صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الرسائل الشخصية
المؤلف : محمد بن عبدالوهاب
عدد الأجزاء : 1
مصدر الكتاب : موقع مشكاة الإسلامية
قام بالفهرسة / أبو أيوب السليمان 1427هـ

أن الباطل يصير أكثر من الحق وأن الدين يصير غريباً، ولو لم يكن في ذلك إلا قوله صلى الله عليه وسلم : (( ستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة )) هل بعد هذا البيان بيان يا ويلك، كيف تأمر بعد هذا باتباع أكثر الناس ؟ ومعلوم أن أهل أرضنا وأرض الحجاز الذي ينكر البعث منهم أكثر ممن يقرّ به، وأن الذي يعرف الدين أقل ممن لا يعرفه، والذي يضيع الصلوات أكثر من الذي يحافظ عليها، والذي يمنع الزكاة أكثر ممن يؤديها، فإن كان الصواب عندكَ اتباع هؤلاء فبين لنا، وإن كان عنزة وآل ظفير وأشباههم من البوادي هو السواد الأعظم ولقيت في علمك وعلم أبيك أن اتباعهم حسن فاذكر لنا ونحن نذكر كلام أهل العلم في معنى تلك الأحاديث ليتبين للجهال الذين موهت عليهم.
قال ابن القيم رحمه الله في ( أعلام الموقعين ) : واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق وإن كان وحده وإن خالفه أهل الأرض. وقال عمرو بن ميمون سمعت ابن مسعود يقول : (( سيلي عليكم ولاة يؤخرون الصلاة عن وقتها فصل الصلاة وحدك) وهي الفريضة ((ثم صل معهم لك نافلة )). قلت : يا أصحاب محمد، ما أدري ما تحدثون، قال : وما ذاك ؟ قلت : تأمرني بالجماعة ثم تقول صلّ الصلاة وحدك !. قال : يا عمرو بن ميمون، لقد كنت أظنك من أفقه أهل هذه القرية، أتدري ما الجماعة ؟ قلت : لا، قال : جمهور الجماعة هم الذين فارقوا الجماعة والجماعة ما وافق الحق وإن كنت وحدك.

(1/143)


وقال نعيم بن حماد : إذا فسدت الجماعة فعليك بما كان عليه الجماعة قبل أن تفسد الجماعة، وإن كنت وحدك فإنك أنت الجماعة حينئذ، وقال بعض الأئمة وقد ذكر له السواد الأعظم أتدري ما السواد الأعظم هو محمد بن أسلم الطوسي وأصحابه الذين جعلوا السواد الأعظم والحجة والجمهور والجماعة فجعلوهم عياراً على السنة وجعلوا السنة بدعة، وجعلوا المعروف منكراً لقلة أهله وتفردهم في الأعصار والأمصار وقالوا : (( من شذ شذ في النار )) وعرف المتخلفون أن الشاذ ما خالف الحق وإن كان عليه الناس كلهم إلا واحداً فهم الشاذون، وقد شذ الناس كلهم في زمن أحمد بن حنبل إلا نفراً يسيراً فكانوا هم الجماعة، وكانت القضاة يومئذ والمفتون والخليفة وأتباعهم كلهم هم الشاذون، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة، ولما لم تحمل ذلك عقول الناس قالوا للخليفة يا أمير المؤمنين أتكون أنت وقضاتك وولاتك والفقهاء والمفتون على الباطل، وأحمد وحده على الحق فلم يتسع علمه لذلك فأخذه بالسياط والعقوبة بعد الحبس الطويل فلا إله إلا الله ما أشبه الليلة بالبارحة انتهى كلام ابن القيم يا سلامه ولد أم سلامة. هذا كلام الصحابة في تفسير السواد الأعظم، وكلام التابعين، وكلام السلف وكلام المتأخرين حتى ابن مسعود ذكر في زمانه أن أكثر الناس فارقوا الجماعة، وأبلغ من هذه الأحاديث المذكورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من غربة الإسلام وتفرق هذه الأمة أكثر من سبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة فإن كنت وجدت في علمك وعلم أبيك ما يرد على رسول الله صلى الله عليه وسلم والعلماء، وإن عنزة وآل ظفير والبوادي يجب علينا اتباعهم فأخبرونا. كتبه محمد بن عبد الوهاب وصلى الله على محمد وآله وسلم )).

(1/144)


الرسالة الخامسة والثلاثون
(ص 239 )
ومنها رسالة أرسلها إلى مطاوعة أهل الدرعية وهو إذ ذاك في بلد العيينة قال فيها :
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الله بن عيسى وابنه عبد الوهاب وعبد الله بن عبد الرحمن حفظهم الله تعالى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. وبعد : فقد ذكر لي أحمد أنه مشكل عليكم الفتيا بكفر هؤلاء الطواغيت، مثل أولاد شمسان وأولاد إدريس والذين يعبدونهم مثل طالب وأمثاله. فيقال : أولا دين الله تعالى ليس لي دونكم فإذا أفتيت أو عملت بشئ وعلمتم أني مخطئ وجب عليكم تبين الحق لأخيكم المسلم، وإن لم تعلموا وكانت المسألة من الواجبات مثل التوحيد فالواجب عليكم أن تطلبوا وتحرصوا حتى تفهموا حكم الله ورسوله في تلك المسألة، وما ذكر أهل العلم قبلكم فإذا تبين حكم الله ورسوله بياناً كالشمس فلا ينبغي لرجل يؤمن بالله واليوم الآخر أن يرده لكونه مخالفاً لهواه أو لما عليه أهل وقته ومشايخه فإن الكفر كما قال ابن القيم في نونيته :
فالكفر ليس سوى العناد ورد ما جاء الرسول به لقول فلان
فانظر لعلك هكذا دون التي قد قالها فتبوء بالخسران

(1/145)


ومتى لم تتبين لكم المسألة لم يحل لكم الإنكار على من أفتى أو عمل حتى يتبين لكم خطؤه بل الواجب السكوت والتوقف، فإذا تحققتم الخطأ بينتموه ولم تهدروا جميع المحاسن لأجل مسألة أو مائة أو مائتين أخطأت فيهن فإني لا أدعي العصمة وأنتم تقرون أن الكلام الذي بينته في معنى لا إله إلا الله هو الحق الذي لا ريب فيه، سبحان الله إذا كنتم تقرون بهذا فرجل بين الله به دين الإسلام، وأنتم ومشايخكم ومشايخهم لم يفهموه ولم يميزوا بين دين محمد صلى الله عليه وسلم ودين عمرو بن لحى الذي وضعه للعرب بل دين عمرو عندهم دين صحيح ويسمونه رقة القلب والاعتقاد في الأولياء، ومن لم يفعل فهو متوقف لا يدري ما هذا ولا يفرق بينه وبين دين محمد صلى الله عليه وسلم، فالرجل الذي هداكم الله به لهذا إن كنتم صادقين لو يكون أحب إليكم من أموالكم وأولادكم لم يكن كثيراً فكيف يقال أفتى في مسألة الوقف ؟ أفتى في كذا أفتي في كذا كلها ولله الحمد على الحق إلا أنها مخالفة لعادة الزمان ودين الآباء، وأنا إلى الآن أطلب الدليل من كل من خالفني فإذا قيل له استدل أو اكتب أو اذكر حاد عن ذلك وتبين عجزه لكن يجتهدون الليل والنهار في صد الجهال عن سبيل الله ويبغونها عوجا اللهم إلا إن كنتم تعتقدون أن كلامي باطل وبدعة مثل ما قال غيركم، وأن الاعتقاد في الزاهد وشمسان والمطيوية والاعتماد عليهم هو الدين الصحيح وكل ما خالفه بدعة وضلالة فتلك مسألة أخرى ـ إذا ثبت هذا فتكفير هؤلاء المرتدين انظروا في كتاب الله من أوله إلى آخره والمرجع في ذلك إلى ما قاله المفسرون والأئمة، فإن جادل منافق بكون الآية نزلت في الكفار فقولوا له هل قال أحد من أهل العلم أولهم وآخرهم إن هذه الآيات لا تعم من عمل بها من المسلمين من قال هذا قبلك ؟ وأيضاً فقولوا له هذا رد على إجماع الأمة فإن استدلالهم بالآيات النازلة في الكفار على من عمل بها ممن انتسب إلى الإسلام أكثر من أن تذكر، وهذا أيضاً

(1/146)


كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن فعل مثل هذه الأفاعيل مثل الخوارج العباد الزهاد الذين يحقر الإنسان الصحابة عندهم وهم بالإجماع لم يفعلوا ما فعلوا إلا باجتهاد وتقرب إلى الله وهذه سيرة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيمن خالف الدين ممن له عبادة واجتهاد مثل تحريق علي رضي الله عنه من اعتقد فيه بالنار، وأجمع الصحابة على قتلهم وتحريقهم إلا ابن عباس رضي الله عنهما خالفهم في التحريق فقال : يقتلون بالسيف، وهؤلاء الفقهاء من أولهم إلى آخرهم عقدوا باب حكم المرتد للمسلم إذا فعل كذا وكذا، ومصداق ذلك في هذه الكتب الذي يقول المخالف جمعوا فيها الثمر وهم أعلم منا.... وهم..... انظروا افي متن (الإقناع) في باب حكم المرتد هل صرح أن من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم أنه كافر بإجماع الأمة، وذكر فيمن اعتقد في علي بن أبي طالب دون ما يعتقد طالب في حسين وإدريس أنه لا شك في كفره بل لا يشك في كفر من شك في كفره، وأنا ألزم عليكم أنكم تحققون النظر في عبارات (الإقناع) وتقرءونها قراءة تفهم وتعرفون ما ذكر في هذا، وما ذكر في التشنيع علي من الأصدقاء عرفتم شيئاً من مذاهب الآباء وفتنة الأهواء ـ إذا تحققتم ذلك وطالعتم الشروح والحواشي، فإذا إني لم أفهمه وله معنى آخر فأرشدوني وعسى الله أن يهدينا وإياكم إخواننا لما يحب ويرضى ولا يدخل خواطركم غلظة هذا الكلام، فالله سبحانه يعلم قصدي به والسلام )).

(1/147)


الرسالة السادسة والثلاثون
(ص 243 )
وله أيضاً أسكنه الله الفردوس الأعلى.
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الأخوان سلام عليكم ورحمة الله وبركاته ؛ وبعد :
ما ذكرتم من قول الشيخ كل من جحد كذا وكذا وقامت عليه الحجة وأنكم شاكون في هؤلاء الطواغيت وأتباعهم هل قامت عليهم الحجة فهذا من العجب كيف تشكون في هذا وقد أوضحته لكم مراراً، فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي حديث عهد بالإسلام والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسألة خفية مثل الصرف والعطف فلا يكفر حتى يعرف ؛ وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه فإن حجة الله هو القرآن فمن بلغه القرآن فقد بلغته الحجة، ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرقوا بين قيام الحجة وبين فهم الحجة فإن أكثر الكفار والمنافقين من المسلمين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم كما قال تعالى : (( أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا)) وقيام الحجة نوع، وبلغوها نوع وقد قامت عليهم وفهمهم إياها نوع آخر وكفرهم ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها. إن أشكل عليكم ذلك فانظروا قوله : صلى الله عليه وسلم في الخوارج (( أينما لقيتموهم فاقتلوهم )) وقوله : (( شر قتلى تحت أديم السماء )) مع كونهم في عصر الصحابة ويحقر الإنسان عمل الصحابة معهم ومع إجماع الناس أن الذي أخرجهم من الدين هو التشدد والغلو والاجتهاد وهم يظنون أنهم يطيعون الله وقد بلغتهم الحجة ولكن لم يفهموها، وكذلك قتل علي رضي الله عنه الذين اعتقدوا فيه وتحريقهم بالنار، مع كونهم تلاميذ الصحابة مع مبادئهم وصلاتهم وصيامهم وهم يظنون أنهم على حق، وكذلك إجماع السلف على تكفير غلاة القدرية وغيرهم مع علمهم وشدة عبادتهم وكونهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً ولم يتوقف أحد من السلف في تكفيرهم لأجل كونهم لم يفهموا. إذا علمتم ذلك فإن هذا الذي أنتم فيه كفر، الناس يعبدون الطواغيت ويعادون دين الإسلام فيزعمون أنه ليس ردة لعلهم ما فهموا الحجة، كل هذا بين، وأظهر مما تقدم الذين حرقهم علي فإنه يشابه هذا، وأما إرسال كلام الشافعية وغيرهم فلا يتصور يأتيكم أكثر مما أتاكم فإن كان معكم بعض الإشكال فارغبوا إلى الله تعالى أن يزيله عنكم والسلام....

(1/148)


القسم الخامس / توجيهات عامة للمسلمين في الاعتقاد والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر

الرسالة السابعة والثلاثون
(ص249)
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الله بن محمد بن عبد اللطيف حفظه الله تعالى سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد :
فقد وصل إلينا من ناحيتكم مكاتيب فيها إنكار وتغليظ علي ولما قيل إنك كتبت معهم وقع في الخاطر بعض الشيء لأن الله سبحانه نشر لك من الذكر الجميل وأنزل في قلوب عباده لك من المحبة ما لم يؤته كثيرا من الناس لما يذكر عنك من مخالفة من قبلك من حكام السوء، وأيضا لما أعلم منك من محبة الله ورسوله وحسن الفهم واتباع الحق ولو خالفك فيه كبار أئمتكم لأني اجتمعت بك من نحو عشرين وتذاكرت أنا وإياك في شيء من التفسير والحديث وأخرجت لي كراريس من البخاري كتبتها ونقلت على هوامشها من الشروح وقلت في مسألة الإيمان التي ذكر البخاري في أول الصحيح، هذا هو الحق الذي أدين الله به فأعجبني هذا الكلام لأنه خلاف مذهب أئمتكم المتكلمين وذاكرتني أيضا في بعض المسائل فكنت أحكي لمن يتعلم مني ما منّ الله به عليك من حسن الفهم ومحبة الله والدار الآخرة فلأجل هذا لم أظن فيك المسارعة في هذا الأمر لأن الذين قاموا فيه مخطئون على كل تقدير، لأن الحق إن كان مع خصمهم فواضح وإن كان معهم فينبغي للداعي إلى الله أن يدعو بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم، وقد أمر الله رسوليه موسى وهارون أن يقولا لفرعون قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى وينبغي للقاضي أعزه الله بطاعته لما ابتلاه الله بهذا المنصب أن يتأدب بالآداب التي ذكرها الله في كتابه الذي أنزل ليبين للناس ما اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يوقنون فمن ذلك لا يستخفنه الذين لا يوقنون، ويثبت عند سعايات الفساق والمنافقين ولا يعجل، وقد وصف الله المنافقين في كتابه

(1/149)


بأوصافهم، وذكر شعب النفاق لتجتنب ويجتنب أهلها أيضا. فوصفهم بالفصاحة والبيان وحسن اللسان بل وحسن الصورة في قوله : (( وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم وإن يقولوا تسمع لقولهم ))، ووصفهم بالمكر والكذب والاستهزاء بالمؤمنين في أول البقرة، ووصفهم بكلام ذي الوجهين ووصفهم بالدخول في المخاصمات بين الناس بما لا يحب الله ورسوله في قوله : (( يا أيها الرسول لا يحزنك الذين يسارعون في الكفر ))، ووصفهم باستحقار المؤمنين والرضا بأفعالهم، ووصفهم بغير هذا في البقرة وبراءة وسورة القتال وغير ذلك. كل ذلك نصيحة لعباده ليجتنبوا الأوصاف ومن تلبس بها، ونهى الله نبيه عن طاعتهم في غير موضع فكيف يجوز من مثلك أن يقبل مثل هؤلاء ؟ وأعظم من ذلك أن تعتقد أنهم من أهل العلم وتزورهم في بيوتهم وتعظمهم، وأنا لا أقول هذا في واحد بعينه، ولكن نصيحة وتعريف بما في كتاب الله من سياسة الدين والدنيا لأن أكثر الناس قد نبذه وراء ظهره. وأما ما ذكر لكم عني فإني لم آته بجهالة بل أقول ولله الحمد والمنة وبه القوة إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفاً مسلماً وما كان من المشركين، ولست ولله الحمد أدعو إلى مذهب صوفي أو فقيه أو متكلم أو إمام من الأئمة الذين أعظمهم مثل ابن القيم والذهبي وابن كثير وغيرهم، بل أدعو إلى الله وحده لا شريك له وأدعو إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي أوصى بها أول أمته وآخرهم وأرجو أني لا أرد الحق إذا أتاني، بل أشهد الله وملائكته وجميع خلقه إن أتانا منكم كلمة من الحق لأقبلنها على الرأس والعين، ولأضربن الجدار بكل ما خالفها من أقوال أئمتي حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يقول إلا الحق وصفة الأمر غير خاف عليكم ما درج عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه والتابعون وأتباعهم والأئمة كالشافعي وأحمد وأمثالهما ممن أجمع أهل الحق على هدايتهم، وكذلك ما درج عليه من سبقت له من الله

(1/150)


الحسنى من أتباعهم، وغير خاف عليكم ما أحدث الناس في دينهم من الحوادث، وما خالفوا فيه طريق سلفهم، ووجدت المتأخرين أكثرهم قد غير وبدل، وسادتهم وأئمتهم وأعلمهم وأعبدهم وأزهدهم مثل ابن القيم والحافظ الذهبي والحافظ العماد ابن كثير والحافظ ابن رجب قد اشتد نكيرهم على أهل عصرهم الذين هم خير من ابن حجر، وصاحب الإقناع بالإجماع، فإذا استدل عليهم زمانهم بكثرتهم وإطباق الناس على طريقتهم قالوا هذا من أكبر الأدلة على أنه باطل لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أخبر أن أمته تسلك مسالك اليهود والنصارى حذو القذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه، وقد ذكر الله في كتابه أنهم فرقوا دينهم وكانوا شيعاً وأنهم كتبوا الكتاب بأيديهم وقالوا هذا من عند الله وأنهم تركوا كتاب الله والعمل به، وأقبلوا على ما أحدثه أسلافهم من الكتب وأخبر أنه وصاهم بالإجتماع، وأنهم لم يختلفوا لخفاء الدين بل اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم (( فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون )) والزبر الكتب، فإذا فهم المؤمن قول الصادق المصدوق (( لتبعن سنن من كان قبلكم )) وجعله قبلة تبين له أن هذه الآيات وأشباهها ليست على ما ظن الجاهلون أنها كانت في قوم كانوا فبانوا، بل يفهم ما ورد عن عمر رضى الله عنه أنه قال في هذه الآيات مضى القوم وما يعني به غيركم، وقد فرض الله على عباده في كل صلاة أن يسألوه الهداية إلى صراط المستقيم صراط الذين أنعم عليهم الذين هم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. فمن عرف دين الإسلام وما وقع الناس فيه من التغيير له عرف مقدار هذا الدعاء وحكمة الله فيه.

(1/151)


والحاصل أن صورة المسألة هل الواجب على كل مسلم أن يطلب علم ما أنزل الله على رسوله ولا يعذر أحد في تركه البتى ؟ أم يجب عليه أن يتبع (التحفة) مثلا. فأعلم المتأخرين وسادتهم منهم ابن القيم قد أنكروا هذا غاية الإنكار، وأنه تغيير لدين الله واستدلوا على ذلك بما يطول وصفه من كتاب الله الواضح، ومن كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم البين لمن نور الله قلبه، والذين يجيزون ذلك أو يوجبونه يدلون بشبه واهية لكن أكبر شبههم على الإطلاق أنا لسنا من أهل ذلك، ولا نقدر عليه ولا يقدر عليه إلا المجتهد، وإنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون، ولأهل العلم في إبطال هذه الشبهة ما يحتمل مجلدا ومن أوضحه قول الله تعالى : (( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله )) وقد فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث عدى بهذا الذي أنتم عليه اليوم في الأصول والفروع لا أعلمهم يزيدون عليكم مثقال حبة خردل بل يبين مصداق قوله (( حذو القذة بالقذة )) إلى آخره، وكذلك فسرها المفسرون لا أعلم بينهم اختلافا، ومن أحسنه ما قاله أبو العالية : أما إنهم لم يعبدوهم ولو أمروهم بذلك ما أطاعوهم ؛ ولكنهم وجدوا كتاب الله فقالوا لا نسبق علماءنا بشيء، ما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه انتهينا، وهذه رسالة لا تحتمل إقامة الدليل ولا جواباً عما يدلي به المخالف لكن أعرض عليه من نفسي الإنصاف والانقياد للحق فإذن أردتم على الرد بعلم وعدل فعندكم كتاب (أعلام الموقعين) لابن القيم عند ابن فيروز في مشرفه فقد بسط الكلام فيه على هذا الأصل بسطا كثيرا، وسرد من شبه أئمتكم ما لا تعرفون أنتم ولا آباؤكم، وأجاب عنها واستدل لها بالدلائل الواضحة القاطعة، منها أمر الله ورسوله عن أمركم هذا بعينه وأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وصفوة من قبل أن يقع وحذروا الناس منه، وأخبروا أنه لا يصير على الدين إلا الواحد بعد الواحد، وأن الإسلام يصير

(1/152)


غريبا كما بدأ، وقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما سأله عمرو بن عبسة في أول الإسلام : من معك على هذا ؟ قال حر وعبد يعني أبا بكر وبلالا، فإذا كان الإسلام يعود كما بدأ فما أجهل من استدل بكثرة الناس وإطباقهم أشباه هذه الشبهة التي هي عظيمة عند أهلها حقيرة عند الله وعند أولي العلم من خلقه كما قال تعالى : (( بل قالوا مثل ما قال الأولون )) فلا أعلم لكم حجة تحتجون بها إلا وقد ذكر الله في كتابه أن الكفار استدلوا بها على تكذيب الرسل مثل إطباق الناس، وطاعة الكبراء وغير ذلك. فمن من الله عليه بمعرفة دين الإسلام الذي دعا إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم عرف قدر هذه الآيات والحجج وحاجة الناس إليها، فإن زعمتم أن ذكر هؤلاء الأئمة لمن كان من أهله، فقد صرحوا بوجوبه على الأسود والأحمر والذكر والأنثى، وأن ما بعد الحق إلا الضلال، وأن قول من قال ذلك صعب مكيدة من الشيطان كاد بها الناس عن سلوك الصراط المستقيم الحنيفية ملة إبراهيم، وإن بان لكم أنهم مخطئون فبينوا لي الحق حتى أرجع إليه، وإنما كتبت لكم هذا معذرة من الله ودعوة إلى الله لأحصل ثواب الداعين إلى الله وإلا أنا أظن أنكم لا تقبلونه وأنه عندكم من أنكر المنكرات من أن الذي يعيب هذا عندكم مثل من يعيب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، لكن أنت من سبب ما أظن فيك من طاعة الله لا أبعد أن يهديك الله إلى الصراط المستقيم ويشرح قلبك للإسلام فإذا قرأته فإن أنكره قلبك فلا عجب فإن العجب ممن نجا كيف نجا فإن أصغى إليه قلبك بعض الشيء فعليك بكثرة التضرع إلى الله والإنطراح بين يديه خصوصا أوقات الإجابة كآخر الليل وأدبار الصلوات، وبعد الأذان وكذلك بالأدعية المأثورة خصوصا الذي ورد في الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم كان يقول : (( اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما

(1/153)


اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم )) فعليك بالإلحاح بهذا الدعاء بين يدي من يجيب المضطر إذا دعاه، وبالذي هدى إبراهيم لمخالفة الماس كلهم وقل يا معلم إبراهيم علمتني، وإن صعب عليك مخالفة الناس ففكر في قول الله تعالى : (( ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها، ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون إنهم لن يغنوا عنك من الله شيئا (( وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله )) وتأمل قوله في الصحيح (( بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ )) وقوله صلى الله عليه وسلم : (( إن الله لا يقبض العلم )) إلى آخره، وقوله : (( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي )) وقوله : (( وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة )) والآيات والأحاديث في ذلك كثيرة أفردت بالتصنيف فإني أحبك، وقد دعوت لك في صلاتي وأتمنى من قبل هذه المكاتيب أن يهديك الله لدينه القيم، ولا يمنعني من مكاتبتك إلا ظني أنك لا تقبل وتسلك مسلك الأكثر، ولكن لا مانع لما أعطى الله والله لا يتعاظم شيئا أعطاه وما أحسنك تكون في آخر هذا الزمان فاروقا لدين الله كعمر رضي الله عنه في أوله فإنك لو تكون معنا لانتصفنا ممن أغلظ علينا. وأما هذا الخيال الشيطاني الذي اصطاد به الناس أن من سلك هذا المسلك فقد نسب نفسه للاجتهاد وترك الإقتداء بأهل العلم وزخرفه بأنواع الزخارف فليس هذا بكثير من الشيطان وزخارفه كما قال تعالى : (( يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غرورا )) فإن الذي أنا عليه وأدعوكم إليه هو في الحقيقة الاقتداء بأهل العلم فإنهم قد وصوا الناس بذلك، ومن أشهرهم كلاما في ذلك إمامكم الشافعي قال : لابد أن تجدوا عني ما يخالف الحديث فكل ما خالفه فأشهدكم أني قد رجعت عنه، وأيضا أنا في مخالفتي هذا العالم لم أخالفه وحدي فإذا اختلفت أنا وشافعي مثلا في أبوال مأكول اللحم وقلت القول بنجاسته يخالف حديث العرنيين ويخالف حديث أنس أن

(1/154)


النبي صلى الله عليه وسلم صلى في مرابض الغنم فقال هذا الجاهل الظالم أنت أعلم بالحديث من الشافعي ؟ قلت أنا لم أخالف الشافعي من غير إمام اتبعته بل اتبعت من هو مثل الشافعي أو أعلم منه قد خالفه واستدل بالأحاديث فإذا قال أنت أعلم من الشافعي قل أنت أعلم من مالك وأحمد فقد عارضته بمثل ما عارضني به وسلم الدليل من المعارض، واتبعت قول الله تعالى : (( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول )) واتبعت من اتبع الدليل في هذه المسألة من أهل العلم لم أستدل بالقرآن أو الحديث وحدي حتى يتوجه علي ما قيل وهذا على التنزل وإلا فمعلوم أن اتباعكم لابن حجر في الحقيقة ولا تعبئون بمن خالفه من رسول أو صاحب أو تابع حتى الشافعي نفسه ولا تعبئون بكلامه إذا خالف نص ابن حجر وكذلك غيركم إنما اتباعهم لبعض المتأخرين لا للأئمة فهؤلاء الحنابلة من أقل الناس بدعة، وأكثر (الإقناع) و(المنتهى) مخالف لمذهب أحمد ونصه يعرف ذلك من عرفه، ولا خلاف بيني وبينكم أن أهل العلم إذا أجمعوا وجب اتباعهم، وإنما الشأن إذا اختلفوا هل يجب علي أن أقبل الحق ممن جاء به وأرد المسألة إلى الله والرسول مقتديا بأهل العلم، أو انتحل بعضهم من غير حجة وأزعم أن الصواب في قوله فأنتم على هذا الثاني وهو الذي ذمة الله وسماه شركا، وهو اتخاذ العلماء أربابا وأنا على الأول أدعو إليه وأناظر عليه، فإن كان عندكم حق رجعنا إليه وقبلناه منكم وإن أردت النظر في (أعلام الموقعين) فعليك بمناظرة في أثنائه عقدها بين مقلد وصاحب حجة، وإن ألقى في ذهنك أن ابن القيم مبتدع وأن الآيات التي استدل بها ليس هذا معناها فأضرع إلى الله وأسأله أن يهديك لما اختلفوا فيه من الحق وتجرد إلى ناظر أو مناظر، واطلب كلام أهل العلم في زمانه مثل الحافظ الذهبي وابن كثير وابن رجب وغيرهم، ومما ينسب للذهبي رحمة الله :
العلم قال الله قال رسوله قال الصحابة ليس خلف فيه

(1/155)


ما العلم نصبك للخلاف سفاهة بين الرسول وبين رأي فقيه
فإن لم تتبع هؤلاء فانظر كلام الأئمة قبلهم كالحافظ البيهقي في كتاب (المدخل) والحافظ ابن عبد البر والخطابي وأمثالهم ومن قبلهم كالشافعي وابن جرير وابن قتيبة وأبي عبيد فهؤلاء إليهم المرجع في كلام الله وكلام رسوله وكلام السلف، وإياك وتفاسير المحرفين للكلم عن مواضعه وشروحهم فإنها القاطعة عن الله وعن دينه، وتأمل ما في كتاب (الاعتصام) للبخاري وما قال أهل العلم في شرحه، وهل يتصور شيء أصرح مما صح عنه صلى الله عليه وسلم أن أمته ستفترق على أكثر من سبعين فرقة أخبر كلهم في النار إلا واحدة، ثم وصف تلك الواحدة أنها التي على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وأنتم مقرون أنكم على غير طريقتهم وتقولون ما نقدر عليها ولا يقدر عليها إلا المجتهد فجزمتم أنه لا ينتفع بكلام الله وكلام رسوله إلا المجتهد، وتقولون يحرم على غيره أن يطلب الهدى من كلام الله وكلام رسوله وكلام أصحابه فجزمتم وشهدتم أنكم على غير طريقتهم معترفين بالعجز عن ذلك، وإذا كنتم مقرين أن الواجب على الأولين اتباع كتاب الله وسنة رسوله لا يجوز العدول عن ذلك وأن هذه الكتب والتي خير منها لو تحدث في زمن عمر بن الخطاب لفعل بها وبأهلها أشد الفعل ولو تحدث في زمن الشافعي وأحمد لاشتد نكيرهم لذلك، فليت شعري متى حرم الله هذا الواجب وأوجب هذا المحرم، ولما حدث قليل من هذا لا يشبه ما أنتم عليه في زمن الإمام اشتد إنكاره لذلك ولما بلغه عن بعض أصحابه أنه يروى عنه مسائل بخراسان قال أشهدكم أني قد رجعت عن ذلك، ولما رأى بعضهم يكتب كلامه أنكر عليه وقال تكتب رأيا لعلي أرجع عنه غدا أطلب العلم مثلما طلبناه، ولما سئل عن كتاب أبي ثور قال كل كتاب ابتدع فهو بدعة ومعلوم أن أبا ثور من كبار أهل العلم وكان أحمد يثني عليه وكان ينهي الناس عن النظر في كتب أهل العلم الذين يثنى عليهم ويعظمهم ولما أخذ بعض أئمة

(1/156)


الحديث كتب أبي حنيفة هجره أحمد وكتب إليه إن تركت كتب أبي حنيفة أتيناك تسمعنا كتب ابن المبارك، ولما ذكر له بعض أصحابه أن هذه الكتب فيها فائدة لمن لا يعرف الكتاب والسنة قال إن عرفت الحديث لم تحتج إليها، وإن لم تعرفه لم يحل لك النظر فيها وقال عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان والله يقول : (( فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم )) قال : أتدري ما الفتنة ؟ الفتنة الشرك، ومعلوم أن الثوري عنده غاية وكان يسميه أمير المؤمنين. فإذا كان هذا كلام أحمد في كتب نتمنى الآن أن نراها فكيف بكتب قد أقر أهلها على أنفسهم أنهم ليسوا من أهل العلم وشهد عليهم بذلك ولعل بعضهم مات وهو لا يعرف مادين الإسلام الذي بعث الله به رسوله صلى الله عليه وسلم وشبهتكم التي ألقيت في قلوبكم أنكم لا تقدرون على فهم كلام الله ورسوله والسلف الصالح، وقد قدمنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة )) إلى آخره، فتأمل هذه الشبهة أعني قولكم لا نقدر على ذلك وتأمل ما حكى الله عن اليهود في قوله : (( وقالوا قلوبنا غلف بل لعنهم الله بكفرهم )) وقوله : (( ولقد أنزلنا إليك آيات بينات وما يكفر بها إلا الفاسقون )) وقوله (( إنا جعلناه قرآنا عربيا لعلكم تعقلون )) وقوله (( ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مدكر )) واطلب تفاسير هذه الآيات من كتب أهل العلم واعرف من نزلت فيه واعرف الأقوال والأفعال التي كانت سببا لنزول هذه الآيات، ثم اعرضها على قولهم لا نقدر على فهم القرآن والسنة تجد مصداق قوله (( لتتبعن سنن من كان قبلكم )) وما في معناه من الأحاديث الكثيرة فلتكن قصة إسلام سلمان الفارسي منكم على بال ففيها أنه لم يكن على دين الرسل إلا الواحد بعد الواحد حتى إن آخرهم قال عند موته : لا أعلم على وجه الأرض أحدا على ما نحن فيه ولكن قد أظل زمان نبي، واذكر مع هذا قول

(1/157)


الله تعالى : (( فلولا كان من القرون من قبلكم أولوا بقية ينهون عن الفساد في الأرض إلا قليلا ممن أنجينا منهم)) فحقيق لمن نصح نفسه وخاف عذاب الآخرة أن يتأمل ما وصف الله به اليهود في كتابه خصوصا ما وصف به علماءهم ورهبانهم من كتمان الحق ولبس الحق بالباطل والصد عن سبيل الله، وما وصفهم الله أي علماءهم من الشرك والإيمان بالجبت والطاغوت وقولهم للذين كفروا : (( هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا )) لأنه عرف أن كل ما فعلوا لا بد أن تفعله هذه الأمة وقد فعلت، وإن صعب عليك مخالفة الكبرا ولم يقبل ذهنك هذا الكلام فأحضر بقلبك أن كتاب الله أحسن الكتب وأعظمها بيانا وأشفى لداء الجهل وأعظمها فرقا بين الحق والباطل والله سبحانه قد عرف تفرق عباده واختلافهم قبل أن يخلقهم، وقد ذكر في كتابه : (( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة )) وأحضر قلبك هذه الأصول وما يشابهما في ذهنك، واعرضها على قلبك فإنه إن شاء الله يؤمن بها على سبيل الإجمال فتأمل قوله : (( وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا )) وتكرير هذا الأصل في مواضع كثيرة وكذلك قوله : (( أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزل الله بها من سطان )) فكل حجة تحتجون بها تجدها مبسوطة في القرآن وبعضها في مواضع كثيرة، فأحضر بقلبك أن الحكيم الذي أنزل كتابه شفاء من الجهل فارقا بين الحق والباطل لا يليق منه أن يقرر هذه الحجج ويكررها مع عدم حاجة المسلمين إليها ويترك الحجج التي يحتاجون إليها ويعلم أن عباده يفترقون حاشا أحكم الحاكمين من ذلك ومما يهون عليك مخالفة من خالف الحق وإن كان من أعلم الناس وأذكاهم وأعظمهم جهلا ولو اتبعه أكثر الناس ما وقع في هذه الأمة من افتراقهم في أصول الدين وصفات الله تعالى وغالب من يدعي المعرفة، وما عليه المتكلمون وتسميتهم طريقة رسول الله صلى الله عليه وسلم حشوا وتشبيها

(1/158)


وتجسيما مع أنك إذا طالعت في كتاب من كتب الكلام مع كونه يزعم أن هذا واجب على كل أحد وهو أصل الدين تجد الكتاب من أوله إلى آخره لا يستدل على مسألة منه بآية من كتاب الله ولا حديث عن رسول الله اللهم إلا أن يذكره ليحرفه عن مواضعه، وهم معترفون أنهم لم يأخذوا أصولهم من الوحي بل من عقولهم، ومعترفون أنهم مخالفون للسلف في ذلك مثل ما ذكر في فتح الباري في مسألة الإيمان على قول البخاري، وهو قول وعمل ويزيد وينقص فذكر إجماع السلف على ذلك، وذكر عن الشافعي أنه نقل الإجماع على ذلك، وكذلك ذكر أن البخاري نقله ثم بعد ذلك حكى كلام المتأخرين ولم يرده فإن نظرت في كتاب التوحيد في آخر الصحيح ـ فتأمل تلك التراجم ـ وقرأت في كتب أهل العلم من السلف ومن أتلاعهم من الخلف ونقلهم الإجماع على وجوب الإيمان بصفات الله تعالى وتلقيها بالقبول وأن من جحد شيئاً منها أو تأول شيئاً من النصوص فقد افترى على الله وخالف إجماع أهل العلم أن علم الكلام بدعة وضلالة حتى قال أبو عمر ابن عبد البر أجمع أهل العلم في جميع الأعصار والأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وضلالات لا يعدون عند الجميع من طبقات العلماء والكلام في هذا يطول. والحاصل أنهم عمدوا إلى شيء أجمع المسلمون كلهم بل وأجمع عليه أجهل الخلق بالله عبدة الأوثان الذين بعث بهم النبي صلى الله عليه وسلم فابتدع هؤلاء كلاماً من عند أنفسهم كابروا به العقول أيضا حتى إنكم لا تقدرون أن تغيروا عوامكم عن قطرتهم التي فطرهم الله عليها ثم مع هذا كله تابعهم جمهور من يتكلم في علم هذا الأمر إلا من سبقت لهم من الله الحسنى وهم كالشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود يبغضونهم الناس ويرمونهم بالتجسيم. هذا، وأهل الكلام وأتباعهم من أحذق الناس وأفطنهم حتى إن لهم من الذكاء والحفظ والفهم ما يحير اللبيب وهم وأتباعهم مقرون أنهم مخالفون للسلف حتى إن أئمة المتكلمين لما ردوا على الفلاسفة في تأويلهم في آيات الأمر

(1/159)


والنهي مثل قولهم المراد بالصيام كتمان أسرارنا والمراد بالحج زيارة مشايخنا، والمراد بجبريل العقل الفعال وغير ذلك من إفكهم رد عليهم الجواب بأن هذا التفسير خلاف المعروف بالضرورة من دين الإسلام فقال لهم الفلاسفة أنتم جحدتم علو الله على خلقه واستواءه على عرشه مع أنه مذكور في الكتب على ألسنة الرسل، وقد أجمع عليه المسلمون كلهم وغيرهم من أهل الملل فكيف يكون تأويلنا تحريفا وتأويلكم صحيحا ؟ فلم يقدر أحد من المتكلمين أن يجيب عن هذا الإيراد، والمراد أن مذهبهم مع كونه فاسداً في نفسه مخالفاً للعقول، وهو أيضا مخالف لدين الإسلام والكتاب والرسول وللسلف كلهم، ويذكرون في كتبهم أنهم مخالفون للسلف ثم مع هذا راجت بدعتهم على العالم والجاهل حتى طبقت مشارق الأرض ومغاربها وأنا أدعوك إلى التفكر في هذه المسألة وذلك أن السلف قد كثر كلامهم وتصانيفهم في أصول الدين وإبطال كلام المتكلمين وتفكيرهم وممن ذكر هذا من متأخري الشافعية البيهقي والبغوي وإسماعيل التيمي ومن بعدهم كالحافظ الذهبي، وأما متقدموهم كابن سريج والدار قطني وغيرهما فكلهم على هذا الأمر ففتش في كتب هؤلاء فإن أتيتني بكلمة واحدة أن منهم رجلاً واحداً لم ينكر على المتكلمين ولم يكفرهم فلا تقبل مني شيئاً أبداً ومع هذا كله وظهوره غاية الظهور راج عليكم حتى ادعيتم أن أهل السنة هم المتكلمون والله المستعان. ومن العجب أنه يوجد في بلدكم من يفتي الرجل بقول إمام والثاني بقول آخر والثالث بخلاف القولين ويعد فضيلة وعلماً وذكاء ويقال هذا يفتي في مذهبين أو أكثر، ومعلوم عند الناس أن مراده في هذا العلو والرياء وأكل أموال الناس بالباطل فإذا خالفت قول عالم لمن هو أعلم منه أو مثله إذا كان معه الدليل ولم آت بشيء من عند نفسي تكلمتم بهذا الكلام الشديد فإن سمعتم أني أفتيت بشيء خرجت فيه من إجماع أهل العلم توجه على القول وقد بلغني أنكم في هذا الأمر قمتم وقعدتم، فإن كنتم

(1/160)


تزعمون أن هذا إنكار للمنكر فيا ليت قيامكم كان في عظائم في بلدكم تضاد أصلى الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله منها وهو أعظمها عبادة الأصنام عندكم من بشر وحجر هذا يذبح له، وهذا ينذر له وهذا يطلب إجابة الدعوات وإغاثة اللهفات، وهذا يدعوه المضطر في البر والبحر، وهذا يزعمون أن من التجأ إليه ينفعه في الدنيا والآخرة ولو عصى الله، فإن كنتم تزعمون أن هذا ليس هو عبادة الأصنام والأوثان المذكورة في القرآن فهذا من العجب فإني لا أعلم أحدا من أهل العلم يختلف في ذلك اللهم إلا أن يكون أحد وقع فيما وقع فيه اليهود من إيمانهم بالجبت والطاغوت وإن ادعيتم أنكم لا تقدرون على ذلك، فإن لم تقدروا على الكل قدرتم على البعض كيف وبعض الذين أنكروا علي هذا الأمر وادعوا أنهم من أهل العلم ملتبسون بالشرك الأكبر ويدعون إليه ولو يسمعون إنساناً يجرد التوحيد ألزموه بالكفر والفسوق ؟ ولكن نعوذ بالله من رضاء الناس بسخط الله ؛ ومنها ما يفعله كثير من أتباع إبليس وأتباع المنجمين والسحرة والكهان ممن ينتسب إلى الفقر وكثير ممن ينتسب إلى العلم من هذه الخوارق التي يوهمون بها الناس ويشبهونها بمعجزات الأنبياء وكرامات الأولياء، ومرادهم أكل أموال الناس بالباطل والصد عن سبيل الله حتى إن بعض أنواعها يعتقد فيه من يدعي العلم أنه من العلم الموروث عن الأنبياء من علم الأسماء وهو من الجبت والطاغوت، ولكن هذا مصداق قوله صلى الله عليه وسلم : (( لتتبعن سنن من كان قبلكم ))، ومنها هذه الحيلة الربوية التي مثل حيلة أصحاب السبت أو أشد وأنا أدعو من خالفني إلى أحد أربع : إما إلى كتاب الله، وإما إلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإما إلى إجماع أهل العلم، فإن عاند دعوته إلى المباهلة كما دعا إليها ابن عباس في بعض مسائل الفرائض، وكما دعا إليها سفيان والأوزاعي في مسألة رفع اليدين وغيرهما من أهل العلم والحمد لله رب العالمين وصلى

(1/161)


الله على محمد وآله وسلم.

يا من تعز عليهم أرواحهم ... ويرون غبنا بيعها بهوان
ويرون أن أمامهم يوم اللقا ... لله مسألتان شاملتان
ماذا عبدتم ثم ماذا قد أجبتم ... من أتى بالحق والبرهان
هيئوا جوابا للسؤال وهيئوا ... أيضا صوابا للجواب يدان
وتيقنوا أن ليس ينجيكم سوى ... تجريدكم لحقائق الإيمان
تجريدكم توحيده سبحانه ... عن شركة الشيطان والأوثان
وكذاك تجريد اتباع رسوله ... عن هذه الآراء والهذيان
فالوحي كاف للذي يعنى به ... شاف لداء جهالة الإنسان

هذا آخر ما ذكره الشيخ رحمة الله في هذه الرسالة النافعة.
وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً

(1/162)


الرسالة الثامنة والثلاثون
(ص269)
وله أيضا قدس الله روحه ونور ضريحه
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه من الإخوان، المؤمنين بآيات الله المصدقين لرسول الله التابعين للسواد الأعظم من أصحاب رسول الله والتابعين لهم بإحسان، وأهل العلم والإيمان المتمسكين بالدين القيم عند فساد الزمان، الصابرين على الغربة والامتحان سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد فإن الله سبحانه بعث نبيكم صلى الله عليه وسلم على حين فترة من الرسل وأهل الأرض من المشرق إلى المغرب قد خرجوا عن ملة إبراهيم وأقبلوا على الشرك بالله إلا بقايا من أهل الكتاب فلما دعا إلى الله ارتاع أهل الأرض من دعوته وعادوه كلهم جهالهم وأهل الكتاب عبادهم وفساقهم، ولم يتبعه على دينه إلا أبو بكر الصديق وبلال وأهل بيته صلى الله عليه وسلم خديجة وأولادها ومولاه زيد بن حارثة وعلي رضي الله عنه قال عمرو بن عبسة لما أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بمكة قلت ما أنت قال : ((نبي)) قلت : وما نبي (( قال : أرسلني الله )) قلت : بأي شيء أرسلك ؟ قال: ((بصلة الأرحام وكسر الأوثان وأن يعبد الله لا يشرك به شيئاً)) قلت من معك على هذا قال : ((حر وعبد )) ومعه يومئذ أبو بكر وبلال، فهذا صيغة بدو الإسلام وعداوة الخاص والعام له وكونه في غاية الغربة ؛ ثم قد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ)) فمن تأمل هذا وفهمه زالت عنه شبهات شياطين الإنس الذين يجلبون على من آمن برسول الله صلى الله عليه وسلم بخيل الشيطان ورجله، فاصبروا يا اخواني واحمدوا الله على ما أعطاكم من معرفة الله سبحانه ومعرفة حقه على عباده ومعرفة ملة أبيكم إبراهيم في هذا الزمان التي أكثر الناس منكر لها ؛ واضرعوا إلى الله أن يزيدكم إيمانا ويقينا وعلما وأن يثبت قلوبكم على دينه، وقولوا كما قال الصالحون الذين أثنى الله عليهم في كتابه : (( ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب )).

(1/163)


واعلموا أن الله قد جعل للهداية والثبات أسباباً كما جعل للضلال والزيغ أسبابا فمن ذلك أن الله سبحانه أنزل الكتاب وأرسل الرسول ليبين للناس ما اختلفوا فيه كما قال تعالى : (( وما أنزلنا عليك الكتاب إلا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه وهدى ورحمة لقوم يؤمنون )) فبإنزال الكتب وإرسال الرسول قطع العذر وأقام الحجة كما قال تعالى : (( لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل )) فلا تغفلوا عن طلب التوحيد وتعلمه واستعمال كتاب الله وإجالة الفكر فيه، وقد سمعتم من كتاب الله ما فيه عبرة، مثل قولهم نحن موحدون نعلم أن الله هو النافع الضار، وأن الأنبياء وغيرهم لا يملكون نفعا ولا ضرا لكن نريد الشفاعة، وسمعتم ما بين الله في كتابه في جواب هذا وما ذكر أهل التفسير وأهل العلم، وسمعتم قول المشركين الشرك عبادة الأصنام، وأما الصالحون فلا، وسمعتم قولهم لا نريد إلا من الله لكن نريد بجاههم وسمعتم ما ذكر الله في جواب هذا كله، وقد من الله عليكم بإقرار علماء المشركين بهذا كله سمعتم اقرارهم أن هذا الذي يفعل في الحرمين والبصرة والعراق واليمن أن هذا شرك بالله فأقروا لكم أن هذا الدين الذي ينصرون أهله ويزعمون أنهم السواد الأعظم أقروا لكم أن دينهم هو الشرك ؛ وأقروا لكم أيضا أن التوحيد الذي يسعون في إطفائه وفي قتل أهله وحبسهم أنه دين الله ورسوله، وهذا الإقرار منهم على أنفسهم من أعظم آيات الله ومن أعظم نعم الله عليكم، ولا يبقى شبهة مع هذا إلا للقلب الميت الذي طبع الله عليه وذلك لا حيلة فيه.

(1/164)


ولكنهم بجادلونكم اليوم بشبهة واحدة فاصغوا لجوابها، وذلك أنهم يقولون كل هذا حق نشهد أنه دين الله ورسوله إلا التكفير والقتال، والعجب ممن يخفى عليه جواب هذا إذا أقروا أن هذا دين الله ورسوله كيف لا يكفر من أنكره وقتل من أمر به وحسبهم؟ كيف لا يكفر من أمر بحبسهم ؟ كيف لا يكفر من جاء إلى أهل الشرك يحثهم على لزوم دينهم وتزيينه لهم ويحثهم على قتل الموحدين وأخذ مالهم ؟ كيف لا يكفر وهو يشهد أن الذي يحث عليه أن الرسول صلى الله عليه وسلم أنكره ؟ ونهى عنه وسماه الشرك بالله ويشهد أن الذي يبغضه ويبغض أهله ويأمر المشركين بقتلهم هو دين الله ورسوله.
واعلموا أن الأدلة على تكفير المسلم الصالح إذا أشرك بالله، أو صار مع المشركين على الموحدين ولو لم يشرك أكثر من أن تحصر من كلام الله وكلام رسوله وكلام أهل العلم كلهم.

(1/165)


وأنا أذكر لكم آية من كتاب أجمع أهل العلم على تفسيرها وأنها في المسلمين وأن من فعل ذلك فهو كافر في أي زمان، قال تعالى: (( من كفر بالله من بعد إيمانه إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان )) إلى آخر الآية وفيها : (( ذلك بأنهم استحبوا الحياة الدنيا على الآخرة )) فإذا كان العلماء ذكروا أنها نزلت في الصحابة لما فتنهم أهل مكة وذكروا أن الصحابي إذا تكلم بكلام الشرك بلسانه مع بغضه لذلك وعداوة أهله لكن خوفاً منهم أنه كافر بعد إيمانه فكيف بالموحد في زماننا ؟ إذا تكلم في البصرة أو الأحساء أو مكة أو غير ذلك خوفا منهم لكن قبل الإكراه، وإذا كان هذا يكفر فكيف بمن صار معهم وسكن معهم وصار من جملتهم ؟ فكيف بمن أعانهم على شركهم وزينه لهم ؟ فكيف بمن أمر بقتل الموحدين وحثهم على لزوم دينهم ؟ فأنتم وفقكم الله تأملوا هذه الآية، وتأملوا من نزلت فيه، وتأملوا إجماع العلماء على تفسيرها، وتأملوا ما جرى بيننا وبين أعداء الله نطلبهم دائما الرجوع إلى كتبهم التي بأيديهم في مسألة التكفير والقتال فلا يجيبوننا إلا بالشكوى عند الشيوخ، وأمثالهم والله أسأل أن يوفقكم لدينه ويرزقكم الثبات عليه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

(1/166)


الرسالة التاسعة والثلاثون
(ص275)
ومنها رسالة أرسلها إلى عبد الوهاب بن عبد الله بن عيسى قال فيها :
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الوهاب بن عبد الله بن عيسى، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
إن تفضلتم بالسؤال فنحمد الله إليكم الذي لا إله إلا هو ونحن بخير وعافية ـ جعلكم الله كذلك وأحسن من ذلك ـ وأبلغوا لنا الوالد السلام سلمه الله من خزي الدنيا وعذاب الآخرة، وغير ذلك في نفسي عليه بعض الشيء من جهة المكاتيب لما حبسها عنا هجسنا فيه الظن الجميل ثم بعد ذلك سمعنا بعض الناس يذكر أنه معطيها بعض السفهاء يقرءونها على الناس، وأنا أعتقد فيه المحبة، وأعتقد أيضا أن له غاية وعقلا، وهو صاحب إحسان علينا وعلى أهلنا فلا ودى يعقبه بالأذى ويكدر هذه المحبة بلا منفعة في العاجل والآجل، وأنا إلى الآن ما تحققت ذلك وهوجس فيه بالهاجوس الجيد، وذكر أيضا عنه بعض الناس الكلام الذي يشوش الخاطر، فإن كان يرى أن هذا ديانة ويعتقده من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فأنا ولله الحمد لم آت الذي أتيت بجهالة وأشهد الله وملائكته أنه إن أتاني منه أو ممن دونه في هذا الأمر كلمة من الحق لأقبلها على الرأس والعين وأترك قول كل إمام اقتديت به حاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه لا يفارق الحق، فإن كانت مكاتيب أولياء الشيطان وزخرفة كلامهم الذي أوحي إليهم ليجادل في دين الله لما رأى أن الله يريد أن يظهر دينه غرته وأصغت إليه أفئدتكم فاذكروا لي حجة مما فيها أو كلها أو في غيرها من الكتب مما تقدرون عليه أنتم ومن وافقكم، فإن لم أجاوبه عنها بجواب فاصل بين يعلم كل من هداه الله أنه الحق وأن تلك هي الباطل فأنكروا علي، وكذلك عندي من الحجج الكثيرة الواضحة مالا تقدرون أنتم ولا هم أن تجيبوا عن حجة واحدة منها، وكيف لكم بملاقاة جند الله ورسوله ؟ وإن كنتم تزعمون أن أهل العلم على خلاف ما أنا عليه فهذه كتبهم موجودة ومن أشهرهم وأغلظهم كلام الإمام أحمد كلهم على هذا الأمر لم يشذ منهم رجل واحد ولله الحمد، ولم يأت عنهم كلمة واحدة أنهم أرخصوا لمن يعرف الكتاب والسنة في أمركم هذا فضلا عن أن يوجبوه، وإن زعمتم أن المتأخرين معكم فهؤلاء

(1/167)


سادات المتأخرين وقادتهم ابن تيمية وابن القيم، وابن رجب عندنا له مصنف مستقل في هذا، ومن الشافعية الذهبيى وابن كثير وغيرهم وكلامهم في إنكار هذا أكثر من أن يحصر، وبعض كلام الإمام أحمد ذكره ابن القيم في (الطرق الحكمية ) فراجعه، ومن أدلة شيخ الإسلام : (( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله )) فقد فسرها رسول الله صلى الله عليه وسلم والأئمة بعده بهذا الذي تسمونه الفقه وهو الذي سماه الله شركاً واتخاذهم أرباباً لا أعلم بين المفسرين في ذلك اختلافاً. والحاصل أن من رزقه الله العلم يعرف أن هذه المكاتيب التي أتتكم وفرحتم بها وقرأتموها على العامة من عند هؤلاء الذين تظنون أنهم علماء كما قال تعالى : (( وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً )) إلى قوله : (( ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة )) لكن هذه الآيات ونحوها عندكم من العلوم المهجورة، بل أعجب من هذا أنكم لا تفهمون شهادة أن لا إله إلا الله ولا تنكرون هذه الأوثان التي تعبد في الخرج وغيره التي هي الشرك الأكبر بإجماع أهل العلم، وأنا لا أقول هذا )).

(1/168)


الرسالة الأربعون
(ص279)
ومنها رسالة كتبها إلى عبد الوهاب بن عبد الله بن عيسى قال فيها :
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الوهاب بن عبد الله، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
فقد وصل كتابك وما ذكرت فيه من الظن والتجسس وقبول خبر الفاسق فكل هذا حق وأريد به باطل، والعجب منك إذا كنت من خمس سنين تجاهد جهاداً كبيراً في رد دين الإسلام فإذا جاءك مساعد أو ابن راجح وإلا صالح بن سليم وأشباه هؤلاء الذين نلقنهم شهادة أن لا إله إلا الله وأن عبادة المخلوقات كفر وأن الكفر بالطاغوت فرض قمت تجاهد وتبالغ في نقض ذلك والاستهزاء به، وليس الذي يذكر هذا عنك بعشرة ولا عشرين ولا ثلاثين ولا أنت بمتخف في ذلك ثم تظن في خاطرك أن هذا يخفى علي وأنا أصدقك إذا قلت ما قلت ولو أن الذي جرى عشر أو عشرون أو ثلاثون مرة أمكن تعداد ذلك، وأحسن ما ذكرت أنك تقول (( ربنا ظلمنا أنفسنا )) وتقر بالذنب وتجاهد في إطفاء الشرك وإظهار الإسلام كما جاهدت في ضده ويصير ما تقدم كأن لم يكن، فإن كنت تريد الرفعة في الدنيا والجاه حصل لك بذلك ما لا يحصل بغيره من الأمور بأضعاف مضاعفة، وإن أردت به الله والدار الآخرة فهي التجارة الرابحة وأتتك الدنيا تبعاً، وإن كنت تظن في خاطرك أنا نبغي أن نداهنك في دين الله ولو كنت أجل عندنا مما كنت فأنت مخالف فإن كنت تتهمي بشئ من أمور الدنيا فلك الشرهة، فإن كان إني أدعو لك في سجودي وأنت وأبوك أجل الناس إلى وأحبهم عندي، وأمرك هذا أشق علي من أمر أهل الحسا خصوصاً بعد ما استركبت أباك وخربته فعسى الله أن يهدينا وإياك لدينه القيم ويطرد عنا الشيطان ويعيذنا من طريق المغضوب عليهم والضالين.

الرسالة الحادية والأربعون
(ص283)
ومنها رسالة كتبها إلى أحمد بن محمد بن سويلم، وثنيان بن مسعود قال فيها :
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى الأخوين أحمد بن محمد وثنيان.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :

(1/169)


فقد ذكر لي عنكم أن بعض الإخوان تكلم في عبد المحسن الشريف يقول : إن أهل الحسا يحبون على يدك وأنك لابس عمامة خضراء والإنسان لا يجوز له الإنكار إلا بعد المعرفة، فأول درجات الإنكار معرفتك أن هذا مخالف لأمر الله، وأما تقبيل اليد فلا يجوز إنكار مثله وهي مسألة فيها اختلاف بين أهل العلم، وقد قبل زيد بن ثابت يد ابن عباس وقال : هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبينا، وعلى كل حال فلا يجوز لهم إنكار كل مسألة لا يعرفون حكم الله فيها، وأما لبس الأخضر فإنها أحدثت قديماً تمييزاً لأهل البيت لئلا يظلمهم أحد أو يقصر في حقهم من لا يعرفهم، وقد أوجب الله لأهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على الناس حقوقاً فلا يجوز لمسلم أن يسقط حقهم ويظن أنه من التوحيد بل هو من الغلو ونحن ما أنكرنا إلا إكرامهم لأجل ادعاء الألوهية فيهم أو إكرام المدعى لذلك، وقيل عنه أنه اعتذر عن بعض الطواغيت، وهذه مسئلة جليلة ينبغي التفطن لها وهي قوله تعالى : ((يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا))
فالواجب عليهم إذا ذكر لهم عن أحد منكراً عدم العجلة فإذا تحققوه أتوا صاحبه ونصحوه فإن تاب ورجع وإلا أنكر عليه وتكلم فيه، فعلى كل حال نبهوهم على مسئلتين :
الأولى : عدم العجلة ولا يتكلمون إلا مع التحقق فإن التزوير كثير.
الثانية :أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يعرف منافقين بأعيانهم ويقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله،
فإذا ظهر منهم وتحقق ما يوجب جهادهم جاهدهم، وغير ذلك عبد الرحمن بن عقيل رجع إلى الحق ولله الحمد، ولكن ودى أن أقرأ عليه رسالة ابن شلهوب وغيرها، وأنت يا أحمد على كل حال أرسل المجموع مع أول من يقبل وأرسلها فيه، خذه من سليمان لا تغفل تراك خالفت خلافاً كبيراً في هذا المجموع والسلام

(1/170)


الرسالة الثانية والأربعون
(ص287)
ومنها رسالة أرسلها إلى عبد الله بن سويلم حين غضب على ابن عمه أحمد في شدته على المنافقين قال فيها :
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الله بن عبد سويلم
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، فقد ذكر لي ابن زيدان أنك يا عبد الله زعل على أحمد بعض الزعل لما تكلم في بعض المنافقين، ولا يخفاك أن بعض الأمور كما قال تعالى : (( وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم )) وذلك أني لا أعرف شيئاً يتقرب به إلى الله أفضل من لزوم طريقة رسول الله صلى عليه وسلم في حال الغربة، فإن إنصاف إلى ذلك الجهاد عليها للكفار والمنافقين كان ذلك تمام الإيمان، فإذا أراد أحد من المؤمنين أن يجاهد فأتاه بعض إخوانه فذكر له أن أمرك للدنيا أخاف أن يكون هذا من جنس الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات، فأنتم تأملوا تفسير الآية ثم نزلوه على هذه الواقعة، وأيضاً في صحيح مسلم : ((أن أبا سفيان مر على بلال وسلمان وأجناسهما فقالوا : ما أخذت سيوف الله من عنق عدو الله مأخذها، فقال أبو بكر : أتقولون هذا لشيخ قريش وسيدها ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر له ذلك فقال : يا أبا بكر لئن كنت أغضبتهم لقد أغضبت ربك )) ومن أفضل الجهاد جهاد المنافقين في زمن الغربة، فإذا خاف أحد منكم من بعض إخوانه قصداً سيئاً فلينصحه برفق وإخلاص لدين لله وترك الرياء والقصد الفاسد ولا يفل عزمه عن الجهاد ولا يتكلم فيه بالظن السيء وينسبه إلى ما لا يليق ولا يدخل خاطرك شئ من النصيحة. فلو أدري أنه يدخل خاطرك ما ذكرته وأنا أجد في نفسي أن ودي من ينصحني كلما غلطت والسلام.

(1/171)


الرسالة الثالثة والأربعون
(ص 291 )
رسالة منه إلى جماعة أهل شقرا سلمهم الله تعالى :
بسم الله الرحمن الرحيم
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد
فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( إن الله يرضي لكم ثلاثاً )) وواجب علينا لكم النصيحة وعلى الله التوفيق فيا اخواني لا تغفلوا عن أنفسكم ترى الباطل زمالة لحاية عند الحاجة ولا تظنوا أن الضيق مع دين الإسلام، لا والله بل الضيق والحاجة وسكنة الريح وضعفه البخت مع الباطل والإعراض عن دين الإسلام، مع أن مصداق قولي فيما ترونه فيمن ارتد من البلدان أولهن (ضرما) وآخرهن (حريملا) هم حصلوا سعة فيما يزعمون أو ما زادوا إلا ضيقاً وخوفاً على ما هم قبل أن يرتدوا. وأنتم كذلك المعروف منكم إنكم ما تدينون للعناقر وهم على عنفوان القوة في الجاهلية فيوم رزقكم الله دين الإسلام الصرف وكنتم على بصيرة في دينكم وضعف من عدوكم اذعنتوا له حتى أنه يبي منكم الخسر ما يشابه لجزية اليهود والنصارى حاشاكم والله من ذلك، والله العظيم إن النساء في بيوتهن يأنفن لكم فضلا عن صماصيم بني زيد. يا الله العجب تحاربون إبراهيم بن سليمان فيما مضى عند كلمة تكلم بها على جاركم أو حمار يأخذه ما يسوى عشر محمديات وتنفذون على هذا ما لكم ورجالكم، ومع هذا يثلب بعضكم بعضا على التصلب في الحرب ولو عضكم، فيوم رزقكم الله دين الأنبياء الذي هو ثمن الجنة والنجاة من النار إلى أنكم تضعفون عن التصلب وها الأمر خالفه صار كلمة أو حمار أنفق عندكم وأعز من دين الإسلام، يا الله العجب نعوذ بالله من الخذلان والحرمان ما أعجب حالكم وأتيه رأيكم إذ تؤثرون الفاني على الباقي وتبيعون الدر بالبعر والخير بالشر كما قيل.
فيا درة بين المزايل ألقيت وجوهرة بيعت بأبخس قيمة
فتوكلوا على الله وشمروا عن ساق الجد في دينكم، وحاربوا عدوكم وتمسكوا بدين نبيكم وملة أبيكم إبراهيم، وعضوا عليها بالنواجذ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.

(1/172)


الرسالة الرابعة والأربعون
(ص 295 )
ومنها رسالة أرسلها إلى إخوانه من أهل سدير بسبب أمر جرى بين أهل الحوطة من بلدان سدير قال فيها:
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى من يصل إليه هذا الكتاب من الإخوان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد فيجري عندكم أمور تجري عندنا من سابق وننصح إخواننا إذا جرى منها شئ حتى فهموها، وسببها أن بعض أهل الدين ينكر منكراً وهو مصيب لكن يخطئ في تغليظ الأمر إلى شئ يوجب الفرقة بين الإخوان، وقد قال الله تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون. واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا )) الآية، وقال صلى الله عليه وسلم : (( إن الله يرضى لكم ثلاثاً : أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً وأن تعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا وأن تناصحوا من ولاه الله أمركم )) وأهل العلم يقولون الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر يحتاج إلى ثلاث أن يعرف ما يأمر به وينهى عنه، ويكون رفيقاً فيما يأمر به وينهى عنه صابراً على ما جاء من الأذى، وأنتم محتاجون للحرص على فهم هذا والعمل به فإن الخلل إنما يدخل على صاحب الدين من قلة العمل بهذا أو قلة فهمه، وأيضاً يذكر العلماء أن إنكار المنكر إذا صار يحصل بسببه افتراق لم يجز إنكاره، فالله الله في العمل بما ذكرت لكم والتفقه فيه فإنكم إن لم تفعلوا صار إنكاركم مضرة على الدين، والمسلم ما يسعى إلا في صلاح دينه ودنياه ؛ وسبب هذه المقالة التي وقعت بين أهل الحوطة لو صار أهل الدين واجباً عليهم إنكار المنكر فلما غلظوا الكلام صار فيه اختلاف بين أهل الدين فصار فيه مضرة على الدين والدنيا، وهذا الكلام وإن كان قصيراً فمعناه طويل فلازم تأملوه وتفقهوا فيه واعملوا به فإن عملتم به صار نصراً للدين واستقام الأمر إن شاء الله، والجامع لهذا كله أنه إذا صدر المنكر من أمير أو غيره أن ينصح برفق خفية ما يشترف أحد، فإن وافق وإلا استحلق عليه رجلا يقبل منه يخفيه،

(1/173)


فإن لم يفعل فيمكن الإنكار ظاهراً إلا أن كان على أمير ونصحه ولا وافق واستلحق عليه ولا وافق فيرفع الأمر يمنا خفية، وهذا الكتاب كل أهل بلد ينسخون منه نسخة ويجعلونها عندهم ثم يرسلونه لحرمة والمجمعة ثم للغاط والزلفي والله أعلم.

الرسالة الخامسة والأربعون
(ص299)
ومنها رسالة أرسلها إلى أحمد بن يحيى مطوع من أهل رغبة قال فيها :
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى أحمد بن يحيى سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
ما ذكرت من طرف مراسلة سليمان فلا ينبغي أنها تزعلك :
الأولى : أنه لو خالف فمثلك يحلم ولا يأتي بغايته هذا ولا أكثر منه.

(1/174)


وثانياً : إنك إذا عرفت أن كلامه ماله فيه قصد إلا الجهدة في الدين ولو صار مخطئاً فالأعمال بالنيات والذي هذا مقصده يغتفر له ولو جهل عليك، ونحن ملزمون عليك لزمة جيدة، وربك ونبيك ودينك لزمتهم لزمة تتلاشى فيها كل لزمة وهذه الفتنة الواقعة ليست في مسائل الفروع التي مازال أهل العلم يختلفون فيها من غير نكير ولكن هذه في شهادة أن لا إله إلا الله والكفر بالطاغوت، ولا يخفاك أن الذي عادانا في هذا الأمر هم الخاصة الذين ليسوا بالعامة، هذا ابن إسماعيل والمويس وابن عبيد جاءتنا خطوطهم في إنكار دين الإسلام الذي حكى في (الإقناع) في باب حكم المرتد الإجماع من كل المذاهب أن من لم يدن به فهو كافر وكاتبناهم ونقلنا لهم العبارات وخاطبناهم بالتي هي أحسن ما زادهم ذلك إلا نفورا، وزعموا أن أهل العارض ارتدوا لما عرفوا شيئاً من التوحيد وأنت تفهم أن هذا لا يسعك التكفي عنه، فالواجب عليك نصر أخيك ظالماً ومظلوماً وإن تفضل الله عليك بفهم ومعرفة فلا تعذر لا عند الله ولا عند خلقه من الدخول في هذا الأمر، فإن كان الصواب معنا فالواجب عليك الدعوة إلى الله وعداوة من صرح بسبب دين الله ورسوله، وإن كان الصواب معهم أو معنا شئ من الحق وشئ من الباطل أو معنا غلو في بعض الأمور فالواجب منك مذاكرتنا ونصيحتنا وتورينا عبارات أهل العلم لعل الله أن يردنا بك إلى الحق، وإن كان إذا حررت المسألة إذ أنها من مسائل الاختلاف، وأن فيها خلافاً عند الحنفية أو الشافعية أو المالكية فتلك مسألة أخرى.
وبالجملة فالأمر عظيم ولا نعذرك من تأمل كلامنا وكلامهم ثم نعرضه على كلام أهل العلم ثم تبين في الدعوة إلى الحق وعداوة من حاد الله ورسوله منا أو من غيرنا والسلام.

(1/175)


الرسالة السادسة والأربعون
(ص 303 )
ومنها رسالة أرسلها إلى عبد الله بن عيسى مطوع الدرعية قال فيها :
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الله بن عيسى.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أما بعد :
فقد قال ابن القيم في أعلام الموقعين (( فإن لم يستجيبوا لك فاعلم أنما يتبعون أهواءهم )) فقسم الأمر إلى أمرين لا ثالث لهما : إما الاستجابة للرسول، وإما اتباع الهوى وذكر كلاماً في تقرير ذلك إلى أن قال : ثم أخبر سبحانه أن من تحاكم أو حاكم إلى غير ما جاء به الرسول فقد حكم الطاغوت وتحاكم إليه يعني الآيات في النساء (( ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكمون إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ) قال : والطاغوت كل ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله أو يتبعونه على غير بصيرة من الله أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة لله فهذه طواغيت العالم إذا تأملتها وتأملت أحوال الناس معها رأيت أكثرهم ممن أعرض عن طاعة الله ومتابعة رسوله إلى طاعة الطاغوت ومتابعته، وهؤلاء لم يسلكوا طريق الناجين من هذه الأمة وهم الصحابة ومن تبعهم قال الله : (( فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون )) والزبر الكتب أي كل فرقة صنفوا كتبا أخذوا بها وعملوا بها دون كتب الآخرين كما هو الواقع سواء وقال : (( يوم تبيض وجوه وتسود وجوه )) قال ابن عباس تبيض وجوه أهل السنة والائتلاف، وتسود وجوه أهل الفرقة والاختلاف. هذا كله كلام ابن القيم. وقال الشيخ تقي الدين في كتاب (الإيمان) قال الله تعالى : (( اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ) الآية وفي حديث عدى بن حاتم أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم : (( إنا لسنا نعبدهم، قال أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه ويحلون ما حرم الله فتحلونه ؟ قلت : بلى قال : فتلك عبادتهم )) رواه الإمام أحمد والترمذي وغيره وقال أبو العالية إنهم وجدوا في كتاب الله ما أمروا به وما نهوا عنه فقالوا لن نسبق أحبارنا بشئ فما أمرونا به ائتمرنا وما نهونا عنه

(1/176)


انتهينا لقولهم ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم انتهى كلام ابن تيمية، فتأمل هذا الكلام بشراشر قلبك ثم نزله على أحوال الناس وحالك وتفكر في نفسك وحاسبها بأي شئ تدفع هذا الكلام وبأي حجة تحتج يوم القيامة على ما أنت عليه فإن كان عندك شبهة فاذكرها فأنا أبينها إن شاء الله تعالى، والمسألة مثل الشمس ولكن من يهدى الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادى له، وإن لم يتسع عقلك لهذا فتضرع إلى الله بقلب حاضر خصوصاً في الأسحار أن يهديك للحق ويريك الباطل باطلا، وفر بدينك فإن الجنة والنار قدامك والله المستعان، ولا تستهجن هذا الكلام فو الله ما أردت به إلا الخير، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

(1/177)


الرسالة السابعة والأربعون
(ص 307 )
وله أيضاً رحمة الله تعالى
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى نغيمش وجميع الإخوان.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
إن سألتم عنا فنحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، ونخبركم أنا بخير وعافية، أتمها الله علينا وعليكم في الدنيا والآخرة، وسرنا والحمد لله ما بلغنا عنكم من الأخبار من الاجتماع على الحق، والإتباع لدين محمد صلى الله عليه وسلم وهذا هو أعظم النعم المجموع لصاحبه بين خيري الدنيا والآخرة، عسى الله أن يوفقنا وإياكم لذلك، ويرزقنا الثبات عليه، ولكن يا إخواني لا تنسوا قول الله تعالى : ((وجعلنا بعضكم لبعض فتنة أتصبرون وكان ربك بصيراً )) وقوله : (( أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين )) فإذا تحققهم أن من اتبع هذا الدين لابد له من الفتنة، فاصبروا قليلا، ثم ابشروا عن قليل بخير الدنيا والآخرة ؛ واذكروا قول الله تعالى : (( إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد )) وقوله : (( ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين، إنهم لهم المنصورون وإن جندنا لهم الغالبون )) وقوله تعالى : (( إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين. كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز )) فإن رزقكم الله الصبر على هذا، وصرتم من الغرباء الذين تمسكوا بدين الله مع ترك الناس إياه، فطوبى ثم طوبى إن كنتم ممن قال فيه نبيكم صلى الله عليه وسلم : (( بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء، قيل : يا رسول الله من الغرباء ؟ قال : (( الذين يصلحون إذا افسد الناس )) فيالها من نعمة ؟ ويا لها من عظيمة ؟ جعلنا الله وإياكم من أتباع الرسول، وحشرنا تحت لوائه، وأوردنا حوضه الذي يرده من تمسك بدينه في الدنيا، ثم أنتم في أمان الله وحفظه والسلام.

(1/178)


الرسالة الثامنة والأربعون
(ص 311 )
وفى سنة 1184هـ أرسل الشيخ محمد بن عبد الوهاب والإمام عبد العزيز بن محمد بن سعود إلى والي مكة الشيخ عبد العزيز الحصين وكتبا إلى الوالي المذكور رسالة هذا نصها :
بسم الله الرحمن الرحيم
المعروض لديك، أدام الله أفضل نعمه عليك، حضره الشريف أحمد بن الشريف سعيد أعزه الله في الدارين والأعز به دين جده سيد الثقلين.
إن الكتاب لما وصل إلى الخادم ونأمل ما فيه الكلام الحسن رفع يديه بالدعاء إلى الله بتأييد الشريف لما كان قصده نصر الشريعة المحمدية ومن تبعها وعداوة من خرج عنها، وهذا هو الواجب على ولاة الأمور ولما طلبتم من ناحيتنا طالب علم امتثلنا الأمر وهو واصل إليكم، ويجلس في مجلس الشريف أعزه الله هو وعلماء مكة، فإن اجتمعوا فالحمد لله على ذلك، وإن اختلفوا أحضر الشريف كتبهم وكتب الحنابلة والواجب على الكل منا ومنكم أنه يقصد بعلمه وجه الله ونصر رسوله كما قال تعالى : ( وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمن به ولتنصرنه )) فإذا كان سبحانه قد أخذ الميثاق على الأنبياء إن أدركوا محمداً صلى الله عليه وسلم على الإيمان به ونصرته فكيف بنا يا أمته ؟ فلا بد من الإيمان به ولابد من نصرته لا يكفي أحدهما عن الآخر، وأحق الناس بذلك وأولادهم به أهل البيت الذي بعثه الله منهم وشرفهم على أهل الأرض، وأحق أهل البيت بذلك من كان من ذريته صلى الله عليه وسلم والسلام.

الرسالة التاسعة والأربعون
(ص 313)
ومنها رسالة أرسلها أيضاً إلى بن عيسى وابنه عبد الوهاب قال فيها :
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الله بن عيسى وعبد الوهاب.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :

(1/179)


فقد ذكر لي أنكم زعلانين علي في هذه الأيام بعض الزعل ولا يخفاكم أني زعلان زعلاً كبيراً وناقد عليكم نقوداً أكبر من الزعل، ولكن وابطناه واظهراه، ومعي في هذه الأيام بعض تنغص المعيشة والكدر مما يبلغني عنكم والله سبحانه إذا أراد أمراً فلا راد له وإلا ما خطر على البال أنكم ترضون لأنفسكم بهذا، ثم من العجب كفكم عن نفع المسلمين في المسائل الصحيحة وتقولون لا يتعين علينا الفتيا ثم تبالغون في مثل هذه الأمور مثل التذكير الذي صرحت الأدلة والإجماع وكلام الإقناع بإنكاره ولاودي أنكم بعد ما أنزلكم الله هذه المنزلة وأنعم عليكم بما تعلمون وما لا تعلمون وجعلكم من أكبر أسباب قبول الناس لدين ربكم وسنة نبيكم وجهادكم في ذلك وصبركم على مخالفة دين الآباء ـ أنكم ترتدون على أعقابكم، وسبب هذا أنه ذكر لي عنكم أنكم ظننتم أني أعنيكم ببعض الكلام الذي أجبت به من اعتقد حل الرشوة وأنه مزعلكم فيا سبحان الله كيف أعنيكم به وأنا كاتب لكم تسجلون عليه وتكونون معي أنصاراً لدين الله ؟ وقيل لي إنكم ناقدون علي بعض الغلظة فيه على ملفاه والأمر أغلظ مما ذكرنا ولولا أن الناس إلى الآن ما عرفوا دين الرسول وأنهم يستنكرون الأمر الذي لم يألفوه ـ لكان شأن آخر، بل والله الذي لا إله إلا هو لو يعرف الناس الأمر على وجهه لأفتيت بحل دم ابن سحيم وأمثاله ووجوب قتلهم كما أجمع على ذلك أهل العلم كلهم لا أجد في نفسي حرجاً من ذلك، ولكن إن أراد الله أن يتم هذا الأمر تبين أشياء لم تخطر لكم على بال، وإن كانت من المسائل التي إذا طلبتم الدليل بيننا أنها من إجماع أهل العلم، وبالحاظر لا يخفاكم أن معي غيظ عظيم ومضايقة من زعلكم وأنتم تعلمون أن رضا الله ألزم والدين لا محاباة فيه وأنتم من قديم لا تشكون في والآن غايتكم قريبة وداخلتكم الريبة وأخاف أن يطول الكلام فيجري فيه شئ يزعلكم وأنا في بعض الحدة فأنا أشير عليكم وألزم أن عبد الوهاب يزورنا سواء كان

(1/180)


يومين وإلا ثلاثة، وإن كان أكثر يصير قطعاً لهذه الفتنة ويخاطبني وأخاطبه من الرأس، وإن كان كبر عليه الأمر فيوصي لي وأعني له فإن الأمر الذي يزيل زعلكم ويؤلف الكلمة ويهديكم الله بسببه نحرص عليه ولو هو أشق من هذا اللهم إلا أن تكونوا ناظرين شيئا من أمر الله فالواجب عليكم اتباعه، والواجب علينا طاعتكم والإنقياد لكم وإن أبينا كان الله معكم وخلقه، ولا يخفاكم أنه وصلني أمس رسالة في صفة مذاكرتكم في التذكير وتطلبون مني جواباً عن أدلتكم وأنتم ضحكتم علي ابن فيروز وتسافهتموه وتساخفتم عقله في جوابه وانحرفتم تعدلون عدالة لكن ما أنا بكاتب لهم جواباً لأن الأمر معروف أنه منكم وأخاف أن أكتب لهم جواباً فينشرونه فيزعلكم وأشوف غايتكم قريبة وتحملون الأمر على غير محمله والسلام.

(1/181)


الرسالة الخمسون
(ص 317 )
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى عبد الله بن عيد وبعد :
أبلغ السلام أحمد والحمولة وعيالكم، وما ذكرت أن الحمولة
(1) فلا نحو (2) الكتاب قرأه سليمان ورحت أنا وإياه لابن عقيل ليسأله عن هذا، وتقدمت إلى بيته، ولحقني هو وابن ماهر قبل أن أواجه أحمد، وقال ابن ماهر إني كاتب ها الكلمة من عندي ما دري بها أحد فلا تشرفوه ولا شرفناه، فهذا بابها أني ما دريت بها لا أنا، ولا ابن عقيل والعجب أنهم يزعلون علي وينقدون، ويقولون إنه يصدق الأكاذيب وتغيره علينا، وهم ما انقدوا على أنفسهم أنهم يزعلون ويتغيرون بلا خبر صدق ولا كذب ـ إلا ظن سوء ظانينه فإن كان كل كلمة قيلت عندنا يحملونها على فتراهم يلقون كلاماً كباراً فيهم وفي غيرهم في الدين والدنيا خصوصاً في هذه القضية، يحكى عندنا كلاماً ما يتجاسر العاقل ينطق به، فإن كان مذكور لكم أني قائل شيئاً أو قائل أحد يحضرني كلام سوء ولا رديت عليه ـ فاذكروا لي ترى التنبيه حسن ولا يدخل خاطري إلا ربما أني أعرف أنه محبة وصفو، والذي يكدر الخاطر زعلكم، وإظهار كم للناس الزعل والتغير بسبب ظن سوء وإلا ما من قبلكم كذب ولا صدق. وأما من باب السؤالات وأنكم بلغكم أني ظان أنها من عبد الله فهذا عجب كيف تظنون أني ما أعرف خط ابن صالح ؟ وأيضاً أفهم أن عبد الله لا يسأل عن هذا، وأيضاً أنا ما أنقد عليه ولا عليكم إلا قلة الحرص والسؤال عن هذا الأمر لما فتح الله عليكم منه بعض الشئ، وودى ما يجي جماميل إلا ومعهم من عندكم سؤالات عن هذا وأمثاله فكيف أزعل منه ؟ بل هذا هو الذي يرضيني لكن هذه أنتم معذورون فيها إذا كانت عن ابن عمر، وهو متوهم ما حاكاني في بيان هذا الأمر لما وقع، ولا يدري عن الذي في خاطري لكنه يسمع من أهل الجنوبية وغيرهم، ونعرف حال الكلام من بعيد.

(1/182)


فهذا صفة الأمر فإن كان أنتم المخالفون المتغيرون فالحق عليكم، فإن كان جارياً مني شئ تنقده فتراني أحب أن تنبهني عليه لا تترك بيان شئ في خاطرك من قبلي، وإن كنتم متجرفين على التغير أوجتكم الفتنة وودكم ببرد الأرض فهذا شئ آخر. وأما قولكم : إن الأمور ليست على الذي أعهده، وتشيرون علي بترك الكلام فلا أدري إيش مرادكم ؟ هو مرادك أني مثلكم في أحد لا ينبغي الكلام فيه ممن لا يظهر إلا الإيمان ولو ظنياً فيه النفاق فهذا كلام مقبول، وإن كان بلغك عني شيئاً فنبهني جزاك الله خيراً وإن كان مرادك أني أسكت عمن أظهر الكفر والنفاق، وسل سيف البغض على دين الله وكتابه ورسوله مثل ولد ابن سحيم، ومن أظهر العداوة لله ورسوله من أهل العيينة والدرعية أو غيرهم، فهذا لا ينبغي منك، ولا يطاع أحد في معصية الله، فإن وافقتونا على الجهاد في سبيل الله وإعلاء كلمة الله فلكم الحظ الأوفر، وإلا لم تضروا الله شيئا، وقد ذكر النبي صلى الله عليه وسلم: أن الطائفة المنصورة لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفم (( وسيعلم الكفار لمن عقبي الدار )) وقد ذم الله الذي لا يثبت على دينه إلا عند ما يهواه فقال : (( ومن الناس من يعبد الله على حرف )) الآية (1) وينبغي لكم إذا عجزتم أوجبتم أنكم ما ما تلوموننا، ونحمد الله الذي يسر لنا هذا، وجعلنا من أهله، وقد أخبر أنه عند وجود المرتدين فلا بد من وجود المحبين المحبوبين فقال تعالى : (( يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأت الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين)) الآية(2) جعلنا الله وإياكم من الذين لا تأخذهم في هذا لومة لائم، وقيل لي إن ولد ابن سحيم كاتب لكم جواب الذي جاه فاذكر لي، وأبلغ السلام عيالكم ومن أردتم من الإخوان، وسليمان وثنيان يبلغون الجميع السلام والسلام.

(1/183)


الرسالة الحادية والخمسون
(ص 321 )
بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد بن عبد الوهاب إلى الإخوان (1) عبد الله بن على ومحمد بن جماز
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد :
لا تحركون إلى أن ننبكم تراكم ما تجوزون إلا براضة هلحين. وفرج وعرفج الذين وراهم يبون يتبينون في الدين ولا يبغون شيئاً فأنت يا عبد الله أخبرهم بالمبغي منهم ترى الأمر يدور على ما قال الله تعالى : (( فإن تأبوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة )) الآية فأمرهم بي يفهمونه ولكن الآمر لهم يأمرهم بالتوبة من الشرك والدخول في الإسلام، وأهل القصيم غارهم إن ما عندهم قبب ولا سادات، ولكن أخبرهم أن الحب والبغض والموالاة والمعاداة لا يصير للرجل دين إلا بها ماداموا ما يغيضون أهل الزلفي وأمثالهم فلا ينفعهم ترك الشرك ولا ينفعهم قول : (( لا إله إلا الله )) فأهم ما تفطنهم له كون التوحيد من أخل به مثل من أخل بصوم رمضان ولو ما أبغضه. وكذلك الشرك إن كان ما أبغض أهله مثل بغض من تزوج بعض محارمه فلا ينفعه ترك الشرك، وتفطنهم للآيات التي ذكر الله في الموالاة والمعاداة مثل قوله : (( ومن يتولهم منكم فإنه منهم )) وقوله في المعاداة : (( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه )) إلى قوله : (( حتى تؤمنوا بالله وحده )) الآية، واذكر لهم أنه واجب على الرجل يعلم عياله وأهل بيته ذلك أعظم من وجوب تعليم الوضوء والصلاة. والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم.
هذا آخر ما تيسر جمعه من الرسائل الشخصية للشيخ محمد بن عبد الوهاب، نسأل الله أن ينفع بها وأن يجعل العمل خالصاً لوجهه الكريم.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.
الفهرس

رقم الرسالة ... الموضوع
1 ... رسالة الشيخ إلى أهل القصيم
2 ... رسالته إلى محمد بن عباد مطوع ثرمداء
3 ... رسالته إلى محمد بن عيد
4 ... رسالته إلى فاضل آل مزيد رئيس بادية الشام
5 ... رسالته إلى السويدي عالم من العراق
6 ... رسالته إلى العلماء الأعلام في بلد الله الحرام

(1/184)


7 ... رسالته إلى عالم من أهل المدينة
8 ... رسالته إلى ابن صياح
9 ... رسالته إلى عامة المسلمين
10 ... رسالته إلى حمد التويجري
11 ... رسالته إلى عبد الله بن سحيم
12 ... جواب الشيخ عن الشبهة التي احتج بها من أجاز وقف الجنف والأثم
13 ... رد الشيخ على سليمان بن سحيم
14 ... رسالته إلى البكبلي صاحب اليمن
15 ... رسالته إلى إسماعيل الجراعي
16 ... رسالته إلى عبد الله بن عبد الله الصنعاني
17 ... رسالته إلى أهل المغرب
18 ... رسالة الشيخ إلى الأخ حسن
19 ... رسالته إلى محمد بن عيد وعبد القادر العديلي وجماعة معهم
20 ... رسالته إلى عبد الله بن سحيم
21 ... رسالته إلى محمد بن سلطان
22 ... رسالته إلى عامة المسلمين
23 ... رسالة الشيخ إلى ثنيان بن سعود
24 ... رسالته إلى عبد الرحمن بن ربيعة
25 ... جواب الشيخ عن كتاب وصله
26 ... رسالته إلى علماء الإسلام
27 ... رسالته إلى عامة المسلمين
28 ... رسالته إلى أهل الرياض ومفتوحة
29 ... رسالته إلى عامة المسلمين
30 ... رسالته إلى الأخ فايز
31 ... رسالة الشيخ إلى أحمد بن إبراهيم مطوع مرات
32 ... رسالته إلى محمد بن فارس
33 ... رسالته إلى أحمد بن عبد الكريم
34 ... رسالته إلى سليمان بن سحيم
35 ... رسالته إلى عبد الله بن عيس وابنه وعبد الله بن عبد الرحمن
36 ... رسالته إلى الأخوان
37 ... رسالة الشيخ إلى محمد بن عبد اللطيف
38 ... رسالته إلى الإخوان المؤمنين
39 ... رسالته إلى عبدالوهاب بن عبد الله بن عيسى
40 ... رسالته إلى عبدالوهاب بن عبد الله بن عيسى
41 ... رسالته إلى الأخوين أحمد بن محمد بن سويلم وثنيان بم سعود
42 ... رسالته إلى عبد الله بن عبد سويلم
43 ... رسالته إلى جماعة أهل شقراء
44 ... رسالته إلى الإخوان من أهل سدير
45 ... رسالته إلى أحمد بن يحي
46 ... رسالته إلى عبد الله بن عيسى مطوع الدرعية
47 ... رسالته إلى نغيمش وجميع الإخوان

(1/185)


48 ... رسالته إلى والي مكة
49 ... رسالته إلى عبد الله بن عيسى وابنه عبدالوهاب
50 ... رسالته إلى عبد الله بن عيد
51 ... رسالته إلى الإخوان عبد الله بن علي ومحمد بن جماز

(1/186)