صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


المصدر : موقع وزارة الأوقاف المصرية
http://www.islamic-council.com

آسن

المعنى اللغوى: ذكر القاموس ولسان العرب أن الآسن من الماء مثل الآجن وأن المعنى فى كليهما: الماء المتغير بطول مكثه سواء أكان التغير فى طعمه أو لونه.
ونقل اللسان عن ثعلبة أن التغير قد يكون فى ريحه، وجملة هذا أن الماء الذى تغير أحد أوصافه الثلاثة أو كلها بالمكث دون شىء القى فيه هو الذى يسمى آسنا أو آجنا ، وفعله من باب ضرب ودخل فمصدره يكون أسنا أو أسونا.
مواضع استعمال لفظ آسن
ولفظ آسن يذكر فى باب الطهارة عند الكلام على أنواع المياه كما ذكره المالكية فى الجزء الأول من الشرح الصغير، ذكره الشافعية فى كتاب الطهارة من شرح الجلال المحلى، وكما ذكره الحنابلة والأحناف فى باب الطهارة أيضا.
المعنى الفقهى:
والمعنى الفقهى للفظ آسن هو نفس المعنى اللغوى ، الماء المتغير بطول مكثه فى مكانه.
حكم استعماله:
نص الحنابلة فى كتاب كشاف القناع على جواز استعمال الآسن فى التطهر به من
غير كراهة ، لأن تغيره بطول مكثه مع مشقة الاحتراز عنه سواء أكان مكثه فى أرض أو إناء من جلد أو نحاس أو سوى ذلك.
واستشهد الحنابلة على ذلك بما ثبت أن النبى - صلى الله عليه وسلم - توضأ من بئر كان ماؤه نقاعة الحناء ، وعللوا ذلك بمشقة الاحتراز عنه(1).
ويتفق أصحاب المذاهب الثلاثة المالكية والشافعية والأحناف (2) مع هذا الذى ذكره الحنابلة فى جواز استعمال الماء الآسن فى الطهارة، ومن باب أولى فى غير الطهارة كالشرب لمن أراده.
المذهب الزيدى:
الماء الآسن، أى المتغير لمكث طاهر مطهر عند الزيدية (3).
جاء فى شرح الأزهار ما نصه: والأصل فى ماء التبس مغيره الطهارة، يعنى إذا وجد ماء متغير ولم يعلم بماذا تغير أبنجس أم بطاهر أم بمكث فإنه يحكم بالأصل، وأصل الماء الطهارة.
وقد جاء ما نصه (4): أن الماء الذى ظهرت له رائحة مستخبثة ولم تكن ثائرة عن نجس أنه يجوز التطهر به لدخوله فى الماء المطلق.
الإمامية:
الماء الآسن عندهم طاهر مطهر مكروه استعماله مع وجود غيره (5). ولو مازجه، أى الجارى ، وما فى حكمه طاهر فغيره لونا أو طعما أو رائحة أو تغير من قبل نفسه من غير ممازجة لشىء لم يخرج عن كونه طاهرا مطهرا ما دام إطلاق الاسم باقيا، وبما يرشد إليه أيضا كراهية الطهارة بالماء الآسن إذا وجد غيره.
وما نقل عن المنتهى (6) لو كان تغير الماء لطول بقائه فإن سلبه الاسم لم يجز الطهور به ولا يخرج عن كونه طاهرا، وإلا فلا بأس ولكنه مكروه، ولا خلاف بين عامة أهل العلم فى جواز الطهارة به إلا ابن سيرين.
المذهب الإباضى:
يقولون أن المانع من استعمال الماء ينقسم قسمين:- إما نجاسة تمنع التطهر به، وإما تغيير يمنع حكم التطهر به (7).
المذهب الظاهرى:
الماء الراكد عندهم طاهر مطهر يجوز الوضوء منه وفيه ويجوز الاغتسال منه لكن لا يجوز الاغتسال المفروض فيه فإن اغتسل فيه لم يكن مغتسلا وله أن يعيد الغسل منه (8).

__________

(1) كشاف القناع ج 1 ص 5 ومنتهى الإرادات ج 1 ص 11 طبعة سنة 1319هجرية.
(2) للمالكية: الشرح الصغير ج 1 ص 13 المطبعة التجارية.
وللشافعية: المهذب ج 1 ص 8 طبعة الحلبى.
وللأحناف: الطهطاوى على مراقى الفلاح ص 7.
(3) شرح الأزهار ج 1 ص 60.
(4) الروض النضير شرح مجموع الفقه الكبير ج 1 ص 179.
(5) جواهر الكلام شرح شرائع الإسلام ج 1 ص 104.
(6) المرجع السابق.
(7) كتاب الوضع ص 41 الطبعة الأولى.
(8) المحلى ج 1 ص 210

(1/11)


آفة

التعريف بها: يقال فى اللغة آفة أوفا: أضره وأفسده، وآفت البلاد أوفا وآفة وأووفا صارت فيها آفة- والآفة العاهة وما يفسد- وهو عرض مفسد لما أصاب من شىء(1) ولم يخرج بها الفقهاء والأصوليون فى استعمالاتهم عن هذه المعانى اللغوية.
الآفة عند الأصوليين: هى عند الأصوليين سماوية ومكتسبة، يذكرونها عند الكلام على عوارض الأهلية.
أما السماوية فهى ما ثبتت من قبل صاحب الشرع بلا اختيار للعبد فيها مثل الجنون (انظر جنون) ، ومثل العته (انظر عته) ، ومثل اعتقال اللسان (انظر اعتقال اللسان) وغير ذلك.
والمكتسبة ما يكون لاختيار العبد فى حصولها مدخل مثل الجهل (انظر جهل) ، ومثل السفه (انظر سفه) (2). ويترتب على الآفة بقسميها تغيير فى بعض الأحكام مثل إسقاط كل العبادات المحتملة للسقوط كالصلاة والصوم عن المجنون(انظر جنون).
ومثل الجهل فى موضع الاجتهاد الصحيح أو فى موضع الشبهة إذ يصلح عذرا وشبهة دارئة للحد والكفارة كما إذا أفطر المحتجم فى رمضان ظانا أن الحجامة مفطرة وأن الأكل بعدها مباح جهلا منه، فإن جهله عذر (انظر جهل) ، ومثل منع مال السفيه عنه (انظر سفه) (3).
الآفة عند الفقهاء: ويستعملها الفقهاء مفرديها بالحكم حينا كما يستعملونها ضمن استعمالهم لمصطلح تلف، وقد تحدث الفقهاء عن الآفة السماوية التى تصيب الثمار والزروع وما يترتب عليها من أحكام فى بعض الأبواب الفقهية وعرفوها بأنها ما لا صنع لآدمى فيها، كالثلوج والغبار والريح الحار والجراد والنار ونحو ذلك (4).
أثرها فى الزكاة: ذهب الحنفية فى الزروع التى تصيبها آفة سماوية، وهى ما لا صنع لآدمى فيه... إلى أنها تسقط عنها الزكاة إذا أهلكت المال الذى تجب فيه. وذلك لأن الواجب عندهم جزء من النصاب تحقيقا للتيسير فيسقط (5). وإن هلك البعض يسقط الواجب بقدره وتؤدى زكاة الباقى قل أو كثر فى قول أبى حنيفة، وعند أبى يوسف ومحمد من الحنفية يعتبر قدر الهالك مع الباقى فى تكميل النصاب إن بلغ نصابا يؤدى، وإلا فلا.
وفى رواية عن أبى يوسف يعتبر كمال النصاب فى الباقى بنفسه من غير ضم قدر الهالك إليه (6).
أما الحنابلة: فيقولون لو تلف المال بعد الحول قبل التمكين من إخراج الزكاة ضمنها، ولا تسقط الزكاة بتلف المال، أما بالنسبة للحبوب والثمار فإن وجوب الزكاة لا يستقر فيها إلا بجعلها فى جرين (7) ومسطاح ونحوه، فإن تلفت قبل الوضع بها بغير قصد من صاحبها سقطت الزكاة خرصت الثمرة أو لم تخرص، وإن تلف البعض من الزرع أو الثمر قبل الاستقرار زكى المالك الباقى إن كان نصابا، وإن لم يكن نصابا فلا زكاة فيه، وإن تلف بعد الاستقرار فى الجرين والمسطاح ونحوها لم تسقط زكاتها كتلف النصاب بعد الحول (8).
ويرى المالكية: أن إصابة الثمر بعد التخريص بجائحة (أى إصابته بآفة سماوية) فإنها تعتبر فى سقوط الزكاة فيزكى ما بقى إن وجبت فيه زكاة وإلا فلا (9) زكاة فيه.
ويرى الشافعية: عدم وجوب الزكاة فيما يتلف من الزرع بآفة سماوية لفوات الإمكان فإن بقى فيه بعد طروء الآفة عليه نصاب زكاة أو دونه أخرج حصته بناء على أن التمكن شرط للضمان لا للوجوب (10).
ويرى ابن حزم الظاهرى: أن كل ما وجبت فيه زكاة من الأموال والزروع والثمار وإن تلف كله أو بعضه أكثره أو أقله، أثر إمكان إخراج الزكاة منه، أثر وجوب الزكاة بما قل من الزمن أو كثر بتفريط تلف أو بغير تفريط، فالزكاة كلها واجبة فى ذمة صاحبه، كما كانت لو لم يتلف، لأن الزكاة واجبة فى الذمة لا فى العين، وكذلك لو أخرج وعزلها ليدفعها إلى أهل الصدقات فضاعت الزكاة كلها أو بعضها فعليه إعادتها كلها ولابد لأنه فى ذمته حتى يوصلها إلى من أمره الله تعالى بتوصيلها إليه (11).
ويرى الزيدية: أن الزكاة قبل إمكان الأداء كالوديعة قبل أن يطالب بها، إذا تلفت فإنها لا تضمن إلا أن تتلف بتفريط الوديع أو بجنايته وإن تلفت من دون تفريط ولا جناية فلا ضمان وكذلك المال وما أخرجت الأرض إذا تلف قبل إمكان أداء الزكاة إن تلفت بتفريط ضمن الزكاة وإلا فلا، فلو تلف بعض المال من دون تفريط وبقى البعض وجب إخراج زكاة الباقى ولو قل، ولا يضمن زكاة التالف (12).
أما بعد إمكان الأداء فتجب وجوبا مضيقا فيضمن إذا لم يخرج بعد الأداء حتى تلف المال ولو بغير تفريط (13).
أما الشيعة الجعفرية: فلا يجوزون تأخير دفع الزكاة عن وقت وجوبها مع الإمكان ويضمنون بالتأخير لا لعذر ولو كان تلف المال من غير تفريط كما لا يجوزون نقل الزكاة من بلد إلى بلد إلا عند عدم وجود المستحق، فإن نقلت مع وجوده ثم هلكت ضمن وإلا فإن تلفت مع النقل لعدم وجود المستحق فإنه لا يضمن (14).
وعند الإباضية: تسقط الزكاة عن الغلة بعد وجوب الحق فيها وقبل إمكان إخراجه إذا تلفت بريح أو نار أو سيل لا بتفريط فإن بقى بعضها زكى عليه وحده إن وجبت فيه وقيل مطلقا وجبت أو لم تجب عن الباقى وعن التالف أما إن اجتيحت بعد تمكن من إخراج بلا تفريط فالأكثر على التضمين فى زكاة ما تلف وزكاة الباقى وإن قل والأقوى سقوط التضمين عما تلف. ولا يزكى الباقى إلا إذا بلغ نصابا فإن اجتيحت بتفريط ضمنت اتفاقا (15).
أثر الآفة فى البيع:
يذهب الأحناف: إلى أن هلاك المبيع كله قبل القبض بآفة سماوية يفسخ البيع، وإذا انفسخ البيع سقط الثمن عن المشترى. وكذا إذا ملك بفعل المبيع بأن كان حيوانا فقتل نفسه لأن فعله على نفسه هدر فكأنه هلك بآفة سماوية (16). فإذا هلك كله بعد القبض بآفة سماوية لا ينفسخ البيع والهلاك على المشترى وعليه الثمن لأن البيع تقرر بقبض المبيع فتقرر الثمن وإذا هلك بعض المبيع فإن كان قبل القبض وهلك بآفة ساويه ينظر إن كان النقصان نقصان قدر بأن كان مكيلا أو موزونا أو معدودا ينفسخ العقد بقدر الهالك وتسقط حصته من الثمن لأن كل قدر من المقدرات معقود عليه فيقابله شىء من الثمن (17) وهلاك كل المعقود عليه يوجب انفساخ البيع وسقوط الثمن بقدره والمشترى بالخيار فى الباقى إن شاء أخذ بحصته من الثمن وإن شاء ترك لأن الصفقة قد تفرقت عليه، وإن كان النقصان نقصان وصف - وهو كل ما يدخل فى البيع من غير تسمية كالشجر والبناء فى الأرض وأطراف الحيوان والجودة فى المكيل والموزون- لا ينفسخ البيع أصلا ولا يسقط عن المشترى شىء من الثمن لأن الأوصاف لا حصة لها من الثمن إلا إذا ورد عليها القبض أو الجناية لأنها تصير مقصودة بالقبض والجناية فالمشترى بالخيار إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء ترك لتعيب المبيع قبل القبض وإن هلك بفعل المبيع بأن جرح نفسه لا ينفسخ البيع ولا يسقط عن المشترى شىء من الثمن لأن جنايته على نفسه هدر فصار كما لو هلك بعضه بآفة سماوية وهلاك بعضه نقصان الوصف والأوصاف لا تقابل بالثمن ولا يسقط شىء من الثمن ولكن المشترى بالخيار إن شاء أخذه بجميع الثمن وإن شاء ترك لتغير المبيع، وإذا هلك بعضه بعد القبض بآفة سماوية فالهلاك على المشترى لأن المبيع خرج عن ضمان البائع بقبض المشترى فتقرر عليه الثمن (18).
أما الحنابلة: ففى كشاف القناع: وأن تلف المكيل والموزون والمعدود والمزروع أو تلف بعضه بآفة (أى عاهة) سماوية، لا صنع لآدمى فيها قبل قبضه فهو من البائع لأن النبى - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ربح ما لم يضمن، والمراد به ربح ما بيع قبل القبض وينفسخ العقد فيما تلف بآفة قبل القبض سواء كان التالف الكل أو البعض لأنه من ضمان بائعه، ويخير المشترى فى الباقى بين أخذه بقسطه من الثمن وبين رده (19).
وفيه أيضا: " وإن تلفت الثمرة المبيعة دون أصولها قبل بدو صلاحها بشرط القطع بجائحة قبل التمكن من أخذ الثمر ضمنه البائع ".
وفى الروض المربع: " وإن تلفت ثمرة بيعت بعد بدو صلاحها دون أصلها قبل أوان جذاذها بآفة سماوية(وهى ما لا صنع لأدمى فيها كالريح والحر والعطش) رجع ولو بعد القبض على البائع لحديث جابر رضى الله عنه أن النبى - صلى الله عليه وسلم- أمر بوضع الجوائح (20).
ويرى المالكية: أن تلف المبيع وقت ضمان البائع بسماوى مبطل لعقد البيع فلا يلزم البائع الإتيان بمثله، إلا إذا كان موصوفا متعلقا بالذمة كالسلم، فان المسلم إليه إذا احضر المسلم فيه فتلف قبل قبضه لزمه الإتيان بمثله، وإذا تلف بعضه ينظر فى الباقى بعد التلف إن كان الباقى نصفا فكثر لزم الباقى بحصته من الثمن إن تعدد وكان قائما، فإن اتحد أو فات خير المشترى وإن كان الباقى أقل تعين الفسخ إلا إذا كان مثليا فيخير المشترى مطلقا (21).
والشافعية يذهبون: فى تلف المبيع قبل القبض بآّفة سماوية إلى ما ذهب إليه الأحناف إلا إذا رضيه المشترى وأجاز البيع فانه يأخذ المبيع بكل الثمن (22).
وفى المحلى لابن حزم الظاهرى: كل بيع صح وتم فهلك المبيع أو كان ثمرا قد حل بيعه فأجيح كله أو أكثره أو أقله فكل ذلك من المبتاع ولا رجوع له على البائع بشىء (23).
ويذهب العترة من الزيدية: كما جاء فى كتاب البحر الزخار إلى أنه إذا تلف المبيع بآّفة سماوية أنفسخ العقد لقول النبى - صلى الله عليه وسلم-: " إذا بعت من أخيك تمرا فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئا" (24).
ورأى المذهب أنه إذا تلف بعضه قبل القبض لم ينفسخ فى الباقى بل فى التالف فقط (25).
ويرى الشيعة الإمامية: أن المبيع لو تلف قبل القبض ضمن البائع إذا كان تلفه من الله تعالى فإذا تلف بعضه أو تعيب من قبل الله تعالى تخير المشترى فى الإمساك مع الأرش وفى الفسخ (26).
الإباضية: جاء فى كتاب النيل: "ويوضع بقدر المصاب من المجاح ولو قل وقيل لا يوضع ما دون ثلث الثمار، لقول النبى - صلى الله عليه وسلم-: إذا أصيب ثلث الثمرة فصاعدا فقد وجب على البائع الوضيعة، ولا يعتبر الثلث فى القيمة بل فى الثمار ولا وضع إذا بيعت مع الأصل أو بيع الأصل ثم بيعت.
وإن بيعت أولا فالوضع واجب والثمر والتمر فى ذلك كله سواء. وتوضع جائحة البقول وإن قلت، وقيل الثلث فصاعدا مثل أن تنقطع عنه عين سقيه أو المطر ولا جائحة فى الزرع وما يبس من الثمار، والجائحة ما لا يستطاع دفعه كالثلج والجليد والريح والبرد والجيش والجراد. وليس منها السارق عند الأكثر، لأنه يطاق دفعه لو علم به، وقيل لا يجوز بيع الثمار قبل بدو الصلاح، ولو قطع لعموم ظاهر النهى (27).
وإن تلف المبيع فى يد المشترى ثم خرج " ظهر " عيب كان قبل البيع فمن ماله ويدرك " أى يرجع به " على البائع أرش العيب فيما بينه وبين الله إلا أن تلف بذلك العيب فإنه يدرك عليه الثمن كله وكذا إن كان فى يد البائع بالتعدى وهلك بالعيب أو هلك فى يد المشترى بفعل البائع، وإن هلك فى يد البائع وكان بيده أمانة أو عارية أو وديعة أو بإجارة ونحو ذلك مما ليس تعديا أو خيانة فمن مال المشترى (28).
وإن تلف المبيع بعد القبض فضمانه من المشترى وإن هلك قبل القبض وبعد العقد ففيه خلاف، قيل من مال المشترى وقيل من مال البائع وذلك إذا كان الهلاك فجأة على أثر العقد قبل إمكان القبض أو بلا فجأة لكن قبل إمكانه، وإذا لم يمنع المشترى من القبض فالحق أنه من مال المشترى ومجرد تخليتة قبض وقيل من مال البائع ما لم يقبضه المشترى بيده وعلى هذا فإذا قال له البائع اقبضه أو خذه أو نحو ذلك كان من مال المشترى، وأصحابنا يشترطون القبض، لكن التخلية قبض عندهم، واستدل مشترط القبض (29) بنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع ما لم تقبض، وربح ما لم تضمن.
أثر الآفة فى عقد المساقاة:
يذهب الحنفية: إلى أن عقد المساقاة الصحيح لا ينفسخ إذا لم تخرج الأرض ثمرا لآفة وبقى العقد صحيحا ولا شىء لكل من صاحب الأرض ولا زارعها عند صاحبه (30).
أما الحنابلة: فإنهم يقولون إن ساقاه إلى مدة تكمل فيها الثمرة غالبا، فلم تحمل الثمرة تلك السنة فلا شىء للعامل لأنه دخل على ذلك (31).
ويرى المالكية: أن العامل فى المساقاة ليس له شىء إذا ما أجيحت الثمرة لكن له الخيار بين التمادى فى لزوم العقد أو الخروج منه (32).
ويتفق الشافعية: مع الأحناف فى لزوم عقد المساقاة ولو تلفت الثمرة كلها بآفة (33).
ويرى ابن حزم الظاهرى: فى المحلى الجزء الثامن المسألة 1330 ، والمسألة 1346 بأن الأرض إذا لم تخرج فلا شىء للعامل ولا شىء عليه (34).
ويذهب الشيعة الجعفرية: إلى أن تلف الزرع جميعه لا يضمن لصاحب الأرض عند الزراع ، ولو تلف البعض سقط منه بالنسبة (35)

__________

(1) لسان العرب مادة " أوف ".
(2) شرح المنار ص 947 وما بعدها.
(3) المرجع السابق.
(4) الروض المربع ج 1 ص 186. شرح النيل ج 2 ص 23. كشاف القناع ج 1 ص 452.
(5) فتح القدير ج 1 ص 514 ، 515 الطبعة الأميرية سنة 1315هجرية.
(6) بدائع الصنائع للكاسانى الطبعة الأولى ج 2 ص 65
(7) الجرين جمع جرن. وهو موضع تجفيف الثمر ونموه. المسطاح: الحصير من الخوص.
(8) كشاف القناع ج 1 ص 434 ، 451 طبعة المطبعة العامرية الشرفية سنة 1319 الطبعة الأولى.
(9) دردير ج 1 ص 203 المطبعة التجارية الكبرى.
(10) نهاية المحتاج ج 3 ص 81 ، 82 طبعة مصطفى الحلبى سنة 1357 هجرية.
(11) محلى ج 5 ص 263 طبع منير.
(12) شرح الأزهار ج 1 ص 457 الطبعة الثانية مطبعة حجازى بالقاهرة.
(13) شرح الأزهار ج 1 ص 457.
(14) الروضة البهية فى شرح اللمعة الدمشقية ج1 ص 127 طبع دار الكتاب العربى والمختصر النافع فى فقه الإمامية الطبعة الثانية ص 82 طبع وزارة الأوقاف.
(15) شرح النيل ج 2 ص 23.
(16) بدائع الصنائع للكاساتى الطبعة الأولى ج 5 ص 239.
(17) المرجع السابق ص 240.
(18) بدائع الصنائع للكاساتى الطبعة الأولى ج 5 ص 241.
(19) كشاف القناع ج 2 ص 80 طبعة المطبعة العامرية الشرقية سنة 1319 هجرية الطبعة الأولى.
(20) الروض المربع ج 1 ص 185.
(21) بلغة السالك ج 2 ص 67.
(22) نهاية المحتاج ج 4 ص 79 ،80 ،82.
(23) المحلى لابن حزم الظاهرى ج 8 ص 389 طبع منير.
(24) البحر الزخار ج 3 ص 368 الطبعة الأولى سنة 1366هجرية مطبعة السعادة بمصر.
(25) المرجع السابق ج 3 ص 369.
(26) الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية ج 1 ص 336 للشهيد الجيعى العاملى طبع دار الكتاب العربى.
(27) شرح كتاب النيل وشفاء العليل ج 4 ص 64.
(28) شرح كتاب النيل وشفاء العليل ج 4 ص 262.
(29) شرح كتاب النيل وشفاء العليل ج 4 ص 287،288.
(30) فتح القدير ج 8 ص 47 الطبعة الأولى سنة 1318.
(31) كشاف القناع ج 2 ص 278 ، 279 طبعة المطبعة العامرية الشرقية سنة 1319 الطبعة الأولى.
(32) بلغة السالك لأقرب المسالك ج 2 ص 238.
(33) نهاية المحتاج ج 5 ص 255.
(34) المحلى لابن حزم الظاهرى ج 8 ص 211.
(35) الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الجيعى العاملى ج 1 ص 359 طبع دار الكتاب العربى

(1/12)


آل

كلمة آل: اسم ثلاثى، عينه ألف ممدودة، ومن اللغويين من ذهب إلى أن أصلها الواو كما هو الحال فى مثل قال وصال. ومنهم من قال: إن أصلها الهاء وسهلت.
ولكلمة آل معان كثيرة أوردتها كتب اللغة ، فالآل هو الشخص. وهو ما تراه أول النهار وآخره مما يشبه السراب وليس هو السراب. والآل ما أشرف من البعير. والخشب. وعمد الخيمة. واسم جبل وأطراف الجل ونواحيه... وليس فى هذه المعانى ما يناسب المعنى الذى تكلم فيه الفقهاء.
وآل الرجل أهله وعياله ، وآله أيضا أتباعه وأولياؤه. وهذه هى المعانى المناسبة لما تكلم فيه الفقهاء. والفقهاء تكلموا فى آل الرجل، أى رجل كان، فى الوقف وفى الوصية.
وتكلموا فى آل محمد- صلى الله عليه وسلم - فى تحريم الصدقة عليهم، وفى استحقاقهم للخمس، وفى الصلاة عليهم فى التشهد، وفى غيره، وفى حجية إجماعهم ، وفى الكفاءة والسيادة والشرف، وفى غير ذلك.
الآل والوقف عليهم والوصية لهم:
قال فقهاء مذهب أبى حنيفة (1): أنه لو وقف على أهل بيته، أو وقف على آله، كان الحكم واحدا فى الحالين، وهو أن يدخل فى وقفه كل من يناسبه بآبائه إلى أقصى أب له فى الإسلام، وهو أبوه الذى أدرك الإسلام وإن لم يسلم، ويدخل فيه أبو الواقف وولده، فى كل من آله وأهل بيته، ويدخل فيه الذكور والإناث من ولده لصلبه ومن ولد الذكور من أولاده، أما أولاد الإناث فلا يدخلون إذا كان آباؤهم من قوم آخرين، لأنهم ليسوا من آله ولا من أهل بيته وإن كانوا من ذريته ومن قرابته.وقالوا أيضا: إن الوصية للآل أو لأهل البيت يدخل فيها كل من اجتمع مع من أضيف له الآل أو البيت بآبائه إلى أقصى أب له فى الإسلام، فلو أوصى لأله أو لأهل بيته وكان علويا دخل فى وصيته كل من ينتسب بآبائه إلى على، وأن كان عباسيا دخل فيها كل من ينتسب إلى العباس، ذكرا كان أو أنثى، إذا كان ينتسب بنفسه أو بواسطة الأباء، إلا أولاد النساء فإنهم لا يدخلون إذا كان آباؤهم من قوم آخرين. ومن أوصى لآله أو أهل بيته دخل فى وصيته أبوه وجده الصحيح إذا كانا غير وارثين.
ولو أوصى إلى أهل فلان كانت الوصية لزوج فلان خاصة فى قول أبى حنيفة، وعند صاحبيه تكون الوصية لكل من يعولهم فلان ممن تضمهم نفقته من الأحرار، فتدخل فيها زوجه واليتيم الذى فى حجره، والولد إذا كان يعوله، أما إذا كان كبيرا قد اعتزل عنه، أو كان بنتا قد تزوجت، فليس من أهله، فلا يدخل فى الوصية للأهل المماليك، ولا وارث الموصى إذا كانت وصيته أهله، ولا يدخل فى الوصية لأهل فلان فلان نفسه، هذا هو فرق ما بين الوصية لأهل فلان وبين الوصية لآله أو لأهل بيته.
وقال فقهاء مذهب مالك (2): أنه لو وقف على آله أو وقف على أهله، كان وقفه هذا على عصبته وعلى كل امرأة لو رجلت- أى فرضت رجلا- كانت عصبة، فلا يدخل أولاد النساء من قرابة الأب، كما لا يدخل فيه أحد من قرابة الأم. والراجح عندهم أن الوقف على الأقارب يشمل الأقارب من جهة الأب ومن جهة الأم، وقيل إنه لا يشمل الأقارب من النساء من الجهتين، غير أنهم لم يفرقوا بين العصبة وغير العصبة منهم. فالآل والأهل معناهما وأحد عندهم فى الوقف.. كما أنه يختلف عن معني القرابة. وقالوا: أنه لو أوصى لأقاربه، أو لأهله، أو لذى رحمه، ولم يكن له أقارب من جهة أبيه أو كان له أقارب من جهته يرثونه لم يدخلوا فى وصيته واختص بها قرابته من جهة الأم. وإن كان له أقارب من جهة الأب وكانوا لا يرثونه اختصوا بالوصية ولا يشاركهم فيها قرابته من جهة الأم. ولو أوصى للأقارب فلان، أو لأهل فلان، أو لذي رحم فلان وكان له أقارب من الجهتين اختص بالوصية أقارب فلان من جهة الأب وارثين كانوا أو غير وارثين لفلان، وأن لم يكن لفلان أقارب من جهة أبيه استحق الوصية أقاربه من جهة أمه وقد صرحوا بأن كلا من الألفاظ الثلاثة يشمل القرابتين معا فى الوصية، وأن قرابة الأب تحجب قرابة الأم إذا اجتمعت القرابتان وكانت قرابة الأب تستحق الوصية ، ولا تحجبها إذ كانت غير مستحقة للوصية. والموازنة بين ما قيل فى الوقف وفى الوصية تظهر مدى اختلاف المعاني فى البابين.
وقال فقهاء مذهب أحمد (3) أنه لو وقف على آله، أو على أهل بيته، أو على أهله ، أو على قرابته من أو على قومه، أو على نسبائه، أو وقف على آل فلان، أو على أهل بيت فلان، أو على أهل فلان، أو.. أو.. إلخ، كان الوقف على الذكر والأنثى من أولاد الواقف أو من أولاد فلان، ومن أولاد أبيه، ومن أولاد جده، ومن أولاد جد أبيه، أربعة آباء. ويستوى فى ذلك الذكر والأنثى والصغير والكبير والغنى والفقير، من قبل أبيه. ولا يدخل فى هذا الوقف من يخالفه فى الدين، ولا أمه، ولا من تكون قرابته له من قبل أمه إلا أن يكون فى كلامه ما يدل على أنه أراد ذلك. وقيل إن وقفه على آله و على آل فلان ، أو على أهله أو أهل فلان أو.. أو.. إلخ يكون كما لو وقف على ذوى رحمه وهم ولده وقرابته من الجهتين. ونقل صالح عن أحمد أنه لو وقف على آله ، أو 0.. أو إلخ ، اختص بهذا الوقف من بصلة الواقف من قرابة أبيه وقرابة أمه وإن جاوز أربعة آباء. واختار ابن الجوزى الفرق بين الوقف على أهل البيت أو على القوم وبين الوقف على القرابة وقال: إن هذا الأخير يختص به قرابة الأب أما الآخر فيكون لقرابة الأبوين. وقال ابن تيمية: أنه لو وقف على أهله أو على أهل بيته دخل فى هذا الوقف أزواجه، وأنه لو وقف على آله ففى دخول أزواجه فى هذا الوقف روايتان، وأختار هو الرواية التي تقول بدخولهن فى هذا الوقف. وقالوا: إنه لو وقف على آله أو على أهل بيته دخل هو فى هذا الوقف أما لو وقف على أهله فإنه لا يدخل فيه.
وقالوا: أنه لو أوصى لآله كان كمن أوصى لقرابته فتكون الوصية لقرابته من قبل أبيه، وذلك لأنه جاء فى بعض الروايات لحديث زيد بن أرقم أنه قبل أبيه: من آل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال: "أهله وعشيرتها الذين حرمت عليهم الصدقة: آل على وآل العباس وآل جعفر وآل عقيل.
وفى الوصية لأهل بيته والوصف لقرابته روايات كالتي ذكرت فى الوقف، غير أنى لم أقف على أنها ذكرت فى الوصية للآل.
آل محمد صلى الله عليه وسلم تحريم الصدقة عليهم:
رويت أحاديث كثيرة- قالوا: إنها متواترة المعنى- فى تحريم الصدقة على آل محمد ومما جاء فيها قوله - صلى الله عليه وسلم -:" إنا آل محمد لا تحل لنا الصدقة ". " إن الصدقة حرام على محمد وعلى آل محمد، وإن مولى القوم من أنفسهم ". " إن الصدقة لا تنبغى لآل محمد إنما هى أوساخ الناس.
وقد اتفق الفقهاء على أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد حرمت عليه الصدقة المفروضة وصدقة التطوع، ولكنهم اختلفوا فيمن هم آله الذين حرمت عليهم الصدقة وفى الصدقة التى حرمت عليهم.
ذهب الحنفية إلى أن آل محمد الذين حر مت عليهم الصدقة هم بنو هاشم بن عبد مناف إلا من ورد النص بنفي قرابتهم. وهاشم لا ولد له إلا من أبنه عبد المطلب. فمن يعتبرون آل محمد وقرابته فى هذا الباب هم آل على وآل العباس وآل عقيل، وآل جعفر، وآل الحارث، من أولاد عبد المطلب، أما آل أبى لهب بن عبد المطلب فليسوا من آل محمد هنا، ولا تحرم عليهم الصدقة وإن كانوا مسلمين، وذلك لأن تحريم الصدقة على بني هاشم إنما كان تكريما من الله تعالى لهم ولذريتهم لقاء نصرتهم له عليه الصلاة والسلام فى الجاهلية وفى الإسلام، أما أبو لهب فكان أحرص الناس على آذاه عليه الصلاة والسلام، حتي أنه عليه الصلاة والسلام قد برئ من قرابته، فقال: " لا قرابة بينى وبين أبى لهب ، لقد آثر علينا الأفخر ين، فلم يستحق لا هو ولا ذريته هذه الكرامة ". وآل محمد فى هذا الباب لا يتناول آل المطلب وآل عبد شمس وآل نوفل أبناء عبد مناف وليسوا ممن حرمت عليهم الصدقة.
وما ذهب إليه الحنفية فى هذا هو المشهور من مذهب مالك، وإحدى الروايتين عن أحمد، وهو مذهب الزيدية ومذهب الإمامية.
وقال الشافعى وابن حزم: إن آل محمد هنا هم بنو هاشم وبنو المطلب فقط، وهو مقابل المشهور من مذهب مالك وإحدى الروايتين عن أحمد.
والحجة فى ذلك ما ورد فى الصحاح عن جبير بن مطعم (من ولد نوفل) أنه جاء هو وعثمان بن عفان من ولد عبد شمس يكلمان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فيما قسم من الخمس بين بتي هاشم وبنى المطلب فقال جبير: يارسول الله قسمت لإخواننا بنى المطلب ولم تعطنا شيئا وقرابتنا وقرابتهم واحدة.
فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:(إنما بنو هاشم وبنو المطلب شىء واحد). فقالوا: إذن لا يفرق بين حكمهم فى شىء أصلا لأنهم شىء واحد بنص كلامه عليه الصلاة والسلام، فصح أنهم آل محمد، وإذ هم آل محمد فالصدقة عليهم حرام، وخرج بنو نوفل وبنو عبد شمس وسائر قريش عدا هذين البطنين. وقال أصبغ بن الفرج المالكى: إن آل محمد الذين تحرم عليهم الصدقة هم جميع قريش وهم بنو قصى. وعن غيره من المالكية أنهم بنو غالب. وقال فقهاء الحنفية: إن آل محمد الذين تحرم عليهم الصدقة هم الذين ينتسبون إلى هاشم بأنفسهم أو بواسطة آبائهم دون من ينتسبون إليه بواسطة النساء. فأولاد البنات من آل محمد ليسوا من آل محمد ولا تحرم عليهم الصدقة، وبهذا قال جمهور الفقهاء ولا يعرف من خالف فى هذا إلا السيد المرتضى من فقهاء أهل البيت فقد قال: إن أولاد البنات من آل محمد - وإن كان آباؤهم من قوم آخرين - تحرم عليهم الصدقة ويكونون ممن يستحقون فى الخمس. وقد وافقه على ذلك جماعة من فقهاء الشيعة الإمامية ذكرهم صاحب جواهر الكلام وقال: إن بعض فضلاء الأعاجم قد ألف رسالة فى الانتصار لهذا المذهب. ولكن عدم دخولهم هو الأشهر الذى عليه عامة الإمامية.
وقال فقهاء الحنفية إن موالى آل محمد منهم وتحرم عليهم الصدقة، وهذا هو مذهب ابن حزم، وذلك لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استعمل رجلا من بنى مخزوم على الصدقة فأراد أن يصحبه أبو رافع مولى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأبى إلا أن يستأذن رسول الله عليه الصلاة والسلام فقال له: " إن الصدقة لا تحل لآل محمد وإن مولى القوم من أنفسهم ". أما مذهب أحمد ومذهب الشيعة الإمامية أن موالى آل محمد ليسوا من قرابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يكونون من آل محمد فتحل لهم الصدقة. وقال ابن قدامة فى المغنى: إن هذا قول أكثر العلماء.
ولا إختلاف بين الفقهاء فى أن أزواج بنى هاشم لسن من آل محمد فى هذا الباب فتحل لهن الصدقة. غير أن ابن قدامة قال إن الخلال روى بإسناده عن ابن أبى مليكة أن خالد بن سعيد بن العاص بعث إلى عائشة شعيرة من الصدقة فردتها وقالت: إنا آل محمد - صلى الله عليه وسلم -لا تحل لنا الصدقة. وهذا يدل على تحريمها على أزواج النبى- صلى الله عليه وسلم- وقد اتفق الفقهاء على أن الزكاة المفروضة صدقة محرمة على آل محمد فلا يحلى لأحد منهم أن يتناول منها إذا كان من الأصناف التى تستحق الزكاة لو لم يكونوا من بنى هاشم سوى صنف العاملين عليها ففيه اختلافهم كما سيجئ.
وقال الإمامية: إنها محرمة عليهم لا فرق فى ذلك بين أهل العصمة وغيرهم، وقد ورد فى الخبر الذى رواه أبو خديجة عن أبى عبد الله قوله: أعطوا الزكاة من أراد من بنى هاشم وإنما تحرم على النبى وعلى الإمام بعده وعلى الأئمة. فقالوا: إن فى سند هذا الخبر مقال، وبغض النظر عن ذلك فانه يجب طرحه، او حمله على. حال الضرورة، وهى حال لا تقوها بالنبي ولا بالأئمة، أو حمله على صدقة التطوع التى اختص منصب النبوة ومنصب الإمامة بالترفع عنها.
وجمهور الحنفية على أنه لا يحل لأحد من الآل أن يكون عاملا على الصدقة يتناول أجر عمله منها، وهذا هو مذهب الشافعى وأظهر الروايتين عن أحمد، ومذهب ابن حزم، ومذهب الإمامية، وإحتجوا فى هذا بقوله عليه الصلاة والسلام للفضل بن العباس وعبد المطلب بن ربيعة حينما سألاه أن يؤمرهما على بعض الصدقة ليصيبا كما يصيب غيرهما: أن الصدقة لا تنبغى لأل محمد إنما هى أوساخ الناس، وبحديث أبى رافع الذى سبق ذكره، وقالوا: إن الصدقة تخرج من مال المتصدق إلى الأصناف التي سماها الله تعالى فيملك العامل على الصدقة بعضها على أنه مصرف لها وعلى أنها صدقة وذلك لا يحل لأحد من آل محمد.
وقال الطحاوى: إن أبا يوسف كان يكره لبنى هاشم أن يعملوا عنى الصدقة إذا كانت جعالتهم منها وخالفه فى ذلك آخرون، فقالوا: لا بأس أن يعمل الهاشمي على الصدقة ويأخذ أجره منها لأنه إنما يملك أجره بعمله لا على أنه صدقة عليه، فالأجر لا يصل إليه باسم الصدقة، فهو كالصدقة إذا بلغت محلها ثم أهدى منها من أخذها - إلى من لا تحل له الصدقة فإنه يحل له تناول هذا وإن كان أصله الصدقة وساق فى بيان هذا حديث بريرة وغيره.
وقال فى حديث الفضل وصاحبه: قد يجوز أنه ما منعهما العمل على الصدقة إلا ليجنبهما العمل على أوساخ الناس لا لأن أخذهما أجرهما منها محرم عليهما،وقال أنه وجد ما يدل على ذلك وهو أن العباس سأله عليه الصلاة والسلام أن يستعمله على الصدقة فقال له: " ما كنت لأستعملك على غسالة ذنوب الناس " ثم قال إن هذا هو النظر وهو أصح مما قال أبو يوسف فى ذلك. وما ذهب إليه الطحاوى رواية عن أحمد، وقد وجهوها بأن أجر العامل عليها كأجر بيته لو استؤجر لتوضع فيه الصدقة.
وذهب فقهاء الحنفية إلى تحريم ما أوجبه اللّه سبحانه من الصدقة سوى الزكاة على آل محمد، فلا يجوز أن يصرف إليهم شئ من كفارة اليمين والظهار والقتل وجزاء الصيد وعشر الأرض، أخذا بعموم السنن التى وردت فى تحريم الصدقة على آل محمد، وهذا هو مذهب المالكية والشافعية وابن حزم وأحد وجهين فى مذهب أحمد وبه قال جماعة من الإمامية، وقال آخرون منهم: إن الحرمة قاصرة على الزكاة، وهذا هو الاحتمال لآخر فى مذهب أحمد.
وفى مؤلفات متأخري الحنفية عد النذر من الصدقة المحرمة على آل محمد من غير إشارة إلى خلاف فى ذلك. وهذا متفق مع أوجه الاحتمالين فى مذهب الشافعى، وصرح بعض الإمامية بأن من الصدقة المحرمة الصدقة الواجبة بالنذر، والصدقة الموصى بها، والهدى الواجب.
وواضح أن من يقولون بحرمة صدقة التطوع عليهم يقولون بحرمة هذا النوع من الصدقة عليهم. والاحتمال غير الوجيه فى مذهب الشافعية أن النذور تحل لهم. ومذهب أحمد أنه يجوز لهم الأخذ من الوصايا للفقراء ومن النذور لأنها من صدقة التطوع، فهم لا ينظرون إلا إلى إيجاب الشارع، أما إيجاب العبد على نفسه فإنه لا يخرج الصدقة عن أن تكون صدقة تطوع.
أما صدقة النفل أو التطوع فقد اختلفت بشأنها عبارات مؤلفى الحنفية. فالطحاوى بعد أن روى السنن الواردة فى التحريم قال: فدل ذلك على أن كل الصدقات من التطوع وغيره قد كان محرما على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعلى سائر بني هاشم، والنظر يدل على استواء حكم الفرائض واقع فى ذلك.
وذلك أنا رأينا غير بنى هاشم من الأغنياء والفقراء فى الصدقات المفروضات والتطوع سواء من حرم عليه أخذ صدقة مفروضة حرم عليه اخذ صدقة غير مفروضة فلما حرم على بنى هاشم أخذ الصدقات المفروضات حر م عليهم اخذ الصدقات غير المفروضات. فهذا هو النظر فى هذا الباب، وهو قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد رحمهم الله.
وقد اختلف النقل عن أبى حنيفة فى ذلك، فروى عنه أنه قال: لا بأس بالصدقات كلها على بنى هاشم.
وذهب فى ذلك عندنا إلى أن الصدقات إنما كانت حرمت عليهم من أجل ما جعل لهم فى الخمس من سهم ذوى القربى فما انقطع ذلك عنهم ورجع الى غيرهم بموت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حل لهم بذلك أخذ ما كان محرما عليهم من أجل ما كان قد أحل لهم.
وقد حدثنى سليمان بن شعيب عن أبيه عن محمد عن أبى يوسف عن أبى حنيفة فى ذلك مثل قول أبى يوسف، فبهذا نأخذ... هذا كلام الطحاوى وهو قاطع فى أن عن أبى حنيفة روايتين: رواية حرمة المفروضة والتطوع وإن انقطع حقهم فى الخمس. ورواية حلهما بعد موت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وانقطاع حقهم فى الخمس.
وهذا ما يقرره البابرتى فى " العناية "، فقد قال: وذكر فى " شرح الآثار " أن النافلة والمفروضة محرمتان عليهم عندهما وعن أبى حنيفة فيهما روايتان غير أنه نقل فى " فتح القدير " عن النهاية أن صدقه النفل تجوز لهم بالإجماع.
وجاء فيه أيضا أن جواز صدقة التطوع قد ورد فى " الكافى " من غير إشارة إلى خلاف.
وهذا هو ما صنعه صاحب الهداية أيضا، وقال الكمال: إنه قد ورد فى شرح الكنز " أنه لا فرق بين الصدقة الواجبة وصدقة التطوع. ثم قال: وقال بعضهم يحل لهم التطوع وقال الكمال أنه قد اثبت الخلاف على وجه يشعر بترجيح حرمة النافلة وهو الموافق للعمومات فوجب اعتباره. وفى العناية أن صاحب الفتاوى الكبرى أختار حرمة التطوع.
وقد حقق الكمال أن الوقف من صدقة التطوع بعد أن نقل أن فيه عند الحنفية أقوالاً ثلاثة: الجواز مطلقا،والمنع مطلقا، والجواز إذا سماهم حتي يكون كالوقف على الأغنياء. والقول بحرمة صدقة التطوع عليهم مذهب الشافعى ومذهب أبن حزم، وقول فى مذهب مالك وإحدى الروايتين عن أحمد. وحل هذه الصدقة لأل محمد هو المعتمد فى مذهب مالك مع الكراهة وهو أظهر الروايتين عن أحمد.
وقال الإمامية: أن صدقة التطوع محرمة على النبى وعلى الأئمة جائزة لغيرهم من آل محمد.
وقد وقفنا على ما جاء بإحدى الروايتين عن أبى حنيفة من حل المفترضة والتطوع لهم وما رأى الطحاوى أنه وجه ذلك عنده ". وهو انقطاع حقهم فى الخمس.
وأن الرواية الأخرى هى الحرمة فيهما وإن انقطع ذلك، وأن هذا هو قول أبى يوسف ومحمد والحرمة مع ذلك هى أيضا المذهب عند الشافعية.
أما رواية الحل فى الصدقتين فهى أيضا مذهب المالكية إذا أصابهم ضر ومذهب الإمامية، وقول فى مذهب الشافعية.
ومذهب الحنفية أن الصدقة لا تحل لهم وأن كانت من بعضهم لبعض وهذا مذهب المالكية أيضا.
وفى رواية عن أبى يوسف وأخرى عن أبى حنيفة حل الصدقة من آل محمد بعضهم لبعض، وذلك مذهب الإمامية.
وقال الشوكانى: أنه قد نقل فى البحر عن زيد بن على وعن المرتضى وأبى العباس والإمامية وأنه نقل فى الشفاء عن أبنى الهادي والقاسم، وقال إنه قول جماعة وافرة من أئمة العترة وأتباعهم وأولادهم، وأن البعض قد أدعى إجماع فقهاء الشيعة على ذلك، ولكنه أنكر هذه الدعوى وأفاض فى ردها واستنكار ما كان يجرى باليمن فى عهده (4)
مستحقو الخمس والفئ
أثبت الكتاب الكريم لذى القربى قربى رسول الله - صلى الله عليه وسلم- حقا فى خمس الغنائم بقوله تعالى: "واعلموا أنما غنمتم من شىء فإن لله خمسه وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل،إن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شىء قدير" (5).
وحقا فى الفئ بقوله تعالى: ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذى القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كى لا يكون دولة بين الأغنياء منكم، وما آتاكم الرسول فخذوه، وما نهاكم عنه فانتهوا، واتقوا الله، إن الله شديد العقاب ( (6).
وقد اختلف الفقهاء فى مقدار استحقاق ذى القربى، وفى مصير هذا الاستحقاق بعد موته عليه الصلاة والسلام وفى كثير من الأحكام المتصلة بهذا، فيرجع إلى معرفة ذلك كله فى مواد: " خمس. غنيمة. فئ".
وذوو القربى هم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم آل محمد الوارد ذكرهم فى تحريم الصدقة، فمن ذهب فيهم إلى رأى هناك قال به هنا ما عدا الحنفية الذين أخذوا هنا بحديث جبير بن مطعم الذى سبق إيراده هناك.
فهم هنا بنو هاشم وبنو المطلب عند الحنفية والشافعية وابن حزم، وفى قول عند المالكية ورواية فى مذهب أحمد.
وهم بنو هاشم (7) وحدهم إلا آل أبى لهب فى القول المشهور عند المالكية والرواية الأخرى فى مذهب أحمد، ونقل هذا عن عمر بن عبد العزيز وبه قال زيد بن أرقم وطائفة من الكوفيين، وإليه ذهب جميع أهل البيت ومن قال هناك بدخول أولاد البنات قال به هنا، ومن أخرجهم هناك أخرجهم هنا، ولم أر من عرض لذكر الموالى والأزواج هنا سوى قول ابن حزم ولا حق فيه لمواليهم ولا لخلفائهم ولا لبنى بناتهم من غيرهم.
الصلاة على آل محمد:
جمهور العلماء على أن الصلاة على آل محمد فى التشهد الأخير مندوبة والراجح من مذهب الشافعى إنها سنة، وقال الشيعة إنها واجبة فى التشهدين. ويرجع فى تفصيل ذلك إلى مادة " صلاة. تشهد ".
وقال الجمهور: أنه لا ينبغى لأحد أن يصلى على آل محمد استقلالا، وإنما الصلاة عليهم تكون تبعا للصلاة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -... فالآل فى ذلك كغيرهم من الناس.
واختلف العلماء فى معنى الآل فى هذا المقام ونظائره على أقوال كثيرة، فقيل هم الأزواج والذرية. وقيل هم الذين حرمت عليهم الصدقة وهم بنو هاشم وحدهم أو بنو هاشم وبنو المطلب. وقيل على فاطمة والحسنان وأولادهم. وقيل هم القرابة بغير تقييد وقيل هم الأمة جميعا. وقال النووى إن هذا أظهر الأقوال (8).
وفيما يتعلق بإجماع آل محمد وشرفهم وكفاءتهم ونسبهم يرجع إلى مواد "إجماع. كفاءة. نسب ".

__________

(1) أحكام الوقوف والصدقات للخصاف ص 36 ، 41 بدائع الصنائع للكسانى ج7 ص 351 وما بعدها
(2) مختصر خليل والشرح الكبير للدردير ج4 ص 94 - 432
(3) المغنى لابن قدامة ج6 ص 549،553،554،
الفروع لابن مفلح ج 6 ص886،888
كشاف القناع ج2 ص 467
(4) انظر: شرح معانى الآثار للطحاوى ج1ص297 وما بعدها.
بدائع الصنائع للكسانى ج2 ص44،49 الهدية وفتح القدير والعناية ج2 ص24،25 رد المختار لابن عابدين ج2 ص68،69.الطحطاوى على مراقى الفلاح ص700،701 من كتب الحنفية
وانظر: مختصر خليل والشرح الكبير للدردير ج1 ص493 وما بعدها،من كتب المالكية.
وانظر: المغنى لابن قدامة ج2ص519 وما بعدها ،من كتب الحنفية.
وانظر: المحلى لابن حزم ج6ص146 ،من كتب الظاهرية.
وانظر: نيل الأ وطار للشوكانى ج4ص146، شرائع الإسلام وشرحه جواهر الكلام ج3ص99 وما بعدها ،157 وما بعدها، من كتب الشيعة.
(5) سورة الأنفال:40
(6) سورة الحشر:6
(7) وانظر: مبسوط السرخسى ج10 ص 9. مختصر خليل والشرح الكبير ج2 ص 190. الوجيز للغزالى ج1 ص 173. التحفة لابن حجر ج 3 ص 80. المحلى لابن حزم ج7 ص 327. نيل الأوطار للشوكانى ج 8 ص 58. جواهر لكلام ج3 ص 157 وما بعدها.
(8) وانظر: الوجيز للغزالى ج1 ص 53. شرح الحلبى لمنية المصلى ص 3. جواهر الكلام ج2 ص 341 وما بعدها. نيل الأوطار ج2 ص 244.

(1/13)


آلة

التعريف بكلمة آلة:
جاء فى القاموس واللسان فى بعض معانى الآلة أنها ما اعتملت به من الأداة، يكون واحدا وجمعاً، والمراد " باعتملت " استعنت، ويفسرون الأداة بالآلة، ويقول ابن منظور (1) (إن أداة الحرب سلاحها..)
والآلة لا تخرج فى اصطلاح الفقهاء وتعبيراتهم عن هذا المعنى اللغوى، وإنما يذكرونها فى أبواب من الفقه لمناسبات يتعلق بالآلة فيها حكم شرعى، والذى يعنينا بيانه مما ورد مبعثرا فى كتب الفقه فى استعمال الفقهاء لكلمة آلة وما يتعلق بها من أحكام هو الآتى:
1- آلة الرى، وآلة الصناعة، فى كتاب الزكاة.
2- آلة الصيد، وآلة الذبح، فى باب الصيد والذبائح.
3- آلة القتل، وآلة الحد، فى الجنايات والقصاص والحدود.
4 - آلة القتال، فى الجهاد.
5- آلة اللهو، فى البيوع و الإجارة وما يتعلق بضمان المتلفات، والقطع فى سرقتها.
آلة الرى:
اتفق الفقهاء(2) فى زكاة الزروع والثمار على أن ما سقى بالأمطار وماء الأنهار بلا آلة وحب فيه العشر، وأما المسقى بآلة كالدلو والدولاب والساقية والناقة ونحو ذلك، فيجب فيه نصف العشر، لأن المؤنة تكثر فيه وتقل فيما يسقى بالسماء أو السيح.
وقد نقل أبو شجاع من الشافعية عن البيهقى الاجماع على ذلك، كما حكاه صاحب البحر الزخار من الزيديه وقال ابن قدامة الحنبلى لا نعلم فيه خلافا.
وفى مسلم: (وفيما يسقى بالسانية نصف العشر). والسوانى هى النواضح التى هى الإبل يستقى بها لشرب الأرض. وعن معاذ بن جبل رضى الله عنه قال: بعثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم الى اليمن، فأمرنى أن آخذ مما سقت السماء أو سقى بعلا العشر، ومما سقى بدالية نصفه العشر، إلا أن بعض المالكية لا يعتبرون النقالات من البحر وهى النطالة والشادوف على حد تعبيرهم من الآلات ويقول بعضهم أنها منها..
آلة الصناعة:
قال الأحناف (3):لا زكاة فى آلات المحترفين سواء كانت مما لا تستهلك عينه فى الانتفاع كالقدوم والمبرد، أو تستهلك ولا يبقى أثر عينه كالصابون للغسال ، أما ما يستهلك ويبقى أثر عينه كالعصفر والزعفران للصباغ والدهن والعفص للدباغ ففيه الزكاة إذا حال عليه الحول، ونصوا على أن مثل قوارير العطار ولجم الخيل و الحمير إن كان من غرض المشترى بيعها ففيها الزكاة وإلا فلا، وقريب من هذا يقول الشافعية (4) والحنابلة(5) و الإباضية(6) من آلات الصناعة لا زكاة فيها إلا إذا كانت للتجارة وأما مسلك المالكية. فإنهم يقولون فى العروض. بوجه عام- ويدخل فيها آلات الصناعة - أنه لا زكاة فيها مطلقا إلا فى عرض تلك بمعاوضة مالية وتملكه بنية التجارة ولو صاحبها نية الإقتناء بشرط إلا تكون فى عينه زكاة أخرى، وقالوا(7): لا زكاة فى المباخر والمراود والمكاحل ونحوها إذا اتخذت كراء إلا إذا كان كراء محرما.
وأما ابن حزم فيصور مذهب الظاهرية (8) بقوله: إن السلف اتفقوا على أنه لا زكاة فى كل ما اكتسب للقنية. مثل آلات الصناعة، لا للتجارة من آنية وسلاح وغير ذلك كله لا تحاشى منه شيئا.
ولم نقف للشيعة الإمامية على ذكر لآلات الصناعة بين ما تجب فيه الزكاة أو تستحب إلا فى شمول قول صاحب الروضة البهية (9) " وتستحب الزكاة فى مال التجارة، وقيل تجب " فمفهومه أن الآلات إذا كانت لغير التجارة لا زكاة فيها.
ويقول الزيدية (10): لا تجب الزكاة فى غير أجناس عشرة عدها صاحب البحر،وليس منها آلات الصناعة إلا لتجارة أو استغلال، وهذا يفيد أنها لا تجب فيها الزكاة إلا إذا اتخذت للتجارة أو الاستغلال.
آلة الصيد:
قد تكون آلة الصيد حيوانا معلما يصاد به كالكلب، وقد تكون جمادا كالسهام والنبال ونحوها، ولكل من النوعين شروط و اعتبارات قد تختلف باختلاف المذاهب.
الاصطياد بالحيوان المعلم:
الأصل فيه قول الله تعالى: " قل أحل لكم الطيبات، وما علمتم من الجوارح مكلبين، تعلمونهن مما علمكم الله، فكلوا مما أمسكن عليكم وأذكروا اسم اللّه عليه (11) ".
وقد اتفق الفقهاء على أنه يجوز الاصطياد بالكلب المعلم ويحل صيده بشروط مبينة
فى موضعها من كتب الفقه، انظر " صيد " واختلفوا فى جواز الاصطياد ببعض الحيوانات الأخرى.. أنظر جارح.
وإليك بيان الحكم فى المسألتين فى المذاهب.
أجمع فقهاء المذاهب على خل الصيد بكل ذى ناب من السباع ومخلب من الطير بشرط كونه معلما، ما عدا الزيدية. فإنهم يجيزون الاصطياد بالكلب والفهد لا غير، ويضاف إليهما الأسد والنمر إن قدرنا على قبولهما التعليم قياسا على الكلب، وعدا الأباضية كذلك فإنهم يجيزون الإصطياد بغير السبع كالهر.
كما أجمعوا على وجوب التسمية الا أن للفقهاء اعتبارات واشتراطات فى التعليم، وفى بعض شروط أخرى... انظر " تذكية ".
آلات الصيد غير الحيوان المعلم:
لاخلاف بين الفقهاء(12) فى جواز الاصطياد بالشبكة والشرك، وإلجاء الصيد إلى مضيق لا يفر منه، وبالسهام والنبال والرماح، وبكل محدد وإن كان له ثقل كالمعراض والحجر بشرط أن يقتل بحده ولم يجيزوا الصيد بالبندقة الثقيلة ولو كانت محددة- والمراد بالبندقة الكرة من الطين المجمد-، لأنها تقتل بثقلها، ويقولون: إن مثقل الحديد وغير الحديد سواء إن خرق حل وإلا فلا.
وخالف الظاهريه إذ أجازوا الاصطياد بالبندقة والحجر ونحوهما مما لا يقتل بحده إذ يقول أبن حزم (13) فى تصوير المذهب: إن كل ما شرد فلم يقدر عليه من حيوان البر كله وحشيه وانسيه لا تحاشى شيئا لا طائرا ولا ذا أربع مما يحل كله، فان ذكاته أن يرمى بما يعمل عمل الرمح أو عمل السهم أو عمل السيف أوعمل السكين فإن أصاب بذلك فمات قبل أن تدرك ذكاته فأكله حلال.
ثم ذكر حديث عدى بن حاتم وقد سأل النبى صلى الله عليه وسلم عن المعراض فقال: " أذا أصاب بحده فكل، وإذا أصاب بعرضه فقتل فانه وقيذه فلا تكل ".
ثم قال: وقد اختلف الناس فى هذا، فقال عمار بن ياسر إذا رميت بالحجر أو البندقة ثم ذكرت اسم الله فكل، ونقل مثله عن سعيد ابن المسيب ، ونقل عن عمر بن الخطاب خلاف هذا... ثم قال إن من ذهب إلى قول عمار وسعيد يحتج بقول الله تعالى: " ليبلونكم الله بشئ من الصيد تناله أيديكم ورماحكم (14) ".
ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم لأبى ثعلبة الخشنى: " ما أصبت بقوسك فاذكر أسم الله عليه وكل ".
ثم قال: إنه لا حجة فى حديث عدى بن حاتم لأنه لا يحل ترك نص لنص، ورجح مذهب القائلين بإباحة الصيد بالبندقة ونحوها بإطلاق ..
ثم قال: ومن نصب فخا أوحبالة أوحفر زبية للصيد فكل ما وقع من شىء من ذلك فهو له.
ويقول الدسوقى المالكى: فيما يتعلق بصيد بندق الرصاص " أن الصيد ببندق الرصاص لم يوجد فيه نص للمتقدمين لحدوث الرمى به بحدوث البارود فى وسط
المائة الثامنة، وأختلف فيه المتأخرون ، فمنهم من قال بالمنع قياسا على بندق الطين، ومنهم من قال: بالجواز لما فيه من الإنهيار والإجهاز بسرعة ".
وقد نص الحابلة على أنه لا يجوز صيد السمك بالنجس كالعذرة ، وعلى كراهة الصيد بالخراطيم وكل ما فية الروح، وعلى جواز أن يطعم الصيد ما يسكره.
آلة الذبح:
نص الأحناف (15) على حل الذبح بكل ما أفرى الأوداج- أى قطعها- وأنهر الدم - أى أساله- ولو بقشرة قصب إلا السن والظفر إذا كانا قائمين، ولو كانا منزوعين حل مع الكراهه ، ويندب إحداد الشفرة. ولم يخالف الزيدية (16) والأباضية (17) والحنابلة 4 فى هذا، إلا أنهم أطلقوا القول بمنع الذبح بالسن والظفر حيث نصوا على أن تكون الآلة محددة، وألا تكون سنا ولا ظفرا، كما نص الإباضية على أن الذبح بالسكين الكالة منهى عنه.
ووافقهم الشافعية على ذلك وزادوا عدها جواز الزبح بالعظام.
يقول صاحب الاقناع (18): تجوز الذكاة بكل ما يجرح كمحدد حديد وقصب وحجر ورصاص وذهب وفضة، إلا بالسن والظفر وباقى العظام متصلا كان أو منفصلا من آدمى أو غيره.
ونصوا على حل الذبح بالسكين الكالة بشرط ألا يحتاج القاطع إلى قوة الذبح (19).
أما المالكية (20): فيوافقون على جواز الذبح بالحديد المحدد.، وبكل محدد غيره اذا لم يوجد الحديد، وعلى ندب الاحداد قبل الذبح، ألا أنهم يجيزون الذبح بالعظم والسن متصنلين أو منفصلين، ويقول بعضهم أن محل الجواز أن أنفصلا ومنعها بعضهم مطلقا كالحنابلة والشافعية، إلا أن المالكية يقولون: أن محل الخلاف عندهم إن وجدت آلة للذبح غير الحديد، فإن وجد الحديد تعين، وإن لم يوجد غيرهما جاز جزما.
ويوافق الجعفرية المالكية فى ذلك حيث قالوا (21): يجب التذكية الاختياريه أن تكون الآلة حديدا يفرى الأعضاء ويخرج الدم، فان تعذر الحديد جاز بما يفرى الأعضاء كالليطة. وهى القشر الأعلى للقصب، المتصل به، و المروة الحادة- وهى حجر يقدح النار- والزجاج ، وكذا ما أشبهها من الآلات الحادة غير الحديد لما نقل عن الصادق قال: إذبح بالحجر والعظم والقصبة (22) والعود إذا لم تصب الحديد إذا قطع الحلقوم وخرج الدم، ومثله عن الكاظم وفى السن والظفر متصلين أو منفصلين للضرورة قول بالجواز.
أما مسلك الظاهرية فيصوره ابن حزم إذ يقول (23): التذكية جائزة بكل شىء إذا قطع قطعة السكين، أو نفذ نفاذ الرمح سواء فى ذلك العود المحدد والحجر الحاد والقصب الحاد وكل شئ حاشا آلة أخذت بغير حق، وحاشا السن والظفر وما عمل منهما منزوعين أو غير منزوعين، وإلا عظم الخنزير
والحمار الأهلى ، أو عظم سبع من ذوات الأربع أو الطير حاشا الضباع، أو عظم "انسان فلا يكون حلالا ما ذبح أو نحر بشىء مما ذكرنا.
والتذكية جائزة بعظم الميتة، وبكل عظم جاشا ما ذكرنا، وهى جائزة بمدى الحبشة، فلو عمل من ضرس الفيل سهم أو رمح أو سكين لم يحل أكل ما ذبح أو نحر لأنه سن، فلو عملت من سائر عظامه حل الذبح والنحر بها.
آلة القتل فى الجنيات:
آلة القتل العمد عند أبى حنيفة السلاح وما أجرى مجرى السلاح، كالمحدد من الخشب و ليطة القصب و المروة المحددة والنار، ويستدل على أن ذلك هو العمد، بأن العمد هو القصد، ولا يوقف على القصد إلا بدليله، وهو استعمال الآلة القاتلة، فإذا كانت الآلة غير السلاح ولا ما أجرى مجرى السلاح فهى آلة شبه العمد.
وقال أبو يوسف ومحمد: أن من آلة العمد أن يضربه بحجر عظيم أو بخشبة عظيمة أو ما إلى ذلك مما يقتل غالبا، وأما آلة شبه العمد، فهى ما لا يقتل غالبا، لأنه يتقاصر معنى العمدية باستعمال آلة صغيرة لا يقتل بها غالبا لأنه يقصد بها غيره، كالتأديب ونحوه، فكان شبه عمد (24).
وفى التنوير وشرحه الدر وحاشية أبن عابدين عليه (25): ومما يعتبر آلة للعمد عند أبى حنيفة الحديد والسيف والسكين والرمح والخنجر والنشابة والإبرة فى مقتل ،
وجميع ما كان من الحديد سواء كان يقطع أو يبضع كمطرقة الحداد والزبرة ، سواء كان الغالب منه الهلاك أم لا، ولا يشترط الجرح فى الحديد فى ظاهر الرواية لأنه وضع للقتل، وروى الطحاوى عن الإمام اعتبار الجرح فى الحديد، قال صدر الشهيد وهو الأصح ورجحه فى الهداية وغيرها قال ابن عابدين: وعلى كل فالقتل بالبندقة الرصاص عمد لأنها من جنس الحديد وتجرح، ونقل الحصكفى عن شرح الوهبانية ان كل ما به الذكاة فيه القود و إلا فلا ، ونقل عن البرهان: أن الحديد غير المحدد كالسنجة فيه روايتان أظهرهما أنها عمد.
ومن آلات القتل العمد عند الامام أيضا الابرة فى المقتل قال فى الاختيار (26): روى أبو يوسف عن أبى حنيفة فيمن ضرب رجلا بإبرة وما يشبهها عمدا فمات لا قود فيه، وفى المسلة ونحوها القود لأن الإبرة لا يقصد بها القتل عادة بخلاف المسلة.
وفى روايه أخرى أن غرز بالإبرة فى المقتل قتل و إلا فلا، وفى البزازية غرزة بابرة حتى مات يقتض به لأن العبرة للحديد، وقال فى موضع آخر: لا قصاص إلا إذا غرزه فى المقتل وكذا لو عضه 0
والشافعية كالصاحبين يقولون: أن آلة القتل العمد ما يقتل غالبا جارحا كان أو مثقلا، وينصون على أنه يدخل فى المثقل التجويع والسحر والخصاء فيكون هذا.
من قبيل القتل العمد، أما آلة القتل شبه العمد فهى ما لا يقتل غالبا، ومثلوا له بالضرب بالسوط وبالعصا الخفيفة فى غير مقتل وبالابرة كذلك.
والحنابلة لا بختلفون عن ذلك (27) ، قال أبن قدامة: " إن القتل العمد يكون بمحدد يقطع. ويدخل فى البدن كالسيف والسكين والسنان وما فى معناه مما يحدد فيجرح من الحديد والنحاس والرصاص والذهب والفضة والزجاج والقصب والخشب، فهذا كله إذا جرح به جرحا كبيرا فمات فهو- قتل عمد، وكذلك غير المحدد مما يغلب على الظن حدوث الزهوق به عند استعماله " ثم يقول: إن غير المحدد يتنوع أنواعا منها المثقل الكبير الذى يقتل مثله غالبا سواء أكان من حديد كالسندان والمطرقة أو حجر ثقيل أو خشبة كبيرة، ومن هذا النوع الحائط والصخرة، ومنها المثقل الصغير كالعصا والشوط والحجر الصغير إذا كان فى مقتل أو فى حال ضعف من المضروب أو فى زمن مفرط الحر أو البرد، أو كرر الضرب حتى قتله، ومنها أن يمنع نفسه كأن يجعل فى عنقه حبلا ثم يعلقه فى خشبة أو شئ بحيث يرتفع عن الأرض فيختنق ويموت سواء مات فى الحال أو بقى زمنا لأن هذا أسرع أنواع القتل، وهو الذى جرت العادة بفعله من الولاة مع بعض المفسدين، ومنها أن يخنقه وهو على الأرض بيديه أو منديل أو حبل أو بوسادة أو شىء يضعه على فمه أو أنفه أو يضع يده عليهما فيموت، ومنها أن يلقيه فى مهلكة ويدخل فيه ما اذا ألقاه من شاهق كرأس جبل أو حائط عال يهلك به غالبا فيموت، ويدخل فيه أن يلقيه. فى نار أو ماء يغرق ولا يمكنه التخلص منه أما لكثرة الماء أو النار واما لعجزه عن التخلص لمرض أو صغر أو كونه مربوطا أو منعه الخروج، أو كونه فى حفيرة لا يقدر على الصعود منها، ويدخل فيه ان يجمع بينه وبين أسد أو نمر فى مكان ضيق فيقتله، وكذلك إذا حبسه فى مكان ومنعه من الطعام والشراب مدة لا يبقى فيها حتى يموت، وكذالك اذا سقاه سما فمات، وكذلك إذا قتله بسحر يقتل غالبا، كما يدخل فيه أن يتسبب فى قتله بما يقتل غالبا أن يكره رجلا على اقتل آخر فيقتله، أو يشهد رجلان على رجل، - أى شهادة زور- بما يوجب قتله فقتل
- وأما آلة شبه العمد فهى ما لا يقتل غالبا كالضرب بالسوط والعصا والحجر الصغير والوكز باليد وسائر ما لا يضل غالبا اذا كان بقصد الضرب لا القتل.
اما المالكية (28): فمسلكهم أن آلة القتل الموجب للقصاص هى المحدد والمثقل والقضيب والسوط إن فعله لعداوة أو غضب ومات من ذلك، وكذلك الخنق ومنع الطعام والشراب بقصد الإمانة ، وكذلك طرح غير محسن للعوم فى نهر عداوة، وكذلك البئر يحفرها الرحل وكذلك المزلق كقشرة البطيخ إذا قصد الضرر مع هلاك المقصود، وكذلك الكلب العقور والاكراه فإن الشخص المكره على القتل يعتبر آلة إذا كان لا يمكنه المخالفة، وكذلك الطعام المسموم يقدمه الشخص العالم به لغير العالم به فيتناوله فيموت، وكذلك الحية يرميها على شخص فيموت. وقال الدسوفى (29): انه إذا أشار بآلة القتل إلى شخص فهرب فطلبه فمات فإما أن يموت بدون سقوط أو يسقط، وفى كل ذلك إما أن يكون بينهما عداوة أو لا،فإن لم يكن عداوة فليست بآلة تحل موجبة للقصاص، وإن كان بينهما عداوة فهى آلة قتل موجب للقصاص.
والعبرة عند الظاهريه (30) فى العمد أن تكون آلة مما قد يمات بمثله وقد لا يمات بمثله، مع التعمد، فإذا تعمد بما لا يموت به أحد أصلا لم يكن عمدا ولا خطأ.
ولا يبعد الشيعة الجعفريه عن مسلك الظاهرية فهم يقولون (31): إن آلة القتل العمد ما يقتل به غالبا أو نادرا إذا اتفق به القتل، نظرا لأن العمد يتحقق بقصد القتل من غير نظر إلى الآلة فانه إذا لم يقصد به القتل وإن اتفق الموت كالضرب بالعود الخفيف والعصا الخفيفة فى غير مقتل اعتبر القتل شبه خطأ...
ويقولون أيضا أنه لو كرر ضربه بما لا يحتمل مثله بالنسبة إلى بدنه وزمانه فهو عمد، وكذا لو ضربه دون ذلك فاعقبه مرض فمات أو رماه بسهم أو بحجر غامز
أى كابس على البدن بثقله، أو خنقه بحبل ولم يرخ عنه حتى مات، أو بقى المخنوق ضمينا- أى مزمنا- ومات بذلك، أو طرحه فى النار فمات، أو فى اللجة فمات منها ولم يقدر على الخروج.
أو جرحه عمدا فسرى الجرح عليه ومات، أو ألقاه من مكان شاهق أو قدم له طعاما مسموما يقتل مثله ولم يعلمه، أو جعله فى منزله ولم يعلمه به، أو حفر بئراً بعيدة القعر فى الطريق، أو فى بيته ودعا غيره إلى المرور عليها مع جهالته بها فوقع فمات، أو أغرى به كلبا عقورا فقتله ولا يمكنه التخلص... إلى غير ذلك مما لا يخرج عن ما ورد فى كتب المالكية والحنابلة.
ومسلك الزيدية: أن آلة القتل الخطأ ما مثله لا يقتل فى العادة، والعمد ما مثله يقتل فى العادة، ويقولون (32) أن كل ما يحصل عقبه الموت فهو إما شرط أو علة أو سبب. فالشرط كمن حفر بئرا أو أعطى سكينا أو نصب سلما فتوصل به القاتل إلى القتل فلا شىء على فاعل الشرط إلا التوبة ، و أن حصل الموت عقب علة من غير واسطة كالإغراق وإصابة المقتل، أو بواسطة كجرح قاتل بالسراية إلى المقتل فهو موجب للقود ، وأما السبب فمنه ما يشبه المباشرة كالإكراه وشهادة الزور وتقديم الطعام المسموم،(33) وهذا موجب للقصاص، وما لا يشبهه كحفر بئر فى الطريق فيوجب الديه. ولا يختلف مذهب الإباضية فى جملته عن الشافعية والحنابلة إلا أن الإباضية يذكرون. قولا بأن آلة شبه العمد ما ليس من شأنه القتل كالسوط والعصا واللطمة والوكز، أو ما من شأنه القتل لكن ليس بقصد القتل كفعل الذابح لولده، أو يكون على صفة القتل وتتقدمه القرائن على عدم القتل كالمصارعة.
آلة القصاص:
ونص الأحناف (34): على أن القصاص يكون بالسيف إن كان القتل بغيره، ونقل فى الدر عن الكافى أن المراد بالسيف السلاح وذكر أيضا أن ذلك هو ما صرح به فى كتاب " المضمرات " في باب الحج حيث قال: اننا ألحقنا الرمح والخنجر بالسيف فى قوله عليه الصلاة والسلام: " لا قود إلا بالسيف ". كما نصوا (35): " على أن آلة القصاص فى العين بعد ذهاب ضوئها المرآة المحماة مع وضع قطن رطب على عين الجانى الذى يراد القصاص منها، وان ذلك مأثور عن جماعة من الصحابة.
ونصوا أيضا على أن القصاص فى السن يكون بالمبرد بأن تبرد به سن الجانى بقدر ما كسر من المجنى عليه ".
ووافق الإباضية الأحناف فى هذا المسلك فقالوا (36) " ويقتص بمثل السيف كالخنجر والموسى والشفرة الحادة، و لايستعمل الكليل فى القصاص ولو كانت الجنايه بآلة كالة إلا إذا وجدت بعينها عند القصاص، ويضيفون إلى ذلك أن الجانى اذا فر أو امتنع جاز أن يسلط عليه سبع أو كلب ". كما نصوا (37): على أن من فقئت عينه أو تلفت نتيجة عدوان فإن المقتص يجعل على وجه المقتص منه مانعا من حرارة النار لم يحمى مرآة هندية فيمسكها مقابلها حتى تسيل، ويصح باليد إذا لم يتجاوز ما فعل به، ويقولون فى السن عند القصاص أنها تنشر بمبرد حتى تساويها أو تساوى اللثة.
وعلق على ذلك شارح كتاب " النيل " بقوله: لايحسن شىء من هذا، والواجب الدية.
أما الحنابلة (38) ففى روايه عن أحمد أن القصاص لا يستوفى"إلا بالسيف فى العنق وهو مذهب الشيعة الجعفرية (39) و الزيدية (40) يستدلون بحديث " لا قود الا بالسيف،" رواه ابن ماجة، و الرواية الأخرى عن أحمد: أن القصاص يعتمد المماثلة (41) لأن الجانى أهل لأن يفعل به كما فعل قوله تعالى: " وان عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به"(42). وقوله: " فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم (43) ".
ولأن النبى صلى الله عليه وسلم رض رأس يهودى- أى هشمها- لرضه رأس جارية من الأنصار، ولما روى أنه قال: " من حر ق حرقناه (44).. " إلخ. وهو مذهب الشافعية والمالكية والظاهريه (45) ، ورأى أورده الشيعة الجعفريه عن أبن الجنيد ، وان كان بعضهم يختلف فى بعض استثناءات وتصويرات تصورها كتبهم.
يقول الشافعية (46): "إن من قتل بمحدد كسيف أو غيره كحجر أو خنق أو تجويع ونحوه كتغريق بماء ملح أو عذب اقتص بمثله أن شاء وله العدول إلى السيف وإن لم يرض الجانى لأنه أسرع، ولو تعذر معرفة آلة القتل فهل يؤخذ باليقين أو يعدل إلى السيف الأصح الأول. وأن كان القتل بسحر تعين فى آلة القصاص سيف غير مسموم، وان قتله بانهاش أفعى قتل بالنهش فى أرجح القولين وعليه تتعين تلك الأفعى، فإن فقدت فمثلها، والخمر واللواط يتعين فى كل منهما السيف فى الأصح. والظاهر أنه لو قتله- بالغمس فى الخمر لم يفعل به مثله لأن التضمخ(أى التلطخ) بالنجاسة حرام.
وقيل: لو قتل بشرب الخمر يوجر فى القاتل مائع كخل أو ماء حتى يموت، ويقولون أنه يتعين بالسيف جزما فيما لا مثل له. كما لو جامع صغيرة فى قبلها فقتلها، و لوذبحه كالبهيمة جاز قتله بمثله فيما يظهر خلافا لابن الرفعة من تعين الصف.
ويقولون (47): لا قصاص يكسر السن كما لا قصاص فى كسر العظام إلا إذا كان لأهل الصنعة آلات قطاعة.
وقالوا (48): لو أوضحه فذهب ضوء عينه أوضحه، فإن ذهب الضوء فيها وإلا أذهب بأخف ممكن كتقريب حديدة محماة من حدقة عينه ، أو وضع كافور فيها.
ويقول المالكية (49): ان آلة القصاص تكون بمثل ما قتل به ولو نارا، إلا إذا ثبت القتل بقسامة فيقتل بالسيف، وكذلك القتل بخمر أو لواطة أو سحر، أو ما يطول كمنعه طعاما أو ماء حتى مات، فإنه يقتص بالسيف، والقصاص من القاتل بالسم فيه
وجهان:- قيل يقتل بالسيف وقيل يقتل به ويجتهد فى قدره. ويقولون كالشافعية: إن مستحق الدم إذا طلب أن يقتص من الجانى بالسيف فانه يجاب الى ذلك سواء الجانى قتل بالسيف أو غيره، حتى لو قتل بأخف من السيف خلافا لابن عبد السلام. ويقولون (50): فيمن أذهب بحر غيره والعين قائمة إن آلة القصاص ما يستطاع به إذهاب البصر بحيلة من الحيل.
آلة الرجم:
أتفق الفقهاء ماعدا الإباضية على مشروعية رجم الزانى المحصن بالحجارة المتوسطة التى هى دون الكبيرة وفوق الصغيرة.
إلا أن لهم مسالك فى التصوير وفى التوسعة أو التضييق نوردها فيما ننقله من كتبهم، فيقول الأحناف (51): أن آلة حد الزنا للمحصن الرجم بالحجارة حتى يموت.
وينص المالكية (52) على كون هذه الحجاره متوسطة بين الصغير والكبير دون الصغار خشية التعذيب والعظام خشية التشويه ، ويقول الحنابلة (53): أن آلة الرجم تكون بالحجارة وغيرها.
ونص الشافعية (54): على أنها تكون بالمذر (أى الطين المتحجر) وبنحو خشب وعقم، والأولى كونه بنحو حجارة معتدلة بأن يكون كل منها يملأ الكف، ويحرم حجر كبير مذفف لتفويته المقصود من التنكيل، ويحرم صغير ليس له كبير تأثيرا ولطول تعذيبه.
ويقول الشيعة الجعفريه (55): ان آلة حد الزنا القتل بالسيف ونحوه للزانى بالمحترم النسبى كالأم والأخت وللذمى إذا زنا بالمسلمة مطاوعة أو مكرهة، والزانى مكرما للمرأة، ولا يعتبر الاحصان فى هذه المسائل الثلاث كما تكون عقوبه حد الزنا الرجم بالحجارة المتوسطة وهذا بالنسبة للمحصن إذا زنا ببالغة عاقلة.
ونصوا(56): على أنه لا يجوز الرجم بغير الحجا رة.
والزيديه ينصون (57) على أن الرجم بالنسبة للزانى المحصن يكون بالحجارة المتوسطة ويجزئ ضرب الرقبة بالسيفه إذ القصد القتل.
أما الإباضية فليس لهم كلام فى الرجم لأنهم لا يقولون به.
وأما الظاهريه فلم نقف على أكثر من قولهم بالرجم للزانى المحصن دون تعرض لما يكون به الرجم.
آلة الجلد:
نص الأحناف (58) على أن آلة الجلد سوط لا ثمرة له، أى لا عقده ويكون فى جريمة الزنا لغير المحصن والقذف والنشرب.
كما نصوا (59) على أن من كان حده الجلد وهو مريض أنتظر حتى يبرأ لأنه إذا كان مريضا لحقه الضرر أكثر من المستحق عليه، وكذا إذا كان الحر شديدا والبرد شديدا.
والشافعية (60) يوافقون الأحناف على أن الجلد بالسوط لغير المريض إلا إذا كان لا يرجى برؤه، فإنه يجلد عندهم بعثكال(أى عرجون) عليه مائة غصن، فإن كان عليه خمسون ضرب به مرتين بحيث تمس الأعضاء جميعها ، فان برئ أجزاءه.
كما نصوا (61) على أنه يجوز جلد القوى السليم بسوط أو أيد أو نعال أو أطراف الثياب إذا كانت الأطراف مشدودة مفتولة، وقيل يتعين السوط لأن الزجر لا يحصل إلا به، ولا يجوز السوط فى المريض.
ثم نصو على أن سوط الحدود و التعازير يكون بين قضيب(أى غصن رقيق) وعصا غير معتدلة، وبين رطب ويابس، ليحصل به الزجر مع أمن الهلاك، ويمتنع بخلاف ذلك لما يخشى من شدة ضرره او عدم ايلامه.
وينص الحنابلة (62) على أن آلة الجلد السوط الوسط الذى ليس بخلق ولا جديد وإن خيف من الوسط لم يتعين فيقام بطرف ثوب وعثكول نخل.
وينص أبن قدامة على التفرقة بين حد الخمر وغيره فيقول (63): أن آلة الجلد السوط ولا نعلم فى هذا خلافا بين أهل العلم غير حد الخمر ، فأما الخمر فقال بعضهم يقاما الحد فيه بالأيدى والنعال وأطراف الثياب.
قال: وذكر بعض أصحابنا أن للامام فعل ذلك إن رآه.
ثم قال: ولنا أن النبى صلى الله عليه وسلم قال:إذا شرب الخمر فاجلدوه. والجلد إنما يفهم من اطلاق الضرب بالسوط، ولأنه أمر بجلده، كما أمربجلد الزانى فكان بالسوط مثله.
والخلفاء الراشدون ضربوا بالسياط وكذلك غيرهم فكان اجماعا.
أما المالكية (64) فقالوا: إن آلة الجلد فى الحدود مطلقا سوط له رأس لين لا رأسان، ولا يجزئ فيها القضيب ولا الشراك، أى النعل، ولا الدرة،وإنما كانت درة عمر للتأديب.
والشيعة الجعفريه (65) سلكوا مسلكا قريبا من الحنابلة إذا قالوا: إن آلة الجلد للصحيح السوط وللمريض الضغث ، وهى جملة من العيدان ونحوها المشتمل على العدد المعتبر فى الحد وضربه به دفعة واحدة مؤلمة بحيث يمسه الجميع أو تكبس بعضها على بعض فيناله ألمها، ولو لم تسع اليد العدد أجمع ضربه به مرتين فصاعدا إلى أن يكمل ولا يشترط وصول كل احد من العيدان إلى بدنه، ولو احتمل سياطا خفافا فهى أولى من ا لضغث ، و الظاهر الاجتزاء فى الضغث بمس المضروب به مع حصول الألم به فى الجملة. و إن لم يحصل بآحاده.
ويرى الظاهرية (66): أن آلة الجلد فى الزنا والقذف سوط أو حبل من شعر أو كتان أو قنب أو صوف أو قضيب من خيزران أو غيره، أما آلة حد الخمر فتى كما ورد فى الحديث أن النبى صلى الله عليه وسلم جلد فيها بالجريد والنعاد ، وفى حديث آخر أنه قال فى الشارب: أضربوه. فمنا الضارب بيده والضارب بنعله والضارب بثوبه.
فالجلد فى الخمر خاصة يكون بذلك، فأى شئ رآه الحاكم من ذلك فحسن، ولا يمتنع أن يجلد فى الخمر بسوط لا يكسر ولا يجرح ولا يعفن لحما.
ونصوا (67) على أن من كان مريضا أو ضعيفا جدا جلد بشمروخ فيه مائة عثكول جلدة واحدة، أو فيه ثمانون عثكولا كذلك، ويجلد فى الخمر أن اشتد ضعفه بطرف ثوب على حسب طاقة كل أحد ولا مزيد، ثم قال: وبهذا انقطع بأنه الحق..
والزيدية (68) ينصون على أنه لا يكون الجلد بخشبة لئلا يكسر عظما بسوط أو عود بين الرقيق والغليظ والجديد والعتيق، خلى من العقد فإن أيس ضربه بعثكول
أن احتمله لأمر الرسول أن يأخذوا مائة شمراخ فيضربوه بها ضربة واحدة، ولابد أن
يباشره كل ذيوله ليقع المقصود، وقيل يجزئ وإن تداخلت ولا يجزئ بالنعال وأطراف الثياب.
والإباضية فى آلة حد الشرب يأخذون بما رو ى عن أنس أن النبى صلى الله عليه وسلم أوتى برجل قد شرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين. قال وفعله أبو بكر، فلما كان عمر استشار الناس فقال عبد الرحمن بن عوف أخف الحدود ثمانون، فأمر به عمر رضى الله عنه.
وعن على فى قصة الوليد بن عقبة جلد النبى صلى الله عليه وسلم أربعين وأبو بكر أربعين وعمر ثمانين، وكل سنة،وهذا أحب إلى (69).
آلة القطع فى حد السرقة:
لم نقف لفقهاء المذاهب عن بيان لآلة القطع إلا ما جاء فى كتب الزيدية (70): عن آلة القطع فى حد السرقة إذ قالوا يشد فى الكف حبل وفى الساعد الآخر، ويجذب كل إلى ناحية حتى يبين المفصل ويظهر مفصل الكف، ثم يقطع بحاد قطعة واحدة إذ القصد الحد لاالتعذيب وقالوا: إنه يندب حسم موضع القطع بزيت أو سمن أو قطران مغلاة بالنار ويكون بإذن السارق، فإن كره لم يحسم.
وقد جاء فى كتب الأحناف (71) والمالكية (72) والشافعية (73) وصف الحسم الذى يحدث بعد القطع، غير أن كتب الشافعية التى بأيدينا تنقل عن الماوردى الشافعى: أنه خص الغمس فى زيت أو دهن بأهل الحضر، أما البدو فيحسم بالنار لأنه عادتهم.
آلة التعزير:
الفقهاء(74) متفقون على أن التعزير يكون بالسوط وغيره مما يراه ولى الأمر أو من يقوم مقامه كالضرب بالدرة والصفع بالكف مبسوطة أو بجمع الكف أو بالحبس وبغير ذلك.
آلة القتل:
يقول الله تعالى: " وأعدوا لهم ما أستطعتم من قوة ومن رباط الخيل (75) " قال المفسرون: أن المراد بالقوة ما يتقوى به فى الحرب.
وعن ابن عباس أن القوة أنواع الأسلحة.
وقال عكرمة: هى الحصون والمعاقل، وفى الحديث: " ألا إن القوة الرمى ".
وهى تشمل كل ما يرمى به العدو من سهم أو قذيفة وغير ذلك (76).
ومن الآلات الواردة فى كتب الأحناف: المجانيق تنصب على الأعداء والنبال يرمون بها ونحو ذلك.
قال ابن عابدين (77): إنها تركت اليوم للاستغناء عنها بالمدافع الحادثة والرصاص فى زماننا.
ومما نص عليه الشافعية (78): أن العدو يرمى أيضا بالنار، وأن من آلات الحرب
الدروع.
وزاد أبن قدامة(79) أن من آلات الخرب الخيل و الابل والفيلة ونحوها، كما أن منها الأظافر لقول عمر رضى الله عنه: " وفروا الأظافر فى أرض العدو فانه سلاح ".
وقال الحكم بن عمرو: أمرنا رسول الله ألا نحفى الأظافر فى الجهاد.
ونص المالكية: (80) أن من آلات القتال السيف والرمح وقطع الماء عليهم حتى يغرقوا وبالنار أن لم يمكن بغيرها وقد خيف منهم ولم يكن فيهم مسلم.
ونصوا على تحريم القتال بالنبال المسمم والرمح المسمم وغيرهما وجاء فى بلغة السالك (81): المرد بآلة القتال جميع أنواع الأسلحة وما ألحق بها كالقلاع.
ونصوا أيضا على منع بيع آلة الحرب للحربيين من سلاح وكراع وسرج وكل ما يتقوى به فى الحرب من نحاس وغيره.
ونص الشيعة الجعفرية: (82) على هدم الحصون و كراهة إرسال الماء على العدو ومنعه عنهم، و إرسال النار، أما إلقاء السم فيحرم إن أمكن بدونه، ويجوز أن توقف عليه الفتح.
أما الزيدية (83): فأجازوا أيضا الاحراق و الاغراق إن تعذر السيف، كما أجازوا الرمى بالحيات والعقارب والمبارزة.
وجاء فى النيل وشرحه فى فقه الإباضية(84): والدفاع يكون بما قدرت عليه وإن بلا سلاح إن لم يجد أو عوجل عليه أو كان الدفع بغيره أولى له.
ثم قال (85): وأفضل السلاح السكين ثم السيف ثم الرمح. والأفضل فى كل نوع أشده قطعا... وإن لم يمسك الأفضل فلا إثم.
وليس من السلاح عصا لم يكن فى رأسها التى يضرب بها حديد، وأن كان فى رأسا حديد فهى سلاح ولو لم يكن قاطعا، ولا درع ولا درقة و مغفر ونحوهن وما يتصحب فى القتال.
آلة اللهو:
وقال قبل ذلك (86): ويرفع العدو عن نفسه أو ماله أو عنهما بما قدر عليه مما يرجون الدفع ومثل لذلك.
نقل الأحناف (87) عن الإمام تضمين من يكسر معزفا وهو آلة لهو كبربيط ومزمار ودف وطبل وطنبور وأنه يصح بيعها كلها. لأنها أموال متقومة لصلاحيتها للانتفاع بها فى غير اللهو فلم تناف الضمان وعن الصاحبين أنه لا ضمان بالمتلف ولا يصح بيعها وعليه الفتوى.
ونصوا على أن طبل الغزاة والصيادين والدف الذى يباح فى العرس مضمون اتفاقا.
ونص الكاسانى (88): على جواز بيع آلات الملاهى عند أبى حنيفة، لكنه يكره، وعند الصاحبين لا ينعقد بيعها لأنها معدة للتلهى بها.
ثم قال: وعلى هذا الخلاف بيع النرد والشطر نج.
قال الكاسانى: والصحيح قول أبى حنيفة لأن كل واحد منهم منتفع به شرعا ، بأن يجعل صنجات للميزان.
وفى ابن عابدين (89) لا تصح الاجارة لأجل المعاصى مثل الغناء والنوح و الملاهى كالمزامير والطبل وإذا كان الدل لغير اللهو فلا بأس به كطبل الغزاة والعرس والقافلة.
وفيه عن البزازيه (90): استماع صوت الملاهى كضرب قضيب ونحوه حرام لقوله صلى الله عليه وسلم: " استماع الملاهى معصية".
وفى التنوير وشرحه (91): لا قطع فى سرقة آلة اللهو ولو كان طبل الغزاة لأن صلاحيته للهو صار شبهة تمنع القطع.
وعلق ابن عابدين بأنه لا خلاف فى ذلك لعدم تقومها عندهما حتى لا يضمن متلفها، وعنده وإن ضمنها لصلاحيتها لغير اللهو إلا أن يتأول اخذها للنهى عن المنكر.
والشافعية كالصاحبين من الأحناف فى عدم القطع فى سرقة آلات اللهو معللين ذلك بأنه توصل إلى إزالة المعصية.
وقالوا (92): اذا بلغ " مكسره " نصابا فيقطع لأنه سرق نصابا، ولو كسر إناء الطنبور ثم أخرجه قطع أن بلغ نصابا، وكذلك لا يصح بيع آلات اللهو المحرمة عندهم ولا يباح استعمالها إلا للضرورة فيما اذا أخبره الطبيب العدل بأن هذا المرض يزول بسماعها "(93).
وفى نهاية المحتاج (94): يصح بيع نرد صاح- لبيادق شطرنج من غير كبير كلفة فيما يظهر بر وبيع جاريه غناء محرم، وقيل يصح بيع هذه الألات ان اعتبر مكسبرها مالا لأن فيها نفعا متوقعا
أما المالكية (95): فيقولون فى القطع تعتبر القيمة بالبلد التى بها السرقة، والمجرة بالتقويم شرعا بأن تكون المنفعة التى لأجلها التقويم شرعية ويرتبون على هذا أن آلات اللهو لو كانت لا تساوى الثلاثة دراهم، التى هى نصاب القطع عندهم، دون اللهو وكانت معها تساويها فلا قطع على سارقها. ونصوا (96) على كراهة اكراء دف ومعزف ويشمل المزمار والإعداد لعرس، وقيل يجوز فى النكاح، ولا يلزم من جوازها جواز كرائها.
والراجح أن الدف والكيرة جائزان لعرس مع كراهة الكراء ، وأن المعازف حرام كالجميع فى غير النكاح فيحرم كراؤها. ونصوا (97) فى البيع على أن من شروط صحه البيع فى المعقود عليه الطهارة و الإتنفاع به والإباحة وعدم النهى. والحنابلة(98) كالشافعية والصاحبين، فهم يقولون: من كسر مزمارا أو عودا أو طبلا أو دفا بصنوج أو نردا فلا ضمان لأنه لا يحل. بيعه، ومثل ذلك آلة السحر أو التعزيم أو التنجيم عندهم.
ويقولون (99) بعدم القطع فى آلة اللهووان بلغت قيمته نصابا مفصلا.
ونصوا (100) على حرمه بيع الأمة للغناء أو اجادتها ، وأشباه ذلك، على ان العقد يعتبر باطلا.
ونصوا (101) على أنه لا تجوز اجارة ما منفعته محرمة كالمزمور والنوح والغناء. قال ابن قدامة به وبه قال مالك والشافعى وأبو حنيفة وصاحباه وأبو ثور.
أما مذهب الطاهرية فيصوره أبن حزم بقوله (102): بيع الشطرنج والمزامير والمعازف والطنابير والعيدان حلال، ومن كسر شيئا- من ذلك ضمنه الا أن يكون صورة مصورة فلا ضمان على كاسرها. وكذلك بيع الجوارى المغنيات وأبتياعهن لأن الله تعالى قال" وقد فصل لكل ما حرم عليكم "(103). ولم يأت نص بتحريم بيع شىء من ذلك، ويقول أبن ص ما (104): لا يحل ببع النرده.. والصور ألا للعب الصبايا فقط.
والجعفرية (105): يحرمون بيع آلات اللهو من الدف والمزمار والقصب وغيرها ، وآلات القمار كالنرد والشطرنج وبيع الخشب لتصنع منه آلات محرمة.
والزيدية: ينصون(106). على كراهة بيع الخشب للمزامير ونحوها، كما نصوا (107) على أنه يضمن ما يصح تحوله لاما لا قيمة له ولا آلات الملاهى للمسلم، ويجب تكسير الآلات وان لم يظهرها لتحريمها عليه، ولا يجوز أحراقها أذ فيه اتلاف مال ولا يكفى تقطيع الأوتار بل ترض بالحجارة وقيل يكفى ازالة تأليفها بحيث يجتاج الى اعادة صنعتها، فان أزال تأ ليفها وبقيت أكسارها تنفع فى مباح ضمنها الكاسر لها
ثانيا.
ونصوا (108) على أنه لا قطع فى طبل الملاهى لا طبل الحرب لصحه تملكها ولا قطع فى النرد والشطرنج.
والأباضيه كما فى النيل وشرحه يقولون (109):
يجعل الحاكم أو نحوه على كل سوق قائما بمصالحه يعبر عليهم موازينهم و مكاييلهم ، كما يكسر المزمار والطبل ونحوه... لأن ابقاءه ضرر.

__________

(1) راجع القاموس المحيط لمحمد بن يعقوب الفيروزآبادى ، لسان العرب لمحمد بن منظور.
(2) راجع فى الفقه الحنفى " فتح القدير على الهداية، للكمال بن الهمام ج 2 ص 2 مطبعة مصطفى محمد، حاشيه ابن عابدين على الدر المختار شرح تنوير الأ بصار ج2 ص53- 55 المطبعة الميمنية سنه 1307هجرية وفي فقه الشافعية تحفة الحبيب للبجرمى على الاقناع فى حل ألفاظ أبى شجاع طبع القاهرة سنه1294 وفي فقه الحنابلة المغنى لابن قدامة ج 2 ص698 طبع دار المنار سنه 1367هجرية، وفى فقه المالكية حاشية الدسوقى على الشرح الكبير للدردير ج1 ص449 المطبعة الإزهرية بمصر، وفي فقه الظاهرية المحلى لابن حزم ج 5 ص 256هجرية مطبعة الإمام بالقاهرة ، وفي الفقه الاباضى كتاب الوضع لابى زكريا الجناوى 179- 180 الطبعة الأولى مطبعة الفجالة الجديدة بمصر، وفي الفقه الزيدى البحر الزخار الجامع لمذاهب علماء الأمصار لأحمد بن يحيى المرتضى ج 2 ص168 - 170 مطبعة السعادة بالقاهرة سنه 1366هجرية، وفى فقه الشيعة الجعفرية الروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الجبعى العاملى ج1ص126 طبعة دار الكتاب العربى.
(3) راجع الفتح والهداية ج1 ص 489 ، حاشية ابن عابدين ج2 ص9.
(4) الاقناع: ج2 ص 274.
(5) المغنى: ج3 ص 30.
(6) الوضع: ص 184.
(7) حاشية الدسوقى على شرح الدردير: ج1 ص 472.
(8) المرجع السابق: ص 460.
(9) المحلى: ج5 ص 214.
(10) الروضة البهية: ج1 ص 121.
(11) البحر الزخار: ج2 ص 145.
(12) سورة المائدة: 4
(13) حاشية ابن عابدين الحنفى على الدر المختار ج5 ص 320 ، وحاشية البجرمى على الاقناع للخطيب الشافعى ج4 ص 256 ونهاية المحتاج وحواشيه ج8 ص 116 ، وحاشية الدسوقى على شرح الدردير المالكى ج2 ص 103 ، والمغنى لابن قدامه الحنبلى ج8 ص 551 -564 ، والبحر الزخار ج4 ص 299 ، الروضة البهية ج2 ص 265 ، شرح كتاب النيل ج2 ص 559
(14) المحلى لابن حزم ج7 ص 539 -547 مسألة (01067)
(15) سورة المائدة:94
(16) حاشية أبن عابدين ج5 ص 304.
(17) البحر الزخار ج4 ص 306.
(18) شرح كتاب النيل ج2 ص 520.
(19) المغنى ج8 ص 573.
(20) الاقناع للخطيب الشافعى مع حاشية البجرمى ج4 ص 256.
(21) المرجع السابق ص 252.
(22) حاشية الدسوقى على شرح الدردير ج2 ص 107.
(23) الروضة البهية ج2 ص 167.
(24) المحلى ج7 ص 527 مسألة 1051.
(25) الهداية ج4 ص 128 طبعة المطبعة الخيرية بالقاهرة سنة 1326هجرية
(26) حاشية ابن عابدين ج5 ص 369 - 371.
(27) حاشية ابن عابدين ج5 ص 270.
(28) المنهاج وحواشيه ج7 ص 236 ، الاقناع وحاشية البجرمى ج4 ص 102 - 103.
(29) المغنى ج7 ص 637-647.
(30) حاشية الدسوقى ج2 ص242 -244
(31) المرجع السابق ج3 ص244.
(32) المحلى ج10 ص417.
(33) الروضة البهية ج2 ص397 - 398.
(34) البحر الزخار ج5 ص215 ، 216.
(35) شرح كتاب النيل ج8ص92 ، 94.
(36) تنوير الأبصار والدر مع حاشية أبن عابدين ج5 ص 376 تكملة الفتح على الهداية والعناية.
(37) بهامشه ج8 ص 260 ، الكنز بشرح العينى ج2 ص 302 مطبعة وادى النيل بمصر سنة 1299 هجرية.
الكنز لشرح العينى ج2 ص 305 تكملة الفتح ج8 ص270 ، 271.
(38) شرح كتاب النيل وشفاء العليل ج8 ص 203 ، 206.
(39) المرجع السابق ج8 ص219 ، 2200.
(40) المغنى ج7 ص 685.
(41) الروضة البهية ج2 ص414.
(42) البحر الزخار ج5 ص 235,237.
(43) المغنى ج7 ص685.
(44) سورة النحل:126.
(45) سورة البقرة: 194.
(46) المحلى ج10 ص 450
(47) المنهاج وحواشيه ج7 ص 289.
(48) الاقناع حاشية البجرمى ج4 ص 911.
(49) نهاية المحتاج وحواشية ج7 ص 272.
(50) حاشية الدسوقى على الدردير ج4 ص 265.
(51) المرجع السابق ج4 ص 253.
(52) الهداية ج2 ص72.
(53) الدسوقى على الدردير ج4 ص 320 ، بلغة المسالك ج2 ص 392.
(54) المغنى ج8 ص 158.
(55) المنهاج وحواشيه ج7 ص 413.
(56) الروضة ج2 ص352.
(57) المرجع السابق ص 255.
(58) البحر الزخار ج5 ص158.
(59) الفتح على الهداية ومعه العناية ج4 ص 121 ، 126 ،158 ، 186 ، 190.
(60) الجوهرة النيرة على القدروى ج2 ص240 طبعة سنة 1301 بالقاهرة.
(61) المنهاج وحواشية ج7 ص414.
(62) المرجع السابق ج8 ص13.
(63) منتهى الارادات ج2 ص457 ، 458.
(64) المغنى ج8 ص512 ، 515.
(65) بلغة السالك ج2 ص407 ، الدسوقى ج4 ص 354.
(66) الروضة ج2 ص 358.
(67) المحلى ج11ص206- 209.
(68) المحلى ج11 ص213.
(69) البحر الزخارج5 ص155.
(70) شرح النيل ج7 ص652.
(71) البحر الزخار ج5ص188.
(72) أبن عابدين ج3 ص224.
(73) حاشية الدسوقى ج4 ص332.
(74) نهاية المحتاج ج7 ص444.
(75) أبن عابدين ج3 ص242 الوقاية نتاج الشريعة وشرحها لجنيد ، صدر الشريعة عبيد الله بن مسعود مطبوع بهامش كشف الحقائق على الكنز الطبعة الأولى سنة 1318 بالمطبعة الادبية ، المنهاج و حواشية ج8 ص19 ، الأحكام السلطانية للمأوردى ص226 ، منتهى الارادات ج2 ص 478 ، المغنى ج8 ص 324، 326، حاشية الدسوقى على الدردير ج4 ص355 ، المدونة ج16 ص49، 50 تبصره الحكام لابن فرحون ج2 ص184 وص 207 الطبعة الأولى بمصر ، المحلى ج11 ص206 ، 207 ، الروضة البهية ج2 ص389 ، البحر الزخار ج5 ص211.
(76) سورة الأنفال:60.
(77) المحلى ج10 ص414 -415.
(78) حاشية ابن عابدين ج3 ص242.
(79) نهاية المحتاج ج8 ص61.
(80) المغنى ج8 ص448 ، ج8 ص409.
(81) حاشية الدسوقى ج2 ص177 -178 ،ج3 ص7
(82) المرجع السابق ج1 ص332.
(83) الروضة البهية ج1 ص219.
(84) البحر الزخار ج5 ص398.
(85) ج7 ص631.
(86) ج7 ص633.
(87) ج7ص483.
(88) متن التنوير والدر وحاشية أبن عابدين ج5 ص146.
(89) البدائع ج5 ص 146.
(90) أبن عابدين ج5 ص37
(91) المرجع السابق ج5 ص 242.
(92) ج5 ص216 مع حاشية ابن عابدين.
(93) الاقناع للخطيب وحاشية البجرمى ج4 ص32.
(94) حاشية البجرمى على الإقناع ج3 ص8.
(95) ج3 ص 384.
(96) حاشية الدسوقى مع شرح الدردير ج4 ص334.
(97) المرجع السابق ج4 ص18.
(98) المرجع السابق ج3 ص10.
(99) المغنى ج 5ص 278 ، منتهى الارادات ج1 ص256.
(100) المغنى ج8 ص 273.
(101) المغنى ج4 ص223.
(102) المغنى ج5 ص 502.
(103) المحلى ج9 ص66 -68.
(104) سورة الأنعام:119.
(105) المرجع السابق ج9 ص29 -30.
(106) الروضة البهية ج1 ص271.
(107) البحر الزخار ج3 ص300.
(108) المرجع السابق ج4 ص174.
(109) شرح النيل ج7 ص200.

(1/14)


آمة

الآمة فى اللغة (1) هى الشجة التى تفضى إلى أم الدماغ وأم الدماغ جلدة رقيقة مفروشة عليه متي انكشفت عنه مات من أصابه ذلك غالبا.
ولا يختلف معنى الآمة فى الفقه عن معناها اللغوى، ومن ذلك قول الحنابلة: الآمة والمأمومة شىء واحد.
قال ابن عبد البر: أهل العراق يقولون لها الآمة، وأهل الحجاز: المأمومة، وهى الجراحة الواصلة إلى أم الدماغ.
سميت أم الدماغ لأنها تحوطه وتجمعه. فإذا وصلت إليها سميت آمة ومأمومة ويوافقهم فى هذا الاستعمال الحنفية والشافعية والمالكية والظاهرية والشيعة والجعفرية والزيدية. (2) ويزيد الإباضية فيطلقون على الأمة أيضا. " الناقبة " و " اللآمة " لما فيها من معنى اللفظين(3).
أحكام الآمة
حكم القصاص فى عمدها
قال الإمام مالك فى " الموطأ ": الأمر المجتمع عليه عندنا أن المأمومة والجائفة ليس فيها قود
(أى قصاص) وعلق عليه شارحه أبو الوليد. الباجى فقال: " وبهذا قال أكثر الفقهاء، وهو المروى عن أبى بكر الصديق رضى الله عنه، قال ابن المواز: أجمع جميع الفقهاء على ذلك إلاَ ربيعة. والدليل على ما نقوله أن معني القصاص أن يحدث عليه مثل ما جني، ولما كان الغالب من هذه الجناية أنها لا تقف على ما انتهت اليه فى المجني عليه بل تؤدى إلى النفس (أى إلى إزهاقها) لم يجز القصاص فيها لأن قصد القصاص يكون قصدا إلى أتلاف النفس ". وإلى هذا ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة والزيدية وهو الراجح فى مذهب الإمامية (4).
وقد خالفه فى ذلك أبو محمد على بن حزم الظاهرى (5) إذ يرى أنه يقتص فى عمد الآمة كما يقتص من سائر جراح العمد إلا أن يعفو صاحب الحق ويتصالح لأن النص عام فى قوله تعالى: ( والجروح قصاص ((6) بضم الحاء، وفى قوله تعالى: ( والحرمات قصاص، فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم ((7) ( وماكان ربك نسيا ((8).
فلو علم الله تعالى أن شيئا من ذلك لا يمكن فيه مماثلة لما أجمل لنا أمره بالقصاص فى الجروح جملة ولم يخص شيئا منها.
الحكم فى الآمة:
الحنفية والمالكية والحنابلة والزيدية يقولون: يجب فى الآمة ثلث الدية لا فرق بين عمدها وخطئها ويستدلون بما ورد فى كتاب النبى - صلى الله عليه وسلم - إلى أهل اليمن وهو الذى رواه عمرو بن حزم عن أبيه من قوله " وفى المأمومة ثلث الدية " وبأدلة أخرى (9) يقررها ابن قدامة.
والراجح فى مذهب الشافعية (10) أنه لا يجب فيها إلا ثلث الدية خلافا لمن يرى أن فيها مع الثلث حكومة(ما يقدره خبير وهو الأرش المقدر) لخرق غشاوة الدماغ كما أن فى الجائفة الثلث والحكومة.
والإباضية يقولون (11): فى المأمومة ثلث الدية ويفرقون بين الخطأ والعمد فيقولون " ولا تأديب فى الخطأ ولا قصاص، وأما العمد ففيه التأديب ولو بتعزير أو نكال مع الأرش أو العفو "
وأما ابن حزم الظاهرى (12): فيرى أنه لا تجب دية فى شىء مما دون النفس خطأ ويقول بعد تقريره أن القصاص واجب فى كل ما كان بعمد من جرح أو كسر.
وبقى الكلام: هل فى ذلك العمد دية يتخير المجنى عليه فيها أو فى القصاص أم لا وهل فى الخطأ فى ذلك- دية مؤقتة(أى معينة من الشارع مبينة) أما لا؟ قال على(يعني نفسه): فنظرنا فى هذا فوجدنا الله تعالى يقول: " وليس عليكم جناح فيما خطأتم به، ولكن ما تعمدت. قلوبكم (13) "
وعن ابن عباس قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: (ان الله تجاوز لى عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه). وقال اللّه تعالى: ( لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ألا أن تكون تجارة عن تراض منكم (14) (.
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:(إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم وأبشاركم عليكم حرام) فصح بكل ما ذكرنا أن الخطأ كله معفو عنه لا جناح على الإنسان فيه، وإنما الأموال محرمة، فصح من هذا ألا يوجب على أحد حكم فى جنايه خطأ، ألا أن يوجب ذلك نص صحيح أو إجماع متيقن وإلا فالأموال محرمة والغرامة ساقطة لما ذكرنا.
الحكم فى الآمة تقع على العبد:
الحنفية (15): إذا جنى أحد على العبد آمة ففى المذهب قولان: أحدهما وهو الصحيح وظاهر الرواية أن أرشها ثلث قيمة العبد بالغة ما بلغت.
الثانى: وهو الذى فى عامة الكتب وجزم به فى الملتقى أن الأرش هو ثلث القيمة غير أنه لا يزاد على ما يجب للحر من الدية بل يجب أن ينقص ثلثه عن ثلث دية الحر بثلاثة دراهم وثلث درهم، وذلك أخذا بأثر ابن مسعود الذى يقرر أنه " لا يبلغ بقيمة العبد دية الحر وينقص منه عشرة دراهم " وهذا كالمروى عن النبى - صلى الله عليه وسلم- لأن المقادير لا تعرف بالقياس، و إنما طريق معرفتها السماع من صاحب الوحى.
ولما كان المقدر نقصه فيما يقابل بالدية الكاملة من قيمة العبد هو عشرة دراهم كان الذى ينقص من الثلث إذا بلغ ثلث الدية هو ثلاثة دراهم وثلث درهم.
وفى مذهب الحنابلة (16): إذا كان الفائت بالجناية على العبد مؤقتا فى الحر ففيه عن أحمد روايتان إحداهما أن فيه ما نقصه بالغا ما بلغ، وذكر أبو الخطاب أن هذا هو اختيار الخلال.
والأخرى: وهى ظاهر المذهب أن فيه من القيمة بمقدار ما للحر من الدية، وعلى هذا يكون فى الآمة تقع على العبد ثلث قيمته...
وفى مذهب الشافعية(17): قولان كما فى مذهب الحنابلة، أرجحهما أن فى الجناية على العبد من القيمة ما للحر من الدية، وعلى هذا يكون فى الآمة ثلث القيمة. والقول الثانى: وهو القديم، ان فيها ما نقص من القيمة نظرا إلى انه مال.
اما المالكية والزيدية والإمامية والإباضية فيرون أن ما وجب فيه للحر ثلث الدية كالأمة فيه ثلث القيمة من العبد(18).
ويرى ابن حزم الظاهرى (19): أنه إذا جنى أحد على عبد أو أمة خطأ ففى ذلك ما نقص من قيمته بأن يقوم صحيحا مما جنى عليه ثم يقوم كما هو الساعة ويكلف الجانى أن يعطى مالكه ما بين القيمتين وإذا جنى أحد عليهما عمدا. ففى ذلك القود وما نقص من قيمتهما، أما القود فللمجنى عليه وأما ما نقص من القيمة فللسيد فيما اعتدى عليه من ماله.
الواجب فى الآمة يحدثها العبد:
يقول الحنفية (20): إذا جنى عبد جناية دون النفس) كالآمة مثلا (عمداً أو خطأ فمولاه بالخيار بين أن يدفعه إلى ولى الجناية فيملكه بجنايته وبين أن يفديه بأرشها، وذلك لما روى عن ابن عباس أنه قال: " إذا جنى العبد فمولاه بالخيار ان شاء دفعه وإن شاء فداه "..
واختلفوا هل الواجب الأصلى هو دفع العبد او هو فداؤه على قولين أولهما هو الصحيح كما فى الهداية والزيلعى، ويترتب على القول الأول أن يسقط الواجب بموت العبد، وعلى القول الثانى " أن السيد لو اختار الفداء ولم يقدر عليه أداه متى وجد ولا يبرأ بهلاك العبد.
وإذا فدى السيد عبده ثم جنى العبد بعد ذلك جناية أخرى فحكمها كالأولى بالتفصيل الذى ذكرناه لأنه لما فداه عن الأولى صارت كان لم تكن، وكانت الجناية الثانية كالمبتدأة ، فإن جنى جنايتين دفعه بهما الى وليهما أو فداه بأرشهما "
والمالكية يقولون: إذا جنى الآمة عبد على حر فثلث الدية فى رقبة العبد أى أن العبد تتعلق جنايته بنفسه لا بذمته ولا بذمة سيده، فهو فيما جنى، فإن شاء سيده أسلمه فيها وأن شاء فداه بأرشها ولا يطالب السيد ولا العبد بشئ إذا زاد ثلث الدية عن قيمته.
وإذا كانت جناية العبد على عبد فكذلك غير أن الثلث. الواجب هنا هو ثلث قيمة العبد المجنى عليه فيخير سيد العبد الجانى بين ان يسلم عبده لولى الجناية أو يفديه (21). والشافعية يقولون (22): إذا جنى العبد جناية موجبة للمال ومنها الآمة تعلق المال برقبته لا بذمته والسيد بالخيار بين بيعه بنفسه أو تسليمه للبيع وبين أن يفديه بأقل الأمرين من قيمته وأرش الجناية فان لم يفعل باعه القاضى وصرف الثمن الى المجنى عليه وإذا سلمه للبيع وكان الأرش يستغرق قيمته بيع كله وإلا فبقدر الحاجة إلا أن يأذن التقيد أو لم يوجد من يشترى بعضه.
والحنابلة يقولون (23) ": إذا جنى العبد آمة أو غيرها فعلى سيده أن يفديه أو يسلمه فإن كانت الجناية أكثر من قيمته لم يكن على سيده كثر من قيمته. وقال ابن قدامة تعليقا عليه وتعليلا للحكم فى الموضع نفسه: هذا فى الجناية التى تودى بالمال أما لكونها لا توجب إلا المال وأما لكونها موجبة للقصاص فعفا عنها إلى المال، فان جناية العبد تتعلق برقبته، إذ لا بخلو من أن تتعلق برقبته او ذمته أو ذمة سيده أو لا يجب شىء، ولا يمكن إلغاؤها لأنها جناية آدمى فيجب اعتبارها كجناية الحر، ولأن جناية الصغير والمجنون غير ملغاة مع عذره وعدم تكليفه، فجناية العبد أولي، ولا يمكن تعلقها بذمته لأنه أفضى إلى إلغائها أو تأخير حق المجني عليه إلى غير غايته، ولا بذمة السيد لأنه لم يجن فتعين تعلقها برقبة العبد. ولأن الضمان موجب جنايته فتعلق برقبته كالقصاص ثم لا يخلو أرش الجناية من أن يكون بقدر قيمته فما دون أو كثرا، فإن كان بقدرها فما دون فالسيد مخير بين أن يفدية بأرش جنايته أو يسلمه الى ولى الجناية فيملكه، لأنه إن دفع أرش الجناية فهو الذى وجب للمجنى عليه فلم يملك المطالبة بأكثر منه، وإن سلم العبد فقد أدى المحل الذى تعلق الحق به " ولأن حق المجني عليه لا يتعلق بأكثر من الرقبة وقد أداها، وإن طالب المجنى عليه بتسليمه إليه وأبى ذلك سيده لم يجبر عليه لما ذكرنا. وأن دفع السيد عبده فأبى الجانى قبوله، وقال بعه وأدفع إلى ثمنه فهل يلزم ذلك ؟ على روايتين، و أما إن كانت الجناية كثر من قيمته ففيه روايتان: إحداهما: أن سيده يخير بين أن يفديه بقيمته أو أرش جنايته وبين أن يسلمه. والرواية الثانية: يلزمه تسليمه إلا أن يفديه بأرش جنايته بالغة ما بلغت.
والزيديه (24):- عندهم روايتان عن على إحداهما إذا جنى العبد جناية لا قصاص فيها ومنها الآمة لا يلزم سيده أكثر من ثمنه فإذا اختار ولى الدم الأرش فليس على سيده الا تسليم قيمته فقط ما لم تعد دية الحر.
وهذا مذهب الهادى والمؤيد وحجته ما رواه زيد بن على عن أبيه عن جده عن على قال فى جناية العبد لا يلزم سيده أكثر من ثمنه ولا يبلغ بدية عبد دية حر والأخرى أن السيد بخير بين تسليم العبد للمجنى عليه فيسترقه وبين أن يسلم له كل الأرش بالغا ما بلغ.
وقد روى هذه الرواية الأخيرة محمد ابن منصور بأسانيده عن الحارث عن على ولا شىء على السيد إن امتنع المجنى عليه من قبول العبد، فلو باعه أو اعتقه بعد ذلك لم يلزمه إلا قدر قيمته والزائد على العبد يطالب به إذا اعتق بخلاف ما إذا باعه او أعتقه قبل ذلك فانه يكون اختيار منه لالتزام الأرش فيلزمه جميعه، وكذا لو أخرجه عن ملكه بأى وجه من وجوه التصرف بعد علمه بالجناية فهو مختار وعليه الأرش وتصرفه صحيح وأن كان لا يعلم فعليه الأقل من- قيمته ومن أرش الجناية وأن مات العبد قبل ان يختار سيده لم يلزم المولى شىء من أرش الجناية. ويقول الإمامية (25): جناية العبد تتعلق برقبته ولا يضمنها المولى، وللمولى فكه بأرش الجناية ولا تأخير لمولى المجنى عليه ولو كانت الجناية لا تستوعب قيمته تأخير المولى فى دفع الأرش أو تسليمه ليستوفى المجنى عليه قدر الجناية استرقاقا أو بيعا. والإباضية يقولون (26): إذا أحدث العبد جرحا (كآمة) مثلا فان كان الأرش الواجب فيها مساويا لقيمة العبد أو أكثر كانت لرب العبد الخيار فى أن يعطيه العبد الجانى أو يعطيه قيمته وإن كان للأرش الواجب أقل من نفس العبد كان للمجنى عليه أرشه الواجب له فقط، وهو هنا الثلث ثلث الدية إن كانت الجناية على حر وثلث- القيمة إن كانت الجناية على عبد.
ويرى ابن حزم الظاهرى (27): أن جناية العبد التى يترتب عليها مال هى فى مال العبد أن كان له مال، فإن لم يكن له مال ففى ذمته يتبع به حتى يكون له، مال فى رقَه أو بعد عتقه وليس على سيده فداؤه لا بما قل ولا بما كثر ولا إسلامه فى جنايته ولا بيعه فيها.

__________

(1) لسان العرب مادة (أمم).
(2) المغنى فى فقه الحنابلة ج9 ص 446 طبعة المنار بمصر سنه 1348 ، الاختيار شرح المختار لابن مودود الموصلى الحنفى طبعة الحلبى سنة 1355 بمصر ج2 ص 372 ، الأنوار فى فقه الشافعى للإردبيلى المطبعة اليمنية بمصر سنة 1326 ج2 ص 253 ، وشرح اللمعة الدمشقية فى فقه الإمامية للعاملى مطبوع بمصر سنة 1378 ج2 ص 442 ، الروض النضير فى فقه الزيدية للصنعانى مطبعة السعادة بمصر سنة 1349 ج4 ص 257، والمحلى لابن حزم الظاهرى مطبعة منير بمصر سنة 135 2 ج10 ص 461.
(3) كتاب النيل فى فقه الإباضية ج8 ص10
(4) انظر شرح الباجى على الموطأ مطبعة السعادة بمصر سنة 1332 ج7 ص88 وبهامشه الموطأ ، الدور المختار طبع استانبول ج5 ص512 فى عدم القصاص وص 510 فى ترتيب الشجاع والأنوار ج2 ص253 والمغنى ج9 ص446،والمختصر النافع للجعفرية طبع مصر سنة 1378 ص315،والروضة البهية شرح اللمعة الدمشقية ج2ص442،وشرح الروض النضير ج4 ص258 وشرح كتاب النيل ج2ص208
(5) المحلى ج10ص461
(6) سورة المائدة:45.
(7) سورة البقرة:194
(8) سورة مريم:64
(9) المغنى ج9 ص646 ،الاختيار شرح المختارج22 ص، 174وأقرب المسالك ج2ص372 والروض التفسير ج4 ص257،258.
(10) شرح المنهاج طبعة الحلبى ج4 ص133.
(11) كتاب النيل ج 8 ص13
(12) المحلى ج10 ص403 وما بعدها.
(13) سورة الأحزاب:5
(14) سورة النساء:29
(15) الدر المختار ج5 ص547 وحاشية ابن عابدين عليه
(16) المغني ج9ص667
(17) شرح المنهاج ج4 ص144
(18) المالكية أقرب المسالك ج2 ص383.الزيدية الروض النضير ج4 ص270. الإمامية المختصر النافع ص317. الإباضية كتاب النيل ج8ص58
(19) المحلى ج 8 ص 142، 149.
(20) الدر المختار ج5 ، ص 539 ، وحاشية ابن عابدين علية
(21) شرح أقرب المسالك للدر دير ج2 ص 370 ، والباجى على الموطأ ج7 ص 21 وشرح أبى الحسن على رسالة أبى زيد القيروانى وحاشية العدوى علية ج2 ص 337.
(22) الأنوار للإردبيلى ص 279
(23) مختصر الإمام أبى القاسم الخرقى - متن المغنى ج9 ص 511، 512 من الطبعة السالفة الذكر
(24) الروض النضير ج4 ص 283 ، 284
(25) المختصر الناقع ص 317
(26) النيل ج8 ص189.
(27) المحلى ج8 ص155،159.

(1/15)


آنية

مدلول الكلمة:
جاء فى المصباح: الإناء والآنية الوعاء والأوعية وزنا ومعني، والأوانى جمع الجمع هذا المعنى يستعمله الفقهاء فى كتب المذاهب.
حكم استعمال الآنية:
جمهور الفقهاء على حظر استعمال آنية الذهب والفضة فى الوضوء وغيره، وفى استعمال غيرها تفصيل تختلف المذاهب فى
بعضه باختلاف أنواع الآنية وجواهرها، وسنورد ما يصور ذلك فى المذاهب.
قال الأحناف (1): لا يجوز. الأكل والشرب والإدهان والتطيب فى آنية الذهب والفضة للرجال والنساء، وكذا لا يجوز الأكل بملعقة الذهب والفضة، وكذلك المكحلة والمحبرة وغير ذلك.
وأما الآنية من غير الذهب والفضة فلا بأس بالأكل والشرب فيها والإدهان والتطيب منها والانتفاع بها للرجال والنساء كالحديد والصفر والنحاس والرصاص والخشب والطين ولا بأس باستعمال آنية الزجاج والرصاص والبللور والعقيق وكذا الياقوت ويجوز الشرب فى الإناء المفضض عند أبى حنيفة إذا كان يتقى موضع الفضة بحيث لا يلاصقه الفم ولا اليد وقال أبو يوسف يكره ذلك وعن محمد روايتان إحداهما مع الإمام والأخرى مع أبى يوسف وعلى هذا الخلاف فى الإناء المضبب بالذهب والفضة. وأما التمويه فلا بأس به إجماعا فى المذهب وفى متن التنوير وشرحه وحاشيته (2): التصريح بكراهة الأكل والشرب والدهان والتطيب ونحو ذلك من آنية الذهب والفضة وأن محل الكراهة إذا استعملت ابتداء فيما صنعت له بحسب متعارف الناس وإلا فلا كراهة حتي لو نقل الطعام من إناء الذهب الى موضع آخر أو صب الماء أو الدهن فى كفه لا على رأسه ابتداء ثم استعمله فلا بأس به.
وقال صاحب الدر (3): ان محل الكراهة فيما يرجع للبدن وأما لغيره تجملا بأوان متخذة من ذهب او فضة فلا بأس به بل فعله السلف.
ونقل ابن عابدين عن جماعة من فقهاء الأحناف القول بأن نقل الطعام منها إلى موضع آخر استعمال لها ابتداء وأخذ الدهن باليد ثم صبه على الرأس استعمال متعارف.
وقد نص (4) صاحب التنوير على كراهة إلباس الصبي ذهبا أو حريرا، وعلله الشارح بأن ما حرم لبسه وشربه حرم إلباسه وأشرابه ومقتضاه كراهة استعمال آنية الذهب والفضة للصبية بواسطة غيرهم.
أما المالكية (5): فيصرحون بتحريم استعمال إناء الذهب والفضة فى كل من الأكل والشرب والطبخ، والطهارة مع صحة الصلاة بها، كما يصرحون بحرمة الاقتناء - أى اقتناء إناء الذهب والفضة- ولو لعاقبة دهر وبحرمة التجمل على المعتمد خلافا للأحناف ويقولون: إن المغشى ظاهره بنحاس أو رصاص والمموه أى المطلى ظاهره بذهب أو فضة فيه قولان مستويان عندهم.
وفى حرمة استعمال واقتناء الإناء المضبب أى المشعب بخيوط من الذهب أو الفضة وذى الحلقة من ذهب أو فضة قولان أيضا: وفى حرمة استعمال واقتناء إناء الجوهر النفيس كزبرجد وياقوت وبلور قولان، والجواز هو الراجح وهو ما قال به الأحناف.
والشافعية يوافقون الأحناف فى التصريح بعدم جواز استعمال شئ من أوانى الذهب والفضة للرجل والمرأة، ويستدلون بقوله عليه الصلاة والسلام: " لا تشربوا فى آنية الذهب والفضة ولا تنالوا فى صحافها ".
وقياس غير الأكل والمشرب عليهما.
ويقول البجرمى: أن سائر وجوه الاستعمال مقيسة على الأكل والشرب فى عدم الجواز ولو كان الاستعمال على وجه غير مألوف كأن كب الإناء على رأسه واستعمل أسفله فيما يصلح له ثم قال وفهم من عدم الجواز الاستئجار على الفعل وأخذ الأجرة على الصنعة وعدم الغرم على الكاسر كآلة اللهو لأنه أزال المنكر.
وقال صاحب الإقناع: ويحرم على الولى أن يسقى الصغير بمشفط من إنائهما ثم قال ولا فرق بين الإناء الصغير والكبير (6).
ويوافق الشافعية المالكية فى حرمة اقتناء آنية الذهب والفضة فيصرح الخطيب بقوله: وكما يحرم استعمالهما يحرم اتخاذهما من غير استعمال لأن ما لا يجوز استعماله يحرم اتخاذه، ويرون حل استعمال كل أناء طاهر ليس من الذهب والفضة سواء كان من نحاس أو غيره، فإن موه إناء من نحاس أو نحوه بالنقد ولم يحصل منه شئ، أى لم يزد على أن، يكون لونا أو موه النقد بغيره أو صدئ مع حصول شىء من المموه به أو الصدى حل استعماله لقلة المموه فى الأولى فكأنه معدوم، ولعدم الخيلاء فى الثانية.
ثم أكد التعميم (7) فى إباحة آنية غير الذهب والفضة بقوله: ويحل استعمال واتخاذ النفيس كياقوت وزبرجد وبللور، وصرح بأن ما ضبب من أناء بفضة ضبة كبيرة حرم استعماله وأتخاذه أو صغيرة بقدر الحاجة فلا تحرم.
ويقول البجرمى: إن من الاستعمال المحرم أخذ ماء الورد منها لاستعماله ولو بصب غيره أو كان الذهب على البزبوز فقط. ثم قال: نعم، أن أخذ منه بشماله ثم وضع الماء فى يمينه واستعمله جاز مع حرمة الأخذ منه لأنه استعمال حينئذ، وذهب بعضهم الى عدم الحرمة.
والحنابلة ينصون على حرمة استعمال آنية الذهب والفضة دون خلاف عندهم، وعلل لذلك ابن قدامه (8) بأنه يتضمن الفخر والخيلاء وكسر قلوب الفقراء وعندهم خلاف فى صحة الوضوء والاغتسال من آنية الذهب والفضة، فيقول بعضهم تصح طهارته لأن فعل الطهارة وماءها لا يتعلق بشيء من ذلك ويقول بعضهم: لا تصح لأنه استعمل المحرم فى العبادة كالصلاة فى الأرض المغصوبة، وقالوا لو جعل آنية الذهب والفضة مصبا للوضوء ينفصل الماء عن أعضائه إليه صح الوضوء0
قال ابن قدامة: ويحتمل أن تكون ممنوعة لتحقق الفخر والخيلاء وكسر قلوب الفقراء..
وهم كالشافعية والمالكية يحرمون إتخاذ آنية الذهب والفضة لعلة أن ما حرم استعماله حرم اتخاذه. ويقولون فى المضبب بالذهب والفضة أن كان كثيرا فهو محرم بكل حال.
وأما اليسير من الذهب والفضة فأكثر الحنابلة (9) على أنه لا يباح اليسير من الذهب إلا إذا دعت اليه ضرورة، وأما الفضة فيباح منها اليسير لما روى عن أنس أن قدح النبى - صلى الله عليه وسلم- إنكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة. رواه البخارى. ولأن الحاجة تدعو إليه وليس فيه سرف ولا خيلاء قال القاضى " أبو يعلى " يباح ذلك مع الحاجة وعدمها إلا أن ما يستعمل من ذلك بذاته لا يباح كالحلقة وما لا يستعمل كالضبة يباح.
وقال أبو الخطاب لا يباح اليسير إلا لحاجة لأن الخبر ورد فى شعب القدح فى موضع الكسر، وهو لحاجة، ويفسرون الحاجة بأن تدعو حاجة الى ما فعله به وان كان غيره يقوم مقامه.
ثم صرح بأن سائر الآنية بعد ذلك مباح اتخاذا واستعمالا ولو كانت ثمينة كالياقوت والبلور، ولا يكره "استعمال شىء منها فى قول العامة.
قال صاحب المغنى: إلا أنه روى عن ابن عمر أنه كره الوضوء من الصفر والنحاس والرصاص وما أشبه ذلك، وأختاره المقدسى لأن الماء يتغير فيها.
ويقول ابن حزم الظاهرى (10): لا يحل الوضوء ولا الغسل ولا الشرب ولا الأكل لرجل ولا لامرأة فى إناء عمل من عظم ابن آدمي ولا فى إناء عمل من عظم خنزير ولا فى إناء من جلد ميتة قبل الدبغ ولا فى أناء فضة أو ذهب، وكل أناء بعد هذا من صفر أو نحاس أو رصاص أو قصدير أو بلور أو ياقوت أو غير ذلك فمباح أكلا وشربا ووضوءا وغسلا للرجال والنساء. ثم قال والمذهب والمضبب بالذهب حلال مساء دون الرجال لأنه ليس أناء ذهب أو فضة، وكذلك المفضض والمضبب .
والزيدية (11): يصرحون كالمالكية والحنابلة بتحريم استعمال آنية الذهب والفضة فى الوضوء وغيره، ويصح التوضؤ منه وإن عصى(أى مستعملها) لانفصال الطاعة بالوضوء منفصلة عن المعصية بالاستعمال.
وفى اقتنائها وجهان، وقال يحيى أصحهما المنع للخيلاء. وفى الياقوتة ونحوها وجهان أصحهما كالذهب لنفاسته. قال يحيى: وكذلك الزجاج والخشب والنحاس إذا عظم بالصنعة والزخرفة قدرها للخيلاء. وقالوا لا يحرم الإناء من المدر(طين متماسك لا يخالطه رمل) ومالم يعظم بالصنعة قدره ويكره الرصاص والنحاس المطعم بالذهب والفضة والمفضض والمموه والمضبب والجعفرية قالوا(12): بحرمة استعمال أوانى الذهب والفضة فى الأكل والشرب والوضوء والغسل وتطهير النجاسات وغيرها من سائر الاستعمالات حتي وضعها على الرفوف للتزين بل يحرم اقتناؤها من غير استعمال ويحرم بيعها وشراؤها وصياغتها وأخذ الأجرة عليها، بل نفس الأجرة حرام ، لأنها عوض محرم، وإذا حرم الله شيئا حرم ثمنه وقالوا ان الصفر أو غيره الملبس بأحدهما يحرم استعماله إذا كان على وجه لو انفصل كان إناء مستقلا، وأما إذا لم يكن كذلك فلا يجرم كما إذا كان الذهب والفضة قطعا منفصلات لبس بهما الإناء من الصور داخلا أو خارجا. ولا بأس بالمفضض أو المطلى أو المموه بأحدهما نعم يكره استعمال المفضض بل يحرم الشرب منه إذا وضع فمه على موضع الفضة.
ولا يحرم استعمال الممتزج من أحدهما مع غيرهما إذا لم يصدق عليه اسم أحدهما. ويحرم ما كان ممتزجا منهما وأن لم يصدق عليه اسم أحدهما، وكذا ما كان مركب منهما بأن كان قطعة منه ذهبا وقطعة فضة وقالوا إن المراد بالأواني ما يكون من قبيل الكأس والكوز والصينى والقدر والفنجان وما يطبخ فيه القهوة وكوز الغليان والمصفاة ونحو ذلك.
وقالوا إن الأحوط فيما يشبه ذلك الاجتناب وذلك كقراب السيف والخنجر والسكين وقاب الساعة وظرف الغالية(أى المسك) وظرف الكحل ، ويقولون إنه لا فرق فى حرمة الأكل والشرب. من آنية الذهب والفضة بين مباشرتهما لفمه أو أخذ اللقمة منها ووضعها فى الفم، وكذا إذا وضع ظرف الطعام فى الصينى من أحدهما وكذا لو فرغ ما فى الإناء من أحدهما فى ظرف آخر لأجل الأكل والشرب لا لأجل التفريغ فإن الظاهر حرمة الأكل والشرب لأن هذا يعد استعمالا لهما فيهما.
ونقل الطباطبائى عن بعض العلماء أنه إذا أمر شخص خادمه فصب الشاى من القدر المصنوع من الذهب أو الفضة فى الفنجان وأعطاه شخصا آخر فشرب فإن الخادم والآمر عاصيان، والشارب لا يبعد أن يكون عاصيا، ويعد هذا منه استعمالا، وقالوا إذا كان المأكول أو المشروب فى آنية من أحدهما ففرغه فى ظرف آخر بقصد التخلص من الحرام لا بأس به ولا يحرم الشرب والأكل بعد هذا.
وقالوا إذا انحسر ماء الوضوء أو الغسل فى إحدى الآنيتين وأمكن تفريغه فى ظرف آخر وجب وإلا سقط وجوب الوضوء والغسل ووجب التيمم وإن توضأ أو اغتسل منهما بطل سواء أخذ الماء منهما بيده أوصبه على محل الوضوء بهما أو انغمس فيهما وأن كان له ماء آخر أو أمكن التفريغ فى ظرف، ومع ذلك توضأ أو اغتسل منهما فالأقوى البطلان لأنه وإن لم يكن مأمورا بالتيمم إلا أن الوضوء أو الغسل حينئذ يعد استعمالا لهما عرفا فيكون منهيا عنه بل الأمر كذلك لو جعلهما محلا لغسالة الوضوء لأن ذلك يعد فى العرف استعمالا.
وقالوا إنه لا فرق فى الذهب والفضة بين الجيد والردىء والمعدنى والمصنوع والمغشوش والخالص إذا لم يكن الغش إلى أحد يخرجها عن صدق الاسم وإن لم يصدق الخلوص أما إذا توضأ أو اغتسل من أناء الذهب أو الفضة مع الجهل بالحكم أو الموضوع صح، أما الأوانى من غير الجنسين فلا مانع منها وإن كانت أعلى وأغلى كالياقوت والفيروز، وكذلك الذهب الفرنكى لأنه ليس ذهبا.
وقالوا إنه إذا اضطر إلى استعمال آنية الذهب والفضة جاز إلا فى الوضوء والاغتسال فإنه ينتقل الى التيمم، وإذا دار الأمر فى حالة الضرورة بين استعمالها واستعمال المغصوب قدمهما.
وقالوا لا يجوزاستعمال الظروف المعمولة من جلد نجس العين أو الميتة فيما يشترط فيه الطهارة من الأكل والشرب والوضوء والغسل، بل الأحوط عدم استعمالها فى غير ما يشترط فيه الطهارة أيضا بل وكذا سائر الانتفاعات غير الاستعمال، فإن الأحوط ترك جميع الانتفاعات منها، وأما ميتة ما لا نفس له كالسمك ونحوه فحرمة استعمال جلده غير معلوم وإن كان أحوط وكذا لا يجوز استعمال المغصوبة مطلقا والوضوء والغسل منها مع العلم باطل، نعم لوصب الماء منها فى ظرف مباح فتوضأ أو أغتسل صح وأن كان عاصيا من جهة تصرفه فى المغصوب، وأما أواني المشركين وسائر الكفار فإنها طاهرة ما لم يعلم ملاقاتهم لها مع الرطوبة التى تسرى إليها بشرط ألا تكون من الجلود، ولا يكفى الظن فى ذلك، وإلا فمحكومة بالنجاسة إلا إذا علم تذكية حيوانها أو علم سبق يد مسلم عليها، وكذا غير الجلود.
أما ما لا يحتاج إلى التذكية فطاهر إلا مع العلم بالنجاسة، ويجوز عندهم استعمال أوانى الخمر بعد غسلها وإن كانت من الخشب أو القرع أو الخزف غير المطلى بالقير و نحوه فلا يضر نجسة باطنها بعد تطهير ظاهرها داخلا وخارجا، ويكفى تطهير الداخل. نعم يكره استعمال ما نفذ الخمر إلى باطنه إلا إذا غسل على وجه يطهر باطنه.
وجاء فى الفقه الإباضى (13): "وكره الوضوء من المشمس " الذى سخن ماؤه فى الشمس.
" أو من إناء ذهب، أو فضة، أو صفر " بضم فسكون نحاس، ولو أبيض، وذلك كله للإسراف " وقيل " التوضؤ " من الأولين " الذهب والفضة " حرام "، فيعاد. والقولان فى الرجل والمرآة جميعا لأن المحلل للنساء ليس الذهب لا الشرب فيه ونحو الشرب بدليل كراهة الفضة أو تحريمها أيضا عليها وعليه فى الوضوء. والذى أقول أن ما فيه فخر يكره أيضا مثل أناء القزدير فيكره مطلقا ولو لم يفخر به سدا للذريعة
اختلاط الأوا نى:
قال الأحناف (14): إذا تجاوزت أوان بكل منها ماء واشتبه الشخص فيها- لأن بعضها طاهر وبعضها نجس- فإن كان أكثرها طاهراً وأقلها نجس فإنه يتحرى لكل من الوضوء والاغتسال، وإن تساوت الأوانى 0 فكان عدد الطاهر مثل عدد النجس- فانه يعدل عنها ويتيمم لفقد المطهر قطعا، وإن وجد ثلاثة رجال ثلاثة أوان أحدهما نجس، وتحرى كل " أناء"، جازت صلاتهم وحدانا، وكذا يتحرى مع كثرة الطاهر لأوانى الشرب لأن المغلوب كالمعدوم وإن اختلط إناءان ولم يتحر وتوضأ بكل وصلى صحت إن مسح فى موضعين من رأسه لا فى موضع لأن تقديم الطاهر مزيل للحدث. وأما إن كان أكثر الأوانى نجسا فإنه لا يتحرى إلا للشرب لنجاسة كلهما حكما للغالب فيريقها عند عامة المشايخ ويمزجها لسقى الدواب عند الطحاوى ثم يتيمم.
وأما مسلك المالكية (15) فإنهم قالوا إذا اشتبه طهور بمتنجس كما لو كان عنده جملة من الأواني تغير بعضها بتراب طاهر وتغير بعضها بتراب نجس واشتبهت هذه بهذه فان مريد التطهير يصلى صلوات بعدد أوانى النجس كل صلاة بوضوء وزيادة إناء ويبني على الأكثر أى يجعل الأكثرهو النجس فإن كان عنده ستة أوان علم أن أربعة منها من نوع واثنتين من نوع وشك هل الأربعة من نوع النجس أو من نوع الطهور فانه يجعلها من النجس ويصلى خمس صلوات بخمس وضوءات هذا إذا اتسع الوقت وإلا تركه ويتيمم.
ولو اشتبه طهور بطاهر، أى غير مطهر كالماء المستعمل. فانه يتوضأ بعدد الطاهر وزيادة إناء ويصلى صلاة واحدة ويبني على الأكثر أن شك.
وأما الشافعية(16): فإنهم يقولون إن الاشتباه فى الأوانى يقتضى الاجتهاد مطلقا ولو قل عدد الطاهر كإناء من مائة وجوبا إن لم يقدر على طهور بيقين، وجوازا إن قدر على طهور بيقين، إذ العدول إلى المظنون مع جواز المتيقن جائز.
وللحنابلة فى هذا المقام تفصيل (17) خلاصته، أن الأواني المشتبهة لا تخلو من حالين:
أحدهما: ألا يزيد عدد الطاهر على النجس فلا خلاف فى المذهب أنه لا يجوز التحرى فيها بل يريقها ويتيمم ، فهم كالأحناف فى هذا.
الثانى: أن يكثر عدد الطاهر فذهب بعضهم إلى جواز التحرى لأن الظاهر إصابة الطاهر لأن جهة الإباحة قد ترجحت فجاز التحرى ، وظاهر كلام أحمد أنه لا يجوز التحرى فيها بحال، وهو قول أكثر أصحابه.
ثم قال ابن قدامة(18): إذا أشتبه طهور بماء قد بطلت طهوريته توضأ من كل واحد وضوءا كاملا وصلى بالوضوءين صلاة واحدة، وقال أنه لا يعلم فى ذلك خلافا لأنه أمكنه أداء فرضه بيقين فلزمه كما لو كانا طهورين ولم يكف أحدهما وهذا غير ما لو كان أحدهما نجسا لأنه ينجس أعضاءه بيقين فلا يأمن أن يكون النجس هو الثانى فإن احتاج إلى أحد الإناءين فى الشرب تحرى وتوضأ بالطهور عنده ويتيمم معه ليحصل له اليقين.
ويقول ابن حزم (19): إن كان بين يدى المتوضىء إناءان فصاعدا ، فى أحدهما ماء طاهر بيقين وسائرها نجس أو فيها واحد نجس وسائرها طاهر ولا يميز من ذلك شيئا فله أن يتوضأ بأيها شاء ما لم يكن على يقين من أنه قد تجاوز عدد الطاهرات وتوضأ بما لا يحل الوضوء به لأن كل ماء منها فعلى أصل طهارته على انفراده. فإذا حصل على يقين التطهر فيما لا يحل التطهر به فقد حصل على يقين الحرام فعليه أن يطهر أعضاءه إن كان ذلك الماء حراما استعماله جملة،. فإن كان فيها واحد " معتصر " لا يدريه لم يحل له الوضوء بشىء منها لأنه ليس على يقين من أنه توضأ بماء واليقين لا يرتفع بالظن.
وأما الزيدية(20) فيقولون كالشافعية: إن التحرى مشروع عند لبس الطاهر بالنجس مطلقا لوجوب العمل بالظن.
ونقل صاحب البحر عن الأكثر- العترة والأئمة الأربعة- أنه لابد فى التحرى من اجتهاد بأمارة من ترشيش أو غيره فإن أريقت الأنية كلها إلا واحدا فوجوه، أصحها تبين طهارة الباقى رجوعا إلى الأصل وقيل يتيمم إذ لا تحرى إلا بين اثنين وقيل يتحرى فى الباقى لإمكانه.
وإذا ظن قبل الصلاة أن الذى توضأ به هو النجس يتيمم لبطلان الأول فإن وجد أناء تيقن طهارة مائه ترك الملتبس حتما إذ لا يكفى الظن مع إمكان اليقين، ونقل عن الأكثر أن له التحرى.
ونقل عن المنصور بالله وبعض البغداديين أنه إذا التبس قراح(أى طهور) بطاهر غير مطهر استعملها لتيقن الامتثال.
وهذا النقل كالذى سبق عن المالكية ونقل عن الخرسانيين أنه يتحرى فى هذا أيضا.
ولم نقف للجعفرية على كلام فى مسألة اختلاط الأوانى.
الإباضية:
وإن اختلط إناء نجس أو اثنان أو أكثر بإناء طاهر أو إناءين أو أكثر، تطهر بأحدهما وأمسك عن ثوبه حتى يجف بدنه ثم يصلى ثم بأخر كذلك إلى آخرها ويصادف الطاهر ولابد أن يتطهر بعد لا مكان أن يكون ختم بالنجس، وذلك خطأ، لأنه يتنجس بأحدها ويتوضأ بلا غسل النجس إن كان يتوضأ وكذا الاغتسال إلا أن ينوى بالمرتين غسل النجس إن كان ما قبله نجسا عند اللّه وبالمرة بعد دفع الحدث أو ينوى الأولى مثلا أن كان ظهر عند الله ما قبلها.
وقيل يتحرى أحدها فيستعمله وهو خطأ إذ لا يعمل على شك .
والصواب أن يتيمم. وزعم بعض أنه جلطها كلها فلا يبقى معه طاهر فيكون غير واجد وهو ضعيف .
وقيل إن كانت طاهرة إلا واحدا تطهر بواحد ولزمه شراء الماء أو الآلة بالثمن فى محله أو أقل لا بأكثر(21).
تطهير الأوانى:
قال الحنفية (22): تطهر الآنية المصقولة التى لا مسام لها من النجاسة بمسح يزول به أثرها مطلقا سواء كانت النجاسة لها جرم أو لا رطبة و يابسة، مع أن الأصل فى التطهير عندهم هو الماء.
ولم تذكر المذاهب الأخرى تطهيرا للآنية بغير الماء إلا ما ذكر من خلاف فى أهاب الحيوان .
ونقل ابن عابدين عن الخانية أن الظاهر أن اليابسة ذات الجرم تطهر بالحت والمسح. بما فيه بلل ظاهر حتى يذهب أثرها.
وقالوا (23) فى سؤر الكلب أنه نجس ويغسل الإناء من ولوغه فيه ثلاثا (انظر سؤر طهارة).
ويقول المالكية (24): بكراهة استعمال إناء ولغ فيه الكلب وماؤه قليل ولو تحققت سلامة فمه من النجاسة، وعندهم (25) قول فى المذهب بأن مسح الصقيل وتدخل فيه بعض الآنية مطهر له (انظر سؤر).
ويقول الشافعية (26): ما تنجس- بملاقاة شىء من الكلب سواء كان بجزء منه أو من فضلاته غسل سبعا إحداهن بالتراب. وقالوا إن الخنزير كالكلب فى الأظهر لأنه أسوأ حالا منه.
وقال الحنابلة (27): كل إناء حل فيه نجاسة من ولوغ كلب أو بول أو غيره فإنه يغسل سبع مرات إحداهن بالتراب.
وعن أحمد أنه يجب غسلها ثمانية إحداهن بالتراب، فإن جعل مكان التراب غيره من الأشنان والصابون والنجاسة ففيه وجهان (انظر سؤر).
المذهب الظاهرى (28): يقول ابن حزم أن تطهير الإناء إذا كان لكتابى مما يجب التطهير منه يكون بالماء، إذا لم يجد غير ذلك الإناء سواء علم فيه نجاسة أو لم يعلم فإن كان إناء مسلم فهو طاهر فان تيقن فيه ما يلزمه اجتنابه فبأى شىء أزاله كائنا ما كمان من الطاهرات إلا أن يكون لحم حمار أهلي أو ودكه أو شحمه أو شينا منه فلا يجوز أن يطهر إلا بالماء، فإن ولغ فى الإناء كلب مطلقا صغيرا أو كبيرا كلب صيد او غيره غسل بالماء سبع مرات ولابد أولاهن بالتراب مع الماء فإن كل الكلب فى الإناء أو أدخل رجله أو ذنبه أو وقع بكله فيه لم يلزم غسل الإناء ولا إراقة ما فيه(انظر سؤر).
الجعفرية (29): يطهر الإناء المتنجس بصب الماء عليه مرتين. ويكفى صب الماء فيه بحيث يصيب النجس وإفراغه منه ولو بآلة لا تعود اليه ثانيا إلا طاهرا، وإن ولغ فى الإناء كلب قدم علق الغسلتين بالماء مسحه بالتراب الطاهر دون غيره مما أشبهه وألحق بولوغ الكلب لطمه الإناء دون مباشرته له بسائر أعضائه، وقالوا لو تكرر الولوغ تداخل كغيره من النجاسات ويستحب غسله سبع مرات خروجا من خلاف من أوجبها كما تستحب السبع عندهم فى الفأرة والخنزير.
الزيديه (30): نقل صاحب البحر عن العترة والشافعى وأصحابه أن طهارة الصقيل كالخشن بالغسل خلافا للأحناف الذين قالوا تطهر بالمسح.
ونقل (31) عند كلامه عن سؤر الكلب أنه يكفى عند العترة التثليث بالغسل من ولوغ الكلب.
الإباضية: وكل إناء تنجس وإن بكونه من ذمى احتج إليه واستحسن التعجل بإزالة النجس وأن يمسح عند تعذر الماء. والنطفة والغائط والقىء إذا خالطا أناء فيصح غسلها منه ولو رطوبات غير مقشرات ولا مخلوطات بتراب؟
ويصعب فى مصنوع كقصعة وفخار أن سبق النجس إليه قبل كل مائع هل يطهر بالماء ثلاثا بإبقائه فيه كل مرة يوما وليلة ثم يراق أو ليلا فقط فيراق نهارا ويصل فى الشمس فارغا إلى الليل أو بماء واحد يوما وليلة أو لا حد فى ذلك إلا غلبة الظن بالطهارة وبلوغها حيث بلغ النجس أقوال (32). ويقولون: يسن غسل أناء ولغ فيه الكلب غير المعلم على الصحيح سبعا أولاهن وأخراهن بتراب، وصحح الجواز بثلاث كغيره.
الضمان:
نقصر الكلام فيما يتعلق بالضمان فى الآنية على ما له أحكام خاصة فى المذاهب التى أفردت أحكامها لبعضها كآنية الذهب والفضة وآنية الخمر وهو ما قاله ابن حزم الظاهرى (33) وهو مذهب الشافعية (34)
مذهب الحنابلة (35): من كسر آنية من ذهب أو فضة لم يضمنها لأن اتخاذها محرم وحكى أبو الخطاب رواية أخرى عن أحمد أنه يضمن فإن بعضهم نقل عنة فيمن هشم على غيره إبريقا فضة علية قيمته بصوغه وكان قيل له أليس قد نهى النبى عن اتخاذها فسكت ، والصحيح أنه لا ضمان علية ، نص علية أحمد فى رواية المرزوى فيمن كسر إبريق فضة أنه لا ضمان علية لأنه اتلف ما ليس بمباح فلم يضمن كالميتة ، ورواية البعض السابقة تدل على أنة رجع عن قولة بعدم الضمان لكونه سكت حين ذكر لسائل تحريمه ، وإن كسر آنية الخمر ففيها روايتان:
أحدهما: يضمنها لأنة مال يمكن الانتفاع به ويحل بيعة كما لو لم يكن فيها خمر ، ولأن كون جعل الخمر فيها لا يقتضى سقوط ضمانها كالبيت الذى جعله مخزنا للخمر.
والثانية: لا يضمن لما روى احمد فى سنده بسنده لعبد الله بن عمر قال: أمرنى رسول الله أن آتيه بمدية فأتيته بها فأرسل بها فأرهفت ثم أعطانيها وقال اغد بها على ففعلت ، فخرج بأصحابه الى أسواق المدينة وفيها زقاق الخمر قد جلبت من الشام فأخذ المدية منى فشق ما كان تلك الزقاق بحضرته كلها ، وأمر أصحابه الذين كانوا معه أن يمضوا معى ويعاونونى ، وأمرني أن آتى الأسواق كلها فلا أجد فيها زق خمر إلا شققته ففعلت.
يقول الشافعى (36) : فى إناء الخمر إن بلغ نصابا ولم يقصد - آخذه - بإخراجه إراقتها ، وقد دخل بقصد السرقة قطع به على الصحيح أما لو قصد بإخراج الإناء تيسر إفساد الخمر وإن أخرجه بقصد السرقة فلا قطع.
يقول الأحناف (37): أنه لا قطع إناء الخمر ولو كان ذهبا لأن الإناء تابع ولم يقطع فى المتبوع. فكذا فى التبع. وفى رواية عن أبى يوسف انه يقطع ورجحة فى الفتح فيما تعاين ذهبيتة بأن الظاهر إن كلا مقصود بالأخذ بل أخذ الإناء أظهر (38)
ويقول الشيعة الجعفرية (39): يجب على صاحب آنية الذهب والفضة كسرها ، وأما غيره إن علم إن صاحبها يقلد من يحرم اقتناءها أيضا وإنهما من الأفراد المعلومة فى الحرمة يجب علية نهيه. وإن توقف على الكسر يجوز له كسرها ولا يضمن قيمة صياغتها نعم لو اتلف الأصل ضمن وإن احتمل أن يكون صاحبها ممن يقلد من يرى جواز الإقتناء أو كائنا مما محل خلاف فى كونه آنية أم لا. لا يجوز له التعرض له.

__________

(1) حاشية ابن عابدين ج5 ص 238
(2) حاشية ابن عابدين على شرح الرد لمتن التنوير ج5 ص 252
(3) حاشية ابن عابدين ج5 ص 238
(4) حاشية ابن عابدين على شرح الرد لمتن التنوير ج5 ص 252
(5) شرح الدردير مع حاشية الدسوقى ج1 ص 64 المطبعة الأزهرية بمصر.
(6) الجوهرة النيرة على مختصر القدوري ج 2ص383 طبع إستامبول سنة 1301هجرية
(7) حاشية ابن عابدين ج5 ص236 المطبعة الميمنية سنة 1307هجرية
(8) الاقناع وحاشية البجرمى ج1 ص 101 ، 102 طبعة القاهرة.
(9) الاقناع وحاشية البجرمى ج1 ص 104
(10) المغنى ج1 ص 75، 77
(11) المغنى ج1 ص 78 طبعة دار المنار سنة 1376هجرية
(12) المحلى ج1 ص 391 مطبعة الإمام بالقاهرة.
(13) البحر الزخار ج 1 ص41 مطبعة السعادة بالقاهرة سنة 1366هجرية.
(14) مستمسك العروة الوثقى الطبعة الثانية بالنجف سنة 1336 هجرية الآية الله العظمى الطباطبائى ج2 ص130 وما بعدها
(15) شرح النيل ج1ص53،54.
(16) حاشية الطحطاوى ج1 ص21.
(17) المغنى ج1ص60.
(18) المرجع السابق ص63.
(19) المحلى ج2 ص225
(20) البحر الزخار ج1 ص39
(21) شرح النيل ج2 ص 298
(22) الدر وحاشية ابن عابدين ج1 ص 226
(23) الهداية ج1 ص 12
(24) حاشية الدسوقى ج1 ص 43
(25) المرجع السابق ص 43
(26) نهاية المحتاج ج1 ص 234
(27) المغنى ج1 ص 52
(28) المحلى ج1 ص 92 فما بعدها
(29) الروضة البهية ج1 ص 20
(30) البحر الزخار ج1 ص 18
(31) المرجع السابق 20
(32) شرح النيل ج1ص243،285،286،287
(33) محلى ج7 ص 171.
(34) نهاية المحتاج ج5 ص 166
(35) المغنى ج5 ص 278
(36) نهاية المحتاج ج7 ص 421
(37) ابن عابدين ج3 ص 315
(38) الاختيار ج3 ص 63 طبعة الحلبى سنة 1355 هجرية
(39) مستمسك العروة الوثقى ج2 ص 155 ، 156 مطبعة النجف.

(1/16)


آية

معنى الآية فى اللغة:
قال فى القاموس: الآية العلامة، والشخص و الجمع آيات وآى ، والعبرة والإمارة، ومن القرآن: كلام متصل إلى انقطاعه (1).
الآية فى الاصطلاح:
قيل الآية طائفة من القرآن منقطعة عما قبلها وما بعدها ليس بينها شبه بما سواها. وقال ابن المنير فى البحر: ليس فى القرآن كلمة واحدة آية إلا " مدهامتان ". وقال بعضهم: الصحيح أنها إنما تعلم بتوقيف من الشارع لا مجال للقياس فيه كمعرفة السورة.فالآية ، طائفة حروف من القرآن علم بالتوقيف بانقطاعها معنى عن الكلام الذى قبلها وعن الكلام الذى بعدها (2).
هل البسملة آية من القرآن أو بعض: لاخلاف بين علماء المسلمين فى أن البسملة الواردة فى سورة النمل من قوله تعالى: " أنه من سليمان وانه بسم الله الرحمن الرحيم (3) " ليست آية كاملة بل هى بعض آيه.
وإنما الخلاف بينهم فى البسملة الواردة فى أوائل السور ما عدا براءة.
ففى المجموع للنووى قال: هناك رواية للإمام أحمد أنها ليست من الفاتحة (4).
وفى المجموع أيضا قال مذهبنا(أى الشافعية) أن بسم الله الرحمن الرحيم آية كاملة بلا خلاف، وليست فى أول براءة بإجماع المسلمين، وأما باقى السور غير الفاتحة وبراءة ففى البسملة فى أول كل سورة منها ثلاثة أقوال حكاها الخراسانيون وأشهرها، وهو الصواب أو الأصوب: أنها آيه كاملة والثانى أنها بعض آية. والثالث أنها ليست بقرآن فى أوائل السور غير الفاتحة.
والمذهب أنها قرآن فى أوائل السور غير براءة (5).
ثم قال فى المجموع: واحتج أصحابنا بأن الصحابة رضى الله عنهم أجمعوا على إثباتها فى المصحف جميعا فى أوائل السور سوى براءة بخط المصحف بخلاف الأعشار وغيرها فإنها تكتب بمداد أحمر، فلو لم تكن قرآنا لما استجازوا إثباتها بخط المصحف من غير تمييز ، لأن ذلك يحمل على اعتقاد إنها قرآن فيكونون مغررين بالمسلمين حاملين لهم على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآنا ، فهذا مما لا يجوز اعتقاده فى الصحابة رضى الله عنهم(6).
وفى حاشية الصفتى للمالكية (7): قال وذهب الإمام مالك وجماعة إلى أن البسملة ليست فى أوائل السور من القرآن أصلا، وإنما هى للفصل بين السور. والدليل على ذلك أحاديث كثيرة منها ما رواه مالك والبخارى عن أنس بن مالك رضى الله عنه قال: صليت خلف النبى صلى الله عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان وعلى فكانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين، ولم يكونوا يفتتحون القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم.
والحديث القدسى الذى رواه مالك فى الموطأ ومسلم فى صحيحه- واللفظ له - عن أبى هريرة عن النبى صلى الله عليه وسلم قال: من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج (8) ثلاثا غير تمام فقيل لأبى هريرة: إنا نكون وراء الإمام فقال: اقرأ بها فى نفسك، فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله تعالى: (قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين، ولعبدى ما سأل. فاذا قال العبد الحمد لله رب العالمين. قال الله تعالى: حمدنى عبدى وإذا قال: الرحمن الرحيم قال الله تعالى: اثنى على عبدى. وإذا قال: مالك يوم الدين. قال: مجدنى عبدى وقال مرة: فوض إلى عبدى. إذا قال: إياك نعبد وإياك نستعين. قال: هذا بينى وبين عبدى ولعبدى ما سأل. فإذا قال: إهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. قال: هذا لعبدى. ولعبدى ما سأل) (9). قال النووى فى شرح مسلم: وهذا من أوضح أدلة المالكية.
وعند الحنابلة: قال فى كشاف القناع: وليست بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة. جزم به أكثر الأصحاب وصححه ابن الجوزى وابن تميم. وصاحب الفروع وحكاه القاضى إجماعا لحديث " قسمت الصلاة ". ولو كانت آيه لعدها وبدأ بها ولما تحقق التنصيف وقال أيضا إنها ليست آية من غير الفاتحة (10).
وعند الإمامية: قال فى تذكرة الفقهاء: البسملة آية من الحمد ومن كل سورة عدا براءة وفى النمل آية (أى فى أولها) وبعض آية أى فى وسطها ، وذلك لأن النبى صلى الله عليه وسلم قرأ فى الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم وعدها آية " الحمد لله رب العالمين" آيتين.
وقال عليه الصلاة والسلام: إذا قرأتم الحمد فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها من أم الكتاب، وإنها من السبع المثانى. وبسم الله الرحمن الرحيم آية منها ومن طريق الخاصة قول الصادق وقد سأله معاويه بن عمار: إذا قمت إلى الصلاة اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فى فاتحه الكتاب؟ قال نعم: قلت فإذا قرأت فاتحة الكتاب اقرأ بسم الله الرحمن الرحيم مع السورة قال: نعم.
وقد أثبتها الصحابة بخط المصحف مع تشددهم فى عدم كتابة ما ليس من القرآن فيه. ومنعهم من النقط والتعشير(11). وعند الزيدية قال فى البحر الزخار: والبسملة آية إذ هى فى المصاحف ولم يثبت فيها(أى المصاحف) غير القرآن. ثم قال: وهى آية من كل سورة لانفصالها معنى وخطا ولفظا... وهى سابعة الفاتحة قطعا لتواترها معها خطا ولفظا. ويؤيد ذلك ما روى عن سعيد بن جبير قال: قلت لابن عباس: كم الحمد آية؟ قال: سبع آيات. قلت: فأين السابعة ؟ قال: بسم الله الرحمن الرحيم
وعن ابن عباس أيضا: " ولقد آتيناك سبعا من المثانى (12) " قال: فاتحة الكتاب.. ثم قرأ بسم الله الرحمن الرحيم. وقال: هى السابعة.
وحكى فى الكشاف إنه قال: من تركها فقد ترك مائة وأربع عشرة آية (13).
وعند الظاهرية قال ابن حزم فى المحلى: ومن كان يقرأ برواية من عد من القراء بسم الله الرحمن الرحيم آيه من القرآن لم تجزه الصلاة إلا بالبسملة. وهم عاصم ابن أبى النجود وحمزة و الكسائى وعبد الله بن كثير وغيرهم من الصحابه والتابعين رضى الله عنهم.
ومن كان يقرأ برواية من لا يعدها آية من أم القرآن فهو مخير بين أن يبسمل وبين إلا يبسمل وهم ابن عامر وأبو عمرو ويعقوب. وفى بعض الروايات عن نافع(14). وعند الحنفية: قال الإمام أبو بكر الحصاص فى أحكام القرآن:
ولا خلاف بين علماء الأمة وقرائها إن البسملة ليست بآيه تامة فى سورة النمل وإنها هناك بعض آية، وإن ابتداء الآية من قوله سبحانه " أنه من سليمان "، ومع ذلك فكونها ليست بآية تامة فى سورة النمل لا يمنع أن تكون آية تامة فى غيرها، لأنا نجد مثل ذلك فى مواضع من القرآن ألا ترى أن قول الله تعالى " الرحمن الرحيم " فى ثنايا سورة الفاتحة آية تامة وليست بآيه تامة من قوله عز وجل " بسم الله الرحمن الرحيم " باتفاق الجميع.
وكذا قوله سبحانه " الحمد لله رب العالمين " آية تامة فى أول الفاتحة. وبعض آية فى قوله تعالى: " وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين (15) "، وإذا كان كذلك احتمل أن تكون بعض آية فى فصول السور، واحتمل أن تكون آية، فالأولى أن تكون آية تامة من القرآن من غير سورة النمل ، لأن التى فى سورة النمل ليست بآية تامة باتفاق الأمة والدليل على أنها آية تامة حديث ابن أبى مليكة عن أم سلمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأها فى الصلاة فعدها آية. وفى لفظ آخر أن النبى صلى الله عليه وسلم كان - يعد بسم الله الرحمن الرحيم آية فاصلة، كما رواه الهيثم بن خالد فثبت بهذا إنها آيه إذ لم تعارض هذه الأخبار أخبار غيرها فى كونها آية (16).
وعند الإباضية: فى كتاب النيل وشفاء العليل. والبسملة آية من كل سورة على المختار (17).
آية البسملة فى بدء القراءة:
قال الإمام أبو بكر الجصاص: وافتتاح القراءة بالبسملة أمر ورد مصرحا به فى أول وحى قرآنى أنزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم فى قوله تعالى: " اقرأ باسم ربك الذى خلق " فقد أمر سبحانه فى افتتاح القراءة بالتسمية كما أمر بتقديم الاستعاذة أمام القراءة فى قوله تعالى: " فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم(18) "، والبسملة وإن كانت خبرا فإنها تتضمن معنى الأمر. لأنه لما كان معلوما أنه خبر من الله عز وجل بأنه يبدأ باسم الله ففيه أمر لنا بالابتداء به والتبرك بافتتاحه لأنه سبحانه إنما أخبرنا به لنفعل مثله (19).
آى فاتحة الكتاب سبع:
وهل تقرأ البسملة معها فى الصلاة ؟
فى تفسير القرطبى: أجمعت الأمة على ان فاتحة الكتاب سبع آيات إلا ما روى عن حسين الجعفى انها ست وعن عمرو بن عبيد أنها ثمانى آيات، ويؤيد ما أتفقت عليه الأمة من أن الفاتحة سبع آيات، قوله تعالى: " ولقد آتيناك سبعا من المثانى والقرآن العظيم ".
وقوله صلى الله عليه وسلم: فيما يروية عن ربه عز وجل: "قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين... الحديث "، وبه يرد على هذه الأقوال.
وفى الإتقان للسيوطى: ويردها أيضا ما أخرج الدار قطنى بسند صحيح عن عبد خير قال: سئل على كرم الله وجهه عن السبع المثانى، فقال: الحمد لله رب العالمين.
فقيل له: إنما هى ست آيات
فقال: بسم الله الرحمن الرحيم آية. وأما قراءة البسملة مع الفاتحة فى الصلاة فاختلف الفقهاء فيها على النحو الآتى:
- فكان أبو حنيفة وأصحابه يقولون بقراءتها فى الصلاة سرا، لا يرون الجهر بها لامام ولا لمنفرد، بعد الاستفادة وقبل فاتحة الكتاب تبركا بها فى الركعة الأولى كالتعوذ، باتفاق الروايات عن أبى حنيفة، وذلك مسنون فى المشهور عند أهل المذهب.
وصحح الزاهدى وغيره وجوبها كما فى البحر الرائق، وقال ابن عابدين فى حاشيته على البحر ناقلا عن النهر، والحق أنهما قولان مرجحان فى المذهب، إلا أن المتون على الأول.
واختلف الحنفية فى الإتيان بها فى كل ركعة، ولأبى حنيفة رحمه الله روايتان:
الأولى: ما رواه محمد بن الحسن والحسن بن زياد أنه قال: إذا قرأها فى أول ركعة عند ابتداء القراءة لم يكن عليه أن يقرأها حتى يسلم، لأنها ليست من الفاتحة عندنا، وإنما تفتح القراءة بها تبركا، وذلك مختص بالركعة الأولى شأنها شأن الاستعاذة.
الثانية: ما رواه المعلى عن أبى يوسف عن أبى حنيفة أنه يأتى بها فى كل ركعة وهو قول أبى يوسف ومحمد رحمهما الله تعالى، وهو أقرب الى الاحتياط لاختلاف العلماء والأثار ، ولأن التسمية وأن لم تجعل من الفاتحة قطعا بخبر الواحد، لكن خبر الواحد يوجب العمل فصارت من الفاتحة عملا(20).
وقالت المالكية: تكره البسملة فى صلاة الفرض لكل مصل، إماما كان أو مأموما أو منفردا، سرا كانت الصلاة أو جهرا، فى الفاتحة وغيرها، قال ابن عبد البر:
هذا هو المشهور عن الإمام مالك رضى الله عنه وبه وردت السنة المطهرة، وعليه عمل الخلفاء الراشدين رضى الله عنهم. قال أنس رضى الله عنه: صليت خلف رسول الله صلى عليه وسلم وأبى بكر وعمر وعثمان وعلى، فكانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين ولم اسمعهم يبسملون.
وقيل بإباحتها ، و قيل بندبها، وقيل بوجوبها. قال القرافى وغيره: الورع البسملة أول الفاتحة للخروج من الخلاف.
ثم قال: ومحل كراهة الإتيان بالبسملة إذا لم يقصد الخروج من خلاف المذاهب فإن قصده فلا كراهة (21).
وفى حاشية الصفتى. قال: وأما التسمية فى النافلة فجائزة مطلقا فى السر والجهر، فى الفاتحة والسورة (22).
وعند الشافعية: آيه البسملة تفرض قراتها مع الفاتحة ، لأنها آية مكملة لها فلا تكمل الفاتحة بدونها.
قال فى شرح الإقناع: " الرابع من أركان الصلاة قراءة الفاتحة فى كل ركعة، وبسم الله الرحمن الرحيم آية منها لما روى إنه صلى الله عليه وسلم عد الفاتحة"سبع آيات، وعد بسم الله الرحمن الرحيم آيه منها " رواه البخارى فى تاريخه.
وروى الدار قطنى عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال: " إذا قرأتم الحمد لله فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم، انها أم الكتاب وأم القرآن والسبع المثانى، وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها ".
وروى ابن خزيمة بإسناد صحيح عن أم سلمة أن النبى صلى الله عليه وسلم عد بسم الله الرحمن الرحيم آية ،. والحمد الله رب العالمين... إلى آخرها ست آيات (21).
مذهب الحنابلة: قال ابن قدامة فى المغنى: واختلفت الروايات فى البسملة عن الإمام أحمد،هل هى آية من الفاتحة تجب قراءتها فى الصلاة أو لا ؟ فعنه إنها من الفاتحة ، لحديث أم سلمة وحديث أبى هريرة " إذا قرأتم الحمد لله رب العالمين فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم ".
ولأن الصحابه إثبتوها فى المصحف، ولم يثبتوا بين الدفتين سوى القرآن.
وروى عن الامام احمد إنها ليست من الفاتحة، ولا آية من غيرها ، ولا تجب قراءتها فى الصلاة. وهى الرواية المقصودة عند أصحابه، والدليل على أنها ليست آيه من الفاتحة حديث " قسمت الصلاة بينى وبين عبدى نصفين.. إلخ (22) ".
مذهب الإمامية: قالوا البسملة آية من الحمد ومن كل سورة، عدا براءة أى فتجب قراءتها فى الصلاة.
قال فى تذكرة الفقهاء: البسملة آية من الحمد، لأن النبى صلى الله عليه وسلم قرأ فى الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم، وعدها آيه... إلى آخر الحديث وقال عليه الصلاة والسلام: " إذا قرأتم الحمد فاقراوا بسم الله الرحمن الرحيم... إلخ "(23)
وفى مجمع البيان للطبرسى قال: اتفق أصحابنا على ان بسم الله الرحمن الرحيم آيه من سورة الحمد وان من تركها فى الصلاة بطلت صلاته سواء كانت الصلاة فرضا أو نفلا (24).وعند الزيدية: البسملة آية من الفاتحة أى"فتجب قراءتها مع الفاتحة وتبطل الصلاة بتركها.
قال فى البحر الزخار(وهى أى البسملة) سابعة الفاتحة قطعا لتواترها معها خطأ ولفظا ويؤيده الأخبار التي سبق الاستدلال بها على أنها آية من الفاتحة فى مذهبهم.
، فى فقه الإباضية من كتاب النيل: قال " ولزمت البسملة مع الفاتحة وهى أية من أول كل سورة على المختار سرا فى سر ، وجهرا فى جهر. وإن تعمد تركها أعاد صلاته. وأن تذكر البسملة فى ركوع مضى. وهل يرجع إليها إن ذكرها فى قراءة ما لم يتم الفاتحة أو السورة؟ قولان ... ويعيدها ما قرأ إن رجع "(25).
مذهب الظاهرية: سبق ذكر رأى صاحب المحلى فى هذا عند الكلام على كونها آيه من كل سورة.
الآيات التى يطلب قراءتها مع الفاتحة فى الصلاة وحكم البسملة معها:
قال فى البدائع: والواجب عند الحنفية آية طويلة أو ثلاث آيات قصار أو سورة تعدل ثلاث آيات من أى جهة من القرآن شاء لما روى " لا صلاة الا بفاتحة الكتاب وسورة معها " وفى رواية " و شىء معها ". ولمواظبته صلى الله عليه وسلم على ذلك، وأقل السور ثلاث آيات.
وفى فقه الإباضية: فرض الصلاة قراءة سورة مع الفاتحة بمحل الجهر على خلاف فى مقدار هذه السورة (26).
وعند المالكية: قال فى الشرح الصغير وسن قراءة آية(أى بعد الفاتحة) و اتمام السورة مندوب ويقوم مقام الآية بعض آيه طويلة له بال أى شأن نحو " الله لا إله إلا هو الحى القيوم (27) "، ولايكفى قراءة ذلك قبل الفاتحة. وإنما يسن ما زاد على أم القرآن فى الركعة الأولى والثانية إذا اتسع الوقت فإن ضاق بحيث يخشى خروجه بقراءتها لم تسن بل يجب تركها لإدراكه (28).
وعند الشافعية: يسن قراءة سورة ولو قصيرة فى الركعتين الأوليين من كل صلاة ولو نفلا بعد الفاتحة وذلك هيئة من هيئات الصلاة ولو تركها لا يسجد للسهو عنها.
ففى شرح الوجيز للرافعى قال: ويسن للإمام والمنفرد قراءة سورة بعد. الفاتحة فى ركعتى الصبح والأوليين من سائر الصلوات، وهذأ يتأدى بقراءة شىء من القرآن لكن السورة أحب حتى أن السورة القصيرة أولى من بعض سورة طويلة (29)
وعند الحنابلة: قال فى كشاف القناع:
" ثم يقرأ بعد الفاتحة سورة كاملة "، ولا خلاف بين أهل العلم فى استحباب قراءة سورة مع الفاتحة. فى الركعتين الأوليين من كل صلاة وتجزىء آية، إلا أن استحب أن تكون الأيه طويلة، كآية الدين وآيه الكرسى ، لتشبه بعض السور القصار (30).
وعند الإمامية ، قال فى المختصر النافع:
" وفى وجوب سور مع الحمد فى الفرائض للمختار مع سعة الوقت وإمكان التعلم قولان أظهرهما الوجوب " (31).
عند الزيدية: قال فى الروض النضير: ذهب القاسم والهادى والمريد بالله واختاره صاحب النجوم، ويحكى عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وعثمان بن إبى العاص الى أنه لابد من شىء مع الفاتحة.
فقال الهادى: ثلاث آيات لتسمى قرآنا. وقال القاسم والمزيد بالله أو آية طويلة. واحتجوا بحديث أبى داود والنسائى. " لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فصاعدا " (32)
ومذهب الظاهرية: قال ابن حزم فى المحلى: " والجمع بين السور فى ركعة واحدة فى الفرض والتطوع أيضا حسن، وكذا قراءة بعض السور فى الركعة فى
الفرض والتطوع أيضا حسن الإمام والفذ " (33).
هل الآية الواحدة تكفى فى الصلاة بدل الفاتحة ؟
مذهب جميع الأئمة فرضية قراءة الفاتحة فى الصلاة ما عدا مذهب الحنفية غير أن أبا حنيفة رحمه الله قال فيمن لا يحسن إلا آية واحدة لا يلزمه تكرارها بل يكفيه قراءتها مرة واحدة. وقال صاحباه لابد من ثلاث آيات.
أما مذهب الحنفية فان الفرض الذى تصح به الصلاة هو مطلق القراءة وعند أبى حنيفة يكفى قراءة آية ولو قصيرة وعند الصاحبين لابد من قراءة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة بمقدارها.
اما العاجز فقد قال فى منية المصلى:
" ومن كان لايحسن إلا قراءة آية واحدة من القرآن لا يلزمه تكرار تلك الآية عند أبى حنيفة ، وعندهما يلزمه التكرار ثلاث مرات. بناء على أن مذهبهما أن صحة الصلاة تتوقف على قراءة ثلاث آيات قصار أو آية طويلة تبلغ هذا المقدار من القراءة (34).
ثم قال: وأما القادر على قراءة آيه واحدة لو كرر نصف تلك الآية مرتين أو كرر كلمة مرارا حتى بلغ قدر آيه لا يجوز عند أبى حنيفة. وكذا القادر على قراءة ثلاث آيات لو كرر آية ثلاث مرات لا يجوز عندهما لأن التكرار لا يؤدى معنى المجموع من القرآنية فلا تجزىء عنه عند القراءة(35).
قراءة الآية بغير العربية فى الصلاة
مذهب الأئمة جميعا ما عدا الحنفية أنه لا تجزئ القراءة بغير العربية فى الصلاة مطلقا، سواء كان قادرا على العربية أم عاجزا عنها. أما الحنفية فقد قال فى الهداية " ثم جواز الصلاة وصحتها كما يثبت بالقراءة بالعربية يثبت بالقراءة بغيرها فارسية كانت أو غير فارسية وهو الصحيح من مذهب أبى حنيفة "(36)
وزاد فى المبسوط سواء كان يحسن العربية أو لا يحسنها ، فالقراءة جائزة غير أنه يكره أن كان يحتقن العربية، وقال أبو يوسف ومحمد إن كان لايحسن العربية يجوز. وإن كان يحسن العربية لا يجوز.
هل يغنى عن الآية أو الآيات شئ من الذكر أو الدعاء فى الصلاة
عند الشافعية والظاهرية: من عجز عن الفاتحة وغيرها من القرأن يأتى بذكر ودعاء بدلها وإن عجز عن الذكر والدعاء سكت بمقدار الفاتحة وليسع فى تعلمها وجوبا.
وعند الزيدية: من لا يحسن الفاتحة يسبح الله ويذكره بدل الفاتحة. قال فى الروض النضير: سألت زيد ابن على عن الأمى الذى لا يحسن أن يقرأ كيف يصلى؟
فقال: يسبح ويذكر اللّه تعالى ويجزئه ذلك (37).
وعند المالكية: إن لم يجد معلما أو لم يقبل التعليم يأتم بمن يحسنها. فإن لم يجد إماما سقطت القراءة عنه (38).
وعند الإمامية: قال فى المختصر النافع: ولو عجز سبح الله وكبره و هلله بقدر القراءة (39).
وعند الإباضية: أن قرأ القرأن بغير العربية أو قرأ غير القرآن فسدت الصلاة(40).
آيات سجود التلاوة:
تسمى سجود القراءة وسجود العزائم، كما فى المصباح. وعزائم السجود ما أمر بالسجود فيها وعدد آيات سجود. التلاوة عند الأحناف والشافعية والحنابلة والظاهرية أربع عشرة سجدة إلا أن بينهم خلافا فى تعيينها سنذكره إن شاء الله بعد.
وعند المالكية: عددها إحدى عشرة سجدة لأنهم يقولون ليس فى المفصل منها شىء.
وعند الإمامية والزيدية: إن آى السجود فى أربع سور من القرآن:
ا- حم السجدة، فصلت.
2- ألم، تنزيل (41).
3- سورة النجم.
4- وسورة اقرأ.
تعيين آيات السجود عند غير الإمامية و الزيدية:
اتفق الفقهاء ما عدا الإمامية و الزيدية
على عشرة مواضع:
1- آخر سورة الأعراف وهى قوله تعالى: " إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته و يسبحونه وله يسجدون ".
2- فى سورة الرعد وهى قوله تعالى " ولله يسجد من فى السموات والأرض طوعا وكرها و ظلالهم بالغدو والآصال ".
3- فى سورة النحل وهى قوله " ولله يسجد ما فى السموات وما فى الأرض من دابة والملائكة وهم لا يستكبرون يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون ".
4- فى سورة الإسراء وهى قوله تعالى: " إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا ".
5- فى سورة مريم وهى قوله تعالى:" أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين من ذرية آدم وممن حملنا مع نوح ومن ذرية إبراهيم وإسرائيل وممن هدينا وأجتبينا ، إذا تتلى عليهم آيات الرحمن خروا سجدا وبكيا ".
6- الأولى من سورة الحج وهى قوله تعالى: " ألم تر أن الله يسجد له من فى
السموات ومن فى الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس وكثير حق عليه العذاب، ومن يهن الله فما له من مكرم، ان الله يفعل ما يشاء".
7- فى سورة الفرقان وهى قوله تعالى: " وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا ".
8- فى سورة النمل وهى قوله تعالى: " ألا يسجدوا لله الذى يخرج الحبء فى السموات والأرض، ويعلم ما تخفون وما تعلنون. الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم ".
9- فى سورة ألم تنزيل، السجدة، وهى قوله تعالى: " إنما يؤمن بآياتنا الذين إذا ذكروا بها خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم وهم لا يستكبرون ".
10- فى حم، فصلت، السجدة وهى قوله تعالى: " ومن آياته الليل والنهار والشمس والقمر، لا تسجدوا للشمس ولا للقمر، واسجدوا لله الذى خلقهن إن كنتم إياه تعبدون، فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون "
وأما الآيات التى أختلف فيها الأئمة فهى آيه " ص " والآية الأخيرة من سورة الحج، والآيات الثلاث التى فى المفصل، واليك بيان مذاهبهم فيها:
فأما المالكية: فاعتبروا آيه " ص " هى الحادية عشرة، وهى قوله تعالى " وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا واناب "
واقتصروا فى عد آيات السجود على ذلك، ولم يعدوا منها آيات المفصل الثلاثة كما سبق.
وأما الأحناف فانهم وإن وافقوا المالكية فى عد آية " ص " من آيات السجود إلا أنهم زادوا على المالكية ثلاث آيات فى المفصل وهى ما يأتى:
1- فى سورة النجم وهى قوله تعالى: " أفمن هذا الحديث تعجبون وتضحكون ولا تبكون. وأنتم سامدون. فاسجدوا لله و اعبدوا".
-2- فى سورة الانشقاق، وهى قوله تعالى: " فما لهم لا يؤمنون. واذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون ".
3- فى سورة العلق، وهى قوله تعالى:
" كلا لا تطعه واسجد واقترب "... فهى عندهم أربع عشرة سجدة وآية " ص " منها.
وأما الشافعية: فقالوا أيضا: انها أربع عشرة سجدة ولم يعدوا آية " ص ". منها، بل عدوا بدلها الآيه التى فى آخر سورة الحج وهى قوله تعالى: " يأيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون ".
ووافق الحنابلة الشافعية فى عد لثانية من سورة الحج ولم يعدوا آبه " ص " من عزائم السجود بل اعتبروها كالشافعية سجدة تثكر تسن فى غير صلاة، لقول النبى صلى الله عليه وسلم: " سجدها داود توبة ونسجدها شكرا " رواه النسائى.
وأما الظاهرية: فقد وافقوا الأحناف فى عد آيه " ص " ولم يعدوا الآية الأخيرة من سورة الحج.
وقد علم مما سبق ان الإمامية (42) و الزيدية (43) يعدون آيات السجود أربعا فقط. ويقولون لما روى عن على عليه السلام أنه قال: عزائم القرآن أربع:
1- حم، السجدة، فصلت.
2- الم تنزيل، السجدة.
3- سورة النجم.
4- سورة اقرأ باسم ربك.
وسائر ما فى القرآن ان شئت فاسجد،
وان شت فاترك
وفى رواية ذكر سورة إذا السماء انشقت بدلا من سورة النجم، والذى حكاه فى مجموع زيد بن على عليه السلام نحو الرواية الأولى فقط.
ومذهب الإباضية فى آيات السجود: قال
فى النيل: " سن للتلاوة والسجود بلا إحرام ولا سلام بعده فى:
- خاتمة الأعراف.
2- الرعد.
3- النحل.
4- ا لا سراء.
5- مريم.
6- الحج.
7- الفرقان.
8- النمل.
9- الم تنزيل.
10- "ص".
11- حم، تنزيل من الرحمن الرحيم، عند قوله تعالى " لا يسأمون " (44).
حكم قراءة آية أو كتابتها للجنب و الحائض و النفساء وحكم مس آية وحملها لغير المتوضئ
مذهب الأحناف: قال فى الفتاوى الهندية وغيرها: يحرم على الجنب والحائض والنفساء قراءة شئ من القرآن ولو بالفارسية قل أو كثر، والآية ومادون الآية سواء فى التحريم على الأصح إلا إذا لم يقصد قراءة القرآن بما دون الآية مثل أن يقول الحمد لله عند الخبر السار أو يقصد بذلك شكر نعم الله تعالى عليه، أو يقول بسم الله عند الأكل أو الشرب أو للتبرك بها عند دخول مكان أو بدء عمل، أو سبحان الله عند ألاستحسان أو التعجب، أو يقرأ الآيات التى تشبه الدعاء قاصدا الدعاء لا التلاوة، مثل قوله تعالى: " ربنا آتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار (45) ".. فإن ذلك لا بأس به.
ولو قصد التعليم ولقن الآيه كلمة كلمة مع قطع الكلمات بعضها عن بعض جاز.
وكذا التهجى، والحائض والجنب فى ذلك - سواء على ما هو المختار من المذهب (46).
وفى الدر المختار مع حاشية ابن عابدين، وكذا يحرم على من أحدث حدثا أصغر
أو أكبر مس أى شىء مكتوب فيه آية أو أقل مثل الدرهم والجدار والورق وكذا المصحف (47).
وعند المالكية: قال. فى الشرح الكبير مع حاشية الدسوقى ، ومنع حدث أصغر أو
أكبر مس مصحف سواء كان مصحفا جامعا أو جزءا أو ورقة فيها بعض سورة أو لوحا
أو كتفا عليها آية أو آيات مكتوبة (48).
وعند الشافعية: قال ابن حجر،- ويحرم بالحدث الأصغر حمل المصحف ومس ورقه وحواشيه وجلده المتصل به لا المنفصل عنه (49).
مذهب الحنابلة: قال فى كشاف القناع، ويحرم على المحدث ولو أصغر مس مصحف وبعضه ولو من صغير حتى جلد المصحف وحواشيه وما فيه ومن ورق أبيض لأنه يشعله
اسم المصحف (50).
مذهب الظاهرية: قال ابن حزم فى المحلى وقراءة القرآن والسجود فيه ومس المصحف وذكر الله تعالى جائز كل ذلك بوضوء وبغير وضوء وللجنب وللحائض(51).
مذهب الإمامية: قال فى تذكرة الفقهاء:يحرم على الجنب قراءة العزائم دون ما عداها ويكره ما زاد على سبع آيات من غيرها.
وتتأكد الكراهة فيما زاد على سبعين (52).
مذهب الزيدية: قال فى البحر الزخار ما نصه: ولا يقرأ الجنب والحائض باللسان أو الكتابه المرتسمة ولو بعض آية، ويجوز ما فعل لغير التلاوة، وفى الروض النضير ما يفيد عدم جواز مس المصحف لهما (53).
مذهب الإباضية: قال: فى النيل: والأكثر على منع الجنب من القراءة ومس المصحف (54) ومنع الحائض من القراءة ومس المصحف (55).
حكم قراءة آية أو أكثر أو كتابتها وحملها لدفع ضر أو جلب نفع
- وقد ذكر الحافط ابن حجر فى فتح البارى ما يلى: قد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط:
ا- أن يكون بكلام الله تعالى أو بأسمائه وصفاته.
2- أن يكون باللسان العربى أو بما يعرف معناه من غيره.
3- أن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها (56) (انظر: رقية)
وقال الخطيب الشربينى الشافعى فى آخر باب الحيض: ويحرم مس ما فى لدرس قرآن ولو بعض آيه كلوح، لأن القران قد أثبت فيه الدراسة فأشبه المصحف.
أما ما كتب لغير الدراسة كالتميمة وهى ورقة يكتب فيها شئ من القرآن وتعلق على الرأس مثلا للتبرك. فلا يحل مسها ولا حملها.
ثم قال: ويكره كتابه الحروز (التمائم) وتعليقها ألا اذا جعل عليها وقاية كشمع أو نحوه.
ثم قال: ولا يكره كتب شئ من القرآن فى إناء ليسقى ماؤه للشفاء، وأكل الطعام (أى المكتوب عليه قرآن) كشرب الماء لا كراهة فيه (57).
حكم أخذ الاجرة على قراءة آية أو تعليمها
قال ابن عابدين فى حاشيته على الدر المختار: واختلف فى أخذ الأجرة على تعليم القرآن فقال الحاكم من أصحابنا فى كتابه الكافى: ولا يجوز أن يستأجر رجل رجلا ليعلم أولاده القرآن والفقه... إلخ.
ثم قال: وفى خلاصة الفتاوى لا يجوز الاستئجار على الطاعة كتعليم القرآن والفقه والأذان، يعنى لا يجب الأجر.
وفى الزيلعى: والفتوى اليوم على جواز الاستئجار لتعليم القرآن، وهو مذهب المتأخرين من مشايخ بلخ ، استحسنوا ذلك وقالوا: بنى المتقدمون الجواب على ما شاهدوه من قلة الحفاظ ورغبة الناس، وكان لهم عطيات فى بيت المال، فكانوا يفتون بوجوب التعليم خوفا من ذهاب القرآن. وتحريضا على التعليم فيكثر حفاظ القرآن. وأما اليوم فذهب ذلك كله، واشتغل الحفاظ بمعاشهم، وقل من يعلم حسبة، ولا يتفرغون له أيضا فان حاجتهم تمنعهم من ذلك، فلو لم يفتح لهم باب التعليم بالأجر لذهب القرآن. فأفتوا بذلك لذلك ورأوه حسنا، وقالوا: الأحكام تختلف
بإختلاف الزمان. ألا ترى أن النساء كن يخرجن الى الجماعات فى زمن الرسول صلى الله عليه وسلم وفى زمن أبى بكر رضى الله عنه حتى منعهن عمر رضى الله عنه واستقر الأمر عليه وكان ذلك هو الصواب (58).
وقال الصنعانى فى سبل السلام: ذهب الجمهور ومالك و الشافعى إلى جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن سواء كان المتعلم صغيرا أم كبيرا و لو تعين تعليمه، عملا بحديث البخارى عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم: " ان أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله " (59).
وقال ابن حزم فى المحلى: والإجارة جائزة على تعليم القرأن وعلى تعليم العلم مشاهرة وجملة وكل ذلك جائز، وعلى الرقى وعلى نسخ المصاحف ونسخ كتب العلم لأنه لم يأت فى النهى نص، بل جاءت الاباحة فى حديث " أن أحق ما أخذتم عليه أجرأ كتاب الله (60)
وفصلت الإمامية بين الأجر الذى يؤخذ بطريق الاشتراط وبين ما لم يكن مشروطا بل جاء بطريق الإهداء:
1- ففى تذكرة الفقهاء قال: يجوز أخذ الأجرة على تعليم الحكم والآداب والأشعار وتكره على تعليم القرآن، لحديث " من أخذ على تعليم القرآن أجرا كان حظه يوم القيامة "
2- وورد عن الصادق عليه السلام قال:
" المعلم لا يعلم بالأجرة ويقبل الهدية إذا أهدى اليه ".
3- ولا تنافى بين الخبرين لأن الأول محمول على أنه لا يجوز له أن يشارط فى تعليم القرآن أجرا معلوما. والثانى على أنه ان أهدى إليه بشىء ، وكرم بتحفة جاز له أخذها (61).
وفى كشاف القناع: ويحرم ولا يصح اجارة على عمل لا يقع الا قربه لفاعله ويصح أخذ جعالة على ذلك كما يجوز أخذه عليه بلا شرط وكذا حكم الرقية (62).
مذهب الإباضية: فى حكم أخذ الأجرة على التعليم والقراء ة ، قال فى النيل (63): " وجاز أخذ عوض على تعليم القرآن وعمل مؤد لنفعه ونفع مؤاجره ".
هل تعليم آية او آيات من القرآن
يجزئ مهرا الزوجة
قال فى البحر الرائق شرح كنز الدقائق:
" يجب مهر المثل اذا جعل الصداق تعليم القرآن لأن المشروع إنما هو الابتغاء بالمال.، أى وهو قوله تعالى: " وأحل لكم ما وراء ذلكم أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مسافحين " (64).
والتعليم ليس بمال، وكذا المنافع على أصلنا لأن التعليم عبادة فلا يصح أن يكون صداقا، ولأن قوله تعالى: " فنصف ما فرضتم (65) " يدل على انه لابد أن يكون المفروض مما له نصف حتى يمكنه أن يرجع عليها بنصفه اذا طلقها قبل الدخول بعد القبض، ولا يمكن ذلك فى التعليم.
وأما قوله صلى الله عليه وسلم:
" زوجتكما بما معك من القران " فليست الباء متعينة للعوض لجواز أن تكون للسببية أو للتعليل أى لأجل أنك من أهل القرآن أو المراد ببركة ما معك من القرآن فلا يصلح دليلا (66).
وفى حاشية ابن عابدين الحنفى قال: يجب مهر المثل فيما لو تزوجها على أن يعلمها القرآن أو نحوه، لأن المسمى ليس بمال كما فى البدائع لعدم صحة الاستئجار على الطاعات عند أئمتنا الثلاثة رحمهم الله تعالى ثم قال: ولما جوز الامام الشافعى رحمه الله أخذ الأجرة على تعليم القرآن صح تسميته مهرا (67).
وفى كشاف القناع (68): وان أصدقها تعليم شئ معين من القرآن لم يصح الإصداق ، لأن الفروج لا تستباح إلا بالمال لقوله تعالى: " أن تبتغوا بأموالكم " " ومن لم يستطع منكم طولا (69) " والطول المال، ولأن تعليم القرآن قربة، ولا يصح ان تكون صداقا كالصوم. وحديث الموهوبة معناه زوجتكها لأنك من أهل القرآن.
وفى البحر الزخار (70) للزيدية قال: ويصح جعل تعليم القرآن أو بعضه مهرا. فتطالبه بالتعليم على عادة المعلمين، ولها المطالبة بأى السور لاستوائها فى الفضل، فإن سميت بعضا لزمه بعينه لسؤاله صلى الله عليه وسلم خطيب الواهبة عما معه من القرآن فقال البقرة و التى تليها، فقال: " زوجتكها على أن تعلمها عشرين آية " ويصح أصداق الكتابية تعليم القرآن ان رجا إسلامها لقوله تعالى " حتى يسمع كلام الله " (71).
وفى المختصر النافع للإمامية: قال: كل ما يملكه المسلم يكون مهرا عينا كان أو دينا أو منفعه كتعليم الصنعة والسورة ويستوى فيه الزوج و الأجنبى (72).
فى المحلى لابن حزم قال: وجائز أن يكون صداقا كل ماله نصف قل أو كثر ولو إنه حبة بر أو حبة شعير أو غير ذلك، وكذا كل عمل حلال موصوف كتعليم شىء من القرآن، أو من العلم أول البناء أو الخياطة أو غير ذلك اذا تراضيا بذلك (73).
الاستماع الى صدى الصوت
قال فى غنية المتملى ، مذهب الأحناف: ولو تهجى آية السجود لا يجب عليه السجود ولا على من سمعه لأنه تعداد للحروف وليس بقراءة وكذا لايجب بالكتابة أو النظر من غير تلفظ لأنه لم يقرأ ولم يسمع ولو سمعها من الطائر أو الصدى (صدى الصوت) لا يجب السجود لأنها محاكاة (74) (انظر مادة قرآن).
هل الآية الواحدة تسمى قرآنا؟
قال ابن حزم فى المحلى: وبعض الآية و الآية قرآن بلا شك (75).
وقال ابن حزم أيضا: ومن الآيات ما هو كلمة واحدة مثل " والضحى. والعصر. والفجر. و مدهامتان " ومنها كلمات كبيرة (76).
وفى البرهان للزركشى: حد الأيه قرآن مركب من جمل ولو تقديرا ذو مبدأ ومقطع مندرج فى سورة (78).
وقال فى المجموع للنووى: والمذهب أن البسملة قرآن فى أوائل السور غير براءة وأنها آية كاملة بلا خلاف (79).

__________

(1) ج4 ص302.
(2) نهاية المحتاج ج7ص421
(3) ابن عابدين ج3 ص315.
(4) ج1 ص166.
(5) سورة النمل:30.
(6) ج3 ص334.
(7) ج3 ص333.
(6) ج3 ص335.
(8) ص5 ،6.
(9) الخداج: النقصان.يقال خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج.
(10) صحيح مسلم ج4 ص101 ،102.
(11) ج1 ص223.
(12) ج1 ص113 طبع حجر.
(13) الحجر:87.
(14) ج4 ص244.
(15) ج2 ص251.
(16) سورة يونس:10.
(17) ج1 ص10،11.
(18) ج1 ص60.
(19) سورة النمل:98.
(20) ج1 ص12.
(21) جواهر الأكليل على شرح خليل ج1 ص53.
(22) ص188.
(23) ج1 ص117 ، 118.
(24) ج1 ص480
(25) ج1 ص113
(26) ج1 ص26
(27) سورة البقرة:255.
(28) ج1 ص107.
(29) ج3 ص354.
(30) ج1 ص228.
(31) ج1 ص160.
(32) كتاب النيل ج1 ص61.
(33) ج1 ص54.
(34) ج2 ص22 ، 23.
(35) ج3 ص56.
(36) ج3 ص279.
(37) ج2 ص200.
(38) ج2 ص23.
(39) حاشية الصفتى ص147 ، 148.
(40) ص30.
(41) النيل ج1 ص62.
(42) سورة السجدة.
(43) تذكرة الفقهاء ج1 ص115.
(44) البحر الزخار ج1 ص343.
(45) ج1 ص100 من كتاب النيل.
(46) سورة البقرة:200.
(47) ج1 ص38،39.
(48) ج2 ص122.
(49) ج1 ص135.
(50) ص76 -80.
(51) ج1 ص100 ،101.
(52) ج1 ص77.
(53) ج1 ص23.
(54) ج1 ص103.
(55) ج1 ص17.
(56) ج1 ص34.
(57) ج1 ص153.
(58) ج1ص92.
(59) ج5 ص124.
(60) ج3 ص110.
(61) ج8 ص193.
(62) من تذكرة الفقهاء باب أنواع الكسب ج1.
(63) ج2 ص 300 ، 301.
(64) ج2 ص78.
(65) سورة النساء:24.
(66) سورة البقرة:237.
(67) ج3 ص168.
(68) ج2 ص342 ، 343.
(69) ج3 ص77.
(70) سورة النساء:24 ، 25.
(71) ج3 ص108.
(72) سورة التوبة:6.
(73) ص212.
(74) ج9 ص494.
(75) ج ص 500.
(76) ج1 ص78.
(77) ج1 ص79.
(78) ج1 ص266.
(79) ج3 ص333.

(1/17)