يقطع إلا جزءا يسيرا من أغصانها, فجاء عبادها في الصباح بالنذور فوجدوا بعضها مقطوعا فغضبوا غضب العابد لمعبوده, و اتهموا الشيخ المذكور و رفعوا شكوى إلى العمدة فطالبهم بالبينة فقالوا : لا يوجد أحد في هذه الناحية يشنع على المتبركين بها إلا هذا الرجل، فقال العدمة: إنني لا أستطيع أن أعاقبه بهذه الحجة التي لا تتجاوز الظنون. و أخبرني(محمد أجنا) ـ و هو رجل قضى عمره في البدع حتى بلغ السبعين ثم هداه الله إلى التوحيد بدعوتنا ـ أن له شجرتين يعبدهما الفلاحون إحداهما اسمها أبو بكر و الأخرى نسيت اسمها, و أن الفلاحين يضعون أدوات الحرث و غيرها مما يثقل عليهم حمله إلى إحدى الشجرتين فلم يتجرأ أحد أن يسرق شيئا من ذلك مع أنهم سرقوا حصر المسجد. و لو ذهبنا نعدد وقائع عبادة الأشجار لطال بنا الكلام.

(1/22)


…و أما عبادة الأحجار فهي كثيرة أورد بعض وقائعها: فمن ذلك حجر كبير ناشز في جبل بالصعيد في مديرية أسيوط أخبرني أصحابنا أنه كان يسمى الشيخ داغار و أن جماعة منهم ّهبوا ذات ليلة بمعاولهم واشتغلوا طول اليل
فتركوا الشيخ داغارا أثرا بعد عين. و منها أن صخرة في مرسى مدينة طنجة داخل البحر تسمى سيدي ميمون يعبدها أهل تلك الناحية. و سبب اطلاعي على عبادتهاأني كنت راكبا في سيارة حافلة من طنجة إلى تطوان سنة ثلاث و أربعين و تسعمائة و ألف بتاريخ النصارى و أتباعهم, و كان إلى جانبي رجل معه امرأة فسلم علي و قال لي: أنا ممن يحضر دروسك في الجامع الكبير و قد هداني الله إلى التوحيد بسبب ذلك ولكن زوجتي هذه لا تزال متمسكة بالشرك فأرجوا من فضلك أن تعظها لعل الله أن يهديها بوعظك كما هداني أنا و ذكر لي قضية قد اشتد نزاعهما فيها تتعلق بعبادة الصخرة البحرية المسماة بسيدي ميمون و حاصلها أنهما لا يعيش لهما الأولاد إذا بلغ الصبي سنة يموت , فنذرت زوجته أن تذبح عن ولدها في كل سنة لسيدي ميمون, و قد حانت نهاية السنة الأولى من عمر الصبي قال: فامتنعت أنا من الوفاء بهذا النذر و قلت: إن عمر الصبي بيد الله و ميمون صخرة لا تضر و لا تنفع فلم تقبل. فوعظتها من طنجة إلى تطوان مدة ساعة و لا أدري هل انتفعت بوعظي و تابت أم بقيت على شركها. و أكتفي بهذا القدر من الشواهد على عبادة الأحجار.
…و من عبادة المياه أن بئرا بالقصر الكبير يعبدها السفهاء و يسمونها سيدي ميمونا و يزعمون أن ابن أمير الجن ِمهروش كثيرا ما يحضرها خبرني بذلك غير واحد في البلد المذكور و شاهدت حوادث أخرى من عبادة المياه فلا أطيل بذكرها.

(1/23)


…و أما عبادة الحمير فأذكر فيها قصتين: إحداهما وقعت في طرابلس الغرب على ما حدثني به ثقة, و ذلك أنه كان في تلك الديار شيخ متصوف اسمه عبد السلام الأسمر كان يرقص مع أصحابه و يضرب بالدفوف حتى يخروا صرعى على الأرض و يعتقدون أن الدف الذي كان يضرب به الشيخ عبد السلام نزل من الجنة و كان يضرب به علي بن أبي طالب للنبي, و الشيخ عبد السلام و المريدون المنقطعون للعبادة معه لم يكونوا يكتسبون معيشتهم لأنهم كانوا بزعمهم متوكلين. و كان للشيخ المذكور حمار يطوف على بيوت البلد وحده كل صباح و مساء و عليه خرج فكلما وقف بباب بيت يضع أهله شيئا من الطعام في ذلك الخرج فيرجع إلى الشيخ و المريدين بطعام كثير غدوة و عشية, فلما مات الشيخ و تفرق المريدون بقي الحمار بلا عمل فصار الناس يقدمون له العلف و يتبركون به إلى أن مات فدفنوه و عكفوا على قبره يعبدونه.

(1/24)


…و القصة الثانية في المغرب: قرأت في سنة ستين و تسعمائة و ألف بتاريخ النصارى في صحيفة العلم مقالا لمعلمة اسمها خديجة النعيمي من الدار البيضاء قالت خديجة: خرجت مع نسوة جاهلات نتجول خارج المدينة فمررنا بكوم من الحجارة فأخذت النسوة يقبلن تلك الحجارة و يتمسحن بها قائلات:(أنتاع الله لله يا للا حمارة) معناه نسألك متاع الله أي ما أعطاك الله من الكرامة يا سيدتنا الأتان, قالت: فأنكرت صنيعهن و قلت لهن: ويحكن تتخذ أولياء حتى من الحمير, فقلن لي: اسكتي فإنك لا تعرفين قدر هذه الولية فكم قضت من حاجات و نخاف عليك أن تضربك ضربة يكون فيها حتفك فسلمي للفارغ لكي تنجي من العامر (قلت: و هذا مثل يضربه المغاربة لمن اعترض على عبادة شخص و قال: إنه لا ينفع و لا يضر يقول له عباده:(سلم للخاوي تنجى من العامر) معناه هب أنه فارغ من الولاية فخير لك أن لا تعترض عليه و أن لا تنكر ولايته لأنك إن استمررت في الإنكار يخشى عليك أن تصادف وليا حقيقيا فيصيبك بشر). ثم وجهة الكاتبة المذكورة دعوة إلى العلماء و قالت: يا علماء الدين اتقوا الله و علموا الناس توحيد الله و شعائر دينه فإنكم ضيعتن الأمانة التي حملكم الله إياها حتى وصل الناس إلى عبادة الحمير دون الله. فكتبت ثلاث مقالات تلبية لدعوتها و نشرت في صحيفة العلم و لم يلب دعوتها أحد غيري من قراء صحيفة العلم و هم يعدون بالآلاف و أظن أن هذا القدر يكفيك إن كنت منصفا, و يقمعك إن كنت متعسفا.
عودة إلى الريرمون

(1/25)


…أول جمعة صليتها إماما في الريرمون في المسجد الأعظم كانت يوم عيد عند أهل الريرمون و تمكن السلفيون لأول مرة من الصلاة في المسجد الأعظم و تعانق الناس و صاروا إخوانا متحابين. و كان للسلفيين مسجد بنوه باللبن و سقفوا نصفه بخشب النخل فصلى في ذلك اليوم الشيخ عبد الظاهر في ذلك المسجد إماما و قال في خطبة الجمعة يا إخواننا لا يخفى عليكم (أن المركب اللي فيها ريسين تغرك) يعني أن السفينة إذا كان لها ربانان فمآلها الغرق لأن الربانين يختلفان فيؤدي اختلافهما إلى اختلاف النوتيه و يفضي بهم ذلك إلى الغرق, و أن هذا المغربي قد فرق جماعتنا و والى أعداءنا و أحدث فتنة في البلد, فمن كان منكم ثابتا على بيعتي محافظا على عهدي فلا يكلمه و لا يجلس إليه و لا يستمع لحديثه, فلما فرغ من الصلاة و لم يصل معه إلا الشيوخ الضعفاء الذين شق عليهم المشي للجامع الأعظم غضبوا عليه و زجروه زجرا شديدا و قالوا له: ما نظن إلا أنك أصبت بالجنون و أن هذه الصلاة التي صلينا خلفك مشكوك في صحتها لأنك تكلمت باللغو الذي لا يناسب خطبة الجمعة, و هذا الرجل الذي تكلمت فيه بغير حق ما رأينا منه إلا خيرا و هو يجلك غاية الإجلال فقال لهم: هذا فراق بيني و بينكم.

(1/26)


…وقبل ذلك بيوم دعاني أحد الإخوان للغداء و دعا الشيخ عبد الظاهر, فقال لي: يا شيخ محمد سمعت بأن المنافق يوسف شيخ البلد جاءك و أظهر لك أنه تاب من شركه و بدعته فقبلت توبته و أظنك لا تعلم أنه أكبر عدو للسلفيين و لي أنا بالخصوص و أنا شيخ هذه الطائفة و إمامها, فإن كان صادقا فيما يزعم فهلا جاء إلي و التمس مني العفو و بايعني بل أنت بنفسك يجب عليك أن تبايعني و أن لا تخرج عن رأيي!! فقلت له: يا شيخ عبد الظاهر و الله أني لأحب أن أرضي الله ثم أرضيك ما استطعت إلى ذلك سبيلا, فهب أن رجلا في الروضة ـ و هي بلدة قريبة من الريرمون ـ يدعوا إلى مثل ما ندعوا إليه من التوحيد و اتباع السنة و هذا الشيخ يوسف عدو لي ولك فجاءه هذا الداعي و دعاه فتاب إلى الله على يده من الشرك و البدعة و بقي مع ذلك مصرا على عداوتنا, ألا ينبغي لنا أن نفرح بتوبته لأنه أنقذ من شر عظيم يوجب له الخلود في نار جهنم, أما عداوتنا نحن فإنها معصية لا تخرجه من الإسلام و قد تزول فنصطلح معه و نعود إلى الوفاق فقال لي: هذا رأيك أنت, أما أنا فأقول: يجب على كل من أراد أن يتوب من الشرك و البدعة أن يرضيني و يبايعني فقلت له: أني أوثر رضى الله على رضاك فقال: هذا فراق بيني و بينك. و سمعت بأنه كان يتعاطى الأفيون و هو مخدر سام ـ الله أعلم بصحة هذا الخبر ـ و بقيت في الريرمون على تلك الحال نحو ثلاثة أشهر, ثم حان وقت الحج و كنت في أثنائها أظهر الغنى و لم أسمح لأحد أن يدفع عني أجرة البريد لرسالة أرسلها في البريد فضلا عن غير ذلك حتى صار الناس يعتقدون أنني غني, و لم يتجرأ أحد أن يقدم لي شيئا لا دراهم و لا ثيابا إلا شيئا من الخبز اليابس و شيئا من السمن في إناء من خزف انكسر حين ركبت العربة قبل أن أصل إلى مستقري في القاهرة و إلا كسوة كسانيها الشيخ يوسف رحمه الله بعد أن قدم لنا مقدمات من الإلحاح الكثير.

المناظرة

(1/27)


…لما استجاب لي شيخ البلد و تبعه الناس كلهم إلا من ذكرت أعني المرفوت و شيخ الطريقة أصاب هذين الرجلين من الغم الحزن شيء كثير فبعثا إلى الجامع الأزهر و دعيا أحد كبار الأساتذة المعروفين بغزارة العلم و طلاقة اللسان لمناظرتي فجاء الأستاذ الأزهري و نزل في قصر العمدة المرفوت, فجاء أصحابنا و أخبروني بقدومه و قالوا لي: ناظره فستنتصر عليه يقينا فإن الأزهريين ضعفاء في علم السنة و التوحيد و نحن العوام نغلبهم, فقلت لهم: إني أرى في هذه القضية رأيا مخالفا لرأيكم و هو أنني لا أناظره فأنا حارث و زارع و قد دعوت أهل البلد فاستجابوا لي فليتقدم هو و يدعهم إلى الرجوع إلى الشرك و البدعة فإن رجع معه أحد فأبعده الله و من تبعه فهو له و من تبعني فهو لي, و المناظرة تعتريها المشاغبة ثم المضاربة فلا تحق حقا و لا تبطل باطلا فقالوا لي كلامك هذا يسبب لنا الهزيمة و يصدق قول أعدائنا إنك مغربي حاج ما درست في الأزهر و لا عندك الشهادة العالمية فقلت لهم: صدقوا أنا جاهل ما درست في الأزهر و لا عندي الشهادة العالمية, و لكن هذه المسائل التي أدعوا إليها لو جاء شيخ الأزهر و معه علماء الأزهر كلهم لم يستطيعوا أن ينقضوا منها شيئاغير أنني لا أحب المناظرة و دعوا الأعداء يقولون ما شاءوا, فلم يعجبهم كلامي.
…و بقي الأستاذ الأزهري في بيت العمدة خمسة عشر يوما حاول أثناءها أن يهجم علي في الدرس الذي ألقيه كل يوم بعد العصر بالمسجد الجامع فنهاه شيخ البلد و قال له: نحن نثق بهذا الرجل و لا نشك في صحة ما دعانا إليه و الله إن فتحت(بقك) أي فمك بكلمة واحدة لآمرن خفيرين يأخذانك إلى محطة السكة الحديدية لأنك تريد أن تحدث تشويشا و فتنة, فبقي شيخ الطريقة و صاحب العمدة حائرين و في النهاية عمدا إلى حيلة مكنتهما مما أراداه.

(1/28)


…و ذلك أننا كنا في شهر رمضان و في ذات يوم دعاني العمدة الحقيقي و هو رجل ملحد إلى العشاء فأجبته و ألقيت كلمة أمامه فقال لي: أنا على الحياد لست معك و لا مع خصومك يعني شيخ الطريقة و العمدة المرفوت, و لكن عقيدتكم أنتم أقرب إلى العقل من عقيدتهم لأن عبادة القبور و شيوخ الطريقة إهانة للكرامة الإنسانية.
…و لما انصرفت من عنده كان طريقي يمر على باب قصر العمدة المرفوت فلما حاذيت بابه جاءني شيخ الطريقة و سلم علي و قال: إن سعادة العمدة يدعوك إلى فنجان قهوة فقلت عندي الآن درس, فقال لي لا يستحسن أن ترد دعوته و لا تزيد على خمس دقائق, فذهب بي حتى أدخلني إلى مقصورة و جدت فيها شيخا ذا عمامة و لحية فظهر لي أنه هو العالم الأزهري الذي دعي إلى مناظرتي و كان ظني صادقا فلم يكد المجلس يستقر بي حتى هجم علي الأستاذ الأزهري و قال لي: يا فلان بلغني أنك تقول كذا و كذا و كذا و عدد مسائل من التوحيد و اتباع السنة فقلت له: أما كذا و كذا فقلته حقا و ذكرت له دليله و أما كذا و كذا فلم أقله. و وقعت المناظرة فعلا, فحانت مني التفاتة فرأيت حديقة القصر كلها عمائم و قلانس لم يبقى أحد من أهل البلد إلا حضر و تركوا لذلك صلاة التراويح فلم تزد المناظرة على نصف ساعة و كان الأستاذ الأزهري نسيت اسمه الآن من خيرة علماء الأزهر فجعل يقول في أثناء المناظرة أشهدكم أني رجعت عن كل ما قلته في هذا الأستاذ المغربي فإن الناس نقلوا لي عنه مسائل مكذوبة عليه, و أشهد أنه من العلماء المحققين و إن كنت أخالفه في بعض المسائل. فعند ذلك علم العمدة المرفوت أنه أخفق في سعيه، فقال: أيها الأستاذ أرجوكم أن تقطعوا هذه المناظرة أنا ما دعوت الأستاذ المغربي إلى المناظرة على ما يحبه أصحابنا و يكرهه خصومنا, و من رأيي أني أبعد عن هذه المناظرة و أتجنبها فإذا اضطررت إليها استعنت بالله وخضت غمارها, قال النبي صلى الله عليه و سلم:"لا تتمنو لقاء العدو و اسألوا

(1/29)


الله العافية فإذا لقيتموهم فاصبروا".

الدعوة إلى الله في تندا
(وهي قرية تبعد عن الريرمون مسافة لا أحصيها و فيها سلفيون و اثنان من العلماء)
…جاءتني دعوة من السلفيين من أهل هذه القرية فلبيتها و توجهت إليهم و أقمت عندهم ثمانية أيام ألقي الدروس في المساجد فرجع عن البدعة و الشرك خلق كثير و قدر عددهم بنصف سكان القرية و عند إذن قال لي بعض أصحابنا: اتق الله و امكث هنا في مديرية أسيوط على الأقل سنة كاملة, و أقسم بالله أني لو أقمت سنة ليهدين الله بي أكثر سكان المديرية و قال لي: إن هذه الفرصة التي سنحت لك من إقبال الناس على مجالس دعوتك قل ما يسنح مثلها و لا يجوز لك أن تضيعها, فقلت له: يمنعني من ذلك أن الغرض الذي سافرت من أجله من المغرب هو طلب العلم و لقاء أصحاب الحديث أينما كانوا و أنا لم أؤد فريضة الحج حتى هذه الساعة, فقال لي: أما طلب العلم فهذه المجالس الحافلة بالدعوة إلى الله هي من صميم طلب العلم و أنت شاب يمكنك أن تستأنف رحلتك بعد ذلك, و جاءني اثنان من أغنياء أصحابنا فقال لي كل منهما: أمكث هنا و أنا مستعد أن أزوجك ابنتي و أكتب لك عند المأذون فدانين غلتهما تكفيك للمعيشة, فاعتذرت إليهما عن القبول و قلت لهما: إن الشيخ عبد الظاهر الريرموني عفا الله عنه يظن أنني أقصد الإقامة هنا طلبا للمعيشة لأقصيه و أحل محله, فقالا: معاذ الله أن يظن بك أحد مثل هذا الظن. و في أثناء إقامتي بالريرمون قرأ علي أخوان معلمان في المدرسة نسيت أسماءهما ختمة من القرآن بقراءة ورش و كانت نادرة في مصر في ذلك الزمان فلم تلبث أن انتشرت بعد ذلك و أولع بها القراء بقصد الإغراب على السامعين, و اكتساب المعيشة أي التأكل بالقرآن. و في صحيح البخاري باب من تأكل بالقرآن أو فخر به, ذكر البخاري رحمه الله في هذا الباب حديث علي في الخوارج, و استدل به على أنه لا يحل الأكل بالقرآن فراجعه إن شئت.
قدم مراد الله يقدم مرادك

(1/30)


…تقدم أني تعففت أثناء إقامتي بالريرمون و أظهرت الغنى:
……تعفف و لا تبتئس…… فما يقض يأتيكا
…و إنما فعلت ذلك لعلمي أن الذي يأخذ من الناس لا يستطيع أن يعطيهم شيئا, و أن من كان له غرضان متضاضان لا يمكن الحصول عليهما جميعا. فلذك وحدت همي و وجهت همتي بعد فتح الله لي قلوب الناس إلى الدعوة وحدها كما قال الناصح:
……اجعل الهم واحدا……و ارض بالله صاحبا
…و كنت أظن قبل التوجه إلى الصعيد أن ييسر الله لي دراهم أحج بها حجة الفريضة. بعدما أقمت في مصر سنة و شهرا نفذ كل ما كان عندي و كنت أنفق على نفسي و أخي الأستاذ محمد العربي الهلالي الذي صحبته معي و كان صغيرا, لكن لما حصلت على تلك الغنيمة فوضت الأمر إلى الله و قلت:
……عسى فرج يأتي به الله إنه……له كل يوم في خليقته أمر
…و بعد وصولي إلى القاهرة ببضعة أيام جاءتني حوالة من الشيخ يوسف بثلاثة عشر دينارا فكانت كافية لأن أحج بها أنا و أخي و هذا ما أردت بقولي قدم مراد الله يقدم الله مرادك.
هل بقي أهل الريرمون ثابتين على الدعوة؟

(1/31)


…الجواب نعم. بعدما سافرت إلى الحجاز ثم إلى الهند ثم إلى العراق رجعت إلى مصر سنة خمسة و أربعين و ثلاثمائة و ألف فزرت الريرمون و وجدت الإخوان ثابتين على الحق لم يضرهم من خالفهم. و أخبرني الشيخ يوسف رحمه الله أنه لما شاع في أنحاء الصعيد أن أهل الريرمون بدلوا الدين و أحدثوا دينا جديدا بعثت وزارة الأوقاف مفتشا ليعرف حقيقة ما وقع. قال: فجاءنا و قال: يا شيخ يوسف بلغنا أنكم تركتم الترقية و قراءة سورة الكهف و الأذان الثاني في يوم الجمعة و كذا و كذا قال فقلت له: أنت عالم و نحن جهال و سترى صلاتنا و عبادتنا فكلما رأيته مخالفا للسنة المحمدية فأخبرنا به نرجع عنه و كلما رأيته ناقصا من السنة فأخبرنا به نفعله, فقال لي: يا شيخ يوسف السنة على الرأس و العين و لكن لا يخفى عليك أنه قد حدثت أمور بعد زمان النبوة استحسنها الناس و دأبوا عليها و من الصعب إزالتها و قد قال العلماء: إن البدعة تعتريها الأحكام الخمسة فقد تكون واجبة أو مستحبة أو مباحة أو مكروهة أو محرمة, قال: فقلت: أنا كما تعلم لست من العلماء و لكني سمعت غير واحد من العلماء الثقات الذين لا أشك في علمهم و لا في صدقهم يقولون أن النبي صلى الله عليه و سلم قال:"كل بدعة ضلالة و كل ضلالة في النار" و فسروا لنا هذا الحديث كما يدل عليه ظاهره و لم يقل أحد منهم: إن بعض البدع واجب و بعضها مستحب و بعضها مباح, فقال المفتش: ثم لا يخفى عليكم أن المساجد للأوقاف هي التي بنتها و هي التي تنفق عليها و هي تريد أن تسير على ما كانت عليه, قال الشيخ يوسف فقلت له:(إيه ده يا خوي بس كدا؟) أنا أستطيع أن أبني مسجدا في سبعة أيام و أترك المسجد الجامع فارغا لا يصلي فيه أحد إلا الإمام و المؤذن, قال: فقال المفتش: يا شيخ يوسف أو نعمل شيئا آخر.قال فقلت :هات ما عندك, فقال: أنا مبعوث إليكم من قبل الأوقاف لأقدم تقريرا فيما نسب إليكم من المخالفات, فأقترح عليك أن تأمر المؤذن و

(1/32)


الإمام يوم الجمعة بإعادة تلك الأمور التي كنتم تصنعونها من قبل لأستطيع أن أكتب تقريرا أكذب فيه ما نسب إليكم و بعد أن أفارقكم و أعود بالتقرير إلى من أرسلني اصنعوا ما شئتم, قال: فقلت: أنا موافق فأمرت الإمام و المؤذن أن يفعلا تلك البدع المخالفة للسنة يوم الجمعة ففعلاها و صلينا الجمعة كما أراد المفتش ثم عدنا إلى ما كنا عليه.
…و هنا ينبغي أن أقتبس أبياتا من القصيدة التائية التي نظمتها بالهند و ذكرت فيها توبتي من الشرك والبدعة و رحلت يفي طلب العلم و أقتضر على ما يخص الدعوة في الريرمون لأني قد أدرجت القصيدة كلها في كتاب الهدية الهادية إلى الطائفة التجانية. و الأبيات التي تخص الريرمون هي:
……أتيت إلى مصر لأخبر خبرها……و أنظر هل فيها شفاء من التي
……و كنا سمعنا قبل أن في ربوعها……رجلا لنصر الدين أصحاب شدة
……وصلت فلم ألف سوى أهل بدعة …و شرك و إلحاد و شك و ردة
……سمعت بها الإلحاد يعلن جهرة……بجامعة للشر مع كل فتنة
……رأيت بها الأوثان تعبد جهرة……قبورا عظاما ناخراة أجنت
……و يدعون دون الله من لا يجبهم……و هم عن دعاء القوم في عظم غفلة
……لهم جعلوا قسما بمال والدة……فلا عاش من قد عدهم أهل ملة
……حشى ثلة مستضعفين رأيتهم……تسومهم الأعداء سوء الأذية
……و هم صبر مستمسكون بدينهم……و يدعون ما استطاعوا لبيضاء نقية
……و ما صدهم إيذاؤهم عن جهادهم……لأنهم أهل النفوس الأبية
……أقمت بها عاما إلى الله داعيا ……فأرشد رب الناس قوما بدعوتي
……يغدون بالآلا ف في الريرمون كلهم أهل إخلاص و أهل فتوة

من مخارق شيوخ المتصوفة المبتدعين

(1/33)


…حكى لي أصحابنا في الريرمون أنني بعدما سافرت من بلدهم زارهم شيخ طريقة اعتاد ممن قبل أن يزورهم الفينة بعد الفينة فاستقبلوه استقبال ضيف عادي و لم يقبلوا يديه و رجليه و لم يخضعوا له الخضوع المعتاد قبل توحيدهم لله, فأنكر ذلك و قال: ما خطبكم أراكم تبدلتم؟قالوا: ماذا تريد منا؟نحن مستعدون لضيافتك ما تشاء فقال لهم: ما هذه الوجوه هي الوجوه التي أعرفها و لا الاستقبال هو الاستقبال الذي عهدته فيكم, فقال له أحدهم: و ماذا تريد منا أتريد أن نعبدك من دون الله؟! لقد تاب الله علينا و هدانا إلى توحيده و اتباع رسوله فنحن لا نريد منك شيئا لا نسأل حاجاتنا إلا من الله و لا نتبع في الدين إلا رسول الله صلى الله عليه و سلم. فقال له الشيخ و هو غضبان تغلي مراجله: يا عكروت(العكروت كلمة شتم في العامية المصرية تعني اللئيم) أنا قتلت نفسا من أجلك و تعاملني بهذه الوقاحة؟ فقال الرجل: و كيف كان ذلك؟ فقال الشيخ: جاء رجل يسرق من مزرعة البطيخ التي زرعتها على فرع شاطئ النيل فوجهت له همتي و قتلته, فضحك الرجل و قال له: يا سيدنا الشيخ قد أخطأت في حسابك إن المزرعة التي تعني جاءها فيضان النيل, فأتى عليها قبل أن تثمر, فغضب الشيخ و رحل و لم يقبل ضيافتهم و علم أن رزقه منهم قد انقطع فذهب يبحث عن غيرهم كما يبحث الذئب عن الحملان, و من عرف معنى لا إله إلا الله محمد رسول الله و عمل بمقتضاها حفظه الله من شياطين الجن و الإنس.

(1/34)


…و حدثوني عن هذا الشيخ نفسه أنه كان في ضيافتهم في مندرة فنظر فلم يرى أحدا و أوحى له شيطانه أن يأتي بمخرقة ليرهبهم بها و يستدر خدمتهم و أموالهم, فنزل من فوق المقعد الخشبي و اندس تحته و قد سدل عليه ستار كما هي العادة في ذلك الزمان في المنادر, فدخل أحدهم و لم يجده و هم يعلمون يقينا أنه لم يخرج, فقال: يا جماعة قد فقد سيدنا الشيخ فدخلوا كلهم ولم يشاهدوا شيئا ثم خرجوا فلما خلا له الجو خرج من مخبئه و قعد في مكانه و انطلقوا هم يفتشون عنه في البلد كله, فلم يجدوا له أثرا ثم رجع أحدهم فوجده في مكانه فأحاطوا به يتمسحون به و يقبلون يديه و هم في هلع عظيم و قالوا: يا سيدنا الشيخ(كرا إيه؟) يعنون ماذا جرى؟ عهدنا بك جالسا على المقعدثم دخلنا فلم نجدك و انطلقنا نبحث عنك ثم رجعنا فوجدناك, فقال: زرت إخوانكم المجاهدين في طرابلس الغرب(في هذا الزمان تسمى ليبيا) فوجدتهم في معركة عنيفة مع أعداء الإسلام الإيطاليين فأكبوا عليه مرة أخرى يقبلون يديه و يتمسحون بثياب هذا البطل المجاهد!! و ما هي من أفعال المبطلين بالشيء الغريب.
الدعوة إلى الله في تطوان
…في شهر آذار( مارس) من سنة اثنتين و أربعين و تسعمائة و ألف بتاريخ النصارى, اتفقت مع سماحة المفتي السيد أمين الحسيني على التوجه من برلين إلى مال المغرب, و حملني رسالة شفوية إلى الأستاذ المجاهد رئيس حزب الإصلاح الوطني الزعيم عبد الخالق الطريس رحمة الله عليه تتعلق بإصلاح حال المسلمين في شمال المغرب. و كان في ذلك الزمان القسم الشمالي من المغرب يسمى المغرب الأسباني لأن المغرب كان مجزءا إلى ثلاثة أجزاء المغرب الفرنسي و هو القسم الأكبر من المغرب عدد سكانه زهاء أحد عشر مليونا, و المغرب الإسباني و عدد سكانه زهاء مليون واحد, و طنجة و نواحيها و هي دويلة, و كان الجرمانيون في أوج عزهم.

(1/35)


…فلما وصلت إلى تطوان فزع المستعمرون الأسبانيون من قدومي و ساء ظنهم, لأنهم و إن كانوا مع الألمانيين في السياسة ظاهرا إلا أنهم ال يأمنون جانبهم فظنوا أنني جئت مبعوثا من الألمانيين لأتصل بزعماء المغاربة و أسعى في إخراج الإسبانيين ليحل الجرمانيون محلهم ـ و هو ظن كاذب ـ فمنعوني من الرجوع إلى البلاد الجرمانية, بتواطؤمع القنصلية الإنكليزية في تطوان فاضطررت إلى البقاء في تطوان و نوا حيها زهاء ست سنين, وجرت علي حوادث ذكرها هنا كلها يخرجني عن الموضوع و إنما أذكر منها ما يتعلق بالدعوة إلى الله, و كنت في ذلك الوقت عديم الجنسية لأن الإنكليز تواطؤو مع السفارة العراقية في روما أن لا تجدد جواز سفري, فقدمت إلى تطوان بجواز ملفق بعثه إلي الأستاذ عبد الخالق الطريس فسهل على الإسبانيين المستعمرين المستعبدين أن ينتزعوا مني ذلك الجواز و أن يجعلوني تحت المراقبة, ثم استطعت أن أقنعهم بكذب ظنهم بعدما اقترحوا علي كتابة مقال أصرح فيه بأن الجرمانيين لا حق لهم في استعمار المغرب, فكتبت مقالا قلت فيه: إن المغرب للمغاربة لا حق للفرنسيين و لا للإسبان و لا للجرمانيين في الأستيلاء عليه, فرضوا بذلك و لكن شرطوا علي أن لا أكتب مقالا و لا ألقي دروسا و لا خطبة إلا بعد إطلاعهم و استءذانهم و هددوني بأن يسلموني للفرنسيين الذين نفوني قبل من القسم الذي تحت أيديهم و لو ظفروا بي لانتقموا مني أشد انتقام, و بقيت هنالك عاطلا عن العمل.

(1/36)


…فبعد مدة جاءني جماعة من محبي العلم و الإصلاح و التمسوا مني أن ألقي دروس وعظ في المسجد الجامع و يسمى باللغة المغربة الجامع الكبير, فقلت لهم: إن الإسبانيين شرطوا علي أن لا ألقي درسا بدون إذنهم, ثم جاءني جماعة من طلبة المعهد الإسلامي فالتمسوا مني مثل ذلك فأجبتهم بالجواب نفسهفقالوا لي كلهم: إنهم لم يمنعوك منعا باتا و إنما عقلوا ذلك على إذنهم فاستأذنهم. و كان الحاكم المدني قد عين أحد الضباط اسمه بردا واسطة بيني و بينهم, فأخبرت بردا بطلب الجماعتين فبلغ الأمر إلى سيده فقال له: لا مانع عندنا من ذلك و لكن مدير المعارف(و هو إسباني طبعا) متعصب جدا و معتد بنفسه فإذا رأى الدكتور الهلالي يلقي دوسا بدون استئذانه يخاف أن يكيد له كيدا فيستحسن أن يطلعه على ذلك لينجو من شره, فشاورت الأستاذ عبد الخالق الطريس رحمه الله و كان قد عينني أستاذا في المعهد الحر و هو مؤسسة و طنية خارجة عن نفوذ المستعمرين نوعا ما, فقال لي: اكتف بإلقاء الدروس في المعهد و دع عنك هؤلاء الأرذال, فصرفت النظر عن ذلك.

(1/37)


…ثم عادت الجماعتان إلى الالتماس و قلت:عسى أن يكون في إجابة طلبهم خيرا, فقلت لبردا: أخبر مدير المعارف بأني أريد زيارته فأخبره, فرحب بذلك و اجتمعت به بحضور مدير المعارف المغربي و كان حضوره صوريا لا حول له و لا قوة و مع ذلك حاو لأن يستغل وجوده فأراد أن يشترط علي شرطا يتنافا مع الغرض المطلوب, فقال لي: إن الإسبانيين يشترطون عليك أن تكون دروس وعظ خالية من السياسة و خالية من الآراء الشاذة يريد بذلك إنكار الشرك و البدع, فقلت له: أنا لا أقبل هذا الشرط و سأتكلم مع المدير الإسبني فإن أسر عليه عدلت عن إلقاء الدروس, فتكلم المدير الإسباني و قال لي: لقد فرحت بزيارتك لأني أحب العلماء و خصوصا أمثالك الذين يجمعون بين الثقافتين الأوربية و الإسلامية و هم قليل بل و ما رأينا منهم أحدا قبلك, و لكني أكره للعلماء أن يشتغلوا بالسياسة لأنها تفسد عليهم علمهم و في رأيي أن العالم ينبغي أن ينقطع لخدمة العلم و يترك السياسة, فقلت له: يمكنك أنت أن تفعل ذلك أن تنقطع إلى العلم وتترك السياسة لأن لك دولة قائمة تغنيك عن ذلك, أما أنا فلا يمكنني ترك السياسة لأمرين: أولهما لأن القرآن و الحديث كلاهما مشحونان بالسياسة فلا يمكن أن أفسر القرآن و أشرح السنة إلا بالخوض في السياسة, و ثانيهما أن المغرب في هذا الزمان كالجسم المريض و نحن أبناؤه يجب علينا السعي في استرداد ما فقد من الصحة و المحافظة على ما لم يفقده منها, فقال: أنا أوافقك على أن المغرب مريض و لكن ينبغي أن نعطيه الدواء إذا أردنا شفءه بقدر محدود, فقلت له مغالطا: إذا نحن متفقون على السعي في علاجه و شفائه, و فهمت منه الموافقة على إلقاء الدروس.

(1/38)


…و بدأت بإلقاء ثلاثة دروس في المسجد الجامع كل أسبوع، فأقبل الناس علماؤهم وعامتهم على هذه الدروس إقبالا عظيما مع أن علماءهم إلا واحدا و هو الأستاذ محمد الطنجي كانوا معادين ومحاربين للتوحيد و اتباع السنة أشد المحاربة و هددوا بأن يعينوا لجنتين إحداهما تناظرني في الأصول و الأخرى تناظرني في الفروع فلم أعبأ بهم و أخذت أحطم أصنامهم في دروسي. و لما بدأت دروسي في الجامع الكبير لم يكن أحد يضع اليمنى على اليسرى في الصلاة, و وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة و قراءة بسم الله الرحمن الرحيم في أول الفاتحة أعظم شعار للمتبعين للسنة فبدأ العوام يعملون بهذه السنة و غيرها. و كان الناس يتعجبون من العاملين بها و لكن باستمرار الدروس بضع سنين كثر المتبعون للسنة في هذا المسجد حتى صار الناس إذا رأوا رجلا سادلا يديه في الصلاة لا يرفع عند الركوع و لا عند الرفع منه و لا يجهر بالتأمين يتعجبون منه.
الحوادث التي وقعت أثناء إقامتي في شمال المغرب

(1/39)


الأولى: كان في طنجة الشيخ أحمد بن الصديق شيخ الطريقة الشاذلية المسماة هناك بالدرقاوية, سمعت أن أبا محمد بن الصديق ورد طنجة منذ زمان غير بعيد من قبيلة غمارة فقيا لا يملك شيئا و دعا الناس إلى الدخول في طريقته فاستجاب له بعضهم و نمت دعوته إلى أن أسس زاوية. و الزاوية في الحقيقة كالضرة للمسجد فهي بناء قصد به إقامة الصلوات الخمس مع الأذان في كل وقت و قراءة القرآن و إلقاء دروس الوعظ, فهي إلى هذا الحد تشبه المسجد و تكاد تكون إياه, و لكن قد قصد بها بالدرجة الأولى اجتماع طائفة مخصوصة لها اسم يعينها كالدرقاوية و التجانية و القادرية و الزروقية و الناصرية و الكتانية و الكرزازية و الوزانية و هلم جرا,يجتمعون فيها لما يسمونه بالذكر و هذا الذكر يكون جماعة بلسان واحد كترانيم النصارى في كنائسهم,و بالنسبة للدرقاوية التي نحن بصدد الكلام فيها يكون معه غناء و رقص وآلات اللهو كالطبل و الدف و المزمار و سائر الآلات,و يجتمع فيها رجال و نساء على ذلك و بذلك تخالف المسجد.

(1/40)


و بعدما استقر الشيخ محمد بن الصديق في طنجة و انتشرت طريقته بعض الانتشار نشأ أولاده و شبوا, فأخذوا يقصدون مصر لطلب العلم و كبيرهم في السن و العلم هو الشيخ أحمد المذكور آنفا أقام بمصر سنين جادا مجتهدا حتى حصل على نصيب وافر من علوم اللغة و العلوم الشرعية و فتح له في التأليف فألف كتبا كثيرة و رجع إلى طنجة,و كان أبوه و أصحاب طريقته إلى حين رجوعه مقلدين كغيرهم لا يعملون بالحديث و لو كان مثل الشمس, فدعاهم أحمد إلى ترك التقليد و العمل بالحديث في الفروع التي التمس الطريقة و عقائدها بشيء من التغيير فاستجاب له والده و أتباعه كلهم, و بذلك ضرب سورا على أتباعه يحرسهم من فتنة الفقهاء المقلدين فلا يمكن أن يسألوهم عن شيء و لا أن يأخذو منهم شيئا من العلم, أما عبادة القبور و الرقص و اعتقاد وحدة الوجود و تقديس زنادقة الصوفية كابن عربي الحاتمي, و تعاطي الأوراد المبتدعة و الاستمداد من الشيوخ و الاستاغثة بهم فقد ترك كل ذلك على حاله و لم يغير منه شيئا.

(1/41)


…ولما استقررت أنا في تطوان و هي شرقي طنجه على مسافة أربعين ميلا و عرفت ذلك كله ظهر لي أن دعوة الشيخ الذكور توافق دعوتي في جانب و تخالفها في جوانب, فعزمت أن أدعو إلى توحيد الله و اتباع السنة دون أن أتعرض للشيخ أحمد بطعن أو بتزكية من الوجهة الشخصية فأنا أدعوا إلى توحيد الله و أعلم الناس معنى لا إله إلا الله محمد رسول اللهأي جميع مدلولات الكلمتين و أبين لهم أن من عبد غير الله بشيء من أنواع العبادة المذكورة أعلاه بعد أن يعرف أن هذا شرك و يصر على عمله فهومشرك, و من اعتقد وحدة الوجود فهو كافر, و من استمد أو استغاث بغير الله فهو كافر, و من ترك الكتاب و السنة و قلد الرجال قلادة سوء فهو ضال, وقد يفضي به إصراره على ذلك إلى الشرك كما قال تعالى:{فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم}[النور: 63] قال الإمام أحمد لصاحبه الفضل بن زياد رحمهما الله:"أتدري ما الفتنة؟ الفتنة الشرك لعله إذا رد بعض قوله(يعني النبي صلى الله عليه و سلم) أن يقع في قلبه زيغ فيهلك", و هذا تفسير للآية في غاية التحقيق من وجهة الدلالة و من وجهة العلم و المعرفة الذوقية لا يرتاب فيه إلا جاهل غمر.

(1/42)


…و انتظرت من الشيخ أحمد بن الصديق أن يسلك معي هذا المسلك نفسه فلا يدعوا إلى تلك الضلالات و يذم أهل التوحيد بل يتمسك بعقيدة السلف الصالح و ذلك لازم لدعوته على سبيل العموم دون أن يسميني و لكنه سلك طريقا آخر, فغره استيطانه في طنجة و ما له من أتباع, و علم أني غريب في تلك الناحية يحاربني الاستعمار ـ و لا يخفى ما كان له في ذلك الزمان من سلطان ـ و يحاربني جميع الناس تقريبا: فبعضهم يحاربني لأنه طرقي لأني أطعن في الطرائق كلها إلا طريقة النبي و الصحابة و التابعين و هي الحنيفية, و بعضهم يحاربني لأنه مقلد جامد يقلد خليل بن إسحاق مؤلف المختصر الفقهي و شروحه لا يخل أن يقول: نحن خليليون, إن دخل خليل النار دخلناها معه و إن دخل الجنة دخلناها معه!! هكذا يقول غلاة السفهاء الذين يسمون بالفقهاء.
…حدثني الشيخ الورع الصالح محمد بن أبي طالب الحسني الهاشمي أن الفقهاء اجتمعوا في مدينة فاس في الضريح الإدريسي الذي يكاد يكون كعبة عندهم, و كان الشيخ الإمام المحدث الداعي إلى الله على بصيرة شيخ شيوخنا عبد الله السنوسي نزيل طنجة رحمة الله عليه يطعن في أولئك الجامدين و يضللهم, فجاءه أحدهم بعد انفضاض الاجتماع في الضريح المذكور فقال له: يا سيدي لم لم تشرفنا بحضورك؟ فقال: أنت تعلم لماذا, فإنكم اجتمعتم للصلاة عند القبر و أنتم أسارى للتقليد الأعمى فقال له المقلد: نحن خليليون إن دخل خليل النار دخلناها معه و إن دخل الجنة دخلناها معه فقال الشيخ على البديهة {أف لكم و لما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون}[الأنبياء:67] فبدأ الشيخ أحمد يطعن في علمي عندما أخذت أدعوا الناس إلى اتباع الكتاب و السنة يقول: هذا طفيلي <اء من أوروبا يتزيا بالزي الأوربي و هو زي الكفار فمن أين جاءه علم الكتاب و السنة و أين درسه أفي برلين أم في بون؟

(1/43)


ثم بدى للإسبانيين المستعنرين أن يؤسسو صحيفة عربية يومية جامعة فطلب مني الحاكم الإسباني بواسطة بردا أن أنشر فيها مقالات في الدين و العلم و الأدب دون أن أتعرض للسياسة. و كان هذا امتحانا ثانيا أرادوا أن يمتحنوني به فقبلت و كتبت مقالات على شريطتهم منها مقال في حل حديث مشكل ذكره الإمام بن القيم في كتابه (الطرق الحكمية) و ذكر من خرجه مع أسانيدهم وقال: إنه على شرط مسلم, إلا أن بعضهم علله باضطراب متنه ثم أجاب بن القيم عن ذلك و أثبت صحة الحديث و سأسوق الحديث هنا ليطلع عليه القراء بلفظ النسائي.
…قال بن القيم ص62 ما نصه: قال النسائي حدثنا محمد بن يحيى بن كثير الحرامي, حدثنا عمر بن حماد بن طلحة, حدثنا أسباط بن نصر عن سماك عن علقمة بن وائل عن أبيه(أن امرأة وقع عليها رجل في سواد الصبح و هي تعمد إلى المسجد ـ بمكروه على نفسها فاستغاثت برجل مر عليها و فر صاحبها ثم مر عليها ذووا عدد فاستاغثت بهم فأدركوا الرجل الذي كانت استغاثت به فأخذوه و سبقهم الآخر فجاؤوا به يقودونه إليها فقال: أنا الذي أغثتك و قد ذهب الآخر, فأتو به رسول الله صلى الله عليه و سلم فأخبرته أنه وقع عليها و أخبر القوم أنهم أدركوه يشتد فقال: إنما كنت أغيثها على صاحبها فأدركني هؤلاء فأخذوني, فقالت: كذب هو الذي وقع علي, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم انطلقوا به فارجموه فقام رجل فقال: لا ترجموه وارجموني فأنا الذي فعلت بها الفعل و اعترف فاجتمع ثلاثة عند رسول الله صلى الله عليه و سلم الذي وقع عليها و الذي أغاثها و المرأة, فقال: أما أنت فقد غفر لك, و قال للذي أغاثها قولا حسنا, فقال عمر رضي الله عنه: أرجم الذي اعترف بالزنا فأبى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: لا إنه قد تاب.

(1/44)


…و كان بحثي في هذا المقال منصبا على الإشكال الواقع في الحديث و هو كيف أمر النبي صلى الله عليه و سلم برجم الرجل الأول الذي أغاثها دون أن تثبت عليه بينة الزنا و هي الاعتراف أو شهادة أربعة شهداء؟ فما كاد المقال يقع في أيدي الناس و يقرأ حتى اشتد غضب الشيخ أحمد بن الصديق و كأنني هجمت على بيته و نهبت أثمن ما عنده و قال: ما شأن هذا الرجل و الحديث؟! هذا رجل متفرنج و قام زمانا طويلا في أوربا متطفل على الكلام في حديث النبي صلى الله عليه و سلم, فكتب مقالات هو و أعوانه في الرد علي. و كان محرر صحيفة الأخبار شخصا اسمه عرفة الغماري بينه و بين الشيخ الذكور قرابة, فكان إذا جاءه مقال منه أو من أحد أعوانه الذين كانوا يحاربونني معه يبادر بنشره و يؤخر مقالي بعض التأخير, لكنه لا يستطيع أن يترك نشره لأن سادته المستعمرين لا يسمحون له بذلك و استمرت المعركة مدة من الزمان فيما بيني و بينهم, و كانوا كعادتهم يمزجون الشتم بالعلم فأدع الشتم لا أجيبهم عنه و أجيبهم عن المسائل العلمية فقط فاكتسبت بذلك و بالحجج القوية التي أدليت بها كثيرا من الأنصار من قراء صحيفة الأخبار.
…و كان مدار رد الشيخ أحمد على مقالي غريبا لا يتعلق بأصل الإشكال بل سلك سبيلا أخرى و هي قوله: إن الحديث ضعيف لا بالاضطراب في المتن كما قال بعض الحفاظ و لا بالانقطاع في بعض أسانيده كما قال غيرهم, و لكن بدعوى أن سماك بن حرب الذي عليه مدار الحديث ضعيف و إذا كان الحديث ضعيفا لا يثبت فلا حاجت إلى البحث في الإشكال الذي وقع فيه. فأثبت في محاجتي لهم أن أكثر النقاد و ثقوا سماكا و هو من رجال مسلم, ثم وجدت أن الشيخ أحمد بن الصديق نفسه يحتج بسماك هذا في أحد كتبه.

(1/45)


و بينما المعركة جارية قد حمي وطيسها إذا برجل اسمه عبد القادر الجزائري كان من جماعتهم الطرقيين ثم صار من جماعتنا السلفيين يكلمني بالتلفون من طنجة و يقول: قد جاءني السيد محمد الزمزمي بن الصديق و أخبرني أن أخاه الشيخ أحمد بن الصديق يريد الاجتماع بك لإزالة ما حصل من الخلاف و إصلاح ذات البين و لما كانت إقامتك في طنجة لا تطول فهو يرجو أن تعرفه باليوم الذي تتوجه فيه إلى طنجة ليتم اجتماعكما, و قد اقترحت على السيد الزمزمي أن يكون اللقاء الأول في بيتي فقبل ذلك. و لا يخفى على من يعرف الأحوال هناك أن الشيخ الزمزمي لا يتنازل ليذهب إلى رجل ليس في مستواه, يضاف إلى ذلك أنه كان من مريديهم فخرج عن طريقتهم و إن تنزل إلى أن يكلمه و يوسطه فلا يتنزل إلى أن يأتي إلى بيته و لكنه فعل كل ذلك رغبة في إصلاح ما وقع بيننا, و هذا أمر يدل على عقل و فضل و إنصاف لأن هؤلاء الإخوة كان لهم مقام مرموق و أتباع و أعوان, أما أنا فقد كنت غريبا ليس لي أنصار و لا أعوان, و عبد القادر الجزائري تقدم ذكر حاله. فقلت له: لا حاجة إلى تعيين اليوم لأني سأقدم طنجة و أقيم فيها ثلاثة أيام و في أثنائها يمكن الاجتماع بالسيد محمد الزمزمي. و لما قدمت اجتمعت فعلا به في بيت الجزائري و تحدثنا ساعتين فقال لي: إنك قدمت هذه البلاد بزي إفرنجي و هيأة إفرنجية, و لم نعهد من أصحاب هذا الزي إلا الكفر و الإلحاد و لم نكن نعرفك من قبل فظننا أن تدخلك في أمور الدين كتدخل كثير من أعدائه المفسدين, ثم تبين لنا بيقين علمك و فضلك و صدقك, فأراد أخي الشيخ أحمد أن ندعوك إلى الصلح و التعاون على ما اتفقنا عليه من دعوة الناس إلى اتباع حديث الرسول و ترك التعصب للمذهب, و كلانا غريب في هذه البلاد في دعوتنا إلى اتباع الهدي النبوي ـ و كلاما طويلا في هذا المعنى ـ فقلت له: أنا منذ قدمت هذه البلاد و خبرت أحوالها عرفتكم و عرفت دعوتكم و عزمت على أن أتعاون معكم فيما

(1/46)


اتفقنا عليه, و أما ما اختلفنا فيه, فكل منا يدعوا إلى ما يعتقد, دون أن يتعرض بعضنا للطعن في بعض, فقال لي: إن الأخ الشيخ أحمد يدعوك إلى الغداء في بيتنا غدا بعد الظهر فقبلت.
…و لما وصلت إلى الشيخ أحمد رحب بي و احتفل بي أعظم احتفال و وجدته قد دعى للغداء كثيرا من أعيان البلد, ووضع لنا ثلاثة عشر نوعا من الطعام باعتبار أنواع الحلوى و لم أر في عمري كله غداء بلغ ذلك العدد من الألوان, و لما فرغ الناس من الأكل دعاني إلى خزانة الكتب التي يشتغل فيها بتآليفه الكثيرة و ليس فيها إلا خزائن الكتب و حصير مفروش في أرضها يقعد عليه و يشتغل بالتأليف على الطريقة المغربية القديمة. و كان في إمكانه أن يؤثث مكتبا كمكاتب الوزراء و لكنه زهد في ذلك مع أنه كان يعيش معيشة الترف في قصر فخم, و لكنه أراد أن يترك خدمة العلم تسير في نهجها القديم, و بعد محادثة ودية طويلة افترقنا على أن لا يتكلم بعضنا في صاحبه و لكن كل منا يدعو إلى ما يعنقد أنه حق و يرد ما يعتقد أنه باطل.

(1/47)


…و استمررنا على ذلك مدة إقامتي بتطوان و نواحيها و قد استمرت مع ربيع 1942 إلى صيف1947. و في أثناء هذه المدة ألفت كتابا سميته الصراط المستقيم في صفة صلاة النبي الكريم فقرظه الشيخ أحمد في صحيفة الأخبار, و بقي الأمر فيما بيننا كذلك إلى أن سافرت قافلا إلى العراق لم يحل و لم يتغير, و لما سمعت و أنا في تطوان أن الشيخ أحمد أفتا بزيادة (سيدنا) في الأذان و أن مؤذنه يقول: أشهد أن سيدنا محمدا رسول الله أنكرت ذلك و لم أتعرض لشخصه بسوء, و لما وصلت إلى العراق كتب إلي أحد الإخوان أنه ألف جزءا سماه إحياء المقبور في استحباب البناء على القبور, فأنكرت ذلك و لم أتعرض لشخصه بسوء, و بذلك تعلم كما يعلم كثير مكن أهل طنجة و أهل تطوان, و منهم الأستاذ العالم الداعي إلى الله على بصيرة, فخر آل الصديق و رائدهمفي طريق الحق و فرطهم إلى الهدى صاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ محمد الزمزمي بارك الله في حياته و نفع بعلمه.

(1/48)


…فتبين بما ذكرناه أن ما سطره هذا الناعق كله افتراء من بنات غيره. وهنا أذكر الألفاظ البذيئة التي وصمني بها كذبا و زورا ثم أنقضها بالتفصيل حتى يعلم من لا يعلم أنه مفتر يكذب على الحاضرين و يعرض نفسه لزيادة سخرية الساخرين, فقد ألف هذا المسكين كتيبا سماه(التيمم في الكتاب و السنة) خبط فيه خبط عشواء و ملأه بسب العلماء الأئمة المتقدمين و المتأخرين و هذا نص ما كتبه في صفحة57:(فقد جاء إلى طنجة رجل من هؤلاء الدعاة مدعيا محاربة البدع فأصبح ذات يوم حليقا فأرسل إليه شقيقي الحافظ أبو الفيض من يسأله كيف يتفق حلق اللحية مع أمر النبي صلى الله عليه و سلم بإعفائها و زعمه العمل بالسنة و الدعوة إليها؟ فأجاب السائل بقوله: معنى الحديث أعفوا لحاكم إن شئتم, فقال شقيقي للسائل: ولم لم تقل له: أقيموا الصلاة إن شئتم, و لا تقربوا الزنا إن شئتم؟ فهذه هي السنة التي يدعوا إليها هذا الضال و أمثاله, وقد اتقل ذلك الضال إلى بعض مدن الجنوب عاملا على بذر بذور الشقاق و التفرقة بين المسلمين. و إني أعتقد أنه مستأجر من جمعية التبشير الإنكليزية أو الأمريكية لإيقاع التفرقة بين المسلمين لأن التفرقة بينهم هي الوسيلة التي ينال بها الإستعمار أغراضه).

(1/49)


…في هذا الكلام أنواع من البهتان: الأول: قوله:(فأصبح ذات يوم حليقا يوهم أنني جئت إلى طنجة بلحية ثم حلقتها و هذا كذب محض يلعنه عليه خلق كثير لا يزالون أحياء يرزقون, و الحقيقة أنني جئت إلى طنجة من برلين عاصمة ألمانيا بعدما أقمت في تلك البلاد زهاء ست سنين لتحصيل العلوم العصرية و شهادة الدكتوراه الجامعية, و قد حصلتها و لله الحمد في مدة لا تزيد على أربع سنين, و سبب توجهي إلى طنجة أن سماحة المفتي السيد أمين الحسيني بارك الله في حياته بعثني إلى الأستاذ الزعيم المجاهد عبد الخالق الطريس لغرض سياسي فيه خير للمسلمين المغاربة كما تقدم, و كنت مدة إقامتي في ألمانيا أحلق لحيتي متأولا حديث الأمر بعفو اللحى على أن الأمر للندب. و قد خيل إلي في ذلك الزمان أن الأوامر الواردة في خصال الفطرة كإحفاء الشوارب و عفو اللحى و نتف الإبط و تقليم الأظافر ينبغي أن يسلك بها مسلك واحد, فإما أن تحمل على الوجوب كلها و إما أن تحمل على الندب كلها, و أن حمل الأمر الوارد في اللحية وحده على الوجوب و حمل سائرها على الندب تناقض.
…و كذلك قول النبي صلى الله عليه و سلم في صبغ الشعر(خالفوا اليهود و النصارى فإنهم لا يصبغون), و استأنست بقول بعض العلماء الذين سلكوا هذا المسلك و قد ذكرهم أخوه عبد العزيز في تأليفه الذي رد فيه على أخيهما الأستاذ الزمزمي و هو لا شك يعرفه, ثم ظهر لي أن الداعي إلى الله لا ينبغي له أن يعتمد على التأويل و لا يكون له عليه تعويل, بل يجب عليه أن يكون قدوة حسنة في أقواله و أفعاله و سيرته فعفوتها ولله الحمد ة لا آخذ منها شيئا.

(1/50)


…على أن حلق اللحية على ما ذهب إليه جمهور الأئمة من التحريم لا يتعدى أن يكون من الصغائر و لا يصل إلى حد الكبائر, و قد بسط القول في ذلك شارح العقيدة الطحاوية انظر كلامه في ص 356 فقد اختار في حد المعصية الكبيرة أنها ما يترتب عليها حد أو توعد عليه بالنار أو اللعنة أو الغضب و هذا أمثل الأقوال اه. و الصغيرة ضدها و هي مالن يترتب عليها حد أو توعد عليها بالنار أو اللعنة أو الغضب ثم قال: و ترجيح هذا القول من وجوه: أحدها: أنه هو النأثور عن السلف كابن عباس و ابن عيينة و ابن حنبل(رضي الله عنهم) و غيرهم.
…و لا أقول ذلك تصويبا لحلق اللحية أو تهوينا لشأنه فإن الواجب على كل مسلم أن تكون له في رسول الله أسوة حسنة و أن يبدل جهده في موافقة قدوته و إمامه صلوات الله و سلامه عليه في الظاهر و الباطن, و لكني أعجب لهذا الإنسان الذي يأتي باطوام الكبرى التي لا تحلق الشعر بل هي الحالقة للدين و المروءة ثم لا يجد ما يطعن به في أحد الدعاة إلى الله على بصيرة إلا بالتشنيع عليه في معصية من الصغائر قد تاب منها و تركها و هذا من الإفلاس.
…الثاني: زعمه أن شقيقه ـ و هو عوض أبيه و ليس له و لا عشر معشار علمه و عقله ـ زعم أنه أرسل إلي رسولا و هو كاذب مفتر فإنه لم يرسل إلي قط إلا أخاه السيد الزمزي في طلب الصلح كما تقدم.

(1/51)


…الثالث: قوله: إني قلت له: معنى الحديث أعفوها إن شئتم, أقول فيه: سبحانك إن هذا بهتان عظيم, لو أرسل إلي رسولا و أجبته بذلك فإن العادة تقضي عليه أن يحضر دروسي بالجامع الكبير بتطوان, و كان يحضرها فئام من الناس من الموافقين و المخالفين, فلو قلت ذلك لسمعه الحاضرون. و قد سئلت عن هذا الحكم في تلك الأيام مرارا و تكرارا فأجبت بما تقدم من التأويل و كل من كان يحضر دروسي يعلم ذلك و لا يشك في كذب هذا المفتري و سيزداد كذبه و ضوحا حتى يصير كشمس الضحى ليس دونها غمام { و من يهن الله فما له من مكرم }[الحج:18] و حين إذن يعلم أنه كان في ذلك كاباحث عن حتفه بظلفه, و كالجادع بكفه مارن أنفه فنعوذ بالله من الخذلان.
…الرابع: قوله: و قد انتقل ذلك الضال إلى بعض مدن الجنوب عاملا على بذر بذور الشقاق و التفرقة بين المسلمين, أقول: هذا مضرب المثال:(رمتني بدائها و انسلت), أتدري أيها المأفون الذي يهرف بما لا يعرف لماذا انتقلت إلى الجنوب؟ لأن الاستعمار الفرنسي كان قد نفاني من وطني الجنوب و من الجزائر و تونس أيضا, و لم نر أحدا من المنفيين نفاه الفرنسيون مثل هذا النفي المشدد و بذلك تعلم ما أدركت من الشقاء حين تجرأت على الاستعمار بوقاحة ليس لها نظير.
……ياليت لي من جلد وجهك رقعة……فأقد منها حافرا للأدهم
مثلك يتجرأ على ذم الاستعمار, و قد نشأت أنت و من معك إلا في حجر الاستعمار و هل جلب عليك و على إخوتك الشقاء إلا تقلص ظل الاستعمار؟!

(1/52)


…الخامس: أن هذا المفتري لما رأى دعوتي إلى توحيد الله و التمسك بسنة رسول الله صلى الله عليه و سلم في مكناس و نواحيها قد أينعت و آتت أكلها شوا الحسد قلبه فسمى ذلك شقاقا و تفرقة بين المسلمين, و لو كان له من الحياء و التفكير فيما يقول مثقال ذرة لاستحى أن يذكر التفرقة بين المسلمين و يرمي بها بريئا حنيفا و يحتمل بهتانا و إثما مبينا, و هل كتابك هذا من أوله إلى آخره الذي شتمت فيه الأولين و الآخرين ـ لا شتم الأشراف بل شتم أرذال السوقة ـ إلا شقاق, و نفاق و تفرقة بين المسلمين؟! و إلا فمسألة التيمم واضحة و قد قتلها الناس بحتا من قبل أن تميز و الحق فيها واضح, أنا أدعوا الناس إلى أمرين في كل مكان دعوة فيه إلى الله في الشرق و الغرب و في أوروبا.
…أولهما: تحقيق معنا لا إله إلا الله بجعل جميع أنواع العبادة, من دعاء و استغاثة, و استعانة فيما يخرج عن الأسباب, و نذر, و حلف, و توكل, و استعاذة, و استمداد و عبودية, و خوف, و رجاء, و جعل شيء من الأحكام الخمسة, و صلاة, و صيام, و صدقة, و حج, و سفر يراد به التقرب إلى الله, و ما أشبه ذلك, لله وحده لا شريك له لا يجعل شيء منه و لا مثقال ذرة لملك مقرب و لا لنبي مرسل و لا غير مرسل و لا لصديق و لا لصالح و لا لأحد من الجن و الإنس فهذا مجمل الأمر الأول.

(1/53)


…الأمر الثاني: تحقيق شهادة أن محمدا رسول الله صلى الله عليه و سلم بامتثال ما أمر و اجتناب ما نهى عنه و زجر, و أن لا يحول دون اتباعه حب شيء من المحبوبات الثمانية المذكورة في قوله تعالى: { قل إن كان آباؤكم و أبناؤكم و إخونكم و أزوجكم و عشيرتكم و أموال اقترفتموها و تجارة تخشون كسادها و مساكن ترضونها أحب إليكم من الله و رسوله و جهاد في سبيله فتربصوا حتى يأتي الله بأمره و الله لا يهدي القوم الفاسقين} التوبة 24. و يدخل في العشيرة المذهب و الطريقة و الحزب, و من يعد هذين الأصلين الذين قامت عليهما الحنيفية السمحة ملة إبراهيم و خير أبنائه بل خير خلق الله على الإطلاق محمد رسول الله صلى الله عيله و سلم, و من يعد ذلك شقاقا و تفريقا بين المسلمين إلا شيطان رجيم أفاك أثيم؟!
…السادس: قوله: و إني أعتقد أنه مستأجر من جمعية التبشير الانكليزية أو الأمريكية لإيقاع التفرقة بين المسلمين لأن التفرقة بينهم هي الوسيلة التي ينال بها الاستعمار أغراضه. أقول:
……و إذا استوت للنمل أجنحة……حتى يطير فقد دنى عطبه

(1/54)


…بهذا الكلام أمكن هذا الغبي من نفسه و عرضها للهلاك ألا تعلم أيها البليد أن الناس لهم أعين يبصرون بها و آذان يسمعون بها و قلوب يفقهون بها, فأقرب الناس إليك من حيث السكنى أهل طنجة يكذبونك و لو استطاعوا لرجموك بالحجارة فاسألهم ماذا فعل السفير الفرنسي حين رجع الحلفاء الغربيون إلى طنجة حين دب الضعف إلى قوة ألمانيا الهترلية يخبرونك و يخرجون لك الجريدة الرسمية بالعربية و الفرنسية و فيها ما معناه: أن محمدا تقي الدين الهلالي من و كلاء ألمانيا و قد طلب السفير الفرنسي من الفسفير الانكليزي و السفير الأمريكي يعني سفير الولايات المتحدة الأمريكية أن يوافقوه على القبض عليه متى دخل حدود طنجة الدولية فوفقه السفيران على ذلك, و حينئذ انهالت علي المحاثات الهاتفية من طنجة تحذرني من دخولها فهلا سألت الناس يا مغرور قبل أن تسطر ذلك الخزي المبين؟.

(1/55)


…و لما أردت السفر قافلا إلى العراق كتبت إلى السفارة المصرية من تطوان أطلب منها سمة الدخول إلى القطر المصري فبعث إلي قنصلها استمارة طلب مني أن أملأ مواضع البياض فيها و هي مكتوية بالانكليزية, و من جملت ذلك هل عندك سمة تمكنك من الخروج من مصر إلى لبنان؟ و لم أجد ما أملأ به هذا الموضع, فكتبت إلى أمير البيان المجاهد الأكبر حقا الأمير شكيب أرسلان و كان لا يزال منفيا في جنيف بسويسرا, فكتب إلي يقول: إن لي فضلا على رئيس الجمهورية اللبنانية (بشار الخوري) لإغني أنقذت أباه من الموت في زمان حكم الأتراك العثمانيين و لم أقتصر على ذلك حتى طلبت له راتبا من الدولة العثمانية, فاكتب إليه كتابا و ابعثه إلي و أنا أشفعه بكتاب آخر من عندي ليبعث إليك سمة الدخول إلى لبنان لتتمكن من الدخول إلى مصر, فكتبت إليه الكتاب و بعثه هو إلى رئيس الجمهورية اللبنانية, فجاءني كتاب من وزارة الخارجية اللبنانية, موجه إلى القنصل الفرنسي في تطوان يلتمس منه أن ينوب عن وزارة الخارجية اللبنانية في إعطاء الدكتور محمد تقي الدين الهلالي سمة الدخول إلى لبنان, و كان هذا القنصل قد طلب من المستعمرين الإسبانيين إنزال العقوبة بي ثلاث مرات للمقالات التي نشرتها في صحيفة الحرية في محاربة الفرنسيين, و الدفاع عن الملك المجاهد الراحل محمد الخامس قدس الله روحه على رغم أنف أصحاب الطرائق المبتدعة الذين كانوا يعادونه خدمة للاستعمار و خيانة للمسلمين.

(1/56)


…فأخذت كتاب وزارة الخارجية و توجهت إلى السفارة الفرنسية في تطوان, و لم يكن لهم في ذلك الوقت سفير و إنما كان لهم قنصل, فلما رآني عبس و بسر و لم يأذن لي في الجلوس على الكرسي بل تركني واقفا انتقاما مني لجهادي الذي أقض مضجعه ـ و اسم هذا القنصل سوفوليس ـ و لما قرأ الكتاب قال لي بعنف و غضب: هؤلاء قد استقلوا و لم يبقى بيننا و بينهم علاقة, فقلت له: اكتب لي هذا الجواب فقال: أنا لا أستطيع أن أكتب حتى أكتب إلى المقيم العام في الرباط فهو الذي يستطيع أن يجيب في هذه القضية و سأكتب له فانتظر الجواب, فقلت: كم أنتظر؟ فقال: شهرين. فانتظرت شهرين ثم جئته, فلقيني بغير الوجه الأول و وضع لي كرسيا للجلوس عليه و قال: إن المقيم العام في الرباط قد وافق على إعطائك سمة الدخول و لكن بشرط أن لا تمر لا على الجزائر و لا على تونس أما فرنسا يمكنك المرور عليها, و لكن بشرط أن نتحقق أن عندك ما يكفي للنفقة على نفسك في مرسيلية لمدة شهر, لأن البواخر التي تسافر منها إلى بيروت بعد الحرب قليلة فقلت له: أعطني سمة الدخول إلى لبنان و دعني أفكر في طريق سفري فإن قررت السفر بطريق فرنسة رجعت إليك, ثم أراد أن يكفر عن ذنوبه السابقة فقال: إن أعداء فرنسة ينفقون الأموال الكثيرة لبث الفتنة و العداوة بين الفرنسيين و المغاربة و ينبغي للفرنسيين و المغاربة أن يتعاونوا على المصلحة العامة و لا يندفعوا مع الأعداء الذين لا يريدون بهذا الوطن إلا شرا, فقلت له: أما قولك إن أعداء فرنسة ينفقون الأموال إلى آخره فأنا لست ممن يشترى بالأموال و إنما أنا من المدافعين عن أوطانهم و قد اتفق العقلاء و النبلاء على أن هذا مقصد شريف, ثم قلت له: إن السفير الفرنسي في طنجة ذهب إلى السفير الانكليزي و سفير الولايات المتحدة و قال لهما: إن محمدا تقي الدين الهلالي وكيل لألمانيا و طلب منها الموافقة على نفيي من طنجة و أنا لست و كيلا لألمانية و إنما أنا و كيل

(1/57)


للمغرب و هو وطني أدافع عنه, فقال لي: لست مسؤولا عما يقوله السفير الفرنسي في طنجة, و إنما أريد أن تعلم و تقول: أن مسيو سوفوليس القنصل الفرنسي بتطوان تلاقاني باستقبال حسن, فأردت امتحانه و قلت له: إنني عازم على السفر إلى العراق و أنت تعلم أني منفي من وطني في الجنوب منذ زمان طويل فإذا أردت أن أتوجه إلى الرباط لأودع أستاذي شيخ الإسلام محمد بن العربي العلوي و غيره من الأصدقاء أتأذن لي في ذلك؟ فقال: ذلك ليس إلي و لا هو بيدي و إنما هو بيد المقيم العام في الرباط فإن أردت أن أكتب إليه و تنتظر الجواب, فقلت لا تكتب إليه الآن حتى أعزم على ذلك فقال لي: اذهب إلى الكاتب يعطيك سمت الدخول إلى لبنان فذهبت إليه فطلب مني ثمانين بسيطة أي درهما إسبانيا فسلمتها له فأعطاني السمة.
…هذا ما كان من أنر الفرنسيين معي و معاملتهم لي في تطوان و طنجة. و نسيت أن أقول: إن صحيفة الحرية التي كانت لسان حزب الإصلاح الوطني عطلت بسبب مقالاتي التي أغضبت القنصل الفرنسي ثلاث مرات, كل مرة شهرا, و غرمت ألف بسيطة في كل مرة.
…أما عداوت الانكليز لمؤلف هذا الكتاب فهي كالشمس في رابعة النهار. و لولا أن مؤلف كتاب التيمم يعيش بين جدران الزاوية و في سطحها للا طلاع على العورات أو في المقاهي و المتنزهات ـ على خلاف ما يدعيه من التصوف الكاذب ـ و لا يعرف من أخبار الدنيا الماضية و الحاضرة شيئالعرف عداوة الاستعمار و محاربته لي التي بلغت في الوضوح عند أهل المغرب و المشرق أنها لا تخفى إلا على أعمى البصيرة, فمن أدلة عداوة الانكليز و محاربتهم لي أنهم سبوني مرارا و تكرارا في إذاعتهم العالمية من أول ابتداء الحرب إلى نهايتها و السامعون في مشارق الأرض و مغاربها لا يزالون أحياء يرزقون.

(1/58)


…و هل علمت يا مسكين أنني أول ما لقيت المجاهد الكبير السيد أمين الحسيني في برلين نوه بجهادي و محاربتي للاستعمار بلساني و قلمي و خطبي المجلجلة في إذاعة برلين العربية التي كان يهتز لها طربا كل مجاهد مخلص في الشرق و الغرب, و كان يشرق بها كل مدجل من عبيد الاستعمار خائن غدار. و بلغ صاحب السماحة الأمين الحسيني ـ بارك الله في حياته ـ من تعظيمي إلى أن قال ذات يوم للزعيم عالي الكيلاني ـ كبير آل الشيخ عبد القادر الكيلاني و رئيس وزاراء العراق سابقا الذي قاد ثورة مروعة على الاستعمار البريطاني في العراق ـ قال له ما نصه:أسأل الله أن لا يحرمنا من وجود أمثال الشيخ محمد تقي الدين الهلالي, و قال كلاما أعظم من هذا تركته اقتصادا, و استمر على التنويه بجهادي إلى يومنا هذا. و آخر مرة نوه بجهادي كانت بقصره بظاهر بيروت في الصيف الماضي حين دعاني إلى مأدبة جمعت كثيرا من أهل الفضل و العلم و الأدب.

(1/59)


…و أورد لك هنا أيها المسكين شهادة أخرى و زنها عند المجاهدين ثقيل ألا وهي شهادة المجاهد المغربي العظيم السيد محمد بن عبد الكريم قائد ثورة الريف المشهورة التي بهرت العالم, لأنه حارب دولتين أوربيتين هما فرنسة و إسبانية لمدة سنتين لما ذهبت لزيارته بالقاهرة في صيف سنة سبع و أربعين و تسعمائة و ألف بتاريخ النصارى كان مريضا في الطبفة الرابعة ملازما للفراشو و جاء خلق كثير إلى مقصورة الاستقبال من الصحفيين و رجال الدولة المبرزين فاستقبلهم أخوه و سميه المجاهد محمد بن عبد الكريم و اعتذر لهم عن حضور الأمير بأنه مريض, و لكن لما أخبر بوجودي مع الزائرين أمر في الحال بأن أحضر عنده فجلست على كرسي إلى جانب سريره, فتلقاني بغاية الشوق و المحبة و الترحيب و قال لي: لم يكن شيء يسلسني في منفاي و غربتي مثل خطبك البليغة الرائعة التي كنت تلقيها في إذاعة برلين العربية, فأثنيت على جهاده و فضله فقال لي: أنت مجاهد أكثر مني, و ما كنت لأغتر بهذه الكلمة التي صدرت من هذا الرجل العظيم لشدة إعجابه بتلك الخطب.
…فكيف مع ذلك تتجرأ أن تصمني بخدمة الاستعمار و أخذ الأجرة من دعاة النصرانية الأوربية أو الأمريكية؟! و من يصدقك في هذا؟ و متى رأيت أنت أو رأى أحد البشر غيرك جماعة من دعات النصرانية تبذل الأموال لدعوت الناس إلى توحيد الله و اتباع رسول الله صلى الله عليه و سلم؟! فقد انقلبت هذه الجماعة من دعوتها إلى النصرانية إلى الدعوة إلى الدين الحنيف ملة إبراهيم! و من كان يعطيني أجرة على الدعوة إلى الله في صعيد مصر حينكنت أنت لم تخرج إلى الدنيا سنة1341هـ؟ و من كان يعطيني أجرة على الدعوة إلى الله في تطوان؟! و من كان يعطيني أجرة في الدعوة إلى الله قي بغداد؟!. أنا لم أعش بالدين قط مع أني و لله الحمد على دين الحق.
……و ما أنا بالباغي على الحب رشوة……ضعيف هوى يبغي عليه ثوابا

(1/60)


…و لكنك أنت و من يحلب في إنانئك تعيشون و تأكلون بدين الشركو تصدون الناس عن سبيل الله و تبغونها عوجا, و سنرى من يصدق الناس كلامه أأنت أم أنا, و لكن كما جاء في المثل بل هو من كلام النبوة القديمة(إذا لم تستحيي فاصنع ماشئت) و نظمه بعضهم فقال:
……فلا و الله ما في الدين خير……و لا الدنيا إذاذهب الحياء
……إذا لم تخش عاقبة اليالي……و لم تستحيي فاصنع ما تشاء …
…و قد سمعت بعدما رجعت من العراق إلى المغرب بعد الاستقلال أن أخاك لعلامة المحقق الشيخ أحمد بن الصديق ـ الذي تدعي الاقتداء به زورا و بهتانا و أنت سالك غير سبيله ـ حين رجع المجاهد الأكبر في المغرب العربي محمد الخامس رحمة الله عليه إلى عرش آبائه الأكرمين توجه إليه و طلب أن يدخل عليه للسلام و التهنئة, فرفض الملك أن يأذن له, ثم توجه إلى مصر و سمعت أن الحكومة المصرية اتهمته و أخاه بالتجسس فحكمت عليه بسجن طويلو على عبد الله بالسجن المؤبد كما يسمونه, و أسفت لذك لما أعرف فيه من العلم و الفضل و لما عاملني به من البر و الكرم, و إني لأرجوا أن يكون الله سبحانه و تعالى قد ختم له بالحسنى فتاب من الطريقة و من كل ما كان مخالفا لعقيدة السلف الصالح. و الله على كل شيء قدير.
…أما أنت فلا أعرفك و لا تعرفني و لكن غلبت عليك شقوتك فتعرضت لشتمي بدون مناسبة, أما قولك في الوهابية فسأفرد له كتابا علميا ليس فيه لغو و لا تهور و لا شتم و لا كذب و سأسميه) الدفع بالتي هي أحسن ) و قد جنيت على نفسك, و على أهلها براقش تجني و أقول لك غير مفتخر:
……و إن لساني شهدة يشتفي بها……و هو على من صبه الله علقم
…و أنشد أيضا:
……دعاني لشب الحرب بيني و بينه……فقلت له: لا لا هلم إلى السلم
……فلما أبى ألقيت فضل عنانه……إليه فلم يرجع بحزم و لا عزم
……فكان صريع الخيل أول وهلة……فبعدا له مختار جهل على علم

(1/61)


…و قد تعرض لي لما كنت مقيما في الشمال زمان الاستعمار رجال لا تساوي أنت قلامة ظفر أحدهم, فانقلبوا خائبين, لأني بالله أستعين و إياه أستنصر و أستهديو أدعوا إلى سبيله على بصيرة, لا أريد بدعوتي إلا وجه الله و منه أرجوا القبول, فقل لي بالله: أي فائدة في الدعوة إلى رد التقليد و حده مع نصر الشرك الأكبر و عقيدة الاتحاد و تقديس إمامها ابن العربي الزنديقالذي أجمع الأئمة على كفره؟!
…و لا يتسع المقام هنا لذكر أسماء الأئمة الذين حكموا بكفره في عصور مختلفة و قد ألف الإمام إبراهيم بن عمر البقاعي الحافظ كتابين في إقامة البرهان على كفر ابن الفارض وابن عربي أحدهما سماه تنبيه الغبي إلى تكفير بن عربي, و الثاني سماه تحذير العبا من أهل العناد ببدعة الاتحاد, أقام البرهان فيه على كفر ابن الفارض و أمثاله من أصحاب وحدة الوجود و نقل في هذين الكتابين نقولا وافية شافية عن اثنين و ثلاثين إماما من بلدان مختلفة في عصور مختلفة نقتصر على ذكر اثني عشر إماما منهم لهم قدم صدق عند جميع المسلمين: الأول سلطان العلماء الإمام عز الدين ابن عبد السلام, الثاني الإمام ابن دقيق العيد, الثاث الإمام الحافظ زين الدين العراقي, الرابع شيخ الإسلام ابن تيمية, الخامس تلميذه الحافظ شمس الدين بن القيم, السادس الإمام أبواحيان الأندلسي, السابع الإمام تقي الدين السبكي, الثامن الإمام جمال الدين ابن هشام صاحب المغني, التاسع الحافظ محمد ابن أحمد بن عثمان الذهبي مؤلف تذكرة الحفاظ, العاشر الإمام الحافظ تقي الدين الفاسي مؤلف تاريخ مكة, الحادي عشر إمام الصوفية في عصره أبو القاسم القشيري, الثاني عشر الإمام السهروردي مؤلف عوارف المعارف, فأي امرئ عنده ذرة من الإيمان والنصيحة لنفسه و للمسلمين يخالف هؤلاء الأئمة و يقدس الشيخ الأكفر ابن عربي الحاتمي و شيعته؟!لا جرم أنه لا يفعل ذلك إلا زنديق مثلهم. و لا يجوز التوقف في الحكم عليهم، قال الإمام

(1/62)


البقاعي في كتابه تحذير العباد المتقدم الذكر ما نصه: ( و لا يسع أحدا أن يقول: أنا واقف أو ساكت لا أثبت و لا أنفي لأن ذلك يقتضي الكفر, لأن الكافر من أنكر ما علم من الدين بالضرورة و من شك في كفر مثل هذا كفر, و لهذا قال ابن المقري في مختصر الروضة: من شك في اليهود و النصارى و طائفة ابن عربي فهو كافر ).
الحدث الثاني في تطوان و نواحيها
…و ضعت حاشية على كتاب كشف الشبهات لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب و طبعتها و نشرتها, و لكني استعملت في ذكر اسمه ما يسمى في مصطلح الحديث بتدليس الشيوخ, و هو جائز بل مستحسن إذا أريد به الإصلاح, و ذلك أن الشيخ يكون له اسمان اشتهر بأحدهما و لم يشتهر بالآخر قيذكره الراوي عنه بالاسم الذي لم يشتهر به لمصلحة في ذلك, أما إذا فعل ذلك ليوهم الناس علو سنده و ترفعه عن الرواية عنه ليوهم الناس أنه لا يتنزل للرواية عن مثله لصغر سنه أو عدم شهرته و غير ذلك من حظوظ النفس الأمارةفهو مذموم, و قد سميت الشيخ محمد بن عبد الوهاب محمد بن سليمان الدرعي فنسبته إلى جده ثم نسبته إلى الدرعية و ذلك حق فهي بلدته و لكن لم يشتهر بذلك, و زاد الأمر غموضا أن في المغرب كورة تسمى (درعة) و النسبة إليها درعي, فنجحت فيما قصدته من ترويج الكتاب, فقد طبعت ألف نسخة فبيعت في وقت قصير, و لم يتفطن أحد لذلك حتى الشيخ أحمد بن الصديق مع سعة اطلاعه و علو همته في البحث و كثرة ما في خزائنه من الكتب بقي في حيرة لأنه بحث في تاريخ المنسوبين إلى درعة فلم يجد أحدا منهم بذلك و لا أثر عنه هذا الكتاب, فبعث إلي يسألني عن هذا المؤلف من هو فأخبرته بالحقيقة, و لما اطلع العالم الأجل مفتي المملكة العربية السعودية و شيخ شيوخها محمد بن إبراهيم رحمة الله عليه على هذا العمل استحسنه كل الاستحسان. و إنما فعلت ذلك لأن المتأخرين من رجال الدولة العثمانية حرضوا شرار العلماء في جميع البلاد الإسلامية على تشويه سمعة الشيخ محمد بن

(1/63)


عبد الوهاب و كذبوا عليه, و أوهموا أتباعهم أنه جاء بدين جديد, و أنه يتنقص جانب النبي الكريم و يكفر المسلمين, إلى غير ذلك من الأكاذيب. و قد تبين لأكثر الناس بطلان تلك الدعوى و علوا علم اليقين أن محمد بن عبد الوهاب من كبار المصلحين الذين فتح الله بدعوتهم عيونا عميا و آذانا صما, و أنه أحيا العمل بكتاب الله و سنة رسوله في ججزيرة العرب بعدما كاد يندثر. و إلى الآن لا يزال بعض الغربان ينعقون بسبه كالغراب الذي تقدم ذكره, و ذلك لا يضره: إن كانوا مسلمين فإن سبهم له يجعل حسناتهم في صحيفته و إن كانوا مشركين فإن الله يزيدهم عذابا.
…و لما طبع هذا الكتاب غضب عباد القبور و أصحاب الطرائق و خطب كثير من أئمة المساجد خطبة الجمعة و نبهوا المستمعين إلى ما في هذا الكتاب من لضلال بزعمهم, لأن توحيد الله عندهم أعظم الضلال و لكن لم يستمع لهم أحد, أما العلماء المحققون, كالأستاذ محمد الطنجي و الأستاذ المجاهد عبد السلام المرابط و الأستاذ العبقري عبد الله كنون فإنهم رحبوا بطبع هذا الكتاب و أثنو عليه و على مؤلفه و ناشره, و لا يضر السحاب نبح الكلاب.
…ما ضر بدر السما في الأفق تنبحه……سود الكلاب و قد مشى على مهل
…ثم طبعت رسالة زيارة القبور مع حواشي قليلة لشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية و سميته أحمد بن عبد الحليم الحراني, و لم أذكر لفظ بن تيمية للعلة السابقة الذكر, فراح الكتاب و انتشر و نفع الله به المسلمين, و لما بعثت من كل من الكتابين نسخة إلى الشيخ محمد بن إبراهيم رحمة الله عليه فرح بنشرهما و استحسن الطريقة التي سلكتها لبعد نظره و وفور عقله و حكمته.

(1/64)


…و قد جربت في بلاد المغرب في الشمال و الجنوب أن نشر كتب التوحيد و اتباع السنة يتوقف على نجاح الدعوة إلى الله في المساجد فإذا درس الداعي كتابا من كتب التوحيد و بين للمستمعين ما فيه من كنوز العلم و الحكمة يرغب المستمعون في اقتناء ذلك الكتاب, و بقراءته تتسع معرفتهم للحق و يزدادون اطمئنانا و يقوى إيمانهم و تندفع عنهم الشبهات. فمن ذلك: أنني درست في الجامع الكبير كتاب فتح المجيد شرح كتاب التوحيد لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب و ختمته في ذلك المسجد مرتين, فانتشر هذا الكتاب انتشارا عظيما حتى أني طلبت من جلالة الملك فيصل جزاه الله عنا و عن المسلمين أحسن الجزاء, بواسطة الشيخ عبد الملك بن إبراهيم بارك الله في حياته أن يمدني بنسخ من فتح المجيد, فأمر بإرسال ثلاثمائة و ثلاث و أربعين نسخة بالبريد الجوي, فبدا لي أن لا أوزعها مجانا لأمرين:أحدهما: أنني لا آمن أن تقع بعض النسخ في أيدي أعداء التوحيد فيحرقوها, و قد رأيناهم يفعلون ذلك في المشرق و المغرب فإذا فرضنا أن شخصا أو أشخاصا بلغ بهم التعصب إلى أن يشتروا الكتاب و يحرقوه فإن ذلك لا يضرنا, لأننا نجمع دراهمه و نطبعه مرة أخرى و لا شك أنه لا يفل ذلك منهم إلا قليل, لأن الناس مجبولون على حب المال و البخل به و لا يبدلونه إلا فيما هو أحب منه إليهم, الأمر الثاني: ما قاله المؤلف الإنكليزي الطائر الصيت( برناردشو) أن الكتاب الذي لا يدفع ثمنه لا يقرأ.

(1/65)


…فبيعت تلك النسخ كلهاإلا قليلا منها منحته للمستحقين و لم آخذ منهم ثمنا لعلمي بفقرهم و صدقهم. بيعت في مدة قصيرة و صار الكتاب في حكم المفقود, و كنت أبيع النسخة بستة دراهم فقط, و لم يكن يروج إلا في البلدان التي تلقى فيها دروس التوحيد كمكناس و تطوان و أرفود, أما مكناس و أرفود فإنني ألقي فيهما دروسا في التوحيد و أما تطوان فقد تقدم أني دعوت إلى التوحيد فيها, و في هذا الزمان يوجد فيها داع و هو أخي الأستاذ محمد العربي الهلالي, و صار الناس في هذه النواحي يبحثون عن هذا الكتاب ليشتروه بضعف ثمنه فلم يجدوا منه شيئا, و لما ذكرت ذلك لصاحب السماحة الأستاذ الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز أمتع الله المسلمين بطول بقائه و أخبرته أني جمعت من بيع تلك النسخ ألفا و ثمانمائة ريال سعوديا قال لي: و أنا أنبرع بستمائة ريالتضاف على ذلك ونشترك في طبعه من جديد, و الكتاب الآن تحت الطبع, و ذكرت ذلك أيضا للعام الجليل بقية السلف الشيخ عمر بن حسن آل الشيخ أمتع الله المسلمين بطول بقائهفوعدني بتحصيل ألف نسخة, وهو كريم لا شك أن يفي بوعده, و هذا الكتاب مع وجود الداعي الناجح في دعوته يساعد على نشر الدعوة مساعدة عظيمة لا ينقضي منها العجب. أما البلد الذي ليس فيه داع فإنه لا يروج فيه أصلا, فقد بعثت خمس نسخ إلى مدينة مشهورة في المغرب فبيع منها في سنة ثلاث نسخ فقط.
الحدث الثالث
هم جماعة من الناس بقتلي
…و هذا الحدث فيه عبرة لمن اعتبر. فإني أصبت بداء الربو في تطوان و اشتد علي ففرح المشركون عباد القبور و أصحاب الطرائق و قالوا إن الولي الأكبر رئيس الأولياء في تطوان و اسمه السعيدي و له ضريح عليه قبة يعبده كثير من الناس, و إذا قحطوا يذهبون إليه و يسألونه المطر و يوافقهم سفهاؤهم الذين يسمونهم الفقهاء.

(1/66)


…فبينما أنا مريض ملازم للفراش في بيت منفرد خارج تطوان و زجاج طاقته مكسور, فمن أراد أن يرميني برصاصة لا يحتاج إلا إلى حجر واحد يضعه إلى جانب الجدار فيطل علي و يرميني, بينما أنا كذلك جاءني أحد تلامذتي ـ و هو السيد محمد العبودي ـ فقال لي: إن فلانا جاءني و قال لي: إنه هو و أمير قبيلة عروس و جماعة معهم عدد الجميع خمسة و عشرون رجلا قد اجتمعوا في بيت أحدهم و تعاهدوا على قتلك و جمعوا الدية حتى إذا كان لك ورثة يدفعونها لهم, و قال لي: إن صاحبكم في حكم الأموات فعما قريب نقتله و نريح الناس من شره, لأن الوقاحة بلغت به إلى أن طعن في جدنا القطب عبد السلام بن مشيش, قال لي ذلك و أنا مريض ملازم للفراش كما تقدم فقلت:{لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا هو مولانا و على الله فليتوكل المؤمنون قل هل تربصون بنا إلا إحدى الحسنيين}التوبة:51,52.
…و لما أصبحت تكلفت المشي إلى الزعيم عبد الخالق الطريس رحمه الله و أخبرته الخبرفقل لي: إن هذا الرجل و من معه هم أتباع و أقرب خالد الريسوني أمير العرائش و قد أطلق المستعمرون يده يفعل ما يشاء ففوض أمرك إلى الله و توكل عليه, فقلت له: هذا هو الرأي الذي عزمت عليه و إنما قصدت إخبارك.

(1/67)


…و مضت على ذلك سنتان و أنا أقاسي ألم الربو و أبيت الليلي الطوال جالسا أسعل و ألهث, و كلما اشتدت نوبة الربو تخور عزيمتي و أقرر في نفسي أنني متى أقلعت عني هذه النوبة أذهب إلى القنصل الفنسي و أستسلم و أطلب العفو, لأني أعلم بواسطة الأطباء أن دوائي هو الهواء الناشف, و الأراضي الشمالية التي بأيدي الإسبنيين كلها رطبة قريبة من البحر الأبيض بحر الروم, و يسمى الآن عند الأوروبيين و من تبعهم بما معناه البحر الأبيض المتوسط و هو الذي عليه مراسي شمال المغرب و الجزائر و تونس و طرابلس ـ التي تسمى اليوم ليبيا ـ و الإسكندرية و بيروت و مراسي أوروباو البلاد التركية, فأعرض مكان في هذا القسم من المغرب لا يزيد طوله على ثلاثين ميلا و هو مستطيل من الغرب إلى الشرق, و لكني حين تزول عني نوبة الربو تعود إلي شجاعتي و تجلدي, بقيت على ذلك ثلاث سنينو نصف إلى أن يسر الله لي الرجوع إلى العراق و لم أستسلم, و تقدمت محاورتي مع القنصل الفرنسي في تطوان, و قد فررت من الرطوبة إلى غرناطة من بلاد الأندلس و أقمت فيها أربعة أشهر, و لكنها هي أيضا ليست بعيدة من البحر.

(1/68)


…ثم رجعت إلى تطوان و قيل لي أن مدينة شفشاون على جبل عال بعيدة من البحر نحو خمسة عشر ميلا فلو جربت الإقامة بها, فسافرت إليها يرافقني تلميذي الحاج أحمد هارون بارك الله فيه, فلما أردنا أن نأخذ غرفة في الفندق الجميل المخصص لسائحين امتنع صاحبه ـ و هو نصراني إسباني ـ أن يعطينا غرفة لما رآني أسعل و ألهث و أبصق في كل حين, و رأى أن ذلك يتقزز منه النازلون في الفندق و كلهم من المترفين, فبيقت في مكتب الفندق جالسا على كرسي أفكر أين أنزل, فجاءني رجل أبيض أشيب تدل هيئته على أنه من أعيان البلد, فقال لي: تعرفني؟قلت: لا. فقل لي: أنا أحمد الريسوني و أنا من المحبين لك و أنا مستعد لإنزالك في بيتي على الرحب و السعة سأكون سعيدا بإقامتك عندي ما شئت من الزمن, و لكن الحكومة سنت قانونا يمنعنا من إنزال الضيوف عندنا في الليلت الأولى, و يوجد هنا فندق حقير يمكن أن تمضي فيه هذه الليلة و في الغد تنزل في بيتي فقلت له: جزاك الله خيرا, فأمضيت تلك الليلة في ذلك الفندق الذي أخبرني به ثم نزلت عنده بضعة أشهر و أكرمني غاية الإكرام.

(1/69)


…و حين استقررت في بيته حكى لي حكاية المؤامرة على قتلي بالتفصيل فقال لي: بلغنا أنك تطعن في كرامة الأولياء و تطعن بالخوص في جدنا عبد السلام بن مشيش, فغضبنا لذلك و عزمنا على قتلك و جمعنا ديتك أنا و فلان و أمير بني عروس و معنا اثنان و عشرون رجلا, و لم يبقى لنا إلا أن نشاور رئيسنا سيدي خالد الريسوني فذهبنا إليه ثلاثتنا و تكلم أمير بني عروس و هو يبكي و قال: يا ابن العم لا خير في الحياة بعد أن نسمع القدح و الطعون في شيخ الشيوخ و إمام العارفين جدنا عبد السلام بن مشيش و الذي يطعن فيه و ينتهك حرمته رجل غريب حقير و هو فلان ـ و سماني ـ و قد عزمنا على قتله و جمعنا ديته و ما بقي لنا إلا إذنك, فأيدت أنا و فلان كلامه و إذا بالأمير خالد يتكلم و يقول: إن محمدا تقي الدين الهلالي عالم من خيرة العلماء و أنتم لا تعرفونه و أنا أعرفه, و جدنا عبد السلام عالم فاتركوا العلماء إذا تكلموا بعضهم في بعض فليس للجهال أن يتعرضوا لهم. ثم قال لنا: أيكم سمع طعنه في جدنا؟ فقلنا هذا متواتر على ألسنة الناس, فقال: الناس يكذبون و يفسدون في الأرض و لا يصلحون. كل منكم ينصرف إلى شأنه و اتركوا هذا الأمر فهذا ليس من شأنكم.

(1/70)


…قال: فأما أمير بني عروس فقد رضي بقوله و لم يبقى في قلبه شيء و قال: يا ابن عمي أنت عالم و نحن جهال إذا أخطأنا تردنا إلى الصواب قال: أما أنا و فلان ـ و لم أسمه لأنه حي يرزق و لم يبلغني ندمه على ذلك ـ فإننا لم نقتنع بما قاله لنا سيدي خالد و لكننا لا نستطيع أن نعمل شيئا بدون رضاه قال: فتفرقنا فانطلق فلان إلى أهله و توجهت أنا إلى تطوان لا ألوي على شيء حتى لقيت وزير الأوقاف محمد بن موسى فقلت: أيها الوزير أما تخاف الله تعطي من أوقاف المسلمين خمسمائة بسيطة لهذا الضال المضل الهلالي الذي ما ترك أحدا إلا طعن فيه؟! طعن في مذهب الإمام مالك و رجاله و طعن في الأولياء كلهم و أنكر كرامتهم و بلغت به الوقاحة إلى أن طعن في جدنا القطب عبد السلام بن مشيش قال: فقل لي الوزير: أنت سمعت منه ما ذكرت؟ قلت: لا و لكنه خبر متواتر, قال: فقا لي: لا ينبغي لنا أن نحكم بقيل’ و قال: إنه يلقي ثلاثة دروس في كل أسبوع فماذا يضرك أن تحضر دروسه و تسمع كلامه, قال: فقلت: أفعل إن شاء الله.
…قال: و أقمت أسبوعا في تطوان حضرت دروسك فيه فما سمعت إلا خيرا و ندمت على ما كان مني. و قد مرت علي سنتان طالما هممت أن آتيك و أطلب منك العفو فلم أوفق إلى أن سنحت لي هذه الفرصة السعيدة, فحياك الله و أهلا و سهلا بك. 67
…و وجدت أن هواء شفشاون خصوصا في الصيف أقل ضررا من هواء تطوان فبقيت فيها خمسة أشهر إلى أن حدثت الحادثة الآتي ذكرها إن شاء الله.

معركة مع شيخ متصوف من أهل تطوان

(1/71)


…كان هذا الشيخ ـ و لا أسميه ـ كأكثر متصوفة الوقت آلة بيد المستعمرين يمدحهم و يثني عليهم, و قد و لوه وزارة العدل في وقت من الأوقات و جعلوه رئيسا للمجلس الإسلامي الأعلى في و قت آخر, فضيفني أول ما قدمت تطوان و أملى علي الحديث المسلسل بالأولية إلى سفيان الثوري عن عمرو بن دينار عن أبي قابوس مولى عبد الله بن عمرو عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:{ الراحمون يرحمهم الرحمن تبارك وتعالى ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء}أخرجه جماعة منهم البخاري في الأدب لمفرد و أبو داود و الترمذي و صححه. و فعل ذلك طمعا أن أرويه عنه و أنا لا أروي شيئا عن طرقي و هذا الشيخ المفتون تيجاني فنسأل الله العافية. فلما رآني جردت السيف في الدعوة إلى التوحيد و محاربة البدع ذمني في دروس وعظه, فهجوته بثلاث قصائد ضاعت مني الأولى و هي التي أقضت مضجعه ـ و من عادتي إذا أردت أن أهجو أحدا أن أبحث عن عيوبه التي يؤلمه نشرها و سماعها فأنظمها في سلك القصيدة و لا أقتصر على الشتم المجرد, لأن ذلك لا يؤلم كثيرا و لا عبرة بقول من قال: أحسن الشعر أكذبه, بل أحسن الشعر أصدقه ـ و عدد أبيات هذه القصيدة ستة عشرون. و كان ساعدي الأيمن في نشر قصائد الهجو لمن يستحقه تلميذي البر الحاج أحمد هارون فكان يطبع القصائد في آلة المعهد الحر, و يخرج منها نسخا كثيرة يوزعها على الناس بإلقائها في دكاكينهم أو في جيوب ثيابهم المعلقة حين يتوضؤون, و قد قامت هذه القصائد الهجائية اللاذعة لي مقام العشيرة و العصبة و المناظرين, و قرض الشعر أمر محمود إذا كان صاحبه لا يظلم الناس و لا يكذب في مدحهم و ذمهم. قال ابن الوردي في لا ميته:
……أنظم الشعر و لا زم مذهبي……اطراح الرفد في الدنيا يجل
……فهو عنوان على الفضل و ما……أحسن الشعر إذا لم يبتذل

(1/72)


…و قال بعض العلماء و أظنه محمدا الأمير الصنعاني رحمة الله عليه ما معناه: إن من أفضل ما يتحلى به العالم أم تكون عنده ملكة قرظ الشعر ينتصر به على خصومه و يبين به الحق.
…و المخازي التي ذكرتها في القصيدة المذكورة أهمها قصة وقعت له مع شخص محتال ـ لا أسميه لأنه لا يزال في قيد الحياة ـ و كان ذلك الرجل شابا يحسن الاحتيال فجاء إلى ذلك الشيخ المتصوف المفتون, و كان يعلم أنه يعتقد أن في كل زمان القطب الغوث الذي لا تتحرك ذرة في العالم إلا بإذنه و هو المتصرف في السماوات و الأرض و به تقوم السماوات و الأرض و هو محل نظر الحق في خلقه و هو خليفته في خلقه و لو غفل عن العالم طرفة عين لاندك العالم و صار عدما محضا ( انظر كتابي الهدية الهادية إلى الطائفة التيجانية ) فجاء ذلك الرجل إلى الشيخ المذكور و ادعى له أنه القطب فافتتن به و أخذ يخدمه بنفسه مع أن الخادم تجاوز السبعين و المخدوم في أوائل الشباب و كانت عند الشيخ ابنة استحسنها القطب الكاذب فأمره أن يزوجه إياها فأحضر الشهود في الحين و زوجه بها و صار أهل المدينة يسخرون منه و دنى وقت الحج.

السفر إلى مكة في لحظة

(1/73)


…فقال الشيخ للقطب: يا سيدي سمعنا أن بعض الشيوخ يحج بطريقة الخطوة بحيث يسافر إلى مكة بخطوة واحدة فما رأيكم في ذلك؟ فقال: ذلك صحيح و أنا من الذين يحجون على هذه الطريقة فقال: يا سيدنا و هل يمكنك أن تصحب معك أحدا؟ فقال: كيف لا يمكن؟! كل شيء عند أولياء الله ممكن. قال: يا سيدي فهل لك أن تحج بنا في هذه السنة فقال: يكون ذلك قال: أريد أن ترافقنا زوجتي أيضا, فقال: لا بأس. و عند ذلك ازداد الشيخ تعظيما لهذا المحتال و بالغ في عبادته هو و أهل بيته, و لما جاء يوم عرفة اغتسل و زوجته و لبسا ثياب الإحرام, و بقيا ينتظران القطب يأخذ بأيديهما و يطير بهما إلى مكة إلى أن كادت الشمس تغرب, فعيل صبر الشيخ و قال: يا سيدي إن الفقهاء يقولون لا بد من الوقوف بعرفة قبل غروب الشمس و قد كادت الشمس تغرب. فقال: بسم الله قوما. فصعد بهما إلى السطح.
…و من عادة أهل تطوان أن يجعلوا في كل سطح جلاء, و هذا الجلاء يكون على قدر ما تدخل الشمس و النور و الهواء و يكون مربعا في كل ركن من أركانه تبنى سارية قصيرة و يوضع على السواري سقف فيدخل النور و الهواء إلى أسفل من أربع جهات و لا يدخل المطر, فذهب القطب يتقدمهما حتى وقف على الجلاء و قال: أنتما أعميان ألا تنظران هذه الكعبة؟! فهلم نطوف بها فطافوا بذلك الجلاء سبعة أشواط و لكن الشيخ لم ير كسوة الكعبة و لا الحجر و لا مقام إبراهيم و لا زمزم و لا أحد يطوف بتلك الكعبة و لكنه لم يستطع أن يتكلم تعظيما للقطب. و لما سمع أهل تطوان بهذا الحج المبرور ازدادوا سخرية و صار الناس لا يتحدثون و يتفكهون إلا بهذه الحكاية, فجاء أصدقاء الشيخ و أخبروه بأنه صار مضغة في الأفواه و أن هذا الشاب قد جعله أضحوكة و نصحوا له بطرده فطرده و أجبره على تطليق ابنته.

(1/74)


…و لما شاعت القصيدة عند الناس بلغه خبرها, و كان في ذلك الوقت مشرفا على التعليم الديني و رئيسا للمجلس الإسلامي الأعلى, فبلغه أن نسخة من القصيدة في مكتب مدير المعارف فأمر بإحضارها فكذبوا عليه و قالوا: ما عندنا شيء, فبعث خادمه إلى فضيلة الأستاذ محمد الطنجي رئيس قسم الوعظ و الإرشاد في وزارة الأوقاف المغربية في الوقت الحاضر, و كان في ذلك الوقت تاجرا لأن الاستعمار حرمه من جميع المناصب العلمية, فقال له: يسلم عليك الشيخ و يطلب منك نسخة من القصيدة التي هجاه بها الهلالي, و هذه ست عشرة وسيطة مع أن القصيدة في صحيفة واحدة لا تساوي ربع بسيطة و فقال له الأستاذ المذكور: سلم عليه و قل له: ما عندي منها شيء. و القصيدة الثانية فيها إقذاع ضربت عنها صفحا, أما الثالثة فقد كانت بإذن الله الذي وعد رسله و أتباعهم بالفتح و النصر المبين, كانت مقرونة بالقضاء على هذا الشيخ.
عزل الشيخ المتصوف الذي حج على سطح بيته
من جميع المناصب العلمية و الدينية
…كنت قد سميت القصائد الثلاث بأسماء مطابقة لحوادث ذلك الزمان, ففي ذلك الزمان كان الجرمانيون في أوج عزتهم, و كانوا قد اخترعوا القنبلة الموسومة برقم(1) ثم القنبلة الموسومة برقم(2) ثم القنبلة الموسومة برقم(3) و كانت هذه القنبلة الأخيرة ترسل من البلاد الجرمانية إلى مبنى بعينه في لندن عاصمة بريطانيا فتصله في بضع دقائق و تدمره في أسرع من طرفة عين, و قد سمعت رجلا يتحدث في إذاعة لندن من الذين نجو من الموت بعدما أرسلت قنبلة رقم(3) على المبنى الذي كان يسكن فيه فدمرته في لحظة, قال الرجل: كنت نائما في غرفتي فما شعرت إلا و أنا في المستشفى لأن رجال الإسعاف أخرجوني من تحت الأنقاض مغما علي و أسعفوني بالعلاج, سمعت ذلك من إذاعة لندن باللغة الانكليزية.

(1/75)


…و بإلهام من الله تعالى سميت القصائد الثلاث بالأسماء المذكورة, فكانت القنبلة ذات الرقم(3) كما أملت مقرونة بالكارثة التي أصابت هذا الشيخ قال تعالى:{ و من يتق الله يجعل له مخرجا و يرزقه من حيث لا يحتسب }سورة الطلاق:2,3 و الحنفاء أهل لا إله إلا الله يتقون الله بتوحيده و ترك الشرك به و اتباع نبيه الكريم فيجعل الله لهم مخرجا من كل شدة و يرزقهم من حيث لا يحتسبون و ينصرهم على أعدائهم. فيا أيها المسلم الموفق حقق التوحيد و الاتباع ترى العجب العجاب قال تعالى في سورة غافر:{ إنا لننصر رسلنا و الذين ءامنوا في الحياة الدنيا و يوم يقوم الأشهاد }.غافر:51.
…كان هذا الشيخ أكبر مفت في شمال المغرب و تقد أنه كان قد تولى وزارة العدل مدة من الزمان, و كان ـ كأكثر المفتين ـ من المقلدة الأغمار إذا جاء أحدهم سائل عن حكم قضائي يقول له مثلا: تعطني الآن نقدا خمسمائة أجرة البحث في كتب الفقه فإن و جدت لك قولا يمكنك من الغلبة على خصمك تعطيني خمسة آلاف درهم, و إن لم أجد شيئا لم آخذ منك إلا ما تقدم, فإذا وجد له قولا من أقوال مجتهدي المذهب ينصر قضيته أخذ منه المقدار المشروط و أعطاه الفتوى, و إن لم يجد شيئا غنم خمسمائة درهم و صرفه. و كذلك خصمه يذهب إلى مفت آخر فيعامله بالمعاملة نفسها, فإذا اجتمعت الحجج و الفتاوى عند القاضي في مدة سنين طويلة و كان نزيها لا يأخذ رشوة ـ و ذلك نادرـ يرجح إحدى الفتويين و يحكم لصاحبها بغير ما أنزل الله, فيحل الفروج و يسفك الدماء في زمن الاستقلال, أما في زمان الاستعمار فإن أحكام القتل و الجروح جعلت لها محاكم عرفية و عزلت المحاكم الشرعية عنها, و كذلك ينقل الأموال من ملك زيد إلى ملك عمرو بآراء الرجال التي ما أنزل الله بها من سلطان .{ و من لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } و الظالمون الفاسقون و هذا أمر معروف في بلاد المغرب لا يزال العمل جاريا به.
فتوى الشيخ المتصوف

(1/76)


…أما هذا الشيخ العارف باللاهي لا بالله فقد أفتى فتيين متناقضين غريبتين عجيبتين:
…وقعت خصومة على مال بين تاجرين مغربيين أحدهما مغربي و الآخر مسلم, فانطلق اليهودي إلى الشيخ المفتي فعامله بالمعاملة التي تقدم ذكرها و أخذ منه آلافا من الدراهم و أصدر له فتوى تحتم على القاضي أن يحكم له, فقال القاضي للتاجر المسلم: هات ما ينفعك من الحجج, فذهبت زوجته و كانت إسبانية إلى المفتي نفسه الشيخ المتصوف العارف و سلمت له ستة آلاف درهم فأصدر لها فتوى تحتم على القاضي أن يحكم لزوجها على خصمه اليهودي.
…و كانت المحاكمة في زمان الاستعمار كلها تترجم إلى اللغة الإسبانية و يطلع عليها الحكام الإسبانيون قبل إصدار الحكم, فترجمت الفتويان المتناقضتان و رفعتا من حاكم إلى حاكم حتى بلغتا إلى المقيم العام و هو الحاكم الأعلى فغضب غضبا شديدا, و كتب إلى خليفة السلطان مولاي الحسن بن المهدي يقول: نحن لم نرد أن نتدخل في شريعتكم فتركناكم أحرارا تحكمون في محاكمكم بشريعتكم, و أنتم تزعمون أن هذه الشريعة وضعها لكم محمد و هو أخذها من القرآن الذي هو كلام الله حسب اعتقادكم, فانظر إلى هاتين الفتويين المتناقضتين الصادرتين من مفت واحد يقول, إن الشريعة الإسلامية تجعل الحق لليهودي و لخصمه في قضية واحدة فإما أن تكون شريعتكم في أصلها فاسدة باطلة, و إما أن تكونوا قد كذبتم على الله و على محمد, هذا ما كتب به المقيم العام لخليفة السلطان في شمال المغرب.

(1/77)


…فلما قرأ الخليفة كتاب المقيم العام أصابه من الغم و الحزن ما كاد يقتله, فدعا الوزراء و المستشارين و غضب عليهم غضبا شديدا و قال: ألا ترون إلى هذا المجرم كيف فضحنا عند الأجانب و ألصق بشريعتنا كذبا و زورا و طمعا هذا الخزي, فماذا يستحق من العقاب؟ فقالوا كلهم: الرأي لسيدنا. فقال: اتقوا الله و قولوا ما أوجب الله عليكم فأعادوا جوابهم. فقال: أنا أحكم عليه بالعزل من جميع المناصب الدينية و العلمية و الدنيوية, و لو قدرت على أكثر من هذا لحكمت عليه به, فعزل من الإمامة و الخطابة و الوعظ و الشهادة و لم يبق له شيء إلا منصبا واحدا و هو رئاسة المجلس الإسلامي الأعلى, لأن هذه لم تكن بيد الخليفة بل كانت بيد المستعمرين الإسبانيين و لكن الإسبانيين لما رأوا الخليفة عزله من جميع المناصب التي في يده عزلوه هم أيضا من رئاسة المجلس الإسلامي فبقي لا يجد ما ينفق.
…و قد رأيت أن من المستحسن أن أذكر هنا نخبة من القصيدة الموسومة فاو(3) و هذا لفظ ألماني و ترجمته القنبلة الموسومة برقم(3) و فرق بين هذه القنبلة الحنيفية و القنبلة الهتلرية, فإن العدو الذي كان يحارب بالقنبلة الهتلرية استرجع قوته و انتصر على هتلر, أما عدو الحنيفية فكانت تلك القنبلة قاضية عليه و لم تقم له بعدها قائمة و هذه نخبة من القصيدة المشار إليها:
……
……أتشتمني يا ابن اللئام بلا سبب……و أنت يمين الله قرد بلا ذنب
……فلا أنت ذو علم و لا أنت ذو حجى……و لا أنت ذو تقوى و لا أنت ذو حسب
……و لا أنت ذو عرض مصون موفر……و لا أنت ذو حلم و لا أنت ذو نسب
……شوى الحسد الممقوت قلبك في لظى……فأصبح يبدوا اليوم من فمك اللهب
……رأيت صنيع الله بي و هباته……فنالك منها كالجنون و كالكلب
……تريد بقول الهجر تطفئ نوره……و من رام يطفئ نوره مسه العطب
……و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء……فمن ذا الذي يستطيع منعا لما و هب
……تحارب ربالناس في أوليائه……و من حارب الجبار أودى به الحرب

(1/78)