صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


فصل في موجب النفقة وموانعها

(3/435)


كنشوز أو صغر
وبدأ بالأول فقال " الجديد أنها " أي النفقة وتوابعها " تجب بالتمكين " التام لأنها سلمت ما ملك عليها فتستحق ما يقابله من الأجرة لها
والمراد بالوجوب استحقاقها يوما بيوم كما صرحوا به
ولو حصل التمكين وقت الغروب قال الإسنوي فالقياس وجوبها بالغروب اه "
والظاهر كما قال شيخنا أن المراد وجوبها بالقسط فلو حصل ذلك وقت الظهر فينبغي وجوبها لذلك من حينئذ
وهل التمكين سبب أو شرط فيه وجهان أوجههما الثاني
واستثني من ذلك صورتان إحداهما ما لو منعت نفسها لتسليم المهر المعين أو الحال فإن لها النفقة من حينئذ أما المؤجل فليس لها حبس نفسها له وإن حل خلافا للإسنوي
الصورة الثانية ما لو أراد الزوج سفرا طويلا قال البغوي في فتاويه لامرأته المطالبة بنفقة مدة ذهابه ورجوعه كما لا يخرج للحج حتى يترك لها هذا المقدار أي إذا لم يستنب من يدفع لها ذلك يوما بيوم
فإن قيل يجوز السفر لمن عليه دين مؤجل يعلم أنه يحل قبل رجوعه وإن لم يستأذن غريمه ولم يترك وفاء فهلا كان هنا كذلك أجيب بأن هذه محبوسة عنده وتتضرر بذلك بخلاف من له الدين
وخرج بالتام المقدر في كلامه ما لو سلمت نفسها في زمن أو محل دون غيره فإنه لا نفقة لها
تنبيه :
لو تقدم العقد موجب النفقة كالحامل البائن إذا عقد عليها مطلقا هل تحتاج للتمكين أو لا الأقرب كما قال الزركشي أنه لا بد منه لأن ذلك الموجب سقط بالعقد فصار كأن لم يكن
لا العقد
فلا تجب به النفقة لأنه يوجب المهر وهو لا يوجب عوضين مختلفين ولأنها مجهولة والعقد لا يوجب مالا مجهولا ولأنه صلى الله عليه و سلم تزوج عائشة رضي الله عنها وهي بنت ست سنين ودخل بها بعد سنتين ولم ينقل أنه أنفق عليها قبل الدخول ولو كان حقا لها لساقه إليها ولو وقع لنقل
والقديم وحكي جديدا أنها تجب بالعقد وتستقر بالتمكين فلو امتنعت منه سقطت
ثم فرع المصنف على القولين قوله " فإن اختلفا فيه " أي التمكين فقالت مكنت في وقت كذا وأنكر ولا بينة " صدق " بيمينه على الجديد لأن الأصل عدمه وعلى القديم هي المصدقة لأن الأصل بقاء ما وجب بالعقد وهو يدعي سقوطه
فإن توافقا على التمكين ثم ادعى نشوزها وأنكرت صدقت بيمينها على الصحيح لأن الأصل عدم النشوز وقيل هو ( 3 / 436 ) المصدق لأن الأصل براءة ذمته ورجع الأول لأن الأصل بقاء ما وجب وهو يدعي سقوطه
وفرع على القولين أيضا قوله " فإن لم تعرض عليه " زوجته " مدة " مع سكوته عن طلبها ولم تمتنع " فلا نفقة " لها " فيها " على الجديد لعدم التمكين وتجب على القديم
و
على الجديد " إن عرضت عليه " وهي بالغة عاقلة مع حضوره في بلدها كأن بعثت إليه تخبره أني مسلمة نفسي إليك فاختر أن آتيك حيث شئت أو تأتي إلي " وجبت " نفقتها " من " حين " بلوغ الخبر " له لأنه حينئذ مقصر
فإن غاب
عن بلدها قبل عرضها إليه ورفعت الأمر إلى الحاكم مظهرة له التسليم " كتب الحاكم " المرفوع إليه الأمر " لحاكم بلده " أي الزوج " ليعلمه " الحال " فيجيء " الزوج لها يتسلمها " أو يوكل " من يجيء يسلمها له أو يحملها إليه وتجب النفقة في وقت التسليم
تنبيه :
مجيئه بنفسه أو وكيله حين علمه يكون على الفور
فإن لم يفعل
شيئا من الأمرين مع إمكان المجيء أو التوكيل " ومضى زمن " إمكان " وصوله " إليها " فرضها القاضي " في ماله من حين إمكان وصوله وجعل كالمستلم لها لأنه المانع منه
أما إذا لم يمكنه ذلك فلا يفرض عليه شيئا لأنه غير معرض قاله العمراني والجرجاني وغيرهما كذا نقله الأذرعي ومن تبعه وقيدوا به كلام الكتاب
تنبيه :
هذا إن علم مكان الزوج فإن جهل كتب الحاكم إلى الحكام الذين ترد عليهم القوافل من بلده عادة لينادى باسمه فإن لم يظهر أعطاها القاضي نفقتها من ماله الحاضر وأخذ منها كفيلا بما يصرف إليها لاحتمال موته أو طلاقه
أما إذا غاب بعد عرضها عليه وامتناعه من تسلمها فإن النفقة تقرر عليه ولا تسقط بغيبته
والمعتبر في
زوجة " مجنونة ومراهقة عرض ولي " لهما على أزواجهما لأنه المخاطب بذلك ولا اعتبار بعرضهما لكن لو عرضت المراهقة نفسها على زوجها فتسلمها ولو بغير إذن وليها وجبت نفقتها
وفي عبارة الشرحين فتسلمها وصار بها إلى منزله وظاهرها أنه لو تسلمها ولم يصر بها لا تستحق
والظاهر كما قال الأذرعي أنه ليس بشرط ولذلك أسقطه ابن المقري ونعم ما فعل
وتسلم الزوج والمراهق زوجته كاف وإن كره الوطء
فإن قيل لو تسلم المراهق المبيع لم يكف فهلا كان هنا كذلك أجيب بأن القصد ثم أن تصير اليد للمشتري وهي للولي فيما اشتراه للمراهق لا له
تنبيه :
كان الأحسن للمصنف أن يعبر بالمعصر بدل المراهقة لأنه يقال في اللغة غلام مراهق وجارية معصر ولا يقال مراهقة لأنها من صفات الذكور
ثم شرع في موانع النفقة فقال " وتسقط " نفقة كل يوم " بنشوز " أي خروج عن طاعة الزوج بعد التمكين والعرض على الجديد وقبله على القديم لأنها تجب بالتسليم فتسقط بالمنع
والمراد بالسقوط عدم الوجوب وإلا فالسقوط حقيقة إنما يكون بعد الوجوب
تنبيه :
نشوز غير المكلفة كالمكلفة لاستواء الفعلين في التفويت على الزوج وسواء أقدر الزوج على ردها إلى الطاعة قهرا أم لا لأن له عليها حق الحبس في مقابلة وجوب النفقة فإذا نشزت عليه سقط وجوب النفقة
ولو نشزت نهارا دون الليل أو عكسه أو بعض أحدهما سقطت نفقة جميع اليوم لأنها لا تتجزأ بدليل أنها تسلم دفعة واحدة ولا تفرق غدوة وعشية وقيل تستحق نفقة ما قبل النشوز من زمن الطاعة بالقسط وقطع به السرخسي
و
تسقط و " لو " كان نشوزها " بمنع لمس " أو غيره من مقدمات الوطء " بلا عذر " بها إلحاقا لمقدمات الوطء بالوطء فإن كان عذر كمنع لمس من بفرجها قروح وعلمت أنه متى لمسها واقعها لم يكن منعها نشوزا
تنبيه :
قضية كلامه أنها لو مكنت من الوطء ومنعت بقية الاستمتاعات أنه نشوز وهو الأصح في زوائد الروضة في باب القسم والنشوز
ونبه باللمس على أن ما فوقه بطريق الأولى لكن لا يفهم منه أنها لو منعته النظر بتغطية وجهها أو توليته يكون نشوزا والأصح في زيادة الروضة أنه نشوز
وعبالة زوج
وهي بفتح العين كبر آلته بحيث لا تحتملها ( 3 / 437 ) الزوجة " أو مرض " بها " يضر " ها " معه الوطء عذر " في منعها من وطئه فتستحق النفقة مع منع الوطء لعذرها إذا كانت عنده لحصول التسليم الممكن ويمكن التمتع بها من بعض الوجوه
وتثبت عبالته بأربع نسوة لأنها شهادة يسقط بها حق الزوج ولهن نظر ذكره في حال الجماع للشهادة بذلك وليس لها الامتناع من الزفاف لعبالته ولها ذلك بالمرض لأنه متوقع الزوال
فروع لا يسقط النفقة عذر يمنع الجماع عادة كمرض ورتق وقرن وضنى وهو بالفتح والقصر مرض مدنف وحيض ونفاس وجنون وإن قارنت تسليم الزوجة لأنها أعذار بعضها يطرأ ويزول وبعضها دائم وهي معذورة فيها وقد حصل التسليم الممكن
ويمكن التمتع بها من بعض الوجوه وفارق ما لو غصبت بخروجها عن قبضة الزوج وفوات التمتع بالكلية وتسقط نفقتها بحبسها ولو ظلما كما لو وطئت بشبهة فاعتدت
ولو حبسها الزوج بدينه هل تسقط نفقتها أو لا لأن المنع من قبله الأقرب كما قال الأذرعي أنها إن منعته منه عنادا سقطت أو لإعسار فلا ولا أثر لزناها وإن حبلت لأنه لا يمنع الاستمتاع بها
والخروج
للزوجة " من بيته " أي الزوج حاضرا كان أو لا " بلا إذن " منه " نشوز " منها سواء كان لعبادة كحج أم لا يسقط نفقتها لمخالفتها الواجب عليها
إلا أن يشرف
البيت " على انهدام " فليس بنشوز لعذرها
تنبيه :
قد يفهم الاستثناء حصره في هذه الصورة وليس مرادا فإنها تعذر في صور غير ذلك منها ما إذا أكرهت على الخروج من بيته ظلما
ومنها ما إذا خرجت المحلة وبقي البيت منفردا وخافت على نفسها
ومنها ما لو كان المنزل لغير الزوج فأخرجها منه صاحبه
ومنها ما لو خرجت إلى القاضي لطلب حقها منه
ومنها ما إذا أعسر بالنفقة سواء أرضيت بإعساره أم لا
ومنها ما لو خرجت إلى الحمام ونحوه من حوائجها التي يقتضي العرف خروج مثلها له لتعود عن قرب للعرف في رضا مثله بذلك
ومنها ما لو خرجت لاستفتاء لم يغنها الزوج عن خروجها له
ومنها ما لو خرجت لبيت أبيها لزيارة أو عيادة كما سيأتي
فلو قال إلا لعذر لشمل ذلك كله
وسفرها بإذنه معه
ولو لحاجتها " أو " وحدها بإذنه " لحاجته لا يسقط " نفقتها لأنها ممكنة في الأولى وفي غرضه في الثانية فهو المسقط لحقه
تنبيه :
ظاهر كلامه أنها لو سافرت معه بغير إذنه السقوط وليس مرادا فقد صرحا في قسم الصدقات بعدمه لأنها تحت حكمه لكنها تعصي وهذا ظاهر إذا لم يمنعها الزوج من الخروج فإن منعها فخرجت ولم يقدر على ردها سقطت نفقتها كما بحثه الأذرعي وقال البلقيني إنه التحقيق
و
سفرها وحدها بإذنه " لحاجتها يسقط " نفقتها " في الأظهر " لانتفاء التمكين
والثاني لا لإذنه لها في السفر
تنبيه :
سكت المصنف عن مسألتين الأولى ما لو خرجت وحدها بإذنه لحاجتهما فمقتضى المرجح في الأيمان فيما إذا قال لزوجته إن خرجت لغير الحمام فأنت طالق فخرجت له ولغيره أنها لا تطلق عدم السقوط هنا
قال البلقيني وهو ما كتبته أولا ثم ظهر لي من نص الأم والمختصر ما يقتضي السقوط حيث قال وإذا سافرت الحرة بإذنه أو بغير إذنه فلا قسم لها ولا نفقة إلا أن يكون هو الذي أشخصها فلا تسقط عنه نفقتها ولا قسمها
قال الولي العراقي وعندي أن أخذ المسألة من نظيرها المشارك لها في المدرك أولى من التمسك بظاهر لفظ النص في قوله هو الذي أشخصها لإمكان تأويله
وقال ابن العماد ينبغي سقوطها أخذا مما رجحوه من عدم وجوب المتعة فيما إذا ارتدا معا قبل الوطء قال وهو ظاهر لأنه قد اجتمع فيه المقتضى والمانع اه "
وليس بظاهر كما قال بل الأول كما قال شيخنا أوجه لأن ما احتج به لا ينافي عدم سقوط نفقتها لأن الأصل عدم وجوب المتعة حتى يوجد المقتضي لوجوبها خاليا من المانع ولم يوجد والأصل هنا بعد التمكين عدم سقوط النفقة حتى يوجد المقتضى لسقوطها خاليا من المانع ولم يوجد إذ المقتضي لسقوطها فيما نحن فيه خروجها لغرضها وحده
وإذا قلنا بعدم السقوط في هذه الصورة يستثنى منها ما نقلاه في الصداق ( 3 / 438 ) عن مجرد الحناطي من أنه لو تزوج ببغداد امرأة بالكوفة وقلنا اعتبار التسليم بموضع العقد فتسلم نفسها ببغداد ولا نفقة لها قبل أن تصل بغداد مع أن السفر لبغداد لحاجتهما
الصورة الثانية ما إذا سافرت وحدها بإذنه لحاجة ثالث قال الزركشي ويظهر أنها كحاجة نفسها وهو كما قال بعض المتأخرين ظاهر إذا لم يكن خروجها بسؤال الزوج لها فيه وإلا فينبغي أن يلحق بخروجها لحاجته بإذنه
ولو نشزت
في حضور الزوج بأن خرجت من بيته كما قاله الرافعي بغير إذنه " فغاب " عنها " فأطاعت " بعد غيبته برجوعها إلى بيته " لم تجب " نفقتها زمن الطاعة " في الأصح " لانتفاء التسلم والتسليم إذ لا يحصلان مع الغيبة والثاني يجب لعودها إلى الطاعة
و
على الأول " طريقها " في عود استحقاق النفقة لها بعد طاعتها في غيبة زوجها " أن يكتب الحاكم " بعد رفعها الأمر إليه " كما سبق " في ابتداء التسليم فيكتب لحاكم بلده ليعلمه بالحال فإن عاد أو وكيله واستأنف تسلمها عادت النفقة وإن مضى زمن إمكان العود ولم يعد ولا بعث وكيله عادت النفقة أيضا على ما مر في المقيس عليه
أما إذا كان نشوزها بغير الخروج من بيتها كأن ارتدت أو خالفته من غير خروج من المنزل عادت النفقة بعودها إلى الإسلام أو الطاعة في غيبته وإن أفهم كلام المتن خلافه
ولو خرجت في غيبته
لا على وجه النشوز بل " لزيارة " لأقاربها أو جيرانها " ونحوها " كعيادتهم وتعزيتهم " لم تسقط " نفقتها إذ لا يعد ذلك نشوزا عرفا
تنبيه :
في بعض نسخ المحرر تقييد الزيارة ببيت أبيها ونقلاه في الروضة كأصلها عن البغوي
قال ابن شهبة وحذف المصنف هذا القيد ليشمل غير الأب من المحارم
قال الزركشي وهو ظاهر إلا أن الإطلاق يشمل الأجانب والمتجه خلافه اه "
والأوجه ما قاله الدميري من أن المراد خروجها إلى بيت أبيها أو أقاربها أو جيرانها لزيارة أو عيادة أو تعزية ولهذا تبعته في حل المتن
ونقل الزركشي عن الحموي شارح التعجيز أنه ليس لها الخروج لموت أبيها ولا شهود جنازته وأقره والظاهر خلافه أخذا مما مر
والأظهر أن لا نفقة
ولا توابعها " لصغيرة " لا تحتمل الوطء لتعذره لمعنى فيها
والثاني تجب كالرتقاء والقرناء والمريضة كما مر
وأجاب الأول بأن المرض يطرأ ويزول والرتق والقرن مانع دائم قد رضي به ويشق معه ترك النفقة مع أن التمتع بغير الوطء لا يفوت كما مر
و
الأظهر " أنها تجب لكبيرة " والمراد من يمكن وطؤها لا البالغة كما قد يتوهم " على " زوج " صغير " لا يمكن منه جماع إذا سلمت نفسها أو عرضتها على وليه
إذ لا مانع من جهتها فأشبه ما لو سلمت نفسها إلى كبير فهرب
وإحرامها بحج أو عمرة
أو مطلقا " بلا إذن " من الزوج " نشوز " من وقت الإحرام " إن لم يملك تحليلها " مما أحرمت به وهو في إحرامها بفرض على قول مرجوح مر في باب الحج لأنها منعته نفسها بذلك فتكون ناشزة من وقت الإحرام وإن لم تخرج سواء أكان الزوج محرما أم حلالا " فإن ملك " تخليلها بأن كان ما أحرمت به تطوعا أو فرضا على الأظهر كما مر في باب الإحصار " فلا " يكون إحرامها حينئذ نشوزا فتستحق النفقة لأنها في قبضته وهو قادر على التحليل والاستمتاع فإذا لم يفعل فهو المفوت نفسه
تنبيه :
لو أسقط قوله بحج أو عمرة لكان أخصر وأعم ليشمل ما قدرته في كلامه
وقضية كلامه أنه يحرم الإحرام بغير إذنه لأنه جعله نشوزا والمذكور في بابه استحباب الاستئذان فالمراد هنا بيان ما يسقط النفقة وما لا يسقطها لا بيان الإباحة والتحريم
ويستثنى من كلامه ما لو أفسد حجها المأذون فيه بجماع فإنها تقتضيه على الفور ولها الإحرام بغير إذن وعليه الخروج معها كما ذكره الأذرعي وتجب نفقتها
وحيث قيل بوجوب نفقتها فتستمر " حتى تخرج " من بيتها فإذا خرجت " فمسافرة لحاجتها " فإن سافرت وحدها بإذنه سقطت نفقتها في الأظهر أو معه استحقت ( 3 / 439 ) أو بغير إذنه فناشزة كما مر
أو
أحرمت بما ذكر " بإذن " من زوجها " ففي الأصح لها نفقة ما لم تخرج " لأنها في قبضته
والثاني لا تجب لفوات الاستمتاع بها
ودفع بأن فواته تولد من إذنه
تنبيه :
قوله ما لم تخرج أنها لو خرجت سقطت نفقتها وهو كذلك إن خرجت وحدها فإن خرج معها لم تسقط كما مر
ويمنعها
أي يجوز لزوجها منعها من " صوم نفل " مطلق سواء أمكنه جماعها أو امتنع عليه لعذر حسي كجبة أو رتقها أو شرعي كتلبسه بواجب كصوم وإحرام
وبحث الأذرعي أنه لا يمنع من لا يحل له وطؤها كمتحيرة ومن لا تحتمل الوطء مردود لأن حقه واجب عليها وله قطعه أيضا إذا شرعت فيه
فإن أبت
أي امتنعت من الفطر بعد أمره لها به " فناشزة في الأظهر " وفي الروضة والشرحين الأصح لامتناعها من التمكين وإعراضها عنه بما ليس بواجب وصومها في هذه الحالة حرام كما في زوائد الروضة في صوم التطوع
وحكي في المجموع هناك وجهين أصحهما هذا والثاني أنه مكروه قال فلو صامت فمقتضى المذهب في نظائره الجزم بعدم الثواب وإن كان صحيحا كما سبق في الصلاة في الدار المغصوبة فكذا هنا
والثاني أنها لا تكون ناشزة لأنها في قبضته وله إخراجها منه متى شاء أما النفل الراتب كعرفة وعشوراء فليس له منعها منه على الصحيح ولا تسقط نفقتها بالامتناع من فطره فهو كرواتب الصلاة
تنبيه :
لو نكحها صائمة تطوعا لم يجبرها على الفطر كما في الروضة وأصلها عن المروزي
وفي سقوط نفقتها وجهان أوجههما السقوط كما قاله الأذرعي لأن الفطر أفضل عند طلب التمتع
وحيث سقطت بالصوم هل يسقط الكل أو النصف وجهان أصحهما الأول
والأصح أن قضاءه
من صوم أو صلاة " لا يتضيق " بأن لم يجب فورا كفطرها بعذر في رمضان والوقت متسع أو نامت عن الصلاة حتى خرج وقتها حكمه " كنفل فيمنعها " أي فيجوز له منعها منه ومن إتمامه لأنه على التراخي وحقه على الفور
والثاني أنه ليس كالنفل فلا يمنعها منه
وبالأول قطع الأكثرون كما في الروضة فكان الأولى التعبير بالمذهب
أما ما يتضيق كالفطر تعديا أو بعذر ولم يبق من شعبان إلا قدره أو أخرجت الصلاة عن وقتها بلا عذر فليس له المنع منه والنفقة فيه واجبة على الأصح في الروضة وإن أشعر كلام الرافعي بترجيح السقوط
وله منعها من منذور معين نذرته بعد النكاح بلا إذن ومن صوم كفارة إن لم تعص بسببه لأنه على التراخي ومن منذور صوم أو صلاة مطلق سواء أنذرته قبل النكاح أو بعده ولو بإذنه لأنه موسع
و
الأصح المنصوص " أنه لا منع " له " من تعجيل مكتوبة أول وقت " لحيازة فضيلته
وقضية هذا التعليل أن له المنع من التعجيل إذا لم يندب كالإبراد وهو ما بحثه الزركشي
والثاني له المنع لاتساع الوقت كالحج والعمرة
وأجاب الأول بقصر مدة الصلاة
ولو كانا مسافرين لم يمنعها من تعجيل صوم رمضان في السفر كما أفتى به الفزاري وهو متجه كما قال الأذرعي إن لم يكن الفطر أفضل
و
لا منع من " سنن راتبة " لتأكدها
وظاهر كلامهم أنه يمنعها من تعجيلها مع المكتوبة أول الوقت وكذا من تطويلها كما صرح به الماوردي قال الأذرعي ومن التطويل الزائد في الفرائض بل تأتي بالأكمل من السنن والآداب
تنبيه :
تسقط نفقتها بالاعتكاف إلا بإذن من زوجها وهو معها أو بغير إذن لكن اعتكفت بنذر معين سابق للنكاح فلا تسقط نفقتها
وأورد على تخصيص المصنف السنن بالرواتب العيدين والكسوفين فليس له منعها من فعلها في المنزل ولكن يمنعها من الخروج لذلك
وأجيب بأن المراد بالراتبة ما لها وقت معين سواء توابع الفرائض وغيرها وقد ذكر الرافعي أن هذا اصطلاح القدماء وحينئذ فيدخل العيد والتراويح والضحى وقد مرت الإشارة إلى ذلك في باب صلاة النفل
فرع لو نكح مستأجرة العين
لم تجب نفقتها وقال الماوردي و الروياني له الخيار في فسخ النكاح إن جهل ( 3 / 440 ) الحال لفوات التمنع عليه نهارا مع عذره وإن رضي المستأجر بتمكينه منها فيه لأنه متبرع ووعد لا يلزم
وقضية كلام الجمهور عدم ثبوت الخيار وهو المعتمد كما مرت الإشارة إليه في خيار النكاح وبه صرح صاحب الذخائر وغيره وقال الأذرعي وإن ثبوته غريب ولم أره لغير الماوردي
واستشكل عدم وجوب نفقتها بنذرها الصوم أو الاعتكاف المعين قبل النكاح
وأجيب بأن هنا يدا حائلة بخلاف مسألتي الصوم والاعتكاف
وتجب لرجعية
حرة أو أمة حائل أو حامل " المؤن " من نفقة وكسوة وغيرهما لبقاء حبس الزوج لها وسلطنته عليها وقدرته على التمتع بها بالرجعة ولا يسقط ما وجب لها إلا بما يسقط به ما يجب للزوجة ويستمر وجوبه لها حتى تقر هي بانقضاء عدتها بوضع الحمل أو بغيره فهي المصدقة في استمرار النفقة كما تصدق في بقاء العدة وثبوت الرجعة
إلا مؤنة تنظف
فلا تجب لها لامتناع الزوج عنها إلا إن تأذت بالهوام للوسخ فيجب كما قال الزركشي ما ترفه به كما مر في الخادم
تنبيه :
يستثنى من وجوب نفقة الرجعية ما لو قال الزوج طلقت بعد الولادة فلي الرجعة وقالت بل قبلها وقد انقضت عدتي فالقول قوله في بقاء العدة وثبوت الرجعة ولا نفقة لها لزعمها كما جزم به الرافعي ومقتضاه أنه لا نفقة لها وإن راجعها لإنكارها استحقاقها
ومثل هذا لو اختلفا في أصل الطلاق البائن وأنكره الزوج وحلف قال في المطلب وهو ما أورده الرافعي في كتاب القسم وجعله أصلا مقيسا عليه قال لكن ظاهر نص الأم الوجوب اه "
وهذا أوجه لأنها محبوسة لأجله كما يؤخذ مما مر فيما إذا ادعت الرضاع وأنكر
ولو قال الزوج طلقتك قبل الوضع وانقضت عدتك فلا نفقة لك الآن فقالت بل طلقتني بعده فلي النفقة وجبت العدة عليها في الوقت الذي تزعم أنه طلقها فيه ووجبت لها النفقة وسقطت الرجعة لأنها بائن بزعمه
فلو ظنت
بضم أوله مطلقته الرجعية " حاملا " بولد يلحقه " فأنفق " زوجها عليها " فبانت " بعد اتفاقه " حائلا " أو أقرت بانقضاء العدة " استرجع ما دفع " إليها من النفقة " بعد " انقضاء " عدتها " لأنه تبين أن ذلك ليس عليه والقول قولها في قدر مدتها بيمينها إن كذبها وبدونه إن صدقها
فإن جهلت وقت انقضائها قدر بعادتها حيضا وطهرا إن لم تختلف فإن اختلفت اعتبر بأقلها فيرجع الزوج بما زاد لأنه المتيقن هي لا تدعي زيادة عليه
فإن نسيتها اعتبرت بثلاثة أشهر فيرجع بما زاد عليه أخذا بغالب العادات وقيل يرجع بما زاد على أقل ما يمكن انقضاء العدة به
تنبيه :
لو انتفى عنه الولد الذي أتت به لعدم إمكان لحوقه استرد الزوج منها ما أنفقه عليها في مدة الحمل ولكنها تسأل عن الولد فقد تدعي وطء شبهة في أثناء العدة والحمل يقطعها كالنفقة فتتم العدة بعد وضعه وينفق عليها تتميمها
و
المعتدة " الحائل البائن بخلع أو ثلاث " في الحر وثنتين في العبد " لا نفقة لها ولا كسوة " قطعا لزوال الزوجية فأشبهت المتوفى عنها
ويجبان
أي النفقة والكسوة " لحامل " لقوله تعالى " وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن " ولأنها مشغولة بمائه فهو مستمتع برحمها فصار كالاستمتاع بها في حال الزوجية إذ النسل مقصود بالنكاح كما أن الوطء مقصود به
تنبيه :
اقتصاره على النفقة والكسوة قد يفهم أنه لا يجب غيرهما وليس مرادا بل يجب لها الأدم كما في زوائد الروضة والسكنى كما مر آخر العدد وذكر البغوي في فتاويه أيضا وجوب الخادم للمخدومة
واحترز بالبينونة بالخلع أو الثلاث عن البائن بالفسخ بالعيب وغيره والأصح أنه إن كان بسبب مقارن للعقد كالعيب والغرور فلا نفقة كما ذكره الرافعي في باب الخيار لأن الفسخ به يرفع العقد من أصله ولذلك لا يجب المهر إن لم يكن دخول وإن كان بسبب عارض كالردة والرضاع واللعان إن لم ينف الولد فيجب لأنه قطع للنكاح كالطلاق وقضية كلام الدميري والزركشي إن هذا التفصيل في الحائل وليس مرادا بل إنما هو في الحامل كما تقرر
والواجب فيما ذكر " لها " بسبب الحمل على الصحيح أنها تجب مقدرة ولا تسقط بمضي الزمان ولو كانت للحمل لم يكن كذلك
وفي قول ( 3 / 441 ) قديم يجب ما ذكر
للحمل " فقط لوجوب ما ذكر بوجود الحمل وعدمه بعدم الحمل وإنما صرف لها لتغذيه بغذائها
ثم فرع على الخلاف قوله " فعلى الأول " الأصح " لا تجب " نفقة ولا غيرها " لحامل " عن وطء " شبهة " وهي غير مزوجة " أو " لحامل عن " نكاح فاسد " لأنه لا نفقة لها في حال التمكين فبعده أولى وعلى الثاني تجب كما يلزمه نفقته بعد الانفصال ولو كان زوج الحامل البائن رقيقا إن قلنا النفقة لها وجبت لأنها تجب على المعسر وإلا فلا
أما المنكوحة إذا حبلت من الوطء بالشبهة فإن أوجبنا النفقة على الواطىء سقطت عن الزوج قطعا وإلا فعلى الأصح في أصل الروضة
تنبيه :
هذا كله ما دام الزوج حيا فلو مات قبل الوضع فقضية كلام الروضة هنا السقوط وفي الشرحين والروضة في عدة الوفاة عدم السقوط وهو المعتمد
فإن قيل مقتضى قول المصنف " قلت ولا نفقة لمعتدة وفاة وإن كانت حاملا والله أعلم " ترجيح الأول
أجيب بأنها ثم وجبت قبل الموت فاغتفر بقاؤها في الدوام فإنه أقوى من الابتداء ولما مر من أن البائن لا تنتقل إلى عدة الوفاة بخلاف الرجعية
وإنما سقطت هنا لقوله صلى الله عليه و سلم ليس للحامل المتوفى عنها زوجها نفقة رواه الدارقطني بإسناد صحيح قال الشافعي رضي الله تعالى عنه ولا أعلم مخالفا في ذلك
ولأنها إن كانت حائلا فقد بانت بالموت والحائل البائن لا نفقة لها
وإن كانت حاملا فإن قلنا النفقة للحمل سقطت لأن نفقة القريب تسقط بالموت وإن قلنا لها بسببه فكذلك لأنها كالحاضنة للولد ولا تجب نفقة الحاضنة بعد الموت
تنبيه :
تسقط النفقة لا السكنى بنفي الحمل فإن استحلقه رجعت عليه بأجرة الرضاع ويبدل الانفاق عليها قبل الوضع وعلى ولدها ولو كان الإنفاق عليه بعد الرضاع
فإن قيل رجوعها بما أنفقته على الولد ينافي إطلاقهم أن نفقة القريب لا تصير دينا إلا بقرض
أجيب بأن الأب هنا تعدى بنفيه ولم يكن لها طلب في ظاهر الشرع فلما أكذب نفسه رجعت حينئذ
ونفقة العدة مقدرة كزمن
أي كنفقة زمن " النكاح " من غير زيادة ونقص لأنها من توابعه
وقيل
لا تقدر بل " تجب الكفاية " فتزاد وتنقص بحسب الحاجة
ولعل هذا قول من يقول النفقة للحمل لأنها نفقة قريب والراجح في الروضة وأصلها القطع بالأول
ولا يجب
على الزوج " دفعها " للحامل " قبل ظهور حمل " سواء أجعلناها لها أم للحمل لأنا لم نتحقق سبب الوجوب
فإذا ظهر
حملها ببينة أو اعتراف الزوج أو تصديقه لها " وجب " دفع النفقة لها " يوما بيوم " أي كل يوم لقوله تعالى " فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن " ولأنها لو أخرت إلى الوضع لتضررت " وقيل " لا يجب دفعها كذلك بل " حتى تضع " فتدفع لها جملة واحدة لأن الأصل البراءة حتى يتيقن السبب والخلاف مبني على أن الحمل يعلم أم لا والأظهر أنه يعلم وعليه لو ادعت ظهوره فأنكر فعليها البينة وتكفي فيه شهادة النساء فيثبت بأربع نسوة عدول ولهن أن يشهدن بالحمل وإن كان لدون ستة أشهر إذا عرفن
تنبيه :
لو أنفق بظن الحمل فبان خلافه رجع عليها ومر مثله في الرجعية
ولا تسقط
نفقة العدة " بمضي الزمان " من غير إنفاق " على المذهب " وإن قلنا إن النفقة للحمل لأنها هي التي تنتفع بها فتصير دينا عليه
والطريق الثاني البناء على الخلاف في أن النفقة لها أو للحمل فإن قلنا بالأول لم تسقط كنفقة الزوجة وإن قلنا بالثاني سقطت كنفقة القريب
تنبيه :
قال المتولي لو أبرأت الزوج من النفقة إن قلنا إنها لها سقطت وإلا فلا
تتمة لا نفقة لحامل مملوكة له أعتقها بناء على أنها للحامل ولا يلزم الجد نفقة زوجة ابنه الحامل منه بناء ( 3 / 442 ) على ما ذكر
ولو نشزت الحامل سقطت نفقتها ولو بائنا
ولو نكح فاسدا واستمتع بها ثم فرق بينهما فليس له الرجوع بما أنفق عليها بل يجمع ذلك في مقابلة استمتاعه بها وإتلافه منافعها
قال الأذرعي وهذا التوجيه يفهم أنه لو لم يستمتع بها وكان قد تسلمها استرد وليس مرادا

(3/435)


فصل في حكم الإعسار

(3/442)


بمؤونة الزوجة المانع لها من وجوب تمكينها إذا " أعسر " الزوج أو من يقوم مقامه من فرع أو غيره " بها " أي نفقة زوجته المستقبلة كتلف ماله " فإن صبرت " بها وأنفقت على نفسها من مالها أو مما افترضته " صارت دينا عليه " وإن لم يقرضها القاضي كسائر الديون المستقرة
تنبيه :
هذا إذا لم تمنع نفسها منه فإن منعت لم تصر دينا عليه قاله الرافعي في الكلام على الإمهال
وإلا
بأن لم تصبر " فلها الفسخ " بالطريق الآتي " على الأظهر " وقطع به الأكثرون لقوله تعالى " فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان " فإذا عجز عن الأول تعين الثاني ولخبر البيهقي بإسناد صحيح
أن سعيد بن المسيب سئل عن رجل لا يجد ما ينفق على أهله فقال يفرق بينهما
فقيل له سنة فقال نعم سنة قال الشافعي رحمه الله تعالى ويشبه أنه سنة النبي صلى الله عليه و سلم
ولأنها إذا فسخت بالجب والعنة فبالعجز عن النفقة أولى لأن البدن لا يقوم بدونها بخلاف الوطء
والثاني المنع وهو قول أبي حنيفة والمزني لعموم قوله تعالى " وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة " ولأنه إذا لم يثبت له الخيار بنشوزها وعجزها عن التمكين فكذلك لا يثبت لعجزه عن مقابله
أما لو أعسر بنفقة ما مضى فلا فسخ على الأصح ولا فسخ لها أيضا بالاعسار بنفقة الخادم سواء أخدمت نفسها أم استأجرت أم أنفقت على خادمها
نعم تثبت في ذمته على المشهور وينبغي كما قال الأذرعي أن يكون هذا في المخدومة لرتبتها أما من تخدم لمرضها ونحوه فالوجه عدم الثبوت كالقريب
تنبيه :
ليست هذه الفرقة فرقة طلاق بل فسخ كما فهم من المتن والرجعية كالتي في العصمة قاله إبراهيم المروزي
والأصح أن لا فسخ
للزوجة " بمنع " أي امتناع " موسر " من الإنفاق بأن لم يوفها حقها منه سواء " أحضر " زوجها " أو غاب " عنها لتمكنها من تحصيل حقها بالحاكم أو بيدها إن قدرت وعند غيبته يبعث الحاكم لحاكم بلده إن كان موضعه معلوما فيلزمه بدفع نفقتها فإن لم يعرف موضعه بأن انقطع خبره فهل لها الفسخ أو لا نقل الزركشي عن صاحبي المهذب والكافي وغيرهما أن لها الفسخ ونقل الروياني في التجربة عن نص الأم أنه لا فسخ ما دام الزوج موسرا وإن غاب غيبة منقطعة وتعذر استيفاء النفقة من ماله اه "
قال الأذرعي وغالب ظني الوقوف على هذا النص في الأم فإن ثبت له نص يخالفه فذاك وإلا فمذهبه المنع بالتعذر كما رجحه الشيخان اه "
وهذا أحوط والأول أيسر
تنبيه :
قول المصنف موسر ليس بقيد فإنه لو غاب وجهل حاله في اليسار والإعسار فلا فسخ لأن السبب لم يتحقق
قال الرافعي فلو شهدت البينة أنه غاب معسرا فلا فسخ كما أفتى به ابن الصلاح استصحابا لدوام النكاح
قال فلو شهدت بإعساره الآن بناء على الاستصحاب جاز لها ذلك إذا لم تعلم زواله وجاز الفسخ حينئذ فإن عاد الزوج وادعى أن له مالا بالبلد خفي على بينة الإعسار لم يؤثر إلا أن يثبت أنها تعلمه ويقدر عليه فيتبين بطلان الفسخ قاله الغزالي في فتاويه
ولو حضر الزوج وغاب ماله فإن كان
غائبا " بمسافة القصر " فأكثر " فلها الفسخ " ولا يلزمها الصبر للضرر كما في نظيره من فسخ البائع عند غيبة الثمن
تنبيه :
هذا إذا لم ينفق عليها بنحو استدانة وإلا فلا فسخ لها ولو قال أنا أحضره مدة الإمهال فالظاهر كما قال الأذرعي إجابته
وإلا
بأن كان دون مسافة القصر " فلا " فسخ لها " يؤمر بالإحضار " بسرعة لأن ( 3 / 443 ) ما دون مسافة القصر كالحاضر في البلد
ولو تبرع رجل
مثلا " بها " عن زوج معسر " لم يلزمها القبول " بل لها الفسخ كما لو كان لها دين على إنسان فتبرع غيره بقضائه لا يلزمه القبول لما فيه من المنة
تسقط النفقة لا السكنى بنفي الحمل فإن استحلقه رجعت عليه بأجرة الرضاع ويبدل الانفاق عليها قبل الوضع وعلى ولدها ولو كان الإنفاق عليه بعد الرضاع
وحكى ابن كج وجها أنه لا خيار لها وبه أفتى الغزالي لأن المنة على الزوج لا عليها
ولو سلمها المتبرع للزوج ثم سلمه الزوج لها لم يفسخ كما صرح به الخوارزمي
ولو كان المتبرع أبا أو جدا والزوج تحت حجره وجب عليها القبول كما قاله الإسنوي وألحق الأذرعي به ولد الزوج وسيده قال ولا شك فيه إذا أعسر الأب وتبرع ولده الذي يلزمه إعفافه
تنبيه :
يجوز لها إذا أعسر الزوج وله دين على غيره مؤجل بقدر مدة إحضار مال الغائب من مسافة القصر الفسخ بخلاف تأجيله بدون ذلك ولها الفسخ أيضا لكون ماله عروضا لا يرغب فيها ولكون دينه حالا على معسر ولو كان الدين عليها لأنها في حال الإعسار لا تصل إلى حقها والمعسر ينظر بخلافها في حال اليسار وبخلاف ما إذا كان دينه على موسر حاضر غير مماطل
ولو غاب المديون الموسر وكان ماله بدون مسافة القصر فهل لها الفسخ أو لا وجهان أوجههما الثاني وكلام الرافعي يميل إليه فإن كان المديون حاضرا وماله بمسافة القصر كان لها الفسخ كما لو كان مال الزوج غائبا
ولا يفسخ بكون الزوج مديونا وإن استغرقت الديون ماله حتى يصرفه إليها
ولا تفسخ بضمان غيره له بإذنه نفقة يوم بيوم بأن تجدد ضمان كل يوم وأما ضمانها جملة لا يصح فتنفسخ به
وقدرته
أي الزوج " على الكسب كالمال " أي كالقدرة عليه فلو كان يكسب كل يوم قدر النفقة لم يفسخ لأنها هكذا تجب وليس عليه أن يدخر للمستقبل فلو كان يكسب في يوم ما يكفي لثلاثة أيام متصلا ثم لا يكسب يومين أو ثلاثة ثم يكسب في يوم ما يكفي للأيام الماضية فلا فسخ فإنه ليس بمعسر ولا تشق الاستدانة لمثل هذا التأخير اليسير
وليس المراد أن يصبرها هذه المدة بلا نفقة بل المراد كما قاله الماوردي والروياني وغيرهما أن هذا في حكم الواجد لنفقتها وتنفق مما استدانه لإمكان القضاء فلو كان يكسب في يوم كفاية أسبوع فتعذر العمل فيه لعارض فسخت لتضررها ويكون قدرته على الكسب بمنزلة دين مؤجل له على غيره بقدر ما مر فيه ولو امتنع من الكسب مع قدرته عليه لم تفسخ كالموسر الممتنع
تنبيه :
أفهم كلامه أنه لا يلزمه الكسب للإنفاق عليها وهو كذلك كما يلزمه لنفقة نفسه وأنه لو قدر على تكسب نفقة الموسر لزمه تعاطيه ولكن الذي في الروضة وأصلها أوائل هذا الباب أن القدرة على كسب واسع لا يخرجه عن حد الإعسار
وأطلق الشيخان الكسب ومحله إذا كان قادرا على كسب حلال أما إذا كان الكسب بأعيان محرمة كبيع الخمر أو كان الفعل الموصل الكسب محرما ككسب المنجم والكاهن فهو كالعدم وإن خالف الماوردي والروياني في القسم الثاني
وإنما يفسخ
للزوجة النكاح " بعجزه " أي الزوج " عن نفقة معسر " حاضرة لأن الضرر يتحقق بذلك فلو عجز عن نفقة موسر أو متوسط لم ينفسخ لأن نفقته الآن نفقة معسر فلا يصير الزائد دينا عليه بخلاف الموسر أو المتوسط إذا أنفق مدا فإنها لا تفسخ ويصير الباقي دينا عليه
فروع لو وجد الزوج نصف المد بكرة غد وقته ونصفه عشاء كذلك لم تفسخ في الأصح ولو وجد يوما مدا ويوما نصف مد كان لها الفسخ ولو وجد كل يوم أكثر من نصف مد كان لها الفسخ أيضا كما شملته عبارة المصنف وإن زعم الزركشي خلافه
والإعسار بالكسوة كهو
أي كالإعسار " بالنفقة " على الصحيح إذ لا بد منها ولا يبقى البدن بدونها غالبا وقيل لا لأن الحياة تبقى بدونها
تنبيه :
سكت الشيخان عن الإعسار ببعض الكسوة وأطلق الفارقي أن لها الفسخ
والتحرير فيها كما قال الأذرعي ما أفتى به ابن الصلاح وهو أن المعجوز عنه إن كان مما لا بد منه كالقميص والخمار وجبة الشتاء فلها الخيار وإن كان منه بد كالسراويل والنعل وبعض ما يفرش والمخدة فلا خيار ولا فسخ بالعجز عن الأواني ونحوها كما جزم به ( 3 / 444 ) المتولي لأنه ليس ضروريا كالسكنى وإن كان يصير دينا في ذمته
وكذا
الإعسار " بالأدم والمسكن " كهو بالنفقة " في الأصح " للحاجة إليهما لأنه يعسر الصبر على الخبز البحت أي الذي بلا أدم ولا بد للإنسان من مسكن يقيه من الحر والبرد
والثاني لا فسخ بذلك أما المسكن فلأن النفس يقوم بدونه فإنه لا يعدم مسجدا أو موضعا مباحا ورد بأن الحوالة على المسجد ونحوه كالحوالة في النفقة على السؤال
وأما الأدم فلأن البدن يقوم بدونه ولذا قال المصنف " قلت الأصح المنع " أي منع فسخها " في " الإعسار بسبب " الأدم والله أعلم " بخلاف القوت وهذا ما صححه الرافعي في الشرح الصغير واقتضى كلام الكبير أن الأكثرين عليه وتوسط الماوردي فقال إن كان القوت مما ينساغ دائما للفقراء بلا أدم فلا فسخ وإلا فسخت وتقدم الكلام على الإعسار بنفقة الخادم
وفي إعساره بالمهر أقوال أظهرها
عند الأكثرين " تفسخ قبل وطء " للعجز عن تسليم العوض مع بقاء المعوض فأشبه ما إذا لم يقبض البائع الثمن حتى حجر على المشتري بالفلس والمبيع باق بعينه
وهذا الفسخ على الفور كما صرح به الرافعي وكلام التتمة يقتضي خلافه
ولا
تفسخ " بعده " لتلف المعوض وصيرورة العوض دينا في الذمة
والثاني لا يثبت الفسخ مطلقا لأن النفس تقوم بدون المهر
والثالث تفسخ مطلقا أما قبل الدخول فلما مر وأما بعده فلأن البضع لا يتلف حقيقة بالوطء
تنبيه :
محل ما ذكر من التفصيل ما إذا لم تقبض من المهر شيئا فلو قبضت بعضه قبل الدخول كما هو معتاد وأعسر بالباقي أفتى ابن الصلاح بأنه لا فسخ بعجزه عن بقيته لأنه استقر له من البضع بقسطه فلو فسخت لعاد لها البضع بكماله لتعذر الشركة فيه فيؤدي إلى الفسخ فيما استقر للزوج بخلاف نظيره من الفسخ بالفلس لإمكان الشركة في البيع
وأفتى البارزي بأن لها الفسخ وهو مقتضى كلام المصنف لصدق العجز عن المهر بالعجز عن بعضه وبه صرح الماوردي وقال الأذرعي هو الوجه نقلا ومعنى اه "
وهذا هو المعتمد كما اعتمده السبكي وغيره إذ يلزم على فتوى ابن الصلاح كما قال ابن شهبة إجبار الزوجة على تسليم نفسها بتسليم بعض الصداق إذ ليس لها منع الزوج مما استقر له من البضع وهو مستبعد
ولو أجبرت لاتخذ الأزواج ذلك ذريعة إلى إبطال حق المرأة من حبس نفسها بتسليم درهم واحد من صداق هو ألف درهم وهو في غاية البعد
وقول ابن الصلاح لو جوزنا للمرأة الفسخ لعاد إليها البضع بكماله معارض بمثله وهو أنه لو لم يجز لها الفسخ للزم إجبارها على تسليم البضع بكماله مع أنه لا محذور في رجوع البضع إليها بكماله لأن الصداق يرد على الزوج بكماله إذ على تقدير الفسخ يجب عليها رد ما قبضه
ولا فسخ
بإعسار زوج بشيء مما ذكر " حتى يثبت عند قاض " بعد الرفع أو عند محكم " إعساره " ببينة أو إقراره فلا بد من الرفع إلى القاضي كما في العنة لأنه محل اجتهاد
ويكفي عن القاضي إذا قلنا يحكم بعلمه وحينئذ " فيفسخه " بنفسه أو نائبه بعد الثبوت " أو يأذن لها فيه " وليس لها مع علمها بالعجز الفسخ قبل الرفع إلى القاضي ولا بعده قبل الإذن فيه
ولا حاجة كما قال الإمام إلى إيقاعه في مجلس الحكم لأنه الذي يتعلق به إثبات حق الفسخ
تنبيه :
هذا إذا قدرت على الرفع إلى القاضي فإن استقلت بالفسخ لعدم حاكم ومحكم أو عجزت عن الرفع إلى القاضي نفذ ظاهرا وباطنا للضرورة
أما عند القدرة على ذلك فلا ينفذ ظاهرا وكذا باطنا كما رجحه ابن المقري وصرح به الإسنوي أخذا من نقل الإمام له عن مقتضى كلام الأئمة وقول المصنف فيفسخه بالرفع بخطه ويجوز فيه وفي يأذن النصب عطفا على يثبت
ثم
على ثبوت الفسخ بإعسار الزوج بالنفقة لا يمهل بها " في قول " ونسب للقديم بل " ينجز الفسخ " عند الإعسار وقت وجوب تسليمها لأن سببه الإعسار وقد حصل ولا تلزم الإمهال بالفسخ " والأظهر إمهاله ثلاثة أيام " وإن لم يطلب الزوج الإمهال لتحقق عجزه فإنه قد يعجز لعارض ثم يزول وهي مدة قريبة ( 3 / 445 ) يتوقع فيها القدرة بقرض أو غيره
ولها
بعد الإمهال " الفسخ صبيحة الرابع " بعجزه عن نفقته بلا مهلة إلى بياض النهار لتحقق الإعسار " إلا أن يسلم نفقته " أي الرابع فقط فلا تفسخ لما مضى حينئذ لتبين زوال العارض الذي كان الفسخ لأجله وإن عجز بعد أن سلم نفقة الرابع عن نفقة الخامس بنت على المدة ولم تستأنفها كما يعلم من قوله " ولو مضى " على زوجها " يومان بلا نفقة وأنفق الثالث " بأن سلم زوجته نفقته " وعجز الرابع " أي عجز فيه عن تسليم نفقته " بنت " على اليومين الأولين ولها الفسخ صبيحة الخامس في الصورتين لتضررها بالاستئناف
وقيل تستأنف
مدة كاملة لأن العجز الأول قد زال
وضعفه الإمام بأنه قد يتخذ ذلك عادة فيؤدي إلى ضرر عظيم
تنبيه :
ليس لها أن تأخذ نفقة يوم قدر فيه عن نفقة يوم قبله عجز فيه عن نفقته لتفسخ عند تمام المدة لأن العبرة في الأداء بقصد المؤدى
ولو سلمها المتبرع للزوج ثم سلمه الزوج لها لم يفسخ كما صرح به الخوارزمي
فإن تراضيا على ذلك ففيه احتمالان أحدهما لها الفسخ عند تمام الثلاث بالتلفيق
وثانيهما لا وتجعل القدرة عليها مبطلة للمهلة
قال الأذرعي والمتبادر ترجيح الأول ورجح ابن الرفعة الثاني بناء على أنه لا فسخ بنفقة المدة الماضية
وأجيب عنه بأن عدم فسخها بنفقة المدة الماضية قبل أيام المهلة لا فيها
ولها الخروج
من بيتها " زمن المهلة " نهارا " لتحصيل النفقة " بكسب أو تجارة أو سؤال
وليس له منعها سواء كانت فقيرة أم غنية لأن التمكين والطاعة في مقابلة النفقة فإذا لم يوفها ما عليه لم يستحق عليها حجرا
تنبيه :
قضية كلامه أنه لو أمكنها الإنفاق من مالها أو كسب في بيته امتنع عليها الخروج وهو وجه والصحيح المنصوص الأول
وعليها الرجوع
إلى بيتها " ليلا " لأنه وقت الإيواء دون العمل والاكتساب ولها منعه من الاستماع بها نهارا ولا تسقط نفقتها بذلك فكذا ليلا لكن تسقط نفقتها عن ذمة الزوج مدة منعها
وظاهر عبارة ابن المقري سقوطها حيث منعته والمعتمد الأول ففي الحاوي أنه يستحق التمتع بها ليلا لا نهارا من المهلة فإن أبت نهاره فليست بناشزة أو ليلا فناشزة ولا نفقة لها وتبعه في الكفاية
ولو رضيت بإعساره
العارض " أو نكحته عالمة بإعساره فلها الفسخ بعده " أي الرضى في الصورتين لأن الضرر يتجدد كل يوم ولا أثر لقولها رضيت بإعساره أبدا فإنه وعد لا يلزم الوفاء به
تنبيه :
يستثنى من إطلاقه يوم الرضا فإنه لا خيار لها فيه كما قاله البندنيجي والبغوي
ويتجدد الإمهال إذا طلبت الفسخ بعد الرضى
ولو رضيت بإعساره بالمهر فلا
فسخ لها بذلك بعد الرضى لأن الضرر لا يتجدد والحاصل الرضى به
تنبيه :
سكت المصنف عما لو نكحته عالمة بإعساره بالمهر بل قضيته ثبوت الفسخ لكنهما رجحا عدمه كما لو رضيت به في النكاح ثم بدا لها أن تفسخ بخلاف النفقة
قال الإسنوي وهذا ضعيف والمذهب خلافه فقد حكاه العمراني عن الجديد وذلك عن القديم وقد اغتر في الروضة بما قاله الرافعي من عنده لما لم يقف على غيره وزاد فعبر بالأصح
وقال الزركشي قال ابن الرفعة وعلى الفسخ اقتصر الماوردي والجمهور اه "
وبالجملة فالمعتمد عدم الفسخ لما مر
وسكت أيضا عما لو نكحت ثم علمت بإعساره فأمسكت عن المحاكمة والذي نقلاه عن الروياني وأقراه وهو في الحاوي أنه إذا كان ذلك بعد طلبها المهر كأن رضي بالإعسار وسقط خيارها وإن كان قبل المطالبة لم يسقط فقد تؤخر المطالبة لوقت اليسار والخيار بعد الرفع إلى القاضي على الفور فلو أخرت الفسخ سقط لأن الضرر لا يتجدد وقد رضيت بإعساره وقبله على التراخي لأنها قد تؤخر الطلب لتوقع اليسار
وعلم من كونه على الفور بعد الطلب أنه لا يمهل ثلاثة أيام ولا دونها وبه صرح الماوردي والروياني قال الأذرعي وليس بواضح بل قد يقال إن الإمهال هنا أولى لأنها تتضرر بتأخير النفقة بخلاف المهر انتهى وهو ظاهر ( 3 / 446 ) لكن المنقول خلافه
و
اعلم أن الفسخ حق الزوجة وحينئذ " لا فسخ لولي صغيرة ومجنونة " وإن كان فيه مصلحة لهما " بإعسار بمهر ونفقة " كما لا يطلق عليهما وإن كان فيه مصلحتهما لأن الخيار يتعلق بالطبع والشهوة فلا يفوض إلى غير مستحقه
وينفق عليهما من مالهما فإن لم يكن لهما مال أنفق عليهما من عليه نفقتهما كنفقة الخلية وتصير نفقتهما ومهرهما دينا عليه يطالب به إذا أيسر
تنبيه :
أفهم كلامه أن عدم فسخ ولي البالغة من باب أولى والسفيهة البالغة هنا كالرشيدة
ولو اعسر زوج أمة
أو من فيها رق كما فهم بالأولى بالنفقة " أو الكسوة فلها الفسخ " بذلك وليس للسيد منعها منه لأنه حقها فإن ضمن لها النفقة بعد طلوع فجر يومها صح كضمان الأجنبي
فإن قيل كيف يضمن السيد وهو رب الدين دينه أجيب بأن النفقة في الأصل لها ثم يتلقاها السيد فصح ضمانه
تنبيه :
استثني من ثبوت الخيار لها ما لو أنفق السيد عليها من ماله فإنه لا خيار لها حينئذ وما لو كانت زوجة أحد أصول سيدها الموسر الذي يلزمه إعفافه لأن نفقتها على سيدها وحينئذ فلا فسخ له ولا لها
وألحق بها نظائرها كما لو زوج أمته بعده واستخدمه فإن لم يستخدمه وعجز عن الكسب فيظهر أن لها الفسخ إن لم ترض بذمته ولم ينفق عليها السيد أخذا مما مر
فإن رضيت
وهي مكلفة بإعساره " فلا فسخ للسيد في الأصح " والثاني له الفسخ لأن الملك في النفقة له وضرر فواتها يعود إليه
وأجاب الأول بما مر فيكون الفسخ لها
تنبيه :
احترز بالنفقة عن المهر فلا يثبت الفسخ لها بإعساره قبل الدخول بل هو للسيد لأنه محض حقه ولا ضرر عليها في فواته
وعلى الأول لا يلزم السيد نفقتها إذا كانت بالغة عاقلة ولكن " له أن يلجئها إليه " أي الفسخ " بأن لا ينفق عليها ويقول " لها " افسخي أو جوعي " دفعا للضرر عنه فإذا فسخت أنفق عليها واستمتع بها أو يزوجها من غيره وكفى نفسه مؤنتها أما الصغيرة والمجنونة فيمتنع عليه إلجاؤهما إذ لا يمكنهما الفسخ
فروع للأمة مطالبة زوجها بالنفقة كما كانت تطالب السيد فإن أعطاها لها برىء منها وملكها السيد دونها لأنها لا تملك لكن لها قبضها وتناولها لأنها كالمأذونة في القبض بحكم النكاح وفي تناولها بحكم العرف وتعلقت الأمة بالنفقة المقبوضة فليس له بيعها قبل إبدالها بغيرها لأن نفقتها وإن كانت له بحق الملك لكن لها فيها حق التوثق فإن أبدلها جاز له التصرف فيها ببيع وغيره
ويجوز لها إبراء زوجها من نفقة اليوم لأنها للحاجة الناجزة فكأن الملك للسيد إلا بعد القبض أما قبله فيتمحض الحق لها ولا يصح إبراؤها من نفقة أمس كما في المهر وأما السيد فيصح إبراؤه من نفقة الأمس
ولو ادعى الزوج تسليم النفقة الماضية أو الحاضرة أو المستقبلة فأنكرت الأمة صدقت بيمينها لأن الأصل عدم التسليم فإن صدقه السيد برىء من النفقة الماضية دون المستقبلة والحاضرة لأن الخصومة للسيد في الماضية كالمهر دون الحاضرة
ومن طولب بنفقة ماضية وادعى الإعسار يوم وجوبها حتى يلزمه نفقة المعسر وادعت هي اليسار فيه صدق بيمينه إن لم يعرف له مال وإلا فلا
ولو عجز العبد عن الكسب الذي كان ينفق منه ولم ترض زوجته بذمته كان لها الفسخ وإن رضيت صارت نفقتها دينا عليه
ولو عجز السيد عن نفقة أم ولده أجبر على تخليتها لتكتسب وتنفق على نفسها أو على إيجارها ولا يجبر على عتقها أو تزويجها كما لا يرفع ملك اليمين بالعجز عن الاستمتاع فإن عجزت عن الكسب فنفقتها في بيت المال

(3/442)


فصل في نفقة القريب

(3/446)


والموجب لها قرابة البعضية فقط " يلزمه " أي الشخص ذكرا كان أو غيره " نفقة الوالد " الحر " وإن علا " من ذكر أو أنثى " والولد " الحر " وإن سفل " من ذكر أو أنثى
والأصل في الأول ( 3 / 447 ) قوله تعالى " وصاحبهما في الدنيا معروفا " ومن المعروف القيام بكفايتهما عند حاجتهما وخبر أطيب ما يأكل الرجل من كسبه وولده من كسبه فكلوا من أموالهم رواه الترمذي وحسنه والحاكم وصححه
قال ابن المنذر وأجمعوا على أن نفقة الوالدين اللذين لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال الولد والأجداد والجدات ملحقون بهما إن لم يدخلوا في عموم ذلك كما ألحقوا بهما في العتق والملك وعدم القود ورد الشهادة وغيرهما
وفي الثاني قوله تعالى " فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن " إذ إيجاب الأجرة لإرضاع الأولاد يقتضي إيجاب مؤنتهم وقوله صلى الله عليه و سلم لهند خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف رواه الشيخان والأحفاد ملحقون بالأولاد إن لم يتناولهم إطلاق ما تقدم
تنبيه :
استنبط من حديث هند غير وجوب نفقة الزوجة والولد ثلاثة عشر حكما نبه على ذلك ابن النقيب وذكرتها في شرح التنبيه
ولا يضر فيما ذكر اختلاف الدين كما قال " وإن اختلف دينهما " فيجب على المسلم منهما نفقة الكافر المعصوم وعكسه لعموم الأدلة ولوجود الموجب وهو البعضية كالعتق ورد الشهادة
فإن قيل هلا كان ذلك كالميراث أجيب بأن الميراث مبني على المناصرة وهي مفقودة عند اختلاف الدين وخرج بالأصول والفروع غيرهما من سائر الأقارب كالأخ والأخت والعمة
وأوجب أبو حنيفة رضي الله تعالى عنه نفقة كل ذي محرم بشرط اتفاق الدين في غير الأبعاض تمسكا بقوله تعالى " وعلى الوارث مثل ذلك " وأجاب الشافعي رضي الله تعالى عنه بأن المراد مثل ذلك نفي المضارة كما قيده ابن عباس وهو أعلم بكتاب الله تعالى
والحر الرقيق فإن لم يكن مبعضا ولا مكاتبا فأن كان منفقا عليه فهي على سيده وإن كان منفقا فهو أسوأ حالا من المعسر والمعسر لا تجب عليه نفقة قريبه
فإن قيل العبد يلزمه نفقة زوجته فهلا كان كذلك هنا أجيب بأن نفقتها معاوضة وتلزم المعسر والعبد من أهلها
ونفقة القريب مواساة ولا تلزم المعسر فلم تلزمه لإعساره
وأما المبعض فإن كان منفقا فعليه نفقة تامة لتمام ملكه فهو كحر الكل وقيل بحسب حريته
وإن كان منفقا عليه فتبعض نفقته على القريب والسيد بالنسبة إلى ما فيه من رق وحرية
وأما المكاتب فإن كان متفقا عليه فلا يلزم قريبه نفقته على الأصح كما في زيادة الروضة هنا لبقاء أحكام عليه وإن وقع في الروضة وأصلها في قسم الصدقات أن عليه نفقته بل نفقته من كسبه فإن عجز نفسه فعلى سيده وإن كان منفقا فلا تجب عليه لأنه ليس أهلا للمواساة لأن ما معه إما غير مملوك له أو مملوك مستحق في كتابه إلا أن يكون له ولد من أمته فيجب عليه نفقته وإن لم يجز له وطؤها لأنه إن عتق فقد أنفق ماله على ولده وإن رق رق الولد أيضا فيكون قد أنفق مال السيد على رقيقه أو ولد من زوجته التي هي أمة سيده فيجب عليه نفقته لأنه ملك السيد فإن عتق أنفق ماله على ملك سيده وإن رق فقد أنفق عليه مال سيده بخلاف ولده من مكاتبة سيده لا ينفق عليه لأنها قد تعتق فيتبعها الولد لكتابته عليها ويعجز المكاتب فيكون قد فوت مال سيده
وبالمعصوم غيره من مرتد وحربي فلا تجب نفقته إذ لا حرمة له لأنه مأمور بقتله
فإن قيل تجب نفقة الرقيق وإن كان غير معصوم كما سيأتي
أجيب بأن الرقيق لما كان السيد مالكا لرقبته وله التصرف فيه خير بين أن ينفق عليه أو يزيل ملكه عنه بخلاف الأصل والفرع
تنبيه :
كما يلزم الولد نفقة الأب يلزمه نفقة رقيقه المحتاج لخدمته وكذا زوجته وقد ذكرهما المصنف في باب الإعفاف بخلاف زوجة الابن على الأصح
ثم شرع في شرط وجوب نفقة القريب فقال " بشرط يسار المنفق " من والد أو ولد لأنها مواساة فاعتبر فيها اليسار وقيل لا يشترط يسار الوالد في نفقة ولده الصغير فيستقرض عليه ويؤمر بوفائه إذا أيسر " بفاضل عن قوته وقوت عياله في يومه " وليلته التي تليه سواء أفضل ذلك بكسب أم بغيره فإن لم يفضل شيء فلا شيء عليه لقوله صلى الله عليه و سلم ابدأ بنفسك فتصدق عليها فإن فضل شيء فلأهلك فإن فضل عن أهلك فلذي قرابتك رواه مسلم
تنبيه :
في معنى القوت سائر الواجبات من مسكن وملبس فلو عبر بدله بالحاجة كان أولى
وأطلق المصنف ( 3 / 448 ) العيال وخصه الرافعي وغيره بالزوجة ولو عبر بها كان أولى والظاهر كما قال الأذرعي أن خادمها وأم ولده في حكمها ولا يشترط كونه فاضلا عن دينه كما صرح الأصحاب في باب الفلس وإن أوهم كلام الرافعي أول قسم الصدقات خلافه
ويباع فيها
أي نفقة القريب " ما يباع في الدين " من عقار وغيره لأن نفقة القريب مقدمة على وفاء الدين وإذا بيع ذلك في الدين ففي المقدم عليه أولى
ففي كيفية بيع العقار وجهان أحدهما يباع كل يوم جزء بقدر الحاجة والثاني يستقرض إلى أن يجتمع ما يسهل بيع العقار له
قال الأذرعي والثاني هو الصحيح أو الصواب اه "
وقد رجح المصنف تصحيحه في نظيره من النفقة على العبد قال البلقيني فليرجح هنا
ولو لم يوجد من يشتري إلا الكل وتعذر الإقراض قال الزركشي يبيع الكل كما أشار إليه الرافعي في الصداق في الكلام على التشطير
ويلزم كسوبا
إذا لم يكن له مال " كسبها في الأصح " إذا وجد مباحا يليق به لخبر كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت ولأن القدرة بالكسب كالقدرة بالمال ولهذا يحرم عليه الزكاة وكما يلزمه إحياء نفسه بالكسب فكذا بعضه
والثاني لا كما لا يلزمه الكسب لقضاء دينه
وأجاب الأول بأن النفقة قدرها يسير والدين لا ينضبط قدره وإلا يكلف القريب أن يسأل الناس ولا أن يقبل الهبة والوصية فإن فعل وصار بذلك غنيا لزمه مؤنة قريبه
تنبيه :
محل وجوب الاكتساب لزوجة الأب إنما هو في نفقة المعسرين فلو قدر على اكتساب متوسط أو موسر لم يجبر على الزيادة كما هو قضية كلام الإمام والغزالي وإن اقتضى كلام الماوردي الإجبار
ولا تجب
النفقة " لمالك كفايته " ولو زمنا أو صغيرا أو مجنونا لاستغنائه عنها " ولا لمكتسبها " بأن يقدر على كسب كفايته من كسب حلال يليق به لانتفاء حاجته إلى غيره وإن كان يكسب دون كفايته استحق القدر المعجوز عنه خاصة
تنبيه :
لو قدرت الأم أو البنت على النكاح لا تسقط نفقتها كما جزم به ابن الرفعة فإن قيل هلا كان ذلك كالقدرة على الكسب أجيب بأن حبس النكاح لا نهاية له بخلاف سائر أنواع الاكتساب فلو تزوجت سقطت نفقتها بالعقد ولو كان الزوج معسرا إلى أن يفسخ لئلا تجتمع بين نفقتين
وتجب لفقير غير مكتسب إن كان زمنا
وألحق به البغوي العاجز بمرض أو عمى وجزم به الرافعي في الشرح الصغير " أو " كان " صغيرا أو مجنونا " لعجزه عن كفاية نفسه
والولي حمل الصغير على الاكتساب إذا قدر عليه وينفق عليه من كسبه فلو هرب أو ترك الاكتساب في بعض الأيام وجبت نفقته على وليه ولو كان قادرا على كسب حرام كالكسب بآلة الملاهي فهو كالعدم وكذا الكسب الذي لا يليق به
وإلا
بأن قدر على الكسب ولم يكتسب ولم يكن كما ذكره " فأقوال أحسنها تجب " مطلقا للأصل والفرع لأنه يقبح للإنسان أن يكلف قريبه الكسب مع اتساع ماله
والثاني المنع مطلقا لاستغنائه بكسبه عن غيره " والثالث " تجب " لأصل لا فرع " ذكر أو أنثى لتأكيد حرمة الأصل
قلت الثالث أظهر
لما ذكر " والله أعلم " وهذا هو الأصح في أصل الروضة واقتضاه إيراد الشرحين وإن نازع في ذلك الأذرعي لأن الفرع مأمور بمعاشرة أصله بالمعروف وليس منها تكليفه الكسب مع كبر السن
وكما يجب الإعفاف ويمتنع القصاص
وهي
أي نفقة القريب " الكفاية " لقوله صلى الله عليه و سلم خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ولأنها تجب على سبيل المواساة لدفع الحاجة الناجزة
ويعتبر حاله في سنه وزهادته ورغبته ويجب اشباعه كما صرح به ابن يونس وقول الغزالي لا يجب إشباعه محمول على المبالغة في الشبع
ويجب له الأدم كما يجب له القوت ويجب له مؤنة خادم إن احتاجه مع كسوة وسكنى لائقين به وأجرة طبيب وثمن أدوية
تنبيه :
لو سلمت النفقة إلى القريب فتلفت في يده وجب إبدالها وكذا لو أتلفها بنفسه
فإن قيل في إبدالها ( 3 / 449 ) إجحاف بالدافع خصوصا مع تكرار الإتلاف
أجيب بأن الدافع مقصر إذ يمكنه أن يطعمه من غير تسليم
لكن ما أتلفه عليه فيه الضمان إذ أيسر كما قالاه وينبغي كما قال الأذرعي أن محل الضمان في الرشيد دون غيره لتقصير الدافع بل سبيله أن يطعمه أو يوكل من يطعمه ولا يسلم إليه شيئا
والنفقة وما ذكر معها إمتاع ولذلك قال المصنف " وتسقط بفواتها " بمضي الزمان وإن تعدى المنفق بالمنع لأنها وجبت بدفع الحاجة الناجزة وقد زالت بخلاف نفقة الزوجة فإنها معاوضة
و
حينئذ " لا تصير دينا " في ذمته " إلا بفرض " بالفاء بخطه " قاض أو إذنه في اقتراض " بالقاف " لغيبة أو منع " فإنها تصير دينا في ذمته لتأكد ذلك بفرض القاضي أو إذنه فيه
تنبيه :
تبع المصنف في هذا الاستثناء كالمحرر والشرحين الغزالي في الوسيط والوجيز ولا ذكر له في شيء من كتب الطريقين
قال الأذرعي وهذه المسألة مما تعم به البلوى وحكام العصر يحكمون بذلك ظانين أنه المذهب فيجب التنبه لها وتحريرها وبسط الكلام في ذلك ثم قال وألحق أن فرض القاضي بمجرده لا يؤثر عندنا بلا خلاف ومحاولة إثبات خلاف مذهبي فيه تكلف محض اه "
فالمعتمد كما عليه الجمهور أنها لا تصير دينا إلا بافتراض قاض بنفسه أو مأذونه ويمكن حمل كلام الغزالي والشيخين كما قاله بعض المتأخرين على ما إذا فرض القاضي النفقة أي قدرها وأذن لإنسان أن ينفق على الطفل مثلا ما قدره في غيبة القريب أو منعه ويرجع على قريبه فإذا أنفق صار في ذمة القريب قال وهي غير مسألة الاستقراض
وقول المصنف أو إذنه في اقتراض يقتضي أنه بمجرد ذلك يصير دينا في الذمة قال السبكي والظاهر أنه لو تأخر الاستقراض بعد إذن القاضي ومضي زمن لم يستقرض فيه أي لم يفت فيجب حمله على أن المراد إذن في الاستقراض فاستقرض اه "
وهذا الحمل هو المراد وإلا فيخالف ما عليه الجمهور ويكون الاستثناء حينئذ من اللفظ لا من المعنى لأن الواجب على القريب إنما هو وفاء الدين ولا يسمى هذا الوفاء نفقة
وظاهر كلام المصنف الحصر فيما ذكره وليس مرادا فإن الأب لو نفى الولد ثم استحلقه فإن الأم ترجع عليه بالنفقة كما مر ولو لم يكن هناك حاكم واستقرضت الأم عنه وأشهدت فعليه قضاء ما استقرضته أما إذا لم تشهد فلا رجوع لها
ونفقة الحامل لا تسقط بمضي الزمان وإن جعلنا النفقة له لأن الزوجة لما كانت هي التي تنتفع بها التحقت بنفقتها
وللقريب أخذ نفقته من مال قريبه عند امتناعه إن وجد جنسها وكذا إن لم يجده في الأصح وله الاستقراض إن يجد له مالا وعجز القاضي ويرجع إن أشهد كجد الطفل المحتاج وأبوه غائب مثلا
وللأب والجد أخذ النفقة من مال فرعهما الصغير أو المجنون بحكم الولاية ولهما إيجاره لها لما يطيقه من الأعمال ولا تأخذها الأم من ماله إذا وجبت نفقتها عليه ولا الابن من مال أبيه المجنون إذا وجبت نفقته عليه إلا بالحاكم لعدم ولايتهما فيؤدي القاضي الابن الزمن إجارة أبيه المجنون إذا صلح لنفقته
وعليها
أي الأم " إرضاع ولدها اللبأ " وهو بهمز وقصر اللبن النازل أول الولادة لأن الولد لا يعيش بدونه غالبا وغيرها لا يغني كما قاله في الكافي والمراد كما قال الرافعي أنه لا يعيش بدونه غالبا أو أنه لا يقوى وتشتد بنيته إلا به قال وإلا فنشاهد من يعيش بلا لبأ
ولها أن تأخذ الأجرة إن كان لمثله أجرة ولا يلزمها التبرع بإرضاعه كما لا يلزم بدل الطعام للمضطر إلا بالبدل
تنبيه :
لم يتعرضوا لمدة الرضاع به وقال الرافعي مدته يسيرة وقال في البيان وعليها أن تسقي اللبأ حتى يروى وظاهره الاكتفاء بمرة واحدة
وينبغي كما قال الأذرعي الرجوع إلى أهل الخبرة فإن قالوا تكفيه مرة بلا ضرر يلحقه كفت وإلا عمل بقولهم
ثم بعده
أي بعد إرضاع اللبأ " إن لم يوجد إلا هي " أي الأم " أو أجنبية وجب " على الموجود منهما " إرضاعه " إبقاء للولد ولهما طلب الأجرة من ماله إن كان وإلا فممن تلزمه نفقته
وإن وجدتا
أي الأم والأجنبية " لم تجبر الأم " وإن كانت في نكاح أبيه على إرضاعه لقوله تعالى " وإن تعاسرتم فسترضع له ( 3 / 450 ) أخرى " وإذا امتنعت حصل التعاسر
فإن رغبت
في إرضاعه " وهي منكوحة أبيه " أي الرضيع " فله منعها " مع الكراهة من إرضاعه " في الأصح " لأنه يستحق الاستمتاع بها في الأوقات المصروفة إلى الرضاع وهذا أقوى الوجهين في الشرحين " قلت الأصح ليس له منعها " مع وجود غيرها " وصححه الأكثرون والله أعلم " لأن فيه إضرارا بالولد لأنها عليه أشفق ولبنها له أصلح
ولا تزاد نفقتها للإرضاع وإن احتاجت فيه إلى زيادة الغذاء لأن قدر النفقة لا يختلف بحال المرأة وحاجتها
تنبيه :
أفهم قوله منكوحة أنها لو كانت بائنا أن له المنع جزما وليس مرادا بل إن تبرعت لم ينزع الولد منها وإن طلبت أجرة فهي كالتي في نكاحه إذا توافقا وطلبت الأجرة وقوله أبيه أنها إذا كانت منكوحة غير أبيه أن له منعها وهو كذلك إلا أن تكون مستأجرة للإرضاع قبل نكاحه فليس له منعها كما قاله ابن الرفعة ولا نفقة لها
وهذا كله كما قال الأذرعي في الزوجة والولد الحرين أما لو كان رقيقا والأم حرة فله منعها كما لو كان الولد من غيره
ولو كانت رقيقة والولد حر أو رقيق قال فقد يقال من وافقه السيد منهما فهو المجاب ويحتمل غيره اه "
والأول أوجه
فإن اتفقا
على أن الأم ترضعه " وطلبت أجرة مثل " له " أجيبت " لقوله تعالى " فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن " وكانت أحق به لما مر فاستئجار الزوج لها لذلك جائز وقال العراقيون لا يجوز لأنه يستحق الاستمتاع بها في تلك الحالة فلا يجوز أن يعقد عليها عقد آخر يمنع استيفاء الحق
وأجاب الأول بأن الاستئجار منه رضى بترك الاستمتاع
وإذا أرضعت بالأجرة فإن كان الإرضاع لا يمنع من الاستمتاع ولا ينقصه فلها مع الأجرة النفقة وإلا فلا
تنبيه :
ذكر المصنف حكم المنكوحة وسكت عن المفارقة وصرح في المحرر بالتسوية فقال فإن وافقا عليه أو لم تكن في نكاحه وطلبت الأجرة إلى آخره فحذف المصنف له لا وجه له كما قاله ابن شهبة
أو
طلبت الأم " فوقها " أي أجرة المثل " فلا " تلزمه الإجابة لتضرره وله استرضاع أجنبية
وكذا إن تبرعت أجنبية
بإرضاعه " أو رضيت بأقل " من أجرة المثل ولو بشيء يسير لا يلزمه اجابة الأم إلى أجرة المثل " في الأظهر " لأن في تكليفه الأجرة مع المتبرعة أو الزيادة على ما رضيت به إضرارا وقد قال تعالى " وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم " والثاني تجاب الأم لوفور شفقتها
تنبيه :
محل الخلاف إذا استمرأ الولد لبن الأجنبية وإلا أجيبت الأم إلى إرضاعه بأجرة المثل قطعا كما قال بعض المتأخرين لما في العدول عنها من الاضرار بالرضيع
وعلى الأظهر لو ادعى الأب وجود متبرعة أو راضية بأقل من أجرة المثل وأنكرت الأم صدق في ذلك بيمينه لأنها تدعي عليه أجرة والأصل عدمها ولأنه يشق عليه إقامة البينة وتجب الأجرة في مال الطفل فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته
ثم شرع في اجتماع الأقارب من جانب المنفق ومن جانب المحتاج وقد بدأ بالقسم الأول فقال " ومن استوى فرعاه " في قرب وارث أو عدمها وإن اختلفا في الذكورة وعدمها كابنين أو بنتين أو ابن وبنت " أنفقا عليه " وإن تفاوتا في قدر اليسار أو أيسر أحدهما بالمال والآخر بالكسب لأن علة إيجاب النفقة تشملهما فإن غاب أحدهما أخذ قسطه من ماله فإن لم يكن مال اقترض عليه الحاكم إن أمكن وإلا أمر الحاكم الحاضر بالإنفاق بقصد الرجوع على الغائب أو ماله إذا وجده
هذا إذا كان المأمور أهلا لذلك مؤتمنا كما قاله الأذرعي وإلا اقترض منه الحاكم وأمر عدلا بالصرف إلى المحتاج يوما فيوما
وإلا
بأن اختلفا في القرب " فالأصح أقربهما " تجب النفقة عليه وارثا كان أو غيره ذكرا كان أو أنثى لأن القرب أولى بالاعتبار
فإن استوى
قربهما " فبالإرث " تعتبر النفقة " في الأصح " لقوله كابن وابن بنت فيجب على الأول دون الثاني لذلك
والثاني لا أثر ( 3 / 451 ) للإرث لعدم توقف وجوب النفقة عليه
والثاني
وهو مقابل قوله فالأصح أقربهما أن تعتبر أولا " بالإرث ثم القرب " بعده فيقدم الوارث البعيد على غير القريب فإن استويا في الإرث قدم أقربها
تنبيه :
الخلاف في أصل المسألة طريقان والطريقة الأولى هي المشهورة ولما كانت طرق الأصحاب قد تسمى وجوها صح تعبير المصنف عنها بالأصح
والوارثان
على كل من الطريقين كما في المحرر إذا استويا في أصل الإرث دون غيره كابن وبنت هل " يستويان " في قدر الإنفاق " أم يوزع " الانفاق بينهما " بحسبه " أي الإرث " وجهان " وجه التوزيع إشعار زيادة الإرث بزيادة قوة القرب ووجه الاستواء اشتراكهما في الإرث ورجح هذا الزركشي وابن المقري
والأول أوجه كما جزم به في الأنوار وهو قياس ما رجحه المصنف فيمن له أبوان وقلنا نفقته عليهما كما سيأتي قريبا
وهذا هو الموضع الثاني بلا ترجيح كما مر التنبيه عليه في صلاة الجماعة ولا ثالث لهما إلا ما كان مفرعا على ضعيف
ومن له أبوان
هو من تثنية التغليب أي أب وأم " فعلى الأب " نفقته صغيرا كان أو كبيرا أما الأولى فلقوله تعالى " فإن أرضعن لكم فآتوهن أجورهن " وأما الثاني فاستصحابا لما كان في الصغر ولعموم حديث هند
وقيل
النفقة " عليهما البالغ " لاستوائهما في القرب وإنما قدم الأب في الصغر لولايته عليه وقد زالت
وهل يسوى بينهما أو يجعل بينهما أثلاثا بحسب الإرث وجهان رجح المصنف منهما الثاني
تنبيه :
محل الخلاف فيما إذا كان الولد البالغ غير معتوه وإلا فكالصغير وأبو الأب مع الأم كالأب على الأصح
أو
كان للفرع " أجداد وجدات إن أدلى بعضهم ببعض فالأقرب " منهم فالأقرب تلزمه النفقة لما مر من أن القرب أولى بالاعتبار " وإلا " بأن لم يدل بعضهم ببعض " فبالقرب " يعتبر لزوم النفقة " وقيل الإرث " على الخلاف المتقدم في طرف الفروع " وقيل بولاية المال " لأنها تشعر بتفويض التربية
تنبيه :
المراد بولاية المال كما في الروضة وأصلها الجهة التي تفيدها لا نفس الولاية التي قد يمنع منها مانع مع وجود الجهة وعلى هذا ففي كلام المصنف مضاف محذوف
ومن له أصل وفروع ففي الأصح
تجب النفقة " على الفرع وإن بعد " كأب وابن ابن لأن عصوبته أقوى وهو أولى بالقيام بشأن أبيه لعظم حرمته
والثاني أنها على الأصل استصحابا لما كان في الصغر
والثالث أنها عليهما لاشتراكهما في البعضية
ثم شرع في القسم الثاني من اجتماع الأقارب فقال " أو " له " محتاجون " من النوعين أو أحدهما مع زوجة أو زوجات فإن قدر على كفاية كلهم فواضح أو فإنه " يقدم " منهم " زوجته " بعد نفسه لأن نفقتها آكد لأنها لا تسقط بمضي الزمان كما مر
ثم
بعد نفقتها يقدم " الأقرب " فالأقرب فيقدم بعد زوجته ولده الصغير لشدة عجزه ومثله البالغ المجنون ثم الأم لذلك ولتأكد حقها بالحمل والوضع والرضاع والتربية ثم الأب ثم الولد الكبير ثم الجد وإن علا ولو كان الولد صغيرا والأب مجنونا أو زمنا فهما سواء كما بحثه البلقيني وتقدم ماله تعلق بذلك في زكاة الفطر
وقيل
يقدم " الوارث " على الخلاف المتقدم في الأصول وعلى الأول لو كان الأبعد زمنا قدم على الأقرب لشدة احتياجه
ولو استوى اثنان في درجة كابنين أو بنتين أو ابن وبنت صرف إليهما بالسوية
وتقدم بنت ابن على بنت لضعفها وعصوبة أبيها
وإن كان أحدهما في هذه الصور الأربع رضيعا أو مريضا ونحوه قدم لشدة احتياجه
وإن كان أحد الجدين المجتمعين في درجة عصبة كأبي الأب مع أبي الأم قدم منهما العصبة منهما استويا لتعادل القرب والعصوبة ولو اختلفت الدرجة واستويا في العصوبة أو عدمها فالأقرب مقدم " وقيل الولي ( 3 / 452 )
تنبيه :
لو كثر أهل درجة بحيث لا يسد قسط كل منهم إن وزع الموجود عليهم مسدا أقرع بينهم
فروع لو اجتمع جدتان في درجة وزادت إحداهما على الأخرى بولادة أخرى قدمت فإن قربت الأخرى دونها قدمت لقربها
ولو عجز الأب عن نفقة أحد ولديه وله أب موسر لزمت أباه نفقته فإن رضي كل منهما بأخذ ولد لينفق عليه أو انفقا على الاتفاق بالشركة فذاك ظاهر وإن تنازعا أجيب طالب الاشتراك وقال البلقيني يقرع بينهما
ولو عجز الولد عن نفقة أحد والديه وله ابن موسر فعلى الابن نفقة أبي أبيه لاختصاص الأم بالابن لما مر من أن الأصح تقديم الأم على الأب
ولو أعسر الأقرب بالنفقة لزمت الأبعد ولا رجوع له عليه بما أنفق إذا أيسر به

(3/446)


فصل في حقيقة الحضانة

(3/452)


وصفات الحاضن والمحضون " الحضانة " بفتح الحاء لغة مأخوذة من الحضن بكسرها وهو الجنب فإن المحضنة ترد إليه المحضون وتنتهي في الصغير بالتمييز وأما بعده إلى البلوغ فتسمى كفالة قاله الماوردي وقال غيره تسمى حضانة أيضا وشرعا
حفظ من لا يستقل
بأمور نفسه عما يؤذيه لعدم تمييزه كطفل وكبير مجنون " وتربيته " أي تنمية المحضون بما يصلحه بتعهده بطعامه وشرابه ونحو ذلك وقد مر في باب الإجارة من الكتابة تفسير الحضانة بما هو أعم من ذلك
ومؤنة الحضانة في مال المحضون فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته لأنها من أسباب الكفاية كالنفقة ولهذا ذكرت عقب النفقات
و
الحضانة نوع ولاية وسلطنة لكن " الإناث أليق بها " لأنهن أشفق وأهدى إلى التربية وأصبر على القيام بها وأشد ملازمة للاطفال
واعلم أن مستحق الحضانة ثلاثة أقسام لأنهم إما إناث فقط وإما ذكور فقط وإما الفريقان وقد بدأ بالقسم الأول فقال " وأولاهن " أي الإناث عند اجتماعهن وتنازعهن في طلبها " أم " لوفور شفقتها وفي الخبر أن امرأة قالت يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء وحجري له حواء وثديي له سقاء وإن أباه طلقني وزعم أنه ينزعه مني فقال أنت أحق به ما لم تنكحي رواه البيهقي والحاكم وصحح إسناده
تنبيه :
محل تقديم الأم ما لم يكن للمحضون زوج ذكرا كان أو أنثى وإلا فيقدم إن كان له بها أو لها به استمتاع
والمراد باستمتاعه بها جماعة فلا بد أن تطيقه وإلا فلا تسلم إليه كما مر في الصداق وصرح به ابن الصلاح هنا في فتاويه وحينئذ فتستثنى هذه الصورة أيضا وله نزعه من أبيه وأمه الحرين بعد التمييز وتسليمه إلى غيرهما بناء على جواز التفريق حينئذ ومن بعضه حر يشترك سيده وقريبه المستحق لحضانته في حضانته بحسب ما فيه من الرق والحرية فإن اتفقا على المهايأة أو على استئجار حاضنة أو رضي أحدهما بالآخر فذاك وإن تمانعا استأجر الحاكم من تحضنه وألزمهما الأجرة
ثم
بعد الأم " أمهات " لها " يدلين بإناث " وارثات لمشاركتهن الأم في الإرث والولادة " يقدم " منهن " أقربهن " فأقربهن لوفور الشفقة
والجديد تقدم بعدهن
أي أمهات الأم " أم أب " لمشاركتها أم الأم في المعنى السابق
وإنما قدمت أمهات الأم وإن علون لأن الولادة فيهن محققة وفي أمهات الأب مظنونة ولأنهن أقوى ميراثا من أمهاته فإنهن لا يسقطن بالأب بخلاف أمهاته " ثم أمهاتها المدليات بإناث " وارثات لما مر
ثم أم أبي أب كذلك
ثم أمهاتها المدليات وارثات
ثم أم أبي جد كذلك
ثم أمهاتها المدليات بإناث وارثات وهكذا لأن لهن ولادة ووراثة كالأم وأمهاتها
وتقدم في كل من الأمهات المذكورة القربى فالقربى
والقديم
يقدم " الأخوات والخالات عليهن " أي المذكورات من أمهات الأب والجد
أما الأخوات فلأنهن اجتمعن معه في الصلب والبطن أوفي أحدهما وشاركته في النسب فهن عليه أشفق وأما الخالات فلقوله صلى الله عليه و سلم الخالة بمنزلة الأم رواه البخاري
وأجاب الأول بأن النظر هنا إلى الشفقة وهي في الجدات أغلب ( 3 / 453 ) وتقدم " قطعا " أخت " من أي جهة كانت " على خالة " لأنها أقرب منها
وتقدم " و " " خالة على بنت أخ و " بنت " أخت " لأنها تدلي بالأم بخلافهما
و
تقدم " بنت أخ و " بنت " أخت على عمة " كما يقدم ابن الأخ في الميراث على العم
تنبيه :
سكت المصنف عن الترتيب بين بنت الأخت وبنت الأخ والمقدم منهما بنت الأخت
و
تقدم " أخت من أبوين على أخت من أحدهما " لأن شفقتها أتم لاجتماعها مع المحضون في الصلب والرحم فهي أشفق
والأصح
وعبر في الروضة بالصحيح المنصوص في الجديد والقديم لا كما يوهمه كلام المتن من تفريع هذا وما قبله على القديم " تقديم أخت من أب على أخت من أم " لاشتراكها معه في النسب ولقوة إرثها فإنها قد تصير عصبة
والثاني عكسه لأنها تدلي بالأم فتقدم على من يدلي بالأب
و
الأصح تقديم " خالة " لأب " وعمة لأب عليهما لأم " لقوة الجهة كالأخت
والثاني عكسه لأن تقديم الأخت للأب على الأخت للأم كان لقوتها في الإرث ولا إرث هنا
و
الأصح " سقوط كل جدة لا ترث " وهي من تدلي بذكر بين انثيين كأم أبي الأم لأنها أدلت بمن لا حق له في الحضانة فأشبهت الأجانب
والثاني لا تسقط لولادتها لكن تتأخر عن جميع المذكورات لضعفها
تنبيه :
قال الشيخان وفي معنى الجدة الساقطة كل محرم يدلي بذكر لا يرث كبنت ابن البنت وبنت العم للأم اه "
فإن قيل كون بنت العم محرما ذهول
أجيب بأنها معطوفة على كل محرم لأنها معطوفة على بنت ابن البنت كما توهمه من قال إنه ذهول وقال إن هذه ليست بمحرم
دون أنثى
هو في حيز الأصح أيضا ومعناه النفي أي والأصح سقوط كل جدة لا ترث لا سقوط كل أنثى
غير محرم كبنت خالة
وبنت عمة وبنتي الخال والعم لشفقتهن بالقرابة وهدايتهن إلى التربية بالأنوثة
والثاني لا حق لهن كالجدات الساقطات
وأجاب الرافعي عن الأول بأن الجدة الساقطة تدلي بغير وارث بخلاف هؤلاء
واعترض بأنه ليس في هؤلاء من يدلي بوارث غير بنت العم العصبة ولذلك قال الإسنوي وترجيح استحقاق بنت الخال الحضانة لا يستقيم مع ما تقدم لإدلائها بذكر غير وارث وقد تقرر أن من كان بهذه الصفة لا حضانة لها بخلاف بنت الخالة والعمة فإنها تدلي بأنثى وبخلاف بنت العم أي العصبة فإنها تدلي بذكر وارث اه "
وقد يجاب بأن بنت الخال لما كان بينها وبين المحضون محرم قريب وهو الخال ثبت لها الحضانة بخلاف الجدة الساقطة لبعدها والتقرب له شفقة فثبتت لها الحضانة لذلك
ثم رأيت شيخي أجاب بأن في الجدة الساقطة الحضانة ثابتة لا قربا في النسب فانتقلت الحضانة عنها وفي بنت الخال تراخى النسب فلم يؤثر كونها لم تدل بوارث بنسب وتقدم بنت المحضون عند فقد أبويه على الجدات
ثم شرع في القسم الثاني وهو محض الذكور وهم أربعة أصناف محرم وارث ووارث غير محرم ومحرم غير وارث وليس بمحرم ولا وارث مبتدئا بأولها فقال " وتثبت " الحضانة " لكل ذي محرم وارث " كالأب والجد وإن علا والأخ لأبوين أو لأب والعم كذلك لقوة قرابتهم بالمحرمية والإرث والولاية
على ترتيب الإرث
عند الاجتماع فيقدم أب ثم جد وإن علا ثم أخ شقيق ثم لأب وهكذا فالجد هنا مقدم على الأخ فلو قال المصنف ترتيب ولاية النكاح لكان أولى
وكذا
ذكر وارث " غير محرم كابن عم " فإن له الحضانة " على الصحيح " لوفور شفقته بالولاية
والثاني لا لفقد المحرمية وهذا هو الصنف الثاني
فإن قيل كلامه يشمل المعتق فإنه وارث غير محرم مع أنه لا حضانة له
أجيب بأن تمثيله بابن العم فيه إشارة إلى اعتبار القرابة في الحاضن
ولا تسلم إليه مشتهاة
حذرا من الخلوة المحرمة " بل " تسلم " إلى ثقة يعينها ( 3 / 454 ) بضم المثناة التحتية الأولى وتشديد التحتية الثانية من التعيين لا بتخفيفها من المعونة ولو بأجرة من ماله لأن الحق له في ذلك
وإنما كان التعيين إليه لأن الحضانة له
ويفارق ثبوت الحضانة له عليها عدم ثبوتها لبنت العم على الذكر بأن الرجل لا يستغني عن الاستنابة بخلاف المرأة ولاختصاص ابن العم بالعصوبة والولاية والإرث فإن كان له بنت مثلا يستحي منها على ما مر في العدد جعلت عنده مع بنته
نعم إن كان مسافرا وبنته معه لا في رحلة سلمت إليها لا له كما لو كان في الحضر ولم تكن بنته في بيته وبهذا يجمع بين كلامي الكتاب وأصله والروضة وأصلها حيث قالوا في موضع تسلم إليه وفي آخر تسلم إليها
قال الإسنوي ويعتبر كونها ثقة وتبعه الزركشي قال وما يتوهم من أن غيرتها على قرابتها وأبيها تغني عن ذكر مردود ولتفاوت الناس في ذلك فاعتبرت الشفقة حسما للباب
تنبيه :
أفهم كلامه أنه يتسلم الذكر مطلقا المشتهى وغيره وهو قضية كلام الروضة وصرح به ابن الصباغ وصوب الزركشي عدم تسليم المشتهى إليه
فإن فقد
في الذكر الحاضن " الإرث والمحرمية " معا كابن خال وابن عمة وهذا هو الصنف الثالث " أو الإرث " فقط والمحرمية باقية كأبي أم وخال وهو الصنف الرابع
فلا
حضانة لهم " في الأصح " لفقد الإرث والمحرمية في الأولى ولضعف قرابته في الثانية لأنه لا يرث بها ولا يلي ولا يعقل
والثاني له الحضانة لشفقته بالقرابة
تنبيه :
لا حق للمحرم بالرضاع في الحضانة ولا في الكفالة ولا للمولى وعصبته على المذهب لفقد الإرث في الأول وفقد القرابة في الثاني وإن وجد فيه الإرث
ثم شرع في القسم الثالث وهو اجتماع الفريقين فقال " وإن اجتمع ذكور وإناث " وتنازعوا في الحضانة " فالأم " تقدم للحديث المتقدم " ثم أمهاتها " المدليات بأناث كما مر لأنهن في معنى الأم في الشفقة
ثم
يقدم بعدهن " الأب " على أمهاته لأنه أصلهن
وقيل تقدم عليه الخالة والأخت من الأم
لإدلائهما بالأم فيسقط بهما بخلاف الأخت للأب لإدلائها به وهو مقدم على أمهاته كما مر
ويقدم الأصل
من ذكر أو أنثى بالترتيب المار " على الحاشية " من ذكر أو أنثى كالأخ والأخت لقوة الأصول
تنبيه :
في جزمه بتقديم الأصل مخالفة لقوله قيل
وقيل تقدم عليه الخالة والأخت من الأم
فإن فقد
الأصل من الذكر والأنثى وهناك حواش " فالأصح " أنه يقدم منهم " الأقرب " فالأقرب كالإرث ذكرا كان أو أنثى ولا يرجح المعتق بالعتق على الأقرب منه فلو كان له عم وعم أب معتق لم يرجح المعتق بل يقدم عليه الأقرب ويشاركه المساوي
وإلا
بأن لم يكن فيهم أقرب فإن استووا وفيهم أنثى وذكر " فالأنثى " مقدمة على الذكر كأخت على أخ وبنت أخ على ابن أخ لأنها أبصر وأصبر فعلم أنه يقدم بنات كل صنف على ذكوره
والخنثى هنا كالذكر فلا يقدم الذكر في محل لو كان أنثى لقدم لعدم الحكم بالأنوثة فلو ادعى الأنوثة صدق بيمينه لأنها لا تعلم إلا منه غالبا فتستحق الحضانة وإن أبهم تثبت ضمنا لا مقصودا ولأن الأحكام لا تتبعض
وإلا
بأن لم يكن فيها أنثى وذكر بأن استوى إثنان من كل وجه كأخوين وأختين وخالتين " فيقرع " بينهما قطعا للنزاع فيقدم من خرجت قرعته على غيره
ومقابل الأصح أن نساء القرابة وإن بعدن أحق بالحضانة من الذكور وإن كانوا عصبات لأنهن أصلح للحضانة
ثم اعلم أن للحاضن شروطا ذكر منها المصنف ستة وأنا أذكر باقيها في الشرح أحدها الحرية كما أشار لذلك بقوله " ولا حضانة لرقيق " ولو مبعضا وإن أذن له سيده لأنها ولاية وليس من أهلها ولأنه مشغول بخدمة سيده
وإنما لم يؤثر إذنه لأنه قد يرجع فيشوش أمر الولد ويستثنى ما لو أسلمت أم ولد الكافر فإن ولدها يتبعها وحضانته لها ما لم تنكح كما حكاه في الروضة في أمهات الأولاد كما حكاه عن أبي إسحاق المروزي وأقره
قال في المهمات والمعنى فيه فراغها لمنع السيد من قربانها مع وفور شفقتها
وثانيها العقل كما أشار إلى ذلك بقوله " و " لا " مجنون " فلا حضانة ( 3 / 455 ) له وإن كان جنونه منقطعا لأنها ولاية وليس هو من أهلها ولأنه لا يتأتى منه الحفظ ولا التعهد بل هو في نفسه يحتاج إلى من يحضنه
نعم إن كان يسيرا كيوم في سنة كما في الشرح الصغير وهو أولى من قول الكبير والروضة كيوم في سنين لم تسقط الحضانة به كمرض يطرأ ويزول
وثالثها الأمانة كما أشار إلى ذلك بقوله " و " لا " فاسق " لأن الفاسق لا يلي ولا يؤتمن ولأن المحضون لاحظ له في حضانته لأنه ينشأ على طريقته وتكفي العدالة الظاهرة كشهود النكاح
نعم إن وقع نزاع في الأهلية فلا بد من ثبوتها عند القاضي كما أفتى به المصنف قال في الترشيح وبه أفتيت فيما إذا تنازعا قبل تسليم الولد فإن تنازعا بعده فلا ينزع ممن تسلمه ويقبل قوله في الأهلية اه وعلى هذا يحمل كما قال شيخنا ما أفتى به المصنف
ورابعها الإسلام فيما إذا كان المحضون مسلما كما أشار إلى ذلك بقوله " و " لا " كافر على مسلم " إذ لا ولاية له عليه ولأنه ربما فتنه في دينه
فإن قيل إنه صلى الله عليه و سلم خير غلاما بين أبيه المسلم وأمه المشركة فمال إلى الأم فقال النبي صلى الله عليه و سلم اللهم اهده فعدل إلى أبيه رواه أبو داود وغيره
أجيب بأنه منسوخ أو محمول على أنه صلى الله عليه و سلم عرف أنه يستجاب دعاؤه وأنه يختار الأب المسلم
وقصده بتخييره استمالة قلب أمه وبأنه لا دلالة فيه إذ لو كان لأمه حق لأقرها عليه ولما دعا
وحينئذ فيحضنه أقاربه المسلمون على الترتيب المار فإن لم يوجد أحد منهم حضنه المسلمون ومؤنته في ماله كما مر فإن لم يكن له مال فعلى من تلزمه نفقته فإن لم يكن فهو من محاويج المسلمين
وينزع ندبا من الأقارب الذميين ولد ذمي وصف الإسلام كما مر في باب اللقيط وإن قال الأذرعي المختار وظاهر النص الوجوب
تنبيه :
أفهم كلامه ثبوتها للكافر على الكافر وهو كذلك وللمسلم على الكافر بالأولى لأن فيه مصلحة له
وخامسها أن تخلو الحاضنة من زوج أجنبي كما أشار إلى ذلك بقوله " و " لا " ناكحة " زوج " غير أبي الطفل " وإن لم يدخل بها ورضي أن يدخل الولد داره للخبر المار أنت أحق به ما لم تنكحي ولأنها مشغولة عنه بحق الزوج قال الماوردي ولأن على الولد وعصبته عارا في مقامه مع زوج أمه
ولا أثر لرضي الزوج الأجنبي لأنه قد يرجع فيتضرر الولد وإنما تسقط حضانتها وتنتقل من بعدها إذا لم يرض الأب والزوج فإن رضيا بذلك قال في أصل الروضة سقط حق الجدة على الصحيح وظاهره بقاء حق الأم وصححه البغوي والخوارزمي وجرى عليه في الكفاية واستغربه في المطلب إذ كيف يسقط حق الجدة برضى الأب ولذا قال الأذرعي الأقيس عدم السقوط
وقد يرد ذلك بأن الجدة لم ينتقل الحق إليها حينئذ حتى يقال سقط كما يؤخذ مما مر
ويستثنى من سقوط الحضانة بالنكاح ما لو اختلعت بالحضانة وحدها أو مع غيرها مدة معلومة فنكحت في أثنائها لأنها إجارة لازمة ولكن ليس الاستحقاق هنا بالقرابة بل بالإجارة
إلا
من نكحت " عمه " أي الطفل " وابن عمه وابن أخيه " فلا تسقط حضانتها حينئذ في الأصح لأن من نكحته له حق في الحضانة وشفقته تحمله على رعايته فيتعاونان على كفالته كما لو كانت في نكاح الأب ولقضائه صلى الله عليه و سلم بنت حمزة لخالتها لما قال له جعفر إنها بنت عمي وخالتها تحتي بخلاف الأجنبي والثاني يبطل حقها لاشتغالها بالزوج ولا حق له في الحضانة الآن فأشبه الأجنبي
تنبيه :
محل الخلاف الذي رضي الزوج إذا نكحها بحضانتها وإلا فتسقط جزما لأن له الامتناع منها
وإنما يتصور نكاح ابن الأخ فيما إذا كان المستحق غير الأم وأمهاتها كان تتزوج أخت الطفل لأمه بابن أخيه لأبيه فإنها تقدم على ابن أخيه في الأصح
ولا يختص الاستثناء بما ذكر في المتن بل ضابط ذلك كل من له حق في الحضانة فلو قال المصنف إلا لمن له حق في الحضانة ورضي العم ما ذكر أما من لا حق له فيها كالجد أبي الأم والخال فيسقط حضانة المرأة بتزويجها به
قال ابن شهبة وعد في الروضة وأصلها من مستحقي الحضانة الخال والخال لا حضانة له على الصحيح
قال الأذرعي وأجوز أنه حرف سهوا من قول بعضهم أو نكحت أخا له فأغفلت الألف أول الكلمة ويحتمل غيره
وسادسها أن تكون الحاضنة مرضعا للطفل كما أشار إلى ذلك بقوله " وإن كان " المحضون " رضيعا ( 3 / 456 ) اشترط " في استحقاق الحاضنة " أن ترضعه على الصحيح فإن لم يكن لها لبن أو امتنعت من الإرضاع فلا حضانة لها
والثاني لا يشترط وعلى الأب استئجار مرضعة ترضعه عند الحاضنة
وأجاب الأول بأن في تكليف استئجار مرضعة تترك منزلها وتنتقل إلى مسكن الحاضنة عسرا عليه فلا يكلف ذلك
تنبيه :
هذا ظاهر كلام المصنف وفيه فيما إذا لم يكن لها لبن نظر لأن غايتها أن تكون كالأب ونحوه مما لا لبن له وذلك لا يمنع الحضانة
وكلام الأئمة كما قال الأذرعي وغيره يقتضي الجزم بأنه لا يشترط كونها ذات لبن وقال البلقيني حاصله أنها إن لم يكن لها لبن فلا خلاف في استحقاقها وإن كان لها لبن وامتنعت فالأصح لا حضانة لها اه "
وهذا هو الظاهر
وسابعها أن لا يكون به مرض دائم كالسل والفالج إن عاق تألمه عن نظر المحضون بأن كان بحيث يشغله ألمه عن كفالته وتدبر أمره أو عن حركة من يباشر الحضانة فتسقط في حقه دون من يدبر الأمور بنظره ويباشرها غيره
وثامنها أن لا يكون أبرص ولا أجذم كما في قواعد العلائي
وتاسعها أن لا يكون أعمى كما أفتى به عبد الملك بن إبراهيم المقدسي من أئمتنا من أقران ابن الصباغ واستنبطه ابن الرفعة من كلام الإمام ثم قال وقد يقال إن باشر غيره وهو مدبر أموره فلا منع كما في الفالج اه "
وهذا هو الظاهر
وعاشرها أن يكون رشيدا فلا حضانة لسفيه لأنه ليس أهلا للحضانة كما قاله الماوردي والقاضي أبو الطيب
وحادي عاشرها أن لا يكون مغفلا كما قاله الجرجاني في الشافي
وثاني عشرها أن لا يكون صغيرا لأنها ولاية وليس هو من أهلها
فإن
فقد مقتضى الحضانة ثم وجد كأن " كملت ناقصة " بأن أسلمت كافرة أو تابت فاسقة أو أفاقت مجنونة أو عتقت رقيقة " أو طلقت منكوحة " بائنا أو رجعيا على المذهب المنصوص " حضنت " لزوال المانع وتستحق المطلقة الحضانة في الحال قبل انقضاء العدة على المذهب
ويشترط في استحقاق المطلقة الحضانة رضي الزوج بدخول المحضون بيته إن كان له فإن لم يرض لم تستحق وهذا بخلاف الزوج الأجنبي إذا رضي بذلك في أصل النكاح فإنها لا تستحق
وإن غابت الأم أو امتنعت
من الحضانة " فللجدة " مثلا أم الأم " على الصحيح " كما لو ماتت أوجنت
وضابط ذلك أن القريب إذا امتنع كانت الحضانة لمن يليه
والثاني تكون الولاية للسلطان كما لو غاب الولي في النكاح أو عضل
وأجاب الأول بأن القريب أشفق وأكثر فراغا من السلطان
تنبيه :
قضية كلامه عدم إجبار الأم عند الامتناع وهو مقيد بما إذا لم تجب النفقة عليها للولد المحضون فإن وجبت كان لم يكن له أب ولا مال أجبرت كما قاله ابن الرفعة لأنها من جملة النفقة فهي حينئذ كالأب
هذا
المذكور من أول الفصل إلى هنا " كله في غير مميز " وهو كما مر من لا يستقل كطفل ومجنون بالغ
والمميز
الصادق بالذكر والأنثى " إن افترق أبواه " من النكاح وصلحا للحضانة ولو فضل أحدهما الآخر دينا أو مالا أو محبة " كان عند من اختار منهما " لأنه صلى الله عليه و سلم خير غلاما بين أبيه وأمه رواه الترمذي وحسنه والغلامة كالغلام في الانتساب ولأن القصد بالكفالة الحفظ للولد والمميز أعرف بحظه فيرجع إليه
وسن التمييز غالبا سبع سنين أو ثمان تقريبا وقد يتقدم على السبع وقد يتأخر عن الثمان والحكم مداره عليه لا على السن
قال ابن الرفعة ويعتبر في تمييزه أن يكون عارفا بأسباب الاختيار وإلا أخر إلى حصول ذلك وهو موكول إلى اجتهاد القاضي
تنبيه :
ظاهر كلامه أن الولد يتخير ولو أسقط أحدهما حقه قبل التخيير وهو كذلك وإن قال الماوردي و الروياني إن الآخر كالعدم
ولو اختار أحدهما فامتنع من كفالته كفله الآخر فإن رجع الممتنع أعيد التخيير وإن امتنعا وبعدهما مستحقا لها كجد وجدة خير بينهما وإلا أجبر عليهما من تلزمه نفقته
لأنها من جملة الكفاية
أما إذا صلح أحدهما فقط كما نبه على ذلك بقوله " فإن كان في أحدهما " أي الأبوين " جنون أو كفر أو رق أو فسق ( 3 / 457 ) أو نكحت " أي الأنثى أجنبيا " فالحق للآخر " فقط ولا تخيير لوجود المانع به فإن عاد صلاح الآخر أنشأ التخيير
ويخير
المميز أيضا عند فقد الأب أو عدم أهليته " بين أم وجد " أبي أب وإن علا لأنه بمنزلة الأب لولادته وولايته
والجدة أم الأم عند فقد الأم أو عدم أهليتها كالأم فيخير الولد بينها وبين الأب
وكذا أخ أو عم
أو غيرهما من حاشية النسب مع أم تخير بين كل وبين الأم في الأصح لأن العلة في ذلك العصوبة وهي موجودة في الحواشي كالأصول
أو أب مع أخت أو خالة في الأصح
لأن كلا منهما قائم مقام الأم
والثاني تقدم في الأوليين الأم وفي الآخرين الأب
تنبيه :
سكت المصنف عن ابن العم مع الأم وعبارة الروضة ومثل الأخ والعم وابن العم في حق الذكر والأم أولى منه بالأنثى ونقله الرافعي عن البغوي وأقره
وهو الذي في المهذب وتعليق البندنيجي وجرى عليه ابن المقري في روضه وهو المعتمد وإن أطلق كثير في ذلك وجهين بلا تفصيل بين الذكر والأنثى
واقتضى كلامهم أنه لا فرق بينهما في التخيير وصرح به الروياني وغيره وظاهر إطلاق الكتاب وأصله والروضة وأصلها جريان الخلاف بين الأخت والأب من أي جهة كانت
قال الأذرعي ومن تبعه وهو ظاهر في الشقيقة وفي الأخت من الأم لإدلائها بالأم أما الأخت للأب فلا وصرح به الماوردي
فإن اختار
المميز " أحدهما " أي الأبوين أو من ألحق بهما كما ذكر " ثم " اختار " الآخر حول إليه " لأنه قد يظهر له الأمر بخلاف ما ظنه أو يتغير حال من اختاره أولا ولأن المتبع شهوته كما قد يشتهي طعاما في وقت وغيره في آخر لأنه قد يقصد مراعاة الجانبين
تنبيه :
ظاهر إطلاق المصنف أنه يحول وإن تكرر ذلك منه دائما وهو ما قاله الإمام لكن الذي في الروضة كأصلها إن كثر ذلك منه بحيث يظن أن سببه قلة تمييزه جعل عند الأم كما قبل التمييز وهذا ظاهر
وظاهر كلامهم أن التخيير لا يجري بين ذكرين ولا أنثيين كأخوين وأختين ونقله الأذرعي في الأنثيين عن فتاوى البغوي ونقل عن ابن القطان وعن مقتضى كلام غيره جريان ذلك بينهما
وهو كما قال شيخنا أوجه لأنه إذا خير بين غير المتساويين فبين المتساويين أولى
فإن اختار الأب ذكر لم يمنعه زيارة أمه
ولا يكلفها الخروج لزيارته لئلا يكون ساعيا في العقوق وقطع الرحم وهو أولى منها بالخروج لأنه ليس بعورة
تنبيه :
هل هذا على سبيل الوجوب أو الاستحباب قال في الكفاية الذي صرح به البندنيجي ودل عليه كلام الماوردي الأول
ويمنع
الأب " أنثى " إذا اختارته من زيارة أمها لتألف الصيانة وعدم البروز والأم أولى منها بالخروج لزيارتها لسنها وخبرتها
تنبيه :
سكت عن الخنثى والظاهر أنه كالأنثى
وظاهر كلامه أنه لا فرق في الأم بين المخدرة وغيرها وهو كذلك وإن بحث الأذرعي الفرق
وظاهر كلامه أنه لو مكنها من زيارتها لم يحرم عليه وخرج بزيارتها عيادتها فليس له المنع منه لشدة الحاجة إليها
ولا يمنعها
أي الأم " دخولا عليهما " أي ولديها الذكر والأنثى أو الخنثى وفي بعض النسخ عليها أي الأنثى " زائرة " لأن في ذلك قطعا للرحم لكن لا تطيل المكث
وعبر الماوردي بأنه يلزم الأب أن يمكنها من الدخول ولا يولها على ولدها
وفي كلام بعضهم ما يفهم عدم اللزوم
وبه أفتى ابن الصلاح فقال فإن بخل الأب بدخولها إلى منزله أخرجه إليها اه "
وهذا هو الظاهر لأن المقصود يحصل بذلك
والزيارة
على العادة " مرة في أيام " أي يومين فأكثر لا في كل يوم نعم إن كان منزلها قريبا فلا بأس أن يدخل كل يوم كما قاله الماوردي
تنبيه :
نصب مرة على المصدر وقال الفارسي على الظرف
فإن مرضا فالأم أولى بتمريضهما
لأنها ( 3 / 458 ) أهدى إليه وأصبر عليه من الأب ونحوه
فإن رضي به في بيته
فذاك ظاهر " وإلا ففي بيتها " يكون التمريض ويعودهما ويجب الاحتراز في الحالين من الخلوة بها ولا تمنع الأم من حضور تجهيزهما في بيته
أما إذا ماتا فله منعه من زيارة قبرهما إذا دفنا في ملكه والحكم في العكس كذلك
ولو تنازعا في دفن من مات منهما في تربة أحدهما أجيب الأب كما بحثه بعض المتأخرين
وإن مرضت الأم لزم الأب أن يمكن الأنثى من تمريضها إن أحسنت تمريضها بخلاف الذكر لا يلزمه أن يمكنه من ذلك وإن أحسن التمريض
وإن اختارها
أي الأم " ذكر فعندها ليلا وعند الأب نهارا " يعلمه الأمور الدينية والدنيوية على ما يليق به " ويؤدبه " أي يعلمه أدب النفس والبراعة والظرف فمن أدب ولده صغيرا سر به كبيرا يقال الأدب على الآباء والصلاح على الله
ويسلمه لمكتب
بفتح الميم والتاء ويجوز كسر التاء حكاه النحاس اسم للموضع الذي يتعلم فيه
وعبارة الشافعي رضي الله تعالى عنه الكتاب وقال ابن داود الأفصح المكتب لأن الكتاب جمع كاتب
و
ذي " حرفة " يتعلم من الأول الكتابة والثاني الحرفة على ما يليق بحال الولد
وطاهر كلام الماوردي أنه ليس للأب الشريف أن يعلم ابنه الصنعة إذا كان ذلك يزري به وهو ظاهر
وكذا لا ينبغي لمن له صنعة شريفة أن يعلم ابنه صنعة رديئة لأن عليه رعاية المصلحة وما فيه الحظ له ولا يكله في ذلك إلى أمه لعجز النساء عن القيام بمثل ذلك
تنبيه :
ظاهر كلامه إيجاب ذلك عليه وبه صرح في زوائد الروضة فقال يجب على الولي تأديب الولد وتعليمه أبا كان أو جدا أو وصيا وأجرة ذلك في مال الصبي فإن لم يكن فعلي من تلزمه نفقته
وما قاله في الليل والنهار قال الأذرعي جرى على الغالب فلو كانت حرفة الأب ليلا كالأتوني فالأقرب أن الليل في حقه كالنهار في حق غيره حتى يكون عند الأب ليلا لأنه وقت التعلم والتعليم وعند الأم نهارا كما قالوا في القسم بين الزوجات
أو
كان الذي اختار الأم " أنثى " أو خنثى كما بحثه شيخنا " فعندها ليلا ونهارا " لاستواء الزمانين في حقها طلبا لسترها
و
لا يطلب الأب احضارها بل " يزورها الأب " لتألف الستر والصيانة " على العادة " مرة في يومين فأكثر لا في كل يوم كما مر
تنبيه :
قوله على العادة يقتضي منعه من زيارتها ليلا وبه صرح بعضهم لما فيه من التهمة والريبة
وظاهر أنها لو كانت بمسكن زوج لها لم يجز له دخوله إلا بإذن منه فإن لم يأذن أخرجتها إليها ليراها ويتفقد حالها ويلاحظها بقيام تأديبها وتعليمها وتحمل مؤنتها وكذا حكم الصغير غير المميز والمجنون الذي لا تستقل الأم بضبطه فيكونان عند الأم ليلا ونهارا ويزورهما الأب ويلاحظهما بما مر وعليه ضبط المجنون
وإن اختارهما
أي اختار الولد المميز أبويه " أقرع " بينهما قطعا للنزاع ويكون عند من خرجت قرعته منهما
فإن لم يختر
واحدا منهما " فالأم أولى " لأن الحضانة لها ولم يختر غيرها " وقيل يقرع " بينهما وبه أجاب البغوي لأن الحضانة لكل منهما
ولو اختار غيرهما فالأم أولى أيضا استصحابا لما كان
ثم ما تقدم في أبوين مقيمين في بلد واحدة " و " حينئذ " لو أراد أحدهما سفر حاجة " كتجارة وحج طويلا كان السفر أم لا " كان الولد المميز وغيره مع المقيم " من الأبوين " حتى يعود " المسافر منهما لما في السفر من الخطر والضرر
تنبيه :
لو كان المقيم الأم وكان في مقامه معها مفسدة أو ضياع مصلحة كما لو كان يعلمه القرآن أو الحرفة وهما ببلد لا يقوم غيره مقامه في ذلك فالمتجه كما قاله الزركشي تمكين الأب من السفر به لاسيما إن اختاره الولد وسكت المصنف ( 3 / 459 ) عما لو أراد كل منهما السفر لحاجة واختلف طريقهما ومقصدهما وللرافعي فيه احتمالان أحدهما يدام حق الأم والثاني أن يكون مع الذي مقصده أقرب أو مدة سفره أقصر
قال المصنف والمختار الأول وهو مقتضى كلام الأصحاب انتهى
وينبغي أن يأتي فيه البحث المتقدم
أو
أراد أحدهما " سفر نقلة فالأب أولى " من الأم بالحضانة سواء انتقل الأب أم الأم أو كل واحد إلى بلد حفظا للنسب فإنه يحفظه الآباء أو رعاية لمصلحة التأديب والتعليم وسهولة الإنفاق
تنبيه :
لو رافقته الأم في سفره دام حقها ولو عاد من سفر النقلة إلى بلدها عاد حقها وإنما ينقل الأب ولده المميز إلى غير بلد الأم " بشرط أمن طريقه و " أمن " البلد المقصود " له وإلا فيقر عند أمه
وليس له أن يخرجه إلى دار الحرب كما صرح به المروزي وقال الأذرعي أنه ظاهر وإن كان وقت أمن وألحق به ابن الرفعة بخوف الطريق السفر في الحرب والبرد الشديدين قال الأذرعي وهو ظاهر إذا كان يتضرر به الولد ما إذا حمله فيما يقيه ذلك فلا
وشرط المتولي في البلد المنتقل إليه أن يكون صالحا للإقامة وهل يجوز له أن يسافر به في البحر أو لا تقدم الكلام على ذلك في باب الحجر
قيل و
يشترط " مسافة قصر " بين البلد المنقول عنده وإليه لأن الانتقال لما دونها كالإقامة في محلة أخرى من البلد المتسع لإمكان مراعاة الولد
والأصح لا فرق
تنبيه :
لو اختلفا فقال أريد الانتقال وقالت بل أردت التجارة صدق بيمينه فإن نكل حلفت وأمسكت الولد
ومحارم العصبة
كجد وأخ وعم " في هذا " المذكور في سفر النقلة " كالأب " فيكون أولى من الأم احتياطا للنسب أما محرم لا عصوبة له كأبي الأم والخال للأم فليس له النقل لأنه لا حق له في النسب
تنبيه :
للأب نقله عن الأم كما مر وإن أقام الجد ببلدها وللجد ذلك عند عدم الأب وإن أقام الأخ ببلدها لا الأخ مع إقامة العم أو ابن الأخ فليس له ذلك بخلاف الأب والجد لأنهما أصل في النسب فلا يعتني به غيرهما كاعتنائهما
والحواشي متقاربون فالمقيم منهم يعتني بحفظه هذا ما حكاه في الروضة وأصلها عن المتولي وأقراه
وعليه فيستثنى ذلك من قول المصنف ومحارم العصبة إلى آخره ولكن البلقيني جرى على ظاهر المتن وقال ما قاله المتولي من مفرداته التي هي غير معمول بها
وكذا ابن عم
كالأب في انتزاعه " لذكر " مميز من أمه عند انتقاله لما مر
ولا يعطى أنثى
تشتهى حذرا من الخلوة بها لانتفاء المحرمية بينهما
فإن رافقته بنته
أو نحوهما كأخته الثقة " سلم " الولد الأنثى " إليها " لا له إن لم تكن في رحله كما لو كان في الحضر أما لو كانت بنته أو نحوها في رحله فإنها تسلم إليه وبذلك تؤمن الخلوة وقد مر أن بهذا جمع بين كلامي الروضة والكتاب
وإن لم تبلغ حد الشهوة أعطيت له وإن نازع في ذلك الأذرعي
تنبيه :
لو قال سلمت لاستغنى عما قدرته وكان أولى فإن الضمير عائد على الأنثى وإنما يثبت حق النقلة للأب أو غيره إذا اجتمع فيه الشروط المعتبرة في الحضانة
تتمة ما مر إذا لم يبلغ المحضون فإن بلغ فإن كان غلاما وبلغ رشيدا ولي أمر نفسه لاستغنائه عمن يكفله فلا يجبر على الإقامة عند أحد أبويه والأولى أن لا يفارقهما ليبرهما قال الماوردي وعند الأب أولى للمجانسة
نعم إن كان أمرد أو خيف من انفراده ففي العدة عن الأصحاب أنه يمنع من مفارقة الأبوين
ولو بلغ عاقلا غير رشيد فأطلق مطلقون أنه كالصبي وقال ابن كج إن كان لعدم إصلاح ما له فكذلك وإن كان لدينه فقيل تدام حضانته إلى ارتفاع الحجر والمذهب أنه يسكن حيث شاء
قال الرافعي وهذا التفصيل حسن اه "
وإن كان أنثى فإن بلغت رشيدة فالأولى أن تكون عند أحدهما حتى تتزوج إن كانا مفترقين وبينهما إن كانا مجتمعين لأنه أبعد عن التهمة ولها أن تسكن حيث شاءت ولو بأجرة هذا إذا لم تكن ريبة فإن كانت فللأم إسكانها معها وكذا للولي من العصبة إسكانها معه إذا كان محرما لها وإلا ففي موضع لائق بها يسكنها ويلاحظها دفعا لعار النسب كما يمنعها نكاح غير الكفء ويجبر ( 3 / 460 ) على ذلك
والأمرد مثلها فيما ذكر كما مرت الإشارة إليه
ويصدق الولي بيمينه في دعوى الربيبة ولا يكلف بينة لأن إسكانها في موضع البراءة أهون من الفضيحة لو أقام بينة وإن بلغت غير رشيدة ففيها التفصيل المار
قال المصنف في نواقض الوضوء حضانة الخنثى المشكل وكفالته بعد البلوغ لم أر فيه نقلا وينبغي أن يكون كالبنت البكر حتى يجيء في جواز استقلاله وانفراده عن الأبوين إذا شاء وجهان اه "
ويعلم التفصيل مما مر

(3/452)


فصل في مؤنة المملوك

(3/460)


وما معها يجب " عليه " أي المالك " كفاية رقيقه نفقة " طعاما وأدما وتعتبر كفايته في نفسه زهادة ورغبة وإن زادت على كفاية مثله غالبا
و
عليه كفاية رقيقه " كسوة " وكذا سائره مؤنه لخبر للمملوك طعامه وكسوته ولا يكلف من العمل ما لا يطيق وخبر كفى بالمرء إثما أن يحبس عن مملوكه قوته رواهما مسلم وقيس بما فيهما ما في معناهما
تنبيه :
اقتصار المصنف على ما ذكر قد يفهم أنه لا يجب على السيد شراء ماء طهارته إذا احتاج إليه ولكن الأصح في زوائد الروضة وجوبه كفطرته وكذا يجب شراء تراب تيممه إن احتاجه
وأفهم تعبيره بالكفاية أنها لا تتقدر كنفقة الزوجة وهو كذلك
ونص في المختصر على وجوب الإشباع
وإن كان
رقيقه كسوبا أو مستحقا منافعه بوصية أو غيرها أو " أعمى زمنا ومدبرا ومستولدة " ومستأجرا ومعارا وآبقا لبقاء الملك في الجميع ولعموم الخبرين السابقين
نعم المكاتب ولو فاسد الكتابة لا يجب له شيء من ذلك على سيده لاستقلاله بالكسب ولهذا يلزمه نفقة أرقائه
نعم إن عجز نفسه ولم يفسخ السيد الكتابة فعليه نفقته وهي مسألة عزيزة النقل فاستفدها وكذا الأمة المزوجة حيث أوجبنا نفقتها على الزوج
ولا يجب على المالك الكفاية المذكورة من جنس طعامه وكسوته بل " من غالب قوت رقيق البلد " من قمح وشعير ونحو ذلك " و " من غالب " أدمهم " من سمن وزيت وجبن ونحو ذلك " و " من غالب " كسوتهم " من قطن وصوف ونحو ذلك لخبر الشافعي للمملوك نفقته وكسوته بالمعروف قال والمعروف عندنا المعروف لمثله ببلده ويراعى حال السيد في يساره وإعساره
وينفق عليه الشريكان بقدر ملكيهما ولو تقشف السيد بأن كان يأكل ويشرب ويلبس دون المعتاد غالبا رياضة أو بخلا لزم السيد رعاية الغالب له
ولا يكفي ستر العورة
لرقيقه وإن لم يتأذ بحر ولا برد لما فيه من الإذلال والتحقير وهذا ببلادنا كما قاله الغزالي وغيره أما ببلاد السودان ونحوها فله ذلك كما في المطلب وهذا يفهمه قولهم من الغالب فلو كانوا لا يستترون أصلا وجب ستر العورة لحق الله تعالى
و
لو تنعم السيد بما هو فوق اللائق به " سن له أن يناوله " أي رقيقه " مما يتنعم " هو " به من طعام وأدم وكسوة " لأنه من مكارم الأخلاق ولا يلزمه بل له الاقتصار على الغالب
وأما قوله صلى الله عليه و سلم إنما هم إخوانكم جعلهم الله تحت أيديكم فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه من طعامه وليلبسه من لباسه فقال الرافعي حمله الشافعي على الندب أو على الخطاب لقوم مطاعمهم وملابسهم متقاربة أو على أنه جواب سائل علم حاله فأجاب بما اقتضاه الحال
وكسبه ملك السيد إن شاء أنفق عليه منه وإن شاء أخذه وأنفق عليه من غيره
ولو فضل نفيس رقيقه على خسيسه كره في العبيد وسن في الإماء فتفضل أمة التسري مثلا على أمة الخدمة في الكسوة كما في التنبيه وفي الطعام أيضا كما قاله ابن النقيب للعرف في ذلك وقيل لا تفضل لتساويهما في الملك وقيل يسن تفضيل النفيس من العبيد أيضا كما قال الأذرعي وهو قضية العرف فليس كسوة الراعي والسايس ككسوة من قام بالتجارة
ويسن للسيد أن يجلس بضم الياء رقيقه معه للأكل فإن لم يجلسه أو امتنع الرقيق من جلوسه معه توقيرا له روغ له من الدسم لقمة كبيرة تسد مسدا لا صغيرة تهيج الشهوة ولا تقضي النهمة أو لقمتين أو أكثر ثم يناوله ذلك وإجلاسه معه أولى ليتناول القدر الذي يشتهيه
وهو فيمن يعالج الطعام آكد ولاسيما إن حضر المعالج لخبر الصحيحين ( 3 / 461 ) إذا أتى أحدكم خادمه بطعامه فإن لم يجلسه فليناوله لقمة أو لقمتين فإنه ولي حره وعلاجه والمعنى تشوف النفس لما تشاهده وهذا يقطع شهوتها والأمر في الخبر محمول على الندب طلبا للتواضع ومكارم الأخلاق
ولو أعطى السيد رقيقه طعاما لم يكن للسيد تبديله بما يقتضي تأخير الأكل بخلاف تبديله بما لا يقتضي ذلك
وتسقط
كفاية الرقيق " بمضي الزمان " فلا تصير دينا عليه إلا باقتراض القاضي أو إذنه فيه واقترض كنفقة القريب بجامع وجوبها بالكفاية " وببيع القاضي " أو يؤخر " فيها ماله " ان امتنع أو غاب لأنه حق وجب عليه تأديته
وكيفية بيعه أو إيجاره أنه إن تيسر بيع ماله أو إيجاره شيئا فشيئا بقدر الحاجة فذاك وإن لم يتيسر كعقار استدان عليه إلى أن يجتمع ما يسهل البيع أو الإيجار ثم باع أو أجر ما يفي به لما في بيعه أو إيجاره شيئا فشيئا من المشقة وعلى هذا يحمل كلام من أطلق أنه يباع بعد الاستدانة فإن لم يمكن بيع بعضه ولا إجارته وتعذرت الاستدانة باع جميعه أو أجره
فإن فقد المال
الذي ينفقه على رقيقه " أمره " القاضي " ببيعه " أو إجارته " أو إعتاقه " دفعا للضرر فإن لم يفعل أجره القاضي فإن لم يتيسر إجارته باعه فإن لم يشتره أحد أنفق عليه من بيت المال فإن لم يكن فيه مال فهو من محاويج المسلمين فعليهم القيام به
والدفع هنا يكون للسيد كما قاله ابن الرفعة لأن النفقة عليه وهو المكني عنه بأنه من محاويج المسلمين لا العبد
قال الأذرعي وظاهر كلامهم أنه ينفق عليه من بيت المال أو المسلمين مجانا وهو ظاهر إن كان السيد فقيرا ومحتاجا إلى خدمته الضرورية وإلا فينبغي أن يكون ذلك فرضا عليه اه "
تنبيه :
قد علم مما تقرر أن القاضي إنما يبيعه إذا تعذرت إجارته كما ذكره الجرجاني وصاحب التنبيه وإن كان قضية كلام الروضة وأصلها أن الحاكم مخير بين بيعه وإجارته
وهذا في غير المستولدة أما هي فيخليها للكسب أو يؤخرها ولا يجبر على عتق بخلافه هنا لأنه متمكن من إزالة ملكه فيؤمر بما يزيل الملك ولا ضرر عليه في ذلك لأنه متمكن من البيع ولا كذلك أم الولد
وأيضا هذه ثبت لها حق في العتق وفي غير المبعض أما هو فإن كان بينه وبين سيده مهايأة فالنفقة على صاحب النوبة وإلا فعليهما بحسب الرق والحرية
ويجبر أمته
أي يجوز له إجبارها " على إرضاع ولدها " منه أو من غيره لأن لبنها ومنافعها له بخلاف الزوجة فإن الزوج لا يملك ذلك منها
تنبيه :
لو أراد تسليم ولدها منه إلى غيرها وأرادت إرضاعه لم يجز له منعها لما فيه من التفريق بينهما لكن له ضمه في وقت الاستمتاع إلى غيرها إلى الفراغ
أما إذا كان الولد حرا من غيره أو مملوكا لغيره فله منعها من إرضاعه ويسترضعها غيره لأن إرضاعه على والده أو مالكه كما نقله ابن الرفعة وغيره من الماوردي وأقروه
وكذا غيره
أي غير ولدها يجبرها على إرضاعه أيضا " إن فضل " لبنها " عنه " أي عن ري ولدها إما لاجتزائه بغيره وإما لقلة شربه وإما لغزارة لبنها لما مر فإن لم يفضل فلا إجبار لقوله تعالى " لا تضار والدة بولدها " ولأن طعامه اللبن فلا يجوز أن ينقص من كفايته كالقوت
و
يجبرها أيضا على " فطمه قبل " مضي " حولين إن لم يضره " أي الولد الفطم بأن اكتفى بغير لبنها ولم يضرها أيضا " و " يجبرها على " إرضاعه بعدهما " أي الحولين " إن لم يضرها " ولم يضره أيضا فليس لها استقلال برضاع ولا فطم لأنه لا حق لها في التربية بخلاف الحرة كما قال " وللحرة حق في التربية " وحينئذ " فليس لأحدهما " أي الأبوين الحرين " فطمه " أي الولد " قبل " مضي " حولين " إلا برضى الآخر
لأن مدة الرضاع لم تتم
تنبيه :
ظاهر كلامهم أنهما لو تنازعا في فطمه أن الداعي إلى تمام الحولين يجاب
قال الأذرعي يشبه إجابة من دعا للأصلح للولد فقد يكون الفطم مصلحة له لمرض أمه أو حملها ولم يوجد غيرها فظهر تعين الفطام هنا وليس هذا مخالفا لقولهم بل إطلاقهم محمول على الغالب
ولهما
فطمه قبل حولين " إن لم يضره " الفطم لاتفاقهما وعدم ( 3 / 462 ) الضرر بالطفل فإن ضره فلا
ولأحدهما
فطمه إن اجتزأ بالطعام " بعد حولين " من غير رضى الآخر لأنها مدة الرضاع التام فإن كان ضعيف الخلقة لا يجتزىء بغير الرضاع لم يجز فطامه وعلى الأب بذل الأجرة حتى يبلغ حدا يجتزي فيه بالطعام
وإذا امتنعت الأم من إرضاعه أجبرها الحاكم عليه إن لم يجد غيرها كما قاله المتولي وغيره
تنبيه :
لو تم الحولان في حر أو برد شديد قال الفارقي يجب على الأب إرضاعه في ذلك الفصل فإن فطامه فيه يفضي إلى الإضرار وذلك لا يجوز بخلاف تمامهما في فصل معتدل " ولهما الزيادة " على حولين إن اتفقا عليها ولم تضره الزيادة وإلا فلا يجوز
تنبيه :
يسن قطع الرضاعة عند الحولين إلا لحاجة كما في فتاوى الحناطي
ولا يكلف
المالك " رقيقه إلا عملا يطيقه " أي المداومة عليه لخبر مسلم المار فلا يجوز أن يكلفه عملا على الدوام يقدر عليه يوما أو يومين ثم يعجز عنه
ويجوز له أن يكلفه الأعمال الشاقة أي التي لا تضره في بعض الأوقات كما صرح به الرافعي فإن كلفه ما لا يطيق أفتى القاضي حسين بأنه يباع عليه
قال ابن الصباغ وليس هو ببعيد عن قاعدة المذهب اه "
وهو كما قال الأذرعي ظاهر إذا تعين طريقا لخلاصه فلو كان يمتنع إذا منع عنه لم يتعين بيعه
ويجب على السيد في تكليفه رقيقه ما يطيقه اتباع العادة فيريحه في وقت القيلولة وهي النوم في نصف النهار وفي وقت الاستمتاع إن كان له امرأة وفي العمل طرفي النهار ومن العمل آناء الليل إن استعمله نهارا أو النهار إن استعمله ليلا وإن سافر به أركبه وقتا فوقتا كالعادة دفعا للضرر عنه وإن اعتاد السادة الخدمة من الأرقاء نهارا مع طرفي الليل لطوله اتبعت عادتهم وعلى الرقيق بذل المجهود وترك الكسل في الخدمة
ويكره أن يقول المملوك لمالكه ربي بل يقول سيدي ومولاي ويكره أن يقول السيد له عبدي أو أمتي بل يقول غلامي أو جاريتي أو فتاي وفتاتي ولا كراهة في إضافة رب إلى غير المكلف كرب الدار ورب الغنم ويكره أن يقال للفاسق والمتهم في دينه يا سيدي
ويجوز
للمالك " مخارجته " أي ضرب خراج على رقيقه إذا كان مكلفا " بشرط رضاهما " أي المالك ورقيقه فليس لأحدهما إجبار الآخر عليها لأنه عقد معاوضة فاعتبر فيه التراضي والأصل فيها خبر الصحيحين أنه صلى الله عليه و سلم أعطى أبا طيبة لما حجمه صاعين أو صاعا من تمر وأمر أهله أن يخففوا عنه من خراجه
ونقلت عن جمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين
روى البيهقي أنه كان للزبير ألف مملوك تؤدي إليه الخراج ولا يدخل بيته من خراجهم شيئا بل يتصدق به
تنبيه :
يستفيد الرقيق بالمخارجة ما يستفيده الرقيق بالكتابة من بيع وشراء ونحو ذلك
وهي خراج
معلوم يضربه السيد على رفيقه " يؤديه " مما يكسبه " كل يوم أو أسبوع " أو شهر أو سنة أو نحو ذلك عل حسب اتفاقهما
وتشترط قدرته على كسب مباح وأن يكون ذلك فاضلا عن مؤنته إن جعلت في كسبه فلو لم يف كسبه بخراجه لم تصح مخارجته كما صرح به الماوردي وغيره
قال الشافعي رضي الله تعالى عنه في الأم والمختصر ويمنعه الإمام من أن يجعل على أمته خراجا إلا أن يكون لها عمل دائم أو غالب وكذا العبد إذا لم يطق العمل وروى بسنده إلى عثمان في خطبته لا تكلفوا الصغير الكسب فيسرق ولا الجارية غير ذات الصنعة فتكسب بفرجها
قال الإمام وهذا مما تجب مراعاته والأصل فيها الإباحة فكأن السيد أباحه الزائد فيما إذا وفى وزاد كسبه توسعا عليه في النفقة وقد يعرض لها عوارض تخرجها عن ذلك فهي جائزة من الجانبين ومؤنته تجب حيث شرطت من كسبه أو من مال سيده ويجبر النقص في بعض الأيام بالزيادة في بعضها
وعليه
أي صاحب دواب " علف دوابه " المحترمة " وسقيها " أو تخليتها للرعي وورود الماء إن اكتفت به فإن لم تكتف به كجدب الأرض ونحوه أضاف إليه ما يكفيها وذلك لحرمة الروح ولخبر الصحيحين دخلت امرأة النار في هرة حبستها لا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض بفتح الخاء وكسرها أي هوامها والمراد بكفاية الدابة وصولها لأول الشبع والري دون غايتهما ( 3 / 463 ) وخرج بالمحترم غيرها كالفواسق الخمس
تنبيه :
العلف بفتح اللام مطعوم الدواب وبإسكانها المصدر ويجوز هنا الأمران وضبطه المصنف بخطه هنا وفيما يأتي بالإسكان
فإن امتنع
أي امتنع المالك من ذلك وله مال " أجبر في " الحيوان " المأكول على " أحد ثلاثة أمور " بيع " له أو نحوه مما يزول ضرره به " أو علف أو ذبح و " أجبر " في غيره على " أحد أمرين " بيع أو علف " ويحرم ذبحه للنهي عن ذبح الحيوان إلا لأكله
وإنما أجبر على ذلك صونا له عن الهلاك فإن لم يفعل ناب الحاكم عنه في ذلك على ما يراه ويقتضيه الحال فإن لم يكن له مال باع الحاكم الدابة أو جزءا منها أو إكراها عليه
قال الأذرعي ويشبه أن لا يباع ما أمكن إجارته وحكي عن مقتضى كلام الشافعي والجمهور فإن تعذر ذلك فعلى بيت المال كفايتها فإن تعذر فعلى المسلمين كنظيره في الرقيق ويأتي فيه ما مر ثم ولو كانت دابته لا تملك ككلب لزمه أن يكفيها أو يدفعها لمن يحل له الانتفاع بها قال الأذرعي أو يرسلها
ولو كان عنده حيوان يؤكل وآخر لا يؤكل ولم يجد إلا نفقة أحدهما وتعذر بيعهما فهل يقدم نفقة ما لا يؤكل ويذبح ما يؤكل أو يسوى بينهما فيه احتمالان لابن عبد السلام قال فإن كان المأكول يساوي ألفا وغيره يساوي درهما ففيه نظر واحتمال اه "
وينبغي أن لا يتردد في ذبح المأكول فقد قالوا في التيمم إنه يذبح شاته لكلبه المحترم فإذا كان يذبح لنفس الكلب فبالأولى أن يذبح ليأكل ويعطي النفقة لغيره
نعم إن اشتدت حاجته للمأكول لم يجز ذبحه كأن كان جملا وهو في برية متى ذبحه انقطع فيها
تنبيه :
يجوز غصب العلف للدابة وغصب الخيط لجراحتها ولكن بالبدل إن تعينا ولم يباعا كما يجب سقيها الماء والعدول إلى التيمم ويجوز تكليفها على الدوام ما لا تطيق الدوام عليه
ولا يحلب
المالك من لبن دابته أي يحرم عليه أن يحلب " ما ضر ولدها " لأنه غذاؤه لأنه كولد الأمة وللنهي عنه كما صححه ابن حبان وإنما يحلب ما فضل عن ري ولدها
قال الروياني ويعني بالري ما يقيمه حتى لا يموت
قال الرافعي وقد يتوقف بالاكتفاء بهذا
قال الأذرعي وهذا التوقف هو الصواب الموافق لكلام الشافعي والأصحاب اه "
وهذا ظاهر ينبغي الجزم به
وله أن يعدل به إلى لبن غير أمه إن استمرأه وإلا فهو أحق بلبن أمه
ولا يجوز الحلب إذا كان يضر بالبهيمة لقلة علفها كما نقلاه عن التتمة وأقراه ولا ترك الحلب أيضا إذا كان يضرها وإن لم يضرها كره تركه للإضاعة
فروع يسن أن لا يستقصي الحالب في الحلب بل يدع في الضرع شيئا وأن يقص أظفاره لئلا يؤذيها
قال الأذرعي ويظهر أنه إذا تفاحش طول الأظفار وكان يؤذيها لا يجوز له حلبها ما لم يقص ما يؤذيها
ويحرم جز الصوف من أصل الظهر ونحوه وكذا حلقه لما فيهما من تعذيب الحيوان قاله الجويني
ولا ينافيه نص الشافعي في حرملة على الكراهة لجواز أن يراد بها كراهة التحريم كما قاله الزركشي
والظاهر كما قال الدميري أنه يجب أن يلبس الخيل والبغال والحمير ما يقيها الحر والبرد الشديد إذا كان يضر بها
وما لا روح له كقناة ودار لا تجب
على مالكها المطلق التصرف " عمارتها " أي ما ذكر من القناة والدار فإن ذلك تنمية للمال ولا يجب على الإنسان ذلك
ولا يكره تركها إلا إذا أدى إلى الخراب فيكره هكذا علل الشيخان قال الإسنوي وقضيته عدم تحريم إضاعة المال لكنهما صرحا في مواضع بتحريمها كإلقاء المتاع في البحر بلا خوف
فالصواب أن يقال بتحريمها إن كان سببها أعمالا كإلقاء المتاع في البحر وبعدم تحريمها إن كان سببها ترك أعمال تشق عليه
ومنه ترك سقي الأشجار المرهونة بتوافق المعاندين فلا جائز خلافا للروياني
قال ابن العماد في مسألة ترك سقي الأشجار وصورتها أن يكون لها ثمرات تفي بمؤنة سقيها وإلا فلا كراهة قطعا قال ولو أراد بترك السقي تجفيف الأشجار لأجل قطعها للبناء أو ( 4 / 1 ) الوقود فلا كراهة قطعا
أما المحجور عليه فعلى وليه إصلاح زرعه بسقي وغيره وعمارة داره ويجب على ناظر الأوقاف حفظ رقابها ومستغلاتها
تنبيه :
احترز المصنف بما لا روح فيه عن كل ذي روح محترمة فإنه يجب على مالكه القيام بمصلحته فمن ذلك النحل بحاء مهملة فيجب أن يبقى له شيئا من العسل في الكوارة بقدر حاجته إن لم يكفه غيره وإلا فلا يجب عليه ذلك
قال الرافعي وقد قيل تشوى له دجاجة ويعلقها بباب الكوارة فيأكل منها
ومن ذلك دود القز يعيش بورق التوت فعلى مالكه علفه منه أو تخليته لأكله إن وجد لئلا يهلك بغير فائدة ويباع فيه ماله كالبهيمة ويجوز تجفيفه بالشمس عند حصول نوله وإن أهلكه لحصول فائدة كذبح الحيوان المأكول
خاتمة : الزيادة في العمارة على قدر الحاجة خلاف الأولى
قال في أصل الروضة وربما قيل بكراهتها وصح أن الرجل ليؤجر في نفقته كلها إلا في هذا التراب قال ابن حبان معناه لا يؤجر إذا أنفق فيها فصلا عما يحتاج إليه من البناء
ويكره للإنسان أن يدعو على نفسه وولده وخادمه وماله لما روى مسلم في آخر كتابه وأبو داود عن جابر بن عبد الله قال قال رسول الله صلى الله عليه و سلم لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على خدمكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله ساعة يسئل فيه عطاء فيستجيب له
وقد ضعف الناس محمد بن الحسن المفسر مع جلالته لروايته عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال إن الله تعالى لا يقبل دعاء حبيب على حبيبه وهو ضعيف عند الدارقطني وغيره
وروى أبو موسى عن ابن عباس أن أوس بن ساعدة الأنصاري دخل على النبي صلى الله عليه و سلم فقال يا رسول الله إن لي بنات وأنا أدعو عليهن بالموت فقال يا ابن ساعدة لا تدعو عليهن فإن البركة في البنات هي المجملات عند النعمة والمنعيات عند المصيبة والممرضات عند الشدة ثقلهن على الأرض ورزقهن على الله والله سبحانه وتعالى أعلم ( 4 / 2 )

(3/460)


كتاب الجراح

(4/2)


هو بكسر الجيم جمع جراحة وهي إما مزهقة الروح أو مبينة للعضو أو لا تحصل واحد منهما . ولما كانت الجراحة تارة تزهق النفس إما بالمباشرة وإما بالسراية وتارة تبين عضوا وتارة لا تفعل شيئا من ذلك جمعها لاختلاف أنواعها
وكان التبويب بالجنايات أولى لشمولها الجناية بالجرح وغيره كالقتل بمثقل ومسموم وسحر لكن قال الرافعي لما كانت الجراحة أغلب طرق القتل حسنت الترجمة بها
وأما الجرح بضمها فهو الاسم والجمع جروح واجترح بمعنى اكتسب ومنه " ويعلم ما جرحتم بالنهار " . وجوارح الإنسان أعضاؤه وجوانحه أطراف ضلوعه
والأصل في الباب قبل الإجماع آيات كقوله تعالى " يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص " وأخبار كخبر الصحيحين اجتنبوا السبع الموبقات قيل وما هن يا رسول الله قال الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات
وقتل الآدمي عمدا بغير حق أكبر الكبائر بعد الكفر
وقد سئل النبي صلى الله عليه و سلم أي الذنب أعظم عند الله قال أن تجعل لله ندا وهو خلقك
قيل ثم أي قال أن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك رواه الشيخان
قال صلى الله عليه و سلم لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا وما فيها رواه أبو داود بإسناد صحيح وتصح توبة القاتل عمدا لأن الكافر تصح توبته فهذا أولى
ولا يتحتم عذابه بل هو في خطر المشيئة ولا يخلد عذابه إن عذب وإن أصر على ترك التوبة كسائر ذوي الكبائر غير الكفر وأما قوله تعالى " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا فيها " فالمراد بالخلود المكث الطويل فإن الدلائل متظاهرة على أن عصاة المسلمين لا يدوم عذابهم أو مخصوص بالمستحل لقتله كما ذكره عكرمة وغيره
وإذا اقتص منه الوارث أو عفا على مال أو مجانا فظواهر الشرع تقتضي سقوط المطالبة في الدار الآخرة كما أفتى به المصنف وذكر مثله في شرح مسلم لكن ظاهر تعبير الشرح والروضة يدل على بقاء العقوبة فإنهما قالا ويتعلق بالقتل المحرم وراء العقوبة الأخروية مؤاخذات في الدنيا
وجمع بين الكلامين بأن كلام الروضة وأصلها مفروض فيمن مات مصرا على القتل وكلام الفتاوى وشرح مسلم مفروض فيمن تاب ثم أقيم عليه الحد
ولو قال في الروضة وأصلها ويتعلق بالقتل المحرم وراء استحقاق العقوبة الأخروية بدل قوله وراء العقوبة لكان أولى لأن العقوبة غير مجزوم بها لجواز العفو
ومذهب أهل السنة أن المقتول لا يموت إلا بأجله والقتل لا يقطع الأجل خلافا للمعتزلة فإنهم قالوا القتل يقطعه
ثم شرح المصنف في تقسيم القتل إلى عمد وغيره فقال " الفعل " الصادر من شخص مباشرة أو سببا جرحا كان أو غيره " المزهق " بكسر الهاء أي القاتل للنفس أقسامه " ثلاثة عمد وخطأ وشبه عمد " وجه الحصر في ذلك أن الجاني إن لم يقصد عين المجني عليه فهو الخطأ وإن قصدها فإن كان بما يقتل غالبا فهو العمد وإلا فشبه العمد
روى البيهقي عن محمد بن خزيمة أنه قال حضرت مجلس المزني يوما ( 4 / 3 ) فسأله رجل من العراق عن شبه العمد فقال إن الله وصف القتل في كتابه بصفتين عمد وخطأ فلم قلتم إنه ثلاثة أصناف فاحتج عليه المزني بما روى أبو داود و النسائي و ابن ماجه و ابن حبان عن سفيان بن عيينة عن علي بن زيد بن جدعان عن القاسم بن ربيعة عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه و سلم قال ألا إن في قتيل عمد الخطأ قتيل السوط أو العصا مائة من الإبل مغلظة منها أربعون خلفة في بطونها أولادها
فقال المناظر أتحتج علي بعلي بن زيد بن جدعان فسكت المزني
فقلت للمناظر قد رواه جماعة غيره منهم أيوب السختياني وخالد الحذاء
فقال للمزني أنت تناظر أم هذا فقال إذا جاء الحديث فهو يناظر لأنه أعلم به مني ثم أتكلم
تنبيه :
إنما قيد الفعل بالإزهاق مع أن الجرح والأطراف حكمها كذلك لأنه يذكرها بعد في قوله ويشترط لقصاص الطرف والجرح ما شرط للنفس
فإن قيل كان الأحسن التعبير بالأفعال ليطابق المبتدأ الخبر
أجيب بأنه أراد بالفعل الجنس
وشبه بكسر الشين وإسكان الباء ويجوز فتحهما ويقال أيضا شبيه كمثل ومثل ومثيل "
فائدة :
يمكن انقسام القتل إلى الأحكام الخمسة واجب وحرام ومكروه ومندوب ومباح فالأول قتل المرتد إذا لم يتب والحربي إذا لم يسلم أو يعط الجزية
والثاني قتل المعصوم بغير حق
والثالث قتل الغازي قريبه الكافر إذا لم يسب الله أو رسوله
والرابع قتله إذا سب أحدهما
والخامس قتل الإمام الأسير فإنه مخير فيه كما سيأتي
وأما قتل الخطأ فلا يوصف بحرام ولا حلال لأنه غير مكلف فيما أخطأ فهو كفعل المجنون والبهيمة
ولا قصاص
في شيء من هذه الثلاثة " إلا في العمد " لقوله تعالى " كتب عليكم القصاص في القتلى " الآية سواء مات في الحال أم بعده بسراية جراحة
وأما عدم وجوبه في شبه العمد فللحديث المار وأما في الخطأ فلقوله تعالى " ومن قتل مؤمنا خطأ فتحرير رقبة مؤمنة ودية مسلمة " فأوجب الدية ولم يتعرض للقصاص
تنبيه :
يشترط في العمد أن يكون ظلما من حيث كونه مزهقا للروح بخلاف غير الظلم وبخلاف الظلم لا من تلك الحيثية كأن عدل عن الطريق المستحق في الإتلاف كأن استحق حز رقبته قودا فقده نصفين
والقصاص بكسر القاف المماثلة وهو مأخوذ من القص وهو القطع أو من اقتصاص الأثر وهو تتبعه لأن المقتص يتبع جناية الجاني ليأخذ مثلها
وهو
أي العمد في النفس " قصد للفعل " العدوان " و " عين " الشخص بما يقتل " قطعا أو " غالبا "
وقوله " جارح أو مثقل " جرى على الغالب ولو أسقطهما كان أولى ليشمل ذلك القتل بالسحر وشهادة الزور ونحو ذلك وهما مجروران على البدل من ما ويجوز رفعهما على القطع أو لعله قصد بالتصريح بهما التنبيه على خلاف أبي حنيفة فإنه لم يوجبه في المثقل كالحجر والدبوس الثقيلين ودليلنا عليه قوله تعالى " ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا " وهذا قتل مظلوما وخبر الصحيحين أن جارية وجدت وقد رض رأسها بين حجرين فقيل لها من فعل بك هذا أفلان أو فلان حتى سمي يهودي فأومأت برأسها فأخذ اليهودي فاعترف فأمر رسول الله صلى الله عليه و سلم برض رأسه بالحجارة فثبت القصاص في هذا بالنص وقيس عليه الباقي
وقد وافقنا أبو حنيفة على أن القتل بالعمود الحديد موجب للقود وقد ثبت النص في القصاص بغيره في المثقل كما مر فلا خصوصية للعمود الحديد لأن القصاص شرع لصيانة النفوس فلو لم يجب بالمثقل لما حصلت الصيانة
فإن قيل إن أراد بما يقتل غالبا الآلة ورد غرز الإبرة في مقتل أو في غيره مع الورم والألم إلى الموت فإنه عمد والآلة لا تقتل غالبا وإن أراد الفعل ورد إذا قطع أنملة إنسان فسرت الجراحة إلى النفس فالقصاص واجب والفعل لا يقتل غالبا
أجيب بأن المراد الآلة ولا يرد غرز الإبرة لأنه صرح بها لخروجها عن الضابط أو أنها تقتل غالبا في هذا المحل الذي غرزت فيه ( 4 / 4 )
تنبيه :
ما جزم به المصنف من قصد تعيين الشخص في العمد موافق للروضة هنا ولما سيأتي في موجبات الدية فلو قصد إصابة أحد رجلين فأصاب واحدا منهما يجب عليه القصاص
ولا يخالف هذين الموضعين ما رجحه قبيل الديات من زوائده من وجوب القصاص فيمن رمى شخصا أو جمعا وقصد إصابة أي واحد منهم فأصاب واحدا لأن أي للعموم فكأن كل شخص مقصود بخلاف ما إذا قصد واحدا لا بعينه فلا يكون عمدا فما في الزوائد هو المعتمد وإن خالف في ذلك البلقيني و الإسنوي وغيرهما
ويشترط أيضا مع قصد الشخص أن يعرف أنه إنسان كما قاله البلقيني فلو رمى شخصا اعتقده نخلة فكان إنسانا لم يكن عمدا على الصحيح وبه قطع الشيخ أبو محمد وأورد على المصنف ما إذا قصد الفعل والشخص بما يقتل غالبا بجهة حكم ثم بان الخلل في مستنده ولم يقصر الحاكم كما إذا قبله بشهادة من بانا بعد القتل رقيقين إذ الراجح وجوب الدية مخففة
وما إذا رمى حربي أو مرتد فأسلم ثم أصابه السهم إذ هو خطأ وعلى النص أنها حالة في مال الجاني
وما إذا كان وكيلا في استيفاء القصاص ثم عفا عن الجاني أو عزل ولم يعلم الوكيل ذلك واستوفى القصاص تجب دية مغلظة حالة على الوكيل
وقد يقال إنما سقط القصاص في هذه الصور لعوارض
فإن فقد قصد
هما أو فقد قصد " أحدهما " أي الفعل أو الشخص " بأن وقع عليه فمات " هذا كما قال الرافعي مثال للأولى فكان ينبغي للمصنف أن يزيدها
وأما مثال الثانية فهو قوله " أو رمى شجرة " أو نحو ذلك كدابة فأصابه فمات أو رمى آدميا فأصاب غيره فمات " فخطأ " لعدم قصد عين الشخص
تنبيه :
يوزع المصنف في تصوير قصد الشخص دون الفعل فإنه متعذر قيل ويمكن تصويره بما إذا قصد ضربه بصفح السيف فأخطأ وأصاب بحده فهذا لم يقصد الفعل بالحد مع أنه قصد الشخص وبما لو توعده إمام ظالم وهدده فمات بذلك فهذا قصد الشخص بالكلام ولم يقصد الفعل الواقع به لعدم صدوره إذ ذاك منه
ونوزع في المثال أيضا بأن من وقع على شخص لا ينسب إليه فعل أصلا فضلا عن كونه خطأ لأن الخطأ على مقتضى تقسيم المصنف الفعل المزهق لا بد فيه من فعل
وقد يعتذر عنه كما قاله بعض شراح الكتاب بأن المثال المذكور مما يعطى حكم الخطأ وليس بخطأ أو أن الوقوع فيه منسوب إلى الشخص الواقع فيصدق عليه حينئذ الفعل المقسم
وعبارة المحرر ظاهرة في المراد حيث قال الفعل المزهق إن وجد والشخص غير قاصد للفعل بأن صاح على صبي فمات أو غير قاصد لمن أصابه كما إذا رمى شجرة فأصاب إنسانا فهذا خطأ فظهر من كلامه أن المعتبر في الخطأ أحد أمرين أن لا يقصد أصل الفعل أو يقصده دون الشخص
وإن قصدهما
أي الفعل والشخص " بما " أي شيء له مدخل في الإهلاك " لا يقتل غالبا " عدوانا فمات " فشبه عمد " سمي بذلك لأنه أشبه العمد في القصد ويسمى أيضا خطأ عمد وعمد خطأ وخطأ شبه عمد
ومنه الضرب بسوط أو عصا
للحديث المار لكن بشروط أن يكونا خفيفين وأن يوالي بين الضربات وأن لا يكون الضرب في مقتل أو المضروب صغيرا أو ضعيفا وأن لا يكون حر أو برد معين على الهلاك وأن لا يشتد الألم ويبقى إلى الموت
فإن كان فيه شيء من ذلك فهو عمد لأنه يقتل غالبا كما في الشرح والروضة
ومثل العصا المذكورة الحجر الخفيف وكف مقبوضة الأصابع لمن يحمل الضرب بذلك واحتمل موته به
تنبيه :
يرد على طرده التعزير ونحوه فإنه قصد الفعل والشخص بما لا يقتل غالبا وليس بشبه عمد بل خطأ وعلى عكسه ما لو قال الشاهدان الراجعان لم نعلم أنه يقتل بقولنا وكانا ممن يخفى عليهما ذلك فحكمه حكم شبه العمد مع وجود قصد الشخص والفعل بما يقتل غالبا
فلو غرز إبرة بمقتل
بفتح المثناة الفوقية واحد المقاتل وهي المواضع التي إذا أصيبت قتلت كعين ودماغ وأصل أذن وحلق وثغرة نحر وخاصرة وأخدع بالدال المهملة وهو عرق العنق وإحليل وأنثيين ومثانة بالمثلثة بعد الميم مستقر البول من الآدمي وعجان وهو بكسر العين المهملة ما بين الخصية والدبر ( 4 / 5 ) ويسمى العضرط بفتح العين المهملة فمات به ولو بلا تورم " فعمد " ذلك الغرز لخطر المواضع وشدة تأثيره
وكذا
لو غرز إبرة " بغيره " أي المقتل كفخذ وألية " إن تورم وتألم " أي اجتمع الأمران واستمرا " حتى مات " فعمد لحصول الهلاك به
وظاهر هذا أنه لا قصاص في الألم بلا ورم
وليس مرادا بل الأصح كما صححه المصنف في شرح الوسيط الوجوب وأما الورم بلا ألم فقط لا يتصور ولهذا قال الرافعي لو لم يتعرض له الغزالي لم يضر لأن الورم لا يخلو عن الألم
فإن لم يظهر للغرز " أثر " بأن لم يشتد الألم وليس المراد بأن لا يوجد ألم أصلا فإنه لا بد من ألم ما " ومات في الحال فشبه عمد " في الأصح لأنه لا يقتل غالبا فأشبه الضرب بالسوط الخفيف
وقيل
هو " عمد " لأن في البدن مقاتل خفية وموته حالا يشعر بإصابة بعضها
وقيل لا شيء
أي لا قصاص ولا دية إحالة للموت على سبب آخر أما إذا تأخر الموت عن الغرز فلا ضمان قطعا كما قاله الماوردي وغيره
تنبيه :
ما ذكره من التفصيل بين المقتل وغيره إنما هو في حق المعتدل أما إذا غرز في بدن صغير أو شيخ هرم أو نضو الخلفة في أي موضع كان فإنه يجب القصاص كما نقلاه عن الرقم للعبادي وأقراه
ولو غرز
ها " فيما لا يؤلم كجلدة عقب " ولم يبالغ في إدخالها فمات " فلا شيء " في غرزها " بحال " أي سواء أمات في الحال أم بعده للعلم بأنه لم يمت منه وإنما هو موافقة قدر كما ألقى عليه خرقة أو ضربه بقلم فمات
أما إذا بالغ فيجب القود قطعا كما قاله الشيخ أبو حامد و الماوردي و القاضي أبو الطيب
ولو حبسه ومنعه الطعام والشراب
أو أحدهما " و " منعه أيضا " الطلب " لذلك " حتى مات " بسبب المنع " فإن مضت " عليه " مدة يموت مثله " أي المحبوس " فيها غالبا جوعا أو عطشا فعمد " لظهور قصد الإهلاك به
وتختلف المدة باختلاف حال المحبوس قوة وضعفا والزمان حر أو برد لأن فقد الماء في الحر ليس كفقده في البرد
واحترز بقوله منعه عما إذا كان ذلك عنده وأمكنه تناوله فلم يتناوله خوفا أو حزنا أو أمكنه طلبه ولو بالسؤال فلم يفعل أو منعه الشراب فترك الأكل خوف العطش أو انهدم السقف عليه أو أمكنه الهرب كما قاله الفوراني من غير مخاطرة فمات بذلك فلا قصاص ولا دية على حابسه لأنه قتل نفسه ومنع الدفاء في البرد كمنع الأكل فيما ذكر
ولو قتله بالدخان بأن حبسه في بيت وسد منافذه فاجتمع عليه الدخان فضاق نفسه فمات وجب القود كما قاله المتولي وكذا لو منع من افتصد من شد فصاده حتى مات كما أفتى به الغزالي
تنبيه :
قوله حبسه يفهم أنه لو منعه من غير حبس كما لو أخذ زاده أو ماءه في مفازة أو عراة فمات جوعا أو عطشا أو بردا أنه لا ضمان وهو كذلك لأنه لم يحدث فيه صنعا
قال الأذرعي وقضية هذا التوجيه أنه لو أغلق عليه بيتا وهو جالس فيه حتى مات جوعا لم يضمنه وفيه نظر اه "
هذه القضية ممنوعة لأنه في أخذ الطعام منه متمكن من أخذ شيء بخلافه في الحبس بل هذه داخلة في كلام الأصحاب
ثم قال وهذا في مفازة يمكنه الخروج منها أما إذا لم يمكنه ذلك لطولها أو لزمانته ولا طارق في ذلك الوقت فالمتجه وجوب القود كالمحبوس اه "
وهو بحث قوي لكنه خلاف المنقول
وهذا كله في الحر أما الرقيق فيضمن باليد مطلقا سواء راعاه بالطعام والشراب أم لا كما قالاه
وإلا
بأن لم تمض المدة المذكورة ومات المحبوس " فإن لم يكن به جوع وعطش " الواو بمعنى أو بدليل إفراد الضمير في قوله " سابق " على المنع " فشبه عمد " لأنه لا يقتل غالبا
وإن كان
به " بعض جوع وعطش " الواو أيضا بمعنى أو " وعلم الحابس الحال " وكانت مدة حبسه بحيث لو أضيفت لمدة جوعه أو عطشه السابق بلغت المدة القاتلة " فعمد " لظهور قصد الإهلاك
أما إذا لم يبلغ مجموع المدتين ذلك فهو كما لو لم يكن به شيء سابق كما قاله ابن النقيب وقال لا بد ( 4 / 6 ) منه وهو مرادهم بلا شك اه "
وتبعه الزركشي وهو ظاهر
وإلا
بأن لم يعلم الحابس الحال " فلا " أي فليس بعمد بل هو شبه عمد " في الأظهر " لأنه لم يقصد إهلاكه ولا أتى بما هو مهلك كما لو دفعه دفعا خفيفا فسقط على سكين وراءه وهو جاهل فإنه لا قصاص
والثاني هو عمد فيجب القصاص لحصول الهلاك به كما لو ضرب المريض ضربا يهلكه ولا يهلك الصحيح وهو جاهل بمرضه
وأجاب الأول بأن الضرب ليس من جنس المرض فيمكن إحالة الهلاك عليه والجوع من جنس الجوع والقدر الذي يتعلق منه بصفة لا يمكن إحالة الهلاك عليه حتى لو ضعف من الجوع فضربه ضربا يقتل مثله وجب القصاص
تنبيه :
مراده بقوله وإلا فلا وجوب نصف دية شبه عمد وإن أوهمت عبارته وجوب دية شبه عمد كاملة لحصول الهلاك بالجوعين أو العطشين والذي منه أحدهما ومسألة الحبس من السبب فكان الأولى ذكرها بعد قوله " ويجب القصاص بالسبب " كالمباشرة لأن ماله دخل من الأفعال في الزهوق إما مباشرة وهي ما يؤثر في الهلاك ويحصله كالجرح السابق ففيها القصاص كما مر وإما شرط وهو ما لا يؤثر في الهلاك ولا يحصله بل يحصل التلف عنده بغيره ويتوقف تأثير ذلك الغير عليه كالحفر مع التردي فإنه لا يؤثر في التلف ولا يحصله وإنما يؤثر التخطي في صوب الحفرة والمحصل للتلف التردي فيها ومصادمتها لكن لولا الحفر لما حصل التلف ولهذا سمي شرطا
ومثله الإمساك للقاتل وهذا لا قصاص فيه وإما سبب وهو ما يؤثر في الهلاك ولا يحصله
وجه الحصر في ذلك أن الفاعل لا يخلو إما أن يقصد عين المجني عليه أو لا فإن قصده بالفعل المؤدي إلى الهلاك بلا واسطة فهو المباشرة وإن أدى إليه بواسطة فهو السبب كالشهادة بموجب قصاص وإن لم يقصد عين المجني عليه بالكلية فهو الشرط
والسبب ينقسم إلى ثلاثة أضرب الأول شرعي كالشهادة ويقتص من شهود الزور بشروط تأتي
والثاني عرفي كتقديم مسموم لمن يأكله وسيأتي
والثالث حسي كالإكراه على القتل
وقد شرع في الضرب الأول فقال " فلو شهدا " أي رجلان على شخص عند قاض " بقصاص " أي بموجبه في نفس أو طرف أو شهدا عليه بردة أو سرقة " فقتل " المشهود عليه أو قطع بعد حكم القاضي بشهادتهما " ثم رجعا " عنها " وقالا تعمدنا " الكذب فيها وعلمنا أنه يقتل أو يقطع بشهادتنا " لزمهما " حينئذ " القصاص " لأنهما تسببا في إهلاكه بما يقتل غالبا فأشبه ذلك الإكراه الحسي
قال الإمام بل أبلغ من الإكراه لأن المكره قد يؤثر هلاك نفسه على سفك دم محرم والقاضي لا محيص له عن الحكم بشهادتهما
أما إذا قالا لا نعلم أنه يقتل بشهادتنا فإنه ينظر إن كانا ممن يخفى عليهما ذلك لقرب عهدهما بالإسلام أو بعدهما عن العلماء لم يجب عليهما القصاص بل دية شبه عمد كما ذكراه في باب الرجوع عن الشهادة
قال البلقيني وكذا لو قالا لم نعلم أنه يقتل بشهادتنا لظهور أمور فينا تقتضي ردها ولكن الحاكم قصر فتجب دية شبه عمد
قال ولم أر من تعرض له اه "
وإن لم يخف عليهما ذلك فلا اعتبار بقولهما كمن رمى سهما إلى شخص واعترف بأنه قصده ولكنه قال لم أعلم أنه يبلغه
تنبيه :
قد يرد على مفهوم قوله تعمدنا ما لو قال كل منهما تعمدت ولا أعلم حال صاحبي وكذا لو اقتصر على تعمدت فإنه يلزمهما القصاص
واعلم أن المقتضي لوجوب القصاص عليهما هو رجوعهما مع اعترافهما بالتعمد لا كذبهما حتى لو تيقنا كذبهما بأن شاهدنا المشهود بقتله حيا فلا قصاص لجواز أنهما لم يتعمدا ولو رجع أحدهما فقط فإن قال تعمدت أنا وصاحبي فعليه القصاص وإلا فلا
ثم استثنى من وجوب القصاص على الشاهدين قوله " إلا أن يعترف الولي " أي ولي المقتول " بعلمه بكذبهما " في شهادتهما حين القتل كما صرح به في المحرر فلا قصاص عليهما حينئذ لأنهما لم يلجئا إلى قتله حسا ولا شرعا فصار قولهما شرطا محضا كالمسك مع القاتل فيجب على الولي القصاص
أما لو قال الولي عرفت كذبهما بعد القتل فلا يسقط القصاص عنهما ( 4 / 7 )
تنبيه :
هذا إذا تمحض القصاص فلو شهدا على قاطع الطريق ثم رجعا لم يسقط القصاص عنهما باعتراف الولي بكذبهما لأن حق الله تعالى باق
وخرج بولي المقتول ولي القاتل فإنه إذا قال أنا أعلم كذبهما في رجوعهما وأن مورثي قتله فلا قصاص على أحدهما
قال البلقيني وهذا واضح
وقد يرد على حصره ما لو اعترف القاضي بعلمه بكذبهما حين الحكم أو القتل دون الولي فالقصاص عليه دون الشهود
وسيذكر المصنف رجوع الشهود آخر كتاب الشهادات بأبسط مما هنا
وخرج بالشاهد الراوي كما لو أشكلت حادثة على قاض فروى له فيها إنسان خبرا فقتل الحاكم به شخصا ثم رجع الراوي وقال تعمدت الكذب فلا قصاص عليه كما نقله في الروضة كأصلها قبيل الديات عن الإمام وغيره خلافا للبغوي في فتاويه
وقياسه ما لو استفتى القاضي شخصا فأفتاه بالقتل ثم رجع كما بحثه بعض المتأخرين
ثم شرع في الضرب الثاني وهو السبب العرفي فقال " ولو ضيف بمسموم " يقتل غالبا أو ناوله " صبيا " غير مميز كما قيده به الإمام وغيره ونقله الشيخ أبو حامد عن النص " أو مجنونا " فأكله " فمات " منه " وجب القصاص " لأنه ألجأه إلى ذلك سواء قال له هو مسموم أم لا
وفي معناهما الأعجمي الذي يعتقد وجوب طاعة أمره
وأما المميز فكالبالغ وكذا المجنون الذي له تمييز كما قاله البغوي
أو
ضيف به " بالغا عاقلا ولم يعلم " الضيف " حال الطعام فدية " ولا قصاص لأنه تناوله باختياره من غير إلجاء
وفي قول قصاص
ورجحه البغوي وغيره
واستدل له المتولي بقتله صلى الله عليه و سلم اليهودية التي سمت له الشاة بخيبر لما مات بشر بن البراء بن معرور
قال في البحر والاستدلال بذلك ضعيف لأنها لم تقدم الشاة إلى الأضياف بل بعثتها إليه صلى الله عليه و سلم وهو أضاف أصحابه
وما هذا سبيله لا يلزمه قصاص
ولا ينافي الأول ما في الصحيحين أنه صلى الله عليه و سلم عفا عنها لأن ذلك كان في الابتداء فلما مات بشر أمر بقتلها
وفي قول لا شيء
من قصاص أو دية تغليبا للمباشرة على السبب
أما إذا علم الضيف حال الطعام فلا شيء على المضيف جزما لأنه المهلك نفسه
ولو دس سما
بتثليث السين والفتح أفصح وهو شيء يضاد القوة الحيوانية
في طعام شخص الغالب أكله منه فأكله جاهلا
بالحال فمات
فعلى الأقوال
في المسألة قبلها
وجه الثاني التسبب
والأول قال يكفي فيه الدية
وعلى الثلاثة يجب له قيمة الطعام لأن الداس أتلفه عليه
ومثل الطعام في ذلك ماء على طريق شخص معين والغالب شربه منه
واحترز بقوله في طعام شخص عما إذا دسه في طعام نفسه فأكل منه شخص عادته الدخول عليه فإنه هدر
وقوله الغالب أكله منه زيادة على المحرر وهي في الشرحين ولم يتعرض لها الأكثرون
وقضيته أنه إذا كان أكله منه نادرا يكون هدرا وجرى على ذلك جمع من الشراح
وليس مرادا وإنما هو لأجل الخلاف حتى يأتي القول بالقصاص وإلا فالواجب دية شبه العمد مطلقا نبه على ذلك شيخي فتنبه له فإنه يغفل عنه كثير من الطلبة
فروع لو قال لعاقل كل هذا الطعام وفيه سم فأكله فمات فلا قصاص ولا دية كما نص عليه في الأم وجزم به الماوردي
ولو ادعى القاتل الجهل بكونه سما فقولان والأوجه ما قاله المتولي أنه إن كان ممن يخفى عليه ذلك صدق وإلا فلا
فإن ادعى الجهل بكونه قاتلا فالقصاص
ولو قامت بينة بأن السم الذي أوجره يقتل غالبا وقد ادعى أنه لا يقتل غالبا وجب القصاص فإن لم تقم بينة بذلك صدق بيمينه
ولو أوجر شخصا سما لا يقتل غالبا فشبه عمد أو يقتل مثله غالبا فالقصاص وكذا إكراه جاهل عليه لا عالم
وكلام أصل الروضة هنا محمول على هذا بقرينة ذكره له في الكلام على إكراهه على قتل نفسه
ولا يجب على المجني عليه معالجة الجناية بما يدفعها " و " حينئذ " لو ترك المجروح علاج جرح مهلك " له " فمات " منه " وجب القصاص " جزما على الجارح لأن البرء غير موثوق به لو عولج والجراحة في نفسها مهلكة
أما ما لا يهلك كأن فصده فلم يعصب العرق حتى مات فإنه لا ضمان لأنه الذي قتل ( 4 / 8 ) نفسه كما لو حبسه وعنده ما يأكل فلم يفعل
ولو ألقاه في ماء
راكد أو جار " لا يعد مغرقا " بسكون الغين وبفتحها وتشديد الراء " كمنبسط فيه مضطجعا " أو جالسا أو مستلقيا " حتى هلك فهدر " لا قصاص فيه ولا دية لأنه المهلك نفسه
فإن ألقاه في الماء المذكور مكتوفا بحيث لا يمكنه التخلص فمات وجب القصاص
أو
ألقى رجلا أو صبيا مميزا في ماء " مغرق " كنهر " لا يخلص منه إلا بسباحة " بكسر السين مصدر سبح في الماء عام " فإن لم يحسنها أو كان " مع إحسانها " مكتوفا أو زمنا " أو ضعيفا فهلك بذلك " فعمد " فيه قصاص
تنبيه :
أفهم كلامه أن الماء الذي لا يتوقع الخلاص منه بالسباحة كلجة بحر أنه يجب فيه القصاص سواء أكان يحسن السباحة أم لا وهو كذلك
وإن
أمكنه التخلص بسباحة مثلا ولكن " منع منها عارض كريح وموج " فهلك بسبب ذلك " فشبه عمد " تجب ديته
تنبيه :
تعبيره يقتضي التصوير بطرو العارض وهو يفهم أنه لو كان موجودا عند الإلقاء يجب القود وهو كذلك فهو كمن لا يحسن السباحة
وإن أمكنته
سباحة أو غيرها كتعلق بزورق " فتركها " باختياره كأن تركها حزنا أو لجاجا " فلا دية في الأظهر " كما في المحرر وعبر في الروضة كأصلها بقوله وجهان أو قولان لأنه المهلك نفسه بإعراضه عما ينجيه
والثاني تجب لأنه قد يمنعه من السباحة دهشة أو عارض باطني
تنبيه :
لو شك في إمكان تخلصه بأن قال الملقي كان يمكنه الخروج مما ألقيته فيه فقصر وقال الولي لم يمكنه صدق الولي بيمينه لأن الظاهر أنه لو أمكنه الخروج لخرج
فرع لو ربطه وطرحه عند ماء
يزيد إليه غالبا كالمد بالبصرة فزاد ومات به فعمد أو قد يزيد وقد لا يزيد فزاد ومات به فشبه عمد أو بحيث لا يتوقع زيادة فاتفق سيل نادر فخطأ
أو
ألقاه " في نار يمكن " معها " الخلاص منها " فمكث فيها حتى مات " ففي الدية القولان " في الماء والأظهر عدم الوجوب كما مر ويعرف الإمكان بقوله أو بكونه على وجه الأرض وإلى جانبه أرض لا نار عليها
فإن اختلف الملقي والولي في إمكان تخلصه صدق الولي كما مر لأن الظاهر أنه لو أمكنه الخروج لخرج وقيل الملقي لأن الأصل براءة ذمته
ولا قصاص في الصورتين
وهما الإلقاء في الماء والإلقاء في النار لأنه الذي قتل نفسه
وفي
الإلقاء في " النار وجه " بوجوب القصاص بخلاف الماء والفرق أن النار تحرق بأول ملاقاتها وتؤثر قروحات قاتلة بخلاف الماء
على أن في الماء وجها أيضا في الروضة فلا مفهوم لتقييد المتن
وعلى عدم القصاص يجب على الملقي أرش ما أثرت النار فيه من حين الإلقاء إلى الخروج على النص سواء أكان أرش عضو أم حكومة فإن لم يعرف قدر لذلك لم يجب إلا التعزير كما في البحر عن الأصحاب
واحترز بقوله يمكنه الخلاص عما إذا لم يمكنه لعظمها أو لكونها في وحدة أو كونه مكتوفا أو زمنا أو صغيرا أو ضعيفا فعليه القصاص
تنبيه :
إذا اجتمعت المباشرة مع السبب أو الشرط فقد يغلب السبب المباشرة كما مر في شهود الزور إذا اعترفوا بالتعمد والعلم فإن القصاص عليهم دون الولي والقاضي الجاهلين بكذب الشهود
وقد تغلب المباشرة السبب والشرط كما قال " ولو أمسكه " شخص " فقتله آخر أو حفر بئرا " ولو عدوانا " فرداه فيها آخر " والتردية تقتل غالبا
أو ألقاه من شاهق
أي مكان عال " فتلقاه آخر فقده " أي قطعه نصفين مثلا قبل وصوله الأرض والقد لغة هو القطع طولا ( 4 / 9 ) والقط عرضا كقط القلم وليس مرادا هنا
فالقصاص على القاتل
في الأولى لحديث إذا أمسك الرجل الرجل حتى جاء آخر فقتله قتل القاتل وحبس الممسك رواه الدارقطني وصحح ابن القطان رفعه وقاسه الشافعي على ممسك المرأة للزنا يحد الزاني دونه وكما لا قصاص لا دية بل يعزر لأنه آثم ولهذا قال في الحديث يحبس
نعم لو كان المقتول رقيقا كان للمالك مطالبة الممسك باليد والقرار على القاتل بخلاف ما لو أمسك المحرم صيدا فقتله حلال وهو في يد المحرم فالضمان على المحرم
وفرقوا بأنه ثم ضمان يد وهنا ضمان إتلاف وجعلوا سلب القتيل للقاتل الممسك لاندفاع شر الكافر بهما
تنبيه :
شرط المسألة المذكورة في المتن أن يكون القاتل مكلفا فلو أمسكه وعرضه لمجنون أو سبع ضار فقتله فالقصاص على الممسك قطعا كما قاله ابن الرفعة لأنه يعد قاتلا عرفا
ويرد على المصنف ما لو وضع صغيرا على هدف بعد الرمي لا قبله فأصابه سهم الرامي فإن القصاص على المقدم لأنه المباشر فهو كالمردي دون الرامي لأنه كالحافر بخلاف ما لو وضعه قبل الرمي فإن القصاص على الرامي لأنه المباشر
و
على " المردي " في الثانية تقديما للمباشرة لأن الحفر شرط ولا أثر له مع المباشرة
تنبيه :
كلامه قد يفهم تعلق القصاص بالحافر لو انفرد وليس مرادا لأن الحفر شرط والشرط لا يتعلق به قصاص كما مر ومعلوم أنه لا بد لوجود القصاص من كون التردية يحصل منها القتل غالبا كما قدرته في كلامه
و
على " القاد " في الثالثة الملتزم للأحكام لأن فعله قطع أثر السبب ولا شيء على الملقي وإن عرف الحال أو كان القاد ممن لا يضمن كحربي
نعم لو كان القاد مجنونا ضاربا فالقصاص على الملقي كما قاله الإمام
وقوله " فقط " أي دون الممسك والحافر والملقي على ما تقرر
ولو ألقاه في ماء مغرق
لا يمكنه الخلاص منه كلجة البحر " فالتقمه حوت " ولو قبل الوصول إلى الماء " وجب القصاص في الأظهر " لأنه هلك بسببه ولا نظر إلى جهة الهلاك كما لو ألقاه في بئر مهلكة في أسفلها سكين لم يعلم بها الملقي فهلك بها
والثاني
وهو من تخريج الربيع في صورة الإلقاء من شاهق تجب الدية لأن الهلاك من غير الوجه الذي قصد فانتهض شبهة في نفي القصاص والأصحاب بين راد له ومضعف
تنبيه :
محل الخلاف ما لم يرفع الحوت رأسه ويلقمه وإلا وجب القصاص قطعا
ومحله أيضا إذا لم يعلم بالحوت الذي في اللجة فإن علم به وجب القود قطعا كما لو ألقاه على أسد في زريبته كما قال صاحب المعين أنه الذي أفهمه كلام الأصحاب
أو غير مغرق
فالتقمه حوت ولم يعلم به الملقي " فلا " قصاص قطعا لأنه لم يقصد إهلاكه ولم يشعر بسبب الإهلاك كما لو دفعه دفعا خفيفا فوقع على سكين فمات ولم يعلم بها الدافع ويجب في الصورتين دية شبه عمد
تنبيه :
قضية التعليل أنه إذا علم أن هناك حوتا يجب القود وهو ما صرح به في الوسيط كما لو علم السكين
ثم شرع في الضرب الثالث وهو السبب الحسي فقال " ولو أكرهه على قتل " لشخص بغير حق فقتله " فعليه " أي المكره بكسر الراء " القصاص " لأنه أهلكه بما يقصد به الإهلاك غالبا فأشبه ما لو رماه بسهم فقتله
وكذا
يجب القصاص على " المكره " أيضا بفتحها " في الأظهر " لأنه قتله عمدا عدوانا لاستبقاء نفسه فأشبه ما لو قتله المضطر ليأكله بل أولى لأن المضطر على يقين من التلف إن لم يأكل بخلاف المكره
والثاني لا قصاص عليه لحديث رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه ولأنه آلة للمكره فصار كما لو ضربه به
وقيل لا قصاص على المكره بكسر الراء لأنه متسبب بل على المكره بفتحها فقط لأنه مباشر والمباشرة مقدمة
تنبيه : ات الأول إطلاقه يقتضي أنه لا فرق في جريان الخلاف بين كون المكره الإمام أو غيره وهو الصحيح
ولكن محله فيما إذا كان المكره عليه غير نبي أما إذا كان نبيا فيجب على المكره بفتح الراء القصاص قطعا كما دل عليه كلامهم في المضطر
والثاني لم يبين المصنف ما يحصل به الإكراه اكتفاء بما ذكره في الطلاق ولكن نقل الرافعي ( 4 / 10 ) هنا عن المعتبرين أن الإكراه لا يحصل إلا بالتخويف بالقتل أو بما يخاف منه التلف كالقطع والضرب الشديد وقيل يحصل بما يحصل به الإكراه على الطلاق اه "
والأول هو الظاهر
ولو قال اقتل هذا وإلا قتلت ولدك قال في أصل الروضة في كتاب الطلاق إنه ليس بإكراه على الأصح ولكن قال الروياني الصحيح عندي أنه إكراه وهذا هو الظاهر لأن ولده كنفسه في الغالب
الثالث لا يجوز للمكره الإقدام على القتل المحرم لذاته وإن لم نوجب عليه القصاص بل يأثم إذا قتل وكذا لا يباح الزنا بالإكراه ويباح به شرب الخمر والقذف والإفطار في رمضان على القول بإبطال الصوم به والخروج من صلاة الفرض وإتلاف مال الغير وصيد الحرم
ويضمن كل من المكره والمكره والمال والصيد والقرار على المكره بكسر الراء لتعديه وليس لمالك المال دفع المكره عن ماله بل يجب عليه إن بقي روحه بماله ويجب على المكره أيضا إن بقي روحه بإتلافه كما قاله الغزالي في وسيطه ونقل ابن الرفعة الاتفاق عليه وللإتيان بما هو كفر قولا أو فعلا مع طمأنينة القلب بالإيمان
وعلى هذا الأفضل أن يثبت ولا يأتي بلفظة الكفر وقيل يأتي به صيانة لنفسه وقيل إن كان من العلماء المقتدى بهم فالأفضل الثبوت وإلا فلا
ويستثنى من إطلاق المصنف ما إذا كان المكره بفتح الراء أعجميا يرى طاعة كل أحد فإنه لو أمره بقتل كان القصاص على الآمر فقط
الرابع قيد البغوي وجوب القصاص على المكره بالفتح بما إذا لم يظن أن الإكراه يبيح الإقدام فإن ظن ذلك فلا قود عليه جزما
وهو ظاهر إن كان ممن يخفى عليه تحريم ذلك إذ القصاص يسقط بالشبهة
فإن وجبت الدية
في صورة الإكراه كأن عفا عن القصاص عليها " وزعت " عليهما بالسوية كالشريكين في القتل وللولي أن يقتص من أحدهما ويأخذ نصف الدية من الآخر
وهذا إذا كافأه " فإن كافأه " بهمزة أي ساوى المقتول " أحدهما فقط " كأن كان المقتول ذميا أو عبدا وأحدهما كذلك والآخر مسلم أو حر " فالقصاص عليه " أي المكافىء دون الآخر بل عليه نصف الضمان لأنهما كالشريكين وشريك غير المكافىء يقتص منه كشريك الأب
ولو أكره بالغ
عاقل كما في المحرر " مراهقا " أو عكسه على قتل شخص فقتله " فعلى البالغ القصاص " لوجود مقتضيه وهو القتل المحض العدوان هذا " إن قلنا عمد الصبي عمد وهو الأظهر " فإن قلنا خطأ فلا قصاص لأنه شريك مخطىء ولا قصاص على الصبي بحال لعدم تكليفه
تنبيه :
محل الخلاف في عمد الصبي والمجنون هل هو عمد أو خطأ إذا كان لهما نوع تمييز وإلا فخطأ قطعا كما نقلاه عن القفال وغيره في الكلام على شريك المخطىء وأشار المصنف إلى ذلك بالتمثيل بالمراهق
ولو أكره
بفتح الهمزة بخطه مكلفا " على رمي شاخص علم المكره " بكسر الراء " أنه رجل وظنه المكره " بفتحها " صيدا " أو حجرا أو نحو ذلك فرماه فقتله " فالأصح وجوب القصاص على المكره " بكسر الراء لأنه قتله قاصدا للقتل بما يقتل غالبا دون المكره بفتحها فإنه جاهل بالحال فكان كالآلة للمكره
والثاني لا قصاص على المكره أيضا لأنه شريك مخطىء
تنبيه :
هل يجب على من ظن الصيد نصف دية مخففة على عاقلته أو لا وجهان رجع ابن المقري الثاني
ويؤخذ من كلام الأنوار ترجيح الأول وهو كما قال شيخنا الأوجه
أو
أكرهه " على رمي صيد فأصاب " آدميا " رجلا " أو غيره فمات " فلا قصاص على أحد " منهما لأنهما لم يتعمداه ويجب على عاقلة كل منهما نصف الدية
أو
أكرهه " على صعود شجرة " أو على نزول بئر " فزلق فمات فشبه عمد " لأنه لا يقصد به القتل غالبا
وقضية هذا وجوب الدية على عاقلة المكره بكسر الراء وهو ما جزم به في التهذيب وهو الظاهر
قال الزركشي لكن حكى ( 4 / 11 ) ابن القطان في فروعه نص الشافعي على أنها في ماله
وقيل
هو " عمد " وهذا ليس بوجه محقق بل هو رأي للغزالي وعليه فيجب به القصاص لأنه تسبب إلى قتله فأشبه ما لو رماه بسهم
تنبيه :
حمل هذا القول فيما إذا كانت الشجرة مما يزلق على مثلها غالبا كما ذكره المصنف في نكت الوسيط
أما إذا كانت لا يزلق على مثلها غالبا فلا يأتي هذا القول فالتقييد بذلك لمحل الخلاف لا كما فهمه أكثر الشراح من أنه قيد لشبه العمد فيكون في هذه الحالة خطأ فتنبه لذلك فإنه مما يغفل عنه كثير من الطلبة
وصحح البلقيني أن هذا ليس بشبه عمد بل هو خطأ محض
أو
أكرهه " على قتل نفسه " بأن قال له اقتل نفسك أو اشرب هذا السم وإلا قتلتك فقتلها " فلا قصاص " عليه " في الأظهر " لأن هذا ليس بإكراه حقيقة لاتحاد المأمور به والمخوف فصار كأنه مختار له
والثاني يجب كما إذا أكرهه على قتل غيره
وعلى الأول لا شيء على الآمر من الدية كما ذكره الرافعي في باب موجبات الدية وإن جرى ابن المقري على وجوب نصف دية لأن القصاص إنما يسقط لانتفاء الإكراه فينتفي موجبه فلا يجب على فاعله شيء
تنبيه :
محل الخلاف كما قاله أبو الفرج الرازي ما إذا خوفه بمثل ذلك القتل فإن خوفه بعقوبة فوق القتل كالإحراق والتمثيل فهو إكراه
ويستثنى ما إذا كان المكره بفتح الراء غير مميز لصغر أو جنون فإنه يجب القصاص على المكره بكسر الراء بخلاف البالغ الأعجمي فإنه لا يخفى عليه أنه لا يجوز له قتل نفسه بخلاف ما إذا أمره بقتل غيره فعل
نعم إن أمره ببط جرحه أو بفتح عرقه القاتل فإن كان بمقتل وجهل كونه قاتلا ضمن الآمر لأن الأعجمي حينئذ لا يظنه قاتلا فلا يجوز أن يعتقد وجوب الطاعة
أما إذا علمه قاتلا فلا ضمان على آمره
وخرج بالتقييد بالنفس الطرف فلو قال له اقطع يدك أو رجلك أو نحو ذلك وإلا قتلتك فقطعها اقتص منه لأنه إكراه لأن قطعه ترجى معه الحياة
ولو قال
شخص لآخر " اقتلني وإلا قتلتك فقتله " ذلك الشخص " فالمذهب لا قصاص " عليه لأن الإذن شبهة دارئة للحد
والطريق الثاني ذات قولين ثانيهما يجب عليه القصاص لأن القتل لا يباح بالإذن فأشبه ما لو أذن له في الزنا بأمته
والأظهر
على عدم القصاص " لا دية " أيضا بناء على أنها تثبت للمقتول في آخر جزء من حياته ثم تنتقل إلى الوارث وهو الأظهر ولهذا تنفذ منها وصاياه وتقضى منها ديونه ولو كانت للورثة ابتداء لم يكن كذلك
والثاني تجب ولا يؤثر إذنه بناء على أنها تثبت للورثة ابتداء عقب هلاك المقتول
تنبيه :
لو لم يقل وإلا قتلتك كان الحكم كذلك كما سيأتي في قول المصنف في باب كيفية القصاص
ولو قال اقتلني ففعل فهدر
هذا كله في النفس فلو قال له اقطع يدي مثلا فقطعها ولم يمت فلا قود ولا دية قولا واحدا قاله في الروضة
فإن مات فعلى الخلاف
ومحله فيما إذا أمكن دفعه بغير القتل فإن قتله دفعا فلا ضمان عليه جزما كما أشار إليه الشيخان وجزم به ابن الرفعة
فإن قيل إذا أمكنه دفعه بغير القتل فقد انتفى الإكراه فينبغي أن يجب القصاص جزما
أجيب بأن الإذن بلا إكراه مسقط
وقد حكى الرافعي الطريقين في الإذن المجرد ثم قال فإن انضم إلى ذلك إكراه فسقوط القصاص أوجه
ولو قال اقذفني وإلا قتلتك فقذفه فلا حد على الصواب في زوائد الروضة ولو كان الآذن عبدا لم يسقط الضمان
وفي القصاص إذا كان المأذون له عبدا وجهان أظهرهما السقوط
ولو أكرهه على إكراه غيره اقتص منهم وللمأمور بالقتل دفع المكره وللثالث دفعهما وإن أفضى إلى القتل فهدر والمكره هنا هو المحمول على قتل معين لا يجد عنه محيصا
و
حينئذ " لو قال " لشخص " اقتل زيدا أو عمرا " وإلا قتلتك " فليس بإكراه " حقيقة فمن قتله منهما فهو مختار لقتله فيلزمه القصاص له ولا شيء على الآمر غير الإثم
وقال القاضي حسين هو إكراه لأنه لا يتخلص إلا بقتل أحدهما فهو ملجأ إليه وصححه البلقيني قال وليس هذا كإكراهه على طلاق إحدى زوجتيه فإن عليه أن يقول إحداهما طالق فإذا طلق معينة كان مختارا ( 4 / 12 ) تتمة لو أمر السلطان شخصا بقتل آخر بغير حق والمأمور لا يعلم ظلم السلطان ولا خطأه وجب القود أو الدية والكفارة على السلطان ولا شيء على المأمور لأنه آلته ولا بد منه في السياسة فلو ضمناه لم يتول الجلد أحد ولأن الظاهر أن الإمام لا يأمر إلا بالحق ولأن طاعته واجبة فيما لا يعلم أنه معصية ويسن للمأمور أن يكفر لمباشرة القتل "
وهذا إذا كافأه " فإن كافأه " بهمزة أي ساوى المقتول " أحدهما فقط " كأن كان المقتول ذميا أو عبدا وأحدهما كذلك والآخر مسلم أو حر " فالقصاص عليه " أي المكافىء دون الآخر بل عليه نصف الضمان لأنهما كالشريكين وشريك غير المكافىء يقتص منه كشريك الأب
وهذا إذا كافأه " فإن كافأه " بهمزة أي ساوى المقتول " أحدهما فقط " كأن كان المقتول ذميا أو عبدا وأحدهما كذلك والآخر مسلم أو حر " فالقصاص عليه " أي المكافىء دون الآخر بل عليه نصف الضمان لأنهما كالشريكين وشريك غير المكافىء يقتص منه كشريك الأب
وهذا إذا كافأه " فإن كافأه " بهمزة أي ساوى المقتول " أحدهما فقط " كأن كان المقتول ذميا أو عبدا وأحدهما كذلك والآخر مسلم أو حر " فالقصاص عليه " أي المكافىء دون الآخر بل عليه نصف الضمان لأنهما كالشريكين وشريك غير المكافىء يقتص منه كشريك الأب
وهذا إذا كافأه " فإن كافأه " بهمزة أي ساوى المقتول " أحدهما فقط " كأن كان المقتول ذميا أو عبدا وأحدهما كذلك والآخر مسلم أو حر " فالقصاص عليه " أي المكافىء دون الآخر بل عليه نصف الضمان لأنهما كالشريكين وشريك غير المكافىء يقتص منه كشريك الأب
وإن علم بظلمه أو خطئه وجب القود على المأمور إن لم يخف قهره بالبطش بما يحصل به الإكراه لأنه لا يجوز طاعته حينئذ كما جاء في الحديث الصحيح فصار كما لو قتله بغير إذن فلا شيء على السلطان إلا الإثم فيما إذا كان ظالما
نعم إن اعتقد وجوب طاعته في المعصية فالضمان على الإمام لا عليه لأن ذلك مما يخفى نقله الأذرعي والزركشي عن صاحب الوافي وأقراه
فإن خاف قهره فكالمكره فالضمان بالقصاص وغيره عليهما
وحكم سيد البغاة حكم الإمام فيما ذكر لأن أحكامه نافذة بل إن أمره بقتله متغلب فعليه القصاص أو الدية والكفارة وليس على الآمر إلا الإثم ولا فرق بين أن يعتقده حقا أو يعرف أنه ظلم لأنه ليس بواجب الطاعة
هذا إن لم يخف قهره كما مر وإلا فكالمكره
ولو أكرهه الإمام على صعود شجرة أو نزول بئر ففعل فإن لم يخف قهره فلا ضمان عليه وإن خافه فالضمان على عاقلته وهي دية شبه عمد كما مر وإن كان ذلك لمصلحة المسلمين
ولو أمر شخص عبده أو عبد غيره المميز الذي لا يعتقد وجوب طاعته في كل أمره بقتل أو إتلاف ظلما ففعل أثم الآمر واقتص من العبد البالغ وتعلق ضمان المال برقبته وإن كان للصبي أو المجنون تمييز فالضمان عليهما دون الآمر وما أتلفه غير المميز بلا أمر خطأ يتعلق بذمته إن كان حرا وبرقبته إن كان رقيقا لأهدر وإن اقتضى كلام أصل الروضة أنه هدر
ولو أكره شخص عبدا مميزا على قتل مثلا ففعل تعلق نصف الدية برقبته بناء على الأصح من أن الحر المكره يلزمه نصف الدية

(4/2)