صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الأحكام
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

الاحكام - الآمدي ج 1
الاحكام
الآمدي ج 1

(1/)


الاحكام في اصول الاحكام تأليف الامام العلامة علي بن محمد الامدي علق عليه العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الجزء الاول المكتب الاسلامي

(1/1)


طبع بإذن فضيلة الشيخ المحقق و مؤسسة النور الطبعة الاولى 1387 ه.
الرياض الطبعة الثانية 1402 ه.
بيروت المكتب الاسلامي دمشق: ص ب 800 - هاتف: 111637 - برقيا: إسلامي بيروت: ص ب 3771 / 11 - هاتف: 638 450 - برقيا: إسلاميا

(1/2)


بسم الله الرحمن الرحيم كلمة - موجزة عن تاريخ اصول الفقه
احمد اللهم حمدا يليق بجلالك، واشكرك شكرا يوافي نعمك، ويكافيء مزيدك سبحانك لا نحصي ثناءا عليك انت كما اثنيت على نفسك.
واشهد ان لا اله الا انت وحدك لا شريك لك شهادة تكفر بها عنا السيئات، وترفعنا بها عندك اعلى الدرجات وأشهد ان محمدا عبدك المرتضى، ونبيك المجتبي، ورسولك المصطفى، صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه الي يوم الدين.
وبعد.
فأصول الفقه من العلوم التي عم نفعها، وعظمت فائدتها، فقد استطاع به المجتهدون فطرة واستعدادا، أو دراسة واكتسابا ان يستثمروا نصوص الشريعة، وان يستنبطوا بها الاحكام من ادلتها التفصيلية على اكمل وجه وأتقنه، وأوضح طريق وابينه.
ووقف من عني بدراسته من العلماء المقلدين على ماخذ الائمة المجتهدين ومدراكهم، وعرفوا طريقهم في اجتهادهم ومذاهبهم في استباطهم، فطبقوا قواعدهم على ماجد من أقضية، واستخرجوا على اصولهم أحكاما في كثير من المسائل نسبوها إليهم تخريجا حيث لم يثبت عنهم فيها حكم نصا.
وقد يبلغ من يعني بعلم الاصول ويأخذ نفسه بدراسة قواعه استدلالا عليها وتطبيقا لها على نهج من تقدمه من الائمة ان يكون مجتهدا مطلقا يعتمد في بحثه على اصول الشريعة، ويرجع الى ادلتها ويستنبط منها الاحكام.
وربما كان هذا ايسر له واعم نفعا، واسلم عاقبة من اجتهاده في المسائل على مقتضي اصول امام معين واستخراج الفروع على اصوله.

(1/3)


وقد كانت العربية سليقة للصحابة رضي الله عنهم وبلغتهم نزل القران، وبها بينه النبي صلى الله عليه وسلم، فكانو يعرفون مقصد الكلام ومغزاه من لحن القول وفحواه، وقد شهدوا عهد الوحي والتنزيل، ولزموا النبي صلى الله عليه وسلم في سفره واقامته، وكانو مع ذلك على جانب عظيم من الفطنة والذكاء وسلامة الذوق ونور البصيرة والحرص على
التشريع علما وعملا، فوقفوا على أسرار الشريعة ومقاصدها، ولم يجدوا في انفسهم حاجة الى دراسة قواعد يستعينون بها في استثمار نصوص الشريعة ولا ضرورة تلجئهم الى تدوى اصول يرجع إليها في استنباط الاحكام من الادلة.
وقد سار التابعون على مدرجتهم، وسلكو سبيلهم فاستغنوا غناهم لقرب العهد بالوحي، وقوة الصلة بالصحابة، وكثرة الاخذ عنهم والمخالطة لهم، وغلبة السلامة على اللغة العربية من الكلمات الدخيلة.
ولما بعد العهد بزمن النبوة، وكثر اختلاط العرب بغيرهم من الفرس والروم، وترجم كثير من الكتب اليونانية وغيرها الى اللغة العربية أيام الدولة العباسية استعجم كثير من العرب في لغتهم، واساليب كلامهم، وتأثرت اذواقهم، واختلف مناهجهم وتغيرت اغراضهم في نثرهم وشعرهم.
واللغة العربية لغة الكتاب والسنة اسلوبا ومنهجا، ومقصدا ومغزي فهي الطريق الى فهمهما والعمدة في ادراك اسرارهما وعليها يتوقف معرفة كثير من وجوه اعجاز القران، فلذا عني العلماء يحفظها في جوانبها المختلفة بشتى الوسائل وتوسعوا في تدوين قواعدها، وبدؤا يضعون قواعد اصول الفقه.
وساعدهم على ذلك ما وقفوا عليه في الكتب المترجمة من صناعة التاليف ونظام التقعيد وحسن التبويب والترتيب.
وزدا تدوين اصول الفقه سهولة أن قواعده عند علماء الحديث في الحجاز وعلماء الراي بالعراق بدات تتمايز في نقاش المجتهدين من الفريقين، وتظهر في حجاجهم واستدلالهم، وان لم تكن مدونة لديهم.
وكان اول من عني بتدوين اصول الفقه فيما اشتهر بين العلماء أبو عبد الله محمد ابن ادريس الشافعي فأملى كتابه المعروف بالرسالة، وكتبه عنه الربيع بن سليمان المرادي، وقد جمع في املاء الرسالة بين امرين اجمالا.

(1/4)


الاول: تحرير القواعد الاصولية وإقامة الادلة عليها من الكتاب والسنة وإيضاح منهجه في الاستدلال وتأييده بالشواهد من اللغة العربية.
الثاني: الاكثار من الامثلة لزيادة الايضاح، والتطبيق لكثير من الادلة على قضايا في اصول الشريعة وفروعها، مع نقاش للمخالفين تزيده جزالة العبارة قوة، وتكسبه جمالا فكان كتابه قاعدةت محكمة بنى عليها من جاء بعده، ومنهجه فيه طريقا واضحا سلكه من الف في هذا العلم وتوسع فيه.
وقد تبعه في الامرين أبو محمد علي بن حزم في كتابه " الاحكام في اصول الاحكام " بل كان اكثر منه سردا للادلة النقلية مع نقدها، وايرادا للفروع الفقهية مع ذكر مذاهب العلماء فيها، وما احتجوا به عليها، ثم يوسع ذلك نقدا ونقاشا ويرجح ما يراه صوابا.
غير ان ابا محمد وان كان غير مدافع في سعة علمه واطلاعه على النصوص.
وتمييز صحيحها من سقيمها، و المعرفة بمذاهب العلماء وادلتها، وايراد ذلك في اسلوب رائع، وعبارات سهلة واضحة، لم يبلغ مبلغ الشافعي.
فقد كان الشافعي اخبر منه بالنقل، واعرف بطرقه، وأقدر على نقده، واعدل في حكمه وادرى بمعاني النصوص ومغزاها، وارعى لمقاصد الشريعة واسرارها، وبناء الاحكام عليها مع جزالة في العبارة تذكر بالعربية في عهدها الاول، ومع حسن ادب في النقد، وعفة لسان في نقاش الخصوم والرد على المخالفين.
ولو سلك المؤلفون في الاصول بعد الشافعي طريقته في الامرين تقعيدا واستدلالا وتطبيقا وايضاحا بكثرة الامثلة وتركوا الخيال وكثرة الجدل والفروض واطرحوا العصبية في النقاش والحجاج.
ولم يزيدوا الا ما تقتضي طبيعة النماء في العلوم اضافته من مسائل وتفاصيل لما اصل في الابواب، والا ما تدعوا إليه الحاجة من التطبيق والتمثيل من واقع الحياة للايضاح، كما فعل ابن حزم لسهل هذا العلم على طالبيه ولانتهى بمن اشتغل به الى صفوف المجتهدين من قريب.
ولكنهم اختلفوا فاخذ كل جانبا.
فمنهم من عنى بالقواعد واثباتا بالادلة عقلا ونقلا مع بسط القول ووضوح العبارة في سوق الادلة ونقاشها وضوحا لا يعوز القاريء الى شرح أو بيان.

(1/5)


غير انهم قصروا في جانب الامثلة والتطبيق فلا يوجد في كتبهم من ذلك الا النزر اليسير، ثم هو تقليدي يرثه الاخر عن الاول فلا تنويع ولا تجديد ولا تطبيق لماجد من القضايا في العهود المختلفة واكثروا مع ذلك من الجدل والخيال والفروض والوان الاحتمال، وذكر مسائل لا تدعو لها الحاجة، وقد عرفت هذه الطريقة بطريقة علماء الكلام، وممن نسج على منوالها في تأليفه أبو الحسين محمد بن علي البصري المعتزلي الشافعي في كتابه المعتمد، وابو المعالي عبد الملك بن عبد الله الجويني الاشعري الشافعي الشهير بامام الحرمين في كتابه البرهان، وابو حامد محمد بن محمد الغزالي الاشعري الشافعي في كتابه المستصفى، فهولاء و من سلك سبيلهم لم يراعوا في تأليفهم فروع مذهب معين انما همهم تفصيل القواعد الاصولية وايضاحها بالامثلة وذكر خلاف العلماء فيها والاستدلال عليها ومناقشة الادلة وترجيح ما يرونه، وقد جمع ما في هذه الكتب فخر الدين محمد بن عمر الرازي الاشعري الشافعي في كتابهالمحصول، وابو الحسن علي بن ابي علي محمد بن سالم السيف الامدي الاشعري الشافعي فيكتابه (الاحكام) مع بسط في القول ووضوح في العبارة.
ومنهم من اكثر من المسائل الفقهية، وعني فيها بالانتصار لمذهب معين، وقرر الى جانبها قواعد اصولية على ضوء ما حكم به امامه في هذه المسائل، فكان صنيعه في تأليفه اشبه بصنيع مجتهد المذهب الذي يعني بمعرفة اصول امامه من الفروع التي نص على حكمها، لا صنيع المجتهد المطلق أو العالم الاصولي المنصف الذي يعني ببحث القواعد الاصولية على ضوء اصول الشريعة والاستدلال عليها بالكتاب والسنة، دون ميل الى نصرة مذهب معين في الفروع الفقهية.
وتسمى هذه الطريقة طريقة الحنفية لشيوعها فيهم، ممن نهج سبيلها أبو زيد عبيد الله بن عمر الدبوسي، ومحمد بن احمد السرخسي وعلي بن محمد البزدوي.
ولو سلك هؤلاء طريق الاستقراء فاكثروا المسائل الفقهية من ابواب شتى على ان يجمعها وحدة اصولية كما فعل ذلك الشاطبي احيانا في كتاب الموافقات، وقصدوا بذلك الشرح والايضاح، والارشاد الى ما بينها من معنى جامع يقتضي اشتراكها

(1/6)


في الحكم دون تقيد بمذهب معين ليخلصوا الى القاعدة الاصولية، واتبعوا ذلك ما يؤيد الاستقراء من ادلة العقل والنقل لكان طريقة طبيعيا تالفه الفطر السليمة وتعتمده عقول الباحئين المنصفين ولاكسبوا من قرأ في كتبهم استقلالا في الحكم وفتحوا امامهم باب البحث والتنقيب، ويسروا لهم تطبيق القواعد الاصولية على ماجد ويجد من القضايا في مختلف العصور.
واكتفى من جاء بعد هؤلاء باختصار كتب من سبقهم وتلخيصها غالبا على احدى الطريقتين كالبيضاوي في المنهاج، وربما جمع بعضهم في مختصره بين الطريقتين كابن الهمام في تحريره، وقد بلغ كثير من المختصرات حد الالغاز فاضطر من يقرؤها ان يرجع الى الاصول التي منها اختصرت ليتمكن من فهمها أو شرحها.
وخير لمن يزيد فهم علم الاصول على وجهه ويرسخ فيه ان يرجع في قراءته الى كتب الاوئل فانها اقعد، عبارتها ادق واوضح، وتحريرهم لمحل النزاع وحكاتيهم الخلاف اوفق، لانهم بذلك اعرف، ونقاشهم للادلة جار على اصول النقد، وقواعد الجدل، والمناظرة عند العلماء.
هذا ولما عزم الاخ الكريم الشيخ (على بن حمد الصالحي) على طبع كتاب (الاحكام في اصول الاحكام) للامدي لكونه من مراجع الدراسة في (المعهد العالي للقضاء) وانفاد ما طبع منه قبل ذلك سألني طلاب المعهد ان اكتب عليه
كلمات فاستجاب لطلبهم تحقيقا لرغبتهم، واداءا لبعض الواجب على، ولم احاول ان اقف من الكتاب موقف الشارح، فالكتاب واضح العبارة، عالي الاسلوب بسط مؤلفه القول فيه، وارخى لقلمه العنان في بيان معانيه، فهو غني بوضوحه عن الشراح، بل من اراد ذلك منه احتقر عبارة نفسه الى جانب عبارة الامدي.
لذا اقتصرت على نقد دليل، أو التنبيه على خطأ في راي، أو تأويل لنص، أو بيان ضعف حديث، أو تصحيح لتحريف في الاصول التي طبع عليها قدر المطاقة مع الايجاز، ولم أستقص في ذلك لضيق وقتي، وضعف قوتي، وطول الكتاب، وحرص الطابع على اخراج الكتاب بسرعة، وقد اكتفي عن تفصيل القول أو بيان الخطأ في البحث باشارة الى مراجع معتمدة في نظرى.
والله اسال ان يلهمني الرشد والصواب فانه سبحانه الهادي الى سواء السبيل.

(1/7)


وفيما يلي ترجمة للؤلف أحببت ان أقدمها بين يدى الكتاب وتعليقاتي عليه.
(ترجمه السيف الامدي) من الميزان للذهبي، ولسان الميزان لابن حجر، والبداية لابن كثير، والوفيات لابن خلكان، والطبقات لابن السبكي، مع بعض تصرف.
هو أبو الحسن علي بن ابي علي محمد بن سالم التغلبي الامدي.
ولد بآمد " بلدة بديار بكر " عام 551 ه وقدم بغداد وتعلم وتفقه على مذهب الامام احمد بن حنبل وحفظ كتاب الهداية لابي الخطاب، ثم صار شافعيا واشتغل بعلم الخلاف وتفنن في علم النظر ويقال انه حفظ الوسيط لابي حامد الغزالي ويذكر عن ابن عبد السلام انه قال ما علمت قواعد البحث الا من السيف الامدي وما سمعت احدا يلقى الدرس احسن منه، وكان إذا غير لفظة من الوسيط كان اللفظ الذي يأتي به اقرب الى المعني قال ولو ورد على الاسلام من يشك فيه من المتزندقة لتعين
الامدي لمناظرته.
وذكر ابن خلكان انه لما انتقل الى الشام اشتغل بالعلوم العقلية ثم انتقل الى مصر متصدر بالجامع الظافري وانتشرت فضائله فحسده اقوام فسعوا به وكتبوا خطوطهم باتهامه بمذهب الاوائل ولا تعطيل والانحلال وطلبوا من بعضهم ان يوافقهم فكتب.
حسدوا الفتي اذلم ينالوا سعيه * فالقوم اعداء له وخصوم فانتقل الامدي الى حماة وصنف بها التصانيف، ثم انتقل الى دمشق ودرس بالعزيزية ثم عزله الاشرف لاشتغاله بالمنطق وعلوم الفلسفة.
وذكر ان الذهبي في الميزان انه صح عن الامدي انه كان تاركا للصلاة ا ه.
ويظهر ان الذهبي استند في ذلك الى ما نقله في كتابه تاريخ الاسلام عن شيخه القاضي تقي لادين سليمان بن حمزة ابي الفضل المقدسي حكاية عن الشيخ شمس الدين ابن ابي عمر قال كنا نترد على السيف الامدي فشككنا هل يصلي

(1/8)


فتركناه حتى نام، وعلمنا على رجله بالحبر فقيت العلامة نحو يومين مكانها اقول قد يبقي الحبر اياما على العضو مع تتابع الوضوء والغسل وخاصة عضو من لا يرى التدليك فرضنا في الطهارة بل يكتفي باسالة الماء في غسله ووضوئه ولا ادري كيف سكت من كان يتردد عليه الطلب العلم عن الانكار عليه أو النصح له أو الحديث معه في الصلاة ان كان ما ذكروا دليلا عندهم على تركه للصلاة وعلى كل حال فالاصل البراءة حتى يثبت الناقل.
وقال ابن كثير في البداية: كان حنبلي المذهب كثير البكاء رقيق القلب وقد تكلموا فيه باشياء الله اعلم بصحتها والذي يغلب على الظن انه ليس لغالبها صحة وقد كانت ملوك بني ايوب كالمعظم والكامل يكرمونه وان كانوا لا يحبونه كثيرا وقد فوض إليه المعظم التدريس بالعزيزية فلما ولي الاشرف عزله لاشتغاله بالمنطق وعلوم الاوائل، فلزم بيته حتى توفي في صفر سنة 631 ه
عن ثمانين سنة انتهي، وقد برأه ابن كثير مما رمي به في الجملة فانصفه من خصومة وانصفت خصومه منه.
اقول ان الامدي درس الفلسفة باقسامها المختلفة وتوغل فيها وتشعب بها روحه حتى ظهر اثز ذلك في تأليفه.
ومن قرأ كتبه وخاصة ما الفه في علم الكلام واصول الفقه يتبين له ما ذكرت، كما يتبين له منها انه كان قوي العارضة كثير الجدل واسع الخيال كثير التشقيقات في تفصيل المسائل والترديد والسبر والتقسيم في الادلة الى درجة قد تنتهي بالقاريء احيانا الى الحيرة.
فمن كره من الولاة والعلماء منطق اليونان والخوض في سائر علوم الفلسفة وخاصة ما يتعلق منها بالالهيات وكره مثرة الجدل والاسترسال في الخيال والاكثار من تأويل النصوص وذكر الاحتمالات خشية ما تفظي إليه من الحيرة والمتاهات مع قلة الجدوي منها تارة وعدم الفائدة احيانا كالاشراف والذهبي كره الامدي دينا.
وانكر عليه ما رآه منكرا، وقد يجد في كتبه ومسلكه في تأليفها ما يؤيد رأيه فيه ويدعوا الى النيل منه.

(1/9)


ومن لم يكره ذلك ولكنه ضاق ذرعا بالامدي لعجزه عن ان يصل الى ما وصل إليه من التبحر في العلوم، وقوة عارضته وحضور بديهية في الجدل والمناظرة وحسن اسلوبه وبارع بيانه في التدريس وصناعة التأليف حسده حيث لم يؤت مثل ما اوتي في نظره كما في ذكره ابن خلكان عن بعض العلماء في سبب خروجه عن مصر مستفيا.
ومن لم ير بأسا بدراسة المنطق وسائر علوم الفلسفة والف التأويل للنصوص وكثرة الفروض والاحتمالات دراسة ومناظرة وتأليفها رفع من شأن الامدي وعني بالذب عنه وانهال بالملامة على من حط من قدره أو اتهمه في دينه، أو طعن في تأليفه كابن السبكي حيث عاب الذهبي في انتفاصه الامدي.
وقصاري القول ان العلماء لهم منازع شتى ومشارب متباينة فمن اتفقت
نزعاتهم تحاجوا وتناصورا واثني بعضهم على بعض خيرا، ومن اختلف افكارهم ووجهات نظرهم تناحروا وتراموا بالنبال الا من رحم الله.
واسعدهم بالحق من كانت نزعة الى كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ووسعه ما وسع السلف مع رعاية ما ثبت من مقاصد الشريعة باستقراء نصوصها فكلما كان العالم ارعي لذلك والزم له كان اقوم طريقا واهدي سبيلا والمعصوم من عصمه الله وكل احد يؤخذ من قوله ويترك الا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.
وما الامدي الاعالم من علماء البشر يخطىء ويصيب فلننتفع بالصواب من قوله ولنرد عليه خطأه ولنستغفر الله له وليكن شأننا معه كشأننا مع غيره من علماء المسلمين وليكن شعارنا مع الجميع.
(ربنا اغفر لنا ولاخواننا الذين سبقونا بالايمان.
ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا انك رءوف رحيم.
) عبد الرزاق عفيفي

(1/10)


الاحكام في اصول الاحكام تأليف الامام العلامة علي بن محمد الامدي علقعليه العلامة الشيخ عبد الرزاق عفيفي الجزء الاول المكتب الاسلامي

(1/1)


بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله خالق الافلاك ومديرها ومزينها بالشهب الثاقبة ومنيرها وجاعل حركات السيارات دالة على اختلاف احوال الكائنات وتدبيرها ومظهر حكمه في ابداعه لانواع موجودات العالم وتصويرها المتفضل بسوابغ الانعام قليلها وكثيرها.
العادل فيما قضاه وامضاه من الاحكام وتقديرها.
الذي شرف نوع الانسان بالعقل الهادي الى ادلة التوحيد وتحريرخا.
واهل خاصة العلماء لاستثمار احكام الشريعة من مداركها وتقريرها حتى استقرت قاعدة الدين وظهرت حكمته في جمعها وتحبيرها.
واشهد ان لا اله الا الله وحده لا شريك له شهادة منجية من صغير الموبقات وكبيرها واشهد ان محمدا عبده ورسوله الذي ازال واضح برهانه وازاح بصادق بيانه.
ما ظهر من شبه الملحدة وتزويرها.
صلى الله عليه وعلى آله وصحابته المؤازرين له في اظهار دعوته بحدها وتشميرها والسلام.
وبعد: فانه لما كانت الاحكام الشرعية والقضايا الفقهية وسائل مقاصد المكلفين ومناط مصالح الدنيا والدين.
واجل العلوم قدرا واعلاها شرفا وذكرا.
لما يتعلق بها من مصالح العباد في المعاش والمعاد كات اولى بالالتفات إليها.
واجدر بالاعتماد عليها.
وحيث كان لا سبيل الى استثمارها.
دون النظر في مسالكها ولا مطمع في اقتناضها.
من غير التفات الى مداركها كان من اللازمات والقضايا الواجبات البحث في اغوارها.
والكشف عن اسرارها والاحاطة بمعانيها.
والمعرفة بمبانيها حتى تذلل طرق الاستثمار وينقاد جموح غامض الافكار ولذلك كثر تدآبي وطال اغترابي.
في جمع فوائدها.
وتحقيق فرائدها.
من

(1/3)


مباحثات الفضلاء ومطارحات النبلاء حتى لان من معركها ما استصعب على المتداربين وظهر منها ما خفي على حذاق المتبحرين واحطت منها بلباب الالباب.
واحتويت من معانيها على العجب العجاب فاحببت ان اجمع فيها كتابا حاويا
لجميع مقاصد قواعد الاصول مشتملا على حل ما انعقد من غوامضها على ارباب العقول متجنبا للاسهاب وغث الاطناب مميطا للقشرة عن اللباب خدمة لمولانا السلطان الملك المعظم المكرم سلطان الاجواد والامجاد.
اجل العالم وافضل من تمتد إليه اعناق الهمم والعزائم.
ملك ارباب الفضائل.
ناقد خلاص الافاضيل.
باعث اموات الخواطر.
ناشر رفات العلوم.
الدواثر بما خصه الله به من الفضائل التي حاز بها قصب سبق الاولين.
والمناقب التي يقف دون احصائها عد الحاصرين فبيده زمامها.
واليه حلها وإبرامها.
وبه كشف اغوارها.
والميز بين ظلمها وانوارها ادام الله سعادته ادامة لا تغرب طوالعها.
ولا تنضب مشارعها وان كنت فط ضرب المثال كحامل تمر الى هجرة أو طل الى مطره لكنه اقصى درجات القدر.
وغاية منال افكار البشر وارجو ان يصادف منه القبول وان يقع منه الاغضاء عما فيه من الغفلة والذهول.
(وسميته كتاب الاحكام في اصول الاحكام) وقد جعلته مشتملا على اربع قواعد.
الاولى في تحقيق مفهوم اصول الفقه ومباديه.

(1/4)


الثانية في تحقيق الدليل السمعي واقسامه وما يتعلق به من لوازمه واحكامه الثالثة في احكام المجتهدين واحوال المفتين والنستفتين.
الرابعة في ترجيحات طرق المطوبات.
اللهم فيسر ختامه وسهل اتمامه وبصرنا بسلوك مسالك الحق اليقين وجنبنا برحمتك عن طريق الزائغين وسلمنا من غوائل البدع واقطع عنا علائق الطمع وآمنا يوم الخوف والجزع.
انك ملاذ القاصدين.
وكهف الراغبين.
القاعدة الاولى
في تحقيق مفهوم أصول الفقه، وتعريف موضوعه وغايته، وم فيه من البحث عنه من مسائله، وما منه استمداده، وتصوير مباديه وما لا بد من سبق معرفته قبل الخوض فيه فنقول حق على كل من حاول تحصيل علم من العلوم، أن يتصور معناه أولا بالحد أو الرسم ليكون على بصيرة فيما يطلبه، وأن يعرف موضوعه - وهو الشئ الذي يبحث في ذلك العلم عن أحواله العارضة له - تمييزا له عن غيره، وما هو الغاية المقصودة من تحصيله، حتى لا يكون سعيه عبثا، وما عنه البحث فيه من الاحوال التي هي مسائله لتصور طلبها، وما منه استمداده، لصحة إسناده عند روم تحقيقه إليه، وأن يتصور مباديه التي لا بد من سبق معرفتها فيه، لامكان البناء عليها.
أما مفهوم أصول الفقه، فنقول: اعلم أن قول القائل: أصول الفقه قول مؤلف من مضاف، هو الاصول، ومضاف إليه، هو الفقه، ولن نعرف المضاف قبل معرفة المضاف إليه، فلا جرم أنه يجب تعريف معنى الفقه أولا، ثم معنى الاصول ثانيا.

(1/5)


أما الفقه: ففي اللغة عبارة عن الفهم، ومنه قوله تعالى: * (ما نفقه كثيرا مما تقول) * (11) هود: 91): أي لا نفهم، وقوله تعالى: * (ولكن لا تفقهون تسبيحهم) * (17) الاسراء: 44): أي لا تفهمون، وتقول العرب: فقهت كلامك، أي فهمته.
وقيل: هو العلم، والاشبه أن الفهم مغاير للعلم، إذ الفهم عبارة عن جودة الذهن، من جهة تهيئه لاقتناص كل ما يرد عليه من المطالب، وإن لم يكن المتصف به عالما، كالعامي الفطن.
وأما العلم فسيأتي تحقيقه عن قريب.
وعلى هذا فكل عالم فهم، وليس كل فهم عالما.
وفي عرف المتشرعين، الفقه مخصوص بالعلم الحاصل بجملة من الاحكام الشرعية الفروعية، بالنظر والاستدلال.
فالعلم احتراز عن الظن بالاحكام الشرعية، فإنه وإن تجوز بإطلاق اسم الفقه عليه، في العرف العامي، فليس فقها في العرف اللغوي والاصولي، بل الفقه العلم بها أو العلم بالعمل بها بناء على الادراك القطعي، وإن كانت ظنية في نفسها.
وقولنا: بجملة من الاحكام الشرعية احتراز عن العلم بالحكم الواحد، أو الاثنين لا غير، فإنه لا يسمى في عرفهم فقها.
وإنما لم نقل بالاحكام، لان ذلك يشعر بكون الفقه هو العلم بجملة الاحكام.
ويلزم منه أن لا يكون العلم بما دون ذلك فقها، وليس كذلك.
وقولنا: الشرعية احتراز عما ليس بشرعي، كالامور العقلية، والحسية.
وقولنا: الفروعية احتراز عن العلم بكون أنواع الادلة حججا، فإنه ليس فقها في العرف الاصولي، وإن كان المعلوم حكما شرعيا نظريا، لكونه غير فروعي.
وقولنا: بالنظر والاستدلال احتراز عن علم الله تعالى بذلك، وعلم جبريل والنبي عليه السلام فيما علمه بالوحي، فإن علمهم بذلك لا يكون فقها في

(1/6)


العرف الاصولي، إذ ليس طريق العلم في حقهم بذلك النظر والاستدلال.
وأما أصول الفقه: فاعلم أن أصل كل شئ، هو ما يستند تحقيق ذلك الشئ إليه.
فأصول الفقه: هي أدلة الفقه، وجهات دلالاتها على الاحكام الشرعية، وكيفية حال المستدل بها، من جهة الجملة، لا من جهة التفصيل، بخلاف الادلة الخاصة، المستعملة في آحاد المسائل الخاصة.
وأما موضوع أصول الفقه: فاعلم أن موضوع كل علم، هو الشئ الذي
يبحث في ذلك العلم عن أحواله العارضة لذاته.
ولما كانت مباحث الاصوليين في علم الاصول، لا تخرج عن أحوال الادلة الموصلة إلى الاحكام الشرعية المبحوث عنها فيه، وأقسامها، واختلاف مراتبها، وكيفية استثمار الاحكام الشرعية عنها، على وجه كلي، كانت هي موضوع علم الاصول.
وأما غاية علم الاصول: فالوصول إلى معرفة الاحكام الشرعية، التي هي مناط السعادة الدنيوية والاخروية.
وأما مسائله فهي: أحوال الادلة المبحوث عنها فيه مما عرفناه.
وأما ما منه استمداده، فعلم الكلام، والعربية، والاحكام الشرعية: أما علم الكلام: فلتوقف العلم بكون أدلة الاحكام مفيدة لها شرعا، على

(1/7)


معرفة الله تعالى وصفاته، وصدق رسوله فيما جاء به، وغير ذلك مما لا يعرف في غير علم الكلام.
وأما علم العربية: فلتوقف معرفة دلالات الادلة اللفظية، من الكتاب، والسنة، وأقوال أهل الحل والعقد من الامة، على معرفة موضوعاتها لغة، من جهة الحقيقة، والمجاز، والعموم، والخصوص، والاطلاق، والتقييد، والحذف، والاضمار، والمنطوق، والمفهوم، والاقتضاء، والاشارة، والتنبيه، والايماء، وغيره، مما لا يعرف في غير علم العربية.
وأما الاحكام الشرعية: فمن جهة أن الناظر في هذا العلم، إنما ينظر في أدلة الاحكام الشرعية، فلا بد أن يكون عالما بحقائق الاحكام، ليتصور القصد إلى إثباتها ونفيها، وأن يتمكن بذلك من إيضاح المسائل، بضرب الامثلة، وكثرة الشواهد، ويتأهل بالبحث فيها للنظر والاستدلال.
ولا نقول إن استمداده من وجود هذه الاحكام ونفيها في آحاد المسائل، فإنها من هذه الجهة لاثبت لها بغير أدلتها، فلو توقفت الادلة على معرفتها من هذه الجهة، كان دورا ممتنعا.
وأما مبادئه: فاعلم أن مبادئ كل علم هي التصورات والتصديقات المسلمة في ذلك العلم، وهي غير مبرهنة فيه، لتوقف مسائل ذلك العلم عليها.
وسواء كانت مسلمة في نفسها كمبادئ العلم الاعلى، أو غير مسلمة في نفسها، بل مقبولة على سبيل المصادرة، أو الوضع، على أن تبرهن في علم أعلى من ذلك العلم، وما هذه المبادئ في علم الاصول ؟ فنقول: قد عرف أن استمداد علم أصول الفقه، إنما هو من علم الكلام، والعربية، والاحكام الشرعية.
فمبادئه غير خارجة عن هذه الاقسام الثلاثة، فلنرسم في كل مبدإ قسما:

(1/8)


القسم الاول في المبادئ الكلامية فنقول: اعلم أنه لما كانت أصول الفقه، هي أدلة الفقه، وكان الكلام فيها مما يحوج إلى معرفة الدليل، وانقسامه إلى ما يفيد العلم أو الظن، وكان ذلك مما لا يتم دون النظر، دعت الحاجة إلى تعريف معنى الدليل، والنظر، والعلم، والظن، من جهة التحديد والتصوير لا غير.
أما الدليل فقد يطلق في اللغة بمعنى الدال، وهو الناصب للدليل.
وقيل هو الذاكر للدليل، وقد يطلق على ما فيه دلالة وإرشاد.
وهذا هو المسمى دليلا في عرف الفقهاء، وسواء كان موصلا إلى علم أو ظن.
والاصوليون يفرقون بين ما أوصل إلى العلم، وما أوصل إلى الظن،
فيخصون اسم الدليل بما أوصل إلى العلم، واسم الامارة بما أوصل إلى الظن.
وعلى هذا، فحده على أصول الفقهاء: أنه الذي يمكن أن يتوصل بصحيح النظر فيه إلى مطلوب خبري.
فالقيد الاول: احتراز عما لم يتوصل به إلى المطلوب، لعدم النظر فيه، فإنه لا يخرج بذلك عن كونه دليلا، لما كان التوصل به ممكنا.
والقيد الثاني: احتراز عما إذا كان الناظر في الدليل بنظر فاسد.
والثالث: احتراز عن الحد الموصل إلى العلم التصوري.
وهو عام للقاطع والظني.
وأما حده على العرف الاصولي: فهو ما يمكن التوصل به إلى العلم بمطلوب خبري، وهو منقسم إلى عقلي محض، وسمعي محض، ومركب من الامرين.

(1/9)


فالاول: كقولنا في الدلالة على حدوث العالم: العالم مؤلف، وكل مؤلف حادث، فيلزم عنه العالم حادث.
والثاني: كالنصوص من الكتاب، والسنة، والاجماع، والقياس، كما يأتي تحقيقه.
والثالث: كقولنا في الدلالة على تحريم النبيذ: النبيذ مسكر، وكل مسكر حرام - لقوله، عليه السلام: كل مسكر حرام - فيلزم عنه النبيذ حرام.
وأما النظر، فإنه قد يطلق في اللغة بمعنى الانتظار، وبمعنى الرؤية بالعين، والرأفة، والرحمة، والمقابلة، والتفكر، والاعتبار.
وهذا الاعتبار الاخير هو المسمى بالنظر في عرف المتكلمين.
وقد قال القاضي أبو بكر في حده: هو الفكر الذي يطلب به من قام به علما أو ظنا.
وقد احترز بقوله: يطلب به عن الحياة وسائر الصفات المشروطة بالحياة،
فإنها لا يطلب بها ذلك، وإن كان من قامت به يطلبه.
وقصد بقوله: علما أو ظنا التعميم للعلم والظن، ليكون الحد جامعا، وهو حسن، غير أنه يمكن أن يعبر عنه بعبارة أخرى، لا يتجه عليها من الاشكالات ما قد يتجه على عبارة القاضي، على ما بيناه في أبكار الافكار وهو أن يقال: النظر عبارة عن التصرف بالعقل في الامور السابقة بالعلم والظن، للمناسبة للمطلوب بتأليف خاص، قصدا لتحصيل ما ليس حاصلا في العقل وهو عام للنظر المتضمن للتصور والتصديق، والقاطع والظني، وهو منقسم إلى ما وقف الناظر فيه على وجه دلالة الدليل على المطلوب،

(1/10)


فيكون صحيحا، وإلى ما ليس كذلك، فيكون فاسدا.
وشرط وجوده مطلقا العقل وانتفاء أضداده من النوم، والغفلة، والموت، وحصول العلم بالمطلوب، وغير ذلك.
وأما العلم: فقد اختلف المتكلمون في تحديده: فمنهم من زعم أنه لا سبيل إلى تحديده، لكن اختلف هؤلاء: فمنهم من قال: بيان طريق تعريفه إنما هو بالقسمة والمثال، كإمام الحرمين، والغزالي، وهو غير سديد.
فإن القسمة، إن لم تكن مفيدة لتمييزه عما سواه، فليست معرفة له، وإن كانت مميزة له عما سواه.
فلا معنى للتحديد بالرسم سوى هذا.
ومنهم من زعم أن العلم بالعلم ضروري، غير نظري، لان كل ما سوى العلم لا يعلم إلا بالعلم، فلو علم بالغير، كان دورا ولان كل أحد يعلم وجود نفسه ضرورة، والعلم أحد تصورات هذا التصديق، فكان ضروريا.
وهو أيضا غير سديد.
أما الوجه الاول: فلان جهة توقف غير العلم على العلم، من جهة كون العلم إدراكا له، وتوقف العلم على الغير، لا من جهة كون ذلك
الغير إدراكا للعلم، بل من جهة كونه صفة مميزة له عما سواه.
ومع اختلاف جهة التوقف، فلا دور.
وأما الوجه الثاني: فهو مبني على أن تصورات القضية الضرورية لا بد وأن تكون ضرورية، وليس كذلك، لان القضية الضرورية هي التي يصدق العقل بها بعد تصور مفرداتها من غير توقف بعد تصور المفردات على نظر واستدلال، وسواء كانت التصورات ضرورية، أو نظرية.
ومنهم من سلك في تعريفة التحديد.
وقد ذكر في ذلك حدود كثيرة، أبطلناها في أبكار الافكار والمختار في ذلك أن يقال: العلم عبارة عن صفة يحصل بها لنفس المتصف بها التميز بين حقائق المعاني الكلية حصولا لا يتطرق إليه احتمال نقيضه.
فقولنا: صفة كالجنس له ولغيره من الصفات.
وقولنا: يحصل بها التميز احتراز عن الحياة، وسائر الصفات المشروطة بالحياة.
وقولنا: بين حقائق

(1/11)


الكليات احتراز عن الادراكات الجزئية، فإنها إنما تميز بين المحسوسات الجزئية، دون الامور الكلية.
وإن سلكنا مذهب الشيخ أبي الحسن في أن الادراكات نوع من العلم، لم نحتج إلى التقييد بالكليات.
وهو منقسم إلى قديم لا أول لوجوده، وإلى حادث بعد العدم.
والحادث ينقسم إلى ضروري، وهو العلم الحادث الذي لا قدرة للمكلف على تحصيله بنظر واستدلال.
فقولنا: العلم الحادث احتراز عن علم الله تعالى.
وقولنا: لا قدرة للمكلف على تحصيله بنظر واستدلال احتراز عن العلم النظري، والنظري هو العلم الذي تضمنه الصحيح.
وأما الظن: فعبارة عن ترجح أحد الاحتمالين في النفس على الآخر من غير قطع.

(1/12)


القسم الثاني في المبادئ اللغوية كنا بينا فيما تقدم وجه استمداد الاصول من اللغة، فلا بد من تعريف المبادئ المأخوذة منها.
ولنقدم على ذلك مقدمة فنقول: اعلم أنه لما كان نوع الانسان أشرف موجود في عالم السفليات، لكونه مخلوقا لمعرفة الله تعالى التي هي أجل المطلوبات، وأسنى المرغوبات، بما خصه الله به من العقل الذي به إدراك المعقولات، والمميز بين حقائق الموجودات، على ما قال، عليه السلام حكاية عن ربه: كنت كنزا لم أعرف، فخلقت خلقا لا عرف به.
ولما كان هذا المقصود لا يتم دون الاطلاع على المقدمات النظرية، المستندة إلى القضايا الضرورية، المتوسل بها إلى مطلوباته وتحقيق ما جاء به، وكان كل واحد لا يستقل بتحصيل معارفه بنفسه وحده دون معين ومساعد له من نوعه، دعت الحاجة إلى نصب دلائل يتوصل بها كل واحد إلى معرفة ما في ضمير الآخر من المعلومات المعينة له في تحقيق غرضه.
وأخف ما يكون من ذلك ما كان من الافعال الاختيارية، وأخف من ذلك ما كان منها لا يفتقر إلى الآلات والادوات، ولا فيه ضرر الازدحام، ولا بقاء له مع الاستغناء عنه، وهو مقدور عليه في كل الاوقات من غير مشقة ولا نصب.
وذلك هو ما يتركب من المقاطع الصوتية التي خص بها نوع الانسان دون سائر أنواع الحيوان، عناية من الله تعالى به.
ومن اختلاف تركيبات المقاطع الصوتية حدثت الدلائل الكلامية، والعبارات اللغوية.

(1/13)


وهي إما أن لا تكون موضوعة لمعنى، أو هي موضوعة.
والقسم الاول: مهمل لا اعتبار به، والثاني: يستدعي النظر في أنواعه، وابتداء وضعه، وطريق معرفته.
فهذان أصلان لا بد من النظر فيهما.
الاصل الاول في أنواعه - وهي نوعان وذلك لانه إما أن يكون اللفظ الدال بالوضع مفردا، أو مركبا الاول: في المفرد - وفيه ستة فصول.
الفصل الاول في حقيقته أما حقيقته فهو ما دل بالوضع على معنى، ولا جزء له يدل على شئ أصلا، كلفظ الانسان، فإن (إن) من قولنا إنسان، وإن دلت على الشرطية فليست إذ ذاك جزءا من لفظ الانسان، وحيث كانت جزءا من لفظ الانسان، لم تكن شرطية، لان دلالات الالفاظ ليست لذواتها، بل هي تابعة لقصد المتكلم وإرادته.
ونعلم أن المتكلم حيث جعل: إن شرطية، لم يقصد جعلها غير شرطية.
وعلى هذا، فعبد الله، إن جعل علما على شخص، كان مفردا، وإن قصد به النسبة إلى الله تعالى بالعبودية، كان مركبا، لدلالة أجزائه على أجزاء معناه.

(1/14)


الفصل الثاني في أقسام دلالته وهو إما أن تكون دلالته لفظية، أو غير لفظية.
واللفظية: إما أن تعتبر بالنسبة إلى كمال المعنى الموضوع له اللفظ، أو إلى بعضه: فالاول: دلالة المطابقة، كدلالة لفظ الانسان على معناه.
والثاني: دلالة التضمن، كدلالة لفظ الانسان
على ما في معناه من الحيوان، أو الناطق.
والمطابقة أعم من التضمن، لجواز أن يكون المدلول بسيطا لا جزء له.
وأما غير اللفظية، فهي دلالة الالتزام، وهي أن يكون اللفظ له معنى، وذلك المعنى له لازم من خارج، فعند فهم مدلول اللفظ من اللفظ، ينتقل الذهن من مدلول اللفظ إلى لازمه، ولو قدر عدم هذا الانتقال الذهني، لما كان ذلك اللازم مفهوما.
ودلالة الالتزام، وإن شاركت دلالة التضمن في افتقارهما إلى نظر عقلي، يعرف اللازم في الالتزام، والجزء في دلالة التضمن، غير أنه في التضمن لتعريف كون الجزء داخلا في مدلول اللفظ، وفي الالتزام لتعريف كونه خارجا عن مدلول اللفظ.
فلذلك كانت دلالة التضمن لفظية، بخلاف دلالة الالتزام.
ودلالة الالتزام مساوية لدلالة المطابقة ضرورة امتناع خلو مدلول اللفظ المطابق عن لازم، وأعم من دلالة التضمن، لجواز أن يكون اللازم لما لا جزء له.

(1/15)


الفصل الثالث في أقسام المفرد وهو إما أن يصح جعله أحد جزأي القضية الخبرية، التي هي ذات جزأين فقط، أو لا يصح.
فإن كان الاول، فإما أن يصح تركب القضية الخبرية من جنسه، أو لا يصح، فإن كان الاول، فهو الاسم، وإن كان الثاني، فهو الفعل.
وأما قسيم القسم الاول، فهو الحرف.
ولا يلزم على ما ذكرناه، الاسماء النواقص، كالذي والتي، والمضمرات، كهو وهي، حيث إنه لا يمكن جعلها أحد جزأي القضية الخبرية عند تجردها، ولا تركب القضية الخبرية منها
لانها وإن تعذر ذلك فيها عند تجردها فالنواقص عند تعينها بالصلة لا يمتنع ذلك منها، وكذلك المضمرات عند إضافتها إلى المظهرات بخلاف الحروف.
الفصل الرابع في الاسم وهو ما دل على معنى في نفسه، ولا يلزم منه الزمان الخارج عن معناه لبنيته.
ثم لا يخلو إما أن يكون واحدا، أو متعددا: فإن كان واحدا، فمسماه إما أن يكون واحدا، أو متعددا، فإن كان واحدا، فمفهومه منقسم على وجوه.
القسمة الاولى: أنه إما أن يكون بحيث يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون، أو لا يصح.
فإن كان الاول، فهو كلي، وسواء وقعت فيه الشركة بالفعل ما بين أشخاص متناهية كاسم الكوكب، أو غير متناهية كاسم الانسان، أو لم تقع، إما لمانع من خارج كاسم العالم والشمس والقمر، أو بحكم الاتفاق كاسم عناق مغرب، أو جبل من ذهب.

(1/16)


وهو إما أن يكون صفة، أو لا يكون صفة.
والصفة كالعالم والقادر.
وما ليس بصفة، إما أن يكون عينا، كالانسان والفرس.
وإما معنى كالعلم والجهل.
وما كان من هذه الاسماء لا اختلاف في مدلوله بشدة ولا ضعف، ولا تقدم وتأخر.
فهو المتواطئ، كلفظ الانسان والفرس، وإلا فمشكك، كلفظ الوجود والابيض وعلى كل تقدير، إما أن يكون ذاتيا للمشتركات فيه، أو عرضيا.
فإن كان ذاتيا، فالمشتركات فيه إما أن تكون مختلفة بالذوات، أو بالعرض: فإن كان الاول، فإما أن يقال عليها في جواب ما هي، فهو الجنس، أو لا يقال كذلك، فهو ذاتي مشترك إما جنس جنس، أو فصل جنس.
وإن كانت
مختلفة بالعرض، فإما أن يقال عليها في جواب ما أو لا.
والاول هو النوع، والثاني هو فصل النوع.
وإن كان عرضيا، فإن كانت المشتركات مختلفة بالذوات، فهو العرض العام، وإلا فهو الخاصة.
وأما إن كان مفهومه غير صالح لاشتراك كثيرين فيه، فهو الجزئي، وهو إما أن لا يكون فيه تأليف، أو فيه.
والاول إما أن لا يكون مرتجلا، أو هو مرتجل: فإن لم يكن مرتجلا، فإما أن لا يكون منقولا كزيد وعمرو، أو هو منقول.
والمنقول إما عن اسم أو فعل أو صوت.
فإن كان الاول، فإما عن اسم عين كأسد وعقاب، أو اسم معنى كفضل، أو اسم صفة كحاتم، وإن كان الثاني، فإما عن ماض كشمر، أو مضارع كتغلب، أو فعل أمر كاصمت، وإن كان الثالث كببه.

(1/17)


وإن كان مرتجلا، وهو أن لا يكون بينه وبين ما نقل عنه مناسبة كحمدان.
وإن كان مؤلفا، فإما من اسمين مضافين كعبد الله، أو غير مضافين، وأحدهما عامل في الآخر، أو غير عامل.
والاول كتسمية بعض الناس زيد منطلق، والثاني كبعلبك وحضرموت وإما من فعلين كقام قعد، وإما من حرفين كتسميته إنما، وإما من اسم وفعل نحو تأبط شرا، وإما من حرف واسم كتسميته بزيد وإما من فعل وحرف كتسميته قام على.
وأما إن كان الاسم واحدا، والمسمى مختلفا، فإما أن يكون موضوعا على الكل حقيقة بالوضع الاول، أو هو مستعار في بعضها.
فإن كان الاول فهو المشترك، وسواء كانت المسميات متباينة كالجون:
للسواد، والبياض، أو غير متباينة، كما إذا أطلقنا اسم الاسود على شخص من الاشخاص بطريق العلمية، وأطلقناه عليه بطريق الاشتقاق من السواد القائم به، فإن مدلوله عند كونه علما، إنما هو ذات الشخص، ومدلوله عند كونه مشتقا الذات مع الصفة، وهي السواد.
فالذات التي هي مدلول العلم جزء من مدلول اللفظ المشتق، ومدلول اللفظ المشتق وصف لمدلول العلم وإن كان الثاني، فهو المجازي.
وأما إن كان الاسم متعددا، فإما أن يكون المسمى متحدا أو متعددا، فإن كان متحدا، فتلك هي الاسماء المترادفة، كالبهتر والبحتر للقصير، وإن كان المسمى متعددا، فتلك هي الاسماء المتباينة كالانسان والفرس.
مسائل هذه القسمة ثلاث:

(1/18)


المسألة الاولى اختلف الناس في اللفظ المشترك، هل له وجود في اللغة.
فأثبته قوم، ونفاه آخرون.
والمختار جوازه ووقوعه.
أما الجواز العقلي فهو أنه لا يمتنع عقلا أن يضع واحد من أهل اللغة لفظا واحدا على معنيين مختلفين بالوضع الاول على طريق البدل، ويوافقه عليه الباقون، أو أن يتفق وضع إحدى القبيلتين للاسم على معنى حقيقة، ووضع الاخرى له بإزاء معنى آخر، من غير شعور لكل واحدة بما وضعته الاخرى.
ثم يشتهر الوضعان، ويخفى سببه وهو الاشبه.
ولو قدر ذلك لما لزم من فرض وقوعه محال عقلا.
كيف وأن وضع اللفظ تابع لغرض الواضع والواضع كما أنه قد يقصد تعريف الشئ لغيره مفصلا، فقد يقصد تعريفه مجملا غير مفصل، إما لانه علمه كذلك ولم يعلمه مفصلا، أو لمحذور يتعلق بالتفصيل دون الاجمال، فلا
يبعد لهذه الفائدة منهم وضع لفظ يدل عليه من غير تفصيل.
وأما بيان الوقوع، فقد قال قوم إنه لو لم تكن الالفاظ المشتركة واقعة في اللغة مع أن المسميات غير متناهية والاسماء متناهية ضرورة تركبها من الحروف المتناهية، خلت أكثر المسميات عن الالفاظ الدالة عليها مع دعو الحاجة إليها، وهو ممتنع وغير سديد من حيث إن الاسماء، وإن كانت مركبة من الحروف المتناهية، فلا يلزم أن تكون متناهية، إلا أن يكون ما يحصل من تضاعيف التركيبات متناهية، وهو غير مسلم.
وإن كانت الاسماء متناهية، فلا نسلم أن المسميات المتضادة، والمختلفة - وهي التي يكون اللفظ مشتركا بالنسبة إليها - غير متناهية.

(1/19)


وإن كانت غير متناهية، غير أن وضع الاسماء على مسمياتها مشروط بكون كل واحد من المسميات مقصودا بالوضع، وما لا نهاية له مما يستحيل فيه ذلك، ولئن سلمنا أنه غير ممتنع ولكن لا يلزم من ذلك الوضع.
ولهذا فإن كثيرا من المعاني لم تضع العرب بإزائها ألفاظا تدل عليها، لا بطريق الاشتراك ولا التفصيل، كأنواع الروائح، وكثير من الصفات.
قال أبو الحسين البصري: أطلق أهل اللغة اسم القرء على الطهر والحيض، وهما ضدان.
فدل على وقوع الاسم المشترك في اللغة.
ولقائل أن يقول: القول بكونه مشتركا غير منقول عن أهل الوضع، بل غاية المنقول اتحاد الاسم وتعدد المسمى.
ولعله أطلق عليهما باعتبار معنى واحد مشترك بينهما، لا باعتبار اختلاف حقيقتهما، أو أنه حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر، وإن خفي موضع الحقيقة والمجاز.
وهذا هو الاولى.
أما بالنظر إلى الاحتمال الاول، فلما فيه من نفي التجوز والاشتراك،
وأما بالنظر إلى الاحتمال الثاني فلان التجوز أولى من الاشتراك، كما يأتي في موضعه.
والاقرب في ذلك أن يقال: اتفق إجماع الكل على إطلاق اسم الموجود على القديم والحادث حقيقة.
ولو كان مجازا في أحدهما، لصح نفيه إذ هو أمارة المجاز، وهو ممتنع.
وعند ذلك فإما أن يكون اسم الموجود دالا على ذات الرب تعالى، أو على صفة زائدة على ذاته: فإن كان الاول، فلا يخفى أن ذات الرب تعالى مخالفة بذاتها لما سواها من الموجودات الحادثة، وإلا، لوجب الاشتراك بينها وبين ما شاركها في معناها في الوجوب، ضرورة التساوي في مفهوم

(1/20)


الذات، وهو محال.
وإن كان مدلول اسم الوجود صفة زائدة على ذات الرب تعالى، فإما أن يكون المفهوم منه هو المفهوم من اسم الوجود في الحوادث، وإما خلافه.
والاول يلزم منه أن يكون مسمى الوجود في الممكن واجبا لذاته ضرورة أن وجود الباري تعالى واجب لذاته، أو أن يكون وجود الرب ممكنا ضرورة إمكان وجود ما سوى الله تعالى، وهو محال.
وإن كان الثاني لزم منه الاشتراك، وهو المطلوب.
فإن قيل المقصود من وضع الالفاظ إنما هو التفاهم، وذلك غير متحقق مع الاشتراك من حيث إن فهم المدلول منه، ضرورة تساوي النسبة، غير معلوم من اللفظ، والقرائن فقد تظهر، وقد تخفى.
وبتقدير خفائها يختل المقصود من الوضع وهو الفهم.
قلنا: وإن اختل فهم التفصيل على ما ذكروه، فلا يختل معه الفهم في جهة الجملة كما سبق تقريره.
وليس فهم التفصيل لغة من الضروريات، بدليل وضع أسماء الاجناس.
فإنها لا تفيد تفاصيل ما تحتها.
وإن سلمنا أن الفائدة المطلوبة إنما هي

(1/21)


فهم التفصيل، فإنما يمنع ذلك من وضع الالفاظ المشتركة، أن لو لم تكن مفيدة لجميع مدلولاتها بطريق العموم، وليس كذلك، على ما ذهب إليه القاضي والشافعي، رضي الله عنه، كما سيأتي تحقيقه.
وإذا عرف وقوع الاشتراك لغة، فهو أيضا واقع في كلام الله تعالى.
والدليل عليه قوله تعالى: * (والليل إذا عسعس) * (81) التكوير: 17)، فإنه مشترك بين إقبال الليل وإدباره، وهما ضدان، هكذا ذكره صاحب الصحاح.
وما يقوله المانع لذلك: من أن المشترك إن كان المقصود منه الافهام، فإن وجد معه البيان، فهو تطويل من غير فائدة، وإن لم يوجد فقد فات المقصود، وإن لم يكن المقصود منه الافهام فهو عبث وهو قبيح، فوجب صيانة كلام الله عنه فهو مبني على الحسن والقبح الذاتي العقلي، وسيأتي إبطاله.
كيف وقد بينا أن مذهب الشافعي، والقاضي أبي بكر، أن المشترك نوع من أنواع العموم، والعام غير ممتنع في كلام الله تعالى، وبتقدير عدم عمومه، فلا يمتنع أن يكون في الخطاب به فائدة لنيل الثواب بالاستعداد لامتثاله، بتقدير بيانه بظهور دليل يدل على تعيين البعض، وإبطال جميع الاقسام سوى الواحد منها.
المسألة الثانية قد ظن في أشياء أنها مشتركة، وهي متواطئة، وفي أشياء أنها متواطئة، وهي مشتركة.
أما الاول: فكقولنا: مبدأ للنقطة.
والآن، فإنه لما اختلف الموضوع المنسوب إليه، وهو الزمان والخط، ظن الاشتراك في اسم المبدإ، وليس كذلك، فإن إطلاق اسم المبدإ عليهما إنما كان بالنظر إلى أن كل واحد منهما أول لشئ، لا من حيث هو أول للزمان أو الخط.
وهو من هذا الوجه متواطئ، وليس بمشترك.

(1/22)


وأما الثاني، فكقولنا: خمري للون الشبيه بلون الخمر، وللعنب باعتبار أنه يؤول إلى الخمر، وللدواء إذا كان يسكر كالخمر، أو أن الخمر جزء منه، فإنه لما اتحد المنسوب إليه، وهو الخمر، ظن أنه متواطئ، وليس كذلك، فإن اسم الخمري، وإن اتحد المنسوب إليه، إنما كان بسبب النسب المختلفة إليه، ومع الاختلاف فلا تواطؤ.
نعم لو أطلق اسم الخمري في هذه الصور باعتبار ما وقع به الاشتراك من عموم النسبة، وقطع النظر عن خصوصياتها، كان متواطئا.
المسألة الثالثة ذهب شذوذ من الناس إلى امتناع وقوع الترادف في اللغة، مصيرا منهم إلى أن الاصل عند تعدد الاسماء تعدد المسميات، واختصاص كل اسم بمسمى غير مسمى الآخر.
وبيانه من أربعة أوجه: الاول: إنه يلزم من اتحاد المسمى تعطيل فائدة أحد اللفظين لحصولها باللفظ الآخر.
الثاني: إنه لو قيل باتحاد المسمى، فهو نادر بالنسبة إلى المسمى المتعدد بتعدد الاسماء، وغلبة استعمال الاسماء بازاء المسميا ت المتعددة تدل على أنه أقرب إلى تحصيل مقصود أهل الوضع من وضعهم، فاستعمال الالفاظ المتعددة فيما هو على خلاف الغالب خلاف الاصل.
الثالث: إن المؤونة في حفظ الاسم الواحد أخف من حفظ الاسمين، والاصل إنما هو التزام أعظم المشتقين لتحصيل أعظم الفائدتين.
الرابع: إنه إذا اتحد الاسم، دعت حاجة الكل إلى معرفته مع خفة المؤونة في حفظه، فعمت فائدة التخاطب به، ولا كذلك إذا تعددت الاسماء فإن كل واحد على أمرين: بين أن يحفظ مجموع الاسماء، أو البعض منها.
والاول شاق جدا، وقلما يتفق ذلك، والثاني فيلزم منه الاخلال بفائدة التخاطب لجواز اختصاص
كل واحد بمعرفة اسم لا يعرفه الآخر.

(1/23)


وجوابه: أن يقال لا سبيل إلى إنكار الجواز العقلي، فإنه لا يمتنع عقلا أن يضع واحد لفظين على مسمى واحد، ثم يتفق الكل عليه.
أو أن تضع إحدى القبيلتين أحد الاسمين على مسمى، وتضع الاخرى له اسما آخر، من غير شعور كل قبيلة بوضع الاخرى ثم يشيع الوضعان بعد بذلك كيف وإن ذلك جائز بل واقع بالنظر إلى لغتين ضرورة، فكان جائزا بالنظر إلى قبيلتين.
قولهم في الوجه الاول: لا فائدة في أحد الاسمين ليس كذلك، فإنه يلزم منه التوسعة في اللغة، وتكثير الطرق المفيدة للمطلوب، فيكون أقرب إلى الوصول إليه، حيث إنه لا يلزم من تعذر حصول أحد الطريقين تعذر الآخر، بخلاف ما إذا اتحد الطريق.
وقد يتعلق به فوائد أخر في النظم والنثر بمساعدة أحد اللفظين في الحرف الروي، ووزن البيت، والجناس، والمطابقة، والخفة في النطق به، إلى غير ذلك من المقاصد المطلوبة لارباب الادب وأهل الفصاحة.
وما ذكروه في الوجه الثاني، فغير مانع من وقوع الترادف، بدليل الاسماء المشتركة والمجازية.
وما ذكروه في الوجه الثالث، فإنما يلزم المحذور منه، وهو زيادة مؤونة الحفظ، أن لو وظف على كل واحد حفظ جميع المترادفات، وليس كذلك، بل هو مخير في حفظ الكل أو البعض، مع ما فيه من الفائدة التي ذكرناها.
وعن الوجه الرابع، أنه ملغى بالترادف في لغتين، كيف وإنه يلزم من الاخلال بالترادف الاخلال بما ذكرناه من المقاصد أولا، وهو محذور.
ثم الدليل على وقوع الترادف في اللغة، ما نقل عن العرب من قولهم: الصهلب والشوذب من أسماء الطويل، والبهتر والبحتر من أسماء القصير، إلى غير ذلك.
ولا دليل على امتناع ذلك حتى يتبع ما يقوله من يتعسف في هذا الباب في بيان اختلاف المدلولات.
لكنه ربما خفي بعض الالفاظ المترادفة، وظهر البعض، فيجعل الاشهر بيانا للاخفى، وهو الحد اللفظي.

(1/24)


وقد ظن بأسماء أنها مترادفة، وهي متباينة.
وذلك عندما إذا كانت الاسماء لموضوع واحد باعتبار صفاته المختلفة، كالسيف، والصارم، والهندي، أو باعتبار صفته، وصفة صفته، كالناطق، والفصيح، وليس كذلك.
ويفارق المرادف المؤكد من جهة أن اللفظ المرادف لا يزيد مرادفه إيضاحا، ولا يشترط تقدم أحدهما على الآخر، ولا يرادف الشئ بنفسه بخلاف المؤكد.
والتابع في اللفظ، فمخالف لهما فإنه لا بد وأن يكون على وزن المتبوع، وأنه قد لا يفيد معنى أصلا، كقولهم: حس بسن، وشيطان ليطان، ولهذا قال ابن دريد: سألت أبا حاتم عن معنى قولهم: بسن فقال: ما أدري ما هو.
القسمة الثانية: الاسم ينقسم إلى ظاهر، ومضمر، وما بينهما.
وذلك لانه إما أن يقصد به البيان مع الاختصار، أو لا مع الاختصار فالاول هو الظاهر، والثاني إما أن لا يقصد معه التنبيه أو يقصد: فالاول هو المضمر، والثاني ما بينهما.
فأما الاسم الظاهر: إما أن لا يكون آخره ألفا، ولا ياء قبلها كسرة، أو يكون.
فالاول هو الاسم الصحيح، فإن دخله حركة الجر مع التنوين، فهو المنصرف، كزيد وعمرو، وإن لم يكن كذلك، فهو غير منصرف، كأحمد وإبراهيم.
والثاني هو المعتل، فإن كان في آخره ياء قبلها كسرة، فهو المنقوص، كالقاضي والداعي، وإن كان في آخره ألف، فهو المقصور، كالدنيا والاخرى، وإن كان
في آخره همزة قبلها ألف، فهو الممدود، كالرداء والكساء.
وأما المضمر، فهو إما منفصل، وإما متصل: والمنفصل نحو: أنا، ونحن، وهو، وهي ونحوه.
والمتصل نحو: فعلت وفعلنا - وما بينهما فهو اسم الاشارة.
وهو إما أن يكون مفردا، ليس معه تنبيه ولا خطاب، أو يكون.

(1/25)


فالاول، نحو: ذا، وذان، وذين، وأولاء.
وأما إن كان غير مفرد، فإن وجد معه التنبيه لا غير، فنحو: هذا، وهذان.
وإن وجد معه الخطاب، فنحو: ذاك وذانك، وإن اجتمعا معه، فنحو: هذاك، وهاتيك.
ثم ما كان من الاسماء الظاهرة، فلا يكون من أقل من ثلاثة أحرف أصول، نفيا للاجحاف عنه مع قوته بالنسبة إلى الفعل والحرف، إلا فيما شذ من قولهم: يد، ودم، وأب، وأخ ونحوه، مما حذف منه الحرف الثالث.
وما كان من الاسماء المضمرة متصلا، كان من حرف واحد كالتاء من فعلت.
وإن كان منفصلا، فلا يكون من أقل من حرفين، يبتدأ بأحدهما، ويوقف على الآخر: نحو هو، وهي.
وكذلك ما كان من أسماء الاشارة، فلا يكون من أقل من حرفين أيضا، نحو ذا، وذي ونحوه.
وبالجملة فإما أن يدل على شئ بعينه، أو لا بعينه.
فالاول هو: المعرفة، كأسماء الاعلام، والمضمرات، والمبهمات، كأسماء الاشارة، والموصولات، وما دخل عليه لام التعريف، وما أضيف إلى أحد هذه المعارف.
والثاني هو: النكرة، كإنسان وفرس.
وما ألحق بآخره من الاسماء ياء مشددة، مكسور ما قبلها، فهو المنسوب، كالهاشمي والمكي ونحوه.
القسمة الثالثة:
الاسم ينقسم إلى ما هو حقيقة، ومجاز.
أما الحقيقة فهي في اللغة مأخوذة من الحق، والحق هو الثابت اللازم، وهو نقيض الباطل، ومنه يقال حق الشئ حقه، ويقال حقيقة الشئ أي ذاته الثابتة اللازمة، ومنه قوله تعالى: * (ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين) * (39) الزمر: 71) أي وجبت.
وكذلك قوله تعالى: * (حقيق على أن لا أقول) * (7) الاعراف: 105) أي واجب علي.

(1/26)


وأما في اصطلاح الاصوليين، فاعلم أن الاسماء الحقيقية قد يطلقها الاصوليون على لغوية وشرعية.
واللغوية: تنقسم إلى وضعية وعرفية.
والكلام إنما هو في الحقيقة الوضعية، فلنعرفها، ثم نعود إلى باقي الاقسام.
وقد ذكر فيها حدود واهية يستغنى عن تضييع الزمان بذكرها، والحق في ذلك أن يقال: هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في اللغة، كالاسد المستعمل في الحيوان الشجاع العريض الاعالي، والانسان في الحيوان الناطق.
وأما الحقيقة العرفية اللغوية، فهي اللفظ المستعمل فيما وضع له بعرف الاستعمال اللغوي، وهي قسمان: الاول: أن يكون الاسم قد وضع لمعنى عام، ثم يخصص بعرف استعمال أهل اللغة ببعض مسمياته، كاختصاص لفظ الدابة بذوات الاربع عرفا، وإن كان في أصل اللغة لكل ما دب.
وذلك إما لسرعة دبيبه أو كثرة مشاهدته، أو كثرة استعماله، أو غير ذلك.
الثاني: أن يكون الاسم في أصل اللغة بمعنى، ثم يشتهر في عرف استعمالهم بالمجاز الخارج عن الموضوع اللغوي، بحيث إنه لا يفهم من اللفظ عند إطلاقه غيره، كاسم الغائط، فإنه، وإن كان في أصل اللغة للموضع المطمئن من الارض، غير أنه قد اشتهر في عرفهم بالخارج المستقذر من الانسان، حتى إنه لا يفهم من
ذلك اللفظ، عند إطلاقه غيره.
ويمكن أن يكون شهرة استعمال لفظ الغائط من الخارج المستقذر من الانسان، لكثرة مباشرته وغلبة التخاطب به مع الاستنكاف من ذكر الاسم الخاص به، لنفرة الطباع عنه، فكنوا عنه بلازمه، أو لمعنى آخر.
وأما الحقيقة الشرعية، فهي استعمال الاسم الشرعي فيما كان موضوعا له أولا في الشرع.
وسواء كان الاسم الشرعي ومسماه لا يعرفهما أهل اللغة، أو هما معروفان لهم.
غير أنهم لم يضعوا ذلك الاسم لذلك المعنى، أو عرفوا المعنى، ولم يعرفوا الاسم ولم يعرفوا ذلك المعنى كاسم الصلاة،

(1/27)


والحج، والزكاة ونحوه.
وكذلك اسم الايمان والكفر.
لكن ربما خصت هذه بالاسماء الدينية.
وإن شئت أن تحد الحقيقة على وجه يعم جميع هذه الاعتبارات، قلت: الحقيقة هي اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا في الاصطلاح الذي به التخاطب.
فإنه جامع مانع.
وأما المجاز فمأخوذ في اللغة من الجواز، وهو الانتقال من حال إلى حال.
ومنه يقال جاز فلان من جهة كذا إلى كذا، وهو مخصوص في اصطلاح الاصوليين بانتقال اللفظ من جهة الحقيقة إلى غيرها.
وقبل النظر في تحديده، يجب أن تعلم أن المجاز قد يكون لصرف اللفظ عن الحقيقة الوضعية وعن العرفية، والشرعية إلى غيرها، كما كانت الحقيقة منقسمة إلى وضعية وعرفية وشرعية.
وعند هذا نقول: من اعتقد كون المجاز وضعيا، قال في حد المجاز في اللغة الوضعية هو اللفظ المتواضع على استعماله في غير ما وضع له أولا في اللغة لما بينهما من التعلق.
ومن لم يعتقد كونه وضعيا، أبقى الحد بحاله، وأبدل المتواضع عليه بالمستعمل، وعلى هذا فلا يخفى حد التجوز عن الحقيقة العرفية والشرعية.
وإن أردت التحديد على وجه يعم الجميع، قلت: هو اللفظ المتواضع على استعماله أو المستعمل في غير ما وضع له أولا في الاصطلاح الذي به المخاطبة، لما بينهما من التعلق، ونعني بالتعلق بين محل الحقيقة والمجاز أن يكون محل التجوز مشابها لمحل الحقيقة في شكله وصورته، كإطلاق اسم الانسان على المصور على الحائط، أو في صفة ظاهرة في محل الحقيقة، كإطلاق اسم الاسد على الانسان لاشتراكهما في صفة الشجاعة، لا في صفة البخر لخفائها، أو لانه كان حقيقة.
كإطلاق اسم العبد على المعتق، أو لانه يؤول إليه في الغالب، كتسمية العصير خمرا، أو أنه مجاور له في الغالب، كقولهم: جرى النهر والميزاب، ونحوه.

(1/28)


وجميع جهات التجوز، وإن تعددت غير خارجة عما ذكرناه وإنما قيدنا الحد باللفظ، لان الكلام إنما هو في المجاز اللفظي لا مطلقا، وبقولنا: المتواضع على استعماله أو المستعمل في غير ما وضع له أولا تمييزا له عن الحقيقة.
وبقولنا: لما بينهما من التعلق، لانه لو لم يكن كذلك، كان ذلك الاستعمال ابتداء وضع آخر، وكان اللفظ مشتركا لا مجازا.
فإن قيل ما ذكرتموه من الحد غير جامع، لانه يخرج منه التجوز بتخصيص الاسم ببعض مدلولاته في اللغة، كتخصيص لفظ الدابة بذوات الاربع، فإنه مجاز، وهو غير مستعمل في غير ما وضع له أولا، لدخول ذوات الاربع في المدلول الاصلي، ويلزم منه أيضا خروج التجوز بزيادة الكاف في قوله: * (ليس كمثله شئ) * (42) الشورى: 11)، فإنه مجاز، وهو غير مستعمل في إفادة شئ أصلا.
ويخرج أيضا منه التجوز بلفظ الاسد عن الانسان، حالة قصد تعظيمه، وإنما يحصل تعظيمه بتقدير كونه أسدا، لا بمجرد إطلاق اسم الاسد عليه، بدليل ما إذا جعل علما له، ومدلوله إذ ذاك لا يكون غير ما وضع له أولا.
وتدخل فيه الحقيقة العرفية، كلفظ الغائط وإن
كان اللفظ مستعملا في غير موضوعه أولا.
والحقيقة من حيث هي حقيقة لا تكون مجازا.
قلنا: أما الاشكال الاول فمندفع، لانه لا يخفى أن حقيقة المطلق مخالفة لحقيقة المقيد من حيث هما كذلك، فإذا كان لفظ الدابة حقيقة في مطلق دابة، فاستعماله في الدابة المقيدة على الخصوص يكون استعمالا له في غير ما وضع له أولا، وأما الكاف في قوله تعالى: * (ليس كمثله شئ) * (42) الشورى: 11) فليست مستعملة للاسمية كوضعها في اللغة، ولا للتشبيه، وإلا كان معناها: ليس لمثله مثل، وهو مثل لمثيله، فكان تناقضا فكانت مستعملة، لا فيما وضعت له في اللغة أولا، فكانت داخلة في الحد.

(1/29)


وأما التعبير بلفظ الاسد عن الانسان تعظيما له، فليس لتقدير مسمى الاسد الحقيقي فيه، بل لمشاركته له في صفته من الشجاعة.
والحقيقة العرفية وإن كانت حقيقة بالنظر إلى تواضع أهل العرف عليها، فلا تخرج عن كونها مجازا بالنسبة إلى استعمال اللفظ في غير ما وضع له أولا، ولا تناقض، وإذا عرف معنى الحقيقة والمجاز، فمهما ورد لفظ في معنى، وتردد بين القسمين، فقد يعرف كونه حقيقة ومجازا بالنقل عن أهل اللغة، وإن لم يكن نقل فقد يعرف كونه مجازا بصحة نفيه في نفس الامر ويعرف كونه حقيقة بعدم ذلك.
ولهذا فإنه يصح أن يقال لمن سمي من الناس حمارا لبلادته، إنه ليس بحمار، ولا يصح أن يقال إنه ليس بإنسان في نفس الامر لما كان حقيقة فيه.
ومنها أن يكون المدلول مما يتبادر إلى الفهم من إطلاق اللفظ من غير قرينة، مع عدم العلم بكونه مجازا، بخلاف غيره من المدلولات، فالمتبادر إلى الفهم هو الحقيقة، وغيره هو المجاز.
فإن قيل هذا لا يطرد في المجاز المنقول، حيث إنه يسبق إلى الفهم من اللفظ دون حقيقته، فالامر فيهما بالضد مما ذكرتموه وينتقض أيضا باللفظ المشترك، فأنه حقيقة في مدلولاته، مع عدم تبادر شئ منها إلى الفهم عند إطلاقه.
قلنا: أما الاول فمندفع.
وذلك لان اللفظ الوارد، إذا تبادر مدلوله إلى الذهن عند إطلاقه، فإن علم كونه مجازا فهو غير وارد على ما ذكرناه، وإن لم يعلم، فالظاهر أنه يكون حقيقة فيه، لاختصاص ذلك بالحقيقة في الغالب، وإدراج النادر تحت الغالب أولى.
وأما اللفظ المشترك فإن قلنا إنه عام في جميع محامله، فقد اندفع الاشكال.
وإن قلنا إنه لا يتناول إلا واحدا من مدلولاته على طريق البدل، فهو

(1/30)


حقيقة في الواحد على البدل، لا في الواحد عينا.
والذي هو حقيقة فيه فهو متبادر إلى الفهم عند إطلاقه، وهو الواحد على البدل.
والذي لم يتبادر إلى الفهم وهو الواحد المعين غير حقيقة فيه، وفيه دقة.
ومنها أن لا يكون اللفظ مطردا في مدلوله، مع عدم ورود المنع من أهل اللغة والشارع من الاطراد، وذلك كتسمية الرجل الطويل نخلة، إذ هو غير مطرد في كل طويل.
فإن قيل: عدم الاطراد لا يدل على التجوز، فإن اسم السخي حقيقة في الكريم، والفاضل حقيقة في العالم، وهذان المدلولان موجودان في حق الله تعالى، ولا يقال له سخي ولا فاضل، وكذلك اسم القارورة حقيقة في الزجاجة المخصوصة، لكونها مقرا للمائعات، وهذا المعنى موجود في الجرة والكوز، ولا يسمى قارورة، وإن سلمنا ذلك.
ولكن الاطراد لا يدل على الحقيقة، لجواز اطراد بعض المجازات، وعدم الاطراد في بعضها كما ذكرتموه فلا يلزم منه التعميم.
قلنا: أما الاشكال الاول، فقد اندفع بقولنا: إذا لم يوجد مانع شرعي ولا لغوي وفيما أورد من الصور، قد وجد المنع، ولولاه لكان الاسم مطردا فيها.
وأما الثاني، فإنا لا ندعي أن الاطراد دليل الحقيقة، ليلزم ما قيل، بل المدعى أن عدم الاطراد دليل المجاز.
ومنها أن يكون الاسم قد اتفق على كونه حقيقة في غير المسمى المذكور، وجمعه مخالف لجمع المسمى المذكور، فنعلم أنه مجاز فيه، وذلك كإطلاق اسم الامر على القول المخصوص، وعلى الفعل في قوله تعالى: * (وما أمرنا إلا واحدة) * (54) القمر: 50) وقوله تعالى: * (وما أمر

(1/31)


فرعون برشيد) * (11) هود: 97) فإن جمعه في جهة الحقيقة أوامر، وفي الفعل أمور.
ولا نقول إن المجاز لا يجمع والحقيقة تجمع، كما ذكر بعضهم، إذ الاجماع منعقد على التجوز بلفظ الحمار عن البليد، مع صحة تثنيته وجمعه، حيث يقال حماران وحمر.
فإن قيل اختلاف الجمع لا يدل على التجوز في المسمى المذكور، لجواز أن يكون حقيقة فيه، واختلاف الجمع بسبب اختلاف المسمى.
قلنا: الجمع إنما هو للاسم، لا للمسى فاختلافه لا يكون مؤثرا في اختلاف الجمع.
ومنها أن يكون الاسم موضوعا لصفة، ولا يصح أن يشتق لموضوعها منها اسم، مع عدم ورود المنع من الاشتقاق، فيدل على كونه مجازا، وذلك كإطلاق اسم الامر على الفعل.
فإنه لا يشتق لمن قام به منه اسم الآمر.
بخلاف اسم القارورة، فإنه لا يطلق على الكوز والجرة بطريق الاشتقاق من قرار المائع فيه، مع كون اسم القرار فيه حقيقة كما اشتق في الزجاجة المخصوصة لورود المنع من أهل اللغة فيه.
فإن قيل: هذا ينتقض باسم الرائحة القائمة بالجسم، فإنه حقيقة مع عدم الاشتقاق.
قلنا: لا نسلم عدم الاشتقاق.
فإنه يصح أن يقال للجسم الذي قامت به الرائحة متروح.
ومنها أن يكون الاسم مضافا إلى شئ حقيقة، وهو متعذر الاضافة إليه، فيتعين أن يكون مجازا في شئ آخر، وذلك كقوله تعالى: * (واسأل القرية) * (12) يوسف: 82).
فإن قيل: لا يدل ذلك على كونه مجازا في الغير، لجواز أن يكون مشتركا، وتعذر حمل اللفظ المشترك على بعض محامله لا يوجب جعله مجازا في الباقي.
قلنا: هذا مبني على القول بالاشتراك، وهو خلاف الاصل، والمجاز، وإن كان على خلاف الاصل، إلا أن المحذور فيه أدنى من محذور الاشتراك على ما يأتي،

(1/32)


فكان أولى.
وعلى هذا نقول: مهما ثبت كون اللفظ حقيقة في بعض المعاني، لزم أن يكون مجازا فيما عداه، إذا لم يكن بينهما معنى مشترك يصلح أن يكون مدلولا للفظ بطريق التواطؤ.
ومنها أن يكون قد ألف من أهل اللغة أنهم إذا استعملوا لفظا بإزاء معنى، أطلقوه إطلاقا، وإذا استعملوه بإزاء غيره، قرنوا به قرينة، فيدل ذلك على كونه حقيقة فيما أطلقوه مجازا في الغير، وذلك لان وضع الكلام للمعنى إنما كان ليكتفي به في الدلالة.
والاصل أن يكون ذاك في الحقيقة دون المجاز لكونها أغلب في الاستعمال.
ومنها أنه إذا كان اللفظ حقيقة في معنى، ولذلك المعنى متعلق فإطلاقه بإزاء ما ليس له ذلك المتعلق يدل على كونه مجازا فيه، كإطلاق اسم القدرة على الصفة المؤثرة في الايجاد.
فإن لها مقدورا، وإطلاقها على المخلوقات في قولهم: انظر إلى قدرة الله لا مقدور لها.
فإن: قيل التعلق ليس من توابع كون اللفظ حقيقيا، بل من توابع المسمى، ولا يلزم من اختلاف المسمى، إذا كان الاسم في أحدهما حقيقة، أن يكون مجازا في الآخر، لجواز الاشتراك، فجوابه ما سبق.
ومنها أن يكون الاسم الموضوع لمعنى مما يتوقف إطلاقه عليه على تعلقه بمسمى ذلك الاسم في موضع آخر، ولا كذلك بالعكس فيعلم أن المتوقف مجاز، والآخر غير مجاز.
وتشترك الحقيقة والمجاز في امتناع اتصاف أسماء الاعلام بهما، كزيد وعمرو.
وذلك لان الحقيقة على ما تقدم إنما تكون عند استعمال اللفظ فيما وضع له أولا، والمجاز في غير ما وضع له أولا.
وذلك يستدعي كون الاسم الحقيقي والمجازي في وضع اللغة موضوعا لشئ قبل هذا الاستعمال في وضع اللغة.
وأسماء الاعلام ليست كذلك.
فإن مستعملها لم يستعملها فيما وضعه أهل اللغة له أولا، ولا في غيره لانها لم تكن من وضعهم، فلا تكون حقيقة ولا مجازا.

(1/33)


وعلى هذا، فالالفاظ الموضوعة أولا في ابتداء الوضع في اللغة لا توصف بكونها حقيقة ولا مجازا، وإلا كانت موضوعة قبل ذلك الوضع، وهو خلاف الفرض.
وكذلك كل وضع ابتدائي، حتى الاسماء المخترعة ابتداء لارباب الحرف والصناعات لادواتهم وآلاتهم، وإنما تصير حقيقة ومجازا باستعمالها بعد ذلك.
وبهذا يعلم بطلان قول من قال: إن كل مجاز له حقيقة ولا عكس.
وذلك لان غاية المجاز أن يكون مستعملا في غير ما وضع له أولا، وما وضع له اللفظ أولا ليس حقيقة، ولا مجازا، على ما عرف.
وبالنظر إلى ما حققناه في معنى الحقيقة والمجاز، يعلم أن تسمية اللفظ المستعمل فيما وضع له أولا حقيقة، وإن كان حقيقة بالنظر إلى الامر العرفي، غير أنه مجاز بالنظر إلى كونه منقولا من الوجوب والثبوت الذي هو مدلول الحقيقة أولا في اللغة، على ما سبق تحقيقه.
وتشترك الحقيقة والمجاز أيضا أن كل ما كان من كلام العرب، ما عدا
الوضع الاول، فإنه لا يخلو عن الحقيقة والمجاز معا، بل لا بد من أحدهما فيه.
مسائل هذه القسمة خمس:

(1/34)


المسألة الاولى في الاسماء الشرعية ولا شك في إمكانها، إذ لا إحالة في وضع الشارع اسما من أسماء أهل اللغة، أو من غير أسمائهم على معنى يعرفونه، أو لا يعرفونه، لم يكن موضوعا لاسمائهم.
فإن دلالات الاسماء على المعاني ليست لذواتها، ولا الاسم واجب للمعنى، بدليل انتفاء الاسم قبل التسمية، وجواز إبدال اسم البياض بالسواد في ابتداء الوضع، وكما في أسماء الاعلام، والاسماء الموضوعة لارباب الحرف والصناعات لادواتهم وآلاتهم.
وإنما الخلاف نفيا وإثباتا في الوقوع.
والحجاج هاهنا مفروض فيما استعمله الشارع من أسماء أهل اللغة، كلفظ الصوم والصلاة هل خرج به عن وضعهم، أم لا.
فمنع القاضي أبو بكر من ذلك، وأثبته المعتزلة والخوارج والفقهاء احتج القاضي بمسلكين: الاول: أن الشارع لو فعل ذلك، لزمه تعريف الامة بالتوقيف نقل تلك الاسامي، وإلا كان مكلفا لهم بفهم مراده من تلك الاسماء، وهم لا يفهمونه، وهو تكليف بما لا يطاق والتوقيف الوارد في مثل هذه الامور لا بد وأن يكون متواترا لعدم قيام الحجة بالآحاد فيها، ولا تواتر.
وهذه الحجة غير مرضية، أما أولا، فلانها مبنية على امتناع التكليف بما لا يطاق، وهو فاسد على ما عرف من أصول أصحابنا القائلين بخلافه في هذه

(1/35)


المسألة، وإن كان ذلك ممتنعا عند المعتزلة، وبتقدير امتناع التكليف بما لا يطاق، إنما يكون هذا تكليفا بما لا يطاق إذ لو كلفهم بفهمها قبل تفهيمهم.
وليس كذلك.
قوله: التفهيم، إنما يكون بالنقل.
لا نسلم.
وما المانع أن يكون تفهيمهم بالتكرير والقرائن المتضافرة مرة بعد مرة، كما يفعل الوالدان بالولد الصغير، والاخرس في تعريفه لما في ضميره لغيره بالاشارة.
المسلك الثاني: أن هذه الالفاظ قد اشتمل عليها القرآن.
فلو كانت مفيدة لغير مدلولاتها في اللغة، لما كانت من لسان أهل اللغة، كما لو قال: أكرم العلماء وأراد به الجهال أو الفقراء، وذلك لان كون اللفظ عربيا ليس لذاته وصورته، بل لدلالته على ما وضعه أهل اللغة بإزائه، وإلا، كانت جميع ألفاظهم قبل التواضع عليها عربية، وهو ممتنع، ويلزم من ذلك أن لا يكون القرآن عربيا، وهو على خلاف قوله تعالى: * (إنا جعلناه قرآنا عربيا) * (43) الزخرف: 3)، وقوله تعالى: * (بلسان عربي مبين) * (26) الشعراء: 195)، وقوله تعالى: * (وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه) * (14) إبراهيم: 4) وذلك ممتنع.
وهذا المسلك ضعيف أيضا، إذ لقائل أن يقول: لا أسلم أنه يلزم من ذلك خروج القرآن عن كونه عربيا، فإن قيل لانه إذا كان مشتملا على ما ليس بعربي، فما بعضه عربي وبعضه غير عربي، لا يكون كله عربيا.
وفي ذلك مخالفة ظواهر النصوص المذكورة، فيمكن أن يقال: لا نسلم دلالة النصوص على كون القرآن بكليته عربيا لان القرآن قد يطلق على السورة الواحدة منه، بل على الآية الواحدة كما يطلق على الكل.
ولهذا يصح أن يقال للسورة الواحدة: هذا قرآن.
والاصل في الاطلاق الحقيقة، ولان القرآن مأخوذ من الجمع، ومنه يقال: قرأت الناقة لبنها في ضرعها، إذا جمعته، وقرأت الماء في الحوض أي جمعته، والسورة الواحدة فيها معنى الجمع،

(1/36)


لتألفها من حروف وكلمات وآيات، فصح إطلاق القرآن عليها.
غايته أنا خالفنا هذا في غير الكتاب العزيز، فوجب العمل بمقتضى هذا الاصل في الكتاب وبعضه، ولانه لو حلف أنه لا يقرأ القرآن، فقرأ سورة منه، حنث، ولو لم يكن قرآنا، لما حنث.
وإذا كان كذلك فليس الحمل على الكل أولى من البعض.
وعند ذلك أمكن حمله على البعض الذي ليس فيه غير العربية.
فإن قيل: أجمعت الامة على أن الله تعالى لم ينزل إلا قرآنا واحدا، فلو كان البعض قرآنا، والكل قرآنا لزمت التثنية في القرآن، وهو خلاف الاجماع.
وإذا لم يكن القرآن إلا واحدا، تعين أن يكون هو الكل ضرورة الاجماع على تسميته قرآنا.
قلنا: أجمعت الامة على أن الله تعالى لم ينزل إلا قرآنا واحدا، لمعنى أنه لم ينزل غير هذا القرآن، أو بمعنى أن المجموع قرآن، وبعضه ليس بقرآن.
الاول مسلم، والثاني ممنوع.
فإن قيل: ما ذكرتموه من الدليل على كون بعض القرآن قرآنا معارض بما يدل على أنه ليس بقرآن، وهو صحة قول القائل عن السورة والآية: هذا بعض القرآن.
قلنا: المراد به إنما هو بعض الجملة المسماة بالقرآن، وليس في ذلك ما يدل على أن البعض ليس بقرآن حقيقة.
فإن جزء الشئ، إذا شارك كله في معناه، كان مشاركا له في اسمه، ولهذا يقال إن بعض اللحم لحم، وبعض العظم عظم، وبعض الماء ماء، لاشتراك الكل والبعض في المعنى المسمى بذلك الاسم، وإنما يمتنع ذلك فيما كان البعض فيه غير مشارك للكل في المعنى المسمى بذلك الاسم.
ولهذا لا يقال: بعض العشرة عشرة، وبعض المائة مائة، وبعض الرغيف رغيف، وبعض الدار دار، إلى غير ذلك.
وعند ذلك، فما لم يبينوا كون ما نحن فيه
من القسم الثاني دون الاول، فهو غير لازم.
وإن سلمنا التعارض من كل وجه،

(1/37)


فليس القول بالنفي أولى من القول بالاثبات.
وعلى المستدل الترجيح.
وإن سلمنا دلالة النصوص على كون القرآن بجملته عربيا، لكن بجهة الحقيقة، أو المجاز، الاول ممنوع، والثاني مسلم، وذلك لان ما الغالب منه العربية، يسمى عربيا، وإن كان فيه ما ليس بعربي، كما يسمى الزنجي أسود، وإن كان بعضه اليسير مبيضا، كأسنانه، وشحمة عينيه، والرومي أبيض وإن كان البعض اليسير منه أسود، كالناظر من عينيه.
وكذل البيت من الشعر بالفارسية يسمى فارسيا، وإن كان مشتملا على كلمات يسيرة من العربية.
ويدل على هذا التجوز ما اشتمل عليه القرآن من الحروف المعجمة، في أوائل السور، فإنها ليست من لغة العرب في شئ، وأيضا فإن القرآن قد اشتمل على عبادات غير معلومة للعرب، فلا يتصور التعبير عنها في لغتهم.
فلا بد لها من أسماء تدل عليها غير عربية، وأيضا فإن القرآن مشتمل على قوله تعالى: * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * (2) البقرة: 143) وأراد به صلاتكم، وليس الايمان في اللغة بمعنى الصلاة، بل بمعنى التصديق، وعلى قوله: * (أقيموا الصلاة) * (2) البقرة: 43) والصلاة في اللغة بمعنى الدعاء، وفي الشرع عبارة عن الافعال المخصوصة، وعلى قوله تعالى: * (وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43) والزكاة في اللغة عبارة عن النماء والزيادة، وفي الشرع عبارة عن وجوب أداء مال مخصوص، وعلى قوله تعالى: * (كتب عليكم الصيام) * (2) البقرة: 183) والصوم في اللغة عبارة عن مطلق إمساك، وفي الشرع عبارة عن إمساك مخصوص، بل وقد يطلق الصوم في الشرع في حالة لا إمساك فيها، كحالة الآكل ناسيا.
وعلى قوله تعالى: * (ولله على الناس حج البيت) * (3) آل عمران: 97)

(1/38)


والحج في اللغة عبارة عن مطلق قصد، وفي الشرع عبارة عن القصد إلى مكان مخصوص.
وهذا كله يدل على اشتمال القرآن على ما ليس بعربي، فكان إطلاق اسم العربي عليه مجازا.
فإن قيل: أما الحروف المعجمة التي في أوائل السور فهي أسماؤها، وأما العبادات الحادثة فمن حيث إنها أفعال محسوسة معلومة للعرب ومسماة بأسماء خاصة لها لغة، غير أن الشرع اعتبرها في الثواب والعقاب عليها بتقدير الفعل أو الترك.
وليس في ذلك ما يدل على اشتمال القرآن على ما ليس بعربي.
وأما الآيات المذكورة فهي محمولة على مدلولاتها لغة.
أما قوله تعالى: * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * (2) البقرة: 143)، فالمراد به تصديقكم بالصلاة، وقوله تعالى: * (أقيموا الصلاة) * (2) البقرة: 43) فالمراد به الدعاء، وكذلك قوله: * (وآتوا الزكاة) * (2) البقرة: 43)، فالمراد به النمو.
والمراد من الصوم الامساك، ومن الحج القصد.
غير أن الشارع شرط في إجزائها وصحتها شرعا ضم غيرها إليها.
وليس في ذلك ما يدل على تغيير الوضع اللغوي، وإن سلمنا دخول هذه الشروط في مسمى هذه الاسماء، لكن بطريق المجاز، أما في الصلاة، فمن جهة أن الدعاء جزؤها، والشئ قد يسمى باسم جزئه، ومنه قول الشاعر: يناشدني حاميم والرمح شاجر * * فهلا تلا حاميم قبل التقدم وأراد به القرآن، فسماه باسم جزئه.
وكذلك الكلام في الصوم، والزكاة، والحج.
ويمكن أن يقال بأن تسمية الصوم الخاص، وكذلك الزكاة، والحج،
والايمان.
من باب التصرف بتخصيص الاسم ببعض مسمياته لغة، كما في لفظ

(1/39)


الدابة والشارع له ولاية هذا التصرف، كما لاهل اللغة، ويخص الصلاة أن أفعالها، إنما سميت صلاة، لكونها مما يتبع بها فعل الامام.
فإن التالي للسابق من الخيل يسمى مصليا، لكونه تابعا، ويخص الزكاة أن تسمية الواجب زكاة باسم سببه، والتجوز باسم السبب عن المسبب جائز لغة.
والمجاز من اللغة لا من غيرها.
قلنا: أما الحروف فإنها إذا كانت أسماء لآحاد السور، فهي أعلام لها، وليست لغوية.
فقد اشتمل القرآن على ما ليس من لغة العرب.
وما ذكروه في العبادات الحادثة في الشرع فإنما يصح، أن لو لم تكن قد أطلق عليها أسماء لم تكن العرب قد أطلقتها عليها.
ويدل على هذا الاطلاق ما ذكر من الآيات، قولهم: إن هذه الاسماء محمولة على موضوعاتها لغة: غير أن الشارع شرط في إجزائها شروطا لا تصح بدونها، فإن مسمى الصلاة في اللغة هو الدعاء.
وقد يطلق اسم الصلاة على الافعال التي لا دعاء فيها.
كصلاة الاخرس الذي لا يفهم الدعاء في الصلاة حتى يأتي به.
وبتقدير أن يكون الدعاء متحققا، فليس هو المسمى بالصلاة وحده.
ودليله أنه يصح أن يقال إنه في الصلاة حالة كونه غير داع، ولم كان هو المسمى بالصلاة لا غير، لصح عند فراغه من الدعاء أن يقال: خرج من الصلاة.
وإذا عاد إليه، يقال: عاد إلى الصلاة.
وأن لا يسمى الشخص مصليا حالة عدم الدعاء مع تلبسه بباقي الافعال.
وكل ذلك خلاف الاجماع.
قولهم: تسمية هذه الافعال بهذه الاسماء إنما هو بطريق المجاز.
قلنا: الاصل في الاطلاق الحقيقة.
وقولهم: إن الدعاء جزء من هذه الافعال.
والشئ قد يسمى باسم جزئه.
قلنا: كل جزء أو بعض الاجزاء: الاول ممنوع، والثاني مسلم.
ولهذا فإن العشرة لا تسمى خمسة، ولا الكل جزءا، وإن كان بعضه يسمى جزءا، إلى أمثلة كثيرة لا تحصى.

(1/40)


وليس القول بأن ما نحن فيه من القبيل الجائز أولى من غيره، وإن سلمنا صحة ذلك تجوزا.
ولكن ليس القول بالتجوز في هذه الاسماء، وإجراء لفظ القرآن على حقيقته أولى من العكس.
فإن قيل: بل ما ذكرناه أولى، فإن ما ذكرتموه يلزم منه النقل وتغيير اللغة، فيستدعي ثبوت أصل الوضع وإثبات وضع آخر.
والوضع اللغوي لا يفتقر إلى شئ آخر، ولا يلزم منه تغيير، فكان أولى.
وأيضا فإن الغالب من الاوضاع البقاء لا التغيير، وإدراج ما نحن فيه تحت الاغلب أغلب.
قلنا: بل جانب الخصم أولى، لما فيه من ارتكاب مجاز واحد وما ذكرتموه ففيه ارتكاب مجازات كثيرة، فكان أولى.
وعلى هذا فقد اندفع قولهم بالتجوز بجهة التخصيص أيضا.
وما ذكروه من تسمية أفعال الصلاة، لما فيها من المتابعة للامام، فيلزم منه أن لا تسمى صلاة الامام والمنفرد صلاة لعدم هذا المعنى فيها.
وقولهم في الزكاة: أن الواجب سمي زكاة باسم سببه تجوزا، فيلزم عليه أن لا تصح تسميته زكاة، عند عدم النماء في المال، وإن كان النماء حاصلا فالتجوز باسم السبب عن المسبب جائز مطلقا، أو في بعض الاسباب: الاول ممنوع، والثاني مسلم.
ولهذا، فإنه لا يصح تسمية الصيد شبكة، وإن كان نصبها سببا له، ولا يسمى الابن أبا، وإن كان الاب سببا له.
وكذلك لا يسمى العالم إلها، وإن كان الاله تعالى سببا له، إلى غير ذلك من النظائر.
وعند ذلك فليس القول بأن ما نحن فيه، من قبيل التجوز به، أولى من غيره.
وأما المعتزلة فقد احتجوا بما سبق من الآيات، وبقولهم إن الايمان في اللغة هو التصديق، وفي الشرع يطلق على غير التصديق.
ويدل عليه قوله، عليه السلام:

(1/41)


الايمان بضع وسبعون بابا أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الاذى عن الطريق سمي إماطة الاذى إيمانا، وليس بتصديق.
وأيضا فإن الدين في الشرع، عبارة عن فعل العبادات، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، بدليل قوله تعالى: * (وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين) * (98) البينة: 5) إلى آخر الآية.
ثم قال: * (وذلك دين القيمة) * (98) البينة: 5) فكان راجعا إلى كل المذكور، والدين هو الاسلام، لقوله تعالى: * (إن الدين عند الله الاسلام) * (3) آل عمران: 19) والاسلام هو الايمان، فيكون الايمان، في الشرع، هو فعل العبادات.
ودليل كون الايمان هو الاسلام، إنه لو كان الايمان غير الاسلام، لما كان مقبولا من صاحبه، لقوله تعالى: * (ومن يبتغ غير الاسلام دينا، فلن يقبل منه) * (3) آل عمران: 85) وأيضا فإنه استثنى المسلمين من المؤمنين في قوله تعالى: * (فأخرجنا من كان فيها من المؤمنين، فما وجدنا فيها غير بيت من المسلمين) * (51) الذاريات: 35) والاصل أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه.
وأيضا قوله تعالى: * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * (2) البقرة: 143) وأراد به الصلاة إلى بيت المقدس.
وأيضا فإن قاطع الطريق، وإن كان مصدقا، فليس بمؤمن، لانه يدخل النار، بقوله تعالى: * (ولهم في الآخرة عذاب عظيم) * (2) البقرة: 114) والداخل في النار مخزي، لقوله تعالى حكاية عن أهل النار: * (ربنا إنك من تدخل النار فقد أخزيته) * (3) آل عمران: 192) مع التقرير لهم على ذلك.
والمؤمن غير مخزي لقوله تعالى: * (يوم لا يخزي الله النبي والذين أمنوا معه) * (66) التحريم: 8)

(1/42)


وأيضا فإن المكلف يوصف بكونه مؤمنا، حالة كونه غافلا عن التصديق بالنوم وغيره، وأيضا فإنه لو كان الايمان في الشرع، هو الايمان اللغوي، أي التصديق لسمي في الشرع المصدق بشريك الاله تعالى مؤمنا، والمصدق بالله مع إنكار الرسالة مؤمنا، إلى نظائره.
ولقائل أن يقول: أما الآيات السابق ذكرها، فيمكن أن يقال في جوابها إن إطلاق اسم الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، إنما كان بطريق المجاز على ما سبق، والمجاز غير خارج عن اللغة، وتسمية إماطة الاذى عن الطريق إيمانا أمكن أن يكون لكونه دليلا على الايمان فعبر باسم المدلول عن الدال، وهو أيضا جهة من جهات التجوز.
فإن قيل: الاصل إنما هو الحقيقة.
قلنا: إلا أنه يلزم منه التغيير، ومخالفة الوضع اللغوي، فيتقابلان وليس أحدهما أولى من الآخر لما سبق.
وقولهم: إن الايمان هو الاسلام بما ذكروه، فهو معارض بقوله تعالى: * (قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا) * (49) الحجرات: 14)، ولو اتحدا، لما صح هذا القول.
وليس أحدهما أولى من الآخر، بل الترجيح للتغاير، نظرا إلى أن الاصل عند تعدد الاسماء تعدد المسميات، ولئلا يلزم منه التغيير في الوضع.
وبهذا يندفع ما ذكروه من الاستثناء.
وقوله تعالى: * (وما كان الله ليضيع إيمانكم) * (2) البقرة: 143) فالمراد به التصديق بالصلاة،

(1/43)


لا نفس الصلاة، فلا تغيير، وإن كان المراد به الصلاة غير أن الصلاة، لما كانت تدل على التصديق، سميت باسم مدلولها، وذلك مجاز من وضع اللغة.
وقوله تعالى: * (يوم لا يخزي الله النبي والذين آمنوا معه) * (66) التحريم: 8) لا يتناول كل مؤمن، بل من آمن مع النبي، عليه السلام، وهو صريح في ذلك.
وأولئك لم يصدر منهم ما دل صدر الآية عليه، من الحراب لله ورسوله، والسعي في الارض بالفساد الذي أوجب دخول النار في الآية.
ولا يلزم من نفي الخزي عمن آمن مع النبي نفيه عن غيره.
وقولهم: إن المكلف يوصف بالايمان، حالة كونه غافلا عن التصديق بالله تعالى، إنما كان ذلك بطريق المجاز، لكونه كان مصدقا، وأنه يؤول إلى التصديق.
وهو جهة من جهات التجوز.
وما يقال من أن الاصل الحقيقة، فقد سبق جوابه.
كيف وإن ذلك لازم لهم في كل ما يفسرون الايمان به.
ومع اتحاد المحذور، فتقرير الوضع أولى.
والمصدق بشريك الاله تعالى، ليس مؤمنا شرعا، لان الايمان في الشرع مطلق تصديق، بل تصديق خاص، وهو التصديق بالله، وبما جاءت به رسله.
وهو من باب تخصيص الاسم ببعض مسمياته في اللغة، فكان مجازا لغويا، وبه يندفع ما قيل من التصديق بالله، والكفر برسوله، حيث أن مسمى الايمان الشرعي لم يوجد.
وإذا عرف ضعف المأخذ من الجانبين، فالحق عندي في ذلك إنما هو إمكان كل واحد من المذهبين.
وأما ترجيح الواقع منهما، فعسى أن يكون عند غيري تحقيقه.

(1/44)


المسألة الثانية اختلف الاصوليون في اشتمال اللغة على الاسماء المجازية: فنفاه الاستاذ أبو إسحاق، ومن تابعه، وأثبته الباقون وهو الحق.
حجة المثبتين أنه قد ثبت إطلاق أهل اللغة اسم الاسد على الانسان الشجاع، والحمار على الانسان البليد، وقولهم: ظهر الطريق ومتنها، وفلان على جناح السفر، وشابت لمة الليل، وقامت الحرب على ساق، وكبد السماء، إلى غير ذلك، وإطلاق هذه الاسماء لغة مما لا ينكر إلا عن عناد.
وعند ذلك فإما أن يقال إن هذه الاسماء حقيقة في هذه الصور، أو مجازية لاستحالة خلو الاسماء اللغوية عنهما ما سوى الوضع الاول كما سبق تحقيقه، لا جائز أن يقال بكونها حقيقة فيها، لانها حقيقة فيما سواها بالاتفاق.
فإن لفظ الاسد حقيقة في السبع، والحمار في البهيمة، والظهر والمتن والساق والكبد في الاعضاء المخصوصة بالحيوان، واللمة في الشعر إذا جاوز شحمة الاذن.
وعند ذلك فلو كانت هذه الاسماء حقيقية فيما ذكر من الصور، لكان اللفظ مشتركا، ولو كان مشتركا، لما سبق إلى الفهم، عند إطلاق هذه الالفاظ، البعض دون البعض، ضرورة التساوي في الدلالة الحقيقية.
ولا شك أن السابق إلى الفهم من إطلاق لفظ الاسد، إنما هو السبع، ومن إطلاق لفظ الحمار، إنما هو البهيمة، وكذلك في باقي الصور.
كيف وإن أهل الاعصار لم تزل تتناقل في أقوالها وكتبها عن أهل الوضع تسمية هذا حقيقة، وهذا مجازا.

(1/45)


فإن قيل: لو كان في لغة العرب لفظ مجازي، فأما أن يفيد معناه بقرينة، أو لا بقرينة.
فإن كان الاول، فهو مع القرينة لا يحتمل غير ذلك المعنى، فكان مع القرينة حقيقة في ذلك المعنى.
وإن كان الثاني، فهو أيضا حقيقة، إذا لا معنى للحقيقة إلا ما يكون مستقلا بالافادة من غير قرينة.
وأيضا فإنه ما من صورة من الصور، إلا ويمكن أن يعبر عنها باللفظ الحقيقي
الخاص بها.
فاستعمال اللفظ المجازي فيها، مع افتقاره إلى القرينة من غير حاجة، بعيد عن أهل الحكمة والبلاغة في وضعهم.
قلنا: جواب الاول، أن المجاز لا يفيد عند عدم الشهرة إلا بقرينة، ولا معنى للمجاز سوى هذا.
والنزاع في ذلك لفظي، كيف وإن المجاز والحقيقة من صفات الالفاظ دون القرائن المعنوية، فلا تكون الحقيقة صفة للمجموع.
وجواب الثاني، أن الفائدة في استعمال اللفظ المجازي، دون الحقيقة، قد تكون لاختصاصه بالخفة على اللسان، أو لمساعدته في وزن الكلام نظما ونثرا، والمطابقة، والمجانسة، والسجع، وقصد التعظيم، والعدول عن الحقيقي للتحقير، إلى غير ذلك من المقاصد المطلوبة في الكلام.

(1/46)


المسألة الثالثة اختلفوا في دخول الاسماء المجازية في كلام الله تعالى: فنفاه أهل الظاهر، والرافضة.
وأثبته الباقون.
احتج المثبتون بقوله تعالى: * (ليس كمثله شئ) * (42) الشورى: 11) وبقوله تعالى: * (واسأل القرية التي كنا فيها، والعير التي أقبلنا فيها) * (12) يوسف: 82) وبقوله تعالى: * (جدارا يريد أن ينقض) * (18) الكهف: 77).
والاول: من باب التجوز بالزيادة.
ولهذا لو حذفت الكاف بقي الكلام مستقلا.
والثاني: من باب النقصان، فإن المراد به أهل القرية، لاستحالة سؤال القرية، والعير وهي البهائم.
والثالث: من باب الاستعارة، لتعذر الارادة من الجدار وإذا امتنع حمل هذه الالفاظ على ظواهرها في اللغة، فما تكون محمولة عليه هو المجاز.
فإن قيل: لا نسلم التجوز فيما ذكرتموه من الالفاظ، أما قوله تعالى: * (ليس
كمثله شئ) * (42) الشورى: 11) فهو حقيقة في نفي التشبيه، إذ الكاف للتشبيه.
وأما قوله تعالى: * (واسأل القرية) * (12) يوسف: 82) فالمراد به مجتمع الناس، فإن القرية مأخوذة من الجمع، ومنه يقال: قرأت الماء في الحوض، أي جمعته.
وقرأت الناقة لبنها في ضرعها، أي جمعته.
ويقال لمن صار معروفا بالضيافة، مقري ويقري، لاجتماع الاضياف عنده.
وسمي القرآن قرآنا لذلك أيضا، لاشتماله على مجموع السور والآيات.
وأما العير فهي القافلة ومن فيها من الناس.
ثم وإن كان اسم القرية للجدران، والعير للبهائم، غير أن الله تعالى قادر على إنطاقها، وزمن النبوة زمن خرق العوائد، فلا يمتنع نطقها بسؤال النبي لها.

(1/47)


وقوله تعالى: * (جدارا يريد أن ينقض) * (18) الكهف: 77) فمحمول أيضا على حقيقته، لانه لا يتعذر على الله تعالى خلق الارادة فيه.
سلمنا دلالة ما ذكرتموه على التجوز، لكنه معارض بما يدل على عدمه، وذلك لان المجاز كذب، ولذك يصدق نفيه عند قول القائل للبليد حمار، وللانسان الشجاع أسد.
ونقيض النفي الصادق يكون كاذبا، ولان المجاز هو الركيك من الكلام، وكلام الرب تعالى مما يصان عنه.
سلمنا أنه ليس بكذب، غير أنه إنما يصار إليه عند العجز عن الحقيقة، ويتعالى الرب عن ذلك.
سلمنا أنه غير متوقف على العجز عن الحقيقة، غير أنه مما لا يفيد معناه بلفظه دون قرينة، وربما تخفى، فيقع الالتباس على المخاطب، وهو قبيح من الحكيم.
سلمنا أنه لا يفضي إلى الالتباس، غير أنه إذا خاطب بالمجاز، وجب وصفه بكونه متجوزا، نظرا إلى الاشتقاق، كما في الواحد منا، وهو خلاف الاجماع.
سلمنا عدم اتصافه بذلك، غير أن كلام الله تعالى حق فله حقيقة، والحقيقة
مقابلة للمجاز.
والجواب: قولهم: * (ليس كمثله شئ) * (42) الشورى: 11) لنفي التشبيه ليس كذلك، فإنه لو كانت الكاف هاهنا للتشبيه، لكان معنى النفي: ليس مثل مثله شئ.
وهو تناقض، ضرورة أنه مثل لمثله، فالمثل في الآية زائد، والمراد من قولهم مثلك لا يقول هذا المشارك له في صفاته.
وقولهم: المراد من القرية الناس المجتمعون، ليس كذلك لان القرية هي المحل الذي يقع فيه الاجتماع، لا نفس الاجتماع.
ومن ذلك سمي الزمان الذي فيه يجتمع دم الحيض قرأ.
وكذلك يقال القاري لجامع القرآن، والمقري لجامع الاضياف.
قولهم: إن العير هي القافلة المجتمعة من الناس.
قلنا: من الناس والبهائم، لا نفس الناس فقط، ولهذا لا يقال لمجتمع الناس من غير أن يكون معهم بهائم، قافلة.

(1/48)


قولهم لو سأل لوقع الجواب.
قلنا: جواب الجدران والبهائم ثم غير واقع على وفق الاختيار في عموم الاوقات، بل إن وقع، فإنما يقع بتقدير تحدي النبي عليه السلام به.
ولم يكن كذلك فيما نحن فيه فلا يمكن الاعتماد عليه.
ثم وإن أمكن تخيل ما قالوه مع بعده، فبماذا يعتذر عن قوله تعالى: * (تجري من تحتها الانهار) * (2) البقرة: 25) والانهار غير جارية، وعن قوله تعالى: * (واشتعل الرأس شيبا) * (19) مريم: 4) وهو غير مشتعل، وعن قوله تعالى: * (واخفض لهما جناح الذل) * (17) الاسراء: 24) والذل لا جناح له، وقوله تعالى: * (الحج أشهر معلومات) * (2) البقرة: 197) والاشهر ليست هي الحج، وإنما هي طرف لافعال الحج، وقوله تعالى: * (لهدمت صوامع وبيع وصلوات) * (22) الحج: 40) والصلوات لا تهدم، وقوله: * (أو جاء أحد منكم من الغائط) * (4) النساء: 43) وقوله: * (الله نور السموات والارض) * (24) النور: 35) وقوله: * (فاعتدوا عليه بمثل ما
اعتدى عليكم) * (2) البقرة: 194) والقصاص ليس بعدوان، وقوله: * (وجزاء سيئة سيئة مثلها) * (42) الشورى: 40) وقوله: * (الله يستهزئ بهم) * (2) البقرة: 15)، * (ويمكرون ويمكر الله) * (8) الانفال: 30)، وقوله: * (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله) * (5) المائدة: 64)، وقوله تعالى: * (أحاط بهم سرادقها) * (18) الكهف: 29) إلى ما لا يحصى ذكره من المجازات.
وعن المعارضة الاولى بمنع كون المجاز كذبا، فإنه إنما يكون كذبا أن لو أثبت ذلك حقيقة لا مجازا، كيف وإن الكذب مستقبح عند العقلاء، بخلاف الاستعارة والتجوز، فإنه عندهم من المستحسنات.
قولهم: إنه من ركيك الكلام، ليس كذلك، بل ربما كان المجاز أفصح وأقرب إلى تحصيل مقاصد المتكلم البليغ على ما سبق وعن الثانية، بمنع ما ذكروه من اشتراط المصير إلى المجاز بالعجز عن الحقيقة، بل إنما يصار إليه مع القدرة على الحقيقة لما ذكرناه من المقاصد فيما تقدم.
وعن الثالثة، أنها مبنية على القول بالتقبيح العقلي، وقد أبطلناه،

(1/49)


كيف وهو لازم على الخصوم فيما ورد من الآيات المتشابهات.
فما هو الجواب في المتشابهات ؟ هو الجواب لنا هاهنا.
وعن الرابعة، أنه إنما لم يسم، متجوزا، لان ذلك مما يوهم التسمح في أقواله بالقبيح.
ولهذا يفهم منه ذلك عند قول القائل: فلان متجوز في مقاله...(2) فيتوقف إطلاقه في حق الله تعالى على الاطلاق الشرعي ولم يرد.
وعن الخامسة، أن كلام الله وإن كان له حقيقة، فبمعنى كونه صدقا، لا بمعنى الحقيقة المقابلة للمجاز.
المسألة الرابعة اختلفوا في اشتمال القرآن على كلمة غير عربية.
فأثبته ابن عباس وعكرمة،
ونفاه الباقون.
احتج النافون بقوله تعالى: * (ولو جعلناه قرآنا أعجميا، لقالوا لولا فصلت آياته أأعجمي وعربي) * (41) فصلت: 44) فنفى أن يكون أعجميا، وقطع اعتراضهم بتنوعه بين أعجمي وعربي.
ولا ينتفي الاعتراض وفيه أعجمي، وبقوله تعالى: * (بلسان عربي مبين) * (26) الشعراء: 195) وبقوله: * (إنا أنزلناه قرآنا عربيا) * (12) يوسف: 2) وظاهر ذلك ينافي أن يكون فيه ما ليس بعربي.
واحتج المثبتون لذلك بقولهم: القرآن مشتمل على المشكاة.
وهي هندية، وإستبرق، وسجيل بالفارسية، وطه، بالنبطية، وقسطاس، بالرومية، والاب، وهي كلمة لا تعرفها العرب، ولذلك روي عن عمر أنه لما تلا هذه الآية قال: هذه الفاكهة فما الاب

(1/50)


قالوا: ولان النبي عليه السلام مبعوث إلى أهل كل لسان كافة على ما قال تعالى: * (كافة للناس بشيرا ونذيرا) * (34) سبأ: 28) وقال عليه السلام بعثت إلى الاسود والاحمر، فلا ينكر أن يكون كتابه جامعا للغة الكل، ليتحقق خطابه للكل إعجازا وبيانا، وأيضا فإن النبي عليه السلام لم يدع أنه كلامه، بل كلام الله تعالى، رب العالمين، المحيط بجميع اللغات، فلا يكون تكلمه باللغات المختلفة منكرا، غايته أنه لا يكون مفهوما للعرب.
وليس ذلك بدعا، بدليل تضمنه للآيات المتشابهات، والحروف المعجمة في أوائل السور.
أجاب النافون، وقالوا: أما الكلمات المذكورة، فلا نسلم أنها ليست عربية، وغايته اشتراك اللغات المختلفة في بعض الكلمات، وهو غير ممتنع، كما في قولهم: سروال بدل سراويل، وفي قولهم: تنور، فإنه قد قيل إنه مما اتفق فيه جميع اللغات، ولا يلزم من خفاء كلمة الاب على عمر أن لا يكون عربيا، إذ ليس كل كلمات
العربية مما أحاط بها كل واحد من آحاد العرب.
ولهذا قال ابن عباس: ما كنت أدري ما معنى: * (فاطر السموات والارض) * (35) فاطر: 1) حتى سمعت امرأة من العرب تقول: أنا فطرته أي ابتدأته.
وأما بعثته إلى الكل، فلا يوجب ذلك اشتمال الكتاب على غير لغة العرب لما ذكروه.
وإلا لزم اشتماله على جميع اللغات، ولما جاز الاقتصار من كل لغة على كلمة واحدة لتعذر البيان والاعجاز بها.
وما ذكروه فغايته أنه إذا كان كلام الله المحيط بجميع اللغات، فلا يمتنع أن يكون مشتملا على اللغات المختلفة، ولكنه لا يوجبه، فلا يقع ذلك في مقابلة النصوص الدالة على عدمه.

(1/51)


المسألة الخامسة اختلفوا في إطلاق الاسم على مسماه المجازي: هل يفتقر في كل صورة إلى كونه منقولا عن العرب، أو يكفي فيه ظهور العلاقة المعتبرة في التجوز، كما عرفناه أولا، فمنهم من شرط في ذلك النقل مع العلاقة.
ومنهم من اكتفى بالعلاقة لا غير.
احتج الشارطون للنقل بأنه لو اكتفى بالعلاقة لجاز تسمية غير الانسان نخلة، لمشابهته لها في الطول، كما جاز في الانسان، ولجاز تسمية الصيد شبكة، والثمرة شجرة، وظل الحائط حائطا، والابن أبا، تعبيرا عن هذه الاشياء بأسماء أسبابها لما بينها وبين أسبابها من الملازمة في الغالب.
وهي من الجهات المصححة للتجوز.
وليس كذلك.
فدل على أنه لا بد من نقل الاستعمال ولقائل أن يقول: ما المانع أن يكون تحقق العلاقة بين محل الحقيقة ومحل التجوز كافيا في جواز إطلاق الاسم على جهة المجاز، وحيث وجدت العلاقة المجوزة للاطلاق في بعض الصور، وامتنع الاطلاق، فإنما كان لوجود المنع من
قبل أهل اللغة، لا للتوقف على نقل استعمالهم للاسم فيها على الخصوص.
فإن قيل: لو لم يكن نقل استعمال أهل اللغة معتبرا في محل التجوز، فتسميته باسم الحقيقة، إما بالقياس عليه: أو أنه مخترع للواضع المتأخر، الاول ممتنع لما يأتي، والثاني، فلا يكون من لغة العرب.

(1/52)


قلنا: لا يلزم من عدم التنصيص في آحاد الصور من أهل اللغة على التسمية أن يكون كما ذكروه، بل ثم قسم ثالث: وهو أن تنص العرب نصا كليا على جواز إطلاق الاسم الحقيقي على كل ما كان بينه وبينه علاقة منصوص عليها من قبلهم، كما بيناه.
ولا معنى للمجاز إلا هذا.
وهو غير خارج عن لغتهم.
فإن قيل: لو كان الامر على ما ذكرتموه، لكان المنع منهم متحققا مع وجود المطلق، وهو تعارض مخالف للاصل بخلاف ما ذكرناه.
قلنا: أمكن أن يكون المطلق ما ذكرناه مشروطا بعدم ظهور المنع، ومع ظهور المنع، فلا مطلق، وفيه عوص.
واحتج النافون بأن إطلاق المجاز مما لا يفتقر إلى بحث ونظر دقيق في الجهات المصححة في التجوز.
والامر النقلي لا يكون كذلك، وأيضا فإنه لو كان نقليا لما افتقر فيه إلى العلاقة بينه وبين محل الحقيقة، بل لكان النقل فيه كافيا.
ولقائل أن يقول: أما الاول، فالنظر ليس في النقل بل في العلاقة التي بين محل التجوز والحقيقة.
وأما الثاني، فلان الافتقار إلى العلاقة إنما كان لضرورة توقف المجاز، من حيث هو مجاز عليها.
وإلا كان إطلاق الاسم عليه من باب الاشتراك، لا من باب المجاز.
وإذا تقاومت الاحتمالات في هذه المسألة، فعلى الناظر
بالاجتهاد في الترجيح.

(1/53)


القسمة الرابعة: الاسم لا يخلو إما أن يكون بحيث لا يصح أن يشترك في مفهومه كثيرون، أو يصح.
فالاول: اسم العلم، كزيد وعمرو، والثاني: إما أن لا يكون صفة، أو هو صفة: والاول هو اسم الجنس، وهو إما أن يكون عينا، كالانسان والفرس، أو غير عين، كالعلم والجهل، والصفة، كالقائم والقاعد.
وهو الاسم المشتق، والمشتق هو ما غير من أسماء المعاني عن شكله بزيادة أو نقصان في الحروف أو الحركات أو فيهما، وجعل دالا على ذلك المعنى، وعلى موضوع له غير معين، كتسمية الجسم الذي قام به السواد أسود، والبياض أبيض، ونحوه.
ولا يتصور أن يكون المشتق إلا كذلك.
وهل يشترط قيام المشتق منها بما له الاشتقاق، وهل يلزم الاشتقاق من الصفة المعنوية لما قامت به، فذلك مما أوجبه أصحابنا، ونفاه المعتزلة، حيث إنهم جوزوا اشتقاق اسم المتكلم لله تعالى من كلام مخلوق له غير قائم بذاته، ولم يوجبوا الاشتقاق منه للمحل الذي خلق فيه.
وقد عرفنا مأخذ الخلاف من الجانبين، وما هو الصحيح منه في أبكار الافكار فليلتمس.
مسائل هذه القسمة مسألتان: المسألة الاولى في أن بقاء الصفة المشتق منها، هل يشترط في إطلاق اسم المشتق حقيقة، أم لا.
فأثبته قوم، ونفاه آخرون، وقد فصل بعضهم بين ما هو ممكن الحصول، وما ليس ممكنا.
فاشترط
ذلك في الممكن دون غيره.

(1/54)


احتج الشارطون بأنه لو كان إطلاق الضارب على شخص ما حقيقة بعد انقضائه صفة الضرب منه، لما صح نفيه.
ويصح أن يقال إنه في الحال ليس بضارب.
ولقائل أن يقول: صحة سلب الضاربية عنه في الحال، إنما يلزم منه سلبها عنه مطلقا، إذ لو لم يكن أعم من الضاربية في الحال، وهو غير مسلم.
وعند ذلك فلا يلزم من صحة سلب الاخص سلب الاعم.
فإن قيل: قول القائل هذا ضارب لا يفيد سوى كونه ضاربا في الحال، فإذا سلم صحة سلبه في الحال، فهو المطلوب.
قلنا: هذا بعينه إعادة دعوى محل النزاع.
بل الضارب هو من حصل له الضرب، وهو أعم من حصول الضرب له في الحال.
فالضارب أعم من الضارب في الحال.
فإن قيل: وكما أن حصول الضرب أعم من حصول الضرب في الحال، لانقسامه إلى الماضي والحال فهو أعم من المستقبل أيضا، لانقسامه إلى الحال والمستقبل.
فإن صدق اسم الضارب حقيقة باعتبار هذا المعنى الاعم، فليكن اسم الضارب حقيقة قبل وجود الضرب منه، كما كان حقيقة بعد زوال الضرب.
قلنا: الضارب حقيقة من حصل منه الضرب.
وهذا يصدق على من وجد منه الضرب في الماضي أو الحال، بخلاف من سيوجد منه الضرب في المستقبل، فإنه لا يصدق عليه أنه حصل منه الضرب.
وعند ذلك فلا يلزم من صدق الضارب حقيقة على من وجد منه الضرب، صدقه حقيقة على من سيوجد منه الضرب، ولم يوجد.
واحتج النافون بوجوه:

(1/55)


الاول: أن أهل اللغة قالوا: إذا كان اسم الفاعل بتقدير الماضي لا يعمل عمل الفعل، فلا يقال ضارب زيدا أمس، كما يقال بتقدير المستقبل، بل يقال ضارب زيد، أطلقوا عليه اسم الفاعل باعتبار ما صدر عنه من الفعل الماضي.
الثاني: أنه لو كان وجود ما منه الاشتقاق شرطا في صحة الاشتقاق حقيقة، لما كان إطلاق اسم المتكلم والمخبر حقيقة أصلا، لان ذلك لا يصح إلا بعد تحقق الكلام منه والخبر، وهو إنما يتم بمجموع حروفه وأجزائه، ولا وجود للحروف السابقة مع الحرف الاخير أصلا ولا حقا، بامتناع كونه متكلما حقيقة قبل وجود الكلام، فلو لم يكن حقيقة عند آخر جزء من الكلام والخبر مع عدم وجود الكلام والخبر في تلك الحالة، لما كان حقيقة أصلا، وهو ممتنع، وإلا لصح أن يقال إنه ليس بمتكلم إذ هو لازم نفي الحقيقة، ولما حنث من حلف أن فلانا لم يتكلم حقيقة، وإنني لا أكلم فلانا حقيقة، إذا كان قد تكلم أو كلمه.
الثالث: إن الضارب من حصل منه الضرب، ومن وجد منه الضرب في الماضي، يصدق عليه أنه قد حصل منه الضرب فكان ضاربا حقيقة.
ولقائل أن يقول: أما الوجه الاول: فإنه لا يلزم من إطلاق اسم الفاعل عليه أن يكون حقيقة، ولهذا فإنهم قالوا: اسم الفاعل، إذا كان بتقدير المستقبل، عمل عمل الفعل.
فقيل ضارب زيدا غدا، وليس ذلك حقيقة بالاتفاق.
وأما الوجه الثاني: فغير لازم أيضا، إذ للخصم أن يقول: شرط كون المشتق حقيقة إنما هو وجود ما منه الاشتقاق إن أمكن، وإلا فوجود آخر جزء منه.
وذلك متحقق في الكلام والخبر بخلاف ما نحن فيه.
وأما الثالث: فلا نسلم أن اسم الضارب حقيقة على من وجد منه الضرب مطلقا،
بل من الضرب حاصل منه حالة تسميته ضاربا.
ثم يلزم تسمية أجلاء الصحابة كفرة، لما وجد منهم من الكفر السابق، والقائم قاعدا، والقاعد قائما، لما وجد منه من القعود والقيام السابق، وهو غير جائز بإجماع المسلمين وأهل اللسان.
هذا ما عندي في هذه المسألة، وعليك بالنظر والاعتبار.

(1/56)


المسألة الثانية اختلفوا في الاسماء اللغوية: هل ثبتت قياسا أم لا.
فأثبته القاضي أبو بكر، وابن سريج من أصحابنا، وكثير من الفقهاء وأهل العربية.
وأنكره معظم أصحابنا، والحنفية، وجماعة من أهل الادب مع اتفاقهم على امتناع جريان القياس في أسماء الاعلام وأسماء الصفات.
أما أسماء الاعلام: فلكونها غير موضوعة لمعان موجبة لها، والقياس لا بد فيه من معنى جامع، إما معرف وإما داع.
وإذا قيل في حق الاشخاص في زماننا: هذا سيبويه، وهذا جالينوس.
فليس بطريق القياس في التسمية، بل معناه: هذا حافظ كتاب سيبويه وعلم جالينوس بطريق التجوز، كما يقال: قرأت سيبويه، والمراد به كتابه.
وأما أسماء الصفات: الموضوعة للفرق بين الصفات، كالعالم والقادر، فلانها واجبة الاطراد، نظرا إلى تحقق معنى الاسم، فإن مسمى العالم من قام به العلم، وهو متحقق في حق كل من قام به العلم، فكان إطلاق اسم العالم عليه ثابتا بالوضع لا بالقياس، إذ ليس قياس أحد المسميين المتماثلين في المسمى على الآخر أولى من العكس، وإنما الخلاف في الاسماء الموضوعة على مسمياتها مستلزمة لمعان في محالها وجودا وعدما، وذلك كإطلاق اسم الخمر على النبيذ بواسطة مشاركته للمعتصر من العنب في الشدة المطربة المخمرة على العقل، وكإطلاق اسم السارق
على النباش، بواسطة مشاركته للسارقين من الاحياء في أخذ المال على سبيل الخفية، وكإطلاق اسم الزاني على اللائط بواسطة مشاركته للزاني في إيلاج الفرج المحرم، والمختار أنه لا قياس، وذلك لانه إما أن ينقل عن العرب أنهم وضعوا اسم الخمر لكل مسكر، أو للمعتصر من العنب خاصة، أو لم ينقل شئ من ذلك فإن كان الاول، فاسم الخمر ثابت للنبيذ بالتوقيف لا بالقياس.
وإن كان الثاني، فالتعدية تكون على خلاف المنقول عنهم، ولا يكون ذلك من لغتهم.

(1/57)


وإن كان الثالث، فيحتمل أن يكون الوصف الجامع الذي به التعدية دليلا على التعدية، ويحتمل أن لا يكون دليلا، بدليل ما صرح بذلك، وإذا احتمل، واحتمل، فليس أحد الامرين أولى من الآخر.
فالتعدية تكون ممتنعة.
فإن قيل الوصف الجامع، وإن احتمل أن لا يكون دليلا غير أن احتمال كونه دليلا أظهر وبيانه من ثلاثة أوجه: الاول: إن الاسم دار مع الوصف في الاصل وجودا وعدما.
والدوران دليل كون وجود الوصف أمارة على الاسم، فيلزم من وجوده في الفرع وجود الاسم.
الثاني: إن العرب إنما سمت باسم الفرس، والانسان الذي كان في زمانهم، وكذلك وصفوا الفاعل في زمانهم بأنه رفع، والمفعول نصب، وإنما وصفوا بعض الفاعلين والمفعولين، ومع ذلك فالاسم مطرد في زماننا بإجماع أهل اللغة في كل إنسان وفرس، وفاعل ومفعول، وليس ذلك إلا بطريق القياس.
والثالث: قوله تعالى: * (فاعتبروا يا أولي الابصار) * (59) الحشر: 2) وهو عام في كل قياس.
ثم ما ذكرتموه باطل بالقياس الشرعي.
فإن كل ما ذكرتموه من الاقسام بعينه متحقق فيه.
ومع ذلك فالقياس صحيح متبع، وهو أيضا على خلاف مذهب
الشافعي، فإنه سمى النبيذ خمرا، وأوجب الحد بشربه، وأوجب الحد على اللائط قياسا على الزنى، وأوجب الكفارة في يمين الغموس قياسا على اليمين في المستقبل، وتأول حديث: الشفعة للجار بحمله على الشريك في الممر، وقال: العرب تسمي الزوجة جارا، فالشريك أولى.
قلنا: جواب الاول: إن دوران الاسم مع الوصف في الاصل وجودا وعدما لا يدل على كونه علة للاسم، بمعنى كونه داعيا إليه وباعثا، بل إن كان، ولا بد، فبمعنى كونه أمارة، وكما دار مع اسم الخمر مع الشدة المطربة، دار مع خصوص شدة المعتصر من العنب، وذلك غير موجود في النبيذ، فلا قياس.

(1/58)


ثم ما ذكروه منتقض بتسمية العرب للرجل الطويل نخلة، والفرس الاسود، أدهم، والملون بالبياض والسواد، أبلق، والاسم فيه دائر مع الوصف في الاصل وجودا وعدما.
ومع ذلك لم يسموا الفرس والجمل لطوله نخلة، ولا الانسان المسود، أدهم، ولا المتلون من باقي الحيوانات بالسواد والبياض أبلق.
وكل ما هو جوابهم في هذه الصور جوابنا في موضع النزاع.
وجواب الثاني: أن ما وقع الاستشهاد به لم يكن مستند التسمية فيه على الاطلاق، القياس، بل العرب وضعت تلك الاسماء للاجناس المذكورة بطريق العموم، لا أنها وضعتها للمعين، ثم طرد القياس في الباقي.
وجواب الثالث: بمنع العموم في كل اعتبار، وإن كان عاما في المعتبر، فلا يدخل فيه القياس في اللغة.
وأما النقض بالقياس الشرعي فغير متجه، من جهة أن اجتماع الامة من السلف عندنا أوجب الالحاق عند ظن الاشتراك في علة حكم الاصل، حتى إنه لو لم يكن إجماع، لم يكن قياس.
ولا إجماع فيما نحن فيه من الامة السابقة على الالحاق.
فلا قياس.
وأما تسمية الشافعي: رضي الله عنه، النبيذ خمرا، فلم يكن في ذلك مستندا إلى القياس، بل إلى قوله عليه السلام: إن من التمر خمرا وهو توقيف لا قياس، وإيجابه للحد في اللواط، وفي النبش، لم يكن لكون اللواط زنى، ولا لكون النبش سرقة، بل لمساواة اللواط للزنى، والنبش للسرقة في المفسدة المناسبة للحد المعتبر في الشرع.
وأما يمين الغموس: فإنما سميت يمينا لا بالقياس، بل بقوله (ص): اليمن الغموس تدع الديار بلاقع فكان ذلك بالتوقيف.

(1/59)


وأما تسمية الشافعي للشريك جارا، إنما كان بالتوقيف لا بالقياس على الزوجة، وإنما ذكر الزوجة لقطع الاستبعاد في تسمية الشريك جارا، لزيادة قربه بالنسبة إلى الجار الملاصق فقال: الزوجة أقرب من الشريك، وهي جار، فلا يستبعد ذلك فيما هو أبعد منها، وبتقدير أن يكون قائلا بالقياس في اللغة، إلا أن غيره مخالف له.
والحق من قوليهما أحق أن يتبع.
الفصل الخامس في الفعل وأقسامه والفعل ما دل على حدث مقترن بزمان محصل والحدث المصدر، وهو اسم الفعل، والزمان المحصل، الماضي والحال، والمستقبل.
وهو منقسم بحسب انقسام الزمان فالماضي منه، كقام وقعد والحاضر والمستقبل في اللفظ واحد، ويسمى المضارع، وهو ما في أوله إحدى الزوائد الاربع، وهي: الهمزة، والتاء، والنون، والياء، كقولك: أقوم، وتقوم ونقوم، ويقوم.
وتخليص المستقبل عن الحاضر بدخول السين أو سوف
عليه، كقولك: سيقوم وسوف يقوم.
وأما فعل الامر، فما نزع منه حرف المضارعة لا غير، كقولك في يقوم قم، ونحوه.
ويدخل في هذه الاقسام فعل ما لم يسم فاعله، وأفعال القلوب والجوارح، والافعال الناقصة، وأفعال المدح والذم، والتعجب.
والفعل وإن كان كلمة مفردة عند النحاة مطلقا، فعند الحكماء المفرد منه إنما هو الماضي دون المضارع.
وذلك، لان حرف المضارعة في المضارع هو

(1/60)


الدال على الموضوع، معينا كان أو غير معين، والمفرد هو الدال الذي لا جزء له يدل على شئ أصلا على ما سبق تحقيقه في حد المفرد.
وهو بخلاف الماضي، فإنه، وإن دل على الفعل وعلى موضوعه، فليس فيه حرف يدل على الموضوع، فكان مفردا.
وقد ألحق بعضهم ما كان من المضارع الذي في أوله الياء بالماضي في الافراد، دون غيره، لاشتراكهما في الدلالة على الفعل، وعلى موضوع له غير معين، وليس بحق.
فإنهما، وإن اشتركا في هذا المعنى، فمفترقان من جهة دلالة الياء على الموضوع الذي ليس معينا، بخلاف الماضي، حيث إنه لم يوجد منه حرف يدل على الموضوع كما سبق.
الفصل السادس في الحرف وأصنافه الحرف ما دل على معنى في غيره، وهو على أصناف: منها حرف الاضافة، وهو ما يفضي بمعاني الافعال إلى الاسماء.
وهو ثلاثة أقسام: الاول: منه ما لا يكون إلا حرفا كمن، وإلى، وحتى، وفي، والباء، واللام،
ورب، وواو القسم، وتائه.
أما من فهي قد تكون لابتداء الغاية، كقولك: سرت من بغداد، وللتبعيض، كقولك: أكلت من الخبز، ولبيان الجنس، كقولك: خاتم من حديد، وزائدة، كقولك: ما جاءني من أحد.

(1/61)


وأما إلى فهي قد تكون لانتهاء الغاية، كقولك: سرت إلى بغداد، وبمعنى مع، كقوله تعالى: * (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) * (4) النساء: 2)، وأما حتى ففي معنى إلى وأما في فللظرفية، كقولك، وزيد في الدار.
وقد ترد بمعنى على، كقوله تعالى: * (ولاصلبنكم في جذوع النخل) * (20) طه: 71).
وقد يتجوز بها في قولهم، نظرت في العلم الفلاني.
وأما الباء فللالصاق، كقولك: به داء.
وقد تكون للاستعانة، كقولك: كتبت بالقلم.
والمصاحبة، كقولك: اشتريت الفرس بسرجه، وقد ترد بمعنى على، قال الله تعالى: * (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك، ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك) * (3) آل عمران: 75)، أي على قنطار، وعلى دينار، وقد ترد بمعنى من أجل، قال الله تعالى: * (ولم أكن بدعائك رب شقيا) * (19) مريم: 4) أي لاجل دعائك، وقيل بمعنى في دعائك.
وقد تكون زائدة، كقوله تعالى: * (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) * (2) البقرة: 195).
وأما اللام فهي للاختصاص، كقولك: المال لزيد، وقد تكون زائدة، كقوله: ردف لكم.
وأما رب فهي للتقليل، ولا تدخل إلا على النكرة، كقولك: رب رجل عالم.
وأما واو القسم فمبدلة عن باء الالصاق، في قولك: أقسمت بالله.
والتاء مبدلة من الواو في تالله.
القسم الثاني: ما يكون حرفا واسما، كعلى، وعن، والكاف، ومذ، ومنذ.
فأما على فهي للاستعلاء، وهي إما حرف، كقولك: على زيد دين، وإما اسم، كقول الشاعر: غدت من عليه بعدما تظمئها تصل وعن قيض بزيزاء مجهل

(1/62)


وأما عن فللمباعدة: وهي إما حرف، كقوله تعالى: * (فليحذر الذين يخالفون عن أمره) * (24) النور: 63) وإما اسم، كقولك: جلست من عن يمينه.
وأما الكاف فقد تكون حرفا للتشبيه، كقولك: زيد كعمرو.
وقد تكون اسما، كقول الشاعر: يضحكن عن كالبرد المنهم وأما مذ ومنذ فحرفان لابتداء الغاية في الزمان، تقول: ما رأيته مذ اليوم، ومنذ يوم الجمعة.
وقد يكونان اسمين، إذا رفعا ما بعدهما.
القسم الثالث: ما يكون حرفا وفعلا، كحاشا، وخلا، وعدا.
فإنها تخفض ما بعدها بالحرفية، وقد تنصبه بالفعلية ومنها الحرف المضارع للفعل، وهو ينصب الاسم ويرفع الخبر، مثل: إن، وأن، ولكن، وكأن، وليت، ولعل.
ومنها حروف العطف، وهي عشرة: منها أربعة تشتر ك في جميع المعطوف والمعطوف عليه في حكم، غير أنها تختلف في أمور أخرى، وهذه هي الواو، والفاء، وثم وحتى.
أما الواو فقد اتفق جماهير أهل الادب على أنها للجمع المطلق غير مقتضية ترتيبا ولا معية.
ونقل عن بعضهم أنها للترتيب مطلقا، ونقل عن الفراء أنها
للترتيب حيث يستحيل الجمع، كقوله: * (يا أيها الذين آمنوا، اركعوا، واسجدوا) * (22) الحج: 77)، وقيل إنها ترد بمعنى أو كقوله تعالى: * (أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع) * (35) فاطر: 1) قيل، أراد مثنى، أو ثلاث، أو رباع.
وقد ترد للاستئناف، كالواو في قوله تعالى: * (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به) * (3) آل عمران: 7) تقديره، والراسخون يقولون آمنا به وقد ترد بمعنى مع في باب المفعول معه، تقول: جاء البرد والطيالسة.
وقد ترد بمعنى إذ قال الله تعالى: * (ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا) * (3) آل عمران: 154) إلى قوله: * (وطائفة قد أهمتهم أنفسهم) * (3) آل عمران: 154) أي إذ طائفة قد أهمتهم أنفسهم.

(1/63)


احتج القائلون بالجمع المطلق من تسعة أوجه: الاول: أنه لو كانت الواو في قول القائل: رأيت زيدا وعمرا للترتيب، لما صح قوله تعالى: (ادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة) * (2) البقرة: 58) في آية، وفي آية أخرى: * (وقولوا حطة وادخلوا الباب سجدا) * (7) الاعراف: 161) مع اتحاد القضية، لما فيه من جعل المتقدم متأخرا، والمتأخر متقدما.
الثاني: أنه لو كانت للترتيب، لما حسن قول القائل: تقاتل زيد وعمرو إذ لا ترتيب فيه.
الثالث: أنه كان يلزم أن يكون قول القائل: جاء زيد وعمرو كاذبا عند مجيئهما معا، أو تقدم المتأخر، وليس كذلك.
الرابع: أنه كان يلزم أن يكون قوله: رأيت زيدا وعمرا بعده تكريرا، وقبله تناقضا.
الخامس: أنها لو كانت للترتيب، لما حسن الاستفسار عن تقدم أحدهما، وتأخر الآخر، لكونه مفهوما من ظاهر العطف.
السادس: أنه كان يجب على العبد الترتيب، عند قول سيده له، إيت بزيد وعمرو.
السابع: هو أن واو العطف في الاسماء المختلفة جارية مجرى واو الجمع، وفي الاسماء المتماثلة مجرى ياء التثنية، وهما لا يقتضيان الترتيب، فكذلك ما هو جار مجراهما.
الثامن: أن الجمع المطلق معقول، فلا بد له من حرف يفيده، وليس ثم من الحروف ما يفيده سوى الواو بالاجماع فتعين أن يكون هو الواو.
التاسع: أنها لو أفادت الترتيب، لدخلت في جواب الشرط كالفاء، ولا يحسن أن يقال: إذا دخل زيد الدار وأعطه درهما كما يحسن أن يقال: فأعطه درهما.
ولقائل أن يقول: على الوجه الاول: إذا كان من أصل المخالف أن الواو ظاهرة في الترتيب، فلا يمنع ذلك من حملها على غير الترتيب تجوزا، وعلى هذا فحيث تعذر حملها على الترتيب في الآيتين المذكورتين، لا يمنع من استعمالها في غير الترتيب بجهة التجوز.

(1/64)


وكذلك الكلام في قولهم: تقاتل زيد وعمرو ولا يلزم من التجوز بالواو في غير الترتيب أن يتجوز عنه بالفاء وثم، إذ هو غير لازم مع اختلاف الحروف.
وعلى الوجه الثالث: أنه لا يلزم أن يكون كاذبا بتقدير المعية، أو تقدم المتأخر في اللفظ لامكان التجوز بها عن الجمع المطلق، كما لو قال: رأيت أسدا وكان قد رأى إنسانا شجاعا.
وعلى الرابع: أنه إذا قال: رأيت زيدا وعمرا بعده لا يكون تكريرا، لانه يكون مفيدا لامتناع حمله على الجمع المطلق، لاحتمال توهمه بجهة التجوز.
وإذا قال: رأيت زيدا وعمرا قبله لا يكون تناقضا، لكونه مفيدا لارادة جهة التجوز.
وعلى الخامس: أنه إنما حسن الاستفسار لاحتمال اللفظ له تجوزا.
وعلى السادس: أنه إنما لم يجب على العبد الترتيب نظرا إلى قرينة الحال المقتضية لارادة جهة التجوز، حتى إنه لو فرض عدم القرينة، لقد كان ذلك موجبا للترتيب.
فإن قيل: لو كانت الواو حقيقة في الترتيب، فإفادتها للجمع المطلق عند تفسيرها به: إن كان مجازا، فهو خلاف الاصل، وإن كان حقيقة، فليزم منه الاشتراك، وهو أيضا على خلاف الاصل.
قلنا: ولو كانت حقيقة في الجمع المطلق، فإفادتها للترتيب عند تفسيرها به، وإن كان مجازا فهو خلاف الاصل، وإن كان حقيقة كان مشتركا، وهو خلاف الاصل.
وليس أحد الامرين أولى من الآخر فإن قيل: بل ما ذكرناه أولى، لانها إذا كانت حقيقة في الترتيب خلا الجمع المطلق عن حرف يخصه، ويدل عليه، وإذا كانت حقيقة في الجمع المطلق، لم يخل الترتيب عن حرف يدل عليه لدلالة الفاء وثم عليه.
قلنا: فنحن إنما نجعلها حقيقة في الترتيب المطلق المشترك بين الفاء وثم وذلك مما لا تدل عليه الفاء وثم دلالة مطابقة، بل إما بجهة التضمن أو

(1/65)


الالتزام.
وكما أنها تدل على الترتيب المشترك بدلالة التضمن أو الالتزام، فتدل على الجمع المطلق هذه الدلالة.
وعند ذلك فليس إخلاء الترتيب المشترك عن لفظ يطابقه، أولى من إخلاء الجمع المطلق.
وعلى السابع: أن ما ذكروه إنما يلزم أن لو كانت الواو جارية مجرى واو الجمع وياء التثنية مطلقا، وليس كذلك، لانه لا مانع من كونها جارية مجراهما في مطلق الجمع، مع كونها مختصة بالترتيب.
كما في الفاء وثم.
وعلى الثامن: أنه كما أن الجمع المطلق معقول، ولا بد له من حرف يدل عليه فالترتيب المطلق أيضا معقول وبد له من حرف يدل عليه.
وليس ما يفيده
بالاجماع سوى الواو فتعين، كيف وإن الجمع المطلق حاصل بقوله: رأيت زيدا، رأيت عمرا.
وعلى التاسع: أن ما ذكروه منتقض بثم وبعد.
وأما المثبتون للترتيب، فقد احتجوا بالنقل، والحكم، والمعنى أما النقل فقوله تعالى: * (يا أيها الذين آمنوا، اركعوا، واسجدوا) * (22) الحج: 77) فإنه مقتض للترتيب، وأيضا ما روي أنه لما نزل قوله تعالى: * (إن الصفا والمروة من شعائر الله) * (2) البقرة: 58) قال الصحابة للنبي عليه السلام: بم نبدأ ؟ قال: ابدؤوا بما بدأ الله به ولولا أن الواو للترتيب، لما كان كذلك.
وأيضا ما روي أن واحدا قام بين يدي رسول الله وقال: من أطاع الله ورسوله فقد اهتدى، ومن عصاهما فقد غوى فقال عليه السلام بئس خطيب القوم أنت، قل ومن عصى الله ورسوله فقد غوى ولو كانت الواو للجمع المطلق، لما وقع الفرق.

(1/66)


وأيضا ما روي عن عمر أنه قال لشاعر قال: كفى الشيب والاسلام للمرء ناهيا لو قدمت الاسلام على الشيب لاجزتك وكان عمر من أهل اللسان، وذلك يدل على الترتيب.
وأيضا ما روي أن الصحابة أنكروا على ابن عباس، وقالوا له: لم تأمرنا بالعمرة قبل الحج، وقد قال الله: * (وأتموا الحج والعمرة لله) * (2) البقرة: 196) وكانوا أيضا من أهل اللسان وذلك يدل على الترتيب ولولا أن الواو للترتيب، لما كان كذلك.
وأما الحكم، فإنه لو قال الزوج لزوجته قبل الدخول بها: أنت طالق وطالق وطالق وقع بها طلقة واحدة، ولو كانت الواو للجمع المطلق لوقعت الثلاث،
كما لو قال لها: أنت طالق ثلاثا.
وأما المعنى، فهو أن الترتيب في اللفظ يستدعي سببا، والترتيب في الوجود صالح له، فوجب الحمل عليه.
أجاب النافون عن النقل: أما الآية، فلا نسلم أن الترتيب مستفاد منها، بل من دليل آخر، وهو أن النبي عليه السلام صلى ورتب الركوع قبل السجود، وقال: صلوا كما رأيتموني أصلي ولو كانت الواو للترتيب، لما احتاج النبي عليه السلام إلى هذا البيان.
وأما قوله عليه السلام: ابدؤوا بما بدأ الله به فهو دليل عليهم، حيث سأله الصحابة عن ذلك مع أنهم من أهل اللسان، ولو كانت الواو للترتيب لما احتاجوا إلى ذلك السؤال.
ولقائل أن يقول: ولو كانت للجمع المطلق، لما احتاجوا إلى السؤال، فيتعارضان، ويبقى قوله عليه السلام: ابدؤوا بما بدأ الله به وهو دليل الترتيب.
وأما قوله عليه السلام: قل ومن عصى الله ورسوله فقد غوى إنما قصد به إفراد ذكر الله تعالى أولا مبالغة في تعظيمه، لا أن الواو للترتيب، ويدل عليه أن معصية الله ورسوله لا انفكاك لاحداهما عن الاخرى، حتى يتصور فيهما الترتيب.

(1/67)


وأما قول عمر، فمبني على قصد التعظيم بتقديم ذكر الاعظم، على قصد الترتيب.
وأما قصة الصحابة مع ابن عباس، فلم يكن مستند إنكارهم لامره بتقديم العمرة على الحج، كون الآية مقتضية لترتيب العمرة بعد الحج، بل لانها مقتضية للجمع المطلق، وأمره بالترتيب مخالف لمقتضى الآية، كيف وإن فهمهم لترتيب العمرة على الحج من الآية معارض بما فهمه ابن عباس، وهو ترجمان القرآن.
وأما الحكم فهو ممنوع على أصل من يعتقد أن الواو للجمع المطلق.
وبه
قال أحمد بن حنبل، وبعض أصحاب مالك، والليث بن سعد، وربيعة بن أبي ليلى.
وقد نقل عن الشافعي ما يدل عليه في القديم.
وإن سلم ذلك، فالوجه في تخريجه أن يقال: إذا قال لها أنت طالق ثلاثا، فالاخير تفسير للاول، والكلام يعتبر بجملته، بخلاف قوله: أنت طالق وطالق وطالق.
وأما المعنى فهو منقوض بقوله: رأيت زيدا، رأيت عمرا فإن تقديم أحد الاسمين في الذكر لا يستدعي تقديمه في نفس الامر إجماعا.
كيف وإنه يجوز أن يكون السبب في تقديمه ذكرا لزيادة حبه له واهتمامه بالاخبار عنه، أو لانه قصد الاخبار عنه لا غير، ثم تجدد له قصد الاخبار عن الآخر عند إخباره عن الاول.
وبالجملة فالكلام في هذه المسألة متجاذب، وإن كان الارجح هو الاول في النفس.
وأما الفاء وثم وحتى، فإنها تقتضي الترتيب.
وتختلف من جهات أخر.
فأما الفاء فمقتضاها إيجاب الثاني بعد الاول من غير مهلة.
هذا مما اتفق الادباء على نقله عن أهل اللغة.
وقوله تعالى * (وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا) * (7) الاعراف: 4) وإن كان مجئ البأس لا يتأخر عن الهلاك، فيجب تأويله بالحكم بمجئ البأس بعد هلاكها ضرورة موافقة للنقل.
وقوله تعالى: * (لا تفتروا على الله كذبا

(1/68)