صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : بحوث لبعض النوازل الفقهية المعاصرة
كتبها : أحد طلبة العلم

بحوث لبعض النوازل الفقهية المعاصرة
كتبها : أحد طلبة العلم

(1/1)


المقدمة
إن الحمد لله ، نحمده ، ونستعينه ، ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله (صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) أما بعد:
فإن دين الإسلام هو خاتم الرسالات أتم الله بكماله النعمة على عباده ولما كان الأمر كذلك فإنه دون أدنى شك صالح لأن يعمل به في كل زمانٍ ومكان ، ومما يجعله كذلك اتسام تشريعاته باليسر والسهولة ودرئه للمفاسد ومراعاة المصالح وتقديم العامة منها على الخاصة ، وجمعه في وقتٍ واحدٍ بين التمسك بالمباديء والقيم وبين الواقعية والمراد بالواقعية هنا أنه يمكن تطبيقه على أرض الواقع بلا حرجٍ ومشقة ، لا بمعنى الخضوع للواقع كما يحلو للبعض أن يفسر به الواقعية ، والمسلم يؤمن بذلك على كل حال لكنه حينما يدرس عن قرب ما استجد من أمور(1) ليرى هل يجد لها في الإسلام حكماً ينبهر حينما يجد أن علماء الإسلام قديماً وحديثاً كتبوا في مسائل كثيرة دقيقة ومتنوعة ومما ساعدهم على ذلك عملهم بالقياس وتطبيقهم للقواعد الفقهية التي يمكن أن يندرج تحتها كثيرٌ من المسائل بل لقد ألف بعض العلماء قديماً كتباً في النوازل خاصة ، وفي العصر الحاضر أقيمت المجامع الفقهية لبحث النوازل المستجدة ، وقد من الله علينا بدراسة مقرر (فقه النوازل) بمرحلة الدكتوراة فشعرنا حينها بشعورين متناقضين شعور بالفرح والسرور وشعور بالأسى والحزن فالسرور اسشعاراً بنعمة الله علينا بهذا الدين وانتسابنا إليه ، والأسى لأن كثيراً من المسلمين في بلادٍ كثيرةٍ
__________
(1) - وقد استجدت أمور كثيرة وخاصةً في النواحي المالية والطبية ، وقد تكون بعض النوازل مما عمت به البلوى واحتاج إليه الناس ، وبعضها بسبب تساهلهم في الحرام وتقليدهم للكفار ، وقد قال عمر بن عبدالعزيز -رحمه الله-: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور.

(2/1)


أعرضوا عنه واستبدلوه بآراء البشر وأفكارهم ، ومما حبب إلينا هذا المقرر أسلوب شيخنا الدكتور/ عبدالله بن محمد الطريقي (حفظه الله) حيث كان يطرح المسائل للنقاش ويكلفنا بالبحث فيها لنقف على مصادر بحثها عن كثب ، فنسأل الله تعالى أن يجعل ذلك في ميزان حسناته وأن ينفعنا بما تعلمنا وأن يجعله حجةً لنا لا علينا.

(2/2)


بعض النوازل في العبادات

(3/1)


استعمال مياه الصرف الصحي

التمهيد:مياه الصرف الصحي بعد أن يتم تنقيتها وإزالة ما علق بها من أوساخ هل تصبح طاهرة باعتبار ما آلت إليه أم أنها تبقى نجسة باعتبار حالها الأول.
هذا يتطلب منا الرجوع إلى أقوال العلماء في كيفية تطهير الماء.
أقوال العلماء في تطهير الماء:
1- قال الجمهور: تطهير المياه إما بصب ماءٍ طهور عليها، أو نزح بعضها، أو زوال التغير بنفسه. إلاّ أن الشافعية والحنابلة يشترطون فيما نزح بعضها بان يبقى بعد النزح قلتان فأكثر، وللمالكية في النزح قولان.
2- وقال الحنفية: يطهر الماء النجس بنزح مقدار منه ، لكن يختلف مقدار ما ينزح لتحصل به الطهارة للباقي باختلاف نوع النجاسة واختلاف أحوالها.
ومما سبق يتضح لنا أن الجمهور يرون تغير الماء بنفسه إما بالشمس أو غيرها سبباً في طهارته ، لأنه استحال إلى شيءٍ طاهر.
وقد اختلف العلماء في الاستحالة.
1- فقال الحنفية والشافعية وهي رواية عن أحمد اختارها ابن تيمية(1): يطهر الشيء باستحالته عن النجاسة ، واستدلوا بما يلي:
1- أن عين النجاسة قد زالت واستحالت فلم يبق لها أثر فينبغي أن ينتفي حكمها ، لأنها صارت من الطيبات ، والله تعالى يقول: (ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث (. قال ابن حزم: (إذا استحالت صفات عين النجس أو الحرام فبطل عنه الاسم الذي به ورد ذلك الحكم وانتقل إلى اسمٍ آخر وارد على حلالٍ طاهر فليس هو ذلك النجس ولا ذلك الحرام، بل قد صار شيئاً آخر ذا حكم آخر) .
__________
(1) - وفرق الشافعية بين ما هو نجس لعينه أو لمعنى فيه، وفي الفتاوى الهندية عد المطهرات فذكر منها الاستحالة.

(4/1)


2- القياس على ما يطهر بالاستحالة كالمسك فإنه طاهر مع أنه من الدم ، لأنه استحال عن جميع صفات الدم ، والخمرة تطهر إذا انقلبت بنفسها خلاً، والدم يصبح منياً، والعلقة تصبح مضغة، ولحم الجلالة الخبيث يصبح طيباً إذا علف الطيب، وما سقي بنجس إذا سقي بالماء الطاهر، والجلد يصبح طاهراً بعد الدبغ.قال ابن تيمية (رحمه الله): وتنازعوا فيما إذا صارت النجاسة ملحاً في الملاحة أو صارت رماداً ، أو صارت الميتة والدم والصديد تراباً كتراب المقبرة فهذا فيه خلاف ، ثم قال: والصواب أن ذلك كله طاهر إذ لم يبق شئ من النجاسة لا طعمها ولا لونها ولا ريحها. وقال ابن قدامة (رحمه الله): يتخرج أن تطهر النجاسات كلها بالاستحالة.
اعتراض ودفعه: أن الخمر إذا انقلبت خلاً بنفسها طهرت، وإذا خللت لم تطهر فيقاس عليها غيرها. والجواب: أن الخمرة إنما لم تطهر لأنه يحرم تخليلها، ولأن اقتناء الخمر حرام فمتى قصد باقتنائها التخليل كان قد فعل محرماً، والله أعلم.
2- وقيل بأن النجاسات لا تطهر بالاستحالة وهي وراية عن أحمد وقول لمالك، وللشافعي فيما نجاسته عينية كالميتة ، واستدلوا بما يلي:
1- أن النجاسة لم تحصل بالاستحالة فلم تطهر بها كالدم إذا صار قيحاً وصديداً.
2- واحتياطاً للشك في النجاسة. 3- ولأن الأجزاء الجديدة هي تلك الأجزاء السابقة للنجاسة. 4- قياساً على الجلالة فمع أن النجاسة استحالت لم يحكم بطهارتها.
ونوقش بأن النجاسة قد زالت ، وأما الجلالة فإنها تطهر بإطعامها الطاهر.
الترجيح: الراجح هو طهارة مياه الصرف الصحي إذا زالت النجاسة تماماً لزوال أوصافها وهي اللون والطعم والرائحة فتعود المياه إلى أصلها وهو الطهورية وإن كان ينبغي للمسلمين اجتنابها اكتفاءً بالمياه الأخرى ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً احتياطاً ، ولأن النفس قد تعاف تلك المياه وتستقذرها، وهذا ما أفتتنت به اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء.

المراجع:

(4/2)


مجلة البحوث الإسلامية. العدد 35، الصفحة 35. وذكر بها عدد من المراجع الفقهية وغيرها.

(4/3)


زكاة الأسهم والسندات
تعريف الأسهم والسندات:
السهم: صك يمثل حصة في رأس مال شركة مساهمة.
أو نقول الأسهم: صكوك متساوية القيمة، غير قابلة للتجزئة وقابلة للتداول بالطرق التجارية، وتمثل حقوق المساهمين في الشركات التي أسمهوا في رأس مالها.
السندات: جمع سند، والسند: صك مالي قابل للتداول، يمنح للمكتتب لقاء المبالغ التي أقرضها، ويخوله استعادة مبلغ القرض، علاوة على الفوائد المستحقة، وذلك بحلول أجله. أو نقول: تعهد مكتوب بملبغ من الدين (القرض) لحامله في تاريخ معين نظير فائدة مقدرة.
الفرق بين السهم والسند:
1- السهم يمثل جزءً من رأس مال الشركة، وأما السند فيمثل جزءً من قرض على الشركة أو الحكومة. 2- السهم تتغير قيمته.
3- حامل السند يعتبر مقرضاً أما حامل السهم فيعتبر مالكاً لجزء من الشركة ، ولذلك فإن السهم يعطي حامله حق التدخل في الشركة.
4- للسند وقت محدد لسداده أما السهم فلا يسدد إلاّ بعد تصفية الشركة.
5- السند عند الإفلاس يوزع بالحصص ، أما السهم فيأخذ مالكه نصيبه بعد سداد الديون.
حكم الأسهم والسندات:
الأسهم هي أجزاء تمثل رأس مال لشركة قد تكون صناعية أو زراعية ، فهي جائزة شرعاً إذا كان النشاط مباحاً ، ومما يدل على جوازها القياس على ما حدث مع تماضر الأشجعية في عهد عثمان بن عفان (() بعد استشارة الصحابة حيث أعطيت مقابل سهمها من التركة 80 ألف دينار ، وكانت التركة أنواعاً من المال النقدي والعيني.
... وكون الأسهم تحتوي على نقود فهذا لا يمنع من حلها ولا يكون بيع نقدٍ بنقدٍ لأن النقد تابع لغيره والقاعدة تقول: يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً ، وفي الحديث عن ابن عمر (رضي الله عنه) أن النبي (() قال: من باع عبداً وله ما ل فماله للبائع إلاّ أن يشترطه المبتاع. رواه مسلم.
وأما السندات فمحرمة لأنها مبنية على الربا.
زكاة الأسهم والسندات:
سنبدأ بالسندات لأن الأسهم تحتاج إلى تفصيل.

(5/1)


1- السندات محرمة لما سبق ولكن هل تزكى ؟ ما يأخذه من الربا يجب عليه أن يتخلص منه بإعادته إلى صاحبه وإذا لم يعلم صاحبه فيتصدق به جميعه بنية جعل الثواب لصاحبه. وقال الشيخ الزحيلي: بالرغم من تحريم السندات فإنها تجب زكاتها لأنها تمثل ديناً لصاحبها ، وتؤدى زكاتها عن كل عام عملاً برأي جمهور الفقهاء غير المالكية، لأن الدين المرجو (وهو ما كان على مقرٍ موسرٍ) تجب زكاته في كل عام، وشهادات الاستثمار أو سندات الاستثمار هي في الحقيقية سندات وتجب فيها الزكاة وإن كان عائدها خبيثاً وكسبها حراماً ، وتزكى السندات كزكاة النقود… وذلك لأن تحريم التعامل بالسندات لا يمنع من وجود التملك التام فيجب فيها الزكاة، أما المال الحرام غير المملوك كالمغصوب والمسروق ومال الرشوة… والربا ونحوها فلا زكاة فيه لأنه غير مملوك لحائزه ويجب رده لصاحبه الحقيقي منعاً من أكل أموال الناس بالباطل فإن بقي في حوزة حائزه وحال عليه الحول ولم يرد لصاحبه فيجب فيه زكاته رعاية لمصلحة الفقراء.أ.هـ وذكر ابن تيمية (رحمه الله) أن المال إن كان أهله غير معروفين ولا معينين كالأعراب المتناهبين تجب فيه الزكاة.
2- الأسهم: تنقسم الأسهم إلى ثلاثة أنواع:
1- الأسهم في شركة زراعية فتخرج زكاتها كما في زكاة الزروع والثمار.
2- أسهم في شركات تجارية فتجب زكاة الأسهم جميعها كعروض التجارة، وتقدر فيها الأسهم بقيمتها في السوق وقت وجوب الزكاة
3- أسهم في الشركات الصناعية فهذه اختلف في زكاتها:
أ- فقيل: تجب الزكاة في صافي الربح لا في المعدات والمباني ونحوها ، اختار هذا القول الشيخ عبدالرحمن عيسى في كتابه المعاملات الحديثة وأحكامها.
ب ـ وقيل: لا فرق بين الأسهم في شركاتٍ صناعية أو تجارية ما دامت معدة للتجارة ولما في التفريق بينهما من المشقة ، واختار هذا القول الشيخ يوسف القرضاوي.

(5/2)


3- وفرق بعض العلماء بينها بحسب النية فإن كان المساهم يقصد الاستمرار في تملك حصةٍ شائعة في الشركة وأخذ العائد الدوري فلا يزكي الأصول، وإن كان تملكه على سبيل المتاجرة فيزكيها باعتبار قيمتها السوقية ، وهذا قول الشيخ: عبدالله بن منيع.
ونوقش هذا القول بأنه تفريق بين المتماثلين.
وأجيب بأن النية لها دور في تغيير الزكاة كما في التملك للقنية والسكنى ، والتملك للتجارة، ولأن من لا يقصد المتاجرة قد تمضي عليه فترة طويلة لا يبيع فيها ثم قد تنخفض الأسعار بخلاف الأول فإنه يبيع ويشتري دوماً.
الترجيح:
الراجح والله أعلم هو القول الأول لما تقرر لدى الفقهاء من أن آلات الصناعة والمباني ونحوها لا زكاة فيها إذا لم تكن هي ذاتها معدة للتجارة.

المراجع:
1ـ مجلة مجمع الفقه الإسلامي. العدد (4)، ج (1) ص 707.
2ـ بحوث في الاقتصاد الإسلامي ، لعبدالله بن سليمان بن منيع ص (67).
3- مجموع رسائل الشيخ/ عبدالله المحمود. 4- زكاة الأسهم والسندات للشيخ/ صالح السلان. 5- أبحاث فقهية في قضايا الزكاة المعاصرة.

(5/3)


إثبات رؤية الهلال بالمنظار
اتفق العلماء على أنه لا يثبت دخول شهر رمضان بحساب الفلكيين، ويثبت دخوله برؤية الهلال ، لقول الرسول الكريم (((: صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته. ولكن هل هذه الرؤية مقصورة على الرؤية بالعين المجردة ؟.
يقول سماحة الشيخ عبدالعزيز بن باز (رحمه الله): ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية (رحمه الله) في رسالة صنفها في هذه المسألة(1) كما جاء في المجلد (25) من الفتاوى صفحة (132) إجماع العلماء على أنه لا يجوز العمل بالحساب في إثبات الأهلة وهو (رحمه الله) من أعلم الناس بمسائل الإجماع والخلاف. ونقل الحافظ في الفتح ج4 صفحة (127) عن أبي الوليد الباجي: إجماع السلف على عدم الاعتداد بالحساب، وأن إجماعهم حجة على من بعدهم. والأحاديث الصحيحة عن النبي((( كلها تدل على ما دل عليه الإجماع المذكور. ولست أقصد من هذا منع الاستعانة بالمراصد والنظارات على رؤية الهلال، ولكني أقصد منع الاعتماد عليها أو جعلها معياراً للرؤية لا تثبت إلاّ إذا شهدت لها المراصد بالصحة، أو بأن الهلال قد ولد، فهذا كله باطل.
__________
(1) قصد مسألة إثبات دخول الشهر بالحساب، وسيأتي الكلام عن الرؤية.

(6/1)


وقال الشيخ محمد بن عثيمين (رحمه الله): لا يجوز اعتماد حساب المراصد الفلكية إذا لم يكن رؤية، فإذا كان هناك رؤية ولو عن طريق المراصد الفلكية فإنها معتبرة لعموم قول النبي(((: إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا. أما الحساب فإنه لا يجوز العمل به ولا الاعتماد عليه، وأما استعمال ما يسمى (بالدربيل) وهو المنظار المقرب في رؤية الهلال فلا بأس به ولكن ليس بواجب، لأن السنة أن الإعتماد على الرؤية المعتادة لا على غيرها. ولكن لو استعمل فرآه من يوثق به فإنه يعمل بهذه الرؤية، وقد كان الناس قديماً يستعملون ذلك لما كانوا يصعدون (المناثر) في ليلة الثلاثين من شعبان أو ليلة الثلاثين من رمضان فيتراءونه بواسطة هذا المنظار، على كل حال من ثبتت رؤيته بأي وسيلة فإنه يجب العمل بمقتضى هذه الرؤية لعموم قوله(((: إذا رأيتموه فصوموا، وإذا رأيتموه فأفطروا. أ هـ.
ضوابط استخدام المنظار والمراصد:
1- الاستعانة بها لا الاعتماد عليها وجعلها معياراً للرؤية لا تثبت الرؤية إلاّ إذا شهدت لها المراصد.
2- عدم التكلُّف والتمحل في استخدامها.
3- تحقق الرؤية البصرية من خلالها.
4- أن تكون بأيدي إسلامية عدْلة.
5- أن تعطي الصورة للموقع نفسه إذ لو لم تكن كذلك فقد تعطى صورة لموقع سابق فلا يكون الهلال ولد في نفس البلد.
المراجع:
1- مجلة البحوث الإسلامية. صفحة (276).
2- من فتاوى أئمة الإسلام في الصيام. إعداد: أحمد بن عبدالله العلان صفحة (448).
3- مجلة مجمع الفقه الإسلامي. عدد 3 ج2.
4- فتاوى اللجنة الدائمة. 10/98.

(6/2)


5- - توضيح الأحكام ، للشيخ: عبدالله البسام(1)
__________
(1) - ومن النوازل في العبادات أيضاً: معرفة أوقات الصلوات في الأماكن التي لا تغيب فيها الشمس أو لا تطلع لمدةٍ طويلة كستة أشهر ، مثلاً ففي مثل هذه الحال إذا لم يكن الشفقان (شفق الغروب والشروق) يتمايزان فلا يتميز الليل والنهار في خلال أربعةٍ وعشرين ساعة فإنه يقدر الوقت بالنظر لأقرب البلدان إليها (وقال بعضهم بالنسبة لمكة والمدينة والأول أصح) ودليل التقدير القياس على ما ورد في حديث النواس بن سمعان (رضي الله عنه) الذي ذكر فيه الدجال ، وفيه: قالوا: يا رسول الله: : مالبثه في الأرض ؟ قال: أربعون يوماً : يومٌ كسنة ، ويوم كشهر ، ويومٌ كجمعة ، وسائر أيامه كأيامكم قالوا: يا رسول الله فذاك اليوم كسنة ، أتكفينا فيه صلاة يوم ؟ قال: لا ، اقدروا له قدره. فكذلك الحال هنا ، وبالنسبة للصيام كذلك. وأما إذا لم يزد مجموع الليل والنهار عن أربعٍ وعشرين ساعة فيبقى الحال على الأصل ولو طال النهار عملاً بأحاديث التوقيت.
المراجع: قرارات مجلس المجمع الفقهي الإسلامي ص89.
مجلة البحوث الفقهية المعاصرة 1/222.
ومن النوازل في الصيام: بعض المواد المختلف في تفطيرها للصائم كبخاخ الربو فقد قيل لا يفطر لأنه يصل للرئتين ، وقيل: يفطر لأن به بعض المواد التي تصل للمعدة. وانظر مجلة الحكمة عدد14 ص97.
وانظر في علاج الأسنان في نهار رمضان مجلة البحوث الإسلامية 58/113.

ومن النوازل في الحج : الطواف والسعي ورمي الجمار من الطابق العلوي ، وقد ذكرت مسألة الطواف في مواهب الجليل 3/75 عند ذكره لاشتراط الطواف داخل المسجد حيث قال: ومثله والله أعلم من طاف على سطح المسجد ، وهذا ظاهر ولم أره منصوصاً وصرح الشافعية والحنفية بأنه يجوز الطواف على سطح المسجد ولم يتعرض لذلك الحنابلة والله أعلم أ.هـ. ودليل الجواز أن الهواء له حكم القرار وقياساً على الصلاة على سطح المسجد فإنه يجوز لكن بشرط ألا يخلو الأسفل من المصلين. وانظر: مجلة البحوث الإسلامية 1/182.
ومنها: إذا ضاقت منى عن الحجاج كما يحدث في هذه الأزمان لكثرة الحجاج بسبب سهولة السفر ، فقيل: يسقط عنه المبيت لأن الواجب المبيت في منى فلو بات خارجها لم يجزه فيسقط عند العذر للعجز عنه وهذا القول للشيخ/ عبدالعزيز بن باز (رحمه الله). وقيل: بل يبيت بالقرب من منى إلى أقرب خيمة ، ولا بأس بذلك إذا اتصلت الخيام قياساً على الصلاة خارج المسجد إذا اتصلت الصفوف وقال به الشيخ/ محمد بن عثيمين (رحمه الله).
ومن النوازل في الجهاد: العمليات الفدائية ، أو الانتحارية ، أو الاستشهادية ، وإنما اختلف في تسميتها بحسب النظرة لها.
وصورتها: أن يقوم شخصٌ بتفجير نفسه وسط الأعداء فيحدث ذلك ضرراً فيهم ولكنه يكون هو أيضاً من جملة القتلى ، وقد يقود سيارة ممتلئة بالمتفجرات فيصطدم بالأعداء ونحو ذلك.
الحكم الشرعي: قال أكثر العلماء المعاصرين بجوازها إذا ترتب عليها مصلحة كبيرة للإسلام والمسلمين ، وممن قال بالجواز الشيخ/ عبدالله بن حميد -رحمه الله-، والشيخ/ عبدالله بن منيع ، والشيخ الدكتور/ وهبة الزحيلي ، والشيخ الدكتور/ يوسف القرضاوي ، وبه صدرت الفتوى من مجموعة من علماء الأردن ، ومن الأدلة على الجواز ما يلي:
1- قوله تعالى (إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة ، يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون ) الآية. ووجه الدلالة: أن الله اشترى من العباد إتلاف أنفسهم وأموالهم في طاعته ، وهلاكها في مرضاته.
2- قصة الغلام الذي دل الملِك على كيفية قتله بأن يقول: باسم الله رب الغلام ، وهذا بيانٌ منه للصفة التي تؤدي إلى قتله ولكنه من أجل الدين فجاز قال ابن تيمية: إن الغلام أمر بقتل نفسه من أجل مصحة الدين أ.هـ وكونه لم يباشر القتل بنفسه لا يؤثر فالمباشرة لا أثر لها في تغيير الحكم.
3- حديث أبي هريرة (رضي الله عنه): من خير معاش الناس رجلٌ ممسكٌ بعنان فرسه كلما سمع هيعةً أو فزعةً طار إليها يبتغي الموت من مظانه رواه مسلم. فهذه العمليات المراد بها: طلب الشهادة والنكاية بالعدو فهي جائزة. وإنما يحرم قتل النفس وإلقاؤها في التهلكة لا لغرضٍ شرعي.
4- القياس على الانغماس في العدو الجائز ، ومما يدل على جوازه " فعل البراء بن مالك (رضي الله عنه) في حرب المرتدين حيث طلب من الصحابة أن يضعوه في ترس فيلقوه على الأعداء مع أنه يغلب على الظن الهلاك بمثل هذا العمل". وأيضاَ إنكار أبي أيوب (رضي الله عنه) على من عابوا على من ألقى بنفسه وسط الأعداء ، واحتجوا بقوله تعالى ( وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم للتهلكة) فرد عليهم وذكر أنها نزلت في الصحابة لما قال بعضهم: هلم نقيم في أموالنا ونصلحها وندع الجهاد. وأيضاً قصة عمير بن الحمام –رضي الله عنه- قال النووي تعليقاً على الحديث: فيه جواز الانغمار في الكفار والتعرض للشهادة ، وهو جائزٌ بلا كراهة عند جماهير العلماء. وقال الأبي: حمل الواحد على الجماعة وإن علم أنه يقتل في حملته أجازه عمر وأبو هريرة وفعله كثيرٌ من السلف ، وليس من الإلقاء باليد إلى التهلكة ، وتلو في ذلك (ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله) قال محمد بن الحسن: يجوز ، حتى لو حمل واحد على ألف إذا طمع الفجأة ، أو نكاية ، أو يقتدي به غيره ، أو يرهب العدو مما يريهم من صلابة المسلمين في دينهم ، وإلا فهو مكروه). وذكر ابن حجر من الفوائد في قصة أنس بن النضر : (جواز بذل النفس في الجهاد ، ..وأن طلب الشهادة في الجهاد لا يتناوله النهي عن الإلقاء إلى التهلكة).
وأما التفريق بكون العمليات الاستشهادية الموت فيها محقق بخلاف الانغماس في العدو فيجاب بأن غلبة الظن تنزل منزلة اليقين ، فقد جاء في القواعد للمقري قوله: قاعدة: المشهور من مذهب مالك أن الغالب مساوٍ للمحقق في الحكم. وقال الشاطبي في الاعتصام 2/14: الحكم بغلبة الظن أصل الأحكام.
واشترط الشيخ/ محمد ناصر الدين الألباني –رحمه الله- للجواز وجود الأمير والجيش والحكم الإسلامي ، ليكون ذلك أنكى للعدو ولاختيار الوقت المناسب ، ولئلا يعود أثرها بالضرر على الأمة.
وأما الشيخ/ محمد بن صالح بن عثيمين –رحمه الله- فقال كما في اللقاء الشهري ص74: هذا الشاب الذي وضع على نفسه اللباس الذي يقتل أول ما يقتل نفسه ، فلا شك انه هو الذي تسبب في قتل نفسه ، ولا يجوز مثل هذه الحال إلا إذا كان في ذلك مصلحة كبيرة ، ونفع عظيم للإسلام كان ذلك جائزاً. وفي شرحه لرياض الصالحين 1/165 ذكر أنه من قتل النفس المحرم وفاعله ليس بشهيد ، لأنه لم ينتفع بذلك الإسلام بل ربما يتعنت العدو أكثر ويوغر صدره هذا العمل فيفتك بالمسلمين ، وإن كان إذا فعله متأولاً نرجو أن يسلم من الإثم.
وقال الدكتور/ محمد خليل هيكل بجوازها عند الضرورة فقط قياساً على ما إذا تترس العدو بالمسلمين ، والله أعلم.
المراجع:
1- تفسير القرطبي للآية (195) من سورة البقرة.
2- مشارع الأشواق إلى مصارع العشاق ، لابن النحاس.
3- العمليات الاستشهادية في الميزان الفقهي ، لنواف هايل التكروري ط2/1418هـ.
4- العمليات الاستشهادية وآراء الفقهاء فيها لمحمد سعيد غيبة الناشر دار المكتبي دمشق 1417هـ.
5- أحكام الشهيد في الفقه الإسلامي ، رسالة ماجستير لعبد الرحمن بن غرمان العمري.

(6/3)


.

(6/4)


النوازل المالية

(7/1)


الأوراق النقدية ـ زكاتها وجريان الربا فيها
تعريف النقد:
النقد لغة: تمييز الشيء وتقدير قيمته ، ولهذا كان من خصائص الثمن أنه مقياسٌ للقيم.
والنقد هو: الثمن ، وهو: ما يصح أن تجعل الباء في مقابلته فتقول مثلاً: بعت ثوباً بعشرة إلاّ أنه إن كان نقوداً فهو الثمن دائماً.
والنقد اصطلاحاً: هو كل شئ يلقى قبولاً عاماً كوسيطٍ للتبادل مهما كان ذلك الشيء وعلى أي حالٍ يكون.
ومن خصائصه: أنه مستودعٌ للقيمة فمن ملك النقد فكأنه ملك كل شئ لأنه يستطيع أن يشتري به ما يشاء ، ولذلك لا ينبغي كنزه ومنعه من التداول أو الاقتصار على مبادلته ببعضه وجعله غايةً لا وسيلة ، لأنه في ذاته لا غرض فيه كما ذكر ذلك الغزالي (رحمه الله). وقد منع الإسلام من مبادلة الذهب بالذهب والفضة بالفضة إلاّ مثلاً بمثل ، لأن ذلك يؤدي إلى العزوف عن الأعمال بالضرب في الأرض ، كما أن دورانه يؤدي إلى تكثير الاستفادة منه بخلاف تكدسه في أيدي فئةٍ قليلة.
نبذة عن تاريخ النقد:
كانت المقايضة أولاً وذلك بتبادل السلع ، ثم الذهب والفضة كأساسٍ للتقييم ، ثم ظهرت النقود من الذهب والفضة ، ثم العملات المعدنية من غيرهما ، ثم الورقية بعد أن كانت سنداً بدينٍ من الذهب لدى الصيارفة ، وظهر أيضاً ما يشبه العملات مثل: الشيك وبطاقات الائتمان.
حكم العملات الورقية:
إن الحكم عليها مبني على النظر إليها وقد نظر إليها بعدة اعتبارات:
1- فقيل: هي سندات بدين على جهة إصدارها: وممن قال بهذا الشيخ/ أحمد الحسيني (رحمه الله). ودليل هذا القول: التعهد المسجل عليها بتسليم قيمتها لحاملها عند طلبه، وبدليل تغطيتها بالذهب والفضة، ولأنها ليست لها قيمة في ذاتها.

(8/1)


ويلزم على هذا القول عدم جواز السلم، أو صرف نقد الذهب بالفضة لاشتراط التقابض وهو غير متحقق هنا لأنها سندات بدينٍ كما سبق ، ويحرم البيع في الذمة لأنه يكون بيع دينٍ بدين ، ثم إنها إذا كانت سنداً بدين فيجري فيها الخلاف في زكاة الدين.
مناقشة هذه القول: هذا القول بُني على التعهد المكتوب، وهذا التعهد هو في مرحلة من مراحل تطور النقد كان تعهداً حقيقياً، وأما الآن فهو تعهد اسمي.
وأما كونها مغطاةً بالذهب والفضة فهذا أيضاً إحدى المراحل فيها والتي لم تعد الدول تلتزم بها، فقد تغطى بالذهب وقد يكون الغطاء عقاراً أو غيره وقد يكون جزئياً. وأما أنها ليست لها قيمة في ذاتها فهذا حق فقيمتها اعتبارية ، لأن السلطات تضمن في حال إبطالها قيمتها مما يجعل الثقة بتمولها وتداولها قوية ، ثم إن هذا القول فيه من الحرج الشئ الكثير والله تعالى قد وضع الحرج عن هذه الأمة.
2- النظر إليها باعتبارها عرضٌ من عروض التجارة ، وممن قال بهذا الشيخ: عبدالرحمن السعدي (رحمه الله) :
لأنها مالٌ متقومٌ مرغوب فيه ومدخر يباع ويشترى ، ومخالفٌ في ذاته ومعدنه للذهب والفضة ، ثم أنه ليس بمكيل ولا موزون فليس من الأجناس الربوية حتى يلحق بها. وأما التعهد المكتوب فلا يخرجها عن حقيقتها ولا يجعلها كالذهب والفضة.
ويلزم على هذا القول أن تعامل كعروض تجارية فلا تجب فيها الزكاة مالم تعد للتجارة، ولا يجري الربا فيها.
مناقشة هذا القول: أنها وإن كانت عرضاً إلاّ أنها انتقلت عن جنسها إلى جنس ثمني بدليل أنه لو أبطل السلطان التعامل بها لفقدت قيمتها وهذا يلحقها بالذهب والفضة، وأما اختلاف ذاتها ومعدنها عن الذهب والفضة فلا تأثير لهذه المخالفة. فالعبرة بكونها أثماناً في نظر الناس.
3- النظر إليها على أنها بديل عن الذهب والفضة:

(8/2)


ويلزم على هذا القول أن تأخذ حكم الذهب والفضة ، لأنها حالة محلها جارية مجراها بدليل أنها لا قيمة لها في ذاتها. وبناءً على هذا فما كان بديلاً عن الذهب فله حكم الذهب وما كان بديلاً عن الفضة فله حكم الفضة(1).
مناقشة هذا القول: أن هذا مخالف للواقع فإن الغطاء لا يلزم أن يكون ذهباً أو فضة بل ولا يلزم تغطيتها بالكامل والعبرة بسن الدولة للتعامل بها وثقة الناس بها.
4- أنها تأخذ صفة الثمنية وتسري عليها أحكام النقدين وهذا قول أكثر العلماء المعاصرين ومنهم: الشيخ: ابن باز ، والشيخ: ابن عثيمين ، والشيخ: القرضاوي وغيرهم.
وقيل: هي نقدٌ قائمٌ بذاته: وممن قال بهذا الشيخان: محمد رشيد رضا ، وعبدالله بن منيع.
__________
(1) - فعند استبدال ما تفرع عن فضةٍ مثلاً بما تفرع عن ذهب يشترط التقابض فقط. وإذا استبدل ما تفرع عنها بمثله اشترط التساوي والتقابض. لأن عدم وجود الغطاء لا يعني إلغاءه لأن روح العملة وسر الثقة بها هو الغطاء ذهباً أو غيره ، وهذا قول الشيخ عبدالرزاق عفيفي (رحمه الله).

(8/3)


لأنها تقوم مقام النقدية فلا يصح أن تكون سلعاً تباع وتشترى ، ولأنها تقوّم بها الأشياء والناس تثق بها كقوة شرائية ومستودعاً للادخار وتتمول وتبرأ بها الذمم فقامت مقام النقود ، ولهذا أفتى ابن الصلاح بأنه يجوز العقد على الفلوس بعد أن منع من ذلك وقال: لأن جميع ذلك يروج رواجاً واحداً وهو المقصود بها، وهي في حالة كونها مضروبة لا التفات فيها إلى مقدار الجرم لأنه لا يقصد فيها غير غرض النقدية والرواج. أ. هـ. وجاء في المدونة أن الإمام مالك (رحمه الله) قال: ولو أن الناس أجازوا بينهم الجلود حتى يكون لها سكة وعين لكرهتها أن تباع بالذهب والورق نظرة أ.هـ. وقال ابن تيمية (رحمه الله): وأما الدرهم والدينار فلا يُعرف له حد طبيعي ولا شرعي بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح، وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق الغرض المقصود به بل الغرض أن يكون معياراً لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها بل هي وسيلة إلى التعامل بها، ولهذا كانت أثماناً…والوسيلة المحضة التي لا يتعلق بها غرض بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيف ما كانت. أ. هـ وقال ابن القيم (رحمه الله): فإن الدراهم والدنانير أثمان المبيعات والثمن هو المعيار الذي به يعرف تقويم الأموال فيجب أن يكون محدوداً مضبوطاً لا يرتفع ولا ينخفض… فالأثمان لا تقصد لأعيانها بل تقصد للتوسل بها إلى السلع فإذا صارت في أنفسها سلعاً تقصد لأعيانها فسد أمر الناس وهذا معنى معقول يختص بالنقود ولا يتعدى إلى سائر الموزونات. أهـ
فعلى هذا تكون علة الربا في الذهب والفضة مطلق الثمنية وهي قاصرةٌ عليهما (أي: في السابق ، قبل ظهور النقود من غيرهما).
الترجيح: الراجح هو القول الأخير وهو أنها ثمن قائمٌ بذاته كقيام الثمنية في الذهب والفضة وغيرها من النقود المعدنية وينبني على هذا القول ما يلي:

(8/4)


1- جريان الربا فيها كما يجري في النقدين ، وتعتبر كل منها جنس قائم بذاته لاختلاف قيمته وجهة إصداره(1)، فعند استبدال عملةٍ بعملة يشترط التساوي والتقابض ، وعند استبدال عملة بغيرها يشترط التقابض فقط ، واعتبارها أجناس لاختلافها في القوة والقيمة وجهة الإصدار.
2ـ تجب زكاتها إذا بلغت أدنى نصابين من ذهب أو فضة(2) إذا كانت مملوكة لأهل وجوبها.
3ـ جواز جعلها رأس مال في السلم والشركات.
وبهذا أفتى المجمع الفقهي في قراره رقم 21 (9/3) وكذلك هيئة كبار العلماء.

المراجع:
1ـ مجلة البحوث الإسلامية. 31/373 ـ 39/239.
2ـ مجلة البحوث الفقهية المعاصرة. 10/7.
3- مجلة المجمع الفقهي ع3 ج3 ص1650.
4ـ مجلة الاقتصاد الإسلامي. 88/30 ـ 14/162.
5ـ الورق النقدي: حقيقته، تاريخه، قميته، حكمه ـ للشيخ عبدالله بن منيع.
6ـ أحكام الأوراق النقدية والتجارية في الفقه الإسلامي ـ للشيخ ستر الجعيد.
__________
(1) - ويرى بعض العلماء أنها جميعها جنسٌ واحد إذا كانت عملة حكومية واحدة وهو رأي الشيخ مصطفى الزرقاء (رحمه الله).
(2) - لأنه الأحظ للفقراء.

(8/5)


تغير قيمة العملة وأثره في التعامل والديون
التمهيد: إذا اقترض أو اشترى شخص شيئاً بمبلغٍ ما ولم يسلم الثمن فلما حان وقت السداد أبطل السلطان تلك العملة التي اتفق عليها البائع والمشتري أو نقصت قيمتها فما الحكم، هذا ما سنبحثه خلال هذا المبحث ويستوي في ذلك الشراء والقرض وغيره.
المسألة الأولى: إذا حرم السلطان العملة وأبطلها أو بطلت قيمتها لأي سبب.
أقوال العلماء:
قال الجمهور: يلزم برد القيمة أشبه كسرها أو تلف أجزائها. وهذا قول المالكية والحنابلة في القرض والثمن المعين وأوجبه ابن تيمية في سائر الديون.
وقال أبو حنيفة (رحمه الله): ينفسخ العقد ويرد المبيع إن كان قائماً أو قيمته أو مثله إن كان هالكاً وأما صاحبا أبي حنيفة (رحمه الله) فوافقا الجمهور.
وقال الشافعية: يلزم برد المثل لأن ذلك ليس بعيب حدث فيها وقياساً على نقص سعرها.
والراجح في هذه المسألة والعلم عند الله تعالى هو قول الجمهور لأن إلزامه بقبول المثل يعني أخذه لما لا قيمة له، وهذا ظلم تأباه نصوص الشرع.
المسألة الثانية: تغير قيمة العملة.
اتفق الأئِمة الأربعة على أنه يلزم رد المثل في النقدين (الدرهم والدينار).
أما إذا نقص سعر الفلوس فقد قال أكثر العلماء يلزمه رد المثل ، وفي المبسوط 22/34 أنه يرد المثل في المضاربة.
وقال أبو يوسف (رحمه الله): يلزم برد القيمة في الفلوس ، وذكر الراهوني قولاً لبعض المالكية برد القيمة فيما إذا نقصت كثيراً حتى كان القابض لها كالقابض لما لا كبير منفعة فيه. واختار هذا القول ابن تيمية وابن القيم (رحمهما الله) وذكره ابن تيمية (رحمه الله) منصوص أحمد.
أدلة القول الأول: أن القول برد القيمة يفتح باباً للربا يصعب غلقه.
أدلة القول الثاني: قياساً على تحريم السلطان للعملة لما في كل منهما من الضرر ، ولأن هذا هو مقتضى العدل ، وقياساً على الجائحة التي أمر الشرع بوضعها.

(9/1)


وهذا الخلاف في الفلوس (وهي المكسرة) يمكن إجراؤه في العملات الحديثة.

المناقشة:
نوقش القول الأول: بأن المماثلة إنما تكون مع استواء القيمة ، وأما مع اختلاف القيمة فلا تماثل. وأما التحرز من الربا فإنه ممكن بأن يعطى من غير الجنس الذي له في ذمة الآخر جاء في الروض: وتكون القيمة من غير جنس الدراهم وكذلك المغشوشة إذا حرمها السلطان. أ. هـ فنقول ذلك أيضاً في حال نقص القيمة.
الترجيح: الراجح والله أعلم في حالة كساد العملة إذا كان كبيراً أنه يكون كالجائحة التي أمر النبي((( بوضعها، وحد الكثير إما بالعرف أو بالثلث كما يشير إليه حديث النبي(((: الثلث والثلث كثير. وهذا ظاهر فيما إذا نقصت بسبب من المدين كأن يماطل لأن النقص بسببه ، ولأن المماطلة ظلم فهي كالغصب. وفي الروض المربع: وإن نقصت القيمة في المغصوب ضمنها الغاصب لتعديه أ.هـ وأما عند الكساد الذي لا يد للمدين فيه فهو محل نظرٍ كما سبق.
وقد صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي(1) بالإلزام برد المثل، وهذا القول مبني على سد الذرائع للربا إلاّ أنه في بعض الحالات التي يكون فيها الكساد كبيراً يكون القول بالقيمة أقوى ولكن يرد على هذا القول أنه قد يجر للربا ، ثم إنه لا ينضبط وإذا انخفضت القيمة فإن الانخفاض يكون عاماً.

المراجع:
رد المحتار ج4/24.
مجلة البحوث الإسلامية. 23/111. ومجلة المجمع ع5 ج3 ص1609.
بحوث في الاقتصاد الإسلامي للشيخ/ عبدالله بن منيع. ص 431.
المدخل الفقهي العام ، للشيخ / مصطفى الزرقا ص174.
نزهة النفوس في بيان حكم التعامل بالفلوس ، لأحمد بن الهائم.
__________
(1) - مجلة المجمع. عدد 5. ج3، ص 1609.

(9/2)


(بدل الخلو)
1 ـ تعريف بدل الخلو : كلمة خلا لها عدة معان ومنها الفراغ ، والانفراد ، والمضي قال تعالى: ( وإن من أمة إلا خلا فيها من نذير( والخلو كلمة مولدة ولعلها مأخوذة من قول العرب : أخليت المكان ، أي: جعلته خالياً ، ووجدته كذلك ، ويجمع على خلوات. فكأن تسميته بالخلو مأخوذة من تخليه عما تحت يده إلى الغير.
واصطلاحاً عرفه الأجهوري بأنه : اسم لما يملكه دافع الدراهم من المنفعة التي دفع الدراهم في مقابلتها(1). وعرف الشيخ الزحيلي بدل الخلو فقال: مبلغ من المال يدفعه الشخص نظير تنازل المنتفع بعقار عن حقه في الانتفاع به.
وله تسميات وأنواع قد تختلف بعض الشيء فقد يسمى الجلسة ، وخلو الحوانيت ، والإنزال ، والتقبيل ، والفروغية ، ونقل القدم أو نقل الرجل .
والجلسة هي: كراء حانوت لمن يضع فيه أدواته فيقدم على غيره وإذا بدا له الخروج ، وتخلى عنها لغيره أخذ منه بدلاً عن ذلك. وخلو الحوانيت مثل خلو الجلسة إلا أن صاحب الخلو فيها يكون شريكاً للمالك. وأما الإنزال فيكون في الأرض.
2 ـ الألفاظ ذات الصلة به :
(الحكورات ـ الكدك –مشد المسكة – المُرصد) .
1ـ الحكورات: جمع حِكر والمراد به ما يدفع للوقف نظير البناء أو الغرس أو الزراعة به وذلك كل سنة وهو أجرة تصرف لمستحقي ذلك الوقف.
2- الكدك أو الجدك: وهي أن يضع المستأجر في الحانوت أشياء متصلة أو منفصلة فيكون أحق بها من غيره بأجرة المثل .
3- مشد المسكة والمراد بها: استحقاق الزراعة في أرض الغير .
4- والمرُْصد وهي: أن يقوم مستأجر الوقف بعمارته ويستوفي حقه من مال الوقف أو باقتطاعه من أجرة الوقف. وهذه الأشياء بينها وبين الخلو تقارب وبعض الاختلاف .
3-نشأة الحديث عن بدل الخلو:
__________
(1) - شرح الزرقاني على مختصر خليل /3ج6ص127. وفتح العلي المالك 2/249.

(10/1)


في عهد السلطان الغوري بنى دكاكين واشترط على من يكتريها أن يدفع له قيمة جملية تعطيه حق البقاء فيها. وذكر المحقق البناني أن المتأخرين من شيوخ فاس أفتوا في الجلسة وهي شبيهة بالخلو. وقد أفتى العلامة خليل المتوفي سنة 776هـ في الحكر المؤبد فقال بوجوب الشفعة في الأحكار قياساً للمستأجر على مالك الأرض. وأفتى ناصر الدين اللقاني المالكي المتوفي سنة 958هـ بأن الخلو يورث. وللبدر القرافي المتوفي سنة ثمان وألف للهجرة كتاب (الدرة المنيفة في الفراغ عن الوظيفة). كان هذا في الأزمان السابقة ولكن بدل الخلو لم يكن فيها منتشراً ، ثم لما ألزمت القوانين الوضعية في بعض الدول بعدم إخراج المستأجرين مهما طالت المدة فتضرر الملاك بذلك إذ أصبحت الأجرة زهيدةً بمرور الزمن فصار الملاك يطالبون ببدل الخلو دفعاً للضرر المتوقع ، ثم تبعهم المستأجرون في ذلك وارتفعت الأسعار تبعاً للموقع ، ثم راجت الفكرة وانتشرت بسبب الازدهار الاقتصادي وارتفاع الأجور وتعويضاً لما قد يحدثه المستأجر في دكانه فيطالب المستأجر الجديد ببدل الخلو. وأما في الوقف فقد يكون سببه الرغبة في بنائه على أن يحتسب ما ينفقه المستأجر من الخلو.
4-صور بدل الخلو :
1 ـ أن يأخذه المالك وناظر الوقف من المستأجر عند العقد.
3 ـ أن يأخذ المستأجر بدل الخلو من مستأجر آخر.
2 ـ أن يأخذه المستأجر من المالك قبل نهاية المدة.
4 ـ أن يأخذه مستأجر الوقف من شخص آخر.
5 ـ تكييف بدل الخلو:
ما يأخذه المالك ( أو ناظر الوقف) يكيف على أنه من باب تجزئة الأجرة أي تقسيمها إلى معجلٍ ومؤجل.
وما يأخذه المستأجر من مستأجرٍ آخر سواء كان الملك شخصياً أو وقفاً ( وهو ما يسمى بالحكر) فهذا مبني على ما يملكه المستأجر من العين المؤجرة هل هو المنفعة أو الانتفاع وهل له أن يستوفي المنفعة بغيره وأن يتنازل عن الاختصاص.

(10/2)


وأما ما يأخذه المستأجر من مالك العقار إذا طالبه المالك بالإخلاء قبل نهاية المدة فهذا مبني على الإقالة وهل هي فسخ أم بيعٌ جديد.
6- الحكم الشرعي:
1-حكم الصورة الأولى: أخذ المالك أو ناظر الوقف بدل الخلو من المستأجر:
اختلفت أنظار العلماء في هذه المسألة:
1- فقيل ما يأخذه المالك جائز لأنه ماله فله أن يؤجره كما يشاء ، فيكون ما يأخذه جزء من الأجرة قسم إلى معجلٍ ومؤجل وهذا جائزٌ بالاتفاق سواء سمي أجرةً أو بدل خلو ، وقياساً على البيع مقسطاً.
2- وقيل أنه لا يجوز لأنه لا وجه له ولا مبرر فهو أكل للمال بالباطل. وهذا مردود لأن المالك له أن يطالب بزيادة الأجرة وهذا مثلها وإن اختلفت التسمية.
2ـ الصورة الثانية: ما يأخذه المستأجر من المالك. وله حالتان:
1 ـ أن يكون بعد نهاية المدة فهذا لا حق له فيه لأنه بعد انتهاء المدة ولا يجبر المالك على أن يؤجر له أو لغيره. وأما إذا بنى المستأجر فيما استأجره أو أضاف شيئاً بإذن المالك فقال بعضهم إن كان مما ينقل فيلزمه نقله ، وإن كان ما لا ينتقل فله الرجوع عليه خاصة إذا كان مما يفقد قيمته بنقله.
2 ـالحالة الثانية: أن يكون قبل انتهاء المدة ، فالحكم فيها مبنيٌ على حكم الإقالة:
1- فقال الجمهور: الإقالة فسخ (1) والفسخ في المعاوضات المالية لا يجوز إلا بنفس العوض الذي تم التعاقد عليه سواء كانت الإقالة قبل القبض أو بعده ، وقال الحنابلة: الزيادة شرط فاسد فلا تجوز الزيادة ولا النقصان عندهم ، وبناءً على ذلك فهو محرم.
__________
(1) اختلف في الإقالة فقال الشافعية هي فسخ مطلقاً وقال المالكية هي بيع مطلقاً وفصل الحنفية فقال أبو حنيفة: هي فسخٌ في حق العاقدين وبيعٌ في حق الثالث ، وقال محمد بن الحسن: هي فسخٌ إذا أمكن ذلك وإلا تكون بيعاً ضرورةً ، وقال أبو يوسف بعكس ذلك.

(10/3)


2 ـ وقال المالكية وأبو يوسف : يجوز ، لأن الإقالة بيعٌ جديد ، وبناءً عليه يجوز دفع الزيادة عن الأجرة المقبوضة نظير الفسخ .
وهذا في حال اشتراط المستأجر أما إذا وهبه المؤجر من تلقاء نفسه فيجوز لأنه تبرع ومبناه على الرضى.
3 ـ الصورة الثالثة: بدل الخلو الذي يأخذه المستأجر من المستأجر الجديد: وهذا له حالتان:
1 ـ أن يأخذه بعد نهاية المدة: فلا يجوز لأنه يكون تصرفاً في ملك الغير ولا حق له في التصرف إلا بإذنه المالك .
2- قبل نهاية المدة: فأفتى اللقاني بالجواز وأنه يورث وتبعه كثير من علماء المالكية كالشيخ عليش والشيخ الزرقاني والحموي في شرح الأشباه.
واختار هذا القول ابن عابدين من الحنفية . وبعض الحنابلة وقالوا كما في مطالب أولي النهى: ولا تصح إجارة الخلو ولكن يصح بيعه وهبته ووفاء الدين منه. (1).
وقيل بالتحريم ، وهو قول بعض العلماء المعاصرين.
أدلة القائلين بالجواز:
أ-عملاً بالعادة والعرف الذي لا يتعارض مع الشرع والقاعدة تقول (العادة محكمة).
__________
(1) وإن كان الحنابلة لا يجيزون أخذ العوض عن الاختصاصات لأن محلها الانتفاع فقط ولكن هذا في غير المملوكات .

(10/4)


ب ـ أن الخلو المذكور هو من ملك المنفعة لا ملك الانتفاع (1) إذ مالك الانتفاع ينتفع بنفسه ولا يؤجر ولا يهب ولا يعير ، ومالك المنفعة له تلك الثلاثة مع انتفاعه بنفسه ، ولما كان الخلو من ملك المنفعة فله تلك الثلاثة مع انتفاعه بنفسه ، وله أن يستوفي المنفعة بنفسه أو بغيره ، وله أن يتنازل عنها بعوضٍ أو بغير عوض.
ج ـ وجود الحاجة الماسة إلى ذلك ففي القول بالجواز دفعٌ للحرج وقد أفتى الحنفية بجواز النزول عن الوظائف كالإمامة والخطابة والأذان ونحوها استناداً إلى الضرورة وتعارف الناس وهذه مثلها لأن كلاً منها مجرد إسقاط للحق ، وقياساً على إسقاط الضرة حقها لصاحبتها ، وقياساً على جواز عزل المتولي للأوقاف نفسه عند القاضي.
ونوقش بأن المقيس عليها مختلفٌ فيها.
2ـ أدلة القائلين بالتحريم :
أ- أن المستأجر ليس له الحق في أن يؤجر إلا بإذن المالك لأنه يؤدي إلى منع المالك من التصرف في ماله.
ونوقش بأنه لا يترتب على الخلو منع المالك من التصرف لأنه أجر برضاه والمستأجر يتصرف في بدل الخلو في مدة الإجارة .
ب- واستدلوا أيضاً بأنه ليس له أن يؤجر بأكثر مما استأجر .
__________
(1) الحقوق أنواع وقسم ابن رجب حقوق العباد إلى أقسام: حق الملك ، وحق التملك كحق الشفيع ، وحق الأب في مال ولده ، وحق الانتفاع كوضع الجار خشبة على جدار جاره إذا لم يكن ضرر على الجار ، وحق الاختصاص وهو ما يختص مستحقه بالانتفاع به ولا يملك أحد مزاحمته وهوغير قابل للشمول والمعاوضات ، ومنه مرافق الأملاك كالطرق والأفنية ومسيل المياه والأسواق والجلوس في المساجد فالجالس أحق بمجلسه إلى أن يقوم. وقال القرافي: تمليك الانتفاع نريد به أن يباشر هو بنفسه فقط وتمليك المنفعة هو أعم وأشمل فيباشر بنفسه ويمكن غيره من الانتفاع بعوضٍ كالإجارة وبغير عوض كالعارية.

(10/5)


ونوقش بأن هذه المسألة فيها خلاف والصحيح فيها الجواز وهو قول الشافعي والجمهور وهو الصحيح عند الحنابلة ، لأنه ملك المنفعة والمنافع لها أحكام الأعيان . وقال الحنفية ورواية عند الحنابلة: لا يجوز بأكثر إلا أن يكون أصلح فيها بناء أو زاد فيها شيئاً لأن المنافع لاتدخل في ضمان المستأجر ولو قبض العين المؤجرة بدليل أنها لو انهدمت لم تلزمه الأجرة ، فتكون الزيادة ربحٌ حدث لا مع ضمانه وقد نهى الرسول (صلى الله عليه وسلم) عن ربح مالم يضمن ، كبيع المكيل والموزون قبل قبضه لأن المنافع ليست من ضمان المستأجر . وأجيب بأنه قياس مع الفارق لأن قبض العين قام مقام قبض المنافع.
الخلاصة والترجيح: الراجح والله أعلم فيما يأخذه المالك الجواز إذا كان عرف الناس على ذلك ويعتبر جزء من الأجرة وإن سمي بغير اسمها.
4 ـ الصورة الرابعة: الخلو في الوقف:
سبب الخلاف في هذه الصورة لأن بدل الخلو يعتبر بيعاً ، ولذلك فقد ضيق القائلون بجوازه في إجرائه في الوقف بحيث يقتصر على أحوال الضرورة في حدودها بشروط ومنها: أن يكون ذلك في صالح الوقف ، وأن تكون المدة التي يستحق فيها المستأجر المنفعة محدودة ، وأن تعرف نسبة كل من الطرفين من المنفعة. وبدل الخلو في الوقف يكون حينما يقوم المستأجر بعمارة الوقف أو إصلاحه بحيث يكون ريع الوقف أو منفعته مشتركة بين المستأجر وبين مصرف الوقف ، وقد اختلفت فيه أقوال العلماء :
1 ـ فقال أكثر المالكية وبعض الحنفية والشافعية والحنابلة بجوز لما يلي :
أ- أنه قد تعارف الناس على جواز التصرف في الخلو وأنه حق ثابت لصاحبه واعتادوا عليه والعادة محكمة.
ونوقش هذا الدليل بأن العبرة بالعرف العام والعرف هنا عرف خاص.
ب ـ أنه لمصلحة الوقف ومن باب الضرورة فيجوز قياساً على بيع الوفاء (وبيع الوفاء هو: أن يبيع شخص عيناً لشخص آخر بمبلغ ما على أنه متى مارد المبلغ رد عليه تلك العين).

(10/6)


ونوقش هذا الدليل بأن بيع الوفاء مختلف فيه فلا يقاس عليه.
ج ـ أنه لا مخالفة فيه لنصٍ شرعي فيبقى على أصل الإباحة.
2ـ القول الثاني: وهو لبعض الحنفية أنه لا يجوز واستدلوا بما يلي:
أ ـ أنه يكون سلفاً جر نفعاً. ونوقش بأنه من باب المعاوضة لا من باب السلف .
ب ـ أنه محتوٍ على جهالةٍ وغرر لأن المال في مقابلة منفعة مجهولة وقد يؤدي إلى أن يكون دافع المال متصرفاً في الوقف إلى الممات ، فمدة المنفعة مجهولة.
ونوقش بأنه للخروج من ذلك فيشترط تحديد المنفعة والمدة.
ج ـ أن المتصرف هنا متصرفٌ لغيره وعمله منوطٌ بمصلحة الوقف فهو لا يملك إتلافه ولا تعطيله.
ونوقش بأن التصرف هنا لمصلحة الوقف لأنه لعمارته أو إصلاحه وإذا لم يكن هناك مصلحة فلا يجوز.
الترجيح: الراجح فيه والله أعلم الجواز لما فيه من المصلحة ولأن الأصل الإباحة ولكن بشروط : 1 ـ أن يصرف المبلغ في مصلحة الوقف وبالوجه الشرعي . 2 ـ ألا يكون للوقف ريعٌ يعمر منه فإن كان فلا حاجة للخلو. 3 ـ ألا تقل أجرة الوقف عن أجرة المثل.
وقد أصدر مجمع الفقه قراراً برقم (6) دع /08/88 جاء فيه:
إن مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورة مؤتمره الرابع بجدة في المملكة العربية السعودية من 18 ـ 22 جمادى الآخرة 1408هـ الموافق 1988م بعد اطلاعه على الأبحاث الفقهية الواردة إلى المجمع بخصوص (بدل الخلو) وبناء عليه قرر ما يلي :
أولاً: تنقسم صور الاتفاق على بدل الخلو إلى أربع هي:
1 ـ أن يكون الاتفاق بين مالك العقار وبين المستأجر عند بدء العقد.
2 ـ أن يكون الاتفاق بين المستأجر وبين المالك وذلك في أثناء مدة عقد الإجارة أو بعد انتهائها.
3 ـ أن يكون الاتفاق بين المستأجر وبين مستأجر جديد ، في أثناء مدة عقد الإجارة أو بعد انتهاءها.
4 ـ أن يكون الاتفاق بين المستأجر الجديد وبين كلٍ من المالك والمستأجر الأول قبل انتهاء المدة أو بعد انتهائها.

(10/7)


ثانياً: إذا اتفق المالك والمستأجر على أن يدفع المستأجر للمالك مبلغاً مقطوعاً زائد عن الأجرة الدورية (وهو ما يسمى في بعض البلاد خلواً) فلا مانع شرعاً من دفع هذا المبلغ المقطوع على أن يعد جزءاً من أجرة المدة المتفق عليها ، وفي حالة الفسخ تطبق على هذا المبلغ أحكام الأجرة.
ثالثاً: إذا تم الاتفاق بين المالك وبين المستأجر أثناء مدة الإجارة على أن يدفع المالك إلى المستأجر مبلغاً مقابل تخليه عن حقه الثابت بالعقد في ملك منفعة بقية المدة فإن بدل الخلو هذا جائز شرعاً ، لأنه تعويض عن تنازل المستأجر برضاه عن حقه في المنفعة التي باعها للمالك.
أما إذا انقضت مدة الإجارة ، ولم يتجدد العقد صراحةً أو ضمناً عن طريق التجديد التلقائي حسب الصيغة المفيدة له ، فلا يحل بدل الخلو لأن المالك أحق بملكه بعد انقضاء حق المستأجر.
رابعاً: إذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول وبين المستأجر الجديد أثناء مدة الإجارة على التنازل عن بقية مدة العقد لقاء مبلغٍ زائد عن الأجرة الدورية ، فإن بدل الخلو هذا جائز شرعاً ، مع مراعاة مقتضى عقد الإجازة المبرم بين المالك والمستأجر الأول ، ومراعاة ما تقتضي به القوانين النافذة الموافقة للأحكام الشرعية.
على أنه في الإجارات الطويلة المدة خلافاً لنص عقد الإجارة طبقاً لما تسوغه بعض القوانين لا يجوز للمستأجر إيجار العين لمستأجرٍ آخر ، ولا أخذ بدل الخلو فيها إلا بموافقة المالك.
أما إذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول وبين المستأجر الجديد بعد انقضاء المدة فلا يحل بدل الخلو ، لانقضاء حق المستأجر الأول في منفعة العين.
وصلى الله على نبينا محمدٍ وعلى آله وصحبه وسلم.

المراجع:
1- مجلة مجمع الفقه الإسلامي. العدد (4) الجزء (3) ص2172.
2- مجلة البحوث الإسلامية عدد 16.
3- الموسوعة الفقهية التابعة لوزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الكويتية ج19 ص 276.

(10/8)


4- بدل الخلو في الفقه الإسلامي ، للدكتور/صالح بن عثمان الهليل.
5- مفيدة الحسنى في دفع الخلو بالسكنى ، للشرنبلاني.
6- المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي د / محمد عثمان شبير.
7- البيوع الشائعة وأثر ضوابط المبيع على شرعيتها د/ محمد توفيق البوطي.
8- دراسة شرعية لأهم العقود المالية المستحدثة د/ محمد الأمين مصطفى الشنقيطي.

(10/9)


التقابض في المعاملات المصرفية المعاصرة
1- المراد بالقبض: القبض في اللغة: الأخذ. يقال: صار الشيء في قبضتك أي: صار في ملكك وقبّضه المال أعطاه إياه(1).
واصطلاحاً: حيازة الشيء حقيقةً أو حكماً. وقولنا حقيقة أي: بوضع اليد على الشيء كأخذه وتسلمه ، وحكما أي بالتخلية بينه وبينه فيصير في حكم المقبوض.
2- طرق القبض:
يتم القبض بطرق: أقواها وأكثرها وقوعاً المناولة. وقد اختلف العلماء في صفة القبض: فقال الحنفية: يكون بالتخلية(2) سواء كان المبيع عقاراً أو منقولاً إلا المكيل والموزون فإن قبضه يكون باستيفاء قدره أي بكيله أو وزنه.
وقال المالكية والشافعية: قبض العقار يكون بالتخلية بين المبيع وبين المشتري وتمكينه من التصرف فيه بتسليم المفاتيح إن وجدت ، وقبض المنقول بحسب العرف الجاري بين الناس.
وقال الحنابلة: قبض كل شيءٍ بحسبه فإن كان مما ينقل فقبضه بنقله ، وإن كان مكيلاً أو موزوناً فقبضه بكيله ووزنه ، لأن القبض ورد مطلقاً فيجب الرجوع فيه إلى العرف.
وفي رواية أخرى أن القبض بالتخلية مع التمييز.
ومما سبق يتبين أن مذهب الجمهور أن ماكان مقدراً فقبضه يكون باستيفاء قدره ، وماكان جزافا فعند الحنابلة ورواية عند المالكية: قبضه بنقله من مكانه ، وفيما عدا الجزاف والمقدر يرجع للعرف في قبضه ، وهو مذهب الجمهور عدا الحنفية.
__________
(1) - مختار الصحاح ص519
3- والتخلية هي: أن يخلي البائع بين المبيع وبين المشتري برفع الحائل بينهما على وجهٍ يتمكن المشتري من التصرف فيه فيجعل البائع مسلماً للمبيع والمشتري قابضاً له. فالتخلية بين المبيع وبين المشتري قبض وإن لم يتم القبض حقيقةً فإذا هلك يهلك على المشتري بدائع الصنائع 5/244.

(11/1)


فللقبض طرقٌ كثيرة ومنها: التناول باليد ، والنقل والتحويل فيما بيع جزافاً ، والكيل والوزن فيما يكال ويوزن ، والتخلية فيما لا يمكن نقله ، ويكون الإتلاف والتصرف في المبيع من المشتري قبل قبضه بمنزلة القبض فيكون ضامناً له.

3- أثر القبض:
يتم العقد بمجرد الإيجاب والقبول ، ولكن بعض العقود يتوقف فيها تمام الالتزام على تسليم العين لأنها تبرع(1) وهي خمسة : الهبة والإعارة والإيداع والقرض والرهن.
وإذا تم القبض ثبت الملك للمشتري (وأما في العقود الفاسدة فقال الجمهور: يفيد الملك ، وقال المالكية: يفيد الملك إن لم يفت أو يتغير حاله) ويكون المقبوض من ضمانه ، ويجب عليه بذل العوض.
والقبض شرط لصحة بعض أنواع العقود أو لزومها فالصحة في مثل الصرف واللزوم في مثل الرهن.
هذا في عقود المعاوضات على تفصيلٍ بين العلماء وأما في غيرها كالميراث فلا يشترط القبض.
4- خلاف الفقهاء في حكم بيع مااشتراه الانسان قبل قبضه:
1- قال الحنفية: لا يجوز بيع المنقول قبل قبضه ، وما لا ينقل فيجوز عند الصاحبان استحساناً ، لأن تلفه غير محتمل.
2- وقال الشافعية: لا يجوز بيع شيءٍ قبل قبضه منقولاً أو غير منقول واستدلوا بما يلي:
أ)- أن علة النهي عن بيع الطعام قبل قبضه تتحقق في غيره ، سواءٌ قلنا بأن العلة (كما هي عند الجمهور) الغرر أي: غرر انفساخ العقد على تقدير الهلاك قبل القبض. قال ابن قدامة: علة النهي عن البيع قبل القبض عجز المشتري عن تسلمه لأن البائع قد يسلمه وقد لا يسلمه ، لا سيما إذا كان المشتري قد ربح فإنه يسعى في رد المبيع إما بجحدٍ أو احتيال في الفسخ أهـ أو قلنا كما قال المالكية: العلة لئلا يتخذ ذريعة للتوصل إلى الربا فيتوصل به إلى بيع العينة ، فكل هذه العلل موجود في غير الطعام.
__________
(1) - عدا الوصية لأنها هبة مضافة إلى مابعد الموت ، وهذا إذا اعتبرناها عقداً وإلا فلا حاجة للاستثناء.

(11/2)


ب)- ولقول ابن عباس (رضي الله عنهما) وهو راوي الحديث: ولا أحسب كل شيء إلا مثله. ولحديث حكيم بن حزام (رضي الله عنه) : إذا اشتريت بيعا فلا تبعه حتى تقبضه(1). وحديث زيد بن ثابت في النهي عن بيع السلع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم(2) ، وهما عامان وإن كان فيهما مقال ، لكن يشهد لهما القياس وهو صحيح.
3- وقال الحنابلة: وهو قولٌ عند المالكية فيما بيع جزافاً: لا يجوز بيع الطعام قبل قبضه ويجوز بيع ما عداه ، واستدلوا بما يلي:
حديث ابن عباس (رضي الله عنه): نهى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن يبيع الرجل طعاما حتى يستوفيه قلت لابن عباس: كيف ذلك ؟ قال: ذلك دراهم بدراهم والطعام مرجأ(3). وعن عبدالله بن دينار قال: سمعت ابن عمر (رضي الله عنهما) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وسلم): من ابتاع طعاما فلا يبيعه حتى يقبضه(4). وعن ابن عمر مرفوعاً: من اشترى طعاماً بكيلٍ أو وزن فلا يبيعه حتى يقبضه رواه أحمد(5).
وعن أبي هريرة (رضي الله عنه) مر فوعاً: من اشترى طعاماً فلا يبيعه حتى يكتاله(6). وعن ابن عمر (رضي الله عنه) قال: رأيت الذين يشترون الطعام مجازفةً يضربون على عهد رسول الله حتى يؤوه إلى رحالهم متفقٌ عليه(7).
ووجه الاستدلال أن النهي خاصٌ بالطعام لمفهوم الأحاديث السابقة.
واستدل المالكية للجواز فيما بيع جزافاً بأنه يدخل في ملك المشتري بمجرد العقد.
__________
(1) - رواه أحمد 3/402. قال الشوكاني: في إسناد هذا الحديث: العلاء بن خالد الواسطي وقد اختلف فيه. وقال ابن حزم: فيه عبدالله بن عصمة متروك لكنه رواه من طريقٍ آخر وقال : إنه سند صحيح.
(2) - رواه أبو داود 3/383 ورواه ابن حبان والحاكم وصححه. وقال الشوكاني: في إسناد هذا الحديث أحمد بن خالد الوهبي وقد قال فيه ابن حزم إنه مجهول.
(3) - رواه البخاري 3/68 ومسلم 1/168.
(4) - رواه البخار ي3/68
(5) - المسند 1/11.
(6) - رواه مسلم 1/171.
(7) - رواه البخاري 3/68 ومسلم 1/170.

(11/3)


4- وقيل: يجوز في غير المقدرات قبل قبضها ، وفيما عداها لا يجوز وهو رواية عند الحنابلة.
5- من صور القبض المستحدثة:
1- الشيك. 2- الكمبيالة. 3- الشيك السياحي. 4- القيد على الحساب. 5- القيد على الحساب في الصرف. 6- الحوالة المصرفية. 7- قبض أوراق البضائع: وهي الأوراق الواردة على البضائع كوثيقة الشحن وسند إيداع متاع أو بضاعة في مخزنٍ عام. 8- قبض أسهم الشركات.
6-التكييف الشرعي للصور الجديدة:
التكييف الشرعي للشيك وما بمعناه(1):
الشيك: ليس ورقة نقدية وإنما هو وثيقة بدين بإحالة محتواه من ذمة ساحبه إلى ذمة المسحوب عليه مع بقاء مسئولية ساحبه حتى سداده.
ويمكن اعتبار الشيك بمثابة الوكالة ، أو الحوالة إلا أنه لا تبرأ به ذمته تماماً بل يعتبر محيلاً بمبلغ الشيك وضامناً سداده ، أو أنه في حكم الورقة النقدية فيكون تسلم الشيك بمثابة تسلم قيمته. والشيك السياحي يمكن إلحاقه بالشيك أو الأوراق النقدية. والقيد على الحساب يعتبر تسلماً فعلياً للنقود ولكن بطريقةٍ حديثة ، وكذلك القيد على الحساب في الصرف عند استبدال عملةٍ بأخرى.
التكييف الشرعي للحوالة المصرفية:
الحوالة المصرفية هي: أن يدفع شخص إلى مصرف مبلغا من المال ليحوله إلى شخص بعينه في بلد آخر فيحرر المصرف حوالة بذلك المبلغ إلى مصرف آخر أو فرع له في ذاك البلد يأمره بدفع المبلغ إلى ذلك الشخص المعين ، أو يقوم المصرف بناء على رغبة دافع المبلغ بالكتابة أو الإبراق إلى المصرف الآخر بتسليم المبلغ إلى شخص دون أن يتسلم العميل حوالة محررة بذلك ويسمى هذا النوع بالتحويل البريدي ، ويتقاضى البنك عمولة.
__________
(1) - وقريب من الشيك الكمبيالة إلا أن الشيك يسحب عادةً على المصرف والكمبيالة على أي جهة ، والشيك واجب الدفع بمجرد الاطلاع ، ويشترط له الرصيد بخلاف الكمبيالة

(11/4)


والحوالة المصرفية أشبه بالسفتجة إلا أن الحوالة قد تكون بين جنسين ولا يشترط أن تكون دينا بل يتم السحب من الرصيد ثم إن المصرف يأخذ عمولة وهذا خلاف السفتجة. فإذا كانت الحوالة بجنس العملة فيمكن اعتبارها كالسفتجة التي أجازها الفقهاء أو إجارة ، وإذا كان بعملة أخرى فيكون صرفا وإجارة. أو نقول أخذ العميل ورقة التحويل بمثابة القبض ثم قيام المصرف بتحويله إلى الآخر سفتجة ، وإن حولها إلى عملةٍ أخرى فهي مصارفة.
التكييف الشرعي لقبض أوراق البضائع ، وأسهم الشركات:
يتم تداولها عن طريق التظهير (أي: نقل ملكية الورقة التجارية لمستفيدٍ جديدٍ أو توكيله أو استيفائها أو رهنها بعبارة تفيد ذلك) ويعتبر تظهيرها بمثابة قبضٍ للأعيان التي هي وثائق بها. وكذلك الأسهم تنتقل ملكيتها بنقل قيدها في سجل المساهمين أو تظهيرها.
7- الحكم الشرعي لصور القبض الجديدة:
أما قبض الشيك فهو كقبض النقود للأدلة التالية:
أ)- أن قبض الشيك كالحوالة ، فإن من خصائصه أنه لا ينبغي أن يسحب إلا على من لديه مقابل وفائه ، وأنه لا يلزم لاعتباره شيكا قبول المسحوب عليه وهذه خصائص الحوالة فيأخذ حكمها ، وقد قال ابن قدامة: الحوالة كالقبض ، وقال: الحوالة كالتسليم ، وفي الشرح الكبير: الحوالة بمنزلة القبض. وقال المرداوي: الحوالة والإبراء منه كالقبض على الصحيح من المذهب ، وقيل: إن جعلا وفاءً فكالقبض وإلا فلا.
ب)- أن قبض الشيك بمثابة قبض النقود في عرف الناس. وقد قال ابن قدامة: وقبض كل شيء بحسبه..ولأن القبض مطلق في الشرع فيجب الرجوع فيه إلى العرف كالإحراز والقبض أهـ وفي الشرح الكبير: الأسماء تعرف حدودها تارة بالشرع…وتارة باللغة..وتارة بالعرف كالقبض والتفرق. وقال: القبض مرجعه إلى عرف الناس حيث لم يكن له حدٌ في اللغة ولا في الشرع.

(11/5)


ونوقش بأن اعتباره بمثابة النقود يبطل بما إذا لم يكن للساحب رصيد. وأجيب بان الضمانات التي أحيط بها تجعله محل ثقة كالنقود تماماً ومنها أن من كتب شيكا بلا رصيد يعاقب في جميع القوانين عقوبة شديدة وأنه غير مؤجل ( أما لو أجل فلا يعتبر بمنزلة القبض) ثم إن ذلك حاصل في النقود فقد تكون مزيفة ولم يمنع ذلك من الثقة بها.
وأما قول النبي (صلى الله عليه وسلم): (يدا بيد) فيراد به التعيين الذي تثبت به الحقوق كما يدل على ذلك حديث ابن عمر –رضي الله عنهما- : إني أبيع الإبل بالبقيع فأبيع بالدنانير وآخذ بالدراهم فقال –صلى الله عليه وسلم-: لا بأس أن تأخذ بسعر يومها مالم تفترقا وبينكما شيء. رواه البيهقي. وبناءً عليه فالتعيين يكون قبضاً ، فيكون القبض إما يدويا أو حسابياً.
وقد أصدر المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي في دورته الحادية عشرة قرارا جاء فيه: بعد الدراسة والبحث قرر المجلس بالإجماع مايلي:
أولا: يقوم استلام الشيك مقام القبض عند توفر شروطه في مسألة صرف النقود بالتحويل في المصارف .
ثانياً: يعتبر القيد في دفاتر المصرف في حكم القبض لمن يريد استبدال عملة بعملة أخرى سواء كان الصرف بعملة يعطيها الشخص للمصرف أو بعملة مودعة فيه.
وقد أفتت اللجنة الدائمة بأنه يعتبر تسليم الشيك قبضاً كما في الحوالة. وسئلت اللجنة عن تسديد قيمة الذهب والفضة عن طريق الخصم من الحساب وإيداعه في حساب البائع بواسطة ما يسمى ببطاقة الائتمان فأجابت بما يلي: ما دام الحال أن جهاز نقاط البيع الذي بموجبه يخصم المبلغ حالاً من حساب المشتري المودع في المصرف المسحوب منه ، ويحول حالاً إلى حساب البائع ، وليس هناك عمولات لقاء هذا التحويل ، فإن البيع بهذه الصفة له حكم التقابض في المجلس ، فيجوز بيع الذهب بالعملة الورقية وتسديد الثمن بواسطة نقطة البيع المذكورة لتوفر الحلول والتقابض في مجلس العقد.

(11/6)


وأفتت لجنة الإفتاء في وزارة الأوقاف الكويتية بما يلي: القيد في الحسابات الجارية على ما هو معمولٌ به بصوره لا يمكن الرجوع فيها إلا بإرادة صاحب الحساب يعتبر من قبيل القبض ، وهو قبضٌ حكماً بناءً على العرف الجاري في المعاملات المصرفية ، لأن القبض ورد الشرع بالأمر به ولم يحدد كيفية معينة له.
وقال الشيخ ستر الجعيد: والشيكات السياحية يمكن أن تعتبر بمثابة النقود لا سيما وهي محاطة بضوابط بواسطتها يمكن حفظ الحق وعدم ضياعه ، وهي في نفسها تقوم بوظائف النقود ، فلا مانع من إلحاقها بها يعضد ذلك ما رجحنا من أن الشيك عامةً أصبح كالنقد ، وإن إلحاقه به متوجه والشيكات أكثر إيغالاً في معنى النقدية من الشيكات عامة ، وبالتالي فينطبق عليها ما سبق من وصف الورق النقدي في القول المختار.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا والحمد لله رب العالمين.
المراجع:
1- أبحاث في الاقتصاد المعاصر د/محمد عبداللطيف الفرفور ص141.
2- بحوثٌ في الاقتصاد الإسلامي ، للشيخ/ عبدالله بن منيع.
3- أحكام الأوراق التجارية والنقدية د/ ستر الجعيد.
4- استبدال النقود والعملات د/علي السالوس.
5- مجلة المجمع عدد (6) ج1 ص451-772.
6- قرارات المجمع الفقهي لرابطة العالم الإسلامي ص99.
7- أحكام صرف النقود والعملات د/ عباس الباز.
8- مجموعة الفتاوى الشرعية الصادرة عن قطاع الإفتاء والبحوث الشرعية. طبع وزارة الأوقاف الكويتية.
9- فتاوى اللجنة الدائمة جمع الشيخ/ أحمد الدرويش.
10- القبض ، تعريفه ، أقسامه ، صوره ، أحكامه. د/ سعود الثبيتي.
11- نوازل فقهية معاصرة / لخالد سيف الله الرحماني.
12- الربا والمعاملات المصرفية في نظر الشريعة الإسلامية د/ عمر المترك.
13- تحديد قبض الشيك بحث للشيخ عبدالله بن منيع (مجلة البحوث الإسلامية العدد 26).

(11/7)


إجراء العقود بوسائل الاتصال الحديثة
تصوير المسألة: العقد يتم بحضور المتعاقدين ورضاهما إذا حصل الإيجاب والقبول ، ولكن جد في الأزمان المتأخرة استحداث بعض الأجهزة والتي يمكن بواسطتها إجراء العقد عن بُعد إما بواسطة الصوت عبر الهاتف وقد تنقل الصورة أيضاً ، أو عن طريق إرسال صورة العقد مباشرةً عن طريق الفاكس ، أو الكتابة عن طريق الانترنت والتي تظهر مباشرة في جهاز الشخص الآخر ونحو ذلك. فمع افتقاد حضور المتعاقدين بأبدانهما في مجلسٍ واحد هل يتم العقد ؟ وهل يعتبر اتصالهما ووجودهما حال إجراء العقد وأثناء التخاطب والمكاتبة بقرب الأجهزة كافياً ؟.
التكييف الفقهي للعقد المنقول عن طريق الكتابة:
ينقل على مسألة المكاتبة للغائب عن مجلس العقد وهي جائزة عند الجمهور(1). لحصول التراضي ، والتراخي لا يضر بشرط القبول عند بلوغ الكتاب وهذا قول أكثر العلماء.
وفي وجه عند الشافعية لا يجوز.
التكييف الفقهي للمنقول عن طريق النطق:
يكيف على مسألة العقد بالمناداة وقد قال النووي في المجموع : ولو تناديا وهما متباعدان صح البيع بلا خلاف(2).
بعض شروط العقد ذات الصلة بالموضوع:
يشترط العلماء اتحاد المجلس (فيما عدا الهبة ، والإيصاء ، والوكالة). وتشترط الموالاة بين الإيجاب والقبول بحسب العرف. ولا تشترط فورية القبول عند الجمهور عدا الشافعية ، دفعاً للضرر وليتمكن من التأمل. وإذا كان الإيجاب عن طريق الكتاب والمراسلة فيشترط حصول القبول في مجلس وصول الكتاب.
__________
(1) - حاشة ابن عابدين 4/512 والشرح الكبير للدردير 3/3 والمجموع 9/167 وكشاف القناع 3/142. وفي وجهٍ عند الشافعية لا يجوز.
(2) - المجموع 9/181 وذكر نحوه في روضة الطالبين 3/340 ومطالب أولي النهى 3/88.

(12/1)


ويشترط تطابق الإيجاب والقبول ، وعدم صدور ما يدل على إعراض أحد العاقدين عن التعاقد. ويصح عند الجمهور عدا المالكية رجوع الموجب ، وعند الحنفية إذا اشتغل بأمرٍ آخر يوجب اختلاف المجلس ثم قبل لا ينعقد.
حكم المسألة:
قال كثيرٌ من العلماء المعاصرين (1): يتم العقد بواسطة هذه الأجهزة بشرط الوضوح والتثبت ، ومستندهم في ذلك ما يلي:
1- ما ذكره كثيرٌ من العلماء قديماً من أن العقد يتم عن طريق المراسلة ، وأن الإيجاب إذا حصل بعد وصول الكتاب فإنه صحيح ، وكذا عن طريق المناداة.
2- أن المراد باتحاد المجلس: اتحاد الزمن أو الوقت الذي يكون فيه المتعاقدان مشتغلين بالتعاقد ، لا كون المتعاقدين في مجلسٍ واحد ، ولذلك قالوا: إن المجلس يجمع المتفرقات.
وعلى هذا يكون مجلس العقد في المكالمة الهاتفية مثلاً هو زمن الاتصال مادام الكلام في شأن العقد ، وفي المراسلة والمكاتبة وصول الرسالة أو الخطاب ، فإن تأخر القبول إلى مجلسٍ ثانٍ لم ينعقد العقد.
وقد سئل الشيخ: محمد بخيت المطيعي (رحمه الله) عن الاتصال بالبرق وأحكام التعاقد به (وهو التلغراف) فأجاب بأنه كالمكاتبة تماماً لكنه أسرع ، لكن لا يمتنع الخطأ ولهذا وجب التثبت بوسائل التثبت الموجودة حالياً كالهاتف وما شابه ذلك ، ومثل البرق التلكس لأنه برقٌ خاصٌ بصاحبه من كلا الطرفين ، وأما الفاكس فهو أسرع من التلكس ويأخذ حكمها أيضاً.
وبالنسبة للآلات والأجهزة الأخرى فهي إما أن تكون مساويةً للهاتف والبرق بالسرعة في الاتصال وقوته ووضوحه أو أشد فإن كانت مثلها فتأخذ حكمها وإن كانت أشد فمن باب أولى.
__________
(1) - وممن قال بذلك الشيخ: محمد بخيت المطيعي ، والشيخ: مصطفى الزرقاء والشيخ: وهبه الزحيلي ، والشيخ: عبدالله بن منيع وغيرهم.
16- فإذا تم التقابض في الصرف ، وقبض رأس المال في السلم صح العقد بهذه الوسائل وهو ما أمكن في بعض الصور الجديدة وأفتى به الشيخ/ الزحيلي.

(12/2)


وقد قرر مجمع الفقه في دورة مؤتمره السادس بجدة بجواز التعاقد بهذه الوسائل ويعتبر تعاقداً بين حاضرين بشروط ، ويستثنى من ذلك الصرف لاشتراط التقابض ، والسلم لاشتراط قبض رأس المال(1).
الشروط:
1- وجود التثبت من كلٍ من المتعاقدين من شخصية صاحبه كي لا يدخل الوهم واللبس والتزييف من أحد الطرفين أو من طرفٍ ثالث.
2- صحة ما تنسبه هذه الآلات الحديثة إلى كلٍ من المتعاقدين من أقوالٍ وتصرفات.
3- عدم رجوع الموجب عن إيجابه قبل وصول القبول من الطرف الآخر في بعض الآلات التي يوجد فيها فترة زمنية للوصول.
4- ألا يؤدي التعاقد عن طريق هذه الآلات إلى تأخير قبض أحد العوضين في الصرف لاشتراط التقابض فيه ، وألا يؤدي إلى تأخير قبض راس المال في السلم لاشتراط تعجيل رأس المال فيه.
5- لا يصح عقد النكاح بها لاشتراط الشهود فيه.

المراجع:
1- مجلة المجمع عدد (6) ج1 ص451-772. وقرارات المجمع الفقهي الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي ص99.
2- أبحاث في الاقتصاد المعاصر د/محمد عبداللطيف الفرفور ص141.
3- الفقه الإسلامي وأدلته لوهبة الزحيلي 4/108.
4- حكم إجراء العقود بوسائط الاتصال الحديثة لوهبة الزحيلي.
5- المدخل الفقهي العام ، لمصطفى الزرقاء.
6- خيار المجلس والعيب في الفقه الإسلامي د/ عبدالله الطيار.

(12/3)


حكم بيع أعضاء الإنسان
التمهيد: بيع الأعضاء إذا قيل بجواز نقلها مبني على مسألة بدن الإنسان هل هو ملكٌ له ويندرج تحت هذا نقاط:
1- بدن الإنسان هل هو مملوك له ، أو هو وصيٌ وأمينٌ عليه ، وهل هو حقٌ لله أو حقٌ للعبد ، أو حقٌ مشترك.
2- إذا قيل باجتماع الحقين فإن تغليب أي منهما يختلف باختلاف الأحوال والتصرفات.
3- ومعلومٌ أن ما اجتمع فيه الحقان فإن إسقاط العبد لحقه مشروطٌ بعدم إسقاط حق الله تعالى ، فإن حق الله تعالى هو الغاية من خلق الآدميين ، فليس للإنسان حق التصرف في بدنه بما يضر في الغاية من خلقه.
آراء العلماء في حكم بيع الأعضاء:
القول الأول الجواز(1):
والأدلة على الجواز هي:
1-قياسا على لبن الآدميات. فقد قال الشافعية والحنابلة يجوز بيع لبن المرأة في قدح(2).
وأجيب بأنه قياس مع الفارق لأن اللبن من مفرزات الجسم وهو يتجدد وبقاؤه في ثدي المرأة مؤذٍ لها بخلاف الأعضاء التي هي مقومات الجسد البشري.
2- قياسا على أخذ الدية الواجبة في الأعضاء عند إتلافها.
والجواب أن كمال العقول والأجسام من حق الله تعالى في العباد لا من حقوق العباد بدليل أنه لم يجعل إلى اختيارهم فلا يصح للعبد إسقاطه. وأما أخذ المال مقابل فوت جزءٍ منها فلأنه حصل من غير كسبه ولا تسببه فهنالك يتمحض حق العبد إذ ماوقع لا يمكن رفعه فله الخيرة حينئذٍ لأنه صار حقاً مستوفى في الغير كدينٍ من الديون(3).
3- قياساً على بيع الرقيق فإذا جاز بيع الكل جاز بيع البعض.
__________
(1) - ذكره صاحب كتاب البيوع الشائعة احتمالاً ولم ينسبه بل قال: فهل يصح القول بتصحيح بيع الأعضاء قياساً..الخ. ص256.
(2) - واستدلوا بأنه طاهرٌ منتفع به وغذاء للآدمي فصح بيعه ، وقال الحنفية والمالكية: لا يجوز لأنه جزْءٌ محترم من الآدمي لا يجوز ابتذاله بالبيع لأنه إهانة ، ولأنه عندهم لايعتبر مالاً.
(3) - الموافقات 2/284.

(13/1)


والجواب: أن وجود الرق حالة استثنائية تقتضيها المصلحة التي يقدرها ولي الأمر، ثم إن الإسلام حض على إعتاق الرقيق وجعله كفارةً لكثيرٍ من الأخطاء كالحنث في اليمين وغيره. وبيع الرقيق لا يعني أنه لا يتمتع بحق الحياة أو إباحة الاعتداء عليه فقد جعل الإسلام كفارة من لطم وجهه على عبده عتقه(1). وفي الحديث: من كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل ، وليلبسه مما يلبس ، ولا تكلفوهم ما يغلبهم ، فإن كلفتموهم فأعينوهم(2).
2- القول الثاني: لا يجوز بيع الأعضاء وهو ما أفتى به المجمع الفقهي:
الأدلة على التحريم:
أ- أن أعضاء الإنسان ليست ملكاً له ، ولم يؤذن له ببيعها شرعاً فيكون بيعها داخلاً في بيع الإنسان مالا يملك.
ب- أن بيع الإنسان لأعضائه فيه امتهانٌ له ، والله عز وجل مكرم له فخالف مقصود الشرع من هذا الوجه. ولذلك نجد الفقهاء يعلل أكثرهم حرمة البيع بتكريم الله للإنسان قال الشيخ علاء الدين الحصكفي (رحمه الله) عند بيانه لما لا يجوز بيعه:وشعر الإنسان لكرامة الآدمي ولو كان كافراً(3).وفي حاشية ابن عابدين 5/215: وإن قال له : اقطع يدي وكلها لا يحل لأن لحم الإنسان لا يباح في الاضطرار ولكرامته. وفي الفتاوى الخانية 3/404 : مضطر لايجد الميتة وخاف الهلاك فقال له رجل: اقطع يدي وكلها لا يسعه الأمر. وفي الفتاوى الهندية 5/354 : الانتفاع بأجزاء الآدمي لم يجز قيل للنجاسة ، وقيل لكرامته وهو الصحيح. وفي الفتاوى البزازية 6/365 : يكره معالجة الجراحة بعظم الإنسان …لأنها محرمة الانتفاع. وفيها أيضاً ص366: خاف الهلاك جوعاً فقال له آخر: اقطع يدي وكلها ليس له ذلك لأن لحم الإنسان لا يباح حال الاضطرار لكرامته.
__________
(1) - ورد ذلك في حديث ابن عمر الذي رواه أحمد في مسنده.
(2) - رواه البخاري في الإيمان (30) ومسلم كذلك (1661).
22- الدر المختار للحصكفي 2/64

(13/2)


وقال القرافي في الفروق 1/141 : وحرم القتل والجرح صوناً لمهجة الإنسان وأعضائه ومنافعها عليه ولو رضي العبد بإسقاط حقه من ذلك لم يعتبر رضاه ولم ينفذ إسقاطه. وقال الشاطبي في الموافقات 2/376 : إن إحياء النفوس وكمال العقول والأجسام من حق الله تعالى في العباد لا من حقوق العباد ..فإذا أكمل الله تعالى على عبدٍ حياته وجسمه وعقله الذي به يحصل ما طلب به من القيام بما كلف به فلا يصح للعبد إسقاطه.
وفي روضة الطالبين 3/285 : ولا يجوز أن يقطع لنفسه من معصوم غيره ولا للغير أن يقطع من نفسه للمضطر. وفي مغني المحتاج 4/400 : ويحرم جزماً على شخصٍ قطعه بعض نفسه لغيره من المضطرين.
وفي كشاف القناع 6/198 : وإن لم يجد المضطر إلا آدمياً محقون الدم لم يبح قتله ولا إتلاف عضوٍ منه. وفي مجلة المجمع عدد4 ج1 ص1: قال الدكتور البار: أجمع الفقهاء على عدم جواز بيع الأعضاء من الحر.
هل يجوز بيع أعضاء من لا يتمتع بحياة محترمة كالمحكوم عليه بالموت والمرتد والزاني المحصن والمحارب.
1- القول الأول: يجوز ، وقال به الدكتور: محمد سعيد البوطي.
2- القول الثاني: لا يجوز ، وبه صدر قرار المجمع الفقهي.
أدلة القائلين بالجواز:
أ- بناءً على قاعدة يتحمل أخف الضررين لدرء أشدهما ، لأن حياة المعصوم محترمة فتصان بإزالة حياةٍ غير محترمة.
ب- عملاً بقول الشافعية والحنابلة بجواز أكل المضطر المحصن من جسد غير المحصن إذا كان في ذلك إنقاذ حياة هذا المعصوم المحصن.
ج- أن حياة المعصوم إحدى الضرورات الخمس فتصان ، والمحافظة على عضو من لا يتمتع بحياة محترمة من الحاجيات التي أهدرتها الضرورة.

(13/3)


وبناءً على القول بالجواز فمن يملك القرار بأخذ العضو هل هو الرجل نفسه أم الورثة أم الوالي ؟ أما الرجل صاحب العضو فلا يملك حق التصرف بحياته وأعضائه ، وأما الورثة فليس لهم الحق في ذلك في حياته وبعد موته وينحصر حقهم في تركته . وأما الوالي فقيل: له الحق في ذلك ، لأنه المخول بالأمر بتنفيذ الحكم بالوجه الشرعي الذي ينفذ به ، ولأن له الولاية العظمى على مصالح المسلمين ، ولكن هذا مردودٌ بأنه ليس من حقه أن يبيع ما لا يملك.
أدلة القائلين بالتحريم:
1- لأن ذلك ليس من حق الشخص ، لأنه بيعٌ لما لا يملك ، فإن جسد الإنسان ملكٌ لله. ولا من حق ورثته كما سبق ، ولا من حق الحاكم لأنه يبيع ما لايملك وليس ثمة ما يخوله ذلك شرعاً.
2- أنه مخالفٌ لتكريم الله تعالى لجنس الآدمي.
وقد أصدر المجمع الفقهي قراراً ومما جاء فيه:
سابعاً: وينبغي ملاحظة أن الاتفاق على جواز نقل العضو في الحالات التي تم بيانها مشروطٌ بأن لا يتم ذلك بوساطة بيع العضو ، إذ لا يجوز إخضاع أعضاء الإنسان للبيع بحالٍ ما. أما بذل المال من المستفيد ابتغاء الحصول على العضو المطلوب عند الضرورة أو مكافأةً وتكريماً فمحل اجتهادٍ ونظر.
المراجع :
1- البيوع الشائعة وأثر ضوابط المبيع على شرعيتها د/ محمد توفيق البوطي.
- أحكام الجراحة الطبية د/ محمد المختار .
3- أبحاث هيئة كبار العلماء ج1.
4- مجلة المجمع عدد (4) ج1 .
5- انتفاع الإنسان بأعضاء جسم إنسانٍ آخر د/ محمد البار.

(13/4)


بيع الاسم التجاري (الحقوق المعنوية)
1- الحقوق المعنوية والاسم التجاري:
الحقوق المعنوية أعم من الاسم التجاري: وهي التي ترد على شيء غير مادي. ويطلق عليها بعضهم: الملكية الأدبية ، والفنية ، والصناعية. واعترض على هذه التسمية بأن الملكية لا يصح إطلاقها على حق المؤلف والمخترع ، لأن المادة تؤتي ثمارها بالاستحواذ في حين أن الفكر يؤتي ثماره بالنشر ، ولأن الحق المعنوي مؤقت.
حقوق الابتكار: اختار هذا الاسم الأستاذ مصطفى الزرقاء (رحمه الله) : وعرفها الدريني بأنها: الصور الفكرية التي تفتقت عن الملكة الراسخة في نفس العالم أو الأديب أو نحوه مما قد يكون أبدعه هو ولم يسبقه إليه أحد.
- حقوق الملكية التجارية : ومن أبرزها حق الاسم التجاري:
في السنة التاسعة للثورة الفرنسية أصدرت محكمة استئناف باريس حكماً بأن بيع المتجر يشمل: الملكية المادية لمعدات المحل والملكية المعنوية وهي الشهرة وثقة الجمهور ، ثم توالت القوانين المؤيدة كمراعاة الضريبة لسمعة المحل ودرجة إقبال الزبائن عليه ، ثم انتقلت هذه القوانين للدول العربية. وتسمى بحقوق الملكية التجارية: وهي الحقوق المعنوية التي يتكون منها المتجر.
الاسم التجاري: يطلق على التسمية التي يستخدمها التاجر كعلامة مميزة لمشروعه التجاري عن نظائره ليعرف المتعاملون معه نوعاً خاصا من السلع وحسن المعاملة والخدمة.
مضامين الاسم التجاري:
أ-الشعار التجاري للسلعة أو العلامة التجارية (الماركة) : وهي كل إشارة توسم بها البضائع والسلع والمنتجات أو تعلم بها تمييزاً لها عما يماثلها من سلع تاجر آخر أو منتجات أصحاب الصناعات الأخرى. ويراد بها جذب المستهلكين لاعتيادهم عليها ومعرفتهم بخصائصها.
ب- العنوان التجاري: ويتمثل في الاسم المعلن على لافتته.
ج- الوصف الذي يتمتع به المحل التجاري: من حيث مكانه وموقعه.
2- الأمور الملحقة بالاسم التجاري وبيان المراد منها:

(14/1)


مما يلحق بالاسم التجاري: 1- حقوق الملكية الأدبية والفنية (ومن أبرزها حق المؤلف). 2- والملكية الصناعية أو (براءة الاختراع).
التأليف: من ألف ويدل على انضمام الشيء إلى الشيء . وقال أبو البقاء: التأليف جمع الأشياء المتناسبة. ويندرج تحت اسم التأليف: اختراع معدوم وجمع متفرق وتكميل ناقص وتفصيل مجمل وتهذيب مطول وترتيب مخلط وتعيين مبهم وتبيين خطأ.
حق المخترع (براءة الاختراع): ويشمل براءات الاختراع- الرسوم والنماذج الصناعية- العلامات والبيانات التجارية.
فإذا كان حق التأليف يتعلق بالأعمال الأدبية والفنية فإن حق الاختراع يتعلق بالأعمال الصناعية كبراءة اختراع المذياع ، أو براءة اختراع دواء لمرض معين.
ويرجع تنظيم هذا الحق إلى أواخر القرن الثامن عشر الميلادي حيث صدر أول قانون فيه في فرنسا سنة 1791م ثم عدل ونسخ وحل محله قانون 1968م وقد عقدت اتفاقيات لحماية هذا الحق كان أولها اتفاقية باريس سنة 1883م.
معنى براءة الاختراع:
البراءة لغة: من برأ قال ابن فارس: الباء والراء والهمزة أصلان إليهما ترجع فروع الباب أحدهما: الخلق يقال برأ الله الخلق يبرؤهم برءاً ، والأصل الثاني: التباعد من الشيء ومزايلته ومن ذلك البرء وهو: السلامة من السقم . ووجه تسمية الشهادة بالبراءة أن العالم هو الذي أوجد الاختراع ولم تبق فكرته حبيسة النفس ، وإنما انفصلت وأذيعت للناس وطرحت عليهم وأعلنت وأصبحت ملكاً عاماً. قال الدكتور الواعي: والأصل في منح هذا السند أن المخترع يذيع اختراعه ويعلنه ويطرحه في مجال الثروة العامة.
معنى الاختراع:
الاختراع لغةً من خرع الشيء خرعاً واختراعاً بمعنى شقه وأبدعه وأنشأه فالاختراع إبداع شيءٍ لم يكن له وجود وهو يتضمن عنصرين الأول : عمل ذهني يتعلق بالصناعة ، والثاني: وجود شيءٍ جديد.
تعريف براءة الاختراع باعتبارها مصطلحاً:

(14/2)


وثيقة تمنح من طرف دائرةٍ رسمية أو من مكتبٍ عاملٍ باسم مجموعة من الأقطار بناء على طلب بذلك ، ويترتب على هذه الشهادة الرسمية حق من منحت له في استخدام الاختراع المعين فيها وأعماله والتنازل عنه بالبيع واستيراده.

وهذه البراءة تمنح المخترع عدة حقوق:
الأول: حق استغلال المخترع لاختراعه واستغلال الورثة له بعد وفاته بمدة معينة تقدرها قوانين البراءة بحيث يسقط بعدها ويصبح من جملة الثروة العامة. والثاني: حق المخترع في أن ينسب الاختراع إليه من البراءة التي تصدر باسم صاحب العمل.
3- المراد بالحقوق في الفقه الإسلامي ، وأقسامها:
الحق لغة يطلق على عدة أمور وهو على الجملة: الأمر الموجود الثابت.
واصطلاحا: عرف بعدة تعريفات: فعرف بأنه مصلحةٌ شرعية تخول صاحبها الاختصاص أو ترتب التكليف. وعرفه الشيخ مصطفى الزرقاء (رحمه الله) بأنه: اختصاص يقرر به الشارع سلطةً أو تكليفاً.
وعلى كل حال يطلق الحق على كل مايثبت للشخص من ميزات أو مكنات سواء كان مالا أو غيره أي أنه يطلق على الشيء المملوك وعلى الملك نفسه . فالحق والحقيقة بمعنى واحد لغةً وهو في عرف الشرع عبارة عما يختص به الإنسان انتفاعا وارتفاقا كطريق الدار ومسيل الماء والشرب والطريق فهو ينتفع بكل ذلك. ويستعمل في مقابل الأعيان والمنافع المملوكة ويقصدون بها المصالح الشرعية التي لا وجود لها إلا باعتبار الشارع لها كحق النفقة والسكنى والحضانة والخيار والولاية.وذكر بعض العلماء تعاريف أخرى والحاصل أنه لا يختلف استعماله عند الفقهاء عن الاستعمال اللغوي فهم يستعملونه دائما فيما يثبت لإنسان بمقتضى الشرع من أجل صالحه ويعمل كل شيء سواء كان عينا أو دينا أو شيئا آخر كالحقوق المجردة ، فالحق يطلق على الأعيان المملوكة وعلى المنافع والمصالح بوجه عام.
أقسام الحقوق في الفقه الإسلامي:
تنقسم الحقوق إلى ثلاثة قسام: حقوق الله ، وحقوق العباد ، وحقوق مشتركة.

(14/3)


أ- فحقوق الله يقصد بها تعظيم الله تعالى ، وتتميز بأنه لا يجوز إسقاطها بعفو أو صلح أو تنازل ولا تغييرها ، ولا تورث ، ويجوز التداخل فيها كمن زنى مرارا واستيفاؤها يكون من قبل الحاكم.
ب- وحقوق العباد بضدها ويقصد بها مصلحة الشخص كحفظ ماله ، واستيفاؤها منوطٌ بصاحب الحق.
ج- والحقوق المشتركة وهي التي يجتمع فيها حق الله وحق العباد كالقذف وعدة المطلقة والحكم في هذا القسم أن يلحق بما غلب عليه ، فالقصاص مثلاً يغلب فيه جانب العبد فيجوز العفو فيه والصلح عليه.
وحقوق العباد تنقسم باعتبار المحل إلى أقسام:
أولاً: من حيث المالية تنقسم إلى:
1- حقوق مالية وهي التي تتعلق بالأموال ومنافعها.
وقد قسمها ابن رجب إلى خمسة أقسام:
1- حق الملك . 2- حق التملك كحق الشفيع في الشفعة ، وحق الأب في مال ولده. 3-وحق الانتفاع كوضع الجار خشبة على جدار جاره إذا لم يكن ضرر على الجار.
4- وحق الاختصاص وهو ما يختص مستحقه بالانتفاع به ولا يملك أحد مزاحمته وهو غير قابل للشمول والمعاوضات ، ومنه مرافق الأملاك كالطرق والأفنية ومسيل المياه والأسواق والجلوس في المساجد فالجالس أحق بمجلسه إلى أن يقوم. 5- وحق التعلق لاستيفاء الحق ، مثل تعلق حق المرتهن بالرهن. وقال القرافي: تمليك الانتفاع نريد به أن يباشر هو بنفسه فقط وتمليك المنفعة هو أعم وأشمل فيباشر بنفسه ويمكن غيره من الإنتفاع بعوض كالإجارة ، وبغير عوض كالعارية.
2- الحقوق غير المالية: أي التي ليس محلها المال كحق القصاص وحق الحضانة وحق الولاية على النفس وحق المرأة في الطلاق إذا حصل موجبه.
ثانياً : من حيث تعلقها بالشخص تنقسم إلى:
1- الحق الشخصي: وهو مايقره الشرع لشخصٍ على آخر ومحله إما أن يكون قياماً بعمل كالنفقة ، أو امتناعاً عن عمل كحق المودع على الوديع في عدم استعمال الوديعة.
2- الحق العيني: ويعرف بأنه ما كان له وجود في الخارج أي أنه يمكن إحرازها.

(14/4)


أو هو: ما يقره الشرع لشخص على شيء معين قائم بذاته كحق تصرف المالك في ملكه وحق الارتفاق المقرر على عقار لصالح عقارٍ آخر كحق المرور والمسيل ووضع الخشب.
والحق المعنوي قسيم للحق العيني والحق الشخصي لأن الحق العيني عبارة عن سلطة معينة تعطى لشخصٍ معين على شيء معين وهذا الشيء المعين لابد أن يكون ماديا ولما ظهرت الحقوق المعنوية اعتبرت نوعاً مستقلا من أنواع الحقوق المالية لما تتصف به من خصائص تميزها عن الحقوق العينية والشخصية نتجت من كون محلها غير مادي.
4- التكييف الشرعي للاسم التجاري وبقية الحقوق المعنوية:
التكييف الشرعي مبني على اعتبار الحقوق المعنوية أموالا أم لا فإذا كانت أموالاً جاز بيعها .
5-المراد بالمال عند الفقهاء:
سنبحث أولاً في المنافع واعتبارها مالاً لأنها قريبة الشبه من الحقوق المعنوية التي هي محل البحث.

(14/5)


تطلق المنافع في مقابلة الأعيان كسكنى الدار وركوب الدابة ، ويطلقها بعض الفقهاء على ثمرات الأعيان سواء كانت أعراضا أم أعيانا متولدة منها كالثمر والزرع وأجرة الأرض. ويرى الجمهور أن المنافع تعتبر أموالا يجوز المعاوضة عنها وتحاز بحيازة أصلها. والحنفية لم يعدوها مالا ، وسبب الخلاف: الاختلاف في تعريف المال فقد قيده الحنفية بقيد الادخار لوقت الحاجة. وهذا الاختلاف في المنافع التي هي الأعراض المقابلة للأعيان أما ثمرة الأعيان المتولدة منها فلا خلاف فيها. والراجح الأول لأن المال لا يشترط فيه أن يحرز ويحاز بنفسه وعملا بالعرف. قال الدسوقي: ومرد مالية المنافع إلى العرف. وقال: المنافع متمولة يعاوض عليها. وقال ابن رشد: والقياس أن تجري المنافع والأعيان مجرى واحد. وقال صاحب مطالب أولي النهى: والمنافع كالأعيان لأنها يصح الاعتياض عنها وتضمن باليد والإتلاف. وقال السيوطي: المنافع تملك كالأعيان. والحقوق المعنوية تشبه المنافع من حيث أن كلا منهما شيء غير مادي وأن له قيمة مالية يتمول بها ، وأنه يمكن حيازته بحيازة أصله.
ومما سبق يتضح لنا أن الحنفية لا يعدون الحقوق من الأموال لعدم إمكان حيازتها والجمهور يعدونها مالا. وهذا إن أريد بها منفعة كحق المستأجر في العين المؤجرة ، وإلا فلا ، كحق الحضانة.
6- أقوال علماء العصر في بيع الحقوق المعنوية:
1- حق المؤلف:
1- قال الدكتور/ أحمد الحجي الكردي بعدم اعتبار حق التأليف وبالتالي عدم حل المقابل المالي لهذا الحق لما يلي:
1- لأن اعتباره حقاً يؤدي إلى حبس المؤلف لمصنفه العلمي عن الطبع والتداول إلا في مقابل مال يحصل عليه. وكتمان العلم منهي عنه ، كما في حديث : من سئل عن علمٍ ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجامٍ من نار(1). وعلق العجلوني على هذا الحديث بما نقله عن المقاصد فقال: ويشمل الوعيد حبس الكتب عمن يطلبها للانتفاع.
__________
(1) - رواه الترمذي 5/29.

(14/6)


وأجيب بأن ذلك غير مسلم بدليل الواقع إذ لم يمنع ذلك من طباعة الكتب ونشرها.
2- أن العلم يعد قربةً وطاعة والقربة لا يجوز الحصول على أجرٍ ماليٍ في أدائها كما كان حال السلف الصالح.
وأجيب بأن المتأخرين من الفقهاء أفتوا بجواز أخذ الجرة على فعل الطاعات كالإمامة والأذان وتعليم القرآن.
3- أن حق المؤلف حق مجرد كحق الشفعة فلا يجوز الاعتياض عنه.
وأجيب بأنه قياسٌ مع الفارق لأن حق الشفعة من الحقوق التي أثبتها الشارع لأجل دفع الضرر عن الشفيع فلا يجوز الاعتياض عنها ، وأما حق المؤلف فليس لدفع ضررٍ عن المؤلف بل مقابل جهدٍ فكريٍ وبدني.
القول الثاني: يجوز وقال به كثير من المعاصرين ومنهم الشيخ/ مصطفى الزرقاء ، والدريني والزحيلي وغيرهم واستدلوا بما يلي:
1- أن المنفعة(1) تعد مالاً عند جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة بدليل أن الأصل في المهر أن يكون مالاً ومع ذلك يجوز أن يكون المهر منفعةً كما يدل على ذلك قصة شعيب وموسى (عليهما السلام). وإذا كانت المنافع وهي من الأمور المعنوية مالاً فالإنتاج الذهني أيضاً يمثل منفعةً من منافع الإنسان.
2- أن العرف جرى على اعتبار حق المؤلف في تأليفه وإبداعه فأقر التعويض عنه والجائزة عليه وهذا العرف لا يصادم نصاً والعرف له دخل كبير في مالية الأشياء قال السيوطي: لا يقع اسم المال إلا على ماله قيمة يباع بها وتلزم متلفه وإن قلت وما لايطرحه الناس.
3- أنه لا يجوز نسبة القول إلى غير قائله لينال خيره ويتحمل وزره ، وقد روى الغزالي أن الإمام أحمد سئل عمن سقطت منه ورقة كتب فيها أحاديث أو نحوها أيجوز لمن وجدها أن يكتب منها ثم يردها ؟ قال: لا بل يستأذن.
4- أن المؤلف مسئول عما يكتب بدليل قوله تعالى (ما يلفظ من قولٍ إلا لديه رقيب عتيد) فيكون له بالمقابل الحق فيما أبدعه من خيرٍ عملاً بقاعد (الغنم بالغرم) وقاعدة (الخراج بالضمان).
__________
(1) - والمنافع ما يستفاد من الأعيان.

(14/7)


5- الإبداع الذهني أصل للوسائل المادية من سيارة وطيارة ونحوها فلا بد من اعتبار الأصل له صفة المالية.
6- التخريج على قاعدة المصلحة المرسلة لما في ذلك من مصلحة للمجتمع وللمؤلف والناشر ، ومنعه قد يؤدي إلى الانقطاع عن التأليف للتكاليف المالية والذهنية وانعدام الحافز.
2- الحكم الشرعي لبراءة الاختراع:
-يمكن تخريجه على قاعدة المصالح المرسلة التي سبق ذكرها ووجه المصلحة في حماية هذا الحق تشجيع الاختراع والإبداع.
3-الحكم الشرعي للاسم التجاري:
يمكن تخريجه أيضاً على قاعدة المصلحة المرسلة. وقد اتفق العلماء المعاصرون على اعتبار الاسم التجاري حقاً مالياً وذا قيمة مالية ودلالة تجارية معينة يحقق رواج الشيء الذي يحمل ذلك الاسم ، وهو مملوك لصاحبه والملك يفيد الاختصاص أو الاستبداد أو التمكن من الانتفاع والتصرف فيه بالبيع والإجارة أو غير ذلك ويمنع الغير من الاعتداء عليه إلا بإذن صاحبه ، والعرف الذي يستند إليه هذا الحق عام ولا يتصادم مع نص شرعي خاص أو قاعدة كلية عامة في الشريعة الإسلامية.
رأي مجمع الفقه الإسلامي في حقوق الإبتكار:
لقد طرح مجمع الفقه الإسلامي موضوع الحقوق المعنوية أو حقوق الابتكار في دورته الخامسة المنعقدة في الكويت وبعد المداولة اتخذ القرار التالي:
أولاً: الاسم التجاري والعنوان التجاري والعلامة التجارية وحق التأليف والاختراع أو الابتكار هي حقوق خاصة لأصحابها أصبح لها في العرف المعاصر قيمة مالية معتبرة لتمول الناس بها وهذه الحقوق يعتد بها شرعا فلا يجوز الاعتداء عليها . ثانياً: يجوز التصرف في الاسم التجاري أو العنوان التجاري أو العلامة التجارية ونقل أي منها بعوض مالي إذا انتفى الغرر والتدليس والغش باعتبار أن ذلك أصبح حقا ماليا.

(14/8)


وأفتت اللجنة الدائمة للبحوث العلمية بما يلي: لا مانع من تسجيل الأشرطة النافعة وبيعها ، وتصوير الكتب وبيعها ، لما في ذلك من الإعانة على نشر العلم إلا إذا كان أصحابها يمنعون من ذلك فلا بد من إذنهم. وأفتت أيضاً بأنه لا يجوز نسخ البرامج التي يمنع أصحابها نسخها إلا بإذنهم.
وفي فتاوى لجنة الأوقاف الكويتية جواباً عن سؤالٍ عن استنساخ الكتب والبرامج الأصلية لبيعها: ذلك ممنوعٌ شرعاً في حالة منع المؤلف أو المنتج الأصلي أو وجود قانونٍ أو عرف يمنع من ذلك ، لما فيه من الإضرار بالمؤلف أو ورثته أو المنتج الأصلي.
المراجع:
1- مجلة المجمع عدد (4) ج2 ص2333- والعدد (5) ج3 ص2265.
2- دراسة شرعية لأهم العقود المالية المستحدثة د/ محمد الأمين مصطفى الشنقيطي. 3- زكاة الحقوق المعنوية ، أ.د. عبدالحميد محمود البعلي.
4- المدخل الفقهي العام ، للشيخ/ مصطفى الزرقا ص267-270.
5- المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي ، د/محمد عثمان شبير.
6-البيوع الشائعة وأثر ضبط البيوع على شرعيتها د محمد توفيق رمضان البوطي
7- مجلة الشريعة والقانون –الإمارات- 2/15.(1)
__________
(1) - ومن النوازل المالية ما يلي :

1- التأمين التجاري: وقد شبهه بعضهم بنظام العاقلة الذي يقوم بتوزيع دية القتل الخطأ على عاقلة القاتل وسيأتي الكلام عنه وأما التعاوني أو التبادلي فهو الذي يقوم بين الجمعيات التعاونية والخيرية لتأمين حاجات المنتسبين لها ويدفع فيها كل عضو مبلغاً معيناً من المال فلا بأس به لأنه على سبيل التبرع.والتأمين التجاري لم يعرف إلا عن طريق الدول الغربية وانتقل للعرب في القرن التاسع عشر ، وقد ذكر ابن عابدين (رحمه الله) 1252هـ ما كان يفعله التجار في عهده مما يسمى بالسوكرة وذلك بأن يشتري مركباً من حربي ويدفع لحربيٍ آخر مالاً على أنه مهما هلك من المركب والبضاعة يضمنه قال ابن عابدين في الحاشية 4/170، 171: والذي يظهر لي أنه لا يحل للتاجر أخذ بدل الهالك من ماله لأن هذا التزام ما لا يلزم ، وذكر أن من أسباب الخلاف الخلاف في ضمان الأجير المشترك ، لكن لما أخذ هنا أجرةً على الحفظ يضمن لأن الحفظ وجب عليه قصداً بخلاف المودع بأجرة ، لكنه لا يضمن فيما لا يمكن الاحتراز منه.
والتأمين التجاري يتم بين طرفين يقوم فيه أحدهما بدفع مبلغ من المال مقابل تحمل الآخر لما يحصل من تلف بشرط ألا يكون من المؤمن متعمدا لمدة معينة. وهو أنواع:
1- التأمين على الأشياء.
2- التأمين على الحياة ، يدفع فيه للشخص مبلغاً من المال عند وقوع الإصابة المؤمن عليها ، أو للورثة مبلغاً معينا عند الوفاة.
3- التأمين على المسئولية عن الأخطاء التي تحدث ضد الغير. كتأمين صاحب السيارة عن مسئوليته تجاه ما تحدثه سيارته من أضرار بالغير.
حكم التأمين:
اختلف العلماء في حكم التأمين على قولين:
القول الأول: يحرم وقال به أكثر العلماء ومنهم: الشيخ/ محمد بخيت المطيعي والشيخ محمد أبو زهرة والشيخ/ الصديق الضرير وغيرهم ، واستدلوا بما يلي:
1- لأنه مشتملٌ على غررٍ فاحش يتعلق بحصول العوضين ومقدارهما ، وبما أن التأمين عقد معاوضة فالغرر يفسد عقود المعاوضات.
2- ويتضمن الربا بنوعيه ربا الفضل وربا النسيئة ، لأن حقيقته بيع نقدٍ بنقد ولم يحصل فيه التساوي ولا التقابض. 3- ويشتمل على الميسر والقمار والمراهنة فقد يحدث الخطر وقد لا يحدث.
4-أن في التأمين بيع دينٍ بدين ، فالأقساطٌ دينٌ في الذمة ومبلغ التأمين كذلك ، وبيع الدين بالدين محرم لأنه إشغال للذمتين بلا فائدة.
القول الثاني: يجوز وهو قول الشيخ/ عبدالوهاب خلاف ، والشيخ علي الخفيف ، والشيخ عبدالرحمن عيسى ، والشيخ مصطفى الزرقاء ، واستدلوا بما يلي:
1- القياس على العاقلة لأن في كليها تخفيفٌ لأثر المصيبة. ونوقش بأنه قياس مع الفارق لأن نظام العاقلة يقوم على التعاون والتكافل لا التجارة وتحصيل الأرباح.
2- قياساً على الموالاة بأن يقول لمجهول النسب: أنت ترثني إذا مت وذلك برضاه وكذلك الأمر هنا. ونوقش بأن المقس عليه مختلفٌ فيه.
3- وقياساً على خطر الطريق الذي أجازه الحنفيه كما في حاشية ابن عابدين 4/170 وذلك بأن يقول: اسلك هذا الطريق وإن أصابك شيء فأنا ضامن. ونوقش بأن ضمان خطر الطريق من طرفٍ واحد في حين أن الالتزام في عقد التأمين من الطرفين.
الترجيح: الراجح التحريم لما سبق ذكره ، ولأنه قد يفتعل بعضهم السرقة أو يقتل أباه ليحصل على مبلغ التأمين. وقد صدر قرار مجمع الفقه الإسلامي لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاده الثاني بجدة بالتحريم ، وذكر فيه أن العقد البديل هو التأمين التعاوني القائم على أساس التبرع والتعاون.
المراجع:
1-دراسة شرعيه لأهم العقود المالية د/ محمد الأمين الشنقيطي
2-المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي د/ محمد عثمان شبير.
3-عقود التأمين حقيقتها وحكمها د/حمد الحماد.
4-مجلة المجمع الفقهي ع2 ج2 ص545. وقرارات وتوصيات المجمع ص20.
5-مجلة البحوث الفقهية 7/138. 6-مجلة البحوث الإسلامية 19/17.
7-مجلة الإقتصاد الإسلامي 69/32.
2- المرابحة للآمر بالشراء.
المرابحة في اصطلاح الفقهاء هي: البيع بزيادة على الثمن الأول ، فيقول البائع للمشتري: اشتريتها بكذا وتربحني فيها كذا وهي جائزة.
وأما المرابحة للآمر بالشراء فالمراد بها: طلب المشتري من شخصٍ أو جهة شراء سلعة بمواصفات معينة على أساس وعدٍ منه بشراء تلك السلعة بربحٍ متفقٍ عليه ، ويدفع الثمن على دفعات.
حكمها شرعاً: يبحث هذا في نقاط وهي:
أولأ: لابد من تملك البائع للسلعة قبل بيعها وإلا كان بيع ما لا يملك وهذا لا يجوز.
ثانياً: الوعد هنا من المشتري هل يلزمه الوفاء به قضاءً. فقال الجمهور: لا يلزم الوفاء بالوعد قضاءً ، لأن الوعد تبرع فلا يلزم الوفاء به كعقد الهبة. وقال بعض المالكية كما في المدونة: يلزم قضاءً إذا كان متعلقاً بسبب ودخل الموعود فيه. ولكن على القول بالإلزام يكون هذا البيع تحايلاً على الربا فالبائع يشتري السلعة وهو يعلم أنها ستؤول حتماً للمشتري بزيادةٍ مقدرة سلفاً فكأنه باع نقداً بنقدٍ نسيئةً.
ثالثاً: يجري في بيع المرابحة تقسيط الثمن ، والتقسيط اختلف فيه والجمهور على جوازه ، لأن الزيادة في السلعة لا في مقابل النقود ، ولا يدخل في بيعتين في بيعة لأن ذاك أن يقول: أبيعك نقداً بكذا ومؤجلاً بكذا دون أن يقاطعه على أحدهما. وأما إن كان مراد المشتري من الشراء الحصول على المال ببيع السلعة فهذا يسمى التورق وفيه خلاف. وقد أفتى بذلك المجمع الفقهي الإسلامي في دورته الخامسة المنعقدة في الكويت بجواز بيع المرابحة بشرط الملكية المسبقة للسلعة قبل إجراء البيع .
والراجح: أن بيع المرابحة جائز إذا لم يكن تحايلاً على الربا وهو ما يتحقق مع إلزام الواعد بالشراء فإذا خلا من ذلك جاز لكن من الصعوبة خلوه من الإلزام سواءٌ أكان ذلك بطريقةٍ مباشرة أو غير مباشرة ، والله أعلم.
المراجع:
1-مجلة المجمع الفقهي ع5 ج2 ص753،965. وقرارات مجلة المجمع 76-91-97-107.
2- بيع المرابحة كما تجريه البنوك الإسلامية د/ محمد الأشقر.
3- دراسة شرعية لأهم العقود المالية المستحدثة د/ محمد الشنقيطي.
4- المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي د/محمد عثمان شبير.
3- خطاب الضمان.
إذا أراد شخصٌ القيام بمشروعٍ ما وتقدم لمناقصة فإنه يطلب منه إحضار خطاب ضمان من جهة موثوقة مالياً لضمان إتمام المشروع في حالة عجزه عن القيام بذلك وتعطي البنوك هذه الخطابات مقابل عمولة ، وقد يشترط البنك غطاءً مالياً كاملاً لكلفة المشروع وقد يشترط غطاءً جزئياً.
الحكم الشرعي:
التكييف الشرعي: خطاب الضمان هو بمثابة الكفالة إذا كان بدون غطاء ، والكفالة اختلف في جواز أخذ الأجرة عليها ، فقال الجمهور: لا يجوز ، لأن الكفيل مقرض وإذا شرط له الجعل مع ضمان المثل فقد شرط له الزيادة على ما أقرضه فيكون قرضاً جر نفعاً ، أو أن الكفالة قربة ولا يجوز أخذ الأجرة على القربات. وقال بعض العلماء: يجوز أخذ الأجرة على الكفالة قال ابن حجر الهيتمي: إذا قال المحبوس لمن يقدر على خلاصه : إن خلصتني فلك كذا ، بشرط أن يكون في ذلك كلفة بأجرة عرفاً. وأما إذا كان بغطاء فيعتبر وكالة عند بعضهم والوكالة يجوز أخذ الأجرة عليها. إلا إذا روعي فيها مبلغ الضمان ومدته كما جرت العادة بذلك.
المراجع:
1- مجلة المجمع الفقهي ع2 ج2 ص1035. وقرارات مجلة المجمع 25.
2- دراسة شرعية لأهم العقود المالية المستحدثة د/ محمد الشنقيطي.
3- المعاملات المالية المعاصرة في الفقه الإسلامي د/محمد عثمان شبير.
4- موقف الشريعة الإسلامية من المصارف الإسلامية للعبادي.
5- البنوك الإسلامية ، لعبدالله الطيار. 6- الكفالة وتطبيقاتها المعاصرة ، للسالوس.
7- مجلة الإقتصاد الإسلامي 11/17.
4- ومن النوازل: التمثيل من حيث القيام به وأخذ الأجرة عليه
التمثيل بوضعه الحالي حرام وما يؤخذ في مقابله من المال محرم ، لما يشتمل عليه من مفاسدٍ كإبراز النساء ، والتشجيع على ارتكاب المحرمات وتعليم طرقها ، وتعظيم الكفار وغرس محبتهم في نفوس الناس. ويحرم أيضاً تمثيل الأنبياء والصحابة لما في تمثيلهم من الانتقاص والتشجيع على الاجتراء عليهم ، ولأنه لن يبلغ أحدٌ قدرهم . وأما إذا خلا من ذلك فقد اختلف فيه فقيل: هو حرام لأنه منطوٍ على كذب فليس الممثل هو من يقوم بدوره والكذب منهي عنه ولو كان على سبيل المزاح وقد كان الرسول (صلى الله عليه وسلم) يمزح ولكنه لا يقول إلا حقاً. ولأنه لم يعهد اتخاذه مهنةً عند المسلمين وإنما جاء عن طريق الكفار ، ولا ينفك عن المفاسد ، وهو منافٍ للمروءة فقد عدوا مما ينافيها عمل المهرج وهو من يضحك الناس في أقواله وأفعاله. وقيل: إنه جائز ولا يدخل في باب الكذب لأنه لم يقل إنه فلان وإنما يحاكيه ومن يشاهده يعلم ذلك ، ومما يدل على جوازه أن الملائكة تشكلوا في صورة بشر فتشكل جبريل (عليه السلام) في صورة دحية الكلبي وغير ذلك.
المراجع: 1- التمثيل حقيقته ، تأريخه ، حكمه لبكر أبو زيد. 2- التمثيل تمثيل فلماذا التمثيل ، لعلي بن محمد العيسى. 3- حكم التمثيل في الدعوة إلى الله تعالى ، لأبي عبدالرحمن عبدالله آل هادي. 4- المروءة وخوارمها ، لأبي عبيدة مشهور آل سلمان. 5- مجلة البحوث الإسلامية ع1 ص126.
والإيجار المنتهي بالتمليك قيل بتحريمه ، لأنه عقدين في عقد ، ولضرره. وأجازه آخرون لأن المنهي عنه بيعتين في بيعة وفسره بعضهم ببيع العينة. مجلة المجمع ع5 ج4 ص2593. وفي بطاقة الائتمان انظر بحث د/ عبدالوهاب أبو سليمان.

(14/9)


النوازل في الجنايات

(15/1)


حوادث السيارات
1- الضرر وضمانه في الشريعة الإسلامية:
مما يدل على سعي الشريعة لإزالة الضرر وتضمين المضر ما يلي:
1- ما حكاه الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في قصة داود وسليمان (عليهما السلام) مع صاحب الغنم الذي أفسدت غنمه الكرم فقد اجتمع رأيهما (عليهما السلام) على تضمين الذي أضر بالكرم وإن اختلفا في طريقة التضمين.
2- حديث عبادة بن الصامت (رضي الله عنه) عن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: لا ضرر ولا ضرار(1).
3- حديث حرام بن سعد بن محيصّة أن ناقةً للبراء بن عازب دخلت حائط رجل فأفسدت فيه ، فقضى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار ، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها(2).
4- ومما يدل على وجوب التعويض أحكام الديات المبسوطة في الكتاب والسنة.
2- قواعد فقهية تتعلق بالضرر والضمان:
1- الأصل أن المشي في طريق المسلمين مباح بشرط السلامة فيما يمكن التحرز منه.
2- لا ضرر ولا ضرار - الضرر يزال – لا يزال الضرر بالضرر. 3- كل جانٍ جنايته عليه إلا ما قام الدليل على خلافه. 4- يتحمل الضرر الخاص لدفع الضرر العام.
5- الاضطرار لا يبطل حق الغير.
3- ضمان المباشر والمتسبب.
1- المباشر ضامن وإن لم يكن متعدياً. كالنائم إذا انقلب على آخر فقتله فمع أن نومه ليس محظوراً لكن لأنه باشر القتل فيضمن دية المقتول ، فمن أحدث ضرراً في نفس معصومٍ أو بدنه أو ماله فهو ضامن ولو لم يكن متعدياً.
والمباشر هو: من يحصل التلف بفعله من غير أن يتخلل بين فعله والتلف فعل مختار.
2- المتسبب ضامن إن كان متعدياً:
والمتسبب : هو من يصدر عنه من الأفعال ما كان طريقاً لتلف مالٍ أو نفس أو عضو وليست علةً للتلف.
__________
(1) - رواه ابن ماجة 2340 وأحمد 5/327 ومالك في الموطأ ، وقال الهيثمي والبوصيري إنه منقطع ، لكن للحديث طرقٌ أخرى ذكرها السخاوي في المقاصد.
(2) - رواه مالك في الموطأ ص664.

(16/1)


والمراد بالتعدي الفعل المحظور ومثاله من حفر بئراً فسقط فيها رجل فالحافر متسبب لسقوطه فيضمن إن كان متعدياً في الحفر وإن لم يكن متعدياً فلا ضمان عليه.
3- إذا اجتمع المباشر والمتسبب أضيف الحكم إلى المباشر:
قال ابن نجيم: فلا ضمان على حافر البئر تعدياً بما أتلف بإلقاء غيره. أي: أن الضامن هو: الملقي لأنه المباشر للقتل ولا ضمان على حافر البئر.
إلا إذا كان المسبب متعدياً والمباشر غير متعدٍ ومن أمثلة ذلك ما ذكره الفقهاء من أن مَن نخس دابةً فقتلت رجلاً فإن الضمان على الناخس دون الراكب إلا إن كانت المباشرة هي السبب الوحيد في التلف. وأحياناً يكون الضمان على كليهما كالممسك مع القاتل.
فتحصل لنا مما سبق ما يلي:
1- إذا جتمع المباشر والمسبب ، وليس أحدٌ منهما متعدياً (بالوصف المذكور) فالضمان على المباشر.
2- إذا اجتمع المباشر والمسبب ، والمباشر متعد والمسبب غير متعدٍ ، فالضمان على المباشر
3- إذا اجتمع المباشر والمسبب ، وكل واحدٍ منهما متعد فالضمان على المباشر أيضاً.
4- إذا اجتمع المباشر والمسبب ، والمسبب متعدٍ ، والمباشر غير متعدٍ ، فالضمان على المسبب.
3- مسئولية السائق:
1- الأصل أن سائق السيارة مسئول عن كل ما يحدث بسيارته خلال تسييره إياها فإذا كان السائق متعدياً في سيره بزيادة سرعة أو مخالفةٍ لقواعد المرور فيكون ضامناً لأن الضرر نشأ بتعديه. وذلك لأن السيارة آلة في يده وهو يقدر على ضبطها ، قياساً على الدابة التي ذكر الفقهاء أن راكبها يضمن ، لكن هناك فرقاً بين الدابة والسيارة من حيث أن الدابة متحركة بنفسها فلا يتأتى هنا ما ذكره الفقهاء من فعل الدابة.
2- أما إذا لم يكن متعدياً فهل يضمن ؟ خلاف والراجح أنه يضمن الضرر الذي باشره ولا يشترط لتضمينه أن يكون متعدياً ولكن لا بد من التأكد من أنه مباشر بدون مزاحم على وجه معقول ، وبناءً على ذلك فلا يضمن في الصور التالية:

(16/2)


أ- إذا دفع شخصٌ آخر أمام سيارة السائق فجأةً فدهسته السيارة فالضمان على الدافع فقد ذكر الفقهاء أن من نخس دابةً فقتلت رجلاً فالضمان على الناخس دون الراكب لأن تأثير الدافع ههنا أقوى ، ولأن الدافع متعدٍ والسائق غير متعدٍ. وإذا قفز شخصٌ أمام السيارة فقيل : الضمان على السائق ، وقيل: عليهما ، وقيل: هدر.
ب- إذا صُدم من الخلف فصَدم سيارةً أمامه فالضامن هو من صدمه لما سبق ، قال ابن قدامة: فإن كان أحدهما يسير بين يدي الآخر ، فأدركه الثاني فصدمه فماتت الدابتان أو إحداهما فالضمان على اللاحق لأنه الصادم والآخر مصدوم فهو بمنزلة الواقف. وذكر في السفينة نحوه. وقال أيضاً: وإن كان أحدهما يسير والآخر واقفاً فعلى السائر قيمة دابة الواقف نص أحمد على هذا لأن السائر هو الصادم المتلف فكان الضمان عليه وإن مات هو أو دابته فهو هدر لأنه أتلف نفسه ودابته ، وإن انحرف الواقف فصادفت الصدمة انحرافه فهما كالسائرين لأن التلف حصل من فعلهما ، وإن كان الواقف متعدياً بوقوفه مثل أن يقف في طريقٍ ضيق فالضمان عليه دون السائر لأن التلف حصل بتعديه فكان الضمان عليه كما لو وضع حجراً في الطريق أو جلس في طريقٍ ضيقٍ به إنسان.
وقال البغدادي في مجمع الضمانات : فإن عثر بما أحدثه في الطريق رجلٌ فوقع على آخر فمات كان الضمان على الذي أحدثه في الطريق ، وصار كأنه دفع الذي عثر به لأنه مدفوعٌ في هذه الحالة والمدفوع كالآلة أ.هـ.
فمن صدم سيارة من الخلف فهو ضامنٌ للنفوس والمال إلا إذا حصل من المصدوم فعلٌ كان سبباً في الحادث كأن يوقفها بشكلٍ مفاجيء أو يرجع للخلف.
3- إذا انحرفت الواقفة فالضمان عليهما قياساً على ما ذكره ابن قدامة (رحمه الله) في الدابة.
4- إذا كانت سيارته واقفةً في طريقٍ ضيقٍ غير مملوك لصاحبها فالضمان على صاحب الواقفة لتعديه ، ويحتمل أن يكون الضمان عليهما.

(16/3)


5- إذا سقط شخصٌ أو متاعٌ بسبب إيقاف السيارة بقوة فيضمن السائق ، واحتمل ألا يضمن فيما لو كان الإيقاف لسببٍ قاهر .
6- إذا مر إنسانٌ أمام سيارته فاستعمل السائق المنبه فسقط أمام سيارته فوطئته سيارته ضمن ، وإن سقط تحت سيارةٍ أخرى ضمنه سائقها لأنه مباشر ، ويحتمل أن يكون بينهما لاشتراكهما كالممسك مع القاتل.
7- إذا كانت السيارة سليمةً قبل السير بها وكان السائق يتعهدها ثم طرأ عليها خللٌ مفاجيء حتى خرجت من قدرته فصدمت إنساناً فلا يضمن.
ويمكن تخريجها على القاعدة الثانية من نص الفقهاء على أن الدابة إذا جمحت وخرجت من قدرة الراكب فلا ضمان عليه لأن السائق ليس مباشراً للإتلاف ولا ينسب إليه. وغاية ما يقال فيه أنه سبب وقد ذكر الكاساني أنه إن كان لابساً سيفاً ونحوه مما يلبس عادةً فسقط على غيره فقتله فلا ضمان عليه ، لأن اللبس ضرورة والتحرز من السقوط ليس في الوسع ، وكما لو سقطت الدابة ميتةً فتلف بسقوطها شيء لم يضمنه الراكب.
قال ابن مفلح: إن غلبت الدابة راكبها بلا تفريط لم يضمن وذكره المرداوي في الإنصاف. وقال مثله الكاساني واستدل بحديث : العجماء جبار ، أي: هدر متفقٌ عليه من حديث أبي هريرة (رضي الله عنه). ولأنه لا صنع له في نفارها وانفلاتها ولا يمكنه الاحتراز عن فعلها فالمتولد منه لا يكون مضموناً وكالهلاك بآفةٍ سماوية. وفي مذهب الشافعية قولان.

(16/4)


8- إذا ساق مع التزامه بقواعد المرور فقفز رجلٌ أمامه فجأةً فإن كان الذي قفز بالقرب منها بحيث لا يمكن السائق إيقاف السيارة فلا ضمان عليه لأنه كالمكره فهو وإن كان مباشراً إلا أنه ملجئاً فتأثير المسبب ههنا أقوى ولأن القافز متعدياً والمباشر غير متعدٍ. ولأنه لا يجب الضمان بالشك. وأما تضمين راكب الدابة ما وطئته خلال سيرها فلم يذكر الفقهاء التضمين فيه ، ثم إن هناك فرقاً بين الدابة والسيارة لأن الدابة متحركة بنفسها يمكنها التنحي في سيرها وأيضاً فالطريق في ذلك الزمن موضوع للمشاة بخلاف الطرق المعبدة الآن ، وأما القياس على النائم فهذا إنما يصح فيما إذا كان المباشر هو السبب الوحيد للهلاك .
9- يضمن العمد إذا مات شخصٌ بالصدمة إما الدية أو نصفها على الخلاف بين الفقهاء ، وكذا ما أتلف من السيارة ومتاعها أو نصفه ، وفي الخطأ الدية أو نصفها على العاقلة.
10- إذا اشتركا في التسبب فعلى كل واحدٍ منهما بحسب ضرره وإن استويا أو جهلت النسبة فعلى السواء.
فقد قال الحنفية والحنابلة: المتصادمان على دابتين على كل واحدٍ منهما ضمان ما تلف من الآخر. وقال المالكية والشافعية: على كل واحدٍ منهما نصف قيمة ما تلف من الآخر لأن التلف حصل بفعلهما فكان الضمان منقسماً عليهما كما لو جرح إنسانٌ نفسه وجرحه غيره فمات منهما. وأما السفينة فاتفقوا على أنه لا ضمان إذا لم يقصرّا.
11- إن اصطدمت سيارتان إحداهما نازلة والأخرى صاعدة فالضمان على صاحب المنحدرة إلا أن يكون مغلوباً على أمره ، أو انحرف الصاعد لمسار النازل.
12- إذا اشتركا في صدمةٍ لشخصٍ فمات فيطبق عليهما أحكام الاشتراك في القتل ، فإذا كانت إحدهما تقتل لو انفردت وجب على صاحبها الضمان وعلى الآخر التعزيز ، وإلا فعليهما.
وإليك بعض ما قال الفقهاء القدامى (رحمهم الله):

(16/5)


فقد ذكر السرخسي في المبسوط أنه لو وطئت الدابة إنساناً فقتلته فديته على عاقلة الراكب والكفارة عليه ، وأما لو ضربت إنساناً أو نفحته برجلها فمات فلا تلزمه الكفارة لأنه لم يباشر القتل وإنما تسبب فيه ولأنه لا يمكن التحرز منه. وإذا اصطدم الفارسان فوقعا جميعاً فماتا فعلى عاقلة كل واحدٍ منهما دية صاحبه عندنا استحساناً ، وفي القياس على عاقلة كل واحدٍ منهما نصف دية صاحبه وهو قول زفر والشافعي ، وجه القياس أن كل واحدٍ منهما إنما مات بفعله وفعل صاحبه لأن الاصطدام فعل منهما جميعاً…ولكنا استحسنا لما روي عن علي (رضي الله عنه) أنه جعل دية كل واحدٍ من المصطدمين على عاقلة صاحبه.
وفي مسألة اصطدام السفينتين ذكر الفقهاء أن على كل واحدٍ منهما ضمان الآخر ، لكن قال الشربيني الخطيب (رحمه الله): (محل هذا التفصيل إذا كان الاصطدام بفعلهما ، أو لم يكن وقصّرا في الضبط أو سيّرا في رحٍ شديدة ، فإن حصل الاصطدام لغلبة الريح فلا ضمان على الأظهر ، بخلاف غلبة الدابة (أي على أحد قولي الشافعية) فإن الضبط ثمّ ممكن باللجام ونحوه…وإن تعمد أحدهما أو فرط دون الآخر ، فلكلٍ حكمه)
وقال الحطاب في مواهب الجليل: قال أبو الحسن : مسألة السفينة والفرس على ثلاثة أوجه : إن علم أن ذلك من الريح في السفينة ، وفي الفرس من غير راكبه فهذا لا ضمان عليهم ، أو يعلم أن ذلك من سبب النواتية في السفينة ، ومن سبب الراكب في الفرس فلا إشكال أنهم ضامنون ، وإن أشكل الأمر حمل في السفينة على أن ذلك من الريح ، وفي الفرس أنه من سبب راكبه.
وفي بداية المجتهد: اختلفوا في الفارسين يصطدمان فيموت كل واحد منهما فقال مالك وأبو حنيفة وجماعة : على كل منهما دية الآخر ، وذلك على العاقلة وقال الشافعي وعثمان البتي: على كل واحد منهما نصف دية صاحبه لأن كل واحد منهما مات من فعل نفسه وفعل صاحبه.

(16/6)


وفي الشرح الكبير للدردير :وأما المتصادمان ففي العمد القود كما قال وفي الخطأ الضمان ولو سفينتين فيهما ولا شيء في العجز بل هدر ولو غير سفينتين كما أشار له بقوله (إلا العجز الحقيقي) أي: إلا أن يكون تصادمهما لعجزٍ حقيقي لا يستطيع كل منهما أن يصرف نفسه أو دابته عن الآخر فلا ضمان بل هدر ولا يحملان عند الجهل بل على العمد كما تقدم لكن الراجح أن العجز الحقيقي في المتصادمين كالخطأ فيه ضمان الدية في النفس والقيم في الأموال بخلاف السفينتين فهدر وحملا عند الجهل عليه لأن جريهما بالريح.
وقال المرداوي: إن اصطدمت سفينتان فغرقتا ، ضمن كل واحدٍ منهما سفينة الآخر وما فيها. هكذا أطلق كثيرٌ من الأصحاب قال المصنف وغيره : محله إذا فرط. قال الحارثي: إن فرط ضمن كل واحدٍ سفينة الآخر وما فيها ، وإن لم يفرط فلا ضمان على واحد منهما…وإن كانت إحداهما منحدرةً فعلى صاحبها ضمان المصعدة إلا أن يكون غلبه ريح فلم يقدر على ضبطها …وقال في المغني: إن فرط المصعد فإن أمكنه العدول بسفينته والمنحدر غير قادرٍ ولا مفرط فالضمان على المصعد لأنه المفرط.
قال الخرقي: وإن تصادم نفسان يمشيان فماتا فعلى عاقلة كل واحد منهما دية الآخر.
وقال ابن قدامة: ولا يجب القصاص سواء كان اصطدامهما عمداً أو خطاً ، لأن الصدمة لا تقتل غالباً ، فالقتل الحاصل بها مع العمد عمد الخطأ ، وكذلك الحكم في اصطدام السفينتين ، وكذلك بالنسبة لاصطدام الفارسين
فمما سبق يتضح اتفاق الفقهاء على أن ملاح السفينة لا يضمن ما تلف بسفينته إذا لم يفرط في ضبطها ، واختلفوا في الدابة لأنه يمكن ضبطها. وبناءً عليه فنقول: إنه يلزم كلاً من السائقين ضمان ما أتلفه إلا إن كان الحادث حصل بأمرٍ خارجٍ عن إرادتهما ولم يقصرا ، وفي حالة وجود المباشر والمتسبب فإن المباشر هو الضامن إلا إذا كان فعل المتسبب أقوى كما لو رمى بنفسه أمام السيارة بالقرب منها وبشكلٍ مفاجيء.

(16/7)


وقد أصدر المجمع الفقهي قراراً جاء فيه:
بالنظر إلى تفاقم حوادث السير وزيادة أخطارها على أرواح الناس وممتلكاتهم واقتضاء المصلحة سن الأنظمة المتعلقة بترخيص المركبات بما يحقق شروط الأمن كسلامة الأجهزة وقواعد نقل الملكية ورخص القيادة والاحتياط الكافي بمنح رخص القيادة بالشروط الخاصة بالنسبة للسن والقدرة والرؤية والدراية بقواعد المرور والتقيد بها وتحديد السرعة المعقولة والحمولة ، قرر ما يلي:
1- أ- إن الالتزام بتلك الأنظمة التي لا تخالف أحكام الشريعة الإسلامية واجبٌ شرعاً ، لأنه من طاعة ولي الأمر فيما ينظمه من إجراءات بناءً على دليل المصالح المرسلة ، وينبغي أن تشتمل تلك الأنظمة على الأحكام الشرعية التي لم تطبق في هذا المجال.
ب- مما تقتضيه المصلحة أيضاً سن الأنظمة الزاجرة بأنواعها ، ومنها التعزير المالي لمن يخالف تلك التعليمات المنظمة للمرور لردع من يعرض أمن الناس للخطر في الطرقات والأسواق من أصحاب المركبات ووسائل النقل الأخرى أخذاً بأحكام الحسبة المقررة.
2- الحوادث التي تنتج عن تسيير المركبات تطبق عليها أحكام الجنايات المقررة في الشريعة الإسلامية وإن كانت في الغالب من قبيل الخطأ ، والسائق مسئول عما يحدثه بالغير من أضرار سواء في البدن أم المال إذا تحققت عناصرها من خطأ وضرر ولا يعفى من هذه المسئولية إلا في الحالات الآتية:
أ- إذا كان الحادث نتيجة لقوة قاهرة لا يستطيع دفعها وتعذر عليه الاحتراز منها ، وهي كل أمرٍ عارض خارج عن تدخل الإنسان.
ب- إذا كان بسبب فعل المتضرر المؤثر تأثيراً قوياً في إحداث النتيجة.
ج- إذا كان الحادث بسبب خطأ الغير أو تعديه فيتحمل ذلك الغير المسئولية.
3- ما تسببه البهائم من حوادث السير في الطرقات يضمن أربابها الأضرار التي تنجم عن فعلها إن كانوا مقصرين في ضبطها ، والفصل في ذلك إلى القضاء.

(16/8)


4- إذا اشترك السائق والمتضرر في إحداث الضرر كان على كل واحدٍ منهما تبعة ما تلف من الآخر من نفسٍ أو مال.
5- أ- مع مراعاة ما سيأتي من تفصيل ، فإن الأصل أن المباشر ضامن ولو لم يكن متعدياً ، وأما المتسبب فلا يضمن إلا إذا كان متعدياً أو مفرطاً.
ب- إذا اجتمع المباشر مع المتسبب كانت المسئولية على المباشر دون المتسبب إلا إذا كان المتسبب متعدياً والمباشر غير متعدٍ.
ج- إذا اجتمع سببان مختلفان كل واحدٍ منهما مؤثر في الضرر ، فعلى كل واحدٍ من المتسببين المسئولية بحسب نسبة تأثيره في الضرر ، وإذا استويا أو لم تعرف نسبة أثر كل واحدٍ منهما فالتبعة عليهما على السواء. والله أعلم(1).

المراجع:
1- مجلة المجمع عدد8 ج2 ص171.
2- مجلة البحوث الإسلامية ص27.
3- مجلة البحوث الفقهية 19/223.
4- فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث 8/433.
5- مجمع الضمانات ، للبغدادي.
6- نظرية الضمان.
__________
(1) - ومن المسائل من صور آخر أو رسمه بغير إذنه وانظر مجلة البحوث الفقهية 23/223. وفي حكم استخدام الأفلام والبرامج التعليمية والصور انظر 19/ 223 ، وكتاب أحكام التصوير في الفقه الإسلامي ، لمحمد بن أحمد واصل.

(16/9)


النوازل في القضاء

(17/1)


الحكم بالقرائن
التمهيد:
مسألة العمل بالقرائن بحثت قديماً فقد بحثها ابن القيم ـ رحمه الله ـ في كتابيه الطرق الحكيمة وأعلام الموقعين وبحثها غيره. والذي استجد فيها هو بعض الصور الحديثة لها والتي قد تكون أقوى حتى من شهادة الشهود كإثبات الجريمة بواسطة البصمات والصوت والصورة ، وكلما كانت القرينة أكثر وضوحا وأقل احتمالاً للخطأ كانت أقوى في الإثبات ، بل إن الحصول على اعتراف الجاني يصبح ميسورا عند موجهته بها.
حكم العمل بالقرائن واعتبارها:
النظر إلى القرائن لا بد منه عند الحكم وهو من العلم بملابسات الواقعة ، قال ابن القيم(1): ولا يتمكن المفتي ولا الحاكم من الفتوى والحكم بالحق إلا بنوعين من الفهم:أحدهما: فهم الواقع والفقه فيه واستنباط علم حقيقة ماوقع بالقرائن والامارات والعلامات حتى يحيط به علما ، والنوع الثاني : فهم الواجب في الواقع ،وهو فهم حكم الله الذي حكم به في كتابه او على لسان رسوله في هذا الواقع ،ثم يطبق احدهما على الآخر ، فمن بذل جهده واستفرغ وسعه في ذلك لم يعدم اجرين أو اجرا ، فالعالم من يتوصل بمعرفة الواقع والتفقه فيه إلى معرفة حكم الله ورسوله. وقال: فالحاكم إذا لم يكن فقيه النفس في الأمارات ، ودلائل الحال ، ومعرفة شواهده ، وفي القرائن الحالية والمقالية ، كفقهه في جزئيات وكليات الأحكام : أضاع حقوقا كثيرة على أصحابها ، وحكم بما يعلم الناس بطلانه لا يشكون فيه ، اعتماداً منه على نوع ظاهر لم يلتفت إلى باطنه وقرائن أحواله. ومن تأمل الشريعة وقضايا الصحابة وجدها طافحة بهذا ،ومن سلك غير هذا أضاع على الناس حقوقهم ،ونسبه إلى الشريعة التي بعث الله بها رسوله.
__________
(1) - إعلام الموقعين: 1/103-287. ومن النوازل: التقنين ، وانظر التقنين والإلزام لبكر أبو زيد.

(18/1)


فهاهنا نوعان من الفقه ، لابد للحاكم منهما : فقه في أحكام الحوادث الكلية ، وفقه في نفس الواقع أحوال حكمه من الواجب ، ولا يجعل الواجب مخالفا للواقع.
والحكم بالقرينة حكم بالأمارات لا بالفراسة وعمل بغلبة الظن.
والقرائن أنواع فمها الضعيفة والقوية وما نص عليها في القرآن والسنة أو عمل بها الصحابة أو نص عليها الفقهاء وما ليس كذلك فلا يعمل بكل قرينة ولو كانت ضعيفة.
البينة ليست مقصورة على الشاهدين:
والمقصود أن الشارع لم يقف الحكم في حفظ البينة على شهادة ذكرين ، لا في الدماء ولا في الأموال ولا في الفروج ولا في الحدود ، بل قد حد الخلفاء الراشدون والصحابة رضي الله عنهم في الزنا بالحبل ، وفي الخمر بالرائحة والقيء ، وكذلك إذا وجد المسروق عند السارق كان أولى بالحد من ظهور الحبل والرائحة في الخمر ،وكل ما يمكن أن يقال في ظهور المسوق أمكن أن يقال في الحبل والرائحة ، بل أولى فإن الشبهة التي تعرض في الحبل من الإكراه ووطء الشبهة ، وفي الرائحة لا يعرض مثلها في ظهور العين المسروق ،والخلفاء الراشدون والصحابة (رضي الله عنهم) لم يلتفتوا إلى هذه الشبهة التي تجيز غلط الشاهد ووهمه وكذبه أظهر منها بكثير ، فلو عطل الحد بها لكان تعطيله بالشبهة التي تمكن في شهادة الشاهدين أولى ،فهذا محض الفقه والاعتبار ومصالح العباد ، وهو من أعظم الأدلة على جلالة فقه الصحابة وعظمته ومطابقته لمصالح العباد ، وحكمة الرب وشرعه ، وأن التفاوت الذي بين أقوالهم وأقوال من بعدهم كالتفاوت بين القائلين.

(18/2)