صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


في الاستبراء و في المداينات
الخامس عشر : في الاستبراء : الحيلة في عدم لزومه : أن يزوجها البائع أولا ممن ليس تحته حرة ثم يبيعها و يقبضها ثم يطلقها قبل الدخول بها و لو طلقها قبل القبض وجب على الأصح أو يزوجها لمشتر قبل القبض كذلك ثم يقبضها فيطلقها و لو خاف ألا يطلقها يجعل أمرها بيده كلما شاء وإنما قلنا كلما شاء : لئلا يقتصر على المجلس أو يتزوجها المشتري قبله ثم يشتريها و يقبضها و اختلفوا في كراهية الحيلة لإسقاط الاستبراء
السادس عشر : في المداينات : الحيلة في إبراء المديون إبراء باطلا أو تأجيله كذلك أو صلحه كذلك أن يقر الدائن لرجل يثق به ويشهد أن اسمه كان عارية ويوكله بقبضه ثم ينهبا إلى القاضي ويقول المقر له : إنه كان لي باسم هذا الرجل على فلان كذا و كذا فيقر له بذلك فيقول المقر له للقاضي : امنع هذا المقر من قبض المال و أن يحدث فيه حدثا أو احجر عليه في ذلك فيحجر القاضي عليه و يمنعه من قبضه فإذا فعل ذلك ثم أبرأ أو أجل أو صالح كان باطلا و إنما احتيج إلى حجر القاضي لأن المقر هو الذي يملك القبض فلا تفيد الحيلة فتنبه فإنه يغفل عنه ثم قال الخصاف رحمه الله تعالى بعده : و قال أبو حنيفة رحمه الله تعالى : يجوز قبض الذي كان باسمه المال بعد إقراره وتأجيله و إبرائه و هبته لأنه لا يرى الحجر جائزا
الحيلة في تحول الدين لغير الطالب إما الإقرار كما سبق و إما الحوالة أو أن يبيع رجل من الطالب شيئا بماله على فلان أو يصالح عما على المطلوب بعبده فيكون الدين لصاحب العبد
إذا أراد المديون التأجيل وخاف أن الدائن إن أجله يكون وكيلا في البيع فلم يصح تأجيله بعد العقدة فالحيلة : أن يقر أن المال حين وجب كان مؤجلا إلى وقت كذا
إذا أراد أحد الشريكين في دين أن يؤجل نصيبه وأبى الآخرة لم يجز إلا رضاه فالحيلة : أن يقر أن حصته من الدين حين وجب كان مؤجلا إلى كذا
وإذا أراد المديون التأجيل وخاف أن يكون الطالب أقر بالدين لغيره وأخرج نفسه من قبضه فالحيلة : أن يضمن الطالب المطلوب ما يدركه من درك ما قبله من إقرار تلجئة وهبة و توكيل وتمليك وحدث أحدثه يبطل به التأجيل الذي استحقه فهو ضامن حتى يخلصه من ذلك أو يرد عليه ما يلزمه فإذا احتال بهذا ثم ظهر أنه أقر بالمال قبل التأجيل وأخذ المال منه كان له حق الرجوع على الطالب فيكون عليه إلى أجله
وحيلة أخرى أن يقر الطالب بقبض الدين بتاريخ معين ثم يقر المطلوب بده بيويم بمثل الدين للطالب مؤجلا فإذا خاف كل من صاحبه أحضر الشهود وقال : لا تشهدوا علينا إلا بعد قراءة الكتابين فإذا أقر أحدنا وامتنع الآخر لا تشهدوا على المقر و نظر فيه فإن للشاهد أن يشهد وإن قال له المقر : لا تشهد وجوابه : أن محله فيما إذا لم يقل له المقر له : لا تشهد على المقر أما إذا قال له لا تسعه الشهادة
الحيلة في تأجيل الدين بعد موت من عليه الدين فإنه لا يصح اتفاقا على الأصح - أن يصر الوارث بأنه ضمن ما على الميت في حياته مؤجلا إلى كذا و يصدقه الطالب أنه كان مؤجلا عليهما ويقر الطالب بأن الميت لم يترك شيئا وإلا فقد حل الدين بموته فيؤمر الوارث بالبيع لقضاء الدين و هذا على ظاهر الرواية من أن الدين إذا حل بموت المديون لا يحل على كفيله

(1/450)


في الإجارات
السابع عشر : في الإجارات : اشتراط المرمة على المستأجر يفسدها و الحيلة أن ينظر إلى قدر ما يحتاج إليه فيضم إلى الأجرة ثم يأمره المؤجر بصرفه إليها فيكون المستأجر وكيلا بالاتفاق فإن ادعى المستأجر الإنفاق لم يقبل منه إلا بحجة و لو أشهد له المؤجر أن قوله مقبول بلا حجة لم تقبل إلا بها و الحيلة : أن يعجل المستأجر له قسر المرمة ويدفعه إلى المؤجر ثم المؤجر يدفعه إلى المستأجر و يأمره بالإنفاق في المرمة فيقبل بلا بيان أو يجعل قدرها في يد عدل
ولو استأجر عرصة بأجرة معينة و أذن له رب العين بالبناء فيها من الأجر جاز و إذا أنفق في البناء استوجب عليه قدر ما أنفق فيلتقيان قصاصا و يترادان الفضل إن كان و البناء للمؤجر و لو أمره بالبناء فقط فبنى : اختلفوا قيل : للآجر و قيل : للمستأجر الحيلة في جواز إجارة الأرض المشغولة بالزرع : أن يبيع الزرع من المستأجر أولا ثم يؤاجره و قيده بعضهم بما إذا كان بيع هزل و تلجئة فلا لبقائه على ملك البائع وعلامة الرغبة : أن يكون بقيمته أو بأكثر أو بنقصان يسير
اشتراط خراج الأرض على المستأجر غير جائز كاشتراط المرمة والحيلة : أن يزيد في الأجرة بقدره ثم يأذنه بصرفه و فيه ما تقدم في المرمة
اشتراط العلف أو طعام الغلام على المستأجر غير جائز و الحيلة : ما تقدم في المرمة
الإجارة تنفسخ بموت أحدهما و إذا أراد المستأجر ألا تنفسخ بموت المؤجر يقر المؤجر بأنها للمستأجر عشر سنين يزرع فيها ما شاء و ما خرج فهو له أو يقر بأنه آجرها لرجل من المسلمين أو يقمر المستأجر بأنه استأجرها لرجل من المسلمين فلا تبطل بموت أحدهما وإذا كان في الأرض عين نفط أو قير فأراد أن يكون للمستأجرة يقرر بها أنها للمستأجر عشر سنين وله حق الانتفاع عشر سنة فيجوز
إذا آجر أرضه وفيها نخل فأراد أن يسلم التمر للمستأجر يدفع النخيل إلى المستأجر معاملة على أن يكون لرب المال جزء من ألف من التمر و الباقي للمستأجر

(1/451)


في منع الدعوى و في الوكالة و في الشفعة
الثامن عشر : في منع الدعوى : إذا ادعى عليه شيئا باطلا فالحيلة لمنع اليمين : أن يقر به لابنه الصغير أو لأجنبي وفي الثاني اختلاف أو يعيره لغيره خفية فيعرضه المستعير للبيع فيساومه المدعي فتبطل دعواه ولو ادعى عدم العلم به ولو صبغ الثوب فساومه بطلت و لو قال : لم أعلم أو يبيع المدعى عليه ممن يثق به ثم يهبه للمدعي ثم يستحقه المشتري بالبينة
التاسع عشر : في الوكالة : الحيلة في جواز شراء الوكيل بالمعين لنفسه : أن يشتريه بخلاف جنس ما أمر به أو بأكثر مما أمر به أو يصرح بالشراء لنفسه بحضرة موكله أو يوكل في شرائه
الحيلة في صحة إبراء الوكيل عن الثمن اتفاقا : أن يدفع له الوكيل قدر الثمن ثم يدفع المشتري الثمن له
أراد الوكيل انه إذا أرسل المتاع للموكل لا يضمن : فالحيلة : أن يأذن له في بعثه وكذا لو أراد الإيداع : يستأذنه أو يرسله الوكيل مع أجير له لأن الأجير الواحد من عياله أو يرفع الوكيل الأمر إلى القاضي فأذنه في إرسالها
العشرون : في الشفعة : الحيلة : أن يهب الدار من المشتري ثم هو يوهبه قدر الثمن وكذا الصدقة أو يقر لمن أراد شراءها بها ثم يقر الآخر له بقدر ثمنها أو يتصدق عليه بجزء مما يلي دار الجار بطريقه ثم يبيعه الباقي

(1/452)


في الصلح و في الوكالة و الحوالة و في الرهن
الحادي و العشرون : في الصلح : مات و ترك ابنا و زوجة و دارا فادعى رجل الدار فصالحاه على مال : فإن صالحاه على غير إقرار فالمال عليهما أثمانا والدار بينهما أثمانا وإلا فالمال عليهما نصفان كالدارة فالحيلة في جعل الإقرار لغيره : أن يصالح أجنبي عنهما على إقرار على أن يسلم لها الثمن و له سبعة أو يقر المدعي بأن لها الثمن و الباقي للابن
الثاني و العشرون : في الكفالة : و الثالث و العشرون في الحوالة : الحيلة في عدم الرجوع إذا أفلس المحال عليه أو مات مفلسا : أن يكتب أن الحوالة على فلان مجهول والحيلة في عدم براءة المحيل : أن يضمن المحال عليه
الرابع و العشرون : في الرهن : الحيلة في جواز رهن المشاع : أن يبيع منه النصف بالخيار ثم يرهنه النصف ثم يفسخ البيع
الحيلة في جواز انتفاع المرتهن بالرهن أن يستعيره بعد الرهن فلا يبطل بالعارية ويبطل بالإجارة لكن يخرج عن الضمان ما دام مستعملا له فإذا فرغ عاد الضمان
الحيلة في إثبات الرهن عند القاضي في غيبة الراهن : أن يدعيه إنسان فيدفعه بأنه رهن عنده ويثبت فيقضي القاضي بالرهنية و دفع الخصومة

(1/452)


في الوصايا
الخامس و العشرون : في الوصايا : الوصية لا تقبل التخصيص بنوع و مكان و زمان فإذا خصص زبدا بمصر و عمرا بالشام و أراد أن ينفرد كل فالحيلة : أن يشترط لكل أن يوكل ويعمل برأيه أو يشترط له الانفراد
الحيلة في أن يملك الوصي عزل نفسه متى شاء أن يشترطه الموصي وقت ا لإيصاء
الحيلة في أن القاضي يعزل وصي الميت : أن يدعي دينا على الميت فيخرجه القاضي إن لم يبرأ منه و الله سبحانه و تعالى أعلم بالصواب
تم الفن الخامس من الأشباه و النظائر و يتلوه الفن السادس منه و هو : فن الفروق

(1/453)


الفن السادس : الفروق
الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى و بعد :
فهذا هو الفن السادس من كتاب الأشباه و النظائر و هو : فن الفروق ذكرت فيها من كل باب شيئا جمعتها من فروق الإمام الكرابيسي المسمى بتلقيح المحبوبي

(1/455)


كتاب الصلاة و فيها بعض مسائل الطهارة
البعرة إن سقطت في البئر لا تنجس الماء ونصفها ينخسه والفرق : أن البعرة إذا سقطت في البئر و عليها جلدة تمنع من الشيوع ولا كذلك النصف و في المحلب على هذا القياس :
لا يجب عليه أن يوضىء امرأته المريضة ة بخلاف عبده و أمته والفرق : أن العبد ملكه فيجب عليه إصلاحه لا المرأة
لا ينزح ماء البئر كله بالفأرة و ينزح من ذنبها و الفرق : أن الدم يخرج من ذنبها فينزح الكل له
ولو نظر المصلي إلى المصحف وقرأ منه فسدت صلاته لا إلى فرج امرأة بشهوة لان الأول تعليم و تعلم فيها لا الثاني
قال الإمام بعد شهر : كنت مجوسيا فلا إعادة عليهم ولو قال : صليت بلا وضوء أو في ثوب نجس أعادوا إن كان متيقنا و الفرق : أن إخباره الأول مستنكر بعيد والثاني محتمل
أقيمت بعد شروعه متنفلا لا يقطعها و مفترضا يقطعها و لا يأثم و الفرق : أن الثاني لإصلاحها لا الأول
سؤر الفارة نجس لا بولها للضرورة
وجد ميتا في دار الحرب معه زنار و في حجره مصحف يصلى عليه و في دار الإسلام لا لأنه في دار الحرب قد لا يجد أمانا إلا به بخلافه في دار الإسلام

(1/455)


كتاب الزكاة
يجوز تعجيلها عن نصب بعد ملك مصاب و قبل الحول ولا يجوز تعجيل العشر بعد الزرع قبل النبات والفرق : أنه فيها تعجيل بعد وجوب السبب وفيه قبله
الوكيل يدفعها له دفعها لقرابته و نفسه و بالبيع لا يجوز والفرق : أن مبنى الصدقة على المسامحة و المعاوضة على المضايقة
شك في أدائها بعد الحول أداها و في أداء الصلاة بعد الوقت لا و الفرق : أن جميع العمر وقتها فهي كالصلاة إذا شك في أدائها في الوقت
اشترى زعفرانا لجعله على كعك التجارة ة لا زكاة فيه و لو كان سمسما وجبت والفرق : أن الأول مستهلك دون الثاني والملح والحطب للطباخ و الحرض و الصابون للقصار و الشب و القرظ للدباغ : كالزعفران و العصفر و الزعفران للصباغ : كالسمسم والفرق ظاهر

(1/456)


كتاب الصوم
نذر صوم يومين في يوم لا يلزمه إلا واحد و لو نذر حجتين في سنة لزمتاه
والفرق : إمكان حجتين فيها بنفسه و بالنائب بخلافه
ذاق في رمضان من الملح قليلا كفر و لو كثيرا لا لأن قليله نافع و كثيره مضر وقضى وكفر بابتلاع سمسمة من خارج لا إن مضغها : لأنها تتلاشى بالمضغ دون الابتلاع

(1/456)


كتاب الحج
لو رمى الجمرة بالبعر جاز و بالجواهرة لأن في الأول : استخفافا بالشيطان وفي الثاني إعزازه
لو دل المحرم على قتل صيد لزمه الجزاء و لو دل على قتل مسلم لا و الفرق أن الأول محظور إحرامه والثاني محظور بكل حال
ولو غلطوا في وقت الوقوف لا إعادة وفي الصوم و الأضحية أعادوا و الفرق : أن تداركه في الحج متعذر و في غيره متيسر
أعتق العبد بعد حجه حج الإسلام و لو استغنى الفقير كفاه و الفرق : انعقاد السبب في حق الفقير دون العبد والصبي كالعبد والأعمى والزمن و المرأة بلا محرم كالفقير

(1/456)


كتاب النكاح
النكاح : يثبت بدون الدعوى كالطلاق و الملك بالبيع و نحوه : لا و الفرق أن النكاح فيه حق الله تعالى لأن الحل و الحرمة حقه سبحانه وتعالى بخلاف الملك لأنه حق العبد
للأب قبض صداقها قبل الدخول و هي بكر بالغة : لا
قبض ما وهبه الزوج لها و لو قبض لها كان له الاسترداد و الفرق أنها تستحي من قبض صداقها فكان إذنا دلالة بخلافها في الموهوب
لو مس امرأة بشهوة حرم أصولها و فروعها إن لم ينزل و إن أنزل : لا لأن الأول داع للجماع : فأقيم مقامه بخلافه في الثاني
مس الدبر يوجب حرمة المصاهرة لا جماعه لأن الأول : داع إلى الولد لا الثاني
تزوج أمة على أن كل ولد تلده حر صح النكاح و الشرط و لو اشتراها كذلك فسد لأن الثاني : يفسد الشرط لا الأول

(1/457)


كتاب الطلاق
قال : لست امرأتي وقع إن نوى و لو زاد : و الله لا و إن نوى لاحتمال الأول الإنشاء و في الثاني تمحض للإخبار
يحل و طء المطلقة رجعيا لا السفر بها و الفرق أن الوطء رجعة بخلاف المسافرة
تقبيل ابن الزوج المعتدة عن بائن لا يحرمها و لها النفقة وحال قيام النكاح :
بخلافه لعدم مصادفته النكاح في الأول بخلافه في الثاني
أنت طالق إن دخلت الدار عشرا فدخلت لا يقع شيء حتى تدخل عشرا و لو قال : أنت طالق إن دخلت الدار ثلاثا فدخلت مرة وقع الثلاث لأن العدد في الأول لا يصلح للطلاق و يصلح للدخول بخلافه في الثاني
للموكل عزل وكيله بالطلاق ولو وكلها بطلاقها : لا لأنه تمليك لها
يقع الطلاق و العتاق و الإبراء و التدبير و النكاح وإن لم يعلم المعنى بالتلقين بخلاف البيع والهبة والإجارة والإقالة والفرق : أن تلك متعلقة بالألفاظ بلا رضى بخلاف الثانية

(1/457)


كتاب العتاق
لو أضافه إلى فرجه عتق لا إلى ذكره لأن الأول يعبر به عن الكل بخلاف الثاني
ولو قال : عتقك علي و اجب لا يعتق بخلاف طلاقك علي و اجب لأن الأول يوصف به دون الثاني
ولو قال : كل عبد أشتريه فهو حر فاشتراه فاسدا ثم صحيحا لا يعتق وفي النكاح تطلق لانحلال اليمين في الأول بالفاسد بخلاف الثاني
أعتق أحد عبديه ثم قال : لم أعن هذا يعتق الآخر و كذا في الطلاق
بخلافه في الإقرار فإنه لا يتعين الآخر لأن البيان واجب فيهما فكان متعينا إقامة له والله أعلم بالصواب
تم الفن السادس من الأشباه و النظائر ويتلوه الفن السابع وهو : فن الحكايات والمراسلات

(1/458)


الفن السابع : الحكايات و المراسلات
الحمد لله و سلام على عباده الذين اصطفى
و بعد : فهذا هو الفن السابع من الأشباه و النظائر و به تمامه وهو : فن الحكايات والمراسلات و هو فن واسع قد كنت طالعت فيه أواخر كتب الفتاوى و طالعت مناقب الكردري مرارا و طبقات عبد القادر لكني اختصرت في هذا الكراس منها الزبدة مقتصرا غالبا على ما اشتمل على أحكام

(1/459)


اختيار الإمام أبي يوسف عندما جلس والمسائل الخمس التي امتحن بها
- لما جلس أبو يوسف رحمه الله تعالى للتدريس من غير إعلام أبي حنيفة رحمه الله فأرسل إليه أبو حنيفة رحمه الله رجلا فسأله عن خمس مسائل : الأولى : قصار جحد الثوب و جاء به مقصورا هل يستحق الأجرة أم لا ؟ فأجاب أبو يوسف رحمه الله : لايستحق الأجر فقال له الرجل : أخطأت فقال : لا يستحق فقال : أخطأت ثم قال له الرجل : إن كانت القصار قبل الجحود استحق وإلا لا
الثانية : هل الدخول في الصلاة بالفرض أم بالسنة فقال : بالفرض فقال :
أخطأت فقال : بالسنة فقال : لا أخطأت لا فتحير أبو يوسف رحمه الله فقال الرجل : بهما لأن التكبير فرض ورفع اليدين سنة
الثالثة : طير سقط في قدر على النار فيه لحم ومرق : هل يأكلان ؟ أم لا ؟ فقال : يؤكل فخطأه فقال : لا يؤكل فخطأه ثم قال : إن كان اللحم مطبوخا قبل سقوط الطير يغسل ثلاثا و بؤكل و ترمى المرقة وإلا يرمى الكل له
الرابعة : مسلم له زوجة ذمية ماتت وهي حامل منه تدفن في أي المقابر فقال أبو يوسف رحمه الله : في مقابر المسلمين فخطأه فقال : في مقابر أهل الذمة فخطأه فتحتر أبو يوسف
فقال الرجل : تدفن في مقابر اليهود ولكن يحول وجهها عن القبلة حتى يكون وجه الولد إلى القبلة لأن الولد في البطن يكون وجهه إلى ظهر أمه
الخامسة : أم ولد لرجل تزوجت بغير إذن مولاها فمات المولى هل تجب العدة من المولى فقال : تجب فخطأه ثم قال : لا تجب فخطأه ثم قال الرجل : إن كان الزوج دخل بها : لا تجب و إلا : وجبت فعلم أبو يوسف تقصيره فعاد إلى أبي حنيفة رحمه الله فقال : تزببت قبل أن تحصرم كذا في إجارات الفيض
وفي مناقب الكردري : أن سبب انفراده أنه مرض مرضا شديدا فعاده الإمام و قال : لقد كنت آملك بعدي للمسلمين ولئن أصبت ليموتن علم كثير فلما برأ أعجب بنفسه وعقد له مجلس الأمالي و قال له حين جاء : ما جاء بك إلا مسألة القصار سبحان الله من رجل يتكلم في دين الله و يعقد مجلسا لا يحسن مسألة في الإجارة : ثم قال : من ظن أنه يستغني عن التعلم فليبك على نفسه انتهى

(1/459)


حكاية ما جرى بين سفيان و بشر في العقود
- وقال في آخر الحاوي الحصيري مسألة جليلة في أن المبيع يملك مع البيع أو بعده قال أبو القاسم الصفار رحمه الله : جرى الكلام بين سفيان و بشر في العقود متى يملك المالك بها معها أو بعدها قال : آل الأمر إلى أن قال سفيان : أرأيت لو أن زجاجة سقطت فانكسرت أكان الكسر مع ملاقاتها الأرض أو قبلها أو بعدها أو أن الله تعالى خلق نارا في قطنة فاحترقت أمع الخلق احترقت أو قبله أو بعده وقد قال غير سفيان وهو الصحيح عند أكثر أصحابنا : إن الملك في المبيع يقع معه لا بعده فيقع البيع والملك جميعا من غير تقدم ولا تأخر : لأن البيع عقد مبادلة و معاوضة : فيجب أن يقع الملك في الطرفين معا وكذا الكلام في سائر العقود من النكاح و الخلع و غيرهما من عقود المبادلات إلى آخر ما ذكره

(1/460)


قول الإمام الأعظم رحمه الله : خدعتني امرأة و فقهتني امرأة و زهدتني امرأة
- وفي مناقب الكردري : قال الإمام الأعظم رحمه الله : خدعتني امرأة و فقهتني امرأة و زهدتني امرأة
أما الأولى : قال : كنت مجتازا فأشارت إلي امرأة إلى شيء مطروح في الطريق فتوهمت أنها خرساء وأن الشيء لها فلما رفعته إليها قالت : احفظه حتى تسلمه لصاحبه
الثانية : سألتني امرأة عن مسألة في الحيض فلم أعرفها فقالت قولا تعلمت الفقه من أجله
الثالثة : مررت ببعض الطرقات فقالت امرأة : هذا الذي يصل الفجر بوضوء العشاء فتعمدت ذلك حتى صار دأبي

(1/460)


حكاية من قال : لا أرجو الجنة ولا أخاف النار الخ
- وسئل الإمام رحمه الله تعالى عمن قال : أرجو الجنة و لا أخاف النار و لا أخاف الله تعالى و آكل الميتة و أصلي بلا قراءة و بلا ركوع و سجود وأشهد بما لم أره وأبغض الحق و أحب الفتنة فقال أصحابه : أمر هذا الرجل مشكل
فقال الإمام : هذا الرجل يرجو الله لا الجنة و يخاف الله لا النار و لا يخاف الظلم من الله تعالى في عذابه و يأكل السمك و الجراد و يصلي على الجنازة و يشهد بالتوحيد ويبغض الموت وهو حق ويحب المال والولد وهما فتنة له
فقام السائل وقبل رأسه و قال : أشهد أنك للعلم وعاء انتهى

(1/461)


حكاية الإمام مع قتادة : في امرأة المفقود
- وفي آخر فتاوى الظهيرية : سئل الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن الفضل عمن يقول : لا أنا لا أخاف النار و لا أرجو الجنة وإنما أخاف الله تعالى و أرجوه فقال : قوله إني لا أخاف النار و أرجو الحنة : غلط فإن الله تعالى خوف عباده بالنار بقوله تعالى : { واتقوا النار التي أعدت للكافرين } ومن قيل له : خف مما خوفك الله تعالى فقال : لا أخاف ردا لذلك كفر انتهى

(1/461)


حكاية الإمام وحماد والأعمش : التيمم في أول الوقت وآخره
- وفي مناقب الكردري : قدم قتادة الكوفة فاجتمع عليه الناس فقال : سلوني عن الفقه فقال الإمام : ما تقول في امرأة المفقودة فقال : قول عمر رضي الله تعالى عنه تتربص أربع سنين ثم تعتد عدة الوفاة و تتزوج بما شاءت له قال : فإن جاء زوجها الأول وقال : تزوجت و أنا حي وقال الثاني : تزوجتني ولك زوج أيهما يلاعن ؟ فغضب قتادة وقال : لا أجيبكم بشيء
- قال الإمام : خرجنا مع حماد نشيع لأعمش و أعوز الماء لصلاة المغرب فأفتى حماد بالتيمم لأول الوقت فقلت : يؤخر إلى آخر الوقت فإن وجد الماء وإلا يتيمم ففعلت فوجد في آخر الوقت و هذه أول مسألة خالف فيها أستاذه

(1/462)


حكاية السيدة والغلام
- وكان للإمام جارة لها غلام أصاب منها دون الفرج فحبلت فقال أهلها له : كيف تلد و هي بكر فقال : هل لها أحد تثق به قالوا : عمتها فقال : تهب الغلام منها ثم تزوجها منه فإذا أزال عذرتها ردت الغلام إليها فيبطل النكاح

(1/462)


حكاية النسوة يغنين
- وخرج الإمام إلى بستان فلما رجع مع أصحابه إذ هو بابن أبي ليلى راكبا على بغلته فتسايرا فمرا على نسوة يغنين فسكتن فقال الإمام : أحسنتن فنظر ابن أبي ليلى في قمطره فوجد قضية فيها شهادته فدعاه ليشهد في تلك القضية فلما شهد أسقط شهادته و قال : قلت للمغنيات : أحسنتن فقال : متى قلت ذلك حين سكتن أم حين كن يغنين قال : حين سكتن قال : أردت بذلك : أحسنتن بالسكوت فأمضى شهادته

(1/462)


حكاية الأختين والأخوين وإفتاء الإمام وإعجاب سفيان بذلك
- و كان أبو حنيفة رحمه الله تعالى في وليمة في الكوفة و فيها العلماء و الأشراف و قد زوج صاحبها ابنيه من أختين فغلطت النساء فزفت كل بنت إلى غير زوجها و دخل بها فأفتى سفيان بقضاء علي رضي الله عنه : على كل منهما المهر و ترجع كل إلى زوجها فسئل الإمام فقال : علي بالغلامين فأتي بهما فقال : أيحب كل منكما أن يكون المصاب عنده قالا : نعم فقال لكل منهما : طلق التي عند أخيك ففعل ثم أمر بتجديد النكاح فقام سفيان فقبله بين عينيه

(1/462)


حكاية كلب الروم والمسائل الثلاث
- وحكى الخطيب الخوارزمي أن كلب الروم أرسل إلى الخليفة مالا جزيلا على يد رسوله و أمره أن يسأل العلماء عن ثلاث مسائل فإن هم أجابوك : أبذل لهم المال و إن لم يجيبوك فاطلب من المسلمين الخراج فسأل العلماء فلم يأت أحد بما فيه مقنع وكان الإمام إذ ذاك صبيا حاضرا مع أبيه فاستأذنه في جواب الرومي فلم يأذن له فقام و استأذن من الخليفة فأذن له وكان الرومي على المنبر فقال له : أسائل أنت ؟ قال : نعم
قال : أنزل مكانك الأرض و مكاني المنبر فنزل الرومي وصعد أبو حنيفة رحمه الله تعالى فقال : سل فقال : أي شيء كان قبل الله تعالى قال : هل تعرف العدد قال : نعم قال : ما قبل الواحد قال : هو الأول ليس قبله شيء قال : إذا لم يكن قبل الواحد المجازي اللفظ شيء فكيف يكون قبل الواحد الحقيقي فقال الرومي : في أي جهة وجه الله تعالى ؟ قال : إذا أوقدت السراج فإلى أي وجه نوره قال : ذاك نور يستوي فيه الجهات الأربع فقال : إذا كان النور المجازي المستفاد الزائل لا وجه له إلى جهة فنور خالق السموات والأرض الباقي الدائم المفيض كيف يكون له جهة ؟ قال الرومي : بماذا يشتغل وجه الله تعالى قال : إذا كان على المنبر مشبه مثلك نزله و إذا كان على الأرض موحد مثلي رفعه كل يوم هو في شأن فترك المال وعاد إلى الروم

(1/462)


حكاية قربة الماء وتصرف الإمام الأعظم
- احتاج الإمام إلى الماء في طريق الحاج فساوم أعرابيا قربة ماء فلم يبعه إلا بخمسة دراهم فاشتراه بها ثم قال له : كيف أنت بالسويق فقال : أريده فوضعه بين يديه فأكل ما أراد وعطش فطلب الماء فلم يعطه حتى اشترى منه شربة بخمسة دراهم

(1/463)


وصية الإمام الأعظم لأبي يوسف رحمه الله
- وصية الإمام الأعظم أبي يوسف رحمه الله بعد أن ظهر له منه الرشد و حسن السيرة والإقبال على الناس فقال له : يا يعقوب وقر السلطان وعظم منزلته و إياك و الكذب بين يديه والدخول عليه في كل وقت ما لم يدعك لحاجة علمية فإنك إذا أكثرت إليه الاختلاف تهاون بك وصغرت منزلتك عنده فكن منه كما أنت من النار تنتفع وتتباعد ولا تدن منها فإن السلطان لا يرى لأحد ما يرى لنفسه و إياك وكثرة الكلام بين يديه ة فإنه يأخذ عليك ما قلته ليرى من نفسه بين يدي حاشيته أنه أعلم منك وإنه يخطئك فتصغر في أعين قومه و لتكن إذا دخلت عليه تعرف قدرك و قدر غيرك
ولا تدخل عليه و عنده من أهل العلم من لا تعرفه فإنك إن كنت أدون حالا منه لعلك تترفع عليه فيضرك و إن كنت أعلم منه لعلك تنحط عنه فتسقط بذلك من عين السلطان و إذا عرض عليك شيئا من أعماله فلا تقبل منه إلا بعد أن تعلم أنه يرضاك و يرضى مذهبك في العلم و القضايا كيلا تحتاج إلى ارتكاب مذهب غيرك في الحكومات و لا تواصل أولياء السلطان و حاشيته بل تقرب إليه فقط و تباعد عن حاشيته ليكون مجدك وجاهك باقيا
ولا تتكلم بين يدي العامة إلا بما تسأل عنه و إياك و الكلام في العامة و التجار إلا بما يرجع إلى العلم كيلا يوقف على حبك و رغبتك في المال فإنهم يسيئون الظن بك ويعتقدون ميلك إلى أخذ الرشوة منهم و لا تضحك و لا تتبسم بين يدي العامة
ولا تكثر الخروج إلى الأسواق و لا تكلم المراهقين فإنهم فتنة و لا بأس أن تكلم الأطفال و تمسح رؤوسهم ولا تمش في قارعة الطريق مع المشايخ و العامة فإنك إن قدمتهم ازدرى ذلك بعلمك و إن أخرتهم ازدرى بك من حيث إنه أسن منك فإن النبي صلى الله عليه و سلم قال : [ من لم يرحم صغيرنا و لم يوقر كبيرنا فليس منا ] و لا تقعد على قوارع الطريق فإذا دعاك ذلك فاقعد في المسجد و لا تأكل في الأسواق و المساجد و لا تشرب من السقايات و لا من أيدي السقائين و لا تقعد على الحوانيت و لا تلبس الديباج و الحلي وأنواع الإبريسم فإن ذلك يفضي إلى الرعونة
ولا تكثر الكلام في بيتك مع امرأتك في الفراش إلا وقت حاجتك إليها بقدر ذلك
ولا تكثر لمسها و مسها و لا تقربها إلا بذكر الله تعالى و لا تتكلم بأمر نساء الغير بين يديها ولا بأمر الجواري فإنها تنبسط إليك في كلامك و لعلك إذا تكلمت عن غيرها تكلمت عن الرجال الأجانب
ولا تتزوج امرأة كان لها بعل أو أب أو أم أو بنت إن قدرت إلا بشرط ألا يدخل عليها أحد من أقاربها فإن المرأة إذا كانت ذات مال يدعي أبوها أن جميع مالها له و أنه عارية في يدها و لا تدخل بيت أبيها ما قدرت
و إياك أن ترضى أن تزف في بيت أبويها فإنهم يأخذون أموالك و يطمعون فيها غاية الطمع و إياك و أن تتزوج بذات البنين و البنات فإنها تدخر جميع المال لهم و تسرق من مالك و تنفق عليهم فإن الولد أعز عليها منك
ولا تجمع بين امرأتين في دار واحدة و لا تتزوج إلا بعد أن تعلم أنك تقدر على القيام بجميع حوائجها
واطلب العلم أولا ثم أجمع المال من الحلال ثم تزوج فإنك إن طلبت المال في وقت التعلم عجزت عن طلب العلم و دعاك المال إلى شراء الجواري و الغلمان و تشتغل بالدنيا و النساء قبل تحصيل العلم فيضيع وقتك و يجتمع عليك الولد و يكثر عيالك فتحتاج إلى القيام بمصالحهم وتترك العلم و أشتغل بالعلم في عنفوان شبابك وقت فراغ قلبك وخاطرك ثم اشتغل بالمال ليجتمع عندك فإن كثرة الولد و العيال يشوش البال فإذا جمعت المال ة فتزوج
وعليك بتقوى الله تعال و أداء الأمانة و النصيحة لجميع الخاصة و العامة و لا تستخف بالناس و وقر نفسك و وقرهم و لا تكثر معاشرتهم إلا بعد أن يعاشروك وقابل معاشرتهم بذكر المسائل فإنه إن كان من أهله اشتغل بالعلم و إن لم يكن من أهله أحبك
وإياك و أن تكلم العامة بأمر الدين في الكلام فإنهم قوم يقلدونك فيشتغلون بذلك ومن جاءك يستفتيك في المسائل فلا تجب إلا عن سؤاله و لا تضم إليه غيره فإنه يشو ش عليك جواب سؤاله
وإن بقيت عشر سنين بلا كسب و لا قوت فلا تعرض عن العلم فإنك إذا أعرضت عنه كانت معيشتك ضنكا و أقبل على متفقهيك كأنك اتخذت كل واحد منهم ابنا و ولدا لتزيدهم رغبة في العلم و من ناقشك من العامة و السوقة فلا تناقشه فإنه يذهب ماء وجهك ولا تحتشم من أحد عند ذكر الحق و إن كان سلطانا و لا ترض لنفسك من العبادات إلا بأكثر مما يفعله غيرك و يتعاطاها فالعامة إذا لم يروا منك الإقبال عليها بأكثر مما يفعلون اعتقدوا فيك قلة الرغبة و اعتقدوا أن علمك لا ينفعك إلا ما نفعهم الجهل الذي هم فيه
وإذا دخلت بلدة فيها أهل العلم : فلا تتخذها لنفسك بل كن كواحد من أهلهم ليعلموا أنك لا تقصد جاههم و إلا يخرجون عليك بأجمعهم و يطعنون في مذهبك و العامة يخرجون عليك و ينظرون إليك بأعينهم فتصير مطعونا عندهم بلا فائدة وإن استفتوك في المسائل فلا تناقشهم في المناظرة و المطارحات و لا تذكر لهم شيئا إلا عن دليل واضح ولا تطعن في أساتذتهم فإنهم يطعنون فيك
وكن من الناس على حذر و كن لله تعالى في سرك كما أنت له في علانيتك و لا يصلح أمر العلم إلا بعد أن تجعل سره كعلانيته و إذا أولاك السلطان عملا لا يصلح لك فلا تقبل ذلك منه إلا بعد أن تعلم أنه إنما لا يوليك ذلك إلا لعلمك و إياك و أن تتكلم في مجلس النظر على خوف فإن ذلك يورث الخلل في الإحاطة و الكلل في اللسان
وإياك أن تكثر الضحك فإنه يميت القلب و لا تمس إلا على طمأنينة و لا تكن عجولا في الأمور و من دعاك من خلفك فلا تجبه فإن البهائم تنادى من خلفها و إذا تكلمت فلا تكثر صياحك و لا ترفع صوتك و اتخذ لنفسك السكون وقلة الحركة عادة كي يتحقق عند الناس ثباتك
وأكثر ذكر الله تعالى فيما بين الناس ليتعلموا ذلك منك و اتخذ لنفسك أورادا خلف الصلاة ة تقرأ فيها القرآن و تذكر الله تعالى و تشكره على ما أودعك من الصبر و أولاك من النعم و اتخذ لنفسك أياما معدودة من كل شهر تصوم فيها ليقتدي غيرك بك
وراقب نفسك و حافظ على الغير لتنتفع من دنياك و آخرتك بعلمك و لا تشتر بنفسك و لا تبع بل اتخذ لك غلاما مصلحا يقوم بأشغالك و تعتمد عليه في أمورك و لا تطمئن إلى دنياك و إلى ما أنت فيه فإن الله تعالى سائلك عن جميع ذلك
ولا تشتر الغلمان المردان و لا تظهر من نفسك التقرب إلى السلطان و إن قربك فإنه ترفع إليك الحوائج فإن قمت أهانك و إن لم تقم أعابك
ولا تتبع الناس في خطئهم بل اتبع في صوابهم وإذا عرفت إنسانا بالشر فلا تذكره به بل اطلب منه خيرا فاذكره به إلا في باب الدين فإنك إن عرفت في دينه ذلك فاذكره للناس كيلا يتبعوه ويحذروه وقال عليه السلام : [ اذكروا الفاجر بما فيه حتى يحذره الناس و إن كان ذا جاه و منزلة ] و الذي ترى منه الخلل في الدين فاذكر ذلك و لا تبال من جاهه فإن الله تعالى معينك و ناصرك و ناصر الدين فإذا فعلت ذلك مرة ة هابوك و لم يتجاسر أحد على إظهار البدعة في الدين
وإذا رأيت من سلطانك ما لا يوافق العلم فاذكر ذلك مع طاعتك إياه فإن يده أقوى من يسك تقول له : أنا مطيع لك في الشيء أنت فيه سلطان و مسلط علي غير أني أذكر من سيرتك ما لا يوافق العلم فإذا فعلت مع السلطان مرة كفاك لأنك إذا واظبت عليه ودمت لعلهم يقهرونك فيكون في ذلك قمع للدين فإذا فعل ذلك مرة أو مرتين ليعرف منك الجهد في الدين و الحرص في الأمر بالمعروف فإذا فعل ذلك مرة أخرى فادخل عليه وحدك في داره و انصحه في الدين و ناظره إن كان مبتدعا و إن كان سلطانا فاذكر له ما يحضرك من كتاب الله تعالى و سنة رسول الله صلى الله عليه و سلم فإن قبل منك وإلا فاسأل الله تعالى أن حفظك منه
واذكر الموت و استغفر للأستاذ و من أخذت عنهم العلم و داوم على التلاوة و أكثر من زيارة القبور و المشايخ و المواضع المباركة و اقبل من العامة ما يعرضون عليك من رؤياهم في النبي صلى الله عليه و سلم و في رؤيا الصالحين في المساجد و المنازل و المقابر و لا تجالس أحدا من أهل الأهواء إلا على سبيل الدعوة إلى الدين و لا تكثر اللعب و الشتم و إذا أذن المؤذن فتأهب لدخول المسجد كيلا تتقدم عليك العامة
ولا تتخذ دارك في جوار السلطان و ما رأيت على جارك فاستره عليه فإنه أمانة ولا تظهر أسرار الناس و من استشارك في شيء فأشر عليه بما تعلم أنه يقربك إلى الله تعالى
وأقبل و صيتي هذه فإنك تنتفع بها في أولاك و أخراك إن شاء الله تعالى
وإياك و البخل فإنه يبغض به المرء و لا تك طماعا و لا كثابا و لا صاحب تخليط بل احفظ مروءتك في الأمور كلها
وألبس من الثياب البيض في الأحوال كلها و أظهر غنى القلب مظهرا من نفسك قلة الحرص و الرغبة في الدنيا و أظهر من نفسك الغناء و لا تظهر الفقر و إن كنت فقيرا وكن ذا همة فإن من ضعفت همته ضعفت منزلته
وإذا مشيت في الطريق فلا تلتفت يمينا و لا شمالا بل داوم النظر إلى الأرض و إذا دخلت الحمام فلا تساو الناس في أجرة الحمام و المجلس بل ارجح على ما تعطي العامة لتظهر مروءتك بينهم فيعظمونك و لا تسلم الأمتعة إلى الحائك و سائر الصناع بل اتخذ لنفسك ثقة يفعل ذلك و لا تماكس بالحبات و الدوانيق و لا تزن الدراهم بل اعتمد على غيرك
وحقر الدنيا المحقرة عند أهل العلم فإن ما عند الله خير منها و ول أمورك غيرك ليمكنك الإقبال على العلم فإن ذلك أحفظ لحاجتك
وإياك إن تكلم المجانين و من لا يعرف المناظرة و الحجة من أهل العلم و الذين يطلبون الجاه و يستغرقون بذكر المسائل فيما بين الناس فإنهم يطلبون تخجيلك و لا يبالون منك و إن عرفوك على الحق
وإذا دخلت على قوم كبارة فلا ترتفع عليهم ما لم يرفعوك كيلا يلحق بك منهم أذية وإذا كنت في قوم تتقدم عليهم في الصلاة ما لم يقدموك على وجه التعظيم
ولا تدخل الحمام وقت الظهيرة والغداة و لا تخرج إلى النظارات و لا تحضر مظالم السلاطين إلا إذا عرفت أنك إذا قلت شيئا ينزلون على قولك بالحق فإنهم إن فعلوا ما لا يحل و أنت عندهم ربما لا تملك منعهم و يظن الناس أن ذلك حق لسكوتك فيما بينهم وقت الإقدام عليه
وإياك و الغضب في مجلس العلم و لا تقص على العامة فإن القاص لا بد له أن يكذب و إذا أردت اتخاذ مجلس لأحد من أهل العلم فإن كان مجلس فقه فاحضر بنفسك و اذكر فيه ما تعلمه و إلا فلا كيلا يغتر الناس بحضورك فيظنون أنه على صفة من العلم وليس هو على تلك الصفة و إن كان يصلح للفتوى فاذكر منه ذلك و إلا فلا و لا تقعد ليدرس الآخر بين يديك بل أترك عنده من أصحابك ليخبرك بكيفية كلامه و كمية علمه و لا تحضر مجالس الذكر أو من يتخذ مجلس و عظ بجاهك و تزكيتك له بل وجه أهل محلتك و عامتك الذين تعتمد عليهم مع واحد من أصحابك
وفوض أمر المناكح إلى خطيب ناحيتك و كذا صلاة الجنازة و العيدين
ولا تنسني من صالح دعائك و اقبل هذه الموعظة مني و إنما أوصيك لمصلحتك ومصلحة المسلمين انتهى
- وفي آخر تلقيح المحبوبي : قال الحاكم الجليل : نظرت في ثلاثمائة جزء مثل الأمالي و نوادر ابن سماعة حتى انتقيت كتاب المنتقى
وقال حين ابتلي بمحنة القتل بمرو من جهة الأتراك هذا جزاء من آثر الدنيا على الآخرة و العالم متى أخفى علمه و ترك حقه خيف عليه أن يمتحن بما يسوؤه
وقيل : كان سبب ذلك : أنه لما رأى في كتب محمد مكررات و تطويلات خلعها وحذف مكررها فرأى محمدا رحمه الله تعالى في منامه فقال : لم فعلت هذا بكتبي فقال : لأن في الفقهاء كسالى فحذفت المكرر و ذكرت المقرر تسهيلا فغضب و قال قطعك الله كما قطعت كتبي فابتلي بالأتراك حتى جعلوه على رأس شجرتين فتقطع نصفين رحمه الله تعالى
تم الكتاب و الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات وله الفضل و المنة في الأولى و الآخرة

(1/463)