صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : أرشيف ملتقى أهل الحديث

وقال الخطيب أيضاً: "ولو لم يكن في الاقتصار على سماع الحديث وتخليده الصحف، دون التمييز بمعرفة صحيحة من فاسده، والوقوف على اختلاف وجوهه، والتصرف في أنواع علومه، إلا تلقيب المعتزلة القدرية من سلك تلك الطريقة بالحشوية ؛ لوجب على الطالب الأنفة لنفسه، ودفع ذلك عنه وعن أبناء جنسه" ( ).
الثاني: يقول في بيانه الخطيب في (شرف أصحاب الحديث): "إنما كره مالك وابن إدريس وغيرهما الإكثار من طلب الأسانيد الغريبة والطرق المستنكرة، كأسانيد: (حديث الطائر، وطرق حديث المغفر، وغسل الجمعة، وقبض العلم، وإن أهل الدرجات، ومن كذب علي، ولا نكاح إلا بولي.. وغير ذلك، مما يتتبع أصحاب الحديث طرقه، ويعنون بجمعة ؛ والصحيح من طرقه أقلها. وأكثر من يجمع ذلك: الأحداث منهم، فيتحفظونها ويذاكرون بها. ولعل أحدهم لا يعرف من الصحاح حديثاً وتراه يذكر من الطرق الغريبة والأسانيد العجيبة التي أكثرها موضوع وجلها مصنوع، ما لا ينتفع به، وقد أذهب من عمره جزءاً في طلبه. وهذه العلة هي التي اقتطعت أكثر من في عصرنا من طلبه الحديث عن التفقه به، واستنباط ما فيه من الأحكام. وقد فعل متفقهة زماننا كفعلهم، وسلكوا في ذلك سبيلهم، ورغبوا عن سماع السنن من المحدثين، وشغلوا أنفسهم بتصانيف المتكلمين. فكلا الطائفتين ضيع ما يعنيه، وأقبل على مالا فائدة فيه" ( ).
فبين الخطيب أن سبب كراهة مالك وغيره لتتبع الطرق وجمع الأسانيد من طلبة الحديث، لا لأنه تتبع وجمع وحسب، ولكنه جمع لطرق أحاديث صحيحة أصلاً، وليس هناك أي فائدة زائدة من تتبع أسانيدها الأخرى التي قد يكون أغلبها ضعيفاً أو باطلاً. ومثال ذلك في عصرنا: ذاك الذي سود صفحات طويلات في تخريج حديث واحد، متوسعاً غاية التوسع في ذكر مصادر العزو، من مسانيد ومعاجم ومشيخات وأجزاء وتواريخ، مع أن الحديث صححه الشيخان من قبل، ولعله وافقهما على تصحيحه أئمة آخرون، ولا مخالف لهم في تصحيحه ؛ فيخرج أخونا هذا، دون أي فائدة زائدة على ما كان قد بدأ به، عندما عزا الحديث للصحيحين ، وهو أن الحديث صحيح!!
ثم إنه لا تتحقق كراهية ذلك الجمع للأسانيد إلا بشرط، وهو إذا ما كان الجامع لها من أحداث طلبة العلم وصغارهم، ممن لم يصلوا إلى درجة معرفة قدر جيد من صحيح السنة، فتنقطع أعمارهم في جمع تلك الأسانيد، ولعل أحدهم لا يعرف حديثاً صحيحاً (كما يقول الخطيب)، فذهب عمره فيما لا ينتفع به. فمثل هذا لا تخصص في الحديث، ولا تعلم الفقه ؛ ولذلك عاب عليهم الخطيب انشغالهم عن الفقه بما هم فيه، فالفقه أجل وأشرف بكثير مما هم فيه.
ولذلك قال علي بن المديني: (إذا رأيت طالب الحديث أول ما يكتب الحديث يجمع: حديث الغسل، وحديث من كذب علي ؛ فاكتب على قفاه: لا يفلح " ( ).
أما إذا كان الجامع لطرق الحديث (ولو كان أصل الحديث صحيحاً بأقل تلك الطرق أو بواحد منها) من الأئمة الكبار في السنة، الذين هم أولاً أئمة في الاطلاع على صحيح السنة والثابت منها، وفي تمييز المقبول من المردود، وهم ثانياً لم يقطعوا أعمارهم في جمع تلك الأسانيد، بدليل إمامتهم واطلاعهم العظيم على السنة ؛ فهؤلاء لو جمعوا أسانيد حديث صحيح بأحد تلك الأسانيد، أي لو قاموا بمثل ما عبناه على الأحداث الصغار في العلم، لما عبناهم بذلك، بل نفرح بجهدهم هذا، ونعتبره من النفائس والأعلاق؛ وذلك لأن جمعهم الأسانيد لم يكن على حساب كمال علمهم بالسنة، ولم يشغلهم عما ينتفعون به من الأحاديث الصحيحة وتمييزها عن السقيمة. ولذلك فإن الأحاديث التي مثل بها الخطيب مما يعاب على الأحداث جمعه، لا يكاد يوجد حديث منها إلا قام بجمع طرقه حفاظ كبار وأئمة أعلام ممن يقتدي بهم.
فحديث الطير للإمام الذهبي فيه مصنف.
وحديث غسل الجمعة جمع طرقه الحافظ ابن حجر، كما نقله الزبيدي في (لقط اللآلي المتناثرة).
وحديث (من كذب علي) جمع طرقه الطبراني وابن الجوزي.
وحديث (لا نكاح إلا بولي) جمع طرقه شرف الدين الدمياطي.
بل إن الخطيب نفسه ذكر جل هذه الأحاديث، في سياق ما ينصح بجمعه، اقتداء بالمحدثين الذين جمعوا تلك الأحاديث ( ). ومن قبله ذكرها الحاكم في كتابه (معرفة علوم الحديث)، في نوع خاص بها ( ).
وخلاصة ما سبق، فيما يلام عليه طالب الحديث وما لا يلام عليه من التدقيق في العلم، هو أنه يلام في قضاء العمر: في جمع الأباطيل والمناكير، وعدم تمييزها عن الصحاح المشاهير ؛ وفي تتبع أسانيد حديث صحيح بأحد تلك الطرق، ولا فائدة في تتبع الأسانيد الأخرى، إلا انقضاء الحياة دون معرفة قدر كبير من صحيح السنة وتعلم علوم الحديث.

(1/9045)


أما اللوم على التدقيق في العلم مطلقاً، فهو من أعظم الصواد عن العلم، ومن أكبر الدواعي إلى الجهل ؛ وإلا فمتى يصل طالب العلم إلى مصاف العلماء ؟ إذا لم يدقق التدقيق الذي بحسب مرتبته من العلم، والذي هو من باب الترقي في التعلم والتدرج فيه ؛ من هو فهم رؤوس المسائل، إلى فهم فروع المسائل، إلى التفقه في العلم وأدلته وأصوله، إلى الاجتهاد فيه والاستنباط. وقد سبقت عبارة الإمام الشافعي، التي يقول فيها: (من تعلم علماً فليدقق، لكيلا يضيع دقيق العلم).
وإنما أطلت هذه الإطالة في الحث على التخصص، وفي علم الحديث خاصة، لكثرة من يعيب ذلك!! وفي هؤلاء العائبين من نحسن به الظن، وغالبهم من إخواننا المتفننين، كما سبق!!
وأطلت هذه الإطالة أيضاً، لمزيد احتياج علم الحديث إلى التخصص الدقيق حقيقة، وإلى التعمق فيه ؛ وخاصة في هذه الأعصار ؛ فأين هم نقاده وصيارفته ؟! وأين هم أطباء علله ؟!!
الميزة الثانية:
أنه علم مع كثرة أجزائه وتشعب أطرافه، وإلا أنه علم مترابط بقوة، متداخل الأصول والقواعد، فتجد كل جزئية منه تنبني وتتصل بأغلب أو بكثير من أصول وفروع العلم كله. وهذه الميزة في الحقيقة هي صورة من صور الميزة الأولى، فهي صورة من صور صعوبة علم الحديث وشدة مأخذه. فهي لذلك تواجه أيضاً بالتخصص، كما ذكرناه سابقاً.
لكنها تستلزم اتباع أسلوب معين في التخصص، واستخدام طريقة خاصة في التعلم.
فإن تشعب أطراف العلم وكثرتها، مع قوة ترابط ما بينها، وتداخلها بأصول العلم وقواعده ؛ لا يواجه ذلك ويتجاوز هذه العقبة إلا الاستحضار الواسع في الذهن لتلك الأطراف والأصول الكثيرة المتشعبة، وهذا مالا يكون إلا بالحفظ والفهم.
ولأهمية هذا الاستحضار الذهني لمسائل هذا العلم وجزئياته، حرص علماء الحديث على أن ينبهوا إلى أهمية الحفظ وضرورته في علم الحديث، ووضعوا مناهج للحفظ، وبينوا الأسباب التي يستعين بها طالب الحديث في الحفظ.
ولذلك تميز المحدثون بالحفظ دون علماء الفنون الأخرى جميعاً ؛ ويقول الخطيب في التدليل لذلك: (الوصف بالحفظ على الإطلاق ينصرف إلى أهل الحديث خاصة، وهو سمة لهم لا تتعداهم، ولا يوصف به أحد سواهم ؛ لأن الراوي يقول: حدثنا فلان الحافظ، فيحسن منه إطلاق ذلك، إذ كان مستعملاً عندهم يوصف به علماء أهل النقل ونقاده. ولا يقول القارئ: لقنني فلان الحافظ، ولا يقول الفقيه: درسني فلان الحافظ، ولا يقول النحوي: علمني فلان الحافظ. فهي أعلى صفات المحدثين، وأسمى درجات الناقلين" ( ).
وحث المحدثون على الحفظ، حتى قال عبد الرزاق الصنعاني (ت 211هـ): "كل علم لا يدخل مع صاحبه الحمام (يعني يكون محفوظاً في الصدر)، فلا تعده علماً"( ).
وأنشد قائلهم:
ليس بعلم ما حوى القمطر***ما العلم إلا ما حواه الصدر
فذاك فيه شرف وفخر ***وزينة جليلة وقدر
---
المسيطير
07-06-2004, 12:42 AM
فمن الأسباب التي يستعان بها في حفظ الحديث:
الأول حسن النية:
فإنها مفتاح كل خير، وسبب التوفيق والتيسير والبركة في العلم.
وأورد الخطيب في هذا الباب أثر ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال: (إنما يحفظ الرجل على قدر نيته) ( ).
وقال معمر بن راشد (ت 154هـ): "كان يقال: إن الرجل ليطلب العلم لغير الله فيأبى عليه العلم، حتى يكون لله عز وجل" ( ).
الثاني: اجتناب ارتكاب المحرمات ومواقعة المحظورات:
قال عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه -: "إني لأحسب الرجل ينسى العلم، بالخطيئة يعلمها" ( ) .
وقال رجل للإمام مالك: "يا أبا عبد الله، هل يصلح لهذا الحفظ شيء ؟ قال: إن كان يصلح له شيء، فترك المعاصي" ( ).
وفي الأبيات المشهورة:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي****فأرشدني إلى ترك المعاصي
وقال بأن حفظ العلم نور****ونور الله لا يؤتاه عاصي
الثالث: العمل بالحديث الذي يرويه ويحفظه:
قال سفيان الثوري: (العلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل) ( ).
وقال جماعة من السلف، منهم الشعبي ووكيع: (كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به) ( ).
والسبب الذي من أجله كان العلم بالحديث مثبتا الحفظ، يظهر جلياً في أن العمل بالحديث يجعل معاني الحديث واقعاً عملياً، والمحسوسات أثبت في الذهن من المعنويات. وأهم من ذلك أن العمل بالعلم سبب لتوفيق الله تعالى إلى العلم والزيادة منه، وكما قال تعالى: (واتقوا الله ويعلمكم الله ) ( ).
الرابع: اغتنام الأوقات المناسبة في اليوم للحفظ:
وهذا أمر يختلف فيه الأشخاص، باختلاف أحوالهم وظروف طلبهم للمعاش وغير ذلك. غير أن الذي يذكره أهل التجربة، هو أن أفضل الأوقات للحفظ: الليل عموماً، والفجر ، ويخصون من الليل آخره وهو وقت السحر، بشرط أن يكون طالب العلم قد نام من أول الليل، وأخذ حاجته من النوم.
ومن جميل الوصايا في ذلك، ما ذكر من أن المنذر قال للنعمان ابنه "يا بني، أحب لك النظر في الأدب بالليل، فإن القلب بالنهار طائر، وبالليل ساكن، وكلما أوعيت فيه شيئاً علقه" ( ).

(1/9046)


فتعقب الخطيب البغدادي هذه الوصية بقوله "إنما اختاروا المطالعة بالليل لخلو القلب، فإن خلوه يسرع إليه الحفظ، ولهذا (لما) قيل لحماد بن زيد: ما أعون الأشياء على الحفظ ؟ قال: قلة الغم. (قال الخطيب( وليس تكون قلة الغم إلا مع خلو السر وفراغ القلب، والليل أقرب الأوقات إلى ذلك" ( ) .
وقال إسماعيل بن أبي أويس: "إذا هممت أن تحفظ شيئاً، فنم، ثم قم عند السحر، فأسرج، وانظر فيه، فإنك لا تنساه – بعد إن شاء الله") ( .
الخامس: اغتنام فترة الصبا والشباب:
واشتهرت كلمة الحسن البصري التي يقول فيها: "طلب الحديث في الصغر كالنقش في الحجر" ( )، وذاد بعضهم ما معناه: والعلم في الكبر كالنقش في النهر ( ).
ولذلك كان السلف يبكرون بأولادهم إلى مجالس الحديث، حتى قال عبد الله بن داود الخريبي (ت 213هـ): "ينبغي للرجل أن يكره ولده على سماع الحديث" ( ).
وقال علقمة بن قيس النخعي (ت62هـ)، في بيان قوة حافظة الشاب ورسوخ حفظه: "ما حفظت وأنا شاب، فكأني أنظر إليه في قرطاس أو ورقة" ( ).
السادس: اختيار الأماكن المناسبة للتحفظ:
وصفة المكان المناسب: أن يكون مريحاً، لا يشق على النفس المكث به. وأن يكون هادئاً، بعيداً عن الأصوات العالية. وأن يكون خالياً من الملهيات وما يلفت الأنظار ؛ فلا يجلس في حديقة، ولا في ممر الناس وأسواقهم . بل يختار مقصورة أو حجرة في منزله، يتحفظ فيها ( ).
السابع: الجهر بقراءة ما يراد حفظه:
ولذلك حكمة، بينها والد الزبير بن بكار القرشي (ت 256هـ) عندما رأى ابنه يتحفظ سرا، فقال له: " إنما لك من روايتك هذه (أي: تحفظك سراً) ما أدى بصرك إلى قلبك. فإذا أردت الرواية (أي: الحفظ)، فانظر إليها، واجهر بها ؛ فإنه يكون لك ما أدى بصرك إلى قلبك، وما أدى سمعك إلى قلبك" ( ).
(وهذا تعبير رائع صحيح، وهذا ما يقول فيه علماء التربية وعلم النفس: كلما كثرت الحواس المشاركة في تلقي موضوع أو تعلمه، كان حفظه أسرع وأيسر) ( ).
الثامن: إحكام الحفظ بكثرة تكريرة.
يقول ابن الجوزي في (الحث على حفظ العلم ): "الطريق إلى إحكامه كثرة الإعادة. والناس يتفاوتون في ذلك، فمنهم من يثبت معه المحفوظ مع قلة التكرار، ومنهم من لا يحفظ إلا بعد التكرار الكثير. وكان أبو إسحاق الشيرازي (ت476هـ) يعيد الدرس مائة مرة، وكان إلكيا الهراسي (504هـ) يعيد سبعين مرة. وقال لنا الحسن بن أبي بكر النيسابوري الفقيه: لا يحصل الحفظ إلي حتى يعاد خمسين مرة. وحكى لنا الحسن أن فقيها أعاد الدرس في بيته مراراً كثيرة، فقالت له عجوز في بيته: قد – والله – حفظته أنا! فقال: أعيديه، فأعادته ؛ فلما كان بعد أيام، قال: يا عجوز، أعيدي ذلك الدرس، فقالت: ما أحفظه، قال: إني أكرر عند الحفظ لئلا يصيبني ما أصابك"( ).
التاسع: تعهد المحفوظ، بإعادة النظر فيه وتكريره، في أوقات مختلفة:
إذ الحافظة مهما كانت قوية لابد أن تسهو، فالنسيان جبلة الإنسان. ولا يحافظ على ما في الصدر من العلم، إلا مراجعته من حين لآخر، وعدم الاتكال على الحفظ الأول.
قيل للأصمعي: "كيف حفظت ونسي أصحابك ؟! قال: درست وتركوا" ( ).
وقال علقمة النخعي: " أطيلوا كر الحديث لا يدرس" ( )، أي: ليكلا يبلى وينسى.
وعلى طالب العلم أن يجعل له جدولاً معيناً لمراجعة محفوظة ؛ فمثلاً: يجعل في نهاية كل أسبوع يوماً لمراجعة ما حفظة في ذلك الأسبوع، وفي نهاية كل شهر يوماً أو يومين لمراجعة محفوظه خلال الشهر كله، وفي نهاية السنة أسبوعاً أو أسبوعين لمراجعة محفوظه خلال السنة جميعها …. وهكذا.
العاشر: المذاكرة:
والمذاكرة اصطلاح يستخدمه المحدثون، يعنون بها مطارحات علمية ومساجلات حديثية، يعرض فيها الجلساء من حفاظ الحديث وطلبته لذكر فوائد الأحاديث وغرائب الأسانيد وخفي التعليلات، يسأل بعضهم بعضاً عن ذلك، ويفيد الواحد منهم الآخر ما غاب عنه. وقد كانت المذاكرة هذه من أبرز سمات المحدثين في عصوره الأولى (مثل الرحلة في طلب الحديث)، ولها آدابها وشروطها المنصوص عليها وفوائدها، وأخبارها المروية فيها ( ).
وللمذاكرة مع الأقران وغيرهم – على المعنى السابق – فائدة عظيمة في تثبيت الحفظ، من جهة أنه تعهد للمحفوظ بتكريره ومراجعته خلال المذاكرة، وتذكير لما نسي منه، ودون إملال أو إضجار، بل في جو من النشاط والتنافس العلمي البناء.
ولذلك قال عبدالله بن بريدة: " قال لي علي بن أب طالب – رضي الله عنه -: تزاوروا، وتذاكروا هذا الحديث، فإنكم أن لم تفعلوا يدرس علمكم" ( )، أي: يبلى ويخلق.
وقال أبو سعيد الخدري – رضي الله عنه – "تحدثوا، فإن الحديث يهيج الحديث"( ).
وقال جماعة من السلف عبارة أصبحت شعاراً للمذاكرة، وهي قولهم: "إحياء الحديث مذاكرته" ( ).
ومن فوائد المذاكرة أيضاً: أنها سبب كبير وداع عظيم للتنافس المحمود
بين طلبة العلم. والتنافس في الخير هو الأمل الجاهد لبلوغ الغايات العظام، ولولاه لما سعى للعلياء ماجد، ولما سما للرفعة طامح.

(1/9047)


ولشدة التنافس أثناء المذاكرة بين المحدثين كانت من لذائذ علم الحديث ومن متعه الجليلة ؛ حتى قال الوزير ابن العميد: " ما كنت أظن أن في الدنيا حلاوة ألذ من الرئاسة والوزارة التي أنا فيها، حتى شاهدت مذاكرة سليمان بن أحمد الطبراني وأبي بكر الجعابي بحضرتي، (ثم ذكر تلك المذاكرة، التي غلب فيها الطبراني أبا بكر الجعابي، ثم قال: "فوددت في مكاني أن الوزارة والرئاسة ليتها لم تكن لي وكنت الطبراني، وفرحت مثل الفرح الذي فرح به الطبراني " ( ).
وقال علي بن المديني: "ستة كادت تذهب عقولهم عند المذاكرة: يحيى القطان، وعبد الرحمن بن مهدي، ووكيع، وابن عيينة، وأبو داود الطيالسي، وعبد الرزاق ؛ من شدة شهوتهم له. وتذاكر وكيع وعبد الرحمن ليلة في المسجد الحرام، فلم يزالا حتى أذن المؤذن أذان الصبح " ( ).
وقال عبد الله بن المبارك:
ما لذتي إلا رواية مسندا****ت قيدت بفصاحة الألفاظ
ومجالس فيها تحل سكينة****ومذاكرات معاشر الحفاظ
نالوا الفضيلة والكرامة والنهى****من ربهم برعاية وحفاظ
لاظوا برب العرش لما أيقنوا****أن الجنان لعصبة لواظ
ومن فوائد المذاكرة أيضاً ومن آدابها: إفادة طلبة العلم بعضهم بعضا، وفي ذلك استعجال لأجر وثواب التعليم، قبل بلوغ الدرجة التي يحق فيها لطالب العلم جلوس مجالس المعلمين. وما أدرى طالب العلم ؟ لعله يموت قبل أن يصل إلى أن تتحلق حوله الطلبة!!.
يقول عبدالله بن المبارك: "إن أول منفعة الحديث: أن يفيد بعضكم بعضاً" ( ).
ويقول الإمام مالك: "بركة الحديث: إفادة بعضهم بعضاً" ( ).
ويقول سفيان الثوري: "يا معشر الشباب، تعجلوا بركة هذا العلم، فإنكم لا تدرون، لعلكم لا تبلغون ما تؤملون منه، ليفد بعضكم بعضاً" ( ).
هذه هي أهم وسائل حفظ العلم، وأظهر أسباب تثبيته وعدم نسيانه.
ولكن مما ينبغي التنبيه عليه هنا، هو أن للحفظ طريقتين .... يتبع ان شاء الله تعالى
---
المسيطير
15-06-2004, 08:49 PM
ولكن مما ينبغي التنبيه عليه هنا، هو أن للحفظ طريقتين، لا يعجز عن إحداهما جميع الناس.
ولكل طريقة منهما مميزاتها وعيوبها ؛ فيحسن أن نذكرهما، بما لهما من محاسن وعيوب. الطريقة الأولى (وهي أشهر الطريقتين):
وهي أنفع للصغار والشباب ومن أوتي موهبة الحفظ:
وهي بأن يقرر الطالب على نفسه لكل يوم جزءاً يسيراً من العلم، كأن يكون حديثاً أو حديثين أو أكثر، ويستحسن أن يكون قدراً يسيراً، فإن القليل يثبت والكثير لا يحصل ( ) ؛ فيتحفظ هذا المقرر يومياً، حتى يغيبه في صدره ؛ ويستمر على ذلك فترة طويلة، هي سنوات طلبه للعلم ؛ مع تعهد المحفوظ دائماً، على المنهج الذي ذكرناه سابقاً في التعهد.
ولهذه الطريقة مميزات وعيوب:
فمن مميزاتها:
أنها طريقة منهجية منضبطة، يمكن للطالب مع التزامها والمداومة عليها حفظ كتب برمتها، وتغيب مصنفات كاملة.
ومن مميزاتها أيضاً: أنها أسرع حفظاً من الطريقة التالية، إذ قد لا يجلس الطالب للتحفظ إلا ربع ساعة أو نصفها.
ومن عيوبها: أنها أسرع في التفلت من الطريقة التالية، وأنها أحوج ما تكون للتعهد للمحفوظ والمراجعة له دائماً، وعدم الانقطاع عنه من فترة لأخرى.
ومن عيوبها: أن الذي يلتزم بها الغالب أضيق في الاطلاع من صاحب الطريقة التالية، لأن الطالب معها مقيد بمقرر معين.
وأما الطريقة الثانية للحفظ:
وهي أنفع لكبار السن، ولمن لم يؤت موهبة الحفظ: وتتلخص في إدمان مجالسة كتب السنة، وإدامة القراءة فيها، والجلد في ذلك والصبر عليه، مع الإكثار من النسخ والكتابة، وتعويد اليد على ذلك.
ولذلك لما قيل للإمام البخاري: ما البلاذر ؟ وهو دواء كانوا يظنون قديماً أنه يقوي الذاكرة وينشط الذهن على الحفظ، فأجاب الإمام البخاري، صارفاً لهم إلى البلاذر حقاً، حيث قال: "هو إدامة النظر في الكتب" ( ).
وقال عبدالله بن المبارك: "من أحب أن يستفيد، فلينظر في كتبه" ( ).
وقال الحافظ أبو مسعود أحمد بن الفرات (ت 258هـ): "لم نزل نسمع شيوخنا يذكرون أشياء في الحفظ، فأجمعوا أنه ليس شيء أبلغ فيه من كثرة النظر" ( ).
وأما الكتابة وأثرها في الحفظ، فقد سبق أن ذكرنا أن المحفوظ كلما اشترك فيه أكثر من حاسة، كلما كان ذلك أقوى له وراسخ. فإذا نظر القارىء، وجهر بالقراءة، ثم كتب ؛ فإنه – على حد تعبير والد الزبير ابن بكار – يكون له ما أدى بصره إلى قلبه، وما أدى سمعة إلى قلبه، وما أدت يده إلى قلبه ؛ فلا ينسى بإذن الله تعالى، لأنه اشترك في تحفظه ثلاث حواس.
وقد قال الحسن بن علي – رضي الله عنهما – لبنيه وبني أخيه:
"تعلموا العلم، فإنكم صغار قوم، يوشك أن تكونوا كبارهم غداً، فمن لم يحفظ منكم فليكتب" ( ).
وقال الخليل بن أحمد الفراهيدي: " ما سمعت شيئاً إلا كتبته، ولا كتبته إلا حفظته، ولا حفظته إلا نفعني " ( ).
ولهذه الطريقة في الحفظ مميزات وعيوب:

(1/9048)


فمن مميزاتها: أن صاحبها بطيىء النسيان لمحفوظه، لأن طريقة حفظه تتضمن التعهد معها، بل هو إنما حفظ بالتعهد الكبير!!
ومن مميزاتها: أن صاحبها أوسع استحضاراً من صاحب الطريقة السابقة، لأنه أوسع اطلاعاً.
ومن عيوبها: أن صاحبها لا يستطيع الجزم بأنه يحفظ كتاباً ما، خاصة المطولات. وأيضاً لا يستطيع في كثير من الأحيان أن يؤدي ما حفظ باللفظ، وإنما يؤديه بالمعنى ؛ وللرواية بالمعنى شروط، وتحوم حولها أخطار.
ومن عيوبها: أنها تستلزم وقتاً طويلاً للحفظ، وجلداً وصبراً، وانقطاعاً كاملاً ؛ إذا أراد صاحبها أن ينافس صاحب الطريقة الأولى.
وأما من جمع بين طريقتي الحفظ هاتين فهو الحافظ الكامل، الذي جمع بين محاسن الحفظ، ونجا من عيوبه كلها.
---
المسيطير
15-06-2004, 08:56 PM
ولكن مما ينبغي التنبيه عليه هنا، هو أن للحفظ طريقتين، لا يعجز عن إحداهما جميع الناس.
ولكل طريقة منهما مميزاتها وعيوبها ؛ فيحسن أن نذكرهما، بما لهما من محاسن وعيوب. الطريقة الأولى (وهي أشهر الطريقتين):
وهي أنفع للصغار والشباب ومن أوتي موهبة الحفظ:
وهي بأن يقرر الطالب على نفسه لكل يوم جزءاً يسيراً من العلم، كأن يكون حديثاً أو حديثين أو أكثر، ويستحسن أن يكون قدراً يسيراً، فإن القليل يثبت والكثير لا يحصل ( ) ؛ فيتحفظ هذا المقرر يومياً، حتى يغيبه في صدره ؛ ويستمر على ذلك فترة طويلة، هي سنوات طلبه للعلم ؛ مع تعهد المحفوظ دائماً، على المنهج الذي ذكرناه سابقاً في التعهد.
ولهذه الطريقة مميزات وعيوب:
فمن مميزاتها:
أنها طريقة منهجية منضبطة، يمكن للطالب مع التزامها والمداومة عليها حفظ كتب برمتها، وتغيب مصنفات كاملة.
ومن مميزاتها أيضاً: أنها أسرع حفظاً من الطريقة التالية، إذ قد لا يجلس الطالب للتحفظ إلا ربع ساعة أو نصفها.
ومن عيوبها: أنها أسرع في التفلت من الطريقة التالية، وأنها أحوج ما تكون للتعهد للمحفوظ والمراجعة له دائماً، وعدم الانقطاع عنه من فترة لأخرى.
ومن عيوبها: أن الذي يلتزم بها الغالب أضيق في الاطلاع من صاحب الطريقة التالية، لأن الطالب معها مقيد بمقرر معين.
وأما الطريقة الثانية للحفظ:
وهي أنفع لكبار السن، ولمن لم يؤت موهبة الحفظ: وتتلخص في إدمان مجالسة كتب السنة، وإدامة القراءة فيها، والجلد في ذلك والصبر عليه، مع الإكثار من النسخ والكتابة، وتعويد اليد على ذلك.
ولذلك لما قيل للإمام البخاري: ما البلاذر ؟ وهو دواء كانوا يظنون قديماً أنه يقوي الذاكرة وينشط الذهن على الحفظ، فأجاب الإمام البخاري، صارفاً لهم إلى البلاذر حقاً، حيث قال: "هو إدامة النظر في الكتب" ( ).
وقال عبدالله بن المبارك: "من أحب أن يستفيد، فلينظر في كتبه" ( ).
وقال الحافظ أبو مسعود أحمد بن الفرات (ت 258هـ): "لم نزل نسمع شيوخنا يذكرون أشياء في الحفظ، فأجمعوا أنه ليس شيء أبلغ فيه من كثرة النظر" ( ).
وأما الكتابة وأثرها في الحفظ، فقد سبق أن ذكرنا أن المحفوظ كلما اشترك فيه أكثر من حاسة، كلما كان ذلك أقوى له وراسخ. فإذا نظر القارىء، وجهر بالقراءة، ثم كتب ؛ فإنه – على حد تعبير والد الزبير ابن بكار – يكون له ما أدى بصره إلى قلبه، وما أدى سمعة إلى قلبه، وما أدت يده إلى قلبه ؛ فلا ينسى بإذن الله تعالى، لأنه اشترك في تحفظه ثلاث حواس.
وقد قال الحسن بن علي – رضي الله عنهما – لبنيه وبني أخيه:
"تعلموا العلم، فإنكم صغار قوم، يوشك أن تكونوا كبارهم غداً، فمن لم يحفظ منكم فليكتب" ( ).
وقال الخليل بن أحمد الفراهيدي: " ما سمعت شيئاً إلا كتبته، ولا كتبته إلا حفظته، ولا حفظته إلا نفعني " ( ).
ولهذه الطريقة في الحفظ مميزات وعيوب:
فمن مميزاتها: أن صاحبها بطيىء النسيان لمحفوظه، لأن طريقة حفظه تتضمن التعهد معها، بل هو إنما حفظ بالتعهد الكبير!!
ومن مميزاتها: أن صاحبها أوسع استحضاراً من صاحب الطريقة السابقة، لأنه أوسع اطلاعاً.
ومن عيوبها: أن صاحبها لا يستطيع الجزم بأنه يحفظ كتاباً ما، خاصة المطولات. وأيضاً لا يستطيع في كثير من الأحيان أن يؤدي ما حفظ باللفظ، وإنما يؤديه بالمعنى ؛ وللرواية بالمعنى شروط، وتحوم حولها أخطار.
ومن عيوبها: أنها تستلزم وقتاً طويلاً للحفظ، وجلداً وصبراً، وانقطاعاً كاملاً ؛ إذا أراد صاحبها أن ينافس صاحب الطريقة الأولى.
وأما من جمع بين طريقتي الحفظ هاتين فهو الحافظ الكامل، الذي جمع بين محاسن الحفظ، ونجا من عيوبه كلها.
---
المسيطير
15-06-2004, 09:40 PM
.
---
المسيطير
25-06-2004, 03:47 PM
الميزة الثالثة:
أن علم الحديث علم لا تضبط جميع جزئياته قواعد مطردة دائماً، ولا توزن مسائله بمقاييس رياضية ؛ وإنما قواعده وأصوله أغلبية.

(1/9049)


بل في كثير من مسائل علم الحديث يصرح المحققون من أهل العلم أنه ليس لها قاعدة معينة، وإنما يرجع في كل جزئية منها إلى ملابساتها وقرائنها، ثم يكون الحكم عليها بناء على حالتها الخاصة تلك. وذلك في مثل مسألة (زيادة الثقة)، و (التفرد بأصل)، و(الاعتضاد والتقوي بالمتابعات والشواهد)، وما إلى ذلك من أعظم مسائل علم الحديث.
وليس عدم شمول قواعد علم الحديث لجميع جزئياته، ولا عدم وجود قواعد أصلاً لبعض مسائله، بسبب تقصير في تقنين هذا العلم وفي تأصيله من علماء الأمة ؛ بل سببه هو بلوغهم به أقصى غايات التقعيد السليم والتأصيل الصحيح!! وذلك أن علم الحديث مادته الخام هي البشر ونقولهم وأخبارهم، وللبشر باختلاف مواهبهم الخلقية، وبتباين دوافعهم وعقائدهم وسلوكياتهم، وباضطراب أحوالهم من وقت لآخر، وبما يطرأ عليهم من عوامل تغيير نفسية وخارجية ؛ بذلك كله لا يمكن أن يكون لنقول هؤلاء وأخبارهم ضوابط حسابية وموازين رياضية، بل لابد من التعامل مع تلك المادة المتباينة الأجزاء، الكثيرة التغيرات في كل جزء منها، بما يتناسب وذلك ؛ وهذا هو ما فعله أئمة الحديث في عصور تكوين علمهم …. رضي الله عنهم وأرضاهم!!
المهم أن تعلم أن هذه إحدى أعظم مميزات علم الحديث.
وهذه الميزة تعتي:
أن تعلم قواعد علم الحديث ودراسة مصطلحه ليس سوى الخطوة الأولى في طلب علم الحديث، مهما تعمق الدارس في تحصيل تلك القواعد والأصول.
وما جنى على علم الحديث شيء في العصر الحديث مثل الغفلة عن هذه الحقيقة، وذلك بالتعامل مع الروايات الحديثية بتلك القواعد معاملة من معه قوالب يصب فيها مادته الخام ومعاملة من معه ختوم جاهزة يطبع بها كل مسألة جزئية، دون أن يتنبه إلى أن لكل قاعدة شذوذات، بل يختلق القواعد لما ليس له قاعدة، لعدم استطاعته إلا التعامل مع اقوالب الجاهزة!!
وهذه الميزة تعني أيضاً:
أن علم الحديث علم حي لا يعيش وينمو في صدر رجل إلا بالممارسة له والتطبيق العملي لقواعده. لأن شذوذات القواعد (وهي كثيرة وإنما سميت شذوذات لأنها بخلاف القاعدة المنصوص عليها)، والمسائل التي لا قواعد لها، لا يحسن الوقوف عليها، ولا يعرف المآخذ والأسس التي تبنى عليها أحكامها، ولا يلحظ الملابسات والقرائن الخاصة بكل مسألة جزئية منها ؛ إلا من عاش علم الحديث تطبيقاً عملياً وممارسة عميقة فترة طويلة من عمره.
وعلى هذا فعلم الحديث يحتاج كل الاحتياج لممارسة طويلة، وتطبيق عملي عميق، ليمكن طالب الحديث بعد مرور زمن طويل من ذلك أن يتنبه لشذوذات القواعد وملابساتها، وأن يقف بنفسه على مآخذ الأحكام في المسائل التي لا قواعد لها وإنما يرجع فيها للقرائن الخاصة بكل مسألة.
يقول الخطيب البغدادي، منبها على أهمية الممارسة العملية في علم الحديث: "قل ما يتمهر في علم الحديث، ويقف على غوامضه، ويستنير الخفي من فوائده، إلا من جمع بين متفرقه، وألف متشتته، وضم بعضه إلى بعض، وانشغل بتصنيف أبوابه، وترتيب أصنافه. فإن ذلك الفعل مما يقوي النفس، ويثبت الحفظ، ويذكي القلب، ويشحذ الطبع، ويبسط اللسان، ويجيد البيان، ويكشف المشتبه، ويوضح الملتبس، ويكسب أيضاً جميل الذكر، وتخليده إلى آخر الدهر ". ثم أسند الخطيب إلى عبد الله بن المبارك، أنه قال: "صنفت من ألف جزء جزءاً، ومن نظر في الدفاتر فلم يفلح، فلا أفلح هو أبداً" ( ).
وهيئة هذه الممارسة التي نطالب بها طالب علم الحديث، هي: أن يقوم الطالب بما يشبه التصنيف والتأليف، إما بتخريج أحاديث كتاب ما أو أحاديث باب فقهي معين، أو بالترجمة لرواة كتاب لم يخدم رواته بالترجمة، أو بالعناية بالرواة المختلف فيهم، أو بجمع أقوال الأئمة وتطبيقاتهم حول قاعدة من علم الحديث أو حول أحد مصطلحاته.. ونحو ذلك من الموضوعات الكثيرة جداً. والأفضل أن ينوع في طبيعة بحوثه، حتى يستفيد فائدة أعم وأشمل.
وبالطبع لا يكون غرضه من هذه البحوث هو تأليف كتاب يخرجه للناس، خاصة في مرحلة تكوينه العلمي، وإنما يكون غرضه من ذلك التعلم والتمرن، للفوائد التي ذكرها الخطيب في كلامه السابق عن الممارسة العملية في علم الحديث.
ولا يمنع ذلك من أن يبتدىء طالب الحديث مشروعاً علمياً كبيراً، من صغر سنه وبدايات طلبه، يجمع له ويرتب ويناقش ويستنبط ويستدل، ويقضي في ذلك عمراً من عمره، وبشرط أن لا يخرج مشروعه هذا إلا بعد بلوغه من العلم ما يكون قد وصل به إلى درجة الإفادة، كأن يشهد له شيوخه وأقرانه باستحقاقه أن يدلي بجهده في تأليف كتاب.
بل إني لأشدد في النصح لطلبة العلم بابتداء مشاريع من هذا القبيل، ولا يستخفوا بأنفسهم ؛ فقد كان الإمام الزهري يقول للفتيان والشباب: "لا تحقروا أنفسكم لحداثة أسنانكم، فإن عمر بن الخطاب كان إذا نزل به الأمر المعضل دعا الفتيان، فاستشارهم، يبتغي حدة عقولهم" ( ).
ولك في سيرة العلماء قدوة:

(1/9050)


فقد بدأ الإمام البخاري تصنيفه للتاريخ الكبير وله من العمر ثمانية عشر عاماً، وبقي في تصنيفه وتحسينه غالب حياته. أما (صحيحه) فمكث في تصنيفه ستة عشر عاماً.
وابتدأ ابن عساكر تصنيف (تاريخ دمشق) بمجلداته الثمانين من صباه، واستمر في جمعه إلى أن شاخ.
وأفنى الطبراني عمره المديد (فقد عمر مائة سنة) في معجمه الأوسط.
فعليك يا طالب العلم أن تختار مشروعاً علمياً حديثياً نافعاً، واستشر العلماء والمأمونين في اختيارك، وابدأ في الجمع له والتأليف من فترة مبكرة، ولا تفوت العمر. ثم أنت خلال هذا الجمع تمارس علم الحديث عملياً، وتطبقه واقعياً ؛ فتستفيد فائدتين، بل فوائد، وتعلي همتك، وتقوي عزمك، وتبذل جهدك في طلبك العلم، وتطرد الملل والسأم وقلة الصبر، بما يتجدد لك في بحثك من فوائد، تنظر قطف ثمرتها في مستقبل حياتك العلمية إن شاء الله تعالى.
---
المسيطير
09-07-2004, 05:20 PM
الميزة الرابعة:
أنه علم مترامي الأطراف، لا ساحل لبحوره، ولا قاع لأعماقة. هذا وصف حقيقي مطابق لواقع حال علم الحديث، وليس كلاماً أدبياً مجازياً. وتحقيق ذلك عندك وتأكيده لديك يظهر: بتذكرك لعظيم تشعب أسانيد الأحاديث وكثرتها، ولتناثر تراجم رواة وتعديلهم التي في غير مظنتها، ولتباعد ما بين تعليلات الأئمة للحديث الواحد في مصادر هذا العلم ؛ مما لا يجمع ذلك كتاب.. بل مكتبة، ولا يحويه مكان واحد.
ولهذه الميزة فإن طالب الحديث في حاجة ماسة إلى مكتبة عامرة بالكتب، مكتبة ضخمة بمعنى الكلمة، تكون بين يديه وقتما يشاء، مكتبة تنمو وتزيد كل يوم بالجديد من المطبوعات والمقدور عليه من المخطوطات، ولا تقف عن النمو ما دام صاحبها حي العلم والروح. حيث إن تلك الميز لا يحل إشكالها، ولا يمكن مواجهتها، إلا بالمكتبة الجامعة لكتب السنة، والمقربة لأطراف هذا العلم المترامية، المعينة على استيعاب جل أو كثير من جزئياته المتفرقة المتشعبة.
ولذلك فعلى طالب العلم أن يتحلى بالبذل والسخاء في اقتناء الكتب، وأن يقدم شراء الكتاب على طعامه وملبسه وملذاته، وأن يحرص كل الحرص على أن لا يفوت كتاباً صغر أو كبر في علم الحديث، في أي فن من فنونه.
ومن نصائح ذي النون المصري (ت 245هـ) في ذلك: "ثلاثة من أعلام الخير في المتعلم: تعظيم العلماء بحسن التواضع لهم، والعمى عن عيوب الناس بالنظر في عيب نفسه، وبذل المال في طلب العلم إيثاراً له على متاع الدنيا" ( ).
ولذلك قال غير واحد من أهل العلم، منهم شعبة بن الحجاج: "من طلب الحديث أفلس" ( )،
وقال الفضل بن موسى السيناني: "طلب الحديث حرفة المفاليس"( )،
ولما سأل سفيان بن عيينة رجلاً عن حرفته فأجابه الرجل بأنها طلب الحديث، فقال سفيان: "بشر أهلك بالإفلاس" ( )،
وقال شعبة: "إذا رأيت المحبرة في بيت إنسان فارحمه، وإن كان في كمك شيء فأطعمه" ( )،
ولما أثنت امرأة على رجل بخير، وقالت في ثنائها: "لا يتخذ ضرة، ولا يشتري جارية"، أجابتها زوج ذلك الرجل بقولها: "والله لهذه الكتب أشد علي من ثلاث ضرائر" ( ).
أما طالب العلم (بزعمه) الذي يقول يغنيني كتاب في السنة وعلومها عن كتاب في ذلك، فليس بطالب علم! ولا يريد أن يكون طالب علم. فإني لا أقول إنه لا يغني كتاب عن كتاب فقط، بل أكاد أقول: لا تغني طبعة عن طبعة أخرى له!!!
وأما طالب العلم الذي بقول: لا أشتري كتاباً حتى أقرأ وأدرس الكتاب الذي عندي، فلا يفلح في العلم أبداً! فإن شراء الكتب وحده عبادة يؤجر عليها فاعلها، لوجوه، منها أنها مما لا ينقطع العمل به بعد الموت، تبقى ينتفع بها من بعده.
ثم إن تكوين المكتبة العامرة يشبه طلب العلم من جهتين:
يتبع بإذن الله .
---
المسيطير
21-07-2004, 10:18 PM
ثم إن تكوين المكتبة العامرة يشبه طلب العلم من جهتين:
الأولى: كما أن طلب العلم لا يكون جملة، في أيام وليالي، كذلك تكوين المكتبة، لا يمكن أن يتم إلا من خلال متابعة للجديد من الكتب في عالم المطبوعات ؛ حيث إن الكتب في السنة وعلومها كثيرة جداً، قلة من الأغنياء – ممن يعرف قيمة الكتب – من يستطيع شراء الموجود منها دفعة واحدة. وهناك كتب نادرة، وكتب سرعان ما تنفد من الأسواق، فمن لم يبادر بشرائها فاتته، وسيندم حين لا ينفع الندم، وسيندم إن كان فيه بقية من طالب علم.د
الثانية: أن طلب العلم الصادق يلجيء طالب العلم إلى دراسة مسائل ما كان يظن قبل ذلك أنه سيحتاج دراستها، وكذلك تكوين المكتبة ؛ فإن شراءك الكتاب ومعرفتك لما فيه يدلك على كتاب آخر، ربما لم تسمع به، وربما سمعت به ولم تظن أنك محتاج إليه ؛ فالحاجة للكتب تنمو مع نمو طلبك للعلم.
وكم من كتاب ما كنت أظن أني سأنظر إليه، أصبح بعد في حجري لا أستغني عنه ما دمت أبحث في العلم. فمن كان يجمع الكتب من بدايات طلبه للعلم، سيحمد ذلك عندما يعرف قيمة ما جمع.
وأما من كان لا يشتري حتى يقرأ ما جمع فإن انصلح شأنه، فسيندم على سوء سياسته تلك بعد حين، ولات حين مندم.

(1/9051)


ولو تصفحت تراجم كبار الأئمة، والعلماء المبرزين، لوجدت أن القاسم المشترك بينهم هو حب الكتب والشغف بها، وأنهم من أصحاب المكتبات العظيمة.
وأما رحلتهم مع الكتاب وقصتهم معه، فهي قصص تملؤها العاطفة والتفاني والبذل واحتقار الدنيا وملذاتها: فكم من عالم رضي بالجوع دهراً ليقتني الكتب، وكم من عالم آخر باع ثوبه الذي على جسده أو داره التي يسكنها ليمتلك كتاباً، وكم من عالم رضي ببكاء أهله وأولاده عرياً وحرماناً ولم يرض بيع كتاب له، وكم من إمام بكى وغلب حزنه صبره لما فاته كتاب.. وكم وكم!! ( )
ومن عجائب ذلك قصة الحافظ أبي العلاء الحسن بن احمد بن سهل الهمذاني العطار (ت 569هـ)، وكان قد جمع كتباً كثيرة، ورحل إلى البلدان من أجل ذلك، وعمل داراً للكتب وخزانة، ووقف جميع كتبه فيها لطلبة العلم!
ومن غرائب ما حصل له في جمعه للكتب: أنه كان مرة ببغداد، ونودي بالمزاد على كتب لابن الجواليقي بمبلغ كبير، فاشتراها أبو العلاء العطار، على أن يوفي الثمن بعد أسبوع، ولم يكن لديه ثمنها. فخرج إلى طريق همذان، فرحل، إلى أن وصلها – فأمر بأن ينادى على داره بالبيع!!! فلما بلغت السعر الذي اشترى به الكتب، قال للمنادي: بيعوا، فقال له المنادي: تبلغ أكثر من ذلك، فلم ينتظر خشية أن ينتهي أمد وفاء ثمن الكتب، فباع داره، ثم ركب إلى بغداد، فوفى الثمن، ولم يشعر أحد بحاله إلا بعد مدة!!!
ولما توفي هذا الإمام رؤي في المنام وهو في مدينة جميع جدرانها مبنية بالكتب، وحوله كتب لا تحصى، وهو مشتغل بمطالعتها!! فقيل له: ما هذه الكتب ؟! قال: سألت ربي أن يشغلني بما كنت أشتغل به في الدنيا، فأعطاني!!
فعلى طلبة الحديث أن يبدؤوا في تكوين مكتبة من بداية طلبهم، شيئاً فشيئاً ؛ فإنهم إن استمروا في الطلب فسيجدون غب ما جمعوا خيراً وفائدة واستغناء وسعادة!
---
المسيطير
05-08-2004, 01:43 AM
منهج القراءة والتعلم
لكتب الحديث والمصطلح
بعد ذكر المميزات السابقة لعلم الحديث، وما تستلزمه كل ميزة منها من أسلوب معين تواجه به في الطلب والتحصيل ؛ بقي وضع تصور عام لمنهج القراءة والتعلم في كتب الحديث وعلومه:
ولن أكون في هذا المنهج بعيداً عن الواقع، فأطالب جيل اليوم بما كان يلزم به السلف طلاب العلم في زمانهم ؛ كما سئل الإمام أحمد "عن الرجل يكون معه مائة ألف حديث، يقال إنه صاحب حديث ؟ قال: لا، قيل: عنده مائتا ألف حديث، يقال له صاحب حديث ؟ قال: لا، قيل له: ثلاثمائة ألف حديث ؟ فقال بيده يمنة ويسرة" (الجامع للخطيب رقم 2 ).
وقال أبو بكر ابن أبي شيبة: "من لم يكتب عشرين ألف حديث إملاء لم يعد صاحب حديث" (الجامع للخطيب رقم 3 ).
بل لن أزن طلاب اليوم بعرف أهل العلم في القرن الثامن الهجري!! فقد قال تاج الدين السبكي (ت 771هـ): "إنما المحدث من عرف الأسانيد والعلل وأسماء الرجال والعالي والنازل، وحفظ من ذلك جملة مستكثرة من المتون، وحفظ البعض من الأسانيد، وسمع الكتب الستة ومسند أحمد وسنن البيهقي ومعجم الطبراني، وضم إلى هذا القدر ألف جزء من الأجزاء الحديثية، هذا أقل درجاته ؛ فإذا سمع ما ذكرناه، وكتب الطباق، ودار على الشيوخ، وتكلم في العلل والأسانيد، كان في أول درجات المحدثين، ثم يزيد الله من شاء ما شاء" ( ).
فهذا كله بحسب عرفهم!! لكن (لكل زمان دولة ورجال). فلن أخاطب إلا أهل زماني، بضعف هممهم، وكثرة الصوارف لهم عن طلب العلم.. وفي الله الخلف وهو المستعان!
فأول ما يلزم طالب الحديث:
هو إدمان النظر في الصحيحين (صحيح البخاري وصحيح مسلم)، بل ينبغي أن يضع الطالب لنفسه مقداراً معيناً من الصحيحين يقرؤه كل يوم، ليختم الصحيحين قراءة في كل سنة مرة في أقل تقدير، ويستمر على ذلك أربع سنوات مثلاً، خلال دراسته الجامعية أو الثانوية ؛ فلا يتخرج إلا وقد قرأ الصحيحين عدة مرات، ليكون مستحضراً غالب متون الصحيحين.
ثم ينتقل بعد ذلك إلى بقية الكتب التي اشترطت الصحة، كصحيح ابن خزيمة، وصحيح ابن حبان، وموطأ مالك، ومنتقى ابن الجارود.
ويتمم هذه بسنن أبي داود والنسائي، وجامع الترمذي، وسنن الدارمي، وسنن الدارقطني، والسنن الكبرى للبيهقي.
فيقرأ الطالب هذه الكتب، بعناية وتدقيق، ويكثر من القراءة فيها، وخاصة التي اشترطت الصحة، وعلى رأسها الصحيحان.
فإن كان طالب العلم هذا ممن أوتي موهبة الحفظ، فليجمع عزمه على ما يستطيعه من هذه الكتب.
ويمكنه أن يبدأ بحفظ :
- (الأربعين النووية) وما ألحقه ابن رجب بها لتمام خمسين حديثاً،
- ثم ينتقل إلى (عمدة الأحكام) لعبدالغني بن عبدالواحد المقدسي،
- ثم إلى (بلوغ المرام) لابن حجر، أو (اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان) لمحمد فؤاد عبدالباقي،
- ثم إلى الصحيحين ؛
- ثم ما شاء مما يوفقه الله تعالى إليه من الكتب.
وأنصحه أن ألا يضيف إلى محفوظه إلا ما حكم عليه بالصحة والقبول من إمام معتبر، إلا بعد أن يستوعب ذلك.

(1/9052)


ويمكن طالب الحديث أن يكمل قراءته لكتب السنة بقراءة شروح مختصرة لكتب الحديث، مثل (أعلام الحديث) في شرح صحيح البخاري للخطابي، وشرح النووي لصحيح مسلم، وشرح الطيبي لمشكاة المصابيح، وفيض القدير للمناوي.
وأسهل من ذلك كله، أن يضع الطالب بجواره أثناء قراءته لكتب السنة كتاب (النهاية في غريب الحديث والأثر) لابن الأثير، لأنه كتاب يعنى بتفسير الكلمات الغريبة لغوياً الواردة في الأحاديث والآثار ؛ ليستطيع من خلال ذلك أن يفهم المعنى العام للحديث، وأن لا يروي ما لا يدري. فإن أراد التوسع: فعليه بمثل (التمهيد) لابن عبدالبر، و(طرح التثريب) للعراقي، و(فتح الباري) لابن حجر.
يتبع بإذن الله .
---
المسيطير
06-09-2004, 12:55 AM
أما بالنسبة لكتب علوم الحديث والمصطلح:
فإن كان الطالب صغير السن (في مثل المرحلة الدراسية المتوسطة) فيبدأ بالبيقونية أو (نخبة الفكر) لابن حجر، مع شرح ميسر لها .
وإن كان في المرحلة الثانوية أو بداية الجامعة فيبدأ بـ (نزهة النظر في توضيح نخبة الفكر) لابن حجر، أو (الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث لابن كثير) لأحمد محمد شاكر، أو (الغاية شرح الهداية) للسخاوي.
ثم ينتقل إلى كتاب ابن الصلاح في علوم الحديث، ويضم إليه شروحه كـ (التقييد والإيضاح) للعراقي و(النكت على كتاب ابن الصلاح) لابن حجر، ويتلو ذلك كتاب (الموقظة) للذهبي. ثم ينتقل إلى الكتب الموسعة في علوم الحديث، مثل (تدريب الراوي) للسيوطي، و(فتح المغيث) للسخاوي، و(توضيح الأفكار) للصنعاني.
ثم يدرس بعمق كتاب (الكفاية) للخطيب، و(معرفة علوم الحديث) للحاكم، و(شرح علل الترمذى) لابن رجب، ومقدمة (التمهيد) لابن عبدالبر، ومقدمة (الإرشاد) للخليلي.
ثم ينتهي بالتفقه في كلام الشافعي في (الرسالة)، ومسلم في مقدمة (الصحيح)، وأبي داود في (رسالته إلى أهل مكة)، ونحوها.
وبعد تعلمه لـ (نزهة النظر) أو ما ذكرناه في درجتها، وأثناء قراءته لكتاب ابن صلاح، عليه أن يكثر مطالعة كتب التخريج، مثل (نصب الراية) للزيلعي، و(البدر المنير) لابن الملقن، و(التلخيص الحبير) لابن حجر، و(تنقيح التحقيق) لابن عبد الهادي، والسلسلتين و(إرواء الغليل) للألباني. ويحاول خلال هذه القراءة أن يوازن بين ما عرفه من كتب المصطلح وما يقرؤه في كتب التخريج تلك، ليرى نظرياً طريقة التطبيق العملي لتلك القواعد ومعاني المصطلحات.
وإذا ما توسع في قراءة كتب التخريج السابقة، ويدرس كتاباً من الكتب الحديثة في أصول التخريج، مثل (أصول التخريج ودراسة الأسانيد) للدكتور محمود الطحان.
ثم يدرس كتاباً أو أكثر في علم الجرح والتعديل، مثل (الرفع والتكميل) للكنوي، وأحسن منه (شفاء العليل) لأبي الحسن المصري.
ويدرس أيضاً كتاباً من الكتب التي تعرف بمصادر السنة، كـ(الرسالة المستطرفة )للكتاني، و(بحوث في تاريخ السنة النبوية) للدكتور أكرم ضياء العمري.
ثم يبدأ بالتخريج ودراسة الأسانيد بنفسه، وكلما بكر في ذلك (ولو من أوائل طلبه) كان ذلك أعظم فائدة وأكبر عائدة ؛ لأن ذلك يجعله يطبق القواعد فلا ينساها، ويتعرف على مصادر السنة ومناهجها، ويتمرن في ساحات هذا العلم.
والغرض من هذا التخريج – كما سبق – هو الممارسة للتعلم، لا للتأليف ؛ وقد تقدم الحديث عن أهمية هذه الممارسة في علم الحديث.
وأثناء قيامه بالتخريج، عليه أيضاً أن يخص علم الجرح والتعديل التطبيقي بمزيد عناية كذلك ؛ وذلك بقراءة كتبه الكبار، مثل: (تهذيب التهذيب) لابن حجر، و(ميزان الاعتدال) للذهبي ؛ وكتبه الأصول، مثل: (الجرح والتعديل) لابن أبي حاتم، و(الضعفاء) للعقيلي، و(المجروحين) لابن حبان، و(الكامل) لابن عدي، وكتبه التي هي أصول الأصول، مثل: تواريخ يحيى بن معين وسؤالاته هو والإمام أحمد، (التاريخ الكبير) للبخاري، ونحوها.
وهو خلال قراءته هذه يحاول أن يوازن بين استخدام الأئمة لألفاظ الجرح والتعديل وما ذكر عن مراتب هذه الألفاظ في كتب المصطلح.
وإن مر به أحد الرواة الذين كثر الاختلاف فيهم، فعليه أن يطيل في دراسته، فإن هؤلاء الرواة مادة خصبة للدراسة والاستفادة.
وما يزال الطالب في الترقي العلمي في قراءة كتب علوم الحديث، فلا يدع منها شاردة ولا واردة، وفي التوسع في التخريج، وفي تمحيص علم الجرح والتعديل ؛ حتى يصل إلى منزلة يصبح قادراً فيها على دراسة كتب العلل، مثل: (العلل) لابن المديني، والترمذي، وابن أبي حاتم، وأجلها (علل الأحاديث) للدارقطني. فيقرأ الطالب هذه الكتب قراءة تدقيق شديد، وتفقه عميق ؛ ليدري بعضاً من أساليب الأئمة في عرض علل الأحاديث، وطرائق اكتشاف تلك العلل، وقواعد الحكم على الأحاديث.
فإذا وصل طالب الحديث إلى هذه المرحلة، فلابد أن رأسه قد أمتلأ بالمشاريع العلمية والبحوث الحديثية، التي تزيده تعمقاً في علم الحديث.
فليبدأ (على بركة الله) مشوار العلم الطويل، منتفعاً ونافعاً مستفيداً مفيداً.

(1/9053)


فإن بلغ طالب الحديث هذه الرتبة، وأسبغ الله عليه نعم توفيقه وتسديده، ومد عليه عمره في عافية، وطالت ممارسته لهذا العلم ؛ فيا بشرى العالم الإسلامي، فقد ولد له محدث!!
وأنبه – أخيراً – أن هذه المنهج التعليمي إنما نطرحه للطالب الذي لم يجد من يوجهه. أما من وجد عالماً ربانيا يعتني به توجيهاً وتعليماً، فعليه أن يقبل عليه بكليته، وأن يلزم عتبة داره ؛ فهو على خير عظيم، وعلى معارج العلم يترقى، ما دام جاثياً في حلقة ذلك العالم.
والله أعلم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
وكتب
الشريف حاتم بن عارف بن ناصر العبدلي العوني
-----------------
قلت : جزى الله الشيخ الشريف حاتم العبدلي خير الجزاء ونفع الله الإخوة طلاب العلم بما كتب وجعل ذلك في ميزان حسناته .
---
ابن عبد البر
28-11-2004, 09:20 PM
جهد طيب .. بارك الله فيك .. أخي الكريم ..
---
المسيطير
19-05-2005, 02:33 PM
جزاك الله خير الجزاء على دعاءك أخي الفاضل ابن عبدالبر .
---
الحنبلي السلفي
20-05-2005, 01:45 AM
جعله الله في موازين حسناتك وبارك فيك وجزاك خيرا.
---
أبوعبدالرحمن الدرعمي
23-07-2005, 02:26 AM
جعله الله في موازين حسناتك وبارك فيك وجزاك خيرا.
.................
---

(1/9054)


خزانة الكتب والأبحاث > مقدمة فتح الباري ابن حجر
---
مقدمة فتح الباري ابن حجر
---
أمين الغامدي
14-05-2004, 03:56 PM
مقدمة فتح الباري ابن حجر
---

(1/9055)


المنتدى الشرعي العام > حالة نجد قبل الدعوة من تكلم عنها من المؤرخين ؟(ضروري )
---
حالة نجد قبل الدعوة من تكلم عنها من المؤرخين ؟(ضروري )
---
البراق
14-05-2004, 04:18 PM
حالة نجد قبل الدعوة السلفية من تكلم عنها من المؤرخين لا سيما الرحالة الأجانب وغيرهم ضروري ياأحباب للرد على أهل الزيغ والضلال ؟
---
عصام البشير
14-05-2004, 08:31 PM
- كتب أهل تلك البلاد كثيرة كتاريخ ابن غنام وغيره.
أما من خارجها:
ففي تاريخ الجبرتي فوائد لا بأس بها عن حال الحجاز قبل دخول عساكر الدعوة إليها.
والله أعلم.
---

(1/9056)


منتدى العلوم الشرعية التخصصي > فائدةٌ نفيسةٌ حولَ ابنِ خَلِّكان ومنهجِهِ في كتابِهِ " وَفَيَات الأعَيان"
---
فائدةٌ نفيسةٌ حولَ ابنِ خَلِّكان ومنهجِهِ في كتابِهِ " وَفَيَات الأعَيان"
---
عبد الرحمن السديس
14-05-2004, 05:24 PM
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة، والسلام، على نبينا محمد وآله ومن تبعه إلى يوم الدين أما بعد:
فهذه فائدة نفيسة حول منهج القاضي ابن خَلِّكان في كتابه " وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان "
وهو كتاب مشهور جدا موضوعه في التراجم العامة ، ولا تخلوا منه مكتبة طالب علم فضلا عن عالم ، وقد استفاد من هذا الكتاب معظم ـ إن لم أقل كل ـ من جاء بعده ، وألف في التأريخ ، أو السير ، والتراجم ...
لكن على الكتاب مأخذ عظيم ! رغم كثرة فوائدة ، ومكانة مؤلفه بين العلماء في زمانه وبعده .
وهذا المأخذ يتضح لكلِ مَنْ مارس الكتاب ، وقرأه ، وقارنه بغيره ... ولما كان الحافظ ابن كثير رحمه يكثر النقل عنه جدا ويفيد منه كثيرا طفح الكيل عنده في ترجمة ابن الراوندي قبحه الله ..
كما في البداية والنهاية 14/764 ط: دار هجر [وأتركك الآن مع ابن كثير رحمه]
قال ابن كثير: [وفيات سنة 298هـ]
الزنديق أحمد بن يحيى بن إسحاق أبو الحسين المعروف بابن الراوندي
أحد مشاهير الزنادقة الملحدين عليه اللعنة من رب العالمين ، كان أبوه يهوديا فأظهر الإسلام ، فيقال: إنه حرف التوراة كما عادى ابنُه القرآن بالقرآن وألحد فيه ، وصنف كتابا في الرد على القرآن سماه " الدامغ". وكتابا في الرد على الشريعة والاعتراض عليها سماه " الزمردة". وكتابا يقال له "التاج" في معنى ذلك ، وله كتاب "الفريد" وكتاب " إمامة المفضول الفاضل".
وقد انتصب للرد على كتبه هذه جماعة منهم الشيخ أبو علي محمد بن عبد الوهاب الجبائى شيخ المعتزلة في زمانه ، وقد أجاد في ذلك ، وكذلك ولده أبو هاشم عبد السلام بن أبى علي ، قال الشيخ أبو علي: قرأت كتاب هذا الملحد الجاهل السفيه ابن الراوندي ، فلم أجد فيه إلا السفه ، والكذب ، والافتراء . قال وقد وضع كتابا في قدم العالم ونفى الصانع ، وتصحيح مذهب الدهرية والرد على أهل التوحيد ، ووضع كتابا في الرد على محمد رسول الله صصص في سبعة عشر موضعا من كتابه ، ونسبه إلى الكذب ـ يعنى النبي صصص ـ وطعن على القرآن ، ووضع كتابا لليهود والنصارى ، وفضل دينهم على المسلمين ؛ يحتج لهم فيها على إبطال نبوة محمد صصص ، إلى غير ذلك من الكتب التي تبين خروجه عن الإسلام. نقله ابن الجوزي عنه. وقد أورد ابن الجوزي في منتظمه طرفا من كلامه وزندقته وطعنه على الآيات والشريعة. ورد عليه في ذلك .
وهو أقل وأخس وأذل من أن يلتفت إليه وإلى جهله وكلامه وهذيانه وسفهه وخذلانه وتمويهه وترويجه وطغيانه .
وقد أسند إليه حكايات من المسخرة والاستهتار والكفر والكبائر منها ما هو صحيح عنه ، ومنها ما هو مفتعل عليه ممن هو مثلُه ، وعلى طريقه ومسلكه في الكفر والتستر بالمسخرة [في نسخة : يخرجونها في قوالب مسخرة وقلوبهم مشحونة بالكفر والزندقة وهذا كثير موجود فيمن يدعى الإسلام وهو منافق يتمسخرون بالرسول ودينه وكتابه وهؤلاء ممن] قال الله تعالى فيهم ( ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم ) وقد كان أبو عيسى الوارق مصاحبا لابن الراوندي قبحهما الله فلما علم الناس بأمرهما طلب السلطان أبا عيسى فأودع السجن حتى مات ، وأما ابن الراوندي فهرب فلجأ إلى ابن لاوي اليهودي وصنف له ـ في مدة مقامه عنه ـ كتابه الذي سماه " الدامغ للقرآن " فلم يلبث بعده إلا أياما يسيرة حتى مات لعنه الله .ويقال: إنه أخذ وصلب .
قال أبو الوفاء بن عقيل: ورأيت في كتاب محقق أنه عاش ستا وثلاثين سنة مع ما انتهى إليه من التوغل في المخازي [في نسخة: في هذا العمر القصير] لعنه الله وقبحه ، ولا رحم عظامه.
وقد ذكره القاضي ابن خلكان في الوفيات ودلَّس[في نسخة: قلس] عليه ، ولم يجرحه بشيء ، ولا كأن الكلب أكل له عجينا ، على عادته في العلماء والشعراء ؛ فالشعراء يطيل تراجمهم ، والعلماء يذكر لهم ترجمة يسيرة ، والزنادقة يترك ذكر زندقتهم ، وأرخ ـ ابن خلكان ـ تاريخ وفاته في سنة خمس وأربعين ومائتين ، وقد وهم وهما فاحشا والصحيح أنه توفى في هذه السنة ـ 298 هـ ـ كما أرخه ابن الجوزي وغيره.اهـ.
ولنقارن ترجمة ابن كثير لهذا المجرم ، وترجمة ابن خلكان التي أشار ابن كثير إليها .
قال ابن خلكان في وفيات الأعيان 1/94 :
الراوندي

(1/9057)


أبو الحسين أحمد بن يحيى بن إسحاق الرواندي العالم المشهور له مقالة في علم الكلام ، وكان من الفضلاء في عصره ، وله من الكتب المصنفة نحو من مائة وأربعة عشر كتابا منها كتاب "فضيحة المعتزلة" وكتاب "التاج" وكتاب "الزمرد" وكتاب "القصب" وغير ذلك وله مجالس ومناظرات مع جماعة من علماء الكلام وقد انفرد بمذاهب نقلها أهل الكلام عنه في كتبهم توفي سنة خمس وأربعين ومائتين برحبة مالك بن طوق التغلبي ، وقيل ببغداد ، وتقدير عمره أربعون سنة ، وذكر في البستان أنه توفي سنة خمسين والله أعلم رحمه الله تعالى .
ونسبته إلى راوند بفتح الراء والواو وبينهما ألف وسكون النون وبعدها دال مهملة وهي قرية من قري قاسان بنواحي أصبهان.. اهـ .
أرأيت الفرق بين الترجمتين ! مع أنه رحمه الله قال في مقدمة كتابه 1/21: ... ولم أتساهل في نقله ممن لا يوثق به ، بل تحريت فيه حسبما وصلت القدرة إليه ..
وقال الدكتور إحسان عباس محقق الكتاب: وقد أبدى بعض المعلقين على هوامش نسخ "الوفيات" قلقا شديدا لأن ابن خلكان لم يناوله بالذم .. [ثم نقل شيئا من كلامهم ، وأما هو فلم يقل شيئا ولعله اكتفاء بما نقل].
والمقصود من هذا النقل والعرض معرفة ذلك لئلا يغتر أحد بمثل هذه التراجم لأعيان الزنادقة ، و رؤوس أهل الضلال ..
ولا يظن أن الغرض من هذا انتقاص هذا العالم ،أو انتقاص كتابه .. أو غيره بل محض النصيحة والبيان
والمؤلف له فضائل جمة ، وفي كتبه علوم نافعة ، ولعلي أنقل لك شيئا ترجمته من كتاب ابن كثير رحمه الله لنرى الإنصاف الذي قل في الناس ..
قال ابن كثير في البداية 17/588:
ابن خلكان قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس احمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلكان الإربلي الشافعي أحد الائمة الفضلاء والسادة العلماء والصدور الرؤساء وهو أول من جدد في أيامه قضاء القضاة من سائر المذاهب فاشتغلوا بالأحكام بعد ما كانوا نوابا له وقد كان المنصب بينه وبين أبن الصائغ دولا يعزل هذا تارة ويولى هذا ويعزل هذا ويولى هذا وقد درس ابن خلكان في عدة مدارس لم تجتمع لغيره ولم يبق معه في آخر وقت سوى الأمينية وبيد ابنه كمال الدين موسى النجيبية توفي ابن خلكان بالمدرسة النجيبية المذكورة بايوانها يوم السبت آخر النهار في السادس والعشرين من رجب ودفن من الغد بسفح قاسيون عن ثلاث وسبعين سنة وقد كان ينظم نظما حسنا رائقا وقد كانت محاضرته في غاية الحسن وله التاريخ المفيد الذي رسم بوفيات الاعيان من أبدع المصفنات والله سبحانه أعلم.
وقال الإمام الذهبي : كان إماما ، فاضلا ، متقنا ، عارفا بالمذهب ، حسن الفتاوى ، جيد القريحة ، بصيرا بالعربية ، علامة في الأدب والشعر وأيام الناس ، كثير الاطلاع ، حلو المذاكرة ، وافر الحرمة ، من سروات الناس ، كريما ، جوادا ، مُمَدّحا ، وقد جمع كتابا نفيسا في وفيات الأعيان .
وقال ابن العماد الحنبلي ومن محاسنه أنه كان لا يجسر أحد أن يذكر أحدا عنده بغيبة. انتهى من شذرات الذهب 7/648 .
---
عصام البشير
14-05-2004, 09:20 PM
ومن الملحوظات على كتاب ابن خلكان رحمه الله أنه لشد اهتمامه بالشعر، يتحرى أن يورد للمترجَم شيئا من نظمه ولو كان غير مشهور بالشعر أصلا، بل قد يكون محدثا أو فقيها أو غيره.
---
عبدالله الجارالله
16-05-2004, 02:22 AM
قلت أخي عصام : والمؤلف له فضائل جمة ، وفي كتبه علوم نافعة .....إلخ
أقول أن ابن خلكان رحمه الله كان كما وضحت حفظك الله ، أما قضية كتبه فالحقيقة لا يعلم أنه قد ألف غير وفيات الأعيان ، ولم يذكر في ترجمته عند من ذكره اسم كتاب آخر ولا هو ذكر شيئا من مصنفته في تاريخه . رحمه الله تعالى .
---
عبد الرحمن السديس
16-05-2004, 12:16 PM
الرسالة الأصلية كتبت بواسطة عبدالله الجارالله
قلت أخي عصام : والمؤلف له فضائل جمة ، وفي كتبه علوم نافعة .....إلخ
أقول أن ابن خلكان رحمه الله كان كما وضحت حفظك الله ، أما قضية كتبه فالحقيقة لا يعلم أنه قد ألف غير وفيات الأعيان ، ولم يذكر في ترجمته عند من ذكره اسم كتاب آخر ولا هو ذكر شيئا من مصنفته في تاريخه . رحمه الله تعالى .
جزاك الله خيرا
وأنا الذي كتبت هذا وليس الشيخ عصام البشير
وكلمة : (كتبه) مصحفة من (كتابه) المتكلم عنه "وفيات"
---
زياد العضيلة
16-05-2004, 05:51 PM
أذكر أن السبكي رحمه الله في الطبقات قال : (( ومن مصنفاته وفيات الاعيان )) .
وقد يكون شدة أشتهاره مخفيا لبعض كتبه الاخرى .
---
أبو عبد الله الروقي
16-05-2004, 07:22 PM
شكَر اللهُ لك أخانا عبد الرحمن ..
و اسمح لي أن أقِفَ مع ما نقلتَهُ عن ابن العماد :
( وقال ابن العماد الحنبلي : (ومن محاسنه أنه كان لا يجسر أحد أن يذكر أحدا عنده بغيبة ) ...
يا لَها من حسَنَةٍ ، وللهِ ما أعظمها من منقبة .. !!
ليت مَن يقرأ كثيراً في كتب التراجم يقطِف من أمثال هذهِ الثمار التي قد تضيعُ بين ( ولد ) و ( مات ) ..

(1/9058)


وللهِ دَرُّ الحافظ الذهبي فلقد أصلح كثيراً من مناهج التأليف ، وتوّج كتاباتِ أهلِ الإسلام بكتابِهِ الأعجوبة " السِيَر " فعلّق وصحّح ونبّه ..
تأمّل ـ أخي المبارَك ـ تلك العبارةَ وادعُ اللهَ أن يرزقَك تلك المنقبة ..
---
عبد الرحمن السديس
17-05-2004, 01:04 AM
جزاكم الله خيرا جميعا
الأخ زياد هو كما ذكرتَ
الأخ الروقي أحسنت على الإفادة
ومما يذكر هنا للفائدة سبب تسميته بابن خلكان ففيه أقوال:
1- نسبة إلى قرية
2- نسبة إلى جد من أجداده
3- أنه سئل عن نسبه فقال خلِ كان يعني اسأل عن الرجل ودعك من السؤال عن آبائه وأجداده .
ينظر شذرات الذهب 7/650 الأصل وتعليق المحقق.
---
عبدالرحمن الفقيه
18-05-2004, 02:57 AM
جزاكم الله خيرا وبارك فيكم
وقد نقل الشافعية في كتبهم الفقهية بعض الأقوال والفتاوى عن ابن خلكان .
وكذلك ابن خلكان عمدة في ضبط الأسماء
قال محمد فؤاد عبدالباقي رحمه الله في ترجمة ابن ماجه في نهاية السنن(2/1521) (وهل بعد ضبط ابن خلكان مقال لإنسان)انتهى.
---
زياد العضيلة
18-05-2004, 03:05 AM
جزاكم الله خيرا شيخنا أبا عمر وعلى ذكر ضبط ابن خلكان فقد أفرد الشيخ : عبدالسلام هارون رحمه الله كتابا في أسماء ( من ضبطهم ) أبن خلكان وأسماء البلدان وغيرها .
وكتب مقدمة نفيسة في بيان أهمية ضبط ابن خلكان .
والكتاب ليس بالمشهور وقد وقفت عليه عند بعض أشياخي قديما . وأذكره في مجلدات أظنها ثلاثة .
---
عبدالرحمن الفقيه
18-05-2004, 04:04 AM
بارك الله فيك أفدتنا حفظك الله بهذه الفائدة عن عبدالسلام هارون رحمه الله ، وممن وصفه كذلك الزركلي في الأعلام حيث قال
ج 1 ص 220 :
وهو أشهر كتب التراجم ومن أحسنها ضبطا وإحكاما
وقد ذكر له الصفدي كذلك من مصنفاته مجاميع أدبية
قال في الوافي
قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان
أحمد بن محمد بن إبراهيم بن خلكان قاضي القضاة شمس الدين أبو العباس البرمكي الإربلي الشافعي، ولد بإربل سنة ثمان وست مائة وسمع بها "صحيح البخاري" من أبي محمد بن هبة الله بن مكرم الصوفي وأجاز له المؤيد الطوسي وعبد المعز الهروي وزينب الشعرية. روى عنه المزي والبرزالي والطبقة، وكان فاضلاً بارعاً متفنناً عارفاًُ بالمذهب حسن الفتاوي جيد القريحة بصيراً بالعربية علامة في الأدب والشعر وأيام الناس، كثير الاطلاع حلو المذاكرة وافر الحرمة، فيه رياسة كبيرة، له كتاب "وفيات الأعيان" وقد اشتهر كثيراً وله مجاميع أدبية .
---
عبدالرحمن الفقيه
18-05-2004, 04:26 AM
وأيضا لم تكن عادة ابن خلكان التساهل مع الزنادقة دائما
فقد ذكر في ترجمة الحلاج (2/142)(وأفتى العلماء بإباحة دمه)
وذكر كذلك في ترجمة ابن المقفع(2/151) (وكان ابن المقفع مع فضله يتهم بالزندقة،فحكى الجاحظ أن ابن المقفع ومطيع بن إياس ويحيى بن زياد كانوا يتهمون في دينهم ، قال بعضهم فكيف نسي الجاحظ نفسه!!)انتهى.
وقد ذكر ابن خلكان كذلك أن له كتاب (التاريخ الكبير)
قال في الوفيات(2/147)(بل إن يسر الله تعالى تحرير التاريخ الكبير ، فسأذكر فيه حديثهم مستوفى ، إن شاء الله تعالى) انتهى.
---
عبد الرحمن السديس
18-05-2004, 12:59 PM
جزاكم الله خيرا جميعا
نعم أخي الشيخ عبد الرحمن ليس دائما لكنه في الأغلب
وإن أشار إلى شيء من ذلك فعلى اختصار وخجل أحيانا
ينظر ترجمته للمعري الشاعر
وترجمة للإمام أحمد في صفحتين وربع ، وابن أبي داود قاضي المعتزلة في عشر صفحات ونصف كلها ثناء وإطراء .. ولم يذكر عن مخازيه إلا سطرا واحدا فقال: وامتحن الإمام أحمد بخلق القرآن . ولم يزد ..
---
عبدالله الجارالله
26-05-2004, 04:31 AM
الرسالة الأصلية كتبت بواسطة المتمسك بالحق
جزاكم الله خيرا شيخنا أبا عمر وعلى ذكر ضبط ابن خلكان فقد أفرد الشيخ : عبدالسلام هارون رحمه الله كتابا في أسماء ( من ضبطهم ) أبن خلكان وأسماء البلدان وغيرها .
وكتب مقدمة نفيسة في بيان أهمية ضبط ابن خلكان .
والكتاب ليس بالمشهور وقد وقفت عليه عند بعض أشياخي قديما . وأذكره في مجلدات أظنها ثلاثة .
أظنك أخي الفاضل تعني كتاب شيخ المحققين عبدالسلام هارون واسمه (( معجم مقيدات ابن خلكان )) الطبعة الأولى 1407 هـ الناشر مكتبة الخانجي بالقاهرة ، لكن الكتاب يقع في مجلد واحد فقط ويتكون من 356 صفحة دون الفهارس التحليلية .
قال في مقدمته : (( هذه أمنية راودتني منذ نحو نصف قرن من الزمان : أن أجمع في صعيد واحد ما نص ابن خلكان على ضبطه أو تفسيره في كتابه الخالد الرائع - وفيات الأعيان - ، وأتناوله بالتحقيق والنشر ، لما فيه من نصوص نادرة في الضبط ، يشع فيها الدقة والأمانة..........الخ )).
ثم افتتح كتابه - المرتب على حروف المعجم - بباب الهمزة ، وأول اسم نقل ضبط ابن خلكان له هو -الآجري- ، وختم كتابه بباب الياء وكان آخر اسم ضبطه هو -اليونسية- .

(1/9059)


ثم قال : (( وكان الفراغ من تحقيقه في الساعة الخامسة من مساء الأربعاء 5 من رمضان 1406 هـ ، والحمد لله على ما أنعم )) .
هذا ما أحببت كشفه عن هذا الكتاب الذي قال عنه أخي المتمسك بالحق أنه غير مشهور - وهو كذلك .
---
زياد العضيلة
27-05-2004, 02:00 AM
جزاك الله خيرا : أخي عبدالله .
---

(1/9060)


منتدى التعريف بالكتب وطبعاتها وتحقيق التراث > تفسير ابن ابي حاتم
---
تفسير ابن ابي حاتم
---
أبو أنيس
14-05-2004, 06:53 PM
هل طبع تفسير ابن ابي حاتم مع التحقيق والتخريج .
هل أحد حققه للرسالة الجامعية.
وشكرا
---
فالح العجمي
15-05-2004, 03:29 AM
نعم هو حقق في رسائل علمية
وستقوم دار ابن الجوزي على نشره
واتصل بهم احد الإخوان وقالوا ( دار ابن الجوزي ) أن الكتاب
سيصدر خلال ستة شهور أو سنة
وهذا الكلام قبل ثلاث شهور تقريبا
وممكن ان تستفسر عن طريق موقعهم
والله أعلم
---
العوضي
15-05-2004, 08:51 AM
حقق بعض أجزاء هذا التفسير الدكتور عيادة الكبيسي ونوقشت في جامعة أم القرى .
وأخبرني أحد الأخوة أن ابنه يكمل تحقيق باقي التفسير
هذا والله أعلم
---
أبو أنيس
15-05-2004, 12:50 PM
جزاكم الله يا إخواني
سمعت قديما بأن بعض أجزاء التفسير مفقودة ، هل هذا صحيح؟
---

(1/9061)


وسائل تحصيل العلم الشرعي > مكتبة طالب العلم ،،، للعلوان والقرني والطريفي والهويسين
---
مكتبة طالب العلم ،،، للعلوان والقرني والطريفي والهويسين
---
خليل بن محمد
14-05-2004, 07:58 PM
مكتبة طالب العلم ،، للشيخ سليمان العلوان (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?s=&threadid=451)
مكتبة طالب العلم ،،، للشيخ أحمد القرني (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?s=&threadid=5330)
مكتبة طالب العلم ،، للشيخ عبد العزيز الطريفي (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?s=&threadid=15747&highlight=%E3%DF%CA%C8%C9)
مكتبة طالب العلم ،، للشيخ خالد الهويسين (http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?s=&threadid=10591&highlight=%CE%C7%E1%CF)
---
المنيف
15-05-2004, 03:42 PM
أحسنت وجزاك الله خيراً، ولو ثبت هذا الموضوع لكان أفضل لأنه يجمع كلام المشايخ في موضع واحد
---
عبدالله الوشمي
19-07-2005, 12:46 AM
شكر الله لك شيخنا خليل بن محمد على هذا الموضوع المتميز.
---

(1/9062)


وسائل تحصيل العلم الشرعي > كيف تكتب بحثا فقهيا .
---
كيف تكتب بحثا فقهيا .
---
المسيطير
14-05-2004, 08:25 PM
نقل الأخ /MagedOnLine هذا البحث النافع ، فرأيت طرحه في جلسة كيفية التحصيل العلمي ، لعل الله تعالى ان ينفع بها .
كيف تكتب بحثاُ فقهياً
إليكم إخواني هذا الموضوع المتميز لفضيلة الشيخ أحمد سبالك عن كيفية كتابة البحث الفقهي بشكل صحيح
http://www.sonnh.com/forum/forum_posts.asp?TID=262&PN=1
*********************************************
كيف تكتب بحثاً فقهياً
محاضرة ألقيت على طلبة شعبة الدكتوراة في الفقه وأصوله ( بالحرم النبوي الشريف ) رمضان 1424 ه لفضيلة الشيخ / أحمد سبالك
أولاً : مبادئ عامة :
تعريف البحث : البحث يراد به الاستقصاء وطلب الشيء والتنقيب عنه ، وذلك بقصد التوصل إلى حقيقة من الحقائق .
والبحث الفقهي خاصة : هو خطة الدراسة الفقهية المبنية على قواعد معينة ، للتوصل إلى حكم أو أحكام فقهية جديدة .
أهمية البحث الفقهي : يُبتغى من البحث الفقهي الوصول إلى إضافة علمية جديدة ، مثل: إبداع شيء لم يسبق إليه ، أو شرح مغلق ، أو تصحيح مخطئ ، أو ترتيب منثور وجمع مفرق ، أو تقصير طول ، أو تتمة ناقص .
خصائص البحث الفقهي :
1- التجرد من الهوى المتمثل في التعصب المذهبي .
2- الموضوعية في البحث . وتتمثل في:
1- تحديد المصطلحات المستخدمة في البحث .
ب- الأمانة في نقل الآراء الفقهية .
ج- التحري عند نقل الآراء من الغير من غير مصادرة لرأي .
د- نقل جميع الآراء التي لها دليل والتي لم يكن لها دليل .
3- المنهجية في البحث من تنظيم للمعلومات وعرضها عرضاً منطقياً .
اختيار الموضوع :
يجب على الباحث أولاً تحديد موضوعه في أي موضوع سيبحث في الفقه عامة أم الفقه المذهبي أم في المقارنة بين المذاهب أم ..................إلخ .
عنوان البحث :
بعد أن يحدد الباحث في أي موضوع سيبحث ؛ يجب عليه وضع عنوان على بحثه يتناسب مع الموضوع الذي سيبحث فيه ، لأن العنوان يحدد هدف الباحث دائماً بسرعة ويسر .
خطة البحث :
بعد تحديد الباحث موضوعه وعنوانه ، يحتم عليه وضع خطة بمثابة الرسم الهيكلي العام للبحث ، وما هذا إلا تحديد لكل ما يتناوله البحث ؛ حتى لا يخرج الباحث عنها إلى أمور أخرى ، ويتمثل أي بحث في الأتي:
1- وضع عنوان مناسب للبحث .
2- إبراز القيمة العلمية للبحث .
3- تقسيم الموضوع إلى أبواب وفصول ومباحث ،4- بشرط البدء بالأهم فالمهم .
5- تحديد منهج البحث وهي الطرق والوسائل التي يصل بها الباحث إلى غايته .
6- وضع خطة البحث المتناسبة مع موضوع بحثه .
الإعداد لكتابة البحث :
كتابة البحث تتطلب من الباحث أمور :
الأول : إعداد المصادر ، ويجب على الباحث أن يقسم مصادره إلى مصادر أصلية تحتوي على موضوع البحث لتوثيق معلومات البحث ، ومصادر ثانوية تؤيد ما كان في المصادر الأصلية .
الثاني : إعداد المصادر، ويعرف الباحث مصادر بحثه عن طريق الفهارس العامة أو الخاصة ، وعن طريق البحوث العلمية والرسائل الجامعية ، وأيضاً عن طريق الكتب المتخصصة في هذا الفن كالفهرست لابن النديم وكشف الظنون ، وأيضاً للباحث أن يستعين بخبرة الأساتذة والعلماء وزملائه الباحثين .
الثالث : تنظيم المصادر ، على الباحث وضع المصادر الأصلية أولاً ثم لا يلجأ إلى الثانوية إلا عند تأييد رأي أو توثيقه أو ما شاكل ذلك ، حتى لا تختلط عليه المصادر .
الرابع : جمع مادة البحث ، فيجمع الباحث مادته من خلال مصادره الأصلية والثانوية .
الخامس : طرق تدوين المادة ، بعد جمع المادة يدون الباحث المادة عن طريق :
1- الاقتباس : ينقل الباحث جزء في مادته ويضعه بين ( ) مما يبين للقارئ أن هذا الجزء مقتبس .
2- الاختصار أو التلخيص : يلخص الباحث أو يختصر كلام صاحب المصدر الأصلي ، بشرط أن يشير في هامش البحث إلى الكتاب الذي تم التلخيص منه .
3- المزج بين الاقتباس والاختصار والتلخيص .
كتابة البحث :
يبدأ الباحث كتابة البحث ويراعي الأتي :
1- انتقاء مادته العلمية فيقدم الأهم فالمهم .
2- يعرض هذه المادة عرضاً جيداً باختيار الألفاظ السهلة لتوصيل المعلومة .
3- يكون أسلوب كتابته في صياغة جيدة ،4- بتعبيرات واضحة .
5- يستخدم القارئ في كتابته علامات الترقيم والتشكيل التي تساعد الباحث في جعل القارئ معه لحظة بلحظة في كتابة بحثه .
6- يضع الباحث هوامش يبين فيه أصول هذه المادة التي تم نقلها أو اختصارها في البحث .
7- يجعل الباحث مقدمة لبحثه يبين فيها الفارق بين بحثه وبين غيره من الأبحاث في نفس المجال ،8- ويوضع فيها سبب اختياره لهذا البحث ،9- وأهمية بحثه ويبين منهجه المتبع في البحث .
10- يجعل الباحث خاتمة لهذا البحث يوضح فيها أهم ما وصل إليه من نتائج في البحث .

(1/9063)


11- يكتب الباحث بعد الخاتمة مصادر بحثه مرتبة ليسهل الرجوع إليها وكل مرجع بطبعته وتاريخها ومكان طبعاتها .
12- يصنع الباحث فهارس لهذا البحث يضع فيه محتوى البحث لسهولة الرجوع لأي جزئية من جزئيات البحث ،13- ويا حبذا لو رتب بحثه فبدأ: بفهرس الآيات ثم الحديث والآثار ثم الأعلام ثم الأماكن والبلدان ثم الأشعار ثم الأمثال ثم الكلمات الغريبة ثم المصادر والمراجع ثم الموضوعات والمحتوى وغير ذلك مما يسهل على القارئ قراءة بحثه .
* هذه الخطوات السابقة متفق عليها بين كتّاب الأبحاث ، فهي بمثابة الهيكل لأي بحث فقهي أو كيميائي أو فيزيائي .........إلخ ، فيجب الالتزام بهذه الخطوات حتى يخرج الهيكل في إطار صحيح .
منهج البحث في الفقه :
أصول البحث الفقهي :
دراسة الباحث لهذا العنوان تتمثل في أربعة مباحث :
الأول : الفقه وما يتعلق به .
الثاني : الأحكام الشرعية وما يتعلق بها .
الثالث: تقسيم الفقه عند الفقهاء القدامى .
الرابع : مناهج الفقهاء في ترتيب الأبواب .
المبحث الأول : الفقه وما يتعلق به :
الفقه في اللغة : الفهم ، ومنه قوله تعالى ( واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي ) وقد أطلق الفقه في صدر الإسلام على الشريعة والدين ، أي يشمل الأحكام التي تتعلق بالشريعة كالأخلاق والعبادات والمعاملات .
وأطلق أبو حنيفة الفقه على التوحيد باعتباره أكبر الفهم ، ولهذا أطلق عليه الفقه الأكبر .
ثم أطلقت هذه الكلمة على : العلم بالأحكام الشرعية العملية عن أدلتها التفصيلية بالاستدلال ، فالفقه يطلق على :
مجموعة الأحكام التي نزل بها الوحي صراحة ، والتي استنبطها المجتهدون ، وخرّجها المقلدون على قواعد أئمتهم وأصولهم ، ومن يشتغل بكل ذلك يسمى فقيهاً .
المبحث الثاني : الأحكام الشرعية وما يتعلق بها :
الأحكام الشرعية هي مناط الفقه ، فالفقه هو العلم بها ، والأحكام هي الأوصاف الشرعية المحكوم بها على أعمال المكلفين الظاهرة أو الباطنة ، كالوجوب أو الحرمة أو الندب أو الكراهة أو الإباحة والحكم على العبادة بأنها قضاء أو أداء ، أو على العقود بأنها صحيحة أو باطلة ، مما يجب على الباحث دراسته قبل بداية بحثه .
المبحث الثالث : تقسيم الفقه عند الفقهاء القدامى والمتأخرين :
أولاً : القدامى :
قسم الفقهاء قديماً الفقه إلى قسمين :
الأول : العبادات . كالصلاة والصيام وغيرها مما ينظم العلاقة بين العبد وربه .
الثاني : المعاملات : كالعقود من نكاح وبيوع وغيرها مما ينظم العلاقة بين الأفراد والجماعات بعضهم بعض .
ثانياً : الفقهاء المتأخرين :
يقسم الفقهاء المتأخرون الفقه إلى قسمين :
الأول : العبادات . وهو نفس تقسيم المتقدمين .
الثاني : المعاملات ، وقد قسم الفقهاء المتأخرون المعاملات إلى أقسام ستة وهي :
الأول : أحكام الأسرة كالنكاح والطلاق .... إلخ
الثاني : المعاملات المالية كالبيع والإجارة ....إلخ
الثالث : السياسة الشرعية كالأحكام التي تتناول نظام الدولة ، كالشورى والعدالة ...إلخ
الرابع : العقوبات كالحدود والقصاص .
الخامس : المرافعات : كالشهادات واليمين ......... إلخ
السادس : السير والمغازي كالأحكام الخاصة بصلة الدولة بغيرها في السلم والحرب كالمعاهدات..إلخ
المبحث الرابع : مناهج الفقهاء في ترتيب الأبواب في المذاهب الفقهية :
أولاً : جميع المذاهب الفقهية - باستثناء الظاهرية - قد بدأت بقسم العبادات وقدمت الطهارة على الصلاة ، أما الظاهرية فكانت بداية الفقه عندهم بكتاب التوحيد مما يدل على اتساع المدلول الفقهي عندهم ليشمل أمور العقيدة ، كما كان المتبع من بداية التصنيف في الفقه .
ثانياً : مفهوم العبادة عند بعض المذاهب أوسع من غيرها ، إذ جاء الجهاد وما يلحق به عقب قسم العبادات ، فوجدنا المالكية والحنابلة والظاهرية يذكرون الجهاد عقب العبادات ، لكن المدلول أوسع عند المالكية إذ ذكروا قبله الضحية والعقيقة واليمين والنذر وأعقبوه بأحكام المسابقة باعتبارها وسيلة من وسائل الجهاد .
ثالثاً : قسم المعاملات قد يراد به في بعض المذاهب الفقهية - كالمالكية والشافعية والحنابلة - عقود البيع وما شابهها في حين أنه أعم وأوسع من ذلك عند بعضها الآخر ، كما نرى عند الحنفية ، لكنه أكثر ضيقاً عند الظاهرية .
رابعاً : رأينا أن باب النكاح قد تقدم على البيوع عند الحنفية والمالكية ، وجاء باب النكاح عند الشافعية متأخراً عن البيوع والحنابلة والظاهرية ، بل جاء بعد كتاب الشهادات والأقضية والإمامة عند الظاهرية .
خامساً : ترتيب الحنابلة في قسم المعاملات يتفق - إجمالاً - مع ترتيب الشافعية ، فقد جاء في نهاية المعاملات عند الشافعية الهبة واللقطة واللقيط والوصايا والوديعة وقسم الفئ وقسم الصدقات ، لكن الوديعة تقدمت على الفرائض والوصايا عند الحنابلة ، وتأخر عند الشافعية العتق والتدبير فجاءا في نهاية الموضوعات الفقهية ، لكنه عند الحنابلة مذكور عقب الوصية والفرائض .

(1/9064)


سادساً : بعض الموضوعات الفقهية جاءت غير متسقة مع الأقسام التي اندرجت تحتها ، على سيبل المثال :
وضع المالكية بابي ( الإقرار والاستحقاق ) ضمن كتاب البيوع ، وباب ( العتق ) بعد قسم القضاء ، والشافعية وضعوا كتاب ( الوديعة ) وكتاب ( الصدقات ) بعد كتاب الفرائض والوصايا ، وذكر هذين الكتابين بعد كتاب العبادات والمعاملات ، ووضعوا كتاب ( السير ) تالياً لكتاب الجنايات وقسماً من أقسامه وذكر كتاب ( العتق ) في نهاية الأقسام ، والحنابلة - أيضاً- وضعوا باب الهبة والعطية وكتاب ( الوصايا والفرائض ) ضمن قسم المعاملات ، وكتاب ( الأطعمة والذكاة والصيد والأيمان والنذور ) في قسم الجنايات .
المصادر المعتمدة في الفقه :
في هذا البحث نعرض لأهم المصادر التي يجب على الباحث أن يكون على علم بها ، مع العلم بأنها ليست كل المصادر المعتمدة في المذاهب الفقهية ومصادر الفقه المقارن ، ومصادر فقه آيات الأحكام ، وأحاديث الأحكام ، ومصادر تخريج أحاديث الأحكام ، ومصادر طبقات الفقهاء وتراجمهم ، ومعاجم المصطلحات الفقهية ، والأسماء والمصطلحات الفقهية في المذاهب الأربعة ، بل ما يعرض على سيبل المثال لا الحصر .
أولاً: مصادر الفقه الحنفي :
للإمام محمد بن الحسن الشيباني ( ت 189 ه ) ستة كتب تعد الأصول للمذهب فعليها اعتمد وعلى أصولها أسس وهي :
( المبسوط أو الأصل .
( الجامع الكبير .
( الجامع الصغير .
( الزيادات .
( السير الكبير .
( السير الصغير .
ويطلق على ما في هذه الكتب من مسائل : مسائل الأصول ، ومسائل ظاهر الرواية ، وسميت بذلك لأنها رويت عن محمد بن الحسن بروايات ثقات ، فهي ثابتة عنه متواترة مشتهرة .
وللإمام محمد بن الحسن كتب أخرى مثل :
( الحجة على أهل المدينة ،( ويعد أصلاً في علم الخلاف .
( الرقيات . وضمن المسائل التي عرضت عليه عندما تولى القضاء .
( وله النوادر والجرجانيات والهارونيات .
وأهمية هذه الكتب ترجع إلى أنها دونت آراء أبي حنيفة ، وأبي يوسف بطرق متواترة .
وأيضاً من الكتب المشهورة في المذهب :
( الكافي للحاكم الشهيد محمد بن محمد الحنفي ،( وهو مختصر لكتب محمد بن الحسن الستة .
( كتاب المنتقي : وفيه نوادر المذهب من الروايات غير الظاهرة .
وكلا الكتابين من أصول المذهب .
( المبسوط : للسرخسي شمس الدين إمام الأحناف في عصره .
( النوازل في الفروع : لأبي الليث السمرقندي وهو أصل في فتاوى المذهب .
( مختصر القدوري : لأبي الحسين القدوري ،( ومن أهمية هذا المختصر عند الأحناف أطلق عليه لفظ الكتاب .
( تحفة الفقهاء : لأبي بكر علاء الدين السمرقندي .
( بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع : للكاساني وهو شرح تحفة الفقهاء .
( الهداية شرح بداية المبتدي : للمرغيناني أبي الحسين علي بن أبي بكر ،( وقد جمع فيه المؤلف بين مختصر القدوري والجامع الصغير ،( ولاقى هذا الكتاب شهرة كبيرة في المذهب .
( فتاوى قاضي خان : لفخر الدين حسن بن منصور الأوزجندي ،( وهو كتاب النوازل للسمرقندي
( وقاية الرواية في مسائل الهداية : لبرهان الشريعة محمود بن أحمد صدر الشريعة وهذا الكتاب أحد المتون المعتبرة في الفقه .
( المختار في فروع الحنفية : للموصلي وشرحه ( الاختيار لتعليل المختار ) وهو اختيار قول الإمام أبي حنيفة .
( ومجمع البحرين وملتقي النهرين : لابن الساعاتي ،( ويعد من المتون المعتبرة عند الأحناف وقد جمع فيه المؤلف بين مختصر القدوري ومنظومة النسفي .
( كنز الدقائق : لأبي البركات النسفي ،( وهو تلخيص كتاب الوافي وهو من المتون المعتبرة أيضاً على ما تقدم .
فالمتون المعتبرة في المذهب : البداية ، ومختصر القدوري ، والمختار ، والنقاية ، والوقاية ، والكنز ، والملتقى .
مع العلم بأن أشهر هذه المتون ذكرا وأقواها اعتمادا ( الوقاية والكنز ومختصر القدوري ) وهي المراد في كتب الأحناف بالكتب الثلاثة ، وإذا أطلقوا المتون الأربعة أرادوا بها هذه الثلاثة والمختار أو المجمع ، وقد يراد بالمتون الأربعة ( المختار والكنز والوقاية ومجمع البحرين ) .
( تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق : لفخر الدين عثمان بن علي الزيلعي ،( وهو شرح لمتن الكنز
( العناية شرح الهداية : للشيخ محمد بن محمد أكمل البابرتي .
( الفتاوى البزازية أو الجامع الوجيز : للبزازي محمد بن محمد .
( شرح فتح القدير : للكمال بن الهمام ،( ويعد أعظم شروح ( الهداية ) وقد وصل صاحبه إلى كتاب الوكالة ،( وتوفي قبل إكماله ،( وأتمه بعده شمس الدين بن قودر المعروف بقاضي زاده،( وأسماه : نتائج الأفكار في كشف الرموز والأسرار .
( ملتقى الأبحر : لإبراهيم الحلبي ،( وقد شرحه الشيخ زاده في مجلدين .
( البحر الرائق شرح كنز الدقائق : لابن نجيم ،( وهو من عمد المذهب .

(1/9065)


( الفتاوى الهندية أو الفتاوى العالمكيرية : نسبة إلى السلطان الذي أشار بتأليفها ،( وهو أبو المظفر محي الدين محمد أورنك ريب عالم كير ،( وقد ألف الكتاب لجنة من العلماء يرأسهم الشيخ نظام الدين البرهانبوري وهم :
1- القاضي محمد حسين الجونبري المحتسب .
2- الشيخ علي أكبر الحسيني أسعد الله خاني .
3- الشيخ حامد بن أبي حامد الجونبوري .
4- المفتي محمد أكرم الحنفي اللاهوري .
( الدر المختار شرح تنوير الأبصار : لعلاء الدين الحصكغي .
( حاشية رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار المعروف بحاشية ابن عابدين لمحمد أمين الشهير بابن عابدين .
لكن المؤلف توفي قبل تمام الكتاب ، وكان قد أنهى كتاب الوصايا ، فأتمه ابنه محمد علاء الدين ، وجاءت التتمة في مجلدين ، وسماها : ( حاشية قرة عيون الأخيار تكملة رد المحتار ) .
ثانياً : مصادر الفقه المالكي :
أمهات الفقه المالكي أربعة هم :
1- المدونة : وسميت بذلك لأنه تداولها أربعة من المجتهدين ( مالك -وابن القاسم - وأسد - وسحنون ) .
2- الواضحة : لابن حبيب عبد الملك بن سليمان .
3- المستخرجة العتبية : لمحمد بن العتبي بن أحمد القرطبي .
4- الموازية : لابن الواز محمد بن إبراهيم الإسكندري .
وجاء بعد ذلك من أمهات الكتب مثل :
( رسالة ابن أبي زيد القيرواني : أبي محمد عبد الله بن أبي زيد ،( ويطلق عليها : باكورة السعد .
( نوادر ابن أبي زيد .
( التعريفات لابن الجلاب : أبي بكر محمد بن عبد الله التميمي الصقلي .
( البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل : لابن رشد الجد .
( الذخيرة : للقرافي شهاب الدين أبي العباس أحمد بن إدريس .
( المختصر في الفقه المالكي : للشيخ خليل بن إسحاق . وهو مختصر خليل الذي اعتمدته المالكية ،( وأصبح حجة عندهم .
( شروح مختصر خليل مثل :
( مواهب الجليل لشرح مختصر خليل : للحطاب .
( شرح الزرقاني على مختصر خليل : لعبد الباقي بن يوسف الزرقاني .
( الخرشي على مختصر خليل : فتح الجليل على مختصر خليل . لابن عبد الله محمد بن عبد الله الخرشي .
( الشرح الكبير على مختصر خليل : لأحمد العدوي الشهير بالدردير ،( وللمؤلف في المذهب : الشرح الصغير وأقرب المسالك وبلغة السالك .
( حاشية الرهوني على شرح الزرقاني ( أوضح المسالك وأسهل المراقي إلى سبك إبريز للشيخ عبد الباقي ) لمحمد بن أحمد بن محمد الرهوني .
( حاشية الدسوقي على الشرح الكبير : لابن عرفة الدسوقي .
( المجموع الفقهي في مذهب مالك : للشيخ محمد بن محمد بن أحمد السنهاوي المعروف بالأمير .
( مواهب الجليل من أدلة خليل : للشيخ أحمد بن أحمد المختار الشنقيطي .
( فتح الجليل في شرح مختصر خليل : لأحمد بن منصور آل سبالك . وهو أول شرح يوضح الفقه المالكي بأدلته .
ثالثاً : مصادر الفقه الشافعي :
من مصادر الفقه في المذهب الشافعي التي يمكن للباحث أن يستعين بها في بحثه ما يلي :
( الأم : للإمام الشافعي . وهو كاسمه أصل في المذهب .
( مختصر المزني : لأبي إسحاق إبراهيم بن علي ،( هو وكتاب الوسيط للغزالي دار عليهما أكثر ما ألف في المذهب .
( التنبيه للشيرازي : وهو صاحب المهذب في المذهب ،( وقد شرحه النووي وسماه (التحرير) .
( نهاية المطلب ودراية المذهب : للجويني . ثم اختصره المؤلف وسماه (مختصر النهاية) .
( البسيط والوسيط والوجيز : للغزالي أبي حامد الغزالي .
( البسيط تلخيص (نهاية المطلب) ،( والوسيط مختصر البسيط ،( والوجيز مختصر الوسيط . وهذه الكتب كما قال النووي في مقدمة المجموع لا يستغني عنها طالب العلم .
( المحرر للرافعي : أبي القاسم عبد الكريم الرافعي ،( وهو مستقى من كتاب الوجيز للغزالي .
( فتح العزيز في شرح الوجيز : للرافعي .
( المجموع شرح المهذب : للنووي ،( بدأ فيه الشيخ حتى وصل إلى باب الحيض وكان فيها متوسعاً ،( ولكن وافته المنية ولم يتمه ،( وشمّر عن ساعد الجد العلامة السبكي ليتم ما بدأه النووي ووافته المنية أيضاً ،( حتى نصّب نفسه شيخنا العلامة / نجيب المطيعي فأتم المجموع ليخرج لنا هذا السفر القيم .
( الروضة ومنهاج الطالبين للنووي ،( فالروضة مختصر كتاب (فتح العزيز شرح الوجيز) للرافعي ،( والمنهاج مختصر كتاب (المحرر) للرافعي ،( واعتنى علماء المذهب بهذين الكتابين وبالأخص الثاني فوضع له شروح وحواشي وتحريرات وتقريرات كثيرة ،( وكذلك اختصر أكثر من مرة .
( تحفة المحتاج شرح المنهاج : لابن حجر الهيثمي . وهو شرح لمنهاج النووي ،( اعتمده المتأخرون في الفتوى على المذهب .
( مغنى المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج : للخطيب الشربيني ،( وهو شرح للمنهاج أيضاً ذكر فيه المؤلف المعتمد في المذهب .
( نهاية المحتاج شرح المنهاج : للرملي ،( وقد بلغت الأهمية لهذا الكتاب حتى صار المعتمد في المذهب عند أكثر الشافعية من علماء مصر وغيرهم .
رابعاً : مصادر الفقه الحنبلي :

(1/9066)


أما مصادر الفقه في مذهب الحنابلة ، والتي يمكن للباحث أن يستعين بها في بحثه ما يلي :
( مختصر الخرقي : ويعد هذا المختصر من أول ما كتب في الفقه على مذهب الإمام أحمد .
( شرح الخرقي : للقاضي أبي يعلى الفراء .
( شرح ابن قدامة : المعروف بالمغني وهو من أعظم الشروح وأشهرها .
( رواسي المسائل : لعبد الخالق بن عيسي الهاشمي ،( ذكر فيه المؤلف المسائل التي خالف فيها الإمام أحمد أحد الأئمة .
( الهداية : لأبي الخطاب الكلوذاني ،( وهو تلميذ القاضي أبي يعلى .
( التذكرة : لأبي الوفا علي بن عقيل ،( وقد جعلت هذه التذكرة على قول واحد في المذهب ،( مما اختاره هو .
( المستوعب : لمحمد السامري ،( وقد جمع فيه مؤلفه بين مختصر الخرقي ،( والتنبيه للخلال ،( والإرشاد لابن أبي موسى ،( والجامع الصغير ،( والخصال للقاضي أبي يعلى ،( والخصال لابن البنا ،( والهداية لأبي الخطاب ،( والتذكرة لابن عقيل . وقال محمد : من حصل كتابي هذا أغناه عن جميع هذه الكتب المذكورة .
( العمدة والمقنع والكافي والمغني : لابن قدامة موفق الدين ،( وهذه الكتب تدرج فيها صاحبها حسب المتعلمين منها .
( المحرر : لابن تيمية مجد الدين أبي البركات ،( وقد حذا فيه حذو الهداية لأبي الخطاب يذكر الروايات فتارة يرسلها وتارة يبين اختياره فيها .
( الشافي : لعبد الرحمن بن قدامة . وهو شرح للمقنع ،( وقد استمده من المغني.
( مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية .
( الفروع : لابن مفلح شمس الدين أبي عبد الله محمد .
( تصحيح الفروع : لعلاء الدين المرداوي ،( قصد به مؤلفه استدراكات على الفروع وطبع معه .
( الإنصاف والتنقيح المشبع : للمرداوي ،( الأول: الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل ،( شرح فيه كتاب المقنع لموفق الدين ابن قدامة ،( أما الثاني : التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع ،( اختصر فيه كتاب الإنصاف ،( وصار أول كتاب معتمد عند متأخري الحنابلة .
( منتهى الإيرادات في الجمع بين المقنع والتنقيح وزيادات : لابن النجار الفتوحي .
( كشف القناع عن متن الإقناع وشروح منتهى الإيرادات : للبهوتي ،( وهما شرحان على الإقناع ،( والثاني هو الذي عليه الفتوى والقضاء عند الحنابلة .
( الروض المربع وشرح المفردات : للبهوتي ،( الأول: شرح مختصر المقنع المسمى زاد المستقنع للحجاوي , وقد التزم فيه بالقول الراجح في المذهب ،( وأما الثاني : فهو شرح المفردات لابن عبد الهادي المسمى : منح الشفا الشافيات في شرح المفردات . ذكر فيه المصنف ما انفرد به الإمام احمد من المسائل الفقهية .
( عمدة الطالب : للبهوتي وقد سماه البعض : عمدة الراغب . وهو للمبتدئين في المذهب وقد شرحه عثمان النجدي وسماه : هداية الراغب لشرح عمدة الطالب ،( وللجهود التي بذلها البهوتي في المذهب سمي بشيخ المذهب .
( حاشية الروض المربع : لعبد الرحمن النجدي ،( وقد طبعت في سبع مجلدات ولاقت قبولاً كبيراً .
خامساً : مصدار الفقه المقارن :
لابد للباحث أن يعرف مصادر الفقه المقارن لسهولة الرجوع إليها عند الحاجة . وهذه المصادر منها :
( الحجة على أهل المدينة : لمحمد بن الحسن الشيباني .
( البسيط والوسيط والوجيز : للغزالي.
( الإفصاح لابن هبيرة الحنبلي ،( وهو شرح لكتاب الجمع بين الصحيحين للحميدي .
( بداية المجتهد ونهاية المقتصد . لابن رشد .
( المغني لابن قدامة .
( المجموع للنووي .
( الذخيرة : للقرافي .
( مجموع فتاوى ابن تيمية .
( رحمة الأمة في اختلاف الأئمة . لعبد الرحمن الدمشقي .
سادساً : مصادر فقه آيات الأحكام :
( أحكام القرآن : للإمام الشافعي .
( أحكام القرآن : لأبي الحسن السعدي :
( أحكام القرآن لأبي إسحاق الأزدي .
( أحكام القرآن لأبي الحسن القمي .
( أحكام القرآن للجصاص .
( أحكام القرآن : للكيا الهراسي .
( أحكام القرآن : لابن العربي .
( الجامع لأحكام القرآن للقرطبي .
مصادر أحاديث الأحكام :
( عمدة الأحكام من كلام خير الأنام : لعبد الغني المقدسي .
( المنتقى من أخبار المصطفى : لمجد الدين أبي البركات ابن تيمية .
( الإلمام بأحاديث الأحكام : لابن دقيق العيد .
( إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام . لابن دقيق العيد .
( بلوغ المرام من أدلة الأحكام . لابن حجر العسقلاني .
( سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام . للصنعاني .
( العدة : للصنعاني .
( نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار من أحاديث سيد الأخيار : للشوكاني .
سابعاً : مصادر تخريج أحاديث الأحكام :
( تخريج أحاديث الأم للشافعي : للبيهقي .
( تخريج أحاديث المهذب للشيرازي : لموسى الحازمي .
( التحقيق في أحاديث التعليق : لابن الجوزي .
( تنقيح التحقيق : لابن الهادي .
( نصب الراية لأحاديث الهداية : للزيلعي .
( تخريج أحاديث الشرح الكبير للرافعي على وجيز الغزالي . لابن جماعة .
( إرشاد الفقيه إلى أدلة التنبيه للشيرازي . لابن كثير .

(1/9067)


( العناية في تخريج احاديث الهداية : لعبد القادر القرشي الحنفي .
( الذهب الإبريز في تخريج أحاديث فتح العزيز . لبدر الدين الزركشي .
( البدر المنير في تخريج الأحاديث والآثار الواقعة في الشرح الكبير للرافعي . لابن الملقن .
( خلاصة البدر المنير : لابن الملقن .
( تذكرة الأخيار بما في الوسيط من الأخبار . لابن الملقن .
( تخريج أحاديث المهذب للشيرازي : لابن الملقن .
( تحفة المحتاج إلى أدلة المنهاج للنووي . لابن الملقن .
( الدراية في تخريج أحاديث الهداية لابن حجر العسقلاني .
( تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الشرح الكبير للرافعي . لابن حجر العسقلاني .
( التعريف والإخبار بتخريج أحاديث الاختيار للقاسم بن قطلوبغا .
( منية الألمعي بما فات الزيلعي : لابن قطلوبغا .
( نشر العبير في تخريج أحاديث الشرح الكبير : للسيوطي.
( تخريج أحاديث الكفاية في فروع الشافعية للشيخ السهيلي : للسيوطي .
( تخريج أحاديث الكافي في فقه الحنابلة : للحافظ المقدسي .
( تخريج الدلائل لما في رسالة أبي زيد القيرواني من الفروع والمسائل : للغماري أبي الغيض .
( مسالك الدلالة على مسائل الرسالة للقيرواني : لأبي الغيض الغماري .
( تخريج فقه الاحناف للشيخ محمد الكناني والدكتور محمد وهبة الزحيلي .
( تخريج الأحاديث النبوية الواردة في مدونة الإمام مالك بن أنس . د. طاهر الدرديري .
ثامناً : مصادر طبقات الفقهاء وتراجمهم :
أولاً: طبقات فقهاء الأحناف :
( طبقات الفقهاء : للشيرازي .
( طبقات الفقهاء لعبد القادر القرشي المسمى ب الجواهر المضية في طبقات الحنفية .
( تاج التراجم في طبقات الحنفية لابن قطلوبغا .
( الطبقات السنية في تراجم الحنفية لعبد القادر التميمي الداري الغزي .
( الفوائد البهية في تراجم الحنفية : لأبي السعادات اللكنوي .
ثانياً : طبقات فقهاء المالكية :
( ترتيب المدارك وتقريب السالك لمعرفة أعلام مذهب مالك : للقاضي عياض .
( الديباج المذهب في معرفة أعيان المذهب : لابن فرحون .
( نيل الابتهاج بتطوير الديباج التنبكتي : لبابا التنبكتي .
( شجرة النور الزاكية في طبقات المالكية : لمحمد مخلوف .
ثالثاً : طبقات الشافعية :
( طبقات الشافعية الكبرى . للسبكي .
( طبقات الشافعية . للسبكي .
رابعاً: طبقات الحنابلة :
( طبقات الحنابلة : للفراء ابن شيخ المذهب .
( الذيل على طبقات الحنابلة : لابن رجب ،( وهو تتمة لكتاب طبقات أبي يعلى السابق .
( المنهج الأحمد في تراجم أصحاب أحمد : للعليمي أبي اليمن مجبر الدين عبد الرحمن بن محمد
خامساً : مصادر إعجام الأسماء :
( الأنساب للسمعاني .
( اللباب في معرفة الأنساب : لابن الأثير .
( المشتبه في الأسماء والأنساب : للذهبي .
( إعجام الأعلام : لمحمود مصطفى .
( كتاب الوفيات الأعيان : لابن خلكان .
معاجم المصطلحات الفقهية :
نجد المعاجم لكل فن وضعت خاصة مثال :
( أولاً : معاجم اللغة : وهي كثيرة منها :
( الصحاح للجوهري ،( لسان العرب لابن منظور ،( القاموس المحيط للفيروز آبادي .
( ثانياً : معاجم غريب القرآن والحديث : ومنها :
( المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث للأصفهاني ،( وغريب القرآن لابن قتيبة الدينوري ،( الفائق في غريب الحديث للزمخشري ،( النهاية في غريب الحديث والأثر لابن الأثير .
وعلى هذا وجدنا الفقهاء قد وضعوا معاجم كثيرة لمصطلحاتهم المستخدمة في الفقه مثل :
المذهب الحنفي :
( طلبة الطلبة للنسفي .
( المغرب في ترتيب المعرب للمطرزي ناصر بن عبد السيد .
( أنيس الفقهاء في تعريفات الألفاظ الماتداولة بين الفقهاء : للقونوي .
( رسالة ابن نجيم في الحدود : لزين العابدين إبراهيم بن نجيم المصري .
المذهب المالكي :
( تنبيه الطالب لفهم ابن الحاجب : لعز الدين أبي عبد الله محمد بن عبد السلام الأموي التونسي .
( كتاب الحدود في التعاريف الفقهية : لابن عرفة .
المذهب الشافعي :
( الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي : للأزهري الهروي .
( تهذيب الأسماء واللغات : للندوي .
( المصباح المنير في غريب الشرح الكبير : للرافعي .
المذهب الحنبلي :
( المطلع على أبواب المقنع : للبعلي .
تاسعاً : المصطلحات الفقهية :
من المقرر أنه لا يستغني دارس الفقه الإسلامي عن المصطلحات الفقهية وإلا لم يعلم مراد المصنفين في مصنفاتهم ، ولهذا ينبغي أن يعلم المصطلحات التي يستخدمها المصنف في مصنفه والتي يستخدمها في بحثه .
ولقد بحث كل إمام في مذهبه عن أهم المصطلحات التي تستخدم في مذهبه ، ولذلك يمكن أن نجد بسهولة بعض المصنفات في المصطلحات الفقهية لكل مذهب على حدة ؟، ويسهل على الباحث الوصول إليها ويكون ذلك عن ثلاث طرق :
الأول : المعاجم المخصصة لكل مذهب للتعرف على مصطلحات المذهب - كما ذكرنا من قبل - ويجد ذلك جلياً في كتابي ( عقود رسم المفتي وشرح المنظومة ) وكلاهما للعلامة ابن عابدين ، فقد وضع الشيخ مصطلحات المذهب الحنفي في هذين الكتابين .

(1/9068)


الثاني : عن طريق مقدمات الكتب الموضوعة في كل مذهب ، ككتاب المدونة في فقه المالكية بين صاحبها مصطلحات مذهبه في مقدمتها ، وغيرها من كتب المذهب . وكذلك في مقدمات كتب الحنابلة كالإنصاف وغيره .
الثالث : عن طريق الاستقراء للمذهب يتضح مصطلح المذهب الذي تكرر في معظم الكتب ولم يتضح في المقدمة ما مراد المصنف .
أخيراً : توصيات :
1- يجب على الباحث أن يعلم أن التخصص في الفقه ضروري لكل من يريد أن يكتب بحثاً فقهياً وهو الطريق الوحيد لسهولة وجود وسائل البحث وأدواته .
2- على الباحث أن يتجرد من العصبيات التي قد تؤثر في نتيجة البحث ،3- ويكون هذا التجرد بموضوعية تلزمه طوال منهجه في البحث حتى يكمل .
4- لابد للباحث أن يبعد عما يعد من نقائص البحث الفقهي كالاستدلال بالحديث دون التمييز بين صحيحه وضعيفه والاعتماد على المختصرات ،5- والنقل بالمعنى ،6- والنقل من غير المصادر الأصلية .
7- على الباحث أن يضع بحثه في إطار ينضبط بضوابط كتابة البحث المتفق عليها والتي أشرنا عليها من قبل .
هذا وأسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد ، ومن استعجم عليه شئ من المحاضرة فليرجع إلى الكتاب يرى فيه من التوضيح ما يغني .
سبحانك اللهم وبحمك نشهد أن لا إله أنت نستغفرك ونتوب إليك .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
ملحوظة : الكتاب الذي أشار إليه الشيخ هو كتاب ( الثمر الداني في كيفية البحث في الفقه الإسلامي ) وهو من تأليف الشيخ وهو المنهج المقترح في مادته .
---
المسيطير
14-05-2004, 08:40 PM
.
---
عبدالله المزروع
15-06-2004, 07:57 AM
وفي مجلة البيان بحث للشيخ فيصل البعداني عن ( كيفية كتابة بحث فقهي ) :
السنة التاسعة عشرة * العدد 200* ربيع الثاني 1425هـ * مايو/يونيو 2004م
كيف تبحث مسألة فقهية؟
فيصل بن علي البعداني
لبحث مسألة فقهية بحثاً علمياً عدة خطوات أهمها:
? أولاً: قبل البدء ببحث المسألة:
هناك العديد من الأمور التي لا بد لطالب العلم من مراعاتها قبل أن يُقْدِم على البحث في مسألة فقهية، ولعل من أهمها:
1 - تجريد النية:
التفقه في الدين من أجلِّ العبادات وأعظمها؛ ولذا فتجريد النية وإخلاصها شرط لقبول الله له من العبد، وقد استفاضت النصوص التي جاءت ببيان ذلك وتجليته، ومنها: قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: «من تعلم علماً مما يُبتغى به وجه الله ـ عز وجل ـ لا يتعلمه إلا ليصيب به عَرَضاً من الدنيا لم يجد عَرْف الجنة يوم القيامة، يعني: ريحها»(1)، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «إن أول الناس يقضى يوم القيامة عليه ... ورجل تعلم العلم وعلمه وقرأ القرآن، فأُتي به فعرَّفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها؟ قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت؛ ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال هو قارئ، فقد قيل. ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار»(2)، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تَعَلَّموا العلم لتباهوا به العلماء، ولا لتماروا به السفهاء، ولا تخيروا به المجالس؛ فمن فعل ذلك فالنارَ النارَ»(3)، وفي رواية قال -صلى الله عليه وسلم-: «من تعلم العلم ليباهي به العلماء، ويجاري به السفهاء، ويصرف به وجوه الناس إليه أدخله الله جهنم»(4).
وعلاوة على أن الأجر على التعلم فإنه لا يدرك إلا بحسن النية؛ فإن للنية الحسنة أثراً في إصابة الحق والاهتداء للصواب؛ إذ طلب العلم نوع من استهداء الله تعالى، وقد قال ـ عز وجل ـ: «فاستهدوني أهدكم»(5)، هذا غير اللذة والمتعة الحاصلة للمتعلم والباحث المخلص لله تعالى ـ.
فانظر يا طالب العلم في نيتك، والأمر الذي تريده ببحثك؛ فإن كانت النية لربك خالصة، وكان مرادك اللهَ والدار الآخرة فامض في بحثك (6)، وإن كان في النية دَخَلٌ فجردها لله واجعلها خالصة لوجهه ـ سبحانه ـ قبل أن تقدم على بحثك؛ فإن الله ـ تعالى ـ لا يقبل من العبد عملاً ليس خالصاً لوجهه ـ سبحانه ـ كما قال ـ تعالى ـ في الحديث القدسي: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه»(7).
2 - الرغبة في الوصول إلى الحق:

(1/9069)


من أعظم واجبات طالب العلم توطينه لنفسه على الدوران مع الحق حيث دار؛ بحيث يبحث في النصوص الشرعية بهدف اتباعها وتحكيمها والانقياد لها ظاهراً وباطناً، لا بهدف قيادتها ولَيِّ معانيها؛ بحيث يأتيها وقد حدد مسبقاً الحكم الذي يريد استخراجه منها، وما أتى إليها إلا لعضد قوله والانتصار لرأيه، ولذا تجده مبادراً إلى قبول النصوص التي يراها موافقة لهواه وإن كانت ضعيفة الثبوت أو الدلالة، وفي الوقت نفسه تراه مجتهداً في رد النصوص التي تعارض هواه مهما بلغت قوةً في الثبوت والدلالة؛ لأنه ليس مقصده أن يفهم مراد الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، بل أن ينصر رأيه كيفما تَأَتَّى له وأمكن. قال ابن حزم: «ولا أرقّ ديناً ممن يوثق رواية إذا وافقت هواه، ويوهنها إذا خالفت هواه؛ فما يتمسك فاعل هذا من الدين إلا بالتلاعب»(1).
وهذا كما لا يخفى عبادة للهوى واتباع لما تشتهيه الأنفس. يقول الشيخ محمود شلتوت في كلام نفيس له ما نصه: «وقد يكون الناظر في الأدلة ممن تمتلكهم الأهواء فتدفعه إلى تقرير الحكم الذي يحقق غرضه، ثم يأخذ في تلمس الدليل الذي يعتمد عليه ويجادل به، وهذا في الواقع يجعل الهوى أصلاً تُحمل عليه الأدلة، ويُحكم به على الأدلة، وهذا قلب لقضية التشريع، وإفساد لغرض الشارع من نصب الأدلة»(2).
على أن من أعظم ما يعوق الباحث عن الوصول في بحثه إلى الحق التزامه بمذهب معين يسلِّم له بكل مسائله وترجيحاته، وقيامه بتقديم آراء أكابر مذهبه على النصوص الشرعية الثابتة ومحاجته للآخرين بها، ومن الأمثلة الصارخة لهذا الزيغ قول الكرخي الحنفي ـ عفا الله عنه ـ: «كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي مؤوَّلة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فمؤول أو منسوخ»(3)، ومعلوم أنه لا رأي لأحد مع النص الثابت، وقد بين شيخ الإسلام ابن تيمية زيغ ذلك فقال - رحمه الله تعالى -: «وليس لأحد أن يحتج بقول أحد في مسائل النزاع، وإنما الحجة: النص، والإجماع، ودليل مستنبط من ذلك تقرر مقدماته بالأدلة الشرعية لا بأقوال بعض العلماء؛ فإن أقوال العلماء يحتج لها بالأدلة الشرعية لا يحتج بها على الأدلة الشرعية، ومن تربى على مذهب قد تعوده واعتقد ما فيه ـ وهو لا يحسن الأدلة الشرعية وتنازع العلماء ـ لا يفرق بين ما جاء عن الرسول وتلقته الأمة بالقبول، بحيث يجب الإيمان به، وبين ما قاله بعض العلماء ويتعسر أو يتعذر إقامة الحجة عليه، ومن كان لا يفرق بين هذا وهذا لم يحسن أن يتكلم في العلم بكلام العلماء، وإنما هو من المقلدة الناقلين لأقوال غيرهم، مثل: المحدث عن غيره، والشاهد على غيره، لا يكون حاكما»(4)، وقال ـ رحمه الله ـ: «وليس لأحد أن ينصب للأمة شخصاً يدعو إلى طريقته، يوالي عليها ويعادي، غير كلام الله ورسوله وما اجتمعت عليه الأمة، بل هذا من فعل أهل البدع الذين ينصبون لهم شخصاً أو كلاماً يفرقون به بين الأمة، يوالون به على ذلك الكلام أو تلك السنة ويعادون»(5).
فعلى من يحرص على الوصول للحق أن يتجرد في البحث، وأن يحذر اتباع الهوى، وإياه والتعصب والجمود؛ فإن عاقبة ذلك وخيمة دنيا وأخرى.
3 - البحث عن العلم الذي يعمل به:
بالبحث الدؤوب والقراءة المتواصلة والسؤال عما أشكل تزداد معرفة العبد ويتجلى له الحق.
ولكن المعرفة ذاتها ليست غاية في ذاتها يسعى إليها العبد، بل هي وسيلة للاعتقاد الحسن والفعل الصائب، وطريق لمهابة الله وخشيته وخوف عقابه.
وقد كان ذلك منهج السلف الصالح، وقد استفاضت الآثار عنهم في الدلالة على ذلك، وبيان أن العلم النافع هو ذلك الذي يقود صاحبه للخشية ويدفعه للعمل، ومنها:

(1/9070)


قول أُبَيّ بن كعب ـ رضي الله عنه ـ: «تعلموا العلم واعملوا به، ولا تتعلموه لتتجملوا به؛ فإنه يوشك إن طال بكم زمان أن يُتَجَمَّل بالعلم كما يتجمل الرجل بثوبه» (6)، وقول ابن مسعود ـ رضي الله عنه ـ: «يا أيها الناس تعلموا؛ فمن علم فليعمل»(7)، وقول أبي الدرداء ـ رضي الله عنه ـ: «إن من أشر الناس عند الله منزلة يوم القيامة عالماً لا ينتفع بعلمه»(8)، وقول الحسن البصري: «إنما الفقيه: العالم في دينه، الزاهد في دنياه، الدائم على عبادة ربه»(9)، وقول الفضيل: «من أوتي علماً لا يزداد فيه خوفاً وحزناً وبكاء خليق بأن لا يكون أوتي علماً، ثم قرأ: {أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ * وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ} [النجم: 59 - 60]»(10). وقال التيمي: «من أوتي من العلم ما لا يبكيه خليق أن لا يكون أوتي علماً ينفعه؛ لأن الله نعت العلماء بقوله: {إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ سُجَّدًا * وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً * وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا} [الإسراء: 107 - 109]»(1). وقد تجاوز السلف في ذلك مجرد الحث والدعوة إلى التطبيق كما قال الحسن البصري: «قد كان الرجل يطلب العلم فلا يلبث أن يُرى ذلك في تخشعه وهديه ولسانه وبصره وبِرِّه»(2)، وكما قال مالك: «أدركت الناس وما يعجبهم القول، إنما يعجبهم العمل»(3).
فيا من فاق كثيراً من الناس بعلمه! ما أجدرك أن تفوقهم بعملك، واعلم أن العالم من وافق علمه عمله، واحرص إذا أحدث الله لك علماً أن تحدث له به عبادة وعملاً.
وإن من أعظم الأمور المعينة لك على ذلك: أن تُعرض عن البحث في المسائل النظرية التي لا يترتب عليها كبير فائدة أو عمل(4)، وأن تترك المراء فيما تبحث؛ لأنه يقسي القلب، ويزرع الشحناء، ويورث الضغائن. قال الحسن البصري ـ حين رأى قوماً يتجادلون ـ: «هؤلاء قوم ملُّوا العبادة، وخفَّ عليهم القول، وقلَّ ورعهم فتكلَّموا»(5)، وأن تتذكر أن العمر قصير محدود فلا تجعله يذهب عليك سدى فيما لا ينفع.
4 - امتلاك القدرة على البحث:
لا بد للشخص الذي يريد الإقدام على بحث مسألة من أن يكون قادراً على ذلك، ولعل من أهم ما يجب توفره فيمن يريد بحث مسألة فقهية ما يلي:
أ - معرفة اللغة العربية وفنون القول فيها(6).
ب - معرفة المسائل الهامة في أصول الفقه، وأهمها:
- الأدلة الشرعية ومراتبها.
- الحكم الشرعي وأقسامه.
- دلالات الألفاظ وطرق الاستنباط.
- الناسخ والمنسوخ.
- التعارض والترجيح.
- ترتيب الأدلة.
- مقاصد التشريع.
ج - جمع الآيات القرآنية والأحاديث النبوية المتعلقة بموضوع البحث.
د - القدرة على معرفة صحة الأحاديث من ضعفها سواء أكان ذلك بتخريجها ودراسة أسانيدها، أم بالقدرة على مراجعة كلام أهل العلم فيها.
هـ - الاطلاع على تفسير الآيات المتعلقة بالبحث من كتب التفاسير المعتمدة، وبخاصة من كتب تفاسير آيات الأحكام.
و - الاطلاع على شروح الأحاديث المتعلقة بالبحث، وبخاصة من تلك الكتب التي عنيت بشرح أحاديث الأحكام.
ز - معرفة أهم الكتب الفقهية المعتمدة في كل مذهب، والمدونات الفقهية غير المذهبية التي حرصت على مراعاة الدليل.
ج - العناية بمعرفة مذاهب الصحابة ـ رضي الله عنهم ـ والتابعين وأئمة الفقه المتقدمين.
ط - الأناة وعدم العجلة، والصبر على مشاق البحث وتجاوز صعابه.
ي - التفرغ الذهني عند القيام بجمع معلومات البحث وتمحيص مسائله ودراستها.
ك - وجود رغبة جادة، ودوافع قوية في موضوع البحث.
ل - لا بد لمن كان مبتدئاً في البحث من أن يكون له شيخ متمرس يرعاه ويشرف عليه.
5 - الاستعانة بالله واللجوء إليه:
يُشْغَل كثير من العباد بصورة العمل وحسن القصد عن الاستعانة بالله ـ تعالى ـ وإظهار الافتقار والحاجة إليه(7)، وهذا خطأ فاحش؛ إذ أجمع العالمون بالله ـ تعالى ـ على أن كل خير يحصل للعبد فأصله بتوفيق الله له، وما استُجلب التوفيق بمثل المبالغة في الدعاء والمسألة وطلب المعونة، والاستكثار من إظهار الافتقار ومسيس الحاجة، ولا فات إلا بإهمال ذلك(8)، وقد كانت تلك طريقة النبي -صلى الله عليه وسلم- والهدي الذي سار عليه؛ فها هو -صلى الله عليه وسلم- كان يستفتح صلاة الليل داعياً: «اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم»(9)، وكان من دعائه -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم إني أعوذ بك أن أَضِلَّ أو أُضَلَّ، أو أَزِلَّ أو أُزَلَّ» (1)، ولم يكتف بدعائه، بل كان يوجه أصحابه إلى ذلك قائلاً: «سلوا الله علماً نافعاً، وتعوذوا بالله من علم لا ينفع»(2).

(1/9071)


وقد كان هذا ديدناً للسلف وهدياً لهم، ولعل من أجلى صور استعانتهم بالله على التعلم والوصول للحق عبر البحث والمطالعة ما حكاه شيخ الإسلام ابن تيمية عن نفسه، فقال: «ربما طالعت على الآية الواحدة نحو مائة تفسير، ثم أسأل الله الفهم، وأقول: يا معلم آدم وإبراهيم علمني! وكنت أذهب إلى المساجد المهجورة ونحوها وأمرِّغ وجهي في التراب، وأسأل الله ـ تعالى ـ وأقول: يا معلم إبراهيم فهمني!»(3).
وكثرة العلوم والمراجع بين يدي الباحث لا تنفعه إن لم يُعِنْهُ الله ـ سبحانه وتعالى ـ على الوصول ألى الحق. قال ابن تيمية: «وقد أَوْعَبَتِ الأمةُ في كل فن من فنون العلم إيعاباً، فمن نوَّر الله قلبه هداه بما يبلغه من ذلك، ومن أعماه لم تزده كثرة الكتب إلا حيرة وضلالاً»(4).
فأكثِرْ يا طالب العلم من دعاء الله والتضرع بين يديه، وسؤاله العون والتسديد، وإياك أن يكون نصيبك الخذلان من هذا السبيل.
? ثانياً: خطوات البحث:
لكي يتم بحث مسألة فقهية بحثاً جاداً لا بد من سلوك الخطوات التالية:
الخطوة الأولى: جمع مصادر البحث الأساسية:
وفي هذا الجانب يحسن التنبيه على الأمور التالية:
1 - تكاد أن تكون المصادر الأساسية لبحث مسألة فقهية ما يلي:
- الآيات القرآنية المتعلقة بالمسألة محل البحث وتفسيرها من كتب التفاسير المعتمدة، وبخاصة تلك الكتب التي عنيت بتفسير آيات الأحكام(5).
- الأحاديث النبوية المتعلقة بالمسألة محل البحث وشروحها، وبخاصة تلك الشروح التي عنيت بشرح أحاديث الأحكام(6).
ولا بد للباحث في الأحكام من معرفة صحة الحديث من ضعفه حتى يتمكن من البناء عليه، ولذا فلا بد له من الرجوع إلى الكتب التي اهتمت بتخريج الأحاديث وبيان مدى صحتها من ضعفها(7).
- الكتب التي عني أصحابها بتدوين الإجماع في المسائل الفقهية(8).
- الكتب التي عني أصحابها بذكر فتاوى الصحابة و أئمة التابعين(9).
- الكتب المعتمدة في كل مذهب من المذاهب الأربعة، مع العناية بتحرير أقوال الأربعة أنفسهم، وأقوال أتباعهم(10).
- الكتب التي عني أصحابها بجمع اجتهادات بعض أئمة الفقه، مثل موسوعة فقه الإمام الثوري، وموسوعة فقه الإمام الأوزاعي ... ونحوهما.
- الكتب والدراسات الفقهية التي اعتنت بإيراد الخلاف وعرض أدلة الأقوال المختلفة(1).
- الكتب والدراسات الفقهية التي حرص أصحابها على اعتماد الدليل من دون الالتزام بأصول مذهب من المذاهب المعتبرة(2).
- كتب الفتاوى(3).
- الكتب الفقهية المصنفة في أبواب أو موضوعات أو مسائل فقهية خاصة(4).
2 - إدراك طبيعة المصنفات الفقهية وخصائصها، وأنها ليست سواء من حيث ذكر الخلاف وإيراد الأدلة والترجيح.
ففي ذكر الخلاف: منها ما لا يذكر خلافاً، بل يقتصر على إيراد ما عليه المذهب، ومنها ما يورد خلافاً لكنه يقتصر على إيراد الخلاف داخل المذهب، ومنها ما يتجاوز ذلك إلى ذكر الخلاف مع المذاهب الأخرى.
وفي إيراد الأدلة: منها: ما لا يورد الأدلة، ومنها: ما يوردها، والكتب التي تورد الأدلة منها: ما يناقش الأدلة الأخرى، ومنها: ما لا يناقشها.
وفي الترجيح: منها: ما يقتصر على إيراد ما يراه راجحاً فقط، ومنها: ما يورد الأقوال ولا يرجِّح بينها، ومنها: ما يورد الأقوال ويرجح بينها.
3 - تختلف المصنفات الفقهية من حيث الشكل اختلافاً بيناً؛ إذ منها:
- المطولات: وهي التي اهتم أصحابها فيها ابتداء بإيراد المسائل الفقهية بنوع من البسط.
- المتون والمختصرات: وهي التي اختصر أصحابها فيها كتباً مطولة، أو ألفها أصحابها ابتداء بطريقة مختصرة.
- الشروح: وهي التي قام أصحابها فيها بتناول كتب أخرى بالشرح والإيضاح.
- الحواشي: وهي التي علق أصحابها فيها على مواضع من شروح المختصرات بهدف التأييد أو الاعتراض أو الإيضاح.
- المنظومات الفقهية: وهي التي نظم أصحابها فيها مسائل بعض المتون الفقهية، أو شيئاً من مسائل الفقه دون الارتباط بكتاب.
4 - تختلف طريقة المصنفات الفقهية في ترتيب الكتب والأبواب داخلها من مذهب إلى آخر، كما أن المصنفات الفقهية داخل المذهب الواحد تختلف أيضاً نظراً لتطور الترتيب الفقهي للكتب والأبواب زمناً بعد آخر، وما لم يدرك الباحث هذا الأمر بصورة جيدة فقد يضل الطريق في الوصول إلى المعلومة(5).
5 - يعد (المحلى لابن حزم) من أهم الكتب الفقهية التي اعتنت بالدليل وأولته عنايتها، وناقشت أدلة الأقوال الأخرى، وبينت ضعف أوجه الاستدلال بها من وجهة نظر ابن حزم، وسيفيد الباحث أيما فائدة في هذا الجانب، لكن الباحث المبتدئ لا ينصح أبداً بالرجوع إليه للأسباب التالية:
- ظاهرية ابن حزم المفرطة في فهم النصوص والتعامل معها في الفروع خاصة(6).
- ضعف لغته الفقهية وميله إلى الجزم بالأقوال التي يقول بها؛ مع أن كثيراً من الاختلافات معتبرة، والأمر لا يعدو أن يكون صحيحاً وأصح، أو ظاهراً وأظهر، وإن تجاوز الأمر ذلك فراجحاً وأرجح.

(1/9072)


- تطاوله في أحيان كثيرة على أهل العلم الذين يناقش أقوالهم بعبارات قاسية، وفي أحيان قد تكون نابية(7).
6- أهمية الاستفادة من البرامج الشرعية على أجهزة الحاسوب في البحث نظراً لتقريبها للباحث كثيراً من المعلومات التي يحتاجها، مع التنبه لما يقع فيها من تصحيف أو سقط.
7- المصادر التي يمكن أن تخدم الباحث في المسائل الفقهية عديدة وكثيرة، ورجوعه إلى جميعها في كل مسألة من مسائل بحثه قد يعوقه عن إتمامه، ولذا فمن المستحسن أن يقوم الباحث بتقسيم المسائل إلى نوعين:
النوع الأول: مسائل أشبعها أهل العلم بحثاً، وهذه يحسن بالباحث الرجوع فيها إلى المصادر التي عرفت بالتحقيق وحسن المناقشة والعرض للأقوال وأدلتها، بالإضافة إلى مصدر أو مصدرين من الكتب المعتمدة في كل مذهب من المذاهب الفقهية المعتبرة؛ لتوثيق النسبة ومعرفة القول المختار في المذهب، وأدلته، وأوجه ترجيحه، والطريقة التي تمت بها مناقشة الأقوال الأخرى.
النوع الثاني: مسائل لم تبحث بعد أو بحثت ولكن ما تزال محتاجة إلى مزيد تمحيص ونظر مثل مسائل النوازل الفقهية، وهذه لا بد فيها من محاولة استقصاء جميع ما كتب حولها والاستفادة منها بقدر الإمكان(1).
8 - من الأهمية بمكان حين المطالعة في المصادر الفقهية المختلفة مراعاة وجود مصطلحات حرفية وكلمية خاصة بكل مذهب تشير في أحيان إلى بعض أئمة المذهب أو كتبهم أو المذاهب والآراء أو الاختيار والترجيح، وفي أحيان لا تكون تلك المصطلحات عامة في كل كتب المذهب بل ربما كانت خاصة بكتبٍ دون غيرها.
الخطوة الثانية: تحديد مسألة البحث:
وهنا يحسن التنبيه على الأمور التالية:
- أن كثيراً من النتائج غير الصحيحة التي يصل إليها طالب العلم في بحثه تعود إلى عدم تصور المسألة المبحوثة وتحديدها بدقة.
- الخطوات المقترحة للوصول إلى تحديد دقيق للمسألة هي:
أ - القراءة في الموضوع بغرض تصور المسألة وتحديد جوانبها، لا الوصول إلى حكم محدد حيالها.
ب - تحرير محل النزاع عن طريق:
- تحديد الجوانب المتفق عليها في المسألة بين أهل العلم.
- تحديد الجوانب المختلف فيها في المسألة بين أهل العلم، وبيان سبب ذلك.
الخطوة الثالثة: جمع المادة العلمية ودراستها:
وهنا يحسن التنبيه على الأمور التالية:
- ينبغي التفريق بين حالتين من حالات البحث:
الأولى: حالة كون المسألة المبحوثة واحدة، وهذه لا إشكال فيها؛ لأن الباحث سيعمد إلى جمع المادة العلمية المتعلقة بها، ومن ثمَّ دراستها وتمحيصها، ومن ثمَّ صياغتها.
الثانية: حالة كون البحث يتناول أكثر من مسألة، وهنا يوجد أمام الباحث خياران:
أ - جمع كل ما يتعلق بكل مسألة على حدة، ومن ثم دراستها وتمحيصها والانتهاء من صياغتها، وبعد ذلك يتم الانتقال إلى المسألة الأخرى جمعاً ودراسة وصياغة، وهكذا.
ب - جمع كل ما يتعلق بمسائل البحث في كل مصدر وتدوينها في أوراق أو بطاقات؛ بحيث لا يتم الرجوع إلى ذلك المصدر مرة أخرى، ومن ثم الانتقال بعد ذلك إلى مصدر آخر وجمع مادة البحث الموجودة فيه وتدوينها كما سبق، وهكذا يفعل مع المصادر الأخرى إلى أن تنتهي، ومن ثم يتم تصنيف المادة العلمية المدونة في الأوراق أو البطاقات حسب مسائل البحث، ثم يتم دراسة وتمحيص وصياغة كل مسألة من مسائله على حدة، وبعد الانتهاء منها يتم الانتقال إلى المسألة الأخرى، وهكذا.
- لا ينبغي لطالب العلم أن يلجأ في بحثه إلى تشقيق المسائل تشقيقاً مخلاً، وعلى ذلك فينبغي له أن يُعرض عما قد يجد في المسألة محل البحث من أقوال متهالكة ليس عليها أثارة من علم، إلا على سبيل التنبيه عليها وتحذير الآخرين من الاغترار بها.
- تكثر الرموز والمصطلحات الفقهية في غالب المصادر والمراجع الفقهية، كما أن كثيراً من المدونات الفقهية حرصت على الإيجاز حرصاً جعلها تقرب من الإلغاز، وهذا مما يزيد من عبء الباحث، ويعظم من مسؤوليته في تفهم أقوال الفقهاء ومرامي عباراتهم، وأوجه استدلالاتهم بالنصوص.
- أثناء قيام الباحث بدراسة المسألة وتمحيصها لا بد من احترازه من مسلكين معيبين في الدراسات الفقهية:
الأول: مسلك من يهتم بتحرير المسألة وذكر تفريعاتها نقلاً عن كتب الفقهاء دون أن يعتني بإيراد الأدلة، والتأكد من مدى ثبوتها وصحة دلالتها على المسألة.
الثاني: مسلك من يهتم بإيراد الأدلة ومدى ثبوتها لكنه يهمل تحرير المسألة فقهياً، وغالباً لا يهتم بدقة دلالة النصوص على المسألة المبحوثة، وهذا المسلك يكثر في عصرنا لدى المشتغلين بالحديث النبوي وتخريجه.
ولو أن الباحث جمع بين المسلكين فاهتم بتحرير المسألة وتدقيقها، وتأكد من ثبوت الأدلة ووجه الدلالة منها، واعتنى بأقوال الصحابة والسلف لكان في ذلك خير كثير.
- مرحلة دراسة المسألة وتمحيصها من أهم المراحل التي ينبغي لطالب العلم، وبخاصة المبتدئ أن يقوم فيها بمراجعة أهل العلم وسؤال أهل الاختصاص، وبخاصة في المسائل المشكلة.

(1/9073)


الخطوة الرابعة: الترجيح ومناقشة الأدلة:
وهنا يحسن التنبيه على أمور:
- إدراك خطورة الترجيح وعظم المسؤولية الملقاة على عاتق من يقوم به، وفي المقابل إدراك أهميته وضرورة قيام الراسخين من أهل العلم به.
- يحسن بالباحث في هذه الخطوة أن يذكر القول الراجح، ويبين أوجه رجحانه، ثم يناقش أدلة الأقوال الأخرى ويجيب عنها(1)، ثم يبين إن كان للخلاف ثمرة أم لا.
- من الأمور الهامة التي لا بد لطالب العلم من التنبه لها قبل أن يخوض غمار الترجيح بين الأقوال والمقارنة بين أدلتها، والمناقشة لها ما يلي:
1 - ضرورة جمع النصوص في الباب الواحد. قال الإمام أحمد: «الحديث إذا لم تجمع طرقه لم تفهمه، والحديث يفسر بعضه بعضا»(2)، وجمع النصوص يزيل كثيراً من الالتباس والاختلاف. قال ابن تيمية: «وقلَّ أن تعوز النصوص من يكون خبيراً بها وبدلالتها على الأحكام»(3).
2 - معرفة أن جميع الأدلة الشرعية الصحيحة يجب اتباعها والعمل بها لكن لا ينظر الباحث في القياس والأدلة المختلف فيها إلا عند فقد النص والإجماع؛ إذ لا اجتهاد مع النص أو الإجماع.
3 - الأدلة الشرعية الصحيحة متفقة لا تتعارض البتة؛ فإذا وجد نصان متعارضان لا يمكن الجمع بينهما بطرق الجمع المعتبرة عند أهل الشأن؛ فأحدهما إما غير ثابت وإما منسوخ.
وإذا وجد تعارض بين نص وقياس فأحدهما غير صحيح.
4 - الأدلة منها السمعي ومنها العقلي، وكل منهما قد يكون قطعياً وقد يكون ظنياً؛ فالأدلة القطعية أياً كانت لا تتعارض بالاتفاق؛ لأن تعارضها يلزم منه اجتماع النقيضين، وهو محال.
وإذا تعارض قطعي وظني عمل بالقطعي سمعياً كان أو عقلياً؛ لأن الظن لا يرفع اليقين(4).
5 - القول بالتعارض بين الأدلة شديد، ولذا فالواجب التثبت من صحة الأدلة، والتعمق في فهمها(5)، والحرص على درء التعارض بينها بقدر الإمكان.
6 - على الباحث حين يقوم بمناقشة الأدلة والترجيح بين الأقوال أن يحذر من الوقوع في إحدى ظاهرتين:
الأولى: التفريط والتساهل في عرض الأحكام وتقريرها باسم التيسير على الناس ورفع الحرج عنهم.
الثانية: التضييق على الناس والتشديد عليهم باسم الانضباط بالشرع والمحافظة على الأصول.
7 - التعارض المعتبر الذي يحتاج إلى نظر هو الذي يقع بين الأدلة الظنية؛ فإذا وقع تعارض بين دليلين ظنيين فالواجب على الترتيب: الجمع إن أمكن، فإن تعذر الجمع وعرف التاريخ قيل بالنسخ؛ فإن لم يعرف المتأخر فعلى الباحث أن يلجأ إلى الترجيح لأحدهما بدليل؛ فإن عجز عن الترجيح فالواجب التوقف(6)؛ فإن اضطر إلى العمل، وكانت هذه حاله فليقم بتقليد أحد المجتهدين(7).
- لا بد لطالب العلم أثناء الترجيح من التأني في إطلاق الأحكام وعدم التسرع في الجزم والصرامة في الأحكام التي يختارها، وأن يتجنب إطلاق ألفاظ التحليل والتحريم، والحق والباطل، والصحة والخطأ بقدر الإمكان إلا عندما يكون متيقناً من أن الأمر كذلك، قال الأعمش: «ما سمعت إبراهيم يقول قط: حلال ولا حرام، إنما كان يقول: كانوا يكرهون، وكانوا يستحبون»(8)، وقال الربيع بن خثيم: «إياكم أن يقول الرجل لشيء: إن الله حرم هذا ونهى عنه، فيقول الله: كذبتَ، لم أحرمه ولم أَنْهَ عنه. قال: أو يقول: إن الله أحل هذا وأمر به، فيقول: كذبتَ، لم أحله ولم آمر به»(9)، وقال مالك: «لم يكن من أمر الناس ولا مَنْ مضى من سلفنا ولا أدري أحداً أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام، ما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره هذا، ونرى هذا حسناً، ونتقي هذا، ولا نرى هذا)»(10).
- حينما يختار الباحث قولاً، ويقوم بمناقشة الأقوال الأخرى، وبيان أوجه رجحانها، فلا ينبغي له تجاوز نقد الأقوال إلى أصحابها، والتشنيع على المخالفين وتسفيه آرائهم، بل عليه التأدب معهم، والتماس العذر لهم بقدر الإمكان.
- حين يجد الباحث في المسألة قولاً معتبراً ولا يجد له دليلاً، أو يجد له أدلة غير معتبرة، ويرى وجود أدلة قوية له فعليه ذكرها ووجوه الدلالة منها.
- إذا لم يتمكن الباحث من الترجيح الكلي بين الأقوال فبإمكانه اللجوء إلى الترجيح الجزئي كأن يقول: وهذه الأقوال الثلاثة أقوى الأقوال أو أضعفها، وحين لا يتبين له شيء من ذلك فليتوقف ولا يُقْدِم على شيء لا يستطيعه؛ لأن الأمر عبادة ودين، ولأن يترك المرء الترجيح في بعض المسائل ـ حتى يفتح الله له فيها ولو بعد حين ـ خير له من أن يرجح مع وجود إشكال لديه، وسبقه في ذلك كثير من الأئمة؛ فقد توقفوا في مسائل عديدة، وهم من هم علماً واستنباطاً.
الخطوة الخامسة: تدوين المسألة وصياغتها:
وهنا يحسن التنبيه على أمور:
- في تدوين المسألة أمام الباحث خياران:

(1/9074)


الأول: تدوينها حسب الأقوال التي فيها لا القائلين بها، وبعد ذلك يتم نسبة كل قول إلى قائله، وحين ترتيبها في الصياغة يبدأ بعرض القول الأقوى ثم الذي يليه، وهكذا. فإن لم يظهر للباحث أيها أكثر قوة بدأ بالقول الذي قاله المتقدم، فيبدأ بقول الحنفية فقول المالكية، وهكذا، وهذا الخيار هو الأوْلى.
الثاني: تدوينها حسب القائلين لا الأقوال التي فيها، ويبدأ عند ذلك بالقول الذي قاله المتقدم، فيبدأ بقول الحنفية فقول المالكية، فقول الشافعية، فقول الحنابلة.
- يحسن بالباحث الاقتصار في نسبة الأقوال على المذاهب الفقهية الأربعة، إلا أن يرى خلافاً معتبراً لها من قِبَل إمام معتبر؛ فعند ذلك يدون خلافه لها ناسباً ذلك إليه.
- حين عرض الأدلة لا بد من ترتيبها حسب منزلتها بحيث تقدم الأدلة النقلية على الإجماع والأدلة العقلية، ويقدم الإجماع على الأدلة العقلية، وفي الأدلة النقلية يقدم الكتاب على السنة.
- حين تدوين أدلة الأقوال يحسن بالباحث الإعراض عن إيراد الحجج الضعيفة والبراهين الواهية إلا على سبيل التنبيه لما يحتاج إلى ذلك.
- العناية بصياغة المسألة صياغة تربوية تدفع قارئها إلى التطبيق وتجعله يسارع إلى الامتثال والعمل.
- في عرض الأدلة أمام الباحث خياران:
أ - أن يعرض أدلة كل قول بعد عرض القول مباشرة؛ بحيث يعرض الدليل، ووجه الدلالة منه، والاعتراض عليه، والجواب عن ذلك، وهذا أوْلى.
ب - أن يؤخر عرض الأدلة ووجه الدلالة منها، والاعتراضات عليها، والأجوبة عن ذلك إلى ما بعد الانتهاء من عرض الأقوال كلها.
- يحسن أن يتم تدوين المسألة على مرحلتين ـ كحد أدنى ـ:
الأولى: يتم التركيز فيها على تدوين القضايا الكلية في المسألة بدقة.
الثانية: يتم التركيز فيها على تدقيق المسألة وتمحيصها وتدوين القضايا الجزئية بدقة.
وإلا فإنه سيحصل ـ في الغالب ـ قصور ظاهر في جوانب البحث الكلية والجزئية.
- أثناء القيام بتدوين المسألة ينبغي مراعاة ما يلي:
أ - الحرص على اختيار العبارات ووضوح الأسلوب وتلاؤم ذلك مع طبيعة البحث الفقهية.
ب - جودة العرض وحسن الترتيب.
ج - الاعتناء بالأمثلة المعاصرة.
د - تحويل المقاييس والموازين إلى المقاييس المعاصرة.
هـ - ربط الأحكام الفقهية بالسلوك والجانب العملي.
و - نقد الواقع في ضوء ما قرره الباحث.
ز - مراعاة الأصول العلمية للبحث، والتي من أهمها:
- ترقيم الآيات، وتخريج الأحاديث والحكم عليها.
- الأمانة في النقل، والدقة في نسبة الأقوال إلى أصحابها(1).
- الاعتماد على المصادر الأصلية، وعدم اللجوء إلى الثانوي منها إلا عند الحاجة.
- شرح الغريب، وتوضيح المصطلحات.
- العناية بقواعد اللغة والإملاء وعلامات الترقيم.
- وضع فهارس فنية فيما يحتاج إليه.
----------
(1) سنن أبي داود، رقم: 3664، وصححه الألباني في صحيح السنن، رقم: 3112.
(2) صحيح مسلم، رقم: 1905.
(3) سنن ابن ماجة، رقم: 254، وصححه الألباني في صحيح السنن، رقم: 206.
(4) سنن ابن ماجة، رقم: 260، وحسنه الألباني في صحيح السنن، رقم: 209.
(5) صحيح مسلم، رقم: 2577.
(6) وتشمل النية الصالحة (مع التعبد لله بطلب العلم): نية رفع الجهل عن نفسه، ونية تصحيح عبادته وطاعته، ونية نفع الناس وإفادتهم.
(7) صحيح مسلم، رقم: 2985.
(1) المحلى 4/ 180.
(2) البدعة: أسبابها ومضارها لشلتوت: 24.
(3) الرسالة في أصول الحنفية للكرخي - مطبوع مع تأسيس النظر للدبوسي 169.
(4) مجموع الفتاوى لابن تيمية: 26/202 ـ 203، وليس مراده ـ رحمه الله ـ تنقص أحد من أهل العلم، وإنما التحذير من زلاتهم، ولذا نجده ـ رحمه الله تعالى ـ يقول - كما في الفتاوى الكبرى: 2/23-: (وليس لأحد أن يتبع زلات العلماء، كما ليس له أن يتكلم في أهل العلم والإيمان إلا بما هم أهله) ونجده رحمه الله يقول - كما في الفتاوى الكبرى: 3/178-: (دين الإسلام إنما يتم بأمرين: أحدهما: معرفة فضل الأئمة وحقوقهم ومقاديرهم وترك كل ما يجر إلى ثلمهم. والثاني: النصيحة لله ـ سبحانه ـ ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم، وإبانة ما أنزل الله ـ سبحانه ـ من البينات والهدى).
(5) مجموع الفتاوى لابن تيمية: 20/ 164.
(6) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر: 1/693 رقم: 1226.
(7) العلم لأبي خيثمة: 6.
(8) سنن الدارمي، رقم: 262.
(9) شعب الإيمان للبيهقي: 2/296 رقم: 1834.
(10) شعب الإيمان للبيهقي: 2/291 رقم: 1811.
(1) المصنف لابن أبي شيبة، رقم: 35360.
(2) الزهد لابن أبي عاصم: 1/285.
(3) جامع بيان العلم وفضله لابن عبد البر: 1/697 رقم: 1235.
(4) ومن ذلك: الإغراق في التعريفات وبحث المسائل التي يندر وقوعها.
(5) فضل علم السلف، لابن رجب: 51-52.
(6) ويشمل ذلك: معرفة غريب اللغة ودلالات الألفاظ، ومعرفة الإعراب؛ إذ به يختلف المعنى، ومعرفة البلاغة والحقيقة والمجاز.

(1/9075)