صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


[ ص 312 ] فإن قال قائل : فإنها راكِنةً مخالِفَةٌ لِحَالِها غيرَ راكِنة
فكذلك هي لو خُطِبتْ فَشَتَمَت الخاطب وتَرَغَّبَتْ عنه ثم عاد عليها بالخطبة فلم تشتمه ولم تظهر تَرَغُّبًا ولم تركن : كانتْ حالها التي تَرَكَتْ فيها شَتْمه مخالفةً لحالها التي شتمته فيها وكانت في هذه الحال أقربَ إلى الرضا ثم تنتقلُ حالاتُها لأنها قبل الرُّكون إلى مُتَأَوَّلٍ بعضُها أقْرَبُ إلى الرُّكون منْ بعض
[ ص 313 ] ولا يصح فيه معنى بحال - والله أعلم - إلاَّ ما وصفْتُ مِن أنه نهى عن الخطبة بعد إذنها للولي بالتزويج حَتَّى يَصِيرَ أمْرُ الولي جائزاً فأما ما لم يَجُز أمر الولي فأوَّلُ حالها وآخرُها سواءٌ والله أعلم

(1/312)


النهي عن معنىً أوضحَ من معنىً قَبْلهُ

(1/313)


أخبرنا " مالك " عن " نافع " عن " ابن عمر " أنَّ رسولَ الله قال : " المُتَبَايِعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا إلاَّ بَيْعَ الخِيَارِ " ( 1 )
[ ص 314 ] أخبرنا " سفيان " عن " الزهري " عن " سعيد بن المسيب " عن " أبي هريرة " أنَّ رسولَ الله قال : " لاَ يَبِيعُ الرَّجُلُ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ " ( 2 )
قال " الشافعي " : وهذا معنى يُبَيِّنُ أن رسول الله قال : " المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا " وأنَّ نهيه عن أن يبيع الرجل على بيع أخيه إنما هو قبل أن يتَفَرَّقا عن مقامهما الذي تبايعا فيه
وذلك أنهما لا يكونان متبايعين حتى يَعْقدا البيْعَ معاً فلو كان البيع إذا عَقَداه لزم كلَّ واحد منهما ما ضَرَّ البائِعَ أن يبيعه رجلٌ سِلْعَةً كسلعته أو غيرَها وقد تمَّ بيعه لِسِلْعته ولكنه لَمَّا كان لهما الخِيار كان الرجل لو اشترى من رجلٍ ثَوْبًا بِعشرة دنانِيرَ فجاءه آخر فأعطاه مثله بتسعة دنانير : أشْبَهَ أن يَفْسَخَ البيعَ إذا كان له الخيارُ قبل أن يفارقه ولعله يفسخه ثم لا يَتِمُّ [ ص 315 ] البيع بينه وبَيْنَ بَيِّعِهِ الآخر فيكونُ الآخَرُ قد أفسد على البائع وعلى المشتري أو على أحدهما
فهذا وجْهُ النهي عن أن يبيع الرجلُ على بَيْعِ أخيه لاَ وَجْهَ له غيرُ ذلك
ألاَ تَرَى أنه لوْ باعَهُ ثوباً بعشرة دنانيرَ فلزمه البيع قبل أن يتفرقا من مقامهما ذلك ثم باعه آخر خيراً منه بدينار : لم يَضُرَّ البائِعَ الأوَّلَ لأنه قد لَزِمَهُ عَشْرَةُ دنانيرَ لا يستطيع فسخَها ؟
قال : وقد رُوِيَ عن النبي أنه قال : " لاَ يَسُومُ أَحَدُكُمْ عَلَى سَوْمِ أَخِيهِ " ( 3 ) فإن كان ثابتاً ولسْتُ أحفظه ثابتاً فهو مثل : " لاَ يَخْطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ " لا يسوم على سومه إذا رضي البيعَ وأذِنَ بأن يُباعَ قبل البيع حتى لوْ بِيعَ لَزِمَهُ
فإن قال قائل : ما دل على ذلك ؟
فإن رسول الله باع فيمن يزيد وبيْعُ مَنْ يَزيدُ سَوْمُ رجُلٍ على سوم أخيه ولكن البائع لم يرْضَ السَّوْمَ الأوَّلَ حتى طَلَبَ الزِّيَادَةَ
_________
( 1 ) البخاري : كتاب البيوع / 1969 مسلم : كتاب البيوع / 2721 النسائي : كتاب البيوع / 4404 مالك : كتاب البيوع / 1177
( 2 ) البخاري : كتاب البيوع / 1996 الترمذي : كتاب النكاح / 1053 النسائي : كتاب البيوع / 4430
( 3 ) مسلم : كتاب النكاح / 2519 الترمذي : كتاب البيوع / 1213 ابن ماجه : كتاب التجارات / 2163 أحمد : باقي مسند المكثرين / 8966

(1/313)


النهي عن معنى يُشْبِه الذي قبلَه في شيء ويفارقه في شيء غيره

(1/315)


أخبرنا " مالك " عن " محمد بن يحيى بن حَبَّان " عن " الأعرج " عن " أبي هريرة " : " أنَّ رَسُولَ اللهِ نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَعَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ " ( 1 )
أخبرنا " مالك " عن " نافع " عن " ابن عمر " أن رسول الله قال : [ ص 317 ] " لاَ يَتَحَرَّى ( 2 ) أَحَدُكُمْ بِصَلاَتِهِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلاَ عِنْدَ غُرُوبِهَا " ( 3 )
أخبرنا " مالك " عن " زيد بن أسلم " عن " عطاء بن يسار " عن " عبد الله الصُّنَابِحِيِّ " أنَّ رسولَ الله قال : " إنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ [ ص 320 ] وَمَعَهَا قَرْنُ الشَّيْطَانِ فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا ثُمَّ إذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا ثُمَّ إذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا فَإِذَا غَرُبَتْ فَارَقَهَا وَنَهَى رَسُولُ اللهِ عَنِ الصَّلاَةِ فِي تِلْكَ السَّاعَاتِ " ( 4 )
فاحتمل النهي من رسول الله عن الصلاة في هذه الساعات معنيين :
- أحدهما : - وهو أعَمُّهما - أنْ تكون الصلوات كلها واجِبها الذي نُسي ونيم عنه وما لزم بوجه من الوجوه منها : مُحَرَّمًا في هذه الساعات لا يكون لأحد أن يُصلي فيها ولو صلى لم يؤدي ( 5 ) ذلك عنه ما لزمه من الصلاة كما يكون مَنْ قدَّم صلاةً قبْل دخول وقتها لم تُجْزي عنه
[ ص 321 ] واحتمل أن يكون أراد به بعض الصلاة دون بعض
فوجدنا الصلاة تتفرق بوجهين : أحدهما : ما وجب منها فلم يكن لمسلم تركُه في وقته ولو تركه كان عليه قَضَاهُ والآخر : ما تقرب إلى الله بالتنقل فيه وقد كان للمتنقل تركُه بلا قَضًا له عليه
ووجدنا الواجب عليه منها يُفارق التَّطَوُّع في السَّفر إذا كان المرء راكباً فيصلي المكتوبة بالأرض لا يجزئه غيرُها والنافلةَ راكباً مُتَوجهاً حيث شاء
ومُفَرَّقان في الحضر والسفر ولا يكون لِمَنْ أطاق [ ص 322 ] القيامَ أن يصلي واجِبًا من الصَّلاة قاعداً ويكون ذلك له في النافلة
فلَمَّا احتمل المعنيين وجب على أهل العلم أن لا يحملوها على خاصٍّ دون عامٍّ إلا بدِلالة مِن سنة رسول الله أو إجماع علماء المسلمين الذين لا يمكن أنْ يُجْمِعُوا على خلاف سنةٍ له
_________
( 1 ) البخاري : كتاب مواقيت الصلاة / 553 مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها / 1366 مالك : كتاب النداء للصلاة / 461
( 2 ) هكذا هو بإثبات الألف وتكرر غير مرة نحوه وتمحّل الشرّاح في تأويله فعدوا ( لا ) نافية وهو غير سديد وقدّمنا توجيه نحوه في التعليق على ص 275 وأنه إشباع للحركة قبل الحرف
( 3 ) البخاري : كتاب مواقيت الصلاة / 550 مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها / 1369 مالك : كتاب النداء للصلاة / 460
( 4 ) النسائي : كتاب المواقيت / 556 مالك : كتاب النداء للصلاة / 457
( 5 ) هكذا ثبت بالياء وانظر التعليق على ص 275

(1/315)


قال : وهكذا غير هذا من حديث رسول الله هو على الظاهر من العامِّ حتى تأتي الدِّلالة عنه كما وصفْتُ أو بإجماع المسلمين : أنه على باطنٍ دون ظاهِرٍ وخاصٍّ دون عامٍّ فيجعلونه بما جاءت عليه الدلالة عليه ويطيعونه في الأمرين جميعاً
أخبرنا " مالك " عن " زيد بن أسلم " عن " عطاء بن يسار " وعن " بُسْر بن سعيد " وعن " الأعرج " يحدثونه عن " أبي هريرة " أنَّ رسول الله [ ص 323 ] قال : " مَنْ أَدْرَكَ رَكعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكعْةً مِنَ العَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ العَصْرَ " ( 1 )
قال " الشافعي " : فالعلم يحيط أن المُصلي ركعةً من الصبح قبل طلوع الشمس والمصلي ركعة من العصر قبل غروب الشمس قد صلَّيَا معًا في وقتين يجمعان تحريمَ وقتين وذلك أنهما صليا بعد الصبح والعصر ومع بُزُوغ الشمس ومَغِيبها وهذه أربعةُ أوْقات مَنْهِيٌّ عن الصلاة فيها
لَمَّا جعَلَ رسول الله المصلين في هذه الأوقات مُدْرِكين لصلاة الصبح والعصر استدللنا على أن نهيه عن الصلاة في هذه الأوقات على النوافل التي لا تَلْزَمُ وذلك أنه لا يكون [ ص 324 ] أن يُجْعل المَرْءُ مُدْرِكًا لصلاةٍ في وقتٍ نُهِيَ فيه عن الصلاة
أخبرنا " مالك " عن " ابن شهاب " عن " ابن المسيب " أنَّ رسولَ الله قال : " مَنْ نَسِيَ صَلاَةً فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا فَإِنَّ اللهَ يَقُولُ : " أَقِمِ الصَّلاَةَ لِذِكْرِي ( 14 ) " [ طه ] " ( 2 )
وحدّثَ " أنس بن مالك " و " عمران بن حصين " عن النبي مِثل معنى حديث " ابن المسيب " وزاد أحدُهما : " أوْ نَامَ عَنْهَا "
قال " الشافعي " : فقال رسول الله : " فَلْيُصَلِّهَا إذَا [ ص 325 ] ذَكَرَهَا " فجعل ذلك وقتاً لها وأخبر به عن الله - تبارك وتعالى - ولم يستثني ( 3 ) وقتاً مِن الأوقات يَدَعُها فيه بعْد ذكرها
أخبرنا " ابن عيينة " عن " أبي الزبير " عن " عبد الله بن باباه " عن " جبير بن مُطْعِمٍ " أن النبي قال : " يَا بَنِي عَبْدِ منَاَفٍ مَنْ وَلِيَ مِنْكُمْ مِنْ أَمْرِ النَّاسِ شَيْئًا فَلاَ يَمْنَعَنَّ أَحَدًا طَافَ بَهَذَا البَيْتِ وَصَلَّى أَيَّ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ " ( 4 )
أخبرنا " عبد المجيد " عن " ابن جريج " عن [ ص 326 ] " عطاء " عن النبي مثل معناه وزاد فيه : " يَا بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ " ثم ساق الحديث
قال : فأخبر " جُبَيْرٌ " عن النبي أنَّهُ أَمَرَ بِإِبَاحَةِ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَالصَّلاَةِ لَهُ فِي أَيِّ سَاعَةٍ شَاءَ الطَّائِفُ وَالمُصَلِّي
وهذا يبين أنه إنما نهى عن المواقيت التي نهى عنها عن الصلاة التي لا تلزم بوجه من الوجوه فأما ما لزم فلم يَنهَ عنه بل أباحه صلى الله عليه
_________
( 1 ) مسلم : كتاب المساجد ومواضع الصلاة / 956 أحمد : باقي مسند المكثرين / 9575 مالك : كتاب وقوت الصلاة / 4
( 2 ) البخاري : كتاب مواقيت الصلاة / 562 النسائي : كتاب المواقيت / 615 أبو داود : كتاب الصلاة / 371 ابن ماجه : كتاب الصلاة / 689 الدارمي : كتاب الصلاة / 1201
( 3 ) هكذا هي بالياء وكثر مجيء نحوها كثرة يُطمأن إلى صحتها ويُركن إلى مذهبها . وانظر ص 275
( 4 ) الترمذي : كتاب الحج / 795 النسائي : كتاب المواقيت / 581 أبو داود : كتاب المناسك / 1618 ابن ماجه : كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها / 1244

(1/322)


وصلى المسلمون على جنائزهم عامةً بعد العصر والصبح لأنها لاَزِمة
وقد ذهب بعض أصحابنا إلى أن " عمر بن الخطاب " [ ص 327 ] طاف بعد الصبح ثم نَظَرَ فلم يرى ( 1 ) الشمْسَ طلعتْ فركِب حتى أتى ذا طوًى وطلعت الشمس فأناخ فصلى : فنهى عن الصلاة للطواف بعد العصر وبعد الصبح كما نهى عما لا يلزم مِن الصلاة
قال : فإذا كان " لِعُمر " أن يؤخر الصلاة للطواف فإنما تركها لأن ذلك له ولأنه لو أراد منزلاً بذي طوى لحاجةٍ كان واسعاً له - إن شاء الله - ولكن سمع النهيَ جملةً عن الصلاة وضرب " المنكدِرَ " عليها بالمدينة بعد العصر ولم يسمع ما يدل على أنه [ ص 328 ] إنما نهى عنها للمعنى الذي وصفنا فكان يجب عليه ما فعل
ويجب على من علم المعنى الذي نَهَى عنه والمعنى الذي أبيحت فيه : أن إباحتها بالمعنى الذي أباحها فيه خلاف المعنى الذي نهى فيه عنها كما وصفتُ مما رَوَى " علي " عن النبي مِن النهي عن إمساك لحوم الضحايا بعد ثلاثٍ إذْ سمع النهي ولم يسمع سبب النهي
_________
( 1 ) انظر الحاشية ( 3 ) من المقطع السابق مباشرة

(1/326)


قال : فإن قال قائل : فقد صنع " أبو سعيد الخدري " كما صنع " عمر " ؟
قلنا : والجواب فيه كالجواب في غيره
[ ص 329 ] قال : فإن قال قائل : فهل مِن أحد صَنَعَ خِلاف ما صَنَعَا ؟
قيل : نعم " ابنُ عمر " و " ابن عباس " و " عائشة " و " الحسن " و " الحسين " وغيرهم وقد سمع " ابن عمر " النهي من النبي
أخبرنا " ابن عيينة " عن " عمرو بن دينار " قال : رأيت أنا و " عطاء بن أبي رَباحٍ " " ابنَ عمرَ " طاف بعد الصبح وصلى قبل أن تطلع الشمس
سفيان
عن " عَمَّارٍ الدُّهْنِيِّ " عن " أبي شعبة " : أنَّ " الحسن " و " الحسين " طافا بعد العصر وصَلَّيَا
[ ص 330 ] أخبرنا " مسلم " و " عبد المجيد " عن " ابن جريج " عن " ابن أبي مُلَيْكَةَ " قال : رأيتُ " ابن عباس " طاف بعد العصر وصلَّى
قال : وإنما ذكرْنا تَفَرُّقَ أصحاب رسول الله في هذا ليَسْتَدِلَّ مَن عَلِمَهُ على أنَّ تفرُّقهم فيما لرسول الله فيه سنةٌ : لا يكون إلا على هذا المعنى أو على أنْ لا تبلغ السنة مَن قال خلافها منهم أو تأويلٍ تحتمله السنة أو ما أشبه ذلك مما قد يرى قائله له فيه عُذْرًا إن شاء الله
وإذا ثَبَتَ عن رسول الله الشيءُ فهو اللازم لجميع مَنْ عَرَفَهُ لا يُقَوِّيه ولا يُوهِنُه شيءٌ غيره بل الفرْضُ الذي على الناس اتِّباعه ولم يجعل اللهُ لِأَحَدٍ معه أمْرًا يخالف أمْرَهُ

(1/328)


باب آخر

(1/330)


[ ص 331 ] أخبرنا " مالك " عن " نافع " عن " ابن عمر " : " أَنَّ رَسُولَ اللهِ نَهَى عَنِ المُزَابَنَةِ . والمُزَابَنَةُ : بَيْعُ الثَّمَرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا وَبَيْعُ الكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلاً " ( 1 )
أخبرنا " مالك " عن " عبد الله بن يزيد " مولى " الأسود [ ص 332 ] بن سفيان " أنَّ " زيْدًا أبا عيَّاشٍ " أخبره عن " سعد بن أبي وقاص " : " أنَّهُ سَمِعَ النَّبِيَّ سُئِلَ عَنْ شِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ : أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ ؟ قاَلُوا : نَعَمْ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ " ( 2 )
[ ص 333 ] أخبرنا " مالك " عن " نافع " عن " ابن عمر " عن " زيد بن ثابت " : أنَّ رَسُولَ اللهِ رَخَّصَ لِصَاحِبِ العَرِيَّةِ أنْ يَبِيعَهَا بِخَرْصِهَا " ( 3 )
أخبرنا " ابن عيينة " عن " الزهري " عن " سالم " عن أبيه عن " زيد بن ثابت " : " أنَّ النَّبِيَّ رَخَّصَ فِي العَرَايَا " ( 4 )
[ ص 334 ] قال " الشافعي " : فكان بيع الرُّطَبِ بالتَّمْرِ مَنْهِيًّا عنه لنهي النبي وبَيَّنَ رسولُ الله أنه إنما نهى عنه لأنه ينقص إذا يَبِسَ وقد نهى عن التمر بالتمر إلاَّ مثلاً بمثل فلَمَّا نظَرَ في المُتَعَقَّبِ مِن نُقْصان الرطب إذا يبس كان لا يكون أبداً مثْلاً بمثل إذْ كان النُّقْصَانُ مُغَيَّبًا لا يُعْرَفُ فكان يجمع معنيين : أحدهما التَّفاضُل في المَكِيلَة والآخر المُزَابَنَة وهي بيع ما يُعْرف كيْلُه بما يُجْهل كيْله مِنْ جنسه فكان مَنْهِيًّا لمعنيين
فَلَمَّا رخَّصَ رُسولُ الله في بيع العَرَايَا بالتمر كيْلاً لم تعْدُوا العرايا أن تكون رخصة مِن شيء نُهِيَ عنه أو لم يكن النهي عنه : عن المزابنة والرطب بالتمر : إلاَّ مَقْصُوداً بهما إلى غير [ ص 335 ] العرايا فيكونَ هذا مِن الكلام العام الذي يراد به الخاصُّ
_________
( 1 ) البخاري : كتاب البيوع / 2026 مسلم : كتاب البيوع / 2846 مالك : كتاب البيوع / 1140
( 2 ) الترمذي : كتاب البيوع / 1146 النسائي : كتاب البيوع / 4469 أبو داود : كتاب البيوع / 2915 ابن ماجه : كتاب التجارات / 2255 مالك : كتاب البيوع / 1139
( 3 ) البخاري : كتاب البيوع / 2039 مسلم : كتاب البيوع / 2838 مالك : كتاب البيوع / 1131
( 4 ) البخاري : كتاب البيوع / 2028 مسلم : كتاب البيبوع / 2043 النسائي : كتاب البيوع / 4460

(1/331)


وجه يشبه المعنى الذي قبله

(1/335)


وأخبرنا " سعيد بن سالم " عن " ابن جُرَيْجٍ " عن " عطاء " عن " صفوان بن مَوْهَبٍ " أنه أخبره عن " عبد الله بن محمد بن صَيْفِيِّ " عن " حكيم بن حِزَامٍ " أنه قال : " قَالَ لِي [ ص 336 ] رَسُولُ اللهِ : أَلَمْ أُنَبَّأْ - أَوْ أَلَمْ يَبْلُغْنِي أَوْ كَمَا شَاءَ اللهُ مِنْ ذَلِكَ : أَنَّكَ تَبِيعُ الطَّعَامَ ؟ قال " حكيم " : بَلَى يَا رَسُولَ اللهِ . فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : لاَ تَبِيعَنَّ طَعَامًا حَتَّى تَشْتَرِيَهُ وَتَسْتَوْفِيَهُ " ( 1 )
أخبرنا " سعيد " عن " ابن جُرَيج " قال : أخبرني " عطاء " ذلك أيضاً عن " عبد الله بن عِصْمَة " عن " حكيم بن حزام " أنه سمعه منه عن النبي
أخبرنا الثقة عن " أيوب بن أبي تميمة " عن " يوسف [ ص 337 ] بن مَاهَكَ " عن " حكيم بن حزام " قال : " نَهَانِي رَسُولُ اللهِ عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدِي " ( 2 )
يعني بيعَ ما ليس عندك وليس بمضمونٍ عليك
أخبرنا " ابن عيينة " عن " ابن أبي نَجِيحٍ " عن " عبد الله بن كثير " عن " أبي المِنْهَالِ " عن " ابن عباس " قال : " قَدِمَ رَسُولُ اللهِ [ ص 338 ] المَدِينَةَ وَهُمْ يُسَلِّفُونَ فِي التَّمْرِ السَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ : مَنْ سَلَّفَ فَلْيُسَلِّفْ فِي كَيْلٍ مَعْلُومٍ ووزن معلوم وَأَجَلٍ مَعْلُومٍ " ( 3 )
قال " الشافعي " : حِفْظِي : " وَأَجَلٍ مَعْلُومٍ "
وقال : غَيْرِي قَدْ قال ما قلْتُ وقال : " أوْ إِلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ "
[ ص 339 ] قال : فكان نهي النبي أنْ يَبِيعَ المَرْءُ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ يحتمل أن يبيع ما ليس بحضرته يراه المشتري كما يراه البائع عند تَبَايُعِهِمَا فيه ويحتمل أن يبيعه ما ليس عنده : ما ليس يملك بعينه [ ص 340 ] فلا يكون موصوفاً مضموناً على البائع يُؤْخَذُ به ولا في مِلْكِهِ : فيلزم أن يُسَلِّمَهُ إليه بعينه وغيْرَ هذين المعنيين
فَلَمَّا أَمَرَ رسولُ الله مَنْ سلَّف أن يُسَلِّفَ في كيْلٍ معلوم ووَزْنٍ معلوم وأجَلٍ معلوم أو إلى أجل معلوم : دخل هذا بيعُ ما ليس عند المرء حاضراً ولا مملوكاً حين باعه
ولَمَّا كانَ هذا مضْموناً على البائع بصفة يؤخذ بها عند مَحَلِّ الأجل : دلَّ على أنه إنما نهى عن بيع عين الشيء في ملك البائع والله أعلم
وقد يحتمل أو يكون النهيَ عن بيع العين الغائبة [ ص 341 ] كانتْ في ملك الرجل أو في غير ملكه لأنها قد تَهْلِكُ وتنقص قبل أن يراها المشتري
_________
( 1 ) النسائي : كتاب البيوع / 4523 أحمد : مسند المكثرين / 14789
( 2 ) الترمذي : كتاب البيوع / 1153 أحمد : مسند المكيين / 14774
( 3 ) البخاري : كتاب السلم / 2085 مسلم : كتاب المساقاة / 3010 الترمذي : كتاب البيوع / 1232 النسائي : كتاب البيوع / 4537

(1/335)


قال : فكل كلام كان عاماً ظاهراً في سنة رسول الله فهو على ظهوره وعمومه حتى يُعْلَمَ حديثٌ ثابِتٌ عن رسول الله - بأبي هو وأمي - يدل على أنه إنما أريد بالجملة العامة في الظاهر بعضُ الجملة دون بعض كما وصفتُ من هذا وما كان في مثل معناه
ولزم أهلَ العلم أنْ يُمْضُوا الخبرين على وجوههما ما وجدوا لإمضائهما وجهاً ولا يَعُدُّونهما مختلفين وهما يحتملان أن يُمْضيَا وذلك إذا أمكن فيهما أن يُمْضَيَا مَعًا أو وُجِد السبيلُ إلى إمضائهما ولم يكن منهما واحد بأوْجَبَ مِن الآخر
[ ص 342 ] ولا يُنْسَب الحديثان إلى الاختلاف ما كان لهما وجهاً ( 1 ) يمضَيَان معاً إنما المختلِف ما لم يُمْضَى ( 2 ) إلا بسقوط غيره مثل أن يكون الحديثان في الشيء الواحد هذا يُحِلُّهُ وهذا يُحَرِّمه
_________
( 1 ) هكذا بالنصب وهو تِرْبٌ لشواهد سبقت انظر ص 158
( 2 ) هذا من الكثرة التي أشرنا إليها في التعليق على ص 325 وانظر ص 275

(1/341)


[ صفة نهي الله ونهي رسوله ] ( 1 )

(1/342)


[ ص 343 ] فقال : فصِفْ لي جِمَاع نهي الله - جل ثناؤه - ثم نهي النَّبِيِّ : عامًّا لا تُبْقِ منه شيئاً
فقلت له : يجمع نهيه معنيين :
- أحدهما : أن يكون الشيء الذي نهى عنه مُحَرَّمًا لا يحل إلا بوجه دل الله عليه في كتابه أو على لسان نبيه
فإذا نهى رسولُ الله عن الشيء من هذا فالنهيُ مُحرِّم لا وجه له غيرُ التحريم إلا أنْ يكون على معنى كما وصفْتُ
قال : فصِفْ لي هذا الوجه الذي بدأت بذكره من [ ص 344 ] النهي بمثال يدل على ما كان في مثل معناه
قال : فقلتُ له : كلُّ النساء مُحَرَّمَاتُ الفُرُوج إلا بواحد من المعنيين : النكاحِ والوطْئِ بمِلْكِ اليَمين وهما المعنيان اللذان أَذِنَ اللهُ فيهما . وسنَّ رسولُ الله كيْفَ النكاح الذي يَحِلُّ به الفرج المُحَرَّمُ قبله فسَنَّ فيه ولِيًّا وشهوداً ورِضًا مِنَ المنْكوحة الثيِّب وسنته في رضاها دليلٌ على أنَّ ذلك يكون بِرضا المُتَزَوِّج لا فرق بينهما
فإذا جمَعَ النكاحُ أرْبعاً : رضا المُزَوَّجَةِ الثيِّبِ والمُزَوَّجِ وأن يُزَوِّج المرأةَ وليُّها بشهود : حَلَّ النكاحُ إلا في حالات سأذكرها إن شاء الله
وإذا نقص النكاحَ واحدٌ مِن هذا كان [ ص 345 ] النكاحُ فاسداً لأنه لم يُؤْتَ به كما سنَّ رسول الله فيه الوجهَ الذي يحل به النكاح
ولو سَمَّى صَدَاقًا كان أحبَّ إليَّ ولا يَفْسد النكاح بترك تسمية الصَّداق لأن الله أثْبَتَ النكاحَ في كتابه بغير مهر وهذا مكتوب في غير هذا الموضع
قال : وسواء في هذا المرأةُ الشريفة والدَّنِيَّةُ لأن كلَّ واحِدٍ منهما فيما يَحِلُّ به ويحرم ويجب لها وعليها مِن الحلال والحرام والحدود سواء
_________
( 1 ) زاد هذا العنوان الشيخ أحمد شاكر تأسياً بالشافعي في تسميته أحدَ كتبه الملحقة بالأم

(1/343)


والحالات التي لو أُتِيَ بالنكاح فيها على ما وصفْتُ [ ص 346 ] أنه يجوز النكاحُ فيما لم يُنْهَ فيها عنها من النكاح . فأما إذا عُقد بهذه الأشياء كان النكاح مفسوخاً بنهي الله في كتابه وعلى لسان نبيه عن النكاح بحالات نهى عنها فذلك مفسوخ
وذلك : أن ينْكِحَ الرجل أختَ امرأتِه وقد نهى الله عن الجمع بينهما وأن ينكح الخامسةَ وقد انْتَهَى اللهُ به إلى أربع فَبَيَّنَ [ ص 347 ] النبي أن انتهاءَ اللهِ به إلى أربع حَظْرٌ عليه أن يجمع بين أكثر منهُنَّ أو ينكحَ المرأةَ على عمتها أو خالتها وقد نهى النبي عن ذلك وأنْ يَنْكِحَ المرأةَ في عِدَّتِهَا
فكلُّ نكاح كان من هذا لم يصِحَّ وذلك أنه قد نُهِيَ عن عقدِه وهذا ما لا خلاف فيه بيْنَ أحد من أهل العلم

(1/345)


ومثله - والله أعلم - أن النبي نهى عن الشِّغَارِ ( 1 ) وأن النبي نهى عن نكاح المُتْعَةِ ( 2 ) وأن النبي نهى المُحْرِمَ أنْ يَنْكِحَ أو يُنْكِحَ
فنحن نفسخ هذا كلَّه من النكاح في هذه الحالات التي نهى عنها بمثل ما فسخنا به ما نهى عنه مما ذُكِرَ قبْلَه
[ ص 348 ] وقد يخالفنا في هذا غيْرُنا وهو مكتوب في غير هذا الموضع . ( 3 )
_________
( 1 ) الشِّغارُ : بالكسر نكاح كان في الجاهلية وهو أن يقول الرجل لآخر : زوِّجني ابنتك أو أختك على أن أزَوِّجك ابنتي أو أختي على أنَّ صداق كلِّ واحِدَة منهما بُضْعُ الأخرى كأنهما رَفَعَا المهرَ وأخليا البُضْعَ عنه [ مختار الصحاح - الرازي ]
( 2 ) نكاح المتعة : النِّكاح إلى أجَلٍ مُعَيَّن [ النهاية - ابن الأثير ]
( 3 ) انظر اختلاف الحديث للشافعي والأم 5 / 68 - 72

(1/347)


ومثله : أن يَنْكِح المرأةَ بغير إذنها فتُجِيزَ بعدُ فلا يجوز لأن العقْدَ وقَعَ مَنْهِيًّا عنه
ومثل هذا ما نهى عنه رسول الله مِن بيع الغَرَرِ وبيع الرطب بالتمر إلا في العرايا أو غير ذلك مما نهى عنه
وذلك أن أصلَ مالِ كلِّ امْرِئٍ محرَّم على غيره إلاَّ بما أُحَلَّ به وما أُحل به من البيوع ما لم ينْه عنه رسول الله ولا يكون ما نهى عنه رسول الله من البيوع مُحِلًّا ما كان أصله محرماً [ ص 349 ] من مال الرجل لأخيه ولا تكون المعصية بالبيع المنهي عنه تُحِلُّ مُحَرَّمًا ولا تَحِلُّ إلا بما لا يكون مَعْصِيَةً وهذا يدخل في عامة العلم

(1/348)


فإن قال قائل : ما الوجه المباح الذي نُهِيَ المرْءُ فيه عن شيء وهو يخالف النهيَ الذي ذكرتَ قبْلَه ؟
فهو - إن شاء الله - مثل نهي رسول الله أن يشتمل الرجل على الصَّمَّاءِ ( 1 ) وأن يَحْتَبِيَ في ثوب واحد مُفْضِيًا بِفَرْجِه [ ص 350 ] إلى السماء وأنه أمر غُلاماً أن يأكل مما بين يديه ونهاه أن يأكل مِن أعلى الصَّحْفَةِ ويُرْوَى عنه وليس كثبوت ما قبله مما ذكرنا : أنه نهى عن أن يَقْرُِن الرجل إذا أكل بين التمرتين وأن يكْشِف التمْرة عمَّا في جَوْفِها وأنْ يُعَرِّسَ على ظهر الطريق
[ ص 351 ] فَلما كان الثوب مباحاً لِلاَّبِسِ والطعامُ مباحًا لآكِلِه حتى يأتيَ عليه كلِّه إنْ شاء والأرض مباحة له إذا كانت لله لا لآدمي وكان الناس فيها شَرَعاً ( 2 ) فهو نُهِيَ فيها عن شيء أن يفعله وأُمِر فيها بأن يفعل شيئاً غير الذي نُهِيَ عنه
والنهي يدل على أنه إنما نَهَى عن اشتمال الصماء والاحتباء مُفضياً بفرجه غيرَ مُسْتَتِرٍ : أنَّ في ذلك كشفَ عورته قيل له يسترها بثوبه فلم يكن نهيُهُ عن كشف عورته نهيَه عن لُبس ثوبه فيحرمَ عليه لبسُه بل أمره أن يلبسه كما يستر عورته
[ ص 352 ] ولم يكن أمْرُه أن يأكل مِن بين يديه ولا يأكل من رأس الطعام إذا كان مباحاً له أن يأكل ما بين يديه وجميعَ الطعام : إلاَّ أدَبًا في الأكل من بين يديه لأنه أجملُ به عند مُوَاكِلِه وأبعَدُ له من قُبْح الطَّعْمَة والنَّهَم وأَمَره ألا يأكل من رأس الطعام لأن البركة تنزل منه له على النظر له في أن يُبارَك له بَرَكَةً دائِمة يدوم نزولها له وهو يبيحُ له إذا أكل ما حوْلَ رأس الطعام أن يأكل رأسه
وإذا أباح له المَمَرَّ على ظهر الطريق فالممرُّ عليه إذْ كان مُباحاً [ ص 353 ] لأنه لا مالِكَ له يمنع الممر عليه فيحرُم بمنعه : فإنما نهاه لمعنى يُثْبِت نظراً له فإنه قال : " فَإِنَّهَا مَأْوَى الهَوَامِّ وَطُرُقُ الحَيَّاتِ " ( 3 ) على النظر له لا على أن التعريس محرَّم وقد ينهى عنه إذا كانت الطريق مُتَضايقاً مسْلوكاً لأنه إذا عرَّس عليه في ذلك الوقت منع غيره حقه في الممر
_________
( 1 ) اشْتِمالُ الصَّمَّاءِ : أن يَرُدَّ الكِساءَ من قِبَلِ يَمينِهِ على يَدِهِ اليُسْرَى وعاتِقِهِ الأَيْسَرِ ثم يَرُدَّهُ ثانِيَةً من خَلْفِهِ على يَدِهِ اليُمْنَى وعاتِقِهِ الأَيْمَنِ فَيُغَطِّيَهُما جميعاً أو الاشتِمالُ بثَوب واحِدٍ ليس عليه غيرُهُثم يضَعُهُ من أحَدِ جانِبَيْهِ فَيَضَعُهُ على مَنْكِبِهِ فَيَبْدو منه فَرْجُه [ القاموس المحيط - فيروزآبادي ]
( 2 ) أي سواء
( 3 ) مسلم : كتاب الإمارة / 3553 الترمذي : كتاب الأدب أحمد : باقي مسند المكثرين / 8563

(1/349)


فإن قال قائل : فما الفرق بين هذا والأوَّل ؟
قيل له : مَن قامت عليه الحجة يَعْلَم أن النبي نهى عمَّا وصفْنا ومَنْ فَعَل ما نُهِيَ عنه - وهو عالم بنهيه - فهو عاصٍ بفعله ما نُهِيَ عنه وليَسْتَغْفِرِ الله ولا يَعودُْ ( 1 )
فإن قال : فهذا عاص والذي ذكرتَ في الكتاب [ ص 354 ] قبْله في النكاح والبيوع عاص فكيْف فرَّقْتَ بين حالهما ؟
فقلتُ : أمَّا في المعْصِية فلم أفرِّقْ بينهما لأنِّي قد جعلتهما عاصيين وبعضُ المعاصِي أعظمُ مِنْ بعض
فإن قال : فكيف لم تُحَرِّمْ على هذا لُبْسَهُ وأكلَه ومَمَرَّه على الأرض بمعصيته وحرَّمْتَ على الآخر نِكاحَه وبيعه بمعصيته ؟
قيل : هذا أُمِرَ بِأمْرٍ في مباحٍ حلال له فأحللْتُ له ما حلَّ له وحرَّمتُ عليه ما حُرِّم عليه وما حرِّم عليه غيرُ ما أُحل له ومعصيته في الشيء المباح له لا تحرمه عليه بكل حال ولكن تُحَرِّم عليه أن يفعل فيه المعصيةَ
فإن قيل : فما مثل هذا ؟
قيل له : الرجل له الزوجة والجارية وقد نُهِيَ أنْ يَطَأهما حائضتين وصائمتين ولوْ فَعَلَ لم يحلَّ ذلك الوطء له [ ص 355 ] في حاله تلك ولم تُحَرَّمْ واحدة منهما عليه في حالٍ غير تلك الحال إذا كان أصلُهُما مباحاً وحلالاً
وأصلُ مال الرجل محرَّم على غيره إلا بما أبيح به مما يَحِلُّ وفروجُ النساء محرمات إلا بما أُبيحتْ به مِن النكاح والمِلْك فإذا عقد عُقْدة النكاح أو البيع مَنْهِيًّا عنها على محرَّم لا يَحِلُّ إلا بما أُحلَّ به لم يَحِلَّ المحرَّمُ بِمُحَرَّمٍ وكان على أصل تحريمه حتى يؤتى بالوجه الذي أحلَّه الله به في كتابه أو على لسان رسوله أو إجماع المسلمين أو ما هو في مثل معناه
قال : وقد مَثَّلْتُ قبْل هذا : النهيَ الذي أُريد به غيرُ التحريم بالدلائل فاكْتَفَيْتُ مِن ترْدِيدِه وأسأل الله العِصْمة والتَّوْفيق
_________
( 1 ) هكذا هي بإثبات الواو وقدَّمنا في غير موضع جوازه مع حرف الجزم ويجوز أن تكون ( لا ) نافية مع إرادة النهي

(1/353)


[ باب العلم ] ( 1 )

(1/355)


[ ص 357 ] قال " الشافعي " : فقال لي قائل : ما العِلْمُ ؟ وما يَجِبُ على الناس في العلم ؟
فقلت له : العلم عِلْمان : علمُ عامَّةٍ لا يَسَعُ بالِغاً غيرَ مغلوب على عقْلِه جَهْلُهُ
قال : ومِثْل ماذا ؟
قلت : مثلُ الصَّلَوَاتِ الخمس وأن لله على الناس صومَ شهْر رمضانَ وحجَّ البيت إذا استطاعوه وزكاةً في أموالهم وأنه حرَّمَ عليهم الزِّنا والقتْل والسَّرِقة والخمْر وما كان في معنى [ ص 358 ] هذا مِمَّا كُلِّفَ العِبادُ أنْ يَعْقِلوه ويعْملوه ويُعْطُوه مِن أنفسهم وأموالهم وأن يَكُفُّوا عنه ما حرَّمَ عليهم منه
وهذا الصِّنْف كلُّه مِن العلم موجود نَصًّا في كتاب الله وموْجوداً ( 2 ) عامًّا عنْد أهلِ الإسلام ينقله عَوَامُّهم عن مَن مضى من عوامِّهم يَحْكونه عن رسول الله ولا يتنازعون في حكايته ولا وجوبه عليهم
[ ص 359 ] وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط مِن الخبر ولا التأويلُ ولا يجوز فيه التنازعُ
قال : فما الوجه الثاني ؟
قلت له : ما يَنُوبُ العِباد مِن فُروع الفرائض وما يُخَصُّ به مِن الأحكام وغيرها مما ليس فيه نصُّ كتاب ولا في أكثره نصُّ سنَّة وإن كانت في شيء منه سنةٌ فإنما هي مِن أخْبار الخاصَّة لا أخبارِ العامَّة وما كان منه يحتمل التأويل ويُسْتَدْرَكُ قِياسًا
قال : فيَعْدُو هذا أن يكون واجِبًا وجوبَ العلم قبله ؟ أوْ مَوْضوعاً عن الناس عِلْمُه حتَّى يكونَ مَنْ عَلِمَهُ مُنْتَفِلاً [ ص 360 ] ومَنْ تَرَكَ علْمَه غيرَ آثِمٍ بِتركه أو مِنْ وَجْهٍ ثالثٍ فتُوجِدُنَاهُ خَبَرًا أو قياسا ؟
فقلت له : بلْ هو مِن وجه ثالثٍ
قال : فصِفْهُ واذْكر الحجَّةَ فيه ما يَلْزَمُ منه ومَنْ يَلْزَمُ وعنْ مَنْ يَسْقُطُ ؟
فقلت له : هذه درجةٌ مِن العلم ليس تَبْلُغُها العامَّةُ ولم يُكَلَّفْهَا كلُّ الخاصَّة ومَن احتمل بلوغَها مِن الخاصة فلا يَسَعُهُمْ كلَّهم كافةً أنْ يُعَطِّلُوهَا وإذا قام بها مِن خاصَّتِهم مَنْ فيه الكفايةُ لم يَحْرَجْ غيرُه ممن تَرَكَها إن شاء الله والفضْل فيها لمن قام بها على مَنْ عَطَّلَهَا

(1/357)


فقال : فأوْجِدْنِي هذا خبراً أو شيئاً في معناه ليكون هذا قياساً عليه ؟
[ ص 361 ] فقلتُ له : فَرَضَ اللهُ الجِهادَ في كتابه وعلى لسانِ نبِّيه ثم أكَّدَ النَّفِير مِن الجهاد فقال : " إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ وَالقُرَآن وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمْ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 111 ) " [ التوبة ]
وقال : " وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ( 36 ) " [ التوبة ]
وقال : " فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ( 5 ) " [ التوبة ]
وقال : " قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ [ ص 362 ] مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ ( 29 ) " [ التوبة ]
أخبرنا " عبد العزيز " عن " محمد بن عمرو " عن " أبي سَلَمَةَ " عن " أبي هريرة " قال : قال رسولُ الله : " لاَ أزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لاَ إلَهَ إلاَّ اللهُ فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلاَّ بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ " ( 1 )
وقال الله - جَلَّ ثناؤه - : " مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمْ انفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ؟ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنْ الْآخِرَةِ ؟ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ( 38 ) إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 39 ) " [ التوبة ]
وقال : " انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ [ ص 363 ] وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ ( 41 ) " [ التوبة ]
قال : فاحتملت الآيات أن يكون الجهاد كلُّه والنفيرُ خاصة منه : على كل مُطِيقٍ له لا يَسَعُ أحَدًا منهم التخَلُّف عنه كما كانت الصلوات والحجُّ والزَّكاة فلم يخرج أحَدٌ وَجَبَ عليه فرْضٌ منها مِنْ أنْ يؤدِّيَ غيرُهُ الفرْضَ عن نفسه لأنَّ عَمَلَ أحَدٍ في هذا لا يُكْتب لغيره
واحتملت أن يكون معنى فرْضِها غيرَ معنى فرْضِ الصلوات وذلك أن يكون قُصِدَ بالفرض فيها قصْدَ الكِفاية فيكونَُ مَن قام بالكفاية في جهاد مَنْ جُوهِدَ مِن المشركين مُدْرِكًا تأديةَ الفرض ونافِلَةَ الفضْل ومُخْرِجًا مَن تَخَلَّفَ مِن المَأْثَمِ
ولمْ يُسَوِّي ( 2 ) اللهُ بينهما فقال الله : " لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [ ص 364 ] بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا ( 95 ) " [ النساء ] فأما الظاهر في الآيات فالفَرْضُ على العامَّة
_________
( 1 ) البخاري : كتاب الإيمان / 24 مسلم : كتاب الإيمان / 32 الترمذي : كتاب تفسير القُرَآن / 3264 النسائي : كتاب تحريم الدم / 3908
( 2 ) هكذا هي بإثبات الياء وقدمنا مراراً أنه جائز

(1/360)


قال : فأبِنِ الدِّلالة في أنه إذا قام بعضُ العامَّةِ بالكِفاية أخْرَجَ المُتَخَلِّفينَ مِنَ المَأْثَمِ ؟
فقلت له : في هذه الآية
قال : وأين هو منها ؟
[ ص 365 ] قلتُ : قال اللهُ : " وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى " فوَعَدَ المتخلفين عن الجِهاد الحُسْنَى على الإيمان وأبان فضيلةَ المجاهدين على القاعِدين ولو كانوا آثمين بالتخلف إذا غَزَا غيرُهم : كانت العقوبة بالإثم - إن لم يعفو اللهُ - أوْلَى بهم مِنَ الحُسنى
قال : فهل تجد في هذا غيرَ هذا ؟
قلت : نعم قال الله : " وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ( 122 ) " [ التوبة ] وغَزَا رسولُ الله وَغَزَّى معه مِن أصْحابه جماعةً وخَلَّفَ أُخْرَى حتى تَخَلَّفَ [ ص 366 ] " علي بن أبي طالب " في غزوة تبوك وأخْبَرَنا اللهُ أنَّ المسلمين لم يكونوا لِيَنْفِرُوا كافَّةً : " فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ " فأخْبَرَ أنَّ النَّفِيرَ على بعضهم دون بعضٍ وأنَّ التَّفَقُّهَ إنما هو على بعضهم دون بعض
وكذلك ما عَدَا الفرْضَ في عُظْمِ الفرائض التي لا يَسَعُ جَهْلُها والله أعْلَمُ
وهكذا كلُّ ما كان الفرْضُ فيه مَقْصوداً به قصْدَ الكِفاية فيما يَنوبُ فإذا قام به من المسلمين مَنْ فيه الكفاية خَرَجَ مَنْ تَخَلَّفَ عنه مِنَ المَأْثَمِ
ولو ضَيَّعُوهُ مَعًا خِفْتُ أنْ لا يَخرج واحِدٌ منهم مُطِيقٌ فيه مِن المأثم بَلْ لا أشُكُّ إن شاء الله لِقوْله : " إِلَّا تَنفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا "
[ ص 367 ] قال : فَمَا معناها ؟
قلت : الدِّلالة عليها أنَّ تخلُّفَهمْ عَن النَّفير كافَّةً لا يَسَعُهم ونَفِيرَ بعْضهم - إذا كانت في نفيره كفايةٌ - يُخْرِجُ مَنْ تَخَلَّفَ مِن المأثم إن شاء الله لأنه إذا نَفَرَ بعضُهم وقع عليهم اسم " النَّفِير "

(1/364)


قال : ومثلُ ماذا سِوى الجِهادِ ؟
قلت : الصلاة على الجنازة ودفْنُها لا يحل تركها ولا يجب على كُلِّ مَنْ بِحَضْرَتِهَا كلِّهم حُضورُها ويُخْرِجُ مَن تَخَلَّفَ مِن المأثم مَن قام بكِفايتها
[ ص 368 ] وهكذا رَدُّ السلام قال الله : " وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا ( 86 ) " [ النساء ]
وقال رسولُ الله : " يُسَلِّمُ القَائِمُ عَلَى القَاعِدِ " ( 1 ) و " إِذَا سَلَّمَ مِنَ القَوْمِ وَاحِدٌ أَجْزَأَ عَنْهُمْ " ( 2 ) وإنما أُريدَ بهذا الرَّدُّ فَرَدُّ القليل جامِعٌ لاسم " الرَّدّ " والكفاية فيه مانعٌ لِأنْ يكونَ الرَّدُّ مُعَطَّلاً
ولم يَزَلِ المسلمون على ما وصفْتُ مُنْذُ بعثَ اللهُ نَبِيَّهُ - فيما بَلَغَنا - إلى اليوم يَتَفَقَّهُ أقَلُّهُمْ ويَشْهَدُ الجنائِزَ بعضُهم ويجاهدُ ويرُدُّ السلامَ بعضُهم ويتخلف عَنْ ذلك غيرُهم فيعرفون [ ص 369 ] الفضْلَ لمن قام بالفقه والجهاد وحضورِ الجنائز وردِّ السلام ولا يُؤَثِّمُونَ مَنْ قَصَّرَ عن ذلك إذا كان بهذا قائمون بكِفَايَتِهِ
_________
( 1 ) بلفظ : " يسلم الراكب على الماشي والماشي على القاعد والقليل على الكثير " في : الالبخاري : كتاب الاستئذان / 5774 مسلم : كتاب السلام / 4019 الترمذي : كتاب الإستئذان والآداب / 2627
( 2 ) مالك : كتاب الجامع / 1512

(1/367)


[ باب خبر الواحد ]

(1/369)


فقال لي قائل : احْدُدْ لي أقلَّ ما تقوم به الحجة على أهل العلم حتى يَثْبَتَ عليهم خبرُ الخاصَّة
فقلت : خبرُ الواحد عن الواحد حتى يُنْتَهَى به إلى [ ص 370 ] النبي أو مَنْ انتهى به إليه دونه
ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يَجْمَعَ أُموراً :
- منها أن يكون مَنْ حدَّثَ به ثِقَةً في دينه معروفاً بالصِّدق في حديثه عاقِلاَ لِمَا يُحَدِّثُ به عالمِاً بما يُحيل مَعَانِيَ الحديث مِنَ اللفظ وأن يكون ممن يُؤَدِّي الحديث بحروفه كما سَمِعَ لا يحدث به على المعنى لأنه إذا حدَّث على المعنى وهو غيرُ [ ص 371 ] عالمٍ بما يُحِيلُ به معناه : لم يَدْرِ لَعَلَّهُ يُحِيل الحَلاَلَ إلى الحرام وإذا أدَّاه بحروفه فلم يَبْقَ وجهٌ يُخاف فيه إحالتُهُ الحديثَ حافظاً إن حدَّث به مِنْ حِفْظِه حافظاً لكتابه إن حدَّث مِنْ كتابه . إذا شَرِكَ أهلَ الحفظ في حديث وافَقَ حديثَهم بَرِيًّا مِنْ أنْ يكونَ مُدَلِّساً يُحَدِّثُ عَن من لقي ما لم يسمعْ منه ويحدِّثَ عن النبي ما يحدث الثقات خلافَه عن النبي
ويكونُ هكذا مَنْ فوقَه ممَّن حدَّثه حتى يُنْتَهَى بالحديث مَوْصُولاً إلى النبي أو إلى مَنْ انْتُهِيَ به إليه دونه لأنَّ كلَّ [ ص 372 ] واحد منهم مثْبِتٌ لمن حدَّثه ومثبت على من حدَّث عنه فلا يُسْتَغْنَى في كل واحد منهم عمَّا وصفْتُ
فقال : فأوْضِحْ لي مِن هذا بشيء لعَلِّي أكونُ به أعرَفَ مِنِّي بهذا لِخِبْرَتي به وقِلَّة خبْرَتي بما وصفْتَ في الحديث ؟
فقلت له : أتريد أن أخبرك بشيء يكون هذا قياساً عليه ؟
قال : نعم
قلت : هذا أصلٌ في نفْسِهِ فلا يكون قياساً على غيره لأن القياس أضْعَفُ مِن الأصْل
قال : فلسْتُ أريد أن تجعله قياساً ولكنْ مَثِّلْه لي على شيء من الشهادات التي العِلْم بها عامٌّ
قلت : قد يخالف الشهاداتِ في أشْياءَ ويُجَامِعُها في غيرها
[ ص 373 ] قال : وأيْن يُخالِفها ؟
قلت : أقْبَلُ في الحديث الواحدَ وَالمَرْأَةَ ولا أقْبل واحِداً منهما وحْدَه في الشهادة
وأقبلُ في الحديث : ( حدَّثَنِي فُلانٌ عَنْ فُلاَنٍ ) إذا لم يكن مُدَلِّسًا ولا أقبل في الشهادة إلا : ( سَمِعْتُ ) أو ( رَأيْتُ ) أو ( أَشْهَدَنِي )
وتختلف الأحاديث فآخُذُ بِبَعْضها استدلالاً بكتاب أو سنة أو إجماع أو قياس وهذا لا يُؤْخَذُ به في الشهادات هكذا ولا يُوجد فيها بحال
ثم يكون بشرٌ كلُّهم تجوز شهادتُه ولا أقْبَلُ حديثَه مِنْ قِبَلِ ما يَدْخُلُ في الحديث مِنْ كثْرة الإحالة وإزالة بعض ألفاظ المعاني
ثم هو يُجَامِعُ الشهاداتِ في أشياءَ غيْرِ ما وصفْتُ

(1/369)


[ ص 374 ] فقال : أمَّا ما قُلْتَ مِن ألاَّ تَقْبَلَ الحديثَ إلاَّ عنْ ثِقَةٍ حافِظٍ عالِمٍ بما يُحِيلُ معنى الحديث : فكَما قلْتَ فَلِمَ لمْ تَقُلْ هكذا في الشهادات ؟
فقلْتُ : إنَّ إحالةَ معنى الحديث أخْفَى مِن إحالة معنى الشهادة وبهذا احْتطتُ في الحديث بأكثرَ مما احتطتُ به في الشهادة
قال : وهكذا كما وصفْتَ ولكِنِّي أنْكرْتُ - إذا كان مَنْ يُحَدَّثُ عنه ثِقةً فحَدَّثَ عنْ رجلٍ لم تعرِفْ أنْت ثقتَه - : [ ص 375 ] امْتِناعَكَ من أنْ تُقَلِّدَ الثقةَ فَتُحْسِنَ الظَّنَّ به فلا تترُكَه يَرْوِي إلاَّ عن ثقةٍ وإنْ لم تعْرِفْهُ أنْتَ ؟
فقلتُ له : أرأيْتَ أربعَةَ نَفَرٍ عُدولٍ فُقَهاءَ شَهِدوا على شهادة شاهدَين بِحَقٍّ لِرَجُلٍ على رجل : أكنْتَ قاضِيًا به ولم يقل لك الأربعةُ : إنَّ الشاهدَين عَدْلانِ ؟
قال : لا ولا أقطع بشهادتهما شيئاً حتى أعْرِفَ عدْلَهُما إمَّا بتعديل الأربعة لهما وإمَّا بتعديل غيرِهم أو مَعْرِفَةً مِنِّي بِعدْلهما
فقلتُ له : ولِمَ لَمْ تَقْبَلْهُما على المعنى الذي أمرْتني أن أقْبَلَ عليه الحديثَ فتقولَ : لم يكونوا لِيَشْهَدوا إلاَّ عَلَى مَنْ هو أعْدَلُ عندهم ؟
فقال : قد يَشْهدون على مَنْ هو عدْلٌ عنْدهم ومَنْ [ ص 376 ] عَرَفوه ولمْ يَعْرِفوا عدْلَه فلَمَّا كان هذا موْجوداً في شهادَتهم لم يكن لي قبولُ شهادةِ مَنْ شهِدوا عليه حتى يُعَدِّلوه أوْ أعرِفَ عدْلَه و عدْلَ مَنْ شَهِدَ عِنْدي على عدْل غيْرِه ولا أقْبَلُ تعديلَ شاهِدٍ على شاهدٍ عَدَّلَ الشاهدُ غيرَه ولمْ أعْرف عدْلَهُ
فقلتُ : فالحجة في هذا لكَ الحُجَّةُ عليك : في ألاَّ تَقْبَلَ خبَرَ الصَّادِق عَن منْ جَهِلْنا صدْقَه
والناس مِن أنْ يشْهَدوا على شهادَة مَنْ عرَفوا عدْلَه : أشَدُّ تَحَفُّظًا مِنْهُمْ مِنْ أنْ يَقْبَلُوا إلاَّ حديثَ مَنْ عرَفوا صِحَّةَ حديثه
وذلك : أنَّ الرجل يَلْقَى الرجُلَ يَُرَى عليه سِيما الخير فيُحْسنُ الظنَّ به فيَقْبلُ حديثَه ويقْبَلُه وهو لا يَعْرِف [ ص 377 ] حالَه فيَذْكُرُ أنَّ رجُلاً يُقال له : ( فلان ) حدَّثَنِي كذا إمَّا على وجْهٍ يرْجو أنْ يجِدَ عِلْمَ ذَلِك الحديث عنْدَ ثِقة فيقبَلَه عن الثقة وإمَّا أن يحدث به على إنكاره والتعجب منه وإمَّا بِغفْلةٍ في الحديث عنه
ولا أعْلَمُنِي لَقِيتُ أحَداً قَطُّ بَرِيًّا مِن أنْ يحدث عنْ ثِقةٍ حافِظٍ وآخَرَ يُخَالِفه
ففَعَلْتُ في هذا ما يجبُ عليَّ
ولم يكن طَلَبِي الدَّلائلَ على معرفة صِدق مَنْ حدَّثني بأوْجَبَ عليَّ مِن طلبي ذلك على معرفة صدْقِ مَن فَوْقَه لأني أحتاجُ في كلهم إلى ما أحتاج إليه فيمن لقِيتُ مِنهم لأنَّ كلَّهم مُثْبِتٌ خَبَرًا عن من فوقه ولِمَنْ دونه

(1/374)


[ ص 378 ] فقال : فما بالُك قبِلْتَ ممن لم تعرفه بالتَّدْليسِ أن يقول : ( عن ) وقد يُمْكِنُ فيه أنْ يكونَ لمْ يسْمَعْه ؟
فقلت له : المسلمون العُدول عُدولٌ أصِحَّاءُ الأمْر في أنفسهم وحالُهُم في أنفسهم غيرُ حالهم في غيرهم ألا ترى أنِّي إذا عرَفتهم بالعدل في أنفسهم قَبِلْتُ شَهادَتهم وإذا شَهِدوا على شهادة غيرِهم لمْ أقْبلْ شهادَة غيرِهم حتى أعرف حاله ؟ ولم تكن معرفتي عدْلَهم معرفتي عدلَ من شَهِدوا على شهادَتِه
وقولُهم عن خبر أنفسهم وتسميتُهم : على الصِّحة حتى نسْتَدِلَّ مِنْ فِعلهم بما يخالف ذلك فَنَحْتَرِسَ منهم في الموضع الذي خالَف فِعْلُهم فيه ما يجب عليهم
ولم نَعْرِفْ بالتدليس بِبَلدنا فيمن مضى ولا مَنْ [ ص 379 ] أدْرَكْنا مِن أصحابنا إلاَّ حديثاً فإن منهم من قبله عن من لو تركه عليه كان خيراً له
وكان قول الرجل : ( سمعتُ فلاناً يقول سمعت فلاناً ) وقولُه : ( حدّثَني فلانٌ عنْ فُلان ) : سَواءً عنْدهم لا يحدِّثُ واحد منهم عن من لَقِيَ إلاَّ ما سَمِع منه ممن عَنَاه بهذه الطريق قَبِلْنا منه : ( حدثني فلان عن فلان )
ومَن عرَفْناه دلَّس مَرَّةً فقَدْ أبَان لَنَا عوْرَته في رِوايتِه
وليستْ تلك العورةُ بالكذب فنَرُدَّ بها حديثَه ولا النَّصيحَةِ في الصِّدق فنقْبَلَ مِنه ما قَبِلْنا مِن أهل النصيحة في الصدق
[ ص 380 ] فقلْنا : لا نقبل مِن مُدَلِّسٍ حديثاً حتى يقولَ فيه : ( حدثني ) أو ( سمعْتُ )

(1/378)


فقال : قَدْ أراكَ تقْبَل شهادَة من لا يُقْبَل حديثُه ؟
قال : فقلتُ : لِكِبَرِ أمْر الحديث ومَوْقِعه مِن المسلمين ولمعنى بَيِّنٍ
قال : وما هو ؟
قلت : تكون اللَّفْظةُ تُتْركُ مِن الحديث فتُحيلُ معناه أو يُنْطَقُ بها بِغير لَفْظَة المُحَدِّث والناطِق بها غيرُ عامِدٍ لإحالة الحديث : فيُحِيلُ معْناه
فإذا كان الذي يحملُ الحديثَ يجهَلُ هذا المعنى كان غيرَ عاقِل للحديث فلمْ نقْبَل حديثَه إذا كان يحمل ما لا يَعْقِلُ إن [ ص 381 ] كان ممن لا يُؤَدِّي الحديثَ بِحُروفِه وكان يَلْتَمِس تأديته على معانيه وهو لا يعقِلُ المعنى
قال : أفيكونُ عَدْلًا غَيْرَ مَقْبول الحديث ؟
قلت : نَعَمْ إذا كان كما وصفْتُ كان هذا مَوْضِعَ ظِنَّةٍ بَيِّنَةٍ يُرَدُّ بها حدُيثه وقد يكون الرجل عدلاً على غيره ظَنِينَاً في نفسه وبعض أقْرَبِيه ولعلَّه أنْ يَخِرَّ من بُعْدٍ أهْوَنُ عليه مِن أنْ يَشْهَد بِبَاطلٍ ولكنْ الظِّنَّةُ لَمَّا دَخَلَتْ عليه تُرِكَتْ بها شهادتُه فالظِّنَّةُ ممن لا يؤدي الحديث بحروفه ولا يعقل معانيه : أبْيَنُ منها في الشَّاهِد لمن تُرَدُّ شهادتُه فيما هو ظَنِينٌ فيه بحال
وقد يُعْتَبَرُ على الشُّهود فيما شهدوا فيه فإن استدللنا على مَيْلٍ نسْتَبِينُهُ أو حِيَاطَةٍ بمُجاوزة قصْدٍ للمشهود له : [ ص 382 ] لمْ نَقْبَلْ شهادَتهم وإنْ شهِدوا في شيء مما يَدِقُّ ويذْهَبُ فَهْمُه عليهم في مِثْل ما شهِدوا عليه : لمْ نقْبَلْ شهادَتهم لأنهم لا يعقلون معنى ما شهدوا عليه
ومَنْ كَثُرَ غَلَطُه مِن المحدثين ولم يكن له أصْلُ كِتَابٍ صحيح : لم نقبل حديثَه كما يكون مَنْ أكْثَرَ الغَلَطَ في الشهادة لم نقبل شهادَته
وأهلُ الحديث مُتَبَايِنُونَ :
- فمِنْهم المعروف بعِلْمِ الحديث بطلَبه وسماعه مِن الأب والعمِّ وذَوِي الرَّحِمِ والصَّدِيقِ وطُولِ مُجالَسَة أهلِ التَّنازُع فيه ومَنْ كان هكذا كان مُقَدَّمًا في الحِفْظ إنْ خالَفه مَنْ يُقَصِّرُ [ ص 383 ] عنه كان أوْلَى أنْ يُقْبَل حديثُه ممن خالفه مِنْ أهل التقصير عنه
ويُعْتَبَرُ على أهْلِ الحديث بأنْ إذَا اشْتَرَكُوا في الحديث عن الرَّجُل بِأنْ يُسْتَدَلَّ على حِفْظ أحدِهم بِمُوَافَقَةِ أهْل الحِفْظ وعلى خلاف حِفْظه بخلاف حفظ أهْلِ الحِفْظِ له
وإذا اختلفَت الروايةُ استدللنا على المحفوظ منها والغَلَط بهذا ووُجُوهٍ سِواه تدُلُّ على الصدق والحفظ والغلط قد بيَّناها في غير هذا الموضع وأسأل الله التوفيق

(1/380)


فقال : فما الحجَّةُ لك في قَبول خبر الواحد وأنْتَ لا تُجِيز شَهادَة واحِدٍ وحْده ؟ وما حجتك في أنْ قِسْتَهُ بالشهادَة في أكْثَرِ أمْره وفَرَّقْتَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الشهادَةِ في بعْض أمْره ؟
[ ص 384 ] قال : فقلْتُ له : أنتَ تُعِيدُ ما قد ظَنَنْتُكَ فَرَغْتَ مِنه ولمْ أَقِسْهُ بالشَّهادَة إنَّمَا سألْتَ أنْ أمَثِّلَهُ لَكَ بشيء تعرفه أنتَ به أخبرُ منك بالحديث فَمَثَّلْتُهُ لك بذلك الشيء لا أنِّي احْتَجْتُ لأنْ يكون قياساً عليه
وتَثْبِيتُ خبر الواحد أقْوى مِنْ أنْ أحْتاج إلى أنْ أُمَثِّلَهُ بغيره بَلْ هُوَ أصْلٌ في نفْسِه
قال : فكيف يكون الحديث كالشهادة في شيء ثم يفارِقُ بعْضَ معانِيها في غيره ؟
فقلت له : هو مخالف للشهادة - كما وصفْتُ لك - في بعض أمْره ولو جَعَلْتُهُ كالشهادة في بعض أمره دون بعضٍ كانت الحجة لي فيه بَيِّنَةً إنْ شاء الله
[ ص 385 ] قال : وكيْف ذلك وسبيلُ الشهادات سبيلٌ واحِدة ؟
قال : فقلْتُ : أتعني في بعض أمرها دون بعض ؟ أمْ في كلِّ أمْرها ؟
قال : بلْ في كلِّ أمْرِها
قلتُ : فَكَمْ أقَلُّ ما تَقْبَلُ علَى الزِّنا ؟
قال : أربعة
قلتُ : فإن نَقَصُوا واحِد جَلَدْتَهم ؟
قال : نعم
قلت : فكم تقبل على القتل والكفر وقطع الطريق الذي تَقْتُلُ به كلِّه ؟
قال : شاهِدين
قلت له : كم تقْبل على المال ؟
[ ص 386 ] قال : شاهِدًا وامْرأتَيْنِ
قلت : فكَمْ تقبل في عُيوب النِّساء ؟
قال : امْرَأةً
قلت : ولَوْ لم يُتِمُّوا شاهِدَيْن وشاهِدًا وامْرأتين : لم تَجْلِدْهُم كما جَلَدْتَ شُهودَ الزِّنا ؟
قال : نعم
قلت : أفَتَراها مُجْتَمِعَةً ؟
قال : نعم في أنْ أقْبَلَهَا مُتَفَرِّقَةً في عَدَدِهَا . وفي أنْ لاَ يُجْلَدَ إلاَّ شاهِدُ الزِّنا
قلت له : فلَوْ قلْتُ لك هذا في خَبَرِ الواحِدِ وهو مُجَامِعٌ للشَّهادة في أنْ أقْبَلَه ومُفَارِقٌ لها في عَدَدِهِ هلْ كانتْ لك حجَّةٌ إلاَّ كَهِيَ عَلَيْكَ ؟
[ ص 387 ] قال : فإنما قلْتُ بالخلاف بَيْنَ عدَد الشهادات خَبَرًا واستدلالاً
قلت : وكذلك قلْتُ في قبول خبر الواحد خبًرا واستدلالاً
وقلتُ : أَرأيْتَ شهادَة النِّساء في الوِلادَة لِمَ أَجَزْتَهَا ولا تُجِيزُهَا في دِرهمٍ ؟
قال : اتِّبَاعًا
قلتُ : فإنْ قيل لك : لَمْ يُذْكَرْ في القُرَآن أقَلُّ مِنْ شاهد وامرأتين ؟

(1/383)


[ ص 390 ] قال " أبو القاسم عبد الرحمن بن نصر " قال : نا " أبو علي الحسن بن حبيب "
قال : نا " الربيع بن سليمان " قال : أنا الشافعي :
بسم الله الرحمن الرحيم
قال : ولمْ يُحْظَرْ أن يجوزَ أقلُّ مِن ذلك فأجَزْنَا ما أجاز المسلمون ولم يكن هذا خِلافاً لِلْقرآن
قلنا : فهكذا قلْنَا في تثبيت خبر الواحد استدلالاً بأشياءَ كلُّها أقْوَى مِن إجازة شَهادَةِ النِّساء

(1/390)


فقال : فهل مِن حُجَّةٍ تُفَرِّقُ بين الخبر والشهادة سِوى الاتِّباع ؟
قلتُ : نعم ما لا أعْلَمُ مِن أهل العلم فيه مُخالِفًا
[ ص 391 ] قال : وما هو ؟
قلت : العدْلُ يكون جائزَ الشهادَة في أمورٍ مَرْدُودُهَا في أُمور
قال : فأيْنَ هو مَرْدُودُها ؟
قلت : إذا شَهِدَ في مَوْضعٍ يَجُرُّ به إلى نَفْسِه زيادةً مِنْ أيِّ وَجْهٍ ما كان الجَرُّ أو يَدْفَع بها عن نفسه غُرْمًا أو إلى ولَده أو والِده أو يدْفَع بها عنْهما ومواضِعِ الظِّنَنِ سِواها
وفيه في الشهادة : أنَّ الشاهِد إنما يَشْهَدُ بها على واحِدٍ لِيُلْزِمَهُ غُرْمًا أو عُقُوبةً وللرجل ليُؤْخَذَ له غُرْمٌ أو عقوبة [ ص 392 ] وهو خَلِيٌّ مما لَزِمَ غيْرَه مِن غُرْم غيرُ داخِل في غُرْمِه ولا عقوبته ولا العارِ الذي لزمه ولعله يجرُّ ذلك إلى مَن لَعَلَّهُ أن يكون أشدَّ تَحامُلاً له منه لوَلَده أو والِده فيُقْبَلُ شهادتُه لأنه لا ظِنَّةَ ظاهِرةًٌ كظِنَّته في نفْسِه وولده ووالده وغيرِ ذلك مما يَبِينُ فيه مِن مَواضع الظِّنَنِ
والمُحَدِّثُ بما يُحِلُّ ويحرِّم لا يجرُّ إلى نفسه ولا إلى غيره ولا يَدْفع عنها ولا عن غيره شيئاً مما يَتَمَوَّلُ الناسُ ولا مما فيه عقوبةٌ عليهم ولا لهم وهو ومَنْ حدَّثه ذلك الحديث من المسلمين : سواءٌ إن كان بأمرٍ يُحِلُّ أو يُحرِّم فهو شريكُ العامَّة فيه لا تختلف حالاته فيه فيكونَ ظَنِينًا مرَّةٍ مَرْدُودَ الخبر وغيرَ ظنينٍ أُخْرَى مَقْبُولَ الخبر كما تختلف حال الشاهِد لعوامِّ المسلمين وخواصِّهِمْ
[ ص 393 ] وللناس حالاتٌ تكون أخبارُهم فيها أصحَّ وأحْرَى أن يَحْضُرَها التَّقْوَى منها في أُخرى ونِيَّاتُ ذوي النِيَّات فيها أصحُّ وفِكرُهم فيها أدْوَمُ وغفلتُهم أقلُّ وتلك عند خوْف الموْت بالمرض والسفر وعند ذِكْرِه وغير تلك الحالات من الحالات المُنَبِّهَةِ عَن الغفْلة
فقلتُ له : قد يكون غيرُ ذي الصِّدْق مِن المسلمين صادقاً في هذه الحالات وفي أن يُؤْتَمَنَ على خبر فيُرَى أنه يُعْتَمَدُ على خبره فيه فيَصْدُقُ غايَةَ الصِّدْقِ إن لم يكن تقْوى فحَيَاءً مِن أن يُنْصَبَ لأمانَة في خبر لا يَدْفَعُ به عن نفسه ولا يَجُرُّ إليها : ثم يَكْذِبُ بعْدَه أو يَدَعُ التحَفُّظَ في بعض الصدق فيه
[ ص 394 ] فإذا كان موجوداً في العامة وفي أهل الكذب الحالاتُ يَصْدُقون فيها الصدقَ الذي تَطِيب به نفسُ المحدثين : كان أهل التقوى والصدق في كل حالاتهم أولى أن يتحفظوا عند أولى الأمور بهم أن يتحفظوا عندها في أنهم وُضِعُوا مَوْضِع الأمانة ونُصِبُوا أعْلامًا لِلدين وكانوا عالِمِين بما ألْزَمَهُم اللهُ مِن الصدق في كلِّ أمْر وأن الحديث في الحلال والحرام أعْلى الأمور وأبْعَدُها مِن أن يكون فيه موضعُ ظِنَّةٍ وقد قُدِّمَ إليهم في الحديث عن رسول الله بشيء لم يُقَدَّم إليهم في غيره فوُعِدَ على الكذب على رسول الله النارُ
عبد العزيز
عن " محمد بن عَجلان " عن " عبد الوهَّاب بن [ ص 395 ] بُخْتٍ " عن " عبد الواحد النَّصْرِي " عن " واثلة بن الأسْقَعِ " عن النبي قال : " إنَّ أَفْرَى الفِرَى مَنْ قَوَّلَنِي مَا لَمْ أَقُلْ ومَنْ أرَى عَيْنَيْهِ مَا لَمْ تَرَى وَمَنِ ادَّعَى إلَى غَيْرِ أَبِيهِ " ( 1 )
[ ص 396 ] " عبد العزيز " عن " محمد بن عمرو " عن " أبي سلمة " عن " أبي هريرة " أنَّ رسول الله قالَ : " مَنْ قَالَ عَلَيَّ مَا لَمْ أَقُلْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ " ( 2 )
يحيى بن سُلَيْمٍ
عن " عبيد الله بن عمر " عن " أبي بكر بن سالم " عن " سالم " عن " ابن عمر " أن النبي قال : " إنَّ الَّذِي يَكْذِبُ عَلَيَّ يُبْنىَ لَهُ بَيْتٌ فِي النَّارِ " ( 3 )
[ ص 397 ] حدثنا " عمرو بن أبي سلمة " عن " عبد العزيز بن محمد " عن " أُسِيدٍ بن أبي أُسيد " عن أمه قالتْ : قلتُ " لأبي قتادة " : مَا لَكَ لاَ تُحَدِّثُ عَنْ رَسثولِ اللهِ كَمَا يُحَدِّثُ النَّاسُ عَنْهُ ؟ قالت : فقال : " أبو قَتادةَ " سمعت رسول الله يقول : " مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَلْتَمِسْ لِجَنْبِهِ مَضْجَعًا مِنَ النَّارِ فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ يَقُولُ ذَلِكَ وَيَمْسَحُ الأَرْضَ بَيَدِهِ " ( 4 )
سفيان
عن " محمد بن عمرو " عن " أبي سلمة " عن " أبي هريرة " أنَّ رَسُولُ اللهِ قَالَ : " حَدِّثُوا عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلاَ حَرَجَ [ ص 398 ] وَحَدِّثُوا عَنِّي وَلاَ تَكْذِبُوا عَلَيَّ " ( 5 )
وهذا أشدُّ حديثٍ رُوِيَ عن رسول الله في هذا وعليه اعْتَمدنا مع غيره في أنْ لا نقبَلَ حديثًا إلاَّ مِنْ ثِقة ونعْرِفَ صدقَ مَنْ حَمَلَ الحديثَ مِن حينِ ابْتُدِئَ إلى أن يُبْلَغَ به مُنْتَهَاه
_________
( 1 ) رواه البخاري كتاب المناقب . باب : نسبة اليمن إلى إسماعيل . رقم 3318 ، وأحمد في مسند الشاميين 4 / 106 والشافعي في المسند 650
( 2 ) هذا حديث متواتر روي بألفاظ كثيرة عن عدد من الصحابة
( 3 ) إسناده صحيح ورواه أحمد من هذا الطريق رقم 4742 - 5798 - 6309
( 4 ) ذكره في كنز العمال وعزاه للشافعي والبيهقي في المعرفة ( 29226 )
( 5 ) روي عن عدد من الصحابة بأسانيد صحاح رواه أحمد عن أبي هريرة 11108 ومواضع

(1/390)


فإن قال قائل وما في هذا الحديث من الدلالة على ما وصفت ؟
قيل : قد أحاط العلم أن النبي لا يأمر أحداً بحال أبداً أن يكذب على بني إسرائيل ولا على غيرهم فإذ أباح الحديث [ ص 399 ] عن بني إسرائيل أن يقبلوا الكذب على بني إسرائيل أباح وإنما أباح قبول ذلك عن من حدَّث به ممن يُجهل صدقه وكذبه
ولم يُبِحْه أيضاً عن من يُعرف كذبه لأنه يُروى عنه أنه " مَن حدَّث بحديث وهو يُرَاه كذباً فهو أحد الكاذِبَين " ( 1 ) ومَن حدَّث عن كذاب لم يبرأ من الكذب لأنه يرى الكذاب في حديثه كاذباً
ولا يُستدل على أكثرِ صدق الحديث وكذبه إلا بصدق اُلمخبِر وكذبه إلا في الخاصِّ القليل من الحديث وذلك أن يُستدل على الصدق والكذب فيه بأن يُحَدِّث المحدث ما لا يجوز أن يكون مثله أو ما يخالفه ما هو أَثبتُ وأكثرُ دلالاتٍ بالصدق منه
[ ص 400 ] وإذ فرق رسول الله بين الحديث عنه والحديث عن بني إسرائيل فقال : " حدثوا عني ولا تكذبوا علي " : فالعلم - إن شاء الله - يحيط أن الكذب الذي نهاهم عنه هو الكذب الخفي . وذلك الحديث عمن لا يُعرف صدقه لأن الكذب إذا كان منهياً عنه على كل حال فلا كذب أعظم من كذبٍ على رسول الله صلى الله عليه و سلم

(1/398)


الحجة في تثبيت خبر الواحد

(1/400)


[ ص 401 ] قال " الشافعي : " فإن قال قائل : اذكر الحجة في تثبيت خبر الواحد بنصِّ خبر أو دلالةٍ فيه أو إجماعٍ
فقلت له أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن النبي قال : " نضَّر الله عبداً سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها فرُبَّ حاملِ فقهٍ غيرِ فقيه ورُبَّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه . ثلاثٌ لا يَُغِلُّ [ ص 402 ] ( 1 ) عليهن قلبُ مسلم : إخلاصُ العمل لله والنصيحةُ للمسلمين ولزوم جماعتهم فإنّ دعوتهم تحيط من روائهم " . ( 2 )
فلما نَدَب رسول الله إلى استماع مقالته وحفظِها وأدائها امرأً يؤديها والامْرُءُ واحدٌ : دلَّ على أنه لا يأمر [ ص 403 ] أن يُؤدَّى عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه لأنه إنما يُؤدَّى عنه حلال وحرام يُجتَنَب وحدٌّ يُقام ومالٌ يؤخذ ويعطى ونصيحة في دينٍ ودنيا
ودل على أنه قد َححمل الفقهَ غيرُ فقيه يكون له حافظاً ولا يكون فيه فقيهاً
وأمْرُ رسول الله بلزوم جماعة المسلمين مما يُحتج به في أن إجماع المسلمين - إن شاء الله - لازمٌ
أخبرنا سفيان قال أخبرني سالم أبو النضر أنه سمع عبيد الله بن أبي رافع يخبر عن أبيه قال : قال النبي : " لا أُلفِيَنَّ أحدكم متّكئاً على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما نهيت عنه [ ص 404 ] أو أمرت به فيقول : لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه " ( 3 )
قال ابن عيينة : وأخبرني محمد بن المنكدر عن النبي بمثله مرسلاً
وفي هذا تثبيتُ الخبر عن رسول الله وإعلامُهم أنه لازم لهم وإن لم يجدوا له نصَّ حكمٍ في كتاب الله وهو موضوع في غير هذا الموضع
أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار : أن رجلاً قبَّل امرأته وهو صائم فَوَجَد من ذلك وجْداً شديداً فأرسل امرأته تسأل عن ذلك فدخلت على أم سلمة أمِّ المؤمنين فأخبرتها فقالت أم سلمة : إن رسول الله يقبِّل وهو صائم . فرجعت المرأة إلى زوجها فأخبرته فزاده ذلك شراً وقال : لسنا مثلَ رسول الله يُحِل الله لرسوله ما شاء . فرجعت المرأة إلى [ ص 405 ] أم سلمة فوجدت رسول الله عندها فقال رسول الله : ما بال هذه المرأة ؟ فأخبرته أم سلمة فقال : ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك ؟ فقالت أم سلمة : قد أخبرتها فذهبت إلى زوجها فأخبرتْه فزاده ذلك شراً وقال : لسنامثل رسول الله يُحل الله لرسوله ما شاء . فغضب رسول الله ثم قال :
والله إني لأتقاكم لله ولأعلمكم بحدوده "
وقد سمعت من يصل هذا الحديث ولا يحضرني ذِكر مَن وصله . ( 3 )
_________
( 1 ) يغل بفتح الياء وضمها مع كسر العين فالفتح من الغل وهو الحقد والضم من الإغلال وهو الخيانة
( 2 ) رواه البيهقي في المدخل . ورواه أحمد والترمذي وأبو داود وابن ماجه والدارمي عن زيد بن ثابت . كما في مشكاة المصابيح
( 3 ) وصله عبد الرزاق بإسناد صحيح عن عطاء عن رجل من الأنصار وأحمد في المسند 5 / 434 وانظر مجمع الزوائد 3 / 166

(1/401)


قال " الشافعي : " في ذكر قول النبي صلى الله عليه : " ألَّا أخبرتيها أني أفعل ذلك " دلالةٌ على أن خبر أم سلمة عنه مما يجوز قبوله لأنه لا يأمرها بأن تخبر عن النبي إلا وفي خبرها ما تكون الحجةُ لمن أخبرتْه
وهكذا خبرُ امرأته إن كانت من أهل الصدق عنده
أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال : " بينما الناس بقُباءٍَ في صلاة الصبح إذ أتاهم آت فقال : إن رسول الله قد أُنزل عليه قُرَآن وقد أُمر أن يستقبل القبلة فاستقبَِلوها وكانت وجوههم إلى الشأْم فاستداروا إلى الكعبة "
وأهلُ قباءٍَ أهلُ سابقة من الأنصار وفقه وقد كانوا على قبلةٍ فرض الله عليهم استقبالها
[ ص 407 ] ولم يكن لهم أن يَدَعوا فرض الله في القبلة إلا بما تقوم عليهم الحجة ولم يلقوا رسول الله ولم يسمعوا ما أنزل الله عليه في تحويل القبلة فيكونون مستقبلين بكتاب الله وسنة نبيه سماعاً من رسول الله ولا بخبر عامّةٍ وانتقلوا بخبر واحد إذا كان عندهم من أهل الصدق : عن فرضٍ كان عليهم فتركوه إلى ما أخبرهم عن النبي أنه أَحدث عليهم من تحويل القبلة
ولم يكونوا ليفعلوه - إن شاء الله - بخبر إلا عن علم بأن الحجة تثبُت بمثله إذا كان من أهل الصدق
[ ص 408 ] ولا ليُحدثوا أيضاً مثل هذا العظيم في دينهم إلا عن علم بأن لهم إحداثَه
ولا يدعون أن يخبروا رسول الله بما صنعوا منه
ولو كان ما قَبلوا من خبر الواحد عن رسول الله في تحويل القبلة وهو فرض : مما يجوز لهم لقال لهم - إن شاء الله - رسول الله : قد كنتم على قبلةٍ ولم يكن لكم تركها إلا بعد علم تقوم عليكم به حجة من سماعكم مني أو خبرِ عامةٍ أو أكثرَ من خبر واحد عني
أخبرنا مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة [ ص 409 ] عن أنس بن مالك قال : كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة بن الجرَّاح وأُبيَّ بن كعب شراباً من فضيخٍ ( 1 ) وتمرٍ فجاءهم آت فقال : إن الخمر قد حُرِّمت . فقال أبو طلحة : قم يا أنس إلى هذه الجِرار فاكسرها فقمت إلى مِهْراسٍ ( 2 ) لنا فضربتُها بأسفلِه حتى تكسَّرت " . ( 3 )
وهؤلاء في العلم والمكان من النبي وتَقَدُّمِ صحبته بالموضع الذي لا يُنكِره عالم
وقد كان الشراب عندهم حلالاً يشربونه فجاءهم آت وأخبرهم بتحريم الخمر فأمر أبو طلحة - وهو مالك [ ص 410 ] الجرار - بكسر الجرار ولم يقل هو ولاهم ولا واحد منهم : نحن على تحليلها حتى نلقى رسول الله مع قربه منا أو يأتينا خبر عامَّة
وذلك أنهم لا يُهرِيقون حلالاً إهراقُه سَرَفٌ وليسوا من أهله
والحال في أنهم لا يدَعون إخبار رسول الله ما فعلوا ولا يَدَع - لو كان قبِلوا من خبر الواحد ليس لهم - : أن ينهاهم عن قبوله
وأمر رسول الله أنيساً أن يغدو على امرأة رجل ذكر أنها زَنَت فإن اعترفت فارجمها فاعترفت فرجمها
وأخبرنا بذلك مالك وسفيان عن الزهري [ ص 411 ] عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد وساقا عن النبي . وزاد سفيان مع أبي هريرة وزيد بن خالد : شِبْلاً . ( 4 )
أخبرنا عبد العزيز عن ابن الهاد عن عبد الله بن أبي سلمة عن عمرو بن سليم الزُّرَقي عن أمه قالت : " بينما [ ص 412 ] نحن بمنى إذا علي بن أبي طالب على جملٍ يقول : إن رسول الله يقول : إن هذه أيامُ طعام وشراب فلا يصومنَّ أحد فاتبع الناسَ وهو على جمله يصرخ فيهم بذلك
ورسول الله لا يبعث بنهيه واحداً صادقاً إلا لزم خبرُه عن النبي بصدقه عن المنهيين عن ما أخبرهم أن النبي نهى عنه
ومع رسول الله الحاجُّ وقد كان قادراً على أن يبعث إليهم فيشافهَهُم أو يبعث إليهم عدداً فبعث واحداً يعرفونه بالصدق
وهو لا يبعث بأمره إلا والحجة للمبعوث إليهم وعليهم قائمةٌ بقبول خبره عن رسول الله
_________
( 1 ) شراب يُتّخذ من البسر المشدوخ
( 2 ) حجر مستطيل منقور يُتَوضأ منه ويدقّ فيه
( 3 ) رواه البخاري : في الأشربة وفي خبر الواحد ومسلم : في الأشربة
( 4 ) شِبل بن معبد وقيل : ابن خليد وقيل : غير ذلك . وانفرد بذكر ( شبل ) ابن عيينة . قال ابن حجر في التهذيب : ( ( ولم يتابع على ذلك . رواه النسائي والترمذي وابن ماجه وقال النسائي : الصواب الأول قال : وحديث ابن عيينة خطأ وروى البخاري حديث ابن عيينة فأسقط منه شبلاً ) )

(1/405)


[ ص 413 ] فإذا كان هكذا مع ما وصفتُ من مقدرة النبي على بعثه جماعةً إليهم : كان ذلك - إن شاء الله - فيمن بعده ممن لا يمكنه ما أمكنهم وأمكن فيهم : أولى أن يَثبت به خبر الصادق
أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عمرو بن عبد الله بن صفوان عن خالٍ له - إن شاء الله - يقال له : يزيد بن شيبان قال : كنا في موقف لنا بعرفة يُباعده عمروٌ من موقف الإمام جداً فأتانا ابن مِرْبَع الأنصاري فقال لنا : أنا [ ص 414 ] رسول رسول الله إليكم : يأمركم أن تقفوا على مشاعركم فإنكم على إرثٍ من إرث أبيكم إبراهيم
وبعث رسول الله أبا بكر والياً على الحج في سنة تسع وحضره الحج من أهل بلدان مختلفة وشعوب متفرقة فأقام لهم مناسكهم وأخبرهم عن رسول الله بما لهم وما عليهم
وبعث عليَّ بن أبي طالب في تلك السنة فقرأ عليهم في مجمعهم يوم النحر آيات من { سورة براءة } ونبذ إلى قوم على سواءٍ وجعل لهم مدداً ونهاهم عن أمور
[ ص 415 ] فكان أبو بكر وعليٌّ معروفين عند أهل مكة بالفضل والدين والصدق وكان من جَهِلَهما أو أحدَهما من الحاجّ وجد من يخبره عن صدقهما وفضلهما
ولم يكن رسول الله ليبعث إلا واحداً الحجةُ قائمة بخبره على من بعثه إليه إن شاء الله

(1/413)


وقد فرَّق النبي عمّالًا على نواحي عرفنا أسماءهم والمواضع التي فرّقهم عليها
فبعث قيسَ بن عاصم والزِّبرقانَ بن بدر وابن نُوَيرة إلى عشائرهم بعلمهم بصدقهم عندهم
[ ص 416 ] وقدِم عليهم وفد البحرين فعرفوا من معه فبعث معهم ابن سعيد بن العاص
وبعث معاذ بن جبل إلى اليمن وأمره أن يقاتل مَن أطاعه مَن عصاه ويعلِّمهم ما فرض الله عليهم ويأخذ منهم ما وجب عليهم لمعرفتهم بمعاذ ومكانِه منهم وصدقِه
وكل من ولَّى فقد أمره بأخذ ما أوجب الله على من ولَّاه عليه
ولم يكن لأحد عندنا في أحدٍ ممن قدِم عليه من أهل [ ص 417 ] الصدق : أن يقول : أنت واحد وليس لك أن تأخذ منا ما لم نسمع رسول الله يذكر أنه علينا
ولا أحسبه بعثهم مشهورين في النواحي التي بعثهم إليها بالصدق : إلا لِمَا وصفتُ من أن تقوم بمثلهم الحجةُ على من بعثه إليه
وفي شبيهٍ بهذا المعنى أمراءُ سرايا رسول الله : فقد بعَث بَعْث مؤتةَ فولَّاه زيدَ بنَ حارثة وقال : فإن أصيب فجعفرٌ فإن أصيب فابنُ رواحة . وبعث ابنَ أُنيس سريَّةً وحدَه
وبعث أمراء سراياه وكلُّهم حاكم فيما بعثه فيه لأن عليهم أن يدعوا من لم تبلغه الدعوة ويقاتلوا من حلَّ قتاله
وكذلك كلُّ والي بعثه أو صاحبِ سريَّة
[ ص 418 ] ولم يزل يمكنُه أن يبعث واليين وثلاثة وأربعة وأكثر
وبعث في دهرٍ واحد اثنى عشر رسولاً إلى اثنى عشر ملكاً يدعوهم إلى الإسلام ولم يبعثهم إلا إلى من قد بلغته الدعوة وقامت عليه الحجة فيها وألاّ يكتب فيها دلالاتٍ لمن بعثهم إليه على أنها كتُبُهُ
وقد تحرّى فيهم ما تحرى في أمرائه : من أن يكونوا معروفين فبعث دَِحْية إلى الناحية التي هو فيها معروف

(1/415)


ولو أن المبعوث إليه جهل الرسول كان عليه طلبُ علمِ أن النبي بعثه ليستبرىء شكَّه في خبر رسول الله وكان على الرسول الوقوفُ حتى يستبرئه المبعوثُ إليه
[ ص 419 ] ولم تزل كتب رسول الله تَنْفُذ إلى ولاته بالأمر والنهي ولم يكن لأحد من ولاته تركُ إنفاذ أمره ولم يكن ليبعث رسولاً إلا صادقاً عند من بعثه إليه
وإذا طلب المبعوثُ إليه عِلمَ صدقه وَجَدَه حيث هو
ولو شك في كتابه بتغييرٍ في الكتاب أو حالٍ تدل على تهمةٍ من غفلة رسولٍ حَمَلَ الكتابَ : كان عليه أن يطلب علم ما شك فيه حتى يُنفِذَ ما يَثبت عنده من أمر رسول الله
وهكذا كانت كتب خلفائه بعده وعمالُهم وما أجمع المسلمون عليه : من أن يكون الخليفة واحداً والقاضي واحدٌ والأمير واحدٌ والإمامُ
فاستخلفوا أبا بكر ثم استخلف أبو بكر عمرَ [ ص 420 ] ثم عمرُ أهلَ الشورى ليختاروا واحداً فاختار عبدُ الرحمن عثمانَ بن عفان
قال : والولاة من القضاة وغيرهم يقضون فتَنفُذُ أحكامهم ويقيمون الحدود ويُنفِذُ مَن بعدهم أحكامهم وأحكامُهم أخبارٌ عنهم

(1/418)


ففيما وصفتُ من سنة رسول الله ثم ما أجمع المسلمون عليه منه : دلالةٌ على فرقٍ بين الشهادة والخبر والحكم
ألا ترى أن قضاء القاضي على الرجل للرجل إنما هو خبر يخبر به عن بينة تثبت عنده أو إقرار من خصمٍ به أقر عنده [ ص 421 ] وأنفذ الحكم فيه فلما كان يلزمه بخبره أن يُنفِذَهُ بعلمه كان في معنى المخبِرِ بحلال وحرام قد لزمه أن يُحِلَّه ويحّرمه بما شهد منه
ولو كان القاضي المخبرُ عن شهودٍ شهدوا عنده على رجل لم يُحاكَم إليه أو إقرارٍ من خصم لا يلزمه أن يحكم به لمعنى أنْ لم يُخاصَم إليه أو أنه ممن يُخاصَم إلى غيره فحكم بينه وبين خصمه ما يلزم شاهداً يشهد على رجل أن يأخذ منه ما شُهِدَ به عليه لمن شُهِدَ له به : كان في معنى شاهدٍ عند غيره فلم يقبل - قاضياً كان أو غيرَه - إلا بشاهد معه كما لو شهد عند غيره لم يقبله إلا بشاهد وطلب معه غيره ولم يكن لغيره إذا كان شاهداً أن يُنفِذَ شهادته وحده
[ ص 422 ] أخبرنا سفيان وعبد الوهاب عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيَّب : أن عمر بن الخطاب قضى في الإبهام بخمسَ عشرة وفي التي تليها بعشر وفي الوسطى بعشر وفي التي تلي الخنصر بتسع وفي الخنصر بست
قال " الشافعي " : لما كان معروفاً - والله أعلم - عند عمر أن النبي قضى في اليد بخمسين وكانت اليد خمسة أطراف مختلفةِ الجمال والمنافع : نزَّلها منازِلَها فحكم لكل واحد من الأطراف بقَدْره من دية الكفِّ فهذا قياس ( 1 ) على الخبر
فلما وجدنا كتاب آل عمرو بن حزم فيه : أن رسول الله قال : وفي كل إصبع مما هنالك عشرٌ من الإبل صاروا إليه
ولم يقبلوا كتاب آل عمرو بن حزم - والله أعلم - [ ص 423 ] حتى يثبت لهم أنه كتاب رسول الله
وفي الحديث دلالتان : أحدهما : قبول الخبر والآخر : أن يُقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه وإن لم يمضي ( 2 ) عمل من الأئمة بمثل الخبر الذي قبلوا
[ ص 424 ] ودلالةٌ على أنه مضى أيضاً عملٌ من أحد من الأئمة ثم وَجَدَ خبراً عن النبي يخالف عملَه لترك عمله لخبر رسول الله
ودلالةٌ على أن حديث رسول الله يثبت بنفسه لا بعمل غيره بعده
ولم يقل المسلمون قد عَمِل فينا عمر بخلاف هذا بين المهاجرين والأنصار ولم تذكروا أنتم أن عندكم خلافَه ولا غيرُكم بل صاروا إلى ما وجب عليهم من قبول الخبر عن رسول الله وترك كل عمل خالفه
ولو بلغ عمرَ هذا صار إليه - إن شاء الله - كما صار إلى غيره فيما بلغه عن رسول الله بتقواه لله وتأديته الواجبَ عليه في اتباع أمر رسول الله وعلمه وبأنْ ليس لأحد مع رسول الله [ ص 425 ] أمرٌ وأن طاعة الله في اتباع أمر رسول الله
_________
( 1 ) أي استنباط مبني على التعليل وليس معناه القياس الاصطلاحي
( 2 ) هكذا بإثبات الياء وقدّمنا مراراً توجيهه

(1/420)


فإن قال قائل : فادلُلْني على أن عمر عمل شيئاً ثم صار إلى غيره بخبرٍ عن رسول الله
قلت : فإن أوجدْتُكَهُ ؟
قال : ففي إيجادكَ إياي ذلك دليل على أمرين : أحدهما : أنه قد يقول من جهة الرأي إذا لم توجد سنة والآخر : أن السنة إذا وُجدت وجب عليه ترك عمل نفسه ووجب على الناس ترك كل عمل وُجدت السنة بخلافه وإبطالُ أن السنة لا تثبت إلا بخبرٍ بعدها [ ص 426 ] وعُلم أنه لا يُوهِنُها شيء إن خالفها
قلت : أخبرنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب : أن عمر بن الخطاب كان يقول : الدية للعاقلة ولا ترث المرأة من دية زوجها شيئاً . حتى أخبره الضّحّاك بن سفيان أن رسول الله كتب إليه : أن يُوَرِّث امرأة أَشْيَمَ الضِّبَابيِّ من ديته فرجع إليه عمر
وقد فَسَّرت هذا الحديث قبل هذا الموضع . ( 1 )
سفيان عن عمرو بن دينار وابن طاوس عن [ ص 427 ] طاوس : أن عمر قال : أُذَكِّرُ اللهَ امرأً سمع من النبي في الجنين شيئاً فقام حَمَلُ بن مالك بن النابغة فقال : كنت بين جارتين لي - يعني ضرتين - فضربت إحداهما الأخرى بِمِسْطَح ( 2 ) فألقت جنيناً ميتاً فقضى فيه رسول الله بِغُرَّةٍ ( 3 ) . فقال عمر : لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره
وقال غيره : إن كِدْنا أن نقضي في مثل هذا برأينا . ( 4 )
[ ص 428 ] فقد رجع عمر عما كان يقضي به لحديث الضّحّاك إلى أن خالف حكم نفسه وأخبر في الجنين أنه لو لم يسمع هذا لَقَضَى فيه بغيره وقال : إن كِدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا
قال " الشافعي " : يخبر - والله أعلم - أن السنة إذا كانت موجودة بأن في النفس مائةً من الإبل فلا يعدو الجنين أن يكون حياً فيكونَ فيه مائةٌ من الإبل أو ميتاً فلا شيء فيه
فلما أُخبر بقضاء رسول الله فيه سَلَّمَ له ولم يجعل لنفسه إلا اتِّبَاعه فيما مضى بخلافه وفيما كان رأياً منه لم يبلغه عن رسول الله فيه شيء فلما بَلَغَه خلاف فعله صار إلى حكم رسول الله [ ص 429 ] وترك حكم نفسه وكذلك كان في كل أمره
وكذلك يلزمُ الناسَ أن يكونوا
أخبرنا مالك عن ابن شهاب عن سالم : أن عمر بن الخطاب إنما رجع بالناس عن خبر عبد الرحمن بن عوف
قال " الشافعي " : يعني حين خرج إلى الشام فبلغه وقوع الطاعون بها
[ ص 430 ] مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه : أن عمر ذكر المجوس فقال : ما أدري كيف أصنع في أمرهم ؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف : أشهد لَسَمِعت رسول الله يقول : سُنُّوا بهم سُنَّة أهل الكتاب . ( 5 )
سفيان عن عمرو : أنه سمع بَجَالَةَ يقول : ولم [ ص 431 ] يكن عمر أخذ الجزية حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن النبي أخذها من مجوس هَجَرٍَ
_________
( 1 ) يريد في كتاب الأم 6 / 77 والحديث رواه أحمد 3 / 452 وأبو داود والترمذي وابن ماجه
( 2 ) المسطح : عود من أعواد الخباء والفسطاط الذي يُخبز به
( 3 ) الغرة العبد أو الأمة
( 4 ) إسناد الشافعي هنا مرسل فطاوس لم يدرك عمر والحديث رواه أبو داود والنسائي ورواه متصلاً أحمد وأبو داود وابن ماجه عن طاوس عن ابن عباس عن عمر
( 5 ) رواه مالك في الموطأ 1 / 264 وهذا إسناد منقطع لأن محمداً لم يلقَ عمر ولا عبد الرحمن بن عوف . لكن معناه متصل من وجوه حسان . انظر شرح الزرقاني على الموطأ 2 / 73 وفتح الباري 6 / 186

(1/425)


قال " الشافعي " وكل حديث كتبته منقطعاً فقد سمعته متصلاً أو مشهوراً عن من رُوي عنه بنقل عامةٍ من أهل العلم يعرفونه عن عامةٍ ولكني كرهت وَضع حديثٍ لا أتقنه حفظاً وغاب عني بعض كتبي وتحققت بما يعرفه أهل العلم مما حفظتُ فاختصرت خوف طول الكتاب فأتيت ببعض ما فيه الكفايةُ دون تقصِّي العلم في كل أمره

(1/431)


فقبل عمر خبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس فأخذ منهم وهو يتلو القُرَآن { من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون } ويقرأ القُرَآن بقتال الكافرين حتى يسلموا وهو لا يعرف فيهم عن النبي شيئاً وهم عنده من الكافرين غيرِ أهل الكتاب فقبل خبر عبد الرحمن في المجوس عن النبي فاتبعه . [ ص 432 ] وحديث بَجَالة موصول قد أدرك عمر بن الخطاب رجلاً وكان كاتباً لبعض ولاته

(1/431)


فإن قال قائل : قد طلب عمر مع رجل أخبره خبراً آخر ؟
قيل له لا يطلب عمر مع رجلٍ أَخبَرَه آخرَ إلا على أحد ثلاث معاني :
[ ص 433 ] إما أن يحتاط فيكونَ ( 1 ) وإن كانت الحجة تثبت بخبر الواحد فخبر اثنين أكثر وهو لا يزيدها إلا ثبوتًا
وقد رأيت ممن أثبت خبر الواحد مَن يطلب معه خبراً ثانياً ويكونُ في يده السنة من رسول الله من خمس وجوه فَيُحَدِّثُ بسادس فيكتبُهُ لأن الأخبار كلما تواترت وتظاهرت كان أثبتَ للحجة وأطيبَ لنفس السامع
وقد رأيت من الحكام مَن يَثبت عنده الشاهدان العدلان والثلاثةُ فيقول للمشهود له : زدني شهوداً وإنما يريد بذلك أن يكون أطيبَ لنفسه ولو لم يَزِده المشهود له على شاهدين لَحَكَمَ له بهما
ويحتمل أن يكون لم يعرف المخبر فيقفَ عن خبره حتى يأتي مخبرٌ يعرفه
[ ص 434 ] وهكذا ممن أخبر ممن لا يُعرف لم يُقبل خبره . ولا يُقبل الخبر إلا عن معروف بالاستئهال له لأن يُقبل خبره
ويحتمل أن يكون المخبر له غير مقبول القول عندَه فيَرُدُّ خبره حتى يجد غيره ممن يَقبل قولَه
_________
( 1 ) خبر يكون محذوف للعلم به من السياق والمعنى : فيكون أوثق عنده . وربما تكون الجملة بعدها هي الخبرَ

(1/432)


فإن قال قائل : فإلى أي المعاني ذهب عندكم عمر ؟
قلنا : أما في خبر أبي موسى فإلى الاحتياط لأن أبا موسى ثقة أمين عنده إن شاء الله
فإن قال قائل : ما دل على ذلك ؟
قلنا : قد رواه مالك بن أنس عن ربيعة عن غير [ ص 435 ] واحد من علمائهم حديثَ أبي موسى وأن عمر قال لأبي موسى : وأَمَا إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يَتَقَوَّلَ الناس على رسول الله
فإن قال : هذا منقطع
فالحجة فيه ثابتة لأنه لا يجوز على إمام في الدين - عمرَ ولا غيرِهِ - : أن يقبل خبر الواحد مرة وقبولُه له لا يكون إلا بما تقوم به الحجة عنده ثم يَرُدُّ مثله أخرى . ولا يجوز هذا على عالم عاقل أبداً ولا يجوز على حاكم أن يقضي بشاهدين مرة ويمنع بهما أخرى إلا من جهة جَرحهما أو الجهالَةِ بِعَدلهما . وعمر غايةٌ في العلم والعقل والأمانة والفضل

(1/434)


وفي كتاب الله تبارك وتعالى دليل على ما وصفتُ :
قال الله : { إنا أرسلنا نوحاً إلى قومه } [ نوح 1 ]
وقال : { ولقد أرسلنا نوحاً إلى قومه } [ هود 25 والمؤمنون 23 والعنكبوت 14 ]
وقال : { وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل } [ النساء 163 ]
وقال : { وإلى عاد أخاهم هوداً } [ الأعراف 65 وهود 50 ]
وقال : { وإلى ثمود أخاهم صالحاً } [ الأعراف 73 وهود 61 ]
وقال : { وإلى مَدْينَ أخاهم شعيباً } [ الأعراف 85 وهود 84 والعنكبوت 36 ]
وقال : { كذَّبت قومُ لوطٍ المرسلين . إذ قال لهم أخوهم لوطٌ : ألا تتقون . إني لكم رسول أمين فاتقوا الله وأطيعون } [ لشعراء 160 - 163 ]
وقال لنبيه محمد صلى الله عليه : { إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح } [ النساء 163 ]
وقال : { وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خلت من قبله الرسل } [ آل عمران 144 ]

(1/435)


[ ص 437 ] فأقام جل ثناؤه حجته على خلقه في أنبيائه في الأعلام التي باينوا بها خلقه سواهم وكانت الحجة بها ثابتة على من شاهد أمور الأنبياء ودلائلهم التي باينوا بها غيرهم ومَن بعدهم وكان الواحد في ذلك وأكثرُ منه سواءً تقوم الحجة بالواحد منهم قياماً بالأكثر
قال : { واضرب لهم مثلاً أصحابَ القرية إذ جاءها المرسلون . إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فَعَزَّزنا بثالث فقالوا : إنا إليكم مرسلون . قالوا : ما أنتم إلا بشرٌ مثلُنا وما أنزل الرحمن من شيءٍ . إن أنتم إلا تَكْذبون } [ يس 13 - 15 ]
قال " الشافعي " : فَظَاهَرَ الحُجَجَ عليهم باثنين ثم ثالثٍ وكذا أقام الحجةَ على الأمم بواحد وليس الزيادة في [ ص 438 ] التأكيدِ مانعةً أن تقوم الحجة بالواحد إذ أعطاه ما يبايِنُ به الخلْق غيرَ النبيين

(1/437)


أخبرنا مالك عن سعد بن إسحاقَ بن كعبِ بن عُجْرَةَ عن عمته زينبَ بنتِ كعبٍ : أن الفُرَيْعةَ بنت مالك بن سنانٍ أخبرَتْها أنها جاءت إلى النبي تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خُدْرَةَ فإن زوجها خرج في طَلَبِ أَعْبُدٍ له حتى إذا كان بِطَرَفِ القدوم لَحِقَهُم فقتلوه فسألتُ رسول الله أن أَرجع إلى أهلي فإن زوجي لم يتركني في مسكنٍ يملكه قالت : فقال رسول الله : نعم . فانصرفْتُ حتى إذا كنتُ في الحُجرة أو في المسجد دعاني أو أمر بي فَدُعِيت له فقال : كيف قُلتِ ؟ فَرَدَدْتُ عليه القصة التي [ ص 439 ] ذكرت له من شأن زوجي فقال لي : امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجلَهُ . قالت : فاعتددت فيه أربعةَ أشهر وعشراً فلما كان عثمانُ أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبَرْتُهُ فاتَّبَعَهُ وقضى به . ( 1 )
وعثمان في إمامته وعلمه يقضي بخبر امرأة بين المهاجرين والأنصار
_________
( 1 ) رواه في الأم أيضاً 5 / 208 ورواه أبو داود والترمذي والنسائي كلهم من طريق مالك انظر شرح الزرقاني

(1/438)


أخبرنا مسلم عن ابن جُريج قال : أخبرني الحسن [ ص 440 ] بن مسلم عن طاوسٍ قال : كنت مع ابن عباس إذ قال له زيد بن ثابت : أَتُفتي أن تَصْدُِرَ الحائض قبل أن يكون آخرُ عهدها بالبيت ؟ فقال له ابن عباس : إما لى ( 1 ) فاسأل فلانة الأنصارية : [ ص 441 ] هل أمرها بذلك النبي ؟ فرجع زيد بن ثابت يضحك ويقول ما أراك إلا قد صدقت . ( 2 )
قال " الشافعي " : سمع زيدٌ النهي أن يَصْدُِر أحد من الحاجِّ حتى يكون آخرُ عهده بالبيت وكانت الحائض عنده من الحاجِّ الداخلين في ذلك النهي فلما أفتاها ابن عباس بالصَّدَر إذا كانت قد زارت بعد النحر : أنكر عليه زيد فلما أخبره عن المرأة أن رسول الله أمرها بذلك فسألها فأخبرته [ ص 442 ] فصدَّق المرأة ورأى عليه حقاً أن يرجع عن خلاف ابن عباس وما لابن عباس حجة غيرُ خبر المرأة
_________
( 1 ) أصلها : ( إما لا ) وأصل ( إما ) : ( إن ما ) فأُميلت ( لا ) إمالة صغرى لتضمّنها معنى الجملة فالقاس أن الحروف لا تُمال والإمالة لغة قريش وهي لغة الشافعي . ومعناها : إن لم يكن هذا فاسأل فلانة . . . ومعناه عامةً : إن لم تفعل هذا فليكن هذا
( 2 ) روى الحديث الشيخان وغيرهما وروى القصة أحمد رقم 1990 و 3256 والبيهقي 5 / 163

(1/439)


سفيان عن عمرو عن سعيد بن جبير قال : قلت لابن عباس : إن نوفً البَِكَاليَّ يزعم أن موسى صاحبَ الخضر ليس موسى بني إسرائيل ؟ فقال ابن عباس : كذب عدو الله أخبرني أبيّ بن كعب قال : خطبنا رسول الله ثم ذكر حديث موسى والخضر بشيء يدل على أن موسى صاحبُ الخضر
فابن عباس مع فقهه وورعه يُثبت خبر أبي [ ص 443 ] بن كعب عن رسول الله حتى يُكَذِّبَ به امرأ من المسلمين إذ حدثه أبي بن كعب عن رسول الله بما فيه دلالة على أن موسى بني إسرائيل صاحبُ الخضر

(1/442)


أخبرنا مسلم وعبد المجيد عن ابن جريج أن طاوساً أخبره أنه سأل ابن عباس عن الرَّكعتين بعد العصر ؟ فنهاه عنهما ( 1 ) قال طاوس : فقلت له : ما أدعهما فقال ابن عباس : { ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكونَ لهم الخِيَرَةُ من أمرهم ومَن يَعْصِ اللهَ ورسوله فقد ضل ضلالاً مبيناً } [ الأحزاب 36 ]
[ ص 444 ] فرأى ابن عباس الحجةَ قائمةً على طاوس بخبره عن النبي ودَلَّهُ بتلاوة كتاب الله على أن فرضاً عليه أن لا تكونَ له الخِيَرَةُ إذا قضى الله ورسوله أمرًا
وطاوس حينئذ إنما يَعلم قضاء رسول الله بخبر ابن عباس وحده ولم يدفعه طاوس بأن يقول : هذا خبرك وحدك فلا أُثبته عن النبي لأنه يمكن أن تنسى
فإن قال قائل : كره أن يقول : هذا لابن عباس ؟
فابن عباس أفضل من أن يَتَوَقَّى أحد أن يقول له حقاً رآه وقد نهاه عن الركعتين بعد العصر فأخبره أنه لا يدعهما [ ص 445 ] قبل أن يُعْلمه أن النبي نهى عنهما
_________
( 1 ) ظاهر هذا أن ابن عباس نهى طاوساً من نفسه أي برأيه وبهذا لا يكون ثمة حجة على طاوس مع استشكال إيراد الآية على لسان ابن عباس لكن عند البيهقي 2 / 453 من طريق آخر أن ابن عباس قال : ( ( إنه قد نهى النبي صلى الله عليه و سلم عن صلاةٍ بعد العصر ) ) وعلى لا إشكال

(1/443)


سفيان عن عمرو عن ابن عمر قال : كنا نُخَابِرُ ( 1 ) ولا نرى بذلك بأساً حتى زعم رافع أن رسول الله نهى عنها فتركناها من أجل ذلك
فابن عمر قد كان ينتفع بالمخابَرة ويراها حلالاً ولم يتوسع إذ أخبره واحد لا يتهمه عن رسول الله أنه نهى عنها : أن يُخَابِرَ بعد خَبَرِهِ ولا يستعملَ رأيه مع ما جاء عن رسول الله ولا يقولَ : ما عاب هذا علينا أحد ونحن نعمل به إلى اليوم
[ ص 446 ] وفي هذا ما يبين أن العمل بالشيء بعد النبي إذا لم يكن بخبر عن النبي لم يُوهِن الخبر عن النبي عليه السلام
_________
( 1 ) المخابرة : مُزارَعَة الأرض بجزء منها كالثلث أو الربع أو بجزء معين من الخارج وفيها خلاف منتشر تُنظَر في مظانِّها

(1/445)


أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار أن معاوية بن أبي سفيان باع سِقَايةً من ذهب أو وَرِق بأكثر من وزنها فقال له أبو الدرداء : سمعت رسول الله ينهى عن مثل هذا فقال معاوية : ما أرى بهذا بأساً فقال أبو الدرداء : مَن يَعذِرُني من معاوية أُخبره عن رسول الله ويخبرني عن رأيه ؟ لا أساكنك بأرض . ( 1 )
[ ص 447 ] فرأى أبو الدرداء الحجة تقوم على معاوية بخبره ولما لم يَرَ ذلك معاوية فارق أبو الدرداء الأرض التي هو بها إعظاماً لِأَنْ تَرَكَ خبر ثقة عن النبي
_________
( 1 ) الحديث رواه النسائي مختصراً عن مالك . قال الزرقاني في شرح الموطأ 3 / 115 ( ( قال أبو عمر : لا أعلم أن هذه القصة عَرَضت لمعاوية مع أبي الدرداء إلا من هذا الوجه إنما هي محفوظة لمعاوية مع عبادة بن الصامت والطرق متواترة بذلك اه والإسناد صحيح والجمع ممكن ) )

(1/446)


وأُخبرنا أن أبا سعيد الخدري لقي رجلاً فأخبره عن رسول الله شيئاً فذكر الرجل خبراً يخالفه فقال أبو سعيد : والله لا آواني وإياك سقف بيت أبداً
قال " الشافعي " : يرى أن ضَيِّقاً على المخبر أن لا يقبل خبره وقد ذكر خبراً يخالف خبرَ أبي سعيد عن النبي ولكنْ في خبره وجهان : أحدهما : يحتمل به خلافَ خبر أبي سعيد والآخر : لا يحتمله
[ ص 448 ] أخبرنا من لا أتهم عن ابن أبي ذئب عن مَخلد بن خُفَاف قال : ابتعت غلاماً فاستغللته ثم ظَهَرتُ منه على عيب فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز فقضى لي بِرَدِّهِ وقضى علي بِرَدِّ غَلَّتِه فأتيت عروة فأخبرته فقال : أروح عليه العَشِيَّة فأُخبره أن عائشة أخبرتني أن رسول الله قضى في مثل هذا أن الخراج بالضّمان فَعَجِلت إلى عمر فأخبرته ما أخبرني عروة عن عائشة عن النبي فقال عمر : فما أَيسرَ عليَّ من قضاء قضيتُه الله يعلم أني لم أُرد فيه إلا الحق فبلغتني فيه سنة رسول الله فأَرُدُّ قضاء عمر [ ص 449 ] وأُنَفِّذ سنة رسول الله . فراح إليه عروة فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به علي له . ( 1 )
_________
( 1 ) رواه البهقي في السنن 5 / 321 من طريق الشافعي . وحديث ( ( الخراج بالضمان ) ) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد

(1/447)


[ ص 450 ] أخبرني من لا أتهم من أهل المدينة عن ابن أبي ذئب قال قضى سعد بن إبراهيم على رجل بقضية برأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن فأخبرته عن النبي بخلاف ما قضى به فقال سعد لربيعة : هذا بن أبي ذئب وهو عندي ثقة يخبرني عن النبي بخلاف ما قضيتُ به ؟ فقال له ربيعة : قد اجتهدتَ ومضى حكمك فقال سعدٌ : واعَجَبَا أُنْفذ قضاء سعد بن أم سعد وأردُّ قضاء رسول الله ؟ بل أرد قضاء سعد بن أم سعد وأنفذ قضاء رسول الله فدعا سعد بكتاب القضية فَشَقَّه وقضى للمقضيِّ عليه
قال " الشافعي " : أخبرني أبو حنيفة بن سمِاك بن الفضل الشهابي قال حدثني ابن أبي ذئب عن المقْبُري عن أبي شريح [ ص 452 ] الكعبي أن النبي قال عام الفتح : ( ( من قُتل له قتيل فهو بخير النظرين : إن أحب أخَذَ العقلَ وإن أحب فله القَوَدُ ) ) ( 1 ) قال أبو حنيفة : فقلت لابن أبي ذئب : أتأخذ بهذا يا أبا الحارث ؟ فضرب صدري وصاح علي صياحاً كثيراً ونال مني وقال : أحدثك عن رسول الله وتقول تأخذ به ؟ نعم آخذ به . وذلك الفرض عليَّ وعلى من سمعه إن الله اختار محمداً من الناس فهداهم به وعلى يديه واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو داخِرين لا مَخرج لمسلم من ذلك . قال : وما سكت حتى تمنيت أن يسكت
[ ص 453 ] قال : وفي تثبيت خبر الواحد أحاديث يكفي بعضُ هذا منها
ولم يزل سبيل سلفنا والقرونِ بعدهم إلى من شاهدنا هذا السبيل
وكذلك حُكي لنا عمن حُكي لنا عنه من أهل العلم بالبلدان
_________
( 1 ) رواه أحمد وابن ماجه وروي عن ابي هريرة معناه رواه أحمد وأصحاب الكتب الستة . والعقل الدية والقود القصاص

(1/450)


قال " الشافعي " : وجدنا سعيدً ( 1 ) بالمدينة يقول : أخبرني أبو سعيد الخدري عن النبي في الصَّرف ( 2 ) فَيُثَبِّت حديثه سنّةً . ويقول : حدثني أبو هريرة عن النبي فيُثَبت حديثه سنّةً ويروي عن الواحد غيرهما فيثبت حديثه سنّةً
ووجدنا عروة يقول : حدثتني عائشة : ( ( أن رسول الله قضى أن الخراج بالضمان ) ) ( 3 ) فَيُثَبِّته سنَّة ويروي عنها عن النبي شيئاً كثيراً فيثبتها سنناً يُحِل بها ويحرم
[ ص 454 ] وكذلك وجدناه يقول : حدثني أسامة بن زيد عن النبي . ويقول : حدثني عبد الله بن عمر عن النبي وغيرُهما فيُثَبِّت خبر كل واحد منهما على الانفراد سنة
ثم وجدناه أيضا يَصير إلى أن يقول : حدثني عبد الرحمن بن عبدٍ القاريُّ عن عمر ويقول : حدثني يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه عن عمر . ويثبت كلَّ واحد من هذا خبرً عن عمر
ووجدنا القاسم بن محمد يقول : حدثتني عائشة عن النبي ويقول في حديث غيره : حدثني ابن عمر عن النبي . ويثبت خبر كل واحد منهما على الانفراد سنة
ويقول حدثني عبد الرحمن ومجمِّع ابنا يزيد بن جاريةَ عن خنساءَ بنت خِدَامِ عن النبي . فيثبت خبرها سنة وهو خبر امرأة واحدة
[ ص 455 ] ووجدنا علي بن حسين يقول : أخبرنا عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد أن النبي قال : " لا يرث المسلم الكافر " . ( 4 ) فيثبتها سنة ويثبتها الناس بخبره سنة
ووجدنا كذلك محمد بن علي بن حسين يخبر عن جابر عن النبي وعن عبيد الله بن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي . فيثبت كل ذلك سنة
ووجدنا محمد بن جبير بن مطعم ونافع بن جبير بن مطعم ويزيدَ بن طلحة بن رُكَانة ومحمد بن طلحة بن ركانة ونافعَ بن عُجَير بن عبد يزيدَ وأبا أسامة بن عبد الرحمن وحُميدَ [ ص 456 ] بن عبد الرحمن وطلحةَ بن عبد الله بن عوفٍ ومصعبَ بن سعد بن أبي وقاص وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وخارجة بن زيد بن ثابت وعبد الرحمن بن كعب بن مالك وعبد الله بن أبي قتادة وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار وغيرهم من محدثي أهل المدينة : كلُّهم يقول : حدثني فلان لرجل من أصحاب النبي عن النبي أو من التابعين عن رجل من أصحاب النبي . فنُثَبِّت ذلك سنة
ووجدنا عطاءً وطاوسً ومجاهدً وابن أبي مليكة وعكرمة بن خالد وعبيد الله بن أبي يزيد وعبد الله بن باباه وابن أبي عمارٍ ومحدثي المكيين ووجدنا [ ص 457 ] وهب بن مُنَبِّهٍ هكذا ومكحولً بالشأم وعبد الرحمن بن غنم والحسن وابن سيرين بالبصرة والأسود وعلقمة والشعبي بالكوفة ومحدثي الناس وأعلامَهم بالأمصار : كلُّهم يُحفظ عنه تثبيت خبر الواحد عن رسول الله والانتهاء إليه والإفتاء به ويقبله كل واحد منهم عن من فوقه ويقبله عنه مَن تحته
ولو جاز لأحد من الناس أن يقول في علم الخاصة : أحمع المسلمون قديما وحديثاً على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه بأنه لم يُعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبَّته جاز لي
ولكنْ أقول : لم أحفظ عن فقهاء المسلمين [ ص 458 ] أنهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد بما وصفتُ من أن ذلك موجوداً ( 5 ) على كلهم
_________
( 1 ) هكذا بالتنوين من غير ألف وقدمنا مراراً أنه فصيح
( 2 ) تقدم ص 276
( 3 ) تقدم ص 448
( 4 ) رواه الجماعة إلا مسلماً والنسائي
( 5 ) تقدم توجيه نحوه وأنه على لغة من ينصب معمولي ( أن ) وهو قليل

(1/453)


قال : فإن شُبِّه على رجل بأن يقول : قد روي عن النبي حديث كذا وحديث كذا وكان فلان يقول قولاً يخالف ذلك الحديث
فلا يجوز عندي عن عالم أن يُثبت خبر واحد كثيراً ويُحِل به ويحرم ويردَّ مثله : إلا من جهة أن يكون عنده حديث يخالفه أو يكونَ ما سمع ومَن سمع منه أوثقَ عنده ممن حدَّثه خلافه أو يكونَ من حدثه ليس بحافظ أو يكونَ متهماً عنده أو يَتَّهِمَ من فوقه ممن حدثه أو يكونَ الحديث محتملا [ ص 459 ] معنيين فيتأوّلَُ فيذهبَُ إلى أحدهما دون الآخر
فأما أن يتوهَّم متوهِّم أن فقيهاً عاقلاً يُثبت سنة بخبر واحد مرةً ومراراً ثم يدعُها بخبرِ مثلِهِ وأوثق بلا واحدٍ من هذه الوجوه التي تُشَبَّه بالتأويل كما شُبِّه على المتأولين في القُرَآن وتُهَمَةِ المخبِر أو علمٍ بخبر خلافه فلا يجوز إن شاء الله
فإن قال قائل : قلَّ فقيه في بلد إلا وقد روى كثيراً يأخذ به وقليلاً يتركه ؟
فلا يجوز عليه إلا من الوجه الذي وصفتُ [ ص 460 ] ومن أن يروي عن رجل من التابعين أو مَن دونهم قولاً لا يلزمه الأخذ به فيكونَ إنما رواه لمعرفة قوله لا لأنه حجة عليه وافقه أو خالفَه
فإن لم يسلك واحداً من هذه السبل فيُعذرَ ببعضها فقد أخذ خطأ لا عذر فيه عندنا والله أعلم

(1/458)


فإن قال قائل : هل يفترق معنى قولك : حجة ؟
قيل له : إن شاء الله نعم
فإن قال : فَأَبِنْ ذلك ؟
قلنا : أما ما كان نصَّ كتاب بيِّن أو سنةٍ مجتمع عليها فيها مقطوع ولا يسع الشكُّ في واحد منهما ومن امتنعَ من قبوله استُتِيب

(1/460)


[ ص 461 ] فأما ما كان من سنة من خبر الخاصة الذي يختلف الخبر فيه فيكون الخبر محتملاً للتأويل وجاء الخبر فيه من طريق الانفراد : فالحجة فيه عندي أن يلزم العالمين حتى لا يكون لهم ردُّ ما كان منصوصاً منه كما يلزمهم أن يقبلوا شهادة العدول لا أن ذلك إحاطةٌ كما يكون نص الكتاب وخبرُ العامة عن رسول الله
ولو شك في هذا شاكّ لم نقل له : تب وقلنا : ليس لك - إن كنت عالماً - أن تشك كما ليس لك الا ان تقضي بشهادة الشهود العدول وإن أمكن فيهم الغلط ولكن تقضي بذلك على الظاهر من صدقهم والله ولي ما غاب عنك منهم
فقال : فهل تقوم بالحديث المنقطع حجة على مَن علمه ؟ وهل يختلف المنقطع ؟ أو هو وغيره سواءٌ ؟
قال " الشافعي " : فقلت له : المنقطع مختلف :
فمن شاهدَ أصحاب رسول الله من التابعين فحدَّث حديثاً منقطعاً عن النبي : اعتُبر عليه بأمور :
[ ص 462 ] منها : أن ينظر إلى ما أَرسل من الحديث فإن شَرِكَه فيه الحفاظ المأمونون فأسندوه الى رسول الله بمثل معنى ما روى : كانت هذه دلالةً على صحة مَن قبل عنه وحفظه
وإن انفرد بإرسال حديث لم يَشركه فيه من يُسنده قُبِل ما ينفرد به من ذلك
ويعتبر عليه بأن ينظر : هل يوافقه مرسِل غيره ممن قُبل العلم عنه من غير رجاله الذين قُبل عنهم ؟
فإن وُجد ذلك كانت دلالةً يَقوى له مرسلُه وهي أضعف من الأولى
وإن لم يُوجَد ذلك نُظر إلى بعض ما يُروى عن بعض أصحاب رسول الله قولاً له فإن وُجد يُوافق ما روى عن [ ص 463 ] رسول الله كانت في هذه دلالةٌ على أنه لم يأخذ مرسَلَه إلا عن أصل يصح إن شاء الله
وكذلك إن وُجد عوامُّ من أهل العلم يُفتون بمثل معنى ما روى عن النبي
قال " الشافعي " : ثم يُعتبر عليه : بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسمِّي مجهولاً ولا مرغوباً عن الرواية عنه فيُستدل بذلك على صحته فيما روى عنه
ويكون إذا شَرِك أحداً من الحفاظ في حديث لم يخالفه فإن خالفه وُجد حديثه أنقصَ : كانت في هذه دلائل على صحة مخرج حديثه
[ ص 464 ] ومتى ما خالف ما وصفت أضرَّ بحديثه حتى لا يسع أحداً منهم قبول مرسله
قال : وإذا وجدت الدلائل بصحة حديثه بما وصفت أحببنا أن نقبل مرسله
ولا نستطيع أن نزعُم أن الحجة تثبت به ثبوتها بالموتَصِل . ِ

(1/461)


وذلك أن معنى المنقطع مُغَيَّب يحتمل أن يكون حمُل عن من يُرغب عن الرواية عنه إذا سُمّي وإن بعض المنقطعات - وإن وافقه مرسل مثله - فقد يحتمل أن يكون مخرجها واحداً من حيث لو سمي لم يُقبل وأن قول بعض أصحاب النبي - إذا قال برأيه لو وافقه - يدل على صحة مَخرج الحديث دلالةً قوية إذا نُظر فيها [ ص 465 ] ويمكن أن يكون إنما غلِط به حين سمِع قول بعض أصحاب النبي يوافقه ويحتمل مثل هذا فيمن وافقه من بعض الفقهاء

(1/464)


فأما مَن بعد كبار التابعين الذين كثرت مشاهدتهم لبعض أصحاب رسول الله : فلا أعلم منهم واحداً يُقبل مرسله لأمور : أحدها : أنهم أشد تجوّزاً فيمن يروون عنه والآخر : أنهم يوجد عليهم الدلائل فيما أرسلوا بضعف مخرجه . والآخر : كثرةُ الإحالة . كان أمكن للوَهَم وضعفِ مَن يُقبل عنه
[ ص 466 ] وقد خَبَرْت بعض من خَبَرْتُ من أهل العلم فرأيتهم أُتُوا من خصلة وضدِّها :
رأيت الرجل يَقْنع بيسير العلم ويريد إلا أن يكون مستفيداً إلا من جهة قد يتركه من مثلها أو أرجحَ فيكون من أهل التقصير في العلم
ورأيت من عاب هذه السبيلَ ورغب في التوسع في العلم مَن دعاه ذلك الى القبول عن من لو أمسك عن القبول عنه كان خيراً له
ورأيت الغفلة قد تدخل على أكثرهم فيقبلُ عن من يَردُّ مثله وخيراً منه
ويُدخَل عليه فيقبلُ عن من يعرف ضعفه إذا وافق قولاً يقوله ويردُّ حديث الثقة إذا خالف قولاً يقوله
ويُدخَل على بعضهم من جهات
[ ص 467 ] ومن نظر في العلم بخِبْرة وقلةِ غفلة استوحش من مرسَلِ كلِّ مَن دون كبار التابعين بدلائل ظاهرة فيها

(1/465)


قال : فلمَ فرَّقت بين التابعين المتقدمين الذين شاهدوا أصحاب رسول الله وبين من شاهد بعضهم دون بعض ؟
فقلت : لبعد إحالة من لم يشاهد أكثرهم
قال : فلم لم تقبل المرسَل منهم ومن كل فقيه دونهم ؟
قلت : لما وصفت . ُ

(1/467)


قال : وهل تجد حديثاً تبلغ به رسولَ الله مرسلاً عن ثقة لم يقل أحداً من أهل الفقه به ؟
قلت : نعم أخبرنا سفيان عن محمد بن المنكدر : أن رجلاً جاء الى النبي فقال : يا رسول الله إن لي مالاً وعيالاً وإن لأبي مالاً وعيالاً وإنه يريد أن يأخذ مالي فيُطعِمَهُ عياله . فقال رسول الله : " أنت ومالك لأبيك " . ( 1 )
[ ص 468 ] فقال : أما نحن فلا نأخذ بهذا ولكن من أصحابك من يأخذ به ؟
فقلت : لا لأن مَن أخذ بهذا جعل للأب الموسر أن يأخذ مال ابنه
قال : أجل وما يقول بهذا أحد . فلمَ خالفه الناس ؟
قلت : لأنه لا يَثبت عن النبي وأن الله لما فرض للأب ميراثه من ابنه فجعله كوارثٍ غيرِه فقد يكون أقلَّ حظاً من كثير من الورثة : دلَّ ذلك على أن ابنه مالكٌ للمال دونه
قال : فمحمد بن المنكدر عندكم غاية في الثقة ؟
قلت : أجل والفضلِ في الدين والورع ولكنا لا ندري عن من قَبِل هذا الحديث
وقد وصفت لك الشاهدين العدلين يشهدان على [ ص 469 ] الرجل فلا تُقبل شهادتهما حتى يُعَدِّلاهما أو يُعدلهما غيرهما
_________
انظر الجامع الصغير 2712 ورواه أحمد في المسند من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده 2 / 179 ، 214 ، 204

(1/467)


قال : فتذكرُ من حديثكم مثل هذا ؟
قلت : نعم أخبرنا الثقة عن ابن أبي ذئب عن ابن شهاب : " أن رسول الله أمر رجلاً ضحك في الصلاة أن يعيد الوضوء والصلاة "
فلمْ نَقبل هذا لأنه مرسل
ثم أخبرنا الثقة عن مَعْمَر عن بن شهاب عن سليمان بن أرقَمَ عن الحسن عن النبي : بهذا الحديث
وابن شهاب عندنا إمام في الحديث والتخيير وثِقةِ الرجال إنما يُسمي بعض أصحاب النبي ثم خيارَ التابعين ولا نعلم محدثا يسمي أفضل ولا أشهر ممن يحدِّث عنه ابن شهاب
قال : فأنى تُرَاه أتى في قبوله عن سليمان بن أرقم ؟
[ ص 470 ] رآه رجلاً من أهل المروءة والعقل فَقَبِل عنه وأحسن الظن به فسكت عن اسمه إما لأنه أصغر منه وإما لغير ذلك وسأله مَعْمر عن حديثه عنه فأسنده له
فلما أمكن في ابن شهاب أن يكون يروي عن سليمان مع ما وصفت به ابن شهاب : لم يُؤمَن مثل هذا على غيره

(1/469)


قال : فهل تجد لرسول الله سنة ثابتة من جهة الاتصال خالفها الناس كلهم ؟
قلت : لا ولكن قد أجد الناس مختلفين فيها : منهم من يقول بها ومنهم من يقول بخلافها . فأما سنةٌ يكونون مجتمعين على القول بخلافها فلم أجدها قط كما وجدت المرسَل عن رسول الله
قال " الشافعي " : وقلت له : أنت تسأل عن الحجة [ ص 471 ] في رد المرسل وترده ثم تجاوز فتردُّ المسنَدَ الذي يلزمك عندنا الأخذ به

(1/470)


[ باب الإجماع ] :

(1/471)


قال " الشافعي " : فقال لي قائل : قد فهمتُ مذهبك في أحكام الله ثم أحكام رسوله وأن من قَبِل عن رسول الله فعن الله قَبِل بأن الله افترض طاعة رسوله وقامت الحجة بما قلتَ بأن لا يحلَّ لمسلم عَلِمَ كتاباً ولا سنة أين يقول بخلاف واحد منهما وعلمتُ أن هذا فرضُ الله . فما حجتك في أن تَتْبع ما اجتمع الناس عليه مما ليس فيه نص حكم لله ولم يحكوه عن النبي ؟ أتزعُمُ ما يقول غيرك أن إجماعهم لا يكون أبداً إلا على سنة ثابتة وإن لم يحكوها ؟
[ ص 472 ] قال : فقلت له : أمَّا ما اجتمعوا عليه فذكروا أنه حكاية عن رسول الله فكما قالوا إن شاء الله
وأما ما لم يحكوه فاحتمل أن يكون قالوا حكايةً عن رسول الله واحتمل غيره ولا يجوز أن نَعُدَّه له حكايةً لأنه لا يجوز أن يحكي إلا مسموعاً ولا يجوز أن يحكي شيئاً يُتَوَهَّم يمكن فيه غير ما قال
فكنا نقول بما قالوا به اتباعاً لهم ونعلم أنهم إذا كانت سنن رسول الله لا تَعزُبُ عن عامتهم وقد تعزُبُ عن بعضهم . ونعلم أن عامّتهم لا تجتمع على خلافٍ لسنة رسول الله ولا على خطأ إن شاء الله

(1/471)


[ ص 473 ] فإن قال : فهل من شيء يدل على ذلك وتشدُّه به ؟
قيل : أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه : أن رسول الله قال : " نَصَّرَ الله عبداً " ( 1 )
أخبرنا سفيان عن عبد الله بن أبي لبيد عن ابن سليمان بن يسار عن أبيه : " أن عمر بن الخطاب خطبَ الناسَ [ ص 474 ] بالجابية فقال : إن رسول الله قام ( 2 ) فينا كمَقَامي فيكم فقال : أكرموا أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يظهر الكذب حتى إن الرجل لَيَحْلف ولا يُستحلف ويَشهد ولا يُستشهد ألا فمن سرَّه بَحبَحَة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الفَذّ وهو من الاثنين أبعد ولا يخلُوَنَّ رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهم ومن سَرَّته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن " ( 3 )
[ ص 475 ] قال : فما معنى أمر النبي بلزوم جماعتهم ؟
قلت : لا معنى له إلا واحد
قال : فكيف لا يحتمل إلا واحداً ؟
قلت : إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان فلا يقدر أحدٌ أن يلزم جماعةَ أبدانِ قومٍ متفرقين وقد وُجِدَت الأبدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والأتقياء والفُجَّار فلم يكن في لزوم الأبدان معنى لأنه لا يمكن ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئاً فلم يكن للزوم جماعتهم معنى إلا ما عليهم جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما
ومن قال بما تقول به جماعةُ المسلمين فقد لزم جماعتهم ومن خالف ما تقول به جماعةُ المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أُمِرَ [ ص 476 ] بلزومها وإنما تكون الغفلة في الفُرقة فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافةً غفلةٌ عن معنى كتاب ولا سنة ولا قياس إن شاء الله
_________
( 1 ) سبق ص 401
( 2 ) في الأصل ( ( قام الله فينا ) )
( 3 ) الحديث مرسل فسليمان بن يسار لم يدرك عمر والحديث صح عن عمر رواه أحمد 1 / 18 ، 26 والطيالسي ص 7 والترمذي أبواب الفتن باب لزم الجماعة والحاكم 1 / 113 - 115

(1/473)


[ القياس ] ( 1 )

(1/476)


قال : فمن أين قلت : يقال بالقياس فيما لا كتابَ فيه ولا سنةَ ولا إجماعَ ؟ أفالقياس نصُّ خبٍر لازمٍ ؟
قلت : لو كان القياس نصَّ كتاب أو سنة قيل في كل ما كان نصَّ كتاب " هذا حُكمُ الله " وفي كل ما كان [ ص 477 ] نصَّ السنة " هذا حكم رسول الله " ولم نَقُل له : " قياس "
قال : فما القياس ؟ أهو الاجتهاد ؟ أم هما مفترقان ؟
قلت : هما اسمان لمعنىً واحد
قال : فما جِماعهما ؟
قلت : كل ما نزل بمسلم فقيه حكم لازم أو على سبيل الحقِّ فيه دلالةٌ موجودة وعليه إذا كان فيه بعينه حكمٌ : اتباعُه وإذا لم يكن فيه بعينه طُلِب الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد . والاجتهادُ القياسُ . 0
قال : أفرأيت العالمين إذا قاسوا على إحاطةٍ هم من أنهم أصابوا الحقَّ عند الله ؟ وهل يسعهم أن يختلفوا في القياس ؟ وهل [ ص 478 ] كُلفوا كل أمر من سبيل واحد أو سبل متفرقة ؟ وما الحجةُ في أن لهم أي يقيسوا على الظاهر دون الباطن ؟ وأنه يسعهم أن يتفرقوا ؟ وهل يختلف ما كُلفوا في أنفسهم وما كُلفوا في غيرهم ؟ ومن الذي له أن يجتهد فيقيس في نفسه دون غيره ؟ والذي له أن يقيس في نفسه وغيره ؟
فقلت : له العلم من وجوه : منه إحاطةٌ في الظاهر والباطن ومنه حق في الظاهر
فالإحاطة منه ما كان نصَّ حكم لله أو سنة لرسول الله نقلها العامة عن العامة . فهذان السبيلان اللذان يُشهد بهما فيما أُحل أنه حلال وفيما حُرم أنه حرام . وهذا الذي لا يَسَع أحداً عندنا جَهْلُه ولا الشكُّ فيه
وعلمُ الخاصة سنةً من خبر الخاصة يعرفها العلماء [ ص 479 ] ولم يُكَلَّفها غيرهم وهي موجودة فيهم أو في بعضهم بصدق الخاص المخبِرِ عن رسول الله بها . وهذا اللازم لأهل العلم أن يصيروا إليه وهو الحق في الظاهر كما نقتل بشاهدين . وذلك حق في الظاهر وقد يمكن في الشاهدين الغلطُ
وعلمُ إجماع
وعلمُ اجتهادٍ بقياسٍ على طلب إصابة الحق . فذلك حق في الظاهر عند قايِسِه لا عند العامة من العلماء ولا يعلم الغيب فيه إلا الله
وإذا طُلب العلم فيه بالقياس فقيس بصحةٍ : اِيْتَفَقَ المقايسون في أكثره وقد نجدهم يختلفون
_________
( 1 ) هذا العنوان زاده الشيخ أحمد شاكر

(1/476)


والقياس من وجهين : أحدهما : أن يكون الشيء في معنى الأصل فلا يختلف القياس فيه . وأن يكون الشيء له في الأصول أشباهٌ فذلك يُلحق بأولاها به وأكثرِها شَبَهاً فيه . وقد يختلف القايسون في هذا
قال : فأوجِدني ما أعرف به أن العلم من وجهين : أحدهما : إحاطةٌ بالحق في الظاهر والباطن والآخر إحاطةٌ بحق في الظاهر دون الباطن : مما أعرفُ ؟
فقلت له : أرأيت إذا كنا في المسجد الحرام نرى الكعبة : أَكُلِّفْنا أن نستقبلها بإحاطة ؟
قال : نعم
قلت : وفُرِضَت علينا الصلوات والزكاة والحج وغير ذلك : أَكُلِّفنا الإحاطةَ في أن نأتي بما علينا بإحاطةٍ ؟
قال : نعم
قلت : وحين فُرِض علينا أن نجلدَ الزاني مائة ونجلدَ القاذف ثمانين ونقتلَ مَن كَفَرَ بعد إسلامه ونقطع من سرق : أَكُلِّفْنا أن نفعل هذا بمن ثبت عليه بإحاطةٍ نعلم أنا قد أخذناه منه ؟
قال : نعم
[ ص 481 ] قلت : وسواءٌ ما كُلِّفنا في أنفسنا وغيرِنا إذا كنا ندري من أنفسنا بأنّا نعلم منها ما لا يعلم غيرنا ومن غيرنا ما لا يدركه علْمُنا كإدراكنا العلمَ في أنفسنا ؟
قال : نعم
قلت : وكُلِّفْنا في أنفسنا أين ما كُنا أن نَتَوَجه إلى البيت بالقبلة ؟
قال : نعم
قلت : أفتجدنا على إحاطةٍ من أنا قد أصبنا البيت بتوجهنا ؟
قال : أما كما وجدتكم حين كنتم ترون فلا وأما أنتم فقد أدَّيتم ما كُلِّفتم
قلت : والذي كُلفنا في طلب العين المغيَّب غيرُ الذي كُلِّفنا في طلب العين الشاهد . ِ
[ ص 482 ] قال : نعم
قلت : وكذلك كُلفنا أن نقبل عدل الرجل على ما ظهر لنا منه ونناكحَه ونوارثَه على ما يظهر لنا من إسلامه ؟
قال : نعم
قلت : وقد يكون غير عدل في الباطن ؟
قال : قد يمكن هذا فيه ولكن لم تُكَلفوا فيه الا الظاهر
قلت : وحلالٌ لنا أن نناكحه ونوارثه ونجيز شهادته ومحرمٌ علينا دمه بالظاهر ؟ وحرامٌ على غيرنا إن عَلم منه أنه كافر إلا قتلَه ومنعَه المناكحةَ والموارثةَ وما أعطيناه ؟
قال : نعم
قلت : وُجِدَ الفرض علينا في رجل واحد مختلفاً على مبلغ علمنا وعلم غيرنا ؟
[ ص 483 ] قال : نعم وكلكم مؤدي ما عليه على قدر علمه
قلت : هكذا قلنا لك فيما ليس فيه نص حكم لازمٍ وإنما نطلب باجتهادِ القياسِ وإنما كُلفنا فيه الحقَّ عندنا

(1/479)


قال : فتجدُك تحكم بأمر واحد من وجوه مختلفة ؟
قلت : نعم إذا اختلفت أسبابه
قال : فاذكر منه شيئاً
قلت : قد يُقِرّ الرجل عندي على نفسه بالحق لله أو لبعض الآدميين فآخذه بإقراره ولا يقر فآخذه بِيَنِّة تقوم عليه ولا تقوم عليه بينة فَيُدَّعى عليه فآمره بأن يحلف ويَبرَْأَ فيَمتنعُ فآمر خصمَه بأن يحلف ونأخذُه بما حلف عليه خصمه إذا أبى اليمين التي تُبرِئه ونحن نعلم أن إقراره على نفسه - بِشُحِّه على [ ص 484 ] ماله وأنه يُخاف ظَلمُه بالشحِّ عليه - : أصدَقُ عليه من شهادة غيره لأن غيره قد يَغلِط ويكذب عليه وشهادةُ العدول عليه أقربُ من الصدق من امتناعه من اليمين ويمينِ خصمه وهو غيرُ عدل وأُعطي منه بأسبابٍ بعضُها أقوى من بعض
قال : هذا كله هكذا غيرَ أنا إذا نَكِل عن اليمين أعطينا منه بالنكول
قلت : فقد أعطيتَ منه بأضعفَ مما أعطينا منه ؟
قال : أجل ولكني أخالفك في الأصل
قلت : وأقوى ما أعطيتَ به منه إقرارُه وقد يمكن أن يُقِر بحق مسلم ناسياً أو غلطاً فآخذُه به ؟
قال : أجل ولكنك لم تُكَلف إلا هذا
[ ص 485 ] قلنا : فلستَ تراني كُلِّفت الحقَّ من وجهين : أحدهما : حقٌّ بإحاطةٍ في الظاهر والباطن والآخر : حق بالظاهر دون الباطن ؟
قال : بلى ولكن هل تجد في هذا قوةً بكتاب أو سنة ؟
قلت : نعم ما وصفتُ لك مما كُلفت في القبلة وفي نفسي وفي غيري
قال الله : { ولا يحيطونَ بشيء من علمِهِ إلا بما شاءَ } [ البقرة 255 ] فآتاهم من علمه ما شاء وكما شاء لا مُعَقِّبَ لحُكمه وهو سريعُ الحساب
وقال لنبيه : { يسئلونك عن الساعة أَيَّانَ مُرْساها فيمَ أنتَ من ذِكراها إلى ربك مُنْتَهَاها } [ النازعات 42 - 44 ]
سفيانُ عن الزُّهري عن عُروة قال : " لم يَزَل رسول الله يَسأل عن الساعة حتى أنزل الله عليه { فيم أنت من ذكراها } فانتهى "
[ ص 486 ] وقال الله : { قل لا يعلمُ من في السماوات والأرضِ الغيبَ إلا اللهُ } [ النمل 65 ]
وقال الله تبارك وتعالى : { إن الله عنده عِلمُ الساعةِ ويُنزِّلُ الغيث ويَعلمُ ما في الأرحامِ وما تَدري نفسٌ ماذا تَكْسِبُ غداً وما تدري نفس بأيِّ أرض تموت إن الله عليمٌ خبير } [ لقمان 34 ]
فالناس مُتَعَبَّدون بأن يقولوا ويفعلوا ما أُمروا به وينتهوا إليه لا يُجاوزونَه لأنهم لم يُعطوا أنفسَهم شيئاً إنما هو عطاء الله . فنسأل الله عطاءاً مؤدِّياً لحقه موجِباً لمزيده

(1/483)


[ باب الاجتهاد ]

(1/486)


قال : أفتجد تجويز ما قلت من الاجتهاد مع ما وصفتَ فتذكرَه ؟
قلت : نعم استدلالاً بقول الله : { ومن حيثُ خرجْتَ فَوَلِّ وجهَكَ شَطْرَ المسجدِ الحرامِ وحيث ما كنتم فولُّوا وجوهَكم شَطْرَهُ } [ البقرة 150 ]
قال : فما شطره ؟
قلت : تلقاءَه قال الشاعر :
إن العسيبَ بها داءٌ مُخامِرُها فشَطْرَها بَصَرُ العَينين مَسجُورُ ( 1 )
[ ص 488 ] فالعلم يحيط أن مَن تَوَجه تلقاء المسجد الحرام ممن نَأَت داره عنه : على صواب بالاجتهاد للتوجه الى البيت بالدلائل عليه لأن الذي كُلف التوجُّهُ إليه وهو لا يدري أصاب بتوجهه قصْدَ المسجد الحرام أم أخطأه وقد يَرَى دلائل يعرفها فيَتَوجه بقدر ما يعرف [ ويعرف غيره دلائل غيرها فيتوجه بقدر ما يعرف ] وإن اختلف توجههما
قال : فإن أجزتُ لك هذا أجزتُ لك في بعض الحالات الاختلافَ
قلت : فقل فيه ما شئتَ
قال : أقول . لا يجوز هذا
قلت : فهو أنا وأنت ونحن بالطريق عالمان [ ص 489 ] قلت : وهذه القبلةُ وزعمتَ خِلافي على أيِّنا يتبع صاحبه ؟
قال : ما على واحد منكما أن يتبع صاحبه
قلت : فما يجب عليهما ؟
قال : إن قلتُ لا يجب عليهما أن يصليا حتى يعلما بإحاطة : فهما لا يعلمان أبداً المغيَّب بإحاطة وهما إذاً يَدَعان الصلاة أو يرتفع عنهما فرضُ القبلة فيصليان حيث شاءا ولا أقول واحداً من هذين وما أجد بُدَّاً من أن أقول : يصلي كل واحد منهما كما يرى ولم يُكَلفا غير هذا أو أقولَ كُلف الصوابَ في الظاهر والباطن ووُضع عنهما الخطأ في الباطن دون الظاهر
قلت : فأيَّهما قلتَ فهو حجة عليك لأنك فرَّقت بين حكم الباطن والظاهر وذلك الذي أنكرتَ علينا وأنت : تقول إذا اختلفتم قلتُ ولا بد أن يكون أحدهما مخطئً ؟
قلت : أجل
قلت : فقد أجزتَ الصلاة وأنت تعلم أحدَهما [ ص 490 ] مخطئً وقد يمكن أن يكونا معاً مخطئين
وقلت له : وهذا يلزمك في الشهادات وفي القياس
قال : ما أجد من هذا بُدَّاً ولكن أقول : هو خطأ موضوع

(1/486)


فقلت له : قال الله : { ولا تقتلوا الصيدَ وأنتم حُرُم ومَن قَتَلَه منكم متعمداً فَجَزاءٌ مثلُ ما قَتَل من النَّعَم يحكمُ به ذَوَا عَدْلٍ منكم هَدْياً بالغَ الكعبةِ } [ المائدة 95 ]
فأمرهم بالمِثل وجعل المثل الى عدلين يحكمان فيه فلما حُرِّم مأكولُ الصيد عامّاً كانت لِدَوَابِّ الصيد أمثالٌ على الأبدان
فحَكَمَ مَن حَكَمَ من أصحاب رسول الله على ذلك [ ص 491 ] فقضى في الضَّبُع بكَبْشٍ وفي الغزال بعَنْز وفي الأرنب بعَنَاق وفي اليَربوع بجَفْرَةٍ . ( 1 )
والعلم يحيط أنهم أرادوا في هذا المثلَ بالبدن لا بالقِيَم ولو حكموا على القيم اختلفت أحكامهم لاختلاف أثمان الصيد في البلدان وفي الأزمان وأحكامُهم فيها واحدة
والعلم يحيط أن اليربوع ليس مثل الجَفرة في البدن ولكنها كانت أقربَ الأشياء منه شَبَهَاً فجُعلت مثله وهذا من القياس يَتَقَارب تقاربَ العنز والظَّبي ويَبعد قليلاً بُعْد الجفرة من اليربوع
ولما كان المثل في الأبدان في الدوابِّ من الصيد دون الطائر : لم يَجُز فيه إلا ما قال عمر - والله أعلم - من أن يُنظر الى المقتول من الصيد فيُجزى بأقرب الأشياء به شَبَهَاً منه في البدن [ ص 492 ] فإذا فات منها شيئاً ( 2 ) رُفِع إلى أقرب الأشياء به شَبَهَاً كما فاتت الضَّبُع العنز فرُفِعت الى الكبش وصَغُرَ اليربوع عن العَنَاق فخُفِضَ الى الجَفْرة
وكان طائر الصيد لا مثل له في النَّعَم لاختلاف خِلقته وخلقته فجُزِي خبراً وقياساً ( 3 ) على ما كان ممنوعاً لإنسان فأتلفه إنسان فعليه قيمته لمالكه
قال " الشافعي " : فالحكم فيه بالقيمة يجتمع في أنه يُقَوَّم قيمةَ يومه وبلده ويختلف في الأزمان والبلدان حتى يكون الطائر ببلد ثمنَ درهمٍ وفي البلد الآخر ثمنَ بعضِ ردهم
_________
( 1 ) العَنَاق : ما لم يتم له سنة من أنثى أولاد المعز . والجَفْرة : ما بلغ أربعة أشهر وفُصل عن أمه وأخذ في الرعي
( 2 ) أي جاوز شيئاً
( 3 ) أي فجزي استدلالاً بالخبر والقياس

(1/490)