صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : شرح بلوغ المرام للشيخ عطية محمد سالم

هذا في باب اللباس فليس معنى ذلك أن نظهر في أبهة وفي زهو وخيلاء،
والبخاري رحمه الله صدر باب اللباس في الجزء العاشر من فتح
الباري بحديث: (كل واشرب والبس ما شئت في غير مخيلة ولا إسراف )،
قال ابن حجر : مهما لبست من طيب الثياب وأغلاها ثمناً بلا
خيلاء ولا إسراف فلا مانع. وقد قال أحمد بن حنبل رحمه الله:
عجبت من الرجل يلبس الصوف والخشن من الثياب ويترك الناعم من
الكتان، ويأكل الخشن من العيش ويترك اللين من الخبز! فهذا التقشف
مع وجود النعمة يعتبر جحوداً لها وإخفاء لها، وهذا لا يليق،
فالمؤلف رحمه الله أتى بهذا الحديث لأن الإنسان إذا حرم عليه
الحرير لأنه ناعم ولين ومريح قد يظن أن بقية الثياب أيضاً كذلك،
فكأنه قال لك: لا. بل أظهر نعمة الله عليك في مطعمك، وفي ملبسك،
وفي مسكنك، وفي جميع حالاتك، من غير خيلاء، ومن غير إسراف، والله
تعالى أعلم.
( كتاب الصلاة - باب اللباس [2] )
عناصر الموضوع
1 كفى بالموت واعظاً
2 الأمة أمة وسط بين الأمم
3 زيارة المريض.. حكمها وآدابها
4 باب كراهة تمني الموت
5 باب صفة النزع للمؤمن
كتاب الجنائز [1]
خلق الله الإنسان في هذه الدنيا وجعلها دار ابتلاء واختبار، بعدها
ينتقل المرء إلى ربه، فعلى المسلم ألا يغتر بالدنيا، وأن يزهد فيها دون
رهبانية ولا تواكل. وعلى المرء أن يستعد للموت بتذكره، وبزيارة المرضى،
وزيارة القبور، وذلك يتطلب أن يتعرف الإنسان على آداب زيارة المريض،
وزيارة المقابر، وغير ذلك مما لا ينبغي أن يجهله المسلم.
كفى بالموت واعظاً
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه
وسلم (أكثروا ذكر هاذم اللذات الموت ) رواه الترمذي والنسائي ، وصححه ابن حبان . بدأ المؤلف رحمه الله تعالى
بهذا الحديث تنبيهاً للحي، كي يتعظ بالموت (أكثروا ذكر هاذم اللذات )
وهاذم اللذات كما تبين هو الموت؛ لأن كل إنسان مهما كانت حياته

(2/214)


منعمة.. إذا كان في القمة في العالم كله.. أغنى أغنياء العالم..
أقوى أقوياء العالم.. أسعد سعداء العالم، حينما يتذكر الموت فإنه
تنهزم أمامه كل لذة، ولو ذكر العريس ليلة عرسه الموت لما دخل على
عروسه. فذكر هاذم اللذات الذي هو الموت هو أكبر واعظ، وأكبر زاجر،
وأكبر دافع لفعل الخير. وبعض العلماء يفتتح هذا الباب بغير هذا
الحديث، ولكن المؤلف من فقهه افتتح كتاب الجنائز بهذا الباب. وقد
جاء عنه صلى الله عليه وسلم فيما يتعلق بزيارة القبور أنه قال:
(كنت نهيتكم عن زيارة القبور، ألا فزوروها؛ فإنها تزهد في الدنيا
وتذكر بالآخرة ) وجاء في بعض الروايات: (أكثروا من ذكر هاذم
اللذات؛ فإنه ما ذُكر في قليل إلا كثره، ولا ذُكر في كثير إلا قلله )
بمعنى: إنسان يعيش عيشة كفاف، ولديه القليل القليل من متاع الدنيا،
فإذا ما تذكر الموت رأى أن الذي عنده كثير؛ لأنه لا يدري متى يأتيه
الموت، وإذا كانت عنده كنوز قارون ، وتذكر الموت؛ صارت قليلة في
نظره، ماذا يفعل بها؟! لا تنفعه في شيء، وليس هناك أنفع للإنسان من
دوام ذكر الموت، يهوّن عليه مصائب الدنيا وشدائدها. وكنت دائماً
أسمع من والدنا الشيخ الأمين رحمة الله تعالى علينا وعليه يزهد
في الدنيا، ويبسط أمرها في قوله: الجوع يطرد بالرغيف اليابس فعلام
تكثر حسرتي ووساوسي كأن الدنيا ما لها قيمة. وكذلك الإنسان فيما
أعطاه الله، إن كان مريضاً مبتلىً متألماً وذكر الموت هان عليه
المرض والألم، وإن كان متعافياً وينظر إلى نفسه في حالته، فذكر
الموت قامن من رأسه وقامن من تطاوله. وهكذا أيها الإخوة: المؤمن
لابد أن يؤمن بما وراء الموت، فإن الدنيا مزرعة حصادها في الآخرة،
والإنسان ما بين أمرين: لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلا التي
كان قبل الموت يبنيها فإن بناها بشر خاب مسكنه وإن بناها بخير طاب
بانيها وكما قال بعض الناس في الزهد وفي الترهيب: إن لله عباداً

(2/215)


فطنا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا نظروا فيها فلما علموا أنها ليست
لحي وطنا جعلوها لجة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا
الأمة أمة وسط بين الأمم
الدنيا دار ممر، ولكن ليست رهبانية كما عند النصارى ، فنترك الدنيا
دون أن نعمرها، وأن نسخرها، وأن نستسخر ما فيها، وليست مادية
وانهماكاً في موادها أو في مادياتها، بل هو الوسط والاعتدال، والله
سبحانه وتعالى قد جعل هذه الأمة أمة وسطاً، فقال: وَكَذَلِكَ
جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى
النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً [البقرة:143]،
وسطاً بين أمتين: أمة غلبت عليها المادية، وأفلست في المعنوية،
وأمة غلبت عليها المعنوية، وأفلست في المادية، وفي سورة الفاتحة: اهْدِنَا
الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ
أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا
الضَّالِّينَ [الفاتحة:6-7]،
والمغضوب عليهم هم اليهود ، والضالون هم النصارى .. اليهود مغضوب
عليهم؛ لأنهم علموا ولم يعملوا، والنصارى عملوا بغير علم، فأولئك
استحقوا الغضب، وأولئك وصفوا بالضلال، وجاءت هذه الأمة فعلمت
وعملت. فالإنسان مكون من عنصرين اثنين: جسم وروح، والجسم مادي
منشؤه التراب.. إِنِّي
خَالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ [ص:71]،
والعنصر الثاني الروح.. فَإِذَا
سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي [الحجر:29]،
فبمجموع الأمرين كان هذا الإنسان، وكل عنصر فيه له مقوماته
ومتطلباته، فالعنصر المادي يرجع إلى المادة، وَاللَّهُ
أَنْبَتَكُمْ مِنْ الأَرْضِ نَبَاتاً [نوح:17]،
ليست له حياة إلا من الأرض، وهو يخلد إليها، والعنصر الروحي عالم
ملكوت الملأ الأعلى، بالعبادات وبمعرفة الله يسمو إلى أعلى.
فاليهود أمعنوا في خدمة البدن بالماديات، وأهملوا جانب الروح في
العبادات، والنصارى عنوا بجانب الروح والعبادات والرهبانية، وفرطوا

(2/216)


في جانب المادة، وتركوا الدنيا، وكانت هذه الأمة الوسط بين الطرفين
.. لا مادية لاهية، ولا رهبانية طاغية. فمثلاً: ونجد قوله سبحانه: يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ
الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ
ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ [الجمعة:9]
هذه روحانية.. فَإِذَا
قُضِيَتْ الصَّلاةُ فَانتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ
فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً [الجمعة:10]،
فالاستجابة إلى النداء لذكر الله غذاء للروح، والانتشار في الأرض
بعد الصلاة لمتطلبات البدن، وخدمة الحياة، ومع ذلك تطلب الرزق من
فضل الله.. وتذكر الله وأنت في عملك، تجمع ديناً ودنيا، ومن هنا
كانت هذه الأمة هي الوسط بين الأمتين، وكانوا شهداء على الناس، كل
المفسرين يقولون: شهداء يوم القيامة على إبلاغ رسلهم رسالة ربهم،
ويقولون أيضاً: لا مانع أن يكونوا شهداء على الأمم بأنهم استطاعوا
أن يطبقوا عملياً وفاء الإنسان والنفس في جانبي المادة والروح،
فاليهود عجزوا عن أن يجمعوا بين الأمرين فجنحوا، والنصارى عجزوا
عن أن يجمعوا بين الأمرين فجنحوا، كالطائر يتعطل أحد جناحيه فيجنح
ويميل. أما هذه الأمة فلم يتعطل جناحاها، كلاهما معتدل، فسارت
سيراً متوازياً منذ أن جاءها سيد الخلق صلى الله عليه وسلم إلى أن
يرث الله الأرض ومن عليها، وهي مستقيمة مستقرة في مسيرتها، فهم
شهداء على الناس في تطبيق المنهج الإلهي الحق الذي يوفي الإنسان
حقه من الجانبين، ولا يطغى جانب على جانب، في الوقت الذي أفلست فيه
الأمم التي من قبلنا .. لتكونوا شهداء على الناس في الدنيا، كما
تكونون شهداء على الناس في الآخرة. وعلى هذا لا يكون الإنسان
المسلم مستقيماً في حياته إلا إذا أيقن بأن الدنيا وراءها آخرة،
وأن ما يتصرف به في دنياه سيلقاه في آخرته، أما الذي لا يؤمن ببعث،

(2/217)


ولا يؤمن بجزاء، غاية ما عنده دنياه، فهو يريد أن يحصل فيها على كل
ما يريد ولو على حساب الآخرين؛ لأنه ليس عنده رقيب ولا حسيب، ولا
ينتظر يوم الدين الذي فيه الجزاء وفيه الحساب. ولهذا نجد بعد قوله
تعالى: غَيْرِ
الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ [الفاتحة:7]
الرد إلى الإيمان بالغيب والبعث: الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:1-2]
من هم؟ الَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [البقرة:3]
وهو كل ما غاب عنك، وما جاءت أخباره عن الله وعن رسوله صلى الله
عليه وسلم .. وَيُقِيمُونَ
الصَّلاة [البقرة:3]،
إيمان بالغيب وعمل في الحاضر .. وَمِمَّا
رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ
بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ
وَبِالآخرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ * أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى
مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:3-5]
.. اهْدِنَا
الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ [الفاتحة:6].. أُوْلَئِكَ
عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ [البقرة:5]..
وهكذا القرآن يفسر بعضه بعضاً.
زيارة المريض.. حكمها وآدابها
المؤلف هنا بدأ الباب بهذا الحديث: (أكثروا)، وهناك من العلماء من
يبدأ هذا الباب بالحث على عيادة المريض، وعيادة المريض حق للمريض،
ولكن هنا حق للإنسان في نفسه، ثم بعد ذلك لما يأتي المرض نقول له:
اذهب فعده، ولذا المؤلف كان دقيقاً جداً في ترتيبه وإيراده هذا
الباب، وجمعاً بين المنهجين إذا مرض الإنسان كان حقاً على أخيه
المسلم أن يعوده، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه قاله: (حق
المسلم على المسلم ست -وذكر منها-: وإذا مرض فعده، وإذا مات فاتبعه )
بدأ بالسلام، ثم بالإجابة إلى الوليمة، ثم بالنصح.. إلى آخره. وجاء
في عيادة المريض عدة أحاديث، كما يذكر البخاري في الأدب المفرد
(من زار مريضاً في المساء خرج ومعه سبعون ألف ملك إلى الصباح، ومن

(2/218)


عاد مريضاً صباحاً خرج ومعه سبعون ألف ملك إلى المساء ) وجاء في
الحديث أيضاً (من عاد مريضاً فإنما يمشي في مخرفة من الجنة )
والمخرفة هي: الأشجار المثمرة تذهب فتخرفها، تمشي بين أشجار من
أشجار الجنة المثمرة، تخرف منها من الثمار ما شئت.
آداب زيارة المريض
ذكر العلماء في آداب عيادة المريض أن على الزائر أن يغلب عند
المريض جانب البشرى، وآمال العافية، وأن يرقيه، ويفسح له في الأجل.
وألا يتبع نظره أثاث البيت الذي هو فيه؛ فإنه ربما تكون الحال
متوسطة، أو دون ذلك، فيستضر صاحب البيت من أن تتأمل حالته بأنها
رديئة أو قليلة أو غير ذلك. وألا يطيل الجلوس عنده، فقد يكون في
حاجة إلى خدمة أهله فتحجبهم عنه، وقد جاء عن الرسول صلى الله عليه
وسلم أنه كان يعود المريض بعد ثلاثة أيام؛ لأنه في أول يوم يمكن أن
تكون وعكة خفيفة وتذهب، فليس هناك حاجة في أن تثقل عليه، أو تعطل
نفسك، فتكون الزيارة بعد ثلاثة أيام. ويقول بعض العلماء: لا بأس أن
يزور المسلم المريض الكافر لعله يعرض عليه الإسلام في آخر لحظة
فينفعه الله بذلك فقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان له خادم،
يهودي، فغاب الخادم فسأل عنه صلى الله عليه وسلم فقيل: مريض، قال:
قوموا بنا نعوده، فيذهب صلوات الله وسلامه عليه إلى خادم، ليس إلى
أمير أو رئيس أو نحوه، بل خادم ويهودي!! أي أنه جمع النقيصتين،
فلما أتاه وجلس عنده، وكان في لحظاته الأخيرة، قال له رسول الله
صلى الله عليه وسلم: (يا غلام! قل: لا إله إلا الله، فنظر الغلام
إلى أبيه، وكان عند رأسه -كأنه يستشيره- فإذا بالأب يقول: أطع أبا
القاسم يا بني! ) الله أكبر! وأنت لماذا لا تطعه؟ لنعلم يا
إخوان أن قضاء الله، وقدر الله فوق كل شيء، الولد في حالة
الاحتضار، والرسول صلى الله عليه وسلم يعرض عليه الإيمان، فيلتفت
إلى أبيه كالمستشير، فإذا بالأب يشير عليه أن يطيع الرسول، فلم يقل

(2/219)


له الرسول: وأنت أيضاً أطعني، عملاً بسنة التدرج، فقالها الغلام،
وسمعها رسول الله صلى الله عليه وسلم والحاضرون من الصحابة، ثم
فاضت روحه، فقال صلى الله عليه وسلم لمن معه من المسلمين: (تولوا
أنتم أمر أخيكم ) انظر محاسن الإسلام! انظر فضل الله على عباده!
مجرد أن نطق بها صار أخاً من إخوانهم، صار صحابياً بين يدي رسول
الله، وهذا من بركة زيارته صلى الله عليه وسلم. وهذا باب كما
يقولون يأتي في الآداب والأخلاق وحقوق الجوار... إلى آخره.
زيارة القبور
نأتي إلى هذا الباب الذي معنا: (أكثروا) وهذا عام للرجال وللنساء،
حتى إن العلماء عندما اختلفوا في زيارة النساء للقبور لحديث: (لعن
الله زوارات القبور ) وجاء حديث: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور،
ألا فزوروها ) واو الجماعة في قوله: (فزوروها) هل يشمل النسوة،
أو يبقى النسوة على المنع؟ فقالوا: إن في الحديث معنى يجمع بين
الرجال والنساء وهو قوله: (فإنها تزهد في الدنيا وتذكر بالآخرة )
فكما أن الرجل في حاجة إلى ذلك فكذلك المرأة في حاجة إلى ما يذكرها
بالآخرة، فتكون مشمولة بالإذن، والمعروف عند علماء اللغة أنه لو
وجد ألف امرأة ورجل واحد فإنهم يخاطبون جميعهم بواو الجماعة
تغليباً للمذكر. وكلمة: (أكثروا) تفيد الأمر بالتكرار، ولا تكون
للغفلة، لكن من الصعب أن يوضع شريط على أذن الإنسان ليظل يذكره:
اذكر الموت .. اذكر الموت.. ولكن لا تطل الغفلة، ومن هنا كلما
صلينا على جنازة، فتلك دقة جرس جديدة، وتنبيه جديد، إذاً: (أكثروا
من ذكر هاذم اللذات ) ألا وهو الموت. وإذا نظرنا -أيها الإخوة-
إلى إلزام الخلق بحق الخالق سبحانه، فلن نجد أقوى من الموت: فَلَوْلا
إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ * وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ
تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ
وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ * فَلَوْلا إِنْ كُنتُمْ
غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ
صَادِقِينَ [الواقعة:83-87]

(2/220)


ولن يستطيعوا إرجاعها: فَإِذَا
جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ [الأعراف:34]
ويقصد المعنى اللغوي بالساعة ستين دقيقة.. بل تصدق على لحظة، فلا
يملكون حتى التأخير ولا التقدم، وأنت لو جلست وتأملت وتذكرت هذه
الآية الكريمة.. فَلَوْلا
إِذَا بَلَغَتْ الْحُلْقُومَ [الواقعة:83]
فهناك الحشرجة في الصدر؛ لأن الموت يبدأ من القدمين، ثم يسري إلى
الساقين.. إلى الفخذين.. إلى البطن.. إلى الصدر.. فتحشرج الروح أو
النفس في صدره وحلقه، ثم تفيض إلى باريها، في تلك الحالة وهم حوله
ينظرون، ولا يملكون له من قطمير، ولا نَفَساً واحداً يستطيعون أن
يزيدوه: فَلَوْلا
إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ [الواقعة:86]
مدينين يعني: مغلوبين، مدانين، عاجزين، ومنه: مَالِكِ
يَوْمِ الدِّينِ [الفاتحة:4]
يوم الحساب والجزاء.. إِنْ
كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ [الواقعة:86]
غير ميتين ولا محاسبين، وَأَنْتُمْ
حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ * وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ
مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ [الواقعة:84-85]
صحيح نحن لا نرى، وَنَحْنُ
أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ [ق:16]. فَلَوْلا
إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ * تَرْجِعُونَهَا إِنْ
كُنتُمْ صَادِقِينَ [الواقعة:86-87]
لا والله لا تستطيعون إرجاعها، فَأَمَّا
إِنْ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّبِينَ [الواقعة:88]
ما مصيره؟ فَرَوْحٌ
وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ * وَأَمَّا إِنْ كَانَ
مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ * فَسَلامٌ لَكَ مِنْ
أَصْحَابِ الْيَمِينِ [الواقعة:89-91]
يقول المفسرون: منذ أن تفيض روح المؤمن ويرى النعيم، يسلم على رسول
الله صلى الله عليه وسلم؛ لأنه عن طريقه وصل إلى هذا الحد، وبعضهم
يقول: هذا سلام من الله باسم رسوله يأتي من الموتى، والأول أظهر
وأوضح، والله أعلم. وَأَمَّا

(2/221)


إِنْ كَانَ مِنْ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ [الواقعة:92] عافانا الله وإياكم. إذاً: أكثروا من ذكر هادم
اللذات.
باب كراهة تمني الموت
حكم تمني الموت لنزول الضر
وعن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لابد متمنياً، فليقل:
اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيراً
لي ) متفق عليه. (لا يتمنين أحدكم الموت لضرٍ نزل به ) لأن
تمني الموت لنزول الضر معناه عدم الرضا بالقضاء والقدر، ومعناه عدم
الاستسلام لأمر الله، ومعناه الجزع وعدم الصبر، وهذا لا يتناسب مع
الإيمان بالله، وإما إذا كان تمني الموت مخافة فتنة في الدين
فبعضهم يقول: لا مانع؛ فإن تمني الموت لميتةٍ كريمة كالشهادة في
سبيل الله لا مانع منه. وقد ورد أن عمر رضي الله تعالى عنه في
حجته الأخيرة جاء الأبطح واستلقى على ظهره فسمعه أحدهم يقول:
[اللهم كبرت سني، وضعف عظمي، واتسعت رعيتي؛ فاقبضني إليك غير
مفتون]. ما طلب لشيء نزل به، لا، إنما خاف من فتنة في الدين، أو
على المسلمين، وقد أصبح الأمر ثقيلاً عليه، فطلب لقاء ربه. فمثل
هذا ليس داخلاً في هذا الأمر، أما لضرٍ نزل به: فقر، مرض مزمن،
مضايقة من أي جهة من الجهات، فلا ينبغي أن يتمنى الموت بسبب ذلك،
بل يصبر ويحتسب. والعجيب أن الله سبحانه وتعالى جعل في رسله
النماذج للمثاليات الكاملة في كل شيء، فجعل -مثلاً- نأخذ من
إبراهيم عليه السلام صبره وصموده؛ حتى كان أمة، وشدة توكله على
الله عندما ألقي في المنجنيق ليلقى في النار، فيأتي جبريل يقول له:
ألك حاجة؟ فيقول: أما إليك فلا، وإلى ربي بلى. مثال في أعلى ما
يمكن من اليقين بالله والتوكل عليه. تأتي إلى نوح في صبره، وعزمه،
وطول أجله, و... إلخ. تأتي إلى موسى .. تأتي إلى يوسف عليه السلام
مثالية نموذجية إلى أقصى ما يمكن أن يتصوره العقل البشري في العفة
والطهارة: وَغَلَّقَتْ

(2/222)


الأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ [يوسف:23].
والرسول صلى الله عليه وسلم هو المثل الأعلى في كل الجوانب، ولا شك
في ذلك، كذلك نبي الله أيوب أصبح مثالاً عند الناس في الصبر، صبر
على الابتلاء، وعلى فقد أهله، وعلى فقد ماله، و... و... والملائكة
تقول: يا رب! ارحم عبدك، فيقول: إذا اشتكى لكم فأغيثوه، إن شكى لكم
فأجيبوه، وهو ما زال يقول: ما دام قلبي سليماً لا يفتر عن ذكر الله
وأخيراً: ارْكُضْ
بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ [ص:42]
فكان المثل. فالمؤمن عندما يبتلى بمرض، أو أي شيء الصبر أفضل له،
وقد جاء في الحديث: (إن الله ليكتب للعبد المنزلة فلا يصلها بعمله،
فيصيب منه ليبلغ تلك المنزلة ) يكتب له الأجر مائة في المائة،
ولكن عمله خمسون في المائة فليس قادراً أن يصل إلى هناك، فيبتليه
بالمرض ليصبر، وليصعد الباقي بالصبر على مرضه. إذاً: ليس هناك شر
عليه، وإذا صبر وجد الخير، وفي بعض الروايات أيضاً أن المريض يئن
لمرضه، فالملائكة تقول: (يا رب! عبدك كان يقوم الليل، كان يصوم،
كان يفعل، كان يذكر وهو الآن عاجز، فيقول: أنينه -هذا العبد
الصالح- في مرضه خيرٌ من صوت الآخرين بالذكر والعبادة ) إذاً:
لا ييأس الإنسان ولا يجزع، وليعلم أن ربه أرحم به منه، وإذا كان
سيد الخلق: النَّبِيُّ
أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ [الأحزاب:6]
هذا النبي صلى الله عليه وسلم، فما بالك برب النبي؟! إذاً العاقل
المؤمن يسلم أمره لله، ويحمل نفسه -عقلاً وإيماناً وعقيدة- بأن ما
أتاه الله به فهو الخير؛ لأنه أعرف بعبده من نفسه، ولهذا: لا
يتمنين أحدكم الموت لضرٍ نزل به, ولكن إذا ضجر وكان تنفيساً له،
فليقل مفوضاً الأمر لله الذي أنزل به الضر: (اللهم أحيني إن كانت
الحياة خيراً لي ) لم يقل: أحيني لأن الحياة خير لي، لا، أنت
الذي تعلم إن كانت الحياة خيراً لي، أي: يطول العمر، ويستقيم في

(2/223)


العبادة، ويعمل صالحاً، فخيركم من طال عمره، وحسن عمله. فقد كان
هناك أخوان صالحان، فمات الأول قبل الآخر، وكان الأول أصلح من
الآخر، فبقي الآخر بعده، فذكروا ذلك لرسول الله، قالوا: (والله مات
الأخ الصالح، قال: والثاني، قالوا: ليس مثل الأول، قال: لعله يصلي
بعده، ويصوم بعده، ويذكر الله بعده فيلحقه ) إذاً: (اللهم أحيني
إن كانت الحياة خيراً لي ) أي: وأنت الذي يعلم ذلك، (وتوفني إن
كانت الوفاة خيراً لي ) حتى لا أفتن؛ لأن الذي يعلم ذلك هو
الله، فكأنه أيضاً رجع إلى الله سبحانه وتعالى.
باب صفة النزع للمؤمن
شرح حديث: (المؤمن يموت بعرق الجبين)
وعن بريدة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(المؤمن يموت بعرق الجبين ) رواه الثلاثة وصححه ابن حبان .
بعدما قدم المؤلف رحمه الله تعالى في أوائل كتاب الجنائز حديث:
(أكثروا من ذكر هاذم اللذات ) وحديث: (لا يتمنين أحدكم الموت
لضر نزل به وإن كان لابد متمنياً أو لا محالة فليقل: اللهم أحيني
إن كانت الحياة خيراً لي، وأمتني إن كان الممات خيراً لي ) وقد
تقدم الكلام على هذين الحديثين أعقب ذلك ببيان حالة موت المؤمن،
فأورد قوله صلى الله عليه وسلم: (المؤمن يموت بعرق الجبين ) هذه
حالة يبينها صلى الله عليه وسلم من غالب وأكثر حالات الموتى
المؤمنين، ثم نجد العلماء يذهبون في تفسير عرق الجبين إلى جانبين:
جانب لفظي في موضعه، ومعروفٌ الجبين، وعرق الجبين يكون في حالة
الشدة عند النزع. وقومٌ يفسرونه بجانب آخر وهو: الكد والكدح، أي أن
المؤمن يسعى ويكدح ويعمل حتى يعرق جبينه فيأتيه الموت وهو على هذه
الحال، سواءً كان هذا العمل لكسب الرزق، أو كان هذا العمل للعبادة،
ولكن هذا الوجه ضعيف، والصحيح الأول؛ لأن الموت له شدة، وقد جاء:
(اللهم هوّن علينا سكرات الموت ) ولما دخلت فاطمة رضي الله
تعالى عنها على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في النزع قالت:

(2/224)


(واكرباه عليك يا أبتي! فقال: لا كرب على أبيك بعد اليوم يا ابنتي )
وتقول أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها: (كان بين يدي
رسول الله صلى الله عليه وسلم مخضب فيه ماء -إناء صغير- إذا اشتد
عليه أمر الموت غمس يده في الماء، ثم مسح بها جبينه ) وذلك لشدة
ما يعاني. وجاء عند الترمذي : (نفس المؤمن تخرج رشحاً )
والرشح وعرق الجبين سيان، فهذا مما يؤيد المعنى الأول، وهو عرق
الجبين كناية عن شدة المعاناة، وكذلك أيضاً عن سرعة النزع فلا يطيل
إطالةً شديدة حتى يتعذب في ذلك. ثم قال صلى الله عليه وسلم في حديث
الترمذي : (إن نفس المؤمن تخرج رشحاً، وأعوذ بالله من موتةٍ
كموت الحمار، قيل: وما موت الحمار يا رسول الله؟! قال: موت الفجأة )
فكان صلى الله عليه وسلم يستعيذ من ميتة المفاجأة. وقد بين العلماء
بأن مفاجأة الموت تفوت على الإنسان أشياء كثيرة؛ فقد يكون في حاجة
إلى أن يوصي، فتفوته الوصية، قد يكون يعمل في عمل دنيا بعيد عن ذكر
الآخرة أو الموت، فيفوت عليه أن يكون آخر كلامه لا إله إلا الله،
وبعض الناس يرى موت الفجأة راحة من آلام النزع، وهذا خطأ؛ فإنه وإن
كان في النزع شدة ولكن كما قيل: تزول، فهي آلام مؤقتة، ولكن يكون
عند المؤمن فرصة في هذا الوقت الحرج بأن يوادع الدنيا بوصية صالحة،
ويستقبل الآخرة بشهادة لا إله إلا الله محمد رسول الله. وقد جاء
عنه صلى الله عليه وسلم: (من كان آخر قوله أو كلامه من الدنيا لا
إله إلا الله دخل الجنة ) وسيأتي الكلام عليها فيما بعد كما
سمعنا إن شاء الله. إذاً: المؤمن يموت بعرق الجبين، كناية عن الشدة
والحالة التي تعتري الإنسان في حالة النزع وخاصةً المؤمن، وقد جاء
في الحديث في الابتلاء: (أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الأمثل
فالأمثل ) وهكذا جاء في بعض الآثار (أنه صلى الله عليه وسلم كان
يعاني أشد ما يعاني أشد الرجال ) وكان صلوات الله وسلامه عليه

(2/225)


يصبر على ذلك ويسأل الله سبحانه وتعالى التخفيف.
134558 ( كتاب الجنائز [2] )
( كتاب الجنائز [2] )
عناصر الموضوع
1 باب تسجية الميت
2 باب نفس المؤمن معلقة بدينه
3 الخلاف في النفس
كتاب الجنائز [3]
من أصابته مصيبة، أو مات له قريب، فليتذكر مصابه برسول الله صلى الله
عليه وسلم، فإنها مصيبة عظيمة، وفيها من العبر والعظات ما يذكر المرء
بحقارة الدنيا. وقد استنبط الفقهاء من حادثة موت رسول الله صلى الله
عليه وسلم كثيراً من الأحكام الشرعية في أبواب الجنازة. ومن الأمور
التي لابد للمسلم من الاهتمام بها، قضاء دينه قبل موته أو الوصية بذلك،
ودين الميت تتعلق به أحكام وضح الشيخ حفظه الله كثيراً منها في هذه
المادة.
باب تسجية الميت
شرح حديث استحباب تسجية الميت
عن عائشة رضي الله تعالى عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم
حين توفي سجي ببرد حبرة ) متفق عليه. ننتقل إلى شرح هذا الحديث
وهو إخبار أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها، بأن النبي
صلى الله عليه وسلم لما قبض سجي ببرد حبرة، والتسجية هي: التغطية،
بـ(برد حبرة): هو نوع من نسج اليمن فيه خطوط، وكانت -كما يقول بعض
العلماء- من أحب أنواع اللباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والسنة في الميت أن يُسجى من قدمه إلى شعره، بحيث يُغطى جميعه؛
وذلك أستر له وأوقى وأحفظ، سواء سجي ببردٍ، أو سجي بقطن، أو سجي
بصوف أو بأي شيء موجود -ما لم يكن الحرير؛ فإنه محرم على الرجال.
شرح حديث: تقبيل أبي بكر للنبي صلى الله عليه وسلم بعد موته
وعن عائشة : أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قَبَّل النبي
صلى الله عليه وسلم بعد موته، رواه البخاري . هذا الأثر ساقه
المؤلف رحمه الله في باب الأحكام، وهو يدل على جواز تقبيل الميت
بعد موته، وهذا موقف تتحكم فيه العاطفة؛ لأنها أواخر لحظات الميت
من أهله، والعاطفة تدفع أهل الميت لتوديع صاحبهم؛ فلا مانع أن يقبل

(2/226)


الإنسان الميت في الموضع الذي قبل فيه النبي أبو بكر رضي الله
تعالى عنه. بل في الموطن هذا -أيضاً- حديثٌ للنبي صلى الله عليه
وسلم: (أنه قبل عثمان بن مظعون وقال: أخي، وقال: رحمه الله )
... إلخ؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، وأبو بكر رضي
الله تعالى عنه فعل ذلك برسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاءت نصوص
في صفة ذلك بأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه قبل بين عينيه
ثلاثاً، وقبل رأسه ثلاثاً، إلى غير ذلك. وهذا المشهد في الواقع لا
يكفي أن يمر عليه الإنسان، ولكن لابد أن يعرف دواعي هذا التقبيل:
إن النبي صلى الله عليه وسلم لما آنس الوجع، تقول عائشة (كان
صلى الله عليه وسلم يمر بي -أي: في غير نوبتها- فيقول كلمة ينفعني
الله بها -سواء مؤانسة في الدنيا، أو تنبيهاً للآخرة- فمر مرةً فلم
يقل شيئاً، ومر ثانية فلم يقل شيئاً، فأخذت في نفسي؛ فقلت: يا
جارية! قدمي الوسادة عند الباب، وشددت عصابة على رأسي -استدراراً
للعطف- فمر فرأيته؛ فقلت: وارأساه؛ فقال: يا عائشة ! وارأساه
أنا، وتكلم خيراً وذهب، ثم نزل به المرض، ثم استأذن أن يكون عند
عائشة رضي الله تعالى عنها ) ثم أمر أبا بكر أن يصلي
بالناس، وقال في أول الأمر: (مروا من حضر للصلاة، فأمروا عمر، ولم
يكن أبو بكر موجوداً، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم صوت
عمر حينما كبر، فرفع الستار وقال: يأبى الله والمؤمنون إلا أبا
بكر -ثلاث مرات- ثم جاء بعد ذلك أبو بكر ، وأخذ يصلي
بالناس ) كم صلى أبو بكر رضي الله عنه؟ خلاف: فقيل: خمس
صلوات، وقيل: عشر صلوات، وقيل: عشرين صلاة، وفي يوم الإثنين في
اليوم الذي قُبض فيه صلى الله عليه وسلم قام أبو بكر يصلي صلاة
الصبح، فرفع النبي صلى الله عليه وسلم الستار، وتبسم معجباً بما
يراه من انتظام المسلمين في الصلاة، نعم.. إنها بمثابة الثمرة
لجهاد ظل ثلاثاً وعشرين سنة، من أول البعثة إلى ذلك التاريخ، وإذا

(2/227)


بالأمة قد تقبلت الإسلام، وإذا بأصحابه قد قاموا بواجبهم على أكمل
صورة.
نعي النبي صلى الله عليه وسلم في سورة النصر
في حجة الوداع نزلت عليه: إِذَا
جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ [النصر:1]،
وهنا لفتة بسيطة عن ترتيب السور، لو قرأ ... بـ قُلْ
يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]
ثم: إِذَا جَاءَ
نَصْرُ اللَّهِ [النصر:1]
لو تأملنا قوله تعالى: قُلْ
يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ [الكافرون:1]
وجدناها تميز الأمة الإسلامية عن غيرها من الأمم، ففيهما: لا
أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ [الكافرون:2] وَلا
أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ [الكافرون:3]
أي: كل في جانب، وبعد التميز ما كانت النتيجة يأتي نصر الله
والفتح. وتقدم مراراً ما قاله ابن عباس في تفسير سورة النصر
لما سأله عمر بحضرة الشيوخ الكبار من الصحابة؛ فقال: نعي لنا
فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بين أظهرنا، قال: وكيف ذلك؟
قال: قد جاء بالرسالة، فبلغها، وأدى الأمانة، وانتشر الإسلام،
وأصبح الناس يدخلون في الدين أفواجاً، فلم يبق إلا أن يلقى ربه؛
فيجتهد في عبادته لله، ولذلك قال: فَسَبِّحْ
بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ [النصر:3]،
قال عمر : وأنا أقول ذلك. تقول أم المؤمنين رضي الله تعالى
عنها: لما رفع الستار تبسم ضاحكاً استحساناً لما يفعل المسلمون،
فسمع الناس ذلك، فكادوا أن تصيبهم فتنة؛ فرحاً بسماعهم صوت رسول
الله صلى الله عليه وسلم؛ فأشار إليهم أن مكانكم، وأتموا صلاتهم،
وكان آخر عهد العامة به صلى الله عليه وسلم.
موت النبي صلى الله عليه وسلم كما روته عائشة رضي الله عنها
أما أبو بكر رضي الله تعالى عنه؛ فإنه لما صلى الصبح دخل بيت
رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال لعائشة رضي الله تعالى
عنها: (ما أرى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا بارئاً، وقال: يا

(2/228)


رسول الله! أراك بخير والحمد لله، إن هذا اليوم يوم بنت خارجة -زوجه التي تزوجها من الأنصار- أفأذهب إليها؟ قال: نعم ) وكانت
زوجته رضي الله عنه بالسنح، والسنح من العوالي، وهو في المثلث ما
بين ما يسمى اليوم بمستشفى الزهراء وبلاد السديري، وبلاد الخريجي
-في هذا المثلث تقع السنح- فذهب بإذن من رسول الله صلى الله عليه
وسلم، ولكن في ضحى ذلك اليوم قُبض رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فجاء الخبر إلى أبي بكر فأسرع بالعودة. وهذه أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها تحكي أحداث ذلك اليوم، فتقول: مات في يومي، في
بيتي، لم أظلم فيه أحداً، أي: لم يكن في نوبة واحدة أخرى وهو عندها
في بيتها، مع أنه صلى الله عليه وسلم من وفائه ومكارم أخلاقه لما
اشتد به الأمر، استأذن زوجاته أن يمرض عند عائشة فأذنّ له، وكن
يأتين لزيارته عندها. وتقول: قُبض في دولتي ما ظلمت فيه أحداً،
ومات بين سحري ونحري. وتذكر قضيتها مع السواك؛ فتقول (سمعته يقول:
في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى، ويشخص بصره إلى السماء، وقلت:
والله لقد خير ولن يختارنا أبداً ، وذلك أنها سمعت منه صلى الله
عليه وسلم قبل ذلك يقول: ما قبض الله نبياً إلا بعد أن خيره وأراه
مصيره، فقالت: والله لقد خُير، ووالله لن يختارنا بعد ذلك أبداً؛
فعلمت أنه ميت ) وهكذا ذكرت وفاته صلى الله عليه وسلم، ومن أراد
زيادة التفصيل فليرجع إلى كتب السيرة في هذا الحدث، وأكثر من ذكر
الأخبار والصور والأحداث ابن كثير في التاريخ .
موقف أبي بكر الصديق رضي الله عنه من خبر وفاة النبي صلى الله عليه
وسلم
من خبر أبي بكر رضي الله تعالى عنه -من شدة هول المصيبة على
المسلمين- أنه حينما جاء إلى المسجد، ليدخل إلى حجرة عائشة وطريقها من المسجد، وجد الناس مضطربين، وعمر قائم يقول: والله
ما مات رسول الله، وإنه غاب كما غاب موسى عن قومه وسيرجع، وسيقطع

(2/229)


أيدي وأرجل رجالٍ قالوا إنه مات، ولن يموت حتى يقضي على المنافقين،
فلما سمع أبو بكر ذلك ورأى تلك الحالة، ترك الناس ودخل على
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي بعض الروايات: وحوله نسوة،
فخمرن وجوههن، إلا ما كان من عائشة ؛ لأنها ابنته، وهذه الكلمة
يستفاد منها في مسألة كون الوجه عورة أو ليس بعورة- فكشف الحبرة
ونظر إليه، وقبل الرسول صلى الله عليه وسلم بين عينيه، ثلاث مرات
على الجبين .. والرأس.. إلى أن رق ورد الغطاء كما كان، وقال: بأبي
أنت وأمي يا رسول الله! أما الميتة التي قد كتبها الله عليك فقد
متها، ودعا بخير. ثم خرج، فوجد عمر على حاله والسيف بيده،
فقال: اجلس يا عمر ! فلم يجلس، ثلاث مرات، فوقف عند المنبر،
وقيل: صعد المنبر؛ فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: [أيها الناس! من
كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي
لا يموت، وإنا والله لعلى ما كنا عليه مع رسول الله صلى الله عليه
وسلم، فمن بغى أو حدَّثته نفسه شيئاً لنقاتلنه كما قاتلنا مع رسول
الله، ولسيوفنا بأيدينا -هذا موقف الثبات- ثم تلا قوله سبحانه: وَمَا
مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ [آل
عمران:144] إلى آخر السياق، فيقول عمر : هي في كتاب الله؟ والله
لكأني لم أسمعها إلا اليوم، وعقرتني قدماي] أي: سقط من شدة ما سمع.
وفي هذا الموقف يقال: هل عمر ينكر الموت؟ الجواب: لا، ولكن عظم
عليه المصاب في رسول الله صلى الله عليه وسلم، والمصيبة إذا عظمت
أذهلت، وقد يتوقف العقل -كما يقولون: انشل التفكير- وعمر له
نظرة بعيدة فيما يتعلق بنصرة الدين، ويرى في موت رسول الله صلى
الله عليه وسلم شدة المصاب، يقول بعض الصحابة -وأظنه أبو سعيد -
: [لقد قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فأنارت واستنار

(2/230)


فيها كل شيء، وقُبض فأظلمت وأظلم منها كل شيء، والله لقد أنكرنا
قلوبنا قبل أن نفيض التراب عليه]. فلا شك أن وجوده صلى الله عليه
وسلم في أصحابه له أثر عظيم، فقد كان مرجع أصحابه في جميع أحوالهم،
فهذا حنظلة يأتي ويقول (نافق حنظلة -لماذا؟- قال: يا رسول
الله نكون عندك فتذكرنا، فتخشع قلوبنا، وتذرف عيوننا، فإذا انقلبنا
إلى أهلينا، وعافسنا أموالنا ذهب عنا كل ذلك، قال: ساعة فساعة، لو
دمتم على ما كنتم عليه عندي لصافحتكم الملائكة في الطرقات،
ولزارتكم في بيوتكم ) فلا يمكن للإنسان أن يقوى على تلك الحال.
وهذا عمر لما سمع قوله تعالى: وَمَا
مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ
أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ ... [آل
عمران:144] قال: ما كنت أظن أنها آية من كتاب الله، وما كأني
سمعتها قبل ذلك. ذهل عنها. ثم بعد ذلك شرعوا في تجهيزه صلى الله
عليه وسلم، وقيل: قد بايع البعض أبا بكر في ذلك الوقت، ثم كانت
سقيفة بني ساعدة، ثم كان تجهيزه صلى الله عليه وسلم وتتمة البيعة،
وهذا خبر طويل، ويهمنا أن أبا بكر رضي الله عنه لم يكن حاضراً
ساعة وفاته صلى الله عليه وسلم، وكان قد ذهب لزوجه، واستأذن رسول
الله صلى الله عليه وسلم حينما رآه نشطاً، وفي حالة أحسن من ذي
قبل، ثم لما قدم كان منه ما ذكر لنا المؤلف رحمه الله أنه قبّل
رسول الله صلى الله عليه وسلم بين عينيه. وهنا يقول الفقهاء: إذا
مات الميت، وأراد أهله أن ينظروا إلى وجهه ويقبلوه فلا يمنعون من
ذلك، وخاصة من كان غائباً فحضر، فهذا مشروع من فعله صلى الله عليه
وسلم ومما فعله أبو بكر برسول الله صلى الله عليه وسلم.
باب نفس المؤمن معلقة بدينه
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه ) رواه أحمد والترمذي وحسنه. بعد أن بين المؤلف رحمه الله تعالى حق الميت عند احتضاره من

(2/231)


تلقينه لا إله إلا الله، وإغماض بصره، وجواز تقبيله، وقد يذكر بعض
الناس استقباله إلى القبلة، أي: جعل قدميه إلى القبلة، ومنهم من
ينكر ذلك، إلى آخر هذا مما ينبغي أن يعمل للميت في شخصه وذاته ..
انتقل المؤلف رحمه الله إلى حقوقه، وما ينبغي للأحياء بالنسبة
لميتهم، فجاء بهذا الحديث، وهو أنه صلى الله عليه وسلم قال: (نفس
المؤمن معلقة في دينه )
الخلاف في النفس
فقوله: (نفس المؤمن) يحتار العلماء في مدلول النفس، فمثلاً: وَنَفْسٍ
وَمَا سَوَّاهَا [الشمس:7]
.. وَكَتَبْنَا
عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45].. كُلُّ
نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ [آل
عمران:185] أهو البدن أم البدن مع الروح؟ الله تعالى أعلم، وقوله: يَا
أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي
إِلَى رَبِّكِ [الفجر:27-28]
هل ترجع الروح والبدن أم الروح فقط؟ وكذلك السؤال، العذاب، النعيم
هل هي للروح فقط، أم للروح والبدن؟ تجدون الكلام في هذا كثير، ولكن
الذي يعنينا هنا أن المؤمن مرهون بدينه، والتعبير بالنفس ليشمل
الروح، وأما البدن فقد يفنى، ولكن الله سبحانه وتعالى يجمعه: قَدْ
عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ
حَفِيظٌ [ق:4].
والرجل الذي أوصى أهله إن هو مات أن يحرقوه، ثم يسحقوه، ثم يأتون
به في يوم شديد الريح، وعلى حافة البحر فيذرونه في الهواء، فجمع
الله جسده، وقال له: ما حملك على هذا؟ قال: يا رب! خوفاً من عذابك،
قال: قد غفرت لك، فمهما تنقص الأرض من أجسادهم يجمعها الله، نحن
نعلم شخص المؤمن بروحه وببدنه، ولكن النقاش قائم فيما يتعلق بعذاب
القبر وفي نعيمه إلى أن تقوم الساعة، أعني: هل هو للروح أم للبدن،
ما عدا الشهداء والأنبياء؛ لأن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم
لا تأكل الأرض أجسادهم، وحياتهم في قبورهم فوق مستوى الإدراك، وقد

(2/232)


جاء عنه صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء والمعراج أنه لقي جميع
الأنبياء، بل أكثر من هذا: مر على موسى وهو قائمٌ يصلي في القبر
الذي هو ذارع في ذراع! أي أنه وسع له في قبره! ثم إذا به يلقاه مع
الرسل في بيت المقدس ، ثم لقيه في السماء السادسة حينما عرج به،
فهل عنده براق آخر.. وبأي صفة.. بروحه فقط وبدنه؟! كان قائماً يصلي
ببدنه.. أمور لا دخل للعقول فيها، وهذا خصوصية المؤمن؛ أن لديه
علوماً كثيرة جداً لا يمكن أن يصل إليها غيره؛ لأنها تأتيه عن الله
بالوحي. في هذا المسجد، وفي هذه الروضة أيام وقعة الحرة سنة ستين
من الهجرة، خلت المدينة ، وتعطل الأذان والصلاة ثلاثة أيام في هذا
المسجد خوفاً من الجيش الغازي، إلا سعيد بن المسيب فإنه ما خرج
ولا هرب، ولا ترك المسجد، وكان يأتي وحده، ويجلس بجوار الحجرة
الشريفة في الروضة، فيسمع الأذان من الحجرة في الأوقات الخمسة، فمن
الذي كان يؤذن هناك.. بلال هاجر إلى الشام ، وأكرر وأقول: لا
تحاول أن تسمح للعقل أن يتحكم في هذا.. ويكفيك أن تؤمن وتسلم لذلك،
ولما انتهت الأزمة ورجع الناس، وأذن المؤذن في المسجد اختفى الصوت.
إذاً: هذه أمور لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى، فنفس المؤمن
مرهونة، وهذا عام لا يخرج منه أحد، حتى المجاهد في سبيل الله يكون
شهيداً لكنه محبوس.
الحث على قضاء الدين وعدم التهاون به
وجاء عنه صلى الله عليه وسلم: (أن رجلاً سأله عن الشهادة وما تكفر
من الذنوب فقال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله تكفر عني خطاياي؟ قال:
نعم، إن قتلت وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر. ثم قال رسول الله
صلى الله عليه وسلم: كيف قلت؟ قال: أرأيت إن قتلت في سبيل الله،
أتكفر عني خطاياي؟ فقال: نعم، وأنت صابر محتسب، مقبل غير مدبر، إلا
الدين؛ فإن جبريل قال لي ذلك ) فلو تأملنا يا إخوان! لوجدنا أن
الدنيا بكاملها لا تساوي عند الله جناح بعوضة، فمؤمن يكون مديناً

(2/233)


لمؤمن آخر بعشرة دراهم، أو درهمين، أو درهم، يحبس فيها؟! يا سبحان
الله! إذا كان الأمر كذلك فينبغي على المؤمن أن يتحرى، وأن يفك
نفسه قبل أن يحتاج إلى من يفكه، وإن كان عاجزاً أوصى. وتقدم لنا
أيضاً صلاته صلى الله عليه وسلم على الموتى في أول الأمر، وسؤاله
عن الميت فإن كان عليه دين، قال لأهله: (صلوا عليه ) حتى جيء
بميت وقالوا: عليه ديناران، فقال أبو قتادة : هما عليَّ، وتأكد
منه صلى الله عليه وسلم فلما تحملها أبو قتادة صلى عليه النبي
عليه الصلاة والسلام. الحقوق المتعلقة بتركة الميت خمسة، حق الميت
في تجهيز كفنه وما يلزم لذلك حتى يدفن.. حقوق دينية، وتنقسم إلى:
دين للعبد، ودين لله سبحانه وتعالى، وسواء كان دين العبد موثقاً
برهن أو غير موثق، فعند الشافعي رحمه الله يقدم على كل شيء
سداد دينه، حتى يقدم على تجهيزه، وتجهيزه يكون من بيت مال
المسلمين، وذلك لأنه لو كان في الحياة معدماً ليس معه ما يأكل،
فنفقته من بيت مال المسلمين. وقال أحمد : يقدم تجهيزه؛ لأنه
أحق بنفسه، كما لو كان مفلساً فللغرماء بيع ما عنده ولكن تترك له
ثيابه. إذاً: قضاء الدين أحق، قال به الشافعي ، ابدأ بنفسك قال
به أحمد ، إلى غير ذلك، ثم تأتي بقية الحقوق من وصية وميراث.
فيبادر بسداد دينه قبل تجهيزه عند الشافعي ، وإذا كان المال
موجوداً فباتفاق الجميع لا نجعله مرهوناً بدينه.. بل ينادى في
الناس: من كان له حق عند فلان فليتكلم، وهذا الذي ينبغي على أولياء
الميت أن يبادروا به ليفكوه. وقضاء الدين له شواهد كثيرة تؤكد
أهميته، فهذا ثابت بن قيس خرج في غزوة كان يقودها خالد بن
الوليد ، فجاء إلى رجل وأيقظه من النوم، قال: يا فلان! أنا
فلان فاسمع مني، إن فلاناً مر عليَّ وقد خلع عني درعي، فوضعه في
آخر المعسكر، ووضع عليه برمة، وعلى البرمة رحله، فمر خالداً فليأخذ درعي من عنده، وإذا جئت إلى المدينة فأخبر أبا بكر رضي

(2/234)


الله تعالى عنه أن لفلان عندي عشرة دراهم في قرن، وعبدي فلان عتيق،
فجاء الرجل إلى خالد وأخبره، فدعا الرجل الذي سماه وقال: أين
رحلك؟ قال: في مكان كذا، فأرسل خالد رجلاً من الحاضرين وقال:
اذهب إلى رحل فلان وانظر ماذا تحته، فذهب فوجد الدرع، فجاء به،
فقال خالد : هذه قرينة، فكتب إلى أبي بكر رضي الله تعالى
عنه: لقد حدث كذا وكذا، فاستدعى أبو بكر رضي الله عنه الرجل
وسأله: ألك دين عند فلان؟ قال: بيني وبينه الله، وقد سامحته فيه،
قال: أخبرنا ما هو؟ فأخبره أنه عشرة دراهم، فأمر بسدادها حالاً، ثم
دعا العبد فأعتقه. يقول ابن القيم رحمه الله في كتاب الروح :
وهذا من فقه أبي بكر عنه؛ أن أنفذ وصية الميت لما رأى من
القرينة. وهكذا أيها الإخوة! ينبغي على الإنسان أن يعنى بنفسه وأن
يتخلص من دينه أولاً وقبل كل شيء، فإذا لم يكن عنده سداد وجب عليه
أن يكتب، وهذا من دواعي كون الوصية واجبة، فإنها تكون واجبة، وتكون
مندوبة، فحين تكون هناك ودائع، كديون ليس فيها سندات، ولا صكوك،
ولا شهود، فعليه أن يكتب ذلك ليتولى أهله إنفاذها.
134566 ( كتاب الجنائز [4] )
( كتاب الجنائز [4] )
عناصر الموضوع
1 كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض
2 باب تكفين الميت بغير قميصه
3 استحباب الكفن الأبيض
4 باب تحسين كفن الميت
كتاب الجنائز [5]
من الآداب الشرعية الواجبة على الأحياء للميت تكفينه في أثواب تستره،
على تفصيل فيما يكون للرجل وما يكون للمرأة، مع استحباب أن تكون بيضاء
واسعة بدون مغالاة ولا مباهاة.
كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض
صفة كفن رسول الله صلى الله عليه وسلم
وعن عائشة رضي الله عنها قالت (كفن رسول الله صلى الله عليه
وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة )
متفق عليه.
الفرق بين الثوب والقميص
هذا شروع من المؤلف في بيان كيفية الكفن للميت، وبدأ ببيان كفن

(2/235)


النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء بحديث أعرف الناس بذلك، وهي أم
المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت (كفن رسول الله صلى الله
عليه وسلم في ثلاثة أثوابٍ بيضٍ سحولية من كرسف، ليس فيها قميص ولا
عمامة ) ثلاثة أثواب ثم بعد ذلك تقول: (ليس فيها قميص ) مما
يدل على أن المراد بالثوب هو اللفافة التي يلف فيها الميت، والقميص
هو ما كان مخيط الطرفين، أي: لو جئت بطرفٍ من القماش على ما هو
معروف الآن، القماش الأبيض عرضه -كما يقال: ياردة (تسعون
سنتيمتراً)، أو عرضه متر، وأخذت منه بقدر طول الإنسان مرتين، أي:
أخذت ثلاثة أمتار وثنيت طرفيها معاً ثم جئت في الوسط حيث ثنيت
وفتحت فتحة تُدخل الرأس، فأدخلت رأسك -وأنت إنسان على قيد الحياة-
وصار النصف أمامك والنصف وراءك، إذا خطت الطرفين من اليمين
والطرفين من اليسار، وتركت موضع اليدين سمي قميصاً، فإذا لم يكن
مخيطاً لا يسمى قميصاً، فالقميص هو ما كان مخيط الطرفين. والأثواب:
يمكن أن يقال في كل قطعة من لباس المحرم، -الإزار والرداء- أنه
ثوب، كما تقدم لنا في الحديث في الرجل الذي سقط عن راحلته فوقصته
فقال صلى الله عليه وسلم: (كفنوه في ثوبيه ) وثوباه وهو محرم
هما عبارة عن الإزار والرداء، أما ما يطلق الآن على الثوب الذي
يلبسه عموم الناس فهذا اصطلاح آخر. قميص طويل، وعند بعض الناس قميص
قصير.. قميص نصف كم.. قميص كم كامل، فالقميص لغة هو ما كان مخيط
الطرفين، وأصبح محيطاً بالجسم بالخياطة.
كيفية تكفين الميت
وهنا الثلاثة الأثواب التي تقول عنها أم المؤمنين رضي الله عنها
ليس فيها مخيط، لا قميص ولا سروال ولا شيء من ذلك، كيف تكون
الثلاثة الأثواب. يقول ابن قدامة في المغني : يؤتى بالثلاثة
الأثواب بعد أن ينتهى من تغسيل الميت، ومما ينبغي التنبيه عليه أن
يغسل الميت على شيء مرتفع، لا على الأرض مباشرة، فإذا ما غسل جفف
أو نشف، وكذلك يحسن ألا يغسل تحت السماء في الكشف مباشرة، بل يكون

(2/236)


تحت سقف في غرفة أو في صالة، وإذا لم يكن ففي خيمة، وإذا لم يكن
ظلل بغطاء يحجب بينه وبين السماء، فلا يكون مكشوفاً إلى السماء
مباشرة، فإذا ما غُسِّل -على طريقة الغسل التي لها تفصيلات عديدة
لم نذكرها، وهي مدونة في كتب الفقه- وانتهوا من تغسيله، نشفوه،
فإذا ما انتهوا من تنشيفه، وكان المكان الذي هو عليه مبللاً بسبب
الغسل، فإنه يوضع في مكان آخر أو يفرش له فراش في الأرض، ويؤتى
بالثلاثة الأثواب، فإن كانت متفاضلة -أي: بعضها أفضل من بعض في
الجودة- يجعل الأفضل منها أولاً، ثم يؤتى بالثاني فوقه، ثم يؤتى
بالثالث فوقه، فتكون الأثواب الثلاثة قد رصَّت على المكان الذي
ينقل إليه، أو على فراش على الأرض، وكل واحد من الثلاثة يسمى
ثوباً. فينقل الميت من موضع غسله، إلى هذه الأثواب الثلاثة، فتؤخذ
اللفافة الأولى -أي: الثوب الأول الذي هو ثالث الأثواب من جهة
الأخذ- فيثنى عليه الطرفان، فما كان في جهة اليمين، يؤتى به إلى
اليسار، وما كان في اليسار يؤتى به إلى اليمين، ويصبح ملفوفاً في
الثوب الأول، ثم يجعل فوق هذا الثوب الأول حنوط وطيب وكافور، ثم
يؤخذ الثوب الثاني أي الوسط فيفعل به كذلك أيضاً، القسم الذي إلى
اليمين يجعل إلى اليسار، والقسم الذي على اليسار يجعل إلى اليمين،
وتكون تلك الأثواب الثلاثة زائدة عن طول الميت تتجاوز القدمين
وتتجاوز الرأس، ويكون الجزء المتجاوز للرأس أطول من الجزء المتجاوز
للقدمين، فلو جعلنا زيادة على القدمين عشرين سنتيمتراً، نجعل
أربعين سنتيمتراً من جهة الرأس، ونأتي أيضاً بالحنوط ونجعله على
اللفافة الثانية الذي هو الثوب الوسط، ثم يؤتى باللفافة الثالثة
وهي الأخيرة وتكون أفضلها وأحسنها أي موضع تجملٍ للكفن، وقد جاء
عنه صلى الله عليه وسلم (من كفن أخاه فليحسن تكفينه ) وجاء في
هذا (من كفن مسلماً كان كمن كساه إلى يوم القيامة ) وعلى هذا

(2/237)


يؤخذ الثوب الثالث الذي هو الأخير، ويفعل به كذلك ويلف على الميت
الطرف الأيمن يرفع ويجعل إلى اليسار، والطرف الأيسر يرفع ويجعل إلى
جهة اليمين. إلى الآن أصبح الميت مندرجاً في ثلاثة أثواب، يؤتى بعد
ذلك إلى جهة القدمين فتجمع تلك الزوائد بعضها فوق بعض، وقيل: تربط،
وقيل: تلف، ثم توضع تحت القدمين، وكذلك من جهة الرأس، تجمع تلك
الزوائد بعضها فوق بعض، وتلف من عند الرأس، وتثنى تحت رأسه، أو
تربط حتى لا تنفك، حينما يحمل وحينما ينزل في القبر، وحينما يوضع
على شقه الأيمن في اللحد، هذه كيفية تكفين الميت في الأثواب
الثلاثة.
تفصيل الروايات في كفن الرسول صلى الله عليه وسلم
وهذا هو أصح الروايات في تكفينه صلى الله عليه وسلم، وهو أعدل
الأقوال وأفضلها عند الجمهور، وقد اتفقوا على أنه عند الحاجة إذا
اقتصر على لفافةٍ واحدة على هذا الوضع وسترته من رأسه إلى ظُفر
قدمه أجزأت، يعني: أقل المجزء في الكفن ما يستره، والثلاثة هي أقل
الكمال، وبعضهم قال هي نهاية الكمال، أي الأفضل. وكما يقول
العلماء، لا ينبغي لأحد أن يزيد في الكفن على كفن النبي صلى الله
عليه وسلم، وهناك روايات جاءت في كفنه صلى الله عليه وسلم سوى ذلك
ولم تسلم من مقالات. ستجدون في كتب الحديث وفي حديث عائشة هنا
(... ثلاثة أثواب سحولية من كرسف ) الكرسف: القطن، سحولية: نسبة
إلى قرية، وهي ثياب بيض، وهذا صفة الكفن أو أثواب الكفن وأنها من
القطن. قولها هنا: (ليس فيها قميص ولا عمامة ) يقولون ليس فيها:
يعني في العدد، فهي ثلاثة فقط من غير أن نحسب القميص والعمامة،
فيكون القميص والعمامة موجودين لكن ما عدتهم، أو ليس فيها: في
جنسها، ولم يتجاوز الكفن الثلاثة الأثواب، والجمهور على أن ظاهر
اللفظ ليس فيها -أي في الأثواب الثلاثة- قميص ولا عمامة، يعني ليس
قميص وعمامة يكملان العدد، لا. بل القميص والعمامة منفية الوجود

(2/238)


بالفعل. وسيأتي في بعض الروايات: (كُفِّن في قميصه الذي مات فيه )
وفي روايات أخرى: (كفن في حلة حبرة ) وفي بعض الروايات: (كفن في
حلة لعبد الرحمن بن أبي بكر ) ولكن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها تبين لنا تلك الروايات. أما موضوع القميص فقالوا:
إنه جرد عنه، أي بعد ما غسل وسجي، وبعضهم يقول: موجود، والبعض
الآخر يقول: أما الحلة فإن عائشة رضي الله عنها قالت (لقد جيء
بالحلة فردوها ) إذاً: عند الكفن جيء بالحلة لتجعل في كفنه،
ولكن الذين قاموا بتكفينه صلى الله عليه وسلم ردوها، ولم يجعلوها
في الكفن، وفي بعض الروايات: (فنشفوه بها، ثم ردوها ) إذاً أم
المؤمنين عائشة رضي الله عنها تبين قضية الحلة فيما يتعلق
بالكفن وأنها فعلاً جيء بها، ولكن لم تكن في الكفن؛ لأنهم ردوها
ولم يكفنوه فيها. وهناك من يقول أن النبي كفن في سبعة أثواب:
الثلاثة الأثواب التي في حديث عائشة ، والقميص الذي مات فيه،
والعمامة والحلة، والحلة من قطعتين، إذاً: مع هذه الروايات ومع
توضيح أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في خبر الحلة نعلم بأنه
ما كان الكفن إلا ثلاثة أثواب. والذين يقولون بالقميص، يقولون:
تجعل اللفافات اثنتين، ويؤتى بدل الثالثة التي هي الأولى أي التي
تكون في الأعلى، والتي تكون كما وصفنا من القماش طول الإنسان
مرتين، ويجعل فتحة في وسطه عند الثنية، ويدخل فيها الرأس ويثنى
عليه طرفاها، كما يثنى الثوب على التفصيل المتقدم. ومن يضيف
السروال، يقول: يؤتى أيضاً بقطعتين من القماش، ولكن يفتح كما تلك
الفتحة ويدخل من الرجلين إلى الحقو، ويكون طرفا القماش واحدة تلف
على الساق اليمني والأخرى تلف على الساق اليسرى دون أن تجعل مثل
الكم للرجل، أي: لا يوجد خياطة، فعلى هذا الجمهور يقولون: (لا
ينبغي التعمق ولا التزيد في الكفن ولا المغالاة) وكما ثبت في أصح
الروايات في كفن النبي صلى الله عليه وسلم، الثلاثة الأثواب

(2/239)


السحولية البيض التي ذكرتها أم المؤمنين رضي الله عنها.
كفن المرأة والصغير
بقي فيما يتعلق بالصغير والمرأة: قالوا: الصغير أي لفافة يلف فيها
تجزئه، والمرأة يزاد فيها القميص والمقنعة، والخمار وثالث يلف على
وسطها ويربط، فتكون في خمسة: الثلاثة الأثواب المذكورة، والخمار
على رأسها وشعرها ووجهها، والثالث في وسطها يشد ويلف عليها، حفظاً
لها وصيانة، هذا ما يتعلق بموضوع الكفن.
حكم المغالاة في الكفن
واتفقوا على أنه لا يجوز المغالاة في نوعية القماش، فلا نذهب إلى
القماش الفاخر الغالي الذي صفته كذا، ونقول إكراماً للميت
واعزازاً، لا. فكل ميت ليس أكرم من رسول الله على الله، ويكفي أنه
كفن في هذه الثلاثة الأثواب البيض السحولية كما قالت أم المؤمنين
عائشة . هناك اجتهادات للفقهاء رحمهم الله، في نوعية الثياب،
على ما سيأتي التنبيه عليه عند ذكر كفن أبي بكر رضي الله عنه.
التبرك بثياب العبادة واتخاذها كفناً
قالوا: لو أن إنساناً، تخير ثوباً يكون لكفنه من الثياب المعتادة،
سواء أكان إزاراً ورداء أو قميصاً يلبسه، ثم لبسه ليصلي فيه عدة
صلوات، ثم خلعه وركنه ليكون كفنه، وتكون صلاته فيه من باب التبرك
ويشهد له، سئل أحمد رحمه الله عن ذلك قال: (لا بأس) وكذلك ما
سيأتي عنه صلى الله عليه وسلم أنه أعطى قميصه لعبد الله بن عبد
الله بن أبي من أجل أن يكفن فيه والده، هذا من سبيل التبرك أو
على ما سيأتي العلة مع ابن أبي بأنه كان قد كسى العباس قميصاً حينما جيء به أسيراً من بدر ، سيأتي الكلام عليه في محله.
لكن قالوا: لو أن الإنسان اختار ثوباً لكفنه وعمل فيه من القربات،
ثم كفن فيه لذلك فلا مانع. وقد كان كثير من الحجاج قديماً يأتي
بكفنه معه من بلده، وذلك لشدة الخوف وعدم الأمان فإذا مات في
الطريق كان كفنه معه، وبعضهم كان إذا كتب الله له السلامة يغسله
بماء زمزم، ويأخذه معه ويبقيه ليكفن فيه بعد أن غسل بماء زمزم،

(2/240)


يفعلون ذلك للتبرك، وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم بعض الحالات،
من ذلك ما ذكر عنه صلوات الله وسلامه عليه، أنه في يوم بارد شديد
البرد، أهديت إليه شملة، مثل الرداء على كتفيه، فقال رجل من
الحاضرين (اكسنيها يا رسول الله! فأخذها وأعطاها إياه، فقالوا له
بعد ما ذهب النبي: تطلبها من رسول الله وأنت تعلم أنه في حاجتها
وتعلم أنه لا يرد سائلاً؟ قال: والله ما طلبتها إلا لتكون كفني )
أي ليكفن فيها، وعلى هذا لا مانع أن يتخذ الإنسان الثوب في
العبادة. ونعلم أيضاً ما كان في معتقد الجاهلية بقياس العكس، قبل
الإسلام كانوا إذا أراد الإنسان أن يطوف وهو محرم، يعتقدون بأن
الثياب التي عليهم ، شاركت وحضرت ما ارتكبوا من الآثام من سفك
الدماء وأكل الحرام و.. و.. إلخ، فيعتقدون بأن من أراد أن يخرج من
ذنوبه، يجب أن يفارق هذا الثوب عند الطواف؛ لأن الثوب قد دُنس بتلك
الذنوب، فكانوا يطوفون عراة، إلا من كان عنده سعة، فيشتري ثوباً
جديداً لم يلبس ولم يدنس بمعصية، فيطوف به، فإذا انتهى من طوافه،
خلعه وجعله عند الكعبة، وكان لسدنة البيت، أو يأتي إلى شخص من سدنة
البيت ويستعير منه ثوباً يطوف فيه، بناءً على أن سدنة البيت لا
يرتكبون الذنوب فثيابهم طاهرة، إذاً كانوا يعتقدون بأن ملابسة الشر
في الثوب تؤثر عليه، وكانوا يعتقدون بأن الثوب الذي لم يشارك في
معصية، يكون أولى بطوافه، فما بالك إذا كان يشارك في الطاعة، نحن
نذكر ذلك من تأثير المعتقدات في أثر الثياب الذي يشهد الخير والذي
يشهد الشر. وعلى هذا ما ذكر عن أحمد رحمه الله تعالى حينما سئل
عن الرجل يلبس الثياب ليصلي فيه ثم يجعله كفناً له، قال: لا بأس،
لكن لا يطيل اللبس حتى يدنسه، أي يوسخه. لا؛ لأن السنة أن يكفن
الإنسان في ثوبين أبيضين جديدين أو نظيفين غسيلين، كما يتعلق
بالإحرام، فما ينبغي أن يبدأ إحرامه في ثياب مدنسة، إما أن تكون

(2/241)


جديدة نقية، وإما أن يحتفظ به ويغسله ويحرم فيه كل سنة، فلا مانع
في ذلك، هذا ما يتعلق بنوعية الكفن، والسنة فيه الاقتداء بالنبي
صلى الله عليه وسلم فخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم. هذا
.. والله أعلم.
باب تكفين الميت بغير قميصه
.
حكم تكفين الميت في قميص غيره
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال (لما توفي عبد الله بن أبي جاء ابنه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ائتني قميصك
أكفنه فيه، فأعطاه إياه ) متفق عليه.
تعريف موجز بعبد الله بن أبي بن سلول ومواقفه
قصة هذا القميص وعبد الله بن أبي بن سلول طويلة، ولكن أقول
بإيجاز: عبد الله بن أبي بن سلول هو رئيس المنافقين، وكان أشد
الناس على رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويبين لنا خبره سعد بن
عبادة ، وعبد الله بن رواحة (ركب النبي صلى الله عليه وسلم
ومر على مجلس فيه عبد الله بن سلول ، وفيه جماعة من المسلمين،
وجماعة من المشركين، وجماعة من جماعة ابن أبي ، فلما مر من
هناك عرض عليهم القرآن، فقال ابن أبي : يا هذا! والله إنه
لكلام حسن لو كان حقاً، الزم رحلك، ومن أتاك فاقرأه عليه، فقال ابن
رواحة : لا يا رسول الله! بل اغشنا به في مجالسنا وائتنا
واقرأه علينا، فإنا والله نحبه، فتلاحى ابن رواحة ومن معه من
المسلمين، وابن أبي وجماعته والمشركون وغيرهم، حتى أخذ صلى
الله عليه وسلم يسكت في القوم ويهدئهم خشية الفتنة. ثم مضى صلى
الله عليه وسلم حتى جاء إلى سعد بن عبادة ، فقال: ألا ترى ما
فعل أبو الحباب ؟! -كناه- قال: ماذا فعل؟ فأخبره بما قال،
وقال: يا رسول الله! اعذره؛ -وتأمل معي هذا الكلام!- فإنك جئت بما
أعطاك الله من الحق، وكانوا قد اجتمعوا على أن يتوجوه عليهم ملكاً،
ففات عليه ما كان يريد بالحق الذي جئت به ) انظروا -يا إخواني-
كيف تكون مراعاة النواحي النفسية، فبعد أن أساء إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم وإلى المسلمين، نجد هذا الصحابي الأنصاري الجليل

(2/242)


يعتذر عنه. كان قبل أيام على وشك أن يُنصَّبُ ملكاً، فَسُلِبَ
ملكه، فهو بهذا لا يحتمل شيئاً بل هو قد فاته الملك بمجيء هذا
الدين. إذن: كان موقفه موقفاً حرجاً في ذاته وفي شخصه. ثم أسلم
إسلام النفاق وهو باقٍ على دينه، يكيد للإسلام والمسلمين. وهو صاحب
المقالة الشنيعة التي قيلت في عودتهم من غزوة بني المصطلق، حينما
نزل المسلمون عند ماء، وتلاحى غلام لعمر رضي الله تعالى عنه
وغلام للأنصار على الماء، فغلب غلام عمر غلام الأنصار، فقال
غلام الأنصار: يا للأنصار! وقال الآخر: يا للمهاجرين! فبلغت
المقالة ابن أبي فقال: أوفعلوها؟!! والله! ما نحن وإياهم إلا
كمثل القائل: سمِّن كلبك يأكلك، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن
الأعز منها الأذل، غلام الأنصار سمع هذه فذهب إلى النبي صلى الله
عليه وسلم فأخبره، فقال (أبدعوى الجاهلية وأنا بين أظهركم )
فشغل الناس بأنفسهم، وحان وقت القيلولة -الوقت الذي ينامون
ويرتاحون فيه- وواصل السير إلى الليل وإلى الغد، فقالوا: هذه حالة
من رسول الله غير عادية، ما الذي حمله على ذلك؟ فعلموا ما قاله ابن
أبي ، فذهبوا يعنفونه، فعلم أن الخبر وصل إلى رسول الله صلى
الله عليه وسلم، فجاء يعتذر: يا رسول الله! سمعت أنه بلغك أني قلت
كذا وكذا والله ما قلت، هذا كلام كذب، ما قلت، الغلام يكذب عليَّ،
يقول الغلام: والله كدت أن تنشق بي الأرض أن أكذَّب، فنزل القرآن
بذلك: يَقُولُونَ
لَئِنْ رَجَعْنَا ... [المنافقون:8]
إلى آخره. وهنا يقول الأصوليون: قضية القول بالموجب وهي قاعدة
أصولية يَقُولُونَ
لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الأَعَزُّ
مِنْهَا الأَذَلَّ [المنافقون:8]
لم يقولوا من هو الأعز ولم يقولوا من هو الأذل، لكن يزعمون العزة
لمن؟ لأنفسهم، بصفتهم أصحاب الأرض وأصحاب المال، فنزل القرآن:
(يقولون) ثم جاء القرآن وقلب عليهم القضية، وميز من هو الأعز ومن
هو الأذل حقيقة: وَلِلَّهِ

(2/243)


الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8]
يبقى من هو الذي سيخرج الثاني؟ بمقتضى مقالتهم جاء الحكم عليهم،
فجاء الوحي وصدق الخبر.
مواقف عبد الله بن عبد الله بن أبي المشرفة
عبد الله بن عبد الله صحابي جليل، وكان من أبر الأبناء بآبائهم
-على نفاق أبيه- وكان براً بأبويه، لما حصلت هذه المقالة -وهي ليست
بهينة- حينما وصلوا إلى المدينة جاء عبد الله ابن رئيس
المنافقين ووقف على باب المدينة ، واستلَّ السيف حتى وصل أبوه،
فمسك بزمام راحلته وقال: [والله لا تدخلنَّها حتى يأذن لك رسول
الله، وتعلم أنك أنت الأذل وأن العزة لله ولرسوله] من الذي وقف
لهذا المنافق؟ ولده. بلغ الخبر رسول الله أن عبد الله منع أباه
أن يدخل، قال (مروه فليأذن له فليدخل ) فدخل بإذن من رسول الله،
وهذه تكفي، ملك الأمس يرده ولده حتى يعلم أنه الأذل وأن العزة
لغيره، لمن؟ وَلِلَّهِ
الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ [المنافقون:8].
بعد فترة -وأنتم تعلمون أن مثل هذا ليس بسهل، ولا يمر بسلام، بل لا
بد أن تكون له بقايا- أشيع .. -والشائعات دائماً تزيد المسألة
قليلاً- أشيع بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم سيقتل ابن أبي لمقالته، هذه الإشاعة بلغت عبد الله ولده، ماذا يفعل، وهو أبر
الناس بأبيه، أبوه يقتل غداًَ .. أيمنع أمر رسول الله أم ماذا
يصنع؟ أمر محرج له جداً!! فأتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم
وقال (يا رسول الله! بلغني -أو علمت، أو سمعت- أنك قاتل ابن أبي -لم يقل: أبي، حتى لا يقول أنه جاء يستعطف، من هو ابن أبي ؟-
إن كنت فاعلاً لا محالة -يعني لست عافياً عنه- مرني أنا آتيك برأسه
-قتل أبيه مصيبة، وأن يكون بيده مصيبة أكبر، فماذا فعل رسول الله
إزاء هذه الشائعات- قال: لا يا عبد الله! دعه ) وتركه ولم
يقتله، هذا الولد مع أبيه في موقفه في منعه من دخول المدينة حتى

(2/244)


يقر ويعرف، يعني: حطم التاج الموهوم الذي كان يتخيله في ذهنه،
وأوقفه على باب المدينة ، ثم بعد ذلك هاهو مستعد بأن ينفذ أمر
القتل لو صدر، أي مكافأة تكون لهذا الابن لو فعل ذلك؟ ماذا تقولون
أينصب ملكاً بدلاً عن أبيه؟ لم يعد هناك ملك، الأمر لله ولرسوله
صلى الله عليه وسلم، هنا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يراعي خاطر
عبد الله في أبيه، أما أبوه فهو الذي رجع بثلث الجيش في غزوة
أحد.
تكفين رئيس المنافقين في قميص رسول الله صلى الله عليه وسلم وسبب ذلك
إذاً: مواقف الأب لا نقول: إنها ليست مشرفة! لكنها مخزية، ولكن
مواقف ولده مشرفة، من هنا لما مات أبوه جاء وقال (يا رسول الله!
أعلم أن قميصك لن ينفعه إذ لم يكن مؤمناً، ولن يضرك إذا أعطيته
إياه -انظر العقيدة!!- ولكن أعطنيه حتى لا تكون سُبَّةً علينا مدى
الدهر ) انظروا السياسة!! ماذا فعل رسول الله صلى الله عليه
وسلم؟ قال: لا هذا كان وكان، وهذا رجع بثلث الجيش، وهذا وهذا، هل
عدد له مفاسده، أو أخطاءه؟ لا أبداً، بل رحب بذلك الطلب وأعطاه
قميصه. وقيل: كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم قميصان فقال
(أعطني القميص الذي هو شعارك -ليس الذي فوق بل الذي تحت- فخلعه صلى
الله عليه وسلم وأعطاه إياه، وذهب وكفنه فيه ) هنا بعض الناس
يقول: وهل بركة رسول الله صلى الله عليه وسلم تنفع المنافق؟ وبعض
الناس يقول: ما حابى عبد الله في أبيه المنافق، إنما كان يرد
جميلاً، كان ابن أبي حينما جيء بأسارى بدر وفيهم العباس عم
رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان العباس وضيئاً وجسيماً،
وكذلك ابن أبي ، يقولون كان طويلاً وضخماً، يعني: هيئة الملك
موجودة فيه، فكسا العباس من ثيابه، فالرسول كافأ ابن أبي على ذلك القميص، يعني: ما كافأه إلا في ذلك الوقت؟! لو كانت مكافأة
كانت في وقتها، بعد الغنائم التي جاءت، وكان يرد الجميل في حينه،
ولكن نأخذ من هذا الرفق والرحمة، وإذا قلنا بمعنى المجاملة -وإن

(2/245)


كان مجالها واسعاً لا نقدر أن نحدده- ولكن مراعاة وكرامة لهذا
الابن البار المؤمن، صاحب المواقف الفاضلة الكريمة، الذي وقف تلك
المواقف بجانب المسلمين ضد أبيه عدو الإسلام، ولا بأس بذلك، وكما
قال عبد الله بنفسه (أعلم أنه لن ينفعه لأنه لم يؤمن، ولن
يضرك، وإنما يرفع عنا سُبَّة الدهر ) وكان ذلك مصانعة لعبد
الله في أبيه. والله تعالى أعلم. يهمنا أن الرسول صلى الله
عليه وسلم أجاز لابن أبي أن يكفن في قميصه. إذاً: لا مانع أن
يكون في الكفن قميص، ولكن يمكن يقال: إن ابن أبي لا يقاس عليه
بقية المسلمين. والله أعلى وأعلم، والحمد لله رب العالمين.
استحباب الكفن الأبيض
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال
(البسوا من ثيابكم البياض فإنها من خير ثيابكم وكفنوا فيها موتاكم )
رواه الخمسة إلا النسائي ، وصححه الترمذي . هذا توجيه
لنوعية ثياب الكفن ولباس الحي، وكما قالوا أيضاً: إن المحرم وهو في
حالة الإحرام يكون في أحسن حالاته؛ لأنه متلبس بأفضل العبادات
وخامس الأركان، فاستحب له أن يكون في إزار ورداءٍ أبيضين نظيفين
جديدين أو غسيلين.
استحباب الثياب البيض لطالب العلم
جاء عن عمر رضي الله تعالى عنه: (أحبُ لطالب العلم بياض
الثياب) هذه خصوصية لطلبة العلم، وقد يكون الإنسان صاحب مهنة لا
ينفع معها لبس البياض، لكن -كما تقدم- تكون ثياب المهنة للمهنة،
وثياب المجتمعات والمناسبات خاصة بها، فلا مانع في ذلك.
ميزة الثياب البيض
إن البياض قليل الحمل للدنس، فلو جاءت ذبابة ونزلت على الغترة
البيضاء وتركت أثراً بسيطاً فإنه يظهر بوضوح عليها، لكن لو كانت
الغترة أو الشماغ ملوناً وجاء ذباب الدنيا ونزل وعشش فيها لا يظهر
فيها شيء. إن بياض الثياب قليل التحمل للأوساخ فأقل شيء يجيء عليه
يظهر، فيكون عاملاً مساعداً على نظافته بصفة دائمة، وهنا التوجيه
(البسوا من ثيابكم البياض ) بصرف النظر عن نوعيتها: (كرسف) أو

(2/246)


(كتان) أو أي نوع آخر ما لم يكن حريراً ولا من الممنوع لبسه.
وقوله: (وكفنوا فيها موتاكم ) وعلى هذا يستحب في حالة السعة
وحالة التيسير أن يكون الكفن من الثياب البيض، أما في حالة
الاضطرار؛ فالضرورات لا حكم لها -كما قيل- ولها ظروفها، ولا يقاس
عليها حالات السعة واليسر.
باب تحسين كفن الميت
وعن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:
(إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن كفنه ) رواه مسلم . إحسان الكفن
يكون في طريقة العمل، كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه مر
بالبقيع فوجدهم يحفرون لجنازة، فوجد في القبر مَيلاً، فأمر
بتعديله، وقال: (إن الله يحب من أحدكم إذا عمل عملاً أن يحسنه )
وجاء الحديث الآخر: (إن الله كتب الإحسان على كل شيء ) ونعلم
حديث جبريل عليه السلام في الإسلام، والإيمان، والإحسان، فالإحسان
هو أعلى المراتب، والمراحل التي تنتاب العمل. ومن أجل الإحسان يقول
المولى سبحانه: تَبَارَكَ
الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ
أَحْسَنُ عَمَلاً [الملك:1-2]
لم يقل: أكثر أو أقل أو أنقص، بل قال: (أحسن عملاً). فكذلك قال
النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا كفن أحدكم أخاه فليحسن .. ).
والإحسان هنا -في حالة السعة- أن تكون اللفائف واسعة، وأن يُحكم
لفها، حينما يأتي بالطرف الأيمن إلى اليسار، والطرف الأيسر إلى
اليمين بأن يحكمها على جسم الميت، لا أن يلقيها إلقاءً بدون إحكام،
لا، وكذلك إذا وضع الحنوط، وإذا أراد أن يلفها من عند رأسه، ومن
عند قدميه فيحسن ذلك، وكما جاء الأثر: (من كفن أخاه كان كمن كساه
إلى يوم القيامة). إذاً: ينبغي لمن كفن الميت أن يحسن عمل التكفين
بإتقان اللفائف عليه، ويحسن الحنوط، كذلك إذا كان هناك ثياب قديمة،
رثة، وثياب نظيفة جديدة، فمن الإحسان أن يختار له النظيف الجديد،
ولا يبخل عليه.

(2/247)


134575 ( كتاب الجنائز [6] )
( كتاب الجنائز [6] )
عناصر الموضوع
1 باب كراهية النعي
2 من صلى عليه أربعون رجلاً موحداً يشفعون فيه
كتاب الجنائز [7]
مسألة نعي الميت لها حالات منتشرة بين الناس: فهو إما لتجهيزه والصلاة
عليه، وإما للصلاة عليه فقط، وإما للمباهاة والمفاخرة بهذا الميت، وإما
نوحاً عليه وتفجعاً وندبةً، وفي هذه المادة بيان هذه المسألة وما يتعلق
بها
باب كراهية النعي
حكم نعي الميت
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم
(كان ينهى عن النعي ) رواه الترمذي وحسنه.
أنواع النعي والجمع بين النهي والفعل
يلاحظ في هذا دقة العلماء وأن فن التأليف ليس مجرد جمع نصوص! ففي
هذا الحديث كان صلى الله عليه وسلم ينهى عن النعي، وبعده مباشرة
يأتي المؤلف بحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى، فقد نعى النبي
صلى الله عليه وسلم في يوم موت النجاشي ، فكيف ينهى عن النعي،
وكيف نعى؟! وهذا كما أشرنا سابقاً فيما يظهر ذلك بدقة أكثر في
الموطأ وصنيع الإمام مالك في الموطأ في إيراد الأبواب يفسر
بعضها بعضها، فهنا اتفق الجميع. ما هو النعي؟ قالوا النعي: خاص
بالإخبار عن الميت، مات فلان، ثم يقول ابن عبد البر : النعي
على ثلاثة أقسام: نعيٌ لمجرد إخبار أهل وأصدقاء الميت من أجل
القيام بواجبه من تجهيزه والصلاة عليه والدعاء له ودفنه، فهذا لا
بأس به. ونعي للمكاثرة والمفاخرة وأن يذهب أشخاص إلى الأسواق أو
إلى غير ذلك، ويعلنون موت فلان، فهذا للمكاثرة والشهرة والكثرة،
وهو لا يجوز. ونعي كنعي الجاهلية: يا سندنا يا سيدنا يا صفوتنا يا
كذا..، ويصفونه بصفات أكثرها زور وبهتان، فهذا من النعي المحرم
الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم. إذاً: النعي إخبارٌ بموت
الميت، هذا الإخبار إن كان لمجرد الإعلام بموته عند ذويه وأقاربه
وأصدقائه، ومحبيه ليشاركوا في مصالحه: من تجهيز ودفن وصلاةٍ عليه،

(2/248)


ودعاء له، فهذه سنة، وما عدا ذلك فهو داخل في النهي؛ لأنه صلى الله
عليه وسلم مع نهيه عن النعي، نعى النجاشي لأصحابه. إذاً بهذين
النصين واقترانهما نجد أن هناك نعياً منهياً عنه، ونجد هناك نعياً
واقعاً بالفعل منه صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن يجتمع النهي
والفعل، كما أن السلب والإيجاب لا يجتمعان؛ لأنهما نقيضان لا
يجتمعان. إذاً النعي المنهي عنه: ما كان فيه من صفات الجاهلية.
والنعي المثبت المشروع هنا: ما كان من حق الميت وفي مصلحته، ثم إن
العلماء ذكروا ناحية أخرى وهي أن الميت إذا نعي نعياً كنعي
الجاهلية، فإذا وضع في القبر أتاه الملكان يعذبانه ويقولان: أأنت
كذا؟ ويضربانه، فيقول: أنا ما قلت، كما جاء عن عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه: (أنه مرض فأغشي عليه، فأتاه النبي صلى الله
عليه وسلم وعاده وقال: اللهم إن كنت جعلت له بقية في العمر فعافه،
وإن كنت كتبت له كذا فسهل عليه، فتعافى وصح وقال: يا رسول الله!
أمي كانت تقول كذا أو أختي كانت تقول كذا، فكنت أعذب على ذلك. من
هنا قالوا: من نعي نعياً كنعي الجاهلية، فإنه يعذب بهذا النعي،
فقيل: وما ذنبه وإنما كان النعي من الآخرين، فأجابه: أنه إذا كان
يعلم من طبيعة أهله أنهم يفعلون ذلك، فوجب عليه أن يحذرهم، وأن
يمنعهم في حياته كما جاء عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال:
إذا مت فلا تنعوني أي كنعي الجاهلية، فإذا كان يعلم من حالهم أنهم
يفعلون شيئاً من ذلك، وأوصاهم أن لا يفعلوا وقال: أنا لا أقبل ذلك،
برئت ذمته، ومن فعل أقاربه شيئاً من ذلك بعد هذا فعلى أنفسهم،
ويكون هو قد خرج من العهدة.
نعي النبي صلى الله عليه وسلم النجاشي وصلاته عليه
نأتي إلى الحديث الثاني وهو (أن النبي صلى الله عليه وسلم نعى
النجاشي لأصحابه في اليوم الذي مات فيه ) وعرفنا بأن نعي

(2/249)


النبي صلى الله عليه وسلم، إنما هو مجرد الإعلام ولا شك، والنجاشي كان في الحبشة وهم بالمدينة ، لا توجد هواتف ثابتة ولا جوالة ولا
وسائل إعلام حديثة، لم يكن إلا الوحي، ولم يكن إلا المعجزة، كما
وقع من النبي صلى الله عليه وسلم، أو ما يقع لبعض صالحي الأمة، كما
وقع لعمر حين قال: (يا سارية الجبل) وإن كان بعض الناس،
يطعن في هذه القصة وفي الرواية ويرتب عليها أشياء لا طائل تحتها،
بل قالوا: النبي صلى الله عليه وسلم كشف له ما بينه وبين الحبشة .
نقول: الرسالة والنبوة والأمور الغيبية، لا نتدخل فيها، ويكفي أن
نثبت الخبر، وقد جاء في غزوة مؤتة ، وكان ثالث الأمراء ابن رواحة وذلك لما أرسل صلى الله عليه وسلم جيشاً قوامه ثلاثة آلاف، وأميرهم
زيد بن حارثة قال النبي صلى الله عليه وسلم: (فإن أصيب: فجعفر
بن أبي طالب ، فإن أصيب فعبد الله بن رواحة ، فإن أصيب
فليختر المسلمون رجلاً منهم ) ثم كشف الله له عن سير المعركة في
يومها، فجلس على المنبر ثم قال (أخذ الراية زيد فأصيب، ثم قال:
أخذ الراية جعفر فأصيب، ثم قال: أخذ الراية عبد الله وصمت،
فلما صمت شك أو توهم الأنصار أنه وقع بابن رواحة ما يكرهون،
ثم أعاد وقال: أخذ الراية عبد الله بن رواحة فأصيب ) فكان
أشد إيلاماً على الأنصار في هذه الواقعة. فهنا أخبر النبي صلى الله
عليه وسلم بأن الذي أخذها أصيب ثم أخذها فلان، وجاء في ترجمة ابن
رواحة أيضاً، وفي قصة مؤتة أن رجلاً جاء بخبرهم، فقال رسول
الله صلى الله عليه وسلم (إن شئت أخبرتنا، وإن شئت أخبرتك بالواقع،
قال: أخبرنا يا رسول الله! فذكر له ما وقع بالفعل، فقال: والذي
بعثك بالحق: ما غيرت حرفاً واحداً مما وقع، ثم قال صلى الله عليه
وسلم: الآن أخذ الراية سيفٌ من سيوف الله ألا وهو خالد بن الوليد يفتح الله عليه أو يفتح الله إليه ) يهمنا بأن الله سبحانه
وتعالى يفعل لرسوله ما يشاء، وقد يلهم إنسانٌ عن أمر بعيد عن

(2/250)


الواقع، ويكون حقاً، هذه أمور بعيدة عن الحس، وليس للعقل فيها
تحكم، ولكن الأمر للواقع الفعلي. فهنا نقول: نعى النبي صلى الله
عليه وسلم النجاشي لأصحابه -أي أعلمهم بموته- والنجاشي كما
يقولون، لقب مُلك، وليس لقب شخص، فكل من حكم الحبشة يسمى (نجاشي).
وكان نجاشي الحبشة آنذاك اسمه أصحمة وقيل بالحبشية معناه:
عطية، وقيل: ألفاظٌ أخرى، وقيل: كل من ملك الروم قيصر، وكل من ملك
الفرس كسرى، وكل من ملك القبط في مصر فرعون، وكل من ملك مصر في غير
القبط يسمى العزيز وكل من ملك اليمن يسمى تبعاً، وهكذا ألقاب
للملوك وليس للشخص بذاته. فالنجاشي في ذلك الوقت كان لقب ملك
الحبشة ، فمن كان قبله يسمى نجاشياً، ومن كان بعده يسمى نجاشياً،
كما هو معروف عند الناس في كسرى وقيصر. بقي عندنا ما يتعلق بإخباره
صلى الله عليه وسلم عن هذا النجاشي في ذلك الوقت، تجدون في
منتقى الأخبار مع شرح نيل الأوطار تأتي روايات (مات اليوم رجلٌ
صالح بالحبشة ) وفي رواية أخرى (إن أخاكم النجاشي قد مات )
فوصفه بأنه كان رجلاً صالحاً، وسماه أخاهم. وكونه يخرج ويصلي عليه،
فهل النبي يصلي على مسلم أم على غير مسلم؟ هذا أكبر دليلٍ على أن
النجاشي رضي الله تعالى عنه أسلم وآمن برسول الله صلى الله
عليه وسلم، ولقد نذكر ما كان من شأنه في السيرة النبوية، بأن النبي
صلى الله عليه وسلم في سنة تسع لما اشتد الأمر على المسلمين بموت
عمه وبموت زوجه خديجة رضي الله عنها، وكانت تسمى سنة الشدة، أو
عام الحزن، واشتد حزنه صلى الله عليه وسلم، وتجرأ عليه بعض من كان
لا يتجرأ في حياة عمه، وخرج إلى الطائف ثم رجع ثم قال لأصحابه (إن
بالحبشة ملكاً عادلاً، أرى أن تهاجروا إليه لا يضام أحد في جواره )
فقال: (ملكاً عادل) لأنه آنذاك، لم يبلغه خبر رسول الله، وفرقٌ بين
كلمة (عادل) وبين (عدل)؛ لأن العادل الذي يعدل في حكمه ويعادل بين

(2/251)


المتساويين، وذلك مأخوذ من العِدْلة، والعِدْلة هي ما يكون في أحد
شقي البعير، عِدلة عن اليمين وعِدلة عن اليسار، فإن تعادلت
العدلتان في الوزن والثقل، وكان الحمل معتدلاً استراح البعير، وإن
كانت إحدى العدلتين ثقيلة مال وكان البعير تَعِباً في هذا الحمل.
فالعادل يصدق على كل من عدل في الحكم، وكما هي كلمة عمر رضي
الله تعالى عنه: لما بلغه أن عامله في مصر ، أخذ دار امرأةٍ حينما
أراد أن يبني الفسطاط ، وجاءت واشتكت إلى عمر ..إلخ، كتب إليه
كلمة ونصف فقال: (نحن أحق بالعدل من كسرى) المرأة تعجبت، هذا صاحب
الهيمنة وصاحب كذا، يعطي هذه الرقعة وفيها هذه الكلمة، ماذا عساها
أن تجدي؟!! وكانت تستثقل رحلتها من وإلى مصر ، فلما وصلت وأعطتها
إياه، وضعها على رأسه، وأمر العمال أن يهدموا كل ما بنوه على أرض
المرأة، وأمر أن يقيموا لها بيتها على أحسن ما كان، قالت: واعجباً
أميرهم هناك، وبهذه الرقعة يفعل كذا، والله هؤلاء الناس على حق!!
وأسلمت! فنحن يهمنا قوله: (نحن أحق بالعدل من كسرى). إذاً: العدل
صفة في الملك لمن أراد دوام ملكه، ويقول الإمام ابن تيمية رحمه
الله: (الملك يدوم مع العدل ولو لكافر، ولا يدوم مع الظلم ولو
لمسلم). إذاً ملكٌ عادل: وهذا من عقلاء الملوك، فأشار النبي على
أصحابه بالهجرة، فهاجروا إليه، فلما هاجروا أرسل أهل مكة بعد بدر
للذين هاجروا إلى الحبشة ليثأروا لقتلى بدر ، وأرسلوا عمرو بن العاص وكان من دهاة العرب وصديقاً للنجاشي في
ذلك الوقت، أرسلوه بهدايا، فجاءه وسجد له على ما كان يتعامل معه،
وقال: يا أيها الملك! إن أُناساً منّاً فارقوا ديننا ودين آبائهم،
ولجئوا إلى بلادك وليسوا على دينك، وقد أرسلنا قومهم إليك لتردهم
إلى قومهم، فقال: ما كان لي أن أرد قوماً اختاروني على غيري حتى
أدعوهم وأسمع ما عندهم، وأعرف ما لديهم، فدعاهم، وكان جعفر رضي
الله تعالى عنه، هو خطيب القوم. وقال: لا يتكلم أحدٌ غيري، فلما

(2/252)


دخلوا على النجاشي وعمرو بجانبه، لم يسجد للملك، فقال:
انظر! لم يسجدوا لك كما نسجد، -بأسلوب فيه إثارة- فقال النجاشي : ما لك لا تسجد كما يسجد القوم؟ قال: أيها الملك! نحن لا نسجد إلا
لله، قال: وما ذاك، قال: كنا في جاهليةٍ جهلاء يأكل قوينا ضعيفنا،
ونأكل كذا، ونفعل كذا -وعدد المنكرات- ثم قال: فبعث الله فينا
رجلاً منا نعرف نشأته ومولده ونسبه، وصدقه وأمانته، فأمرنا بعبادة
الله وحده وبالصدق، وبالأمانة وصلة الأرحام و... و...إلخ. وجد
النجاشي كلاماً حسناً، كما قال دريد بن الصمة لما أرسل
ولده من الطائف إلى مكة انزل وأتني بخبر هذا الرجل، فرجع إليه
وقال: والله إنه ليأمر بالصدق وبأداء الأمانة وصلة الأرحام وكذا
وكذا، قال: والله يا بني! إن لم يكن ديناً فهو مكارم الأخلاق. فهذا
قول رجل جاهلي، فكذلك النجاشي سمع كلاماً حسناً فغاظ عمرو بن العاص ، وقال: اسأله ماذا يقولون في مريم وابنها
عيسى . انظروا يا إخوان! الأعداء كيف يكيدون للمسلمين، وكيف يثيرون
الشبه، ليحرضوا عليهم أعداءهم، فسأله، فقال: أيها الملك! نقول ما
قال الله فيه، قال: وماذا يقول الله فيه؟ فقرأ عليه مطلع سورة مريم
ثم قال: نقول فيه: إنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم
...إلخ. فما كان من النجاشي إلا أن أهوى إلى الأرض، وأخذ عوداً
ثم قال: والله ما زاد صاحبكم على عيسى ومريم مثل هذه القشة على ما
جاء في التوراة والإنجيل . ومن هناك دخل الإيمان في قلب النجاشي ، ثم قال لبطارقته: ردوا عليهم هداياهم، لا حاجة لي في هداياكم
-أي: هدايا كفار قريش-، فإن الله لم يأخذ مني الرشوة على أن رد لي
ملك أبي، وكانت له قصة مع أبيه ومع أخيه ..، ثم قال لجعفر وأصحابه: سبحوا في بلادي لا يؤذيكم أحد، من اعتدى عليكم كأنه اعتدى
عليّ، فصاروا آمنين. بعد فترة فإذا بعمرو يأتي إلى النجاشي مرةً أخرى، ويدخل رجل مُرسَل بكتاب من رسول الله إلى النجاشي ،

(2/253)


يشكره على ما صنع بالمسلمين، فذهب عمرو مع أصحابه ودخل على
الملك، أو كانوا فروا من مكة لما سمعوا بالنصر في بدر ، ولما سمعوا
بظهور الإسلام، قالوا: نذهب عند النجاشي ليس لنا طريق إلا هو،
ضاقت بنا الأرض، واجتمع عدد من الصحابة فراراً بالإسلام عند
النجاشي يعيشون في ظل ملكه، فرأى عمرو هذا الرسول، فدخل
على النجاشي وقال في نفسه: (لئن طلبت هذا الرجل من النجاشي أضرب عنقه، لرأت قريش أني صنعت شيئاً)، فدخل على النجاشي ،
وقال: أيها الملك! أطلب منك أن تعطيني هذا الرجل أضرب عنقه، لترى
قريش أني فعلت لها شيئاً! يقول: فما كان منه إلا أن صكني على وجهي،
حتى سال الدم من أنفي ولطخ ثيابي، ثم كأنه أسف على ذلك، ثم قال:
أتطلب مني رسولَ رسول الله الذي يأتيه الناموس من السماء، قال:
أيها الملك! أتعلم بأنه رسول الله؟ قال: يا عمرو ! والله إنه
لرسول الله، ولينصرنه الله كما نصر موسى وعيسى قال: يا أيها الملك!
أتبايعني على الإسلام له، قال: نعم، فبسط النجاشي يده وب
صلاة الجنازة على الغائب
ومن فقه الحديث: هل لنا أن نصلي على الغائب أم لا؟ يقولون في
الصلاة على الجنازة: (اللهم اغفر له اللهم ارحمه) والجنازة أمامنا
وبين أيدينا، فإذا كان غائباً كيف نصلي عليه بالنية أو بالقصد؟!!
فهناك من قال: لا يصلى على غائب، وهناك من قال: يصلى؛ لصلاته صلى
الله عليه وسلم، وهناك من قال: هذه الصلاة خصوصية لماذا؟ قالوا:
لأن الله لما كشف لرسوله موت النجاشي ، كشف له عن جنازته،
فلكأن النجاشي بين يديه وهو يكبر ويدعو له. والآخرون يقولون:
والذين خرجوا معه، وصفوا خلفه، وكبروا وصلوا على النجاشي هل
كانوا يشاهدون الجنازة؟ ما كانوا يشاهدونها، وإنما صلوا تبعاً له،
ومن هنا يختلفون في الصلاة على الغائب. فبعض العلماء قال: إذا مات
إنسان في بلد، ويغلب على الظن أنه لا يوجد فيها من يصلي عليه، ودفن

(2/254)


بغير صلاة، صلينا عليه، ولكن وجدنا ذلك كما يقول الآخرون مدفوعاً،
بأن لا تخلوا الحبشة من بعض المسلمين، وكذلك أيضاً ما دام قد فعل
صلى الله عليه وسلم، ولم يخصص ذلك وذكروا بأن الرسول صلى الله عليه
وسلم صلّى على معاذ بن مقرن أو فلان، وهو في تبوك ، والميت في
المدينة ، والحديث تكلم عنه ابن كثير بضعف؛ لأن جبريل أتاه
وقال (إن فلاناً قد مات، فأسف عليه، قال: هل لك أن تصلي عليه؟ قال:
بلى، فقال: بيده هكذا، وفرج له ما بينه وبين المدينة ، فصلى عليه
وهو يرى جنازته ) . فقالوا: هذا من خصوصياته صلى الله عليه
وسلم، والجمهور على جواز الصلاة على الغائب، وأخذاً من هذا الحديث
ومن فعله صلى الله عليه وسلم.
من صلى عليه أربعون رجلاً موحداً يشفعون فيه
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت النبي صلى الله عليه
وسلم يقول (ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلاً لا
يشركون بالله شيئاً إلا شفعهم الله فيه ) رواه مسلم . بدأ
المؤلف يتجه إلى الصلاة على الجنائز، وبدأ ببيان فضل العدد الذين
تتاح لهم الفرصة في الصلاة على الجنازة. أولاً: هذا الحديث (ما من
رجل يصلي عليه أربعون رجلاً... ) جاءت روايات متعددة في هذا
المعنى: (لا يشركون بالله شيئاً ) وجاء: (مائة رجل ) وجاء:
(صلى عليه أمة يبلغوا أن يكونوا ثلاثة صفوف ) ومن هنا استحب بعض
العلماء: إذا كان العدد قليلاً أن يقسمهم الإمام إلى صفوف ثلاثة،
ولو كان الصف شخصين فقط، لتعدد الصفوف على رواية ثلاثة صفوف، وجاء:
(وصلى عليه أربعة من جيرانه الأدنين ) وجاء: (صلى عليه أربعة،
فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أو ثلاثة؟ قال: أو ثلاثة، قال:
أو اثنان؟ قال: أو اثنان، يقول: وسكت أن أسأله عن الواحد ) فهذه
النصوص، جاءت أن من صلى عليه أربعون رجلاً لا يشركون بالله شيئاً
أو مائة رجل أو أربعة رجال؛ يشهدون له، أو يشفعون فيه، إلا شفعهم

(2/255)


الله فيه، وشفاعتهم فيه قالوا: يخلصون له الدعاء، فيدعون له
بالمغفرة، وبحسن الجزاء ..إلخ، بنية خالصة، وبقصدٍ طيب بأن الله
سبحانه وتعالى يغفر له، وبعضهم يقول: يشفعون، أو يشهدون له بالثناء
عليه خيراً، وورد (بأن جنازةً مرت، فأثنوا خيراً، فقال صلى الله
عليه وسلم: وجبت، وقيل: قالها ثلاث مرات، وجبت، وجبت، وجبت ومرت
جنازة أخرى، فأثنوا عليها شراً فقال: وجبت، وجبت، وجبت، فقال عمر : ما وجبت يا رسول الله؟! قال: وجبت الجنة بالثناء عليه، ووجبت
النار بذمه، أنتم شهداء الله على خلقه ) وبعضهم يقول: هناك
رواية الله أعلم بصحتها: (إن لله ملائكة تنفث على ألسنة الخلق بما
تشهد به ) كل هذه الروايات متكلم فيها، ولا ينبغي تعمد قول:
ماذا تقولون؟ أو على ماذا تشهدون؟ لأن هذه أمور فيها إحراج، ولا
ينبغي ذلك، إنما يكون عفوياً إذا اجتمع جماعة، وصلوا على ميت،
وأخلصوا الدعاء له، هم بأنفسهم كانوا شفعاء له عند الله بدعواتهم
وصلاتهم عليه. فقال صلى الله عليه وسلم: (ما اجتمع أو ما صلى
أربعون رجلاً على مسلم، أو على ميتٍ، لا يشركون بالله شيئاً إلا
شفعهم الله فيه ) وعلى ما تقدم من أن العدد ليس قاصراً على
الأربعين ولا على المائة، وبعض العلماء يقول: هذا عدد لا مفهوم له،
يعني: ليس له مفهوم مخالفة، فلو جاء عدد مائة ونقص واحد أو عشرة
وصاروا تسعين، لا نقول إن هذا يبطل العدد، لا. وبعضهم يقول: إن تلك
الحالات أجوبة عن أسئلة قد صدرت. بمعنى واحد يسأل: يقول: يا رسول
الله! رجل صلى عليه أربعون رجلاً، أيشفعون فيه؟ قال: نعم. ثم جاء
رجل آخر وقال: رجل صلى عليه مائة رجل يشفعون فيه؟ قال: نعم. يعني
لم يكن ذلك ابتداءً وتحديداً من النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن
كانت أسئلة، والأسئلة مختلفة، تارةً يسأل عن أربعين، وتارةً يسأل
عن أربعة، وتارةً يسأل عن مائة، وفي كلٌ يجيب: بنعم يشفعون فيه.
والله تعالى أعلم.
134586 ( كتاب الجنائز [8] )

(2/256)


( كتاب الجنائز [8] )
عناصر الموضوع
1 باب الدعاء للميت في صلاة الجنازة (إخلاص الدعاء للميت)
2 باب الدعاء للميت في صلاة الجنازة (اللهم اغفر لحينا وميتنا)
3 باب الإسراع بالجنائز
4 باب فضل اتباع الجنازة
كتاب الجنائز [9]
إن حق أخوة الإسلام بين المسلمين قائم في حياتهم، وبعد مماتهم، ومن
حقوقهم بعد الموت شهود جنائزهم، والصلاة عليهم والدعاء لهم، وفيما يلي
بيان لهذه المسألة، وما يجده القائم بحقوق إخوانه من الأجر في ذلك
باب الدعاء للميت في صلاة الجنازة (إخلاص الدعاء للميت)
عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
(إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء ) رواه أبو داود وصححه ابن حبان . هذا حق الميت على من يصلي عليه، أن يخلص له
الدعاء ولو كان خصماً له؛ لأنه قد أفضى إلى ما قدم، وأنت وقفت مع
المصلين، فيجب أن يكون باطنك مطابقاً لظاهرك، وقفت تصلي مع المصلين
فيجب أن تخلص الدعاء له، فتؤجر على إخلاصك الدعاء له، وإذا كان
بينك وبينه شيء آخر، فهناك في القيامة تتحاسبون. (من صلى على ميت
فليخلص الدعاء له ) لأنه تقدم لنا فيمن صلوا عليه من المؤمنين
أو من أهل الخير، أو.. إلخ فشفعوا فيه شفعهم الله، فلا يشفعون إلا
إذا أخلصوا الدعاء، والصلاة على الجنازة عبادة، والعبادة يجب فيها
الإخلاص، ومن ضمن الإخلاص أن تخلص في الدعاء للميت. فمن الذي تسول
له نفسه أن يرى أخاه مسجى أمامه، ويعلم بأنه سيلحقه على هذا
الطريق، ووارد ذلك الحوض، ثم هو يصلي عليه غير مخلص، بأي ميزان؟
هذا لا يعقل أبداً إلا إذا كان خارجاً عن تصورات العقل.
باب الدعاء للميت في صلاة الجنازة (اللهم اغفر لحينا وميتنا)
.
مشروعية الدعاء لعامة المسلمين في صلاة الجنازة
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (كان رسول الله صلى
الله عليه وسلم إذا صلى على جنازة يقول: اللهم اغفر لحينا
وميتنا... الحديث ) يلاحظ أن الدعاء الأول مخصص بمطالب معينة،

(2/257)


و(له) قد يكون ضميراً لشخص معين يعرفه المصلي، ونحن عشرات المرات
ومئات المرات نقول: الصلاة على الرجل.. الصلاة على المرأة، ولا
نعرف من هو الرجل ولا من هي المرأة، فإذا كان معروفاً تسميه
وبضميرٍ راجع إليه، وإذا لم يكن معروفاً لديك فهذا هو الدعاء، أي
يكفي أن تقول: اللهم اغفر لحينا ومتينا، وشاهدنا وغائبنا، وذكرنا
وأنثانا..إلخ. ومعنى شاهدنا: الحاضر، وغائبنا: الذي مات وهو غائب
عنا، وفي بعض الروايات: (حاضرنا وغائبنا { وصغيرنا وكبيرنا )
صغيرنا: الطفل الذي يصلى عليه، وكبيرنا: إلى آخر ما يكون من العمر.
(وذكرنا وأنثانا ) إذا صليت على الجنازة ولا تعرف هل هو رجل أم
امرأة فهذا الدعاء يجزئ، وبالجملة ليس هناك توقيت في لفظ معين في
الدعاء عند الصلاة على الجنازة، فإن حفظت ما جاء عن النبي صلى الله
عليه وسلم (اللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله،
ووسع مدخله.. ) إلخ فالحمد لله هذا مأثور عن النبي صلى الله
عليه وسلم، وهو أشمل وأبرك. فإذا لم تكن تحفظ هذا، فأي دعاءٍ تدعو
به فإنه يصح، إذا كان يتضمن طلب المغفرة والرحمة بإخلاص، كما تقدم
قول النبي صلى الله عليه وسلم (شفعوا فيه إلا شفعهم الله ) فإن
كنت تعلم الشخص الميت، وتنويه بالضمير (له.. لها) فبها ونعمت، وإلا
فتأتي بالعموم: (حينا وميتنا، وذكرنا وأنثانا، وصغيرنا وكبيرنا)،
وبالمجموع: (ذكرنا أو أنثانا) ويكون على سبيل الإجمال فلا مانع.
(اللهم من أحييته منا فأحيه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على
الإيمان ) لاحظ هذين اللفظين: (من أحييته منا فأحيه على
الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان) هل هما متغايران أم
شيء واحد؟ يقول علماء العقائد: الإسلام والإيمان إن افترقا اتحدا،
وإن اتحدا افترقا، فهنا ذكرا معاً، فتكون للمغايرة، يدعو للحي أن
يحيا على الإسلام؛ لأن الإسلام عملي ظاهري، وأركان الإسلام كلها

(2/258)


ظاهرة، وإذا قام بأركان الإسلام كان مسلماً وأدى واجبه أمام
المسلمين. أما (توفه على الإيمان) فهو العقيدة: (من مات لا يشرك
بالله شيئا دخل الجنة ) لأن الخلاص من الشرك ليس إسلاماً بل
إيماناً، أعني أنه من عمل القلب ويتعلق بالعقيدة، وليس من عمل
الجوارح، فالإيمان يقين، والعمل تابع للإيمان، وهو يزيد وينقص
بالعمل. إذاً: الرسول صلى الله عليه وسلم فرق ودعا للحي أن يحيا
على الإسلام، سامعاً مطيعاً مستسلماً لأوامر لله، ودعا للميت أن
يميته الله على الإيمان. (اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تضلنا بعده )
رواه مسلم والأربعة. هذا هو الدعاء للمصلي بعد التكبيرة
الأخيرة، أي: اللهم لا تحرمنا أجره في صلاتنا ودعائنا له، ولا
تفتنا بعده، فهو قد خرج من الدنيا معافى، فلا تفتنا بفتنة تفتننا
عن ديننا بعده، هذا هو مجمل الأدعية التي تكون في صلاة الجنازة: في
التكبيرة الأولى: الفاتحة. في الثانية: الصلاة على النبي صلى الله
عليه وسلم. في الثالثة: الدعاء للميت بما تيسر لك. وفي الرابعة:
لنفسك. ثم يكون السلام.
باب الإسراع بالجنائز
.
مشروعية الإسراع بالجنازة
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله
عليه وسلم (أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن
تك سوى ذلك فشر تضعونه عن رقابكم ) متفق عليه. والإسراع هنا
يحتمل أمرين: سرعة التجهيز، فإذا كان هناك كفن عادي، فلا حاجة إلى
أن نؤخره، إلى أن نحضر كفناً فاخراً، وإذا وجد من المسلمين من يؤدي
الصلاة فلا حاجة إلى أن نؤخر إلى كثرة العدد، إلا أن يكون للميت من
ذوي أقاربه -كأبنائه، وإخوانه، ووالديه- من يريد أن يقدم وكان
غائباً ليراه ويشيعه، فلا مانع ما لم يتضرر الميت بالتأخير، أي:
يشرع الانتظار بالجنازة لحين قدوم الغائب من ذويه وذوي رحمه ما لم
يكن الوقت صيفاً كما هو الحال في الجزيرة ، أو يتوقع حصول ضرر على

(2/259)


الجنازة، بأن تكون قد توفيت من أول الليل مثلاً، فإنه ينتظر به إلى
الصباح، على ما سيأتي في باب النهي عن الدفن ليلاً، لما قد يقع فيه
من تقصير. وهنا مسألة التقسيم الذي يقوله الأصوليون، يقول صلى الله
عليه وسلم: (أسرعوا بالجنازة ) كلمة (أسرعوا) تحتمل كما أسلفنا:
سرعة تجهيزه، ويحتمل الإسراع في المشي به عند حمله، ولكن المعنى
الثاني أرجح؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (تقدمونها إليه ) هذه
مشتركة، وقوله (شرٌ تضعونه عن رقابكم ) والشر الذي نضعه عن
الرقاب هو ساعة الحمل حينما نحمله. إذاً: السنة في تشييع الجنائز
الإسراع بها، وكما يقولون: إكرام الميت دفنه وستره، كما أنهم
يقولون أيضاً: إذا مات نهاراً لا ينبغي أن يبيتوه؛ لأن النبي صلى
الله عليه وسلم نهى أن يبيت الميت وسط أهله؛ لأنهم يستوحشونه، أو
كان ميتهم أخاهم أو أباهم أو ولدهم فإنهم يستأنسون بحضوره
ويؤانسهم، ولكن بعد الموت ترى طفله الصغير يخاف أن يدخل عنده، ترى
الشخص الكبير قد يخاف أن يدخل عليه، فما ينبغي أن يبيت الميت إلا
لحاجة أو لضرورة. ثم بيَّن صلى الله عليه وسلم حال الميت، إما أن
يكون صالحاً، فإنه يحب أن يتقدم للصالح، وإما أن يكون عكس ذلك، فلا
ينبغي أن نحمل على رقابنا غير الصالح، فلنضعه لنستريح منه. وكونه
صالحاً (خير تقدمونها إليه) مثل أن يوجد إنسان يريد أن يتزوج، وفي
ليلة زفافه نقول له: هيا نذهب معك فسحة، أو نقول له: تفضل أنت
ضيفنا الليلة، فالعريس عنده ما هو أهم من هذا كله، وكذلك الميت
الصالح: (فخير تقدمونها إليه)؛ لأنه أحب ما يكون إليه أن خرج من
ضيق الدنيا ونكدها وأثقالها، إلى فسيح الجنة ونعيمها. وجاء عن ابن
عباس رضي الله عنهما في قصة وفاة المصطفى صلى الله عليه وسلم،
أن العباس كان يعرف حالة بني هاشم عند الوفاة، فلما ثقل المرض

(2/260)


برسول الله صلى الله عليه وسلم اجتمع من بني هاشم العباس وعلي رضي الله تعالى عنهما، ودخل العباس على رسول الله فوجده في
الصحوة التي صحاها يوم أن توفي، فإنه صحا بعد صلاة الصبح فقال أبو
بكر قال: (أراك اليوم بريئاً يا رسول الله! ائذن لي إلى بيت
زيد بن فلان) وذهب إلى العالية، فدخل عليه العباس وعلي فخرجوا، فقال العباس لعلي : يا علي ! ارجع فسله فيمن
يكون هذا الأمر بعدك، والله إن لم تؤته لتساقن سوق العبد بالعصا،
قال: والله لن أسأله؛ لأنه إن منعنا إياها لن نعطاها أبداً، ثم قال
العباس : إني أعرف الموت في وجوه بني هاشم فجلسوا عند رسول
الله صلى الله عليه وسلم ثم قال لهم: (ائتوني بقسط وكتاب أكتب لكم،
ثم تلاحوا، فقال: قوموا عني فإن ما أنا فيه خيرٌ منكم ) وهذا
محل الشاهد، وفي آخر الأمر كشف لرسول الله صلى الله عليه وسلم،
وأصبح ما له حاجة فيهم، ثم أوصاهم: (أوصيكم بكتاب الله وبالصلاة )
أوصاهم شفوياً، ولم يكتب لهم شيئاً. الذي يهمنا قوله: (قوموا عني،
فإن ما أنا فيه خيرٌ لي منكم ) وهكذا الميت إذا كان في اللحظات
الأخيرة، وأمسك اللسان عن النطق، فإنه يرى مصيره، فإن رأى خيراً
تجد على وجهه البشاشة والطلاقة، وصباحة الوجه، كأنه إنسان نائم
يحتلم في فرح شديد جداً، فيظهر على قسمات وجهه، وكذلك الميت عند
الاحتضار، حينما يمسك اللسان يكشف عن مستقبله، وعن حقيقة أمره،
فيظهر عليه آثار ما يرى بعينه، إن كان خيراً ظهر عليه فرح وسرور
وطلاقة وجه، وإن كان عكس ذلك -عياذاً بالله- ترى وجهاً عبوساً
واكفهراراً في الوجه..إلى آخره على ما في الحديث: (من أحب لقاء
الله، أحب الله لقاءه.. ) وهنا الرسول صلى الله عليه وسلم يقول:
الميت بين أحد أمرين لا ثالث لهما: فإن يكن صالحاً فخير تقدمونه
إليه، فلا تؤخروه، وإن كان غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم. وليس
معنى الإسراع أن نجري به، فقد جاء عن بعض السلف: أنهم مروا بجنازة

(2/261)


على رسول الله صلى الله عليه وسلم كأنها شنة، أي وعاء فيه ماء
قليل، أو القربة اليابسة الصغيرة فيها قليل من الماء يتراكض له
صوت، فكأن الجنازة بإسراعهم شنة فيها قليل من الماء، فقال صلى الله
عليه وسلم (ارفقوا بالميت ) إذاً: ليس بالإسراع الذي يؤذي الميت
لو كان حياً على هذه الخشبة، وأمرنا أن ننقله إلى مكانه بسرعة،
فكيفية الإسراع: ألا نسرع كالجري، ولا نتباطأ ونتكاسل ونتمهل في
المشي، وعلى هذا يكون الإسراع بينَ بين، ليس هو بالتواني البطيء،
وليس هو بالهرولة، ولا بشدة الركض، إنما يكون متوسطاً. الشيء
الثاني: لو أن الذين يحملون الجنازة أقوياء وأسرعوا، فذلك يشق على
المشيعين؛ لأن فيهم الكبير، وفيهم المريض، وفيهم العاجز، وفيهم..،
فيريد أن يتابع الجنازة في تشييعها. إذاً: (أسرعوا بالجنازة)
الإسراع هنا في حدود المعقول، ليس هو بالإسراع المخل بالمروءة،
والذي يؤذي الميت، وليس هو بالبطيء المتواني المتكاسل، والله تعالى
أعلم. فائدة أخرى: الحديث يعطي إشارة إلى معنى، وهو أنه منذ أن
يوضع في القبر سيجد خيراً أو شراً، ويمكن لإنسان أن يضيف هذا
الحديث إلى أدلة إثبات نعيم القبر وعذابه؛ لأنه صلى الله عليه وسلم
يقول (إن تك صالحة فخيرٌ تقدمونها إليه، وإن تك سوى ذلك فشر تضعونه
عن رقابكم ) إذاً: الشر موجود والخير موجود، وهذا الحديث يشير
بدلالة الإيماء والتنبيه على وجود نعيم القبر وعذابه.
باب فضل اتباع الجنازة
وعنه رضي الله عنه قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من شهد
الجنازة حتى يصلى عليها؛ فله قيراط، ومن شهدها حتى تدفن؛ فله
قيراطان، قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل الجبلين العظيمين ) متفق
عليه، ولمسلم : (حتى توضع في اللحد ) . مراحل تجهيز
الجنازة ثلاث: الأولى: تجهيزها في مكانها بالغسل والحنوط والكفن.
المرحلة الثانية: الصلاة عليها، وتكون الصلاة إما في بيته في محله،

(2/262)


أو ينقل إلى المسجد أو إلى المقبرة؛ فيصلى عليه إما في بيته أو في
المسجد أو في المقبرة، والصلاة في المسجد قد تقدم الكلام عليها،
والصلاة في المقبرة يشترط لها ألا يكون أمام المصلين قبور، حتى لا
يستقبلون القبور بالصلاة، وبعض العلماء قال: لا مانع حتى لو كانت
القبور أمامهم.
المواطن التي نهى النبي عن الصلاة فيها
نهى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في المزبلة، والمقبرة، والمجزرة،
وفوق ظهر الحمام، وفوق ظهر بيت الله الحرام، وقارعة الطريق، ومعاطن
الإبل. هذه سبعة مواطن نهى صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها،
وليست كلها للنجاسة كما يظن البعض، بل كل واحدة لها علتها، والنهي
عنها في المقابر ليس للنجاسة كما يذكر ذلك بعض المؤلفين في فقه
المذاهب كالحنابلة، يقولون: لأن التربة تنبش فتختلط بالنجاسة التي
هي بقايا الجسم، لكن يقال: لقد حصلت الاستحالة، والاستحالة تُذهِب
النجاسة، والتحقيق أن في النهي عن الصلاة في المقبرة حفاظاً على
العقيدة. وقال بعض الناس: لا يصلى على الجنازة في المقبرة للنهي عن
ذلك عموماً، وقال البعض: تجوز الصلاة على الجنازة في المقبرة، لأن
الرسول صلى الله عليه وسلم صلى على قبر المرأة، قالوا: ولأن صلاة
الجنازة ليس فيها سجود، بخلاف ما إذا صلينا الصلوات المعهودة،
فإننا نحتاج أن نركع فيها ونسجد عند جدار القبر، فكأن المصلي يعبد
القبر، قالوا: فصلاة الجنائز ولو صليت عند المقابر ليس محظور؛
لأنها ليس فيها سجود، لكن الأولى الحفاظ على عموم النهي، وسلامة
العقائد؛ فيكون موضع الصلاة على الجنائز أمام المقبرة بحيث تكون
المقبرة خلف المصلين، أو عن يمينهم، أو عن يسارهم، وإذا لم يوجد
مكان للصلاة على الجنائز عند المقابر إلا أن تكون المقابر أمامهم،
فيرفع جدار صغير بين المصلى والقبور.
مراتب أجر اتباع الجنازة
فالرسول صلى الله عليه وسلم جعل الأجر على مرتبتين؛ لأن تجهيزه

(2/263)


يقوم به أهله، ثم يبقى تشييعه وحمله ودفنه، فمن حضر الجنازة حتى
يصلى عليها، سواءٌ في المسجد أو عند المقبرة، فهذه مرحلة أولى.
والمرتبة الثانية: أن ينتظر عند القبر حتى يفرغ من دفنها، وإذا
استطاع أن يشارك في الدفن ولو بحفنة تراب فهو أفضل، كما جاء عنه
صلى الله عليه وسلم أنه حضر جنازة، وانتظر حتى انتهوا من الدفن،
وجمع التراب عليه، فأخذ قبضة من التراب ووضعها على القبر، كأنه
شارك في الدفن. ومكان القبر قد لا يسع كل المشيعين ليشاركوا، وكثير
من الناس يحبون المشاركة، فينبغي الرفق. والمرتبة الثالثة: أن
ينتظر المرء إلى الفراغ من الدفن. إذاً: المرحلة الأولى خاصة
بأهله، والمرحلتان الباقيتان في تشييعه حتى الصلاة، وفي تشييعه حتى
الدفن، فمن حضر المرحلة الثانية، وهي تشييعه إلى أن يصلى عليه، ثم
يتركه بعد ذلك ؛ سواءً تركه لعجزٍ فيه، أو لاشتغال بأمر أهم، أو
نحو ذلك، فله قيراط من الأجر، فإذا واصل حتى دفنت فله قيراطان.
بيان معنى القيراط
الواقع أن القيراط اصطلاح وزن، واصطلاح نسبة، تقول مثلاً: هذا
البيت أربعة وعشرون قيراطاً، الزوجة لها الثمن أي لها ثلاثة
قراريط، فهي نسبة حسابية. والأربعة والعشرون قيراطاً تأتي في
الذهب، وتأتي في الفضة، وفي غيرها؛ لأن الأربعة والعشرين عددٌ يمكن
أن تؤخذ منه جميع الكسور الموجودة في فروض الميراث (نصف، ربع،
ثلثين، ثلث، ثمن، سدس)، ولهذا اصطلحوا عليها، وكذلك الذهب، عند
كونه خالصاً يكون أربعة وعشرين قيراطاً، وعند كونه مضافاً إليه من
النحاس أو معدن آخر يقال: فيه قيراط أو قيراطان من النحاس، فإذا
قيل: ذهب عيار أربعة وعشرين، فمعناه أنه: خالص، مع أنه ليس هناك
ذهب خالص أبداً؛ لأن الذهب وحده لا يصلح للتصنيع إلا قدر اثنين
وعشرين قيراطاً، ولابد أن يكون فيه شيء من النحاس حتى يشده؛ لأنه
لين. فإذا قيل: عيار واحد وعشرين، فيبقى فيه ثلاثة قراريط، أي أن:

(2/264)


الثمن من معدن آخر، وإذا قيل: عيار عشرين فمعناه أن فيه السدس من
معدن آخر ... وهكذا. وجاء القيراط في الأجور، ففي الحديث (من اقتنى
كلباً ليس بكلب صيد ولا حراسة، نقص من أجره كل يوم قيراط ) فلا
ندري ما القيراط هنا، لكن لو جعلناه من مجموع عمله، فمعناه أنه إذا
كان في اليوم ألف حسنة فإنه يسقط منها واحد من أربعة وعشرين، والله
تعالى أعلم. في هذا الحديث بيَّن لنا صلى الله عليه وسلم وزن هذا
القيراط، فليس هو بالجرام، لكن قالوا: (وما القيراطان؟ قال:
كالجبلين العظيمين ) والجبال تختلف: فهل هي جبال الألب أم جبال
الحبشة أم جبال الجزيرة، فإنها تختلف، فعين ذلك صلى الله عليه وسلم
بأنه كجبل أحد، ويمكننا أن نشاهده، وهذا من فضيلة الدراسة في
المدينة المنورة: أن ترى الشيء بعينك، ولا تحتاج أن يصفه لك جغرافي
أو جيولوجي، بل تذهب وتشاهده بعينك. وكذلك في بئر بضاعة، كان يتوضأ
من بئر بضاعة، وهي بئر يلقى فيها بكذا وكذا، أبو داود عندما
جاء إلى المدينة قال: قد ذرعته سبعة أذرع، أما نحن فلا نحتاج أن
تذرعه لنا سبعة ولا ثمانية، فبئر بضاعة قريب منا، يمكن أن نشاهده
بأعيننا ونعرف ما هو، وكان موجوداً إلى عهد قريب في مكانه وكان
الماء فيه إلى أن وضع عليه البستان... إذاً: هذا من فضائل دراسة
السنة النبوية في المدينة، وعلى سبيل المثال أذكر أنا كنا ندرس
الحديث على الشيخ عبد الرحمن لفيق غفر الله له، وحصل لي ظرف
سفر ورجعت، فسبقوني ببعض الأحاديث؛ فجئت إليه في بيته أتلقاها عنه،
وكان بيته يطل على بئر بضاعة، فعندما نقرأ عن بئر بضاعة أنها بئر
بجانب المدينة، قال: أغلق الكتاب، وانظر إلى البئر من النافذة.
فدراسة الحديث في المدينة المنورة لها ميزتها، ولذا يقول صلى الله
عليه وسلم (من راح إلى مسجدي لعلمٍ يُعلِّمه أو يتعلمه، كان كمن
غزا في سبيل الله ) بل زيادة على ذلك حصول البركة التي يلمسها

(2/265)


طالب العلم، فيحصِّل الكثير في الزمن القليل، ويكون أثبت عنده مما
لو درسه في غيره. ثم كلمة القراريط جاءت في مواطن لا ندري ما
معناها، وجاءت هنا مبينة، فهل هذا البيان بجبل أحد هو بيان لجميع
القراريط في جميع الأعمال أم خاص بقيراط الجنائز؟ الله تعالى أعلم.
تشييع الجنازة من حق المسلم على المسلم
تشييع الجنازة حق للميت على المسلم، فتؤدي الحق الذي عليك وتأخذ
قيراطاً مثل أحد! هذا والله فضل عظيم. جاء في الحديث الصحيح: (حق
المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم عليه.. ) أي: بلفظ:
السلام عليكم، ومن آداب السلام: أن يسلم الصغير على الكبير،
والراكب على الماشي، والماشي على الجالس. فإذا لم يسلم من عليه
الابتداء بالسلام، فمن حق الثاني أن يقول له: أعطني حقي! لأن عدم
السلام يدل على أن في النفس شيئاً، وقد جاء عن عمر رضي الله
تعالى عنه: أنه مر بعثمان وهو جالس فسلم عليه، فلم يرد عثمان عليه السلام، فذهب إلى أبي بكر واشتكى، ولما تأيمت حفصة بنت
عمر رضي الله تعالى عنها، كان عمر قد عرضها على عثمان ، فقال عثمان : ليس عندي نية الزواج الآن، وكان الأفضل أن
يقول: جزاك الله خيراً، دعني أفكر في الموضوع، لكن رد ذلك العرض،
فكانت هناك سابقة في النفس قليلة. ثم عرضها على أبي بكر فلم
يرد عليه بخير ولا بشر، فجاء واشتكاهما إلى رسول الله، فالرسول صلى
الله عليه وسلم طيب خاطره وقال (يتزوج حفصة من هو خيرٌ من
عثمان ، ويتزوج عثمان من هي خيرٌ من حفصة ) فقدر
الله أن تزوجت حفصة خيراً من عثمان وهو رسول الله، وتزوج
عثمان خيراً من حفصة ، وهي بنت رسول الله الثانية. الشاهد
أن عمر سلم على عثمان فلم يرد عليه السلام، فذهب واشتكاه
إلى أبي بكر ، ولو لم يكن له حق في هذا السلام لما اشتكاه؛

(2/266)


لكنه حق الأخوة. وتمام القصة: أنه ما وصل عمر إلى أبي بكر إلا وعثمان وراءه يقول: السلام عليكم، فقال أبو بكر لعثمان : وماذا وراءك يا عثمان ؟! أخوك عمر يسلم عليك
فلم ترد عليه السلام، قال: والله ما سمعته ولا شعرت به! فقال أبو
بكر : فيم كنت تفكر؟ قال: أمور لو أننا سألنا رسول الله عنها،
وذكر غيرها، فقال أبو بكر والله لقد كنت أفكر فيها قبلك. نعود
إلى الحديث (حق المسلم على المسلم ست: إذا لقيته فسلم، إذا استنصحك
فانصح له، إذا دعاك فأجبه، إذا عطس فحمد الله فشمته، إذا مرض فعده،
وإذا مات فاتبعه ) فهذه حقوق للمسلم على المسلم من أول ما
يلاقيه إلى أن يدفنه، وهي حقوق إسلامية عامة، بخلاف حقوق الجوار،
وبر الوالدين، وقضاء الدين الذي عليه، فهذه حقوق خاصة، ليس سببها
مجرد أخوة الإسلام. فهذه الحقوق التي لمطلق أخوة الإسلام، منها أن
المسلم إذا مات، فله حقٌ على إخوانه المسلمين أن يشيعوه، ومع هذا
فللمشيع إذا قام بهذا الحق قيراطان. (قيل: وما القيراطان؟ قال: مثل
الجبلين العظيمين ) متفق عليه، ولمسلم : (حتى توضع في
اللحد ) فإذا شُقَّ له شقاً، فالحكم كذلك؛ لانتفاء الفارق بين
اللحد والشق، لأن المعنى: حتى يوضع في مكانه الأخير. وللبخاري أيضاً من حديث أبي هريرة : (من تبع جنازة مسلم إيماناً
واحتساباً، وكان معها حتى يصلى عليها، ويفرغ من دفنها؛ فإنه يرجع
بقيراطين، كل قيراط مثل جبل أحد ) . هذا الحديث الثاني بيَّن
المجمل في الحديث الأول، حيث أطلق القيراطان عن تحديدها؛ فجاء
المؤلف -لفقهه- بالحديث الثاني، وبيَّن لنا الإجمال الموجود في
الحديث السابق، بأن الجبلين العظيمين كل منهما كجبل أحد، وهذا مثال
على بيان المجمل.
134599 ( كتاب الجنائز [10] )
( كتاب الجنائز [10] )
عناصر الموضوع
1 الحثو على القبر ثلاث حثيات
2 باب الاستغفار للميت بعد دفنه
3 التلقين بعد الدفن
4 باب حكم زيارة القبور

(2/267)


5 باب النهي عن النوح (النهي عن النياحة)
6 باب كراهية الدفن ليلاً
كتاب الجنائز [11]
ن الحرص على اتباع جنائز المسلمين وحضور دفنهم لهو مما رتب عليه الشارع
أعظم الأجر والمثوبة، فمن حضر دفن أحد المسلمين فيشرع في حقه أمور
منها: أن يهيل التراب على الميت ولو بثلاث حثيات، ثم يدعو للميت بعد
دفنه ويستغفر له، كما يشرع في حق المسلمين عامة موالاة زيارة مقابر
المسلمين للدعاء لهم وأخذ العبرة والاتعاظ من حالهم الذي هم فيه
الحثو على القبر ثلاث حثيات
وعن عامر بن ربيعة رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم
صلى على عثمان بن مظعون ، وأتى القبر فحثا عليه ثلاث حثيات، وهو
قائم ) رواه الدارقطني . هذا ما أشرنا إليه سابقاً من
المشاركة في الدفن، من أن النبي صلى الله عليه وسلم، صلى على عثمان
بن مظعون ، وأتى القبر ثم حثا عليه ثلاث حثيات، والحثية:
الغرفة بالكف، ولكن هنا بيديه؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم شارك في
الدفن بأن أخذ ثلاث حثيات من تراب القبر ووضعها عليه، كأنه شارك
فيمن يهيل التراب عليه بالمسحاة ونحوها. ولكن هنا لفتة في التثليث،
يقولون: لما فعل ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: مِنْهَا
خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ
تَارَةً أُخْرَى [طه:55]؛
فيقول النووي : في كل حثوة يحثوها يقول كلمة من الثلاث:
الأولى: منها خلقناكم. الثانية: وفيها نعيدكم. الثالثة: ومنها
نخرجكم تارة أخرى. وهكذا الإنسان إن استطاع أن يشارك في إهالة
التراب، أو كان العدد قليلاً فيتراوحون فيما بينهم ويساعد في ذلك،
وإذا كان العدد كثيراً، وأراد أن يشارك، فقد جاء أن في كل ذرة منها
حسنة، فكم في الحثية هذه من ذرة رمل أو غير ذلك، فله أجر في هذه
المشاركة، والله سبحانه وتعالى أعلم.
باب الاستغفار للميت بعد دفنه
وعن عثمان رضي الله عنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه

(2/268)


وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: استغفروا لأخيكم واسألوا
له التثبيت، فإنه الآن يسأل ) رواه أبو داود وصححه الحاكم . في هذا الحديث يبين لنا المؤلف رحمه الله حقَّ الميت علينا من
الاستغفار، وأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك؛ لأن كلمة
(كان) تدل على التكرار والكثرة، لم يقل: (وقف) بل قال: (كان). فإذا
فرغ الناس من دفن الميت، وأهالوا عليه التراب، ولم يبق إلا أن
ينصرفوا؛ وقف وقال للحاضرين: (استغفروا لأخيكم). وهذا من أدلة
انتفاع الميت بعمل الحي؛ لأن استغفارهم هو طلب المغفرة من الله
للميت، وليس للميت في ذلك عمل، ثم يقول صلى الله عليه وسلم، مع طلب
المغفرة له (سلوا الله له التثبت ) يُثَبِّتُ
اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ
الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ [إبراهيم:27]
وهذه في الآخرة. فهنا: (واسألوا الله له التثبيت، فإنه الآن يسأل )
وهذا من أقوى أدلة وجود عذاب القبر ونعيمه، وسؤاله، وقد جاء تفصيل
هذه المسألة في حديث، وأنه إذا انصرف الناس عن ميتهم أتاه ملكان،
وذكر من صورتهما الشيء الكثير، يقال لأحدهما المنكر وللآخر النكير،
فيجلسانه فيسألانه: من ربك؟ ما دينك؟ من هذا الرجل الذي بعث فيكم؟
فالمؤمن يلهمه الله سبحانه وتعالى الجواب، فلا يفزع منهم، ويجيب
على ما كان عليه، فإذا قالوا: من ربك؟ يقول: ربي الله رب السماوات
والأرض، ما دينك؟ يقول: ديني الإسلام، ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟
فيقول: هذا محمد بن عبد الله رسول الله صلى الله عليه وسلم،
فيقولان: نم نومة العروس، ويرى منزله من الجنة ومن رياضها،
ونعيمها، ويفسح له في قبره، ثم يفتح له بابٌ أو نافذة على النار،
ويقال له: كان هذا مصيرك، لو لم تكن مؤمناً. أما غير المؤمن -نسأل
الله السلامة والعافية- فإذا سئل من ربك؟ يقول: هاه .. هاه لا
أدري! فيقول الملكان: لا دريت ولا تليت. ما دينك؟ فيقول: هاه ..

(2/269)


هاه لا أدري! يقولان: لا دريت ولا تليت، ثم يضرب ويعذب، نسأل الله
السلامة والعافية، ونسأل الله أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة
الدنيا وفي الآخرة. وهذا الحديث يستدل به بعض العلماء على ما ينبغي
أن يقال ويذكَّر به الميت، وبعضهم يذكر صيغاً لذلك كما ذكرها
النووي في المجموع وذكرها ابن قدامة في المغني، وذكرها
غيرهما، منها: يا عبد الله، فإنه يسمع: يا فلان بن فلان فإنه يجلس،
أو إلى الثالثة يجلس، فيقول له: تذكر ما فارقتنا عليه من شهادة أن
لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وعلى دين الإسلام، وملة
محمد صلى الله عليه وسلم...إلخ، ويذكرون ألفاظاً يذكرون بها الميت،
وجواب الملكين، حينما يسألانه؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم أخبر
بأن موضوع السؤال: من ربك؟ ما دينك؟ ما نبيك؟ فهذه الثلاثة الأصول
التي يسأل عنها الإنسان أول ما يسأل في قبره. والله تعالى أعلم.
التلقين بعد الدفن
وعن ضمرة بن حبيب رضي الله عنه أحد التابعين قال: [كانوا
يستحبون إذا سوي على الميت قبره وانصرف الناس عنه، أن يقال عند
قبره: يا فلان! قل لا إله إلا الله.. ثلاث مرات، يا فلان! قل ربي
الله وديني الإسلام ونبيي محمد] رواه سعيد بن منصور موقوفاً.
بعض العلماء يجعل هذا الحديث من باب تلقين الميت بهذه الأصول
الثلاثة، وبعضهم يجعله من باب التذكير فقط والتلقين، وربما زاد
عليه بعض الألفاظ، وأعتقد أن هذه المسألة بطولها قد تعرضنا لها،
وجئنا فيها بأقوال الإمام ابن تيمية رحمه الله، وذكر الأثر
الوارد عن أبي أمامة ، وما كان يفعله السلف من تلقين الميت بعد
موته عند القبر كما في حديث: (لقنوا موتاكم لا إله إلا الله )
مما يغني عن إعادته هنا، والجمهور على تلقين الميت هذه الألفاظ،
وقد يضاف إليها غيرها، والله تعالى أعلم. وللطبراني نحوه من
حديث أبي أمامة مرفوعاً مطولاً.
باب حكم زيارة القبور
وعن بريدة بن الحصيب الأسلمي رضي الله تعالى عنه قال (قال رسول

(2/270)


الله صلى الله عليه وسلم: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها )
رواه مسلم ، زاد الترمذي : (فإنها تذكر الآخرة ) هذه
المسألة طويلة الذيل كما يقال، وهي قديمة تتجدد، ويكثر النزاع فيها
من آونة لأخرى، ألا وهي زيارة النسوة للقبور، فهل يجوز ذلك أم لا؟
ونجد في هذه المسألة فريقين، يقول: لا تزور، وفريقاً يقول: بل
تزور، فهي دائرة بين الجواز والمنع. وإذا زارت هل تكون الزيارة
مكروهة أم محرمة؟ فمنهم من يقول بالكراهية، ومنهم من يقول
بالتحريم، وأصل هذه المسألة كما سمعنا الإشارة إليها: (كنت نهيتكم )
كانت زيارة القبور ممنوعة على الرجال والنساء سواء، وما كان لأحد
حق أن يزور قبراً. قال المجيزون: كان ذلك في أول الأمر، إبعاداً عن
الإمعان في تعظيم الموتى؛ لأن تعظيم الموتى كان هو الخطوة الأولى
للمسيرة الطويلة في عبادة الأصنام، في مثل قضية يغوث ويعوق ونسر،
وكانوا رجالاً صالحين. كما هو معلوم في قصة هؤلاء الرجال في زمن
نوح عليه السلام.
أدلة القائلين بالمنع من زيارة النساء للقبور
نهى الرسول صلى الله عليه وسلم المسلمين عن زيارة القبور سداً
للذريعة، من أن يقعوا في تعظيم الأموات، فيطول الزمن، فيئول الأمر
إلى عبادتهم. فلما استقرت العقيدة عند المسلمين، وكان في زيارة
القبور مصلحة، جاء الإذن، ولكن لمن كان ذلك الإذن؟ هنا وقع الخلاف
فقوله: (ألا فزوروها)الخطاب هنا لواو الجماعة الذكور، فهل يدخل
النسوة تبعاً للذكور في: (زوروها)، ويكون الإذن عاماً للطرفين، أم
أن الإذن هنا خاصٌ بواو الجماعة وبقي النسوة على المنع الأول؟
فقومٌ قالوا: إن الإذن هنا لواو الجماعة، ونون النسوة لم تأت،
واستدلوا لقولهم هذا بحديث آخر، وهو: (لعن الله زوّارات القبور )
وهذا الحديث جاء بلفظين، لفظ صيغة المبالغة: زوارات، ولفظ اسم
الفاعل: زائرات. فزائرات تدل على وجود الزيارة، ولا تدل على
الكثرة؛ لكن (زوارات) تدل على كثرة التردد للزيارة، فالمانعون

(2/271)


قالوا: الإذن جاء للرجال دون النساء، والوعيد جاء للنسوة في
الزيارة.
أدلة القائلين بجواز زيارة النساء للقبور
وقال المجيزون: أما واو الجماعة، فإن القاعدة في اللغة العربية
تقول: إنه إذا وجدت مائة امرأة ورجلٌ واحد فإنه يخاطب المائة
والواحد بواو الجماعة للمذكر، ويدخلن النسوة معه تبعاً، وأيضاً
قوله تعالى: (وأقيموا الصلاة) فإن الواو هنا واو الجماعة، فيدخلن
النسوة قطعاً في إقامة الصلاة. ومثل ذلك مثل قوله تعالى: يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ [البقرة:183]
فقوله: (آمنوا) دخلت مع واو الجماعة نون النسوة في الصيام، قالوا:
فلا دليل للمانعين في ذلك. ثم إن حديث: (كنت نهيتكم عن زيارة
القبور فزوروها ) جاء فيه التعليل للإذن بالزيارة في قوله:
(فإنها -أي: الزيارة للموتى- تذكر الآخرة، وتزهد في الدنيا، أو
تذكر بالموت ) إذاً: الإذن بالزيارة معللٌ بعلة، وهي أن يتذكر
الزائر الموت، ويزهد في الدنيا، ويرغب في الآخرة، وليست تلك العلة
خاصة بالرجال، بل إن النسوة أيضاً في حاجة إليها، والحكم إذا كان
معللاً بعلة، فإنه يدور معها وجوداً وعدماً، والعلة موجودة في
النساء، بل إن المرأة أحوج إلى هذا التذكير. أما قوله صلى الله
عليه وسلم: (لعن الله زوارات القبور ) فنقول: نعم، الحديث جاء
بصيغة المبالغة؛ لأن المرأة تكثر الزيارة، فيكون هناك بعض
المحظورات؛ لأنها قد لا تتحفظ في الذهاب، ولا تؤدي واجب بيتها، وقد
تهمل البيت بكثرة الخروج، وقد تتكلم بكلام لا يرضي الله. وجاء في
الحديث السابق: (ألا فزوروها، ولا تقولوا هجراً ) يعني: إذا زرت
المقابر فلا تقل: يا حبيبي، يا سندي، ونحو ذلك. فيكون النهي
لزوارات القبور لعدم صبرهن عند المجيء إلى القبر، وتكلمهن بأشياء
لا ترضي الله عز وجل. وجاء أيضاً في حديث آخر: (مر النبي صلى الله
عليه وسلم بالمقبرة، فوجد امرأةً تبكي عند قبرٍ، فقال: يا أمة

(2/272)


الله! اتقي الله واصبري، فقالت: إليك عني، فإنك لم تصب بمصيبتي،
فتركها وذهب، فأتيت فقيل لها: إنه رسول الله، فاعتراها ما يشبه
الموت، ثم أسرعت ولحقت به، تقول: فما وجدت على بابه بوابين، وقلت:
يا رسول الله! أتوب إلى الله وأصبر، قال: إنما الصبر عند الصدمة
الأولى ) قال المجيزون: كانت هذه المرأة في المقبرة عند القبر
تبكي، فلم يبدأ بنهيها، ولم يقل: أنت ملعونةٌ في زيارتكِ، ولم يقل
لها: أنت منهية عن الزيارة، ولكن أرشدها إلى ما هو الأفضل: (اتقي
الله واصبري ) فقد أقرها على زيارتها ومجيئها إلى القبر. قال
المانعون: وما يدرينا، لعلها ذهبت مع المشيعين وجلست هناك؟ وقد
أجاب المجيزون عن ذلك بحديث: (نُهينا عن اتباع الجنائز ولم يعزم
علينا ) وجاء حديث عن عائشة رضي الله عنها وفيه: (... ثم
انطلقتُ على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام، ثم رفع يديه
ثلاث مرات، ثم انحرف فانحرفت، فأسرع فأسرعت، فهرول فهرولت، فأحضر
فأحضرت، فسبقته فدخلت، فليس إلا أن اضطجعت فدخل، فقال: مالكِ يا
عائش حشيا رابية؟ قالت: قلت: لا شيء، قال: لتخبرني أو ليخبرني
اللطيف الخبير، قالت: قلت: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي. فأخبرته.
قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي؟ قلت: نعم. فلهدني في صدري لهدة
أوجعتني. ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله؟ قالت: مهما يكتم
الناس يعلمه الله؟ قال: نعم. فإن جبريل أتاني حين رأيتِ فناداني،
فأخفاه منك، فأجبته، فأخفيته منك، ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت
ثيابك، وظننت أن قد رقدتِ، فكرهت أن أوقظك، وخشيت أن تستوحشي،
فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم. قالت: قلت:
إذا زرت القبور فكيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي: السلام على
أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا
والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون ) فهنا أم المؤمنين

(2/273)