صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : رسائل ابن حزم الأندلسي
المؤلف : ابن حزم
المحقق : إحسان عباس
الناشر : المؤسسة العربية للدراسات والنشر
عنوان الناشر : بناية برج الكارلتون - ساقية الجنزير- بيروت - لبنان - ت 807900/1. برقياً - موكيالي - بيروت - ص.ب: 11/546 بيروت
الطبعة :
الجزء : 1 - الطبعة : 1 ، 1980
الجزء : 2 - الطبعة : 2 ، 1987
الجزء : 3 - الطبعة : 1 ، 1981
الجزء : 4 - الطبعة : 1 ، 1983
عدد الأجزاء : 4
مصدر الكتاب : الوراق

[ ترقيم الكتاب موافق للمطبوع ]

رسائل
ابن حزم الأندلسي
هذه هي المجموعة الأولى من رسائل الفقيه الظاهري الكبير الإمام أبي محمد بن أحمد بن سعيد بن حزم، وهي تضم أربع رسائل: هي طوق الحمامة في الألفة والألأف، ورسالة في مداواة النفوس، ورسالة في الغناء الملهي أمباح هو أم محظور، ورسالة في معرفة النفس بغيرها وجهلها بذاتها. وتمثل الرسالة الأولى رأي ابن حزم في الحب وأحواله وبواعثه، وقد نالت من الشهرة العالمية ما جعلها تترجم إلى عدة لغات، وتصبح موضوع دراسات متعددة، وهي بحق أثر بالغ القيمة وستظل دائماً موضع درس وتفسير. وتكملها الرسالة الثانية فهي عصارة تجارب ابن حزم في الحياة، وفي شؤون الناس ومحاولة لإيجاد فلسفة ذاتية من خلال تلك التجارب. وتمثل الرسالة الثالثة قبول ابن حزم الكلي بالغناء الملهي، وتضعيفه الأحاديث التي رويت في النهي عنه، ولهذا الموضوع مؤيدون ومعارضون على مر الزمن. وأما الرسالة الأخيرة فهي خفقة فكرية جميلة تقوم على الحوار الذاتي، فالرسائل الأربع في مجموعها ترتبط بموقف واحد، وسيتلوها مجموعات أخرى من رسائله في المستقبل القريب، إن شاء الله تعالى.

(1/1)


تصدير عام
- 1 -
رسائل ابن حزم
هذا أوان الشروع بنشر كل ما وقعت عليه اليد من رسائل أبي محمد بن أحمد بن سعيد بن حزم في أجزاء متتابعة، مع مراعاة التقارب في الموضوعات، حيثما أمكن ذلك، وهي تضم مجموعة الرسائل التي وردت في النسخة المحفوظة بمكتبة شهيد علي باستانبول، وإليك وصفاً للمخطوطة ومحتوياتها:
في مكتبة " شهيد علي " مخطوط رقمه 2704، يرجع تاريخ نسخه إلى القرن العاشر الهجري، مكتوب بخط نسخي جميل، ولكن ما يكاد القارئ يمضي في قراءة سطوره متأملا متمعناً حتى يحكم بان جمال خطه يحجب وراءه كثيراً من الخطأ والتحريف. ويحتوي هذا المخطوط على 265 ورقة، في كل ورقة 23 سطراً، وفي كل سطر عدد من الكلمات يتراوح بين 10 - 14 كلمة. ويشمل في مجموعه كتاباً لابن حزم الأندلسي اسمه " كتاب الأصول والفروع " أو " كتاب يشتمل على أصول وفروع شتى " . وأبواب هذا الكتاب في جملتها صورة أخرى لكثير من الفصول التي وردت في كتاب " الفصل في الملل والنحل " لابن حزم، مع اختلاف يسير في التعبير، لعله يوحي بشيء من الإيجاز والتلخيص، أو لعل هذه الفصول كتبت قبل أن يكتب " الفصل " ثم أدخلها ابن

(1/1)


حزم فيه كما هي عادته في تواليفه، على ان أحد الذين تملكوا هذا الكتاب، كتب على هامش الورقة(90) يقول إنه قرأ هذا الكتاب وهو كتاب المجلى لابن حزم من أوله إلى آخره قراءة بحث وتحقيق على الإمام شهاب الدين أحمد الميلي المالكي. والمجلى هو الكتاب الذي شرحه ابن حزم في المحلى، ولكن المشابهة بين كتاب الفروع وبعض فصول كتاب الفصل تكاد تكون تامة حرفية، فلعل متملك الكتاب وهم فيما قال.
ويلي كتاب الفروع خمس عشرة رسالة وردت على الترتيب التالي:
1 - رسالة البيان عن حقيقة الإيمان. (90 ب - آخر 98).
2 - رسالة في معرفة النفس بغيرها وجهلها بذاتها. (99 - 100أ).
3 - رسالة الدرة في تحقيق الكلام فيما يلزم الإنسان اعتقاده (100 - 141ب).
4 - رسالة التوقيف على شارع النجاة. (142أ - 145/ب).
5 - رسالة في الرد على الهاتف من بعد. (163/ب - آخر 167).
6 - رسالة في الرد على الهاتف من بعد. (163/ب - آخر 167).
7 - رسالة في مسألة الكلب. (168/أ - آخر 171).
8 - رسالة في الجواب عما سئل عنه سؤال تعنيف. (172/أ - آخر 195).
9 - رسالة في مداواة النفوس وتهذيب الأخلاق. (196/أ - 221/أ).
10 - رسالة في الإمامة. (221/ب - آخر 225).
11 - رسالة في ألم الموت. (226/ أ ب).
12 - رسالة في أرواح الأشقياء. (227/أ - 232/أ).
13 - رسالة في الغناء الملهي. (232/ب - 235/أ).

(1/2)


14 - رسالة التلخيص لوجوه التخليص. (235/ ب - 253).
15 - رسالة في مراتب العلوم. (254/أ - آخر 265/أ).
وتنقطع الرسائل عند هذا الحد، وتنتهي مشتملات المخطوطة دون أن تتم، إذ كان يجب أن ترد بعد الرسالة الخامسة عشرة رسالة " في الوعد والوعيد وبيان الحق في ذلك من السنن والقرآن " [كتبها] إلى الأمير أبي الأحوص معن بن محمد التجيبي صاحب المرية.
وقد تم نشر هذه الرسائل في مجموعتين: الأولى بعنوان رسائل ابن حزم (القاهرة، 1956)؛ والثانية بعنوان: الرد على ابن النغريلة ورسائل أخرى (القاهرة، 1960) ما عدا أربع رسائل هي رقم 3، 7، 10، 12 سيتم نشرها في هذه السللسة.
16 - رسالة الرد على الكندي الفيلسوف (وقد نشرت مع الرد على ابن النغريلة، وهي لاحقة بكتاب التقريب لحد المنطق).
18 - 22 - خمس رسائل ألحقت بكتاب جوامع السيرة.
23 - رسالة في فضل أهل الأندلس (ومصدرها نفح الطيب).
24 - رسالة نقط العروس.
25 - رسالة في أمهات الخلفاء (نشرها الدكتور صلاح الدين المنجد في مجلة المجمع العلمي العربي بدمشق، المجلد 34 (1959) ص 291 - 299).
إلى رسائل أخرى قد يتم العثور عليها. وقد كان ابن حزم مكثراً من التأليف ولكن كثيراً مما كتبه مفقود أو محتجب.

(1/3)


- 2 -
ما لم يصلنا بعد من مؤلفات ابن حزم
ذكرت في مقدمة المجموعة الثانية من رسائل ابن حزم(التي نشرتها بعنوان: الرد على ابن النغريلة ورسائل اخرى، القاهرة، 1380 1960) مجموعة من مؤلفاته التي لم تصلنا، تمثل العشرين الأولى، ثم أضاف إليها الابن العزيز أبو عبد الرحمن ابن عقيل الظاهري عدداً آخر (في مجلة الفيصل، السنة الثالثة، العدد 26) معتمداً في الأكثر على ترجمة ابن حزم في سير أعلام النبلاء للذهبي (ورمزنا إليه باسم: السير):
1 - رسالة في الوعد والوعيد وبيان الحق في ذلك من السنن والقرآن، كتبها للأمير أبي الأحوص معن بن محمد التجيبي (انظر رسائل ابن حزم، مخطوطة شهيد علي، الورقة: 265. والسير: الرسالة الصمادحية في الوعد والوعيد).
2 - كتاب كشف الالتباس لما بين أصحاب الظاهر وأصحاب القياس (تذكرة الذهبي 3: 1152، والنفح 1: 365، والسير: ما وقع بين الظاهرية وأصحاب القياس).
3 - كتاب الصادع والرادع في الرد على من كفر أهل التأويل من فرق المسلمين والرد على من قال بالتقليد (تذكرة الذهبي 3: 1152 والذخيرة 1/ 1: 143، والنفح 1: 365، والسير: الرد على من كفر المتأولين من المسلمين في مجلد).
4 - كتاب الجامع في صحيح الأحاديث باختصار الأسانيد والاقتصار على أصحها واجتلاب أكمل ألفاظها وأصح معانيها(تذكرة الذهبي 3: 1252، والذخيرة 1/ 1: 143، والنفح 1: 365، والمحلى 11: 379، والسير).
5 - كتاب شرح أحاديث الموطأ والكلام على مسائله (تذكرة الذهبي

(1/4)


3 - 1152، والنفح 1: 365، والسير: الإملاء في شرح الموطأ في ألف ورقة، وانظر مخطوطة شهيد علي من رسائله، الورقة 31/ أ.
6 - كتاب إظهار تبديل اليهود والنصارى للكتابين التوراة والإنجيل وبيان تناقض ما بأيديهم من ذلك مما " لا " يحتمل التأويل (تذكرة الذهبي 3: 1147، والذخيرة 1/ 1: 143، والجذوة: 291، والسير).
7 - كتاب المجلى في الفقه على مذهبه واجتهاده، مجلد واحد (تذكرة الذهبي: 3: 1147 وهو الذي شرحه في المحلى؛ وهو غير مفقود وإنما لم يجمع على حدة).
8 - الإيصال إلى فهم كتاب الخصال الجامعة لجمل شرائع الإسلام والحلال والحرام وسائر الأحكام على ما أوجبه القرآن والسنة والإجماع. أورد فيه أقوال الصحابة فمن بعدهم والحجة لكل قول، وهو كتاب كبير جداً (تذكرة الذهبي 3: 1147، والذخيرة 1/ 1: 143، وقد أشار إليه ابن حزم في الفصل 1: 114، 172 وفي الإحكام 1: 72، 4: 161، 4: 202).
9 - كتاب الإمامة والسياسة في قسم سير الخفلاء ومراتبها والندب إلى الواجب منها (الذخيرة 1/ 1: 143، والنفح 1: 365 باسم كتاب الإمامة والخلافة الخ، وقد ذكر ابن حزم كتاب السياسة في التقريب: 181، وهو يدل على أن السياسة بمعنى التدبير، وذكره ابن عباد الرندي في الرسائل الصغرى: 51 ونقل منه شيئاً في بعض أحوال النفس الإنسانية. وهذا يدل على أن كتاب " السياسة " مختلف في موضوعه عن كتاب " الخلافة والغمامة " .
10 - كتاب في أسماء الله تعالى (تذكرة الذهبي 3: 1147، والنفح 1: 365. قال الغزالي: وجدت في أسماء الله تعالى كتاباً لأبي

(1/5)


محمد بن حزم يدل على عظم حفظه وسيلان ذهنه؛ والسير: أسماء الله).
11 - فهرست شيوخ ابن حزم، (ذكره ابن خير في فهرسته وقال إنه قرأه على شريح بن محمد، وذكره عقيل بن عطية باسم البرنامج؛ وانظر السير: فهرسة ابن حزم).
12 - الرد على ابن الإفليلي في شعر المتنبي (الصلة 1: 274 في ترجمة عبد الله بن أحمد النباهي قال: " وله رد على أبي محمد بن حزم فيما انتقده على ابن الإفليلي في شرحه لشعر المتنبي " ). (وانظر المرقبة العليا: 20، والسير بعنوان: التعقب على الإفليلي في شرحه لديوان المتنبي).
13 - نقض العلم الالهي للرازي (ذكره ابن حزم في الفصل مرات، انظر رسائل فلسفية للرازي نشر ب. كراوس 170 - 175، والسير: كتاب الرد على ابن زكريا الرازي في مائة ورقة).
14 - رد على إسماعيل بن إسحاق (ترجمته في تاريخ بغداد 6: 284) في كتابه الخمس (الإحكام 3: 103، قال: ولنا عليه فيه رد هتكنا عواره فيه وفضحناه بحول الله وقوته، وفي السير: قسمة الخمس في الرد على إسماعيل القاضي).
15 - كتاب فيما خالف فيه المالكية الطائفة من الصحابة (رسائل ابن حزم الورقة 180، قال: فقد ألفنا كتاباً ضخماً فيما خالفوا فيه الطائفة من الصحابة رضي الله عنهم بآرائهم دون تعلق بأحد من الصحابة والتابعين رضي الله عنهم، وانظر أيضاً الورقة: 192).
16 - كتاب أن تارك الصلاة عمداً حتى يخرج وقتها لا قضاء عليه فيما قد خرج من وقته (رسائل ابن حزم، الورقة 192، قال: ولنا في هذه المسألة كتاب مفرد مشهور؛ السير: من ترك الصلاة عمداً).

(1/6)


17 - ذكر أوقات الأمراء وأيامهم بالأندلس (الجذوة: 168).
18 - الفضائح (ياقوت: معجم البلدان (بربر) قال: " ولهم - أي البربر - من هذا فضائح ذكر بعضها إمام أهل المغرب أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي في كتاب له سماه الفضائح " ).
19 - نكت الإسلام (تذكرة الذهبي 3: 1149 قال الفقيه ابن العربي. وقد جاءني رجل بجزء لابن حزم سماه نكت الإسلام الخ؛ ولابن العربي رد عليه فيه، وقد ذكره ابن حزم نفسه في المحلى 1: 57).
20 - كتاب فيما خالف أبو حنيفة ومالك والشافعي جمهور العلماء وما انفرد به كل واحد منهم (ذكره ابن حزم في قسم الفرائض من المحلى، وانظر تذكرة الذهبي 3: 1152).
21 - مراتب العلماء وتواليفهم (السير).
22 - العتاب على أبي مروان الخولاني (السير).
23 - الرسالة البلقاء في الرد على (عبد الحق بن محمد بن هارون) الصقلي (السير: في مجيلد).
24 - بيان غلط عثمان بن سعيد الأعور في المسند والمرسل (السير).
25 - ترتيب سؤالات عثمان الدارمي لابن معين (السير).
26 - الرد على أناجيل النصارى (السير: وهو غير إظهار تبديل اليهود والنصارى).
27 - زجر الغاوي: (السير: جزءان).
28 - رسالة المعارضة (السير).
29 - اليقين في النقض على الملحدين المحتجين عن إبليس اللعين وسائر

(1/7)


الكافرين (الفصل 3: 150، 5: 48 في الرد على عطاف بن دوناس؛ والسير: اليقين في نقض تمويه المعتذرين عن ابليس وسائر المشركين، في مجلد).
30 - الرد على من اعترض على الفصل (السير: في مجلد).
31 - ذو القواعد (الاحكام 1: 31، 3: 57؛ 5: 31؛ السير: در القواعد في فقه الظاهرية، ألف ورقة).
32 - الإملاء في قواعد الفقه (السير: ألف ورقة).
33 - الرسالة اللازمة لأولي الأمر (السير).
34 - قصر الصلاة (السير: رسالة صغيرة).
35 - التصفح في الفقه (السير: في مجلد).
36 - الفرائض (السير: في مجلد).
37 - مختصر الموضح من تأليف أبي الحسن المغلس (السير: في مجلد).
38 - مختصر في علل الحديث (السير: في مجلد).
39 - رسالة في معنى الفقه والزهد (السير).
40 - الاظهار لما شنع به على الظاهرية (السير).
(1) 41 - مراتب الديانة.
42 - مهم السنن.
43 - جزء في فضل العلم وأهله (السير).
44 - أجوبة على صحيح البخاري (فتح الباري 1: 17 وكشف الظنون).
__________
(1) هذه العلامة تفيد أن الأستاذ أبا عبد الرحمن ابن عقيل لم يشر إلى المصدر الذي اعتمده.

(1/8)


45 - الخصال (وهو متن الإيصال) (السير، الإيصال الحافظ لجميع شرائع الإسلام؛ النبذ: الخصال).
46 - الانصاف (في الرجال) (لسان الميزان 6: 217).
47 - مختصر كتاب الساجي في الرجال (مرتب على الحروف / ميزان الاعتدال (ترجمة خالد بن عكرمة)؛ والاعلان بالتوبيخ: 348.
48 - الحدود (التهذيب لابن حجر 7: 185).
49 - نسب البربر (السير: في مجلد)
50 - ترتيب مسند بقي بن مخلد.
51 - جزء في أوهام الصحيحين.
52 - كتاب اختلاف الفقهاء الخمسة: مالك وأبي حنيفة والشافعي وأحمد وداود (السير).
53 - القراءات (المحلي 3: 253، 366).
(1) 54 - كتاب تفسير: حتى إذا استيأس الرسل.
55 - رسالة في آية: فغن كنت في شك مما أنزلنا إليك.
56 - رسالة في أن القرآن ليس من نوع بلاغة الناس (الفصل 1: 107).
57 - مقالة السعادة (السير).
58 - تسمية شيوخ مالك (السير).
59 - شيء في العروض (السير).
60 - تسمية الشعراء الوافدين على أبي عامر (المنصور) (السير).
61 - غزوات المنصور بن أبي عامر (السير).
__________
(1) هذه العلامة تفيد أن الأستاذ أبا عبد الرحمن ابن عقيل لم يشر إلى المصدر الذي اعتمده.

(1/9)


62 - تواريخ أعمامه وأبيه وأخواته وبنيه وبناته، مواليدهم وتاريخ من مات منهم في حياته.
63 - الترشيد في الرد على كتاب الفريد لابن الراوندي (السير: مجلد).
64 - الاستجلاب (السير، مجلد).
65 - رسالة التأكيد (السير).
66 - الضاد والظاء (السير).
67 - بيان البلاغة والفصاحة، رسالة في ذلك إلى ابن حفصون (السير).
68 - رسالة في الطب النبوي (السير).
69 - اختصار كلام جالينوس في الأمراض الحادة (السير: نقلا عن الطب النبوي).
70 - كتاب في الأدوية المفردة (السير: نقلاً عن الطب النبوي).
71 - بلغة الحكيم (السير: نقلا عن الطب النبوي).
72 - حد الطب (السير: نقلا عن الطب النبوي).
73 - مقالة في شفاء الضد بالضد (السير: عن الطب النبوي).
74 - شرح فصول بقراط (السير: نقلا عن الطب النبوي).
75 - مقالة في النحل (السير: نقلا عن الطب النبوي)
76 - مقالة في المحاكمة بين التمر والزبيب (السير: نقلا عن الطب النبوي).
77 - مسألة هل السواد لون أم لا (لعلها من الفصل، وقد نشرها النادي الأدبي في الرياض 1979).
78 - كتاب التبيين في هل علم المصطفى أعيان المنافقين (السير: في ثلاث مجلدات).

(1/10)


79 - إجازة لتلميذه شريح (تكملة ابن الأبار).
80 - إجازة للحسين بن عبد الرحيم (تكملة ابن الأبار).
81 - (1) - المرطار في اللهو والدعابة.
82 - كتاب العظايم (حاشية الورقة 90/ أ من نسخة شهيد علي).
83 - كتاب العانس في صدمات ( ) (المصدر السابق نفسه).
- 3 -
وتحتوي هذه المجموعة الأولى على أربع رسائل هي: طوق الحمامة، ومداواة النفوس، والغناء الملهي، ومعرفة النفس بغيرها وجهلها بذاتها. وان ما يجمع بينها في نطاق أنها " ذاتية " في طابعها العام، وتتصل بشخص ابن حزم، وتلقي أضواء على نفسيته وتأملاته، وتصور تسامحه إزاء الحب والغناء على وجه الخصوص، وستكون كل مجموعة من الرسائل بعدها خاضعة لرابطة تنتظمها، متقاربة في إطارها العام وموضوعاتها.
ولست أرى من الضروري أن أخص حياة ابن حزم بدراسة شاملة في مقدمة هذه الرسائل، فقد كتبت عنه كتب ودراسات كثيرة في لغات مختلفة، تجد أسماءها في ثبت المصادر والمراجع.
وأنا مدين في إعداد هذه الرسائل إلى عون أحد أبنائي الأعزاء العاملين في حقل الدراسات الأدبية وهو السيد ماهر زهير جرار، وفقه الله فيما ارتضاه لنفسه من انتهاج طريق العاملين في ميدان العلم.
بيروت في تموز (يوليه) 1980
إحسان عباس
__________
(1) هذه العلامة تفيد أن الأستاذ أبا عبد الرحمن ابن عقيل لم يشر إلى المصدر الذي اعتمده.

(1/11)


طوق الحمامة في الألفة والألاف

(1/17)


فراغ

(1/18)


تصدير
- 1 -
منذ أن أصدر المستشرق بتروف طبعة من كتاب طوق الحمامة (1914) اعتماداً على النسخة الوحيدة منها المحفوظة في ليدن بهولندة، توالت الأيدي على طبع هذه الرسالة في الشرق وعلى ترجمتها في الغرب؛ ولابد أن تكون لهذه الرسالة أهمية خاصة حتى تنال كل ما نالته من عناية حتى اليوم.
وقد كانت معظم الطبعات التي صدرت في المشرق العربي عالة على طبعة بتروف، وهي طبعة أمينة للأصل المخطوط؛ ولكن هناك مواطن كثيرة فيها يعسر فهمها، واكبر الظن ان ذلك يعود إلى تصحيف أو تحريف في القراءة. وكنت أعجب دائماً كيف صدرت تلك الترجمات لطوق الحمامة من قبل أن يستقيم فيها النص ويصبح مفهوماً دون حاجة إلى تأول متعسف. وقد كان أجراً من حاول الخروج عن قراءة بتروف هو ليون برشيه، الذي طوق الحمامة مع ترجمة فرنسية (الجزائر 1949)، ولكن برشه، رغم التوفيق الذي واكبه في بعض القراءات، أسرف أحياناً في البعد عن الأصل المخطوط، طلباً لصحة المعنى واستقامته.
ولست أدعي أنني أقدم اليوم نصاً بارئاً من كل خطأ، ولكني في

(1/19)


هذه المحاولة استطعت أن أصحح كثيراً من الأخطاء في النص نفسه، وفي أسماء الأعلام، وأن أزود هذه الطبعة بتعليقات أراها ضرورية.
- 2 -
الطبعات العربية من طوق الحمامة
1 - طوق الحمامة تحقيق د. ك. بتروف (مع مقدمة بالفرنسية) ليدن 1914.
2 - طوق الحمامة، ط. دمشق، 1349 1930.
3 - طوق الحمامة (نص وترجمة فرنسية) لليون برشيه، الجزائر 1949.
4 - طوق الحمامة، ط. القاهرة (طبعة شعبية) 1950.
5 - طوق الحمامة، تحقيق حسن كامل الصيرفي ومقدمة لإبراهيم الابياري، القاهرة 1950.
6 - طوق الحمامة، تحقيق فاروق سعد، دار الحياة، بيروت 1968.
7 - طوق الحمامة، تحقيق الدكتور الطاهر مكي، القاهرة 1977.
8 - طوق الحمامة، ط. مؤسسة ناصر الثقافية ببيروت، 1978 (طبعة شعبية).
9 - طوق الحمامة، تحقيق الدكتور إحسان عباس (في المجموعة الأولى من رسائل ابن حزم، ط. المؤسسة العربية، بيروت 1980).
- 3 -
ترجمات طوق الحمامة
" الإنجليزية والروسية والألمانية والإيطالية والفرنسية والأسبانية "
1 - Abook Containing the Risala Known as the Dow " s Neck - Ring، about Love and Lovers، composed by Abu Muhammad Ali ibn Hazm al - Andalusi، trans. By A. R. Nykl، Paris، Geuthner، 1931.
2 - A. Salie. (ترجمة روسية)، Leningrad، 1933.
3 - Halsband Der Taube Uber die Liebenden، von Max Weisweiler، Leiden، 1944.
4 - II Collare della Colomba، versione dall " arabo di Francesco Gabrieli، Bari، 1949.
5 - Le Collier du Pigeon، Par Leon Bercher، Alger، 1949.
6 - El Collar de Ia Paloma، Traducido del Arabe por Emilio Garcia Gomez. Madrid 1952 (2، a edicion 1967).

(1/20)


دراسات عن طوق الحمامة (1)
1 - باللغة العربية
1 - طوق الحمامة لابن حزم، دراسة ليوسف الشاروني (في كتاب دراسات في الحب، - كتاب الهلال 1966) ص 43 - 71 وانظر مجلة المجلة العدد 102 (ص 76 - 85) القاهرة.
2 - ابن حزم وكتابه طوق الحمامة للدكتور الطاهر مكي (فيه فصول متعددة عن طوق الحمامة) الطبعة الثانية، القاهرة 1977.
3 - تأثير طوق الحمامة في الأدب العالمي للدكتور الطاهر مكي (مجلة آفاق عربية، العدد الأول 1976، بغداد).
4 - طوق الحمامة لأبي عبد الرحمن بن عقيل الظاهري (بحث نشر في مجلة العرب، السنة الثالثة ص 227، 713).
5 - في الحب والحب العذري للدكتور صادق جلال العظم، بيروت 1968 (ليس خاصاً بكتاب الطوق، ولكنه يعتمد عليه).
6 - ابن حزم الفقيه الذي عالج الحب في رسالته الشهيرة " طوق الحمامة " لمحمد أبو زهرة، مجلة العربي، أغسطس (1963) العدد: 57.
7 - مقارنة بين طوق الحمامة وكتاب المصون في سر الهوى المكنون لأبي إسحاق الحصري للدكتور محمد بن سعد الشويعر (مجلة الفيصل، السنة الأولى، عدد 10) ص: 16 - 21.
2 - باللغات الأجنبية:
Leon Bercher؛ A propos du texte du " Tawq al - Hamama " d " Ibn Hazm، Melange W. Marcais، 1950، pp. 29 - 36.
__________
(1) تراجع الكتب المؤلفة عن ابن حزم، ففي أكثرها يتعرض الدارسون لهذا الكتاب.

(1/21)


- Ibn Hazm et Son " Tawg al - Hamama " ، Bulletin des etudes arabes، 7، (1947) pp. 3 - 6.
Cauq al - Hamama، Islamica 5، (1932) pp. 474 - 474.
E Garcia Gomez: " El Collar de Ia Paloma " y Ia medicina occidental، Homenaje a Millas - Vallicrosa I، 1954، pp. 701 - 706.
- Una nota al Capitulo XXX del " Collar de Ia Paloma " ، Andalus، 18، (1953) pp. 215 - 217.
- Un Precedente y une consecuencia del " Collar de Ia Paloma " Anda lus 16 (1951) pp. 309 - 330.
- El " Tawq " de Ibn Hazm y el " Diwan al - Sababa " ، Andalus، (1941) pp. 65 - 72 (1) .
E. Levi - Provencal: En relisant le " Collier de la Colombe " ، Andalus، 15 (1950) pp. 335 - 375.
W. Marcais: Observations Sur le texte du " Tawq al - Hamama " d " Ibn
Hazm، Mem. H. Basset II، 1928، pp. 59 - 88.
J. Lomba Fuentes: La beaute objestive chez Ibn Hazm cahiers de civilisation medievale، 7(1964) pp 1 - 18، 161 - 178.
__________
(1) راجع المصدر السابق: 331 - 339.

(1/22)


نظرة في رسالة طوق الحمامة
1 - آراء في الحب قبل أبن حزم:
يبدو إن حوار " المأدبة " لأفلاطون كان معروفاً على نحو ما في القرن الثالث الهجري لدى المثقفين المسلمين، وإن لم نجد له ذكراً صريحاً بين كتب أفلاطون في المصادر العربية (1) . ويدور حوار المأدبة حول موضوع " الحب " أو " العشق " على نحو غير حواري في البداية، إذ يتوالى على الحديث في الموضوع على صورة " المقام " خمسة من المتحدثين، اجتمعوا في بيت أحدهم، وأحبوا أن يتجنبوا الاستسلام إلى نوبة من الشرب بعد انتهائهم من الطعام، فتناوبوا الحديث واحداً بعد آخر، وعرض كل واحد منهم وجهة نظره في الحب، فلما جاء دور السادس، وهو سقراط، رأى جاداً أو هازلاً، إنه يقصر في البلاغة عن مدى كل منهم، وهو في حقيقة الأمر ينتقد الطريقة " الخطابية " التي عالجوا فيها الموضوع، ولذلك تحول إلى طريقته المفضلة وهي " الحوار " المتنامي، الذي يستحث فيه محاوره إلى الالتزام بحدود واضحة بعد إذ يتحول به إلى ظل له وفي أثناء ذلك أنتقل سقراط يقص حواراً جرى بينه وبين امرأة سماها ديوتيما عرفة بفنون
__________
(1) من بين كتبه المترجمة كتاب " في اللذة المنسوب إلى سقراط " وقد ذهب فرانز روزنتال ورتشارد فالتسر في تعليقاتهما على كتاب الفارابي " فلسفة إفلاطون وأجزاؤها ومراتب أجزائها.. " إلى أن " في اللذة " لابد أن يكون هو " المأدبة " ، وتعقبهما الدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه " إفلاطون في الإسلام " (ص: 31) ورفض التوحيد بين الكتابين، وحججه غير مقنعة؛ وكل قطع في هذا الأمر قبل أن يعثر على نصوص من كتاب " في اللذة " لا يؤخذ على علاته.

(1/23)


الحب، حول الموضوع نفسه، وعندما ينتهي سقراط من آراء تلك المرأة، يدخل القبيادس مع شلة من السكارى، ويتجه الحديث وجهة عملية، إذ يكون دور المتحدث السابع - وه القبيادس - أن بين مميزات سقراط، وخاصة في الحب، وعلى نحو أخص في محبته لالقبيادس نفسه. وفيما كانت الجلسة تنحو نحواً جديداً، بعد أن انتهى كلام السابع، جاء جمع من السكارى آخر، ووجدوا الباب مفتوحاً فدخلوا، وكثر الضجيج وأنتقض النظام، وانفضت الجلسة على نحو ما.
ذلك هو الإطار العام الذي جرى فيه " حوار المأدبة " - دون المحتوى - ولعله أو إطاراً شبيهاً به (1) هو الذي أوحى بعقد ذلك " المقام " حول " العشق " في مجلس يحيى بن خالد البرمكي (190/805) (2) ، فقد كان يحضر ذلك المجلس عدد غفير من أهل البحث والنظر مثل أبي الهذيل العلاف وهشام بن الحكم والنظام وبشر بن المعتمد وثمامة بن أشرس والموبذ قاضي المجوس وغيرهم؛ وقد كان عدد المتحدثين في مجلس يحيى ثلاثة عشر، وهم وإن لم يحاولوا ترسم حوار فيما بينهم فقد اكتفوا بحكاية الشق الأول من " حوار المأدبة " ، إذ تناول كل منهم " العشق " حسب تصوره له، بوصف موجز، وربما لم يكن فيهم من أعتمد الآراء التي وردت في " حوار المأدبة " حول العشق، ولكن الإطار نفسه يربط بين مجلسهم والمأدبة؛ وشيء آخر أهم من الحوار وهو تلك التوطئة في كل من المجلسين، فقد بدأ " حوار المأدبة " بالشكوى من أن جميع الأرباب تصاغ فيهم الأناشيد والمدائح إلا رب الحب، بل إن المعلمين المحترفين من السوفسطائيين يؤلفون الكتب والخطب في أصغر
__________
(1) إن توالي عدد من الحكماء اليونانيين في الحديث حول موضوع معين أصبح صورة محببة لدى المفكرين المسلمين، مثل تواليهم في تأبين الإسكندر، وفي مواقف أخرى أورد بعضها حنين أبن إسحاق في كتابه " نوادر الفلاسفة " (أنظر ملامح يونانية ص 111 وما بعدها، والملحق رقم: 2).
(2) أنظر المسعودي: مروج الذهب (ط.شارل بلا، بيروت 1973) 4: 236 - 241.

(1/24)


الموضوعات كفائدة الملح للإنسان، وليس ثمة واحد يقف ليثني على " الحب " ؛ وفي مجلس يحيى فاتحة مشابهة، فقد وجه رب المجلس حديثه إلى المثقفين والموجودين في حضرته، بالتذمر من أنهم أسرفوا في الحديث عن كل نقطة، مهما تدق، في علم الكلام، فتحدثوا عن الكمون والظهور والقدم والحدوث والنفي والإثبات والحركة والسكون والجزء والطفرة والأجسام والإعراض، وإنهم قد أشبعوا القول في هذه القضايا وسواها، ومن حق العشق عليهم أن يقولوا فيه شيئاً - دون منازعة (1) - ودون استعداد سابق، بل بما سنح لهم في الوقت، على نحو ما جرى في " حوار المأدبة " .
وليس يهمني هنا: أحدث ذلك المجلس حقاً أم لم يحدث، وهل ضم تلك الشخوص أو لم يضم، وإنما الذي يهمني هو هذا " الأنموذج " الذي يقرب إلى الظن أن " حوار المأدبة " على نحو ما، أو شيئاً شبيهاً به، كان معروفاً لدى المثقفين المسلمين في أواخر القرن الثاني أو أوائل الثالث، وإلا فلماذا " العشق " من دون سائر الموضوعات ينتدب إلى الكلام فيه على نحو واقعي أو متخيل - عدد من مفكري ذلك العصر لقد ملأ الحديث عن الحب الشعر العربي والحكايات والأسعار حتى حينئذ، وكان لابد - في ظل الثقافة اليونانية - أن يتصدى له " المتفلسفون " ليحددوا طبيعته وماهيته، على نحو يذكر المأدبة.
بل إننا لا نستطيع أن ننفي الصلات الموضوعية بين مجلس يحيى والمأدبة، معتمدين الحافز والإطار موضوعين للتشابه بينهما وحسب، فإن المدقق في أحاديث المتكلمين في مجلس يحيى يلمح بعض المشابه في التعبير عن " الحب " أو " العشق " . هذا هو " فايدرس " المتحدث الأول في " المأدبة " يتناول الحب من حيث هو قوة محولة، تجعل الحب يتوجه نحو الفضيلة وينفر من الرذيلة ومن كل ما يجر العار على نفسه في سبيل رضى
__________
(1) " دون منازعة " ، وهي التي حددت عدم ظهور الحوار، على نحو متعمد.

(1/25)


المحبوب، مثلما إن الحب يقترن بالتضحية، مورداً هنا مثل " لقست " ( Alcestis) الزوجة الوفية التي ضحت بنفسها من أجل زوجها بعد أن أنكره كل الناس حتى أبوه وأمه (1) . ويقول أبو الهذيل العلاف " غير أن العشق من أريحية تكون في الطبع وطلاقة توجد في الشمائل، وصاحبه جواد لا يصغي إلى داعية المنع ولا يصيخ لنازع العذل " (2) . ويقول آخر: " وأيسر ما يبذله لمعشوقه أن يقدم دونه " (3) - وتلك هي التضحية - ويصف أغاثون - وهو المتحدث الخامس - كيف إن الحب نموذج للرقة، رشيق، جميل القسمات يعيش بين الأزهار، وإنه شجاع حكيم وكل من يمسه يصبح حكيماً، وإنه يقرب بين النفوس ويزيل الشعور بالاغتراب، وهو أبو اللياقة واللطف وكل ضرب الفضل (4) ، وإذا نحن تغاضينا عن التشخيص أحياناً في العبارات اليونانية - لأن الحديث عن الحب في العربية كثيراً ما ينصرف إلى المحب نفسه - وجدنا أحد المتحدثين في مجلس يحيى يقول: " هو (ي الحب) من بحر اللطافة ورقة الصنيعة وصفاء الجوهر (5) " وآخر يقول أنه " موسوم بالبراءة ولطف الصورة " (6) ويقول: " وإلى غاية الرقة يضاف صاحبه " (7) .. وثالثاً يقول: " العشق أرق من السراب وأدب من الشراب " فهذه كلها مواطن للتشابه قد ترجح القول بمعرفة " المأدبة " وقد تكون أيضاً نتيجة نظرة مستقلة في جانب من تلك التجربة الإنسانية المشتركة بين الناس.
__________
(1) (The Symposium by Plato، translated by W.Hamilton (Penguin Books، 1956) pp. 42 - 45. وخلاصة القصة أن أبولو انبأ أدميتس ملك فيراي إحدى مدن تشطاليا بأن الموت مدركه لا محالة إن لم يجد من يموت نيابة عنه، فرفض أبوه وأمه ذلك، وتقدمت روجه لقست لتفديه بنفسها.
(2) المسعودي 4: 237.
(3) المسعودي 4: 239.
(4) (He Symposium، pp. 68 seq).
(5) أنظر المسعودي 4: 237، 240، 238.
(6) أنظر المسعودي 4: 237، 240، 238.
(7) أنظر المسعودي 4: 237، 240، 238.

(1/26)


على أنا قبل أن نغادر مجلس يحيى بن خالد علينا أن نتذكر أموراً سنحتاج إليها كلما تقدمت بنا الخطى في طريق هذا البحث، ومنها:
1 - أن أولئك المفكرين يكادون يجمعون على أن الحب اتصال بين الأرواح أو النفوس (أو بين روحين ونفسين) على سبيل المشاكلة، والتكافؤ في الطريقة، والمطابقة والمجانسة في التركيب، أو إنه تمازج بين جواهر النفوس بوصل المشاكلة والمناسبة والمساكنة، أو انه اتفاق الأهواء وتمازج الأرواح وتراوح الأشباح.
2 - أن بعض أولئك المفكرين ذهب إلى القول بنورانية الحب: " انبعث لمح نور ساطع تستضيء به نواظر العقل وتهتز لإشراقه طبائع الحياة " (1) .
3 - عبر أكثرهم عن قوة الحب وسلطانه ونفوذه بصور مختلفة لكن المرمى فيها واحد، مثل: " له نفوذ في القلب كنفوذ صيب المزن في خلل الرمل " و " له مقتل في صميم الكبد ومهجة القلب " و " أدب من الشراب له سحابة غزيرة تهمي على القلوب فتعشب شغفاً وتثمر كلفاً " و " له دبيب كدبيب النمل " و " يسور في البنية سوران الشراب " الخ.
4 - أتفق أكثرهم على وصف حال المحب بالتذلل وما إليه من مظاهر فقالوا: إنه يخضع لعبد عبده، دائم اللوعة، طويل الفكر، صومه البلوى، وإفطاره الشكوى، أذل من النقد، يهش لكل عبد، ويؤسر بكل طمع، يتفوه بالأماني ويتعلل بالأطماع.
5 - وأنفرد الموبذ قاضي المجوس بالربط بين الحب وحركات النجوم والفلك " الأسطقسات تولده والنجوم تنتجه وعلل الأسرار العلوية تصوره تنبعث خواطره بحركات فلكية الخ " .
__________
(1) المسعودي 4: 240 وقارن بما أورده أبن القيم في روضة المحبين: 139.

(1/27)


إن مثل هذه النظرات، يدلنا على لون " الفكر " الذي كان رائجاً حول الحب في المشرق قبل أبن حزم، ويبين إلى أي مدى التقت مفهوماته عن طريق التجربة، بما وقر في نفسه عن طريق الثقافة. ولكن المشرق قبل أبن حزم عرف آراء ونظرات أخرى في الحب، أطلع عليها أبن حزم من بعد، وكان أهمها ما قرأه في كتاب الزهرة (1) لأبي بكر محمد بن داود الأصبهاني ( - 297/ 910) وهو ظاهري أيضاً، فقد جاء في ذلك الكتاب: " وزعم بعض المتفلسفين أن الله - جل ثناؤه - خلق كل روح مدورة الشكل على هيئة الكرة، ثم قطعها أيضاً، فجعل في كل جسد نصفاً، وكل جسد لقي الجسد الذي فيه النصف الذي قطع من النصف الذي معه، كان بينهما عشق للمناسبة القديمة، وتتفاوت أحوال الناس في ذلك على حسب رقة طبائعهم " (2) . وقد أطلع أبن حزم على هذا القول ونسبه إلى أبن داود ولكنه أورده على النحو الآتي: " الأرواح أكر مقسومة، لكن على سبيل مناسبة قواها في مقر عالمها العلوي، ومجاورتها في هيئة تركيبها " .
وبين النصين اختلاف جوهري، ولكن هذا يجب ألا يستوقفنا أيضاً، إنما الذي يستوقفنا هو فكرة " الأكر " التي انقسمت: من أين تسربت هذه الفكرة إلى أبن داود إن هذه الفكرة تقوي الحجة بأن كتاب " حوار المأدبة " كان معروفاً على نحو ما في القرن الثالث، لأنه -
__________
(1) دخل كتاب الزهرة إلى الأندلس - في أوائل القرن الرابع على أكثر تقدير - وقد عارضه أحمد بن فرج الجياني فألف علة نسقه كتاب " الحدائق " للحكم المستنصر واقتصر فيه على أشعار الأندلسيين، وكانت وفاة أبن فرج في سجن المستنصر (لعله إذن توفي قبل سنة 366). وكان أبن حزم معجبا بالكتابين، وهو يقول في كتاب ابن فرج " أحسن الاختيار فيه ما شاء، وأجاد فيه فبلغ الغاية فأتى الكتاب فردا في معناه " (الجذوة: 97 وأنظر ترجمة ابن فرج في المغرب 2: 56 والمطمح: 79 ومعجم الأدباء 4: 236 والمطرب: 4 وفي الجذوة والحلة السيراء نقول كثيرة عن الحدائق).
(2) النصف الأول من كتاب الزهرة: (تحقيق لويس نيكل ومساعدة إبراهيم طوقان، بيروت 1932) ص: 15.

(1/28)


فيما اعتقد - مصدر تلك الفكرة. فالمتحدث الرابع في المأدبة، وهو الكاتب الكوميدي أرسطوفان، يرى أن الخلق كانوا ثلاثة أصناف، ذكوراً، وإناثاً وخليطاً من هذين، وكان كل مخلوق بشري كلاً كاملاً، ظهره وجانباه مدوران على شكل كرة، وكان له أربع أيد وأربع أرجل ووجهان متماثلان قائمان على رقبة مستديرة، وكان هذا المخلوق يمشي في شكل دائري، وكان قوياً مخوفاً، فرأى الإله أن يضعف من قوته، فشقه نصفين، ومنذ ذلك الحين أخذ كل نصف يتوق إلى النصف الآخر الذي أنفصل عنه، فإذا التقيا تعانقا كأنما يطلبان الاتحاد. فإذا كان النصفان المتلقيان ذكراً وأنثى نتج عن تلاقيهما التناسل، فوجدا الاكتفاء في الاتصال، وانصرف الذكر بعده إلى ممارسة شؤون الحياة الأخرى، وإذا حدث التجاذب بين ذكر ومثله، نشأت بينهما عاطفة قوية غلابة تخلق متعة في الصحبة، ولكن لا أحد يستطيع أن يقول إنها قاصرة على الجسد بل إن روح كل منهما تتوق إلى الأخرى توقاً لا تستطيع أن تصفح عنه. وعلى هذا فليس الحب سوى محاولة للعودة إلى الحال التي كان الآدميون عليها. فهو رغبة في استعادة الوحدة القديمة (1) .
إن هزل أرسطوفان في معرض الجد قد تحول وتحور حين انتقل إلى بيئة بغداد في القرن الثالث؛ فموضوع الحب في المأدبة، وهو حب بين الذكران، ويكاد لا يتوقف عند حب الذكر للأنثى، قد اختفى، ولم يستطع إلا أن يومئ إليه إيماء من وراء ستار النظرية شخص مثل أبن داود شهر بحب حدث أصبهاني يقال له محمد بن جامع أو وهب بن جامع (2) ، وانقسام الأجساد في ذلك التصوير شبه الهزلي لدى أرسطوفان أصبح عند أبن داود انقساماً في روح كرية جعلت في جسدين، فأخذ كل نصف يفتش عن نظيره، وكان ذلك التحول والتحور ضرورياً لفقيه
__________
(1) بإيجاز عن (Symposium) ص: 59 وما بعدها.
(2) الصفدي: الوافي بالوفيات 3: 59.

(1/29)


ولمجتمع " استعلائي " النظرة، تحول عفته الدينية - أو تعففه - دون التسليم ببحث الجسد عن جسد مناظر له.
وفي المأدبة استطاع سقراط وحده أن يتحول بالحب - حسب تعليمات " ديوتيما " - إلى مجال آخر: فقد تدرج من أن الحب " روح " (أو شيء يشبه الملاك) وسيط بين الله والخلق، وإن هذه الروح تحفز إلى اختيار المحبوب، وذلك هو الجمال أو الخير، والرغبة في ذلك تؤدي إلى السعادة، وهذه الرغبة تعبر عن ذاتها بصور مختلفة، فالناس يقولون إن النصف يبحث عن نصفه ولكن سقراط يرى أن الحب ليس رغبة في الاتحاد بالنصف، وإنما هو رغبة في الاحتياز السرمدي للمحبوب - وهو الخير - ومهمة الحب هي " التناسل " فكل الناس " حاملون " روحياً وجسدياً، وعندما يحين الحين يحسون بالحاجة إلى " الوضع " ، ولا يستطيعون ذلك إلا في الجمال لا في القبح، وهذه " الولادة " هي أقرب شيء إلى الخلود مع الخير، فالحب إذن هو حب الخلود، مثلما هو حب الخير وهما سيان؛ فمن كانت غريزته في " التولد " جسدية بحث عن المرأة، ومن كانت رغبته في " التولد " روحية بحث عن الحكمة؛ وهكذا يتدرج الحب: من تأمل الجمال الجسدي في واحد " يفرخ " في تأمله مشاعر جميلة، ثم إلى تأمل الجمال المطلق خارج هذا العالم، وهكذا يتم الانتقال في الحب من المادي إلى المعنوي ومن المعنوي إلى جمال المعرفة، ومنها إلى جمال المعرفة الكلية العليا (1) .
وهذا التدرج هو الذي لفت أنظار إخوان الصفا، فبعد أن قرروا أن النفوس تتفاوت في المحبة بين نفس شهوانية وأخرى حيوانية وثالثة ملكية (ناطقة) وأن في جبلة النفوس محبة البقاء السرمدي (2) تحدثوا
__________
(1) بإيجاز عن (Symposium) ص: 81: 94.
(2) رسائل أخوان الصفا (ط. بيروت) 3: 279 - 280.

(1/30)


عن تدرج النفس من المادي إلى الروحاني فقالوا: " ثم أعلم أن الغرض الأقصى من وجود العشق في جبلة النفوس ومحبتها الأجساد واستحسانها لها ولزينة الأبدان، واشتياقها إلى المعشوقات المفتنة، كل ذلك إنما هو تنبه لها ومن نوم الغفلة ورقدة الجهالة ورياضة لها وتعريج لها وترقية من الأمور الجرمانية إلى المحاسن الروحانية ودلالة على معرفة جوهرها " (1) ذلك لأن كل المشتهيات في الأجساد رسوم طبعتها فيها النفس الكلية، فإذا تأملتها النفس الجزئية حنت إليها، وأحبتها، فإذا غابت تلك الرسوم بقيت المحبة، لأنها تمثل تشوق النفس الجزئية إلى النفس الكلية، والنفس الكلية تشبه بالباري تعبداً له واشتياقاً ليه، ولذلك كان الله هو المعشوق الأول الذي تشتاق إليه جميع الموجودات ونحوه تقصد لأنه هو الموجود المحض، وله البقاء السرمدي والكمال المؤبد (2) .
وعلى الرغم من تحول إخوان الصفا إلى نظرة أفلوطونية واضحة، فليس ببعيد إذن أن تكون " المأدبة " مصدراً لكثير من تلك التصورات عن الحب، ولكنها وأشباهها تمثل المصدر الفلسفي، وهو مصدر يقف في موازاته المصدر الطبي؛ فقد كان ابن داود نفسه يعرف أن بعض المتطببين يقول، " العشق طمع يتولد في القلب، وتجتمع إليه مواد من الحرص، فكلما قوي ازداد صاحبه في الاهتياج واللجاج وشدة القلق وكثرة الشهوة، وعند ذلك يكون احتراق الدم واستحالته إلى السوداء والتهاب الصفراء وانقلابها إلى السوداء، ومن طغيان السوداء فساد الفكر، ومع فساد الفكر تكون الفدامة ونقصان العقل، ورجاء ما لا يكون وتمني ما لا يتم، حتى يؤدي ذلك إلى الجنون، فحينئذ ربما قتل العاشق نفسه، وربما مات غماً، وربما نظر إلى معشوقه فيموت فرحاً أو أسفاً، وربما شهق شهقة فتختفي فيها روحه أربعاً وعشرين ساعة فيظنون أنه قد مات فيقبرونه وهو حي، وربما تنفس الصعداء فتختنق نفسه في تامور قلبه
__________
(1) رسائل 3: 282.
(2) أنظر المصدر نفسه: 282 - 286.

(1/31)


وينضم عليها القلب فلا ينفرج حتى يموت، وربما ارتاح وتشوق للنظر أو رأى من يحب فجأة فتخرج نفسه فجأة دفعة واحدة " (1) .
ولا يرى ابن داود بأسا في أن يقرن بين هذا التفسير الطبي في الحب، وهو قائم على نظرية الطبائع والأخلاط، متصل بالجسد اتصالاً وثيقاً، غير معترف بأي دور للروح أو للنفس في مجال الحب وبين حديث آخرين عن النفوس - أو الأرواح - الكرية التي انقسمت " في مقر عالمها العلوي " (حسب مفهوم ابن حزم) دون أن يعلق على المفارقة القائمة بين النظريتين. وأسوا من ذلك صنيع إخوان الصفا، فإنهم حشدوا جميع الآراء في نطاق، فأوردوا قول من قال إن العشق جنون إلا وهي (2) - وهو رأي ذكره ابن داود نفسه (3) - وتحدثوا عن آراء الأطباء فيه، حسبما جاء عند ابن داود (4) ، وهو رأي لم يلبث أن نسب إلى أفلاطون نفسه أيضاً (5) ، بل زاد إخوان الصفا زيادة في فهم الحب الجسدي اربت على كل شيء ساب، وإن كان توجههم النهائي أفلوطينياً، فزعموا أن العاشق والمعشوق إذا تباوسا وامتص كل واحد منهما ريق صاحبه وبلعه وصلت تلك الرطوبة إلى معدة كل واحد منهما وامتزجت مع سائر الرطوبات، ثم وصلت إلى الكبد واختلطت بأجزاء الدم وانتشرت في العروق، وأصبحت جزءاً من تكوين الجسد، وإذا تنفس كل واحد منهما في وجه صاحبه اختلط ذلك مع الهواء المستنشق، ووصل بعضه إلى مقدم الدماغ، فاستلذ كل واحد ذلك التنسم، أو وصل إلى الرئة ومن الرئة إلى القلب، وأنتقل مع حركة النبض إلى سائر الجسد، وأختلط بالدم واللحم (6) .
__________
(1) الزهرة 1: 17.
(2) رسائل 3: 270.
(3) الزهرة: 15 ونسب إلى أفلاطون.
(4) رسائل 3: 271.
(5) أفلاطون في الإسلام، نصوص جمعها وعلق عليها الدكتور عبد الرحمن بدوي (تهران 1973) ص 252 ونقله أبن القيم في روضة المحبين: 137 ونسبه لبعض الفلاسفة.
(6) رسائل 3: 274 - 275.

(1/32)


واجتمع إلى هذين المصدرين الفلسفي والطبي - في تصور مفهوم الحب مصدر ثالث هو المصدر التنجيمي الذي رأينا بوادره عند الموبذ قاضي المجوس، وقد خضع ابن داود أيضاً لهذا المصدر (1) وقرنه بالمصدرين الآخرين، كما فعل شيئاً شبيهاً بذلك إخوان الصفا (2) وإن لم يكن تحديد المؤثرات النجومية متفقاً عليه بينهما.
فإذا انتهينا إلى أواخر القرن الرابع وجدنا " تصعيداً " متعمداً لكل هذه النظرات لدى أبن سينا الذي يرى أن من شأن العاقل " الولوع بالمنظر الحسن من الناس " ولكن إن كان هذا الولوع لذة حيوانية فهو مستحق للوم (مثل الفرقة الزانية والمتلوطة) (3) ، ولهذا تستبعد لذة المباضعة، فأما المعانقة والتقبيل فإن كان الغرض منهما الاتحاد فليس بمنكر (وهذا هو الظرف)، ولكن العشق الحقيقي هو عشق الخير المطلق عشقاً غريزياً، أي قبول تجليه على الحقيقة، وتجليه هو حقيقة ذاته، والنفوس الملكية عاقلة له وعاشقة ومتشبهة بما تعقله منه أبداً (4) . وهكذا ينتهي أبن سينا إلى ما انتهى إليه إخوان الصفا، دون أن ندري يقيناً أيهما كان قبل الآخر، ويكون المتفلسفة قد وصلوا إلى فكرة " الاتحاد " في الحب، وكان وصولهم إلى ذلك قبل المتصوفة، على الأرجح.
غير أن القرن الثالث شهد مفهوماً رابعاً للحب (إلى جانب المفهوم الفلسفي والطبي والنجومي)؛ وهذا المفهوم صوفي أيضاً، لكنه لم يبلغ بعد درجة " الاتحاد " ولا ندري حقيقة من هو الذي قال به لأنه فريد في منزعه وهو يتلخص في أن الحب - على المستوى الإنساني - امتحان لكي يتلقن المحب درساً في طاعة محبوبه ويدرك معنى المشقة في مخالفته؛ وهذا
__________
(1) الزهرة 1: 16.
(2) رسائل 3: 273.
(3) أبن سينا: رسالة في ماهية العشق (تحقيق وترجمة أحمد آتش، أستانبول 1953) ص: 18.
(4) رسالة العشق: 25 - 29.

(1/33)


يهيئه ليدرك قيمة رضى الله تعالى، لأن الله تعالى أحرى بأن يتبع رضاه وتتجنب مخالفته (1) ؛ فكأن الحب الإنساني رياضة في مرحلة أولى ينتقل بعدها " العبد " إلى مرحلة ثانية.
هذه المفهومات الأربعة للحب قد جمعت معاً - بشكل موجز - في كتاب " الزهرة " ، وهو كتاب عرفه أبن حزم معرفة تمكن واستلهام، فلو لم يطلع على المصادر الشرقية الأخرى، لكان كتاب " الزهرة " وحده كافياً في هذا المجال. ولكنه كان يعرف من دون ريب مروج الذهب للمسعودي، وما ورد فيه من مقامات المتكلمين حول الحب، كما كان يعرف بعض الكتب الطبية، ولا أستبعد أن يكون قد عرف " فردوس الحكمة " لعلي بن ربن الطبري (247/ 861) أو مصدراً مشبهاً له، فالحديث عن ضروب المحبة عندهما متشابه، يقول أبن ربن: " فإن من شأن النفس الولوع والعجب بكل شيء حسن من جوهر أو نبت أو دابة (2) " ويقول أبن حزم: " فالظاهر أن النفس الحسنة تولع بكل شيء حسن وتميل إلى التصاوير المتقنة (3) " ثم يتفقان على أن الإثارة الأولى بعد تحريك الإعجاب هي " الشهوة " ويتمايزان بعد ذلك في الاستنتاج. وليس ببعيد أيضاً أنه عرف مصادر شرقية أخرى ذات علاقة بالموضوع من قريب أو بعيد (4) ، هذا بالإضافة إلى ما كان يمده به الشعر المشرقي،
__________
(1) الزهرة 1: 18.
(2) فردوس الحكمة: 91.
(3) طوق الحمامة: 4.
(4) نشر الأستاذ غوسيه غومس (مجلة الأندلس 191 ص 309330) بحثاً درس في معظمه مواطن اللقاء بين طوق الحمامة وكتاب الموشى، وكثير مما أورده ليس سوى تشابه عارض،س أو هو يمثل خلاصة تجارب انسانية ومواقف شعرية حول الحب، وقد أشرت الى بعض تلك المقارنات في الحواشي، وأهملت ما رأيته تزيداً، فمثلا الحديث عن كيد النساء ومكرهن ليس من الضروري أن يجده ابن حزم لدى الوشاه، وكذلك الحديث عن علامات الحب من نحول واصفرار وقلة نوم.. الخ فمثل هذه الأمور تعد قدراً مشتركاً عند اثارة قضية " الحب " .

(1/34)


وحكايات العشاق المشارقة من ذخيرة كبيرة تصورات الشعراء والرواة والقصاص لموضوع الحب.
ولعله لم يكن يجد في البيئة الأندلسية تنظيراً حول " الحب " ، ولكن البيئة الأندلسية كانت تمده بشيئين هامين: أولهما ذلك الشعر العفيف المتشبه بالشعر العذري، نزولاً على أحكام الظرف والفتوة السليمة (وإن كان يوازيه في خط آخر شعر المجون)؛ وقد مهد أبن فرج في كتاب " الحدائق " لذلك السياق الأندلسي الخالص في شعر الحب، وكان أبن حزم معجباً بكتابه، كما كان يزيد على ما عرفه أبن فرج أشعاراً كثيرة جدت من بعده وجرت في ذلك السياق، وأبو محمد ذو حافظة عجيبة وذوق رفيع في الحفظ والتخير، وذو رغبة حافزة للإطلاع على كل ما يتصل بالأندلس من تراث أدبي وغير أدبي؛ وثانيهما: قصص الحب في الأندلس، ومنها المتصل بالماضي ومنها التجارب المعاصرة التي جرت لأفراد يعرفهم أبن حزم أو يسمع عنهم، فذلك الشعر وتلك القصص كانا مظهرين هامين في " الحب الأندلسي " . فأما التنظير فقد بدأت بوادره تتسرب في مجالس الجدل كما يشير إلى ذلك كتاب الطوق نفسه، وفي المحاورة التي جرت بين أبن كليب القيرواني وأبن حزم أيام كونهما بقرطبة في التفلسف حول أمور تتعلق بالحب (1) ما يدل على ذلك: وإليك هذه المحاورة (ك أبن كليب، ح أبن حزم).
ك: إذا كره من أحب لقائي وتجنب قربي ما أصنع
ح: أرى أن تسعى في إدخال الروح على نفسك بلقائه وإن كره.
ك: (أنا) لا أرى ذلك بل أوثر هواه على هواي ومراده على مرادي، وأصبر ولو كان في ذلك الحتف.
ح: إني إنما أحببته لنفسي ولالتذاذها بصورته فأنا أتبع قياسي وأقود أصلي وأقفو طريقتي في الرغبة في سرورها.
__________
(1) أنظر الباب الرابع عشر، وهو باب الطاعة ص: 158 - 159.

(1/35)


ك: هذا ظلم من القياس. أشد من الموت ما تمني له الموت، وأعز من النفس ما بذلت له النفس.
ح: عن بذلك نفسك لم يكن اختياراً بل كان اضطراراً ولو أمكنك ألا تبذلها لما بذلتها، وتركك لقاءه اختياراً منك أنت فيه ملوم لإضرارك بنفسك وإدخالك الحتف عليها.
ك: أنت رجل جدلي ولا جدل في الحب يلتفت إليه.
ح: إذا كان صاحبه مؤوفاً.
ك: وأي آفة أعظم من الحب
ومع أن هذا القيرواني هو الذي فتح باب الجدل، فانه عاد يلوذ بما أرقته الطبيعة الأندلسية نفسها حين اقتصرت على الشعر والقصص، ويقول " ولا جدل في الحب يلتفت إليه " ، وكأنه يردد بهذا قول الشاعر المشرقي:
ليس يستحسن في شرع الهوى ... عاشق يحسن تأليف الحجج وعلى هذا الأساس - وخضوعاً لمنطق البيئة الأندلسية - لم يكن ابن حزم بحاجة إلى التنظير، وكان يكفيه منه القليل الذي وجده في كتاب الزهرة، كما سنرى من بعد.
2 - تسمية الرسالة:
سمى ابن حزم رسالته " طوق الحمامة " فلماذا اختار هذا الاسم يقول الثعالبي: " طوق الحمامة يضرب مثلاً لما يلزم ولا يبرح ويقيم ويستديم (1) " ، ترى هل هذا هو المعنى الذي أراده ابن حزم حين اختار هذه التسمية دعني أقرر أنها فريدة، بادئ ذي بدء، ولكن من درس أحوال الحب في الكتاب يجد ان معنى " الدوام " ليس من الأمور التي تلازم الحب، لا من حيث النظرية ولا من حيث التجربة، غير أن
__________
(1) ثمار القلوب: 465.

(1/36)


هذا لا ينفي أن الطوق للحماسة زينة منحتها بدعاء نوح، حين أرسلها لتستكشف المدى الذي سترسو عنده سفينته، فطوق الحمامة هنا كناية عن استلهام الجمال الذي هو مثار الحب اعني جمال الطوق لأنه حلية متميزة عن سائر لون الحمامة. ولست أستطيع هنا أن أتحدث عن " الحمائم " التي تقود مركبة فينوس - ربة الحب - في الأساطير الرومانية، فربما كان التوجه إلى هذا المعنى إيغالاً في التصور، ونقلاً من حضارة إلى حضارة أخرى، ولست كذلك أتوجه إلى أفانين الحب التي يمارسها الحمام، والتي يرى الجاحظ - أو من نقل عنه - أنها هي عين الممارسات التي توجد لدى الإنسان (1) ، كأنما هي صورة طبق الأصل من شتى المواقف من إخلاص وغيرة وشذوذ وتضحية وما إلى ذلك من فنون، ولكني حين أجدني اصل إلى الحيرة في سر هذه التسمية، أتوقف عند " الجمال " " والتميز " ، وكأني بابن حزم يقول: هذا كتاب يتحدث عن العلاقة السرية بين الجمال والحب أو هذا الكتاب بين الكتب كطوق الحمامة بالنسبة للحمامة؛ وعند هذا الحد أجد الثعالبي يقول ان الحمامة إنما أعطيت طوقها " من حسن الدلالة والطاعة " ، فأضيف إلى الجمال والتميز عنصر " الطاعة " وهو عنصر هام في مفهوم الحب.
ومع ان ابن حزم يقول في رسالته: " وكلفتني أعزك الله ان أصنف لك رسالة في صفة الحب وأسبابه وأعراضه وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة " فغن العنوان الذي اختاره لرسالته هو " في الألفة والألاف " ، يعني أنه تجاوز في رسالته ما كلفه به صديقه لأن " الألفة " كلمة اعم من " الحب " وهي ناظرة إلى الحديث الشريف في الأرواح: " فما توافق منها ائتلف " . وبسبب هذه العمومية نجده أحياناً يخرج في أمثلته. التي يوردها من دائرة العشق، وذلك شيء سأتحدث عنه عند الحديث عن العلاقة بين نظريته في الحب، وتطبيقه لتلك النظرية.
__________
(1) الحيوان 3: 63.

(1/37)


3 - تاريخ التأليف:
تقلبت الأحوال بابن حزم تقلباً جائراً في الفتنة، كان عمره حين انتقل أبوه من دورهم الجديدة بالجانب الشرقي (في ربض الزاهرة) إلى دورهم الجديدة في الجهة الغربية (أب بلاط مغيث) حوالي خمسة عشر عاماً وتسعة أشهر، وفي ذي القعدة من سنة 402 توفي والده (وقبلها بنحو عام توفي أخوه أبو بكر في الطاعون)، وتوالت عليهم النكبات والاعتقال والمصادرة، ثم احتل جند البرابر منازل أهله، فاضطر للخروج عن قرطبة (أول المحرم سنة 404 / 1013) فذهب إلى المرية يطلب الاستقرار فيها، ولم تطل فيها إقامته، فقد نكبه صاحبها خيران العامري إذ اتهمه مع صاحبة محمد بن إسحاق بأنهما يسعيان في استعادة الدولة الأموية، فاعتقلهما اشهراً، ثم غربهما فذهبا إلى حصن القصر ونزلا على صاحبه عبد الله بن هذيل التجيبي فرحب بهما، ولما سمعا بقيام المرتضى عبد الرحمن بن محمد (407/ 1016) لإحياء الدولة الأموية ركبا البحر من حصن القصر إلى لقائه في بلنسية، وسكنا معه فيها. ويبدو أن ابن حزم سار إلى قرطبة بعد إخفاق المرتضى ومقتله عند غرناطة، ويبدو أن ابن الخليفة بقرطبة يومئذ القاسم بن حمود، فدخلها (409/ 1019) وبقي فيها حتى لاحت الفرصة بمبايعة عبد الرحمن بن هشام الناصري الذي لقب بالمستظهر (414/ 1027) فقرب إليه ابن حزم وابن عمه أبا المغيرة وابن شهيد، لكن هذه الخلافة لم تدم أكثر من سبعة وأربعين يوماً، وبويع المستكفي فاعتقل ابن حزم وغيره من رجال المستظهر وسجنهم، ثم نراه سنة (417/ 1026) في شاطبة، ولعله استوطنها قبل ذلك بقليل. وفي ذلك العام جاء إليه صديق من المرية (1) ونزل ضيفاً عنده بشاطبة، فلم يمض إلا وقت قصير حتى نشبت الفتنة بين أبي الجيش مجاهد العامري وخيران العامري (وكان ذلك سنة 417) فانقطعت الطرق بسبب هذه الحرب " وتحوميت السبل واحترس البحر بالأساطيل " فاشتد الكرب
__________
(1) أقدر أن هذا الصديق هو الذي كتبت له رسالة طوق الحمامة.

(1/38)


بصديقه لأنه حيل بينه وبين العودة إلى هوى له بالمرية (1) . ويقول ياقوت نقلاً عن صاعد الأندلسي إن ابن حزم وزر للمعتد بالله هشام بن محمد (2) ، ونحن نعلم ان أهل قرطبة أرسلوا بيعتهم إلى هشام وهو في البونت (البنت) في ربيع الآخر سنة 418 ثم انتقل إلى قرطبة سنة 420، فإذا كان ابن حزم قد وزر له أولاً فقد انتقل إلى البنت وإذا كان قد وزر له بعد ذلك فقد انتقل إلى قرطبة، ولكن الرسالة كتبت في شاطبة، ولابد ان يكون ذلك قد تم في وقت ما بين سنتي 417 - 418، ومما يزيد الأمر تحديداً قول ابن حزم، في حكم بن المنذر بن سعيد البلوطي: " وحكم المذكور في الحياة حين كتابتي إليك بهذه الرسالة، قد كف بصره وأسن جداً " وقد ذكر ابن بشكوال نقلاً عن ابن مدير ان وفاة حكم كانت في نحو سنة عشرين وأربعمائة (3) ، وهذا يعني أن وفاته تمت في 418 أو 419 أو أوائل سنة عشرين وأربعمائة (4) .
ولا أعلم أن ابن حزم أشار إلى هذه الرسالة في سائر كتبه ولكن النقول القليلة التي وردتنا منها (وخاصة في روضة المحبين لابن قيم الجوزية، على تباعد في الزمن) تؤكد اسم الرسالة ونسبتها إلى ابن حزم فإذا كان التاريخ الذي قدرناه لتأليف الرسالة صواباً أو قريباً من الصواب، كان ابن حزم عندما كتبها في حدود الرابعة والثلاثين من عمره، وكان قد حصل ضروباً من الثقافات فيها الفقه والحديث - على أساس ما يظهر جلياً في هذه الرسالة - والمنطق والفلسفة والنجوم، ونظر في التوراة، وشهر بقوة عارضته في الجدل، وبالتفنن في ضروب مختلفة من الشعر، ولكن الطابع العقلاني يزاحم في شعره قوة العاطفة ويتغلب على المجال التصويري.
__________
(1) طوق الحمامة: (باب البين رقم 24 ص 216 - 217).
(2) معجم الأدباء 12: 237 وسقط هذا من ترجمة ابن حزم في طبقات الأمم: 76 ثم أضيف اعتمادا على احدى النسخ الخطية (ص: 116 وتصحف المعتد إلى المقتدر).
(3) الصلة 1: 146.
(4) انظر طه الحاجري: ابن حزم، صورة أندلسية: 153 - 154.

(1/39)


4 - دواعي التأليف:
أحب أن أقول - بداع من إحساس يشبه اليقين - أن رسالة " طوق الحمامة " بدأت تسلية لصديق ذي ود صحيح لابن حزم، كان يستوطن المرية - ولعله حلها بعد تفرق القرطبيين في الفتنة - . وفي موطنه الجديد، نشب القرطبي المهاجر في براثن حب آسر، على غير ما تسمح به السن (فهو على الأرجح لدة لابن حزم)، أي لم يكن مثل ذي الرمة الذي راهق الثلاثين، بل تجاوزها، وحلمته العشائر (1) ، فكتب إلى صديقه وموضع سره ابن حزم، يسأله في كتاب زادت معانيه على ما في سائر كتبه من قبل، رأيه في هذا الذي نشب فيه، ويتحدث إليه بحديث الحب، ويسأله أن يطب له، فدعا الله بينه وبين نفسه ان لا يكلنا " إلى ضعف عزائمنا وخور قوانا ووهاء بنيتنا، وتلدد آرائنا (أو آرابنا) وسوء اختيارنا، وقلة تميزنا، وفساد اهوائنا " ، ولكنه حرك ساكناً وذكر أمراً متصلاً بالصبا والشباب، والجراح لم تكد تندمل، وفيما ابن حزم يقلب وجوه الرأي، إذا بصديقه وقد استبطأ رده يسافر من المرية إلى شاطبة ليلقى صاحبه ويبث إليه ما في نفسه، وما تكاد شاطبة تستقبل ذلك الصديق حتى تقوم القيامة، وتسد في وجهه أبواب العودة إلى المرية، لاشتعال نار الحرب بين مجاهد وخيران، فلا يجد ابن حزم خيراً من قصص من ابتلي بمثل ما ابتلي صديقه، يسليه عما ألم به، ويضرب له المثل بالأئمة الراشدين والخلفاء المهديين، ويذكره بما عرفاه من أحاديث العشاق والمحبين في قرطبة وغيرها، بل يقدم له نفسه نموذجاً عجيباً لتصاريف الحب وشؤونه. وأنا أصدق ابن حزم فيما يقول، لأنه منزه عن تعمد الكذب، حتى وأن كان غيره يتخذ مثل هذه التعلة مدخلاً للتأليف،
__________
(1) من قول ذي الرمة:
على حين راهقت الثلاثين وارعوت ... لداتي وكاد الحلم بالجهل يرجع ويقول (على لسان أخيه مسعود يلومه):
أفي الدار تبكي أن تفرق أهلها ... وأنت امرؤ قد حلمتك العشائر

(1/40)


فهناك صديق كلفه ان يؤلف " رسالة في صفة الحب ومعانيه وأعراضه وأسبابه وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة " ن ولكن من السذاجة أن نظن بان الحافز لذلك كان حافزاً واحداً بسيطاً، وأن امرءاً (فقيهاً) يكتب رسالة في الحب وهو يستشعر " نبو الديار، والجلاء عن الأوطان، وتغير الزمان، ونكبات السلطات، وتغير الاخوان، وفساد الأحوال، وتبدل الايام، وذهاب الوفر، والخروج عن الطارف والتالد، واقتطاع كاسب الآباء والأجداد، والغربة في البلاد، وذهاب المال والجاه، والفكر في صيانة الأهل والولد، واليأس عن الرجوع إلى موضع الأهل، ومدافعة الدهر وانتظار الأقدار " - أن امرءاً على هذه الحال إنما اندفع إلى ذلك بتوجيه حافز بسيط بل أقدر انه قد وجد ولابد حوافز أخرى لكتابة هذه الرسالة، وما كانت تسلية الصديق إلا انقداح الشرارة الأولى، التي بعثت الماضي كله حياً في نفسه.
وفجأة انتقل الأمر من تسلية الصديق إلى تعزية النفس: فابن حزم الذي كان في حاضره حينئذ يفكر " في صيانة الأهل والولد " وفي الحصول على الرزق له ولهم، كان يريحه أن يعود إلى الماضي، لأنه لا يمثل الحب وحسب، بل يمثل المجد والجاه والغنى والراحة والحياة الرغيدة ولهو أيام الطلب، ولذة المحادثة مع الأخوان " قبل أن يغيرهم الزمان " ؛ لقد تركته تجاربه الكثيرة بين علو وانحدار يحس بوطأة العمر رغم أنه لم يقطع من حبل العمر إلا نصفه، أصبح " شيخا " في إحساسه، فهو يريد أن يصرف عنه هذا الإحساس؛ وكان شاعراً وجدانياً، وهوذا يتحول متكلماً عقلانيا، فهو يريد أن يخلد شعر فترة الشباب والصبا في كتاب، وهو قد عرف الناس وخبر نفسياتهم، وأدرك مدى سيطرة الحب على نفوسهم، فليس هو وصديقه اثنين من أولئك الناس وحسب، يرضيهما أن يكونا في انسجام مع نماذج عديدة تعرضت لما تعرضا له، بل إن ابن حزم ينفرد عن صديقه ثم عن سائر الناس بأنه يستطيع أن يستوعب تلك التجارب، وأن يخضعها للدراسة والتحليل، ليتجاوز بها

(1/41)


تسلية صديقه وتعزية ذاته، فتصبح " رصداً " لحركات النفوس وطبيعة العلاقات العاطفية والاجتماعية، أي أن ابن حزم - من خلال تلك النماذج والتجارب - أحس أنه قادر على أن يقوم بدور السيكولوجي الاجتماعي، وذلك كله يتطلب إلى جانب التعمق في الدراسة جرأة على " الاعتراف " وتلك ميزة لم تكن تنقصه أبداً.
فمن حال صديقه وحال نفسه وحال قرطبة (التي تمثل صورة مكبرة لكليهما) وجد الحوافز قوية لكتابة هذه الرسالة، ولعل ابن حزم أحس وهو يكتب رسالته، انه يريد أن يقدم تجربة أو صورة " أندلسية " خالصة، ولعل هذا هو الذي دعاه أن يقول وهو يحدد برنامجه في التأليف: " ودعني من أخبار الأعراب والمتقدمين فسبيلهم غير سبيلنا " فمما لا ريب فيه أن ابن حزم كان خير ثمرة لتلك الحركة الثقافية التي حاول بها الحكم المستنصر بلورة الشخصية الأندلسية في جميع المجالات الثقافية والحضارية، ولذلك كان للأندلس في نفسه - رغم ضياع الدولة الأموية وما حل بالبلاد من تعاسة على يد ملوك الطوائف - وجودها المحدد، وطبيعتها المشخصة، وقد أمدته ثقافته بكثير من تجارب الحب في المشرق، ولكن أين التجربة الأندلسية في ذلك أكاد أقرر أن ابن حزم ما كاد يرسم المنهاج الذي يعمل على أساسه في هذه الرسالة حتى سطعت في نفسه هذه الحقيقة، كما سطعت بعد سنوات عندما كتب رسالته في فضل الأندلس؛ ولذلك فغن هذا البيت:
ويا جوهر الصين سحقاً فقد ... غنيت بياقوتة الأندلس الذي اتخذه بعضهم شعاراً يدل على " أندلسية " ابن حزم (1) ، ليس إلا نقطة صغيرة في بحر ممتلئ بتلك الحقيقة، حتى إن المؤلف ليتابع تجارب أندلسيين اغتربوا، ونادراً ما يتوقف عند تجارب غير الأندلسيين، ولو تأملنا قوله فسبيلهم غير سبيلنا " لوجدنا أن صيغة الجمع هذه هي " سبيلنا "
__________
(1) انظر مقدمة غرسيه غومس على ترجمة الطوق (ص: 52) وسانشت البرنس عند الدكتور الطاهر مكي: دراسات عن ابن حزم ص: 180.

(1/42)


لا تشير إلى طريقة فردية، وإنما تشير إلى طريقة جماعية أندلسية؛ وأرجو ألا يساء فهم هذه الروح لدى ابن حزم وان لا تلتبس بتلك الدعوى التي تشتط في القومية العرقية فترى في ابن حزم نموذجاً إسبانياً في الغضب والوفاء ومواجهة الحسد بل وحتى في الثرثرة، إلى آخر ما هنالك من صفات، تميز الأسباني عن غيره من سائر البشر (1) ، فإن هذه النعرة لاحقة بهذيان الممرورين، وبانتحال المميزات المتوهمة للتغلب على مركبات نقص، كان ابن حزم بريئاً منها، ولله الحمد، وهذا وحده يثبت أنه لم يكن أسبانياً بهذا المعنى الذي يريده له بعض المتهوسين من العرقيين. إنما الذي أطمح إلى توضيحه هنا أن ابن حزم الناشئ في ظل الإسلام والثقافة العربية، المحب للدولة الأموية في الأندلس، المتعلق بوطنه، وحب الوطن من الإسلام ومن الايمان - كان يعتز بذلك الوطن، ويدافع عن فضائله. ولا يجد حرجاً في رسم صورته على حقيقتها، لأنه يحب تلك الصورة، حتى وإن كانت لا تعجب الآخرين، إننا حقاً نجد لدى ابن حزم صورة أندلسية، ولكن من الضروري أن نحذر - قبل المضي قدماً في هذا البحث - من الإسراع إلى الظن بأن الأندلس تتفرد بهذه الصورة، ذلك أن ابن حزم لم يكن يحاول أن يقيم مقارنة بين الأندلس وغيرها، وإنما يرسم ما يراه في صدق ودقة، ولكن الدارس يستطيع من موقف المؤرخ أن ينشئ تلك المقارنة: فلقد نجد ابن حزم يقول: " وما رأيت قط متعاشقين إلا وهما يتهاديان خصل الشعر مبخرة بالعنبر مرشوشة بماء الورد، وقد جمعت في أصلها بالمصطكي وبالشمع الأبيض المصفى، ولفت في تطاريف الوشي والخز، وما أشبه ذلك، لتكون تذكرة عند البين. وأما تهادي المساويك بعد مضغها، والمصطكي اثر استعمالها فكثير بين كل متحابين قد حظر عليهما اللقاء (2) فنظن ان هذه عادات أندلسية، وسمات
__________
(1) البرنس في المصدر السابق: 156 وما بعدها.
(2) الفصل الخامس والعشرون (باب القنوع ص: 232).

(1/43)


حضارية خاصة بالأندلس، ولكن نقرأ في الموشى (والاستاذ غرسيه غومس يعرف النص تمام المعرفة) عند الحديث عن حب القيان " وتبعث (أي القينة) إليه بخاتمها وفضلة من شعرها وقلامة من ظفرها، وشظية من مضرابها، وقطعة من مسواكها، ولبان قد جعلته عوضاً عن قبلتها، ومضغة لتخبره عن نكهتها، وكتاب قد نمقته بظرفها، وطيبته بكفها، وسحته بوتر من عودها، ونقطت عليه قطرات من دمعها وختمته بغالية قد عدل بالعنبر متنها " (1) فندرك أننا نتحدث عن حضارة واحدة، ليس من فرق كبير فيها بين أندلس ومشرق، وإن كان ابن حزم غير مطالب بإجراء هذه المقارنة التي يستطيعها المؤرخ دونه. هذا في وسائل الحضارة وطبيعة العادات المتصلة بها، ولكن الأمر يتعدى ذلك إلى خلجات النفوس الإنسانية، ومدى تقبلها أو رفضها للمؤثرات المختلفة، فابن حزم حين يتحدث عن الحب لا يكاد يختلف عن الوشاء أيضاً حين يقول: " واعلم أن الحب مع ما فيه من المرارة والنكد وطول الحسرات والكمد مستعذب عند أربابه، مستحسن عند أصحابه، حلو لا تعدله حلاوة ولا تعدله مرارة " (2) أو حين يقول: " وأعلم أن الهوى عندهم هو الهوان الصراح والبلاء المتاح لأنه يهين الكريم وبذل العزيز ويدله العاقل " (3) ؛ من غير أن يكون ابن حزم قد اطلع على ما قاله الوشاء أو غيره، دع عنك القول بان ابن حزم إنما قال ما قال لأنه " إسباني " الإدراك والأحاسيس، وكذلك هو الشان في مظاهر أخرى، لا داعي إلى الإطالة بالوقوف عندها.
وليس من الصواب ان ننفي كتاب " الزهرة " من بين تلك الحوافز التي دفعت ابن حزم إلى كتابة الطوق، بل ان نقلل من قيمته في هذه الناحية، كما زعم الأستاذ غرسيه غومس حين يقول: " إنه على الرغم من إشارة نصية بسيطة ومن التوافق في الاتجاهات العاطفية، فإن الطوق
__________
(1) الموشى: 93؛ وانظر بحث الأستاذ غومس في المقارنة بين الموشى وطوق الحمامة.
(2) الموشى: 7667.
(3) الموشى: 69.

(1/44)


لا يكاد يدين للزهرة بشيء، أو إن شئت يدين لها بشيء محدود للغاية. لقد تغربت النظرية " وتأسبنت " وفقدت تكلفها الواضح، وتحذلقها الخنث، وما كان يقال في بغداد نثراً رقيقاً أو شعراً ملتقطاً أخذ ابن حزم يقوله في شاطبة دافئاً وإنسانياً عن نفسه وعن أصدقائه في قرطبة، وأتت العاطفة واللهفة، وهما خاصيتان اسبانيتان، على أسوار التقليد التي تحول دون تدفق النبع " (1) . أما أن ما جاء به ابن حزم كان " دافئاً انسانياً " فذلك لا غبار عليه بل هو عين الحقيقة، وأما أن الطوق، " لا يكاد يدين للزهرة بشيء " فذلك هو الدعوى التي لا تثبت للمناقشة، كما سأبين بعد قليل.
وقبل أن أتقدم لإثبات وجهة نظري، علي أن أقرر أن التأثير لا يعني المحاكاة، فابن حزم لا يحاكي في الطوق كتاب الزهرة، فقد قام بتلك المحاكاة ابن فرج في كتاب الحدائق، حتى كاد يتفوق - أو هو تفوق حقاً - على سلفه المشرقي، وكان ابن حزم يدرك هذه المحاكاة، وينفر منها، في آن معاً، لأنه امرؤ لا يؤمن بالتقليد حسبما يمليه عليه اتجاهه الظاهري ولكنه فيما يبدعه لا يستطيع ان ينجو من التأثر، وبين التأثر والتقليد بون شاسع.
5 - أثر الزهرة في ابن حزم:
ولكن - على كل ما هنالك - كان ابن حزم يرى في ابن داود إماماً ظاهرياً يستحق التقدير، إماماً يكتب في الحب، دون أن يعبأ بنقد المتزمتين، ويستطيع في الوقت نفسه ان يتحول بالحب، رغم العذرية والأفلاطونية والصوفية، إلى مستوى إنساني واقعي، وهذا يعجب ابن حزم كثيراً، ويوافق مشاعره ذات المنزع الظاهري، ومن ثم فإنه لا يستطيع أن يتخلص من تأثير ابن داود، حتى لو حاول ذلك، وهذا التأثير قد يكون إيجابياً وقد يكون سلبياً.
__________
(1) طوق الحمامة ترجمة غومس: 66 - 67 والطاهر مكي: 279 - 280، ونقله البرنس انظر ايضاً مكي: 160.

(1/45)


لنقل بادئ ذي بدء ان الزهرة يحتوي فصولاً لا تربطها وحدة في المنهج، وان كل فصل لا يتجاوز رواية شعر متصل بموضوعه، وتعليقات على بعض ذلك الشعر، وان في بعض تلك التعليقات نظرات ذاتية نافذة؛ هذه المواقف كفيلة باظهار تأثر ابن حزم بكتاب الزهرة، فانعدام المنهج أو اضطرابه أوحى لابن حزم بتتبع منهج دقيق، ورواية الشعر دفعته إلى ان لا يستأنس بالموروث الشعري في موضوع الحب، وتلك النظرات النافذة هي ما استغله ابن حزم على نحو يتفق وطريقته ومنهجه، وتلك النماذج الشعرية هي التي قررت لديه " انسانية " تجربة الحب سواء أكانت تلك التجربة أندلسية أم غير ذلك.
ولابد لدارس كتاب الزهرة من أن يتجاوز تلك العنوانات الشعرية المسجوعة إلى الحقائق القائمة تحتها، ليستطيع المقارنة بينه وبين كتاب الطرق، وأن تجاوز أيضاً تبدد الموضوع الواحد في عدة فصول، لكي يرد ما تبدد إلى حيز واحد، يقتضيه المنهج الحزمي الدقيق. وسوف يكتشف أن الكتابين يعالجان موضوعات واحدة من مثل الرقيب، القنوع، الرسول، الواشي، الهجر، السلو الخ وأن كثيراً من الحقائق في هذه الفصول، وضعه ابن داود، وتابعه فيه ابن حزم، مستعملاً كثيراً من لباقته التأليفية، وعقليته المنطقية.
وخير ما يصور هذا الذي نقوله أن نعرض للمقارنات، بين الكتابين في بعض المواضع:
1 - يقول ابن داود (51): والهجر الذي يتولد عن الثقة بالوداد خير من الوصال الذي يقع من غير اعتماد؛ ويقول ابن حزم: ثم هجر يوجبه التدلل وهو ألذ من كثير من الوصال، ولذلك لا يكون إلا عن ثقة كل واحد من المتحابين بصاحبه.
2 - ويقول ابن داود (136) " الهجر على أربعة أضرب: هجر ملال وهجر دلال وهجر مكافأة على الذنوب وهجر يوجبه البغض

(1/46)


المتمكن في القوب، فاما هجر الدلال فهو ألذ من كثير الوصال وأما هجر الملال فيبطله مر الأيام والليال، إما بنأي الدار وإما بطول الاهتجار " ويؤسس ابن حزم على هذه القسمة فيجعل الهجر سبعة أقسام منها الأربعة التي عدها ابن داود كما يتحدث عن الهجر الذي يعد مكافأة على ذنب وعن هجر الملال ويحلل هذا الثاني تحليلاً دقيقاً ويورد عليه أمثلة، ويشفق فيما سماه ابن داود " هجر يوجبه البغض " فيتخلص من كلمة بغض، ويستعمل بدلاً من ذلك " الجفاء " و " القلى " واللفظة الأخيرة مبهمة لأنها تعني الهجر، فإذا قلت " هجر الهجر " لم تفد معنى واضحاً.
3 - ويتوقف ابن داود (155) عند السلو الناتج عن الغدر، فيراه غير معيب، لان السالي إنما ينفر عمن خالف شكله، ولكن عليه ألا يشنع بهذا الغدر على المحبوب أو يذيعه عنه، ويعود إلى الموضوع (170) فيرى أن الصبر أحياناً على الغدر يقع لدى بعض المحبين، لأن حالة المحب قد تجاوزت حد العشق إلى الرضى بكل ما يفعله المحبوب ولو كان غدراً؛ أي أن ابن داود لا يقطع برأي وإنما يجيز حدوث السلو أو بقاء الحب مع الصبر؛ ويتعرض ابن حزم أيضاً لظاهرة السلو الناتج عن الغدر فيرى ان السالي غير ملوم، ويحدد موفقه على نحو أدق إذ يلوم من يسبر عليه لأنه يرى ان الغدر لا يحتمله أحد ولا يغضي عليه كريم " ولا أدعى إلى السلو عند الحر النفس وذي الحفيظة والسري السجايا من الغدر، فما يصبر إلا دنئ المروءة خسيس الهمة ساقط الأنفة " ؛ ومع مخالفته لابن داود فان الذي مهد له الانطلاق في هذه المخالفة هو ابن داود نفسه.
4 - ويرد ابن داود (163) أسباب السلو إلى: نيل المحب لما أمله، أو لملل بسبب جفاء المحبوب ومخالفته، أو من الغدر المطلوب، أو التأذي من رقيب وحاجب، أو بسبب سعاية واش وعذول ويفرع ابن حزم على هذه الأسس، فيجعل بعض الأسباب ناجماً من قبل المحب: ومنها الملل والرغبة في الاستبدال (وهي تقابل نيل المحب لما أمله وسعيه

(1/47)


لتجديد حب آخر)؛ وبعضها ناجماً من قبل المحبوب: مثل الهجر ونفار المحبوب وجفاء فيه ونزوع إلى الغدر وأخيراً سبب لا يتعلق بالمحب او المحبوب، وهو اليأس بسبب موت أو غيبة منقطعة أو عارض قتل السبب الذي من أجله نشأ الحب؛ وقد عقد ابن داود فصلاً خاصاً للحديث عن الياس، وتحليليه نفسياً وطبياً (1) (وذلك ما لم يتوقف ابن حزم عنده) ولكنه ربطه بالسلو، وأضاف إضافة هامة - لم يستطع ابن حزم معالجتها - حين ربط بين اليأس وبين الانتحار عن طريق ايراده لبعض الحكايات.
5 - ويعقد ابن داود (98) فصلاً للقنوع، يورد فيه نماذج من الشعر، ويعلق عليها بقوله " وكل هذه الأحوال ناقصة عن حد التمام " ؛ ويعد ابن حزم مراتب للقنوع ستاً، يستخلص أحدها من الشعر، فيقول " وللشعراء فن من القنوع أرادوا فيه إظهار غرضهم وإبانة اقتدارهم على المعاني الغامضة والمرامي البعيدة. فمنهم من قنع بان السماء تظله هو ومحبوبه.. الخ " ثم يلمح انهم لم يبلغوا غاية التمام - كما فعل ابن داود، فيقول: " ولي في هذا المعنى قول لا يمكن لمتعقب ان يجد بعده متناولاً ولا وراءه مكاناً.. " (وذلك هو قنوعه بلقاء محبوبه في علم الله) ولا يخفى تدقيقه هنا في ملاحظة ابن داود، وتأثره بها.
6 - وفي الزهرة فصلان أحدهما في الحجاب (104) والثاني في الوداع (184) وقد جمعهما ابن حزم في حديثه عن البين، فيعد حجب المحبوب ومنعه من لقاء محبه بيناً. وابن داود هنا أدق لأنه قسم الحجاب في قسمين اضطراري واختياري، وجعل الحجب بالقوة سبباً اضطرارياً. وأما الحجاب الاختياري فمنه امتحان المحب للمحبوب والخوف عليه من الرقيب (ابن حزم: ثم بين يتعمده المحب بعداً عن قول الوشاة) والإشفاق على النفس من العذال، واستيلاء الملال على نفس المحب. ولا
__________
(1) الزهرة 1: 335.

(1/48)


يقف ابن حزم عند بعض هذه الظواهر لأن وضعه الوداع تحت اسم البين جعله يفكر في البين المتأتي عن الرحلة او عن الموت. وقد تنبه ابن داود إلى أن مواقف الشعراء من الوداع متفاوتة، فمنهم من يسارع إلى الفراق تغنماً لساعة الوداع لان فيه " عناقاً وانتظار اعتناق يوم التلاق " ومنهم من يصبر عليه ويتعمد ألا يشهد منظر الوداع إشفاقاً من ألمه؛ وقد فتح الباب بذلك لابن حزم كي يقول: ولهذا تمنى بعض الشعراء البين ومدحوا يوم النوى، وما ذاك بحسن ولا صواب ولا بالأصيل من الرأي فما يفي سرور ساعة بحزن ساعات.. الخ " .
7 - ويلتقي المؤلفان في كثير من الحقائق العامة التي عرضاها عند الحديث عن حفظ السر والاذاعة (البابان 12، 13 عند ابن حزم؛ والبابان 43، 44 في الزهرة) حتى ليلتقيان في بعض العبارات، فيقول ابن داود في من يطوي سره رغم مضاضة الكتمان " شديد الإبقاء على إلفه " (311) ويقول ابن حزم " وربما كان سبب الكتمان إبقاء المحب على محبوبه " . ويتفقان على أن المحب لا يملك أحياناً إلا البوح بسره لأنه يمتلكه من الوجد ما يغلبه أو بتعبير ابن حزم: " وربما كان من أسباب الكشف غلبة الحب " .
8 - ولا خلاف في ان ابن حزم حين يتحدث عن الحب من أول نظرة وعن الحب بعد المطاولة (الفصلان 5، 6) يعتمد تجارب عرفها عند غيره وفي نفسه، ولكن أصول هذا كله متوفرة في الزهرة (330) حيث يقرر ابن داود أن ما وقع من الهوى بأول نظر كان بقاؤه يسيراً وأما ما كان استحساناً ينمو على مر الأيام فإنه لا يزول - إذا قدر له ذلك - إلا ببطء؛ ويتبنى ابن حزم نفسه هذا الموقف حين يقول " وإني لأطيل العجب من كل من يدعي أنه يحب من نظرة واحدة، ولا أكاد أصدقه، ولا اجعل حبه إلا ضرباً من الشهوة " ويقول في تصوير المطاولة: " فما دخل عسيراً لم يخرج يسيراً " ويقابل هذا عند ابن داود قوله: كل شيء في العالم إن اعتبرته وجدت ما ارتقى إلى هذه الغاية القصوى بغير

(1/49)


ترتيب انحط انحطاطاً طويلاً " (330) أو بقوله في من صعد إلى ذروة المحبة بأول نظرة: " فكلما كان ارتقاؤهم فيها سريعاً كان انحطاطهم قريباً " (335).
9 - وفي باب الوفاء يجيء تأثر ابن حزم بابن داود ناحياً منحى المخالفة، فإذا قال مؤلف الزهرة: " فالمحبوب يكون موفياً لمحبه ويكون غادراً بعهده، والمحب لا يكون موفياً ولا غادراً وإنما يصلح أن يكون المحبوب موفياً وغادراً لأنه يأتيه مختارا " (362) (أما المحب فهو غير مختار إلا إذا زالت المحبة فعندئذ يمكن ان يوصف بالوفاء أو بالغدر)، وجدنا ابن حزم ينطلق إلى النقيض بقوله: " واعلم أن الوفاء على المحب أوجب منه على المحبوب وشرطه له ألزم، لان المحب هو البادي باللصوق والتعرض لعقد الأزمة.. فمن أجبره على استجلاب المقة إن لم ينو ختمها بالوفاء لمن أراده عليها " . ثم يلتقيان بالاشادة بالوفاء مع اليأس وخاصة بعد حلول المنايا، فيجعل ابن داود عنوان الفصل " قليل الوفاء بعد الوفاة اجل من كثيره وقت الحياة " (361) ويردد ابن حزم هذا المعنى فيقول: " وغن الوفاء في هذه الحالة (يعني بعد الوفاة) لأجل وأحسن منه في الحياة ومع رجاء اللقاء " (الفصل: 22).
10 - ويتقارب المؤلفان من حيث المنحى العام في المقدمة والخاتمة، فكلاهما في المقدمة يتوجه إلى إلف عزيز، اقترح فكرة الكتاب ويتطرف ابن داود في المقدمة إلى ذكر الأنبياء ومن جرى عله حب منهم، ويخلص إلى القول: " والنبيون عليهم السلام والصالحون من أئمة أهل السلام يجل مقدارهم عن أن تذكر للعوام أخبارهم " (ص: 5)؛ وكان رد الفعل لدى ابن حزم مخالفته في هذا إذ ذكر عددا من الخفاء المهديين والأئمة الراشدين والصالحين والفقهاء " . وهذا باب من تأثير كتاب الزهرة في ابن حزم، أعني مخالفته، إذا لم يقتنع بوجهة نظر صاحبه. وتحرز في بعض المواقف تحرز ابن داود حين قال: " وغنما يجب أن نذكر من أخبارهم ما فيه الحزم وإحياء الدين، وإنما هو شيء كانوا ينفردون به

(1/50)


في قصورهم مع عيالهم فلا ينبغي الإخبار به عنهم " وبذلك قطع حبل الإطناب في هذا الموضوع. ثم ردد النظرية الفلسفية التي جاء بها ابن داود في الفصل الأول عن الأكر التي انقسمت. وأما الخاتمة فإنها اتجهت عند ابن حزم وجهة دينية أخلاقية، فيها تحذير من المعصية وإشادة بفضل العفة، في فصلين متعاقبين، مؤيدين بالأحاديث النبوية، والشعر الزهدي التخويفي التعليمي. وأما الخاتمة عند ابن داود فلها شأن آخر؛ إذ ليس في كتابه على التحقيق خاتمة؛ ولكن مؤلفاً يبدأ كتابه في ذكر العشق وأحواله ويجعل نصيب هذا الموضوع من كتابه النصف كاملاً، ثم يعد بخمسين باباً آخر يذكر فيها الموضوعات الشعرية الباقية من رثاء ومدح وفخر وهجاء ووصف الخ؛ ثم يجعل الفصول التالية للفصول في الحب مباشرة في تعظيم الله جل شأنه - في ما مدح به الرسول - فيما قاله شعراء الاسلام في أهل بيت النبي، أقول إن مؤلفاً يفعل ذلك إنما كان يحس بتوجيه ديني بعد إذ أحس أنه أسرف في جعل " الحب " يحتل نصف كتابه، ولهذا فمن باب الاعتذار غير المقنع قوله: إنه إنما بدأ بالغزل لان الشعراء تجعل التشبيب في صدر كلامها، وانه لا يريد في تأليفه أن يخرج عن مذهب الشعراء، وانه لا يصلح إذا انقضى ذكر التشبيب بالغزل ان يقدم على أمر الله عز وجل أمراً لوا يرسم بين يدي الأشعار الدالة على عظمته شعراً (1) . أقول: اعتذار غير مقنع لأنه كان في مقدوره ان يضم الأبواب الثلاثة إلى الفصول التي خصصها للثناء والمدح، ولكن قلقه من الإسراف في موضوع العشق حفزه إلى ما يشبه التمحيص أو التكفير، فبادر إلى إيراد فصل فيه ذكر عظمة الله تعالى؛ تماماً كما أحس ابن حزم ان من واجبه التنفير من المعصية والمدح للعفة، لكي لا يظن أن الفصول السابقة ربما أوحت بالبعد عن ذلك.
من أجل ذلك كله يصح القول إن حضور كتاب الزهرة في نفس
__________
(1) انظر الزهرة 1: 273.

(1/51)


ابن حزم وذهنه، كان حضورا دقيقا، وأنا أقدر أنه حفظه في سن صغيرة حتى ظلت ذاكرته تستوعب منه عبارات مطابقة أو مقاربة؛ تأمل قوله: " وسمع بعض الحكماء قائلاً يقول الفراق أخو الموت فقال بل الموت أخو الفراق " (1) ؛ تجده علق بذاكرته من كتاب الزهرة ثم أنسيه نصاً، فأداه بحسب المعنى، وأصله في الزهرة: " وقد قال الجاحظ: لكل شيء رفيق، ورفيق الموت الهجر، وليس الأمر كما قال بل لكل شيء رفيق، ورفيق الهجر الموت " (2) . ومثل هذا حدث له في إيراد الرأي الفلسفي حول انقسام الأصلي الأرواح الكريه، وقد ذكرت لك من قبل. فهذا التباين بين النص الأصلي والاقتباس لا يفسره إلا ان ابن حزم حين كان في شاطبة يكتب " طوق الحمامة " لم تكن لديه نسخة من كتاب " الزهرة، وإنما كان يستعيد بعض ما علق منه بذاكرته، وسنرى أثر كتاب " الزهرة " حتى في المنهج الذي بنى عليه كتابه.
6 - خطة الرسالة:
وحين استجاب ابن حزم لما اقترحه عليه صديقه ونوى أن يكتب " رسالة في صفة الحب ومعانيه وأسبابه وأعراضه وما يقع فيه وله على سبيل الحقيقة " دون تزيد او تفنن، أخذ يتصور خطة لتلك الرسالة، ولما كان يريد قول الحقيقة من غير تزيد أو تفنن، التزم بأن لا يورد إلا تجارب واقعية، مما وقع له هو نفسه أو مما وقع لغيره وحدثه به الثقات، وهذه الواقعية قد أبعدت عن رسالته حكايات الأسمار التي أدارها قصاص ذوو خيال - واسع أو ضيق - حول مشهوري العشاق، وأحداث العشق السالفة؛ وأنقذت رسالته من الجنوح إلى الخيالات مثلما أنقذنها رسالته من الجنوح إلى الخيالات مثلما أنقذتها من التردي في المبالغات، لان غايتها هي أن تصور لقارئها كيف يعيش الحب في الواقع، وفي الواقع الأندلسي على شكل خاص، كيف
__________
(1) باب البين (رقم: 24 ص: 215).
(2) الزهرة: 137.

(1/52)


تتجسد المشاعر والأحاسيس والشهوات والنزوات في الحياة العملية، وتكون جانباً من نشاط المجتمع. وهذه النزعة القائمة على التجريب تعني ان الرسالة ليست ذات غايات أخلاقية أبداً، وكل ما يحميها من التهاوي في بعض فجاجات الواقعية - وإن لم تسلم من ذلك سلامة مطلقة - إنما هي أخلاقية كاتبها، تلك الأخلاقية التي ستسفر عن وجهها عمداً في الخاتمة.
ولما كان الأعراب - من حيث أشعارهم الوجدانية وأخبارهم في العشق، يحتلون مقاماً هاماً في كتب الأدب المشرقية، ومنها كتاب " الزهرة " نفسه، رأى ابن حزم أن ينأى بكتابه عن هذه الناحية، وهذا لم يكفل لكتابه الواقعية التي التزم بها وحسب، وإنما أثر في منهجه تأثيراً واضحاً حين أعفاه من تكرار المواقف البدوية في الحب، فلم يعد بحاجة إلى أن يفرد فصولاً في البكاء على الطلول - وإن ألمح إليه إلماحاً - والأنس بالبروق اللوامع، وتلهب النيران والعافية والزجر وحنين الابل، إلى غير ذلك من مظاهر تحدث عنها ابن داود في الزهرة. وبذلك تم لرسالة " طوق الحمامة " وجه حضري قرطبي أندلسي. ويبدو أن تعلق ابن حزم " بحضارية " ذلك الوجه كان محتوماً، بسبب فقدانه " المدينة " التي أحبها كثيراً، أعني قرطبة؛ وهذا كلام يوهم بالتناقض، وتفسيره أن ابن حزم - ابن المدينة - فقد تلك المدينة وهو أشد تعلقاً بها، ولم يغص في سلبياتها فيثور عليها ويحن إلى حياة " رعوية " نقية، ولهذا تراه يستمد أمثلة التعفف من مجتمعها: " حدثتني امرأة أثق بها " و " حدثني ثقة من إخواني " (1) بينما هو يشكل في عفاف نساء الأعراب اللواتي طار لهن ذكر بالعفاف في الشعر القديم. فيقول: " وقرأت في بعض أخبار الأعراب أن نساءهم لا يقنعن ولا يصدقن عشق عاشق لهن حتى يشتهر ويكشف حبه ويجاهر ويعلن وينوه بذكرهن، ولا أدري ما معنى هذا، على أنه يذكر
__________
(1) انظر الباب الأخير رقم: 30 ص 297.

(1/53)


عنهن العفاف، وأي عفاف مع امرأة أقصى مناها وسرورها الشهرة في هذا المعنى " (1) .
ولما كان الحديث المتصل بالواقع قد يتناول أشخاصاً أحياء او أشخاصاً ذوي مقام اجتماعي مرموق، فإن ذكر أسمائهم متصلا بتلك الأحداث قد يسيء إلى سمعتهم أو يعد تشهيراً بهم، ولهذا اقتصر ذكر الأسماء على من لا ضرر في تسميتهم، إما لأن الحادثة مشهورة قد تناقلها الناس وعرفوا صاحبها فلم يعد ذكر اسمه زائداً في جلب الأذى لسمعته، وخاصة إذا كان هؤلاء الناس قد أصبحوا في ذمة التاريخ مثل: الرمادي وحكايته في حب " خلوة " ، أو ابن زمان وحبه لأسلم، وغما لان المخبر عنه راض بنقل ذلك الخبر غير منكر شيئاً على ناقله. والأمر أسهل إذا كان المتحدث عنه إنساناً سيء السمعة، معروفاً بذلك بين الناس، قد بلغ من سقوطه حداً لا يؤثر فيه الذيوع، كما كان حال عبيد الله بن يحيى الأزدي المعروف بابن الجزيري. وقد كان إخفاء الأسماء في بعض الأحيان - معيناً لابن حزم على التمثيل بالحادثة الواحدة في غير موضع، لحاجته إلى تأييد مقرراته أحياناً باللجوء إلى الواقع. وهذا محض استنتاج لا أجد عليه دليلاً قاطعاً، وإنما استأنس ببعض ما أراه دليلاً معقولاً، فمن ذلك مثلاً أنه يخفي الاسم مرة فيقول في حال صفاء محبين عدما الرقباء وأمنا الوشاة أنه يخفي الاسم مرة فيقول في حال صفاء محبين عدما الرقباء وأمنا الوشاة وسلما من البين ورغبا عن الهجر: " ولقد رأيت من اجتمع له هذا كله إلا أنه كان دهي في من كان يحبه بشراسة أخلاق ودالة على المحبة فكانا لا يتهنيان العيش ولا تطلع الشمس إلا وكان بينهما خلاف فيه، وكلاهما كان مطبوعاً بهذا الخلق، لثقة كل واحد منهما بمحبة صاحبه، إلى أن دبت النوى بينهما فتفرقا بالموت المرتب
__________
(1) آخر فقرة في الباب: 13 (باب الاذاعة: 152). ونلحظ أن ابن حزم تخلص من الصبغة البدوية التي تطغى على كتاب الزهرة، كما تخلص من " التعليلات " الطبية شبه العلمية التي شغف بها ابن داود، ولم يستخدم معلوماته شبه العلمية إلا نادرا كالحديث عن المرايا والمغناطيس.

(1/54)


لهذا العالم " (1) . ثم يذكر عن أخيه أبي بكر وزوجه عاتكة " أنهما كانا في حد الصبا وتمكن سلطانه تغضب كل واحد منهما الكلمة التي لا أقدر لها، فكانا لم يزالا في تغاضب وتعاقب مدة ثمانية أعوام، وكانت قد شفها حبه وأضناها الوجد فيه " (2) ثم فرق بينهما الموت، وليس بمستبعد ان يكون الخبر في الحالين واحداً. ومثل ذلك أيضاً قد يستشف من أخبار رواها ابن حزم عن نفسه فقال مرة: دعني أخبرك أنني أحببت في صباي جارية لي شقراء الشعر " (3) ثم قال: " وذلك أني كنت أشد الناس كلفاً وأعظمهم حباً بجارية لي - كانت فيما خلا - أسمها نعم " (4) فهل " نعم " هي تلك الشقراء او هي غيرها اعتقد أن إخفاء الاسم في المرة الأولى ساعد ابن حزم على الاستشهاد بالواقع الواحد في موضعين متباعدين.
بل لعلي أذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، فأزعم ان ابن حزم كان يخفي اسمه أحياناً، لتتم له رواية الحكاية على وجه مقبول، لحساسية خاصة في طبيعة القصة. ولعل أقوى ما يمثل ذلك قصة المرأة التي أحبت في غير ذات الله عز وجل (5) فقد تفنن ابن حزم في وصفها أيام المودة، وفي وصفها بعد التغير بما ينبئ عن لذة داخلية عميقة باسترجاع ذينك الموقفين، ولا يحاول أحد أن يسترسل في وصف هاتين الحالتين على النحو الذي فعله ابن حزم إلا إن كان يصور علاقة ذاتية في الحكاية، أو كان قاصاً محترفاً، ولما لم يكن ابن حزم هو الثاني، فذلك يجعلنا نأخذ بالفرض الأول.
__________
(1) باب الوصل (رقم: 20 ص: 185).
(2) باب الموت (رقم: 28 ص: 259).
(3) باب من أحب صفة لم يستحسن بعدها غيرها (رقم: 7 ص: 130).
(4) باب البين (رقم: 24 ص: 223 - 224).
(5) باب قبح المعصية (رقم: 29 ص: 281 - 283).

(1/55)


ثم ان ابن حزم رأى أن يلتزم في خطته بأمر آخر: وهو أن يستشهد في الرسالة بأشعار قالها هو لا بأشعار لغيره، ونبهنا إلى أن مضمون تلك الأشعار لا ينصرف دائماً اليه، لأن أصدقاءه كثيراً ما كانوا يكلفونه نظم الشعر في ما يقع لهم من أحداث. وهذا الالتزام متصل بطبيعة المؤلف لا بطبيعة الرسالة، ويبدو من أول الأمر تحكماً لا يسنده تعليل قوي: عل كان ابن حزم يعتقد أن إيراد أشعار الآخرين يبعده عن الواقع ويسلمه إلى الخيال هل كان يحس أن محفوظه من الشعر غزير وأنه إن تمثل بالشعر لم يكد يكتفي منه بالقطعة والقطعتين في الموقف الواحد، وبهذا تعود رسالته صورة أخرى من كتاب الزهرة أكبر الظن أنه شاء ان يبعد عن " الزهرة " قدر المستطاع ليلتقي بها في جانب آخر، ففي الزهرة أيضاً عمد ابن داود - فيما يرجح الدارسون - إلى إيراد شعره نفسه مع أشعار الشعراء الآخرين تحت عنوان مبهم هو " وقال بعض أهل العصر " ، فرأى ابن حزم ان هذا عمل يتيح له الفرصة ليعرض شعر الصبا والشباب، بعد أن كان آخذاً بالتحول عن هذا اللون الوجداني من الشعر، كما اشرت من قبل.
بعد التقيد بهذه الالتزامات أصبح وضع منهج للرسالة أقرب إلىالتحقيق؛ ولا بد لذلك المنهج من ان يكون دقيقاً قائماً على تصور واضح مكتمل، لا كمنهج ابن داود الذي لم يؤسس على خطة سليمة، فتعددت عنده الفصول وتباعدت فيها النظائر: ووجد ابن حزم أن رسالته يمكن أن تقسم في ثلاثة فصول وخاتمة: فصل في أصول الحب (وهي عشرة) وفصل في أعراض الحب (وهي اثنا عشر) وفصل في الآفات الداخلة على الحب (وهي تجيء في ستة أبواب ثلاثة منها للأشخاص: العاذل والرقيب والواشي، وثلاثة للأحوال، الهجر والبين والسلو) وخاتمة من فصلين في قبح المعصية وفضل التعفف.
ويبدو بوضوح ان المنهج منطقي، ولكن كتابته على هذا النحو المتدرج تباعد بين الأمور المتوازية؛ فالوصل من أعراض الحب مثلاً، وضده

(1/56)


الهجر وهو آفات الحب، وهما يقفان متباعدين إذا التزمنا بالمقولات الثلاث. لهذا بعد ان قرر ابن حزم هذا الهيكل المنطقي عاد فغير ترتيب الفصول بحيث يتوازى كل موضوع مع ضده إن وجد له ضد.
وقد حتم عليه هذا المنهج ان يستبعد موضوعات تتصل بالحب أو يجعلها هامشية بينما يعالجها غيره في فصول مستقلة مثل الشوق والحنين، والبكاء والعتاب والغيرة، ودرجات المحبة، ولا ريب في أن ابن حزم تحدث عن هذه الموضوعات، إلا أنه رآها تفريعاً على موضوعات أكبر منها، فجعل البكاء من علامات الحب، والمح إلى العتاب في مواطن، وتحدث عن غيرته هو وعن القنوع بالشركة في المحبوب لذهاب الغيرة وعن سقوط ابن الجزيري وغيره لسقوط الغيرة من نفوسهم، ولعله أدرك من بعد أن منهجه في الطوق لم يمكنه من تحديد بعض الأمور المتعلقة بموضوع الحب فعاد إلى " الغيرة " في رسالته " في مداواة النفوس " فحددها بأنها " خلق فاضل متركب من النجدة والعدل لان من عدل كره أن يتعدى إلى حرمة غيره وأن يتعدى غيره على حرمته، ومن كانت النجدة له طبعاً حدثت فيه عزة، ومن العزة الأنفة من الاهتضام " (1) وقرر هنالك ان الغيرة إذا ارتفعت ارتفعت المحبة (2) . فابن حزم إذن لا يمكن أن يفرد للغيرة باباً في رسالة عن الحب لأنها " خلق " ولكنه قد يتحدث عنها في معرض الحديث عن ظواهر معينة من الحب.
وفي رسالة مداواة النفوس توقف عند درج المحبة، وهو موضوع لم يتح له منهجه في الطوق أن يعالجه فقال: " درج المحبة خمسة أولها الاستحسان وهو أن يتمثل الناظر صورة المنظور إليه حسنة أو يستحسن أخلاقه، وهذا يدخل في باب التصادق، ثم الإعجاب وهو رغبة الناظر في المنظور اليه في قربه، ثم الألفة وهي الوحشة إليه متى غاب، ثم
__________
(1) رسائل ابن حزم: 141.
(2) المصدر نفسه.

(1/57)


الكلف وهو غلبة شغل البال به، وهذا النوع يسمى في باب الغزل بالعشق، ثم الشغف وهو امتناع النوم والأكل والشرب إلا اليسير من ذلك وربما أدى ذلك إلى المرض أو التوسوس أو إلى الموت، وليس وراء هذا منزلة في تناهي المحبة أصلاً (1) ؛ والحق أن هذا التدرج أمر ضمني في تلك الفصول التي تحدث فيها ابن حزم عن التعريض ثم الإشارة بالعين ثم المراسلة ثم إرسال سفير، ثم في الموت، فلو أفرد الحديث عن درج المحبة هنالك لتعرض بعض أجزاء رسالته للتكرار والتداخل.
وكأن ابن حزم كان ما يزال تحت تأثير كتاب الزهرة عندما كتب رسالته " في مداواة النفوس " فقد ذكر ابن داود موضوع التدرج في المحبة حين قال: " فأول ما يتولد عن النظر والسماع الاستحسان ثم يقوى فيصير مودة.. ثم تقوى المودة فتصير محبة ثم تقوى المحبة فتصير خلة ثم تقوى الخلة فتوجب الهوى ثم تقوى الحال فيصير عشقاً الخ " (2) وهما لا يتفقان في المصطلح، وإنما يتفقان في القول بأن التدرج أمر واقعي.
ولكن منهج ابن حزم على منطقيته، بل سبب منها، لم يستطع أن يتلاقى التداخل، وكيف يمكن ذلك في موضوع عاطفي مثل الحب، تولته المصطلحات اللغوية المتداخلة المتقاربة بالتحديد، قبل أن يحاول العقل رسم حدود له ولهذا أمكن الحديث عن الملل والهجر والغدر وما أشبه في غير موطن واحد من طوق الحمامة، ولكن الذي يخفف من التكرار والتداخل أن ابن حزم لم يكن غافلاً عنه، بل كان وعيه الدقيق للمبنى الكلي مسيطراً في كل مرحلة.
7 - بين النظرية والتطبيق:
لم يقبل ابن حزم بالرأي الذي أورده ابن داود وهو أن الأرواح أكر مقسومة في العالم العلوي، وأن كل قسم يحن إلى نظيره؛ بل عدل فيها
__________
(1) المصدر نفسه.
(2) الزهرة: 19 - 20.

(1/58)


ليقول إن النفوس تنقسم في هذه الخليقة (لا في عالم علوي) وأنها ليست أكراً (ولكنه لم يحدد لها شكلاً) وأن عنصرها رفيع، فالحب اتصال بين تلك الأجزاء، على أساس من المجانسة والمشاكلة (وهو ما لا ينفك ابن داود من تكريره في كتابه وذلك ما قال به المتكلمون في مجلس يحيى ابن خالد) وذلك سهل على نفس تنزع إلى نفس لان عالمها صاف خفيف وجوهرها صعاد معتدل، فالحب إذن تقارب بين النفوس وليس منشؤه استحسان الصورة الجسدية إذ لو كان الأمر كذلك لما استحسن محب صورة جسدية ناقصة، ولو كان الأمر لتوافق في الأخلاق لما أحب المرء من يخالفه.
وقد كانت هذه البداية مصدر اضطراب لدى ابن حزم لا ندري سببه، ولعله اضطراب في النسخة التي وصلتنا (1) ، فبعد أن أكد أن انقسام النفوس يتم في هذه الخليقة عاد يقول إن قوله المسطر في صدر الرسالة هو " إن الحب اتصال بين النفوس في أصل عالمها العلوي " . وبعد أن قرر أن الاتصال يتم بين أجزاء النفوس المتشاكلة، وأنه ليس استحساناً جسدياً ولو كان كذلك لما أحب امرؤ صورة ناقصة، عاد يخبرنا ان الحب يقع في الأكثر على الصورة الحسنة، لأن النفس الحسنة تولع بكل شيء حسن وتميل إلى التصاوير المتقنة، فإذا وجدت وراء الصورة (الجسدية) الحسنة مشاكلة اتصلت وصحت المحبة، فان لم تميز شيئاً توقفت عند حب الصورة؛ وهذا يعني أن الحب يبدأ باستحسان الصورة الجسدية الحسنة، وأن محبة الصور الناقصة أمر نادر.
هذا هو شأن الحب الذي يسمى العشق، فهو امتزاج نفساني، فان قيل لماذا يحب المرء محبوباً ثم لا يبادله المحبوب ذلك فالجواب عند ابن حزم ان النفس المحبوب في هذه الحالة تكون قد أصبحت أسيرة الأغراض الكثيفة والطبائع الأرضية، مغمورة بالحجب، فهي " ساكنة " في ظلمة
__________
(1) قوله: " لا على ما حكاه ابن داود " فلو حذفنا " لا " لزال بعض ذلك الاضطراب.

(1/59)


(متقبلة لا مهاجمة) ولهذا لا تستثار إلا بعد محاولات من ايصال المعرفة إليها وتنبيهها من غفلتها لتستطيع التجاوب مع روح المحب التي تكون متخلصة غير مأسورة، طالبة لنظيرها " متحركة " (مهاجمة لا متقبلة) جاذبة مشتهية لتمام التلاقي. ومثل هذا الفهم يؤكد لابن حزم أن الحب " عملية " تتطلب زمناً متطاولاً، وتكراراً في ايقاظ نفس الصنو، فأما ما يتم بسرعة من جراء الاستحسان الجسدي، أو ما يسمى الحب من النظرة الأولى فذلك هو " الشهوة " ، ولهذا التجاذب بين الصنوين لا يصح ان يحب المرء اثنين في آن معاً. ولكن " الشهوة " نفسها قد تتحول إلى حب، إذا زادت عن حد الرضى الجسدي، واجتمعت تلك الزيادة مع اتصال نفساني تشترك فيه الطبائع مع النفس.
إذن فنحن ازاء نظريتين في الحب، لا نظرية واحدة، وقد لفهما ابن حزم لفاً سريعاً، وكأنهما ظاهرة واحدة وكأن احداهما تكمل الأخرى. والواقع أن هنالك حباً بين نفسين، وهو حب علوي، لا مدخل فيه للاستحسان الجسدي، وهنالك حب يبدأ بالاستحسان الجسدي، وهو شهوة، ثم تصعد الشهوة بالرضى الجنسي أو ما أشبهه لدى المحب والمحبوب (كقصة الرجل الذي كان يبتاع الجارية وهي سالمة الصدر من حبه، بل ربما كرهته، وسرعان ما يتحول الكره إلى كلف شديد لأنه كان بطيء الإراقة، تقضي المرأة شهوتها معه مرة أو مرتين) فتوافق الشهوة أخلاق النفس، فتنشأ المحبة. وعلى الرغم من غموض في عبارة " توافق أخلاق النفس " فان البون شاسع جداً بين النظرية الأولى والثانية، لأن النفسين في الحالة الثانية لم تتعارفا إلا بعد تعارف الجسدين، وليس من الضروري ان تكونا منقسمين في عالمها العلوي، فإذا أقررنا بهذا الاحتراس، انتقضت النظرية الأولى، وهي منقوضة منذ البداية، لأنها لا تستطيع ان تفسر حالات الحب في الواقع كما عرضها ابن حزم. ومثال واحد على ذلك يعد كافياً في هذا المقام: ابن حزم نفسه الذي لم يكن يؤمن إلا بالحب بعد تطاول الزمن، أحب أولاً وثانياً وثالثاً ورابعاً، فهل

(1/60)


كانت نفسه تبحث عن صنوها فتجده في كل أنثى من الأربع تباعاً أو أنه عن طريق الاستحسان الجسدي كان يسلك الطريق إلى قلب المحبوب من الواضح أن الأمر الثاني هو الأصح، وهكذا يقال في الحكايات الكثيرة التي أوردها في كتابه؛ ولهذا يسقط القول بان الحب عند ابن حزم أفلاطوني.
ويعطي ابن حزم للحب الأول قوة الانطباع المحفور في الذوق إلى الأبد، فبعض الناس إذا أحب فتاة وقصاء او فوهاء أو شقراء جرى ذوقه طول حياته - على استحسان ما ألفه من صفة مميزة في محبوبه الأول إذا فقده، ويعلل ذلك بالحنين إلى الحب الأول.
ويتميز الحب الذي يسمى عشقاً عن سائر ضروب المحبة - في رأي ابن حزم - بأنه لا يفنى إلا بالموت، وانه يتقبل الخبل والوسواس وتبدل الطبائع والنحول والزفير، أي أنه لا ينقضي لأن علته دائمة (وهي في زعمه اتصال بين النفوس) بينما تقتضي ضروب المحبة الأخرى بانقضاء عللها. ومن تلك الضروب:
1 - محبة المتحابين في ذات الله.
2 - محبة القرابة.
3 - محبة الألفة والاشتراك في المطالب.
4 - محبة التصاحب والمعرفة.
5 - محبة البر يضعه المرء عند أخيه.
6 - محبة الطمع في جاه المحبوب.
7 - محبة المتحابين لسر يلزمهما ستره.
8 - محبة بلوغ اللذة وقضاء الوطر.
وقد ترقى ابن حزم من هذه النظرة إلى القول (في رسالته: مداواة النفوس) بان المحبة ليست ضروباً وإنما هي جنس واحد، وغنما قدر الناس أنها تختلف لاختلاف الأغراض، واختلاف الأغراض فيها ناشئ

(1/61)


عن اختلاف الأطماع، وعد هنالك ضروباً منها ثم قال: " فهذا كله جنس واحد على قدر الطمع فيما ينال " (1) .
ويضيف قائلاً: " فقد رأينا من مات على ولده كما يموت العاشق أسفاً على معشوقه، وبلغنا عن من شهق من خوف الله تعالى ومحبته فمات، ويتدرج الطمع من الحظوة والزلفة لدى المحبوب (كما في حب الإنسان لله) إلى المجالسة فالمحادثة فالمؤازرة (محبة السلطان والصديق وذوي الرحم) وأقصى الطمع المخالطة بالأعضاء: " ولذلك نجد المحب المفرط في ذات فراشه يرغب في مجامعتها على هيئات شتى وفي أماكن مختلفة ليستكثر من الاتصال " فإذا انحسم الطمع لم تكن محبة، فالمجوسي يستحل ابنته واليهودي ابنة أخيه، للطمع الموجود، ولكن المسلم لا يفعل ذلك ولو أنهما أجمل من الشمس وكان هو أعهر الناس وأغزلهم، لذهاب مادة الطمع ، (2) ؛ وهكذا غابت تماماً نظرية الاتصال بين النفوس وحل محلها التلاحم الجسدي، على أشكال شتى. وكأننا بابن حزم بعد عهد " طوق الحمامة " أصبح أكثر إدراكاً لواقع العلاقات الإنسانية.
بل أزيد فأقول إن مفهوم الحب الأفلاطوني، حتى في عهد الطوق لم يكن يلائم ابن حزم، وإنما كان مادة دخيلة على واقعيته الشاهرة، ولعله أخذ بالفكرة من زاوية فلسفية، فلما راح يسرد نماذج من تجارب الحياة، لم يجد بين الفكرة والواقع لقاء. وحسبك من امرئ يعترف بان " الاغتصاب " يكون أحياناً طريقاً لتحقيق الحب، ماذا تراه يعني حين يقول: " وربما اتبع المحب شهوته وركب راسه، فبلغ شفاءه من محبوبه،وتعمد مسرته منه على كل الوجوه، سخط أو رضي " (3) ، اترى هذا يعني غير التحكم القاسر، وتنفيذ الإرادة التي لا رد لها !
__________
(1) رسائل ابن حزم: 138.
(2) المصدر السابق: 138 - 139.
(3) باب المخالفة (رقم: 15 ص: 160).

(1/62)


وإذا كان انقسام النفوس في عالمها العلوي (أو في هذه الخليقة) انقساماً يوازي الآية القرآنية: " هو الذي خلقكم من نفس واحدة وجعل منها زوجها ليسكن اليها " فأين يمكن ان يقع في سياق تلاقي الأجزاء حب الذكر للذكر (1) وإذا كان ذلك في أصل تجزئة النفوس فلماذا لم تكن سبيلاً إلى السكون ولقد أقر ابن حزم - على مستوى الواقع - بوجود هذا النوع من الحب، اعني انه ذكر " أحداثاً " بعضها معروف مشهور تتصل بذلك النوع، ولم يحاول ان يعللها - او يقرر إلى أين تنتهي - على أساس من فكرة انقسام النفوس، او حتى على أساس الاستحسان الجسدي الذي يؤدي إلى اتصال النفوس.
إن الاعتماد على فكرة انقسام النفوس (في عالمها العلوي أو في الخليقة) - وهي على الأساس الافلاطوني أو الأفلوطيني أجزاء من النفس الكلية المتصلة بالأول - لا يلبث لدى ابن حزم ان يتهاوى، لأننا نكتشف لديه ان النفس تعني عنده " الأمارة بالسوء " ، وهذه تنقاد للشهوات، وضدها العقل (وقائده العدل)؛ وهاتان الطبيعتان - العقل والنفس - قوتان من قوى الجسد الفعال بهما، وهما في تنازع مستمر، فغلبة العقل تعني اتباع العدل والاستضاءة بنور الله، وغلبة النفس تعني عمى البصيرة وضياع الفرق بين الحسن والقبيح " والروح واصل بين هاتين الطبيعتين وموصل ما بينهما " (2) ؛ وإذا فإن النفس التي يعرفها ابن حزم ليست قوة نورانية تحيط بها ستور الجسد وتحجب عنها التعرف إلى صنوها، كما قال في أول الرسالة، بل هي التي تؤدي إلى هلكة الإنسان، ورغم ذلك فإن ابن حزم يسميها هي والعقل " جوهرين عجيبين رفيعين علويين " وهكذا يضطرب ابن حزم اضطراباً واضحاً ويزيد من اضطرابه هنا تفرقته بين
__________
(1) ليس في طوق الحمامة أي شاهد على حب الأنثى للأنثى، مع ان الشواهد الأدبية التي يعرفها ابن حزم ولا بد مليئة بنماذج من هذا النوع، وانظر ص: 67.
(2) الباب: 29 (قبح المعصية ص: 268).

(1/63)


النفس والروح، مع أنه يقول من بعد: " والنفس والروح اسمان مترادفان لمسمى واحد ومعناهما واحد " (1) .
إن هذا الصراع بين المفهوم الأفلاطوني للنفس والمفهوم القرآني، يقابله صراع آخر بين ابن حزم الاجتماعي الواقعي وبين ابن حزم الأخلاقي المتدين، فالأول منهما لا يؤمن بان النظرة الأولى لك والثانية عليك (2) ، ويقترب من المرأة بحيث يتجاوز نص الحديث " باعدوا بين انفاس الرجال والنساء " (3) ، والثاني يؤمن بعكس ذلك تماماً، إيماناً نظرياً فهو يقول: " والصالح من الرجال من لا يتعرض إلى المناظر الجالبة للأهواء ولا يرفع طرفه إلى الصور البديعة التركيب " وفي سلوكه العملي يكرر النظر حتى ترسخ العلاقة ويلاحق المرأة من مكان إلى آخر، ويقول في السفير: ويجب تخيره واستجادته واستفراهه " (4) وكلمة " يجب " تدل على ان الأمر عملياً لابد من ان يقع، رغم أن المتدين القابع في نفس ابن حزم يقول: " وكم داهية دهت الحجب المصونة والأستار الكثيفة والمقاصير المحروسة والسدد المضبوطة " يعني من مثل ذلك السفير.
هنالك إيمان قار لدى ابن حزم وهو أن التعفف أمر عسير، ولا يملك - وهو يحض عليه - أن يجزم بأن من نجا في امتحان تحقيق الرغبة عند إمكانها لا يتعدى أحد سببين: طبع ليس من السهل استدراجه في لحظة أو كلمة وكلمتين، ولكن لو طال الامتحان لسقط فيه الممتحن، وبصيرة حادثة - على المكان - قهرت الشهوة وردتها إلى جحرها وأطفأت بنفخة قوية شعلتها، وهذا الإيمان مبني على ان بني الإنسان ذوو " بنية مدخولة ضعيفة " وأن استحسان الحسن وتمكن الحب طبع في أصل
__________
(1) الفصل 5: 74.
(2) الباب: 29 ص: 271.
(3) الباب السابق ص: 275.
(4) الباب: 11 ص: 141.

(1/64)


الخلقة (1) ، ولما كان كذلك لم يكن واقعاً تحت الأوامر الدينية، إنما الأمور الدينية تنص على المحرمات، وهذه ليست من بنية الخلقة وإنما يأتيها الإنسان باختياره " وبحسب المرء المسلم ان يعف عن محارم الله " (2) . والسؤال الذي لا نظن ابن حزم يستطيع أن يجيب عنه هو: كيف يعف مع تلك البنية المدخولة الضعيفة، أو كان طبعه من السهل أن يستدرج في كلمة أو كلمتين، أو لم تحدث له بصيرة عاجلة تقاوم ثورة الشهوة لديه في حينها، أي لم يكن نبياً مثل يوسف الصديق ! إن ابن حزم يحل هذه المشكلة ويأتي بالجواب على المستوى الذاتي حين يقول: يعلم الله - وكفى به عليماً - أني برئ الساحة سليم الأديم صحيح البشرة نقي الحجزة، وإني أقسم بالله أجل الأقسام أني ما حللت مئزري على فرج حرام قط، ولا يحاسبني ربي بكبيرة الزنا مذ عقلت إلى يومي هذا " (3) ، ولكنه حين يقص كيف تورط الآخرون، يستعيذ بالله مما فعلوه، أو يورد الحكاية دون تعليق.
فليس بمستغرب إذ أن تجد فقيهاً مثل ابن قيم الجوزية يتعقب هذا التناقض لدى ابن حزم إذ يقول: وذهب أبو محمد ابن حزم إلى جواز العشق للأجنبية من غير ريبة، وأخطأ في ذلك ظاهراً، فإن ذريعة العشق أعظم من ذريعة النظر وإذا كان الشرع قد حرم النظر لما يؤدي إليه من المفاسد فكيف يجوز تعاطي عشق الرجل لمن لا يحل له " (4) ثم وصف ابن حزم بأنه " انماع في باب العشق والنظر وسماع الملاهي المحرمة " (5) وبين موقفي الرجلين بون واضح، سببه اختلاف المنطلق وزاوية النظر، ولا ريب في أن اقربهما إلى حقيقة الاجتماع
__________
(1) الباب: 12 (طي السر ص: 145).
(2) الباب السابق نفسه ص: 144.
(3) الباب: 29 (قبح المعصية: 272).
(4) روضة المحبين، 88، 89 وانظر أيضا: 118.
(5) روضة المحبين: 130.

(1/65)


الإنساني هو ابن حزم، لأنه يأخذ بنظرة المؤرخ الاجتماعي دون أن يتخلى عن حد هام في الموقف الديني وهو " البعد عن الكبيرة " وما عداها فقد يكون من اللمم الذي يشمله الغفران، ولولا الفصل الذي عقده ابن حزم عن " قبح المعصية " لما اضطر إلى أن يظهر بمظهر المتناقض أحياناً في رسالته، فهي رسالة ترصد العلاقات العاطفية والمواقف النفسية.
ولو أنا رصدنا فيها ظاهرة الحب كما تتمثل في المجتمع الأندلسي، لخرجنا من ذلك بالجدول الآتي:
1 - حب بين ذكر وأنثى: 40 حالة (منها 6 حالات تعد المرأة فيها طالبة، ومنها 11 حالة تتحدث عن زوج وزوجة).
2 - حب بين ذكر وذكر: 7 حالات (3 منها ذكر فيها المحب والمحبوب، وحالتان ذكر فيهما المحب فقط، وحالتان أبهم فيهما اسم المحب والمحبوب).
3 - حالت مبهمة (1) : 23 حالة.
وهبنا تغاضينا في هذا الإحصاء عن أن المثل الواحد يصح شاهداً في عدة مواضع، وقبلنا بالأرقام كما جاءت، فإن الحالات المبهمة لا تمكننا من البت بنسبة ما يسمى الحب الشاذ إلى الحب الطبيعي، ولكننا إذا قدرنا أن هذه الإبهام متعمد فان ذلك قد يرفع من نسبة الحب (رقم: 2) في الجدول الي ما يزيد عن 50./.، مع علمنا بأن المجتمع الأندلسي مجتمع تغلب عليه الجواري (2) ، أو إن شئت قلت إنه مجتمع " غير مغلق " .
وكل هذه الحالات في " طوق الحمامة " نماذج لما يسمى العشق،
__________
(1) يعني ليس فيها ما يدل على أن المحبوب أنثى أو ذكر لغموض التعبير، كأن يقول: فتى وحل في الحب، محبوبه يعده الزيارة. الخ.
(2) لا علاقة لهذا الحكم بلفظة " جارية " كما وردت في رسالة طوق الحمامة، في هذا الموطن، وانظر الحديث عن ذلك فيما يلي.

(1/66)


أو ما وضعه تحت مفهوم " اتصال النفوس " (مباشرة أو عبر الأجساد)، وقد كان في كل ذلك أميناً للموضوع الرئيسي في الرسالة، عير أنه كثيراً ما يلجأ إلى انتزاع أمثلة لا علاقة لها بالعشق، وإنما هي تنتمي إلى ضروب الحب الأخرى، كالمودة بين الاصدقاء، وحب الماضي الذي يمثل الغي والجاه " وغن حنيني إلى كل عهد تقدم لي ليغصني بالطعام ويشرقني بالماء " (1) ، وما يألفه المرء من ملبوس ومطعوم ومركوب وهذا أدخل في عنوان الرسالة " في الألفة والألاف " ولكنه يبدو هامشياً إزاء الموضوع الرئيس فيها؛ ولعل ابن حزم اختاره ليقوي معنى سيطرة العلاقات العاطفية جملة على مواقف الفرد. ولكن من اللافت للنظر ان الكتاب خال تماماً من أية إشارة إلى حب الانثى للأنثى (2) ، مع أن ابن حزم يتبجح في غير موطن بأنه وقف من أسرار النساء على ما لم يقف عليه أحد؛ فشهادة ابن حزم هنا على المجتمع الأندلسي تعد ناقصة.
وهي أيضاً شهادة محدودة، لأنها لا تصور المجتمع الأندلسي، ويجب أن لا تؤخذ كذلك؛ فإن اكثر الأحداث التي تستشهد بها إنما تتم - في الغالب - بين أناس من طبقة اجتماعية غنية، ومن هذه الطبقة أسر من موالي الأمويين - أي من سراة الناس وأصحاب المناصب العالية مثل بني حدير وبني عبدة وبني مغيث، ومنها رجال من البيت الحاكم أو من المقربين منه مثل ابن أبي عامر وعمار بن زياد مولى المؤيد هشام وعبيد الله بن يحيى الجزيري وبنت ابن برطال زوجة يحيى بن محمد بن الوزير يحيى، وعاتكة بنت قند صاحب الثغر الأعلى وزوجها أبو بكر ابن حزم (وأبوه وزير)، وابن الطبني من أسرة مقربة إلى العامريين، ومنها أفراد من أسر الكتاب - وهي اسر ذات مقام اجتماعي بارز، وأحياناً كثيرة تتمتع بكثرة الأموال العريضة والخدم والحشم؛ ولا يفتأ ابن حزم
__________
(1) الباب: 6 (من لا يحب إلا مع المطاولة: 125).
(2) أشار الدكتور الطاهر مكي الى هذه المسألة في كتابه " دراسات.. " ص: 338.

(1/67)


يميز المحب أو المحبوب بصفة تدل على منزلته الاجتماعية: " فتى من أهل الجدة والحسب " " فتى من أبناء الرؤساء " ، " فتى من أبناء الملوك " " جارية لبعض الرؤساء " " امرأة موسرة ذات جوار وخدم " " فتى بسبب من الرئيس والجارية تحضر مجلس بعض أكابر الملوك " وهكذا، ومرة يذكر حب شاعر لا ينتمي إلى الطبقة الثرية (وهو الرمادي) وإن كان من طبقة برجوازية بحكم ثقافته، واخرى حب ن علق بهوى وهو في حال شظف (ولعل ذلك الشظف كان مرهوناً بظروف معينة). وذلك هو القطاع الاجتماعي الذي عرفه ابن حزم بحكم منتماه ونشأته.
وفي هذا القطاع تكثر الجواري، والجارية لفظة تدل في قصص الحب على " الفتاة " ، فإذا رشحت بنوع من الوصف يميزها قطعنا أنها ليست حرة، كأن يذكر أنها بيعت أو أعتقت، أو يتحدث عنها بصفة التملك " جارية لي " " جارية لي " فرغب بعض عجائزنا إلى سيدتها " وما أشبه، وإذا رشحت بوصف من نوع آخر كانت حرة مثل " جارية من ذوات المناصب والشرف من بنات القواد " أو " امرأة من معارفي ومعها جارية من قراباتها " فمثل هذا التحديد يعين أنها حرة. ومن بين إحدى وثلاثين حالة ذكرت فيها الجواري نجد تسع عشرة منها من الرقيق، واثنتين من الحرائر، واحدى عشرة حالة مبهمة ليس من السهل أن نقطع إلى أي الفريقين تنتمي؛ وهذا كله يعتمد على ورود اللفظة نفسها في النص، فإذا أضفنا إلى ذلك أن اللواتي تزوج بهن بعض الأمراء والخلفاء مثل طروب وغزلان وصبح كن في الأصل جواري من الرقيق، ارتفع العدد كثيراً، ولهذا قلت فيما تقدم إن المجتمع الأندلسي كانت تغلب عليه الجواري، بمعنى أن الرقيق كان كثيراً، وتلك حقيقة تؤيدها المصادر الأخرى.
ولست هنا بصدد المقارنة مع ما كانت عليه الحال في المجتمع المشرقي، إذ ليس لدي تصور إحصائي أو شبه إحصائي يمكن من ذلك، ولكن إذا صح ان الجواري كن يغلبن على المجتمع الأندلسي فإن

(1/68)


" قضية الحب " تقع تحت منظور جديد، وكذلك تكون المعاناة والعذاب والوجد بسببه أموراً تتطلب تفسيراً مقنعاً. وأول ظاهرة في هذا الحب أن أكثر الذين يعانون منه هم " الأبناء " في العائلات التي تملك الجواري، إذ يبدو بالإضافة إلى الجواري اللواتي كن في ملك الفتى ابن حزم - وهو لم ينفصل عن أهله بعد - أن القصر كان مليئاً بجوار أخر تتطلع أنظاره اليهن، وذلك يمكن أن يقال في فتيان آخرين من أبناء تلك الأسر، وكان ذهاب الجارية بالبيع، أو استئثار أخ دون أخيه الآخر بها، أو فراق أحدثته الحروب والأزمات، أو شؤون السفر، هي الأسباب التي رفعت درجة المعاناة إلى حد الخبل أحياناً، كما كان تعالي الفتى أو غفلته عما تحس به الجارية نحوه مسبباً في خروجها عن حد الحياء المنتظر في تصرفاتها. ولكن أشد الحالات التي تعز على التفسير هي معاناة الفتى بسبب تمنع جارية هي في ملك يده، وقد عبر ابن حزم عن هذه الظارهة حين قال: " فقد ترى الإنسان يكلف بامته التي يملك رقها ولا يحول حائل بينه وبين التعدي عليها. فكيف الانتصاف منها " . أي انه يكلف بها، ولا يستطيع أن يحولها عن تمنعها ويتعذب بذلك (كما حدث لسعيد بن منذر ابن سعيد) وترفض الجارية ان تتزوجه، وهذا موقف يدل على إرهاف في العلاقة بين الأسياد والجواري، مثلما يدل على ان شخصية الجارية لم تكن دائماً محط إذلال، وخاصة حين يكون الأمر متصلاً بالعواطف، نعم قد يبيعها سيدها، وتصبح ملكاً لغيره، ولكنها هي لا تمنح محبتها بل ولا جسدها بحكم الملكية. ويجب هنا أن نتذكر أن الجواري كن أيضاً متفاوتات في المنزلة الاجتماعية، فمنهن اللواتي يتخذن للخدمة ومنهن اللواتي يتخذن للذة والنسل، والفريق الثاني بطبيعة الحال أرفع منزلة من الأول، ولكن إن شاءت الجارية ان تتحول من الحالة الأولى إلى الثانية فهذا ربما كان يعتمد على جمالها وعلى ما قد تحاول إتقانه من فنون، فأما تحولها من الثانية إلى الأولى فأمر مستهجن في عرف المجتمع حينئذ، وقد ينالها

(1/69)


الضرب رجاء استبقائها على حالها، ولدينا مثال واحد يشير إلى وفاء جارية بيعت بعدما مات سيدها الأول فأبت أن تنصاع لرغبة مالكها التالي، وانكرت علمها بالغناء ورضيت بالخدمة رغم ما نالها من ضرب وتعذيب (1) .
8 - حال المرأة من خلال طوق الحمامة:
هل يمكننا بعد ذلك أن نتحدث عن وضع المرأة عامة من خلال الطوق قد كان من الممكن أن تسعفنا هذه الرسالة على تكوين صورة دقيقة لنفسية المرأة ووضعها الاجتماعي بحيث تتجاوز الصورة ما ألف عن الانطباعات العامة، لأن مؤلفها قد علم من أسرار النساء ما لا يعلمه غيره، فهو قد ربي في حجورهن، ولم يجالس سواهن حتى أصبح في حد الشباب، وهن اللواتي علمنه القرآن وروينه كثيراً من الأشعار ودربنه في الخط، وكان همه منذ الطفولة ان يتعرف إلى أسبابهن ويبحث عن أخبارهن، مع ذاكرة لا تنسى (2) ؛ ولكنه يعترف أنه طبع على غيرة شديدة، وسوء ظن في المرأة (3) ، بحيث لا يصلح أن يكون شاهداً موضوعياً مجرداً من التحيز، وثمة شيء آخر وهو أن الطوق يتحدث عن العلاقات العاطفية ولا يتجاوزها إلا قليلاً، ولهذا السبب ستكون صورة المرأة فيه محدودة، في إطار ذلك الموضوع، ومع ذلك فإنها رغم ذلك هامة.
وأول ما يلفت النظر ان المرأة الحرة كانت في الأندلس مقصورة تعيش خلف حجاب غليظ، وخاصة في الأسر الغنية، ولعلها تشبه في ذلك أختها في المشرق، وأما ما نلمحه من حرية في الحركة فيكاد يكون مقصوراً على الجواري، ولكن المرأة الحرة في تلك الأسر كانت ذات
__________
(1) باب الوفاء (رقم: 22 ص: 208).
(2) الباب: 17 (المساعد من الاخوان: 166).
(3) انظر ما تقدم، وكذلك الباب: 29 (باب قبح المعصية: ص 272).

(1/70)


سيطرة وقدرة على التصرف، وهي محفوفة بالخدم والحشم. وقد أحدث ذلك الحجاب الغليظ لدى النساء يقظة عاطفية على الأصوات المسموعة والصور المتخيلة، حتى ميزهن ابن حزم بالضعف في هذه الناحية، لسرعة إجابة طبائعهن إلى الهيام عن طريق التخيل (1) . ولكن الحجاب نفسه، ولأسباب أخرى في البنية الاجتماعية أصبح السفير بين العاشقين ذا دور هام، ولكن المرأة تتفوق على الرجل في هذه الناحية، خاصة إذا كانت عجوزاً، ولذلك كان أرباب الأسر بقرطبة يحذرون الفتيات الناشئات من النساء ذوات العكاكيز والتسابيح والثوبين الأحمرين (2) .
وأكبر عامل يصنع الفرق بين الرجال والنساء ويمتد اثره إلى المناحي المختلفة في طبيعة كل منهما هو الفرق في العمل وأنواع النشاط، فالرجال مشغولو النفوس والعقول بجمع المال وصحبة السلطان وطلب العلم وحياطة العيال ومكابدة الأسفار والصيد وضروب الصناعات ومباشرة الحروب وملاقاة الفتن وتحمل المخاوف وعمارة الأرض (3) ، ومثل هذه الأمور لا تترك للرجل مجالاً كبيراً أو وقتاً كثيراً للانسياق وراء العواطف؛ أما المرأة فهي متفرغة لا تعنيها هذه الشؤون العنيفة وربما لم تطقها، ولهذا يظل خيالها مشدوداً إلى شؤون الغزل وما يتعلق به، ومن ثم كانت النساء أكثر تعاطفاً مع المحبين وأكثر إسعافاً لهما، فهن يكتمن الاسرار، ويمقتن من تفشيها منهن، وأشدهن في الكتمان العجائز منهن، لان الفتيات ربما أدركتهن الغيرة فبحن بالسر، وهن يتلذذن بالتضحية في سبيل إسعاد محبين، بل أحب الأعمال إلى امرأة صالحة مسنة منقطعة الرجاء من الرجال ان تسعى في تزويج يتيمة أو تعير حليها أو ثيابها لعروس فقيرة (4) ، ويبدو ان هذا النوع من النساء إنما ينتمي إلى طبقات ميسورة، إذ ليس كل النساء
__________
(1) باب من احب بالوصف (رقم: 4: 117).
(2) باب السفير (رقم: 11: 141 - 142).
(3) باب المساعد من الاخوان (رقم: 17 ص: 165).
(4) الباب السابق نفسه.

(1/71)


متفرغات بشهادة ابن حزم نفسه، وإنما كان فيهن الطبيبة والحجامة والدلالة والماشطة والنائحة والمغنية والكاهنة والمعلمة والعاملة في الغزل والنسيج (1) ؛ ولكن من الواضح أيضاً أن هذه الفئة من المهن تختلف اختلافاً أصيلاً في أكثرها عن مهن الرجال، وهي في مجموعها مهن لخدمة النساء أنفسهن، محافظة على الحجاب الغليظ، كما أنها مداخل إلى ترسيخ الوساطة بين العشاق.
ومن السهل أن يقال بعد ذلك إن جمال المرأة - على مستوى التكوين الطبيعي والقدرة على التحمل - جمال هش لا يعمر طويلاً، وأنها إذا ابتذلت في الخدمة سارع جمالها إلى الزوال؛ أما حسن الرجل فإنه أثبت، وبرهان ذلك أنه يتعرض للهجير ولفح الرياح، فلا يذوي بسرعة (2) .
فإذا تجاوزنا التكوين الطبيعي إلى رصد التصرفات المتصلة بالعواطف والشهوات وجدنا الجنسين سواء - في رأي ابن حزم - من حيث قدرتهما على قمع الشهوة أو الانقياد لها، فكل رجل تعرض له امرأة بالحب وتثابر على ذلك واقع ولابد في حبائل الشيطان، وكل امرأة دعاها رجل بمثل ذلك مستجيبة ما من ذلك بد (3) . وكذلك هما في الصلاح سواء، والصالحة من النساء هي التي إذا ضبطت انضبطت، والصالح هو الذي يتجنب المغريات (لاحظ الفرق هنا بين من يحتاج إلى من يضبطه ومن يستطيع أن يستعمل إرادته في ضبط نفسه) فإذا أهملت المرأة وطمح الرجل ببصره لم يعد للصلاح وجود (4) . وكل من المرأة والرجل يحب " الإعلان الذاتي " والتزين والتعريض ليكسب ود الآخر، فإذا شعرت المرأة بأن رجلاً يسمع حسها أو يراها " أحدثت حركة فاضلة كانت عنها
__________
(1) الباب 11 (باب السفير: 142).
(2) باب السلو (رقم: 27: 142).
(3) باب قبح المعصية (رقم: 29: ص 269).
(4) الباب نفسه: 270.

(1/72)