صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : رسائل ابن حزم الأندلسي
المؤلف : ابن حزم
المحقق : إحسان عباس
الناشر : المؤسسة العربية للدراسات والنشر
عنوان الناشر : بناية برج الكارلتون - ساقية الجنزير- بيروت - لبنان - ت 807900/1. برقياً - موكيالي - بيروت - ص.ب: 11/546 بيروت
الطبعة :
الجزء : 1 - الطبعة : 1 ، 1980
الجزء : 2 - الطبعة : 2 ، 1987
الجزء : 3 - الطبعة : 1 ، 1981
الجزء : 4 - الطبعة : 1 ، 1983
عدد الأجزاء : 4
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

وحذروا سلاطينهم من فتنته ونهوا عوامهم عن الدنو إليه والأخذ عنه، فطفق الملوك يقصونه عن قربهم ويسيرونه عن بلادهم إلى أن انتهوا به إلى منقطع أثره بتربه بلده من بادية لبلة.. وهو في ذلك غير مرتدع ولا راجع إلى ما أرادوا به، يبث علمه فيمن ينتابه بباديته تلك من عامة المقتبسين منه من أصاغر الطلبة الذين لا يخشون فيه الملامة يحدثهم وفقهم ويدارسهم ولا يدع المثابرة على العلم والمواظبة على التأليف " (1) .
انهزم ابن حزم - إذن - أمام المذهب المالكي لان السياسة في المغرب وقفت تسند ذلك المذهب، وما حرق كتبه إلا شاهد قوي على ذلك، وبعد وفاة ابن حزم بسنوات وقعت الأندلس في قبضة المرابطين فبلغ انتصار المذهب المالكي أقصاه؛ لان أمير المرابطين لم يكن يحظى عنده إلا من علم علم الفروع - أي فروع مذهب مالك - فنفقت في ذلك الزمان كتب المذهب وعمل بمقتضاها ونبذ ما سواها وكثر حتى نسي النظر في كتاب الله وحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم - هكذا قال المراكشي (2) ؛ وهذا هو عين ما كان ينعاه ابن حزم على فقهاء بلده ويلح من اجله على دعوتهم إلى الكتاب والسنة وهجر التقليد للأئمة.
2 - هذه الرسالة:
تحوي رسالة الفقهاء المالكية إلى ابن حزم نقاطاً ومسائل كثيرة، وليس من همي ان أسرد كل ذلك ولكني اختار أهم الاتهامات التي وجهوها إلى ابن حزم نفسه. ولا يخطئ الناظر في هذه الرسالة أن يرى تلك الناحية التي عانى ابن حزم شيئاً كثيراً من أجلها، اعني علاقته بعلم المنطق، فهو عند هؤلاء الفقهاء متهم بأنه يرد بالمنطقي على الشرعي وله عناية بحد المنطق، والشق الأول من التهمة باطل لان ابن حزم اتخذ المنطق أساساً في الأحكام الشرعية ليثبت به تلك الأحكام لا ليردها، وأما الشق الثاني فيشير إلى كتاب التقريب " وما فيه من التعمق والعرض وترتيب الهيئات " (3) وقد كان رد ابن حزم على هذا واحداً حيثما هاجمه به أعداؤه وهو: هل عرف هؤلاء الناس حد المنطق أو لم يعرفوه فإن عرفوه فليبينوا ما فيه من المنكرات، وإن لم يعرفوه فكيف يستحلون ان يذموا ما لم يعرفوه
__________
(1) الذخيرة 1/ 1: 168.
(2) المعجب: 111.
(3) انظر الفقرة: 11 من الرسالة.

(3/23)


وقد يتفرع عن هذه التهمة المزدوجة انه أوغل في التصنيف والتمثيل والاشتقاق والنتائج وأنهم يقرون بقوته في الحجاج واتساعه في اللغة ولكنهم يرون طريقته مخالفة لما كان عليه الأئمة من قبل، وكأنهم يلمحون من طرف خفي إلى اقتداره على المنطق هو المسؤول عن ذلك أيضاً. وقد دفع ابن حزم هذا كله، وحمد الله على رزقه من سعة اطلاع وقوة حجة ولم يحمدهم على شهادتهم له بذلك لأنها لا تزيده شرفاً ولا تطغيه.
وأما اتهامهم له بأنه ضعيف الرواية عار من الشيوخ فهو متصل - فيما يبدو - بكونه لم يرحل في طلب العلم. ولم ينف ابن حزم هذه التهمة، وإنما رد عليهم بتهمة مقابلة، فهو ليسوا من أهل الرواية وكل ما يعرفونه هو المدونة، وأكثرهم لا يقيم الهجاء، ولا يعرف ما حديث مرسل من مسند، وهم أيضاً عارون من الشيوخ، ما كان لهم شيخ قط إلا عند الملك بن سليمان الخولاني (1) ، وكانوا يجالسونه ثم يخرجون من عنده كما دخلوا.
وأقوى ما واجههوه قولهم: " إن أسماء الرجال والتواريخ تختلف في الآفاق، والأسانيد فمنها قوي ومنها ضعيف " . وقد شرح ابن حزم موقفه من الأحاديث المتعارضة باختصار في هذه الرسالة، وملخص ما قاله في الإحكام حول هذه المسألة (2) .
(أ) كل خبر لم يأت إلا مرسلاً، أو لم يروه إلا مجهول أو مجرح ثابت الجرعة فهو باطل بلا شك.
(ب) من اختلف فيه فعدله قوم وجرحه آخرون استثبتنا أحدهما فإن ثبتت عدالته قطع على صحة خبره وإن ثبتت جرحته قطعنا على بطلان خبره وإن تعادلا توقفنا، وربما اهتدى غيرنا إلى الصواب فيه.
(ج ) لا يكون خطأ في خبر ثقة إلا باعترافه أو شهادة عدل على أنه وهم فيه أو إثبات خطأ بالمشاهدة.
(د) كل خبرين صحيحين متعارضين لم يأت نص بالناسخ منهما فالزائد على الحكم المتقدم من معهود الأصل هو الناسخ. " فإن وجد لنا يوماً غير هذا فنحن تائبون إلى الله تعالى منه، وهي وهلة نستغفر الله عز وجل منها وإنا
__________
(1) ترد ترجمته عند ورود ذكره في الرسالة.
(2) الإحكام 1: 136 - 138.

(3/24)


لنرجو أن لا يوجد لنا ذلك بمن الله تعالى ولطفه " .
ولا يزال هذا المنهاج من الناحية النظرية سديداً جيداً، أما عند التطبيق العملي فإنه يسمح باختلاف كثير.
وقد كشفت هذه الرسالة عن عدة أمور هامة، منها: مدى اطلاع ابن حزم على الفقه المالكي: " فلعمري ما لشيوخهم ديوان مشهور ومؤلف في نص مذهبهم إلا وقد رأيناه ولله الحمد كثيراً ككتاب ابن الجهم وكتاب الأبهري الكبير والأبهري الصغير والقزويني وابن القصار وعبد الوهاب والأصيلي " . ومنها نظرته الموضوعية الناقدة بعد اطلاعه على ما ألفه أهل كل مذهب: " فألف أصحاب الحديث تواليف جمة وألف الحنيفون تواليف جمة وألف المالكيون تواليف والشافعيون تواليف فلم يكن عندنا تأليف طبقة من هذه أولى أن يلتفت إليه من تأليف غيرها بل جمعناها - ولله الحمد - وعرضناها على القرآن وما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم " .
وحدد ابن حزم في هذه الرسالة مظان الحديث المعتمدة عنده وهي: تصنيف البخاري وأبي داود والنسائي وابن أيمن وابن أصبغ وعبد الرزاق وحماد ووكيع ومصنف ابن أبي شيبة أو مسنده وحديث سفيان بن عيينة وحديث شعبة. ويقول ابن حزم إنه أضرب عن الحديث المستور من الرواة صيانة لأقدار الأئمة عن تعريضهم لمن لا يعبأ به الله شيئاً. وذكر أنه كان يقتني كل هذه الدواوين وقد رواها وضبطها وصححها.
وثمة شيء آخر كشفت عنه هذه الرسالة وهو شيوع آراء منسوبة لابن حزم لم يقل هو بها (ف: 26، 27، 28، 30) وكان هذا مما يوسع شقة الاختلاف بينه وبين أهل المذاهب الأخرى.
- 3 -
رسالة في الرد على الهاتف من بعد (1)
وهذه الرسالة شبيهة بالرسالة السابقة، بل توشك أن تكون ثانية الرسالتين اللتين سئل فيهما سؤال تعنيف، إذ يقول في أولها " أما بعد فإن كتابين وردا علي لم يكتب كاتبهما اسمه فيهما " ، ثم يذكر أنه أجاب عن الاول، وأنه بصدد الإجابة في هذه
__________
(1) يرى الابن العزيز الباحث الظاهري المحقق أبو عبد الرحمن بن عقيل أن هذه الرسالة كانت رداً على أبي الوليد ابن البارية أحد فقهاء ميورقة. (انظر ص: 126).

(3/25)


الرسالة عن الكتاب الثاني. ومنزع الاتهامات في الرسالتين واحد، وإن كانت تلك الاتهامات في الرسالة السابقة اعم واكثر وقد أديت بلهجة محاور هادئ نسبياً. أما في هذه الرسالة فإن من بعد امرؤ غاضب يعتمد الشتم والبذاء أكثر مما يعتمد الاحتجاج، فهو يتهم ابن حزم بأنه مفتون جاهل أو متجاهل وأنه ينطوي على خبث سريرة وأنه قليل الدين ضعيف العقل قليل التمييز والتحصيل، وأنه نبغ في آخر الزمان بعيداً عن القرون الأولى الممدوحة في وقت غلبت عليه قلة العلم وكثرة الجهل (وفي هذا يشركه أيضاً الهاتف من بعد دون أن يدري) وهو ينذره بضرورة التوبة فغن لم يفعل فإنه سيستعدي عليه أهل العلم في أقطار الأرض ليفتوا بآرائهم في من كان على مثل حاله، ويختم ذلك داعياً أن يريح الله العباد والبلاد من ابن حزم أو يصلحه إن كان سبق ذلك في علمه.
ومع أن هذا السيل من الهجاء يمكن أن يعد هراء لا يغير حقيقة ولا يثبت تهمة، فإن ابن حزم جزأ أقوال هذا الهاتف في أربعة عشر موقفاً، ورد على كل موقف، حتى إن الهاتف حين قال " أنائم أنت أيها الرجل بل مفتون جاهل أو متجاهل " أجابه ابن حزم بهدوء شديد، ملتزماً الفهم الحرفي الظاهري لما أورده ذلك الهاتف فقال: فما نحن ولله الحمد إلا أيقاظ إذا استيقظنا ونيام إذا نمنا، وأما الفتنة فقد أعاذنا الله منها وله الشكر واصباً وأما وصفك لنا بالجهل فلعمري إننا لنجهل كثيراً مما علمه غيرنا، وهكذا الناس، وفوق كل ذي علم عليم (الفقرة: 4 في الرسالة).
وهذا السيل من الشتائم يدور حول تهمتين ترددنا في الرسالة السابقة:
(1) أولاهما أن ابن حزم يطعن على سادة المسلمين وأعلام المؤمنين ويقذفهم بالجهل، بل تخطى ذلك إلى الصحابة، وقال انهم ابتدعوا في الرأي وطعن عليهم وسفه آراءهم، وذهب به الاعتداد بالنفس حداً بعيداً حين ظن أنه قد صح له ما لم يصح للصحابة، ومن ثم فهو متناقض لأنه يدعو إلى عدم تقليد الصحابة ويحث أتباعه على تقليده.
والرد على هذه التهمة سهل، فابن حزم لم يطعن على أحد من أعلام المؤمنين وسادة المسلمين لا من الصحابة ولا ممن جاء بعدهم، بل هو يأخذ دينه مما نقله هؤلاء عن الرسول (ص)، وهو يعتقد انه أصح تقديراً للصحابة والأئمة السابقين لأنه جرى على سنتهم في رفض الرأي والقياس والتقليد، وهو لا يتعصب لإمام على إمام كما يفعل

(3/26)


خصومه، وإنما يأخذ كل ما يأخذه عن القرآن والسنة، وإذا كان لا يحتج برأي واحد دون الرسول ولا يقلده فليس معنى ذلك انه يعيبه ويزري عليه. إنما يطعن على الصحابة من ترك جميع ما قالوه إلا ما كان موافقاً لإمامه الذي يقلده. أما اتهامه بأنه يحث أصحابه على تقليده فإنها تدل على غفلة قائلها، إذ لا يصح لامرئ ينهى عن التقليد جملة وتفصيلاً، أن يفتح الباب على نفسه فيدعو الأصحاب لتقليده، فمثل ذلك تناقض لا يقع فيه شخص له أدنى حظ من الذكاء.
من الواضح أن توجيه هذه التهمة لابن حزم إنما كان يمليه التناحر المذهبي، ومحاولة الغض من الخصم بكل وسيلة ممكنة، وتشويه موقفه لإسكاته، وعلى ذلك فإن هذه التهمة الباطلة ظلت تلصق بابن حزم، حتى لقد رددها بعض الباحثين في العصر الحديث، دون أن يفقه مدى الشنعة فيها. ولو قال قائل انه يستعمل عبارة فجة خشنة - كما قال الذهبي (1) - لكان أقرب إلى الواقع، ولكن شتان بين ذلك وبين الوقيعة والطعن.
(2) وأما التهمة الثانية فهي ان تورط ابن حزم في إنكار الرأي والقياس والقول بالتقليد أو إن شئت فقل بلسان الخصوم: إن خروجه على مذهب مالك وغيره إنما كان بسبب تعويله على كتب الأوائل والدهرية وأصحاب المنطق وكتاب أقليدس والمجسطي وغيرهم من الملحدين.
وهذه التهمة أضعف من التي قبلها والرد عليها أسهل ولذلك واجهها ابن حزم بقوله:أخبرنا عن هذه الكتب من المنطق وأقليدس والمجسطي، أطالعتها أيها الهاذر أم لم تطالعها فإن كنت طالعتها فلم تنكر على من طالعها كما طالعتها أنت وهل أنكرت ذلك على نفسك، وأخبرنا ما الإلحاد الذي وجدت فيها وإن كنت لم تطالعها فكيف تنكر ما لا تعرف
والحقيقة التي تشف عنها هذه التهمة هي الجهل المطبق لدى ذلك الهاتف، فإن من يزج بكتاب أقليدس في مبادئ الهندسة مع كتب الملحدين والدهرية إنما يكشف عوار نفسه ومبلغ جهله.
ومسألة أخرى أهم من هذه جميعاً فاتت جميع الذين هاجموا ابن حزم وهي أن اطلاعه على هذه الكتب كان يجب أن يقوي لديه الميل إلى الأخذ بالرأي والقياس،
__________
(1) تذكرة الحفاظ: 1154.

(3/27)


أي الاحتكام إلى الجانب العقلاني في النظر إلى الأمور الشرعية، ومع ذلك فإن مطالعتها لم تزده إلا تصلباً برفض الرأي والقياس في شؤون الدين والشريعة، وبرفض العلل في تلك الشؤون نفسها، وكل ما أفاده ابن حزم من الاطلاع على المنطق هو أن يستوعب قيام الأحكام الشرعية على أسس منطقية. هو أمر حاوله الغزالي من بعد ولم يتهمه أحد بالإلحاد أو بالانقياد لآراء الدهرية.
- 4 -
رسالة التوقيف على شارع النجاة باختصار الطريق
تصور هذه الرسالة منعطفاً في مشكلة الثقافة بالأندلس، فبعد الثورة التي مثلها ابن عبد ربه ومن جرى مجراه على الثقافة الهيلينية متمثلة في التهكم بمن يقول بكروية الأرض أو بمن يطلب علم النجوم (أو الفلك بوجه عام) (1) أصبح المثقفون ينقسمون في فريقين: فريق يقبل على علوم الأوائل وفريق يعادي هذه العلوم ويقبل على علوم الشريعة، وعلى هذا الأساس وجه السؤال إلى ابن حزم: أين يقع الحق هل هو في صف طلاب الثقافة الهيلينية أو هو في صف طلاب الثقافة الإسلامية
ويبدو أن الذين طرحوا هذا السؤال على ابن حزم دون غيره من الناس إنما كانوا يحاولون الحصول على جواب توفيقي يبعث الاطمئنان في نفوسهم؛ إذ لا ريب في أنهم كانوا يعملون موقفه من علوم الأوائل، وما ناله من خصومه بسبب إقباله على تعلمها. ولكن يبدو أيضاً أن الذين ألقوا عليه ذلك السؤال لم يعرفوا رسالته في مراتب العلوم (وهي رسالة ستكون من مشتملات الجزء التالي) لأنهم لم يطلعوا عليها أو لأنها لم تكن قد كتبت بعد، أو أنهم اطلعوا عليها فلم يقتنعوا بما جاء فيها من مقررات - والفرض الأول أقرب إلى الرجحان - ولها جاءوا يسألونه حول الأفضلية: بين العلوم التي تنسب للأوائل والأخرى التي جاءت متصلة بالنبوة، مؤكدين أنهم يريدون بياناً مختصراً في هذه المسألة، ليكون حاسماً على نحو تقريري واضح، لا يضيع فيه الجواب المحدد في تضاعيف التفصيلات.
واستجابة لهذا المطلب قام ابن حزم بحصر العلوم المنتمية إلى الأوائل في أربعة هي/ الفلسفة وحدود المنطق، علم المساحة، علم الهيئة، علم الطب، ووصفها بأنها
__________
(1) انظر تاريخ الأدب الأندلسي - عصر سيادة قرطبة: 121 - 123.

(3/28)


علوم حسنة لأنها حسية برهانية، وأنها نافعة، ولكن منفعتها كلها دنيوية، لأنها تفيد في شؤون متعلقة بواقع الإنسان على هذه الأرض وتحقق له مصلحة في الدنيا، ومن هذا الجانب لا يمكن أن تكون المطلب النهائي للإنسان، إذ لا تستطيع أن تنافس ما جاءت به النبوة؛ ذلك أن ما جاءت به النبوة يحقق ثلاثة أشياء هامة تعجز عنها علوم الأوائل، وهي:
(1) إصلاح الأخلاق النفسية بينما العلوم الهلينية لا تستطيع إلا إصلاح الجسد؛ ومن الواضح أن إصلاح النفوس ومداواتها أهم من إصلاح الأجساد ومداواتها.
(2) دفع مظالم الناس الذين لم تصلحهم الموعظة وإيقاف التظالم بينهم، أي تنظيم أمور المعاش وإحقاق العدالة بين الناس، وهذا لا تستطيعه العلوم لأنها اجتهاد بشري غير ملزم ولا ينقاد له الناس بالطاعة كما ينقادون لأوامر صادرة من خارج نطاق الاجتهاد الإنساني.
(3) كفالة النجاة للنفس بعد المرحلة الدنيوية.
وقد يبدو من هذا العرض أن ابن حزم انتصر للعلوم الدينية دون أن ينكر الدور الهام الذي تقوم به علوم الأوائل، ولكن التعمق في دراسة الرسالة يدل على انه استطاع الربط بين الجانبين ربطاً وثيقاتً حين ذهب يثبت ضرورة الاستدلال العقلي البرهاني الذي يعده مدخلاً إلى التدين (1) ؛ فالمؤمن يستطيع عن طريق التمرس بالفكر المنطقي أن يتوصل إلى البت في أمر العالم: هل هو محدث أو لم يزل، والطرق للبرهان على حدوثه متعددة منها تناهي العدد، ومنها ان الزمان ذو مبدأ، وهذا يعني وجود أول وراء العالم، وهذا الأول لا يمكن أن يكون ذا مبدأ، وأن هذا الأول - وهو محدث العالم - هو الذي علم اللغة وأعطى الأشياء مسمياتها؛ فإذا قد صح ذلك حق لنا ان نتساءل: هل مبتدئ العالم واحد أو اكثر من واحد، وإذا فتشنا وجدنا أن الواحد غير موجود في تركيب العالم، لأنه قابل دائماً للانقسام، وإذن لا بد من واحد خارج عن تركيب العالم.
بعد ثبوت حدوث العالم ووجود أول محدث له ينتقل المرء ليتفحص الشرائع بنظر عقلي أيضاً (مستفاد من دراسة علوم الأوائل) فيجد الشرائع من مسيحية ويهودية
__________
(1) هذه هي طريقته الذاتية (في الربط) ولكنه لا يفرضها على الآخرين. كما يتبين من الرسالة التالية حين سئل هل فرض الله النظر؛ أي الاستدلال العقلي فنفى أن يكون النظر مفروضاً (الفقرة: 9 من الرسالة التالية).

(3/29)


ومجوسية ومانوية وصابئية جميعاً فاسدة، لفساد النقل إما بتغيير أو انقطاع أو ضياع أو تناقض أو غير ذلك، فلم تبق إلا شريعة واحدة تتمتع بالصحة وذلك هي ملة محمد (ص) وذلك لسببين هامين أولهما أن كتابه منقول عن كواف وثانيهما أن أعلامه مثل إعجاز القرآن وشق القمر منقولة كذلك.
من ثم يتبين أن جميع العلوم ليست سوى أدوات في خدمة العلم الذي يجدر بالإنسان أن يمضي عمره في طلبه، لأنه يكفل النجاة في المعاد، وهو علم الشريعة الإسلامية؛ فهو علم يؤخذ عن صاحب الشريعة نفسه لا عن غيره، من غير ان يكون لطالبه هدف دنيوي من إدراك رياسة أو كسب مال.
- 5 -
رسالة التلخيص لوجوه التخليص
هذه رسالة من أجود ما كتبه ابن حزم وأكثره هدوءاً وأعلقه بأسباب النفوس الباحثة عن طريق النجاة، ترفرف عليها مسحة الأخوة وتشملها سعة الأفق ورحابة الصدر، وفيها يظهر شموخ ابن حزم في اتساع النظرة الدينية، فهي خلاصة للاستقصاء في البحث والقدرة على الوضوح والوعي والدقة وفهم أحوال الدين والدنيا، كتبها رداً على أسئلة جاءته من بعض أصدقائه " لا يستغني عنها من له أقل اهتمام لدينه " أجادوا فيها السؤال وجود هو فيها الجواب، فضم الأسئلة المتشابهة بعضها إلى بعض في نطاق واحد واستشهد على آرائه بالأحاديث متخففاً من إسنادها في الأكثر، رجاء الاختصار، وكلها أحاديث صحيحة لا يشك أحد في صحتها ولا يتردد في قبولها إلا حديثين (ف: 8).
والأسئلة في مجموعها ثمانية وهي:
1 - ما أفضل ما يعمله المرء ليحصل به على عفو ربه وما انفع ما يشتغل به من كثرت ذنوبه في تكفير الصغائر والكبائر.
2 - ما العمل الذي إذا قطع به الإنسان باقي عمره رجا الفوز وما السيرة التي يختارها ابن حزم.
3 - ما القدر الذي يطلبه المرء من العلوم
4 - أي الأمور في النوافل أفضل الصلاة أم الصيام أم الصدقة

(3/30)


5 - هل حديث التنزل صحيح وهل الإجابة مضمونة في تلك الساعة
6 - ما رأي ابن حزم في الفتنة الأندلسية وانقسام البلاد إلى إمارات
7 - كيف تكون السلامة في المطعم والملبس والمأكل للذين يسكنون الأندلس في ظل تلك الفتنة
8 - هل تتفاضل الكبائر
وإذا استثنينا السؤال الخامس - وهو يدور حول مشكلة محددة - وجدنا الأسئلة الأخرى جميعاً بالغة الأهمية.
وفي الجواب عن السؤال الأول وضح ابن حزم رأيه في ماهية " الكبيرة " وما الذي يخفف من أثقال الذنوب وأن الله مواهب خمساً قد أتحفنا بها، لا يهلك على الله بعدها إلا هالك وهي:
1 - أن الله يغفر الصغائر باجتنابه الكبائر.
2 - أن التوبة الخالصة قبل الموت تسقط الكبائر نفسها.
3 - إذا ارتكب المرء الكبائر وزنت حسناته بسيئاته فإن رجحت حسناته غفر الله له.
4 - أن السيئة بمثلها والحسنة بعشرة أمثالها.
5 - أن هناك شفاعة ذخرها الله للمؤمنين يخرجهم بها بعد أن ينالوا شطراً من العذاب.
وكان من حق ابن حزم هنا أن يجيب عن السؤال الثامن وهو: هل تتفاضل الكبائر لأنه متصل بالموضوع الأول في أجوبته. وإنا لنرى مبلغ الأمل الذي بثه ابن حزم في النفوس عن طريق فهمه الواسع لروح الدين، وهو يجيب عن السؤال الأول.
فأما الجواب عن العمل الذي يختاره والسيرة التي يفضلها فقد كان جواباً بارعاً في دقته وشموله؛ ومنه ومن أجوبة أخرى في هذه الرسالة تتضح لنا الروح الاجتماعية التي أدركها ابن حزم من طبيعة الدين، فافضل الأعمال ثلاثة متدرجة، وكلها تضع الفرد موضع المسؤولية الاجتماعية: أولها وأهمها: عمل عالم يعلم الناس دينهم؛ وثانيها: الحاكم العادل الذي يشارك رعيته في كل عمل عملوه في ظل عدله وامن سلطانه؛ وثالثها: مجاهد في سبيل الله، وهكذا تتدرج مراتب العمل عند ابن حزم من أوسع حدوده الاجتماعية إلى أصغر المراتب الفردية حتى يتم من ذلك تسع مراتب متفاضلة

(3/31)


متدرجة لا تحرم الإنسان أملاً، وتليها جميعاً مرتبة واحدة مؤكدة الهلاك وهي حال الكافر فحسب. ومرة أخرى يتبين لنا اخذ ابن حزم بالرجاء وفهمه الدقيق لطبيعة موقف الفرد في الجماعة أو بعيداً عنها.
وهذا الفهم للنواحي الاجتماعية هو خير ما يميز هذه الرسالة، ومن خلال هذه الأجوبة كتب ابن حزم صفحة هامة في التاريخ الاجتماعي الاقتصادي للأندلس بعيد الفتنة البربرية، ونحن مدينون له بمعرفة أن الأندلس لم تخمس ولم تقسم عند الفتح، لكن نفذ الحكم فيها بأن لكل يد ما أخذت، ووقعت في البلاد غلبة إثر غلبة، دخلها أولاً الأفارقة فحازوا ما حازوه ثم الشاميون أصحاب بلج فاخرجوا اكثر العرب والبربر المعروفين بالبلديين عما كان بأيديهم ثم كانت الفتنة البربرية فاخذ البربر يستولون على ما بأيدي السكان ويشنون الغارات على المواشي وثمار الزيتون.
ويرى ابن حزم أن كل مدبر مدينة أو حصن في الأندلس فهو محارب لله تعالى ساع في الفساد لأنه يسمح بالغارة على الرعية ويبيح للجند قطع الطريق ويضرب المكوس والجزية على رقاب المسلمين ويسلط اليهود عليهم ليجمعوها منهم، وتسمى هذه الجزية " القطيع " وتؤدى بالعنف ظلماً وعدواناً لدفع رواتب الجند، فيعامل الجند بهذه الدراهم والدنانير التجار والصناع فتصبح في حرمتها كالحيات والعقارب والأفاعي بعد أن كانت حلالاً مستخرجاً من وادي لا ردة، ولا سلامة إلا بالإقرار بحرمتها والاستغفار من ذلك إذ كان التورع عن استعمالها أمراً غير عملي.
ثم يكون القطيع أيضاً من الغنم والبقر والدواب وعلى الأسواق وعلى إباحة بيع الخمر من المسلمين، وهذه الدواب تباع للذبح وللنسل. فإذا امتنع المرء عن أكل اللحم لم يمتنع عن شراء الدواب للنسل والحرث، وهي نار كلها لأنها بدل من المثمن، ثم ينصرف ثمنها في أنواع التجارات.
ثم إن مرتبات الجند تتحصل أيضاً من الجزية على الصابون والملح والدقيق والزيت والجبن، وهي جزية غير مشروعة يدفعها المسلمون وتجري في التعامل " وقد علمتم ضيق الأمر في كل ما يأتي من البلاد التي غلب عليها البربر من الزيت والملح وغن كل ذلك غصب من أهله، وكذلك الكتان أكثره من سهم صنهاجة الآخذين النصف والثلث ممن نزلوا عليه من أهل القرى، ولا سلامة من أكل الحرام والتعامل به في كل ذلك، ولكن ليفعل المرء ما هو ممكن وهو أن يجتنب ما يعرف انه غصب معرفة يقين، ثم يعذر

(3/32)


فيما جهله " .
وتستعلن ثورة ابن حزم على هذا الوضع السيئ وعلى الحكام الذين يمكنون للذميين من المسلمين، ويسلمون الحصون للروم دون قتال، على تساهلهم في شؤون المسلمين والاهتمام بمصالح أنفسهم دون مصالح الرعية، ومع ذلك لا نراه ينصح بالخروج عن طاعتهم، وهو نفسه في حيرة من الامر، لانه يعتقد أن اجتماع كل من ينكر بقلبه يؤلف قوة لا تغلب فكيف لا يتم هذا والمسألة أصعب من أن يدعو فيها إلى إصلاح شامل بالقوة ولذلك تراه ينصح بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبالتقية لمن عجز عن ذلك، ولكنه شديد الإنكار على من يعين أولئك الظلمة أو يزين لهم أفعالهم، فإذا اضطر المرء للدخول على بعضهم لقضاء الحقوق فيلفعل، وليعظ إن وجد للوعظ مجالاً.
أما العلوم وما يجب طلبه منها فقد وضحه ابن حزم في رسالة في مراتب العلوم بإسهاب وأورد شيئاً مما قاله هنالك في هذه الرسالة بوجه الإيجاز، وخلاصة رأيه أن طلب علم القراءات والنحو واللغة فرض كفاية، وأن طلب العلم إجمالاً لابد أن يكون لوجه الله تعالى غير مخلوط بشيء من طلب الجاه والذكر في هذه الدنيا، والعلم أضعف السبل إلى كسب المال، وغيره من الطرق أقدر على كسب الدنيا لمن أرادها.
وعرج ابن حزم في آخر الرسالة على ذكر التوبة فقسمها أربعة أقسام:
1 - التوبة من ذنوب بين العبد وربه كالزنا، وشرب الخمر، وهذه تتم بالاستغفار والقلاع والندم.
2 - التوبة من تعطيل الفرائض عمداً وتتم بالندم والإكثار من النوافل وفعل الخير. ولا قضاء لما فات عند ابن حزم في صوم أو صلاة، أما الزكاة والكفارات فليؤد ما فاته منها.
3 - التوبة لمن امتحن بمظالم العباد وضرب أبشارهم وقذف أعراضهم وإخافتهم ظلماً وتتم بالخروج عن المال المأخوذ ظلماً ورده إلى أصحابه أو إلى ورثتهم أو إلى إمام المسلمين إن كان لهم إمام عدل.
4 - توبة من امتحن بقتل النفس، وهو أصعب الذنوب، وتتم بان يمكن ولي المقتول من دم القاتل، أو ليلزم الجهاد وليتعرض للشهادة جهده.

(3/33)


- 6 -
رسالة البيان عن حقيقة الإيمان
كان ابن الحوات أحد المعجبين بابن حزم حتى إنه ليقول في رسالته إليه: " إنه لولا خوف المشغبين وما ذهينا به من ترؤس الجاهلين لكتبت أقوالك ومذاهبك وبثثتها في العالم وناديت عليها كما ينادى على السلع " ، وكان قريباً في الطريقة من ابن حزم: قوة نظر وذكاء وسرعة جواب واستعمالاً للبرهان، أي أن فيه ما يهيئه لان يكون " متكلماً " ، ولكن بين الصديقين فوارق أساسية في الطبيعة وعناصر الشخصية. فابن الحوات يخاف المشغبين والحكام الجاهلين، ويحاول أن يقنع صديقه بألا يعرض نفسه للمحنة، ويلمح إليه أنه - أي ابن الحوات - يستعمل ضروباً من الساسة في معاملة الناس، وكأنه يحضه على اتباع طريقته، ولكن ابن حزم يعتقد أن الخوف من المشغبين والمترئسين الجاهلين لا يكف أذاهم، ولذلك فهو يؤثر ان يصدع بالحق دون خشية، وهو لا يخاف الناس " فقد سبق القضاء بما هو كائن فلا ترده حيلة محتال " ، وعدم التعرض للمحنة في سبيل الحق ينطبق عليه مثل يردده العوام: " فلان يحب الشهادة والرجوع إلى البيت " فقد جرب هو مواجهة الأخطار حتى لقد انتصر له ناس يخالفونه في مقالته، اليس هذا حماية من الله عز وجل الذي وعد بنصر من ينصره لقد قام يذب عن ابن حزم حين كثرت عليه الهجمات القاضي عبد الرحمن بن بشر وابن عبد الرءوف صاحب الاحكام وحكم بن منذر بن سعيد ويونس بن عبد الله بن مغيث وأحمد بن عباس واحمد بن رشيق، فلماذا يخاف نعم إن السياسة قد تكون ناجحة، ولكن يبدو أنها لم تكن في طبعه، ولهذا فهو يستحسنها حين تكون ضرباً من الموعظة الحسنة، ولكنه لا يستطيع أن يتحول عن طريقته في النقد المواجه إلى المداراة. ويتخلل هذه التلميحات التوجيهية من صديقه ابن الحوات قضيتان أشبه بالنادرتين: في إحداهما يعتب ابن الحوات على ابن حزم انه نمي إليه بأنه (أي ابن حزم) قد نسب إلى صديقه القول بأن لا إدام إلا الخل، وفي الثانية ابن حزم بأنه سريع إلى إفشاء ما يقوله مؤيدوه بل قد يقولهم ما لم يقولوه؛ ويتنصل ابن حزم من هاتين التهمتين ضاحكاً من الثانية متبرئاً من الأولى لأنه لا يستجيز الكذب على أحد ولا يستحل الخروج على المنطق في مثل ذلك القول، لأنه يعلم تمام العلم أن الادام أنواع كثيرة.
تلك مقدمة أشبه بالحديث الذاتي، ولكن رسالة البيان عن حقيقة الإيمان إنما

(3/34)


أثارتها قضية أخرى كانت قد دونت في مدرجة ملحقة برسالة ابن الحوات، وهذه القضية هي: هل يتم إيمان المرء دون استدلال ذلك أن ابن الحوات مثل ابن حزم ينكر التقليد، ومن أنكر التقليد توصل بسهولة إلى القول بان العقل الإنساني قادر على معرفة الله، خصوماً وان الآيات التي تحض على استعمال النظر كثيرة، وخصوماً وان ابن حزم نفسه - كما رأينا في رسالة سابقة - يستعمل الاستدلال طريقاً للإيمان.
وجواب ابن حزم عن هذه القضية واضح صريح: نعم إنه يعرف علم الكلام وطرائق أهله في الاستدلال، فهو لا يجهل ذلك ولا يمكن أن يتهم بأنه يعادي شيئاً لجهله به. وأنه يستعمل الاستدلال ويحسن استعماله حين يشاء ولكنه لا يراه فرضاً على الناس. بل المفروض على الناس الائتمار لما جاء به الوحي، والآيات الواردة في القرآن حضت على النظر، وثمة فرق شاسع بين الحض والأمر.
وهو ينكر التقليد وينهى عنه، ولكن لو أن إنساناً اهتدى إلى الحق عن طريق التقليد لكان مصيباً في الاهتداء إلى الحق مذموماً في المنهج الذي اختاره؛ فالتقليد مذموم لكن إن أدى إلى باطل فقد أوقع صاحبه في الكفر أو الفسق، وإن أدى إلى حق فقد جاء على صاحبه بالتوفيق، ولكنه لم يبرئه من الذم.
والفرق بينه وبين ابن الحوات أن هذا الثاني يريد أن يعمم رفض التقليد بحيث يتناول أيضاً عدم تقليد الرسول، احتكاماً إلى العقل على طريقة المعتزلة والأشعرية، بينا يرى ابن حزم ان التقليد هو تقليد كل إنسان دون الرسول، فأما الأخذ بما جاء به الرسول فهو ائتمار لا تقليد. كذلك فإن ابن الحوات يرى أن الرسول لا تجب طاعته إلا بعد معرفة الله، فمعرفة الله مقدمة على معرفة رسله، أما ابن حزم فيرى أن العقل الإنساني لم يعط القدرة على ذلك، وأنه لا وجوب لشيء إلا إذا دعا إليه الرسل، ومعرفة الله قد وجبت على الناس بدعاء الرسل لا بقدرة العقل. فالعقل لا يحرم شيئاً ولا يوجبه وإنما فيه معرفة الأشياء على ما هي عليه. العقل قادر على التلقي والتفسير ولكنه لا يوجب حرمة لحم الخنزير أو أن تكون صلاة الظهر أربع ركعات.
كل ما تطلبه الدين من الناس هو الإقرار بدعوة الإسلام وتحقيقها في القلوب، ولكنهم لم يكلفوا المعرفة البرهانية، ومعظم الأمة لا يعرف أن يتهجى كلمة " استدلال " ومع ذلك فغن الواحد فيهم يتحمل العذاب في سبيل دينه، ويستحل دم أبيه إذا كفر.
وبعد هذا الجدل النظري يعود ابن حزم بصديقه إلى الواقع العملي: فيتدرج به في

(3/35)


الخطوات التالية:
1 - هل كان إسلام أبي بكر وخديجة وعائشة وعلي وبلال قائماً على طلب معجزة
2 - هل كان إسلام من دعي إلى الإسلام من خارج مكة كالنجاشي وذي الكلاع والمبايعين من الأنصار قائماً على طلب معجزة
3 - هل بدأ ابن الحوات نفسه بالاستدلال على معرفة الله حين البلوغ، وإذا بدأ هذا الاستدلال بعد سنوات من بلوغه الحلم فهل كان خلال تلك السنوات مؤمناً أو كافراً
وإذن فهو ينبه صديقه إلى أن لا يتمادى في الانسياق وراء المتكلمين، فهم أجسر الناس على عظيمة تقشعر منها الجلود، وهم سبب المنازعات بين المسلمين وتكفير بعضهم بعضاً.
وهكذا وجد ابن حزم من " يزايد " عليه في إنكار التقليد إلى حد التحريم، ويتجاوزه إلى الاحتكام للعقل، متأثراً بطرائق المتكلمين دون أن يكون كذلك، ولكنه قد أوصل أحد المبادئ التي يدعو لها ابن حزم إلى نهايته المنطقية.
7، - 8
رسالة في الإمامة، ورسالة في حكم من قال إن أرواح أهل الشقاء معذبة إلى يوم الدين
تتناول الرسالة الأولى أحوال إمام يصلي خلفه الناس دون أن يعرفوا مذهبه، وهذا الإمام يجيز الوضوء بالنبيذ، والغسل من حوض الحمام وهو راكد، ويمسح في الوضوء بطرف رأسه، ويبسمل في الفاتحة ويجعل البسملة آية . إلى غير ذلك من أحواله؛ وتدل الأجوبة على أن ابن حزم لا يرى في أكثر هذه الأحوال مدعاة لعدم الصلاة خلف ذلك الإمام، ذلك لان كل ما يؤاخذه به ذلك السائل قد فعله جماعة من كبار الصحابة والتابعين وليس السائل بأفضل منهم.
ولكن الرسالة لا تتوقف عند حد الإمامة، وإنما تتناول أسئلة عن السلم وعن تفرق الأمة ثلاثاً وسبعين فرقة؛ ويدل آخر سؤال على ان السائل مالكي المذهب فهو يطلق على مالك لقب " أمير المسلمين في العلم " فيرد ابن حزم بان ليس للمسلمين أمير طاعته مفترضة في الدين بعد الرسول ويعد عدداً كبيراً من الأئمة لم يكونوا يقلون عن مالك اطلاعاً وتقوى، ويحذر سائله من الإفراط في العصبية لمالك، فقد أفرط قوم في

(3/36)


علي - وهو أعلى من مالك بدرجات كثيرة - فضلوا.
وأما الرسالة الثانية (وهي الثامنة بحسب ترتيب هذا الجزء) فإنها لا تقف عند مدلول العنوان، إذ ليس العنوان إلا سؤالاً عن المشكلة التي تناولت الفقرات الخمس الأولى، فإذا انتقلنا إلى الفقرة التالية وجدنا سؤالاً عن الذنوب التي تاب عنها المرء هل تبقى مكتوبة في صحيفته، وأسئلة أخرى عن من حلف مكرهاً هل تجب عليه كفارة، وعن المأسور في دار الحرب هل تلزمه العهود التي قطعها للعدو على نفسه وغير ذلك. وتتخلل الرسالة خرافات يستنكرها ابن حزم، وروح شكية يستعيذ بالله منها، وهي على الجملة رسالة متعددة الأغراض لا تضبط بموضوعات كبرى.

(3/37)


فراغ

(3/38)


1 - رسالة في الرد على ابن النغريلة اليهودي.

(3/39)


فراغ

(3/40)


- 1 -
[47 - أ ب] رد أبي محمد بن حزم على ابن النغريلة اليهودي لعنه الله
بسم الله الرحمن الرحيم
وبه نستعين وصلى الله على سيدنا محمد وآله
قال أبو محمد علي بن احمد بن حزم رضي الله عنه:
الحمد لله رب العالمين حمداً كثيراً وصلى الله على سيدنا محمد عبده ورسوله وسلم تسليماً، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم:
1 - اللهم إنا نشكو إليك تشاغل أهل الممالك من أهل ملتنا بدنياهم عن إقامة دينهم، وبعمارة قصور يتركونها عما قريب عن عمارة شريعتهم اللازمة لهم في معادهم ودار قرارهم، وبجمع أموال ربما كانت سبباً إلى انقراض أعمارهم وعوناً لأعدائهم عليهم، وعن حياطة ملتهم [بها] عزوا في عاجلتهم وبها يرجون الفوز في آجلتهم حتى استشرف لذلك أهل القلة (1) والذمة، وانطلقت ألسنة أهل الكفر والشرك بما لو حقق النظر أرباب الدنيا لاهتموا بذلك ضعف همنا، لأنهم مشاركون لنا فيما يلزم الجميع من الامتعاض للديانة الزهراء والحمية للملة الغراء، ثم هم متردون بما يؤول إليه إهمال هذا الحال من فساد سياستهم والقدح في رياستهم، فللأسباب أسباب، وللمداخل إلى البلاء أبواب، والله اعلم بالصواب. وقد قال علي بن العباس (2) :
لا تحقرن سبيباً ... كم جر أمراً سبيب وقال أبو نصر ابن نباتة (3) :
__________
(1) ص: العلة.
(2) هو ابن الرومي، والبيت في ديوانه: 183 (اختيار كامل كيلاني) والرواية فيه: كم جر نفعاً سيبب؛ وانظر أيضاً ديوانه الكامل 1: 146.
(3) أبو نصر عبد العزيز بن محمد بن نباتة السعدي (317 - 405) من مقدمي شعراء عصره؛ انظر ترجمته في اليتيمة 2: 380 وابن خلكان 3: 190 وتاريخ بغداد 10: 466؛ وقد نشر ديوانه (بغداد 1977) بتحقيق عبد الأمير الطائي والبيتان فيه (2: 703) وفي اليتيمة 2/ 395 والإعجاز والإيجاز: 235 وحماسة الظرفاء: 201 ونهاية الأرب 3: 108.

(3/41)


فلا تحقرن عدواً رماك ... وإن كان في ساعديه قصر
فإن السيوف (1) تجذ الرقاب ... وتعجز عما تنال الإبر لاسيما إن كان العدو من عصابة لا تحسن إلا الخبث مع مهانة الظاهر فيأنس المغتر إلى الضعف البادي، وتحت ذلك الختل والكيد والمكر، كاليهود الذين لا يحسنون شيئاً من الحيل (2) ولا آتاهم الله شيئاً من أسباب القوة وإنما شأنهم (3) الغش [148/ أ] والتخابث والسرقة، على التطاول والخضوع، مع شدة العداوة لله تعالى ولرسوله صلى الله عليه وسلم.
2 - وبعد فإن بعض من تقلى قلبه (4) للعداوة للإسلام وأهله وذوبت كبده ببغضه الرسول صلى الله عليه وسلم من متدهرة الزنادقة المستسرين بأذل الملل وأرذل النحل من اليهود التي استمرت لعنة الله على المرتسمين بها، واستقر غضبه عز وجل [على] المنتمين إليها، أطلق الأشر لسانه، وأرخى البطر عنانه، واستشمخت لكثرة الأموال لديه نفسه المهينة، وأطغى توافر (5) الذهب والفضة عنده همته الحقيرة، فألف كتاباً قصد فيه، بزعمه، إلى إبانة تناقض كلام الله عز وجل في القرآن اغتراراً (6) بالله أولاً، ثم بملك ضعفة (7) ثانياً، واستخفافاً بأهل الدين بدءاً، ثم بأهل الرياسة في مجانة (8) عوداً؛ فلما اتصل بي أمر هذا اللعين لم أزل باحثاً عن ذلك الكتاب الخسيس لأقوم فيه بما أقدرني الله عز وجل عليه من نصر دينه بلساني وفهمي، والذب عن ملته ببياني وعلمي، إذ قد عدمها، والمشكى إلى الله عز وجل ووجود الأعوان والأنصار على توفية هذا الخسيس الزنديق المستبطن مذهب الدهرية في باطنه، المكفن بتابوت اليهودية في ظاهره، حقه الواجب عليه من سفك الدماء واستيفاء ماله وسبي نسائه وولده، لتقدمه طوره وخلعه الصغار عن عنقه، وبراءته من
__________
(1) اليتيمة: فإن الحسام يجز؛ وفي ص: تحد.
(2) الحيل: كذا، ولعله: الحول.
(3) ص: ياتهم.
(4) ص: فعلى ولبه.
(5) ص: نوافر.
(6) ص: اعتزازاً.
(7) ص: يملك ضعفه.
(8) ص: مكانة.

(3/42)


الذمة الحاقنة (1) دمه، المانعة من ماله وأهله، وحسبنا الله تعالى ونعم الوكيل. فأظفرني القدر بنسخة رد فيها عليه رجل من المسلمين، فانتسخت الفصول التي ذكرها ذلك الراد عن هذا الرذل الجاهل، وبادرت إلى بطلان ظنونه الفاسدة بحول الله تعالى وقوته؛ ولعمري عن اعتراضه الذي اعترض به ليدل على ضيق باعه في العلم، وقلة اتساعه في الفهم على ما عهدناه عليه [148 ب] قديماً، فإننا ندريه عارياً إلا من المخرقة، سليماً إلا من الكذب، صفراً إلا من البهت؛ وهذه عقوبة الله تعالى المعجلة لمن سلك مسلك هذا الزنديق اللعين مقدمة، أما ما أعد الله له ولأمثاله من الخلود في نار جهنم [فهو] المقر لعيون أولياء الله عز وجل فيه وفي ضربائه، وبالله تعالى التوفيق ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
3 - الفصل الأول: فكان أول ما اعترض به هذا الزنديق المستسر باليهودية، على القرآن بزعمه أن ذكر [قول] لله عز وجل: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك} (النساء: 78) قال هذا المائق (2) الجاهل: فأنكر في هذه الآية تقسيم القائلين بأن ما أصابهم من حسنة فمن الله وما أصابهم من سيئة فمن عند محمد، وأخبر أن كل ذلك من عند الله؛ قال: ثم قال في آخر هذه الآية: {ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} (النساء: 79) قال هذا الزنديق الجاهل: فعاد مصوباً لقولهم ومضاداً لما قدم في أول الآية:
4 - قال أبو محمد بن حزم: لو كان لهذا الجاهل الوقاح أقل بسطة أو أدنى حظ من التمييز لم يتعرض بهذا الاعتراض الساقط الضعيف، والآية المذكورة مكتفية بظاهرها عن تكلف تاويل، مستغنية ببادي ألفاظها عن تطلب وجه لتأليفها، ولكن جهله أعمى بصيرته وطمس إدراكه. وبيان ذلك أن الكفار يقولون: إن الحسنات الواصلة إليهم هي من عند الله عز وجل وان السيئات المصيبة لهم (3) في دنياهم هي من عند محمد صلى الله عليه وسلم، فأكذبهم الله تعالى في ذلك، وبين وجه ورود حسنات الدنيا وسيئاتها على كل من فيها بان الحسنات السارة هي من عند الله تعالى بفضله على الناس، وان كل سيئة يصيب الله تعالى بها إنساناً في دنياه فمن [149/ أ] قبل نفس المصاب بها بما يجني على نفسه من تقصيره فيما يلزمه من أداء حق الله تعالى الذي لا
__________
(1) ص: الخافتة.
(2) ص: المالق.
(3) ص: إليهم.

(3/43)


يقوم به أحد، وكل ذلك من عند الله تعالى جملة، فأحد الوجهين (1) وهو: الحسنات فضل من الله تعالى مجرد لم يستحقه أحد على الله تعالى إلا حتى يفضل به عز وجل من احسن إليه من عباده، والوجه الثاني وهو السيئات تأديب من الله تعالى أوجبه على المصاب بها تقصيره عما يلزمه من واجبات ربه تعالى.
5 - ولا يستوحشن (2) مستوحش فيقول: كيف يكون النبي صلى الله عليه وسلم المخاطب بهذا الخطاب مقصراً في أداء واجب ربه تعالى فليعلم أن التقصير ليس يكون معصية في كل وقت، وإنما يكون النبي عليه السلام منزهاً عن تعمد المعصية صغيرها وكبيرها. وأما تأدية شكر الله تعالى وجميع حقوقه على عباده فهذا ما لا يستوفيه ملك ولا نبي فكيف من دونهما، كما أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم: " إن أحدكم لا يدخل الجنة بعمله " فقيل له: ولا أنت يا رسول الله فقال: " ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته " (3) ، أو كما قال عليه السلام.
6 - فإنما أنكر الله تعالى على الكفار في الآية المتلوة آنفاً قولهم للنبي عليه السلام: عن ما أصابهم من سيئة فهي منك يا محمد، وأخبر عز وجل أنها من عند أنفسهم، وأن كل ذلك من عند الله تعالى؛ فلم يفرق المجنون بين ما أوجبه الله تعالى من أن كل من أصابته سيئة فمن نفسه، وبين ما ذكر الله تعالى من قول الكفار لمحمد صلى الله عليه وسلم: إن ما أصابهم من سيئة فمنك يا محمد. فأي ظلم يكون اعظم من ظلم من جهل أن يفرق بين معنيي هذين اللفظين
7 - وإنما كان الكفار يتطيرون بمحمد صلى الله عليه وسلم عندما يرد عليهم من نكبة تعرض لهم (4) بكفرهم وخلافهم له عليه [149 ب] السلام، كما تطير إخوانهم قبلهم بموسى صلى الله عليه وسلم إذ قال تعالى حاكياً عنهم قولهم: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله} (الأعراف: 131). وما أرى هذا الزنديق الأنوك إذ (5) اعترض بهذا
__________
(1) ص: إلا لو أحد الوجهين.
(2) ص: يستوحش.
(3) ورد الحديث في البخاري (رقاق: 18) ومسلم (منافقون: 71 - 73) وابن ماجة (زهد: 20) وفي مواضع كثيرة من مسند أحمد، انظر مثلاً 2: 235، 256، 264، 319
(4) ص: تعرضهم.
(5) ص: إذا.

(3/44)


الاعتراض كان إلا سكران الخمر، وسكر عجب الصغير إذا كبر، والخسيس إذا أشر، والذليل الجائع إذا عز وشبع، والسفلي إذا أمر وشط، والكلب إذا دلل ونشط، فإن لهذه المعاني مسالك خفية (1) في إفساد الأخلاق التي تقرب من الاعتدال. وكيف بخلق سوء متكرر في الخساسة والهجنة والرذالة والنذالة واللعنة والمهانة
ولله در القائل (2) :
[إذا أنت أكرمت الكريم ملكته] ... وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا ... مضر كوضع السيف في موضع الندى وهذا الذي قلنا هو المفهوم من نص الآية دون تزيد ولا انتقاص ولا تبديل لفظ، والحمد لله رب العالمين كثيراً.
8 - ولكن لو تذكر هذا المائق الجاهل ما يقرأونه في كفرهم البدل وإفكهم المحرف بأخرق تحريف وأنتن معان - حاشا ما خذلهم الله تعالى في تركه على وجهه ليبدي فضائحهم، فأبقوه تخبيثاً من الله تعالى لهم ليكون حجة عليهم، من ذكر عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم - في كتابهم الذي يسمونه: " التوراة " إذ يقولون فيه في السفر الرابع عن موسى صلى الله عليه وسلم انه قال مخاطبا لله عز وجل (3) : " يا رب كما حلفت قائلاً: الرب وديع ذو حن عظيم بعفو عن الذنب والسيئة وليس ينسى شيئاً من المآثم، الذي يعاقب بذنب الوالد الولد في الدرجة الثانية والرابعة " . ويقرأون فيه أيضاً في أول السفر الأول (4) : " إن قاين ابن آدم عاقبه الله في السابع من ولده " ثم يقرأون في الكتاب المذكور نفسه في السفر [150 و] الخامس منه: " إن الله تبارك وتعالى قال لموسى: لا تقتل الآباء لأجل الأبناء، ولا الأبناء لأجل الآباء، ألا كل واحد يقتل بذنبه " - فلو تفكر هذا الجاهل المائق وعظيم التناقض لشغله عظيم مصابه عن أن يظن بقول الله تعالى الذي هو الحق الواضح الواحد غير المختلف: {قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً* ما أصابك من حسنة
__________
(1) ص: خفيفة.
(2) هو المتنبي، والبيتان في ديوانه: 361.
(3) عدد 14: 17 - 18 " فالآن لتعظم قدرة سيدي كما تكلمت قائلاً الرب طويل الروح كثير الإحسان يغفر الذنب والسيئة لكنه لا يبرئ بل يجعل ذنب الآباء على الأبناء إلى الجيل الثالث والرابع " .
(4) ان قاين ولد آدم الخ: ليس هذا كذلك في (ع) التكوين 4: 23 وفيه: لذلك كل من قتل قايين فسبعة أضعاف ينتقم منه. وقد أخبرني الدكتور عبد المجيد بأن النص العبري يعني سبعة أضعاف حيثما ورد في أسفار العهد القديم.

(3/45)


فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك} وهذا قد بيناه كما مر آنفاً انه لا مجاز للتناقض فيه أصلاً، وإنما التناقض المحض ما نسبوا إلى موسى عليه السلام من أنه قدر بربه أنه يغفر الذنب لفاعله، ويعاقب بذلك الذنب من كان من ولد المذنب في الدرجة الرابعة، ثم يقول في مكان آخر: أن لا تقتل الأبناء لأجل الآباء ولا الآباء لأجل الأبناء، هذا مع إقرارهم بأنه ليس في التوراة ذكر عذاب ولا جزاء بعد الموت أصلاً، وإنما فيها الجزاء بالثواب والعقاب في الدنيا فقط، فهذا هو التناقض المجرد الذي لا خفاء به، وبالله تعالى التوفيق.
9 - الفصل الثاني: وكان مما اعتراض به أيضاً ان ذكر قول الله تعالى: {أم السماء بناها رفع سمكها فسواها وأغطش ليلها وأخرج ضحاها والأرض بعد ذلك دحاها أخرج منها دماءها ومرعاها والجبال أرساها}، (النازعات: 27 - 32) قال: فذكر في هذه الآية [أن] دحو الأرض وإخراج الماء والمرعى منها كان بعد رفع سمك السماء وبعد بنائها وتسويتها وإحكام ليلها ونهارها، ثم قال في آية أخرى: {هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعاً ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات، وهو بكل شيء عظيم} (البقرة: 29) قال: فذكر [في] هذه الآية ضد ما في الأولى، وذلك أن هذه التسوية للسماء كانت بعد خلق ما في الأرض.
10 - قال أبو محمد: والقول في هذا كالقول [150 ب] في التي قبلها ولا فرق وهو: ان بظاهر هاتين الآيتين يكتفى عن تطلب تأويل أو تكلف مخرج وهو: انه تعالى ذكر في الآية التي تلونا أولاً أنه عز وجل بنى السماء ورفع سمكها وأحكم الدور الذي به يظهر الليل والنهار، وأنه بعد ذلك أخرج ماء الأرض ومرعاها وأرسى الجبال فيها. وذكر تعالى في الآية الأخرى ان تسويته تعالى السموات سبعاً وتفريقه بين تلك الطرائق (1) السبع التي هي مدار الكواكب المتحيرة والقمر والشمس كان بعد خلقه كل ما في الأرض. فلم يفرق هذا الجاهل المائق بين قوله تعالى: إنه سوى السماء ورفع سمكها وبين قوله تعالى: إنه سواهن سبع سموات. فهل بعد هذا العمى عمى، وبعد هذا الجهل جهل
11 - وإنما أخبر تعالى ان تسوية السماء جملة واختراعها كان قبل دحو الأرض، وأن دحوه الأرض كان قبل أن تقسم السماء على طرائق الكواكب السبع، فلاح أن
__________
(1) ص: الطرائف.

(3/46)


الآيتين متفقتان يصدق بعضهما بعضاً. ولكن ليذكر هذا الجاهل على ما يفتتحون به كذبهم المفترى وبهتانهم المختلق الذي يسمونه " التوراة " إذ يفترون (1) ان الله تعالى خلق إنساناً مثله، ولم يكن انفرد عنه تعالى إلا بشيئين: علم الشر والخير، ودوام الخلود والحياة، وأن آدم صلوات الله وسلامه عليه أكل من الشجرة التي فيها علم الخير والشر، فلما خالفه عظم ذلك عليه؛ قال: هذا آدم أكل من الشجرة التي بها يكون علم الخير والشر فساوانا في ذلك، فإن أكل من شجرة الحياة حصل على الخلد فكان مثلنا لا فضل لنا فيه، فجعل يخرجه من الجنة وفي يده سيف يذود به شجرة الحياة (2) . حتى لقد انسخف (3) جماعة من نوكاهم إلى ان قالوا: إن لآدم كان إنساناً من نوع الإنس الذي نحن منه، حصل على [151/ أ] أكل شجرة الحياة فزاد (4) بهاؤه وحصل له الخلد. فلو أن (5) هذا الخسيس الجاهل تبراً إلى الله تعالى من المظاهرة لهذا الوضع وهذا الاعتقاد الساقط لكان أحظى (6) له. ولكن يأبى الله تعالى إلا أن يجعل له الخزي والمهانة، ويؤجل له الخلود بين أطباق النيران المعدة له ولأمثاله ولأشباهه والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبي الرحمة محمد صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً.
12 - الفصل الثالث (7) : وكان مما اعترض به أيضاً ان ذكر قوله عز وجل {قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين} إلى منتهى قوله في الآية نفسها {وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين} (فصلت: 10) قال: فذكر في هذه الآية خلق الأرض في يومين وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام، فهذه ستة أيام، ثم ذكر قوله تعالى {ثم استوى إلى السماء وهي دخان} (فصلت:11) إلى منتهى قوله تعالى {فقضاهن سبع سموات في يومين} (فصلت: 12). ثم ذكر قوله تعالى {ولقد خلقنا السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام} (ق: 38).
13 - قال أبو محمد: والقول في هذه الآيات كالقول في التي مضى فيها الكلام
__________
(1) ص: يقرون.
(2) انظر سفر التكوين 2: 9، 3: 22.
(3) ص: إذا انكسف.
(4) ص: فدار.
(5) ص: قالوا إن.
(6) ص: أخطأ.
(7) ص: السادس.

(3/47)


ولا فرق، وهي أنها تكتفي بظاهرها عن تكلف تأويل لها، وأنه لا يظن في شيء من هذا كله اختلافاً (1) إلا عديم العقل سليب التمييز مطموس عين القلب ظليم الجهل، لأنه تعالى إنما ذكر خلق الجميع من السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام، فسر لنا تعالى تلك الأيام الستة، فمنها يومان خلق فيهما (2) الأرض ومنها أربعة أيام قدر في الأرض أقواتها، وأنه تعالى قضى السموات سبعاً في يومين، وقد صح بما تلونا قبل أن تسويته تعالى السموات سبعاً كان بعد خلقه لما في الأرض جميعاً، فاليومان اللذان خلق [الله] تعالى فيهما السموات سبعاً هما اليومان الآخران من الأربعة [151 ب] الأيام التي قدر فيها أقوات الأرض لأن التقدير هو غير الخلق، لان الخلق هو الاختراع والإبداع وإخراج الشيء من ليس إلى أيس بمعنى من لا شيء إلى ان يكون شيئاً موجوداً. وأما التقدير فهو الترتيب وإحكام الأشياء الموجودات بعد إيجادها، وهذه معان لا يعلمها إلا من أعز الله تعالى نفسه من ذوي الهمم الرفيعة، المترفعة عن مهانة الإساءة ودناءة المعايش، القاصدة (3) إلى طلب المعاني الفاضلة (4) والحقائق المؤدية إلى معرفة الله تعالى، ومعرفة رسوله صلى الله عليه وسلم، والدخول في ظل الإسلام والملة الحنيفية المصحبة من الله تعالى السعد في الدنيا والنصرة والعزة، المتكفل لها في الآخرة بالفوز بالجنة والقبول والرضوان والريحان، والحمد لله رب العالمين الذي جعلنا من أهلها، وإياه تعالى نسأل ان يميتنا عليها حتى نلقاه وهو راض عنا، آمين. وأما من لم يقطع دهره إلا بالسرقة ولا أفنى عمره إلا بالخيانة والغش فبعيد عن إدراك هذه المعاني وفهمها.
14 - وليت شعري أين كان هذا الخسيس المائق إذ اعترض بهذا الاعتراض على هذه الأنوار الساطعة والحقائق الظاهرة عن التفكر فيما يقرأونه في هذيانهم المخترع وزورهم المفتعل الذي يسمونه " التوراة " إذ يقولون (5) : إن الله تعالى خلق الخلق في ستة أيام، واستراح في اليوم السابع وهل تكون الراحة إلا لتعب ونصب قد خارت قواه وضعفت طبيعته فمثل هذا وشبههه من دينه الخسيس الذي يستسر (6) به لو تهمم
__________
(1) ص: اختلافاً.
(2) ص: فيها.
(3) القاصدة: غير معجمة في ص.
(4) ص: الفاصلة.
(5) انظر سفر التكوين 2: 1.
(6) ص: يتسر.

(3/48)


بالفكرة فيه ثم بادر إلى التوبة منه والدخول في دين الله تعالى الذي لا دين له سواه، الذي به بدا الملك على لسان محمد صلى الله عليه وسلم، والحمد لله رب العالمين [152 و].
15 - الفصل الرابع: ثم ذكر الخسيس الجاهل قول الله تعالى {هذا يوم لا ينطقون ولا يؤذن لهم فيعتذرون} (المرسلات: 35) ثم قال في آية أخرى: {يوم تأتي كل نفس تجادل عن نفسها} (النحل: 111) قال: وهذا تناقض عظيم.
16 - قال أبو محمد: قد قال بعض العلماء المتقدمين: إن المنع من النطق المذكور في الآية إنما هو في بعض مواقف يوم القيامة، وان الجدال المذكور في الآية الأخرى هو موقف آخر مما يتلو ذلك اليوم نفسه، وهذا قول صحيح يبينه قول الله تعالى قبل الآية المذكورة، إذ يقول عز وجل: {انطلقوا إلى ما كنتم به تكذبون* انطلقوا إلى ظل ذي ثلاث شعب لا ظليل ولا يغني من اللهب* إنها ترمي بشرر كالقصر* كأنه جمالات (1) صفر* ويل يومئذ للمكذبين* هذا يوم لا ينطلقون* ولا يؤذن لهم فيعتذرون} (المرسلات: 29 - 36) فيه بعذر. هكذا نص الآيات متتابعات، لا فصل بينها (2) ، فصح أن اليوم الذي لا ينطقون فيه بعذر إنما هو يوم إدخالهم النار، وهو أول اليوم التالي ليوم القيامة الذي هو يوم الحساب، وهو أيضاً (3) يوم جدال كل نفس عن نفسها؛ وهذا بيان لا إشكال فيه أصلاً.
17 - وها هنا وجه آخر وهو اتباع ظاهر الآيتين دون تكلف تأويل إلا أن يأتي بالتأويل نص آخر أو إجماع من جميع الأمة كلها ما بين الأشبونة والقندهار والشحر وأرمينية والمولتان (4) . فنقول وبالله نستعين: عن هاتين الآيتين بينتان لا اختلاف بينهما أصلاً، وإن النطق المنفي عنهم في الآية الأولى والمعذرة التي لم يؤذن لهم فيها إنما ذلك فيما عصوا فيه خالقهم تعالى، كما (5) قال عز وجل في آية أخرى: {اليوم نختم على أفواههم وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون} (يس: 65) فلا عذر لكافر ولا لعاص أصلاً ولا كلام لهم. وأما الجدال الذي ذكر الله تعالى حينئذ
__________
(1) جمالات: هذه هي قراءة أبي عمرو.
(2) ص: بينهما.
(3) ص: وهو الذي أيضاً.
(4) في إعجام الأعلام الواردة هنا اضطراب في ص.
(5) ص: عما.

(3/49)


[لكل نفس] عن نفسها فإنما هو في طلب الناس مظالمهم [125ظ] بعضهم من بعض، فإن الله تعالى لا يضيع شيئاً من ذلك، على ما صح عن النبي صلى الله عليه [وسلم] من أن يوم القيامة يقص الشاة الجماء من الشاة القرناء (1) . وبيان هذا الذي قلنا ان المعذرة إنما هي إلى الله تعالى، ولا عذر يوم القيامة لمن كفر بالله تعالى أو بنبي من أنبيائه، وخالف الإسلام. وهذا هو الذي (2) يكون يوم القيامة ولا يعذر عليه أحد. وإنما هو مصدر جادل يجادل جدالاً، وجادل هو فعل من فاعلين لا ينكر أحد هذا من أهل اللغة، فالله تعالى لا يجادل، وإنما يجادل الناس بعضهم بعضاً، فكل أحد حينئذ يجادل من ظلمه ليقتص منه وهذا ما لا يعرى منه مؤمن ولا كافر، فاستبان [معنى] الآيتين بظاهرهما دون تكلف تاويل، وبطل ما ظنه هذا الجاهل، والحمد لله رب العالمين.
18 - قال أبو محمد: ليس في حماقاتهم المبدلة التي يسمونها " التوراة " ذكر اجر ولا ثواب لمحسن بعد الموت ولا عقاب لمسيء في الدنيا أصلاً ولا في الكتب التي ينسبونها إلى أنبيائهم من هذا قليل ولا كثير. فلو نظر هذا المجنون فيما ينسبونه إلى سليمان عليه السلام في تصويبه دعاء امرأة دعت له فقالت: ولا زالت أرواح أعدائك يدور بها الفلك؛ وهذا إبطال الثواب والعقاب إلا على معنى التناسخ ومضا [د] لما ذكروه عن غيره من الأنبياء إن هنالك ناراً ونعيماً؛ ومثل ما ينسبونه إليه أيضاً عليه السلام من أنه قال مرة: " عن العالم لا أول له " وأنه قال مرة أخرى: " أنا كنت مع الله تعالى حين خلق الأرض والسماء " . فلو أن هذا الجاهل الشقي اشتغل بمثل هذا وشبهه من كذبهم وافترائهم لكان أولى به من تكلف ما لا يحسن ولا يدري، مما قد فضحه (3) الله فيه عاجلاً، ويخزيه [153/أ] آجلاً، والحمد لله رب العالمين.
19 - الفصل الخامس: ثم ذكر هذا الزنديق الجاهل قول الله تعالى {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} (الرحمن: 39) قال: ثم قال في آية أخرى {فلنسألن الذي أرسل إليهم ولنسألن المرسلين} (الأعراف: 6) قال: وهذا تناقض.
20 - قال أبو محمد: لو فهم هذا المائق الجاهل أدنى فهم لم يجعل هذا تعارضاً، أما قوله تعالى: {فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان} فإن [ما] بعد هذه الآية
__________
(1) ورد الحديث في مسند أحمد 2: 235، 323، 363، 442.
(2) ص: الذي لا.
(3) ص: نصحه.

(3/50)


متصلاً بها قوله تعالى: {فبأي آلاء ربكما تكذبان* يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام* فبأي آلاء ربكما تكذبان* هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون* يطوفون بينها وبين حميم آن* فبأي آلاء ربكما تكذبان} (الرحمن: 40 - 45) فصح بهذا النص ان هذا إنما هو في حين إيرادهم جهنم التي هي إن شاء الله دار هذا الخسيس ذي الظهارة اليهودية والبطانة الدهرية ولا [ريب] في أنه إذا أخذ بناصيته وقدميه ليهودي بها في النار، نار جهنم، فإنه لا يسال عن ذنبه (1) يومئذ. وأما قوله تعالى: {فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين}، فإنما ذلك في أول وقوفهم يوم البعث وحين المسألة والحساب. فارتفع التناقض الذي لا مدخل له في شيء من القرآن ولا في كلام النبي صلى الله عليه وسلم.
21 - ولكن هذا الوقاح المجنون لو تدبر ما في كذبهم المفترى الذي يسمونه " التوراة " في السفر الثاني منه ان الله تعالى قال لموسى بن عمران: إني أرى هذه الأمة قاسية الرقاب دعني لأعقب غضبي عليهم لأهلكهم وأقدمك على أمة عظيمة. ثم ذكروا أن موسى عليه السلام دعا ربه تعالى وقال في دعائه (2) : تذكر إبراهيم وإسماعيل وإسحق عبيدك الذين حلفت لهم بذلك وقلت لهم سأكثر ذريتكم حتى تكونوا كنجوم السماء وأورثهم جميع الأرض التي وعدتهم بها ويملكونها أبداً، فحن [153 ظ] السيد ولم يتم ما أراد إنزاله بأمته من المكروه.
22 - قال أبو محمد: هذا نص هذا الفصل عندهم. وهذه صفة لا يوصف بها إلا إنسان ضعيف النفس، وفيه البداء، وأنه تعالى لم يتم ما أراد ان يفعل، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
23 - وفي السفر المذكور إثر هذا ان الله تعالى قال لموسى عليه السلام: " من أذنب عندي سأمحوه من مصحفي، فاذهب أنت وهذه الأمة التي عهدت إليك فيها، وسيتقدمك ملك " . ثم بعد شيء يسير ذكر ان الله تعالى قال لموسى: " اذهب واصعد من هذا الموضع أنت وأمتك التي خرجت من أرض مصر إلى الأرض التي وعدت بها
__________
(1) ص: دينه.
(2) اذكر إبراهيم وإسحق وإسرائيل عبيدك الذين حلفت لهم بنفسك وقلت لهم: أكثر من نسلكم كنجوم السماء، وأعطي نسلكم كل هذه الأرض التي تكلمت عنها فيملكونها إلى الأبد؛ فندم الرب على الشر الذي قال إنه يفعله بشعبه: (خروج 32: 13 - 14).

(3/51)


مقسماً لإبراهيم وإسحق ويعقوب لأورثها نسلهم وأبعث بين يديك ملكاً لإخراج الكنعانيين والأموريين والبرزيين والحيثيين واليبوسيين (1) ، وتدخل في أرض تفيض (2) لبناً وعسلاً، لست أنزل معكم لأنكم أمة قاسية الرقاب لئلا تهلك بالطريق. فلما سمع العامة هذا الوعيد الشديد عجت تبكي (3) ولم تأخذ زينتها. فقال لموسى بن عمران (4) : قل بني إسرائيل انتم قد قست (5) رقابكم، سأنزل عليكم مرة أهلككم فضعوا زينتكم لأعلم ما أفعله بكم. ثم ذكروا جواب موسى عليه السلام لله تعالى على هذا الكلام فقال: وكان يكلم السيد موسى عليه السلام فماً لفم، كما (6) يكلم المرء صديقه، فقال موسى بن عمران السيد: أتأمرني ان أقود هذه الأمة ولا تأمرني ما أنت باعثه معي. فقال له السيد: سيقدمك وجهي وأروح عندك. فقال موسى عليه السلام: إن لم تتقدمنا أنت فلا ترحلنا (7) من هذا الموضع، وكيف اعرف أنا وهذه الأمة أنك عنا راض إذا لم تنطلق معنا ونتشرف بذلك على جميع من سكن الأرض من الأجناس فقال له: سأفعل ما قلت لأني عنك راض.
24 - قال أبو محمد: ففي هذا الفصل من السخف [154/ أ] غير قليل، وبيان لا يحتمل تأويلاً (8) ، لان فيه البداء، وأنه تعالى عما يقولون علواً كبيراً، قال
__________
(1) ص: اليوشيين.
(2) ص: تفي.
(3) ص: عجب تيه.
(4) وقال الرب لموسى اذهب اصعد من هنا أنت والشعب الذي أصعدته من أرض مصر إلى الأرض التي حلفت لإبراهيم وإسحق ويعقوب قائلاً: لنسلك أعطيها؛ وأنا أرسل أمامك ملاكاً وأطرد الكنعانيين والأموريين والحثيين والفرزيين والحويين واليبوسيين إلى أرض تفيض لبناً وعسلاً فإني لا أصعد في وسطك لأنك شعب صلب الرقبة لئلا أفنيك في الطريق. فلما سمع الشعب هذا الكلام السوء ناحوا ولم يضع أحد زينته عليه. وكان الرب قد قال لموسى: قل لبني إسرائيل أنتم شعب صلب الرقبة إن صعدت لحظة واحدة في وسطكم أفنيتكم ولكن الآن اخلع زينتك عنك فأعلم ماذا أصنع بك ويكلم الرب موسى وجهاً لوجه، كما يكلم الرجل صاحبه وقال موسى للرب: انظر، أنت قائل لي أصعد هذا الشعب وأنت لم تعرفني من ترسل معي وأنت قد قلت عرفتك باسمك فقال وجهي يسير فأريحك فقال له إن لم يسر وجهك فلا تصدنا من ههنا فإنه بماذا يعلم أني وجدت نعمة في عينيك أنا وشعبك. أليس بمسيرك معنا. فنمتاز أنا وشعبك عن جميع الشعوب الذين على وجه الأرض. فقال الرب لموسى: هذا الأمر أيضاً الذي تكلمت عنه أفعله لأنك وجدت نعمة في عيني وعرفتك باسمك (خروج 33 - 1 - 17).
(5) ص: مسحت.
(6) ص: فما يفهم.
(7) بعد هذه الكلمة لفظة غير مقروءة في ص.
(8) ص: تأويل.

(3/52)


إنه لا يمضي معهم لكن يبعث معهم ملكاً يبصرهم بأمر الله تعالى، فلم يزل به موسى حتى رجع عن قال عز وجل وقال: سأمضي معكم، ولم يقنع موسى بمسير الملك معهم إلا بمسير الباري عز وجل معهم. وفي هذا تحقيق النقلة على الباري في الأماكن، وليست هذه صفة الله تعالى وغنما هي من صفات المخلوقين؛ وفيه التكليم فماً لفم وتحقيق التجسيم والتناقض على الباري تعالى في كلامه وفعله، دون تأويل. ولا مخرج لهم من هذا.
25 - فلو فكر هذا الوقاح الزنديق في مثل هذا وشبهه لزجره (1) عن التعرض لما لا سبيل له إليه وحسبنا الله تعالى ونعم الوكيل. ولو ان هذا الزنديق المائق كان له أقل تحصيل، لما أقدم على المظاهرة (2) بهذا الدين الخسيس طرفة عين، ولكنه لم يقره الشيطان من كل ما استبان له من هذا البهتان إلا انسلاخه من جميع الأديان، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان.
26 - الفصل السادس: ثم ذكر هذا الزنديق الجاهل قول الله تعالى مخاطباً لنبيه عليه السلام: {فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك الكتاب فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك لقد جاءك الحق من ربك} (3) ، (يونس: 94) قال هذا المجنون: فهذا محمد كان في شك مما ادعاه.
27 - قال أبو محمد: كان يلزم هذا الخسيس (4) أن لا يتكلم في لغة لا يحسنها، ولكن أبى الله تعالى إلا أن يكشف سوءته ويبدي عورته. وليعلم ان [إن] في هذه الآية ليست التي بمعنى الشرط، لان من المحال العظيم الذي لا يتمثل في فهم من له مسكة أن يكون إنسان يدعو إلى دين يقاتل عليه وينازع فيه (5) أهل الأرض ويدين به أهل البلاد العظيمة ثم يقول لهم: إني في شك مما أقاتلكم عليه أيها المخالفون [154 ب] ولست على يقين مما أدعوكم إليه وأحققه لكم أيها التابعون، إلى مثل هذا السخف الذي لا يتصور إلا في مثل دماغ هذا المجنون الجاهل. وإنما معنى " إن "
__________
(1) ص: جرجره.
(2) ص: الظاهرة.
(3) فإن كنت في شك الآية: انظر الأقوال في تفسيرها. في تفسير الطبري 11: 115 - 116 وليس فيه أن " إن " هنا نافية بمعنى " ما " . وقال أبو حيان في البحر 5: 191: الظاهر أن إن شرطية، وروي عن الحسن والحسين بن الفضل أن " إن " نافية؛ وبهذا يأخذ ابن حزم.
(4) ص: الخسيف، ولعلها أيضاً: السخيف.
(5) ص: في.

(3/53)


ها هنا الجحد فهي هنا بمعنى " ما " وهذا المعنى هو أحد موضوعاتها في اللغة العربية، كما قال تعالى آمراً (1) نبيه صلى الله عليه وسلم ان يقول: {إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون} (الأعراف: 188) بمعنى: ما (2) أنا ندير وبشير لقوم يؤمنون، كما ذكر الله عز وجل عن الأنبياء انهم قالوا: {إن نحن إلا بشر مثلكم} (إبراهيم: 11) وكما قال تعالى مخبراً عن النسوة إذ رأين يوسف عليه السلام فقلن: {إن هذا إلا ملك كريم} (يوسف: 31) بمعنى: ما هذا إلا ملك كريم، وكما قال تعالى: {لو أردنا ان نتخذ لهواً لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين} (الأنبياء: 17) أي ما كنا فاعلين. فعلى هذا المعنى خاطب نبيه عليه السلام: فإن كنت في شك مما أنزلنا إليك، ثم قال تعالى فاسأل الذين يقرأون الكتاب من قبلك، لقد جاءك الحق من ربك بمعنى ولا أعداؤك الذين يقاتلونك من الذين أوتوا الكتاب من قبلك ما هم أيضاً في شك مما أنزلنا إليك بل هم موقنون بصحة قولك وانك نبي حق، رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا شك عندهم في ان الذي جاءك الحق. ومثل هذا أيضاً قوله تعالى: {وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال} (إبراهيم: 46) تهويناً (3) له: وكذلك قوله تعالى: {قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين)، (الزخرف: 81) بمعنى ما كان للرحمن ولد فأنا أول الجاهدين لا يكون له ولد. فوضح جهل هذا المعترض وضعف تمييزه، والحمد لله رب العالمين.
28 - ولو ان هذا الجاهل الأنوك تدبر ما في باطلهم المبتدع وهجرهم الموضوع الذي يسمونه " توراة " إذ يقول: عن موسى عليه السلام راجع ربه إذ أراد إرساله وقال (4) : من أنا [155و] حتى أمضي (5) إلى فرعون، أرسل من تريد ترسل. وأغضب ربع تعالى بذلك، وان يعقوب عليه السلام صارع ربه (6) ليلة بتمامها وهو لا يعرف من هو، فما انسلخ الصباح عرف انه الله - تعالى الله عن هذا الحمق من الكفر علواً كبراً - قالوا: فلما عرفه امسكه فقال له ربه: أطلقني، فقال له يعقوب: لا أطلقك حتى تبارك علي، فقال له ربه: كيف لا أبارك عليك وأنت كنت قوياً
__________
(1) ص: أمر.
(2) ص: إن.
(3) ص: هويناً.
(4) فقال موسى لله: من أنا حتى أذهب، إلى فرعون، وحتى أخرج بني إسرائيل من مصر. (خروج 3: 11).
(5) ص: حتى أنه يمضي.
(6) وأن يعقوب صارع ربه الخ: انظر أيضاً الفصل 1: 141.

(3/54)


على الله فكيف على الناس! ثم مس مأبضه (1) ، فعرج يعقوب من وقته فكذلك لا يأكل بنو إسرائيل من عروق الفخذ لان الله تعالى مسه. ولا يجرؤ (2) منهم أحد فيقول: إن المصارع ليعقوب كان ملكاً، فإن لفظ اسم المصارع له في توراتهم " إلوهيم " وهذا هو اسم الله تعالى وحده بالعبرية - فلو ان هذا الجاهل تفكر في مثل هذا وشبهه لعلم ان الحق بأيدي غيرهم وأنهم في باطل وغرور، وعلى (3) ضلال وزور، والحمد لله رب العالمين وحسبنا الله تعالى.
29 - الفصل السابع: ثم ذكر هذا المائق الجاهل قوله تعالى في وصف العسل: إن فيه شفاء للناس، فقال: وكيف هذا وهو يؤذي المحمومين وأصحاب الصفراء المحترقة
30 - قال أبو محمد: لو كان مع هذا الجاهل الأنوك أقل معرفة بطبائع الإنسان او فهم مخارج اللغة العربية لم يأت بهذا البرسام. أما اللغة فإن الله تعالى لم يقل: العسل شفاء لكل علة، وإنما قال تعالى: فيه شفاء للناس؛ وهذا لا ينكره إلا رقيع سليب العقل والحياء او موسوس، لان منافع العسل وشفاءه في إسخان المبرودين وتقطيع البلغم وتقوية الأعضاء حتى صار لا يطبخ اكثر الأشربة إلا به ولا يعجن جميع اللعوقات إلا به، وما وصف جالينوس وبقراط، وهما عميدا أهل الطب، طبخ شيء من الأشربة إلا به جملة، وما ذكرا (4) قط أن [155 ب] يطبخ شراب بسكر.
31 - وكيف ينكر هذا الأنوك ان يكون العسل شفاء محضاً، وهي أغلب أموره، فكيف أن يكون به شفاء، وهم يصفون عن نبي من أنبيائهم انه شفى أكلة في عضو إنسان بتين مدقوق وجعله عليه فإذا كان في التين شفاء من بعض الملل فكيف ينكر هذا الخسيس ان يكون في العسل أشفية كثيرة وقد وجدنا (5) في اختلاطهم الذي يسمونه " توراة " عن الله تعالى في عدة مواضع انه إذا بلغ الغاية في مدح ارض القدس التي وعدهم بها قال: إلا أنها أرض تنبع عسلا ولبناً، ووعدهم فيها بأكل عسل
__________
(1) ص: ماء بضه.
(2) ص: يجره.
(3) ص: على.
(4) ص: ذكر.
(5) ص: وما وجدناهم.

(3/55)


الصخور. أفترى إذ ليس في العسل شفاء أصلاً، إنما وعدهم تعالى بما فيه الداء والبلاء لا بما فيه الشفاء، هذا مع إنكار العيان، وجحد الضرورات في منافع العسل.
32 - الفصل الثامن: ثم ذكر هذا الزنديق الجاهل قول الله تعالى: {ونزلنا من السماء ماء مباركا) (ق: 9) وقال: كيف يكون مباركاً وهو يهدم البناء، ويهلك كثيراً من الحيوان
33 - قال أبو محمد: من لم يكن مقدار فهمه وعقله إلا هذا المقدار، لقد عجل الله له العقوبة في الدنيا والحمد لله رب العالمين. وليت شعري أما درى هذا الجاهل انه لولا شرب الماء لم يكن في الأرض حيوان أصلاً لا إنسان ولا ما سواه، وأن عناصر جميع المياه الظاهرة على وجه الأرض والمختزنة في أعماقها إنما هي من مواد القطر النازل من السماء أما راى هذا الأنوك ان الأمطار إذا كثرت غزرت العيون وفهقت الأنهار وطفحت البرك وامتلأت الآبار وسالت السيول وتفجرت في الأرض ينابيع حتى إذا قلت الأمطار وضعفت العيون ونقصت الأنهار وجفت (1) البرك والآبار وانقطعت السيول وغارت الينابيع، خشنت الصدور وفسد الهواء أما رأى [156/ أ] أنه لا نماء لشيء من النبات كله، منزرعه (2) وصحراويه، وجميع الشجر بساتينها وشعرائها إلا بالماء النازل من السماء أما قرأ في هذيانهم الذي يسمونه " توراة " امتنان الله تعالى في صفة الأرض المقدسة بأنها لا تسقى من النيل، كما تسقى أرض مصر لكن من ماء السماء أتراه إنما من عليهم بضد البركة لا بالبركة إن هذا لعجب. أما علم أن الأمطار ترطب الأجسام وتذهب بقحلها (3) وأن بالماء الذي عنصره ماء السماء تزال الخسيس وجهله وهو عميد اليهود وعالمهم وكبيرهم، وهذا مبلغه من الجهل والسخف، ونستعيذ بالله من الجهل والضلالة، والحمد لله رب العالمين.
34 - قال أبو محمد: ها هنا انتهى كل ما ظن المائق أنه اعترض به، قد بان فيه كله زوره وجهله واغتراره، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. ثم نحن عن شاء الله تعالى ذاكرون بحول الله تعالى وقوته قليلاً من كثير من قبائحهم يديرونها وينسبونها إلى الباري تعالى في كتبهم التي طالعناها ووقفنا عليها، وتضاعف بذلك شكرنا
__________
(1) ص: وخفت.
(2) ص: مزرعه.
(3) بقحلها: غير معجمة في ص.

(3/56)


لله تعالى على عظيم ما منحنا من نعمة الإسلام والملة التي ابتعت بها محمداً صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً وعلى آله الطيبين والحمد لله على ما أولانا من فضل الإسلام وشرف الإيمان.
35 - اعلموا أيها الناس، علمنا الله وإياكم ما يقربنا منه ويزلف حظوتنا (1) لديه أن اليهود أبهت الأمم وأشدهم استسهالاً للكذب، فما لقيت منهم أحداً قط مجانباً للكذب القبيح على كثرة من لقينا منهم، إلا رجلاً (2) واحداً في طول أعمارنا، فطال تعجبي من ذلك إلى (3) أن ظفرت بسرهم من ذلك في هذا الباب، وهو انهم يعتقدون بسخفهم وضعف [156 ب] عقولهم أن الملائكة الذين يحصون أعمال العباد لا يفقهون العربية ولا يحسنون من اللغات شيئاً إلا العبرانية، فلا يكتب عليهم كل ما كذبوا فيه بغير العبرانية، فحسبكم بهذا المقدار من الجهل العظيم والحمق التام!
36 - فمن طوامهم أن علماءهم يقولون: إن الله عز وجل إنما ستر عن يعقوب أمر يوسف وكونه في مصر ثلاثة عشر عاماً كاملاً، لأن أولاد يعقوب لعنوا كل من ينقل إلى أبيهم ان يوسف حي. قالوا: فدخل الله تحت هذه اللعنة إذا أطلع يعقوب على حياة يوسف، تعالى الله عن إفك هؤلاء المجانين وكفرهم. واغوثاه من عظيم هذا الحمق! أفيكون في البقر والحمير أو الكلاب أضل من قوم هذا مقدار عقولهم، ان يجيزوا أن تكون لعنة مخلوق تلحق الخالق اللهم فإنا نحمدك على توفيقك إيانا للإسلام وهدايتك إليه، ونسألك الثبات عليه إلى ان نلقاك مسلمين، برحمتك آمين. ثم العجب انهم قالوا في إخوة يوسف إنهم كانوا المخبرين ليعقوب بحياة يوسف، فهكذا في نص الكتاب المسمى عندهم " التوراة " ، فما نرى اللعنة إلا قد لحقتهم.
37 - ثم نجدهم لا يستحيون من أن ينسبوا إلى الأنبياء عليهم السلام انهم زنوا، وانهم من نسل الزنا، فإن السفر الأول من كتابهم ذلك المسمى " توراة " : أن يهوذا زنى بامرأة ولده ورشاها على ذلك جدياً من الغنم، ورهنها بالوفاء بذلك عصاه وزناره وخاتمه. وقد وقفت بعضهم على هذا فقال لي: كان ذلك مباحاً عندهم، فقلت له: إنك تقول الباطل، إذ (4) ان في توراتهم أن يهوذا (5) الذي جامعها أمر بها أن تحرق
__________
(1) ص: خطوتنا.
(2) إلا رجلاً: لعلها، ولا رجلاً.
(3) ص: إلا.
(4) ص: إلا
(5) ص: يهودياً.

(3/57)


إذ ظهر حملها. فإن كان ذلك، فلم أمر بحرقها ثم لا يستحيون ان يقولوا: إن من ذلك الزنا حملت بفارص (1) ابن يهوذا الذي من نسله كان داوود وسليمان عليهما السلام، وكثير من الأنبياء كعاموص وشعيا وغيرهم.
38 - ومن عجائبهم [157/ أ] انهم يقولون: عن كل نكاح كان على غير حكم التوراة فهو زنا والمتولد منه ولد زنا، حتى إنهم يبيحون لمن تهود من سائر الأديان ان يتزوج أخته [من] أبيه. ثم لا يستحيون ان يقولوا إن موسى وهرون أخاه تولدا من نكاح عمران بن قاهث بن لاوي عمته أخت أبيه يوخابد (2) بنت لاوي. وأن سارة أم إسحق كانت أخت إبراهيم ابنة والده تارح، وأن سليمان بن داود كان ابن امرأة زنى بها داود، وولدت منه ابناً من الزنا وتزوجها او زنى المحمى حتى لم يطلقها (3) ويقولون: إن الجمع بيت الأختين زنا، وان وطء الإماء بملك اليمين زنا، والمتولد من هذه النكاحات زنا، وهم يقرون أن جميع ولد يعقوب عليه السلام كانوا من أختين نكحهما معاً، وهما ليا وراحيل ابنتا لابان، فولدت له ليا ستة ذكور، وولدت له راحيل يوسف وبنيامين (4) ، وأن الأربعة الباقين من ولد يعقوب ولدوا له من زلفاء وبلها، أمتي (5) راحيل وليا، وطئهما بملك اليمين لا بزواج أصلاً، لأن في توراتهم ان لابان أخذ عليه العهد عند كوم (6) الشهادة أن لا يتزوج على ابنته، فكلهم من أبناء هذه الولادات. وهاتان مقدمتان تنتج ان جميع بني إسرائيل وجميع اليهود أولاد زنا. فغن قالوا: كان ذلك حلالاً قبل أن يحرم، أقروا بالنسخ، وإن قالوا: إن ذلك خاص لبني إسرائيل مذ أنزلت التوراة، لزمهم ترك قولهم: إن كل مولود في الأمم بخلاف حكم التوراة فهو ولد زنا، وعلى كل حال يلزمهم أن أولاد سليمان عليه السلام كانوا أولاد زنا بحت، لأنهم مقرون انهم كانوا من أبناء العمونيات والموآبيات وسائر الأجناس، ورؤوس الجواليت إلى اليوم من أبناء من ذكرنا، تعالى الله تعالى وتنزه أنبياؤه عليهم السلام عن هذه المخازي؛ وإسحق أبوهم، وهرون وموسى وداود
__________
(1) ص: بفارض.
(2) في (ع): يوكابد، عدد 26: 58.
(3) كذا وردت العبارة، ولا أدري ما وجه الصواب فيها.
(4) انظر قصة يهوذا، ونامار في التكوين: 38، وراجع الفصل 1: 145.
(5) ص: يلها ابني.
(6) ص: كرم، وهي التي سميت بالكلدانية سهودفا وبالعبرانية جلعيد ومعناها رجمة الشهادة (التكوين: 31).

(3/58)


وسليمان ويوسف على قول [157 ب] هؤلاء الكفرة، لعنهم الله، ولدوا (1) لغير رشدة، لعن الله قائل هذا معتقداً له ومصدقاً له.
39 - ومن عجائبهم أنهم يقرون في كتابهم المسمى بالتوراة ان السحرة فعلوا بالرقي المصري مثلما فعل موسى بن عمران صلى الله عليه وسلم من قلب العصا حية، ومن قلب ماء النيل، ومن استجلاب (2) الضفادع، حاشا البعوض فلم يقدروا عليه (3) .
40 - قال أبو محمد: لو صح هذا، وأعوذ بالله، وأعوذ بالله، لما كان بين موسى عليه السلام والسحرة فرق إلا قوة العلم والتمهر في الصناعة فقط، ونحن نبرأ إلى الله تعالى من أن يكون آدمي يقدر بصناعته على خرق عادة، أو قلب عين، وننكر ان الله تعالى يولي ذلك أحداً غير الأنبياء صلى الله عليه وسلم تسليماً كثيراً، الذين جعل الله تعالى ظهور المعجزات عليهم شاهداً لصدقهم.
41 - ومن عجائبهم قولهم في نقل أحبارهم الذي هو عندهم بمنزلة ما قال الأنبياء: إن فرعون كان بنى في المفاز صنماً يقال له باعل صفون (4) ، وجعله طلسماً باستجلاب بعض قوى الأجرام العلوية، ليحير (5) به كل هارب من أرض مصر، وان ذلك الطلسم حير موسى وهارون وجميع بني إسرائيل حتى تاهوا أربعين سنة في فحص التيه إلى أن ماتوا (6) ملوكهم في المفاز، أولهم عن آخرهم، حاشا يوشع بن نون الافراهيمي، وكالب بن يوفنا اليهوذاني (7) . فتباً وسحقاً لكل عقل يزعم صاحبه ان صناعة آدمية وحيلة سحرية غلبت قوة الله تعالى، وأعجزت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات تائهاً في المفاز حائراً في القفار.
42 - ومن تكاذيبهم قولهم في الكتاب الذي يسمونه " التوراة " : ان الله تعالى قال لهم: سترثون الأرض المقدسة وتسكونها في الأبد. ونحن نقول: معاذ الله أن يقول
__________
(1) ص: وولدا.
(2) ص: استحلاب.
(3) في قصة موسى وقلب العصا حية وقلب ماء النيل . الخ انظر سفر الخروج 8: 18 - 190 " وفعل كذلك الفراعون بسحرهم ليخرجوا البعوض فلم يستطيعوا، وكان البعوض على الناس وعلى البهائم، فقال العرافون لفرعون هذا إصبع الله " ؛ وراجع الفصل 1: 154.
(4) ص: ياغن صفون، والتصويب من الفصل 1: 218.
(5) ص: ليجير.
(6) ماتوا: كذا في ص.
(7) ص: يوقنا اليهوداني؛ وفي (ع) يفنة القنزي، وهو يهوذاني لأنه من سبط يهوذا.

(3/59)


الله تعالى الكذب، وقد ظهر هذا الوعد، فما سكنوه في [158/ أ] الأبد وما عمروه إلا مدة يسيرة من آباد الأبد، ثم أخلوه وأخرجوا عنه وورثه الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
43 - ومن عجائبهم قولهم فيه: إن الله عز وجل قال لموسى: إذا أراد بنو إسرائيل الخروج عن مصر أن يأخذ أهل كل بيت من بني إسرائيل خروفاً أو جدياً (1) ويذبحونها مع الليل ويأخذون من دمائها ويمسون بها أبوابهم وعتب بيوتهم، ثم قال: قلت سأمسح بأرض مصر هذه الليلة، وأهلك كل بكر ولد بأرض مصر من أبكار الآدميين وبكور (2) نتاج المواشي، واحكم في مصر أنا السيد وعند ذلك يكون الدماء. الدم لكم في البيوت التي تكونون فيها، فإذا نظرت إلى ذلك تجاوزكم ولا يصل إليكم ضر. ثم قال بعد أسطار حاكياً عن موسى انه قال لبني إسرائيل (3) : اذهبوا وليذبح أهل كل بيت منكم الضأن، وعيدوا واصبغوا في دمائها رانا (4) ، ورشوا به أبوابكم وأعتابكم ولا يخرج أحد عن باب بيته إلى الصبح، فإن السيد سيمسخ ويهلك المصريين، فإذا نظر إلى الدم على العتب وفي الأبواب لم يجاوز الباب، ولا يأذن للقاتل (5) بالدخول إلى بيوتكم وقتلكم.
44 - قال أبو محمد: فيكون أسخف من عقول [من] ينسبون إلى الله تعالى مثل هذا الكلام الفاسد أو ترى الله عز وجل لا يعرف أبوابهم حتى يجعل عليها علامات ! إن هذا لعجب. لو عقل هذا المجنون لشغله هذا السخام الذي في دينه الذي يباهي به، عن التعرض للحقائق يروم إبطالها، فكان كما قال الله عز وجل: {يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون} (الصف: 8).
__________
(1) ص: وجدياً.
(2) ص: ويكون.
(3) تأخذونه من الخرفان أو من المواعز . ويأخذون من الدم ويجعلونه على القائمتين والعتبة العليا في البيوت التي يأكلونه فيها . فإني أجتاز في أرض مصر هذه الليلة وأضرب كل بكر في أرض مصر من الناس والبهائم. وأضع أحكاماً بكل آلهة المصريين. أنا الرب. ويكون لكم علامة الدم على البيوت التي أنتم فيها فأرى الدم وأعبر عنكم، فلا يكون عليكم ضربة للهلاك حين أضرب أرض مصر فدعا موسى جميع شيوخ بني إسرائيل وقال لهم: اسحبوا وخذوا لكم غنماً بحسب عشائركم واذبحوا الفصح. وخذوا باقة زوفا واغمسوها في الدم الذي في الطست ومسوا العتبة العليا والقائمتين بالدم الذي في الطست. وأنتم لا يخرج أحد منكم من باب بيته حتى الصباح فإن الرب يجتاز ليضرب المصريين، فحين يرى الدم على العتبة العليا والقائمتين يعبر الرب عن الباب ولا يدع المهلك يدخل بيوتكم ليضرب. (خروج 12: 5 - 23).
(4) رانا: كذا وردت ولعلها " زوفا " كما ورد في الحاشية السابقة.
(5) ص: للقبائل، وفي (ع): المهلك.

(3/60)


45 - ومن عجائبهم أنهم يلتزمون أكل الفطير في مرور الوقت المذكور في كل عام ولا يلتزمون أكل الخروف، على ما ذكرنا، وهم يقرون في كتابهم انهم مأمورون بذلك كله. فغن قالوا: إنما أمرنا بذلك ما دمنا (158 ب] في أرض القدس. قيل لهم: اتركوا أيضاً استعمال أكل الفطير حتى تكونوا في أرض القدس فلا فرق في كتابكم بين الأمر بالفطير والخروف.
46 - ومن عجائبهم في الكتاب المسمى عندهم " التوراة " ان موسى عليه السلام مجد الله تعالى يوم أغرق فرعون فقال في تمجيده (1) : ذلك قولي ومديحي للسيد الذي صار لي مسلماً، هذا إلاهي أمجده وإله آبائي أعظمه، السيد قاتل كالرجل القادر. أفيسوغ لذي عقل أن ينسب إلى نبي الله تعالى انه شبه قوة ربه عز وجل بقوة الرجل القادر وهل في الافتراء اعظم من هذا لو عقلوا
47 - ومن عجائبهم قولهم في السفر الثاني من كتابهم (2) : ثم صعد موسى وهرون وناداب وأبيهو وسبعون (3) رجلاً من المشايخ، ونظروا إلى إله إسرائيل وتحت رجله كلبة زمرد فيروزي. وفي بعض الفصول ان موسى عليه السلام قال، أو يعقوب (4) : رأيت الله مواجهة وسلمت نفسي. مع قولهم عن الله تعالى قال لموسى عليه السلام: من رأى وجهي من الآدميين مات، ولست تقدر تراني، لكن سترى مؤخري. فهل في التناقض اعظم من هذا: مرة يقول من رأى وجهي مات، ومرة يقول رأيته مواجهة وسلمت نفسي. وكل ما ذكرناه ففي كتابهم الذي يسمونه " توراة " لا في نقل ضعيف ولا غيره.
48 - ومن عجائبهم قولهم في السفر الثاني إن هرون [أخا] موسى بإقرارهم قال
__________
(1) " الرب قوتي ونشيدي وقد صار خلاصي، وهذا إلهي فامجده إله أبي فأرفعه، الرب رجل الحرب، الرب اسمه (خروج 15: 2 - 3) وانظر أيضاً كتاب الفصل 1: 160 حيث ورد: السيد أمجده كالرجل القادر.
(2) ثم صعد موسى وهرون وناداب وأبيهو وسبعون من شيوخ بني إسرائيل ورأوا إله إسرائيل وتحت رجليه سبه صنعة من العقيق الأزرق الشفاف (خروج 24: 9) وانظر الفصل 1: 160.
(3) ص: وسيقوى.
(4) رأيت الله مواجهة الخ. انظر الفصل 1: 141.

(3/61)


لبني إسرائيل في مغيب موسى (1) : اقلعوا أقراط الذهب عن آذان نسائكم ومواليكم (2) وأولادكم وبناتكم، ايتوني بها. ففعلت العامة ما أمر به وأتوا بالأقراط إلى هرون، فلما أقبضها أفرغها وجعل لهم منها عجلاً، فلما بصر به هرون بنى مذبحاً بين يدي وصرخ (3) مسمعاً: غداً عبد السيد (4) . ثم ذكر بعد فصول بأن موسى عليه السلام وجد بني إسرائيل عراة بين يدي العجل [159 و] يتغنون ويرقصون، وكان عراهم هرون بجهالة قلبه.
49 - هذه نصوص كتابهم. أفيسوغ في عقل من له أدنى مسكة أن يكون نبي يعمل عجلاً للعبادة من دون الله تعالى ويأمر قومه يعبدوا له، ويرقص هو وهم تعظيماً للعجل على أنه إلاههم الذي من مصر وإذا جاز ان يكون عجلاً وثناً ويعبدوه، جاز لنبي بالقبول من كلامه وأمره في العجل وما الذي جعل سائر عمله أصح من زناه وفتحه بيوت الأوثان وتقريب القرابين لها ولعل سائر ما أمر به وما عمل مفتعل كل ذلك من جنس عمل العجل والزنا. والذي لا شك فيه عندي ان من يدل توراتهم وأدخل فيها مثل هذا، إنما قصد إلى إبطال النبوة جملة، وبالله تعالى التوفيق.
50 - ومن عجائبهم قولهم في السفر الرابع: إن بني إسرائيل إذ طلبوا أكل اللحم وضجوا من أكل المن، ان الله تعالى قال لموسى (5) : تقدسوا غداً تأكلون اللحمان، فأنا أسمعكم قائلين من ذا الذي يعطينا. قد كنا بخير. يعطيكم السيد اللحمان فتأكلون،
__________
(1) إن هارون أخا موسى بإقرارهم الخ: " فقال لهم هرون انزعوا أقراط الذهب التي في آذان نسائكم وبنيكم وبناتكم وأتوني بها، فنزع كل الشعب أقراط الذهب التي في آذانهم وأتوا بها إلى هرون، فأخذ ذلك من بين أيديهم وصوره بالإزميل وصنعه عجلاً مسبوكاً فلما نظر هرون بنى مذبحاً أمامه ونادى هرون وقال: غداً عيد للرب .. ولما رأى موسى الشعب أنه معرى لأن هرون كان عراه للهزء بين مقاوميه . إلخ (خروج 32: 2 - 5، 32: 25) وراجع الفصل 1: 161، وقوله: بجهالة قلبه في الفصل 1: 162.
(2) ص: وأموالكم.
(3) ص: وبرح.
(4) ص: السعيد.
(5) وللشعب تقول تقدسوا للغد فتأكلوا لحماً لأنكم قد بكيتم في أذني الرب قائلين من يطعمنا لحماً. إنه كان لنا خير في مصر. فيعطيكم الرب لحماً فتأكلون تأكلون لا يوماً واحداً ولا يومين ولا خمسة أيام ولا عشرة أيام ولا عشرين يوماً، بل شهراً من الزمان حتى يخرج من مناخركم ويعيد لكم كراهة .. فقال موسى: ستمائة ألف ماش هو الشعب الذي أنا في وسطه وأنت قد قلت أعطيهم لحماً ليأكلوا شهراً من الزمان. أيذبح لهم غنم وبقر ليكفيهم أم يجمع لهم كل سمك البحر ليكفيهم. فقال الرب لموسى: هل تقصر يد الرب. الآن ترى أيوافيك كلامي أم لا. (عدد 11: 18 - 23).

(3/62)


ليس يوماً واحداً ولا اثنين ولا خمسة ولا عشرة إلا حتى تكمل أيام الشهر، حتى يخرج على مناخركم وتصيبكم التخم. فقال له (1) موسى: هؤلاء هم ستمائة [ألف] رجل وأنت تقول: أنا أعطيكم اللحوم طعماً شهراً، أترى تكثر ذبائح الغنم والبقر فيقتاتون بها، أو تجمع حيتان البحر معاً لتشبعهم [فقال السيد]: ماذا يهم السيد أترى السيد عاجزاً فالآن ترى إن تم قوله. ثم ذكروا ان الله تعالى أنزل السمانى حول العسكر فأكلوا حتى تخموا ومات كثير منهم بالتخمة، فسمي ذلك الموضع قبور الشهوات (2) .
51 - قال أبو محمد: فلو تدبر هذا اللعين الجاهل كذبهم في هذا الفصل، لردعه عن أن يظن بقول الله تعالى لنبيه عليه السلام {فإن كنت[159: ب] في شك مما أنزلنا إليك}، وليعلم ان الشك المجرد قد نسبوه إلى موسى عليه السلام في هذا الفصل، فإنه لم يثق بقول ربه ولا صدق قدرته على إطعام بني إسرائيل اللحم شهراً كاملاً، وهذا مع ما فيه من الشك المكشوف الذي لا يجوز ان يخرج له تأويل يبعده عن الشك، ففيه من السخف غير قللي، لان من رأى شق البحر، وإنزال المن (3) المشبع لهم، فواجب عليه ان لا يستعظم إشباعهم بلحم ينزله عليهم. ولكن الكذب والتوليد لا يكون إلا هكذا ليفضح الله تعالى به أهله. والحمد لله على ما من به علينا من طهارة الإسلام، ووضوح حجته، وله الشكر على ما كفانا من دنس الكفر، وتناقض عراه.
52 - وبعد هذا الفصل أيضاً في السفر الرابع ما ذكره من قول الله تعالى لموسى عليه السلام إذ ضج بنو إسرائيل من دخول الأرض المقدسة، قالوا: فقال السيد لموسى ابن عمران (4) : " حتى متى تتناولني هذه الأمة التي لا يؤمنون بي على ما آتيتهم من العجائب التي فعلت أمامهم، سأضربهم بالوبأ حتى أمسخهم، وأجعلك مقدماً على أمة عظيمة أشد قوة من هذه " ، وان موسى لم يزل يرغب إلى الله عز وجل حتى قال: قد غفرت لك كما سألتني. ففي هذا الفصل من إطلاق الكذب في الحلف على الله
__________
(1) ص: لهم.
(2) ص: الشهداء وفي (ع) قبروت هتأوة أي قبور الشهوة (عدد 11: 34).
(3) ص: وإنزال البحر المن.
(4) وقال الرب لموسى حتى متى يهينني هذا الشعب وحتى متى لا يصدقونني بجميع الآيات التي عملت في وسطهم. إني أضربهم بالوبأ وأبيدهم وأصيرك شعباً أكبر وأعظم منهم (عدد 14: 11 - 12) وانظر أيضاً (عدد 14: 20).

(3/63)


عز وجل ما لا يجوز ان ينسب مثله إليه تعالى.
53 - وقد ذكرنا في كتابنا الموسوم " بالفصل في الملل والنحل " (1) الفصل الذي في توراتهم في ذكر أنسابهم، وبينا عظيم الكذب فيه: وهو انهم ذكروا ان سبعة نفر من بني إسرائيل من ولد قاهث بن لاوي نسلوا ثمانية آلاف ذكر قبل موتهم في التيه، وأولئك السبعة أحياء قائمون (2) وهم حينئذ أكثر (3) ما كانوا. وقد قال بعضهم: إن هذا من المعجزات. فأجبناه بان المعجزات إنما تكون [ 160/أ] للأنبياء عليهم السلام، وأما لكفار (4) عاصين فلا. هذا سوى ما في توراتهم من شرائعهم التي يلتزمونها الآن كالقرابين، وكمن مس نجساً فإنه ينجس إلى الليل، ومن حضر على مقبرة ينجس إلى الليل حتى يغتسل كله بالماء. وأما الصلوات التي يصلونها الآن فمن وضع أحبارهم، فيكفيهم انهم على غير شريعة موسى عليه السلام ولا على شريعة نبي من الأنبياء.
54 - ومن طرائفهم قولهم في كتاب لهم: يعرف (بشعر توما) ان تكسير ما بي جبهة خالقهم (5) إلى أنفه كذا وكذا ذراعاً. وقالوا في كتاب لهم من " التلمود " - وهو فقهم (6) - يسمى " سادر ناشيم " (7) ومعناه حيض النساء: ان في رأس خالقهم تاجاً من كذا وكذا قنطاراً من الذهب، وان صديقون (8) الملك هو يجلس التاج على رأس خالقهم، وان في إصبع خالقهم خاتماً تضيء من فصه الشمس والكواكب.
55 - ومن طوامهم (9) قولهم عن رجل من أحبارهم الذين يريدون، ان من شتم أحداً منهم يقتل، ومن شتم أحد الأنبياء لا يقتل. فذكر عن لعين منهم يدعونه إسماعيل انه قال لهم، وكلامه عندهم والوحي سيان، فقال: كنت أمشي ذات يوم في خراب بيت المقدس، فوجدت الله تعالى في تلك الخرب يبكي ويئن كما يئن
__________
(1) راجع الفصل 1: 165 وما بعدها في مناقشة ابن حزم للأعداد التي تذكر عن بني إسرائيل في العهد القديم.
(2) ص: نائمون.
(3) ص: أكفر.
(4) ص: الكفار.
(5) أن تكسير ما بين جبهة خالقهم إلخ: انظر الفصل 1: 221.
(6) ص: فقيههم.
(7) سادر ناشيم. كذا ذكره ابن حزم في الفصل 1: 22 وقال إن معناه: أحكام الحيض، ولعل صوابه فيما يرجح الدكتور عابدين هو سادر هناشيم وهذا التركيب معناه أحكام النساء، لا أحكام الحيض فحسب.
(8) ص: صندلقون وفي الفصل (1: 221) صندلفوت؛ وفي (1: 223) صندلفون.
(9) كل ما جاء في هذه الفقرة أورده ابن حزم في الفصل 1: 221 - 222.

(3/64)


الحمامة (1) ، وهو يقول (2) : ويلي هدمت بيتي، ويلي على ما فرقت من بني وبناتي، قامتي منكسة حتى أبني بيتي وأرد بناتي وبني، قال هذا الكلب لعنه الله: ثم قبض الله على ثيابي وقال لي: لا أتركك حتى تبارك علي. فباركت عليه وتركني.
56 - قال أبو محمد: أشهد الله تعالى خالقي وباعثي بعد الموت والملائكة والأنبياء والمرسلين والناس أجمعين والجن والشياطين أني كافر برب يكون بين الخرب ويطلب البركة من كلب اليهود. فلعن الله تعالى عقولاً جاز فيها مثل هذا.
57 - ومن عجائبهم قولهم في السفر الخامس من توراتهم ان [160 ب] موسى عليه السلام قال لهم: إن الله تبارك وتعالى يقول لكم (3) : إني لم أدخلكم البلاد لصلاحكم ولا لقوام [قلوبكم]، ولكن لكفر من كان فيها. ثم يقولون في عيدهم (4) الذي يكون في عشر تخلو من أكتوبر، وهو (5) تشرين الأول، ساخطين على الله تعالى غضاباً عليه تعالى إذ قصر بهم ولم يؤدهم حقهم الذي يجب لهم عليه - فيقولون لعنهم الله: عن الميططرون (6) - ومعناه الرب الصغير، تحقيراً (7) لربهم تعالى وتهاوناً به - يقوم هذا اليوم قائماً وينتف شعره ويقول: ويلي إذ أخرجت بيتي وأيتمت بني، قامتي منكسة لا أرفعها حتى أبني بيتي. فهم كما ترى يلعنون ربهم ويصغرونه ويقولون ذلك بأعلى أصواتهم في أكبر أعيادهم وأعظم مجامعهم. فكيف يجتمع هذا الحمق العظيم قوله لهم في توراتهم: " لم (8) أدخلكم البلاد لصلاحكم ولا لقوام قلوبكم " فهل التناقض والفساد والتبديل الظاهر إلا هذا كله لو عقلوا
__________
(1) ص: وينين كما تنين.
(2) الفصل: وهو يقول: الويل لمن أخرب بيته وضعضع ركنه وهدم قصره وموضع سكينته، ويلي على ما أخربت من بيتي إلخ.
(3) ليس لأجل برك وعدالة قلبك تدخل لتمتلك أرضهم بل لأجل إثم أولئك الشعوب لطردهم الرب إلهك من أمامك (ثنية 9: 5).
(4) ثم يقولون في عيدهم . إلخ: انظر في ذلك كتاب الفصل 1: 223.
(5) ص: ومن.
(6) الميططرون: هكذا وردت هذه اللفظة أيضاً في الفصل 1: 323. ويعتقد الدكتور عابدين أن الوجه الصحيح من اللفظة هو " ميطوطيون " وهو لفظ يوناني ومعناه: مصاحب الرب أو الذي يجيء بعده في المرتبة. وربما كان هذا الاصطلاح مستفاداً مما أشار إليه النص العبري الوارد في سفر دانيال 11: 38 ومعناه " رب الحرس " ، والحرس هي الأرواح التي تلازم الرب وكانت تعبد، وربما جعل كل روح منها " رباً صغيراً " .
(7) ص: وتحقيراً.
(8) ص: ثم.

(3/65)


58 - وفي السفر الخامس أيضاً أن موسى عليه السلام قال لهم (1) : إن السيد إلاهكم الذي هو نار آكلة. وفي موضع آخر من كتبهم ان الله تعالى هو الحمى المحرقة؛ وفي الذي يسمونه " الزبور " : احذر ربك الذي قوته كقوة الجريش (2) . فهذا وشبهه هو الحمق والتناقض وتوليد زنديق سخر منهم وأفسد دينهم. وهم يحققون على سليمان عليه السلام انه بنى بيوت الأوثان لنسائه وقرب لها القرابين، وهو عندهم نبي. وقد مضى الكلام في بطلان كل كلام وعمل يظهر ممن هذه صفته، وانه ليس مأموناً ولا صادقاً، لعنهم الله فإنهم كذبوا على أنبياء الله وافتروا.
59 - ويقرءون في السفر الرابع من توراتهم (3) أن الله تعالى أمرهم أن يضربوا القرن ضرباً خفيفاً، حتى إذا لقوا العدو [161/أ] فليضربوا القرن بشدة ليسمعه فيبصرهم، وفي هذا من السخف والكفر غير قليل، ولكن حق لمن غضب الله عليه وتبرأ منه وألحقه لعنته وألحقه سخطه ان يكون مقدار علمهم وعقولهم التصديق لكل ما اوردنا، والحمد لله رب العالمين على منته علينا بالإسلام، ومحمد صلى الله وسلم.
60 - وهم معترفون بان التوراة طول أيامهم في دولتهم لم تكن عند أحد إلا عند الكاهن وحده، وبقوا على ذلك نحو ألف ومائتي عام، وما كان هكذا لا يتداوله إلا واحد فواحد فمضمون عليه التبديل والتغيير والتحريف والزيادة والنقصان، لا سيما وأكثر ملوكهم وجميع عامتهم في اكثر الأزمان كانوا يعبدون الأوثان ويبرءون من دينهم ويقتلون الأنبياء، فقد وجب باليقين هلاك التوراة الصحيحة وتبديلها مع هذه الأحوال بلا شك. وهم مقرون بان يهوآحاز (4) بن يوشيا الملك الداوودي (5) المالك لجميع بني إسرائيل بعد انقطاع ملوك سائر الأسباط، بشر من التوراة أسماء الله تعالى
__________
(1) " فاعلم اليوم أن الرب إلاهك هو العابر أمامك، نار آكلة (ثتنية: 9: 3) أما قوله: الحمى المحرقة فلم أهتد إليه، ولم يرد لفظ " الحمى " في أسفار العهد القديم إلا في موضعين (تثنية 28: 22 ولاويين 26: 16) وهي لا توصف هنالك بالإحراق، فلعل في النص تحريفاً أو هو منقول من بعض الشروح. أما لفظة " الجريش " فتعني " النافذ " وصفاً للرجل. والنص الذي يشير إليه ابن حزم في المزمور: 77 وليس فيه المعنى الذي أورده ابن حزم.
(2) الجريش؛ غير منقوطة في ص، والتصويب من الفصل 1: 206.
(3) يقابل هذا في (ع) وإذا ذهبتم إلى حرب في أرضكم على عدو يضر بكم تهتفون بالأبواق فتذكرون أمام الرب إلهكم وتخلصون من أعدائكم (عدد 10: 9).
(4) ص: يهوبا جاري. وفي الفصل (1: 193) يهوخار.
(5) يهوآحاز بن يوشيا الملك الداوودي: انظر الملوك الثاني 13: 31، وأخبار الأيام الثاني: 36، وانظر الفصل 1: 193.

(3/66)


وألحق فيها أسماء الأوثان. وهم مقرون أيضاً أن أخاه الوالي بعده وهو الياقيم بن يوشيا احرق التوراة بالجملة وقطع أثرها، وهو في حال ملكه قبل غلبة بخت نصر عليهم. وهم مقرون بان عزرا الذي كتبها لهم من حفظه بعد انقطاع أثرها، إنما كان وراقاً ولم يكن نبياً، إلا أن طائفة منهم قالت فيه إنه ابن الله، قد بادت هذه الطائفة وانقطعت. فأي داخلة أعظم من هذه الدواخل التي دخلت على توراتهم وأما القرآن، فإنه لا يختلف ملي ولا مي أنه لم يزل من حين نزوله إلى يومنا هذا مثبوتاً (1) عند الأحمر والأسود لم ينفرد به أحد دون أحد، بل أبيح نسخه لكل من مضى وجاء، فنقله نقل كواف لا يحصرها عدد، كنقل ان [161 ب] [في] الدنيا بلداً يقال له الهند، وسائر ما لا يجوز للشك فيه مساغ ولا مدخل، والحمد لله كثيراً، وصلى الله على سيدنا محمد وسلم تسليماً.
61 - قال أبو محمد: إن أملي لقوي وإن رجائي مستحكم في أن يكون الله تعالى يسلط على من قرب اليهود وأدناهم وجعلهم بطانة وخاصة، ما سلط على اليهود، وهو يسمع كلام الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم عن الله لا يهدي القوم الظالمين} (المائدة: 51) وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم اكبر} (آل عمران: 118)، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون بالمودة} (الممتحنة:1)، وقوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين} (المائدة: 57)، وقوله تعالى: {وضربت عليهم الذلة والمسكنة} (البقرة: 61)؛ وقوله تعالى: {لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا} (المائدة: 82). فمن سمع هذا كله، ثم أدناهم وخالطهم بنفسه من ملوك الإسلام فإنه إن شاء الله تعالى قمين (2) أن يحيق الله عز وجل به ما أحاق بهم من الذلة والمسكنة والهوان والصغار والخزي في الدنيا سوى العذاب المؤلم في الآخرة.
__________
(1) مثبوتاً، كذا في ص، ولعله مبثوثاً.
(2) ص: من.

(3/67)


62 - وإن من فعل ذلك لحري (1) أن يشاركهم فيما أوعد الله تعالى في توراتهم في الصفر الخامس إذ يقول لهم تعالى (2) : سنأتيكم وسيأتي عليكم هذه اللعنة التي أصف لكم فتكونون ملعونين في مدائنكم وفدادينكم وتلعن أجدادهم وبقاياكم ويكون نسلكم ملعوناً، وتكون اللعنة على الداخل منكم [162/ أ] والخارج، فيبعث الله عليكم الجوع والحاجة والنصب في كل ما علمته أيديكم حتى يهلككم ويقل عددكم لتخليكم منه. ثم يلقي الوبأ على بقيتكم ليقطع آثاركم من الأرض التي أورثكموها ويبعث الرب عليكم الجدب ويهلككم بالسموم والثلوج، ويحيل آثاركم ويطلبكم حتى يندركم ويجعل سماءه فوقكم نحاساً وأرضكم التي تسكنونها حديداً، فتمطر عليكم الغبار من السماء، وينزل عليكم الدماء حتى تهلكوا عن آخركم ويظفر الرب بكم أعداءكم فتدخلون إليهم على طريق واحدة وتنهزمون على سبعة، ويفرقكم في آخر أجناس الأمم، فتكون جيفكم طعم السباع وطيور السماء ولا يكون لهم عنكم دافع، ويبتليكم الرب بما ابتلى به المصريين (3) في أدبارهم من الحكة والأكال (4) الذي لا دواء له، ويبتليكم الرب بالبلية والغم حتى تماسكوا بالحيطان القليلة كتماسك العميان، ولا تقوموا على إقامة سبلكم فتكونوا في هضيمة طول دهر وفي سخره لا يكون لكم منفذ. ويتزوج أحدكم امرأة فتخالفه إلى غيره، ويبني أحكم بيتاً ويسكنه غيره؛ ويغترس كرماً ويقطفه غيره، ويذبح بين قدمي أحدكم ثورة ولا يطعم منه، وينزع من أحكم حماره معاينة ولا يرد إليه، وتعطى مواشيكم الأباعد، ولا تجدون ناصراً على ردها وتغلب على أولادكم وبناتكم، ولا يكون فيكم قوة للدفع عنهم، وتأكل حبوبكم أجناس تجهلونها وفواكه ارضكم، وتكونون مع ذلك في هضيمة أبداً وفي جزع منهم، فيبتليكم الرب بأجناس الأمراض وأضرها (5) التي لا دواء لها من أقدامكم إلى رؤوسكم، ويذهب (6) بالملك الذي تقدمونه على أنفسكم إلى قوم لم تعرفوهم ولا آباؤكم، لتجدوا (7) عندهم أصنامهم المصنوعة من الخشب والرخام،
__________
(1) ص: يجري.
(2) راجع هذا النص في تثنية: 28: 15 - 58.
(3) ص: المصرتدين.
(4) ص: الأكال (بدون واو).
(5) ص: وضرها.
(6) ص: فتذهب.
(7) ص: لتجد، ولعلها لتتخذوا.

(3/68)


وتكونون مثلاً لمن سمع بكم من جميع الأجناس التي أندركم فيها، فتزرعون كثيراً وترفعون قليلاً، لان الجراد [162 ظ] يأتي عليه، وتعمرون كرومكم وتحفرونها ولا تقطفون (1) منها شيئاً، لان الدود يأتي عليها. ويكثر زيتونكم ولا تدهنون (2) لأنها لا تعقد. ويولد لكم الأولاد والبنات ولا تنتفعون بهم لأنهم يساقون في السبي. ويأتي على جميع فواكه بلدكم القحوط والجدب فلا تنتفعون بها. ومن كان بين ظهرانيكم من [أهل] القرى يلعنونكم ولا يشفقون عليكم، فتتواضعون ويكون (3) الأرذال يشتمونكم وتكونون لهم ساقة فيأتي عليكم جميع هذه اللعنات وتتبعكم حتى تحزوا، إذ لم تسمعوا للرب إلاهكم، ولم تحفظوا رسالاته التي عوهدت إليكم، وتكون فيكم العجائب والمسوخ في ذريتكم في الأبد، إذ لم تقفوا عند أمر الرب إلاهكم بطيب أنفسكم (4) ، فتخدمون أعداءكم الذين (5) يبعث الرب عليكم في الجوع والعطش والعري والحاجة، وتحملون على رقابكم أغلال الحديد وتجرونها؛ ويأتي الرب عليكم بجيش من مكان بعيد في سرعة العقبان من الذين لا يكرمون شيخاً ولا يرحمون صغيراً، فيأكلون نتاجكم وما أنبتت أرضكم، ولا يدعون لكم سمناً ولا خمراً ولا زبيباً ولا ثوراً ولا شاة حتى يأتوا عليكم ويخرجوكم من جميع مدائنكم التي يرثكم الرب إلاهكم وتضيق عليكم حتى تأكلوا وسخ أجوافكم ولحوم (6) أولادكم وبناتكم الذين يولدون (7) لكم في زمان حصاركم، فمن كان منكم مترفاً أو متملكاً يمنع أخاه وامرأته لحوم (8) بنيه شحاً عليها إذ لا يجد ما يقتات به سواه من شدة الحصار من أعدائكم لكم. ومن كانت فيكم رخصة البنان التي لا تقوى على المشي من رخوصتها تحسد زوجها على أكل لحوم أولادها، والسلى الذي يخرج من فرجها، إذ لا تجد (9) مطمعاً سواه.
63 - قال أبو محمد: هذه بشارة من الله تعالى لهم، ومنحته التي خصهم بها
__________
(1) ص: تقطعون.
(2) ص: تذهبون.
(3) ص: وتكون.
(4) ص: يطلب أنفسكم.
(5) ص: الذي.
(6) ص: وتحوم.
(7) ص: يولدون.
(8) ص: نخوم.
(9) ص: يجد.

(3/69)


بإقرارهم ألسنتهم، وفي كتابهم [163/أ] الذي يقرءونه. فيلتق الله تعالى امرؤ آتاه الله تعالى نعمة من نعمه، ومنحه عزة، وليجتنب هؤلاء الأنجاس الأنتان الأقدار الذين أحاق الله تعالى بهم من الغضب واللعنة والذلة والقلة والمهانة والسخط والخساسة والوسخ ما لم يحق بأمة من الأمم قط. وليعلم أن هذه الكسى التي كساهم الله تعالى إياها (1) أعدى من الجرب، وأسرع تعلقاً من الجذام، وبالله تعالى نعوذ من الخذلان، ومن معارضة الله تعالى في حكمه بإرادة إعزاز من أذله الله تعالى، ورفعة من حطه الله، وأكرام (2) من أهانه الله، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
64 - قال أبو محمد: قد أوردنا في هذا الكتاب من شنعهم أشياء تقشعر منها الجلود، ولولا ان الله تعالى نص علينا من كفرهم ما نص كقوله تعالى عنهم: إنهم قالوا عزير ابن الله، ويد الله مغلولة، وأن الله فقير ونحن أغنياء، لما استجزنا ذكر ما يقولون لشنعته وفظاعته. ولكننا اقتدينا بكتاب الله عز وجل في بيان كفرهم، والتحذير منهم (3) . والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وآله [وسلم].
تم الكتاب بحمد الله وعونه وحسن توفيقه
وصلى الله على محمد عبده ورسوله
وعلى آله وصحبه أجمعين
وسلم تسليماً كثيراً
يا رب العالمين
__________
(1) ص: إياه.
(2) ص: وأكرم.
(3) مثل هذا العذر في رواية ما يقوله اليهود قد ردده ابن حزم أيضاً في الفصل 1: 233 قال: ولولا ما وصفه الله تعالى في كفرهم وقولهم: يد الله مغلولة، والله فقير ونحن أغنياء، ما انطلق لنا لسان بشيء مما أوردنا ولكن سهل علينا حكاية كفرهم ما ذكره الله تعالى لنا من ذلك.

(3/70)


2 - رسالتان أجاب فيهما عن رسالتين
سئل فيهما سؤال تعنيف.

(3/71)


فراغ

(3/72)


- 2 -
[172/أ] رسالتان له أجاب فيهما عن رسالتين
سئل فيهما سؤال التعنيف والله أعلم
بسم الله الرحمن الرحيم، عونك يا الله.
قال أبو محمد علي بن احمد بن سعيد بن حزم رحمه الله: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد خاتم النبيين، وعلى آله الطيبين الطاهرين، وسلم تسليماً كثيراً، ورضي الله عن الصحابة.
أما بعد، فإن بعض من تكلم بما وقر في نفسه بغير حجة وانطلق به لسانه بغير برهان، كتب كتاباً خاطبنا فيه معنفاً على ما لم يفهمه ومتعرضاً لما لا يحسنه، واستتر عنا مدة، ثم ظهر إلينا، فلزمنا أن نبين له موضع الخطأ من كلامه، ونوقفه على مخالفته للحق، تأدية للنصيحة التي افترضها تعالى على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، إذ يقول (1) : " الدين النصيحة. قيل: لمن يا رسول الله قال: لله ولرسوله ولكتابه ولأئمة المسلمين عامة " .
ونحن نورد نص ألفاظهم، على ركاكتها وغثاثتها، لئلا يظنوا بجهلهم أنها إن أوردت مصلحة قد نسخت (2) حقها ولم توف مرتبتها، ونبين، بعون الله، عظيم ما فيها من الفساد والهجنة، وما توفيقنا إلا بالله العلي العظيم.
1 - بدأ هؤلاء القوم كتابهم بعد أن قالوا: بسم الله الرحمن الرحيم: " أما بعد رعاك الله وكلأك - فإن خصمك يحتج أنه لا يلزمه الخروج عما قيده الشيوخ الثقات عنهم، وتضمن ذلك كتب جمة هي معلومة مشهورة مسموعة رواية رواها الثقات عنهم وهم في جملتهم عدد كثير، إلى قول واحد يطلب التعليل والاحتجاج ويرد بالمنطقي على الشرعي " .
__________
(1) أورده البخاري ومسلم في باب الإيمان (42،95).
(2) أرجح أن الصواب: بخست.

(3/73)


فالجواب - وبال التوفيق - أن خصمنا يحتج أنه لا يلزمه الخروج عما قيده الثقات إلى آخر الفصل (1) - كلام يشاركهم فيه كل فرقة من فرق الإسلام، فليسوا أولى بهذه القصة من أصحاب أبي حنيفة ولا من أصحاب الشافعي، ولا من أصحاب أحمد بن حنبل [172 ب] رحمه الله على جميعهم، فكل لهم ثقات على الجملة وثقات عندهم، عن لم يكونوا أكثر من شيوخ المالكيين لم يكونوا أقل منهم، قد رووا أقوالهم وقيدوها عن الثقات كذلك، وهم أيضاً في جملتهم عدد كبير. وتضمنت تلك الأمور كتب الثقات عنهم، ليس جهل هؤلاء بها حجة على أولئك، كما أن أولئك أيضاً لا يعرفون كتب المالكيين، وأكثرهم لم يسمع قط بأسمائها، فأي فرق بين هذه الدعاوى لو نصحوا أنفسهم
وأما قولهم في الخروج عما هذه صفته إلى قول واحد، فمعاذ الله أن ندعو أحداً إلى قول أحد غير قول الله عز وجل وقول رسوله صلى الله عليه وسلم الذي يقول الكاره والراضي منهم والمسلم والراغم إنه الحق الذي لا حق في الأرض سواه.
وأما قولهم: إنا نرى التعليل والاحتجاج، فقد مزحوا الكذب بالصدق والباطل بالحق، وأعوذ بالله أن نرى التعليل، بل قد رمونا ها هنا برأيهم، وهم الداعون إلى التعليل لا نحن، وكتب حذاقهم في إثبات العلل والقول بالتعليل مملوءة، كما أن كتبنا وكتب أصحابنا مملوءة من إبطال العلل والمنع من التعليل. فلو اتقى الله تعالى هؤلاء القوم لم يتكلموا فيما لا يحسنونه وقد سمعوا قول الله تعالى: {هاأنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم، فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم} (آل عمران: 66).
وأما قولهم إننا نرد بالمنطقي على الشرعي، فكذب وجهل ومكابرة، ونحن الداعون إلى الشرع، لأننا إنما ندعو الناس إلى كتاب الله تعالى الذي {لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد} (فصلت: 42) وإلى بيان رسوله صلى الله عليه وسلم، الذي أمره الله تعالى بالبيان عنه، وإلى إجماع الصحابة رضوان الله عليهم، فكيف يرد على الشرعي من هذه صفته إنما يرد على الشرعي من يدعى إلى كلام الله تعالى وكلام نبيه محمد صلى عليه وسلم، وإجماع الصحابة رضي الله عنهم، فيعارض [173/أ] ذلك برأيه ويعرض عن ذلك إلى قياسه، إن (2) كان
__________
(1) ص: الفعل.
(2) ص: وإن.

(3/74)


عند نفسه ممن يفهم، أو إلى تقليده إن تقليده إن كان مقصراً معترفاً بتقصيره. فلينظروا هم ونحن في هاتين الصفتين: من الجاهل لكل صفة منهما (1) ثم لينظر كل واحد منا الجزاء من الملي بالمجازاة، من الذي لا إله إلا هو.
2 - ثم قالوا: " والشرع إنما هو مسموع متبع معمول به " .
فالجواب: إن هذا حق صحيح، ولكن يلزمهم تبيين من هو الشرع منه مسموع ومن هو المتبع في الشرع، وشرع من هو المعمول به. فإن (2) قالوا: إنه لا يسمع الشرع إلا من رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى، ولا يتبع في الشرع أحد سواه عليه السلام، ولا يجوز العمل إلا بشرعه، صدقوا وهو قلنا، ولله الحمد، ووافقونا وانقطع الخلاف. فإن قالوا غير هذا لزمهم ما لا يخفى على أحد من أهل الإسلام، فإن قالوا: هو مسموع من العلماء وهم المتبعون فيه، قيل لهم: هل اتفق العلماء أو اختلفوا فإن قالوا: اتفقوا، كذبوا كذباً لا يخفى على ذي عقل، ولا يرضي بالكذب إلا خسيس لا دين له ولا مروءة. وغن قالوا: بل اختلفوا، قيل لهم: فلا تموهوا بإجمال ذكر العلماء من أهل الأمصار.
3 - ثم قالوا: " فمن الشرع ما قد عمل به، ثم ترك لحديث وارد نسخه، أو لوهن في طريقه فلم يصح، أو لم يقع الإجماع على استعماله من أجل ذلك " .
الجواب - وبالله التوفيق - عن قولهم: فمن الشرع ما قد عمل به، ثم ترك لحديث وارد نسخه، فينبغي لمن تعاطى هذا يورد (3) ذلك الحديث الذي نسخ ذلك الشرع، فإن أورده لزم الانقياد له، وغن عجز عن ذلك فليتق الله على نفسه، ولا يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم بان يقول عليه بظنه ما لا يعلم صحته، فان الله تعالى يقول: {إن الظن لا يغني من الحق شيئاً} (يونس: 36)، وقد صح أن من كذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فليتبوأ مقعده من النار (4) ، ومن [173 ب] ترك شرعاً صحيحاً لدعواه الكاذبة أن ها هنا حديثاً قد نسخه، ولا يدري صحة ذلك ولا يعرفه، فقد أتى أكبر الكبائر، ونعوذ بالله من الخذلان.
__________
(1) ص: منها.
(2) ص: بأن.
(3) ص: بورود.
(4) ورد في أكثر كتب الصحاح (انظر مثلاً البخاري: علم: 38 ومسلم، إيمان: 112) وراجع مسند أحمد 1: 65، 70، 78، 130 ومواطن أخرى كثيرة جداً.

(3/75)


وأما قولهم: لوهن في طريقه فلم يصح، فهذا علم ما يدرى منهم أحد يدري فيه كلمة فما فوقها، ومن تكلم فيما لا يدري فقد تعرض لسخط الله، إذ يقول: {وتقولون لأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هيناً وهو عند الله عظيم} (النور: 15).
ثم أطرف شيء قولهم: " أو لم يقع الإجماع على استعماله " ؛ نسأل هذا الجاهل الذي أتى بهذه الطامة عن كل ما يدينون ما خالف فيه مالكاً سائر العلماء، وربما بعض أصحابه: هل وقع الإجماع على استعماله (1) أم لا فغن قالوا: وقع الإجماع على استعماله، كابروا أسمج مكابرة، وناقضوا بادعائهم الإجماع على ما فيه الاختلاف بإقرارهم. وغن قالوا: لم يقع الإجماع على استعماله، قيل لهم: فكيف تعيبون القول بما لم يقع الإجماع على استعماله وانتم تقولون في أكثر أقوالكم بما لم يقع الإجماع على استعماله ولو أن من هذا مبلغه من العلم سكت، لكان أولى به وأسلم، والحمد لله على مننه.
4 - ثم قالوا: " وليس يشك أن المتقدمين من الصحابة والتابعين والسلف الماضين قد بحثوا عنه ووقفوا منه على حقيقة أوجبت تركه أو استعماله (2) ، فسكتوا عن ذلك للمعرفة الثابتة التي وردتهم (3) ، وإنهم في غير الثقة والقبول غير متهمين " .
فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - إنه جرى (4) أيضاً في هذا الفصل أيضاً من البرد والغثاثة على مثل ما جرى عليه قبل هذا. ويقال لهم: هل اتفقوا - [اعني] الصحابة والتابعين والسلف الماضين - على كل شيء من مسائل الدين حتى لم يختلفوا، أو اختلفوا فان هم (5) قالوا: لم يختلفوا في كل مسألة، ظهر كذبهم على جميعهم وصاروا في نصاب من يرجم لعظم ما تقحم [174/أ] فيه. وإن قالوا: اختلفوا في كثير من المسائل، قيل لهم: صدقتم، فأما ما اجتمعوا عليه فنحن الذين اتبعوا إجماعهم، ولله الحمد كثيراً، وإنما خالف إجماعهم من دعا إلى تقليد إنسان بعينه، كما فعل هؤلاء في تقليدهم مالكاً دون غيره، ولم يكن قط في الصحابة، ولا في
__________
(1) ص: استعمال.
(2) ص: واستعماله.
(3) ص: المعرفة الباقية التي زودتهم.
(4) ص: جزا.
(5) ص: فإنهم.

(3/76)


التابعين، ولا في القرن الثالث واحد فما فوقه فعل هذا الفعل، ولا أباحه لفاعل، فهم المخالفون حقاً للإجماع حقاً في هذا وفي مسائل (1) أخر قد أوضحناها في كتبنا.
وأما ما اختلفت فيه الصحابة، رشي الله عنهم، فليس قول بعضهم أولى من قول بعض، ولا يحل تحكيم إنسان ممن دونهم في الاختيار في قولهم، ولا يجوز في ذلك إلا ما أمر الله تعالى به، إذ يقول: {فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر} (النساء: 95)، فمن رد الاختلاف إلى اختيار مالك (2) وأبي حنيفة والشافعي أو إنسان بعينه، فقد خالف القرآن والإجماع المتقدم من الصحابة والتابعين، وهو الإجماع الصحيح.
وأما قولهم: إن الصحابة والتابعين بحثوا عنه ووقفوا على حقيقة أوجبت تركه، فهذه صفة معدومة فيما لم يصح نسخه، ولا سبيل إلى وجوبها إلا فيما تيقن نسخه كالقبلة إلى بيت المقدس، وما أشبه ذلك. وأما ما اختلفوا، فحاشا لله أن يكون إجماعاً فيما قد صح فيه الخلاف.
وأما الطامة فقولهم: " فسكتوا عنه للمعرفة الثابتة التي وردتهم " ، فهذه عظيمة نعوذ بالله من أن يظن مثلها بالصحابة، رضي الله عنه، من أن سكتوا عن تبليغ ناسخ صح عنده عن النبي صلى الله عليه وسلم. ومن فعل هذا فقد وجبت عليه اللعنة وحقت، قال الله تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون* إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك [174 ظ] أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم} (البقرة: 159 - 160)، فكيف يحل لمن يدري ما الإسلام أن يظن أن الصحابة والتابعين اتفقوا على السكوت عن ذكر حديث ناسخ لعمل شرعي صح عن النبي صلى الله عليه وسلم هذا ما لا يظنه بهم إلا الروافض الملعونون، ونعوذ بالله من الخذلان.
وأما قولهم: " وإنهم في غير الثقة والقبول غير متهمين " ، صحيح، وهو قولنا لا قولهم؛ لأنا نحن الذين ندين لله تعالى بكل ما أسنده لنا الثقة عن الثقة حتى يبلغ إليهم عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا ما صح نسخه وعلم (3) ناسخه، أو ثبت تخصيصه
__________
(1) ص: في مسائل.
(2) ص: مالكاً.
(3) وعلم: مكررة في ص.

(3/77)


ونقل ما خصه؛ ونحن الذين قبلنا منهم حقاً، وإنما ترك توقيفهم (1) ورفض القبول منهم واتهمهم من اطرح جميع أقوالهم، ولم يلتف إليها، ولا اشتغل إلا قول مالك وحده، وحكم عليهم رأي مالك واختياره، فهذا هو المتهم لهم حقاً، لا من لم يخالف إجماعهم ولا حكم في اختلافهم أحداً (2) غير رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلأي أقوالهم حكم النبي صلى الله عليه وسلم قال به، والحمد لله رب العالمين.
5 - ثم قالوا: " فوجب لهذا الطالب المجتهد الاقتداء بهم وسلوك طريقتهم والأخذ بسيرتهم إذ عنهم أخذ دينهم، وهم الناقلون إليه شريعته نقل كافة عن كافة، ونقل واحد عن كافة، ونقل كافة عن واحد إلى النبي صلى الله عليه وسلم وكرم " .
فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - إن قولهم: وجب لهذا الطالب المجتهد الاقتداء بهم، وسلوك طريقتهم، والأخذ بسيرتهم فصحيح إن فعلوه، وحق إن عملوا به، ونحن نسألهم ونناشدهم الله ما الذي يدينون به ربهم تعالى: أهو ما (3) وردهم عن الصحابة والتابعين، أو ما وجدوا في المدونة من رواية ابن القاسم عن مالك فغن قالوا: بما جاءنا عن الصحابة، كذبوا كذباً يستحقون به المقت من الله تعالى، ومن [175/ أ] كل من سمعهم. فإن قالوا: بل بما جاءنا من رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة، فليعلموا أنهم لم يقتدوا بالصحابة والتابعين والسلف المرضيين، ولا سلكوا طريقهم، ولا أخذوا بسيرتهم. وإن قالوا: إن مالكاً (4) لم يخالف طريقة الصحابة والتابعين، قيل لهم: ما مالك بهذا أولى ممن خالفه كسفيان الثوري والليث والأوزاعي وأحمد بن حنبل، وغيرهم، ومن ادعى على هؤلاء وغيرهم أنهم (5) كلهم خالفوا الصحابة والتابعين، حاشا مالكاً وحده، قالوا الكذب والباطل، ولم ينفكوا ممن عكس عليهم هذه الدعوى الكاذبة فنسب إلى مالك ما نسبوه هم إلى غير مالك، وحاشا لله من هذا، بل كل امرئ منهم مجتهد لنفسه يصيب ويخطئ، وواجب عرض أقوالهم على القرآن والسنة، فلأيها شهد القرآن والسنة أخذ بقوله وترك ما عداه. وقد بينا ان سيرة الصحابة والتابعين وطريقهم هي الاجتهاد ، وطلب سنن النبي صلى الله عليه ولسم ولا مزيد،
__________
(1) ص: نزل توفيقهم.
(2) ص: أحد.
(3) ص: بما.
(4) ص: مالك.
(5) ص: أن.

(3/78)


وترك تقليد (1) إنسان بعينه. فهم قد خالفوا جميع سيرة الصحابة والتابعين، وخالفوا طريقهم، ولم يقتدوا بهم، ونحن مقتدون بهم حقاً، والحمد لله رب العالمين.
وأما قولهم: " فعنهم أخذ دينه " ، فلو اتقوا الله تعالى ولم يكذبوا كان أسلم لهم في الدنيا والآخرة، ولو رجعوا إلى أنفسهم فنظروا هل رووا ما يدينون به عن الصحابة والتابعين أو لم يشتغلوا قط بشيء من ذلك فأن كان عندهم الصحابة والتابعون (2) إنما هم مالك وحده، فهذه حماقة (3) لا يرضاها لنفسه ذو مسكة.
وأما قولهم: " وهم المبلغون والناقلون إليه شريعته نقل كافة عن كافة (4) ونقل واحد عن كافة، ونقل كافة عن واحد إلى النبي صلى الله عليه وسلم " ، فهذه والله طريقتنا لا طريقتهم، وسبيلنا لا سبيلهم، هذا أمر لا يستطيعون إنكاره؛ لأنهم لا يشتغلون بحديث أصلاً، ولا بأثر، إنما هو قول مالك وابن [175ب] القاسم، وهذا رأي، ولا مزيد إلا في الندرة فيما لا يعرفون صحته من سقمه، وفيما يأخذون بعضه، ويخالفون بعضه تظارفاً (5) ولا مزيد، ونسأل الله التوفيق.
6 - ثم قالوا: " ففي الخروج عن الثقات وعن الجماعة إلى رأي واحد إن كان ذلك الواحد من جملة الجماعة لا مزية له عليه، فهو والله شذوذ، وخطأ لا يحل " ، وهذه صفتهم في خروجهم عن أقوال جميع الصحابة والتابعين، وسائر الفقهاء لهم إلى رأي مالك وحده، إن كان ذلك الواحد هو الذي أجازه الله تعالى برسالته، واستصفاه لوحيه وعصمه، وافترض طاعته على الجن والأنس، فقد وفق (6) من خالف بأهل الأرض كلهم له، فكيف وجميع (7) الصحابة والتابعين مجموعون على وجوب ترك قول كل قائل لما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذه طريقتنا، والحمد لله رب العالمين كثيراً. فانظروا الآن من الزائر منا ومنهم، ومن الشاذ نحن أم هم وحسبنا الله تعالى ونعم الوكيل.
__________
(1) ص: التقليد.
(2) ص: والتابعين.
(3) ص: جماعة.
(4) عن كافة: مكررة في ص.
(5) ص: بطارقة.
(6) ص: وقف.
(7) ص: جميع.

(3/79)


7 - ثم قالوا: " ولاسيما أن هذا المدعي الحق فيما يمتثله ويؤثره ويصوبه من الترتيب، والهيئات، والاشتقاق، والتفتيق، وتغليب الظاهر، وإعماله على مفهوم خطابه على ما يبدو للسامع، وترك الأخذ بالتأويل، والأحكام الماضية من السلف الصالح " .
فالجواب - وبالله التوفيق - إن هذا كلام مخلط يشبه كلام الممسوسين (1) لأنه ناقص غير تام، وما ندعي الحق إلا فيما لا يقدر أي واحد (2) منهم أن ينكر ان الحق فيه من القرآن وكلام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإجماع الصحابة رضي الله عنهم فقط، وأما ذكر هيئات واشتقاق وتفتيق، فحمق صفيق، وهذيان عتيق، ومن عند الله يكون التوفيق.
وأما تغليبنا الظاهر وإعماله، على مفهوم خطابه، فكلام لا يعقل لاستعمال الظاهر دالاً بمفهوم خطابه، وهو نفسه الذي يبدو للسامع منه، لا معنى للظاهر غير ذلك. فلو عقل هؤلاء المساكين [176/أ] ما تكلفوا ما يفتضحون فيه من قرب، لكن من يضل الله فلا هادي له.
وأما ترك الأخذ بالتأويل، فلا يخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما تأويل يشهد بصحته القرىن، او سنة صحيحة أو إجماع، فبه نقول إذا وجدناه، وإما تأويل دعوى لا يشهد بصحته (3) نص قرآن، ولا إجماع، فهذا الذي ننكره وندفعه ونبرأ إلى الله تعالى منه. فإن كانوا أنكروا إنكارنا هذا الباطل، فما يحتاج معهم إلى تطويل أكثر من أن نقول لهم: ما الفرق بين تأويلكم العاري من شهادة القرآن والسنة، وبين تأويل غيركم من الحنفيين (4) والشافعيين إذا عري أيضاً من تصحيح القرآن والسنة وهذا ما لا سبيل إلى فرق بينه، ولا يتبع شيئاً مما هذه صفته بعد قيام الحجة ووصول البيان إليه إلا (5) محروم التوفيق محروم البصيرة.
وأما الأحكام الماضية بين السلف الصالح، رضى الله عنهم، فإنها لا تخلو من أحد وجهين لا ثالث لهما: إما أحكام لم يختلفوا فيها، وإما أحكام اختلفوا فيها:
__________
(1) ص: المشوشين.
(2) ص: على واحد.
(3) ص: بصحة القرآن.
(4) ص: الحنيفيين.
(5) ص: لا.

(3/80)


فأما الأحكام التي لم يختلفوا فيها، فهم الذين يخالفونها كخلافهم إعطاء أبي بكر وعمر رضوان الله عليهما - بحضرة الصحابة دون خلاف من أحد منهم - ارض خبير اليهود بنصف ما يخرج منها من زرع أو ثمر إلى غير أجل، فخالفوا هذا الحاكم، وقالوا: هذا باطل لا يجوز. وغير هذا كثير جداً قد جمعناه عليهم مما لا ينكرون صحته.
وأما الأحكام التي فيها [اختلاف]، فإنا حكمنا فيما امرنا الله تعالى أن يرد إليه ما تنازع العلماء فيه من القرآن، ومن السنة الصحيحة، فلأيهما شهد القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصحة أخذناه. وأما هم فحكموا على الصحابة رضي الله عنهم رأى مالك، واختيار ابن القاسم، فلينظر الناظر أي الطريقين أهدى فإن قالوا: ما يتهم مالك ولا بن القاسم. قيل لهم: ولا يتهم سفيان ولا ابن المبارك ولا الأوزاعي ولا الوليد بن مسلم [176 ب] ولا الليث ومن روى عنه، ولا احمد بن حنبل ولا سائر الفقهاء، فأي فرق بين تحكيم أولئك فيما اختلف فيه السلف، وبين تحكيم هؤلاء ومن فوقهم من التابعين
8 - ثم قالوا: " وهو مع ذلك ضعيف الرواية عار من الشيوخ، وإنما هي كتب حسنها وأتقنها وضبطها؛ فمنها مروي مما قد رواها (1) على شيخ أو شيخين لا أكثر، ومنها كتب مشهورة ثابتة بيده صحيحة، مثل المسانيد، والمصنفات والصحيح كمسلم والبخاري، لا يمترى في شيء منها، ومنها ما قد خفي على المحتج لعدم الراوي لها، وقلة استعمالها أو لطروئها (2) وحدوثها في بلدتنا لم يروها علماء بلدنا، ولا شغلوا (3) بها، ولا سمعوا بها فيما مضى عمن مضى، فنافروها ولم يقبلوا عليها، فهم لا مكذبون (4) لها، ولا عاملون[بها]، ثم إنهم رأوا فيها تغليب أحاديث قد تركت وسكت عنها الصحابة والتابعون، والعلماء الماضون، ومخالفة أحكام قد حكم بها السلف الصالح وقضوا بها واستمر الحكم عليها " .
فالجواب - وبالله تعالى التوفيق - إن هذا كلام مخلط في غاية التناقض.
أما قولهم عنا بضعف الرواية، والتعري من الشيوخ، فلو كان لهم عقول لأضربوا
__________
(1) ص: قدروها.
(2) ص: لطرسها.
(3) ص: شعاع.
(4) ص: يكذبون.

(3/81)