صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : المجموع
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

يمنع القياس في الرخص حتى يلزم عليه ما لورده فلم أعلم للشافعي قولا بذلك ولا وقفت عليه في نقل معتمد وليس عند الشافعي باب يمتنع فيه القياس إذا اجتمعت شروطه وقد ذكر الغزالي في المستصفى قياس العرايا من قسم ما استثنى عن قاعدة سابقة ويتطرق إلى استثنائه معنى فقياس عليه كل مسألة دارت بين المستقر ومشارك المستثنى في علة الاستثناء ومثل بالعرايا فانه لم يرد ناسخا لقاعدة الربا لكن استثني للحاجة فنقيس العنب لانا نراه في معناه نعم لنا رخص لا يجوز القياس عليها لا لاجل أنها رخص بل لانه لم يوجد فيها شروط القياس كرخص السفر والمسح وأكل الميتة والعاقلة وأرش الجناية والغرة والشفعة والقسامة ونظائرها وهذه أمثلة من قسم ترجم الغزالي عنه بالقواعد المبتدأة العديمة النظر فهذا انما امتنع القياس فيها لعدم نظيرها وليس كل رخصة كذلك فلعل من نقل عن الشافعي أنه لا يقيس في الرخص المقيس عليه بذلك فلا يعرج على هذا النقل إلا بعد تثبت والله أعلم.
(فرع) قال الجرجاني لا تجوز العرية في الزرع بخلاف الكرم والنخل لان أعذاقها وعناقيدها مجتمعة بارزة.

(11/81)


(فرع) لو باع الرطب على الشجر بجنس آخر من الثمار على الشجر وعلى الارض يجوز من غير خرص قل أو كثر ويتقابضان نص عليه الشافعي والاصحاب ولو بيعت العرايا بنقد أو عرض موصوف من كل ما عدا المأكول والمشروب إلى أجل وقبض المشترى العرية جاز نص عليه
الشافعي رضى الله عنه.
(فرع) قال إمام الحرمين وحق الفقيه أن لا يغفل في تفاصيل المسائل عما مهدناه في كتاب الزكاة من تفصيل القول في بيع الثمار وفيها حق المساكين أو لاحق فيها والتنبيه كاف يعنى أنه إذا باع من في ملكه خمسة أوسق فصاعدا يحيث تجب عليه الزكاة فان الزكاة تتعلق بالثمرة ببدو الصلاح وبيع المال وفيه حق الزكاة مذكور بأحكامه وتفاصيله في ذلك المكان وذلك بعينه جار هنا لانه لافرق في ذلك بين أن يكون المبيع بتمر أو بنقد فيجئ إذا أطلقنا هنا المراد من حيث ما نحن نتكلم فيه وأما تلك التفاصيل والاحكام فمعلومة في بابها والله أعلم.
وقال الرويانى في البحر قال أصحابنا هذا إنما يجوز

(11/82)


إذا خرص عليه الزكاة وقلنا الخرص تضمين حتى يجوز له التصرف في الجميع قال وهذه المسألة تدل على صحة القول بالتضمين أو أراد إذا لم يبلغ مافى حائط قدرا تجب فيه الزكاة أو أراد الاقدر الزكاة إذا قلنا الخرص غيره انتهى وهذا يوافق ما أشار إليه الامام واصل هذه التنبيه عن القفل كذلك حكاه عنه تلميذه الفورانى وصاحب العدة ورأيته في كلام في شرح التخليص وأصله من كلام الشافعي رضى الله عنه فانه تعرض لذلك في باب صدقة التمر من الام ولا حقله هناك تفريق الصدقة إذا باع ثمر حائطه وسكت عن الصدقة وقد تقدم من كلام الشافعي وروايته أن مصدق الحائط أمران يأمر الخارص ان يدع لاهل البيت قدر ما يراهم يأكلونه ولا يخرصه لتؤخذ زكاته ومع ذلك فلا حاجة إلى هذا الذى قاله هؤلاء الائمة وتكون تلك العرية إذا فرضت على ما قاله الشافعي لا تتعلق الزكاة بها كما ذكر والله أعلم.
لكن قد تقدم أن الاصحاب نقلوا ذلك عن القديم وأن المشهور خلافه أما إذا فرض البيع فيما تعلق حق الزكاة به فلا شك في جريان ما نبهوا عليه وهذا الفرع الذى نبه على الشافعي

(11/83)


من أنه يدع لاهل البيت من حائطهم قدر ما يراهم يأكلونه مستفاد غريب ثم فيه مباحثة من جهة ان حق المساكين قبل الخرص هل تعلق الجميع أولا فان كان الاول فكيف ينقطع بافراد الخارص من غير أن يفرد حقهم فيما عدا ذلك الا أن يحمل على الوثوق بأن المشترى يتصدق بعشرة كما
تقدم وان كان الثاني فيكون حقهم في نخلات مبهمة وحينئذ فهل ولاية اليقين للمالك التصرف فيها بالاكل وغيره قبل التعيين فإذا باع تكوين كما لو باع الاربعين من الشياه التى تعلق بها الزكاة والله أعلم فلا يجوز ولا يخرج على تفريق الصفقة على الاصح لاجل الابهام وأما اقتضاء كلام الرافعى لترجيح الصحة في ذلك فيما عدا قدر الزكاة فبعيد فيجب تأويله وكذلك قال القفال في شرح التلخيص لما ذكر القولين في ذلك هل يجبر بالقسط أو بالكل قال وهذان القولان يخرجان على القول الذى يقول ان الزكاة تجب في الذمة لافى العين لان الزكاة إذا وجبت في الذمة فان البيع يكون صحيحا في جميع الاربعين فإذا أخذ الساعي منها واحدا كان ذلك عيبا.

(11/84)


(فرع) قال الشافعي رحمه الله في الام ولا بأس أن يشتريها في الموضع من له حائط أي بستان بذلك الموضع لموافقة ثمرتها وفصلها أو قرنها لان الحلال عام لاخاص الا أن يخص بجزء لازم وان حل لصاحب العرية شراؤها حل له هبتها واطعامها وبيعها إذا حازها وما يحل له من المثال في ماله انتهى وهذه الفروع كلها واضحة لا خلاف فيها بين الاصحاب وفى قول الشافعي لموافقة ثمرتها إشارة إلى أن الاغراض في البياعات تختلف فلا يحصر الغرض في أن لا يكون لمالك الثمرة أو مثلها عند المشترى بل قد يكون مثلها عنده ويريد ضمها إليه.
(فرع) قال الماوردى رحمه الله إن الخارص هنا يكفى فيه واحد بخلاف الزكاة على رأى والفرق أنه هنا نازل منزلة الكيل عند تعذره ويكفي في الكيل واحد فكذلك هذا وهل يشترط ان يكون غير المتعاقدين أو يكفى أحدهما قال القاضى أبو الطيب في كيفية الخرص أن ينظر المتبايعان إلى النخلة ويحذر انها وذلك يقتضى الاكتفاء بهما ولا شك في ذلك كما أنهما لو علما المماثلة لا يشترط اخبار

(11/85)


غيرهما وانما الكلام ههنا لو خرص أحدهما ولم يخرص الآخر وقال ابن الرفعة فيه احتمال يتخرج على مالو أذن من عليه التسليم بالكيل إلى مستحقه في كيله لنفسه هل يصح أم لا قال وفى ظنى أنه مر فيه كلام يلتف على اتحاد القابض والمقبض لان الكيل أحد أركان القبض صار بكيله مقبضا
وقابضا وأما الخرص ههنا فهو اخبار محض كما لو أخبر بمساواة هذه الصبرة لصبرته أو الدينار لديناره قد تقدم أنه يصح لكن تقدم في القبض بناء على ذلك من غير كيل أو وزن كلام وأن الراجح أنه لا يكفي حتى لو تفرقا قبل الكيل بطل العقد وههنا لا يتأتى قبض الرطب هنا الا بالتخلية ولا يشترط فيه الكيل فظهر أن الخارص يكفى أن يكون واحدا وأنه يجوز أن يكون أحد المتعاقدين والله أعلم.

(11/86)


.
قال المصنف رحمه الله تعالى.
(ولا يباع منه ما ينزع نواه بما لم ينزع نواه لان أحدهما على هيئة الادخار والآخر على غير هيئة الادخار ويتفاضلان حال الادخار فلم يجز بيع أحدهما بالآخر كالرطب بالتمر وهل يجوز بيع ما نزع نواه بعضه ببعض فيه وجهان (أحدهما) يجوز لقوله صلى الله عليه وسلم (لا تبيعوا التمر بالتمر الاسواء بسواء) (والثانى) لا يجوز لانه يتجافى في المكيال فلا يتحقق فيه التساوى ولانه يجهل تساويها في حال الكمال والادخار فأشبه بيع التمر بالتمر جزافا).
(الشرح) الحديث المذكور مختصر من حديث عبادة من رواية الشافعي في مختصر المزني وغيره كما قدمته في الفصل الذى جمعت فيه الاحاديث الواردة في تحريم ربا الفضل فليس هذا اللفظ الذى ذكره المصنف بكماله قطعه منه بل لفظه (لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق ولا البر بالبر ولا الشعير بالشعير ولا التمر بالتمر ولا الملح بالملح الا سواء بسواء) فاختصر المصنف منه هذه اللفظة وذلك

(11/87)


جائز عند من يجوز الرواية بالمعنى لاسيما في مثل هذا الموضع الذى يقصد به الاستدلال دون الرواية فانه يغتفر ذلك.
(أما) حكم المسألة فقد سوى الشيخ أبو حامد بين المسألتين وجعل الوجهين مطلقا سواء أباع ما نزع منه النوى بما لم ينزع منه أم بمثله كذلك فيما علقه البندنيجى عنه وفيما علقه سليم حكى الوجهين في المسألة الاولى وسكت عن الثانية ويعلم جريانها فيها بطريق والمحاملي ونصر المقدسي حكيا الوجهين في المسألتين أيضا وجزم البغوي في المسألتين بالمنع وكذلك الامام جزم بالمنع ثم حكى أن العراقيين ذكروا وجها في المنزوع بالمنزوع فاستبعده جدا قال ثم جاءوا بما هو أبعد منه وذكروا خلافا
في بيع تمر منزوع النوى بتمر غير منزوع النوى وهذا ساقط لا يحتفل بمثله قال الفارقى تلميذ المصنف رحمه الله معنى قوله يتفاضلان حال الادخار أنهما قبل نزع النوى إذا كيلا متساويين ثم نزع النوى من أحدهما وكيلا ظهر التفاضل لانه تنتفش أجزاؤه بالنزع وتتجافى في المكيال.

(11/88)


(فرع) المشمش والخوخ ونحوهما لا يبطل كما لها نزع النوى في اصح الوجهين لان الغالب في تجفيفها نزع النوى قاله الرافعى وصاحب التهذيب وكلام الفورانى يقتضى أن الوجهين فيها تفريع على منع بيع الثمر المنزوع النوى بعضه ببعض فانه قاس المنع في ذلك على الثمرة ومن ذلك يعلم أن الخلاف قريب ان جوزنا في التمر المنزوع النوى فهذا أولى والا فوجهان وكذلك أورده يعقوب بن عبد الرحمن بن أبى عصرون فيما جمع من المسائل وللفرق بما ذكره الرافعى وفرق في الابانة بأن الثمر

(11/89)


* إذا نزع نواه تسارع إليه الفساد وذكر الامام أن شيخه ذكر عن بعض الاصحاب وجها بعيدا في اشتراط نزع النوى كما يشترط نزع العظم عن اللحم في ظاهر المذهب وقال إنه لم ير ذلك لغير شيخه وقال الامام إن المراتب ثلاثة التمر نزع نواه يمنع بيعه واللحم في ظاهر المذهب يتعين نزع عظمه إذا حاولنا بيع بعضه ببعض وبينهما المشمش وما في معناه فيجوز بيع بعضهه ببعض مع النوى وفيه مع النزع الخلاف المذكور (قلت) فتحصلنا في المشمش ونحوه على ثلاثة أوجه (أحدهما) أنه يشترط نزع النوى (والثانى) أنه يفسد بنزع النوى (والثالث) وهو الصحيح أنه يجوز بيع بعضه ببعض في الحالتين مع النوى ومن غير نوى قال الرويانى إن الجواز قول القفال وقد تقدم في كلام الرافعي أنه الاصح.
ويجوز بيع لب الجوز بلب الجوز ولب اللوز بلب اللوز وفيه وجه جزم به القاضى حسين في التعليق أنه لا يجوز بيع اللب باللب لخروجه عن حالة الادخار وبهذا أجاب في التتمة قاله الرافعي وهو ربوي قولا واحدا قديما وجديدا للتقدير والطعم قاله الامام وقد تقدم أنه يجوز بيع الجوز بالجوز مع قشره على المذهب وكذلك اللوز.
قال المصنف رحمه الله.
(ولايجوز بيع نيئه بمطبوخه لان النار تعقد أجزاءه وتسخنه فان بيع كيلا لم يجز لانهما لا
يتساويان في الكيل في حال الادخال وان بيع وزنا لم يجز لان أصله الكيل فلا يجوز بيعه وزنا ولايجوز بيع مطبوخه بمطبوخه لان النار قد تعقد من أجزاء أحدهما أكثر من الآخر فيجهل التساوى).
(الشرح) فيه مسألتان) (إحداهما) أن ما حرم فيه الربا لا يجوز بيع الجنس الواحد نيه بمطبوخه

(11/90)


قال الشافعي رضى الله عنه في المختصر والام لا يجوز من الجنس الواحد مطبوخا بنئ منه بحال قال في المختصر إذا كان انما يدخر مطبوخا وقال في الام لانه إذا كان إنما يدخر مطبوخا فأعطيت منه شيئا بمطبوخ فالنئ إذا طبخ ينقص فيدخل فيه النقصان في النئ ومن أمثلة ذلك أن يبيع العنب أو العصير بالدبس المتخذ منه وكذلك التمر بالدبس المتخذ منه لا يجوز قاله الصيمري والقاضى حسين واتفق الاصحاب على أن النئ أو القديد بالمطبوخ أو بالمشوى لا يجوز ولافرق بين أن يكون المطبوخ مما يدخر أو ما لا يدخر (وأما) قوله في المختصر إذا كان انما يدخر مطبوخا قال القاضى حسين إنه خطأ في النقل بل لا يختلف الحكم فيه وقال القاضى الرويانى قبل عبارة الشافعي ولايجوز من الجنس الواحد مطبوخا منه بنئ بحال ولا مطبوخ طبخ ليدخر مطبوخا فنقل المزني هذا وقدم بعض كلام واخر بعضه وعطف على المسألة الاولى وقيل معنى ما نقل المزني وان كان انما يدخر مطبوخا وهو قول ابن داود وقصد به بيان أن هذا ليس بعذر (قلت) وقد علمت أن ما نقله المزني موجود مثله في الام في تعليل الشافعي فالوجه تأويل ذلك

(11/91)


وعدم حمله على الخطأ من المزني وتأويله عسر بل هو قوى الدلالة على أن ما يدخر في حال كونه نيئا وفى حال كونه مطبوخا يجوز بيع النئ منه بالمطبوخ والتأويل الذى نقله الرويانى هو أقرب ما يتمحل مع تكلف وقال أبو حنيفة رضى الله عنه بجواز ذلك على أصله في بيع الرطب بالتمر ولذلك والله أعلم عدل المصنف عن قياسه على الرطب بالتمر لان الخصم يمنع الحكم فيه إلى ما ذكره والشيخ أبو حامد قاسه على الحنصة بدقيقها والجامع أنهما على صفة يتفاضلا حالة الادخار ومن جملة أمثلة هذه المسألة بيع الدبس المتخذ من العنب بخل العنب وهو ممتنع قال وحكى في التتمة والبحر وجه أنه يجوز بيع الدبس بالخل لانهما اختلفا في الاسم والصورة والطبع قال المتولي وعلى هذا لا تعتبر المماثلة بينهما وهذا الذى حكيناه موافق
للوجه الذى سيأتي عن حكاية الشيخ أبى محمد في أن عصير العنب وخله جنسان ومال إليه الامام هناك وسيأتى الكلام عليه ان شاء الله تعالى (المسألة الثانية) بيع مطبوخه بمطبوخه وقد نص عليه الشافعي أيضا في المختصر قال تلو الكلام المتقدم ولا مطبوخا منه بمطبوخ لان النار تنقص من بعض أكثر مما تنقص من بعض وليس له غاية ينتهى إليها كما يكون للتمر في اليبس غاية ينتهى إليها وقال معنى

(11/92)


ذلك في الام في باب ما يجامع التمر وما يخالفه مقصوده بذلك الفرق بين ذلك وبين التمر حيث يجوز بيع بعضه ببعض وان كانت الشمس قد أخذت من أحدهما ومنهما فربما يكون أخذها من أحدهما أكثر من أخذها من الآخر لكن له غاية في اليبس ينتهى إليها والمطبوخ بخلافه وذكر الاصحاب فرقا آخر بين العصير المطبوخ وبين التمر فان التمر قبل أن يصير تمرا لا يجوز بيع بعضه ببعض والرب أو الدبس مثلا يجوز بيعه قبل هذه الحالة في كونه عصيرا فجرت حالة العصير بعد الطبخ لحالة التمر وهو رطب فلا يجوز الدبس بالدبس قال القاضى حسين وان طبخا في قدر واحد وممن جزم بهاتين المسألتين كما ذكره المصنف الشيخ أبو حامد والقاضى أبو الطيب والماوردي والقاضى حسين وآخرون وفى معنى الدبس عصير قصب السكر إذا عقد وصار عسلا وكذلك ماء الرطب وعصير الرمان والسفرجل والتفاح.
(فرع) قال ابن أبى الدم بيع الطلى بالدبس لا يجوز والطلاء أرق من الدبس وبيع الطلى

(11/93)


بمثله فيه وجهان وبيع الخل بالدبس فيه وجهان وبيع العصير بالخل ولاماء فيهما فيه وجهان قال الماوردى ولايجوز بيع الزيت المطبوخ بالنئ ولا بالمطبوخ ويجوز بيعه بالمشوى والنئ والمطبوخ وكذلك لا يجوز بيع المشوى بالمشوى ولا المطبوخ بالمشوى وممن صرح به القاضى أبو الطيب (1) والرافعي وجزموا به ولايجوز بيع الناطف بالناطف ولا الحنطة المقلية بالحنطة المقلية ولا بغير المقلية لتغيرها عن هيئتها واختلاف الحبات في اليابس بالنار وكذلك لا يجوز الحنطة المطبوخة بالمطبوخة والمشوية بالمشوية والمقلية بالمبلولة والمبلولة بالمشوية وأما بيع المبلولة بالمبلولة فانه يمتنع لكنه ليس على مسائل هذا الفصل وقد تقدم في بيع الرطب بالرطب صرح بجميع الامثلة القاضى حسين وغيره وأكثر مسائل هذا الفصل لا خلاف فيها على
ما يقتضيه اطلاق أكثر الاصحاب الا الدبس فيه ثلاثة أوجه (أحدها) هو المشهور الذى ادعى الامام اتفاق الاصحاب عليه أنه لا يجوز مطلقا وان طبخا في قدر واحد على ما صرح به القاضى حسين (والثانى) حكاه القاضى حسين أنه ان طبخا في قدر واحد جاز وأبطله القاضى بان مافى أسفل القدر أسخن مما في أعلاه لكثرة
__________
(1) بيياض بالاصل

(11/94)


مماسة النار (والوجه الثالث) حكاه الرافعى الجواز وكلامه يقتضى أنه مطلقا لامكان ادخاره والذى عليه التعويل في تعليل المنع مطلقا ان العصير كامل وإذا نظرنا إلى مقدار من الدبس مقابله مثله فلا يدرى كم في أحدهما من أجزاء العصير وكم في الدبس منه فكان كالدقيق بالدقيق نظرا إلى توقع تفاوت في كمال سبق للحب قال ولو قيل قد يخالف مكيال من الدبس مكيلا في الوزن لتفاوت في التعقيد لكان كذلك لكن لا معول عليه فان المعقد يباع وزنا بالتعويل على ما قدمته من ملاحظة كما العصير لامكان ادخاره ولتأثير مأخذ بعض العصير ليصير دبسا وقدر المأخوذ يختلف ومن فروع ما دخلته النار الحنطة المقلوة بمثلها وبالنيئة والزيت المغلى بمثله وبالنى كل ذلك لا يجوز..قال المصنف رحمه الله تعالى.
(واختلف أصحابنا في بيع العسل الصفى بالنار بعضه ببعض فمنهم من قال لا يجوز لان النار تعقد أجزاءه فلا يعلم تساويهما ومنهم من قال يجوز وهو المذهب لان نار التصفية نار لينة لا تعقد الاجزاء

(11/95)


وانما تميزه من الشمع فصار كالعسل المصفى بالشمس).
(الشرح) العسل إذا أطلقه فالمراد به عسل النحل لا غير فكل ما يتخذ من تمر أو قصب أو حب جنس آخر يجوز بيعه بعسل النحل متماثلا ومتفاضلا قال ابن سيده العسل لعاب النحل يذكر ويؤنث الواحدة عسلة وجمعه اعسال وعسل وعسول وعسلان إذا أردت أنواعه قال الشافعي رحمه الله في المختصر تلو الكلام السابق ولا يباع عسل نحل بعسل نحل الا مصفين من الشمع لانهما لو بيعا وزنا وفى أحدهما شمع وهو غير العسل كان العسل بالعسل غير معلوم وكذلك لو بيعا كيلا وكذلك
ذكر في الام وقال وكذلك لو باعه وفى كل واحد منهما شمع وقال الشافعي في الام فعسل النحل المنفرد بالاسم دون ما سواه من الحلو وقال فلا بأس بالعسل بعصير السكر لانه لا يسمى عسلا الاعلى ما وصفت يعنى من جهة حلوا كالعسل وكذلك قال الشيخ أبو حامد في عسل الطبر زد وقال وهو ما يبقى من السكر ثخيبا كالعكر فيجوز بيعه بعسل النحل متفاضلا وقال أبو الطيب

(11/96)


عسل الطبرزد ان يطبخ السكر ثم يطرح في اجانة فإذا جمد أميلت الاجانة على جانبها فخرج منها العسل فيجوز بيعه بعسل النحل متفاضلا ولايجوز بيع عسل الطبرزد بعسل القصب متفاضلا لانهما جنس واحد وهل يجوز متماثلا فيه وجهان لاجل الطبخ كما في السكر بالسكر حكاهما القاضى أبو الطيب وغيره ووجه الجواز أن ناره خفيفة وحمل القول في بيع العسل النحل بعضه ببعض انه اما أن يباع بشمعه أولا فان بيع بشمعه فلا يجوز بمثله ولا بالصافي وقد تقدم ذلك في قاعدة مدعجوة وتقدم الفرق بينه وبين اللحم وفيه العظم وبين التمر وفيه النوى من وجهين أن بقاء ذلك من مصلحته بخلاف الشمع (والثانى) أن الشمع له قيمة وان بيع العسل المصفى بمثله فاما أن تكون التصفية بالشمس أو بالنار فان صفى بالشمس فان ترك فيها حتى ذاب وتميز الشمع من العسل جاز بيع بعضه ببعض قاله الشيخ أبو حامد والقاضى أبو الطيب والمحاملى وغيرهم ولا خلاف في ذلك وان صفى بالنار فاما أن تكون النار كثيرة بحيث تأخذ منه وينعقد بها واما أن تكون خفيفة بحيث يحميه بها ويصفيه من غير كثرة فان كانت كثيرة أو ترك حتى انعقدت

(11/97)


أجزاؤه وثخن لم يجز بيع بعضه ببعض كما تقدم في الدبس والزيت وشبههما وان كانت خفيفة بحيث أذيب وأخذ أول ما ذاب قبل أن تنعقد أجزاؤه جزم الشيخ أبو حامد والمحاملى والجرجاني بالجواز هذه طريقة الشيخ أبى حامد وتبعه المحاملى والجرجاني عليها وأما القاضى أبو الطيب فانه قال ان صفى بالنار اختلف أصحابنا فيه كما قال المصنف سواء حكما وتعليلا وأطلق القول في ذلك وكذلك الماوردى والبغوى والرافعي وقال القاضى حسين ان قول المنع مخرج من قول الشافعي لا يجوز السلم في العسل المصفى بالنار ورد القاضى ذلك بان السلم امتنع لانه تعيب بدخول النار فيه والسلم في المعيب لا يجوز
وكذلك الفورانى رد ذلك بمثل ما قال القاضى حسين (وأظهر) الوجهين عند الرافعى الجواز ونسبه الماوردى إلى سائر أصحابنا وهو الاصح عند ابن الصباغ والقاضى حسين (وقال) الرويانى انه المذهب لان المقصود من عصره تميز الشمع عنه ونار التمييز لينة لا تؤثر في التعقيد فاشبه المصفى بالشمس وممن صحح الجواز ابن عصرون وصاحب التتمة وهو الذى يقتضيه كلام الفورانى فانه أطلق الجواز ثم ذكر

(11/98)


عن بعض الاصحاب أنه فصل بين المصفى بالشمس والمصفى بالنار ومنع في المصفى بالنار قال وهذا ليس بشئ كما رجحه الفورانى وما حكاهما الوجهان اللذان في الكتاب ويشبه أن يكونا هذان الوجهان منزلين على ما ذكره الشيخ أبو حامد من التفصيل ويكون ذلك تحقيق مناط هل حصل نقص أولا والله أعلم.
وفرق الماوردى بين العسل والزيت المغلى حيث لا يجوز بيع الزيت المغلى بعضه ببعض بأن النار دخلت في العسل بالصلاح وتمييزه من شمعه فلم تأخذ من أجزاء العسل شيئا وكذلك السمن وانما تأخذ النار فيما يدخل فيه الانعقاد واجتماع أجزائه قال حتى لو ان العسل المصفى أغلي بالنار لم يجز بيع بعضه ببعض لان النار اذن لم تميزه من غيره (اعلم) أن المصنف تكلم أولا في المعروض على النار عرض عقد واطبخ كاللحم والدبس وما أشبه ذلك وقد تقدم شرحه وهذا القسم في المعروض على النار للتمييز والتصفية وذكر من أمثلة ذلك ما هو مختلف فيه وهو العسل الذى عتاب سرحه والسكر وسيأتى وقد يكون منه ما لا خلاف فيه فلم يتعرض المصنف له كالذهب والفضة يعرضان على النار لتمييز الغش ولا خلاف في جواز بيع بعضها ببعض وقال ابن الرفعة الذهب والفضة إذا دخلا النار لا يمتنع بيع بعضهما ببعض لانها لا تؤثر في جرمهما نعم لو خالطهما غش فادخلا النار لتخلصه فقد يقال بامتناع بيع البعض بالبعض لانها قد تؤثر في اخراجه في أحدهما أكثر مما تؤثر في الآخر وقد يقال بانه يجوز

(11/99)


لان لاهل الصناعة في ذلك خبرة لا تحرقه ولا تغلبهم النار عليها بخلافها في السكر ونحوه (قلت) واطلاق الاصحاب يقتضى الجواز وان لم يفصلوا هذا التفصيل بل في تصريحهم بالعرض لتمييز الغش ما يدل لما قاله من النظر والله أعلم.
وتقييد المصنف المصفي بالنار وقياسه على المصفى بالشمس يدل على
أن المصفى بالشمس يجوز بيع بعضه ببعض والامر كذلك بلا خلاف قال الامام فان قيل إذا صفى العسل بشمس الحجاز فقد يكون أثر الشمس في تلك البلاد بالغا مبلغ النار فانا نرى شرائح اللحم تعرض على رمضاء الحجارة فتنش نشيشا على الجمر قلنا هذا فيه احتمال (والاظهر) جواز البيع وان أثر الشمس فيما أظن لا يتفاوت وانما يتفاوت أثر النار لاضطرامها وقوتها وبعدها من المرجل والتعويل على تفاوت الاثر بدليل أنه لو أغلى ما على النار أو خل ثقيف لم يمتنع بيع بعضها ببعض فان النار لا تؤثر في هذه الاجناس بتعقيد حتى يعرض فيها التفاوت فيزيل بعض الاجزاء ويبقى الباقي على استواء وقد قال ابن الرفعة في الكفالة ذهب بعض أصحابنا إلى أنه ان صففى بها يعنى الشمس في البلاد المعتدلة الحر لا يجوز بيعه بما صفى بها في البلاد الشديدة الحر قال محكى وليس بشئ.
(فرع) ان منعنا بيع المصفى بالنار بمثله فلا شك أنه يمتنع بيعه بغيره من أنواع العسل وممن صرح به الجرجاني لان النار إذا عقدت اجزاء احدهما أدى إلى التفاضل اما إذا قلنا بجواز

(11/100)


بيع العسل المصفى بالنار بمثلة فهل يجوز بيعه بالمصفى بالشمس قال ابن الرفعة فيه نظر لان النار قد يتقارب تفاوتها ويتباعد في الشمس تباعد ما بينه وبين الشمس (قلت) والذى يظهر الجواز لانا انما نجوزه بناء على ان النار لطيفه تميز ولا تعقد الاجزاء وإذا كان كذلك فلا اثر لها في التماثل فلا فرق بين ذلك وبين المصفى بالشمس.
(التفريع) حيث قلنا بجواز بيع العسل بالعسل اما ان يكون مصفى بالشمس واما بالنار اللطيفة على الصحيح فيما تعتبر المماثلة فيه قال الشافعي رضى الله عنه في كتاب الصرف والعسل بالعسل كيلا بكيل ان كان يباع كيلا أو وزنا بوزن ان كان يباع وزنا وقال في موضع آخر العسل والسمن والسكر الوزن فيهما أحوط فالظاهر في هذا أنه موزون وعده في الرسالة في باب الاجتهاد مع الزيت والسمن والسكر من الموزونات فلذلك قال أبو الطيب انه المنصوص عليه وقد تقدم في أول الكلام قوله في المختصر لانهما لو بيعا وزنا إلى آخره وقال أبو إسحق لا يباع إلا كيلا بكيل وقد تقدم التعرض لشئ من ذلك وقال الرافعي هو كالسمن والامر كما قال وهما جميعا موزونان خلافا لابي اسحق كما
تقدم وقد حمل الرويانى قول الشافعي المذكور في الصرف على التوقف فيه قال وقيل أراد الشافعي بقوله انهما لو بيعا وزنا إذا انعقدا ببرد الهواء وغلظ لا يمكن كيله فيباع حينئذ وزنا فأما إذا أمكن كيله

(11/101)


فلا يباع إلا كيلا قال وهو قريب من قول أبى اسحق (والمذهب) المنصوص ما تقدم واعترض الاصحاب على المزني في قوله لانهما لو بيعا وزنا وفى أحدهما شمع وهو غير العسل كان العسل تارة غير معلوم قالوا لانه والحالة هذه معلوم المفاضلة فلا معنى لقوله غير معلوم وأنما يستقيم هذا التعليل في الشهد بالشهد لانهما بما فيهما من الشمع غير معلومي المماثلة قالوا والشافعي ذكر هذا التعليل هناك فاشتبهت إحدى المسألتين بالاخرى وذكر الرويانى أيضا أن قوله في المختصر يدل على تصحيح أحد الوجوه فيما لم يعلم معياره يعنى الوجه القائل بالتخير وقد تقدم.
وقال أبن داود لما ذكر كلام الشافعي فيه كالدليل على أنه يجوز كيلا تارة ووزنا أخرى قال وهذا غريب قل ما يوجد له نظير (قلت) وليس الامر كما زعم بل المراد التوقف كما تقدم والله سبحانه وتعالى اعلم.
(فرع) قال صاحب التهذيب عسل الرطب وهو رب يسيل منه يجوز بيع بعضه ببعض متساوين في الكيل ويجوز بيعه بعسل النحل متفاضلا وجزافا يدا بيد لانهما جنسان مختلفان كما يجوز بيع العسل بالدبس.
قال المصنف رحمه الله تعالى.
(واختلفوا في بيع السكر بعضه ببعض فمنهم من قال لا يجوز لان النار قد عقدت أجزاءه ومنهم من قال يجوز لان ناره لا تعقد الاجزاء وأنما تميزه من القصب).

(11/102)


* (الشرح) الوجهان المذكوران حكاهما الشيخ أبو حامد وابن الصباغ والبغوى والامام والرافعي وجعلهما الرافعي كالدبس ومقتضى ذلك أن الاصح عنده المنع في السكر أيضا وكذلك قال في التهذيب ان الاصح أنه لا يجوز وكذلك نقل ابن الرفعة عن الارغانى أنه قال في فتاوى النهاية بالبطلان في السكر والفانيد والعسل المميز بالنار قال ابن الرفعة وذلك قياس جزم العراقيين بمنع السلم في ذلك فان باب الربا أحوط من باب السلم بدليل أنه يجوز السلم فيما لا يجوز بيع بعضه ببعض لاجل طلب المماثلة وظاهر المذهب الجواز في السكر على ما ذكره الشيخ أبو حامد وقال القاضى حسين انه الصحيح
وكذلك يقتضيه إيراد الجرجاني ونقل ابن الرفعة عن البندنيجى أنه ظاهر المذهب وعن سليم أنه أظهر الوجهين وجزم في التعليق عن أبى هريرة بالمنع وقال الماوردى ان كانت للتصفية وتمييزة من غيره جاز وان دخلت لعقد الاجزاء لم يجز (واعلم) أنه قد يستشكل قول الشيخ وغيره أن نار السكر لينة لا تعقد الاجزاء وانما تميزه من القصب والسكر انما يتميز من القصب بالعود الذي يعصر به فإذا وقع أحد العودين على الآخر وانعصر القصب تميز وفى بعض ما تكلم به على المذهب تأويل ذلك بانه لابد أن يبقى في السكر شئ من أجزاء القصب ويكثر ذلك حتى يحتاج إلى استخراجة فإذا أغلى بالنار سهل إخراجه فان ما يبقى من أجزاء القصب يعلو على السكر عند الغليان ويسهل استخراجه فهذا معنى التمييز الذى

(11/103)


قصده وعلل القاضى حسين الجواز بأن لدخول النار فيه حدا ونهاية وعلله الامام بأن الانعقاد من طباع السكر كما حكيناه وقيده الماوردى فقال في السكر والفانيدان القي فيهما ماء أو لبن أو دقيق أو غيره فلا يجوز بيع بعضه ببعض والا فينظر فان دخلت النار فيهما لتصفيتهما وتمييزهما من غيرهما جاز وان دخلت لاجتماع اجزائه وانعقادها فلا (قلت) أما تقييده بما إذا لم يكن فيه ماء أو لبن أو دقيق أو غيره فيمكن أن يكون اطلاق الاصحاب منزلا عليه لانه حينئذ يصير بيع السكر وغيره بملثه قال ابن الرفعة وما قاله فيه نظر لان السكر لامن اذابة أصله بالماء ليحل ثم يطبخ ونصب عليه بعد غليانه اللبن ليبيضه ويزيل وسخه وذلك يقتضى منع بيع بعضه ببعض على طريقة (قلت) وكلام الماوردى يقتضى أنه لم يتحدد عنده حال السكر ولا حال تأثير النار فيه فاما حكمه بالمنع عند اختلاطه بغيره وما ذكره ابن الرفعة من أن ذلك لابد منه فهو يقتضى قوله بالمنع فيه وهو القياس فان الخليط الذى فيه من الدقيق واللبن مانع من التماثل أما الماء ففيه نظر فأن الظاهر أنه لا يزيد في وزنه بعد الجفاف شيئا والله أعلم.
(فرع) بعد أن ذكر الامام ما ذكر في السكر قال وهذا الذى ذكرناه يعنى من الخلاف جار في كل ما ينعقد كذا نقله عنه ابن الرفعة قال وقد صرح باجراء الخلاف في القند الفوراني وأجراه الامام الغزالي في الفانيد وأجراه الغزالي رحمه الله أيضا القند وفى اللباء.

(11/104)


(فرع) إذا بيع السكر فالمعيار فيه الوزن نص عليه الشافعي ومن الاصحاب نصر المقدسي وقد تقدم قول الجوزى وتنبيهه على أن ذلك لا خلاف فيه وقال ابن أبى الدم ان أبا اسحق قال يباع كيلا وجعل الوجهين فيه كالسمن ولم أر ذلك لغير ابن أبى الدم وعلل وجه أبى اسحق على ما زعم بأن أصله الكيل وكأن يعني العصير فانه مكيل وبيع الفانيد كبيع السكر بالسكر قاله المارودى والقاضى حسين والبغوي والامام والرافعي.
(فرع) قال نصر المقدسي في الكافي يجوز بيع السكر بالسكر وزنا إذا تساويا في اليبس والصفة فأما اشتراطه اليبس فصحيح وأما اشتراطه التساوى في الصفة فمشكل لان ذلك غير شرط في الربويات بدليل أنه يجوز بيع التمر من نوع بالتمر من نوع آخر وما أشبهه وظاهر كلام نصر هذا أنه لا يجوز بيع السكر بالسكر إذا اختلفت صفتهما ولم أر من تعرض لذلك غيره ولا يجوز بيع قصب السكر بقصب السكر ولا بالسكر كبيع الرطب بالتمر أو بالرطب قاله البغوي والرافعي وهو الصواب وقال الامام في السكر والفانيد منهم من قال هما جنس وهذا بعيد ومنهم من قال جنسان فان قصبهما مختلف وليس للفانيد عكر السكر وأما السكر الاحمر الذى يسمى القوالب فهو عكر السكر الابيض ومن قصبه وفيه مع ذلك تردد من حيث أنه يخالف صفة الابيض مخالفة ظاهرة وقد يشتمل أصل واحد على مختلفات

(11/105)


كاللبن ولعل الاظهر من جنس السكر وقال القاضى حسين ان بيع قصب الفانيد بقصب الفانيد جائز وبالفانيد لا يجوز وبقصب السكر هل يجوز أم لا ان كانا من أصل واحد لا يجوز متفاضلا وان كانا من أصلين يجوز متفاضلين وتابعه صاحب التهذيب على ذلك (قلت) وهذا كلام عجيب فان القصب كله الذى يعمل منه السكر والفانيد جنس واحد.
(فرع) لما ذكر الماوردى حكم السكر والفانيد قال وكذلك دبس التمر ورب الفواكه.
(فرع) بيع الفانيد بالسكر قال القاضى حسين ان كان أصلهما واحد فهو كبيع الفانيد بالفانيد وان كان أصلهما مختلفا فيجوز كيف ما كان (قلت) وهذا مثل الاول فان أصل السكر والفانيد قصب واحد والظاهر أن القاضى رحمه الله تعالى قال ذلك لانه ليس القصب في بلادهم (فائدة)
قال ابن الرفعة أن النار في القتد فوق النار في السكر والفانيد لان عصير القصب يوضع في قدر كبير كالخابية ويغلى عليه غليانا شديدا إلى أن تزول منه مائية كثيرة ويسمى ذلك صلقا ثم يطبخ في قدر ألطف من ذلك بكثير وتقوى ناره إلى أن تذهب مائيته فيوضع في أوعية لطاف فوق الاوعية التى يصب فيها السكر والنار فيه فوق النار في الذى يطبخ عسلا من ذلك الماء المصلوق في الخابية وكثيرا ما تقوى نار الذى يطبخ عسلا فتصير أجزاؤه إذا برد قريبا من عقد أجزاء في القتد وعند ذلك يسمى بالجالس

(11/106)


ويطبخ منه السكر كما يطبخ من القتد لكن طعمهما متابين وقال في موضع آخر ومن عصير قصب السكر يتخذ العسل المرسل ويتخذ القتد وعن القتد ينفصل العسل المسمى بالقصب وهو ما يقطر من أسفل أنالينح القتد بعد أخذه في الجفاف والقتد يختلف في الجودة والرداءة بحسب تبريد القصب وجودة الطبخ ومن الطيب من القتد يتخذ السكر وإذا جمد استقطر ما فيه من العسل من ثقب في أسفل الاجانة التى يوضع فيها بعد طبخه وهذا العسل يسمى كما قال القاضى أبو الطيب بعسل الطبرزد ونحن نسميه بالقطارة وهو يتنوع بحسب تنوع السكر الذى يستقطر منه وأنواع السكر ثلاثة الوسط وهو ادونه ومن أعلا اناء يتجه يكون الآخر لان القطارة تنجس فيه والعال وهو فوق ذلك في الجودة والمكرر هو أعلا الثلاثة لانه يطبخ مرة ثانية من السكر الوسط والسكر النبات يطبخ من السكر الوسط أيضا لكنه يجعل في قدر من الفخار قد صلب فيه عيدان من الجريد رقاق ليثبت فيها السكر وما يخرج منه من عسل عند كمال نباته يسمى بقطر النبات والفانيد تارة من السكر غير النبات وتارة من العسل المسمى بالمرسل المطبوخ من ماء القصب في أول أمره وطبعه مخلف طبع السكر ولونه يخالف لونه الاسم مختلف لكن الاصل فيها واحد القصب وعند ذلك يتقرر الخلاف في الفانيد والسكر هل هما جنس واحد باعتبار أصلهما كما في عسل القتد وعسل السكر المعبر عنه بالطبرزد أو جنسان باعتبار

(11/107)


اختلاف الصفة والاسم فهذا فصل مفيد من كلام ابن الرفعة فانه كان عرافا بذلك وكلام القاضى حسين وشبهه يدل على أنهم لم يحققوا الحال في ذلك لانه ليس في بلادهم أو ليس لهم به خبرة والله
أعلم.
قال ابن الرفعة أيضا وأما السكر الاحمر والابيض والنبات فجنس واحد للاشتراك في الاسم الخاص وقرب الطباع وهل يجوز بيع بعضه ببعض متفاضلا فيه الخلاف السابق والفانيد قد يجعل فيه شئ من الدقيق وعند ذلك إذا قلنا هو والسكر جنسان لم يضر (وان قلنا) جنس واحد فلا يجوز بيعه بالسكران لم ينظر إلى التأثير النار ولانه من قاعدة مد عجوة وقال ومع تفاوت النار في القتد والسكر والفانيد لم يذكر المصنف يعنى الغرالى فرقا بينهما كما لم يفرق الاصحاب بين ذلك في السكر بل جوزوه في الجميعع على رأى مرجح في الحاوى وممنوع على وجه جزم به العراقيون فوجه التسوية في الجميع ان للنار في ذلك حدا بحسب العرف فأحيل الحكم عليه وعلى هذا فقد يقال الامر كذلك في النار التى تدخل في الدبس وقد قطع فريق فيه بالمنع وان حكى الخلاف في السكر ونحوه تصلحه فلا يحترز عنها فلذلك افترقا قال وانما قلت ذلك لانى رأيت حكاية عن الامالى أن تأثير النار في الشئ ان لم يكن

(11/108)


له نهاية كالدبس فكلما كثر النار كان أجود وليس له نهاية إلى أن يتلابس فلا يصح بيع بعضه ببعض لان تأثير النار في تنقيص رطوبته تتفاوت وان كان له نهاية كالسكر والفانيد فيه وجهان (قلت) هذه الحكاية عن الامالى وذكر الوجهين فيها لم أفهمه ولا يقع في كلام الشافعي رضى الله عنه ذكر وجهين فليتأمل ذلك إلا أن يكون المراد أمال السرخسى..قال المصنف رحمه الله تعالى.
(ولايجوز بيع الحب بدقيقه متفاضلا لان الدقيق هو الحب بعينه وانما فرقت أجزاؤه فهو كالدنانير الصحاح بالقراضة فأما بيعه به متماثلا فالمنصوص أنه لا يجوز وقال الكرابيسى قال أبو عبد الله يجوز فجعل أبو الطيب بن سلمة هذا قولا آخر وقال أكثر أصحابنا لا يجوز قولا واحدا ولعل الكرابيسى أراد أبا عبد الله مالكا أو أحمد فان عندهما يجوز ذلك والدليل على أنه لا يجوز أنه جنس فيه ربا بيع

(11/109)


منه ما هو على هيئة الادخار بما ليس منه على هيئة الادخار على وجه يتفاضلان في حال الادخار فلم يصح كبيع الرطب بالتمر).
(الشرح) الكرابيسي هو أبو على الحسين بن على البغدادي صاحب الشافعي في العراق كان عالما في الفقه والحديث والاصول وله تصانيف في الجرح والتعديل وغيره ومن جملتها كتاب الرد على المدلسين الذى رد عليه فيه أبو جعفر الطحاوي وقد وقفت على كلام أبى جعفر توفى الكرابيسى سنة خمسة وأربعين وقيل ثمان واربعين ومائتين وهو مذكور في المهذب في باب زكاة التجارة وأبو الطيب محمد بن المفضل بميم في أوله ابن سلمة من كبار أصحابنا درس الفقه على ابن سريج وكان مخصوصا بفرط الذكاء والشهامة فلذلك كان أبو العباس يقبل عليه غاية الاقبال ويميل إلى تعليمه كل الميل صنف كتبا عدة مات شابا سنة ثمان وثلاثمائة وهو مذكور في المهذب في باب صلاة المسافر

(11/110)


وكذلك الامام مالك رحمه الله وهو أجل من أن ينبه على شئ من أخباره وأحمد بن حنبل رحمه الله لم يتقدم له ذكر في المهذب فيما أظن وهو الامام أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن اسد بن ادريس ابن عبد الله بن حبان بحاء مهملة وياء آخر الحرو ف ابن عبد الله بن أنس بن عوف بن قاسط بن مازن ابن ذهل بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن على بن بكر بن وائل بن قاسط بن هنب بن أقصى بن دعمى بن جديلة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن مضر بن معد بن عدنان مولده سنة (1) وستين ومائة وتوفى سنة إحدى وأربعين ومائتين وفضائله ومناقبه علما وزهدا وورعا أكثر من أن تحصى وأشهر ممن تذكر وهو معدود من أصحاب الشافعي رضى الله عنهم بالعراق وقول المصنف الحب بدقيقه يشمل الحنطة والشعير وغيرهما وفيه احتراز عن بيعه بدقيق غيره كبيع الحنطة بدقيق الشعير والشعير
__________
(1) بياض الاصل

(11/111)


بدقيق الحنطة وما أشبه ذلك فانه جائز متماثلا ومتفاضلا على القول الصحيح المشهور الذى قطع به قاطعون أن الادقة أجناس والمقصود بيع القمح بدقيق القمح أو بيع الشعير بدقيق الشعير وما أشبه ذلك وفى ذلك مسألتان (إحدهما) أن يباع متفاضلا وهذا لا يجوز عندنا وعند أكثر العلماء ونقل الشيخ أبو حامد وأبو الطيب وغيرهما عن أبى ثور جوازه واحتج بأنهما جنسان لاختلاف الاسم ونقض
الاصحاب عليه باللحم بالحيوان وكثير من المطعومات وفيه نظر من الضابط الذى مهدوه في اختلاف الجنس واتحاد ومذهب أبى ثور في ذلك موافق لمذهب داود وأنه ذهب هو وأصحابه إلى جواز ذلك وعمم فقال يجوز بيع القمح بدقيقه وسويقه وخبزه وبيع الدقيق بالدقيق والسويق بالخبز والسويق بالسويق وبالخبز والخبز بالخبز متفاضلا ومتماثلا قال الشافعي رضى الله عنه في المختصر ولا يجوز بيع الدقيق بالحنطة مثلا بمثل من قبل أنه يكون متفاضلا في نحو ذلك وكذلك نقله

(11/112)


الامام عن المزني في المنثور مع نقله فيه جواز بيع الدقيق بالدقيق كما سيأتي إن شاء الله تعالى وقال في مختصر البويطى ولا يجوز أن يؤخذ دقيق بقمح وقال الشيخ أبو حامد وهو الصحيح من المذهب وبه قال الحسن البصري ومكحول وأبو هشام وحماد بن أبى سليمان والثوري وأبو حنيفة وأصحابه وذهب مالك في المشهور عنه إلى أنه يجوز كيلا بكيل وبه قال قتادة وربيعة وإبراهيم النخعي وابن سيرين وابن شبرمة والليث بن سعد وذهب الاوزاعي وأحمد بن حنبل واسحق بن راهويه إلى أنه يجوز وزنا بوزن والاكثرون على الامتناع من اثبات ما حكاه الكرابيسى قولا للشافعي منهم الشيخ أبو حامد والعبد رى قال العبدري والصحيح أنه لا يحفظ عن الشافعي إلا المنع قال الشيخ أبو حامد لا يختلف المذهب في ان ذلك لا يجوز وقال القاضى أبو الطيب لا يحفظ للشافعي في كتبه غير ذلك وكذلك في تعليق الطبري عن ابن أبي هريرة أنه خطأ لا يحفظ عن الشافعي وغير من سمينا يقول ذلك قال

(11/113)


هؤلاء ولعله أراد بأبى عبد الله مالكا وأحمد لما سنحكيه من مذهبهما وجماعة من الاصحاب سكتوا عنه لم يحكوا فيه خلافا منهم الفوراني وقال الرويانى قال أكثر أصحابنا المسألة على قول واحد أنه لا يجوز ولم يوجد في شئ من كتبه جوازه ومنهم من ذهب إلى اثباته قولا للشافعي وبه قال أبو الطيب ابن سلمة فيما حكاه أكثر الاصحاب وابن الوكيل فيما حكاه المحاملى والقفال فانه قال في شرح التلخيص بعد قول صاحب التلخيص فان كانا مطحونين أو أحدهما لم يجز قال القفال وقال في القديم يجوز والمشهور من مذهبه أنه لا يجوز فاستفدنا من ذلك أن القفال من المعترفين باثبات هذا القول وان لم
ينسبه للكرابيسي والكرابيسي من رواة القديم ووجهوه بما سنذكره من حجة الملكية قال الرافعى وعلى هذا فالمعيار الكيل وقد اختار أبو بكر بن المنذر في كتابه الاشراف منع بيع الحنطة بالدقيق متفاضلا وجوازه مثلا بمثل قال ولا أعلم حجة تمنع من بيعه مثلا بمثل وجعل الامام منقول الكرابيسى

(11/114)


شيأ آخر وهو أن الدقيق والحنطة جنسان حتى يجوز بيع أحدهما بالآخر متفاضلا لاختلاف الصفة والاسم والمنفعة قال الرافعي ويشبه أن يكون هو منفردا بهذه الرواية يعنى الامام (قلت) وليس منفردا بها بل حكاها الماوردى في الحاوى كذلك وسوى بينهما وبين قول أبى ثور فاستدل الاصحاب بما ذكره المصنف قالوا ولا فرق بين الموضعين إلا أن الرطب لم يبلغ حالة الادخار والدقيق زال عنها ولو قدر عود الدقيق إلى حال كونه حنطة لفاتت المماثلة كما أنه إذا قدر الرطب تمرا تفوت المماثلة قال الاصحاب حالة كمال الحب كونه حبا فانه يصلح للبذر والطحن والادخار واستدلوا أيضا بأن الدقيق جنس فيه الربا زال عن حال كمال البقاء كاللحم بالحيوان والشيرج بالسمسم واحترزوا بصنعة ادنى عن المستويين واحتج من نصر قول مالك بأن الدقيق نفس الحنطة وانما تفرقت أجزاؤه فأشبه بيع الدراهم الصحاح بالمكسرة واحتج من نصر قول الاوزاعي وأحمد بأن الطحن لا يتغير به الوزن وانما يختلف به الكيل فإذا بيع أحدهما بالآخر وزنا كانا متساويين وأجاب الاصحاب عن حجة الملكية بأنه إذا كان حبا

(11/115)


كانت أجزاؤه منضمة مجتمعة فلا يأخذ من الميكال الموضع الذى يأخذه إذا طحن وتفرقت أجزاؤه فمتى بيع أحدهما بالآخر كانا متفاضلين وعن حجة الاوزاعي وأحمد بأن المماثلة معتبرة كيلا فإذا قدر عودهما إلى حالة كونهما طعاما أفضى إلى التفاضل كيلا وهذه المسائل وما بعدها من جملة قاعدة تعرض لها الشافعي في باب بيع الآجال من الام قال فإذا كان شئ من الذهب أو الفضة أو المأكول أو المشروب فكان الآدميون يصنعون فيه صنعة يستخرجون بها من الاصل شيئا يقع عليه اسم دونه اسم فلا خير في ذلك الشئ لشئ من الاصل وان كثرت الصنعة فيه كما لو أن رجلا عمدا إلى دنانير فجعلها طستا أو حليا ما كان لم يجز بالدنانير إلا وزنا بوزن وكما لو أن رجلا عمد إلى تمر فحشاه في شن أو
جرة أو غيرها نزع نواه أو لم ينزعه لم يصح أن يباع بالتمر وزنا بوزن فكذلك لا يجوز حنطة بدقيق

(11/116)


وكذلك حنطة بسويق أو بخبز أو بفالوذج إذا كان نشاه مشتقة من حنطة وكذلك دهن سمسم بسمسم وزيت بزيتون وكذلك لا يصح التمر المنثور بالتمر المكبوس لان أصل التمر الكيل اه ثم قال الشافعي رحمه الله تعالى بعد ذلك بكثير وكذلك لاخير في تمر قد عصر وأخرج صفره بتمر لم يخرج صفره كيلا بكيل من قبل انه قد أخرج منه شئ من نفسه وإذا تم بغيره عن خلقته فلا بأس به وقد روى عن مجاهد باسناد حسن قال لا بأس بالحنطة بالسويق والدقيق بالحنطة والسويق وعن الشعبى أنه سئل عن السويق بالحنطة فقال ان لم يكن ربا فهو ريبة ومما احتج به في منعهم القمح بالدقيق القياس على بيع اللحم بالحيوان وهذا انما يتم إذا جعلنا امتناع بيع اللحم بالحيوان معللا أما إذا جعلنا طريق ذلك الاتباع والتعبد فيمتنع الالحاق.
قال المصنف رحمه الله.
(ولايجوز بيع دقيقة بدقيقه وروى المزني عنه في المنثور أنه يجوز واليه أومأ في البويطي لانهما يتساويان في الحال ولا يتفاضلان في الثاني فجاز بيع أحدهما بالآخر كالحنطة بالحنطة والصحيح هو الاول لانه جهل التساوى بينهما في حال الكمال والادخار فاشبه بيع الصبرة بالصبرة جزافا).

(11/117)


(الشرح) المراد ههنا أيضا إذا كان الدقيقان من جنس واحد كدقيق القمح بدقيق القمح ودقيق الشعير بدقيق الشعير فبيع الدقيق بالدقيق من الجنس الواحد لا يجوز سواء كانا ناعمين أو أحدهما ناعما والآخر خشنا قال الشيخ أبو حامد هذا الذى نص عليه في الجديد والقديم وكذلك قال ابن الصباغ وهذا هو المذهب كذلك قال الشيخ أبو حامد وقال أبو الطيب وابن الصباغ انه المشهور وقال الماوردى ان مقابله خطأ وكثير من الاصحاب لم يحكوا فيه خلافا كالقاضي حسين وقال الرويانى انه نص عليه في القديم والجديد وفرقوا بينه وبين بيع الحنطة الصغيرة الحبات بالحنطة الكبيرة والحبات بان أجزاء الحب ثم مجتمعة ورواية المزني في المنثور مشهورة نقلها الاصحاب كافة عن المزني في مسألة المنثور عن الشافعي ونقله الامام عنه وعن نقل حرملة أيضا وأما ما أومأ إليه البويطى (فاعلم) أن الشافعي
قال في البويطى وكل شئ من الطعام الذى لا يجوز إلا مثلا بمثل من صنف واحد فلا يجوز أن يؤخذ شئ مما يخرج منه بأصله متفاضلا إلا مثلا بمثل وهذا يقتضى منع بيع الدقيق بالقمح متفاضلا ويفهم أنه يجوز بيعه به متماثلا وقد تقدم منع ذلك مع أنه بعد هذا بسطر في البويطى أطلق أنه لا يؤخذ دقيق بقمح فان كان المراد هذا النص الذى في البويطي فصحيح أنه يومئ إلى بيع الدقيق بالدقيق لكن يومئ أيضا إلى بيعه بالقمح.
وقال الشيخ أبو حامد انه حكاه في البويطى ولم ينقل أنه ايماء فلعله في مكان آخر لم أقف عليه بعد وكذلك القاضى أبو الطيب والماوردي وابن الصباغ والرافعي كلهم نقلوه عن البويطى وقاسه الرافعى بعد ان نقله عن البويطى والمزنى في المنثور بيع الدهن بالدهن يجوز وان امتنع بيعه بالسمسم فكذلك هذا يجوز وان امتنع بيعه بالحنطة وهذا ينهك على أن الخلاف

(11/118)


في هذا مفرع على المشهور انه لا يجوز بيع القمح بالدقيق أما على رواية الكرابيسى إذا اثبتناها قولا فانه يجوز بيع الدقيق بالدقيق لا محالة وقد أجاز الرويانى في الحلية جواز بيع الدقيق بالدقيق إذا استويا في النعومة ونقله عن بعض أصحابنا وقال انه القياس ونقله مع بعض أصحابنا عن أبى حنيفة رضى الله عنه (واعلم) أن الاصحاب أطلقوا هذه الحكاية عن الشافعي ولم يثبتوا اشتراط التساوى في النعومة والخشونة وسيأتى مذهب أبى حنيفة رضى الله عنه وبعض أصحابنا أنه يشترط التساوى في أحدهما وكلام الرويانى في الحلية ذكر التساوى في النعومة عن أبى حنيفة وبعض أصحابنا واختاره فيحتمل أن يكون مراده الاستواء في هذا أو في هذا وهو الظاهر وينزل كلام الشافعي المنقول عن المزني والبويطى عليه لانه لو اختلفا فكان احدهما خشنا والآخر ناعما لم تحصل المماثلة وعن أحمد جواز بيع الدقيق بالدقيق وذهب أبو حنيفة رحمه الله إلى أنه يجوز إذا كانا ناعمين أو خشنين وعبارة بعضهم يشترط تساويهما في النعومة والخشونة ووافق على امتناع الناعم بالخشن قالوا نحن نعتبر المساواة حالة العقد وأنتم تعتبرونها تارة فيما كان كمسألة الدقيق وتارة فيما يكون كمسألة الرطب واعتبار حال العقد أولى فالجهالة تؤثر حالة العقد فقط واستدل أصحابنا بما تقدم في بيع الدقيق بالقمح وقد وافقنا أبو حنيفة رضى الله عنه هناك مع كون الحنطة والدقيق متساويين ووافقنا على امتناع الناعم بالخشى ولا متعلق في أن بينهما مفاضلة
فان ذلك متنقض بالحنطة إذا كان احداهما أفضل من الاخرى وقال أصحابنا إنما نعتبر المساواة حالة الادخار فحسب ثم ذلك يكون تارة فيما مضى وتارة فيما يكون ودليله ما تقدم في بيع الرطب بالتمر مع سلامته على الانتقاص بخلاف ما اعتبروه قاله فيقان وان تساويا الآن فقد يكونان متفاوتين حالة كونها حبا بأن يكون أحدهما من حنطة رزينة والآخر من حنطة خفيفة.

(11/119)


(فرع) قال الرويانى بيع لب الجوز بلب الجوز حكمه حكم الدقيق بالدقيق (قلت) وليس كذلك بل الصحيح جوازه وقد تقدم ذلك عند الكلام على بيع التمر المنزوع النوى والذى قاله الرويانى هو قول القاضى حسين وصاحب التتمة ويمكن حمله على اللب المدقوق وهو الذى يشبه الدقيق والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى.
(ولايجوز بيع حبه بسويقه ولا سويقه بسويقه لما ذكرناه في الدقيق ولان النار قد دخلت فيه وعقدت أجزاءه فمنع التماثل).
(الشرح) قال الشيخ أبو حامد وأبو الطيب السويق ضربان نقيع ومطبوخ فالنقيع ينقع الطعام في الماء ليبرد ثم يجفف ثم يقلى ويجرش والمطبوخ يطبخ ثم يجفف ثم يقلى ويجرش فكل واحد منهما قد أخذت النار بعضه فانه إذا قلى يكون أصغر جرما مما كان قبل ذلك وهذا الذى أراده المصنف بالعلة الثانية والعلة الاولى ظاهرة فانه بمنزلة الدقيق وان لم نلاحظ دخول النار فيه فهما دليلان جيدان وقياس قول أبى ثور أن يأتي ههنا فان اختلاف الاسم موجود وكذلك نقله ابن المنذر عنه صريحا وعن مالك أنهما يقولان لا بأس به متفاضلا وأما قول أبى الطيب بن سلمة في منقول الكرابيسى ان ثبت عن الشافعي فلا تتأتى هنا العلة الثانية وهى دخول النار وما ذكره هؤلاء الائمة في تفسير السويق مخالف للمعروف في بلادنا اليوم وممن نص على المسألتين اللتين ذكرهما المصنف كما ذكرهما الشيخ أبو حامد والقاضى أبو الطيب والمحاملى والماوردي وغيرهم من العراقيين والقاضى حسين من

(11/120)


الخراسانيين ونقل القاضي أبو الطيب والمحاملى المنع من بيع الحنطة بسويق الحنطة عن نصه في
الصرف وقال الامام ان ابن مقلاص حكي أن الشافعي جعل السويق مخالفا لجنس الحنطة فانه يخلفها في المعنى والدقيق مجانس للحنطة فانه حنطة مفرقة الاجزاء واعلم أن السويق في بلادنا اسم (1) وكذلك قال ابن الرفعة في الكفاية لما حكى ماقاله أبو الطيب ان ذلك مخالف لما نعرفه في بلادنا وجوز مالك بيع السويق بالقمح متفاضلا ففرق في ذلك بين السويق والدقيق وهو قول الليث بن سعد وأبى يوسف وروى أبو يوسف ذلك عن أبى حنيفة رضى الله عنه وروى عنه أنه لا يجوز واحتج من جوزه بأن السويق صار بالصنعة جنسا آخر فصار بمنزلة بيع جنس بجنس آخر ونقص أصحابنا ذلك بالحنطة بالدقيق وتمسكوا باعتبار حالة الادخار.
(فرع) بيع السويق بالدقيق عندنا لا يجوز لانه قوت زال عن هيئة الادخار بصنعة آدمي فلم يجز كما لو كان أحدهما أخشن من الآخر صرح به جماعة من الاصحاب منهم الماوردى والقاضى حسين وعن أبى حنيفة رضى الله عنه روايتان (أشهرهما) أنه لا يجوز وروى أبو يوسف رواية شاذة أنه يجوز كيلا بكيل وعن مالك وأبى يوسف رحمهما الله أنه يجوز متفاضلا لانهما جنسان لانه لو حلف لا يأكل دقيقا فأكل سويقا لم يحنث ونقله ابن المنذر عن أبى ثور أيضا وما ذكره منتقض بانواع التمر كالمعقلي والبرنى.
__________
(1) بياض بالاصل فحرر

(11/121)


.
قال المصنف رحمه الله.
(ولايجوز بيعه بخبزه لانه دخله النار وخالطه الملح والماء وذلك يمنع التماثل ولان الخبز موزون والحنطة مكيل فلا يمكن معرفة التساوى بيهما).
(الشرح) نص الشافعي رضى الله عنه في البويطى على أنه لا يجوز بيع الخبز بالحنطة ونقله القاضى أبو الطيب وابن الصباغ عن نصه في الصرف وجزم به هو والشيخ أبو حامد والماوردي والقاضى حسين والرافعي وغيرهم للعلتين ذكرهما المصنف وهما في الحقيقة متحدتان لان مخالطة الماء ودخول النار كل منهما صالح لان يكون علة للبطلان وحده.
قالوا وربما خلط الخبز أيضا بورق ولما نقل الامام رواية ابن مقلاص وجعلها في أن السويق مخالف للحنطة والدقيق مجانس لها قال
وعلى هذا الخبز يخالف الحنطة ويجب أن يخالف الدقيق والسويق أيضا فاقتضى هذا الكلام اثبات خلاف في بيع الخبز وحكى عن أصحاب أبى حنيفة أنهم قالوا يجوز بيع الخبز بالحنطة متفاضلا وهو قياس قول أبى ثور كما قاله في الحنطة بالدقيق.
(فرع) وهكذا الدقيق بالخبز لا يجوز وممن صرح به بخصوصه الفورانى وقد تقدم ما قلناه من كلام الامام وكذلك نقل المنع في ذلك ابن المنذر عن الشافعي ونقل عن مالك والليث بن سعد وأبى ثور واسحق وسفيان الثوري جوازه وقال احمد لا يعجبنى.

(11/122)


(فرع) قال الرافعى يجوز بيع الحنطة وما يتخذ منها من المطعومات بالنخالة لانها ليس مال ربا وقبل الرويانى بأن تكون النخالة صافية عن الدقيق وهذا هو المراد وكذا بيع المسوسة بالمسوسة إذا لم يبق فيهما لب قاله في التتمة والبحر قال في البحر لانه نخالة وقال في تعليق القاضى حسين في أحد الوجهين وان كان لا يجوز السلم فيها ولذلك يجوز بيع المسوسة التى لالب فيها بغير المسوسة قاله في (1) والبحر أيضا ومن الواضح أن شرط ذلك أن يكون للمسوسة قيمة والا فيمتنع بيعها مطلقا وقال الامام ان الحنطة المسوسة إذا قربت من المفقودة ظاهر قول الائمة جواز بيع بعضها ببعض وانما راعوا في هذه طرد النظر إلى طرد القول في الجنس لعسر النظر في تفصيل الحنطة التي تمادى زمان احتكارها ولعل هذا قبل أن تتآكل فأما إذا تأكلت وخلت أجوافها ففيها نظر عندنا فان الائمة أطلقوا بيع المسوسة بالمسوسة هي التى بدا التآكل فيها والقياس القطع بالمنع إذ الحنطة المقلية لا يباع بعضها ببعض لما فيها من التجافي الحاصل بالقلى انتهى وإذا تأملت ما قاله الامام وجدته لم يلاحظ أن المسوسة خارجة عن الربا البتة بخلاف ماقاله المتولي والرافعي والتحقيق في ذلك انه ان فرضت المسوسة لا شئ في جوفها البتة فهذه مخالفة ولا ربا فيها وان فرض أن السوس كثير فيها بحيث قربت

(11/123)


من العفن فهذه الاختلاف فيها أشد من الاختلاف في الدقيق فيمتنع بيع بعضها ببعض وان فرض أنه كما بدا التأكل فيها الذى لا يحصل معه تفاوت غالبا فيصح وتكون كالحنطة التى قد طال احتكارها
وينزل كلام الامام وما نقله عن الائمة على هذا والله أعلم..قال المصنف رحمه الله تعالى.
(ولا يجوز بيع خبزه بخبزه لان ما فيه من الماء والملح يمنع من العلم بالتماثل فمنع جواز العقد).
(الشرح) المراد الخبز بالخبز إذا كانا لينين فلا يجوز قال الشيخ أبو حامد بلا خلاف على المذهب لما ذكره المصنف ولان أصل ذلك الكيل ولا يمكن اعتبار الكيل فيه.
وافق الاصحاب على ذلك القاضى أبو الطيب والمحاملى والماوردي والقاضي حسين والرافعي.
وممن وافق الشافعي على ذلك عبيد الله بن الحسن نقله ابن المنذر ونقل عن مالك انه إذا تحرى أن يكون مثلا بمثل فلا بأس به وان لم يوزن وبه قال الاوزاعي وأبو ثور وحكي عن أبى حنيفة رضى الله عنه أنه لا بأس به قرصا بقرصين ولذلك إذا كان أحدهما لينا والآخر يابسا لا يجوز أيضا وممن صرح به ابن الصباغ في الشامل والجرجاني في البلعة والشافي ولك أن تدرجه في كلام المصنف رحمه الله تعالى فانه أطلق المنع في الخبز بالخبز ثم ذكر بعد هذا الخلاف في الجافين خاصة كما سيأتي فكان ما سوى ذلك

(11/124)


مندرجا في كلامه والله أعلم.
وعن أحمد أنه يجوز بيع الخبز بالخبز متماثلين لان معظم منفعتهما في حال رطوبتهما فصار كاللبن باللبن وفرق أصحابنا بالتفاوت في حال الكمال والادخار فانه موجود في الخبز بخلاف اللبن ولو كان الخبزان من جنسين جاز يدا بيد صرح به الصيمري في الكفاية والماوردي في الحاوي ولم يلاحظا ما فيه من الماء والملح لاستهلاكه وليس ذلك من صورة مدعجوة الممتنعة كما تقدم التنبية عليه أنه إذا بيع الشئ بغير جنسه كالقمح بالشعير وفى كل منهما حبات من الآخر لا تقصد يصح وان كان ذلك مؤثرا في التماثل وحكي ابن الرفعة عن القاضى حسين ان الاصح الصحة ولا مبالات بما فيهما من الماء والملح لان ذلك مستهلك فيما قال ابن الرفعة وهذا الخلاف الذى اقتضاه كلام القاضى لاوجه له والصواب الجزم كما في القمح بالشعير إذا كان في كل منهما شى لا يقصد من الآخر والله أعلم.
قال المصنف رحمه الله تعالى.
(وان جفف الخبز وجعل فتينا وبيع بعضه ببعض كيلا ففيه قولان (أحدهما) لا يجوز لانه
لا يعلم تساويهما في حال الكمال فلم يجز بيع أحدهما بالآخر كالرطب بالرطب (والثانى) أنه يجوز لانه مكيل مدخر فجاز بيع بعضه ببعض كالتمر).

(11/125)


(الشرح) القولان نقلهما الشيخ أبو حامد وأبو الطيب والمحاملى ونصر المقدسي وابن الصباغ وحكاهما الماوردى وجهين وعن القاضى أبى الطيب وابن الصباغ قول المنع إلى نصه في الصرف وعزاه المحاملى إلى الام وعزاه الرويانى إلى عامة كتبه وأما قول الجواز فرواه القاضى أبو الطيب والمحاملى وابن الصباغ والرويانى عن رواية حرملة قال الرافعى ورواه الشيخ أبو عاصم العبادي وآخرون عن رواية ابن مقلاص (قلت) ونقله القاضى حسين عن القديم وفرضه في الكعك المدقوق بالكعك المدقوق وقال ولعله انما جوز ذلك رخصة للمساكين لانه أغلب قوتهم وزادهم وأما رواية القاضى حسين هذه فيحتمل أن تكون غير الرواية المنسوبة لحرملة ولا يلزم طردها في الحب كما قال القاضى ولافى غير الشعير وأما رواية حرملة ونقل الشيخ أبى عاصم لها عن ابن مقلاص فان كان ابن مقلاص هو عمر بن عبد العزيز بن عمران بن مقلاص فلا تنافى فانه توفى سنة خمس وثمانين ومائتين ولم يدرك الشافعي فلعله من الرواة عن حرملة هذا ان كان المراد بابن مقلاص عمر بن عبد العزيز رضى الله تعالى عنه المذكور وهو الذى قاله في طبقات الفقهاء المنسوبة لابن الصلاح والنووي ونسب الرواية المذكورة إليه وقال النووي في تهذيب الاسماء وان كان أبوه عبد العزيز هو المراد وهو الاقرب فانه صاحب الشافعي وممن روى عنه فلعله وحرملة كلاهما روياه وجعل إمام الحرمين رواية ابن مقلاص أنه يجوز بيع الحنطة

(11/126)


بالسويق وجعلهما جنسين كما تقدم لكنه قال بعد ذلك وعلى هذا الخبز يخالف الحنطة وعلل الشيخ أبو حامد والفوراني المنع بأنه طعام وملح بطعام وملح وذلك لا يجوز وهذا بعيد لان ما فيهما من الملح في الكيل فهو كبيع القمح وفيهما حبات شعير يسيرة وذكر المحاملى أن المعنى الذى علل به المصنف أصح لكنه جعل الاصل في ذلك الدقيق بالدقيق لخروجه نفسه وأما في علته وهو قوله صلى الله عليه وسلم (أينقض الرطب إذا جف) والصحيح من القولين الاول وهو أنه لا يجوز وممن صحح ذلك المحاملى
في المجموع والماوردي ولو لا أن الوجه الآخر مشهور من قول أصحابنا لكان أغفاله أولى لمخالفته النص ومنافاة المذهب وكذلك قال في البحر انه المذهب قال وقال القفال يحتمل غير هذا على المذهب ولعل ذلك قول مرجوع عنه والجمهور على إثبات القولين وقال الفورانى من أصحابنا من جعل المسألة على قولين ومنهم من قال بل قول واحد لا يجوز ولا يثبت عن الشافعي جواز ذلك وهذا كله إذا دق الخبز أما إذا كان جافا غير مدقوق فلا يجوز كما اقتضاه كلام المصنف والاصحاب وبه صرح الرويانى وأغرب الجرجاني في الشافي فقال انه يجوز بيع يابسه بيابسه على أصح القولين ان لم يكن فيه ملح وهذا مع غرابته وبعده محمول على ما إذا كان مدقوقا كما فرضه المصنف ليكون محل القولين والغرابة في تصحيحه الجواز وجزم بأنه لا يجوز إذا كان فيهما أو في أحدهما ملح قد تقدم الكلام فيه مع الشيخ أبى حامد

(11/127)


وبيان أن ذلك لا يضر لانه لا يؤثر في المكيال وأما قياسه على التمر فالفارق خروجه عن حالة الكمال بخلاف التمر أما إذا كان الخبزان من جنسين فانه يجوز لانه قد تقدم الجواز في البنين المختلفى الجنس ففى اليابس أولى ولا يضر ما فيهما من الملح لان ذلك غير مقصود بالمقابلة ومنعه من التماثل ان فرض غير ضار لاجل اختلاف الجنس بخلاف ما إذا كان الجنس متحدا على ما تقدم من ملة الشيخ أبى حامد (فائدة) قال الامام بعد أن ذكر النصوص التى حكاها المزني في المنثور وابن مقلاص والكرابيسي اتفق أئمة المذهب على أنها لاتعد من متن المذهب وانما هي ترددات جرت في القديم وهى مرجوع عنها والمذهب ما مهدناه قبل هذا.
(فرع) لا يجوز بيع الحنطة بالجريش أو العجين أو الهريسة أو الزلابية أو النشا أو الفتيت أو بشئ مما يتخذ منها ولا بيع شئ من هذه الاشياء بعضه ببعض كالعجين بالعجين والنشا بالنشا ولا بالنوع الآخر كالدقيق بالسويق صرح بهذه الامثلة القاضى حسين والماوردي ونصر المقدسي وغيرهم كل منهم ببعضها ولا الحنطة بالفالوذج قال ابن عبد البر في التمهيد أجمعوا على أنه لا يجوز عندهم العجين بالعجين لا متماثلا ولا متفاضلا لا خلاف بيهم في ذلك وكذلك العجين بالدقيق إذا طبخ العجين وصار خبزا جاز بيعه عند مالك بالدقيق متفاضلا ومتساويا لان الصناعة قد كملت فيه وأخرجته

(11/128)


فيما زعم أصحابه عن جنسه وقول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمهم الله في بيع الدقيق بالخبز كقول مالك رحمه الله ونقل العبدرى عن مالك جواز بيع العجين بالخبز وكذا اللحم النئ بالمطبوخ.
(فرع) لا يجوز بيع الحنطة بالفالوذج نص عليه الشافعي والاصحاب قال الشيخ أبو حامد وغيره ان الفالوذج نشا وعسل ودهن فيكون قد باع طعاما وغيره بطعام ولا يختص ذلك بهذا المثال بل كل ما عمل من المأكول لا يجوز بيعه بالمأكول نقله أبو الطيب عنه في الصرف وهي قاعدة متفق عليها بين الاصحاب فلا يجوز بيع الحنطة بالزلابية والهريسة.
(فرع) نقل ابن عبد البر عن الشافعي لا يجوز بيع الشبرق بالشبرق.
(فرع) وهذا كله في الجنس الواحد وأما عند اختلاف الجنس فجائز يجوز بيع البر بدقيق الشعير ودقيق البر بدقيق الشعير ودقيق أحدهما بسويق الآخر متفاضلا يدا بيد صرح به القاضى حسين والماوردي وغيرهما وكذلك على المشهور في أن الادم أجناس كذلك يقتضيه تعليل القاضى حسين وكذلك خبز البر بخبز الشعير جزم به الماوردى ولم يلاحظوا ما في الخبز من الماء والملح فيخرجوه على قاعدة مد عجوة لانه مستهلك فيه لا اعتبار به وفى تعليق القاضى حسين أن ذلك هو الصحيح وان فيه وجهان أنه لا يجوز.

(11/129)


قال الصنف رحمه الله تعالى (ولايجوز بيع أصله بعصيره كالسمسم بالشيرج والعنب بالعصير لانه إذا عصر الاصل نقص عن العصير الذى بيع به).
(الشرح) امتناع بيع الشيرج بالسمسم كالمتفق عليه بين الاصحاب وكذلك كل دهن بأصله والعنب بعصيره سواء كان العصير مثل مافى الاصل أو أكثر منه أو أقل وأصل ذلك قاعدة مد عجوة وذلك المأخذ ظاهر في السمسم بالشيرج وفى السمسم بشيرج وكسب وهما مقصودان وأما العنب فالتفل الذى يبقى بعد العصير فان السمسم فيه شيرج وكسب وهما مقودان فيكون بيعه

(11/130)


بالشيرج من قاعد مد عجوة والعنب كذلك فيه مائية وغيرها مقصودان وان كان بعد العصير لا يبقى التفل مقصودا والمصنف علل بمعنى يشمل ما يكون المقصود منه منحصرا في دهنه وعصيره ولا يظهر هذا المعنى كل الظهور فيما جزآه مقصودان بل المانع تخريجه على قاعدة مد عجوة ومن أمثلة المسألة بيع الجوز بما يتخذ منه من الدهن واللب والكسب لا يجوز ذكره القاضى حسين وكذلك بيع دهن الجوز بلبه ذكر القاضى حسين أنه يجوز وهكذا دهن للوز بلبه يجب أن لا يجوز ورأيت في تعليق القاضى حسين أنه يجوز وهو محمول على غلط النسخة التى رأيتها بيع الزيت بالزيتون وقد صرح بمنعه في تعليق الطبري عن ابن أبى هريرة وغيره والحاوى وعله بأن فيه مائية فالتماثل معدوم وقال ابن أبى هريرة وغيره عند أهل العراق ذلك جائز إذا كان الزيتون أكثر من الزيت قال وهذا

(11/131)


خطأ والا لجاز بيع تمر غليظ النوى بتمر رقيق النوى متفاضلا وبيع طحين السمسم بطحين السمسم وفيهما الشيرج لا يجوز جزم به ابن أبى هريرة والماوردي وبيع الكسب إذا كان علفا للدواب مثل كسب القرطم جاز متماثلا ومتفاضلا قاله أبن أبى هريرة وان كان يأكله الناس جاز وكيل فأما موازنة وفصل ابن أبى هريرة فقال يجوز جافا كيلا بكيل ولا يجوز وزنا ولا قبل الجفاف لان أصله الكيل وأطلق الماوردى النقل عن أبى هريرة فقال حكى عنه جواز بيع بعضه ببعض وانه جوز بيع الكسب بالكسب وزنا ثم رد عليه وقال لا يجوز بيعه لامور لان أصله الكيل ويختلف عصره فربما بقى من دهن أحدهما أكثر من الآخر وان الكسب ماء وملح وذلك يمنع المماثلة وألزمه في ذلك بما وافق عليه من امتناع بيع طحين السمسم بمثله والذى رأيته في تعليق الطبري عن ابن أبى هريرة ما حكيته أولا فحينئذ لايرد عليه إلا كونه فيه ماء وملح وله أن يجيب عنه بأن الماء يزول بالجفاف وما فيه من الملح لا يضر كالخبز

(11/132)


الجاف فقد اختار الماوردى فيه وجه الصحة ولا فرق بينهما والرافعي لا يلزمه ذلك لانه صحح في مسألة الخبز الجاف أنه لا يجوز بيع بعضه ببعض وبيع التمر بعصير الرطب لا يجوز قاله الرويانى فكذلك بالخل
من الرطب (قلت) وعلى قياس ذلك بيع العنب بخل الزبيب لا يجوز قال نصر وكذلك السمسم بالطحينة والطحينة بالشريج لا يجوز.
وكذلك لا يجوز بيع كسب السمسم بالسمسم قاله الرافعى ولابيع دهن الجوز بلب الجوز قاله الرافعي قال الرافعي وذكر الامام وذكر الامام اشكالا وطريق حله أما الاشكال فهو ان السمسم جنس في نفسه لا أنه دهن وكسب اللبن جنس في نفسه لا انه سمن ومخيض ولهذا جاز بيع السمسم بالسمسم واللبن باللبن وان كان لا يجوز بيع الدهن والكسب بالدهن والكسب وبيع السمن بالدهن كما يجوز بيع السمسم بالسمسم وأما الحل فانه إذا قوبل السمسم بالسمسم واللبن باللبن فالعوضان

(11/133)


متجانسان في صفتهما الناجزة فلا ضرورة إلى تقدير تفريق الاجزاء وتصوير ما يكون حينئذ وإذا قوبل السمسم بالدهن فلا يمكننا جعل السمسم مخالفا للدهن مع اشتمال السمسم على الدهن وإذا ارتفعت المخالفة جاءت المجانسة ولا شك أن مجانستهما في الدهنية فنضطر إلى اعتبارها وإذا اعتبرناها كان كل بيع دهن وكسب بدهن هكذا قال الامام وألم الماوردى بشئ من ذلك أيضا وفى النفس وقفة من قبول هذا الجواب وما الضرورة الداعية إلى تقدير لا يدل عليه دليل (واعلم) أن هذه المسألة كالمجزوم بها في المذهب وقال رأيت في تعليق الطبري عن ابن أبى هريرة بعد أن قال ان بيع الدقيق بالحنطة لا يجوز قال وكذلك الزيت بالزيتون وحكي الكرابيسى عن الشافعي أنه جائز وظاهر هذا الكلام أن منقول الكرابيسى عائد إلى المسألتين جميعا وأكثر الاصحاب انما تلقوا حكاية الكرابيسى في

(11/134)


الدقيق فان ثبت ذلك في الزيت مع الزيتون فهو جار في الشيرج مع السمسم وكل دهن مع أصله ووافقنا في المسألة وهى الشيرج بالسمسم والزيت والزيتون مالك وكذلك أبو حنيفة قال الا أن يعين يقينا ما في الزيتون من الزيت أقل مما أعطى من الزيت قال ابن المنذر وقول الشافعي أصح وكذلك لا يجوز العنب بالعصير ولا بالخل والدبس أو الناطف وغيرهما مما يتخذ منه قاله القاضى حسين قال ابن حزم وما وجدنا عن أحد قبل مالك المنع من بيع الزيتون بالزيت ثم اتبعه عليه الشافعي وان كان لم يصرح به وفرق بينه وبين الرطب والتمر فان التمر هو الرطب بعينه إلا أنه يابس
وكذلك العنب والزبيب بخلاف الزيت فانه شئ آخر غير الزيتون لكنه خارج منه خروج اللبن من الغنم والتمر من النخل وبيع كل ذلك بما خرج منه جائز بلا خلاف.

(11/135)


(فرع) حب البان بالسيخة وهى (1) نقل ابن المنذر عن مالك أنه منع من ذلك ثم ترك ذلك وقال لا بأس بحب البان بالبان المطيب وقال أبو ثور لا بأس بالزيتون بالزيت والدهن بالسمسم والعصير بالعنب واللبن بالسمن.
(فرع) بيع لب الجوز بالجوز جائز قاله القاضى حسين وأما دهن الجوز بدهن اللوز فينبنى على أن الادهان جنس أو أجناس وبيع الجوز بلب اللوز أو بدهن اللوز قال القاضى حسين الصحيح أنه لا يجوز بعد ما جزم أولا بالجواز كما تقدم الساعة والخلاف الذى أشار إليه لاوجه له لانهما جنسان ولا اشتراك بينهما وهو كما قاله في بيع الرطب بخل العنب والعنب بخل الرطب وقد وقع البحث معه فيه ولايجوز بيع الجوز بلبه قاله في التهذيب وهو ظاهر وحكم الجوز واللوز بما يتخذ منه حكم السمسم بالشيرج ومن أمثلة المسألة بيع العنب بعصيره وخله ودبسه وغير ذلك مما يتخذ منه.
__________
(1) بياض بالاصل فحرر

(11/136)


.
قال المصنف رحمه الله تعالى.
(ويجوز بيع العصير بالعصير إذا لم تنعقد أجزاؤه لانه يدخر على صفته فجاز بيع بعضه ببعض كالزبيب بالزبيب).
(الشرح) عصير الشئ وعصارته ما انحلت منه ويقال لعصير العنب المعصور تقول عصرت العنب أعصره فهو معصور وعصير واعتصرته استخرجت ما فيه وقيل عصرته إذا وليت ذلك بنفسك واعتصرته إذا عصر لك خاصة حكى ذلك ابن سيده قال الاصحاب العصير يكون من العنب والسفرجل وعصير التفاح وقصب السكر وغير ذلك فإذا بيع بعضه ببعض فان كانا جنسين كعصير العنب بعصير القصب جاز متماثلا ومتفاضلا مطبوخا ونيئا وكيف كان يدا بيد وكذلك رب التمر برب
العنب وعصير الرمان بعصير السفرجل وعصير التفاح بعصير اللوز نص الشافعي والاصحاب على جميع ذلك وهو يدل على أن العصير أجناس وهو المشهور وبه جزم المحاملى ولما حكى الرافعي الوجه البعيد في أن الخلول والادهان جنس واحد قال ويجرى مثله في عصير العنب مع عصير الرطب فعلى هذا لا يجوز التفاضل بينهما ولكن هذا الوجه ان ثبت فهو بعيد مردود وهذا إنما نذكره تجديدا للعهد بالنسبة إلى من قد يغفل عنه ومقصد المصنف رحمه الله تعالى في هذه المسائل كلها ليس إلا الجنس الواحد فإذا بيع العصير بالعصير من جنسه متماثلين كعصير العنب بعصير العنب وعصير التفاح بعصير التفاح وعصير السفرجل بعصير السفرجل وعصير الرمان بعصير الرمان وعصير الرطب بعصير الرطب وعصير قصب السكر بعصير قصب السكر وعصير سائر الثمار بجنسه (قلت) هذا ذكر جماعة من الاصحاب عصير الرطب وظني أن الرطب لاعصير له والكلام في ذلك ان فرض وسيأتى تنبيه في مسألة الخلول على ما وقع في كلام بعض

(11/137)


الاصحاب في خل الرطب مما يجب التنبيه عليه فان كانا مطبوخين أو أحدهما مطبوخا فقد تقدم حكمه وأنه لا يجوز وان كانا نيئين وهو مقصود المصنف جاز وبه جزم ابن القاص والشيخ أبو حامد والقاضى أبو الطيب والمحاملى والقفال والامام لما ذكره المصنف ولان كمال منفعته في تلك الحالة فانه يصلح لكل ما يراد منه من الدبس والرب وغيرهما فكان كاللبن باللبن وحكى الرافعي وجها أنه لا يجوز وان العصير ليس بحالة كمال والاصح عند الرافعى و (1) الاول قال القاضى حسين في بيع العصير بالعصير يعنى عصير العنب بعصير العنب كنت أقول قبل هذا إنه يجوز وفى الآن عندي أنه لا لانهما ما اتفقنا في حال الكمال وكلام والقاضى هذا يجرى في جميع العصير لافرق بين عصير وعصير في ذلك وقد ذكر الرويانى في عصير الرطب بعصير الرطب ولا ماء فيهما وجهين (أحدهما) لا كالرطب بالرطب (والثانى) يجوز كاللبن باللبن وهكذا عصير الثمار من الرمان والتفاح وغيرهما ومراده ما يشمل عصير العنب وغيره وهو إشارة إلى وجه القاضى حسين أو من وافقه والله أعلم.
(فرع) قال الشافعي في الام في باب المزابنة الذى قبل كتاب الصلح ولايجوز بيع الجلجلان بالشبرق إلى أجل ولا يدا بيد وفسر الاصحاب وأهل اللغة الجلجان بالسمسم وقال الجوهرى
انه ثمرة الكزبرة وقال أبو الغوث هو السمسم في قشره قبل أن يحصد وأما الشبرق فقال ابن فارس انه نبت وقال الجوهرى وهو رطب الضريع.
(فرع) إذا بيع العصير بالعصير فالمعتبر في معياره الكيل جزم به المحاملى والشيخ أبو محمد والرافعي والنووي.
(فرع) قول المصنف رحمه الله إذا لم تنعقد أجزاؤه يفهم أنه إذا حمى بالنار اللطيفة بحيث لا تنعقد أجزاؤه يجوز بيع بعضه ببعض.
__________
(1) بياض بالاصل فحرر

(11/138)


قال المصنف رحمه الله تعالى.
(ويجوز بيع الشيرج بالشيرج ومن أصحابنا من قال لا يجوز لانه يخالطه الماء والملح وذلك يمنع التماثل فمنع العقد والمذهب الاول لانه يدخر على جهته فجاز بيع بعضه ببعض كالعصير وأما الماء والملح فانه يحصل في الكسب ولا ينعصر لانه لو انعصر في الشيرج لبان عليه).
(الشرح) الشيرج بكسر الشين.
(1) والكسب (اما) حكم المسألة فهو كما ذكره المصنف والقائل من أصحابنا بأنه لا يجوز أبو إسحق المروزى وأبو علي بن أبى هريرة نقله الشيخ أبو حامد والقاضى أبو الطيب ونصر المقدسي عن الاول المحاملى عن الثاني لما ذكره المصنف ورد الاصحاب عليه بما ذكره المصنف وينوا ذلك بان الماء لو كان باقيا فيه لرسب إلى قرار الظرف الذى يكون فيه الدهن ولا يصح بقاء الملح بين أجزاء الدهن وصرح القاضي أبو الطيب بأن الجواز هو المذهب المنصوص عليه وجزم به جماعة منهم صاحب التهذيب.
ثم ان المخالف ابن أبى هريرة أو غيره خصص الخلاف في ذلك بالشيرج دون غيره من الادهان لانه رأى أن المعنى المذكور الذي علل به ليس في بقية الادهان قال الامام تخصيص هذا بالشيرج لا معنى له قال الشافعي رضى الله عنه في الام ولا يجوز إلانئ بنئ فان كان منه شئ لا يعصر إلا مشوبا بغيره لم يجز أن يباع صنفه مثلا بمثل لانه لا يدري ماحظ المشوب من حظ الشئ المبيع بعينه الذى لا يحل الفضل في بعضه على بعض والصحيح باتفاق الاصحاب الجواز وممن صححه نصر المقدسي.
(فرع) قال الامام لو اعتصر من اللحم مؤه وتبقى من اللحم مالا ينعصر بفعلنا فالكل جنس واحد وليس كالدهن والكسب فانا نعلم أن في السمسم دهنا وتفلا في الخلقة واللحم كله في الخلقة شئ واحد.
__________
(1) بياض بالاصل فحرر

(11/139)


(فرع) جعل القاضى حسين دهن السمسم مكيلا لانه يستخرج من أصله مكيل وتبعه على ذلك صاحب التهذيب وكذلك السمن وما تعرض لكلام الشافعي في مسألة السمن فانه يقتضى فيهما خلاف ماقاله.
(فرع) بيع دهن السمسم بدهن الجوز واللوز متفاضلا ينبنى على أن الادهان جنس أو أجناس قاله القاضى حسين وهو ظاهر لكنى أردت أنبه على ذلك لانه قد يتوهم أن الدهن اختص باسم الشيرج والله أعلم.
وجزم في التهذيب في ذلك بالجواز لانه لم يفرع إلا على أن الادهان أجناس.
(فرع) لا يجوز بيع الشيرج بالكسب قاله ابن الصباغ في الشامل وسيأتى الفرق بينه وبين بيع السمن بالمخيض وقال البغوي في التهذيب يجوز بيع دهن السمسم بكسبه متفاضلين لانهما جنسان وكذلك قال الفورانى يجوز بيع الدهن بالكسب لانهما جنسان وكذلك الامام فان كسب السمسم يخالف جنس دهنه وفاقا كما يخالف المخيض السمن وكذلك الرويانى في البحر مع تعرضه للخلاف فقال يجوز بيع الدهن بالكسب لانهما جنسان وقال بعض أصحابنا لا يجوز لانهما لا تنفرد عن الدهن وان قل فان كان فيها دهن فلا يجوز وان يبق فيها الدهن فعلى ما ذكرنا يجوز وابن الرفعة حكى عن ابن أبى هريرة وجها في منع بيع كسب السمسم بالشيرج وانه لا يطرد في غيره من الادهان مع كسبه واستبعده الاصحاب وقال صاحب التتمة لا يجوز بيع الجوز بالكسب ولا بالدهن وبيع الدهن بالكسب جائز.

(11/140)


(فرع) شرط جواز بيع الشيرج بالشيرج أن لا يكون مغليا فلو أغلى بالنار لم يجز بيعه بمثله ولابالنئ وكذلك الزيت لا يباع منه المغلى بمثله ولا بالنئ ويباع الزيت النئ بالشيرج المطبوخ يدا بيد وصرح بذلك الصيمري.
(فرع) قال الرافعي الادهان المطيبة كدهن الورد والبنفسج والنيلوفر كلها مستخرجة من السمسم فإذا قلنا يجرى الربا فيها جاز بيع بعضها ببعض إذا ربى السمسم فيها استخراج دهنه وان استخرج الدهن ثم طرحت أوراقها فيه لم يجز.
(فرع) لا يجوز بيع طحين السمسم وغيره من الحبوب التي يتخذ منها الادهان بطحينها وعبر الفورانى عن ذلك بعبارة أبين فقال السمسم المدقوق بالسمسم المدقوق لا يجوز كالدقيق بالدقيق فهذا والله أعلم مرادهم بطحين السمسم وليس المراد الطحينة وان كان ذلك أيضا لا يجوز كبيع الدقيق بالدقيق قاله الرافعى وهى قبل ذلك في حالة كونها حبوبا كالاقوات.
(فرع) يجوز بيع كسب السمسم بكسب السمسم وزنا إن لم يكن فيه خلط فان كان فيه خلط لم يجز قاله البغوي والرافعي (قلت) أما إذا كان جافا فظاهر وأما إذا كان رطبا فان كان فيه من الدهن مانعا من التماثل لم يجز وان كان غير مانع من التماثل يجوز وأما كون المعيار فيه الوزن فيعكره على ما أصلوه من أن ما استخرج من مكيل فهو مكيل إلا أن يقال ان ذلك لا يمكن كيله وأنه يتجافى في المكيال.
(فرع) ويجوز بيع العصير بخل الخمر لانهما يتساويا وانما اختلفا من حيث الحموضة والحلاوة فلا يمنع البيع كالتمر الطيب بالتمر غير الطيب قاله ابن الصباغ وخالف القاضى حسين فجزم بالمنع وقد وقع في نسخة من نسخ المهذب هذه المسألة ولم تثبت في أكثرها وكتب في النسخة التى هي فيها أنها زيادة (فائدة) الملح مؤنثة تصغيرها ملحية قاله يعقوب بن السكيت في كتابه ونقلته منه.

(11/141)


قال المصنف رحمه الله تعالى.
(ويجوز بيع خل الخمر بخل الخمر لانه يدخر على جهته فجاز بيع بعضه ببعض كالزبيب بالزبيب ولايجوز بيع خل الخمر بخل الزبيب لان في خل الزبيب ماء وذلك يمنع من تماثل الخلين ولا
يجوز بيع خل الزبيب بخل الزبيب ولا بيع التمر بخل التمر لانا ان قلنا أن الماء فيه ربا لم يجز الجهل تماثل الماءين والجهل بتماثل الخلين وان قلنا لا ربا في الماء لم يجز للجهل بتماثل الخلين وان باع خل الزبيب بخل التمر فان قلنا ان في الماء ربا لم يجز للجهل بتماثل الماء فيهما وان قلنا لا ربا في الماء جاز لانهما جنسان فجاز بيع أحدهما بالآخر مع الجهل بالمقدار كالتمر بالزبيب والله أعلم).
(الشرح) الكلام في الخلول يشتمل على مسائل ذكر المصنف منها خمس مسائل ونقدم عليها أمورا (أحدها) أن الخلول أجناس على المشهور وحكي الماوردى عن ابن أبى هريرة أنه كان يخرج قولا أنها جنس واحد وامتنع سائر الاصحاب من تخريج هذا القول وقد تقدم عن الشيخ أبى حامد أنه غلط القائل بذلك والمشهور القطع بأنها أجناس والتفريع في هذه المسائل على هذا وأما إذا فرعنا على أنها جنس واحد فلا حاجة إلى تعداد المسائل بل كل خلين فيهما أو في أحدهما ماء لا يجوز بيع أحدهما بالآخر وان لم يكن في شئ منهما ماء جاز متماثلا ولايجوز متفاضلا والمصنف والاصحاب إنما فرعوا على المشهور (الامر الثاني) ان الخل يتخذ من العنب والزبيب والتمر فهو ثلاثة فإذا أخذت كل صنف مع مثله ومع قسيمه كانت الصور ستا خل العنب بخل العنب وخل العنب بخل الزبيب وخل العنب بخل التمر وخل الزبيب بخل الزبيب وخل الزبيب بخل التمر وخل التمر بخل التمر ذكر المصنف منها خمسا وترك خل العنب بخل التمر وزاد الرافعى في الخلول خل الرطب فصارت الخلول أربعة والصور الحاصلة

(11/142)


من تركيها عشرة الست المذكورة وأربع من خل الرطب بخل الرطب وبخل العنب والزبيب والتمر وليست الخلول منحصرة بل يتخذ الخل أيضا من القصب كما ذكره الشافعي ومن الجميز ومن البسر ومن غير ذلك فتأتى الصور أضعاف هذه وطريقك في عدها وترتيبها أن تأخذ كل واحد مع نفسه ومع ما بعده ولكن لا يتعلق بها غرض والمقصود حاصل من معرفة الحكم في خل العنب والزبيب والتمر ونسبة الرطب إلى التمر كنسبة الزبيب إلى العنب لكن الرطب قد يتخذ خلا بغير ماء فيختلف حكمه كما ستعرفه ونسبة الجميز إلى كل منهما كنسبة العنب إلى التمر فلا حاجة إلى تكثير الصور ونشرح ما ذكروه خاصة والخل في اللغة كل ما حمض من عصير العنب وغيره قاله ابن سيده (الامر
الثالث) أن التمر والرطب جنس واحد والعنب والزبيب جنس واحد وان الماء هل يجرى فيه الربا فيه وجهان (المسألة الاولى) بيع خل الخمر بخل الخمر جائز اتفاقا قال الشافعي في المختصر ولا بأس بخل العنب مثلا بمثل وممن نص على أنه لا خلاف فيه الشيخ أبو حامد وجزم به القاضى أبو الطيب والمحاملى والماوردي من العراقيين والشيخ أبو محمد والرافعي وغيرهم لانه لاماء فيه وليس له غاية يبس يقع فيها التفاوت وقد الفوارنى وابن داود وغيرهما ذلك بان لا يكون في واحد منهما ماء وذلك صحيح لابد منه وانما سكت أكثر الاصحاب عنه لان الغالب في خل العنب أنه لاماء فيه وقد يعمد في بعض الاوقات ليسرع تخلله فلذلك التقييد حسن والاطلاق محمول على الغالب قال الاصحاب وللعنب حالتان للادخار (إحداهما) أن يصير زبيبا (والاخرى) أن يصير خلا (المسألة الثانية) بيع خل الخمر بخل الزبيب لا يجوز كذلك قال المصنف والشيخ أبو حامد وأبو الطيب والمحاملى والماوردي وذلك

(11/143)


واضح لان الزبيب من جنس العنب والزبيب ماء فكأنه باع عنبا بعنب وماء وذلك لا يجوز لانتفاء التماثل ومع ذلك لا يحتاج إلى التعليل بقاعدة مد عجوة (المسألة الثالثة) بيع خل الخمر بخل التمر ولم يذكره المصنف وليس هو مثل بيع خل الخمر بخل الزبيب لان التمر والعنب جنسان مختلفان وقد نص الشافعي رضي الله عنه في الام والاصحاب على جوازه قال الشافعي في باب بيع الاجل ولا بأس بخل العنب بخل التمر وخل القصب لان أصوله مختلفة فلا بأس بالفضل في بعضه ببعض وممن جزم بالجواز فيه الشيخ أبو حامد والمحاملى والشيخ أبو محمد والرافعي فان خل العنب لاماء فيه وخل التمز وان كان فيه ماء فهو جنس آخر وقد علمت أن التفريع على أن الخلول أجناس ونقل العبدرى عن مالك ان خل العنب وخل التمر جنس واحد كالقول الغريب عندنا فكأنه باع عنبا بتمر وماء وهو جائز وسيأتى في خل الزبيب بخل التمر طريقة عن البغوي أنه يتخرج على الجمع بين مختلفى الحكم وقياسه أن يأتي ههنا وسأتكلم عليها إن شاء الله تعالى (المسألة الرابعة والخامسة) بيع خل الزبيب بخل الزبيب وخل التمر بخل التمر لا يجوز قال الشافعي في المختصر وأما خل الزبيب فلا خير في بيعه ببعض مثلا بمثل من قبل أن الماء يقل فيه ويكثر وهذا تنبيه على العلة الثانية التى ذكرها
المصنف وممن صرح بحكم المسألتين كما ذكره المصنف الشيخ أبو حامد حكما وتعليلا والقاضى أبو الطيب والماوردي والشيخ أبو محمد والقاضى حسين والرافعي ولا خلاف في ذلك أيضا سواء قلنا الماء ربوي أولا لان الجنس متحد والمماثلة فيه مجهولة وكذلك خل الرطب بخل الرطب لانه لا يصح الا بالماء وليس كخل العنب بخل العنب وممن صرح بذلك الماوردى وهى المسألة السادسة لكن

(11/144)


الشيخ أبا محمد في السلسة جزم بالجواز في خل الرطب بخل الرطب وكذلك الرافعى والقاضى حسين وينبغى أن يحمل ذلك على ما إذا لم يكن فيه ماء فليس هذا اختلافا بل كان خل الرطب بغير ماء وان أمكن كما قال أبو محمد وصار كخل العنب وان كان فيه ماء فالامر كما قال الرافعى والماوردي (المسألة السابعة والثامنة) خل الزبيب بخل التمر جزم الصيمري بجوازه والمشهور ما ذكره المصنف حكما وبناء وممن ذكره كذلك الشيخ أبو حامد والقاضى أبو الطيب والمحاملى والماوردي وابن الصباغ من العراقيين والشيخ أبو محمد والقاضى حسين وعلله المحاملى بما علله به المصنف وعلله الشيخ أبو حامد بانه بيع ماء وشئ بماء وشئ (فان قلت) تعليل الشيخ أبى حامد ظاهر وأما تعليل المصنف بالجهل بتماثل الماءين فانه يوهم أن الماءين لو كانا معلومي التساوى صح وليس كذلك فان التفريع على أن الماء ربوي فلا يجوز لقاعدة مدعجوة فلو علل بما علل به الشيخ أبو حامد كان أولى على أن هذا السؤال وارد عليهما في المسألة الرابعة والخامسة وهذا السؤال الملقب في علم النظر بعدم التأثير وهو أن يوجد الحكم بدون الوصف المدعى علة (قلت) بل ما فعله المصنف أولى لان الجهل بالممائلة هي العلة لمعتبرة في البطلان المجمع عليها وقاعدة مدعجوة إنما بطلت عند من يقول بها لا (1) كما تقدم بيانه (فاما) أن يقول بذلك فلا يرد السؤال (واما) أن يعترف بوروده فجوابه أن التأثير إنما يلزم في قياس العلة أما في قياس الدلالة فلا كما ذلك مقرر في علم النظر وقياس الدلالة الذى لا يدعي فيه ان الحكم ثبت بذلك الوصف وانما يدعي أن ذلك الوصف دليل على الحكم لكن كلام المصنف هنا ظاهر في القليل فالاولى دفع السؤال بما نبهت عليه أولا أو نقول ان ذلك سؤال العكس وهو وجود مثل الحكم بعلة
__________
(1) بياض
بالاصل فحرر

(11/145)


أخرى وذلك غير قادح ويمنع أنه من باب عدم التأثير والله أعلم.
وهذه الطريقة التى سلكها المصنف من البناء هي الصحيحة من المذهب قال الشيخ أبو حامد وقد قيل شئ عن هذا وليس بشئ قال يعنى ذلك القائل وقول الشافعي ههنا فإذا اختلف الجنسان فلا بأس يقتضى أن لا ربا في الماء لانه لم يفصل والا فليس أن يكون فيه الربا لانه مطعوم.
وقول المصنف رحمه الله تعالى وان قلنا لا ربا في الماء جاز إلى آخره هكذا صرح به الجمهور واقتضاه كلام الرافعى قال النووي وقيل فيه القولان في الجمع بين مختلفى الحكم لان الخلين يشترط فيهما التقابض في المجلس بخلاف الماءين وممن ذكر هذا الطريق البغوي في كتابه التعليق في شرح مختصر المزني وهذا الطريق هو الصواب ولعل الاصحاب اقتصروا على أصح القولين وهو أنه يجزو جمع مختلفى الحكم والله أعلم.
هذا كلام البغوي (قلت) وقد تقدم نص الشافعي على جواز خل العنب بخل التمر وفيه الماء وهو يعضد جزم الجمهور بالجواز هنا لانه لافرق بين أن يكون الماء في الطرفين في أحدهما فاما أن يكون ذلك تفريعا على الصحيح في الجمع بين مختلفى الحكم كما قال النووي واما أن يقال أن الخلاف يجوز قاله الشيخ أبو محمد والرافعي (المسألة التاسعة) خل الرطب بخل التمر لا يجوز لان فيهما ماء يمنع التماثل هكذا علله الماوردى ولا خفاء به وذكر الرافعي مسألة خل العنب وخل الرطب بخل التمر وحكم بعدم الجواز فيهما وعلل بان في أحدهما ماء ومراده بذلك خل العنب بخل الزبيب وأهمل تعليل الثانية فربما يطالعه من لا خبرة له فيظن أن ذلك عائد اليهما وان خل الرطب لا ماء فيه وليس ذلك مراده لانه لو كان كذلك لجاز خل الرطب بخلل الرطب إلا أن يلاحظ ما قاله الشيخ أبو محمد وبالجملة فالاحكام التى ذكرها الرافعى

(11/146)


إنما تتم إذا فرض خل الرطب فيه ماء والتى ذكرها الشيخ أبو محمد على أنه فيه ماء فليعلم ذلك (المسألة العاشرة) خل الرطب بخل العنب قال القاضى حسين لا خلاف أنه يجوز متساويا وهل يجوز متفاضلا أو لا ينبني على أن الخلول جنس أو أجناس وفيه قولان (قلت) قوله انه يجوز متساويا محمول على
أن خل الرطب لا ماء فيه أو أنه لم يلاحظ الجمع بين مختلفى الحكم والمنع من التفاضل خلاف النص في خل العنب بخل التمر فان الشافعي رضى الله عنه نص على جواز التفاضل فيه وقال الفورانى له ثلاثة أحوال (احداها) أن لا يكون في واحد منهما ماء فيصح (الثانية) إذا كان في أحدهما ماء فيصح أيضا (الثالثة) إذا كان فيهما ماء فعلى وجهين بناء على أنه هل في الماء ربا أم لا (ان قلنا) فيه ربا لا يصح (قلت) وهذا التفصيل حسن ولم يلاحظ الجمع بين مختلفى الحكم وما ذكرته من البحث مع الفورانى في التخريج على الجمع بين مختلفى الحكم رأيته بعد ذلك مرموزا إليه في كلام الامام قال في آخر الكلام في الخلول وفى الماء وكونه غير مقصود اشكال سنشررحه في باب الالبان وممن ذكر خل الرطب بخل الرطب لا يجوز الرويانى لكنه بعد ذلك قال وان لم يكن فيهما ماء يجوز (المسألة الحادية عشرة) خل الرطب بخل الزبيب يجوز قاله الشيخ أبو محمد والرافعي والبغوى قال الرافعى يجوز لان الماء في أحد الطرفين والمماثلة بين الخلين غير معتبرة تفريعا على الصحيح في أنهما جنسان (قلت) والصحيح خلافه وقياس كلام البغوي والنووي ان تأتى تلك الطريقة أيضا هنا والله أعلم فاما الشيخ أبو محمد فانه يلاحظ أنه لا ماء في خل الرطب كما تقدم فلا يتجه عنده (1) أن يكون ذلك عنده كخل التمر بخل العنب حتى يأتي فيه البحث السابق في الجمع بين مختلفي الحكم إنما هو إذا جمع بين
__________
(1) بياض بالاصل

(11/147)


عينين مستقلتين حتى يكون ذلك كالعقد فرتب على كل منهما مقتضاه وكذلك يقول الاصحاب جمع بين عقدين مختلفى الحكم انما الخل الذى فيه الماء فهو كعين واحدة ولو أفردنا ما فيه من الماء بحكم وما فيه من الخل بحكم لزمه بطلان العقد لان كلا منهما مجهول وفى سائر صورر الجمع بين مختلفى الحكم يوزع الثمن عليهما ويعطى كل واحد حكمه وههنا لا يمكن القول بان بعض الثمن في مقابلة الماء وحده وبعضه في مقابلة الخل بل كل جزء من الثمن مقابل بكل جزء من مجموع الخل المركب من الماء وغيره ويوؤل ذلك أنه لو اشترى ربويا رأى بعضه ولم ير بعضه فيه طريقان (أحدهما) القطع بالبطلان (والثانى) فيه قولا
بيع الغائب ولم يخرجوه على قولى الجمع بين مختلفى الحكم قال الشيخ أبو محمد في السلسلة لا يحتمل تخريج القولين في هذه المسألة لان المشترى إذا رأى بعض الثوب ولم ير بعضه فحكم ما رأى أن العقد فيه (1) الخيار فيه ثابت فربما يختار فسخ المبيع فيما لم يرد اجازته فيما رأى فيحتاج إلى قطع الثوب وفى ذلك اتلاف لما ليس من ماله والله أعلم.
وقد تقم بحث في خل التمر بخل الزبيب وخل العنب عند الكلام في بيع المشور بالمشوب فليطالع هناك وكذلك في الدراهم المغشوشة إن شاء الله تعالى وفى تعليق أبي على الطبري والقاضى حسين انه إذا قلنا لا ربا في الماء قولين في ذلك (أصحهما) الجواز ولكنهما ليس القولين في الجمع بين مختلفى الحكم بل هما القولان المشهور والغريب في أن الخلول جنس أو أجناس والمصنف وأكثر الاصحاب إنما تكلموا في ذلك تفريعا على المعروف أن الخلول أجناس وضابط هذا الباب ان كل خلين اما أن يكون فيهما الماء أو لا يكون فيهما أو يكون في احدهما فان كان فيهما الماء فان كانا جنسا واحدا لم يجز قطعا كخل الزبيب بخل الزبيب وان كانا
__________
(1) بياض بالاصل فحرر

(11/148)


جنسين كخل التمر بخل الزبيب لم يجز على الاصح وان لم يكن فيهما ماء وهما من جنس واحد جاز قطعا مثلا بمثل يدا بيد كخل العنب بخل العنب وان كانا جنسين جاز متفاضلين قطعا يد بيد كخل الرطب بخل العنب وان كان في أحدهما فان كانا في جنس واحد لم يجز كخل العنب بخل الزبيب وان كانا جنسين جاز متماثلا ومتفاضلا بشرط التقابض كخل العنب بخل التمر على المشهور خلافا لطريقة البغوي وكل مسائل هذا الفصل مجزوم بها على المشهور إلا إذا كانا من جنسين وفيهما الماء كخل التمر بخل الزبيب والله أعلم.
وليس في المسائل العشرة مسألة جائزة قطعا في الجنس الواحد الا خل العنب بخل العنب ولا في الجنسين الا خل الرطب بخل العنب وبقية ذلك اما ممتنع قطعا في الجنس الواحد إذا كان فيه ماء واما مختلف فيه في الجنسين إذا كان فيهما أو في أحدهما ماء وان شئب لخصته فقلت كل خلين لا ماء في واحد منهما فيجوز بيع أحدهما متماثلا في الجنس
ومتفاضلا في الجنسين وكل خلين فيهما الماء لا يجوز بيع أحدهما بالآخر قطعا ان اتحد الجنس وعلى الاصح ان اختلف وكل خلين في أحدهما الماء لا يجوز بيع أحدهما بالآخر ان اتحد الجنس قطعا ويجوز ان اختلف على المذهب وكلها يشترط فيها التقابض في المجلس والله أعلم.
(فرع) المعيار في الخل الكيل قاله القاضي حسين والرافعي وغيرهما وعلله القاضى حسين بانه يستخرج من أصل مكيل (تنبيه) جميع ما تقدم في الخلول التى فيها ما تفرع على الصحيح المشهور أن الماء المحرز في الاناء مملوك وهذا الذى قطع به المارودى ولنا وجه مذكور في باب احياء الموات أنه لا يملك وان أخذ في أناء وقد صرح الاصحاب بان الماء على ذلك الوجه لا يجوز منعه فعلى

(11/149)


هذا كيف يرد البيع على الخل وهو مركب من مملوك وغير مملوك والذى يتجه تفريعا على هذا الوجه امتناع بيع الخل الذى فيه الماء لانه لا يمكن أن يرد العقد على الجميع لعدم الملك ولا على المملوك منه ويكون الماء مباحا لعدم تميزه والعلم به ولكن لما كان هذا الوحه ضعيفا في النقل لم يفرعوا عليه.
(فرع) قال الشافعي رضى الله عنه في الام بعد ذكر الخلول وبيع بعضها ببعض والنبيذ الذى لا يسكر مثل الخل.
(فرع) يجوز بيع خل العنب بعصيره لانه لا ينقص إذا صار خلا فهما متساويان في حال الادخار قاله ابن الصباغ والرويانى وخالف في ذلك القاضى حسين فجزم بالمنع وحكاه الرويانى وجها وينبغى أن يكون على (1) القاضي حسين في أن بيع العصير بالعصير لا يجوز فيكون أحدهما على حاله والآخر ليس على حالة الادخار عنده وقد علل صاحب البحر الوجه المذكور بذلك وذكر الامام عن شيخه الوجهين في عصير العنب وخله (أحدهما) أنه جنس ولكن حالت صفة العصير فكان كاللبن الحليب مع العارض (والثانى) أنهما جنسان وهو الظاهر عندي لافراط التفاوت في الاسم والصفة والمقصود والنئ لا يكون مأكولا فلا يكون ربويا فإذا كان تحول الصفات يؤثر هذا التأثير جاز أن يؤثر في اختلاف الاجناس (قلت) وهذا ليس بجيد وقد بحثت معه في ذلك في مسألة بيع الرطب بالتمر
وبينت أن العصير والخل جنس واحد وقد تابع الامام في ذلك القاضى في الذخائر ويوافقه الوجه الذى حكاه المتولي أنه يجوز بيع الخل بالدبس وأنه لا تعتبر المماثلة بينهما وقد تقدم التعرض لذلك عند الكلام على بيع المطبوخ بالنئ.
__________
(1) بياض بالاصل فحرر

(11/150)


(فرع) لا يجوز خل التمر بالتمر ولا خل عنب بعنب نص عليه في البويطى وقال ولا كل شئ بشئ يخرج من أصله وكذلك قال ابن الصباغ لا يجوز بيع العنب بخله ولا بعصيره قال القاضى حسين وكذلك بيع الرطب بما يتخذ منه من الخل والعصير والدبس والشيرج والناطف وغيره لا يجوز.
(فرع) بيع الرطب بخل العنب أو بعصير العنب أو بيع العنب بخل الرطب أو بدبس الرطب قال القاضى حسين الصحيح أنه يجوز (قلت) وما أشار إليه من الخلاف بعيد جدا ولا يمكن أن يكون هو القائل بان الخلول جنس واحد فان ذاك لاشتراكها في الاسم والرطب وخل العنب لااشتراك بينهما ولا أحدهما مستخرج من الآخر فينبغي القطع بالجواز وكذلك في العنب بخل الرطب الا أن يكون فيه ماء..قال المصنف رحمه الله تعالى.
(ولا يجوز بيع شاة في ضرعها لبن بلبن شاة لان اللبن يدخل في البيع ويقابله قسط من الثمن والدليل عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل في مقابلة لبن المصراة صاعا من تمر ولان اللبن في الضرع كاللبن في الاناء والدليل عليه قوله صلى الله عليه وسلم لا يحلبن أحدكم شاة غيره بغير اذنه أيحب احدكم أن تؤتى خزانته فينتثل ما فيها فجعل اللبن كالمال في الخزانة فصار كما لو باع لبنا وشاة بلبن).
(الشرح) الحديث المذكور الذى فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل في مقابلة لبن المصراة صاعا من تمر لم أجده بهذا اللفظ صريحا ولكنه يشير به الحديث المشهور الذى سنذكره ان شاء الله

(11/151)


تعالى في باب بيع المصراه وهو متفق عليه وله الفاظ ورد بها أقر بها إلى المعني الذى ذكره المصنف هنا قوله صلى الله عليه وسلم (فان رضيها أمسكها وان سخطها ففي حلبتها صاع من التمر (رواه البخاري وهو يفيد مقصود المصنف فان قوله في حلبتها ظاهر في مقابلة اللبن والحديث الآخر حديث صحيح أخرجه البخاري وغيره من حديث ابن عمر رضى الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لا يحلبن أحد ماشية امرئ الا باذنه أيحب أحدكم أن يؤتى مشربته فيكسر خزانته فينتثل طعامه فانما يخزن لهم ضروع مواشيهم لطعامهم فلا يحلبن أحد ماشية أحد الا باذنه) وقوله ينتثل أي يستخرج وهو - بياء مثناة من تحت مضمومة ثم نون ساكنة ثم تاء مثناة من فوق ثم ثاء مثلثة مفتوحتين يقال نثل مافى كنانته إذا صبها ونثرها وقد نثلت البئر نثلا وانتثلتها إذا استخرجت ترابها وروى ينقل بالقاف بدل الثاء المثلثة أي يذهب وينقل عن الضرع والرواية الاولى أكثر وأشهر وهى التى فسرها أهل الغريب والمشربة نضم الراء وفتحها الغرفة وجمعها مشارب وقول المصنف شاة أحدكم أن لفظ الشاة في شئ من الروايات.
وحكم المسألة نص عليه الشافعي رضى الله عنه قال في المختصر والام ولا خير في شاة فيها لبن يقدر على حلبه بلبن من قبل أن في الشاة لبنا لا ادرى كم حصنه من الثمن الذى اشتريته به نقدا وان كان نسيئة فهو أفسد للبيع وقد جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم للبن التصرية بدلا وانما اللبن في الضرع كالجوز واللوز المبيع في قشرة يستخرجه صاحبه إذا شاء وليس كالولد لا يقدر على استخراجه هذا لفظ المختصر وقال في الام ولا بأس بلبن شاة يدا بيد ونسيئة إذا كان أحدهما نقدا والدين منهما موصوف في

(11/152)


الذمة وصرح في مواضع من الام بجواز ذلك نقدا ونسئا ثم قال فان قال قائل كيف اخترت لبن الشاة بالشاة وقدمها اللبن فيقال إن الشاة نفسها لاربا فيها إنما تؤكل بعد الذبح أو السلخ أو الطبخ أو التجفيف فلا تنسب الغنم إلى أن تكون مأكولة إنما تنسب إلى أنها حيوان وقد اتفق الاصحاب على هذين الحكمين وأن بيع الشاة التي في ضرعها لبن بلبن شاة باطل كما قرره الشافعي رضى الله عنه من أن اللبن الذى في الضرع يقابله قسط من الثمن قال القاضى أبو الطيب قولا واحدا وان كان في الحمل قولان بدليل خبر المصراة ولو لا أن اللبن يتقسط عليه الثمن لما ألزمه رد بدله كما لو اشترى
نخلة فاثمرت في يده أو شاة فحملت وولدت ثم ردها ولان مافى الضرع مثل مافى الخزانة بدليل الحديث الذى ذكره المصنف وهذا الذى ذكرناه من أن اللبن يقابله قسط من الثمن هو المنصوص المشهور الذى قطع به الاصحاب ههنا وسيأتى في باب المصراة ذكر وجه فيه والكلام عليه هناك ومع هذا فلا خلاف في امتناع بيع الشاة اللبون باللبن والله أعلم.
قال الاصحاب فوجب أنه لا يصح بيع شاة في ضرعها لبن أصلا لان اللبن مجهول كما لو ضم إلى الشاة لبنا مغطى فالجواب أنه إن لم يجز البيع هناك لان كلا من الشاة واللبن المضموم إليها مقصود بالبيع واللبن في الضرع تابع وان كان له قسط من الثمن بدليل دخوله إذا أطلق البيع في الشاة ويغتفر في التابع مالا يغتفر في غيره ولذلك صح بيعه كأساس الحائط ورؤس الجذوع وطى البئر ونحو ذلك ولا يلزم من جعله تابعا في انتفاء الغرر أن يكون تابعا في انتفاء الربا كالثمرة قبل بدو الصلاح إذا بيعت مع أصلها تابعة من غير شرط القطع

(11/153)


جاز ولو باع نخله مثمره بتمر لم يصح فكان ربا فتبعت في انتفاء الغرر ولم تتبع في انتفاء الربا قال القاضى حسين ولان اللبن مما يجرى فيه الربا وان كان متصلا بالحيوان ولا يشبه الحمل لان الحمل لا يمكن استخراجه متى شاءوالفرق بين اللبن والحمل على أحد القولين القائل بانه ليس له قسط من التمن أن اللبن مقدور على تناوله بخلاف الحمل فاشبه الجوز واللوز في قشره وجوز أبو حنيفة رضى الله عنه بيع الشاة ذات اللبن باللبن قال الشيخ أبو حامد وأبو الطيب والمحاملى وهكذا الحكم إذا ذبحت هذه الشاة التى فيها لبن ثم بيعت بلبن وهو أفسد لانه بيع لحم ولبن بلبن ولو باع الشاة التى في ضرعها لبن بلبن ابل ونحوه من غير لبن الغنم (فان قلنا) ان الالبان صنف واحد لم يجز (وان قلنا) أصناف جاز قال الشيخ أبو حامد وأبو الطيب وابن الصباغ وغيرهم فعلى هذا الصحيح الجواز لان الصحيح أنها أجناس ولم يذكر الصميرى في شرح الكفاية غيره ولذلك احترز المصنف في قوله بلبن الشاة فانه إذا باع الشاة التى في ضرعها لبن من غير جنسها وقلنا ان الالبان أجناس قال المحاملى فيكون بمنزلة أن يبيع طعاما ربويا بشعير فيصح البيع يعنى على الاصح في الجمع بين مختلفى الحكم وكذلك قال الرافعي فيه قولا الجمع بين مختلفى الحكم وهو في ذلك تابع للقاضى
حسين وصاحب التهذيب فان ما يقابل اللبن من اللبن يشترط فيه التقابض وما يقابله من الحيوان لا يشترط فيه التقابض (قلت) وفى التحريم نظر (1) في بيع خل التمر بخل الزبيب وفى بيع الدراهم المغشوشة بعضها ببعض لانه يمتنع افراد كل واحد بحكمه إذ اللبن الذى في الضرع لا يمكن تسليمه وحده فلو نزل العقد عليه منزلة عقد مستقل لاقتضى البطلان
__________
(1) بياض بالاصل فحرر

(11/154)


والله أعلم.
ولاجل ذلك والله أعلم أطلق الماوردى القول بانا إذا قلنا الالبان أجناس صح العقد (والحكم الثاني) إذا باع شاة غير ذات لبن قال الشيخ أبو حامد بان لا تكون ولدت قط جاز البيع اتفق عليه الاصحاب أيضا تبعا للشافعي رضى الله عنه نقدا ونسيئة والتفرق قبل القبض قال الشيخ أبو حامد وأبو الطيب ونص الشافعي رضي الله عنه في حرملة في التى لها لبن قد حلب ولم يستخلف بعد شئ منه فباعها بلبن شاة يجوز وهذا لانه لم يكن هناك لبن يجتمع والقليل الذى ينز لا تأثير له واتفق الاصحاب أيضا على هذا الحكم وممن جزم به القاضى حسين والبغوى والرافعي وصرح الامام بالصحة في اللبون إذا لم يكن في ضرعها لبن وقت البيع أو كان نذرا لا يقصد حلب مثله لقلته قال فان مثله ليس مقصودا والحيوان مخالف لجنس اللبن فليلتحق ببيع المخيض بالزبد مع النظر إلى الرغوة وشبهه بعضهم بالدار الذى ذهبت واستهلك الذهب إذا بيعت بدار مثلها أو بالذهب يجوز قال الشيخ أبو حامد وأبو الطيب والمحاملى فان ذبحت هذه الشاة وسلخت وبيعت باللبن صح البيع لانه لحم لا شئ معه بلبن ويشترط التقابض ونقله القاضى أبو الطيب عن نصه في الصرف وقد أغرب الجيلى فحكي فيما نقله ابن الرفعة عنه وجها أنه يجوز بيع اللبن بشاة في ضرعها لبن وهذا غريب جدا شاذ لا معول عليه قال ابن الرفعة ويمكن أن يكون مأخذه ما حكاه الغزالي في المصراة أن اللبن في الضرع لا يقابله قسط من الثمن على رأى.
(فرع) كما لا يجوز بيع الشاة التى فيها لبن بلبن كذلك لا يجوز بالزبد ولا بالسمن ولا
بالمصل ولا بالاقط كما لا يجوز اللبن بشئ من ذلك صرح به الماوردى.

(11/155)


(فرع) قال محمد بن عبد الرحمن الحضرمي في كتاب الاكمال كما وقع في التنبيه من الاشكال والاجمال قال الشافعي رحمه الله ولو باع أمة ذات لبن بلبن آدمية جاز بخلاف شاة في ضرعها لبن بلبن شاة والفرق بينهما ان لبن الشاة في الشرع له حكم العين فلهذا لا يجوز عقد الاجارة عليه ولبن الآدمية ليس له حكم العين بل هو كالمنفعة ولهذا جوزنا عقد الاجارة عليه (قلت) وهذا النقل غريب والتعليل حسن وفيه نظر وقد تقدم حكاية خلاف في أن لبن الآدمية هل يكون من جنس الالبان (إذا قلنا) بان الالبان جنس واحد أم لا ولا يرد ذلك هنا لان الكلام هناك إذا كان منفصلا فانه يثبت له حكم الاعيان وهنا الالبان في الثدى هو الذى ادعي انه ليس له حكم العين بل حكم المنفعة فلذلك قال يصح لانه لم يضم إلى الجارية عينا أخرى ولم أجد هذا الفرع الا في هذا الكتاب فلا ادرى هل الفرق من كلامه أو من كلام الشافعي ويعضده المذهب المشهور في أن الجارية المصراة لايرد معها بدل اللبن وفيه وجه أنه يرد فعلى قياس ذلك الوجه قد يقال ينبغى أن يقال هنا بامتناعها بلبن آدمي لانه سلك به مسلك العين وان باعها بلبن شاة أو بقرة فعلى المذهب المشهور وما نقله الحضرمي عن النص يكون الجواز من طريق الاولى وعلى الوجه الذى حكيناه في التصرية ينبغى أن يتخرج على أن الالبان أجناس أولا (فان جعلناها) أجناسا جاز (وان جعلناها) جنسا فيتخرج على خلاف تقدم في أن لبن الآدمى من جملتها أم لا (فان قلنا) لاجاز (وان قلنا) من جنسها فقياس ذلك الوجه المنع (وأما) التمسك بجواز الاجارة عليه في كونه يسللك به مسلك المنافع ففيه وفى تسويغ الاجارة عليه في باب الاجارة فالاستدلال بالحكم الثابت في التصرية أولى والله أعلم.

(11/156)


.
قال المصنف رحمه الله تعالى.
(فان باع شاة في ضرعها لبن بشاة في ضرعها لبن ففيهه وجهان قال أبو الطيب بن سلمة يجوز كما يجوز بيع السمسم بالسمسم وان كان في كل واحد منهما شيرج وكما يجوز بيع دار بدار وان كان
في كل واحدة منهما بئر ماء وقال أكثر أصحابنا لا يجوز لانه جنس فيه ربا بيع بعضه ببعض ومع كل واحد منهما شئ مقصود فلم يجز كما لو باع نخلة مثمرة بنخلة مثمرة ويخالف السمسم لان الشيرج في السمسم كالمعدوم لانه لا يحصل إلا بطحن وعصر واللبن موجود في الضرع من غير فعل ويمكن أخذه من غير مشقة وأما الدار فان قلنا ان الماء يملك ويحرم فيه الربا فلا يجوز بيع احدى الدارين بالاخرى).
(الشرح) والوجهان مشهوران حكاهما كذلك الشيخ أبو حامد والقاضى أبو الطيب والماوردي وغيرهم ونسب الشيخ أبو حامد الثاني إلى عامة أصحابنا منهم أبو العباس وأبو إسحق وكذلك القاضى أبو الطيب نسبه إلى أصحابنا وقال نصر انه المذهب وقال المحاملى انه ظاهر المذهب وجزم به في اللباب وأصح الوجهين الثاني وبه جزم ابن أبى هريرة لما ذكره المصنف ولانه يشبه بيع شاة معها لبن في اناء بشاة معها لبن في اناء ووافق أبو الطيب بن سلمة على امتناع بيع الشاة التى في ضرعها لبن بلبن فلذلك شبه المسألة التي خالف فيها بالسمسم بالسمسم وتلك المسألة كالسمسم بالشيرج وفرق الشيخ أبو حامد بين هذا وبين السمسم بالسمسم بفرقين (أحدهما) ما ذكره المصنف وغيره من

(11/157)


الاصحاب (والثانى) هذه وهو أن السمسم إذا بيع بالسمسم فالمقصود منه الشيرج فاما التفل الذى يكون فيه فليس بمقصود وقد وجدت المماثلة بينهما كيلا فيصح البيع ولم يمنعه التفل كالتمر إذا كان فيهما نوى حيث لم يكن مقصودا بخلاف الشاة باللبن فان الشاة مقصودة واللبن له قسط من الثمن ولو باع لبونا بشاة لبون وهما مستفرغتا الضرع جاز قال القاضي حسين فلذلك قال المصنف في ضرعها لبن احترازا عن هذا وافهم كلام المصنف أنا إذا قلنا ان الماء لا يملك أو قلنا بأنه يملك ولكنه ليس بربوى لا يحتاج إلى الفرق ويسقط التمسك به (وان قلنا) بأنه مملوك ربوي منعنا الحكم فلا يصح القياس عليه وبيان ذلك انه ان قلنا لا يملك صح بيع الدار بالدار ولم يتناول البيع الماء فانه غير مملوك على هذا القول وإذا تخطى رجل إلى البئر واستقى منها ملكه ولا يجب عليه رده مع عصيانه في دخوله الدار بغير اذن (وان قلنا) يملك وهو غير ربوي صح البيع وتناوله (وان
قلنا) ربوي امتنع البيع فعلى كل التقدير احتجاج أبى الطيب بن سلمة بذلك ساقط ومنع بيع احدى الدارين المذكورتين بالاخرى على القول بأن الماء مملوك ربوي قاله القاضي أبو الطيب وابن الصباغ لكن ابن الصباغ قال في الباب الذى بعد هذا المترجم عنه بباب الحائط يباع أصله ان ماء البئر لا يدخل في مطلق بيع الدار على الوجهين لانه في أحدهما غير مملوك وفى الاخرى بماء ظاهر ولا يدخل في البيع الا بالشرط كالطلع المؤبر (قلت) ومتى باعه وحده لم يصح على الوجهين كما قاله ابن الصباغ أيضا في باب بيع الثمار وبأنه لا يملك في أحدهما وفى الآخر يكون مجهولا فيها ولا يمكن تسليمه

(11/158)


لانه إلى أن يسلمه يختلط به غيره ومتى باع واشترط دخوله صح بلا خلاف لان الاختلاط ههنا لا يضر لان الجميع ملك المشترى قال ابن الرفعة صرح بحكاية ذلك الامام وقال القاضى حسين ان كان في موضع لاقيمة للماء فيه يجوز وان كان في موضع للماء فيه قيمة ولم يسميا في العقد أيضا يجوز وان سميا في العقد فانه لا يجوز ويصير كمسألة مدعجوة وبني القاضى حسين ذلك على أصل قدمه في بيع الدار التى فيها البئر مطلقا فصل فيه بين أن يكون للماء قيمة في ذلك المكان أولا فقال إن كان مما لاقيمة له يدخل في العقد وقيل لايدخل إلا بالتسمية كسائر المنقولات التى تكون في البيت وحكى عن القاضى وجها آخر أنه يندرج كالثمار التى لم تؤبر (وإذا قلنا) بانه غير مملوك اختص به المشترى كما كان يختص به البائع وجزم الرويانى في الحلية بان الماء الظاهر عند البيع لايدخل يعنى عند الاطلاق وكذا المعدن الظاهر كالنفط ونحوه وما ينبع بعده كان للمشترى والذى قاله الرافعي ان الاصح الصحة تبعا وعلى هذا يشكل الفرق فان تبعية الماء للدار كتبعية اللبن للشاة والاظهر عند الامام أيضا الصحة وعلله بان الماء الكائن في البئر ليس مقصوداولا يرتبط به قصد (وقوله) الكائن في البئر احتراز جيد فان ماء البئر من حيث الجملة مقصود في الدار ولكن لاغرض في ذلك للقدر الكائن وقت العقد ومع قول الامام ان هذا هو الظاهر فان الثاني هو القياس وانه لا ينقدح للجواز وجه في القياس لكن عليه العمل ومعتمده سقوط القصد إلى الماء الحاصل ثم أورد الامام سؤال وانفصل عنه أما السؤال فان خل التمر إذا بيع بخل الزبيب وقلنا ان الماء
ربوي امتنع البيع والماء ليس مقصودا في الخل كما أنه ليس مقصودا في مسألة الدار وانفصل عنه بان

(11/159)


الماء يستعمل على صفة الخل حتى كأنه انقلب خلا فلم يخرج مقدار الماء عن كونه مقصودا وان كان لا يقصد ماء وهذا لا يتحقق في البئر ومائها.
وقد يقال كل من الشاة ولبنها مقصود بخلاف الماء الحاصل وقت العقد في البئر فانه غير مقصود وقد تقدم في مسألة مدعجوة الكلام في شئ من ذلك وقال الماوردى إن قلنا لاربا في الماء جاز مطلقا وان قلنا فيه ربا فان كان الماء محرزا في الاحباب فهو مملوك قطعا ولا يجوز البيع حينئذ خوف التفاضل وان كان في الآبار فبعض أصحابنا يزعم أن ماء البئر يكون ملكا لمالك البئر فعلى هذا يمتنع إلا أن يكون ملحا فيجوز لان الماء الملح غير مشروب ولا ربا فيه وذهب جمهور أصحابنا وهو ظاهر مذهب الشافعي رضى الله عنه ان ماء البئر لا يملك الا بالاخذ والاجازة وكذلك ماء العين والنهر وانما يكون لمالك البئر منع غيره من التصرف في بئره أو نهره لان من اشترى دارا ذات بئر فاستعمل ماءها ثم ردها بعيب لم يلزمه للماء غرم ولو كان مملوكا لزمه غرمه كما يغرم لبن الضرع ولان مستأجر الدار له أن يستعمل ماء البئر فعلى هذا يجوز بيع دار ذات بئر فيها بدار ذات بئر فيها (قلت) وهذا الذى قاله فيه نظر فان الذى صححوه في احياء الموات أنه يملك ماء البئر والله أعلم.
وقال ابن الرافعة بعد حكايته كلام القاضى في بيع الدار التى فيها البئر هذا لاشك فيه بناء على أصله في أن الماء لايدخل في اطلاق العقد اما إذا قلنا يدخل كما هو وجه بعيد فهو تابع وهل يعامل معاملة المقصود أم لا فهو محل الخلاف الذى ذكره الغزالي للامام فيما نظمه والله أعلم.
نعم لك أن تقول الجزم بصحة العقد مع عدم دخول مافى البئر من الماء نظر لا يمكن أخذه الا

(11/160)


مختلطا بملك المشترى فكما لم يصح بيع الجمة بمفردها حذرا من الاختلاط بملك البائع ينبغى أن لا يصح إذا بيعت الجمة للبائع حذرا من الاختلاط بملك المشترى وان تخيل في الفرق ان الاختلاط لم يمنع من تسليم عين المبيع وهو ههنا في غير المبيع فلا يمنع التسليم فلا يمنع الصحة (قلنا) ذلك يقتضي صحة بيع الاصل وغلة ثمرة تكون للبائع ولا يتأتى تسليمها إلا بعد اختلاطها بالثمرة الحادثة على ملك
المشترى والمنقول فيها عدم الصحة لكن قد يفرق بين ذلك وما نحن فيه بان الثمار مقصود الاشجار كما ستعرفه ثم ولا كذلك ماء البئر في بيع الدار وأما في بيع البئر ففيه وقفة في حال كون الماء له قيمة والله أعلم.
انتهى كلام ابن الرفعه.
ومنع بيع النخلة المثمرة من جنسها باطل اتفق عليه الاصحاب وممن صرح به ابن أبي هريرة وغيره فلو كان على احداهما ثمرة ولا شئ على الاخرى جاز وكذلك الشاة التى فيها لبن بالشاة التى لالبن فيها صرح بهما ابن أبى هريرة والماوردي إلا أن تكون احداهما مذبوحة فذلك يمتنع لامر آخر وهو بيع حيوان بلحم (فائدة) عرفت أن أبا الطيب بن سلمة قائل بالجواز في بيع الشاة بالشاة والدار بالدار وقد صرح الغزالي في البسيط فقال في بيع الشاة اللبون بالشاة اللبون وفى ضرعهما لبن حكى أصحابنا عن أبى الطيب بن سلمة أنه جوز ذلك وذكر مسألة الدارين وأطلق الخلاف فيها ولم ينسب فيها إلى أبى الطيب بن سلمة شيئا وفى الوسيط ذكر لفظا مشكلا فقال بعد

(11/161)


أن جزم بالبطلان في مسألة اللبون وحكى الوجهين في مسألة الدارين وسوى بالمنع فيهما واستشكله الفضلاء وتأويل كلامه في الوسيط وغاية مظهر لى في تأويله أن يكون المراد بالمنع منع الحكم المدعي وهو البطلان الذى جزم به في مسألة الشاة اللبون لكن لا يستمر ذلك في مسألة الدارين فانه اقتصر على حكايه الخلاف من غير ترجيح البطلان ولعل ذلك وهم من ناسخ أو سبق قلم والله أعلم.
وكذلك قال ابن أبى الدم في كلامه على الوسيط ان ذلك غلط على أبى الطيب بن سلمة.
(فرع) بيع الشاة التى فيها لبن ببقرة فيها لبن فيه قولان حكاهما الماوردى مأخذهما أن الالبان جنس أو أجناس وبالصحة جزم الصيمري في الكفاية كما تباع النخلة بالكرم وههنا بلبن الآدمي (ان قلنا) الالبان أجناس (وان قلنا) جنس واحد فيبنيه على أن لبن الآدمى معها جنس أو جنسان وفيه وجهان تقدما.
قال المصنف رحمه الله تعالى.
(ويجوز بيع اللبن الحليب بعضه ببعض لان عامة منافعه في هذه الحال فجاز بيع بعضه ببعض كالتمر بالتمر ويجوز بيع اللبن الحليب بالرائب وهو الذى فيه حموضة لانه لبن خالص وانما تغير فهو كتمر طيب بتمر غير طيب ويجوز بيع الرائب بالرائب كما يجوز بيع تمر متغير بتمر متغير)

(11/162)


(الشرح) الحليب قال الشافعي رضى الله عنه في كتاب السلم من الام هو ما يحلب من ساغية وكان منتهى خاصية الحليب أن تقل حلاوته وذلك حين ينتقل إلى أن يخرج من اسم الحليب والرائب فسره الاصحاب بأنه الذى حصل فيه قليل حموضة كما ذكره المصنف رحمه الله قال الامام فيما حكي عنه والرائب الذى خثر بنفسه من غير نار قال ابن الرفعة أي ولا القيت فيه انفخة ونحوها (أما) حكم المسألة فقد ذكر المصنف ثلاث مسائل ومقصوده في جميعها جواز البيع من حيث الجملة وأما كونه متماثلا أو متفاضلا فذلك معلوم من كون الالبان جنسا واحدا أو أجناسا ووجوب التماثل على الاول دون الثاني وقد تقدم ذلك والمقصود هنا جواز البيع وان ذلك ليس من الرطب الذى يمتنع بيع بعضه ببعض لانه لا ينتهى إلى جفاف ولان معظم منفعته حال كونه لبنا ولا خلاف في جواز ذلك وقد تقدم أن الشافعي رضى الله عنه نبه على هذا القسم وافرد له بابا وذكر انه خارج من معنى ما يكون رطبا بما تقدم بيانه منه قال الشافعي هناك وجعلنا حكم رطوبته حكم جفوفه لانا لذلك نجده في كل أحواله لامنتقلا الا بنقل غيره فقلنا لا باس بلبن حليب حامض وكيف ما كان بلبن كيف ماكان حليبا أو رائبا أو حامضا ولا حامضا بحليب ولا حليبا برائب ما لم يخالطه ماء فإذا خالطه ماء فلا خير فيه وذكر

(11/163)


الشافعي رضى الله عنه مسألة الحامض هنا وهو المخيض وسيأتى في كلام المصنف مفردا بالذكر ثم أن المصنف أفرد كل مسألة مفردة بعلة فذكر في مسألة الحليب ما يدل على أن ذلك هو حالة الكمال لوجود غاية منافعه كالتمر والفرق بينه وبين الرطب من ثلاثة أوجه (أحدها) أن عامة المنافع الرطب في حال كونه تمرا وتناوله في حالة الرطوبة يعد عجلة وتفكها (والثانى) قول الشافعي رضى الله عنه ان الرطب يشرب من أصوله ويجف بنفسه يشير إلى أن اللبن في حال كماله والرطب ليس كذلك بل ينتقل إليها (والثالث) فرق أبو اسحق أن الرطوبة في اللبن من مصلحته وهى الحافظة لمنفعته بخلاف الرطب لانه بعد الجفاف كذلك وجاز بيع اللبن باللبن ولو كان في كل منهما زبد لان بقاء الزبد فيه من كمال منفعته وهو اغلب الاحوال مأكول معه بخلاف الشمع في العسل.
قال
الامام (فان قيل) اللبن مشتمل على السمن والمخيض وهما جنسان مختلفان (قلنا) اللبن يعد جنسا واحدا كالسمسم بالسمسم وفيهما الدهن والتفل وكالتمر بالتمر وفيهما الطعم والنوي قال الامام وأوقع عبارة في الفرق بين الشهد واللبن أن الشمع غير مخامر للعسل في أصله فان النحل ينسج البيوت من الشمع المحض ثم يلقى في خلله العسل المحض فالعسل متميز في الاصل ثم مشتار العسل يخلطه بالشمع

(11/164)


بعض الخلظ بالتعاطي والضغط وليس اللبن كذلك وهو الفرق الذى ذكره الامام في غاية الحسن وفى مسألة الرائب بالحليب ذكر ما يندفع به توهم أنه خرج عن حالة الكمال بما حصل فيه الغيير كما ان التمر المتغير لا يخرج عن حالة الكمال وممن جزم بذلك المحاملى والقاضى أبو الطيب لكنه لم يشبهه بالرائب وانما قال لبنا حليبا بلبن قد حمض وتغير طعمه يجوز وجزم ابن أبى هريرة بمسألة الرائب بالرائب كما قال المصنف وكذلك القاضى حسين وذكر الماوردى جواز الحليب بالرائب والحامض إذا لم يكن زبدهما ممخوضا لانه بيع لبن فيه زبده بلبن فيه زبده فصار كبيع الحليب بالحليب هكذا قال الماوردى ينبغى أن يحقق ما المراد بالرائب فان ابن أبى هريرة جزم بجواز بيعه بالزبد كما سيأتي والمراد بالرائب هنا ما خثر بنفسه من غير نار كما قال الامام.
(فرع) والمعيار في اللبن الكيل نص عليه الشافعي والاصحاب قال الرافعى في كلامه ما يقتضى تجويز الكيل والوزن جميعا (قلت) وانما في كلام الامام ما يقتضى التردد فانه قال فان كان يوزن فكذا وان كان يكال فكذا وهذا يقتضى الشك وان لم يتحرر عندهم معياره وليس فيه حكم بتجويز الامرين هكذا أطلقوا المسألة وكلام صاحب التهذيب صريح في أنه يباع اللبن باللبن كيلا سواء كانا حليبين أو رائبين أو حامضين وهو ظاهر فيما عدا الرائب وأما الرائب الخاثر ففيه نظر لان الشافعي قال ففى اللبا ما يقتضى أن المعيار فيه الوزن لا الكيل فقال انه لا يجوز السلم في اللبا الا مكيالا من قبل تكبيسه وتجافيه

(11/165)


في المكيال اللبن الرائب فيه شبه من اللبا وقد يقال ان عقد اللبا أكثر فلذلك يتجافى بخلاف الرائب وقد تعرض الامام لهذا الاشكال فاورد على نفسه أنه إذا خثر الشئ كان أثقل والذى يحويه المكيال من
الخاثر يزيد على الرقيق من جنسه بالوزن زيادة ظاهرة وأجاب بأن منع بيع الدبس بالدبس غير مبني على التفاوت في الوزن مع التساوى في المكيال فانا لو اعتبرنا ذلك لجوزنا بيع الدبس بالدبس إذا كان يوزن ولكنا اعتمدنا خروج الدبس عن حالة الكمال وأما الرائب الخاثر فقد قطع الاصحاب بجواز بيعه باللبن وجواز بيع بعضه ببعض ويتجه في بيع بعضه بالبعض أن يقال الانعقاد جرى في اللبن على تساو ولا يربو في الاناء إذا انعقد رائبا ولا ينقص فانه طبيعة في نفس اللبن عقاده وليس من جهة ذهاب جزء وبقاء جزء فأما بيع الخاثر باللبن فان كان يوزن فيظهر تجويزه فان كان يكال فبيع اللبن الحليب بالرائب الخاثر كيلا فيه احتمال ظاهر في المنع ووجه التجويز تشبيه الخاثر بالحنطة الصلبة المغللة تباع بالرخوة فالخاثر بالحليب يشبه الحنطة الصلبة بالرخوة انتهى كلام الامام.
ومن هنا قال الرافعى إن في كلام الامام ما يقتضى تجويز الكيل والوزن وأنت قد سمعت كلام الامام وليس فيه حكم بكيل ولا وزن وانما فيه انه تردد ركانه لم يتحر عنه هل هو مكيل أو موزون وقد صرح الرافعى والاصحاب بانه مكيل فتلخص من هذا أن بيع الرائب بالرائب كيلا جائز جزما وبيع الرائب بالحليب كيلا جائز وفيه احتمال للامام وعند الاحتمال في المسألتين في الرائب بالرائب وفى الرائب

(11/166)


بالحليب لما ذكرته من كلام الشافعي في اللبا والله أعلم.
وما ذكره الامام من انعقااد اجزائه على تساويه ومن تشبيهه بالحنطة الصلبة والرخوة ممنوع وقال ابن الرفعة اللبن الخاثر يظهر ان يكون كالسمن الرائب قال وفي كلام الامام ما يدل على انه يجوز كيله ووزنه وكأنه تبع الرافعى فيما فهم من كلام الامام.
(فرع) يشترط في بيع الحليب بالجبن ان يكيله ولا رغوة فيه فلو كان فيه رغوة فيهما أو في احدهما لم يصح حتى يسكن للجهل بالتماثل وحقيقة التفاضل وهذا مستفاد من قول الشافعي في السلم انه إذا اسلف فيه مكيل فليس له أن يكيله برغوته لا تزيد فليست بلبن يبقى بقاء اللبن مع ان بيع الحليب وعليه الرغوة لا يجوز مطلقا كيلا نص عليه الصيمري في شرح الكفاية للجهل بالمقصود فاما وزنا فلا بأس إذا كان بغير جنسه.

(11/167)


(فرع) قال القاضى حسين وصاحب التهذيب الهريد بالهريد لا يجوز لتأثر لنار فيه (قلت) والهريد (1).
(فرع) ويجوز بيع الخاثر بالحليب والرائب والحامض أيضا لان التفاوت بين الخاثر وغيره في الوزن والوزن لااعتبار به لان المعيار فيه الكيل قاله الرافعى.
(فرع) قال الرافعى رضى الله عنه في الام لاخير في لبن مغلى بلبن على وجهه لان الاغلاء ينقص اللبن ووافقه الشيخ أبو حامد والمحاملى ونصر المقدسي والبغوى ولو كان مسخنا من غير غليان صح قاله الرويانى.
(فرع) شرط جواز بيع هذا اللبن باللبن أن لا يكون فيه ماء فاما إذا كان فيه ماء فلا يجوز بيعه بمثله ولا بالخالص بلا خلاف.
__________
(1) بياض بالاصل فحرر

(11/168)