صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ شرح النووي على صحيح مسلم ]
الكتاب : المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج
المؤلف : أبو زكريا يحيى بن شرف بن مري النووي
الناشر : دار إحياء التراث العربي - بيروت
الطبعة الطبعة الثانية ، 1392
عدد الأجزاء : 18

( باب النهي عن الشحناء )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2565 ] ( تفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس ) الحديث قال القاضي قال الباجي معنى فتحها كثرة الصفح والغفران ورفع المنازل واعطاء الثواب الجزيل قال القاضي ويحتمل أن يكون على ظاهره وأن فتح أبوابها علامة لذلك قوله صلى الله عليه و سلم ( اركوا هذين حتى يصطلحا هو بالراء الساكنة وضم الكاف والهمزة في أوله همزة وصل أي أخروا يقال ركاه يركوه ركوا اذا أخره قال صاحب التحرير ويجوز أن يرويه بقطع الهمزة المفتوحة من قولهم أركيت الامر اذا أخرته وذكر غيره أنه روي بقطعها ووصلها والشحناء العداوة كأنه

(16/122)


شحن بغضا له لملائه وأنظروا هذين بقطع الهمزة أخروهما حتى يفيئا أي يرجعا إلى الصلح والمودة
( باب فضل الحب في الله تعالى )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2566 ] ( إن الله يقول يوم القيامة أين المتحابون بجلالي اليوم أظلهم في ظلي يوم لا ظل إلا ظلي ) فيه دليل لجواز قول الانسان الله يقول وهو الصواب الذي عليه العلماء كافة الا ما قدمناه في كتاب الايمان عن بعض السلف من كراهة ذلك وأنه لا يقال يقول الله بل يقال قال الله وقدمنا أنه جاء بجوازه القرآن في قوله تعالى والله يقول الحق وأحاديث صحيحة كثيرة قوله تعالى المتحابون بجلالي أي بعظمتي وطاعتي لا للدنيا وقوله تعالى يوم لا ظل الا ظلي أي أنه لا يكون من له ظل مجازا كما في الدنيا وجاء في غير مسلم ظل عرشي قال القاضي ظاهره أنه في ظله من الحر والشمس ووهج الموقف وأنفاس الخلق قال وهذا قول الاكثرين وقال عيسى بن دينار معناه كفه من المكاره واكرامه وجعله في كنفه وستره ومنه قولهم السلطان ظل الله في الارض وقيل يحتمل أن الظل هنا عبارة عن الراحة والنعيم يقال هو في عيش ظليل أي طيب قوله صلى الله عليه و سلم

(16/123)


[ 2567 ] ( فأرصد الله على مدرجته ملكا ) معنى أرصده أقعده يرقبه والمدرجة بفتح الميم والراء هي الطريق سميت بذلك لأن الناس يدرجون عليها أي يمضون ويمشون قوله ( لك عليه من نعمة تربها ) أي تقوم باصلاحها وتنهض إليه بسبب ذلك قوله ( بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه ) قال العلماء محبة الله عبده هي رحمته له ورضاه عنه وإرادته له الخير وأن يفعل به فعل المحب من الخير وأصل المحبة في حق العباد ميل القلب والله تعالى منزه عن ذلك في هذا الحديث فضل المحبة في الله تعالى وأنها سبب لحب الله تعالى العبد وفيه فضيلة زيارة الصالحين والاصحاب وفيه ان الآدميين قد يرون الملائكة
( باب فضل عيادة المريض )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2568 ] ( عائد المريض في مخرفة الجنة ) وفي الرواية الثانية خرفة الجنة بضم الخاء قيل يا رسول الله ما خرفة الجنة قال جناها أي يؤول به ذلك إلى الجنة واجتناء ثمارها واتفق العلماء على فضل عيادة المريض وسبق شرح ذلك واضحا في بابه قوله في أسنايد هذا الحديث

(16/124)


( عن أبي قلابة عن أبي أسماء ) وفي الرواية الاخرى عن أبي قلابة عن الأشعث عن أبي أسماء قال الترمذي سألت البخاري عن اسناد هذا الحديث فقال أحاديث أبي قلابة كلها عن أبي أسماء ليس بينهما أبو الاشعث الا هذا الحديث قوله عزوجل [ 2569 ] ( مرضت فلم تعدني قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين قال أما علمت أن عبدي فلانا مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني

(16/125)


عنده ) قال العلماء إنما أضاف المرض إليه سبحانه وتعالى والمراد العبد تشريفا للعبد وتقريبا له قالوا ومعنى وجدتني عنده أي وجدت ثوابي وكرامتي ويدل عليه قوله تعالى في تمام الحديث لو أطعمته لوجدت ذلك عندي لو أسقيته لوجدت ذلك عندي أي ثوابه والله اعلم
( باب ثواب المؤمن فيما يصيبه )
من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها قولها [ 2570 ] ( ما رأيت رجلا أشد عليه الوجع من رسول الله صلى الله عليه و سلم ) قال العلماء الوجع هنا

(16/126)


المرض والعرب تسمي كل مرض وجعا قوله [ 2571 ] ( انك لتوعك وعكا شديدا ) الوعك باسكان العين قيل هو الحمى وقيل ألمها ومغثها وقد وعك الرجل يوعك فهو موعوك قوله ( يحيى بن عبد الملك بن أبي غنية

(16/127)


هو بالغين المعجمة والنون قوله [ 2572 ] ( ان عائشة رضي الله عنها قالت للذين ضحكوا ممن عثر بطنب فسطاط لا تضحكوا فيه النهي عن الضحك من مثل هذا الا أن يحصل غلبة لا يمكن دفعه وأما تعمده فمذموم لان فيه اشماتا بالمسلم وكسرا لقلبه والطنب بضم النون واسكانها هو الحبل الذي يشد به الفسطاط وهو الخباء ونحوه ويقال فستاط بالتاء بدل الطاء وفساط بحذفها مع تشديد السين والفاء مضمومة ومكسورة فيهن فصارت ست لغات قوله صلى الله عليه و سلم ( مامن مسلم يشاك شوكة فما فوقها الا كتبت له درجة ومحيت عنه بها خطيئة ) وفي رواية إلا رفعه الله بها درجة أو حط عنه بها خطيئة وفي بعض النسخ وحط عنه بها وفي رواية إلا كتب الله له بها حسنة أو حطت عنه بها خطيئة في هذه الاحاديث بشارة عظيمة للمسلمين فانه قلما ينفك الواحد منهم ساعة من شئ من هذه الامور وفيه تكفير الخطايا بالامراض والاسقام ومصايب الدنيا وهمومها وان قلت مشقتها وفيه رفع الدرجات بهذه الامور وزيادة الحسنات وهذا هو الصحيح الذي عليه جماهير العلماء وحكى القاضي عن بعضهم أنها تكفر الخطايا فقط ولا ترفع درجة ولا تكتب

(16/128)


حسنة قال وروي نحوه عن بن مسعود قال الوجع لا يكتب به أجر لكن تكفر به الخطايا فقط واعتمد على الاحاديث التي فيها تكفير الخطايا ولم تبلغه الاحاديث التي ذكرها مسلم المصرحة برفع الدرجات وكتب الحسنات قال العلماء والحكمة في كون الانبياء أشد بلاء ثم الامثل فالامثل أنهم مخصوصون بكمال الصبر وصحة الاحتساب ومعرفة أن ذلك نعمة من الله تعالى ليتم لهم الخير ويضاعف لهم الاجر ويظهر صبرهم ورضاهم قوله صلى الله عليه و سلم ( لا تصيب المؤمن من شوكة فما فوقها إلا قص الله بها من خطيئته ) هكذا هو في معظم النسخ قص وفي بعضها نقص

(16/129)


وكلاهما صحيح متقارب المعنى قوله صلى الله عليه و سلم [ 2573 ] ( ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا سقم ولا حزن حتى الهم يهمه إلا كفر الله به من سيئاته ) الوصب الوجع اللازم ومنه قوله تعالى ولهم عذاب واصب أي لازم ثابت والنصب التعب وقد نصب ينصب نصبا كفرح يفرح فرحا ونصبه غيره وأنصبه لغتان والسقم بضم السين واسكان القاف وفتحهما لغتان وكذلك الحزن والحزن فيه اللغتان ويهمه قال القاضي هو بضم الياء وفتح الهاء على مالم يسم فاعله وضبطه غيره يهمه بفتح الياء وضم الهاء أي يغمه وكلاهما صحيح قوله [ 2574 ] ( عن بن محيصن شيخ من قريش قال مسلم هو عمر بن عبد الرحمن بن محيصن ) وهكذا هو في معظم نسخ بلادنا أن مسلما قال هو عمر بن عبد الرحمن وفي بعضها هو عبد الرحمن وكذا نقله القاضي عن بعض الرواة وهو غلط والصواب الاول ومحيصن بالنون في آخره ووقع في بعض نسخ المغاربة بحذفها وهو تصحيف قوله صلى الله عليه و سلم ( قاربوا ) أي اقتصدوا فلا تغلوا ولا تقصروا بل توسطوا ( وسددوا ) أي اقصدوا السداد وهو الصواب قوله صلى الله عليه و سلم ( حتى النكبة ينكبها ) وهي مثل العثرة يعثرها برجله

(16/130)


وربما جرحت اصبعه وأصل النكب الكب والقلب قوله صلى الله عليه و سلم [ 2575 ] ( مالك ياأم السائب تزفزفين ) بزاءين معجمتين وفاءين والتاء مضمومة قال القاضي تضم وتفتح هذا هو الصحيح المشهور في ضبط هذه اللفظة وادعى القاضي أنها رواية جميع رواة مسلم ووقع في بعض نسخ بلادنا بالراء والفاء ورواه بعضهم في غير مسلم بالراء والقاف معناه تتحركين حركة شديدة أي ترعدين [ 2576 ] وفي حديث المرأة التي كانت تصرع دليل على أن الصرع يثاب عليه أكمل ثواب

(16/131)


( باب تحريم الظلم )
قوله تعالى [ 2577 ] ( اني حرمت الظلم على نفسي ) قال العلماء معناه تقدست عنه وتعاليت والظلم مستحيل في حق الله سبحانه وتعالى كيف يجاوز سبحانه حدا وليس فوقه من يطيعه وكيف يتصرف في غير ملك والعالم كله في ملكه وسلطانه واصل التحريم في اللغة المنع فسمي تقدسه عن الظلم تحريما لمشابهته للممنوع في اصل عدم الشئ قوله تعالى ( وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا ) هو بفتح التاء أي لا تتظالموا والمراد لا يظلم بعضكم بعضا وهذا توكيد لقوله تعالى يا عبادي وجعلته بينكم محرما وزيادة تغليظ في تحريمه قوله تعالى ( كلكم ضال إلا من هديته ) قال المازري ظاهر هذا انهم خلقوا على الضلال إلا من هداه الله تعالى وفي الحديث المشهور كل مولود يولد على الفطرة قال فقد يكون المراد بالاول وصفهم بما كانوا عليه قبل مبعث النبي صلى الله عليه و سلم وانهم لو تركوا وما في طباعهم من ايثار الشهوات والراحة واهمال النظر لضلوا وهذا الثاني أظهر وفي هذا دليل لمذهب اصحابنا وسائر اهل السنة أن المهتدي هو من هداه الله وبهدي الله اهتدى وبإرادة الله

(16/132)


تعالى ذلك وأنه سبحانه وتعالى انما أراد هداية بعض عباده وهم المهتدون ولم يرد هداية الآخرين ولو أرادها لاهتدوا خلافا للمعتزلة في قولهم الفاسد أنه سبحانه وتعالى أراد هداية الجميع جل الله أن يريد مالا يقع أو يقع مالا يريد قوله تعالى ( ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط اذا أدخل البحر ) المخيط بكسر الميم وفتح الياء هو الابرة قال العلماء هذا تقريب إلى الافهام ومعناه لا ينقص شيئآ اصلا كما قال في الحديث الآخر لا يغيضها نفقة أي لا ينقصها نفقة لأن ما عند الله لا يدخله نقص وإنما يدخل النقص المحدود الفاني وعطاء الله تعالى من رحمته وكرمه وهما صفتان قديمتان لا يتطرق اليهما نقص فضرب المثل بالمخيط في البحر لأنه غاية ما يضرب به المثل في القلة والمقصود التقريب إلى الافهام بما شاهدوه فإن البحر من أعظم المرئيات عيانا وأكبرها والابرة من أصغر الموجودات مع أنها صقيلة لا يتعلق بها ماء والله أعلم قوله تعالى ( يا عبادي انكم تخطئون بالليل والنهار ) الرواية المشهورة تخطئون بضم التاء وروي بفتحها وفتح الطاء يقال خطئ

(16/133)


يخطأ اذا فعل ما يأثم به فهو خاطئ ومنه قوله تعالى إستغفر لنا ذنوبنا إنا كنا خاطئين ويقال في الاثم أيضا أخطأ فهما صحيحان قوله صلى الله عليه و سلم [ 2578 ] [ 2579 ] ( اتقوا الظلم فإن الظلم ظلمات يوم القيامة ) قال القاضي قيل هو على ظاهره فيكون ظلمات على صاحبه لا يهتدي يوم القيامة سبيلا حتى يسعى نور المؤمنين بين أيديهم وبأيمانهم ويحتمل أن الظلمات هنا الشدائد وبه فسروا قوله تعالى قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر أي شدائدهما ويحتمل أنها عبارة عن الأنكال والعقوبات قوله صلى الله عليه و سلم ( واتقوا الشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم ) قال القاضي يحتمل أن هذا الهلاك هو الهلاك الذي أخبر عنهم به في الدنيا بانهم سفكوا دماءهم ويحتمل أنه هلاك الآخرة وهذا الثاني أظهر ويحتمل أنه أهلكهم في الدنيا والآخرة قال جماعة الشح أشد البخل وأبلغ في المنع من البخل وقيل هو البخل مع الحرص وقيل البخل في أفراد الامور والشح عام وقيل البخل في أفراد الامور والشح بالمال والمعروف وقيل الشح الحرص على ماليس عنده والبخل بما عنده قوله صلى الله عليه و سلم [ 2580 ] ( من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ) أي أعانه عليها ولطف

(16/134)


به فيها قوله صلى الله عليه و سلم ( ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة ) في هذا فضل إعانة المسلم وتفريج الكرب عنه وستر زلاته ويدخل في كشف الكربة وتفريجها من ازالها بماله أوجاهه أو مساعدته والظاهر أنه يدخل فيه من أزالها بإشارته ورأيه ودلالته وأما الستر المندوب إليه هنا فالمراد به الستر على ذوي الهيئات ونحوهم ممن ليس هو معروفا بالاذى والفساد فأما المعروف بذلك فيستحب أن لا يستر عليه بل ترفع قضيته إلى ولي الامر إن لم يخف من ذلك مفسدة لان الستر على هذا يطمعه في الايذاء والفساد وانتهاك الحرمات وجسارة غيره على مثل فعله هذا كله في ستر معصية وقعت وانقضت أما معصية رآه عليها وهو بعد متلبس بها فتجب المبادرة بانكارها عليه ومنعه منها على من قدر على ذلك ولا يحل تأخيرها فان عجز لزمه رفعها إلى ولي الامر اذا لم تترتب على ذلك مفسدة وأما جرح الرواة والشهود والأمناء على الصدقات والاوقاف والايتام ونحوهم فيجب جرحهم عند الحاجة ولا يحل الستر عليهم اذا رأى منهم ما يقدح في أهليتهم وليس هذا من الغيبة المحرمة بل من النصيحة الواجبة وهذا مجمع عليه قال العلماء في القسم الاول الذي يستر فيه هذا الستر مندوب فلو رفعه إلى السلطان ونحوه لم يأثم بالاجماع لكن هذا خلاف الاولى وقد يكون في بعض صوره ما هو مكروه والله اعلم قوله صلى الله عليه و سلم [ 2581 ] ( أن المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا إلى آخره ) معناه أن هذا حقيقة المفلس وأما من ليس له مال ومن قل ماله فالناس يسمونه

(16/135)


مفلسا وليس هو حقيقة المفلس لأن هذا أمر يزول وينقطع بموته وربما ينقطع بيسار يحصل له بعد ذلك في حياته وانما حقيقة المفلس هذا المذكور في الحديث فهو الهالك الهلاك التام والمعدوم الاعدام المقطع فتؤخذ حسناته لغرمائه فاذا فرغت حسناته أخذ من سيئاتهم فوضع عليه ثم ألقي في النار فتمت خسارته وهلاكه وافلاسه قال المازري وزعم بعض المبتدعة أن هذا الحديث معارض لقوله تعالى ولا تزر وازرة وزر أخرى وهذا الاعتراض غلط منه وجهالة بينة لانه إنما عوقب بفعله ووزره وظلمه فتوجهت عليه حقوق لغرمائه فدفعت اليهم من حسناته فلما فرغت وبقيت بقية قوبلت على حسب ما اقتضته حكمة الله تعالى في خلقه وعدله في عباده فأخذ قدرها من سيئآت خصومه فوضع عليه فعوقب به في النار فحقيقة العقوبة إنما هي بسبب ظلمه ولم يعاقب بغير جناية وظلم منه وهذا كله مذهب اهل السنة والله اعلم قوله صلى الله عليه و سلم [ 2582 ] 0لتؤدن الحقوق إلى اهلها يوم القيامة حتى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء ) هذا تصريح بحشر البهائم يوم القيامة واعادتها يوم القيامة كما يعاد اهل التكليف من الآدميين وكما يعاد الاطفال والمجانين ومن لم تبلغه دعوة وعلى هذا تظاهرت دلائل القرآن والسنة قال الله تعالى وإذا الوحوش حشرت واذا ورد لفظ الشرع ولم يمنع من اجرائه على ظاهره عقل ولا شرع وجب حمله على ظاهره قال العلماء وليس من شرط الحشر والاعادة

(16/136)


في القيامة المجازاة والعقاب والثواب وأما القصاص من القرناء للجلحاء فليس هو من قصاص التكليف إذلا تكليف عليها بل هو قصاص مقابلة والجلحاء بالمد هي الجماء التي لا قرن لها والله اعلم قوله صلى الله عليه و سلم [ 2583 ] ( إن الله عزوجل يملي للظالم فاذا أخذه لم يفلته ) معنى يملي يمهل ويؤخر ويطيل له في المدة وهو مشتق من الملوة وهي المدة والزمان بضم الميم وكسرها وفتحها ومعنى لم يفلته لم يطلقه ولم ينفلت منه قال اهل اللغة يقال أفلته أطلقه وانفلت تخلص منه
( باب نصر الاخ ظالما أو مظلوما )
قوله [ 2584 ] ( اقتتل غلامان ) أي تضاربا وقوله فنادى المهاجر يال المهاجرين ونادى الانصاري يال الانصار ) هكذا هو في معظم النسخ يال بلام مفصولة في الموضعين وفي بعضها يا للمهاجرين ويا للأنصار بوصلها وفي بعضها يا آل المهاجرين بهمزة ثم لام مفصولة واللام مفتوحة في الجميع وهي لام الاستغاثة والصحيح بلام موصولة ومعناه أدعو المهاجرين وأستغيث بهم وأما تسميته صلى الله عليه و سلم ذلك دعوى الجاهلية فهو كراهة منه لذلك فانه مما كانت عليه الجاهلية من التعاضد بالقبائل في أمور الدنيا ومتعلقاتها وكانت الجاهلية تأخذ حقوقها بالعصبات والقبائل فجاء الاسلام بإبطال ذلك وفصل القضايا بالاحكام الشرعية فاذا اعتدى انسان على آخر حكم القاضي بينهما وألزمه مقتضى عدوانه كما تقرر من قواعد الاسلام وأما قوله صلى الله عليه و سلم

(16/137)


في آخر هذه القصة لا بأس فمعناه لم يحصل من هذه القصة بأس مما كنت خفته فانه خاف أن يكون حدث أمر عظيم يوجب فتنة وفسادا وليس هو عائدا إلى رفع كراهة الدعاء بدعوى الجاهلية قوله 0فكسع أحدهما الآخر ) هو بسين مخففة مهملة أي ضرب دبره وعجيزته بيد أو رجل أو سيف وغيره قوله صلى الله عليه و سلم ( دعوها فانها منتنة ) أي قبيحة كريهة مؤذية قوله صلى الله عليه و سلم ( دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل اصحابه ) فيه ما كان عليه صلى الله عليه و سلم

(16/138)


من الحلم وفيه ترك بعض الامور المختارة والصبر على بعض المفاسد خوفا من أن تترتب علي ذلك مفسدة أعظم منه وكان صلى الله عليه و سلم يتألف الناس ويصبر على جفاء الاعراب والمنافقين وغيرهم لتقوى شوكة المسلمين وتتم دعوة الاسلام ويتمكن الايمان من قلوب المؤلفة ويرغب غيرهم في الاسلام وكان يعطيهم الاموال الجزيلة لذلك ولم يقتل المنافقين لهذا المعنى ولإظهارهم الاسلام وقد أمر بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر ولأنهم كانوا معدودين في اصحابه صلى الله عليه و سلم ويجاهدون معه إما حمية وإما لطلب دنيا أو عصبية لمن معه من عشائرهم قال القاضي واختلف العلماء هل بقي حكم الاغضاء عنهم وترك قتالهم أو نسخ ذلك عند ظهور الاسلام ونزول قوله تعالى جاهد الكفار والمنافقين وأنها ناسخة لما قبلها وقيل قول ثالث أنه إنما كان العفو عنهم مالم يظهروا نفاقهم فاذا أظهروه قتلوا
( باب تراحم المؤمنين وتعاطفهم وتعاضدهم )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2585 ] ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا ) وفي الحديث الآخر [ 2586 ] مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم إلى آخره هذه الاحاديث صريحة في تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد في غير إثم ولا مكروه وفيه جواز التشبيه

(16/139)


وضرب الامثال لتقريب المعاني إلى الافهام قوله صلى الله عليه و سلم ( تداعى لها سائر الجسد ) أي دعا بعضه بعضا إلى المشاركة في ذلك ومنه قوله تداعت الحيطان أي تساقطت أو قربت من التساقط
( باب النهي عن السباب )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2587 ] ( المستبان ما قالا فعلى البادئ مالم يعتد المظلوم ) معناه أن إثم السباب

(16/140)


الواقع من اثنين مختص بالبادئ منهما كله إلا أن يتجاوز الثاني قدر الانتصار فيقول للبادئ أكثر مما قال له وفي هذا جواز الانتصار ولا خلاف في جوازه وقد تظاهرت عليه دلائل الكتاب والسنة قال الله تعالى ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل وقال تعالى والذين اذا أصابهم البغي هم ينتصرون ومع هذا فالصبر والعفو أفضل قال الله تعالى ولمن صبر وغفر إن ذلك لمن عزم الامور وللحديث المذكور بعد هذا مازاد الله عبدا بعفو إلا عزا واعلم أن سباب المسلم بغير حق حرام كما قال صلى الله عليه و سلم سباب المسلم فسوق ولا يجوز للمسبوب آن ينتصر إلا بمثل ما سبه مالم يكن كذبا أو قذفا او سبا لاسلافه فمن صور المباح أن ينتصر بيا ظالم يا أحمق أو جافي أو نحو ذلك لانه لا يكاد أحد ينفك من هذه الاوصاف قالوا واذا انتصر المسبوب استوفى ظلامته وبرئ الاول من حقه وبقي عليه إثم الابتداء أو الاثم المستحق لله تعالى وقيل يرتفع عنه جميع الاثم بالانتصار منه ويكون معني على البادئ أي عليه اللوم والذم لا الاثم
( باب استحباب العفو والتواضع )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2588 ] ( ما نقصت صدقة من مال ) ذكروا فيه وجهين احدهما معناه أنه يبارك فيه ويدفع عنه المضرات فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية وهذا مدرك بالحس والعادة والثاني أنه وإن نقصت صورته كان في الثواب المرتب عليه جبر لنقصه وزيادة إلى أضعاف كثيرة قوله صلى الله عليه و سلم ( وما زادالله عبدا بعفو إلا عزا ) فيه ايضا وجهان احدهما أنه على ظاهره وأن من عرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب وزاد عزه واكرامه والثاني أن المراد أجره في الآخرة وعزه هناك قوله صلى الله عليه و سلم ( وما تواضع أحد لله إلا

(16/141)


رفعه الله ) فيه ايضا وجهان احدهما يرفعه في الدنيا ويثبت له بتواضعه في القلوب منزلة ويرفعه الله عند الناس ويجل مكانه والثاني أن المراد ثوابه في الآخرة ورفعه فيها بتواضعه في الدنيا قال العلماء وهذه الأوجه في الالفاظ الثلاثة موجودة في العادة معروفة وقد يكون المراد الوجهين معا في جميعها في الدنيا والآخرة والله اعلم
( باب تحريم الغيبة )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2589 ] ( الغيبة ذكرك أخاك بما يكره قيل أفرأيت ان كان في أخي ما أقول قال إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فقد بهته ) يقال بهته بفتح الهاء مخففة قلت فيه البهتان وهو الباطل والغيبة ذكر الانسان في غيبته بما يكره واصل البهت أن يقال له الباطل في وجهه وهما حرامان لكن تباح الغيبة لغرض شرعي وذلك لستة أسباب أحدها التظلم فيجوز للمظلوم أن يتظلم الي السلطان والقاضي وغيرهما ممن له ولاية أو قدرة علي انصافه من ظالمه فيقول ظلمني فلان أو فعل بي كذا الثاني الاستغاثة على تغيير المنكر ورد العاصي إلى الصواب فيقول لمن يرجو قدرته فلان يعمل كذا فازجره عنه ونحو ذلك الثالث الاستفتاء بأن يقول للمفتي ظلمني فلان أو أبي أو أخي أو زوجي بكذا فهل له ذلك وما طريقي في الخلاص منه ودفع ظلمه عني ونحو ذلك فهذا جائز للحاجة والاجود أن يقول في رجل أو زوج أو والد وولد كان من أمره كذا ومع ذلك فالتعيين جائز لحديث هند وقولها أن أبا سفيان رجل شحيح الرابع تحذير المسلمين من الشر وذلك من وجوه منها جرح المجروحين من الرواة والشهود والمصنفين وذلك جائز بالاجماع بل واجب صونا للشريعة ومنها الاخبار بعيبه عند المشاورة في مواصلته

(16/142)


ومنها اذا رأيت من يشتري شيئا معيبا أو عبدا سارقا أو زانيا أو شاربا أو نحو ذلك تذكره للمشتري اذا لم يعلمه نصيحة لا بقصد الايذاء والافساد ومنها اذا رأيت متفقها يتردد إلى فاسق أو مبتدع يأخذ عنه علما وخفت عليه ضرره فعليك نصيحته ببيان حاله قاصدا النصيحة ومنها أن يكون له ولاية لا يقوم بها على وجهها لعدم أهليته أو لفسقه فيذكره لمن له عليه ولاية ليستدل به على حاله فلا يغتر به ويلزم الاستقامة الخامس أن يكون مجاهرا بفسقه أو بدعته كالخمر ومصادرة الناس وجباية المكوس وتولي الامور الباطلة فيجوز ذكره بما يجاهر به ولا يجوز بغيره الا بسبب آخر السادس التعريف فاذا كان معروفا بلقب كالاعمش والاعرج والازرق والقصير والاعمى والاقطع ونحوها جاز تعريفه به ويحرم ذكره به تنقصا ولو أمكن التعريف بغيره كان أولى والله اعلم
( باب بشارة من ستر الله تعالى عليه في الدنيا بأن يستر عليه في الآخرة قوله صلى الله عليه و سلم [ 2590 ] ( لا يستر الله عبدا في الدنيا إلا ستره الله يوم القيامة ) قال القاضي يحتمل وجهين أحدهما أن يستر معاصيه وعيوبه عن اذاعتها في أهل الموقف والثاني ترك محاسبته عليها وترك ذكرها قال والاول أظهر لما جاء في الحديث الآخر يقرره بذنوبه يقول سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم وأما الحديث المذكور بعده لا يستر عبد عبدا إلا ستره الله يوم القيامة فسبق شرحه قريبا )

(16/143)


( باب مداراة من يتقي فحشه )
قوله [ 2591 ] ( ان رجلا استأذن على النبي صلى الله عليه و سلم فقال ائذنوا له فلبئس بن العشيرة أو بئس رجل العشيرة فلما دخل ألان له القول فقلت يا رسول الله قلت له الذي قلت ثم ألنت له القول قال يا عائشة إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه أو تركه الناس اتقاء فحشه ) قال القاضي هذا الرجل هو عيينة بن حصن ولم يكن أسلم حينئذ وإن كان قد أظهر الاسلام فأراد النبي صلى الله عليه و سلم أن يبين حاله ليعرفه الناس ولا يغتر به من لم يعرف حاله قال وكان منه في حياة النبي صلى الله عليه و سلم وبعده مادل على ضعف ايمانه وارتد مع المرتدين وجئ به أسيرا إلي أبي بكر رضي الله عنه ووصف النبي صلى الله عليه و سلم له بأنه بئس أخو العشيرة من أعلام النبوة لانه ظهر كما وصف وانما ألان له القول تألفا له ولأمثاله على الاسلام وفي هذا الحديث مداراة من يتقي فحشه وجواز غيبة الفاسق المعلن فسقه ومن يحتاج الناس إلى التحذير منه وقد أوضحناه قريبا في باب الغيبة ولم يمدحه النبي صلى الله عليه و سلم ولا ذكر أنه أثنى عليه في وجهه ولا في قفاه إنما تألفه بشئ من الدنيا مع لين الكلام وأما بئس بن العشيرة أو رجل العشيرة فالمراد بالعشيرة قبيلته أي بئس هذا الرجل منها

(16/144)


( باب فضل الرفق )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2592 ] ( من يحرم الرفق يحرم الخير ) وفي رواية [ 2593 ] أن الله رفيق يحب الرفق ويعطي على الرفق مالا يعطي على العنف ومالا يعطي على سواه وفي رواية [ 2594 ] لا يكون الرفق في شئ إلا زانه ولا ينزع من شئ إلا شانه وفي رواية عليك بالرفق أما العنف فبضم العين وفتحها وكسرها حكاهن القاضي وغير الضم أفصح وأشهر وهو ضد الرفق وفي هذه الاحاديث فضل الرفق والحث على التخلق وذم العنف والرفق سبب كل خير ومعنى يعطي على الرفق أي يثيب عليه مالا يثيب على غيره وقال القاضي معناه يتأتى به من الاغراض ويسهل من المطالب مالا يتأتى بغيره وأما قوله صلى الله عليه و سلم إن الله رفيق ففيه تصريح بتسميته سبحانه وتعالى ووصفه برفيق قال المازري لا يوصف الله سبحانه وتعالى الا بما سمى به نفسه أو سماه به رسول الله صلى الله عليه و سلم أو أجمعت الامة عليه وأما مالم يرد إذن في إطلاقه ولا ورد منع في وصف الله تعالى به ففيه خلاف منهم من قال يبقى على ما كان قبل ورود الشرع فلا يوصف بحل ولا

(16/145)


حرمة ومنهم من منعه قال وللاصوليين المتأخرين خلاف في تسمية الله تعالى بما ثبت عن النبي صلى الله عليه و سلم بخبر الآحاد فقال بعض حذاق الاشعرية يجوز لأن خبر الواحد عنده يقتضي العمل وهذا عنده من باب العمليات لكنه يمنع اثبات أسمائه تعالى بالأقيسة الشرعية وإن كانت يعمل بها في المسائل الفقهية وقال بعض متأخريهم يمنع ذلك فمن أجاز ذلك فهم من مسالك الصحابة قبولهم ذلك في مثل هذا ومن منع لم يسلم ذلك ولم يثبت عنده اجماع فيه فبقي على المنع قال المازري فاطلاق رفيق إن لم يثبت بغير هذا الحديث الآحاد جرى في جواز استعماله الخلاف الذي ذكرنا قال ويحتمل أن يكون رفيق صفة فعل وهي ما يخلقه الله تعالى من الرفق لعباده هذا آخر كلام المازري والصحيح جواز تسمية الله تعالي رفيقا وغيره مما ثبت بخبر الواحد وقد قدمنا هذا واضحا في كتاب الايمان في حديث أن الله جميل يحب الجمال في باب تحريم الكبر وذكرنا أنه اختيار امام الحرمين

(16/146)


( باب النهي عن لعن الدواب وغيرها )
قوله صلى الله عليه و سلم في الناقة التي لعنتها المرأة [ 2595 ] ( خذوا ما عليها ودعوها فإنها ملعونة ) وفي رواية [ 2596 ] لا تصاحبنا ناقة عليها لعنة انما قال هذا زجرا لها ولغيرها وكان قد سبق نهيها ونهى غيرها عن اللعن فعوقبت بارسال الناقة والمراد النهي عن مصاحبته لتلك الناقة في الطريق وأما بيعها وذبحها وركوبها

(16/147)


في غير مصاحبته صلى الله عليه و سلم وغير ذلك من التصرفات التي كانت جائزة قبل هذا فهي باقية على الجواز لأن الشرع إنما ورد بالنهي عن المصاحبة فبقي الباقي كما كان وقوله ناقة ورقاء بالمد أي يخالط بياضها سواد والذكر أورق وقيل هي التي لونها كلون الرماد قوله ( فقالت حل ) هي كلمة زجر للابل واستحثاث يقال حل حل باسكان اللام فيهما قال القاضي ويقال أيضا حل حل بكسر اللام فيهما بالتنوين وبغير تنوين قوله صلى الله عليه و سلم ( خذوا ما عليها وأعروها ) هو بهمزة قطع وبضم الراء يقال أعريته وعريته اعراء وتعرية فتعرى والمراد هنا خذوا ما عليها من المتاع ورحلها وآلتها قوله صلى الله عليه و سلم [ 2597 ] ( لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا ولا يكون اللعانون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة ) فيه الزجر عن اللعن وأن من تخلق به لا يكون فيه هذه الصفات الجميلة لأن اللعنة في الدعاء يراد بها الابعاد من رحمة الله تعالى وليس الدعاء بهذا من أخلاق المؤمنين الذين وصفهم الله تعالى بالرحمة بينهم والتعاون على البر والتقوى وجعلهم كالبنيان يشد بعضه بعضا وكالجسد الواحد وأن المؤمن يحب لاخيه ما يحب لنفسه فمن دعا على اخيه المسلم باللعنة وهي الابعاد من رحمة الله تعالى فهو من نهاية المقاطعة والتدابر وهذا غاية ما يوده المسلم للكافر ويدعو عليه ولهذا جاء في الحديث الصحيح لعن المؤمن كقتله لأن القاتل يقطعه

(16/148)


عن منافع الدنيا وهذا يقطعه عن نعيم الآخرة ورحمة الله تعالى وقيل معنى لعن المؤمن كقتله في الإثم وهذا أظهر وأما قوله صلى الله عليه و سلم انهم لا يكونون شفعاء ولا شهداء فمعناه لا يشفعون يوم القيامة حين يشفع المؤمنون في اخوانهم الذين استوجبوا النار ولا شهداء فيه ثلاثة أقوال اصحها واشهرها لا يكونون شهداء يوم القيامة على الامم بتبليغ رسلهم اليهم الرسالات والثاني لا يكونون شهداء في الدنيا أي لا تقبل شهادتهم لفسقهم والثالث لا يرزقون الشهادة وهي القتل في سبيل الله وانما قال صلى الله عليه و سلم لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا ولا يكون اللعانون شفعاء بصيغة التكثير ولم يقل لاعنا واللاعنون لان هذا الذم في الحديث انما هو لمن كثر منه اللعن لا لمرة ونحوها ولانه يخرج منه ايضا اللعن المباح وهو الذي ورد الشرع به وهو لعنه الله على الظالمين لعن الله اليهود والنصارى لعن الله الواصلة والواشمة وشارب الخمر وآكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه والمصورين ومن انتمى إلى غير أبيه وتولى غير مواليه وغير منار الارض وغيرهم ممن هو مشهور في الاحاديث الصحيحة قوله [ 2598 ] ( بعث إلى أم الدرداء بأنجاد من عنده ) بفتح الهمزة وبعدها نون ثم جيم وهو جمع نجد بفتح النون والجيم وهومتاع البيت الذي يزينه من فرش ونمارق وستور وقاله الجوهري باسكان الجيم قال وجمعه نجود

(16/149)


حكاه عن ابي عبيد فهما لغتان ووقع في رواية بن ماهان بخادم بالخاء المعجمة والمشهور الاول
( باب من لعنه النبي صلى الله عليه و سلم أو سبه أو دعا عليه )
أو ليس هو اهلا لذلك كان له زكاة واجرا ورحمة قوله صلى الله عليه و سلم [ 2600 ] [ 2602 ] 0اللهم انما أنا بشر فأي المسلمين لعنته أوسببته فاجعله له زكاة وأجرا ) وفي [ 2601 ] رواية أو جلدته فاجعلها له زكاة ورحمة وفي [ 2601 ] [ 2602 ] رواية فأي المؤمنين آذيته شتمته لعنته جلدته

(16/150)


فاجعلها له صلاة وزكاة وقربة تقربه بها اليك يوم القيامة وفي رواية انما محمد بشر يغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه فأيما مؤمن آذيته أو سببته أو جلدته فاجعلها له كفارة وقربة وفي رواية [ 2603 ] إني اشترطت على ربي فقلت انما انا بشر أرضى كما يرضى البشر واغضب كما يغضب البشر فأيما أحد دعوت عليه من أمتي بدعوة ليس لها بأهل أن تجعلها له طهورا وزكاة وقربة هذه الاحاديث مبينة ما كان عليه صلى الله عليه و سلم من الشفقة على أمته والاعتناء بمصالحهم والاحتياط لهم والرغبة في كل ما ينفعهم وهذه الرواية المذكورة آخرا تبين المراد بباقي الروايات الطلقة وانه انما يكون دعاؤه عليه رحمة وكفارة وزكاة ونحو

(16/151)


ذلك اذا لم يكن أهلا للدعاء عليه والسب واللعن ونحوه وكان مسلما والافقد دعا صلى الله عليه و سلم على الكفار والمنافقين ولم يكن ذلك لهم رحمة فان قيل كيف يدعو على من ليس هو بأهل للدعاء عليه او يسبه او يلعنه ونحو ذلك فالجواب ما اجاب به العلماء ومختصره وجهان احدهما أن المراد ليس بأهل لذلك عند الله تعالى وفي باطن الامر ولكنه في الظاهر مستوجب له فيظهر له صلى الله عليه و سلم استحقاقه لذلك بأمارة شرعية ويكون في باطن الامر ليس اهلا لذلك وهو صلى الله عليه و سلم مأمور بالحكم بالظاهر والله يتولى السرائر والثاني أن ما وقع من سبه ودعائه ونحوه ليس بمقصود بل هو مما جرت به عادة العرب في وصل كلامها بلا نية كقوله تربت يمينك وعقرى حلقي وفي هذا الحديث لا كبرت سنك وفي حديث معاوية لا أشبع الله بطنه ونحو ذلك لا يقصدون بشئ من ذلك حقيقة الدعاء فخاف صلى الله عليه و سلم أن يصادف شئ من ذلك اجابة فسأل ربه سبحانه وتعالى ورغب إليه في أن يجعل ذلك رحمة وكفارة وقربة وطهورا وأجرا وانما كان يقع هذا منه في النادر والشاذ من الازمان ولم يكن صلى الله عليه و سلم فاحشا ولا متفحشا ولا لعانا ولا منتقما لنفسه وقد سبق في هذا الحديث أنهم قالوا ادع على دوس فقال اللهم اهد دوسا وقال اللهم اغفر لقومي

(16/152)


فانهم لا يعلمون والله اعلم واما قوله صلى الله عليه و سلم ( أغضب كما يغضب البشر ) فقد يقال ظاهره أن السب ونحوه كان بسبب الغضب وجوابه ماذكره المازري قال يحتمل انه صلى الله عليه و سلم أراد آي دعاءه وسبه وجلده كان مما يخير فيه بين أمرين احدهما هذا الذي فعله والثاني زجره بأمر آخر فحمله الغضب لله تعالى على أحد الامرين المتخير فيهما وهوسبه أو لعنه وجلده ونحو ذلك وليس ذلك خارجا عن حكم الشرع والله اعلم ومعنى اجعلها له صلاة أي رحمة كما في الرواية الاخرى والصلاة من الله تعالى الرحمة قوله جلده قال وهي لغة أبي هريرة وانما هي جلدته معناه أن لغة النبي صلى الله عليه و سلم وهي المشهورة لعامة العرب جلدته بالتاء ولغة ابي هريرة جلده بتشديد الدال على ادغام المثلين وهو جائز قوله ( سالم مولى النصريين ) بالنون والصاد

(16/153)


المهملة سبق بيانه مرات قوله [ 2603 ] ( حدثنا عكرمة بن عمار قال حدثنا إسحاق بن ابي طلحة ) هكذا هو في جميع النسخ وهو صحيح وهو إسحاق بن عبد الله بن ابي طلحة نسبه إلى جده قوله ( كانت عند أم سليم يتيمة وهي أم أنس ) فقوله وهي أم أنس يعني أم سليم هي أم أنس قوله فقال لليتيمة أنت هيه ) هو بفتح الياء واسكان الهاء وهي هاء السكت قولها ( لا يكبرسني أو قالت قرني ) بفتح القاف وهو نظيرها في العمر قال القاضي معناه لا يطول عمرها لانه اذا طال عمره طال عمر قرنه وهذا الذي قاله فيه نظر لانه لا يلزم من طول عمر أحد القرنين طول عمر الآخر فقد يكون سنهما واحد ويموت احدهما قبل الآخر واما قوله صلى الله عليه و سلم لها لاكبر سنك فلم يرد به حقيقة الدعاء بل هو

(16/154)


جار على ما قدمناه في الفاظ هذا الباب قوله تلوث خمارها ) هو بالمثلثة في آخره اي تديره على رأسها قوله ( عن ابي حمزة القصاب عن بن عباس ) ابو حمزة هذا بالحاء والزاي اسمه عمران بن ابي عطاء الأسدي الواسطي القصاب بياع القصب قالوا وليس له عن بن عباس عن النبي صلى الله عليه و سلم غير هذا الحديث وله عن بن عباس من قوله أنه يكره مشاركة المسلم اليهودي وكل ما في الصحيحين ابو جمرة عن بن عباس فهو بالجيم والراء وهو نصر بن عمران الضبعي إلا هذا القصاب فله في مسلم هذا الحديث وحده لا ذكر له في البخاري قوله [ 2604 ] ( عن بن عباس قال كنت ألعب مع الصبيان فجاء رسول الله صلى الله عليه و سلم فتواريت خلف باب فجاء فحطأني حطأة وقال اذهب ادع لي معاوية ) وفسر الراوي أي قفدني أما حطأني فبحاء ثم طاء مهملتين وبعدها همزة

(16/155)


وقفدني بقاف ثم فاء ثم دال مهملة وقوله حطأة بفتح الحاء واسكان الطاء بعدها همزة وهو الضرب باليد مبسوطة بين الكتفين وانما فعل هذا بابن عباس ملاطفة وتأنيسا واما دعاؤه علي معاوية أن لا يشبع حين تأخر ففيه الجوابان السابقان أحدهما أنه جرى على اللسان بلا قصد والثاني أنه عقوبة له لتأخره وقد فهم مسلم رحمه الله من هذا الحديث أن معاوية لم يكن مستحقا للدعاء عليه فلهذا أدخله في هذا الباب وجعله غيره من مناقب معاويةلانه في الحقيقة يصير دعاء له وفي هذا الحديث جواز ترك الصبيان يلعبون بما ليس بحرام وفيه اعتماد الصبي فيما يرسل فيه من دعاء انسان ونحوه من حمل هدية وطلب حاجة وأشباهه وفيه جواز ارسال صبي غيره ممن يدل عليه في مثل هذا ولا يقال هذا تصرف في منفعة الصبي لان هذا قدر يسير ورد الشرع بالمسامحة به للحاجة واطرد به العرف وعمل المسلمين والله اعلم
( باب ذم ذي الوجهين وتحريم فعله )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2556 ] ( أن من شر الناس ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه ) هذا الحديث سبق شرحه والمراد من يأتي كل طائفة ويظهر أنه منهم ومخالف للآخرين مبغض فإن أتى كل طائفة بالاصلاح ونحوه فمحمود

(16/156)


( باب تحريم الكذب وبيان ما يباح منه قوله صلي الله عليه وسلم [ 2605 ] ( ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس ويقول خيرا أو ينمي خيرا ) هذا الحديث مبين لما ذكرناه في الباب قبله ومعناه ليس الكذاب المذموم الذي يصلح بين الناس بل هذا محسن قوله ( قال بن شهاب ولم أسمع يرخص في شئ مما يقول الناس كذب الا في ثلاث )

(16/157)


الحرب والاصلاح بين الناس وحديث الرجل امرأته وحديث المرأة زوجها ) قال القاضي لا خلاف في جواز الكذب في هذه الصور واختلفوا في المراد بالكذب المباح فيها ماهو فقالت طائفة هو على اطلاقه وأجازوا قول ما لم يكن في هذه المواضع للمصلحة وقالوا الكذب المذموم ما فيه مضرة واحتجوا بقول ابراهيم صلى الله عليه و سلم بل فعله كبيرهم وإني سقيم وقوله إنها اختي وقول منادي يوسف صلى الله عليه و سلم ايتها العير انكم لسارقون قالوا ولا خلاف أنه لو قصد ظالم قتل رجل هو عنده مختف وجب عليه الكذب في انه لا يعلم أين هو وقال آخرون منهم الطبري لا يجوز الكذب في شئ أصلا قالوا وما جاء من الاباحة في هذا المراد به التورية واستعمال المعاريض لا صريح الكذب مثل أن يعد زوجته أن يحسن اليها ويكسوها كذا وينوي ان قدر الله ذلك وحاصله أن يأتي بكلمات محتملة يفهم المخاطب منها ما يطيب قلبه واذا سعى في الاصلاح نقل عن هؤلاء إلى هؤلاء كلاما جميلا ومن هؤلاء إلى هؤلاء كذلك وورى وكذا في الحرب بان يقول لعدوه مات امامكم الاعظم وينوي امامهم في الازمان الماضية أو غدا يأتينا مدد أي طعام ونحوه هذا من المعاريض المباحة فكل هذا جائز وتأولوا قصة ابراهيم ويوسف وماجاء من هذا على المعاريض والله اعلم وأما كذبه لزوجته وكذبها له فالمراد به في اظهار الود والوعد بما لا يلزم ونحو ذلك فأما المخادعة في منع ما عليه أو عليها أو أخذ ماليس له أو لها فهو حرام باجماع المسلمين والله اعلم

(16/158)


( باب تحريم النميمة )
وهي نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على جهة الافساد قوله صلى الله عليه و سلم [ 2606 ] ( ألا أنبئكم ما العضة هي النميمة القالة بين الناس ) هذه اللفظة رووها على وجهين أحدهما العضة بكسر العين وفتح الضاد المعجمة على وزن العدة والزنة والثاني العضه بفتح العين واسكان الضاد على وزن الوجه وهذا الثاني هو الاشهر في روايات بلادنا والأشهر في كتب الحديث وكتب غريبة والاول أشهر في كتب اللغة ونقل القاضي أنه رواية أكثر شيوخهم وتقدير الحديث والله اعلم ألا أنبئكم ما العضة الفاحش الغليظ التحريم

(16/159)


( باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2607 ] ( أن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة وإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار ) قال العلماء معناه أن الصدق يهدي إلى العمل الصالح الخالص من كل مذموم والبر اسم جامع للخير كله وقيل البر الجنة ويجوز أن يتناول العمل الصالح والجنة وأما الكذب فيوصل إلى الفجور وهوالميل عن الاستقامة وقيل الانبعاث في المعاصي قوله صلى الله عليه و سلم ( وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا ) وفي رواية ليتحرى الصدق وليتحرى الكذب وفي رواية عليكم بالصدق فان الصدق يهدي إلى البر واياكم والكذب قال العلماء هذا فيه حث على تحري الصدق وهو قصده والاعتناء به وعلى التحذير من الكذب والتساهل فيه فانه اذا تساهل فيه كثر منه فعرف به وكتبه الله لمبالغته صديقا إن اعتاده أو كذابا إن اعتاده ومعنى يكتب هنا يحكم له بذلك ويستحق الوصف بمنزلة الصديقين وثوابهم او صفة الكذابين وعقابهم والمراد اظهار ذلك للمخلوقين اما بأن يكتبه في ذلك ليشتهر بحظه من الصفتين في الملأ الأعلى واما بأن يلقي ذلك في قلوب الناس والسنتهم كما يوضع له القبول والبغضاء والا فقدر الله تعالى

(16/160)


وكتابه السابق قد سبق بكل ذلك والله اعلم واعلم أن الموجود في جميع نسخ البخاري ومسلم ببلادنا وغيرها أنه ليس في متن الحديث الا ما ذكرناه وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ وكذا نقله الحميدي ونقل أبو مسعود الدمشقي عن كتاب مسلم في حديث بن مثنى وبن بشار زيادة وإن شر الروايا روايا الكذب وإن الكذب لا يصلح منه جدولا هزل ولا يعد الرجل صبيه ثم يخلفه وذكر ابو مسعود أن مسلما روى هذه الزيادة في كتابه وذكرها ايضا ابو بكر البرقاني في هذا الحديث قال الحميدي وليست عندنا في كتاب مسلم قال القاضي الروايا هنا جمع روية وهي ما يتروى فيه الانسان ويستعد به أمام عمله وقوله قال وقيل جمع راوية أي حامل وناقل له والله اعلم
( باب فضل من يملك نفسه عند الغضب وبأي شئ يذهب الغضب )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2608 ] ( ما تعدون الرقوب فيكم قال قلنا الذي لا يولد له قال ليس ذلك بالرقوب ولكنه الرجل الذي لم يقدم من ولده شيئا قال فما تعدون الصرعة فيكم قلنا الذي لا يصرعه

(16/161)


الرجال قال ليس بذلك ولكنه الذي يملك نفسه عند الغضب ) أما الرقوب فبفتح الراء وتخفيف القاف والصرعة بضم الصاد وفتح الراء واصله في كلام العرب الذي يصرع الناس كثيرا واصل الرقوب في كلام العرب الذي لا يعيش له ولد ومعنى الحديث انكم تعتقدون أن الرقوب المحزون هو المصاب بموت أولاده وليس هو كذلك شرعا بل هو من لم يمت أحد من اولاده في حياته فيحتسبه يكتب له ثواب مصيبته به وثواب صبره عليه ويكون له فرطا وسلفا وكذلك تعتقدون أن الصرعة الممدوح القوي الفاضل هو القوي الذي لا يصرعه الرجال بل يصرعهم وليس هو كذلك شرعا بل هو من يملك نفسه عند الغضب فهذا هو الفاضل الممدوح الذي قل من يقدر على التخلق بخلقه ومشاركته في فضيلته بخلاف الاول وفي الحديث فضل موت الاولاد والصبر عليهم ويتضمن الدلالة لمذهب من يقول بتفضيل التزوج وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحابنا وسبقت المسألة في النكاح وفيه كظم الغيظ وامساك النفس عند الغضب

(16/162)


عن الانتصار والمخاصمة والمنازعة قوله صلى الله عليه و سلم في الذي اشتد غضبه [ 2610 ] ( إني لأعرف كلمة لو قالها لذهب عنه الذي يجد أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ) فيه أن الغضب في غير الله تعالى من نزغ الشيطان وأنه ينبغي لصاحب الغضب أن يستعيذ فيقول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم وأنه سبب لزوال الغضب وأما قول هذا الرجل الذي اشتد غضبه هل ترى بي من جنون فهو كلام من لم يفقه في دين الله تعالى ولم يتهذب بأنوار الشريعة المكرمة وتوهم أن الاستعاذة مختصة بالمجنون ولم يعلم أن الغضب من نزغات الشيطان ولهذا يخرج به الانسان عن اعتدال حاله ويتكلم بالباطل ويفعل المذموم وينوي الحقد والبغض وغير ذلك من القبائح المترتبة على الغضب ولهذا قال النبي صلى الله عليه و سلم الذي قال له أوصني لا تغضب فردد مرارا قال لا تغضب فلم يزده في الوصية على لا تغضب مع تكراره الطلب وهذا دليل ظاهر في عظم مفسدة الغضب وما ينشأ منه ويحتمل أن هذا القائل هل ترى بي من جنون كان من المنافقين أو من جفاة الاعراب والله اعلم

(16/163)


( باب خلق الانسان خلقا لا يتمالك )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2611 ] ( يطيف به ) قال اهل اللغة طاف بالشئ يطوف طوفا وطوافا وأطاف يطيف اذا استدار حواليه قوله صلى الله عليه و سلم ( فلما رآه أجوف ) علم أنه خلق خلقا لا يتمالك الاجوف صاحب الجوف وقيل هو الذي داخله خال ومعنى لا يتمالك لا يملك نفسه ويحبسها عن الشهوات وقيل لا يملك دفع الوسواس عنه وقيل لا يملك نفسه عند الغضب والمراد جنس بني آدم

(16/164)


( باب النهي عن ضرب الوجه )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2612 ] ( اذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب ) وفي رواية اذا ضرب أحدكم وفي رواية لا يلطمن الوجه وفي رواية اذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فان الله خلق آدم على صورته قال العلماء هذا تصريح بالنهي عن ضرب الوجه لأنه لطيف يجمع المحاسن وأعضاؤه نفيسة لطيفة وأكثر الادراك بها فقد يبطلها ضرب الوجه وقد ينقصها وقد يشوه الوجه والشين فيه فاحش لانه بارز ظاهر لا يمكن ستره ومتى ضربه لا يسلم من شين غالبا ويدخل في النهي اذا ضرب زوجته أو ولده أو عبده ضرب تأديب فليجتنب الوجه واما قوله صلى الله عليه و سلم

(16/165)


( فان الله خلق آدم على صورته ) فهو من احاديث الصفات وقد سبق في كتاب الايمان بيان حكمها واضحا ومبسوطا وأن من العلماء من يمسك عن تأويلها ويقول نؤمن بانها حق وأن ظاهرها غير مراد ولها معنى يليق بها وهذا مذهب جمهور السلف وهو أحوط وأسلم والثاني انها تتأول على حسب ما يليق بتنزيه الله تعالى وإنه ليس كمثله شئ قال المازري هذا الحديث بهذا اللفظ ثابت ورواه بعضهم ان الله خلق آدم على صورة الرحمن وليس بثابت عند اهل الحديث وكأن من نقله رواه بالمعنى الذي وقع له وغلط في ذلك قال المازري وقد غلط بن قتيبة في هذا الحديث فأجراه على ظاهره وقال لله تعالى صورة لا كالصور وهذا الذي قاله ظاهر الفساد لأن الصورة تفيد التركيب وكل مركب محدث والله تعالى ليس بمحدث فليس هو مركبا فليس مصورا قال وهذا كقول المجسمة جسم لا كالاجسام لما رأوا اهل السنة يقولون الباري سبحانه وتعالى شئ لا كالاشياء طردوا الاستعمال فقالوا جسم لا كالاجسام والفرق أن لفظ شئ لا يفيد الحدوث ولا يتضمن ما يقتضيه وأما جسم وصورة فيتضمنان التأليف والتركيب وذلك دليل الحدوث قال العجب من بن قتيبة في قوله صورة لا كالصور مع أن ظاهر الحديث على رأيه يقتضي خلق آدم على صورته فالصورتان على رأيه سواء فاذا قال لا كالصور تناقض قوله ويقال له ايضا إن أردت بقولك صورة لا كالصور أنه ليس بمؤلف ولا مركب فليس بصورة حقيقة وليست اللفظة على ظاهرها وحينئذ يكون موافقا على افتقاره إلى التأويل واختلف العلماء في تأويله فقالت طائفة الضمير في صورته عائد على الأخ المضروب وهذا ظاهر رواية مسلم وقالت طائفة يعود إلى آدم وفيه ضعف وقالت طائفة يعود إلى الله تعالى ويكون المراد اضافة تشريف واختصاص كقوله تعالى ناقة الله وكما يقال في الكعبة بيت الله ونظائره والله اعلم قوله ( حدثنا قتادة عن يحيى بن مالك المراغي عن ابي هريرة ) المراغي بفتح الميم وبالغين المعجمة منسوب إلى المراغة بطن من الأزد

(16/166)


لا إلى البلد المعروفة بالمراغة من بلاد العجم وهذا الذي ذكرناه من ضبطه وأنه منتسب إلى بطن من الأزد هو الصحيح المشهور ولم يذكر الجمهور غيره وذكر بن جرير الطبري أنه منسوب إلى موضع بناحية عمان وذكر الحافظ عبدالغني المقدسي أنه المراغي بضم الميم ولعله تصحيف من الناسخ والمشهور الفتح وهو الذي صرح به ابو علي الغساني الجياني والقاضي في المشارق والسمعاني في الانساب وخلائق وهو المعروف في الرواية وكتب الحديث قال السمعاني وقيل أنه بكسر الميم قال والمشهور الفتح والله اعلم
( باب الوعيد الشديد لمن عذب الناس بغير حق )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2613 ] ( ان الله يعذب الذين يعذبون الناس ) هذا محمول على التعذيب بغير حق فلا يدخل فيه التعذيب بحق كالقصاص والحدود والتعزير ونحو ذلك قوله ( أناس من الأنباط ) هم فلاحو العجم قوله ( وأميرهم يومئذ عمير بن سعد ) هكذا هو في معظم النسخ

(16/167)


عمير بالتصغير بن سعد باسكان العين من غير ياء وفي بعضها عمير بن سعيد بكسر العين وزيادة ياء قال القاضي الاول هو الموجود لاكثر شيوخنا وفي اكثر النسخ واكثر الروايات وهو الصواب وهو عمير بن سعد بن عمير الانصاري الأوسي من بني عمرو بن عوف ولاه عمر بن الخطاب رضي الله عنه حمص وكان يقال له يسبح وجده ابو زيد الانصاري أحد الذين جمعوا القرآن والله اعلم قوله أميرهم على فلسطين ) هي بكسر الفاء وفتح اللام وهي بلاد بيت المقدس وما حولها قوله ( فأمر بهم فخلوا ) ضبطوه بالخاء المعجمة والمهملة والمعجمة أشهر وأحسن

(16/168)


( باب أمر من مر بسلاح في مسجد أو سوق أو غيرهما )
من المواضع الجامعة للناس أن يمسك بنصالها قوله صلى الله عليه و سلم [ 2614 ] [ 2615 ] ( للذي يمر بالنبل في المسجد فليمسك على نصالها لئلا يصيب بها احدا من المسلمين ) فيه هذا الأدب وهو الامساك بنصالها عند إرادة المرور بين الناس في مسجد او سوق او غيرهما والنصول والنصال جمع نصل وهو حديدة السهم وفيه اجتناب كل ما يخاف منه ضرر واما قول أبي موسى سددناها بعضنا في وجوه بعض اي قومناها إلى وجوههم وهو بالسين المهملة من السداد وهو القصد والاستقامة
( باب النهي عن الاشارة بالسلاح إلى مسلم )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2616 ] ( من أشار إلى اخيه بحديدة فان الملائكة تلعنه حتى وإن كان أخاه

(16/169)


لابيه وامه ) فيه تأكيد حرمة المسلم والنهي الشديد عن ترويعه وتخويفه والتعرض له بما قد يؤذيه وقوله صلى الله عليه و سلم وإن كان أخاه لأبيه وأمه مبالغة في ايضاح عموم النهي في كل أحد سواء من يتهم فيه ومن لا يتهم وسواء كان هذا هزلا ولعبا أم لا لأن ترويع المسلم حرام بكل حال ولأنه قد يسبقه السلاح كما صرح به في الرواية الاخرى ولعن الملائكة له يدل على أنه حرام وقوله صلى الله عليه و سلم فان الملائكة تلعنه حتى وإن كان هكذا في عامة النسخ وفيه محذوف وتقديره حتى يدعه وكذا وقع في بعض النسخ قوله صلى الله عليه و سلم [ 2617 ] ( لا يشير أحدكم إلى أخيه بالسلاح فإنه لا يدري أحدكم لعل الشيطان ينزع في يده ) هكذا هو في جميع النسخ لا يشير بالياء بعد الشين وهو صحيح وهو نهي بلفظ الخبر كقوله تعالى لا تضار والدة وقد قدمنا مرات أن هذا أبلغ من لفظ النهي ولعل الشيطان ينزع ضبطناه بالعين المهملة وكذا نقله القاضي عن جميع

(16/170)


روايات مسلم وكذا هو في نسخ بلادنا ومعناه يرمي في يده ويحقق ضربته ورميته وروي في غير مسلم بالغين المعجمة وهو بمعنى الاغراء أي يحمل على تحقيق الضرب به ويزين ذلك
( باب فضل إزالة الأذى عن الطريق )
هذه الاحاديث المذكورة في الباب ظاهرة في فضل إزالة الأذى عن الطريق سواء كان الأذى شجرة [ 2617 ] تؤذي او غصن شوك او حجرا يعثر به او قذرا او جيفة وغير ذلك واماطة الأذى عن الطريق من شعب الايمان كماسبق في الحديث الصحيح وفيه التنبيه على فضيلة كل ما نفع المسلمين وأزال عنهم ضررا قوله صلى الله عليه و سلم ( رأيت رجلا يتقلب في الجنة في شجرة قطعها من ظهر الطريق ) اي يتنعم في الجنة بملاذها بسبب قطعه الشجرة قوله [ 2618 ] ( عن أبان بن صمعة قال حدثني ابو الوازع ) اما أبان فقد سبق في مقدمة الكتاب أنه يجوز صرفه وتركه والصرف أجود وهو قول الاكثرين وصمعة بصاد مهملة مفتوحة ثم ميم ساكنة ثم عين مهملة قيل إن أبانا هذا هو والد عتبة الغلام الزاهد المشهور وابو الوازع بالعين المهملة اسمه جابر بن عمرو الراسبي بكسر السين المهملة وبعدها باء

(16/171)


موحدة وهي نسبة إلى بني راسب قبيلة معروفة نزلت البصرة قوله صلى الله عليه و سلم ( وأمر الاذى عن ا لطريق ) هكذا هو في معظم النسخ وكذا نقله القاضي عن عامة الرواة بتشديد الراء ومعناه أزله وفي بعضها وأمز بزاي مخففة وهي بمعنى الاول
( باب تحريم تعذيب الهرة ونحوها من الحيوان الذي لا يؤذي )
[ 2242 ] فيه حديث المرأة وقد سبق شرحه في كتاب قتل الحيات وسبق هناك أن خشاش الارض بفتح الخاء المعجمة وضمها وكسرها أي هوامها وحشراتها وروي على غير هذا مما ذكرناه هناك

(16/172)


ومعنى عذبت في هرة اي بسببها قوله صلى الله عليه و سلم [ 2619 ] ( من جراء هرة ) اي من اجلها يمد ويقصر يقال من جرائك ومن جراك وجريرك وأجلك بمعنى قوله صلى الله عليه و سلم ( ترمرم من خشاش الارض ) هكذا هو في اكثر النسخ ترمرم بضم التاء وكسر الراء الثانية وفي بعضها ترمم بضم التاء وكسر الميم الاولى وراء واحدة وفي بعضها ترمم بفتح التاء والميم اي تتناول ذلك بشفتيها
( باب تحريم الكبر قوله صلى الله عليه و سلم [ 2620 ] ( العز إزاره والكبرياء رداؤه فمن ينازعني عذبته ) هكذا هو في جميع النسخ فالضمير في ازاره ورداؤه يعود إلى الله تعالى للعلم به وفيه محذوف تقديره قال الله تعالى ومن ينازعني ذلك أعذبه ومعنى ينازعني يتخلق بذلك فيصير في معنى المشارك وهذا وعيد شديد في الكبر مصرح بتحريمه واما تسميته ازارا ورداء فمجاز واستعارة حسنة كما تقول العرب فلان شعاره )

(16/173)


الزهد ودثاره التقوى لا يريدون الثوب الذي هو شعار او دثار بل معناه صفته كذا قال المازري ومعنى الاستعارة هنا أن الازار والرداء يلصقان بالانسان ويلزمانه وهما جمال له قال فضرب ذلك مثلا لكون العز والكبرياء بالله تعالى أحق وله ألزم واقتضاهما جلاله ومن مشهور كلام العرب فلان واسع الرداء وغمر الرداء اي واسع العطية
( باب النهي عن تقنيط الانسان من رحمة الله تعالى )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2621 ] ( أن رجلا قال والله لا يغفر الله لفلان وان الله تعالى قال من ذا الذي يتألى على ان لا أغفر لفلان فإني قد غفرت لفلان وأحبطت عملك ) معنى يتألى يحلف والالية اليمين وفيه دلالة لمذهب اهل السنة في غفران الذنوب بلا توبة اذا شاء الله غفرانها واحتجت المعتزلة به في احباط الاعمال بالمعاصي الكبائر ومذهب اهل السنة انها لا تحبط الا بالكفر ويتأول حبوط عمل هذا على أنه أسقطت حسناته في مقابلة سيئاته وسمي احباطا مجازا ويحتمل أنه جرى منه أمر آخر أوجب الكفر ويحتمل أن هذا كان في شرع من قبلنا وكان هذا حكمهم
( باب فضل الضعفاء والخاملين )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2622 ] ( رب أشعث مدفوع بالابواب لو أقسم على الله لأبره ) الاشعث الملبد الشعر المغبر غير مدهون ولا مرجل ) ومدفوع بالابواب أي لا قدر له عند الناس فهم يدفعونه

(16/174)


عن ابوابهم ويطردونه عنهم احتقارا له لو أقسم على الله لأبره أي لو حلف على وقوع شئ اوقعه الله اكراما له باجابة سؤاله وصيانته من الحنث في يمينه وهذا لعظم منزلته عند الله تعالى وإن كان حقيرا عند الناس وقيل معنى القسم هنا الدعاء وابراره اجابته والله اعلم
( باب النهي عن قول هلك الناس )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2623 ] ( اذا قال الرجل هلك الناس فهو أهلكهم ) روي أهلكهم على وجهين مشهورين رفع الكاف وفتحها والرفع أشهر ويؤيده أنه جاء في رواية رويناها في حلية الاولياء في ترجمة سفيان الثوري فهو من أهلكهم قال الحميدي في الجمع بين الصحيحين الرفع أشهر ومعناها أشدهم هلاكا وأما رواية الفتح فمعناها هو جعلهم هالكين لا أنهم هلكوا في الحقيقة واتفق العلماء على أن هذا الذم انما هو فيمن قاله على سبيل الازراء على الناس واحتقارهم وتفضيل نفسه عليهم وتقبيح احوالهم لانه لا يعلم سر الله في خلقه قالوا فأما من قال ذلك تحزنا لما يرى في نفسه وفي الناس من النقص في امر الدين فلا بأس عليه كما قال لا أعرف من أمة النبي صلى الله عليه و سلم إلا أنهم يصلون جميعا هكذا فسره الامام مالك وتابعه الناس عليه وقال الخطابي معناه لا يزال الرجل يعيب الناس وتذكر مساويهم ويقول فسد الناس وهلكوا ونحو ذلك فإذا فعل

(16/175)


ذلك فهو اهلكهم اي أسوأ حالا منهم بما يلحقه من الاثم في عيبهم والوقيعة فيهم وربما أداه ذلك إلى العجب بنفسه ورؤيته أنه خير منهم والله اعلم
( باب الوصية بالجار والاحسان إليه )
[ 2624 ] [ 2625 ] في هذه الاحاديث الوصية بالجار وبيان عظم حقه وفضيلة الاحسان إليه وفي الحديث ( فأصبهم منه بمعروف ) أي اعطهم منه شيئا

(16/176)


( باب استحباب طلاقة الوجه عند اللقاء )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2626 ] ( ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق ) روي طلق على ثلاثة أوجه اسكان اللام وكسرها وطليق بزيادة ياء ومعناه سهل منبسط فيه الحث على فضل المعروف وما تيسر منه وان قل حتى طلاقة الوجه عند اللقاء
( باب استحباب الشفاعة فيما ليس بحرام )
[ 2627 ] فيه استحباب الشفاعة لاصحاب الحوائج المباحة سواء كانت الشفاعة إلى سلطان ووال ونحوهما آم إلى واحد من الناس وسواء كانت الشفاعة إلى سلطان في كف ظلم آو اسقاط تعزير او في

(16/177)


تخليص عطاء لمحتاج او نحو ذلك واما الشفاعة في الحدود فحرام وكذا الشفاعة في تتميم باطل او ابطال حق ونحو ذلك فهي حرام
( باب استحباب مجالسة الصالحين ومجانبة قرناء السواء )
فيه تمثيله [ 2628 ] صلى الله عليه و سلم الجليس الصالح بحامل المسك والجليس السوء بنافخ الكير وفيه فضيلة مجالسة الصالحين وأهل الخير والمروءة ومكارم الاخلاق والورع والعلم والأدب والنهي عن مجالسة أهل الشر واهل البدع ومن يغتاب الناس او يكثر فجره وبطالته ونحو ذلك من الانواع المذمومة ومعنى ( يحذيك ) يعطيك وهو بالحاء المهملة والذال وفيه طهارة المسك واستحبابه وجواز بيعه وقد أجمع العلماء على جميع هذا ولم يخالف فيه من يعتد به ونقل عن الشيعة نجاسته والشيعة لا يعتد بهم في الاجماع ومن الدلائل على طهارته الاجماع وهذا الحديث وهو قوله صلى الله عليه و سلم واما أن يبتاع منه والنجس لا يصح بيعه ولأنه صلى الله عليه و سلم كان يستعمله في بدنه ورأسه ويصلي به ويخبر أنه أطيب الطيب ولم يزل المسلمون على استعماله وجواز بيعه قال القاضي وما روي من كراهة العمرين له فليس فيه نص منهما على نجاسته ولا صحت الرواية عنهما بالكراهة بل صحت قسمة عمر بن الخطاب المسك على نساء المسلمين والمعروف عن بن عمر استعماله والله اعلم

(16/178)


( باب فضل الاحسان إلى البنات )
في هذه الاحاديث فضل الاحسان إلى البنات والنفقه عليهن والصبر عليهن وعلى سائر امورهن قوله0ابن بهرام ) هو بفتح الباء وكسرها قوله صلى الله عليه و سلم [ 2629 ] ( من ابتلى من البنات بشئ ) انما سماه ابتلاء لان الناس يكرهونهن في العادة قال الله تعالى واذا بشر احدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم قوله [ 2630 ] ( ان زياد بن ابي زياد مولى بن عياش حدثه عن عراك ) هو عياش بالمثناة والشين المعجمة وهو زياد بن ابي زياد واسم ابي زياد ميثرة المدني المخزومي

(16/179)


مولى عبد الله بن عياش بالمعجمة بن ابي ربيعة بن المغيرة قوله صلى الله عليه و سلم [ 2631 ] ( من عال جاريتين حتى تبلغا جاء يوم القيامة أنا وهو وضم اصابعه ) ومعنى عالهما قام عليهما بالمؤنة والتربية ونحوهما مأخوذ من العول وهو القرب ومنه ابدأ بمن تعول ومعناه جاء يوم القيامة أنا وهو كهاتين
( باب فضل من يموت له ولد فيحتسبه )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2632 ] ( لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلا تحلة القسم ) قال العلماء تحلة القسم ما ينحل به القسم وهو اليمين وجاء مفسرا في الحديث أن المراد قوله تعالى وإن منكم إلا واردها وبهذا قال ابو عبيد وجمهور العلماء والقسم مقدر أي والله إن منكم إلا واردها وقيل المراد قوله تعالى فوربك لنحشرنهم والشياطين وقال بن قتيبة معناه تقليل مدة ورودها قال وتحلة القسم تستعمل في هذا في كلام العرب وقيل تقديره ولا تحلة القسم

(16/180)


أي لا تمسه اصلا ولا قدرا يسيرا كتحلة القسم والمراد بقوله تعالى وإن منكم إلا واردها المرور على الصراط وهو جسر منصوب عليها وقيل الوقوف عندها قوله صلى الله عليه و سلم [ 2633 ] ( ثلاثة من الولد ثم سئل عن الاثنين ) فقال واثنين محمول على أنه أوحى به إليه صلى الله عليه و سلم عند

(16/181)


سؤالها أو قبله وقد جاء في غير مسلم وواحدا قوله [ 2634 ] ( لم يبلغوا الحنث ) أي لم يبلغوا سن التكليف الذي يكتب فيه الحنث وهو الاثم قوله [ 2635 ] ( صغارهم دعاميص الجنة ) هو بالدال والعين والصاد المهملات واحدهم دعموص بضم الدال أي صغار اهلها واصل الدعموص دويبة تكون في الماء لا تفارقه اي ان هذا الصغير في الجنة لا يفارقها وقوله ( بصنفة ثوبك ) هو بفتح الصاد وكسر النون وهو طرفه ويقال لها ايضا صنيفة قوله0فلا يتناهى ) او قال ينتهي حتى يدخله الله وأباه الجنة يتناهى

(16/182)


وينتهي بمعنى أي لا يتركه قوله صلى الله عليه و سلم [ 2636 ] ( لقد احتظرت بحظار شديد من النار ) أي امتنعت بمانع وثيق واصل الحظر المنع واصل الحظار بكسر الحاء وفتحها ما يجعل حول البستان وغيره من قضبان وغيرها كالحائط وفي هذه الاحاديث دليل على كون اطفال المسلمين في الجنة وقد نقل جماعة فيهم اجماع المسلمين وقال المازري أما أولاد الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم فالاجماع متحقق على أنهم في الجنة واما اطفال من سواهم من المؤمنين فجماهير العلماء على القطع لهم بالجنة ونقل جماعة الاجماع في كونهم من اهل الجنة قطعا لقوله تعالى والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بايمان ألحقنا بهم ذريتهم وتوقف بعض المتكلمين فيها وأشار إلى أنه لا يقطع لهم كالمكلفين والله اعلم
( باب اذا أحب الله عبدا أمر جبريل فأحبه وأحبه أهل السماء )
ثم يوضع له القبول في الارض وذكر في البغض نحوه قال العلماء [ 2637 ] محبة الله تعالى لعبده هي ارادته الخير له وهدايته وانعامه عليه

(16/183)


ورحمته وبغضه إرادة عقابه أو شقاوته ونحوه وحب جبريل والملائكة يحتمل وجهين أحدهما استغفارهم له وثناؤهم عليه ودعاؤهم والثاني أن محبتهم على ظاهرها المعروف من المخلوقين وهو ميل القلب إليه واشتياقه إلى لقائه وسبب حبهم اياه كونه مطيعا لله تعالى محبوبا له ومعنى يوضع له القبول في الارض اي الحب في قلوب الناس ورضاهم عنه فتميل إليه القلوب وترضى عنه وقد جاء في رواية فتوضع له المحبة قوله ( وهو على الموسم ) أي أمير الحجيج

(16/184)


( باب الارواح جنود مجندة )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2638 ] ( الارواح جنود مجندة فما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف ) قال العلماء معناه جموع مجتمعة أو أنواع مختلفة واما تعارفها فهو لامر جعلها الله عليه وقيل انها موافقة صفاتها التي جعلها الله عليها وتناسبها في شيمها وقيل لانها خلقت مجتمعة ثم فرقت في اجسادها فمن وافق بشيمه ألفه ومن باعده نافره وخالفه وقال الخطابي وغيره تآلفها هو ماخلقها الله عليه من السعادة أو الشقاوة في المبتدأ وكانت الارواح قسمين متقابلين فاذا تلاقت الاجساد في الدنيا ائتلفت واختلفت بحسب ما خلقت عليه فيميل الاخيار إلى الاخيار والاشرار إلى الاشرار والله اعلم

(16/185)


( باب المرء مع من أحب )
قوله صلى الله عليه و سلم للذي سأله عن الساعة [ 2639 ] 0ماأعددت لها قال حب الله ورسوله قال أنت مع من أحببت ) وفي [ 2640 ] [ 2641 ] روايات المرء مع من أحب فيه فضل حب الله ورسوله صلى الله عليه و سلم والصالحين واهل الخير الاحياء والاموات ومن فضل محبة الله ورسوله امتثال امرهما واجتناب نهيهما والتأدب بالآداب الشرعية ولا يشترط في الانتفاع بمحبة الصالحين أن يعمل عملهم اذ لو عمله لكان منهم ومثلهم وقد صرح في الحديث الذي بعد هذا بذلك فقال أحب قوما ولما يلحق بهم قال اهل العربية لما نفي للماضي المستمر فيدل على نفيه في الماضي وفي الحال بخلاف لم فانها تدل على الماضي فقط ثم انه لا يلزم من كونه معهم ان تكون منزلته وجزاؤه مثلهم من كل وجه قوله ( ما أعددت لها كثير ) ضبطوه في المواضع كلها من هذه الاحاديث بالثاء المثلثة وبالباء الموحدة وهما صحيحان وقوله ما أعددت لها كثير صلاة ولا صيام ولا صدقة

(16/186)


أي غير الفرائض معناه ماأعددت لها كثير نافلة من صلاة ولاصيام ولا صدقة قوله ( عند سدة

(16/187)


المسجد ) هي الظلال المسقفة عند باب المسجد قوله ( حدثنا سليمان بن قرم ) هو بفتح القاف واسكان الراء وهو ضعيف لكن لم يحتج به مسلم بل ذكره متابعة وقد سبق أنه يذكر في المتابعة بعض الضعفاء والله اعلم

(16/188)


( باب اذا أثني على الصالح فهي بشرى ولا تضره )
قوله [ 2642 ] ( أرأيت الرجل يعمل العمل من الخير ويحمده الناس عليه قال تلك عاجل بشرى المؤمن ) وفي رواية ويحبه الناس عليه قال العلما ء معناه هذه البشرى المعجلة له بالخير وهي دليل على رضاء الله تعالى عنه ومحبته له فيحببه إلى الخلق كما سبق في الحديث ثم يوضع له القبول في الارض هذا كله اذا حمده الناس من غير تعرض منه لحمدهم والا فالتعرض مذموم
( كتاب القدر )
( باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه وكتابة رزقه )
وأجله وعمله وشقاوته وسعادته قوله [ 2643 ] ( حدثنا رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو الصادق المصدوق إن أحدكم يجمع خلقه

(16/189)


في بطن أمه أربعين يوما ثم تكون في ذلك علقة مثل ذلك ثم تكون في ذلك مضغة مثل ذلك ثم يرسل الملك فينفخ فيه الروح ويؤمر بأربع كلمات بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد ) أما قوله الصادق المصدوق فمعناه الصادق في قوله المصدوق فيما يأتي من الوحي الكريم وأما قوله إن أحدكم فبكسر الهمزة على حكاية لفظه صلى الله عليه و سلم قوله بكتب رزقه هو بالباء الموحدة في اوله علي البدل من أربع وقوله شقي او سعيد مرفوع خبر مبتدأ محذوف اي وهو شقي أو سعيد قوله صلى الله عليه و سلم في هذا الحديث ( ثم يرسل الملك ) ظاهره أن إرساله يكون بعد مائة وعشرين يوما وفي الرواية التي بعد هذه يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم باربعين او خمسة واربعين ليلة فيقول يارب أشقي أم سعيد وفي الرواية الثالثة اذا مر بالنطفة اثنتان واربعون ليلة بعث الله اليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها وفي رواية حذيفة بن أسيد إن النطفة تقع في الرحم اربعين ليلة ثم يتسور عليها الملك وفي رواية ان ملكا موكلا بالرحم اذا اراد الله أن يخلق شيئا بإذن الله لبضع واربعين ليلة وذكر الحديث وفي رواية أنس أن الله قد وكل بالرحم ملكا فيقول أي رب نطفة أي رب علقة أي رب مضغة قال العلماء طريق الجمع بين هذه الروايات أن للملك ملازمة ومراعاة لحال النطفة وأنه يقول يارب هذه علقة هذه مضغة في أوقاتها فكل وقت يقول فيه ما صارت إليه بأمر الله تعالى وهو اعلم سبحانه ولكلام الملك وتصرفه اوقات احدها حين يخلقها الله تعالى نطفة ثم ينقلها علقة وهو أول علم الملك بأنه ولد لانه ليس كل نطفة تصير ولدا وذلك عقب الاربعين الاولى وحينئذ يكتب رزقه وأجله وعمله وشقاوته أو سعادته ثم للملك فيه تصرف آخر في وقت آخر وهو تصويره

(16/190)


وخلق سمعه وبصره وجلده ولحمه وعظمه وكونه ذكرا أم أنثى وذلك انما يكون في الاربعين الثالثة وهي مدة المضغة وقبل انقضاء هذه الاربعين وقبل نفخ الروح فيه لان نفخ الروح لا يكون إلا بعد تمام صورته وأما قوله في إحدى الروايات فاذا مر بالنطفة اثنتان واربعون ليلة بعث الله اليها ملكا فصورها وخلق سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها ثم قال يارب أذكر ام أنثى فيقضي ربك ما شاء ويكتب الملك ثم يقول يارب أجله فيقول ربك ماشاء ويكتب الملك وذكر رزقه فقال القاضي وغيره ليس هو على ظاهره ولا يصح حمله على ظاهره بل المراد بتصويرها وخلق سمعها إلى آخره انه يكتب ذلك ثم يفعله في وقت آخر لان التصوير عقب الاربعين الاولى غير موجود في العادة وانما يقع في الاربعين الثالثة وهي مدة المضغة كما قال الله تعالى ولقد خلقنا الانسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم يكون للملك فيه تصوير آخر وهووقت نفخ الروح عقب الاربعين الثالثة حين يكمل له اربعة اشهر واتفق العلماء على أن نفخ الروح لا يكون إلا بعد اربعة اشهر ووقع في رواية للبخاري إن خلق احدكم يجمع في بطن أمه اربعين ثم يكون علقة مثله ثم يكون مضغة مثله ثم يبعث إليه الملك فيؤذن بأربع كلمات فيكتب رزقه وأجله وشقي او سعيد ثم ينفخ فيه فقوله ثم يبعث بحرف ثم يقتضي تأخير كتب الملك هذه الامور إلى ما بعد الاربعين الثالثة والاحاديث الباقية تقتضي الكتب بعد الاربعين الاولى وجوابه ان قوله ثم يبعث إليه الملك فيؤذن فيكتب معطوف على قوله يجمع في بطن أمه ومتعلق به لا بما قبله وهو قوله ثم يكون مضغة مثله ويكون قوله ثم يكون علقة مثله ثم يكون مضغة مثله معترضا بين المعطوف والمعطوف عليه وذلك جائز موجود في القرآن والحديث الصحيح وغيره من كلام العرب قال القاضي وغيره والمراد بارسال الملك في هذه الاشياء أمره بها وبالتصرف فيها بهذه الافعال وإلا فقد صرح في الحديث بأنه موكل بالرحم وانه يقول يارب نطفة يارب علقة قال القاضي وقوله في حديث أنس واذا أراد الله أن يقضي خلقا قال يارب أذكر أم أنثى شقي ام سعيد لا يخالف ما قدمناه ولا يلزم منه أن يقول ذلك بعد المضغة بل ابتداء للكلام وإخبار عن حالة اخرى فأخبر اولا بحال الملك مع النطفة ثم أخبر أن الله تعالى اذا أراد إظهار خلق النطفة علقة كان كذا وكذا ثم المراد بجميع ما ذكر من الرزق والأجل

(16/191)


والشقاوة والسعادة والعمل والذكورة والانوثة انه يظهر ذلك للملك ويأمره بإنفاذه وكتابته والا فقضاء الله تعالى سابق على ذلك وعلمه وارادته لكل ذلك موجود في الازل والله اعلم قوله صلى الله عليه و سلم ( فوالذي لا اله غيره ان احدكم ليعمل بعمل اهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها الا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل اهل النار فيدخلها وان احدكم ليعمل بعمل اهل النار الخ ) المراد بالذراع التمثيل للقرب من موته ودخوله عقبه وأن تلك الدار ما بقي بينه وبين ان يصلها الا كمن بقي بينه وبين موضع من الارض ذراع والمراد بهذا الحديث ان هذا قد يقع في نادر من الناس لا أنه غالب فيهم ثم انه من لطف الله تعالى وسعة رحمته انقلاب الناس من الشر إلى الخير في كثرة واما انقلابهم من الخير إلى الشر ففي غاية الندور ونهاية القلة وهو نحو قوله تعالى ان رحمتي سبقت غضبي وغلبت غضبي ويدخل في هذا من انقلب إلى عمل النار بكفر أو معصية لكن يختلفان في التخليد وعدمه فالكافر يخلد في النار والعاصي الذي مات موحدا لا يخلد فيها كما سبق تقريره وفي هذا الحديث تصريح باثبات القدر وأن التوبة تهدم الذنوب قبلها وأن من مات على شئ حكم له به من خير او شر الا ان اصحاب المعاصي غير الكفر

(16/192)


في المشيئة والله اعلم قوله [ 2644 ] ( عن حذيفة بن أسيد ) هو بفتح الهمزة قوله صلى الله عليه و سلم ( فيقول يارب أشقي او سعيد فيكتبان فيقول أي رب أذكر او أنثى فيكتبان ) يكتبان في

(16/193)


الموضعين بضم اوله ومعناه يكتب احدهما قوله [ 2645 ] ( دخلت على ابي سريحة ) هو بفتح السين المهملة وكسر الراء وبالحاء المهملة قوله صلى الله عليه و سلم ( إن النطفة تقع في الرحم اربعين ليلة ثم يتصور عليها الملك ) هكذا هو جميع نسخ بلادنا يتصور بالصاد وذكر القاضي يتسور بالسين قال والمراد بيتسور ينزل وهو استعارة من تسورت الدار اذا نزلت فيها من أعلاها ولا يكون التسورالا من فوق فيحتمل ان تكون الصاد الواقعة في نسخ بلادنا مبدلة من السين والله اعلم

(16/194)


قوله [ 2647 ] ( فنكس فجعل ينكت بمخصرته ) اما نكس فبتخفيف الكاف وتشديدها لغتان فصيحتان يقال نكسه ينكسه فهو ناكس كقتله يقتله فهوقاتل ونكسه ينكسه تنكيسا فهو منكس اي خفض رأسه وطأطأ إلى الارض على هيئة المهموم وقوله ينكت بفتح الياء وضم الكاف وآخره تاء مثناة فوق اي يخط بها خطا يسيرا مرة بعد مرة وهذا فعل المفكر المهموم والمخصرة بكسر الميم ما أخذه الانسان بيده واختصره من عصا لطيفة وعكاز لطيف وغيرهما وفي هذه الاحاديث كلها دلالات ظاهرة لمذهب اهل السنة في اثبات القدر وأن جميع الواقعات

(16/195)


بقضاء الله تعالى وقدره خيرها وشرها نفعها وضرها وقد سبق في اول كتاب الايمان قطعة صالحة من هذا قال الله تعالى لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون فهو ملك لله تعالى يفعل ما يشاء ولا اعتراض على المالك في ملكه ولأن الله تعالى لا علة لافعاله قال الامام ابو المظفر السمعاني سبيل معرفة هذا الباب التوقيف من الكتاب والسنة دون محض القياس ومجرد العقول فمن عدل عن التوقيف فيه ضل وتاه في بحار الحيرة ولم يبلغ شفاء النفس ولا يصل إلى ما يطمئن به القلب لان القدر سر من اسرار الله تعالى التي ضربت من دونها الاستار اختص الله به وحجبه عن عقول الخلق ومعارفهم لما علمه من الحكمة وواجبنا أن نقف حيث حد لنا ولا نتجاوزه وقد طوى الله تعالى علم القدر على العالم فلم يعلمه نبي مرسل ولاملك مقرب وقيل ان سر القدر ينكشف لهم اذا دخلوا الجنة ولا ينكشف قبل دخولها والله اعلم وفي هذه الاحاديث النهي عن ترك العمل والاتكال على ما سبق به القدر بل تجب الاعمال والتكاليف التي ورد الشرع بها وكل ميسر لما خلق له لا يقدر على غيره ومن كان من اهل السعادة يسره الله لعمل السعادة ومن كان من اهل الشقاوة يسره الله

(16/196)


لعملهم كما قال فسنيسره لليسرى وللعسرى وكما صرحت به هذه الاحاديث قوله [ 2648 ] ( جفت به الاقلام ) أي مضت به المقادير وسبق علم الله تعالى به وتمت كتابته في اللوح المحفوظ وجف القلم الذي

(16/197)


كتب به وامتنعت فيه الزيادة والنقصان قال العلماء وكتاب الله تعالى ولوحه وقلمه والصحف المذكورة في الاحاديث كل ذلك مما يجب الايمان به واما كيفية ذلك وصفته فعلمها إلى الله تعالى ولا يحيطون بشئ من علمه الا بما شاء والله أعلم قوله [ 2650 ] ( ما يعمل الناس ويكدحون فيه

(16/198)


أي يسعون والكدح هوالسعي في العمل سواء كان للآخرة أم للدنيا قوله 0لأحزر عقلك ) اي لأمتحن عقلك وفهمك ومعرفتك والله اعلم

(16/199)


( باب حجاج آدم وموسى صلى الله عليهما وسلم قوله صلى الله عليه و سلم [ 2652 ] ( احتج آدم وموسى ) قال ابو الحسن القابسي التقت أرواحهما في السماء فوقع الحجاج بينهما قال القاضي عياض ويحتمل انه على ظاهره وأنهما اجتمعا بأشخاصهما وقد ثبت في حديث الاسراء أن النبي صلى الله عليه و سلم اجتمع بالانبياء صلوات الله وسلامه عليهم اجمعين في السماوات وفي بيت المقدس وصلى بهم قال فلا يبعد ان الله تعالى أحياهم كما جاء في الشهداء قال ويحتمل ان ذلك جرى في حياة موسى سأل الله تعالى أن يريه آدم فحاجه قوله صلى الله عليه و سلم ( فقال موسى يا آدم أنت أبونا خيبتنا وأخرجتنا من الجنة ) وفي رواية أنت آدم الذي أغويت الناس واخرجتهم من الجنة وفي رواية أهبطت الناس بخطيئتك إلى الارض معنى خيبتنا أوقعتنا في الخيبة وهي الحرمان والخسران وقد خاب يخيب ويخوب ومعناه كنت سبب خيبتنا واغوائنا بالخطيئة التي ترتب عليها اخراجك من الجنة ثم تعرضنا نحن لاغواء الشياطين والغى الانهماك في الشر وفيه جواز اطلاق الشئ على سببه وفيه ذكر الجنة وهي موجودة من قبل آدم هذا مذهب أهل الحق قوله ( اصطفاك الله بكلامه وخط لك بيده ) في اليد هنا المذهبان السابقان في كتاب الايمان ومواضع في احاديث الصفات أحدهما الايمان بها ولا يتعرض لتأويلها مع ان ظاهرها غير مراد والثاني تأويلها على القدرة ومعنى اصطفاك أي اختصك وآثرك بذلك قوله ( أتلومني على أمر قدره الله علي قبل أن )

(16/200)


يخلقني باربعين سنة ) المراد بالتقدير هنا الكتابة في اللوح المحفوظ وفي صحف التوراة والواحها أي كتبه علي قبل خلقي بأربعين سنة وقد صرح بهذا في الرواية التي بعد هذه فقال بكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق قال موسى بأربعين سنة قال أتلومني على أن عملت عملا كتب الله علي ان اعمله قبل ان يخلقني بأربعين سنة فهذه الرواية مصرحة ببيان المراد بالتقدير ولا يجوز ان يراد به حقيقة القدر فان علم الله تعالى وما قدره على عباده واراد من خلقه أزلي لا أول له ولم يزل سبحانه مريدا لما أراده من خلقه من طاعة ومعصية وخير وشر قوله صلى الله عليه و سلم ( فحج آدم موسى ) هكذا الرواية في جميع كتب الحديث باتفاق الناقلين والرواة والشراح

(16/201)


واهل الغريب فحج آدم موسى برفع آدم وهو فاعل أي غلبه بالحجة وظهر عليه بها ومعنى كلام آدم أنك يا موسى تعلم أن هذا كتب علي قبل أن أخلق وقدر علي فلابد من وقوعه ولو حرصت أنا والخلائق أجمعون على رد مثقال ذرة منه لم نقدر فلم تلومني على ذلك ولان اللوم على الذنب شرعي لا عقلي واذ تاب الله تعالى على آدم وغفر له زال عنه اللوم فمن لامه كان محجوجا بالشرع فان قيل فالعاصي منا لو قال هذه المعصية قدرها الله علي لم يسقط عنه اللوم والعقوبة بذلك وان كان صادقا فيما قاله فالجواب أن هذا العاصي باق في دار التكليف جار عليه أحكام المكلفين من العقوبة واللوم والتوبيخ وغيرها وفي لومه وعقوبته زجر له ولغيره عن مثل هذا الفعل وهو محتاج إلى الزجر مالم يمت فأما آدم فميت خارج عن دار التكليف وعن الحاجة إلى الزجر فلم يكن

(16/202)


في القول المذكور له فائدة بل فيه ايذاء وتخجيل والله اعلم قوله صلى الله وسلم [ 2653 ] ( كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والارض بخمسين الف سنة وعرشه على الماء ) قال العلماء المراد تحديد وقت الكتابة في اللوح المحفوظ او غيره لا أصل التقدير فان ذلك أزلي لا أول له وقوله وعرشه على الماء أي قبل خلق السماوات والارض والله اعلم

(16/203)


( باب تصريف الله تعالى القلوب كيف شاء )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2654 ] ( إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث يشاء هذا من أحاديث الصفات وفيها القولان السابقان قريبا أحدهما الايمان بها من غير تعرض لتأويل ولا لمعرفة المعنى بل يؤمن بأنها حق وأن ظاهرها غير مراد قال الله تعالى ليس كمثله شئ والثاني يتأول بحسب ما يليق بها فعلى هذا المراد المجاز كما يقال فلان في قبضتي وفي كفي لا يراد به أنه حال في كفه بل المراد تحت قدرتي ويقال فلان بين إصبعي أقلبه كيف شئت اي انه مني على قهره والتصرف فيه كيف شئت فمعنى الحديث انه سبحانه وتعالى متصرف في قلوب عباده وغيرها كيف شاء لا يمتنع عليه منها شئ ولا يفوته ما أراده كما لايمتنع على الانسان ما كان بين إصبعيه فخاطب العرب بما يفهمونه ومثله بالمعاني الحسية تأكيدا له في نفوسهم فان قيل فقدرة الله تعالى واحدة والاصبعان للتثنية فالجواب أنه قد سبق أن هذا مجاز واستعارة فوقع التمثيل بحسب ما اعتادوه غير مقصود به التثنية والجمع والله أعلم
( باب كل شئ بقدر )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2655 ] ( كل شئ بقدر حتى العجز والكيس أو قال الكيس والعجز ) قال

(16/204)


القاضي رويناه برفع العجز والكيس عطفا على كل وبجرهما عطفا على شيء قال ويحتمل أن العجز هنا على ظاهره وهو عدم القدرة وقيل هو ترك ما يجب فعله والتسويف به وتأخيره عن وقته قال ويحتمل العجز عن الطاعات ويحتمل العموم في امور الدنيا والآخرة والكيس ضد العجز وهو النشاط والحذق بالامور ومعناه أن العاجز قد قدر عجزه والكيس قد قدر كيسه قوله [ 2656 ] ( جاء مشركو قريش يخاصمون في القدر فنزلت يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر إنا كل شئ خلقناه بقدر المراد بالقدر هنا القدر المعروف وهو ما قدر الله وقضاه وسبق به علمه وارادته وأشار الباجي إلى خلاف هذا وليس كما قال وفي هذه الآية الكريمة والحديث تصريح باثبات القدر وانه عام في كل شئ فكل ذلك مقدر في الازل معلوم لله مراد له
( باب قدر على بن آدم حظه من الزنى وغيره )
قوله [ 2657 ] ( ما رأيت شيئا أشبه باللمم مما قاله ابو هريرة ان النبي صلى الله عليه و سلم قال أن الله كتب على بن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة فزنا العينين النظر وزنا اللسان النطق والنفس تمنى وتشتهي والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ) وفي الرواية الثانية كتب على بن آدم نصيبه من الزنى مدرك ذلك لا محالة فالعينان زناهما النظر والاذنان زناهما الاستماع واللسان زناه الكلام واليد زناها البطش والرجل زناها الخطى والقلب يهوى ويتمنى ويصدق ذلك الفرج ويكذبه

(16/205)


معنى الحديث أن بن آدم قدر عليه نصيب من الزنى فمنهم من يكون زناه حقيقيا بادخال الفرج في الفرج الحرام ومنهم من يكون زناه مجازا بالنظر الحرام اوالاستماع إلى الزنى وما يتعلق بتحصيله او بالمس باليد بأن يمس أجنبية بيده او يقبلها او بالمشي بالرجل إلى الزنى اوالنظر او اللمس او الحديث الحرام مع اجنبية ونحو ذلك او بالفكر بالقلب فكل هذه انواع من الزنى المجازي والفرج يصدق ذلك كله أو يكذبه معناه أنه قد يحقق الزنى بالفرج وقد لا يحققه بأن لا يولج الفرج في الفرج وان قارب ذلك والله اعلم واما قول بن عباس ما رايت شيئا اشبه باللمم مما قال ابو هريرة فمعناه تفسير قوله تعالى الذين يجتنبون كبائر الاثم والفواحش إلا اللمم إن ربك واسع المغفرة ومعنى الآية والله اعلم الذين يجتنبون المعاصي غير اللمم يغفر لهم اللمم كما في قوله تعالى إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم فمعنى الآيتين أن اجتناب الكبائر يسقط الصغائر وهي اللمم وفسره بن عباس بما في هذا الحديث من النظر واللمس ونحوهما وهو كما قال هذا هو الصحيح في تفسير اللمم وقيل ان يلم بالشئ ولا يفعله وقيل الميل إلى الذنب ولا يصر عليه وقيل غير ذلك مما ليس بظاهر واصل اللمم والالمام الميل إلى الشئ وطلبه من غير مداومة والله اعلم

(16/206)


( باب معنى كل مولود يولد علىالفطرة )
وحكم موتى اطفال الكفار وأطفال المسلمين قوله صلى الله عليه و سلم [ 2658 ] ( ما من مولود إلا يولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء ثم يقول ابو هريرة اقرؤوا إن شئتم فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله الآية ) وفي رواية مامن مولود يولد إلا وهو على الملة وفي رواية ليس من مولود يولد إلا على هذه الفطرة حتى يعبر عنه لسانه قالوا يا رسول الله أفرأيت من يموت صغيرا قال الله اعلم بما كانوا عاملين [ 2660 ] وفي رواية أن الغلام الذي قتله الخضر طبع كافرا ولو عاش لارهق أبويه طغيانا وكفرا [ 2661 ] وفي حديث عائشة توفي صبي من الانصار فقالت طوبى له عصفور من عصافير الجنة لم يعمل السوء ولم يدركه قال أو غير ذلك يا عائشة أن الله خلق للجنة أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم وخلق للنار أهلا خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم أجمع من يعتد به من علماء المسلمين على أن من مات من اطفال المسلمين فهو من اهل الجنة لأنه ليس مكلفا وتوقف فيه بعض من لا يعتد به لحديث عائشة هذا وأجاب العلماء بانه لعله نهاها عن المسارعة إلى القطع من غير أن يكون عندها دليل قاطع كما انكر على سعد بن ابي وقاص في قوله اعطه إني لأراه مؤمنا قال او مسلما الحديث ويحتمل انه صلى الله عليه و سلم قال هذا قبل أن يعلم أن أطفال المسلمين في الجنة فلما علم قال ذلك في قوله صلى الله عليه و سلم مامن مسلم يموت له ثلاثة من الولد لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم وغير ذلك من الاحاديث والله اعلم [ 2660 ] وأما اطفال المشركين ففيهم ثلاثة مذاهب قال

(16/207)


الاكثرون هم في النار تبعا لآبائهم وتوقفت طائفة فيهم والثالث وهو الصحيح الذي ذهب إليه المحققون أنهم من أهل الجنة ويستدل له بأشياء منها حديث ابراهيم الخليل صلى الله عليه و سلم حين رآه النبي صلى الله عليه و سلم في الجنة وحوله اولاد الناس قالوا يا رسول الله وأولاد المشركين قال [ 2659 ] وأولاد المشركين رواه البخاري في صحيحه ومنها قوله تعالى وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا ولا ! يتوجه على المولود التكليف ويلزمه قول الرسول حتى يبلغ وهذا متفق عليه والله اعلم واما الفطرة المذكورة في هذه الاحاديث فقال المازري قيل هي ما أخذ عليهم في أصلاب آبائهم وان الولادة تقع عليها حتى يحصل التغيير بالابوين وقيل هي ما قضى عليه من سعادة او شقاوة يصير اليها وقيل هي ما هئ له هذا كلام المازري وقال ابو عبيد سألت محمد بن الحسن عن هذا الحديث فقال كان هذا في اول الاسلام قبل أن تنزل الفرائض وقبل الامر بالجهاد وقال ابو عبيد كأنه يعني أنه لو كان يولد على الفطرة ثم مات قبل ان يهوده أبواه أو ينصرانه لم يرثهما ولم يرثاه لانه مسلم وهما كافران ولما جاز أن يسبى فلما فرضت الفرائض وتقررت السنن على خلاف ذلك علم أنه يولد على دينهما وقال بن المبارك يولد على ما يصير إليه من سعادة او شقاوة فمن علم الله تعالى أنه يصير مسلما ولد على فطرة الاسلام ومن علم انه يصير كافرا ولد على الكفر وقيل معناه كل مولود يولد على معرفة الله تعالى والاقرار به فليس احد يولد الا وهو يقر بأن له صانعا وأن سماه بغير إسمه آو عبد معه غيره والاصح أن معناه أن كل مولود يولد متهيئا للاسلام فمن كان أبواه او احدهما مسلما استمر على الاسلام في أحكام الآخرة والدنيا وإن كان أبواه كافرين جرى عليه حكمهما في احكام الدنيا وهذا معنى يهودانه وينصرانه ويمجسانه أي يحكم له بحكمهما في الدنيا فإن بلغ استمر عليه حكم الكفر ودينهما فان كانت سبقت له سعادة أسلم وإلا مات على كفره وإن مات قبل بلوغه فهل هو من اهل الجنة أم النار ام يتوقف فيه ففيه المذاهب الثلاثة السابقة قريبا الأصح انه من اهل الجنة والجواب عن حديث الله اعلم بما كانوا عاملين أنه ليس فيه تصريح بأنهم في النار وحقيقة لفظه الله اعلم بما كانوا يعملون لو بلغوا ولم يبلغوا اذ التكليف لا يكون إلا بالبلوغ وأما غلام الخضر فيجب تأويله قطعا لأن أبويه كانا مؤمنين فيكون هو مسلما فيتأول على أن معناه أن الله اعلم أنه لو بلغ لكان كافرا لا أنه كافر في الحال ولا يجري عليه في الحال أحكام الكفار والله اعلم وأما قوله صلى الله عليه و سلم

(16/208)


( كما تنتج البهيمة بهيمة ) فهو بضم التاء الاولى وفتح الثانية ورفع البهيمة ونصب بهيمة ومعناه كما تلد البهيمة بهيمة ( جمعاء ) بالمد أي مجتمعة الاعضاء سليمة من نقص لا توجد فيها جدعاء بالمد وهي مقطوعة الأذن أو غيرها من الاعضاء ومعناه أن البهيمة تلد البهيمة كاملة الاعضاء لا نقص فيها وإنما يحدث فيها الجدع والنقص بعد ولادتها قوله صلى الله عليه و سلم في حديث زهير بن حرب ( مامن مولود إلا يلد على الفطرة ) هكذا هو في جميع النسخ يلد بضم الياء المثناة تحت وكسر اللام على وزن ضرب حكاه القاضي عن رواية السمرقندي قال وهو صحيح على ابدال الواو ياء لانضمامها قال وقد ذكر الهجري في نوادره يقال ولد ويلد بمعنى قال

(16/209)


القاضي ورواه غير السمرقندي يولد والله اعلم قوله صلى الله عليه و سلم ( كل انسان تلده أمه يلكزه الشيطان في حضنيه إلا مريم وابنها ) هكذا هو في جميع النسخ في حضنيه بحاء مهملة مكسورة ثم ضاد معجمة ثم نون ثم ياء تثنية حضن وهو الجنب وقيل الخاصرة قال القاضي ورواه بن ماهان خصييه بالخاء المعجمة والصاد المهملة وهو الانثيان قال القاضي واظن هذا وهما بدليل قوله إلا مريم وابنها وسبق شرح هذا الحديث في كتاب الفضائل وسبق ذكر الغلام

(16/210)


الذي قتله الخضر في فضائل الخضر قوله0عن رقبة بن مسقلة ) هكذا هو في جميع النسخ مسقلة بالسين وهو صحيح يقال بالسين والصاد وفي قوله صلى الله عليه و سلم الله اعلم بما كانوا عاملين بيان لمذهب اهل الحق أن الله علم ما كان وما يكون ما لا يكون لو كان كيف كان يكون وقد سبق بيان نظائره من القرآن والحديث

(16/211)


( باب بيان أن الآجال والأرزاق وغيرها )
لا تزيد ولا تنقص عما سبق به القدر قوله [ 2663 ] ( قالت آم حبيبة اللهم امتعني بزوجي رسول الله صلى الله عليه و سلم وبأبي ابي سفيان وبأخي

(16/212)


معاوية فقال النبي صلى الله عليه و سلم قد سألت الله عزوجل لآجال مضروبة وأيام معدودة وأرزاق مقسومة ولن يعجل شيئا قبل حله أو يؤخر شيئا عن حله ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار أو عذاب في القبر كان خيرا وأفضل ) أما حله فضبطناه بوجهين فتح الحاء وكسرها في المواضع الخمسة من هذه الروايات وذكر القاضي أن جميع الرواة على الفتح ومراده رواة بلادهم وإلا فالأشهر عند رواة بلادنا الكسر وهما لغتان ومعناه وجوبه وحينه يقال حل الأجل يحل حلا وحلا وهذا الحديث صريح في أن الآجال والأرزاق مقدرة لا تتغير عما قدره الله تعالى وعلمه في الأزل فيستحيل زيادتها ونقصها حقيقة عن ذلك واما ما ورد في حديث صلة الرحم تزيد في العمر ونظائره فقد سبق تأويله في باب صلة الأرحام واضحا قال المازري هنا قد تقرر بالدلائل القطعية أن الله تعالى أعلم بالآجال والأرزاق وغيرها وحقيقة العلم معرفة المعلوم على ماهو عليه فإذا علم الله تعالى أن زيدا يموت سنة خمسمائة استحال أن يموت قبلها او بعدها لئلا ينقلب العلم جهلا فاستحال أن الآجال التي علمها الله تعالى تزيد وتنقص فيتعين تأويل الزيادة أنها بالنسبة إلى ملك الموت او غيره ممن وكله الله بقبض الارواح وأمره فيها بآجال ممدودة فانه بعد أن يأمره بذلك او يثبته في اللوح المحفوظ ينقص منه ويزيد على حسب ما سبق به علمه في الأزل وهو معنى قوله تعالى يمحو الله ما يشاء ويثبت وعلى ماذكرناه يحمل قوله تعالى ثم قضى أجلا وأجل مسمى عنده واعلم أن مذهب اهل الحق أن المقتول مات بأجله وقالت المعتزلة قطع أجله والله اعلم فإن قيل ما الحكمة في نهيها عن الدعاء بالزيادة في الأجل لأنه مفروغ منه وندبها إلى الدعاء بالاستعاذة من العذاب مع أنه مفروغ منه أيضا كالأجل فالجواب أن الجميع مفروع منه لكن الدعاء بالنجاة من عذاب

(16/213)


النار ومن عذاب القبر ونحوهما عبادة وقد أمر الشرع بالعبادات فقيل أفلا نتكل على كتابنا وما سبق لنا من القدر فقال اعملوا فكل ميسر لما خلق له وأما الدعاء بطول الأجل فليس عبادة وكمالا يحسن ترك الصلاة والصوم والذكر اتكالا على القدر فكذا الدعاء بالنجاة من النار ونحوه والله اعلم قوله صلى الله عليه و سلم ( وإن القردة والخنازير كانوا قبل ذلك ) أي قبل مسخ بني اسرائيل فدل على أنها ليست من المسخ وجاء كانوا بضمير العقلاء مجازا لكونه جرى في الكلام ما يقتضي مشاركتها للعقلاء كما في قوله تعالى رأيتهم لي ساجدين وكل في فلك يسبحون

(16/214)


( باب الايمان للقدر والاذعان له )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 2664 ] ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف وفي كل خير ) والمراد بالقوة هنا عزيمة النفس والقريحة في أمور الآخرة فيكون صاحب هذا الوصف اكثر إقداما على العدو في الجهاد وأسرع خروجا إليه وذهابا في طلبه وأشد عزيمة في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على الاذى في كل ذلك واحتمال المشاق في ذات الله تعالى وأرغب في الصلاة والصوم والاذكار وسائر العبادات وأنشط طلبا لها ومحافظة عليها ونحو ذلك واما قوله صلى الله عليه و سلم وفي كل خير فمعناه في كل من القوي والضعيف خير لاشتراكهما في الايمان مع ما يأتي به الضعيف من العبادات قوله صلى الله عليه و سلم ( احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز ) أما احرص فبكسر الراء وتعجز بكسر الجيم وحكي فتحهما جميعا ومعناه احرص على طاعة الله تعالى والرغبة فيما عنده واطلب الاعانة من الله تعالى على ذلك ولا تعجز ولا تكسل عن طلب الطاعة ولا عن طلب الاعانة قوله صلى الله عليه و سلم ( وإن أصابك شئ فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا ولكن قل قدر الله وما شاء فعل فان لو تفتح عمل

(16/215)


الشيطان ) قال القاضي عياض قال بعض العلماء هذا النهي انما هو لمن قاله معتقدا ذلك حتما وانه لو فعل ذلك لم تصبه قطعا فأما من رد ذلك إلى مشيئة الله تعالى بانه لن يصيبه إلا ماشاء الله فليس من هذا واستدل بقول ابي بكر الصديق رضي الله عنه في الغار لو أن أحدهم رفع رأسه لرآنا قال القاضي وهذا لا حجة فيه لانه انما أخبر عن مستقبل وليس فيه دعوى لرد قدر بعد وقوعه قال وكذا جميع ماذكره البخاري في باب ما يجوز من اللو كحديث لولا حدثان عهد قومك بالكفر لأتممت البيت على قواعد ابراهيم ولوكنت راجما بغير بينة لرجمت هذه ولولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك وشبه ذلك فكله مستقبل لا اعتراض فيه على قدر فلا كراهة فيه لانه انما أخبر عن اعتقاده فيما كان يفعل لولا المانع وعما هو في قدرته فاما ما ذهب فليس في قدرته قال القاضي فالذي عندي في معنى الحديث أن النهي على ظاهره وعمومه لكنه نهي تنزيه ويدل عليه قوله صلى الله عليه و سلم فان لو تفتح عمل الشيطان اي يلقي في القلب معارضة القدر ويوسوس به الشيطان هذا كلام القاضي قلت وقد جاء من استعمال لو في الماضي قوله صلى الله عليه و سلم لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي وغير ذلك فالظاهر أن النهي انما هو عن إطلاق ذلك فيما لا فائدة فيه فيكون نهي تنزيه لا تحريم فأما من قاله تأسفا على مافات من طاعة الله تعالى أو ماهو متعذر عليه من ذلك ونحو هذا فلا بأس به وعليه يحمل أكثر الاستعمال الموجود في الاحاديث والله اعلم
( كتاب العلم )
( باب النهي عن اتباع متشابه القرآن والتحذير من متبعيه )
والنهي عن الاختلاف في القرآن قوله [ 2665 ] ( حدثنا يزيد بن ابراهيم التستري ) هو بضم التاء الاولى واما التاء الثانية فالصحيح المشهور

(16/216)


فتحها ولم يذكر السمعاني في كتابه الانساب والحازمي في المؤتلف وغيرهما من المحققين والاكثرون غيره وذكر القاضي في المشارق أنها مضمومة كالأولى قال وضبطها الباجي بالفتح قال السمعاني هي بلدة من كور الاهواز من بلاد خورستان يقول لها الناس شتر بها قبر البراء بن مالك رضي الله عنه الصحابي أخي أنس قولها ( تلا رسول الله صلى الله عليه و سلم هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات إلى آخر الآية قال رسول الله صلى الله عليه و سلم اذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى الله فاحذروهم ) قد اختلف المفسرون والأصوليون وغيرهم في المحكم والمتشابه اختلافا كثيرا قال الغزالي في المستصفى اذا لم يرد توقيف في تفسيره فينبغي أن يفسر بما يعرفه اهل اللغة وتناسب اللفظ من حيث الوضع ولا يناسبه قول من قال المتشابه الحروف المقطعة في اوائل السور والمحكم ما سواه ولا قولهم المحكم ما يعرفه الراسخون في العلم والمتشابه ما انفرد الله تعالى بعلمه ولا قولهم المحكم الوعد والوعيد والحلال والحرام والمتشابه القصص والامثال فهذا أبعد الاقوال قال بل الصحيح أن المحكم يرجع إلى معنيين احدهما المكشوف المعنى الذي لا يتطرق إليه اشكال واحتمال والمتشابه ما يتعارض فيه الاحتمال والثاني أن المحكم ما انتظم ترتيبه مفيدا إما ظاهرا وإما بتأويل وأما المتشابه فالأسماء المشتركة كالقرء وكالذي بيده عقدة النكاح وكاللمس فالاول متردد بين الحيض والطهر والثاني

(16/217)


بين الولي والزوج والثالث بين الوطء والمس باليد ونحوها قال ويطلق على ماورد في صفات الله تعالى مما يوهم ظاهره الجهة والتشبيه ويحتاج إلى تأويل واختلف العلماء في الراسخين في العلم هل يعلمون تأويل المتشابه وتكون الواو في والراسخون عاطفه أم لا ويكون الوقف على وما يعلم تأويله الا الله ثم يبتدئ قوله تعالى والراسخون في العلم يقولون آمنا به وكل واحد من القولين محتمل واختاره طوائف والاصح الاول وان الراسخين يعلمونه لانه يبعد أن يخاطب الله عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته وقد اتفق اصحابنا وغيرهم من المحققين على انه يستحيل ان يتكلم الله تعالى بما لا يفيد والله اعلم وفي هذا الحديث التحذير من مخالطة اهل الزيغ واهل البدع ومن يتبع المشكلات للفتنة فأما من سأل عما أشكل عليه منها للاسترشاد وتلطف في ذلك فلا بأس عليه وجوابه واجب وأما الاول فلا يجاب بل يزجر ويعزر كما عزر عمر بن الخطاب رضي الله عنه صبيع بن عسل حين كان يتبع المتشابه والله اعلم قوله [ 2666 ] ( هجرت يوما ) أي بكرت قوله صلى الله عليه و سلم ( إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب ) و [ 2667 ] في رواية اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم فاذا اختلفتم فيه فقوموا المراد بهلاك من قبلنا هنا هلاكهم في الدين بكفرهم وابتداعهم فحذر رسول الله صلى الله عليه و سلم من مثل فعلهم والامر بالقيام عند الاختلاف في القرآن محمول عند العلماء على اختلاف لا يجوز او اختلاف

(16/218)


يوقع فيما لا يجوز كاختلاف في نفس القرآن او في معنى منه لا يسوغ فيه الاجتهاد او اختلاف يوقع في شك او شبهة اوفتنة وخصومة اوشجار ونحو ذلك وأما الاختلاف في استنباط فروع الدين منه ومناظرة اهل العلم في ذلك على سبيل الفائدة واظهار الحق واختلافهم في ذلك فليس منهيا عنه بل هو مأمور به وفضيلة ظاهرة وقد أجمع المسلمون على هذا من عهد الصحابة إلى الآن والله اعلم قوله صلى الله عليه و سلم [ 2668 ] ( أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم ) هو بفتح الخاء وكسر الصاد والألد شديد الخصومة مأخوذ من لديدي الوادي وهما جانباه لانه كلما احتج عليه بحجة أخذ في جانب آخر وأما الخصم فهو الحاذق بالخصومة والمذموم هو الخصومة بالباطل في رفع حق او اثبات باطل والله اعلم قوله صلى الله عليه و سلم [ 2669 ] ( لتتبعن سنن الذين من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع الخ ) السنن بفتح السين والنون وهو الطريق والمراد بالشبر

(16/219)


والذراع وجحر الضب التمثيل بشدة الموافقة لهم والمراد الموافقة في المعاصي والمخالفات لا في الكفر وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله صلى الله عليه و سلم فقد وقع ما أخبر به صلى الله عليه و سلم قوله ( حدثني عدة من اصحابنا عن سعيد بن ابي مريم ) قال المازري هذا من الاحاديث المقطوعة في مسلم وهي اربعة عشر هذا آخرها قال القاضي قلد المازري أبا علي الغساني الجياني في تسميته هذا مقطوعا وهي تسمية باطلة وانما هذا عند اهل الصنعة من باب رواية المجهول وانما المقطوع ما حذف منه راو قلت وتسمية هذا الثاني ايضا مقطوعا مجاز وانما هو منقطع ومرسل عند الاصوليين والفقهاء وانما حقيقة المقطوع عندهم الموقوف على التابعي فمن بعده قولا له او فعلا او نحوه وكيف كان فمتن الحديث المذكور صحيح متصل بالطريق الاول وانما ذكر الثاني متابعة وقد سبق ان المتابعة يحتمل فيها مالا يحتمل في الأصول وقد وقع في كثير من النسخ هنا اتصال هذا الطريق الثاني من جهة ابي إسحاق ابراهيم بن سفيان راوي الكتاب عن مسلم وهو من زياداته وعالي اسناده قال ابو إسحاق حدثني محمد بن يحيى قال حدثنا بن ابي مريم فذكره باسناده إلى آخره فاتصلت الرواية والله اعلم قوله صلى الله عليه و سلم [ 2670 ] ( هلك المتنطعون ) اي المتعمقون الغالون المجاوزون الحدود في اقوالهم وافعالهم

(16/220)


( باب رفع العلم وقبضه وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان )
قوله [ 2671 ] ( حدثنا شيبان بن فروخ الخ ) هذا الاسناد والذي بعده كلهم بصريون قوله صلى الله عليه و سلم ( من أشراط الساعة أن يرفع العلم ويثبت الجهل وتشرب الخمر ويظهر الزنى ) هكذا هو في كثير من النسخ يثبت الجهل من الثبوت وفي بعضها يبث بضم الياء وبعدها موحدة مفتوحة ثم مثلثة مشددة اي ينشر ويشيع ومعنى تشرب الخمر شربا فاشيا ويظهر الزنى أي يفشو وينتشر كما صرح به في الرواية الثانية وأشراط الساعة علاماتها واحدها شرط بفتح الشين والراء ويقل الرجال بسبب القتل وتكثر النساء فلهذا يكثر الجهل والفساد ويظهر الزنى والخمر ويتقارب الزمان اي يقرب من القيامة ويلقي الشح هو باسكان اللام وتخفيف القاف اي يوضع في القلوب ورواه بعضهم يلقى بفتح اللام

(16/221)


وتشديد القاف اي يعطي والشح هو البخل بأداء الحقوق والحرص على ما ليس له وقد سبق الخلاف

(16/222)


فيه مبسوطا في باب تحريم الظلم وفي رواية وينقص العلم هذا يكون قبل قبضه قوله صلى الله عليه و سلم [ 2673 ] ( إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى اذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا ) هذا الحديث يبين أن المراد بقبض

(16/223)


العلم في الأحاديث السابقة المطلقة ليس هو محوه من صدور حفاظه ولكن معناه أنه يموت حملته ويتخذ الناس جهالا يحكمون بجهالاتهم فيضلون ويضلون وقوله صلى الله عليه و سلم اتخذ الناس رؤسا جهالا ضبطناه في البخاري رؤسا بضم الهمزة وبالتنوين جمع رأس وضبطوه في مسلم هنا بوجهين أحدهما هذا والثاني رؤساء بالمد جمع رئيس وكلاهما صحيح والاول أشهر وفيه التحذير من

(16/224)


اتخاذ الجهال رؤساء قوله ( إن عائشة قالت في عبد الله بن عمرو ما أحسبه الا قد صدق أراه لم يزد فيه شيئآ ولم ينقص ) ليس معناه أنها اتهمته لكنها خافت أن يكون اشتبه عليه أو قرأه من كتب الحكمة فتوهمه عن النبي صلى الله عليه و سلم فلما كرره مرة أخرى وثبت عليه غلب على ظنها أنه سمعه من النبي صلى الله عليه و سلم وقولها أراه بفتح الهمزة وفي هذا الحديث الحث على حفظ العلم وأخذه عن أهله واعتراف العالم للعالم بالفضيلة

(16/225)


( باب من سن سنة حسنة او سيئة ومن دعا إلى هدى او ضلالة )
قوله صلى الله عليه و سلم [ 1017 ] ( من سن سنة حسنة ومن سن سنة سيئة ) الحديث وفي الحديث الآخر [ 2674 ] من دعا إلى هدى ومن دعا إلى ضلالة هذان الحديثان صريحان في الحث على استحباب سن الامور الحسنة وتحريم سن الامور السيئة وأن من سن سنة حسنة كان له مثل اجر كل من يعمل بها إلى

(16/226)


يوم القيامة ومن سن سنة سيئة كان عليه مثل وزر كل من يعمل بها إلى يوم القيامة وأن من دعا إلى هدى كان له مثل أجور متابعيه او إلى ضلالة كان عليه مثل آثام تابعيه سواء كان ذلك الهدي والضلالة هو الذي ابتدأه أم كان مسبوقا إليه وسواء كان ذلك تعليم علم او عبادة او أدب او غير ذلك قوله صلى الله عليه و سلم 0فعمل بها بعده ) معناه إن سنها سواء كان العمل في حياته أو بعد موته والله اعلم

(16/227)


( كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار )
( باب الحث على ذكر الله تعالى [ 2675 ] قوله عز و جل ( أنا عند ظن عبدي بي ) قال القاضي قيل معناه بالغفران له اذا استغفر والقبول اذا تاب والاجابة اذا دعا والكفاية اذا طلب الكفاية وقيل المراد به الرجاء وتأميل العفو وهذا اصح قوله تعالى وانا معه حين يذكرني أي معه بالرحمة والتوفيق والهداية والرعاية وأما قوله تعالى وهو معكم أينما كنتم فمعناه بالعلم والاحاطة قوله تعالى إن ذ كرني فى نفسه ذكرته في نفسي قال المازري النفس تطلق في اللغة على معان منها الدم ومنها نفس الحيوان وهما مستحيلان فى حق الله تعالى ومنها الذات والله تعالى له ذات حقيقة وهو المراد بقوله تعالى فى نفسى ومنها الغيب وهو أحد الأقوال فى قوله تعالى تعلم ما فى نفسى ولا أعلم ما فى نفسك أى ما فى غيبى فيجوز أن يكون أيضا مراد الحديث أي اذا ذكرني خاليا اثابه الله وجازاه عما عمل )

(17/2)


بما لا يطلع عليه أحد قوله تعالى وان ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ هم خير منهم هذا مما استدلت به المعتزلة ومن وافقهم على تفضيل الملائكة على الانبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين واحتجوا أيضا بقوله تعالى ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا فالتقييد بالكثير احتراز من الملائكة ومذهب اصحابنا وغيرهم ان الأنبياء افضل من الملائكة لقوله تعالى فى بني إسرائيل وفضلناهم على العالمين والملائكةمن العالمين ويتأول هذا الحديث على ان الذاكرين غالبا يكونون طائفة لانبى فيهم فاذا ذكره الله تعالى فى خلائق من الملائكة كانوا خيرا من تلك الطائفة قوله تعالى وان تقرب منى شبرا تقربت إليه ذراعا وان تقرب إلى ذراعا تقربت منه باعا وان أتاني يمشى أتيته هرولة هذا الحديث من أحاديث الصفات ويستحيل إرادة ظاهرة وقد سبق الكلام فى احاديث الصفات مرات ومعناه من تقرب إلى بطاعتى تقربت إليه برحمتي والتوفيق والاعانه وان زاد زدت فإن أتانى يمشي وأسرع في طاعتي اتيته هرولة أي صببت عليه الرحمة وسبقته بها ولم احوجه إلى المشى الكثير في الوصول الي المقصود والمراد ان جزاءه يكون تضعيفه

(17/3)


على حسب تقربه قوله تعالى في رواية محمد بن جعفر واذا تلقاني بباع جئته أتيته هكذا هو فى اكثر النسخ جئته اتيته وفي بعضها جئته بأسرع فقط وفي بعضها اتيته وهاتان ظاهرتان والأول صحيح ايضا والجمع بينهما للتوكيد وهو حسن لا سيما عند اختلاف اللفظ والله أعلم [ 2676 ] قوله جبل يقال له جمدان هو بضم الجيم واسكان الميم قوله صلى الله عليه و سلم سبق المفردون قالوا وما المفردون يا رسول الله قال الذاكرون الله كثيرا والذاكرات هكذا الروايه فيه المفردون بفتح الفاء وكسر الراء المشددة وهكذا نقله القاضي عن متقنى شيوخهم وذكر غيره أنه روى بتخفيفها واسكان الفاء يقال فرد الرجل وفرد بالتخفيف والتشديد وأفرد وقد فسرهم رسول الله صلى الله عليه و سلم بالذاكرين الله كثيرا والذاكرات تقديره والذاكراته فحذفت الهاء هنا كما حذفت فى القرآن لمناسبة رؤس الآى ولأنه مفعول يجوز حذفه وهذا التفسير هو مراد الحديث قال بن قتيبه وغيره وأصل المفردين الذين هلك أقرانهم وانفردوا عنهم فبقوا يذكرون الله تعالى وجاء فى رواية هم الذين اهتزوا فى ذكر الله أى لهجوابه وقال بن الأعرابي يقال فرد الرجل اذا تفقه واعتزل وخلا بمراعاة الأمر والنهى

(17/4)


( باب فى اسماء الله تعالى وفضل من أحصاها [ 2677 ] قوله صلى الله عليه و سلم إن لله تسعة وتسعين اسما مائة الا واحدا من أحصاها دخل الجنه أنه وتر يحب الوتر وفى رواية من حفظها دخل الجنة قال الامام أبو القاسم القشيرى فيه دليل على أن الاسم هو المسمى إذ لو كان غيره لكانت الأسماء لغيره لقوله تعالى ولله الأسماءالحسنى قال الخطابى وغيره وفيه دليل على أن أشهر أسمائه سبحانه وتعالى الله لاضافة هذه الأسماءاليه وقد روى أن الله هو اسمه الاعظم قال أبو القاسم الطبرى واليه ينسب كل اسم له فيقال الرؤف والكريم من أسماء الله تعالى ولا يقال من أسماء الرؤف أو الكريم الله واتفق العلماء على أن هذا الحديث ليس فيه حصر لأسمائه سبحانه وتعالى فليس معناه أنه ليس له أسماء غير هذه التسعة والتسعين وانما مقصود الحديث أن هذه التسعة والتسعين من أحصاها دخل الجنة فالمراد الاخبار عن دخول الجنة باحصائها لا الاخبار بحصر الأسماء ولهذا جاء فى الحديث الآخر أسألك بكل اسم سميت به نفسك أواستأثرت به فى علم الغيب عندك وقد ذكر الحافظ أبو بكر بن العربى المالكى عن بعضهم أنه قال لله تعالى ألف اسم قال بن العربي وهذا قليل فيها والله أعلم وأما تعيين هذه الأسماء فقد جاء فى الترمذى وغيره فى بعض أسمائه خلاف وقيل انها مخفية التعيين كالاسم الأعظم وليلة القدر ونظائرها واما قوله صلى الله عليه و سلم من أحصاها دخل الجنة فاختلفوا فى المراد باحصائها فقال البخارى وغيره من المحققين معناه حفظها وهذا هو الأظهر لأنه جاء مفسرا فى الرواية الأخرى من حفظها وقيل أحصاها عدها )

(17/5)


فى الدعاء بها وقيل أطاقها أى أحسن المراعاة لها والمحافظة على ما تقتضيه وصدق بمعانيها وقيل معناه العمل بها والطاعة بكل اسمها والايمان بها لا يقتضى عملا وقال بعضهم المراد حفظ القرآن وتلاوته كله لأنه مستوف لها وهو ضعيف والصحيح الأول قوله صلى الله عليه و سلم إن الله وتر يحب الوتر الوتر الفرد ومعناه فى حق الله تعالى الواحد الذى لا شريك له ولا نظير ومعنى يحب الوتر تفضيل الوتر فى الاعمال وكثير من الطاعات فجعل الصلاة خمسا والطهارة ثلاثا والطواف سبعا والسعى سبعا ورمى الجمار سبعا وأيام التشريق ثلاثا والاستنجاء ثلاثا وكذا الأكفان وفى الزكاة خمسة أوسق وخمس أواق من الورق ونصاب الابل وغير ذلك وجعل كثيرا من عظيم مخلوقاته وترا منها السماوات والأرضون والبحار وأيام الاسبوع وغير ذلك وقيل ان معناه منصرف إلى صفة من يعبد الله بالوحدانية والتفرد مخلصا له والله أعلم
( باب العزم فى الدعاء ولا يقل إن شئت [ 2678 ] قوله صلى الله عليه و سلم اذا دعا أحدكم فليعزم فى الدعاء ولا يقل اللهم إن شئت فأعطنى فإن الله لا مستكره له وفى رواية فإن الله صانع ما شاء لا مكره له وفى رواية ليعزم الرغب )

(17/6)


فان الله لايتعاظمه شيء أعطاه قال العلماء عزم المسألة الشدة فى طلبها والحزم من غير ضعف فى الطلب ولا تعليق على مشيئة ونحوها وقيل هو حسن الظن بالله تعالى في الاجابة ومعنى الحديث استحباب الجزم فى الطلب وكراهة التعليق على المشيئة قال العلماء سبب كراهته أنه لا يتحقق استعمال المشيئة إلا فى حق من يتوجه عليه الاكراه والله تعالى منزه عن ذلك وهو معنى قوله صلى الله عليه و سلم فى آخر الحديث فانه لا مستكره له وقيل سبب الكراهة أن فى هذا اللفظ صورة الاستعفاء على المطلوب والمطلوب منه قوله عن عطاء بن مثنى هو بالمد والقصر باب كراهة تمنى الموت لضر نزل به [ 2680 ] قوله صلى الله عليه و سلم لايتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فان كان لا بد متمنيا فليقل اللهم أحينى ما كانت الحياة خيرا لى وتوفنى اذا كانت الوفاة خيرا لى فيه التصريح بكراهة تمني الموت لضر نزل به من مرض أو فاقة أو محنة من عدو أو نحو ذلك من مشاق الدنيا فأما اذا خاف ضررا فى دينه

(17/7)


أوفتنة فيه فلا كراهة فيه لمفهوم هذا الحديث وغيره وقد فعل هذا الثانى خلائق من السلف عند خوف الفتنة فى أديانهم وفيه أنه إن خاف ولم يصبر على حاله فى بلواه بالمرض ونحوه فليقل اللهم أحينى إن كانت الحياة خيرا لى الخ والأفضل الصبر والسكون للقضاء قوله حدثنا عاصم عن النضر بن أنس وانس يومئذ حي معناه أن النضر حدث به فى حياة أبيه [ 2682 ] قوله صلي الله عليه وسلم اذا مات أحدكم انقطع عمله هكذا هو فى بعض النسخ عمله وفى كثير منها أمله وكلاهما صحيح لكن الأول أجود وهو المتكرر فى الأحاديث والله أعلم

(17/8)


باب من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه [ 2683 ] قوله حدثنا هداب هذا الاسناد والذى بعده كلهم بصريون الا عبادة بن الصامت فشامى قوله صلىالله عليه وسلم من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه قالت عائشة فقلت يا نبى الله أكراهية الموت فكلنا يكره الموت قال ليس كذلك ولكن المؤمن اذا بشر برحمة الله ورضوانه وجنته أحب لقاء الله فأحب الله لقاءه وأن الكافر اذا بشر بعذاب الله وسخطه كره لقاء الله وكره الله لقاءه هذا الحديث يفسر آخره أوله ويبين المراد بباقى الأحاديث المطلقة من أحب لقاء الله ومن كره لقاء الله ومعنى الحديث أن الكراهة المعتبرة

(17/9)


هي التى تكون عند النزع فى حالة لا تقبل توبته ولا غيرها فحينئذ يبشر كل انسان بما هو صائر إليه وما أعدله ويكشف له عن ذلك فأهل السعادة يحبون الموت ولقاء الله لينتقلوا إلى ما أعدلهم ويحب الله لقاءهم أى فيجزل لهم العطاء والكرامة وأهل الشقاوة يكرهون لقاءه لما علموا من سوء ما ينتقلون إليه ويكره الله لقاءهم أى يبعدهم عن رحمته وكرامته ولا يريد ذلك بهم وهذا معنى كراهته سبحانه لقاءهم وليس معنى الحديث أن سبب كراهة الله تعالى لقاءهم كراهتهم ذلك ولا

(17/10)


أن حبه لقاء الآخرين حبهم ذلك بل هو صفة لهم [ 2685 ] قولها اذا شخص البصر وحشرج الصدر واقشعر الجلد وتشنجت الأصابع أما شخص فبفتح الشين والخاء ومعناه ارتفاع الأجفان إلى فوق وتحديد النظر وأما الحشرجة فهي تردد النفس فى الصدور وأما اقشعرار الجلد فهو قيام شعره وتشنج الأصابع تقبضها
( باب فضل الذكر والدعاء والتقرب إلى الله تعالى وحسن الظن به قوله تعالى واذا تقرب منى ذراعا تقربت إليه باعا أو بوعا الباع والبوع بضم الباء والبوع بفتحها )

(17/11)


كله بمعنى وهو طول ذراعى الانسان وعضديه وعرض صدره قال الباجي وهو قدر أربع أذرع وهذا حقيقة اللفظ والمراد بها فى هذا الحديث المجاز كما سبق فى أول كتاب الذكر فى شرح هذا الحديث مع الحديثين بعده [ 2687 ] قوله تعالى فله عشر أمثالها أو أزيد معناه أن التضعيف بعشرة أمثالهالا بد بفضل الله ورحمته ووعده الذى لايخلف والزيادة بعد بكثرة التضعيف إلى سبعمائة ضعف والى أضعاف كثيرة يحصل لبعض الناس دون بعض على حسب مشيئته سبحانه وتعالى قوله تعالى ومن لقينى بقراب الأرض خطيئة هو بضم القاف على المشهور وهو ما يقارب ملاها وحكى كسر القاف نقله القاضي وغيره والله أعلم

(17/12)


باب كراهة الدعاء بتعجيل العقوبة فى الدنيا [ 2688 ] قوله عاد رجلا من المسلمين قد خفت مثل الفرخ أى ضعف وفى هذا الحديث النهى عن الدعاء بتعجيل العقوبة وفيه فضل الدعاء باللهم آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار وفيه جواز التعجب بقول سبحان الله وقد سبقت نظائره وفيه استحباب عيادة المريض والدعاء له وفيه كراهة تمني البلاء لئلا يتضجر منه ويسخطه وربما شكا وأظهر الأقوال فى تفسير

(17/13)