صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الرسالة
مصدر الكتاب : الإنترنت
[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

هذا مما كلف العباد أن يعقلوه ويعملوه ويعطوه من أنفسهم وأموالهم وأن يكفوا عنه ما حرم عليه منه (964) وهذا الصنف كله من العلم موجودا نصا في كتاب الله وموجودا عاما عند أهل الاسلام ينقله عوامهم عن من مضى من عوامهم يحكونه عن رسول الله ولا يتنازعون في حكايته ولا وجود به عليهم

(1/358)


(965) وهذا العلم العام الذي لا يمكن فيه الغلط من الخبر ولا التأويل ولا يجوز فيه التنازع (966) قال فما الوجه الثاني (967) قلت له ما ينوب العباد من فروع الفرائض وما يخص به من الاحكام وغيرها مما ليس فيه نص كتاب ولا في أكثر نص سنة وإن كانت في شئ سنة فإنما هي من أخبار الخاصة ولا أخبار العامة وما كان منه يحتمل التأويل ويستدرك قياسا (968) قال فيعدو هذا أن يكون واجبا وجوب العلم قبله أو موضوعا عن الناس علمه حتى يكون علمه منتفلا

(1/359)


ومن ترك علمه غير آثم بتركه أو من وجه ثالث فتوجدناه خبرا أو قياسا (969) فقلت له بل هو من وجه ثالث (970) قال فصفه واذكر الحجة فيه ما يلزم منه ومن يلزم وعن من يسقط (971) فقلت له هذه درجة من العلم ليس تبلغها العامة ولم يكلفها كل الخاصة ومن احتمل بلوغها من الخاصة فلا يسعهم كلهم كافة ان يعطلوها وغذا قام بها من خاصتهم من فيه الكفاية لم يحرج غيره ممن تركها إن شاء الله والفضل فيها لمن قام بها على من عطلها (972) فقال فأوجدني هذا خبرا أو شيئا في معناه
ليكون هذا قياسا عليه

(1/360)


(973) فقلت يه فرض الله الجهاد في كتابه وعلى لسان نبيه ثم أكد النفير من الجهاد فقال (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعدا عليه حقا في التوراة والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله فاستبشروا بيعكم الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم) (974) الله تعالى وقال (قاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة واعلموا أن الله مع المتقين) (975) وقال (اقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم) (976) وقال (قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق

(1/361)


من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) (977) أخبرنا عبد العزيز عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال قال رسول الله لا أزال أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله (978) وقال الله جل ثناؤه (ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة
فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلا قليل إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما ويستبدل قوما غيركم ولا تضروه شيئا والله على كل شئ قدير) (979) (انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم

(1/362)


وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) (980) قال فاحتملت الآيات أن يكون الجهاد كله والنفير خاصة منه على كل مطيق له لا يسع أحدا منهم التخلف عنه كما كانت الصلوات والحج والزكاة فلم يخرج أحد وجب عليه فرض منها أن يؤدي غيره الفرض عن نفسه لان عمل أحد في هذا لا يكتب لغيره (981) واحتملت أن يكون معنى فرضها غير معنى فرض الصلوات وذلك أن يكون قصد بالفرض فيها قصد الكفاية فيكون من قام بالكفاية في جهاد من جوهد من المشركين مدركا تأدية الفرض ونافلة الفضل ومخرجا من تخلف من المأثم (982) ولم يسوي الله بينهما فقال الله (لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أول الضرر والمجاهدون في سبيل الله

(1/363)


بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما) فأما الظاهر في الآيات فالفرض على العامة
(983) رحمه اللهقال فأين الدلالة في أنه إذا قام بعض العامة بالكفاية أخرج المتخلفين ن المأثم (984) فقلت له في هذه الآية (985) قال وأين هو منها

(1/364)


(986) قلت قال الله (وكلا وعد الله الحسنى) فوعد المتخلفين عن الجهاد الحسنى على الايمان وبأن فضيلة المجاهدين على القاعدين ولو كانوا آثمين بالتخلف إذا غزا غيرهم كانت العقوبة بالاثم إن لم يعفو الله أولى بهم من الحسنى (987) قال فهل تجد في هذا غير هذا (988) قلت: نعم قال الله (وما كان المؤمنين لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) وغزا رسول الله وغزى معه من اصحابه جماعة وخلف أخرى حتى تخلف

(1/365)


علي بن أبي طالب في غزوة تبوك وأخبرنا الله أن المسلمين لم يكونوا لينفروا كافة (فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة) فأخبر أن النفير على بعضهم دون بعض وأن التفقه إنما هو على بعضهم دون بعض (989) رضي الله تعالى عنه وكذلك ما عدا الفرض في عظم الفرائض التي لا يسع جهلها والله أعلم (990) وهكذا كل ما كان الفرض فيه مقصودا به قصد
الكفايه فيما ينوب فإذا قام به المسلمين من فيه الكفاية خرج من تخلف عنه من المأثم (991) ولو ضيعوه معا خفت أن لا يخرج واحد منهم مطيق فيه من المأثم بل لا أشك إن شاء الله لقوله (إلا تنفروا يعذبكم عذابا أليما)

(1/366)


(992) قال فما معناها (993) قلت الدلالة عليها أن تخلفهم عن النفير كافة لا يسعهم ونفير بعضهم إذا كانت في نفير كفاية يخرج من تخلف من المأثم إن شاء الله لانه إذا نفر بعضهم وقع عليهم اسم النفير (994) قلت ومثل ماذا سوى الجهاد (995) قلت الصلاة على الجنازة ودفنها لا يحل تركها ولا يجب على كل من بحضرتها كلهم حضورها ويخرج من تخلف من المأثم من قام بكفايتها

(1/367)


(996) وهكذا رد السلام قال الله (وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أوردوها إن الله على كل شئ حسيبا) وقال رسول الله (يسلم القائم على القاعد) وإذا سلم من القوم واحدا أجزأ عنهم وإنما أريد بهذا الرد فرد قليل جامع لاسم الرد والكفاية فيه مانع لان يكون الرد معطلا (997) ولم يزل المسلمون على ما وصفت منذ بعث الله نبيه
فيما بلغنا إلى اليوم يتفقة أقلهم ويشهد الجنائز بعضهم ويجاهد ويرد السلام بعضهم ويتخلف عن ذلك غيرهم فيعرفون

(1/368)


الفضل لمن قام بالفقه والجهاد وحضور الجنائز ورد السلام ولا يأثمون من قصر عن ذلك إذا كان بهذا قائمون بكفايته باب خبر الواحد (998) عز وجل فقال لي قائل احدد لي القوم ما تقوم به الحجة على أهل العلم حتى يثبت عليهم خبر الخاصة (999) فقلت خبر الواحد عن الوحد حتى ينتهي به إلى

(1/369)


النبي أو من انتهى به إليه دونه (1000) ولا تقوم الحجة بخبر الخاصة حتى يجمع أمورا (1001) منها ان يكون من حدث به ثقة في دينه معروفا بالصدق في حديثه عاقلا لما يحدث به علما بما يحيل معاني الحديث من اللفظ وأن يكون ممن يؤدي الحديث بحروفه كما سمع لا يحدث به على المعنى لانه إذا حدث على المعنى وهو غير

(1/370)


عالم بما يحل معناه لم يدر لعله يحيل الحلال إلى حرام وإذا اداه بحروفه فلم يبقى وجه يخاف فيه احالته الحديث حافظا إذا حدث به من حفظه حافظا لكتابه إذا حدث من كتابه إذا شرك أهل الحفظ في حديث وافق حديثهم بريا من أن يكون مدلسا يحدث عن من لقي ما لم يسمع منه ويحدث عن النبي ما يحدث الثقات خلافه عن النبي
(1002) ويكون هكذا من فوقه ممن حدثه حتى ينتهي بالحديث موصولا إلى النبي أو إلى من انتهى به إليه دونه لان كل

(1/371)


واحد منهم مثبت لمن حدثه ومثبت على من حدث عنه فلا يستغني فكل واحد منهم عما وصفت (1003) فقال فأوضح لي من هذا بشء لعلي أكون به أعرف مني بهذا لخبرتي به وقلة خبرتي بما وصفت في الحديث (1004) فقلت له أتريد أن أخبرك بشئ يكون هذا قياسا عليه (1005) قلت نعم (1006) قلت هذا أصل في نفسه فلا يكون قياسا على غيره لان القياس أضعف من الاصل (1007) الرب عز وجل قال فلست أريد أن تجعله قياسا ولكن مثله لي على شئ من الشهادات التي العلم بها عام (1008) قلت قد يخالف الشهادات في أشياء ويجامعها في غيرها

(1/372)


(1009) قلت وأين يخالفها (1010) قلت أقبل في الحديث الواحد والمرأة ولا أقبل واحدا منهما وحده في الشهادة (1011) وأقبل في الحديث حدثني فلان عن فلان إذا لم يكن مدلسا ولا أقبل في الشهادة إلا سمعت أو رأيت
أو أشهدني (1012) وتختلف الاحاديث فآخذ ببعضها استدلالا بكتاب أو سنة أو إجماع أو قياس وهذا لا يؤخذ به في الشهادات هكذا ولا يوجد فيها بحال (1013) ثم يكون بشر كلهم تجوز شهادته ولا أقبل حديثه من قبل ما يدخل في الحديث من كثرة الاحالة وإزالة بعض ألفاظ المعاني (1014) ثم هو يجامع الشهادات في أشياء غير ما وصفت

(1/373)


(1015) فقال اما ما قلت من الا تقبل الحديث الا عن ثقة حافظ عالم بما يحيل معنى الحديث فكما قلت فلم لم تقل هكذا في الشهادات (1016) فقلت ان احالة معنى الحديث أخفى من احالة معنى الشهادة وبهذا احتطت في الحديث بأكثر مما احتطت به في الشهادة (1017) قال وهكذا كما وصفت ولكني أنكرت إذا كان من يحدث عنه ثقة فحدث عن رجل لم تعرف أنت ثقته

(1/374)


امتناعك من أن تقلد فتحسن الظن به فلا تركه يروي الا عن ثقة وان لم تعرفه أنت (1018) فقلت له ارايت أربعة نفر عدول فقهاء شهدوا على شهادة شاهدين بحق رجل على رجل اكنت قاضيا به ولم يقل
لك الاربعة ان الشاهدين عدلان (1019) قال لا ولا أقطع بشهادتهما شيئا حتى أعرف عدلهما اما تبديل الاربعة لهما واما بتعديل غيرهم أو معرفة مني بعدلهما (1020) له ولم لم تقبلهما على المعنى الذي امرتني أن اقبل عليه الحديث فتقول لم يكونوا ليشهدوا غلا على من هو اعدل منهم (1021) فقال قد يشهدون على من هو عدل عندهم ومن عرفوه ومن

(1/375)


لم يعرفوا عدله فلما كان هذا موجودا في شهادتهم لم يكن لي قبول شهادة من شهدوا عليه حتى يعده لو أو اعرف عدله أو عدل من شهد عندي على عدل غيره ة لا اقبل تعديل شاهد على شاهد عدل الشاهد غيره ولم اعرف عدله (1022) فقلت فالحجة في هذا لك الحجة عليك في الا تقبل خبر الصادق عن من جهلنا صدقه (1023) والناس من ان يشهدوا على شهادة من عرفوا عدله أشد تحفظا منهم من ان يقبلوا الا حديث من عرفوا صحة الحديثه (1024) وذلك ان الرجل يلقى الرجل يرى عليه سيما الخير فيحسن الظن به فيقبل حديثه ويقبله وهو لا يعرف

(1/376)


حاله فيذكر ان رجلا يقال له فلان حدثني كذا اما على وجه يرجو
ان يجد علم ذلك الحديث عند ثقة فيقبله عن الثقة واما ان يحدث به على إنكاره والتعجب منه واما بغفلة في الحديث عنه (1025) ولا اعلمني لقيت أحدا قط بريا من ان يحدث عم ثقة حافظ وآخر يخالفه (1026) ففعلت بهذا ما يجب على (1027) ولم يكن طلبي الدلائل على معرفة صدق من حدثني بأوجب على من طلبي ذلك على معرفة صدق من فوقه لاني أحتاج في كلهم إلى ما أحتاج إليه فيمن لقيت منهم لان كلهم مثبت خبرا عن من فوقه ولمن دونه

(1/377)


(1028) فقال فما بالك قبلت ممن لم تعرفه بالتدليس أن يقول " عن " وقد يمكن فيه أن يكون لم يسمعه (1029) فقلت له المسلمون العدول عدول أصحاء الامر في أنفسهم وحالهم في أنفسهم غير حالهم في غيرهم ألا ترى أني إذا عرفتم بالعدل في أنفسهم قبلت شهادتهم وإذا شهدوا على شهادة غيرهم لم أقبل شهادة غيرهم حتى أعرف حاله ولم تكن معرفتي عدلهم معرفتي عدل من شهدوا على شهادته (1030) وقولهم عن خبر أنفسهم وتسميتهم على الصحة حتى نستدل من فعلهم بما يخالف ذلك فنحترس منهم في الموضع الذي خالف فعلهم فيه ما يجب عليهم (1031) ولم نعرف بالتدليس ببلدنا فيمن مضى ولا من

(1/378)


أدركنا من أصحابنا إلا حديثا فإن منهم من قبله عن من لو تركه عليه كان خيرا له (1032) وكان قول الرجل " سمعت فلانا يقول سمعت فلانا يقول " وقوله " حدثني فلان عن فلان " سواء عندهم لا يحدث واحد منهم عن من لقي إلا ما سمع منه ممن عناه بهذه الطريق قبلنا منه " حدثني فلان عن فلان " (1033) ومن عرفناه دلس مرة فقد أبان لنا عورته في روايته (1034) وليس تلك العورة بالكذب فنرد بها حديثه ولا النصيحة في الصدق

(1/379)


فنقبل منه ما قبلنا من أهل النصيحة في الصدق (1035) فقلنا لا نقبل من مدلس حديثا حتى يقول فيه " حدثني " أو " سمعت " (1036) فقال قد أراك تقبل شهادة من لا يقبل حديثه (1037) قال فقلت لكبر أمر الحديث وموقعه من المسلمين ولمعنى بين (1038) قال وما هو (1039) قلت تكون اللفظة تترك من الحديث فتحيل معناه أو ينطق بها بغير لفظة المحدث والناطق بها غير عامد لاحالة الحديث فيحيل معناه
(1040) فإذا كان الذي يحمل الحديث وجهل هذا المعنى كان غير عاقل للحديث فلم نقبل حديثه إذا كان ما لا يعقل إن

(1/380)


كان ممن لا يؤدي الحديث بحروفه وكان يلتمس تأديته على معانيه وهو لا يعقل المعنى (1041) قال أفيكون عدلا غير مقبول الحديث (1042) قلت نعم إذا كان كما وصفت كان هذا موضع ظنه بينة يرد بها حديثه وقد يكون الرجل عدلا على غيره ظنيا في نفسه وبعض أقربيه ولعله ان يخر من بعد أهون عليه من أن يشهد بباطل ولكن الظنة لما دخلت عليه تركت بها شهادته فالظنة ممن لا يؤدي الحديث بحروفه ولا يعقل معانيه أبين منها في الشاهد لمن ترد شهادته فيما هو ظنين فيه بحال (1043) وقد يعتبر على الشهود فيما فيه فإن استدللنا على ميل نستبينه أو حياطة بمجاوزة قصد للمشهود له

(1/381)


لم نقبل شهادتهم وإن شهدوا في شئ مما يدق ويذهب فهمه عليهم في مثل ما شهدوا عليه لم نقبل شهادتهم لانهم لا يعقلون معنى ما شهدوا عليه (1044) ومن كثر غلطه من المحدثين ولم يكن له أصل كتاب صحيح لم نقبل حديثه كما يكون من أكثر الغلط في الشهادة لم نقبل شهادته (1045) وأهل الحديث متباينون
(1046) فمنهم المعروف بعلم الحديث بطلبه وسماعه من الاب والعم وذوي الرحم والصديق وطول مجالسة أهل التنازع فيه ومن كان هكذا كان مقدما بالحفظ إن خالفه من يقصر

(1/382)


عنه كان أولى أن يقبل حديثه ممن خالفه من أهل التقصير عنه (1047) ويعتبر على أهل الحديث بأن إذا اشتركوا في الحديث عن الرجل بأن يستدل على حفظ أحدهم بموافقة أهل الحفظ وعلى خلاف حفظه بخلاف حفظ أهل الحفظ له (10) وإذا اختلفت الرواية استدللنا على المحفوظ منها والغلط بهذا ووجوه سواه تدل على الصدق والحفظ والغلط قد بيناها في غير هذا الموضع وأسأل الله التوفيق (1049) فقال فما الحجة لك في قبول خبر الواحد وأنت لا تجيز شهادة واحد وحده وما حجتك في أن قسته بالشهادة في أكثر أمره وفرقت بينه وبين الشهادة في بعض أمره

(1/383)


(1050) قال فقلت له أنت تعيد ما قد ظننتك فرغت منه ولم أقسه بالشهادة غنما سألت أن امثله لك بشئ تعرفه، أنت به أخبر منك بالحديث فمثلته لك بذلك الشئ لا أني احتجت لان يكون قياسا عليه (1051) وتثبيت خبر الواحد أقوى من أن أحتاج إلى أن أمثله بغيره بل هو أصل في نفسه
(1052) قال فكيف يكون الحديث كالشهادة في شئ ثم يفارق بعض معانيها في غيره (1053) فقلت له هو مخالف للشهادة كما وصفت لك في بعض أمره ولو جعلته كالشهادة في بعض أمره دون بعض كانت الحجة لي فيه بينة إن شاء الله

(1/384)


(1054) قال وكيف ذلك وسبيل الشهادات سبيل واحدة (1055) قال فقلت أتعني في بعض أمرها دون بعض أم في كل أمرها (1056) قال بل في كل أمرها (1057) قلت فكم أقل ما تقبل على الزنا (1058) قال أربعة (1059) قلت فإن نقصوا واحد جلدتهم (1060) قال نعم (1061) قلت فكم تقبل على القتل والكفر وقطع الطريق الذي تقتل به كله (قال شاهدين (1062) قلت له كم تقبل على المال

(1/385)


(1064) قال شاهدا وامرأتين
(1065) قلت فكم تقبل في عيوب النساء (1066) قال امرأة (1067) قلت ولو لم يتموا شاهدين وشاهدا وامرأتين لم تجلدهم كما جلدت شهود الزنا (1068) قال نعم (1069) قلت أفتراها مجتمعة (1070) قال نعم في أن أقبلها متفرقة في عددها وفي أن لا يجلد إلا شاهد الزنا (1071) قلت له فلو قلت لك هذا في خبر الواحد وهو مجامع للشهادة في أن أقبله ومفارق لها في عدده هل كانت لك حجة إلا كهي عليك

(1/386)


(1072) قال فإنما قلت بالخلاف بين عدد الشهادات خبرا واستدلالا (1073) قلت وكذلك قلت في قبول خبر الواحد خبرا واستدلالا (1074) وقلت أرأيت شهادة النساء في الولادة لم أجزتها ولا تجيزها في درهم (1075) قال اتباعا (1076) قلت فإن قيل لك لم يذكر في القرآن أقل من شاهد وامرأتين

(1/387)


الجزء الثالث
من الرسالة

(1/389)


قال أبو القاسم عبد الرحمن بن نصر قال نا أبو علي الحسن بن حبيب قال نا الربيع بن سليمان قال أنا الشافعي بسم الله الرحمن الرحيم (1077) قال ولم يحظر أن يجوز أقل من ذلك فأجزنا ما أجاز المسلمون ولم يكن هذا خلافا للقرآن (1078) عز وجل قلنا فهكذا قلنا في تثبيت خبر الواحد استدلالا بأشياء كلها أقوى من إجازة شهادة النساء (1079) فقال فهل من حجة تفرق بين الخبر والشهادة سوى الاتباع (1080) قلت نعم ما لا أعلم من أهل العلم فيه مخالفا

(1/390)


(1081) قال وما هو (1082) قلت العدل يكون جائز الشهادة في أمور مردودها في أمرو (1083) قال فأين هو مردودها (1084) قلت إذا شهد في موضع يجر به إلى نفسه زيادة من أي وجه ما كان الجر أو يدفع بها عن نفسه غرما أو إلى ولده أو والده أو يدفع بها عنهما ومواضع الظنن سواها (1085) الرب عز وجل وفيه في الشهادة أن الشاهد إنما يشهد بها على واحد ليلزمه غرما أو عقوبة وللرجل ليؤخذ له غرم أو عقوبة

(1/391)


وهو خلي مما لزم غيره من غرم غير داخل في غرمه ولا عقوبته ولا العار الذي لزمه ولعله يجر ذلك إلى من لعله أن يكون أشد تحاملا له منه لولده أو والده فيقبل شهادته لانه لا ظنة ظاهرة كظنته في نفسه وولده ووالده وغير ذلك مما يبين فيه من مواضع الظنن (1086) والمحدث بما يحل ويحرم لا يجر إلى نفسه ولا إلى غيره ولا يدفع عنها ولا عن غيره شيئا مما يتمول الناس ولا مما فيه عقوبة عليهم ولا لهم وهو ومن حدثه ذلك الحديث من المسلمين سواء إن كان بأمر يحل أو يحرم فهو شريك العامة فيه لا تختلف حالاته فيه فيكون ظنينا مرة مردود الخبر وغير ظنين أخرى مقبول الخبر كما تختلف حال الشاهد لعوام المسلمين وخواصهم

(1/392)


(1087) وللناس حالات تكون أخبارهم فيها أصح واحرى أن يحضرها التقوى منها في أخرى ونيات ذوي النيات فيها أصح وفكرهم فيها أدوم وغفلتهم أقل وتلك عند خوف الموت بالمرض والسفر وعند ذكره وغير تلك الحالات من الحالات المنبهة عن الغفلة (1088) فقلت له قد يكون غير ذي الصدق من المسلمين صادقا في هذه الحالات وفي أن يؤتمن على خبر فيرى أنه يعتمد على خبره فيه فيصدق غاية الصدق وإن لم يكن تقوى فحياء من أن
ينصب لامانة في خبر لا يدفع به عن نفسه ولا يجر إليها ثم يكذب بعده أو يدع التحفظ في بعض الصدق فيه

(1/393)


(1089) فإذا كان موجودا في العامة وفي أهل الكذب الحالات يصدقون فيها الصدق الذي تطيب به نفس المحدثين كان أهل التقوى والصدق في كل حالاتهم أولى أن يتحفظوا عند أولى الامرو بهم أن يتحفظوا عندها في أنهم وضعوا موضع الامانة ونصبوا أعلاما للدين وكانوا عالمين بما الزمهم الله من الصدق في كل أمر وأن الحديث في الحلال والحرام أعلى الامرو وابعدها من أن يكون فيه موضع ظنة وقد قدم إليهم في الحديث عن رسول الله النار (1090) عبد العزيز عن محمد بن عجلان عن عبد الوهاب بن

(1/394)


بخت عن عبد الواحد النصري عن واثلة بن الاسقع عن النبي قال " إن أفرى الفرى من قولني ما لم أقل ومن أرى عينيه ما لم ترى ومن ادعى إلى غير أبيه "

(1/395)


(1091) عبد العزي ز عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله قال " من قال على ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار " (1092) يحيى بن سليم عن عبيد الله بن عمر عن أبي بكر بن سالم عن سالم عن بن عمر أن النبي قال " إن الذي
يكذب علي يبني له بيت في النار "

(1/396)


(1093) حدثنا عمرو بن أبي سلمة عن عبد العزيز بن محمد عن أسيد بن أبي أسيد عن أمه قالت قلت لابي قتادة مالك لا تحدث عن رسول الله كما يحدث الناس عنه قالت فقال أبو قتادة سمعت رسول الله يقول من كذب علي فليتلمس لجنبه مضجعا من النار فجعل رسول الله يقول ذلك ويمسح الارض بيده (1094) سفيان عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة أن رسول الله قال " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج

(1/397)


وحدثوا عني ولا تكذبوا علي " (1095) وهذا أشد حديث روي عن رسول الله في هذا وعليه اعتمدنا مع غيره في أن لا نقبل حديثا إلا من ثقة ونعرف صدق من حمل الحديث من حين ابتدئ إلى أن يبلغ به منتهاه (1096) فإن قال قائل وما في هذا الحديث من الدلالة على ما وصفت (1097) قيل قد أحاط العلم أن النبي لا يأمر أحدا بحال أبدا أن يكذب على بني إسرائيل ولا على غيرهم فإذا أباح الحديث

(1/398)


عن بني إسرائيل أن يقبلوا الكذب على بني إسرائيل أباح وإنما أباح قبول ذلك عن من حدث به ممن يجهل صدقه وكذبه (1098) ولم يبحه أيضا عن من يعرف كذبه لانه يروي
عنه أنه " من حدث بحديث وهو يراه كذبا فهو أحد الكاذبين " ومن حدث عن كذاب لم يبرأ من الكذب لانه يرى الكذاب في حديثه كاذبا (1099) ولا يستدل على أكثر صدق الحديث وكذبه غلا بصدق المخبر وكذبه إلا في الخاص القليل من الحديث وذلك أن يستدل على الصدق والكذب فيه بأن يحدث المحدث ما لا يجوز أن يكون مثله أو ما يخالفه ما هو أثبت وأكثر دلالات بالصدق منه

(1/399)


(1100) وإذا فرق رسول الله بين الحديث عنه والحديث عن بني إسرائيل فقال " حدثوا عني ولا تكذبوا علي " فالعلم إن شاء الله يحيط ان الكذب الذي نهاهم عنه هو الكذب الخفي وذلك الحديث عمن لا يعرف صدقه لان الكذب إذا كان منهيا عنه على كل حال فلا كذب أعظم من كذب على رسول الله صلى الله عليه

(1/400)


الحجة في تثبيت خبر الواحد (1101) قال الشافعي فإن قال قائل اذكر الحجة في تثبيت خبر الواحد بنص خبر أو دلالة فيه أو إجماع (1102) فقلت له أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن النبي قال " نصر الله عبدا سمع مقالتي فحفظها ووعاها وأداها فرب حامل فقه غير فقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ثلاث لا يغل

(1/401)


عليهن قلب مسلم إخلاص العمل لله والنصيحة للمسلمين ولزوم جماعتهم فإن دعوتهم تحيط من روائهم " (1103) فلما ندب رسول الله إلى استمع مقالته وحفظها وأدائها امرأ يؤديها والامرء واحد دل على انه لا يأمر

(1/402)


أن يؤدي عنه إلا ما تقوم به الحجة على من أدى إليه لانه إنما يؤدي عنه حلال وحرام يجتنب وحد يقام ومال يؤخذ ويعطى ونصيحة في دين ودنيا (1104) الله عز وجل ودل على أنه قد يحمل الفقه غير فقيه يكون له حافظا ولا يكون فيه فقيها (1105) وأمر رسول الله بلزوم جماعة المسلمين مما يحتج به في أن إجماع المسلمين إن شاء الله لازم (1106) أخبرنا سفيان قال أخبرني سالم أبو النضر انه سمع عبيد الله بن أبي رافع يخبر عن أبيه قال قال النبي " لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الامر من أمري مما نهيت عنه

(1/403)


أو أمرت به فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه " (1107) قال بن عيينة وأخبرني محمد بن المنكدر عن النبي بمثله مرسلا (1108) وفي هذا تثبيت الخبر عن رسول الله وإعلامهم أنه لازم لهم وإن لم يجدوا له نص حكم في كتاب الله وهو موضوع
في غير هذا الموضع (1109) أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار " أن رجلا قبل امرأته وهو صائم فوجد من ذلك وجدا شديدا فأرسل امرأته تسأل عن ذلك فدخلت على أم سلمة أم المؤمنين فأخبرتها فقالت أم سلمة إن رسول الله يقبل وهو صائم فرجعت المرأة إلى زوجها فأخبرته فزاده ذلك شرا وقال لسنا مثل رسول الله يحل الله لرسوله ما شاء فرجعت المرأة إلى

(1/404)


أم سلمة فوجدت رسول الله عندها فقال رسول الله ما بال هذه المرأة فأخبرته أم سلمة فقال ألا أخبرتيها أني أفعل ذلك فقالت أم سلمة قد اخبرتها فذهبت إلى زوجها فأخبرته فزاد ذلك شرا وقلا لسنا مثل رسول الله يحل الله لرسوله ما شاء فغضب رسول الله ثم قال والله إني لاتقاكم لله ولاعلمكم بحدوده (1110) وقد سمعت من يصل هذا الحديث ولا يحضرني ذكر من وصله

(1/405)


(1111) قال الشافعي في ذكر قول النبي صلى الله عليه " الا أخبرتيها أني أفعل ذلك " دلالة على أن خبر أم سلمة عنه مما يجوز قبوله لانه لا يأمرها بأن تخبر عن النبي إلا وفي خبرها ما تكون الحجة لمن أخبرته (1112) وهكذا خبر امرأته إن كانت من أهل الصدق عنده
(1113) أخبرنا مالك عن عبد الله بن دينار عن بن عمر قال " بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ أتاهم آت فقال إن رسول الله قد أنزل عليه قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة " (1114) وأهل قباء أهل سابقة من الانصار وفقه وقد كانوا على قبلة فرض الله عليهم استقبالا

(1/406)


(1115) الله عز وجل ولم يكن لهم أن يدعوا فرض الله في القبلة إلا بما تقوم عليهم الحجة ولم يلقوا رسول الله ولم يسمعوا ما أنزل الله عليه في تحويل القبلة فيكونون مستقبلين بكتاب الله وسنة نبيه سماعا من رسول الله ولا بخبر عامة وانتقلوا بخبر واحد إذا كان عندهم من أهل الصدق عن فرض كان عليهم فتركوه إلى ما أخبرهم عن النبي انه حدث عليهم من تحويل القبلة (1116) ولم يكونوا ليفعلوه إن شاء الله بخبر إلا عن علم بأن الحجة تثبت بمثله إذا كان من أهل الصدق

(1/407)


(1117) رضي الله تعالى عنها ولا ليحدثوا أيضا مثل هذا العظيم في دينهم إلا عن علم بأن لهم إحداثه (1118) ولا يدعون أن يخبروا رسول الله بما صنعوا منه (1119) ولو كان ما قبلوا من خبر الواحد عن رسول الله في تحويل القبلة وهو فرض مما يجوز لهم لقال لهم إن شاء الله رسول قد كنتم على قبلة ولم يكن لكم تركها
إلا بعد علم تقوم عليكم به حجة من سماعكم مني أو خبر عامة أو أكثر من خبر واحد عني (1120) أخبرنا مالك عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة

(1/408)


عن أنس بن مالك قال " كنت أسقي أبا طلحة وأبا عبيدة بن الجراح وأبي بن كعب شرابا من فضيخ وتمر فجاءهم آت فقال إن الخمر قد حرمت فقال أبو طلحة قم يا أنس إلى هذه الجرار فاكسرها فقمت إلى مهراس لنا فضربتها بأسفله حتى تكسرت " (1121) وهؤلاء في العلم والمكان من النبي وتقدم صحبته بالموضع الذي لا ينكره عالم (1122) وقد كان الشراب عندهم حلالا يشربونه فجاءهم آت وأخبرهم بتحريم الخمر فأمر أبو طلحة وهو مالك

(1/409)


الجرار بكسر الجرار ولم يقل هو ولاهم ولا واحد منهم نحن على تحليلها حتى نلقى رسول الله مع قربه منا أو يأتينا خبر عامة (1123) وذلك انهم لا يهريقون حلالا إهراقه سرف وليسوا من أهله (1124) والحال في أنهم لا يدعون إخبار رسول الله ما فعلوا ولا يدع لو كان قبلوا من خبر الواحد ليس لهم أن ينهاهم عن قبوله
(1125) وأمر رسول الله أنيسا أن يغدو على امرأة رجل ذكر أنها زنت " فإن اعترفت فارجمها " فاعترفت فرجمها (1126) وأخبرنا بذلك مالك وسفيان عن الزهري

(1/410)


عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي هريرة وزيد بن خالد وساقا عن النبي وزاد سفيان مع أبي هريرة وزيد بن خالد شبلا (1127) أخبرنا عبد العزيز عن بن الهاد عن عبد الله بن أبي سلمة عن عمرو بن سليم الزرقي عن أمه قالت " بينما

(1/411)


نحن بمنى إذ علي بن أبي طالب على جمل قول إن رسول الله يقول إن هذه أيام طعام وشراب فلا يصومن أحد فاتبع الناس وهو على جمله يصرخ فيهم بذلك (1128) ورسول الله لا يبعث بنهيه واحدا صادقا إلا لزم خبره عن النبي بصدقه عن المنهيين عن ما أخبرهم أن النبي نهى عنه (1129) ومع رسول الله الحاج وقد كان قادرا على أن يبعث إليهم فيشافههم أو يبعث إليهم عددا فبعث واحدا يعرفونه بالصدق (1130) الله تبارك وتعالى وهو لا يبعث بأمره إلا والحجة للمبعوث إليهم وعليهم قائمة بقبول خبره عن رسول الله

(1/412)


(1131) فإذا كان هكذا مع ما وصفت من مقدرة النبي على بعثه جماعة إليهم كان ذلك إن شاء الله فيمن بعده
ممن لا يمكنه ما أمكنهم وأمكن فيهم أولى ان يثبت به خبر الصادق (1132) أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عمرو بن عبد الله بن صفوان عن خال له إن شاء الله يقال له يزيد بن شيبان قال " كنا في موقف لنا بعرفة يباعده عمرو من موقف الامام جدا فأتانا بن مربع الانصاري فقال لنا أنا

(1/413)


رسول رسول الله إليكم يأمركم أن تقفوا على مشاعركم فإنكم على إرث من إرث أبيكم إبراهيم (1133) وبعث رسول الله أبا بكر واليا على الحج في سنة تسع وحضره الحج من أهل بلدان مختلفة وشعوب متفرقة فأقام لهم مناسكهم وأخبرهم عن رسول الله بما لهم وما عليهم (1134) وبعث علي بن أبي طالب في تلك السنة فقرأ عليهم في مجمعهم يوم النحر آيات من (سورة براءة) ونبذ إلى قوم على سواء وجعل لهم مددا ونهاهم عن أمور

(1/414)


(1135) فكان أبو بكر وعلي معروفين عند أهل مكة بالفضل والدين والصدق وكان من جهلهما أو أحدهما من الحاج وجد من يخبره عن صدقهما وفضلهما (1136) رسول الله ليبعث إلا واحدا الحجة قائمة بخبره على من بعثه إليه غن شاء الله (1137) وقد فرق النبي عمالا على نواحي عرفنا
أسماءهم والمواضع التي فرقهم عليها (1138) فبعث قيس بن عاصم والزبرقان بن بدر وابن نويرة إلى عشائرهم بعلمهم بصدقهم عندهم

(1/415)


(1139) رضي الله تعالى عنه وقدم عليهم وفد البحرين فعرفوا من معه فبعث معهم بن سعيد بن العاص (1140) وبعث معاذ بن جبل إلى اليمن وأمره أن يقاتل من أطاعه من عصاه ويعلمهم ما فرض الله عليهم ويأخذ منهم ما وجب عليهم لمعرفتهم بمعاذ ومكانه منهم وصدقه (1141) وكل من ولى فقد امره بأخذ ما أوجب الله علة من ولاه عليه (1142) ولم يكن لاحد عندنا في أحد مما قدم عليه من أهل

(1/416)


الصدق ان يقول أنت واحد وليس لك أن تأخذ منا ما لم نسمع رسول الله يذكر انه علينا (1143) ولا أحسبه بعثهم مشهورين في النواحي التي بعثهم إليها بالصدق إلا لما وصفت من أن تقوم بمثلهم الحجة على من بعثه إليه (1144) وفي شبيه بهذا المعنى أمراء سرايا رسول الله فقد بعث بعث مؤتة فولاه زيد بن حارثة وقال " فإن أصيب فجعفر فإن أصيب فابن رواحة " وبعث بن أنيس سرية وحده
(1145) وبعث أمراء سراياه وكلهم حاكم فيما بعثه فيه لان عليهم أن يدهبوا من لم تبلغه الدعوة ويقاتلوا من حل قتاله (1146) وكذلك كل والي بعثه أو صاحب سرية

(1/417)


(1146) ولم يزل يمكنه ان يبعث واليين وثلاثة وأربعة وأكثر (1148) وبعث في دهر واحد اثنى عشر رسولا إلى اثنى عشر ملكا يدعوهم إلى الاسلام ولم يبعثهم إلا إلى من قد بلغته الدعوة وقامت عليه الحجة فيها والا يكتب فيها دلالات لمن بعثهم إليه على أنها كتبه (1149) وقد تحرى فيهم ما تحرى في أمرائه من أن يكونوا معروفين فبعث دحية إلى الناحية التي هو فيها معروف (1150) ولو أن المبعوث إليه جهل الرسول كان عليه طلب علم أن النبي بعثه ليستبرئ شكه في خبر رسول الله وكان على الرسول الوقوف حتى يستبرئه المبعوث إليه

(1/418)


(1151) ولم تزل كتب رسول الله تنفذ إلى ولاته بالامر والنهي ولم يكن لاحد من ولاته ترك إنفاذ أمره ولم يكن ليبعث رسولا إلا صادقا عند من بعثه إليه (1152) وإذا طلب المبعوث إليه علم صدقه وجده
حيث هو (1153) ولو شك في كتابه بتغيير في الكتاب أو حال تدل على تهمة من غفلة رسول الله حمل الكتاب كان عليه أن يطلب علم ما شك فيه حتى ينفذ ما يثبت عنده من أمر رسول الله (1154) وهكذا كانت كتب خلفائه بعده وعمالهم وما أجمع المسلمون عليه من أن يكون الخليفة واحدا والقاضي واحد والامير واحد والامام (1155) فاستخلفوا أبا بكر ثم استخلف أبو بكر عمر

(1/419)


ثم عمر أهل الشورى ليختاروا واحدا فاختار عبد الرحمن عثمان بن عفان (1156) قال والولاة من القضاة وغيرهم يقضون فتنفذ أحكامهم ويقيمون الحدود وينفذ من بعدهم أحكامهم وأحكامهم أخبار عنهم (1157) ففيما وصفت من سنة رسول الله ثم ما أجمع المسلمون عليه منه دلالة على فرق بين الشهادة والخبر والحكم (1158) ألا ترى أن قضاء القاضي على الرجل للرجل إنما هو خبر يخبر به عن بينة تثبت عنده أو إقرار من خصم به أقر عنده

(1/420)


وأنفذ الحكم فيه فلما كان يلزمه بخبره أن ينفذه بعلمه كان في معنى المخبر بحلال وحرام قد لزمه ان يحله ويحرمه بما شهد منه (1159) ولو كان القاضي المخبر عن شهود شهدوا عنده على
رجل لم يحاكم إليه أو إقرار من خصم لا يلزمه ان يحكم به لمعنى أن لم يخاصم إليه أو أنه ممن يخاصم إلى غيره فحكم بينه وبين خصمه ما يلزم شاهدا يشهد على رجل أن يأخذ منه ما شهد به عليه لمن شهد له به كان في معنى شاهد عند غيره فلم يقبل قاضيا كان أو غيره إلا بشاهد معه كما لو شهد عند غيره لم يقبله إلا بشاهد وطلب معه غيره ولم يكن لغيره إذا كان شاهدا أن ينفذ شهادته وحده

(1/421)


(1160) أخبرنا سفيان وعبد الوهاب عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب أن عمر بن الخطاب قضى في الابهام بخمس عشرة وفي التي تليها بعشر وفي الوسطى بعشر وفي التي تلي الخنصر بتسع وفي الخنصر بست (1161) قال الشافعي لما كان معروفا والله أعلم عند عمر أن النبي قضى في اليد بخمسين وكانت اليد خمسة أطراف مختلفة الجمال والمنافع نزلها منازلها فحكم لكل واحد من الاطراف بقدره من دية الكف فهذا قياس على الخبر (1162) فلما وجدنا كتاب آل عمرو بن حزم فيه أن رسول الله قال " وفي كل إصبع مما هنالك عشر من الابل " صاروا إليه (1163) ولم يقبلوا كتاب آل عمرو بن حزم والله أعلم

(1/422)


حتى يثبت لهم أنه كتاب رسول الله
(1164) وفي الحديث دلالتان أحدهما قبول الخبر والآخر ان يقبل الخبر في الوقت الذي يثبت فيه وإن لم يمضي عمل من الائمة بمثل الخبر الذي قبلوا

(1/423)


(1165) ودلالة على انه مضى أيضا عمل من أحد من الائمة ثم وجد خبرا عن النبي يخالف عمله لترك عمله لخبر رسول الله (1166) ودلالة على ان حديث رسول الله يثبت نفسه لا بعمل غيره بعده (1167) ولم يقل المسلمون قد عمل فينا عمر بخلاف هذا بين المهاجرين والانصار ولم تذكروا أنتم أن عندكم خلافه ولا غيركم بل صاروا إلى ما وجب عليهم من قبول الخبر عن رسول الله وترك كل عمل خالفه (1168) ولو بلغ عمر هذا صار إليه إن شاء الله كما صار إلى غيره فيما بلغه عن رسول الله بتقواه الله وتأديته الواجب عليه في اتباع أمر رسول الله وعلمه وبان ليس لاحد مع رسول الله

(1/424)


أمر وأن طاعة الله في اتباع أمر رسول الله (1169) فإن قال قائل فادللني على أن عمر عمل شيئا ثم صار إلى غيره بخبر عن رسول الله (1170) قلت فإن أوجدتكه
(1171) قال ففي إيجادك إياي ذلك دليل على أمرين أحدهما أنه قد يقول من جهة الرأي إذا لم توجد سنة والآخر أن السنة إذا وجدت وجب عليه ترك عمل نفسه ووجب على الناس ترك كل عمل وجدت السنة بخلافه وإبطال ان السنة لا تثبت إلا بخبر بعدها

(1/425)


وعلم انه لا يوهنها شئ غن خالفها (1172) قلت أخبرنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب " ان عمر بن الخطاب كان يقول الدية للعاقلة ولا ترث المراة من دية زوجها شيئا حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول الله كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من ديته فرجع إليه عمر " (1173) وقد فسرت هذا الحديث قبل هذا الموضع (1174) سفيان عن عمرو بن دينار وابن طاوس عن

(1/426)


طاوس " أن عمر قال أذكر الله امرأ سمع من النبي في الجنين شيئا فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال كنت بين جارتين لي يعني ضرتين فضربت إحداهما الاخرى بمسطح فألقت جنينا ميتا فقضى فيه رسول الله بغرة فقال عمر لو لم أسمع فيه لقضينا بغيره " (1175) وقال غيره إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا

(1/427)


(1176) فقد رجع عمر عما كان يقضي به لحديث الضحاك إلى أن خالف حكم نفسه وأخبر في الجنين أنه لو لم يسمع هذا لقضى فيه بغيره وقال إن كدنا أن نقضي في مثل هذا برأينا (1177) قال الشافعي يخبر والله أعلم أن السمنة إذا كانت موجودة بأن في النفس مائة من الابل فلا يعدو الجنين أن يكون حيا فيكون فيه مائة من الابل أو ميتا فلا شئ فيه (1178) فلما أخبر بقضاء رسول الله فيه سلم له ولم يجعل لنفسه إلا اتباعه فيما مضى بخلافه وفيما كان رأيا منه لم يبلغه عن رسول الله فيه شئ فلما بلغه خلاف فعله صار إلى حكم رسول الله

(1/428)


وترك حكم نفسه وكذلك كان في كل أمره (1179) وكذلك يلزم الناس ان يكونوا (1180) أخبرنا مالك عن بن شهاب عن سالم أن عمر بن الخطاب إنما رجع بالناس عن خبر عبد الرحمن بن عوف (1181) قال الشافعي يعني حين خرج إلى الشام فبلغه وقوع الطاعون بها

(1/429)


(1182) مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه " أن عمر ذكر المجوس فقال ما أدري كيف أصنع في أمرهم فقال له عبد الرحمن بن عوف أشهد لسمعت رسول الله يقول " سنوا بهم سنة أهل الكتاب "
(1183) سفيان عن عمرو انه سمع بجالة يقول " ولم

(1/430)


يكن عمر أخذ الجزية حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن النبي أخذها من مجوس هجر " (1184) قال الشافعي وكل حديث كتبته منقطعا فقد سمعته متصلا أو مشهورا عن من روى عنه بنقل عامة من أهل العلم يعرفونه عن عامة وكلن كرهت وضع حديث لا أتقنه حفظا وغاب عني بعض كتبي وتحققت بما يعرفه أهل العلم مما حفظت فاختصرت خوف طول كتابي فأتيت ببعض ما فيه الكفاية دون تقصي العلم في كل أمره (1185) فقبل عمر خبر عبد الرحمن بن عوف في المجوس فأخذ منهم وهو يتلو القرآن (من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون) ويقرأ القرآن بقتال الكافرين حتى يسلموا وهو لا يعرف فيهم عن النبي شيئا وهم عنده من الكافرين غير أهل الكتاب فقبل خبر عبد الرحمن في المجوس عن النبي فاتبعه

(1/431)


وحديث بجالة موصول قد أدرك عمر بن الخطاب رجلا وكان كاتبا لبعض ولاته (1187) فإن قال قائل قد طلب عمر مع رجل أخبره خبرا آخر (1188) قيل له لا يطلب عمر مع رجل أخبره آخر إلا على أحد ثلاث معاني

(1/432)


(1189) إما أن يحتاط فيكون وإن كانت الحجة تثبت يخبر الواحد فخبر اثنين أكثر وهو لا يزيدها إلا ثبوتا (1190) وقد رأيت ممن أثبت خبر الواحد من يطلب معه خبرا ثانيا ويكون في يده السنة من رسول الله من خمس وجوه فيحدث بسادس فيكتبه لان الاخبار كما تواترت وتظاهرت كان أثبت للحجة وأطيب لنفس السامع (1191) وقد رأيت من الحكام من يثبت عنده الشاهدان العدلان والثلاثة فيقول للمشهود له زدني شهودا وإنما يريد بذلك أن يكون أطيب لنفسه ولو لم يرده المشهود له على شاهدين لحكم له بهما (1192) ويحتمل أن يكون لم يعرف المخبر فيقف عن خبره حتى يأتي مخبر يعرفه

(1/433)


(1193) وهكذا ممن أخبر ممن لا يعرف لم يقبل خبره ولا يقبل الخبر إلا عن معروف بالاستئهال له لان يقبل خبره (1194) ويحتمل أن يكون المخبر له غير مقبول القول عنده فيرد خبره حتى يجد غيره ممن يقبل قوله (1195) فإن قال قائل فإلى أي المعاني ذهل عندكم عمر (1196) الله تعالى قلنا أما في خبر أبي موسى فإلى الاحتياط لان أبا موسى ثقة أمين عنده إن شاء الله (1197) فإن قال قائل ما دل على ذلك
(1198) قلنا قد رواه مالك بن أنس عن ربيعة عن غير

(1/434)


واحد من علمائهم حديث أبي موسى وأن عمر قال لابي موسى وأما إني لم أتهمك ولكن خشيت أن يتقول الناس على رسول الله (1199) فإن قال هذا منقطع (1200) فالحجة فيه ثابتة لانه لا يجوز على إمام في الدين عمر ولا غيره أن يقبل خبر الواحد مرة وقبوله له لا يكون إلا بما تقوم به الحجة عنده ثم يرد مثله أخرى ولا يجوز هذا على عالم عاقل أبدا ولا يجوز على حاكم أن يقضي بشاهدين مرة ويمنع بهما أخرى إلا من جهة جرحهما أو الجهالة بعدلهما وعمر غاية في العلم واعقل والامانة والفضل (1201) وفي كتاب الله تبارك وتعالى دليل على ما وصفت

(1/435)


(1202) قال الله (إنا أرسلنا نوحا إلى قومه) (1203) وقال (ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه (1204) وقال (وأوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل) (1205) وقال (وإلى عاد أخاهم هودا) (1206) وقال (وإلى ثمود أخاهم صالحا) (1207) وقال (وإلى مدين أخاهم شعيبا) (1208) وقال (كذبت قوم لوط المرسلين إذ قال لهم أخوهم لوط ألا تتقون إني لكم رسول مبين فاتقوا الله وأطيعون)
(1209) وقال لنبيه محمد صلى الله عليه (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح) (1210) وقال (وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل)

(1/436)


(1211) فأقام جل ثناؤه حجته على خلقه في أنبيائه في الاعلام التي باينوا بها خلقه سواهم وكانت الحجة بها ومن بعدهم وكان الواحد في ذلك وأكثر منه سواء تقوم الحجة بالواحد منهم قياما بالاكثر (1212) قال (واضرب لهم مثلا أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون إذ أرسلنا إليهم اثنين فكذبوهما فعززنا بثالث فقالوا إنا إليكم مرسلون قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شئ إن أنتم إلا تكذبون) (1213) قال الشافعي فظاهر الحجج عليهم باثنين ثم ثالث وكذا أقام الحجة على الامم بواحد وليس الزيادة في

(1/437)


التأكيد مانعة أن تقوم الحجة بالواحد إذ أعطاه ما يباين به الخلق غير النبيين (1114) أخبرنا مالك عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن عمته زينب بنت كعب أن الفريعة بنت مالك بن سنان أخبرتها " انها جاءت إلى النبي تسأله أن ترجع إلى أهلها في بني خدرة فإن زوجها خرج في طلب أعبد له حتى إذا كان
بطرف القدوم لحقهم فقتلوه فسالت رسول الله أن أرجع إلى أهلي فإن زوجي لم يتركني في مسكن يملكه قالت فقال رسول الله نعم فانصرفت حتى إذا كنت في الحجرة أو في المسجد دعاني أو أمر بي فدعيت له فقال كيف قلت فرددت عليه القصة التي

(1/438)


ذكرت له من شأن زوجي فقال لي امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله قالت فاعتددت فيه أربعة أشهرا وعشرا فلما كان عثمان أرسل إلي فسألني عن ذلك فأخبرته فاتبعه وقضى به " (1215) صلى الله عليه وسلم وعثمان في إمامته وعلمه يقضي بخبر امرأة بين المهاجرين والانصار (1216) أخبرنا مسلم عن بن جريج قال أخبرني الحسن

(1/439)


بن مسلم عن طاوس قال " كنت مع بن عباس إذ قال له زيد بن ثابت أتفتي أن تصدر الحائض قبل أن يكون آخر عهدها بالبيت فقال له بن عباس إما لي فسئل فلانة الانصارية

(1/440)


هل أمرها بذلك النبي فرجع زيد بن ثابت يضحك ويقول ما أراك إلا قد صدقت " (1217) رحمه الله قال الشافعي سمع زيد النهي أن يصدر أحد من الحاج حتى يكون آخر عهده بالبيت وكانت الحائض عنده من الحاج الداخلين في ذلك النهي فلما أفتاها بن عباس بالصدر إذا كانت قد زارت بعد النحر انكر عليه زيد فلما
أخبره عن المرأة أن رسول الله أمرها بذلك فسألها فأخبرته

(1/441)


فصدق المرأة ورأى عليه حقا أن يرجع عن خلاف بن عباس وما لابن عباس حجة غير خبر المرأة (1218) سفيان عن عمرو عن سعيد بن جبير قال " قلت لابن عباس إن نوف البكالي يزعم أن موسى صاحب الخضر ليس موسى بني إسرائيل فقال بن عباس كذب عدو الله أخبرني أبي بن كعب قال خطبنا رسول الله ثم ذكر حديث موسى والخضر بشئ يدل على أن موسى صاحب الخضر (1219) فابن عباس مع فقهه وورعه يثبت خبر أبي

(1/442)


بن كعب عن رسول الله حتى يكذب به امرأ من المسلمين إذ حدثه أبي بن كعب عن رسول الله بما فيه دلالة على أن موسى بني اسرائيل صاحب الخضر (1220) أخبرنا مسلم وعبد المجيد عن بن جريج أن طاوسا أخبره " أنه سأل بن عباس عن الركعتين بعد العصر فنهاه عنهما قال طاوس فقلت له ما أدعهما فقال بن عباس (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا) "

(1/443)


(1221) فرأى بن عباس الحجة قائمة على طاوس بخبره
عن النبي ودله بتلاوة كتاب الله على أن فرضا عليه أن لا تكون له الخيرة إذا قضى الله ورسوله أمرا (1222) وطاوس حينئذ إنما يعلم قضاء رسول الله بخبر بن عباس وحده ولم يدفعه طاوس بأن يقول هذا خبرك وحدك فلا أثبته عن النبي لانه يمكن أن تنسى (1223) فإن قال قائل كره أن يقول هذا لابن عباس (1224) فابن عباس أفضل من أن يتوقى أحد أن يقول له حقا رآه وقد نهاه عن الركعتين بعد العصر فأخبره أنه لا يدعهما

(1/444)


قبل أن يعلمه أن النبي نهى عنهما (1225) سفيان عن عمرو عن بن عمر قال " كنا نخابر ولا نرى بذلك بأسا حتى زعم رافع أن رسول الله نهى عنها فتركناها من أجل ذلك " (1226) فابن عمر قد كان ينتفع بالمخابرة ويراها حلالا ولم يتوسع إذ أخبره واحد لا يتهمه عن رسول الله أنه نهى عنها أن يخابر بعد خبره ولا يستعمل رأيه مع ما جاء عن رسول الله ولا يقول ما عاب هذا علينا أحد ونحن نعمل به إلى اليوم

(1/445)


(1227) وفي هذا ما يبين أن العمل بالشيئ بعد النبي إذا لم يكن بخبر عن النبي لم يوهن الخبر عن النبي عليه السلام (1228) أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار " أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب أو ورق بأكثر من وزنها فقال له أبو الدرداء سمعت رسول الله ينهى
عن مثل هذا فقال معاوية ما أرى بهذا بأسا فقال أبو الدرداء من يعذرني من معاوية أخبره عن رسول الله ويخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض "

(1/446)


(1229) فرأى أبو الدرداء الحجة تقوم على معاوية بخبره ولما لم ير ذلك معاوية فارق أبو الدرداء الارض التي هو بها إعظاما لان ترك خبر ثقة عن النبي ز (1230) وأخبرنا أن أبا سعيد الخدري لقي رجلا فأخبره عن رسول الله شيئا فذكر الرجل خبرا يخالفه فقال أبو سعيد والله لا آواني وإياك سقف بيت أبدا (1231) قال الشافعي يرى أن ضيفا على المخبر أن لا يقبل خبره وقد ذكر خبرا يخالف خبر أبا سعيد عن النبي ولكن في خبره وجهان أحدهما يحتمل به خلاف خبر أبي سعيد والآخر لا يحتمله

(1/447)


(1232) أخبرنا من لا أتهم عن بن أبي ذئب عن مخلد بن خفاف قال " ابتعت غلاما فاستغللته ثم ظهرت منه على عيب فخاصمت فيه إلى عمر بن عبد العزيز فقضى لي برده وقضى علي برد غلته فأتيت عروة فأخبرته فقال أروح عليه العشية فأخبره أن عائشة أخبرتني ان رسول الله قضى في مثل هذا أن الخراج بالضمان فعجلت إلى عمر فأخبرته ما أخبرني عروة عن عائشة عن النبي فقال عمر فما أيسر علي قضاء قضيته الله يعلم أني
لم أرد فيه إلا الحق فبلغتني فيه سنة رسول الله فارد قضاء عمر

(1/448)


وأنفذ سنة رسول الله فراح إليه عروة فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به علي له "

(1/449)


(1233) أخبرني من لا أتهم من أهل المدينة عن بن أبي ذئب قال قضى سعد ب ن إبراهيم على رجل بقضية برأي ربيعة بن أبي عبد الرحمن فأخبرته عن النبي بخلاف ما قضى به فقال سعد لربيعة هذا بن أبي ذئب وهو عندي ثقة يخبرني عن النبي بخلاف ما قضيت به فقال له ربيعة قد اجتهدت ومضى حكمك فقال سعد واعجبا أنفذ قضاء سعد بن أم سعد وأرد قضاء رسول الله بل أرد قضاء سعد بن أم سعد وأنفذ قضاء رسول الله فدعا سعد بكتاب القضية فشقه وقضى للمقضي عليه (1234) قال الشافعي أخبرني أبو حنيفة بن سماك بن الفضل الشهابي قال حدثني بن أبي ذئب عن المقبري عن بن شريح

(1/450)


الكعبي أن النبي قال عام الفتح من قتل له قتيل فهو بخير النظرين إن أحب أخذ العقل وإن أحب فله القود " قال أبو حنيفة فقلت لابن أبي ذئب أتأخذ بهذا يا أبا الحارث فضرب صدري وصاح علي صياحا كثيرا ونال مني وقال أحدثك عن رسول الله وتقول تأخذ به نعم آخذ به وذلك الفرض علي وعلى من سمعه إن الله اختار محمدا من الناس فهداهم به وعلى يديه واختار لهم ما اختار له وعلى لسانه فعلى الخلق أن يتبعوه طائعين أو
داخرين لا مخرج لمسلم من ذلك قال وما سكت حتى تمنيت أن يسكت

(1/452)


(1235) قال وفي تثبيت خبر الواحد أحاديث يكفي بعض هذا منها (1236) ولم يزل سبيل سلفنا والقرون بعدهم إلى من شاهدنا هذا السبيل (1237) وكذلك حكي لنا عمن حكي لنا عنه من أهل العلم بالبلدان (1238) قال الشافعي وجدنا سعيد بالمدينة يقول أخبرني أبو سعيد الخدري عن النبي بالصرف فيثبت حديثه سنة ويقول حدثني أبو هريرة عن النبي فيثبت حديثه سنة ويروي عن الواحد غيرهما فيثبت حديثه سنة (1239) ووجدنا عروة يقول حدثتني عائشة " أن رسول الله قضى أن الخراج بالضمان " فيثبته سنة ويروي عنها عن النبي شيئا كثيرا فيثبتها سننا يحل بها ويحرم

(1/453)


(1240) وكذلك وجدناه يقول حدثني أسامة بن زيد عن النبي ويقول حدثني عبد الله بن عرم عن النبي وغيرهما فيثبت خبر كل واحد منهما على الانفراد سنة (1241) ثم وجدناه أيضا يصير إلى أن يقول حدثني عبد الرحمن بن عبد القارئ عن عمر ويقول حدثني يحيى
بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه عن عمر ويثبت كل واحد من هذا خبر عن عمر (1242) ووجدنا القاسم بن محمد يقول حدثتني عائشة عن النبي ويقول في حديث غيره حدثني بن عمر عن النبي ويثبت خبر كحل واحد منهما على الانفراد سنة (1243) ويقول حدثني عبد الرحمن ومجمع ابنا يزيد بن جارية عن خنساء بنت خدام عن النبي فيثبت خبرها سنة وهو خبر امرأة واحدة

(1/454)


(1244) ووجدنا علي بن حسين يقول أخبرنا عمرو بن عثمان عن أسامة بن زيد أن النبي قال لا يرث المسلم الكافر " فيثبتها سنة ويثبتها الناس بخبره سنة (1245) ووجدنا كذلك محمد بن علي بن حسين يخبر عن جابر عن النبي وعن عبيد الله بن أبي رافع عن أبي هريرة عن النبي فيثبت كل ذلك سنة (1246) ووجدنا محمد بن جبير بن مطعم ونافع بن جبير بن مطعم ويزيد بن طلحة بن ركانة ومحمد بن طلحة بن ركانة ونافع بن عجير بن عبد يزيد وأبا أسامة بن عبد الرحمن وحميد

(1/455)


عبد الرحمن وطلحة بن عبد الله بن عوف ومصعب بن سعد بن أبي وقاص وإبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف وخارجة بن زيد بن ثابت وعبد الرحمن بن كعب بن مالك وعبد الله بن أبي
قتادة وسليمان بن يسار وعطاء بن يسار وغيرهم من محدثي أهل المدينة كلهم يقول حدثني فلان لرجل من أصحاب النبي عن النببي أو من التابعين عن رجل من أصحاب النبي فثبت ذلك سنة (1247) ووجدنا عطاء وطاوس ومجاهد وابن أبي مليكة وعكرمة بن خالد وعبيد الله بن أبي يزيد وعبد الله بن باباه وابن أبي عمار ومحدثي المكيين ووجدنا

(1/456)


وهب بن منبه هكذا ومكحول بالشام وعبد الرحمن بن غنم والحسن وابن سيرين بالبصرة والاسود وعلقمة والشعبي بالكوفة ومحدثي الناس وأعلامهم بالامصار كلهم بحفظ عنه تثبيت خبر الواحد عن رسول الله والانتهاء إليه والافتاء به ويقبله كل واحد منهم عن من فوقه وقبله عنه من تحته (1248) ولو جاز لاحد من الناس أن يقول في علم الخاصة أحمع المسلمون قديما وحديثا على تثبيت خبر الواحد والانتهاء إليه بأنه لم يعلم من فقهاء المسلمين أحد إلا وقد ثبته جاز لي (1249) ولكن أقول لم أحفظ عن فقهاء المسلمين

(1/457)


انهم اختلفوا في تثبيت خبر الواحد بما وصفت من أن ذلك موجودا على كلهم (1250) قال فإن شبه على رجل بأن يقول قد روي
عن النبي حديث كذا وحديث كذا وكان فلان يقول قولا يخالف ذلك الحديث (1251) فلا يجوز عندي عن عالم أن يثبت خبر واحد كثيرا ويحل به ويحرم ويرد مثله إلا من جهة أن يكون عنده حديث يخالفه أو يكون ما سمع من سمع منه أوثق عنده ممن حدثه خلافه أو يكون من حدثه ليس بحافظ أو يكون متهما عنده أو يتهم من فوقه ممن حدثه أو يكون الحديث محتملا

(1/458)


معنيين فيتأول فيذهب إلى أحدهما دون الآخر (1252) فأما أن يتوهم متوهم أن فقيها عاقلا يثبت سنة بخبر واحد مرة ومرارا ثم يدعها بخبر مثله وأوثق بلا واحد من هذه الوجوه التي تشبه بالتأويل كما شبه على المتأولين في القرآن وتهمة المخبر أو علم يخبر خلافه فلا يجوز إن شاء الله (1253) فإن قال قائل قل فقيه في بلد إلا وقد روى كثيرا يأخذ به وقليلا يتركه (1254) فلا يجوز عليه إلا من الوجه الذي وصفت

(1/459)


ومن أن يروي عن رجل من التابعين أو من دونهم قولا لا يلزمه الاخذ به فيكون إنما رواه لمعرفة قوله لا لانه حجة عليه وافقه أو خالفه (1255) فإن لم يسلك واحد من هذه السبل فيعذر ببعضها
فقد أخذ خطأ لا عذر فيه عندنا والله أعلم (1256) فإن قال قائل هل يفترق معنى قولك " حجة " (1257) قيل له إن شاء الله نعم (1258) فإن قال فأبن ذلك (1259) قلنا أما ما كان نص كتاب بين أو سنة مجتمع عليها فيها مقطوع ولا يسع الشك في واحد منهما ومن امتنع من قبوله استتيب

(1/460)


(1260) فاما ما كان من سنة من خبر الخاصة الذي يختلف الخبر فيه فيكون الخبر محتملا للتأويل وجاء الخبر فيه من طريق الانفراد فالحجة فيه عندي أن يلزم العالمين حي لا يكون لهم رد ما كان منصوصا منه كما يلزمهم أن يقبلوا شهادة العدول لا أن ذلك إحاطة كما يمون نص الكتاب وخبر العامة عن رسول الله (1261) ولو شك في هذا شاك لم نقل له تب وقلنا ليس لك إن كنت عالمنا أن تشك كما ليس لك الا ان تقضي بشهادة الشهود العدول وإن أمكن فيهم الغلط ولكن تقضي بذلك على الظاهر من صدقهم والله ولي ما غاب عنك منهم (1262) فقال فهل تقوم بالحديث المنقطع حجة على من علمه وهل يختلف المنقطع أو هو وغيره سواء (1263) قال الشافعي فقلت له المنقطع مختلف (1264) الرب عز وجل فمن شاهد أصحاب رسول الله من التابعين فحدث
حديثا منقطعا عن النبي اعتبر عليه بأمور

(1/461)


(1265) منها أن ينظر إلى ما أرسل من الحديث فإن شركه فيه الحفاظ المأمونون فأسندوه إلى رسول الله بمثل معنى ما روى كانت هذه دلالة على صحة من قبل عنه وحفظه (1266) وأن انفرد بإرسال حديث لم يشركه فيه من يسنده قبل ما يفرد به من ذلك (1267) ويعتبر عليه بأن ينظر هل يوافقه مرسل غيره ممن قبل العلم عنه من غير رجاله الذين قبل عنهم (1268) فإن وجد ذلك كانت دلالة يقوي به مرسله وهي أضعف من الاولى (1269) وإن لم يوجد ذلك نظر إلى بعض ما يروى عن بعض أصحاب رسول الله قولا له فإن وجد يوافق ما روى عن

(1/462)


رسول الله كانت هذه دلالة على أنه لم يأخذ مرسله الا عن أصل يصح إن شاء الله (1270) وكذلك ان وجد عوام من أهل العلم يفتنون بمثل معنى ما روى عن النبي (1271) قال الشافعي ثم يعتبر عليه بأن يكون إذا سمى من روى عنه لم يسمي مجهولا ولا مرغوبا عن الرواية عنه فيستدل بذلك على صحته فيما روى عنه (1272) ويكون إذا شرك أحدا من الحفاظ في حديث لم يخالفه فإن خالفه وجد حديثه أنقص كانت في هذه دلائل
على صحة مخرج حديثه

(1/463)


(1273) ومتى ما خالف ما وصفت أضر بحديثه حتى لا سيع أحدا منهم قبول مرسله (1274) قال وإذا وجدت الدلائل بصحة حديث بما وصفت أحببنا أن نقبل مرسله (1275) ولا نستطيع أن نزعم أن الحجة تثبت به ثبوتها بالموتصل (1276) وذلك ان معنى المنقطع مغيب محتمل أن يكون حمل عن من يرغب عن الرواية عنه إذا سمى وإن بعض المنقطعات وان وافقه مرسل مثله فقد يحتمل أن يكون مخرجها واحدا من حيث لو سمى لم يقبل وأن قول بعض أصحاب النبي إذا قال برأيه لو وافقه يدل على صحة مخرج الحديث دلالة قوية إذا نظر فيها

(1/464)


ويمكن أن يكون انما غلط به حين سمع قول بعض أصحاب النبي يوافقه ويحتمل مثل هذا فيمن وافقه من بعض الفقهاء (1277) فأما من بعد كبار التابعين الذين كثرت مشاهدتهم لبعض أصحاب رسول الله فلا أعلمن منهم واحدا يقبل مرسله لامور أحدها أنهم أشد تجاوزا فيمن يروون عنه والآخر أنهم يوجد عليهم الدلائل فيما أرسلوا بضعف مخرجه والآخر كثرة الاحالة كان أمكن للوهم وضعف من يقبل عنه

(1/465)


(1278) وقد خبرت بعض من خبرت من أهل العلم فرأيتهم أتوا من خصلة وضدها (1279) رأيت الرجل يقنع بيسير العلم ويريد إلا أن يكون مستفيدا إلا من جهة قد يتركه من مثلها أو أرجح فيكون من أهل التقصير في العلم (1280) ورأيت من عاب هذه السبيل ورغب في التوسع في العلم من دعاه ذلك إلى قبول عن من لو أمسك عن القبول عنه كان خيرا له (1281) رضي الله تعالى عنه ورأيت الغفلة قد تدخل على أكثرهم فيقبل عن من يرد مثله وخيرا منه (1282) ويدخل عليه فيقبل عن من يعرف ضعفه إذا وافق قولا يقوله ويرد حديث الثقة إذا خالف قولا يقوله (1283) ويدخل على بعضهم من من جهات

(1/466)


(1284) ومن نظر في العلم بخبرة وقلة غفلة استوحش من مرسل كل من دون كبار التابعين بدلائل ظاهرة فيها (1285) قال فلم فرقت بين التابعين المتقديمن الذين شاهدوا أصحاب رسول الله وبين من شاهد بعضم دون بعض (1286) فقلت لبعد إحالة من لم يشاهد أكثرهم (1287) قال فلم لم تقبل المرسل منهم ومن كل فقيه دونهم (1288) قلت ولم وصفت (1289) قال وهل تجد حديثا تبلغ به رسول الله
مرسلا عن ثقة لم يقل أحدا من أهل الفقه به (1290) قلت نعم أخبرنا سفيان عن محمد بن المنكدر أن رجلا جاء إلى النبي فقال يا رسول الله ان لي مالا وعيالا وان لابي مالا وعيالا وانه يريد ان يأخذ مالي فيطعمه عياله فقال رسول الله أنت ومالك لابيك

(1/467)


(1291) فقال أما نحن فلا نأخذ بهذا ولكن من أصحابك من يأخذ به (1292) فقلت لا لان من أخذ بهذا جعل للاب الموسر أن يأخذ مال ابنه (1293) قال أجل وما يقول بهذا أحد فلم خالف الناس (1294) قال لانه لا يثبت عن النبي وأن والله لما فرض للاب ميراثه من ابنه فجعله كوارث غيره فقد يكون أقل حظا من كثير من الورثة دل ذلك على أن ابنه مالك للمال دونه (1295) قال فمحمد بن المنكدر عندكم غاية في الثقة (1296) قلت أجل والفضل في الدين والورع ولكنا لا ندري عن من قبل هذا الحديث (1297) وقد وصفت لك الشاهدين العدلين يشهدان على

(1/468)


الرجل فلا تقبل شهادتهما حتى يعدلاهما أو يعدلهما غيرهما (1298) قال فتذكر من حديثكم مثل هذا (1299) قلت نعم أخبرنا الثقة عن مثل أبي ذئب عن
بن شهاب أن رسول الله أمر رجلا ضحك في الصلاة أن يعيد الوضوء والصلاة (1300) فلم نقبل هذا لانه مرسل (1301) ثم أخبرنا الثقة عن معمر عن بن شهاب عن سليمان بن أرقم عن الحسن عن النبي بهذا الحديث (1302) وابن شهاب عندنا إمام في الحديث والتخيير وثقة الرجال انما يسمي بعض أصحاب النبي ثم خيار التابعين ولا نعلم محدثا يسمي أفضل ولا أشهر ممن يحدث عنه بن شهاب (1303) قال فإني تراه أتى في قبوله عن سليمان بن أرقم

(1/469)


(1304) رآه رجل من أهل المروءة والعقل فقبل عنه وأحسن الظن به فسكت عن اسمه اما لانه أصغر منه وإما لغير ذلك وسأله معمر عن حديثه عنه فأسنده له (1305) فلما أمكن في أن شهاب أن يكون يروي عن سليمان مع ما وصفت به بن شهاب لم يؤمن مثل هذا على غيره (1306) قال فهل تجد لرسول الله سنة ثابته من جهة الاتصال خالفها الناس كلهم (1307) قلت لا ولكن قد أجد الناس مختلفين فيها منهم من يقول بها ومنهم من يقول بخلافها فأما ينة يكونون مجتمعين على القول بخلافها فلم أجدها قط كما وجدت المرسل عن رسول الله
(1308) قال الشافعي وقلت له أنت تسأل عن الحجة

(1/470)


في رد المرسل وترد ثم تجاوز فترد المسند الذي يلزمك عندنا الاخذ به باب الاجماع (1309) قال الشافعي فقال لي قائل قد فهمت مذهبك في أحكام الله ثم أحكام رسوله وأن من قبل عن رسول الله فعن الله قبل بان افترض طاعة رسوله وقمت الحجة بما قلت بأن لا يحل لمسلم علم كتابا ولا سنة أين يقول بخلاف واحد منهما وعلمت أن هذا فرض الله فما حجتك في أن تتبع ما اجتمع الناس عليه مما ليس فيه نص حكم لله ولم يحكوه عن النبي أتزعم ما يقول غيرك أن إجماعهم لا يكون أبدا إلا على سنة ثابتة وإن لم يحكوها

(1/471)


(1310) قال فقلت له أما اجتمعوا عليه فذكروا أنه حكاية عن رسول الله إن شاء الله (1311) وأما ما لم يحكوه فاحتمل أن يكون قالوا حكاية عن رسول الله واحتمل غيره ولا يجوز أن نعده له حكاية لانه لا يجوز أن يحكي إلا مسموعا ولا يجوز أن يحكي شيئا يتوهم يمكن فيه غير ما قال (1312) فكنا نقول بما قالوا به اتباعا لهم ونعلم أنهم إذا كانت سنن رسول الله لا تعزب عن عامتهم وقد تعزب عن
بعضهم ونعلم أن عامتهم لا تجتمع على خلاف لسنة رسول الله ولا عللا خطأ إن شاء الله

(1/472)


(1313) فإن قال فهل من شئ يدل على ذلك وتشده به (1314) قيل أخبرنا سفيان عن عبد الملك بن عمير عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه أن رسول الله قال " نصر الله عبدا " (1315) أخبرنا سفيان عن عبد الله بن أبي لبيد عن بن سليمان بن يسار عن أبيه " أن عمر بن الخطاب خطب الناس

(1/473)


بالجابية فقال إن رسول الله قام الله فينا كمقامي فيكم فقال أكرموا أصحابي ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ثم يظهر الكذب حتى إن الرجل ليحلف ولا يستحلف ويشهد ولا يستشهد ألا فمن سره بحبحة الجنة فليلزم الجماعة فإن الشيطان مع الفذ وهو من الاثنين أبعد ولا يخلون رجل بامرأة فإن الشيطان ثالثهم ومن سرته حسنته وساءته سيئته فهو مؤمن "

(1/474)


(1316) قال فما معنى أمر النبي بلزوم وجماعتهم (1317) قلت لا معنى له إلا واحد (1318) قال فكيف لا يحتمل إلا واحدا (1319) قلت إذا كانت جماعتهم متفرقة في البلدان فلا
يقدر أحد أن يلزم جماعة وأبدان قوم متفرقين وقد وجدت الابدان تكون مجتمعة من المسلمين والكافرين والاتقياء والفجار فلم يكن في لزوم الابدان معنى لانه لا يمكن ولان اجتماع الابدان لا يصنع شيئا فلم يكن للزوم جماعتهم معنى إلا عليهم جماعتهم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما (1320) ومن قال بما تقول به جماعة المسلمين فقد لزم جماعتهم ومن خالف ما تقول به جماعة المسلمين فقد خالف جماعتهم التي أمر

(1/475)


بلزومها وإنما تكون الغفلة في الفرقة فأما الجماعة فلا يمكن فيها كافة غفلة عن معنة كتاب ولا سنة ولا قياس إن شاء الله القياس (1321) قال فمن أين قلت يقال بالقياس فيما لا كتاب فيه ولا سنة ولا إجماع أفالقياس نص خبر لازم (1322) قلت لو كان القياس نص كتاب أو سنة قيل في كل ما كان نص كتاب " هذا حكم الله " وفي كل ما كان

(1/476)


نص السنة " هذا حكم رسول الله " ولم نقل له " قياس " (1323) قال فما القياس أهو الاجتهاد أم هما متفرقان (1324) قلت هما اسمان لمعنى واحد (1325) قال فما جماعهما (1326) قلت كل ما نزل بمسلم فقيه حكم لازم أو على سبيل
الحق فيه دلالة موجودة وعليه إذا كان فيه حكم اتباعه وإذا لم يكن فيه بعينه طلب الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد والاجتهاد القياس (1327) قال أفرأيت العالمين إذا قاسوا على إحاطة بهم من أنهم أصابوا الحق عند الله وهل يسعهم أن يختلفوا في القياس وهل

(1/477)


كلفوا كل أمر من سبيل واحد أو سبل متفرقة وما الحجة في أن لهم أي يقيسوا على الظاهر دون الباطن وانه يسعهم أن يتفرقوا وهل يختلف ما كلفوا في أنفسهم وما كلفوا في غيرهم ومن الذي له ان يجتهد فيقيس في نفسه دون غيره والذي له أن يقيس في نفسه وغيره (1328) فقلت له العلم من وجوه منه إحاطة في الظاهر والباطن وممنه حق في الظاهر (1329) فالاحاطة منه ما كان نص حكم لله أو سنة لرسول الله نقلها العامة عن العامة فهذان السبيلان اللذان يشهد بهما فيما أحل أنه حلال وفيما حرم أنه حرام وهذا الذي لا يسع أحدا عندنا جهله ولا شك فيه وعلم الخاصة سنة من خبر الخاصة يعرفها العلماء

(1/478)


ولم يكلفها غيرهم وهي موجودة فيهم أو في بعضهم بصدق الخاص المخبر عن رسول الله بها وهذا اللازم لاهل العلم أن يصيروا إليه وهو الحق في الظاهر كما نقتل بشاهدين وذلك حق في الظاهر وقد يمكن في الشاهدين الغلط
(1331) وعلم إجماع (1332) وعلمك اجتهاد بقياس على طلب إصابة الحق فذلك حق في الظاهر عند قياسه لا عند العامة من العلماء ولا يعلم الغيب فيه إلا الله (1333) الله تبارك وتعالى وإذا طلب العلم فيه بالقياس فقيس بصحة أيتفق المقايسون في أكثره وقد نجدهم يختلفون (1334) والقياس من وجهين أحدهما أن يكون الشئ في معنى الاصل فلا يختلف القياس فيه وأن يكون الشئ له في الاصول أشباه فذلك يلحق بأولاها به وأكثرها شبها فيه وقد يختلف القاسيون في هذا

(1/479)


(1335) قال فأوجدني ما اعرف به أن العلم من وجهين أحدهما إحاطة بالحق في الظاهر والباطن والآخر إحاطة بحق في الظاهر دون الباطل مما أعرف (1336) رحمه الله فقلت له أرأيت إذا كنا في المسجد الحرام نرى الكعبة أكلفنا أن نستقبلها بإحاطة (1337) قال نعم (1338) قلت وفرضت علينا الصلوات والزكاة والحج وغير ذلك أكلفنا الاحاطة في أن نأتي بما علينا بإحاطة (1339) قال نعم (1340) قلت وحين فرض علينا أن نجلد الزاني مائة ونجلد القاذف ثمانين ونقتل من كفر بعد إسلامه ونقطع من سرق
أكلفنا أن نفعل هذا بمن ثبت عليه بإحاطة نعلم أنا قد أخذنا منه (1341) قال نعم

(1/480)


(1342) قلت وسواء ما كلفنا في أنفسنا وغيرنا إذا كنا ندري من أنفسنا بأنا نعلم منها ما لا يعلم غيرنا ومن غيرنا ما لا يدركه علمنا كإدراكنا العلم في أنفسنا (1343) قال نعم (1344) قلت وكلفنا في أنفسنا أين ما كنا أن نتوجه إلى البيت بالقبلة (1345) قال نعم (1346) قلت افتجدنا على احاطة من أنا قد أصبنا البيت بتوهجنا (1347) قال اما كما وجدتكم حين كنتم ترون فلا واما أنتم فقد أديتم ما كلفتم (1348) قلت والذي كلفنا في طلب العين المغيب غير الذي كلفنا في طلب العين الشاهد

(1/481)


(1349) قال نعم (1350) قلت وكذلك كلفنا ان نقبل عدل الرجل على ما ظهر لنا منه ونناكحة ونوارثه على ما يظهر لنا من إسلامه (1351) قال نعم
(1352) قلت وقد يكون غير عدل في الباطن (1353) قال قد يمكن هذا فيه ولكن لم تكلفوا فيه الا الظاهر (1354) قلت وحلال لنا أن نناكحه ونوارثه ونجيز شهادته ومحرم علينا دمه بالظاهر وحرم على غيرنا ان علم منه أنه كافر إلا قتله ومنعه المناكحة والموارثة وما أعطينا (1355) قال نعم (1356) قلت وجد الفرض علينا في رجل واحد مختلفا على مبلغ علمنا وعلم غيرنا

(1/482)


(1357) قال نعم وكلكم مؤدي ما عليه على قدر علمه (1358) قلت هكذا قلنا لك فيما ليس فيه نص حكم لازم وانما نطلب باجتهاد القياس وإنما كلفنا فيه الحق عندنا (1359) قال فتجدك تحكم بأمر واحد من وجوه مختلفة (1360) قلت نعم إذا اختلفت أسبابه (1361) قال فاذكر منه شيئا (1362) قلت قد يقر الرجل عندي على نفسه بالحق لله أو لبعض الآدميين فاخذه بإقراره ولا يقر فآخذ بينة تقوم عليه ولا تقوم عليه بينة فيدعى عليه فأمره بأن يحلف ويبرأ
فيمتنع فأمر خصمه بأن يحلف ونأخذه بما حلف عليه خصمه إذا أبى اليمين التي تبرئه ونحن نعلم أن إقراره على نفسه بشحه على

(1/483)


ماله وأنه يخالف ظلمه بالشح عليه أصدق عليه من شهادة غيره لان غيره قد يغلط ويكذب عليه وشهادة العدول عليه أقرب من الصدق من امتناعه من اليمين وخصمه وهو غير عدل وأعطي منه بأسباب بعضها أقوى من بعض (1363) قال هذا كله هكذا غير أنا إذا نكل عن اليمين أعطينا منه بالنكول (1364) قلت فقد أعطيت منه بأضعف مما أعطينا منه (1365) قال اجل ولكني أخالفك في الاصل (1366) وأقوى ما أعطيت به منه إقراره وقد يمكن أن يقر بحق مسلم ناسيا أو غلطا فاخذه به (1367) قال أجل ولكنك لم تكلف إلا هذا

(1/484)


(1368) قلنا فلست تراني كلفت الحق من وجهين أحدهما حق بإحاطة في الظاهر والباطن والآخر حق بالظاهر دون الباطن (1369) قال بلى ولكن هل تجد في هذا قوة بكتاب أو سنة (1370) قلت نعم ما وصفت لك مما كلفت في القبلة وفي نفسي وفي غيري (1371) قال الله * (ولا يحيطون بشئ من علمه إلا بما
شاء) فآتهم من علمه ما شاء وكما شاء لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب) (1372) الرب عز وجل وقال لنبيه (يسئلونك عن الساعة أيان مرساها فيم أنت من ذكرها إلى ربك منتهاها) (1373) سفيان عن الزهري عن عروة قال (لم يزل رسول الله يسئل عن الساعة حتى أنزل الله عليه (فيم أنت من ذكراها) فانتهى

(1/485)


(1374) وقال الله * (قل لا يعلم من في السماوات والارض الغيب إلا الله) (1375) وقال الله تبارك وتعالى إن الله عنده علم الساعة وينزل ما في الارحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي ارض تموت إن الله عليم خبير) (1376) فالناس متعبدون بأن يقولوا ويفعلوا ما أمروا به وينتهوا إليه لا يجاوزونه لانهم لم يعطوا أنفسهم شيئا إنما هو عطاء الله فنسئل الله عطاءا مؤديا لحقه موجبا لمزيده

(1/486)


باب الاجتهاد (1377) قال أفتجد تجويز ما قلت من الاجتهاد مع ما وصفت فتذكره (1378) قلت نعم استدلالا بقوله (ومن حيث
خرجت فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجهكم شطره) (1379) قال فما شطره (1380) قلت تلقاءه قال الشاعر إن العسيب بها داء مخامرها فشطرها بصر العينين مسجور

(1/487)


(1381) فالعلم يحيط أن من توجه تلقاء المسجد الحرام ممن نأت داره عنه على صواب بالاجتهاد للتوجه إلى البيت بالدلائل عليه لان الذي كلف التوجه إليه وهو لا يدري أصاب بتوجه قصد المسجد الحرام أم أخطأه وقد يرى دلائل يعرفها فيتوجه بقدر ما يعرف (ويعرف غيره دلائل غيرها فيتوجه بقدر ما يعرف) وإن اختلف توجههما (1382) قال فإن أجزت لك هذا أجزت لك في بعض الحالات الاختلاف (1383) قلت فقل فيما شئت (1384) قال أقول لا يجوز هذا (1385) قلت فهو أنا وأنت ونحن بالطريق عالمان

(1/488)


قلت وهذه القبلة وزعمت خلافي على أينا يتبع صاحبه (1386) قال ما علي واحد منكما أن يتبع صاحبه (1387) قلت فما يجب عليهما (1388) قال إن قلت لا يجب عليهما أن يصليا حتى يعلما
بإحاطة فهما لا يعلمان أبدا المغيب بإحاطة وهما إذ يدعان الصلاة أو يرتفع عنهما فرض القبلة فيصليان حيث شاءا ولا أقول واحدا من هذين وما أجد بدا من أن أقول يصلي كل واحد منهما كما يرى ولم يكلفا غير هذا أو أقول كلف الصواب في الظاهر والباطن ووضع عنهما الخطأ في الباطن دون الظاهر (1389) قلت فأيهما قلت فهو حجة عليك لانك فرقت بين حكم الباطن والظاهر وذلك الذي أنكرت علينا وأنت تقول إذا اختلفتم قلت ولا بد أن يكون أحدهما مخطئ (1390) قلت أجل (1391) قلت فقد أجزت الصلاة وأنت تعلم أحدهما

(1/489)


مخطئ وقد يمكن أن يكونا معنا مخطئين (1392) وقلت له وهذا يلزمك في الشهادات وفي القياس (1393) قال ما أجد من هذا بدا ولكن أقول هو خطأ موضوع (1394) فقلت له قال الله (ولا تقتلو الصيد وأنتم حرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاءه مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة) (1395) فأمرهم بالمثل وجعل المثل إلى عدلين يحكمان فيه فلما حرم مأكول الصيد عما كانت لدواب الصيد أمثال على الابدان (1396) فحكم من حكم من أصحاب رسول الله على ذلك

(1/490)


فقضى في الضبع بكبش وفي الغزال بعنز وفي الارنب بعناق وفي اليربوع بجفرة (1397) والعلم يحيط أنهم أرادوا في هذا المثل بالبدن لا بالقيم ولو حكموا على القيم اختلف أحكامهم لاختلاف أثمان الصيد في البلدان وفي الازمان وأحكامهم فيها واحدة (1398) والعلم يحيط أن يربوع ليس مثل الجفرة في البدن ولكنها كانت أقرب الاشياء منه شبها فجعلت مثله وهذا من القياس يتقارب تقارب العنز والظبي ويبعد قليلا بعد الجفرة من اليربوع (1399) ولما كان المثل في الابدان في الدواب من الصيد دون الطائر لم يجز فيه الا ما قال عمر والله أعلم من أن ينظر إلى المقتول من الصيد فيجزي بأقرب الاشياء به شبها منه في البدن

(1/491)


فإذا مات منها شيئا رفع إلى أقرب الاشياء به شبها كما فاتت الضبع العنز فرفعت إلى الكبش وصغر اليربوع عن العناق فخفض إلى الجفرة (1400) وكان طائر الصيد لا مثل له في النعم لاختلاف خلقته وخلقته فجزي خيرا وقياسا على ما كان ممنوعا لانسان فأتلفه انسان فعليه قيمته لمالكه (1401) قال الشافعي الحكم فيه بالقيمة يجتمع
في أنه يقوم يومه وبلده ويختلف في الازمان والبلدان حتى يكون الطائر ببلد ثمن درهم وفي البلد الآخر ثمن بعض ردهم

(1/492)


(1402) وأمرنا بإجازة شهادة العدل وإذا شرط علينا أن نقبل العدل ففيه دلالة على أن نرد ما خالفه (1403) وليس للعدل علامة تفرق بينه وبين غير العدل في بدنه ولا لفظه وإنما علامة صدقه بما يختبر من حاله في نفسه (1404) فإذا كان الاغلب من أمره ظاهر الخير قبل وإن كان فيه تقصير عن بعض أمره لانه لا يعرى أحد رأينا من الذنوب (1405) وإذا خلط الذنوب والعمل الصالح فليس فيه إلا الاجتهاد على الاغلب من أمره بالتمييز بين حسنه وقبيحه وإذا كان هذا هكذا فلا بد من أن يختلف المجتهدون فيه (1406) الله تعالى وإذا ظهر حسنه فقبلنا شهادته فجاء حاكم غيرنا فعلم منه ظهور السيئ كان عليه رده

(1/493)


(1407) وقد حكم الحاكمان في أمر واحد برد وقبول وهذا اختلاف ولكن كل قد فعل ما عليه (1408) قال فتذكر حديثا في تجويز الاجتهاد (1409) قلت نعم أخبرنا عبد العزيز عن يزيد بن عبد الله بن الهاد عن محمد بن إبراهيم عن بسر بن سعيد عن
أبي قيس مولى عمرو بن العاص عن عمرو بن العاص أنه سمع رسول الله يقول " إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر "

(1/494)


(1410) أخبرنا عبد العزيز عن بن الهاد قال فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فقال هكذا حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة (1411) الله تعالى فقال هذه رواية منفردة يردها علي وعليك غيري وغيرك ولغيري عليك فيها موضع مطالبة (1412) قلت نحن وأنت ممن يثبتها (1413) قال نعم (1414) قلت فالذين يردونها يعلمون ما وصفنا من تثبيتها وغيره

(1/495)


(1415) قلت فأين موضع المطالبة فيها (1416) رضي الله تعالى عنهما فقال قد سمى رسول الله فيما رويت من الاجتهاد " خطأ " و " صوابا " (1417) فقلت فذلك الحجة عليك (1418) قال وكيف (1419) قلت إذ ذكر النبي أنه يثاب على أحدهما أكثر مما يثاب على الآخر ولا يكون الثواب فيما لا يسع ولا الثواب في الخطأ الموضوع
(1420) لانه لو كان إذا قيل له اجتهد على الخطأ فاجتهد على

(1/496)


الظاهر كما أمر كان مخطئا خطأ مرفوعا كما قلت كانت العقوبة في الخطأ فيما نرى والله أعلم أولى به وكان أكثر أمره أن يغفر له ولم يشبه أن يكون له ثواب على خطإ لا يسعه (1421) وفي هذا دليل على ما قلنا أنه إنما كلف في الحكم الاجتهاد على الظاهر دون المغيب والله أعلم (1422) قال إن هذا ليحتمل أن يكون كما قلت ولكن ما معنى صواب خطأ (1423) قلت له مثل معنى استقبال الكعبة يصيبها من رآها بإحاطة ويتحراها من غابت عنه بعد أو قرب منها فيصيبها بعض ويخطئها بعض فنفس التوجه يحتمل صوابا وخطأ إذا قصدت بالاخبار عن الصواب والخطأ قصد أن يقول فلا أصاب

(1/497)


قصد ما طلب فلم يخطئه وفلان أخطأ قصد ما طلب وقد جهد في طلبه (1424) فقال هذا هكذا أفرايت الاجتهاد أيقال له صواب على غير هذا المعنى (1425) قلت نعم على أنه إنما كلف فيما غاب عنه الاجتهاد فإذا فعل فقد أصاب بالاتيان بما كلف وهو صواب عنده على الظاهر ولا يعلم الباطن إلا الله (1426) ونحن نعلم أن المختلفين في القبلة وإن اصابا بالاجتهاد
إذا اختلفنا يريدان عينا لم يكونا مصيبين للعين أبدا ومصيبان في الاجتهاد وهكذا ما وصفنا في الشهود وغيرهم (1427) قال أفتوجدني مثل هذا (1428) قلت ما أحسب هذا يوضح باقوى من هذا

(1/498)


(1429) قال فاذكر غيره (1430) قلت أحل الله لنا أن ننكح من النساء مثنى وثلاث ورباع وما ملكت أيماننا وحرم الامهات والبنات والاخوات (1431) قال نعم (1432) قلت فلو أن رجلا اشترى جارية فاستبرأها أيحل له إصابتها (1433) قال نعم (1434) قلت فأصابها فولدت له دهرا ثم علم انها أخته كيف القول فيه (1435) قال كان ذلك حلالا حتى علم بها فلم يحل له أن يعود إليها (1436) قلت فيقال لك في امرأة واحدة حلالا له حرام

(1/499)


عليه بغير إحداث شئ أحدثه هو ولا أحدثته (1437) قال أما في المغيب فلم تزل أخته أولا وآخرا وأما في الظاهر فكانت له حلالا ما لم يعلم وعليه حرام حين علم
(1439) وقال إن غيرنا ليقول لم يزل آثما بإصابتها ولكنه مأثم مرفوع عنه (1439) فقلت الله اعلم وأيهما كان فقد فرقوا فيه بين حكم الظاهر والباطن وألغوا المأثم عن المجتهد على الظاهر وإن أخطأ عندهم ولم يلغوه عن العامد (1440) قال أجل (1441) وقلت له مثل هذا الرجل ينكح ذات محرم منه ولا يعلم وخامسة وقد بلغته وفاة رابعة كانت زوجة له واشباه لهذا

(1/500)


(1442) قال نعم أشباه هذا كثير (1443) فقال إنه لبين عند من يثبت الرواية منكم أنه لا يكون الاجتهاد أبدا إلا على طلب عين قائمة مغيبة بدلالة وانه قد يسع الاختلاف من له الاجتهاد (1444) فقال فكيف الاجتهاد (1445) فقلت إن الله جل ثناؤه من على العباد بعقول فدلهم بها على الفرق بين المختلف وهداهم السبيل إلى الحق نصا ودلالة (1446) قال فمثل من ذلك شيئا (1447) قلت نصب لهم البيت الحرام وأمرهم بالتوجه إليه إذا رأوه وتأخيه إذا غابوا عنه وخلق لهم سماء وأرضا وشمسا وقمرا ونجوما وبحارا وجبالا ورياحا

(1/501)


(1448) فقال (وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر) (1449) وقال (وعلامات وبالنجم هم يهتدون) * (1450) فأخبر أنهم يهتدون بالنجم والعلامات (1451) فكانوا يعرفون بمنه جهة البيت بمعونته لهم وتوفيقه إياهم بان قد رآه من رآه منهم في مكانه وأخبر من رآه منهم من لم يره وأبصر ما يهتدى به إليه مكن جبل يقصد قصده أو نجم يؤتم به وشمال وجنوب وشمس يعرف مطلعها ومغربها وأين تكون من المصلى بالعشي وبحور كذلك (1452) وكان عليهم تكلف الدلالات بما خلق لهم من العقول التي ركبها فيهم ليقصدوا قصد التوجه للعين التي فرض عليهم استقبالها

(1/502)


(1453) فغذا طلبوها مجتهدين بعقولهم وعلمهم بالدلائل بعد استعانة الله والرغبة إليه في توفيقه فقد أدوا ما عليهم (1454) وأبان لهم ان فرضه عليهم التوجه شطر المسجد الحرام والتوجه شطره لاصابة البيت بكل حال (1455) ولم يكن لهم إذا كان لا تمكنهم الاحاطة في الصواب إمكان من عاين البيت ان يقولوا نتوجه حيث رأينا بلا دلالة باب الاستحسان (1456) قال هذا كما قلت والاجتهاد لا يكون إلا على مطلوب والمطلوب لا يكون أبدا إلا على عين قائمة تطلب بدلالة

(1/503)


يقصد بها إليها أو تشبيه على عين قائمة وهذا يبين أن حراما على أحد أن يقول بالاستحسان إذا خالف الاستحسان الخبر والخبر من الكتاب والسنة عين يتأخى معناها المجتهد ليصيبه كما البيت يتأخاه من غاب عنه ليصيبه أو قصده بالقياس وأن ليس لاحد أن يقول إلا من جهة الاجتهاد والاجتهاد ما وصفت من طلب الحق فهل تجيز أنت أن يقول الرجل أستحسن بغر قياس (1457) فقلت لا يجوز هذا عندي والله أعلم لاحد وإنما كان لاهل العلم ان يقولوا دون غيرهم لان يقولوا في الخبر باتباعه فيما ليس فيه الخبر بالقياس على الخبر

(1/504)


(1458) ولو جاز تعطيل القياس جاز لاهل العقول من غير أهل العلم ان يقولوا فيما ليس فيه خبر بما يحضرهم من الاستحسان (1459) وإن القول بغير خبر ولا قياس لغير جائز بما ذكرت من كتاب الله وسنة رسوله ولا في القياس (1460) فقال أما الكتاب والسنة فيدلان على ذلك لانه إذا أمر النبي بالاجتهاد فالاجتهاد أبدا لا يكون إلا على طلب شئ وطلب الشئ لا يكون إلا بدلائل والدلائل هي القياس قال فأين القياس مع الدلائل على ما وصفت (1461) قلت ألا ترى أن أهل العلم غذا أصاب رجل

(1/505)


لرجل عبدا لم يقولوا لرجل اقم عبدا ولا أمة إلا وهو خابر
بالسوق ليقيم معنيين بما يخبركم ثمن مثله في يومه ولا يكون ذلك إلا بأن يعتبر عليه بغيره فيقيسه عليه ولا يقال لصاحب سلعة أقم إلا وهو خابر

(1/506)


(1462) ولا يجوز أن يقال لفقيه عدل غير عالم بقيم الرقيق أقم هذا العبد ولا هذه الامة ولا إجازة هذا العامل لانه غذا أقامه على غير مثال بدلالة على قيمته كان متعسفا (1463) فإذا كان هذا هكذا فيما تقل قيمته من المال وييسر الخطأ فيه على المقام له والمقام عليه كان حلال الله وحرامه أولى أن لا يقال فيهما بالتعسف والاستحسان (1464) وإنما الاستحسان تلذذ (1465) ولا يقول فيه إلا عالم بالاخبار عاقل للتشبيه عليها (1466) وإذا كان هذا هكذا كان على العالم أن لا يقول إلا من جهة العلم وجهة العلم الخبر اللازم بالقياس بالدلائل

(1/507)


على الصواب حتى يكون صاحب العلم ابدا متبعا خبرا وطالب الخبر بالقياس كما يكون متبع البيت بالعيان وطالب قصده بالاستدلال بالاعلام مجتهدا (1467) ولو قال بلا خبر لازم وقياس كان أقرب من الاثم من الذي قال وهو غير عالم وكان القول لغير أهل العلم جائزا (1468) ولم يجعل الله لاحد بعد رسول الله أن يقول إلا
من جهة علم مضى قبله وجهة العلم بعد الكتاب والسنة والاجماع والآثار وما وصفت من القياس عليها

(1/508)


(1469) ولا يقيس إلا من جمع الآلة التي له القياس بها

(1/509)


وهي العلم بأحكام كتاب الله وفرضه وادبه وناسخه ومنسوخه وعامة وخاصة وإرشاده (1470) ويستدل على ما احتمل التأويل منه بسنن رسول الله فإذا لم يجد سنة فبإجماع المسلمين فإن لم يكون إجماع فبالقياس (1471) ولا يكون لاحد أن يقيس حتى يكون عالما بما مضى قبله من السنن وأقاويل السلف وإجماع الناس واختلافهم ولسان العرب (1472) ولا يكون له أن يقيس حتى يكون صحيح العقل وحتى يفرق بين المشتبه ولا يعجل بالقول به دون التثبيت (1473) ولا يمتنع من الاستماع ممن خالفه لانه قد يتنبه بالاستماع لترك الغفلة ويزداد به تثبيتا فيما اعتقده من الصواب

(1/510)


(1474) وعليه في ذلك بلوغ غاية جهده والانصاف من نفسه حتى يعرف من أين قال ما يقول وترك ما يترك (1475) ولا يكون بما قال أعنى منه بما خالفه حتى يعرف فضل ما يصير إليه على ما ترك إن شاء الله
(1476) فأما من تم عقله ولم يكن عالما بما وصفنا فلا يحل له أن يقول بقياس وذلك أنه لا يعرف ما يقيس عليه كما لا يحل لفقيه عاقل أن يقول في ثمن درهم ولا خبرة له بسوقه (1477) ومن كان عالما بما وصفنا بالحفظ لا بحقيقة المعرفة فليس له أن يقول أيضا بقياس لانه قد يذهب عليه عقل المعاني (1478) وكذلك لو كان حافظا مقصرا العقل أو مقصرا عن علم لسان العرب لم يكن له أن يقيس من قبل نقص عقله عن الآلة التي يجوز بها القياس (1479) صلى الله عليه وسلم ولا نقول يسع هذا والله أعلم أن يقول أبدا إلا اتباعا ولا قياسا

(1/511)


(1480) فإن قال قائل فاذكر من الاخبار التي تقيس عليها وكيف تقيس (1481) قيل له إن شاء الله كل حكم لله أو لرسوله وجدت عليه دلالة فيه أو في غيره من أحكام الله أو رسوله بأنه حكم به لمعني من المعاني فنزلت نازلة ليس فيها نص حكم حكم فيها حكم النازلة المحكوم فيها إذا كانت في معناها (1482) والقياس وجوه يجمعها القياس ويتفرق

(1/512)


بها ابتداء قياس كل واحد منهما أو مصدره أو هما وبعضهما أوضح من بعض
(1483) فأقوى القياس ان يحرم الله في كتابه أو يحرم رسول الله القليل من الشئ فيعلم أن قليله إذا حرم كان كثيره مثل قليله في التحريم أو أكثر بفضل الكثرة على القلة (1484) وكذلك غذا حمد على يسير من الطاعة كان ما هو أكثر منها أولى ان يحمد عليه (1485) وكذلك إذا أباح كثير شئ كان الاقل منه أولى أن يكون مباحا (1486) فإن قال فاذكر من كل واحد من هذا شيئا يبين لنا ما في معناه

(1/513)


(1487) قلت قال رسول الله " إن الله حرم من المؤمن دمه وماله وأن يظن به إلا خيرا (1488) فإذا حرم أن يظن به ظنا مخالفا للخير يظهره كان ما هو أكثر من الظن المظهر ظنا من التصريح له

(1/514)


بقول غير الحق أولى ان يحرم ثم كيف ما زيد في ذلك كان أحرم (1489) قال الله (فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره) (1490) فكان ما هو أكثر من مثقال ذرة من الخير أحمد وما هو أكثر من مثقال ذرة من الشر أعظم في المأثم (1491) وأباح لنا دماء أهل الكفر المقاتلين غير المعاهدين
وأموالهم ولم يحظر علينا منها شيئا أذكره فكان ما نلنا من أبدانهم دون الدماء ومن أموالهم دون كلها أولى أن يكون مباحا (1492) وقد يمتنع بعض أهل العلم من أن يسمى

(1/515)


هذا قياسا ويقول هذا ما أحل الله وحرم وحمد وذم لانه داخل في جملته فهو بعينه ولا قياس على غيره (1493) ويقول مثل هذا القول في غير هذا مما كان في معنى الحلال فأحل والحرام فحرم (1494) ويمتنع أن يسمى " القياس " إلا ما كان يحتمل أن يشبه بما احتمل أن يكون فيه شبها من معنيين مختلفين فصرفه على أن يقيسه على أحدهما دون الآخر (1495) ويقول غيرهم من أهل العلم ما عدا النص من الكتاب أو السنة فكان في معناه فهو قياس والله اعلم

(1/516)


(1496) فإن قال قائل فاذكر من وجوه القياس ما يدل على اختلافه في البيان والاسباب والحجة فيه سوى هذا الاول الذي تدرك العمة علمه (1497) قيل له إن شاء الله قال الله (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن بالمعروف) (1498) عز وجل وقال (وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم
فلا جناح عليكم إذا سلمتم ما آتيتم بالمعروف) (1499) فأمر رسول الله هند بنت عتبة أن تأخذ من مال زوجها أبي سفيان ما يكفيها وولدها وهم ولده بالمعروف بغير أمره (1500) قال فدل كتاب الله وسنة نبيه أن على الوالد رضاع ولده ونفقتهم صغارا

(1/517)


(1501) فكان الولد من الوالد فجبر على صلاحه في الحال التي لا يغني الولد فيها نفسه فقلت إذا بلغ الاب إلا يغني نفسه بكسب ولا مال فعلى ولده صلاحه في نفقته وكسوته قياسا على الولد (1502) وذل ك ان الولد من الوالد فلا يضيع شيئا هو منه كما لم يكن للولد أن يضيع شيئا من ولده غذ كان اولد منه وكذلك الوالدون وإن بعدوا والولد وإن سفلوا في هذا المعنى والله أعلم فقلت ينفق على كل محتاج منهم غير محترف وله النفقة على الغني المحترف (1503) وقضى رسول الله في عبد دلس للمبتاع فيه بعيب

(1/518)


فظهر عليه بعد ما استغله أن للمبتاع رده بالعيب وله حبس الغلة بضمانه العبد (1505) فاستدللنا غذا كانت الغلة لم يقع عليها صفقة البيع فيكون لها حصة من الثمن وكانت في ملك المشتري في الوقت الذي
لو مات فيه العبد مات من مال المشتري انه إنما جعلها له لانها حادثة في ملكه وضمانه فقلنا كذلك في ثمر النخل ولبن الماشية وصوفها وأولادها وولد الجارية وكل ما حدث في ملك المشتري وضمانه وكذلك وطئ الامة الثيب وخدمتها (1505) قال فتفرق علينا بعض أصحابنا وغيرهم في هذا (1506) فقال بعض الناس الخراج والخدمة والمتاع غير الوطئ من المملوك والمملوكة لمالكها الذي اشتراها وله ردها بالعيب وقال لا يكون له أن يرد الامة بعد أن يطأها وإن كانت ثيبا ولا يكون له ثمر النخل ولا لبن الماشية ولا صوفها ولا

(1/519)


ولد الجارية لان كل هذا من الماشية والجارية والنخل والخراج ليس بشئ من العبد (1307) فقلت لبعض من يقول هذا القول أرأيت قولك الخراج ليس من العبد والثمر من الشجر والولد من الجارية أليسا يجتمعان في أن كل واحد منهما كان كان حادثا في ملك المشتري لم تقع عليه صفقة البيع (1508) قال بلى ولكن يتفرقان في أن ما وصل إلى السيد منهما مفترق وتمر النخل منها وولد الجارية والماشية منها وكسب الغلام ليس منه إنما هو شئ تحرف فيه فاكتسبه

(1/520)


(1509) فقلت له ارايت إن عارضك معارض بمثل
حجتك فقال قضى النبي أن الخراج بالضمان والخراج لا يكون إلا بما وصفت من التحرف وذلك يشغله عن خدمة مولاه فيأخذ له بالخراج العوض من الخدمة ومن نفقته على مملوكه فغن وهبت له هبة فالهبة لا تشغله عن شئ لم تكن لمالكه الآخر وردت إلى الاول (1510) قال لا بل تكون للآخر الذي وهبت له وهو في ملكه (1511) قلت هذا ليس بخراج هذا من وجه غير الخراج (1512) قال وإن فليس من العبد (1513) قلت ولكنه يفارق معنى الخراج لانه من غير وجه الخراج

(1/521)


(1514) قال وإن كان من غير وجه الخراج فهو حادث في ملك المشتري (1515) قلت وكذلك الثمرة والنتاج حادث في ملك المشتري والثمرة إذا باينت النخلة فليست من النخلة قد تباع الثمرة ولا تتبعها النخلة والنخلة ولا تتبعها الثمرة وكذلك نتاج الماشية والخراج أولى ان يرد مع العبد لنه قد يتكلف فيه ما تبعه من ثمر النخلة ولو جاز أن يرد واحد منهما (1516) وقال بعض أصحابنا بقولنا في الخراج ووطئ الثيب وثمر النخل وخالفنا في ولد الجارية (1517) وسواء ذلك كله لانه حادث في ملك المشتري لا يستقم فيه إلا هذا أو لا يكون لمالك العبد المشتري شئ

(1/522)


إلا الخراج والخدمة ولا يكون له ما وهب للعبد ولا ما التقط ولا غير ذلك من شئ أفاد من كنز ولا غيره إلا الخراج والخدمة ولا ثمر النخل ولا لبن الماشية ولا غير ذلك لان هذا ليس بخراج (1518) ونهى رسول الله عن الذهب بالذهب والتمر بالتمر والبر بالبر والشعير بالشعير إلا مثلا بمثل يدا بيد (1519) فلما خرج رسول الله في هذه الاصناف المأكولة التي شح الناس عليها حتى باعوها كيلا بمعنيين أحدهما أن يباع منها

(1/523)


شئ بمثله حدهما نقد والآخر دين والثاني أن يزاد في واحد منهما شئ على مثله يدا بيد وكان ما كان في معناها محرما قياسا عليها (1520) وذلك كل ما أكل مما بيع موزونا لاني وجدتها مجتمعة المعاني في أنها مأكولة ومشروبة والمشروب في معنى المأكول لانه كله للناس إما قوت وإما غذاء وإما هما ووجدت الناس شحوا عليها حتى باعوها وزنا والوزن أقرب من الاحاطة من الكيل وفي معنى الكيل وذلك مثل العسل والسمن والزيت والسكر وغيره مما يؤكل ويشرب ويباع موزونا (1521) فإن قال قائل أفيحتمل ما بيع موزونا أن يقاس

(1/524)


على الوزن من الذهب والورق فيكون الوزن بالوزن أولى بأن يقاس من الوزن بالكيل (1522) قيل إن شاء الله له إن الذي منعنا مما وصفت
من قياس الوزن بالوزن أن صحيح القياس إذا قست الشئ بالشيئ أن تحكم له بحكمه فلو قست العسل والسمن بالدنانير والدراهم وكنت إنما حرمت الفضل في بعضها على بعض إذا كانت جنسا واحدا قياسا على الدنانير والدراهم أكان يجوز أن يشتري بالدنانير والدراهم نقدا عسلا وسمنا إلى أجل (1523) فإن قال يجيزه بما أجازه به المسلمون

(1/525)


(1524) قيل إن شاء الله فإجازة المسلمين له دلتني على أنه غير قياس عليه لو كان قياسا عليه كان حكمه حكمه فلم يحل أن يباع إلا يدا بيد كما لا تحل الدنانير بالدراهم إلا يدا بيد (1525) فإن قال أفتجدك حين قسته على الكيل حكمت له حكمه (1526) قلت نعم لا أفرق بينه في شئ بحال (1527) قال أفلا يجوز أن تشتري مد حنطة نقدا بثلاثة أرطال زيت إلى أجل

(1/526)


(1528) قلت لا يجوز أن يشتري ولا شئ من المأكول والمشروب بشئ من غير صنفه إلى أجل (1529) حكم المأكول المكيل حكم المأكول الموزون (1530) قال فما تقول في الدنانير والدراهم (1531) قلت محرمات في أنفسها لا يقاس شئ من المأكول عليها لانه ليس في معناها والمأكول المكيل محرم في
نفسه ويقاس به في معناه من المكيل والموزون عليه لانه في معناه (1532) فإن قال فافرق بين الدنانير والدراهم (1533) قلت لم أعلم مخالفا من أهل العلم في إجازة أن يشتري بالدنانير والدراهم الطعام المكيل والموزون إلى أجل وذلك لا يحل في الدنانير والدراهم وإني لم أعلم منهم مخالفا في أني لو علمت معدنا فأديت الحق فيما خرج منه ثم أقامت فضته أو ذهبه عندي دهري كان علي في كل سنة أداء زكاتها ولو حصدت

(1/527)


طعام أرضي فأخرجت عشرة أقام عندي دهره لم يكن علي فيه زكاة وفي أني لو استهلكت لرجل شيئا قوم على دنانير أو دراهم لانها الاثمان في كل مال لمسلم إلا الديات (1534) فإن قال هكذا (1535) قلت فالاشياء تتفرق بأقل مما وصفت لك (1536) ووجدنا عاما في أهل العلم أن رسول الله قضى في جناية الحر المسلم خطأ بمائة من الابل على عاقله الجاني وعاما فيهم أنها في مضي ثلاث سنين في كل سنة ثلثها وبأسنان معلومة (1537) فدل على معاني من القياس سأذكر منها إن شاء الله بعض ما يحضرني

(1/528)


(1538) إن وجدنا عاما في أهل العلم أن ما جنى الحر المسلم
من جناية عمد أو فساد مال لاحد على نفس أو غيره ففي ماله دون عاقلته وما كان من جناية في نفس خطأ فعلى عاقلته (1539) الرب عز وجلثم وجدناهم مجمعين على أن تعقل العاقلة ما بلغ ثلث الدية من جناية في الجراح فصاعدا (1540) ثم افترقوا فيما دون الثلث فقال بعض أصحابنا تعقل العاقلة الموضحة وهي نصف العشر فصاعدا ولا تعقل ما دونها (1541) فقلت لبعض من قال تعقل نصف العشر ولا تعقل ما دونه هل يستقيم القياس على السنة إلا بأحد وجهين

(1/529)


(1542) قال وما هما (1543) قلت أن تقول لما وجدت النبي قضى بالدية على العاقلة قلت به اتباعا فما كان دون الدية ففي مال الجاني ولا تقيس على الدية غيرها لان الاصل الجاني أولى أن يغرم جنايته من غيره كما يغرمها في غير الخطأ في الجراح وقد أوجب الله على القاتل خطأ دية ورقبة فزعمت أن الرقبة في ماله لانها من جنايته وأخرجت الدية من هذا المعنى اتباعا وكذلك اتبع في الدية وأصرف بما دونها إلى أن يكون في ماله لانه أولى أن يغرم ما جنى من غيره وكما أقول في المسح عل الخفين رخصة بالخبر عن رسول الله ولا أقيس عليه غيره (1544) أو يكون القياس من وجه ثاني (1545) قال وما هو

(1/530)


(1546) قلت إذا أخرج رسول الله الجناية خطأ على النفس مما جنى الجاني على غير النفس وما جنى على نفس عمدا فجعل على عاقلته يضمنونها وهي الاكثر جعلت على عاقلته يضمنون الاقل من جناية الخطأ لان الاقل أولى أن يضمنوه عنه من الاكثر أو في مثل معناه (1547) قال هذا أولى المعنيين أن يقاس عليه ولا يشبه هذا المسح على الخفين (1548) فقلت له هذا كما قلت إن شاء الله وأهل العلم مجمعون على أن تغرم العاقلة الثلث وأكثر وإجماعهم دليل على أنهم قد قاسوا بعض ما هو من الدية بالدية (1549) قال أجل

(1/531)


(1550) فقلت له فقد قال صاحبنا أحسن ما سمعت أن تغرم العاقلة ثلث الدية فصاعدا وحكى أنه الامر عندهم أفرايت إن احتج له محتج بحجتين (1551) قال وما هما (1552) قلت انا وأنت مجمعان على أن تغرم العاقلة الثلث فأكثر ومختلفان فيما هو أقل منه وإنما قامت الحجة بإجماعي وإجماعك على الثلث ولا خبر عندك في أقل منه ما تقول له (1553) قال أقول إن إجماعي من غير الوجه الذي ذهبت إليه، إجماعي إنما هو قياس على أن العاقلة إذا غرمت الاكثر
ضمنت ما هو أقل منه فمن حد لك الثلث أرأيت إن قال لك غيرك بل تغرم تسعة اعشار ولا تغرم ما دونه (1554) قلت فإن قال لك فالثلث يفدح من غرمه

(1/532)


قلت معه أو عنه لانه فادح ولا يغرم ما دونه بين فادح (1555) قال أفرايت من لا مال له إلا درهمين أما يفدحه أن يغرم الثلث والدرهم فيبقى لا مال له أرأيت من له دنيا عظيمة هل يفدحه الثلث (1556) فقلت له أفرايت لو قال لك هو لا يقول لك " الامر عندنا " والامر مجتمع عليه بالمدينة

(1/533)


(1557) قال والامر المجتمع عليه بالمدينة أقوى من الاخبار المنفردة قال فكيف تكلف أن حكى لنا الاقوى اللازم من الامر المجتمع عليه (1558) قلنا فإن قال لك قائل لقلة الخبر وكثرة الاجماع عن أن يحكى وأنت قد تصنع مثل هذا فتقول هذا أمر مجتمع عليه (1559) قال لست أقول لاحد من أهل العلم " هذا مجتمع عليه " إلا لما تلقى عالما أبدا إلا قاله لك وحكاه عن من قبله كالظهر أربع وكتحريم الخمر وما أشبه هذا وقد أجده

(1/534)


يقول " المجمع عليه " وأجد من المدينة من أهل العلم كثيرا يقولون بخلافه وأجد عامة أهل البلدان على خلاف ما يقول " المجتمع عليه " (1560) الله تعالى قال فقلت له فقد يلزمك في قولك " لا تعقل ما دون الموضحة " مثل ما لزمه في الثلث (1561) فقال لي إن فيه علة بان رسول الله لم يقض فيما دون الموضحة بشئ (15622) فقلت له أفرايت إن عارضك معارض فقال لا اقضي فيما دون الموضحة بشئ لان رسول الله لم يقضي فيه بشئ (1563) قال ليس ذلك له وهو إذا لم يقض فيما دونها بشئ فلم يهدر ما دونها من الجراح

(1/535)


(1564) قال وكذلك يقول لك هو إذا لم يقل لا تعقل العاقلة ما دون الموضحة فلم يحرم أن تعقل العاقلة ما دونها ولو قضى في الموضحة ولم يقضي فيما دونها على العاقلة ما منع ذلك العاقلة أن تغرم ما دونها إذا غرمت الاكثر غرمت الاقل كما قلنا نحن وأنت احتججت على صاحبنا ولو جاز هذا لك جاز عليك (1565) ولو قضى النبي بنصف العشر على العاقلة أن يقول قائل تغرم نصف العشر والدية ولا تغرم ما بينهما ويكون ذلك في مال الجاني ولكن هذا غير جائز لاحد والقول فيه أن جميع ما كان خطأ فعلى العاقلة وإن كان درهما (1566) وقلت له قد قال بعض أصحابنا إذا جنى الحر على العبد جناية فأتى على نفسه أو ما دونها خطأ فهي في ماله دون

(1/536)


عاقلته ولا تعقل العاقلة فقلنا هي جناية حر وإذا قضى رسول الله أن عاقلة الحر تحمل جنايته في حر إذا كانت غرما لا حقا بجناية خطإ وكذلك جنايته في العبد إذا كانت غرما من خطإ والله أعلم وقلت بقولنا فيه وقلت من قال لا تعقل العاقلة عبدا احتمل قوله لا تعقل جناية عبد لانها في عنقه دون مال سيده غيره فقلت بقولنا ورأيت ما احتججت به من هذا حجة صحيحة داخلة في معنى السنة (1567) قال أجل (1568) قال وقلت له وقال صاحبك وغيره من

(1/537)


أصحابنا جراح العبد في ثمنه كجراح الحر في ديته ففي عينه نصف ثمنه وفي موضحته نصف عشر ثمنه وخالفتنا فيه فقلت في جراح العبد ما نقص من ثمنه (1569) قال فأنا أبدأ فأسألك عن حجتك في قول جراح العبد في ديته أخبرا قلته أم قياسا (1570) قلت أما الخبر فيه فعن سعيد بن المسيب (1571) قال فاذكره (1572) قلت أخبرنا سفيان عن الزهري عن سعيد بن المسيب أنه قال عقل العبد في ثمنه فسمعته منه كثيرا هكذا

(1/538)


وربما قال كجراح الحر في ديته قال بن شهاب فإن ناسا
يقولون يقوم سلعة (1573) فقال إنما سألتك خبرا تقوم به حجتك (1574) فقلت قد أخبرتك أني لا أعرف فيه خبرا عن أحد أعلى من سعيد بن المسيب (1575) قال فليس في قوله حجة (1576) قال وما ادعيت ذلك فترده علي (1577) قال فاذكر الحجة فيه (1578) قلت قياسا على الجناية على الحر (1579) قلا قد يفارق الحر في أن دية الحر مؤقتة

(1/539)


وديته ثمنه فيكون بالسلع من الابل والدواب وغير ذلك أشبه لان في كل واحد منهما ثمنه (1580) فقلت فهذا حجة لمن قال لا تعقل العاقلة ثمن العبد عليك (1581) قال ومن أين (1582) قال يقول لك لم قلت تعقل العاقلة ثمن العبد إذا جنى عليه الحر قيمته وهو عندك بمنزلة الثمن ولو جنى على بعير جناية ضمنها في ماله (1583) قال فهو نفس محرمة (1584) قلت والبعير نفس محرمة على قاتله (1585) قال ليست كحرمة المؤمن (1586) قلت ويقول لك ولا العبد كحرمة الحر
في كل أمره

(1/540)


(1587) فقلت فهو عندك مجامع الحر في المعنى أفتعقله العاقلة (1588) قال ونعم (1589) قلت وحكم الله في المؤمن يقتل خطأ بدية وتحرير رقبة (1590) قال نعم (1591) رضي الله تعالى عنها قلت وزعمت أن في العبد تحرير رقبة كهي في الحر وثمن وأن الثمن كالدية (1592) قال نعم (1593) قلت وزعمت أنك تقتل الحر بالعبد (1594) قال نعم

(1/541)


(1595) قلت وزعمنا أنا نقتل العبد بالعبد (1596) قال وأنا أقوله (1597) قلت فقد جامع الحر في هذه المعاني عندنا وعندك في أن بينه وبين المملوك قصاصا في كل جرح وجامع البعير في معنى أن ديته ثمنه فكيف اخترت في جراحته أن تجعلها كجراحة بعير فتجعل فيه ما نقصه ولم تجعل جراحته في ثمنه كجراح الحر في ديته وهو يجامع الحر في خمسة معاني ويفارقه في معنى واحد أليس أن تقيسه على ما يجامعه في خمسة معاني أولى
بك من أن تقيسه على جامعه على معنى واحد مع أنه يجامع الحر في أكثر من هذا أن ما حرم على الحر حرم عليه وأن عليه الحدود والصلاة والصوم وغيرها من الفرائض ولي من البهائم بسبيل (1598) قال رأيت ديته ثمنه

(1/542)


(1599) قلت وقد رأيت دية المرأة نصف دية الرجل فما منع ذلك جراحها أن تكون في ديتها كما كانت جراح الرجل في ديته (1600) وقلت له إذا كانت الدية في ثلاث سنين إبلا أفليس قد زعمت أن الابل لا تكون بصفة دينا فكيف أنكرت أن تشتري الابل بصفة إلى أجل ولم تقسه على الدية ولا على الكتابة ولا على المهر وأنت تجيز في هذا كله أن تكون الابل بصفة دينا فخالفت فيه القياس وخالفت الحديث نصا عن النبي أنه استسلف بعيرا ثم أمر بقضائه بعد

(1/543)


(1601) قال كرهه بن مسعود (1602) فقلنا وفي أحد مع النبي حجة (1603) قال لا إن ثبت عن النبي (1604) قلت هو ثابت باستسلافه بعيرا وقضاه خيرا منه وثابت في الديات عندنا وعندك هذا في معنى السنة (1605) قال فما الخبر الذي يقاس عليه
(1606) قلت أخبرنا مالك عن زيد بن أسلم عن عطاء بن يسار عن أبي رافع " أن النبي استسلف من رجل بعيرا فجاءته إبل فأمرني أن أقضيه إياه فقلت لا أجد في الابل إلا جملا خيارا فقال أعطه إياه فإن خيار النا س أحسنهم قضاء "

(1/544)


(1607) قال فما الخبر الذي لا يقاس عليه (1608) قلت ما كان لله في حكم منصوص ثم كانت لرسول الله سنة بتخفيف في بعض الفرض دون بعض عمل بالرخصة فيما رخص فيه رسول الله دون ما سواها ولم يقس ما سواها عليها وهكذا ما كان لرسول الله من حكم عام بشئ ثم سن سنة تفارق حكم العام (1609) قال وفي مثل ماذا (1610) قلت فرض الله الوضوء على من قام إلى الصلاة من نومه فقال * (إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برؤسكم وارجلكم إلى الكعبين) (1611) فقصد الرجلين بالفرض كما قصد قصد ما سواهما في أعضاء الوضوء

(1/545)


(1612) فلما مسح رسول الله على الخفين لم يكن لنا والله أعلم أن نمسح على عمامة ولا برفع ولا قفازين قياسا عليهما وأثبتنا الفرض في أعضاء الوضوء كلها وارخصنا بمسح النبي في المسح على الخفين دون سواهما
(1613) قال فتعد هذا خلافا للقرآن (1614) قلت لا تخالف سنة لرسول الله كتاب الله بحال (1615) قال فما معنى هذا عندك (1616) رحمه الله قلت معناه أن يكون قصد بفرض إمساس القدمين من لا خفي عليه لبسهما كامل الطهارة (1617) قال أو يجوز هذا في اللسان (1618) قلت نعم كما جاز أن يقوم إلى الصلاة من هو

(1/546)


على وضوء فلا يكون المراد بالوضوء استدلالا بأن رسول الله صلى صلاتين وصلوات بوضوء واحد (1619) وقال الله (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله عزيز حكيم) (1620) فدلت السنة على أن الله لم يرد بالقطع كل السارقين (1621) فكذلك دلت سنة رسول الله بالمسح أنه قصد بالفرض في غسل القدمين من لا خفي عليه لبسهما كامل الطهارة (1622) قال فما مثل هذا في السنة (1623) قلت نهى رسول الله عن بيع التمر بالتمر إلا مثلا بمثل " سئل عن الرطب بالتمر فقال أينقص الرطب إذا يبس فقيل نعم فنهى عنه " " نهى عن المزابنة " وهي كل ما عرف كيله مما فيه الربا من الجنس الواحد بجزاف لا يعرف كيله منه وهذا كله مجتمع المعاني " ورخص أن تباع العرايا بخرصها تمرا يأكلها أهلها رطبا "

(1/547)


(1624) فرخصنا في العرايا بإرخاصه وهي بيع الرطب بالتمر وداخلة في المزابنة بإرخاصه فأثبتنا التحريم محرما عاما في كل شئ من صنف واحد مأكول بعضه جزاف بعضه بكيل للمزابنة وأحللنا العرايا خاصة بإحلاله من الجملة التي حرم ولم نبطل أحد الخبرين بالآخر ولم نجعله قياسا عليه (1625) قال فما وجه هذا (1626) قلت يحتمل وجهين أولهما به عندي والله أعلم أن يكون ما نهى عنه جملة أراد به ما سوى العرايا ويحتمل أن يكون أرخص فيها بعد وجوبها في جملة النهي وايهما كان فعلينا طاعته بإحلال ما أحل وتحريم ما حرم

(1/548)


(1627) وقضى رسول الله بالدية في الحر المسلم يقتل خطأ مائة من الابل وقضى بها على العاقلة (1628) وكان العمد يخالف الخطأ في القود والمأثم ويوافقه في أنه قد تكون فيه دية (1629) فلما كان قضاء رسول الله في كل امرئ فيما لزمه إنما هو في ماله دون مال غيره إلا في الحر يقتل خطأ قضينا على العاقلة في الحر يقتل خطأ ما قضى به رسول الله وجعلنا الحر يقتل عمدا إذا كانت فيه دية في مال الجاني كما كان كل ما جنى في ماله غير الخطأ ولم نقس ما لزمه من غرم بغير جراح خطإ على ما لزمه بقتل الخطأ
(1630) فإن قال قائل ما الذي يغرم الرجل من جنايته وما لزمه غير الخطأ

(1/549)


(1631) قلت قال الله (وآتوا النساء صدقاتهن نحلة) (1632) وقال (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة) (1633) وقال (فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي) (1634) وقال (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا) (1635) وقال (ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه والله عزيز ذو انتقام)

(1/550)


(1636) وقال (فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام) (1637) وقضى رسول الله على " أن على أهلها الاموال حفظها بالنهار وما أفسدت المواشي بالليل فهو ضامن على أهلها " (1638) فدل الكتاب والسنة وما لمن يختلف المسلمون فيه أن هذا كله في مال الرجل بحق وجب عليه لله أو أوجبه الله عليه للآدميين بوجوه لزمته وأنه لا يكلف أحد غرمه عنه
(1639) ولا يجوز أن يجني رجل ويغرم غير الجاني إلا في الموضع الذي سنه رسول الله فيه خاصة من قتل الخطأ وجنايته على الآدميين خطأ

(1/551)


(1640) والقياس فيما جنى على بهيمة أو متاع أو غيره على ما وصفت أن ذلك في ماله لان الاكثر المعروف أن ما جنى في ماله فلا يقاس على الاقل ويترك الاكثر المعقول ويخص الرجل الحر يقتل الحر الخطأ فتعقله العاقلة وما كان من جناية خطأ على نفس وجرح خبرا وقياسا (1641) وقضى رسول الله في الجنين بغرة عبد أو أمة وقوم أهل العلم الغرة خمسا من الابل (1642) قال فلما لم يحكا أن رسول الله سأل عن الجنين أذكر هو أم أنثى إذ قضى فيه سوى بين الذكر والانثى

(1/552)


إذا سقط ميتا ولو سقط حيا فمات جعلوا في الرجل مائة من الابل وفي المرأة خمسين (1643) فلم يجز ان يقاس على الجنين سئ من قبل أن الجنايات على من عرفت جنايته موقتات معروفات مفروق فيها بين الذكر والانثى وأن لا يختلف الناس في أن لو سقط الجنين حيا ثم مات كانت فيه دية كاملة إذا كان ذكرا فمائة من الابل وإن كانت أنثى فخمسون من الابل وأن المسلمين فيما علمت لا يختلفون أن رجلا لو قطع الموتى لم يكن في واحد منهم دية ولا أرش والجنين لا يعدو أن يكون حيا أو ميتا
(1644) فلما حكم فيه رسول الله بحكم فارق حكم النفوس الاحياء وكان مغيب الامر كان الحكم بما حكم به على الناس اتباعا لامر رسول الله

(1/553)