صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الموسوعة الفقهية الكويتية
المصدر : ملتقى أهل الحديث.
المؤلف : وزارة الأوقاف و الشؤون الإسلامية بالكويت
الجزء : من حرف النون ناقصا بعض المصطلحات في النهاية ,إلى حرف الواو كلمة : وضوء.
قام بتنسيقه وفهرسته للموسوعة الشاملة 2 أبوعمر(80)
لملتقى أهل الحديث
www.ahlalhdeeth.com
سائلا الله عز وجل أن يغفر له ولوالديه بمنه وكرمه
وأن يجعل عمله خالصا لوجهه الكريم
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

نميمة
التعريف
نميمة
التعريف
1- من معاني النميمة لغة السعي بين الناس بالفتنة، يقال نم الرجل الحديث نفا من بابي قتل وضرب، سعى ليوقع فتنة أو وحشة، فالرجل نم، تسمية بالمصدر ونمام مبالغة، والاسم النميمة، والنميم أيضا .
واصطلاحا هي نقل الكلام عن المتكلم
به إلى غيره على وجه الإفساد.
وعرفها الغزالي بأنها كشف ما يكره كشفه سواء كرهه المنقول عنه أو المنقول إليه أو ثالث، وسواء كان الكشف بالقول أو الكتابة أو الرمز أو الإيماء أو نحوها، وسواء كان المنقول من الأقوال أو الأعمال، وسواء كان عيبا أو غيره، فحقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه .
42 373
الألفاظ ذات الصلة
الغيبة
الألفاظ ذات الصلة
الغيبة
2- الغيبة لغة من الاغتياب، واغتابه اغتيابا إذا ذكره بما يكره من العيوب وهو حق، والاسم الغيبة، فإن كان باطلا فهو الغيبة في بهت .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي .
والصلة بين النميمة والغيبة أن النميمة أعم من الغيبة، لأنها لا تكون إلا فيما يكره المغتاب، بخلاف النميمة فإنها نقل الكلام من شخص إلى آخر، سواء فيما يكرهه أو لا يكرهه .
الحكم التكليفي
الحكم التكليفي
3- النميمة كبيرة من الكبائر ومحرمة بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقول الله تعالى { وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ
هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ } وقوله جل شأنه { وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ }
وأما السنة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ( لا يدخل الجنة نمام ) " . وقال صلى الله عليه وسلم " ( لا يدخل الجنة قتات ) " . والقتات النمام، وعن ابن عباس رضي الله عنهما " ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما، فقال يعذبان، وما يعذبان في كبيرة، وإنه لكبير، كان أحدهما لا يستتر من البول، وكان الآخر يمشي بالنميمة ) " .
وأما الإجماع فقد أجمع المسلمون من عهد رسول الله لمجيء إلى يومنا هذا على أن النميمة محرمة ولم يقل أحد بحلها أو جوازها .
وعدها الفقهاء من الكبائر مطلقا وإن لم يقصد الإفساد بين الناس .
42 374
ما يجب على النمام
ما يجب على النمام
4- يجب على النمام أن يتوب إلى الله تعالى بالندم والتأسف على فعله ليخرج بذلك من حق الله سبحانه وتعالى.
وينظر التفصيل في مصطلح ( توبة ف 4 ). وقال الشيرازي يستحب الوضوء من الضحك في الصلاة ومن الكلام القبيح ، لما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال "لأن أتوضأ من الكلمة الخبيثة أحب إلي من أن أتوضأ من الطعام الطيب " . وقالت عائشة رضي الله عنها "يتوضأ أحدكم من الطعام الطيب ولا يتوضأ من الكلمة العوراء يقولها " ، وقال ابن عباس رضي الله عنهما "الحدث حدثان حدث اللسان وحدث الفرج وأشدهما حدث اللسان " .
قال النووي وحمل الشيرازي هذه الآثار على الوضوء الشرعي الذي هو غسل الأعضاء المعروفة، وكذلك حملها ابن المنذر وجماعة من أصحابنا.
وقال ابن الصباغ الأشبه أنهم أرادوا غسل الفم، وكذا حملها المتولي على غسل الفم، وحكى الشاشي في المعتمد كلام ابن الصباغ ثم قال وهذا بعيد بل ظاهر كلام الشافعي أنه أراد الوضوء الشرعي، قال والمعنى يدل عليه لأن غسل الفم لا يؤثر فيما جرى من الكلام وإنما يؤثر فيه الوضوء الشرعي، والغرض منه تكفير الخطايا كما ثبت في الأحاديث، فحصل أن الصحيح أو الصواب استحباب الوضوء الشرعي من الكلام القبيح كالغيبة والنميمة والكذب والقذف وقول الزور والفحش وأشباهها .
ما يجب على من سمع النميمة
ما يجب على من سمع النميمة
5- يجب على من سمع النميمة أمور
الأولى أن لا يصدقه، لأن النمام فاسق وهو مردود الشهادة قال الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ }
42 375 الثاني أن ينهاه عن ذلك وينصح له ويقبح عليه قوله، قال الله تعالى { وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ } ويذكر له قوله الرسول صلى الله عليه وسلم " ( ألا أنبئكم ما العضه؟ هي النميمة القالة بين الناس ) " ، وروي عن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه أنه دخل عليه رجل فذكر له عن رجل شيئا فقال له عمر إن شئت نظرنا في أمرك، فإن كنت كاذبا فأنت من أهل هذه الآية { إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا } وإن كنت صادقا فأنت من أهل الآية { هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ } وإن شئت عفونا عنك، فقال الرجل العفو يا أمير المؤمنين لا أعود إليه أبدا . وقال مصعب بن الزبير نحن نرى أن قبول السعاية شر من السعاية، لأن السعاية دلالة والقبول إجازة وليس من دل على شيء فأخبر به كمن قبله وأجازه، فاتقوا الساعي فلو كان صادقا في قوله لكان لئيما في صدقه حيث لم يحفظ الحرمة ولم يستر العورة .

(87/1)


وقال صلى الله عليه وسلم " ( لا يبلغني أحد عن أحد من أصحابي شيئا، فإني أحب أن أخرج إليهم وأنا سليم الصدر ) " ، وقال رجل لعمرو بن عبيد إن الأسواري ما يزال يذكرك في قصصه بشر، فقال له عمرو يا هذا ما رعيت حق مجالسة الرجل حيث نقلت إلينا حديثه، ولا أديت حقي حين أعلمتني عن أخي ما أكره، ولكن أعلمه أن الموت يعمنا والقبر يضمنا والقيامة تجمعنا والله تعالى يحكم بيننا وهو خير الحاكمين .
الثالث أن يبغضه في الله تعالى فإنه بغيض عند الله تعالى ويجب بغض من يبغضه الله تعالى.
الرابع أن لا تظن بالمنقول عنه السوء لقوله تعالى { اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ }
الخامس أن لا يحملك ما حكي لك على التجسس والبحث لتتحقق اتباعا لقوله تعالى { ولا تجسسوا }
السادس أن لا ترضى لنفسك ما نهيت 42 376 النمام عنه ولا تحكي نميمته فتقول فلان حكى لي كذا وكذا فتكون نماما ومغتابا، وتكون قد أتيت ما عنه نهيت .

(87/2)


نهاريات
التعريف
نهاريات
التعريف
1- النهاريات لغة جمع نهارية، والنهارية منسوبة إلى النهار.
ومن معاني النهارية في الاصطلاح أنها المرأة التي يتزوجها الرجل على أن يكون عندها نهارا دون الليل .
الحكم الإجمالي
الحكم الإجمالي
2- قال الحنفية إنه لا بأس بتزوج النهاريات، ويصح العقد مع هذا الشرط، ولو لم يلزم الشرط.
وصورة هذا الزواج أن يشترط في صلب العقد أن يكون عندها في النهار دون الليل.
قال صاحب البحر ينبغي ألا يكون هذا الشرط لازما عليها، ولها أن تطلب المبيت في الليل، لما عرف في باب القسم من أن الليل هو الأصل في القسم، والنهار تبع له، 42 377 هذا إذا كانت لها ضرة وشرط أن يكون عندها نهارا، وفي الليل عند الضرة، أما لم تكن ضرة فالظاهر أنه ليس لها طلب المبيت في الليل خصوصا إذا كانت وظيفته في الليل كالحارس .
3- هذا وإن كانت هذه التسمية "نهاريات" تسمية حنفية ولم نقف عليها فيما تيسر لنا في مراجع للمذاهب الأخرى إلا أن المعنى مقرر في المذاهب، وهو أثر الشروط الفاسدة في عقد الزواج ولزومه أو عدم لزومه.
وقالوا إن وافق الشرط مقتضى عقد النكاح كشرط النفقة والقسم، أو لم يوافق مقتضى النكاح ولكنه لم يتعلق به غرض صحيح كشرط أن لا يأكل إلا كذا لغا هذا الشرط وصح العقد، وكذلك إن خالف مقتضى العقد ولم يخل بمقصوده الأصلي كشرط أن لا يتزوج عليها، أو لا نفقة لها صح العقد وفسد الشرط سواء كان لها أو عليها.
أو شرط أن يكون عندها نهارا دون الليل صح العقد وفسد الشرط، وقالوا إن هذه الشروط تعود إلى معنى زائد في العقد لا يشترط ذكره في العقد ولا يضر الجهل به، فلم يبطل العقد به كما لو شرط فيه صداقا محرما، ولأن النكاح يصح مع الجهل بالعوض فجاز أن ينعقد مع الشرط الفاسد كالعتق .

(88/1)


نَهْب
التعريف
42 378 نَهْب
التعريف
1- النهب لغة مأخوذ من نهبته- من باب نفع- وانتهبته انتهابا فهو منهوب، والنهبة مثال غرفة، والنهبي- بزيادة ألف التأنيث- اسم للمنهوب، ويتعدى بالهمزة إلى ثان، فيقال أنهبت زيدا المال، ويقال أيضا أنهبت المال إنهابا إذا جعلته نهبا يغار عليها، وهذا زمان النهب أي الانتهاب، وهو الغلبة على المال والقهر.
والانتهاب أن يأخذه من شاء، والإنهاب إباحته لمن شاء. والنهب الغارة والسلب ، وفي الحديث ( أنه نثر شيء من أملاك فلم يأخذوه، فقال "ما لكم لا تنتهبون ) " .
واستعمل الفقهاء النهب بمعنيين
الأول النهب بمعنى الأخذ بالقهر والغلبة على وجه العلانية.
قال الحنفية الانتهاب أن يأخذ الشيء على وجه العلانية قهرا من ظاهر بلدة أو قرية.
وعرف الشافعية المنتهب بأنه الذي يأخذ الشيء بالقهر والغلبة مع العلم به.
وعرف الحنابلة المنتهب بأنه من يعتمد على القوة والغلبة فيأخذ المال على وجه الغنيمة .
والثاني النهب الأخذ من الشيء الذي أباحه صاحبه كالأشياء التي تنثر في الولائم .
الألفاظ ذات الصلة
أ- الاختلاس
الألفاظ ذات الصلة
أ- الاختلاس
2- التعريف الاختلاس مأخوذ من خلست الشيء خلسة اختطفته بسرعة على غفلة، واختلسه كذلك.
42 379 والخلس الأخذ في نهزة ومخاتلة، قال الجوهري خلست الشيء واختلسته وتخلسته إذا استلبته .
وفي اصطلاح الفقهاء هو أخذ الشيء بحضرة صاحبه جهرا هاربا به سواء جاء المختلس جهارا أو سرا
والعلاقة بين النهب والاختلاس- كما قال ابن عابدين - هو سرعة الأخذ في جانب الاختلاس بخلاف النهب فإن ذلك غير معتبر فيه وكلاهما أخذ مال الغير بغير حق .
ب- الغصب
ب- الغصب
3- الغصب لغة أخذ الشيء ظلما وقهرا والاغتصاب مثله، يقال غصبه منه وغصب عليه بمعنى واحد .
وفي اصطلاح جمهور الفقهاء هو أخذ مال الغير قهرا تعديا بلا حرابة .
وعرفه الحنفية بأنه إزالة يد المالك عن ماله المتقوم على سبيل المجاهرة والمغالبة يفعل في المال .
والعلاقة بين الغصب والنهب أن كليهما أخذ مال الغير بغير حق، إلا أن الغصب أعم من النهب، لأنه قد يكون بغير حضور صاحبه بخلاف النهب .
ج- السرقة
ج- السرقة
4- السرقة لغة أخذ الشيء من الغير خُفية يقال سرق منه مالا وسرقه مالا أخذ ماله خفية فهو سارق .
واصطلاحا أخذ العاقل البالغ نصابا محرزا أو ما قيمته نصاب- ملكا للغير- لا شبهة له فيه على وجه الخفية .
والعلاقة بين السرقة والنهب أن السرقة تكون على وجه الخفية، أما النهب فإنه يكون علانية بحضور صاحبه، وإن كان كل منهما يعتبر أخذ مال الغير بغير حق .
د- الحرابة
د- الحرابة
5- الحرابة لغة من الحرب التي هي نقيض السلم، يقال حاربه محاربة وحرابا، أو من الحرَب - بفتح الراء - وهو السلب . يقال حرَب فلانا ماله أي سلبه، فهو محروب وحريب .
42 380 والحرابة اصطلاحا عند جمهور الفقهاء- وتسمى قطع الطريق- البروز لأخذ مال أو لقتل أو لإرعاب على سبيل المجاهرة مكابرة اعتمادا على القوة مع البعد عن الغوث ،
والعلاقة بين النهب والحرابة بالنسبة لأخذ المال أن كليهما أخذ مال الغير بغير حق، إلا أن الحرابة تعتمد على عدم الغوث خلافا للنهب .
ما يتعلق بالنهب من أحكام
الأول النهب بمعنى أخذ الشيء قهرا على وجه العلانية
أ- حكم النهب
ما يتعلق بالنهب من أحكام
المعنى الأول النهب بمعنى أخذ الشيء قهرا على وجه العلانية.
يتعلق بالنهب بهذا المعنى أحكام منها
أ- حكم النهب
6- أخذ مال الغير بغير طيب نفس مالكه ورضاه حرام، فلا يجوز غصبه ولا نهبه ولا سرقته ولا الاستيلاء عليه بوجه غير مشروع، لأن ذلك من أكل مال الناس بالباطل، وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن ذلك فقال { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ }
وقال تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ }
ولقول النبي صلى الله عليه وسلم " ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا ) " .
ولما ورد عن عبد الله بن يزيد الأنصاري رضي الله عنه أنه قال ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النهبي والمثلة " )
ولما ورد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ( من انتهب فليس منا ) " .
ولما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ( لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشرب وهو مؤمن، ولا يسرق حين 42 381 يسرق وهو مؤمن، ولا ينتهب نهبة يرفع الناس إليه فيها أبصارهم حين ينتهبها وهو مؤمن ) " .
قال القرطبي اتفق أهل السنة على أن من أخذ ما وقع عليه اسم مال قل أو كثر أنه يفوق بذلك، وأنه محزم عليه أخذه .

(89/1)


7- وقد اعتبر ابن حجر الهيتمي الاستيلاء على أموال الغير ظلما من الكبائر واستدل بقوله النبي صلى الله عليه وسلم " ( من أخذ من الأرض شبرا بغير حقه خسف به إلى يوم القيامة إلى سبع أرضين ) " .
وعن أبي حميد الساعدي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " ( لا يحل للرجل أن يأخذ عصا أخيه بغير طيب نفسه ) " وذلك لشدة ما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مال المسلم على المسلم " .
ب- عقوبة النهب
ب- عقوبة النهب
8- النهب جريمة ومعصية لا حد فيها، قال النبي صلى الله عليه وسلم " ( ليس على خائن ولا منتهب ولا مختلس قطع ) " ولا يصدق عليها أنها سرقة أو حرابة، وإنما يجب فيها التعزير وهو العقوبة التي تجب في المعاصي التي لا حد فيها ولا كفارة .
ج- مقاومة المنتهب
ج- مقاومة المنتهب
9- مقاومة المنتهب مشروعة، والأصل في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم " ( من قتل دون ماله فهو شهيد ) " وذلك لأن حفظ المال 42 382 مقصد من مقاصد الشريعة، فمن تعرض لغيره لانتهاب ماله فحاول صاحب المال منعه فلم يمتنع فإنه يجوز له قتاله، فإن قتل صاحب المال فهو شهيد وإن قتل المنتهب فهو هدر ، فقد ورد " ( أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال فلا تعطه مالك، قال أرأيت إن قاتلني؟ قال فقاتله، قال أرأيت إن قتلني؟ قال فأنت شهيد، قال أرأيت إن قتلته؟ قال هو في النار ) " .
وقد اختلف الفقهاء في دفع الصائل على المال ولهم في ذلك تفصيل، انظر مصطلح ( صيال ف 12 ).
د- أثر النهب في التصرفات
مستوى7 أولا الالتقاط زمن النهب
د- أثر النهب في التصرفات
للنهب أثر في بعض التصرفات ومن ذلك
أولا الالتقاط زمن النهب
10- إذا كان الزمن زمن نهب وفساد فقد اختلف الفقهاء في جواز التقاط الحيوانات المملوكة الضالة التي تقوى على الامتناع من صغار السباع.
والتفصيل في مصطلح ( ضالة ف 3- 6 ).
مستوى7 ثانيا أثر النهب في الإيداع
مستوى8 أ- قبول الوديعة زمن النهب
ثانيا أثر النهب في الإيداع
أ- قبول الوديعة زمن النهب
11- الإيداع مشروع لحاجة الناس إليه، وقبول الوديعة جائز، ويستحب قبولها لمن يثق بأمانة نفسه لأنه من التعاون المأمور به. وقد يجب القبول والإيداع، قال الدسوقي كما يقع في زمن النهب من الإيداع عند ذوي البيوت المحترمة .
مستوى8 ب- إيداع المودع غيره زمن النهب
ب- إيداع المودع غيره زمن النهب
12- ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه إذا أودع المودع الوديعة عند غيره بغير عذر ضمن. فإن كان لحذر كما إذا كان الزمن زمن نهب، فقد اختلف الفقهاء.
فذهب الحنفية والمالكية إلى أن له أن يودعها عند ثقة مضمون، ولا ضمان عليه في ذلك.
وقال الشافعية والحنابلة ينبغي أن يردها إلى مالكها أو وكيله، فإن تعذر وصوله إليهما، دفعها إلى القاضي الحاكم الأمين، أو يوصي بها إليه، فإن لم يجد قاضيا (حاكما) دفعها إلى أمين أو يوصي بها إليه، فإن لم يفعل ذلك مما ذكر، ضمن لتقصيره. وقال 42 383 ابن قدامة ويحتمل أن يجوز له إيداعها لأنه قد يكون أحفظ لها وأحب إلى صاحبها . وانظر التفصيل في مصطلح ( وديعة ، وضمان ف 49، 67 ).
مستوى8 ج- ادعاء تلف الوديعة بالنهب
ج- ادعاء تلف الوديعة بالنهب
13- قال الشافعية والحنابلة إذا طالب المالك برد الوديعة فادعى المستودع التلف، فلو كان التلف بسبب خفي من سرقة أو ضياع ونحوه فإنه يصدق بيمينه لتعذر إقامة البينة على ذلك.
وإن ادعى المستودع التلف بسبب ظاهر كحريق وغرق وغارة ونحوها كنهب جيوش، قال الشافعية إن لم يعرف ما ادعاه بتلك البقعة لم يقبل قوله في الهلاك به، وإن عرف بالمشاهدة أو الاستفاضة نظر، إن عرف عمومه ولم يحتمل سلامة الوديعة صدق بلا يمين، لأن ظاهر الحال يغنيه عن اليمين، وإن لم يعرف عمومه، واحتمل أنه لم يصب الوديعة صدق باليمين.
وإن لم يذكر سبب التلف، صدق باليمين ولا يكلف بيان سببه. وإذا نكل المودع عن اليمين حلف المالك على نفي العلم بالحلف واستحق.
وقال الحنابلة لا يقبل منه دعوى التلف بذلك إلا ببينة تشهد بوجود ذلك السبب في تلك الناحية، فإن عجز عن إقامة البينة بالسبب الظاهر ضمنها لأنه لا تتعذر إقامة البينة به.
ويكفي في ثبوت السبب الظاهر الاستفاضة .
مستوى7 ثالثا أثر النهب في القرض
ثالثا أثر النهب في القرض
14- يرى الشافعية والحنابلة أنه إذا رد المقترض القرض فإن كان الزمن زمن نهب فلا يجب عليه قبوله، وإن أحضره زمن الأمن وجب قبوله.
وزاد الحنابلة لا يلزمه قبوله حتى ولو تضرر المقترض، لأن الضرر لا يزال بالضرر .
وقال الشافعية لو شرط المقرض أجلا في القرض لغرض منفعة له- كزمن نهب- والمستقرض مليء فيفسد العقد في الأصح لما فيه من جز المنفعة، ومقابل الأصح أنه يصح العقد ويلغو الشرط .
42 384 ولما كانت السفتجة هي إقراض لسقوط خطر الطريق، فقد اختلف الفقهاء في حكمها.
وللتفصيل انظر مصطلح ( سفتجة ف 3 ).
مستوى7 رابعا دعوى الانتهاب

(89/2)


رابعا دعوى الانتهاب
15- جاء في تبصرة الحكام إذا أغار قوم على بيت رجل فأخذوا ما فيه والناس ينظرون إليهم ولم يشهدوا على معاينة ما أخذوا، لكن علموا أنهم غاروا عليه وانتهبوا، فقال ابن القاسم وابن الماجشون القول قول المنتهب مع يمينه، وقال مطرف وابن كنانة وابن حبيب القول قول المنتهب منه مع يمينه فيما يشبه أنه يملكه والحمل على الظالم.
وقال مالك فيمن دخل عليه السراق فسرقوا متاعه وانتهبوا ماله وأرادوا قتله فنازعهم وحاربهم ثم ادعى أنه عرفهم أو لم يعرفهم، أهو مصدق عليهم إذا كانوا معروفين بالسرقة مستحلين لها، أو ترى أن يكلف البينة؟ قال هو مصدق عليهم وقد نزلت هذه بالمدينة في زمان عمر رضي الله تعالى عنه فغرمهم عمر بقوله ونكلهم عقوبة موجعة ولم يكلفه البينة .
ولو قامت بينة على رجل أنه انتهب صرة ثم قال كان فيها كذا، وقال ربها بل كذا فالقول قوله المنتهب بيمينه، قاله مالك، وقال عنه ابن القاسم إذا طرح المنتهب الصرة في متلف ولم يدر كم فيها، أو لم يطرحها واختلفا في قدرها، أن القول قول المنتهب مع يمينه، وقال مطرف وابن كنانة وأشهب في هذا وشبهه إن القول قول المنتهب منه إذا ادعى ما يشبه أنه يملكه، يريدون ويحلف .
المعنى الثاني النهب بمعنى الأخذ من الشيء المباح
المعنى الثاني النهب بمعنى الأخذ من الشيء المباح
16- مثل الفقهاء لانتهاب الشيء المباح بما ينتهب مما ينثر في العرائس والموالد من سكر وجوز ولوز وغير ذلك.
وقد اختلف الفقهاء في حكم أخذ ما ينثر في هذه المناسبات، فقال بعضهم بالإباحة وقال بعضهم بالكراهة .
والتفصيل في ( انتهاب ف 7، 9 ).

(89/3)


نهر
التعريف
42 385 نهر
التعريف
ا- النَّهْرُ في اللغة مجرى الماء العذب والماء الجاري المتسع، والجمع نُهُر بضمتين وأَنْهُر، والنَّهَر- بفتحتين- لغة، والجمع أنهار، ثم أطلق النهر على الأخدود مجازا للمجاورة، فيقال جرى النهر، وجف النهر، والأصل جرى ماء النهر .
وفي اصطلاح الفقهاء النهر هو المجرى الواسع للماء فوق الساقية ، فهو مجرى كبير لا يحتاج إلى الكرى في كل حين .
الألفاظ ذات الصلة
أ- البحر
ب- البئر
الألفاظ ذات الصلة
أ- البحر
2- البحر في اللغة الماء الكثير، ملحا كان أو عذبا، وهو خلاف البر، سمي بذلك لعمقه واتساعه، وقد غلب على الملح حتى قلَّ في العذب .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي .
والعلاقة بين البحر والنهر أن كليهما مكان واسع جامع للماء الكثير، إلا أن الغالب في البحر أنه للماء المالح، أما النهر فهو للماء العذب .
ب- البئر
3- البئر في اللغة القليب، وهو من بَأَر، أي حفر.
والبئر حفرة عميقة يستخرج منها الماء أو النفط .
واصطلاحا نقل ابن عابدين عن النتف
أن البئر هي التي لها مواد من أسفلها، ثم قال ابن عابدين أي لها مياه تمدها وتنبع من أسفلها .
والعلاقة بين النهر والبئر أن كليهما مجمع للماء، إلا أن النهر مجرى واسع، والبئر حفرة عميقة .
أقسام النهر
أولا النهر العام (غير المملوك)
42 386 أقسام النهر
4- قسم الفقهاء النهر باعتبار المياه إلى قسمين
أحدهما نهر غير مملوك لأحد، أو غير مختص بأحد كما عبر بعض الفقهاء، وذلك كنهر النيل ودجلة والفرات وسيحون وجيحون .
والثاني نهر مملوك لشخص أو أكثر ولكل من هذين القسمين أحكام تخصه وبيان ذلك فيما يلي
أولا النهر العام (غير المملوك)
5- النهر غير المملوك لأحد إما أن يكون عظيما كالنيل والفرات لا يتأتى تزاحم الناس على مائه.
وإما أن يكون نهرا صغيرا يزدحم الناس فيه ويتشاحون في مائه .
ويختلف حق الانتفاع بكل منهما كما يلي
أ- النهر العظيم وحق الانتفاع به
أ- النهر العظيم وحق الانتفاع به
6- إذا كانا النهر عظيما لا يتأتى تزاحم الناس فيه، كنهر النيل والفرات ودجلة، فلكل إنسان أن ينتفع به فيشرب ويسقي دوابه متى شاء وكيف شاء، لأنه لا ملك لأحد في الماء ولا في رقبة النهر، ولأن الماء موجود بإيجاد الله تعالى فيبقى على الإباحة وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " ( المسلمون شركاء في ثلاث الماء والكلأ والنار ) " .
ولكل أحد من الناس أن يشق من هذه الأنهار نهرا إلى أرضه، بأن أحيا أرضا ميتة بإذن الإمام، فله أن يشق إليها نهرا، وليس للإمام ولا لأحد منعه إذا لم يضر بالنهر، وله أن ينصب عليه رحى ودالية وسانية إذا لم يضر بالنهر، لأن هذه الأنهار لم تدخل تحت يد أحد فلا يثبت الاختصاص بها لأحد فكان الناس فيها سواء، وكل واحد بسبيل من الانتفاع، لكن بشريطة عدم الضرر بالنهر كالانتفاع بطريق العامة.
فإن أضر بالنهر أو بعامة الناس كأن يفيض الماء ويفسد حقوق الناس، أو 42 387 ينقطع الماء عن النهر الأعظم أو يمنع جريان السفن فلكل واحد مسلما كان أو ذميا أو مكاتبا منعه، لأنه حق لعامة المسلمين، وإباحة التصرف في حقهم مشروطة بانتفاء الضرر كالتصرف في الطريق الأعظم .
وقد سئل أبو يوسف عن نهر مرو وهو نهر عظيم أحيا رجل أرضا كانت مواتا فحفر لها نهرا فوق مرو من موضع ليس يملكه أحد فساق الماء إليها من ذلك النهر فقال أبو يوسف إن كان يدخل على أهل مرو ضرر في مائهم ليس له ذلك، وإن كان لا يضرهم فله ذلك وليس لهم أن يمنعوه، وسئل أيضا إذا كان لرجل من هذا النهر كوى معروفة هل له أن يزيد فيها؟ فقال إن زاد في ملكه وذلك لا يضر بأهل النهر فله ذلك .
ب- النهر الصغير وحق الانتفاع به
ب- النهر الصغير وحق الانتفاع به
7- ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه إن كان النهر غير المملوك صغيرا يتزاحم الناس عليه ويتشاحون في مائه فلمن في أول النهر (أي أعلاه) أن يسقي أرضه ويحبس الماء إلى الكعب، ثم يرسل الماء إلى الذي يليه، ثم من الثاني إلى الثالث، وهكذا إلى أن ينتهي سقي الأراضي كلها .
والأصل في هذا ما روى عبد الله بن الزبير " ( أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير عند النبي صلى الله عليه وسلم في شراج الحرة التي يسقون بها النخل، فقال الأنصاري سرح الماء يمر، فأبى عليه، فاختصما عند النبي صلى الله عليه وسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للزبير اسق يا زبير، ثم أرسل الماء إلى جارك، فغضب الأنصاري فقال أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قال اسق يا زبير ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر، فقال الزبير والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ " } )

(90/1)


وإنما أمر النبي صلى الله عليه وسلم الزبير رضي الله عنه أن 42 388 يسقي ثم يرسل الماء تسهيلا على غيره، فلما قال الأنصاري ما قال استوعى النبي صلى الله عليه وسلم للزبير حقه .
وقد روى عبادة رضي الله عنه " ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في شرب النخل من السيل أن الأعلى فالأعلى يشرب قبل الأسفل، ويترك الماء إلى الكعبين، ثم يرسل الماء إلى الأسفل الذي يليه، حتى تنقضي الحوائط أو يفنى الماء ) " .
وقد روي " ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في سيل مهزوز ومذنب، أن الأعلى يرسل إلى الأسفل ويحبس قدر كعبين ) " .
وإذا سقى الأول ولم يفضل شيء من الماء، أو سقى الثاني ولم يفضل شيء، فلا شيء لمن بعده، لأنه ليس له إلا ما فضل، فهو كالعصبة مع أصحاب الفروض في الميراث .
وإن كان في أرض أحدهما انخفاض وارتفاع، أي كان بعضها مرتفعا وبعضها منخفضا فإنه يسقي كل نوع على حدة لأنهما لو سقيا معا لزاد الماء في الأرض المنخفضة على القدر المستحق، وطريقة ذلك أن يسقي المنخفض حتى يبلغ الكعبين ثم يسده ثم يسقي المرتفع .
وإذا سقى الأعلى، ثم احتاج إلى سقي أرضه مرة أخرى قبل انتهاء سقي الأراضي كلها فقد قال الشافعية يمكن من ذلك على الصحيح.
وقال الحنابلة لم يكن له ذلك إلى أن ينتهي سقي الأراضي ليحصل التعادل .
هذا هو الأصل في هذا وهو أن يبدأ من في أعلا النهر بالسقي فيسقي أرضه ويحبس الماء حتى يصل إلى كعبه ثم يرسله إلى من 42 389 يليه، وهكذا كما ذكر في الحديث السابق، إذا كان إحياؤهم معا، أو أحيا الأعلى قبل غيره، أو جهل الحال .
8- أما لو كان من في أسفل النهر هو الذي سبق بالإحياء فهو المقدم في السقي، ثم من أحيا بعده، وهكذا لأن المعتبر في السقي هو السبق إلى الإحياء لا إلى أول النهر .
بل قال الشافعية إن كان الأسفل أسبق إحياء فهو المقدم، بل له منع من أراد إحياء أقرب منه إلى النهر وسقيه منه عند الضيق، كما اقتضاه كلام الروضة وصرح به جمع، لئلا يستدل بقربه بعد على أنه مقدم عليه . ثم من وليه في الإحياء وهكذا، ولا عبرة حينئذ بالقرب من النهر، وعلم من ذلك أن مرادهم بالأعلى المحيي قبل الثاني وهكذا، لا الأقرب إلى النهر .
وقيد سحنون من المالكية محل تقديم الأسفل السابق في الإحياء على الأعلى المتأخر في الإحياء إذا خيف على زرع الأسفل الهلاك بتقديم غيره عليه في السقي، وإلا قدم الأعلى المتأخر في الإحياء على الأسفل، والذي حققه مصطفى الرماحي أن الأسفل يقدم إذا تقدم في الإحياء ولو لم يخف على زرعه بتقديم الأعلى .
مستوى7 قدر ما يحبس من الماء
قدر ما يحبس من الماء
9- اختلف الفقهاء في القدر الذي يحبس من الماء قبل إرساله إلى الآخر .
قال عبد الله بن الزبير نظرنا في قول النبي يخفه "ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر" فكان ذلك إلى الكعبين " .
وقد ذكر النووي فيما يحبس من الماء وجهين قال الذي عليه الجمهور أنه يحبسه حتى يبلغ الكعبين، والوجه الثاني أنه يرجع في قدر السقي إلى العادة والحاجة، وقد قال الماوردي ليس التقدير بالكعبين في كل الأزمان والبلدان، لأنه مقدر بالحاجة، والحاجة تختلف باختلاف الأرض وباختلاف ما فيها من زرع وشجر، وبوقت الزراعة وبوقت السقي .
وفي حاشية الرملي على أسنى المطالب ذكر أن كلام الجمهور الذي ذكره النووي (وهو أن يحبس الماء حتى يبلغ الكعبين) محمول على أرض يكفيها ذلك، أما الأرض
42 390 التي لا تكفيها إلا زيادة على ذلك كغالب مزارع اليمن فتسقى إلى حد كفايتها عادة مكانا وزمانا، وقد اختاره السبكي، قال الأذرعي وهو قوي، وممن جزم به المتولي .
90- وهل المراد بالكعبين الذين يحبس الماء إليهما الأسفل من الكعبين أو الأعلى كما قالوا في آية الوضوء؟ الظاهر الأول، والمرجع إلى القدر المعتدل أو الغالب، لأن من الناس من يرتفع كعبه ومنهم من ينخفض ويدنو من أسفل الرجل والأقرب الأول .
وقال مطرف وابن الماجشون وابن وهب من المالكية يحبس الأعلى من الماء ما بلغ الكعب ويرسل ما زاد عليه للذي يليه، قال ابن رشد وهو الأظهر وقال ابن القاسم يرسل جميع الماء ولا يحبس شيئا منه (أي بعد سقي أرضه ) .
ثانيا النهر الخاص (المملوك) وحق الانتفاع
ثانيا النهر الخاص (المملوك) وحق الانتفاع
11- إذا كان النهر مملوكا لشخص، كأن شق شخص لنفسه نهرا من الأنهار غير المملوكة أصبح مالكا له وكان أحق به لسقي أرضه ودوابه، وليس لأحد مزاحمته أو سقي أرض أو شجر أو زرع منه إلا بإذنه، لأن الحق له فيتوقف على إذنه .
فقد قال الحنفية إن من سقى أرضه أو زرعه من نهر غيره من غير إذن- سواء اضطر إلى ذلك أو لا- لا ضمان عليه، وإن أخذ مرة بعد مرة يؤدبه السلطان بالضرب والحبس إن رأى ذلك .
ولكن للغير حق الشرب لنفسه ودوابه إلا إذا خيف تخريب النهر بكثرة الدواب.

(90/2)


قال ابن عابدين قال الزيلعي والشفة إذا كانت تأتي على الماء كله بأن كان جدولا صغيرا وفيما يرد عليه من المواشي كثرة تقطع الماء، قال بعضهم لا يمنع، وقال أكثرهم يمنع للضرر وجزم بالثاني في الملتقى .
وقال الشافعية ليس لمالك النهر أن يمنع ما للشرب والاستعمال وسقي الدواب ولو بدلو، ومنهم من أطلق أنه لا يدلي أحد فيه دلوا .
42 391 وقال ابن عبد السلام الشرب وسقي الدواب من الجداول والأنهار المملوكة إذا كان السقي لا يضر بمالكها جائز، إقامة للإذن العرفي مقام اللفظي، ثم قال لو كان النهر لمن لا يعتبر إذنه كاليتيم والأوقاف العامة فعندي فيه وقفة، والظاهر الجواز .
وقال الحنابلة لكل أحد أن يستقي من الماء الجاري لشربه وغسله وغسل ثيابه وينتفع به في أشباه ذلك مما لا يؤثر فيه من غير إذنه إذا لم يدخل إليه في مكان محوط عليه، ولا يحل لصاحبه المنع، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ( ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه من ابن السبيل ) " . ( وعن بهيسة عن أبيها أنه قال "يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال الماء، قال يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال الملح، قال يا نبي الله ما الشيء الذي لا يحل منعه؟ قال أن تفعل الخير خير لك ) " . فأما ما يؤثر في الماء كسقي الماشية الكثيرة ونحو ذلك فإن فضل الماء عن حاجة صاحبه لزمه بذله لذلك، وإن لم يفضل عن حاجته لم يلزم بذله .
ثالثا النهر داخل الملك
ثالثا النهر داخل الملك
12- إذا كان النهر داخل ملك رجل فهو أحق به وله أن يمنع غيره من الدخول في أرضه وهذا باتفاق في الجملة .
وللفقهاء تفصيل في ذلك بيانه كالآتي
قال الحنفية الماء الذي يكون في الحياض والآبار والعيون ليس بمملوك لصاحبه بل هو مباح في نفسه، سواء كان في 42 392 أرض مباحة أو مملوكة، لكن له حق خاص فيه، لأن الماء في الأصل خلق مباحا لحديث " ( المسلمون شركاء في ثلاث ) " والشركة العامة تقتضي الإباحة، فلو كان النهر في ملك رجل فله أن يمنع من يريد من الشرب لنفسه أو ماشيته من الدخول في ملكه، لأن الدخول إلى أرضه إضرار به من غير ضرورة، فله أن يمنع الضرر عن نفسه، وهذا إذا كان من يريد الدخول يجد ماء بقربه في أرض مباحة فإن لم يجد ماء بقربه واضطر للدخول وخاف على نفسه ودابته الهلاك فيقال لصاحب النهر إما أن تأذن بالدخول ليأخذ الماء بشرط أن لا يكسر ضفة النهر، وإما أن تخرج الماء إليه وتعطيه بنفسك. فإن لم يعطه ومنعه من الدخول فله أن يقاتله بالسلاح ليأخذ قدر ما يندفع به الهلاك، والأصل فيه ما روي " أن قوما وردوا ماء فسألوا أهله أن يدلوهم على البئر فأبوا، وسألوهم أن يعطوهم دلوا فأبوا، فقالوا لهم إن أعناقنا وأعناق مطايانا كادت تقطع فأبوا، فذكروا ذلك لسيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال هلا وضعتم فيهم السلاح " .
وقال المالكية ما كان من الماء في أرض متملكة، سواء كان مستنبطا مثل بئر يحفرها أو عين يستخرجها، أو غير مستنبط غديرا أو غير ذلك فهو أحق به ويحل له بيعه ومنع الناس منه إلا بثمن، إلا أن يرد عليه قوم لا ثمن معهم ويخاف عليهم الهلاك إن منعهم فحق عليه أن لا يمنعهم.
فإن منعهم فعليهم مجاهدته، وهذا قول مالك في المدونة .
وقال ابن يونس واجب على كل من خاف على مسلم الموت أن يحييه بما يقدر عليه، فيجب على أصحاب المياه بيعها من المسافرين بما تساوى، ولا يشتطوا عليهم في ثمنها، وإن كان المسافرون لا ثمن معهم وجبت مواساتهم للخوف عليهم ولا يتبعوا بالثمن وإن كانت لهم أموال ببلدهم، لأنهم اليوم أبناء سبيل يجوز لهم أخذ الزكاة لوجوب مواساتهم .
وقال الشافعية المياه المختصة ببعض الناس وهي مياه الآبار والقنوات، كمن حفر بئرا في ملكه أو انفجر فيه عين ملكها وملك ماءها في الأصح، إذ الماء يملك، وهو نماء ملكه كالثمرة واللبن، لكن يجب عليه بذل الفاضل منه عن شربه لشرب 42 393 غيره من الآدميين وعن ماشيته وزرعه لماشية غيره .
وفي مقابل الأصح أنه لا يملك الماء، لخبر " ( المسلمون شركاء في ثلاث ) " وسواء ملك الماء على الصحيح أو لا، لا يلزمه بذل ما فضل عن حاجته لزرع وشجر، ويجب بذل الفاضل منه عن شربه لشرب غيره من الآدميين والفاضل عن ماشيته وزرعه لماشية غيره، وإنما وجب بذله للماشية دون الزرع لحرمة الروح، وقيل يجب بذله للزرع كالماشية، وقيل لا يجب للماشية كالماء المحرز وإنما يجب البذل للماشية إن كان هناك كلأ مباح ولم يجد ماء مبذولا له ولم يحرزه في إناء ونحوه، وإلا فلا يجب بذله. وحيث وجب البذل لم يجز أخذ عوض عليه فإن صح بيع الطعام للمضطر، لصحة النهي عن بيع فضل الماء.
ويشترط في بيع الماء التقدير بكيل أو وزن لا بِرَيِّ الماشية والزرع .

(90/3)


وقال الحنابلة إنه لا يملك الماء لحديث " ( المسلمون شركاء في ثلاث ) " ، وما فضل من مائه الذي لم يحرزه عن حاجته وحاجة عياله وحاشيته ودرعه يجب بذله لبهائم غيره وزرعه
لحديث أبي هريرة مرفوعا " ( لا تمنعوا فضل الماء لتمنعوا به فضل الكلأ ) " .
وهذا ما لم يجد رب البهائم أو الزرع ماء مباحا فيستغني به فلا يجب البذل لعدم الحاجة إليه، وكذا إذا كان الباذل للماء يتضرر فلا يلزمه البذل دفعا للضرر، وكذلك لو كان طالب الماء يؤذي صاحبه بدخوله في أرضه فلا بأس أن يمنعه دفعا للأذى .
رابعا النهر المشترك بين جماعة وحق الانتفاع به
رابعا النهر المشترك بين جماعة وحق الانتفاع به
13- إذا كان النهر مملوكا لأكثر من واحد فليس لأحد من الشركاء في النهر أن يشق منه نهرا أو ينصب عليه رحى أو دالية أو جسرا أو قنطرة أو يوسع فم النهر أو يسوق نصيبه إلى أرض له أخرى إلا برضا شركائه لأنهم قد يتضررون بذلك .
ولا يجوز لغير الشركاء في النهر أن يسقي أرضه إلا بإذنهم، فقد نقل ابن عابدين عن 42 394 الخانية أن النهر إذا كان خاصا بقوم فليس لغيرهم أن يسقي بستانه أو أرضه إلا بإذنهم، فإن أذنوا إلا واحدا أو كان فيهم صبي أو غائب لا يسع الرجل أن يسقي منه أرضه أو زرعه .
وفي الأم لو أن جماعة كان لهم مياه ببادية فسقوا منها واستقوا وفضل منها شيء، فجاء من لا ماء له يطلب أن يشرب أو يسقي إلى واحد منهم دون واحد لم يجز لمن معه فضل من الماء- وإن قل- منعه إياه إن كان في عين أو بئر أو نهر، لأنه فضل ماء يزيد ويستخلف .
كيفية قسمة ماء النهر المشترك
كيفية قسمة ماء النهر المشترك
14- يتفق الفقهاء على أن لكل واحد من الشركاء في حفر النهر أن ينتفع بماء هذا النهر في شربه وسقي أرضه، فإن تراضوا فيما بينهم على كيفية خاصة في الانتفاع جاز ذلك لأن الحق لهم . وعند الشافعية والحنابلة يجوز أن يقتسم الشركاء ماء النهر بالمهايأة إذا تراضوا على ذلك وكان حق كل واحد منهم معلوما، مثل أن يجعلوا لكل واحد من الشركاء حصة يوما وليلة، أو أن يجعلوا لواحد من طلوع الشمس إلى الزوال، وللآخر من الزوال إلى الغروب ونحو ذلك، أو اقتسموه بالساعات وأمكن ضبط ذلك بشيء معلوم جاز إذا تراضوا به، لأن الحق لهم لا يتجاوزهم، أو أن يسقي كل منهم يوما، أو بعضهم يسقي يوما وبعضهم يسقي أكثر بحسب حصته ، ويستأنس لذلك بقول الله تعالى { لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ }
قال الشافعية وإذا اقتسموا بالمهايأة جاز، ولكل منهم الرجوع متى شاء على الصحيح، فإن رجع وقد أخذ نوبته قبل أن يأخذ الآخر نوبته فعليه أجرة نوبته من النهر للمدة التي أخذ نوبته فيها .
وقيل تلزم المهايأة ليثق كل واحد بالانتفاع، وقيل لا تصح القسمة بالمهايأة، 42 395 لأن الماء يقل ويكثر، وتختلف فائدة السقي بالأيام .
15- وإن تشاح الشركاء في قسمة الماء أو ضاق عنهم قسمه الحاكم بينهم.
وطريقة ذلك- كما يقول الشافعية والحنابلة -بنصب نحو خشبة أو حجر في عرض النهر مستوية الطرفين والوسط، موضوعة بمستو من الأرض، وفيها ثقب متساوية أو متفاوتة على قدر الحصص من النهر، لأنه طريق في استيفاء كل واحد حصته.
فإن كانت أملاكهم مستوية فواضح.
وإن كانت أملاكهم مختلفة قسم الماء على قدر ذلك، فلو كان لواحد النصف ولآخر الثلث ولآخر السدس فإنه يجعل في الخشبة ست ثقب، لصاحب النصف ثلاثة ثقوب تصب في ساقيته، ولصاحب الثلث اثنان يصبان في ساقيته، ولصاحب السدس واحد يصب في ساقيته .
وإن كان لواحد الخمسان، والباقي لاثنين يتساويان فيه، جعل في الخشبة عشرة ثقوب، لصاحب الخمسين أربعة تصب في ساقيته، ولكل واحد من الآخرين ثلاثة تصب في ساقيته.
وإن كان النهر لعشرة، لخمسة منهم أراض قريبة من أول النهر، ولخمسة أراض بعيدة جعل لأصحاب الأرض القريبة خمسة ثقوب لكل واحد ثقب، وجعل للباقين خمسة تجري في النهر حتى تصل إلى أرضهم، ثم تقسم بينهم قسمة أخرى .
وما حصل لأحدهم في ساقيته تصرف فيه بما أحب، فكل واحد يصنع بنصيبه ما شاء .
وقال الحنفية إذا كان نهر بين قوم واختصموا في الشرب كان الشرب بينهم على قدر أراضيهم، لأن المقصود الانتفاع بسقي الأراضي فيتقدر بقدره، فإن كان الأعلى منهم لا يشرب حتى يسكر النهر لم يكن له ذلك لما فيه من إبطال حق الباقين ولكنه يشرب بحصته .
فإن تراضوا على أن يسكر الأعلى النهر حتى يشرب بحصته أو اصطلحوا على أن يسكر كل منهم في نوبته جاز لأن الحق لهم، إلا أنه إذا تمكن من ذلك بلوح فلا يسكر بما 42 396 ينكبس به النهر كالطين وغيره، لكونه إضرارا بهم بمنع ما فضل من السكر عنهم، إلا إذا رضوا بذلك.
فإن لم يمكن لواحد منهم الشرب إلا بالسكر ولم يصطلحوا على شيء فإنه يبدأ بأهل الأسفل حتى يرووا، ثم بعده لأهل الأعلى أن يسكروا.

(90/4)


وهذا معنى قول ابن مسعود رضي الله عنه "أهل أسفل النهر أمراء على أهل أعلاه حتى يرووا ". لأن لهم أن يمنعوا أهل الأعلى من الفكر، وعليهم طاعتهم في ذلك، ومن لزمك طاعته فهو أميرك.
وفي الدر المنتقى قال شيخ الإسلام واستحسن مشايخ الأنام قسم الإمام بالأيام، أي إذا لم يصطلحوا ولم ينتفعوا بلا سكر يقسم الإمام بينهم بالأيام فيسكر كل في نوبته.
قال ابن عابدين فيه دفع الضرر العام وقطع التنازع والخصام، إذ لا شك أن لكل شريك في هذا الماء حقا، فتخصيص أهل الأسفل به حين قلة الماء فيه ضرر لأهل الأعلى، كذا تخصيص أهل الأعلى به فيه ذلك مع العلم بأنه مشترك بين الكل، فلذا استحسنوا ما ذكروا وارتضوه .
ولو كانت قسمة الماء وقعت بالكِوى -بكسر الكاف جمع كَوّة بفتحها الثقب- فأراد أحد الشركاء أن يقسم بالأيام فليس له ذلك ولأن القديم يترك على قدمه لظهور الحق فيه .
وقال المالكية إن اجتمع جماعة على إجراء الماء بأرض مباحة أو أرضهم المشتركة بينهم أو على حفر بئر أو عين قسم الماء بينهم على حسب أعمالهم بقلد ، قال ابن دريد هو الحظ من الماء، وقال ابن قتيبة هو سقي الزرع وقت حاجته، وقال عليش هو في استعمال الفقهاء عبارة عن الآلة التي يتوصل بها لإعطاء كل ذي حظ من الماء حظه من غير نقص ولا زيادة. ونحوه مما يتوصل بها إلى إعطاء كل ذي حق حقه.
قال الدسوقي وإذا قسم الماء بالقلد فإنه يراعى اختلاف كثرة الجري وقلته، فإن جريه عند كثرته أقوى من جريه عند قلته، فيرجع في ذلك لأهل المعرفة، وإن تشاحوا في التبدئة أقرع بينهم، فمن خرج سهمه بالتقديم قدم .
مؤنة كرى الأنهار (عمارتها وإصلاحها)
أولا الأنهار العامة
42 397 مؤنة كرى الأنهار (عمارتها وإصلاحها)
16- الأنهار إما عامة غير مملوكة لأحد أو خاصة مملوكة لشخص أو أكثر.
ويختلف من يتحمل كرى الأنهار وإصلاحها باختلاف نوع النهر، وبيان ذلك فيما يأتي
أولا الأنهار العامة
17- كَرْي ، والكري تعبير الحنفية، ويعبر الشافعية بالعمارة، ويعبر الحنابلة بالإكراء والإصلاح. الأنهار العامة كالنيل ودجلة والفرات يكون على السلطان من بيت مال المسلمين، لأن منفعة الكري لعامة المسلمين، فتكون مؤنته من بيت المال، لقول النبي صلى الله عليه وسلم " ( الخراج بالضمان ) " .
وتكون المؤنة من مال الخراج والجزية دون العشور والصدقات، لأن العشور والصدقات للفقراء، والخراج والجزية للنوائب، فإن لم يكن في بيت المال شيء يكون كريه على الناس، فإن امتنعوا أجبر الإمام الناس على كريه إحياء لمصلحة العامة، إذ هم لا يقيمونها بأنفسهم، قال عمر رضي الله تعالى عنه " لو تركتم لبعتم أولادكم " .
إلا أن الإمام يُخرج للكري من كان يقدر على العمل ويطيقه، ويجعل مؤنته على المياسير الذين لا يطيقونه بأنفسهم، كما يفعل في تجهيز الجيوش، لأنه يخرج من كان يطيق القتال، ويجعل مؤنته على الأغنياء، كذا ههنا .
ولو خيف من هذه الأنهار الغرق فعلى السلطان إصلاح مسناتها من بيت المال .
ثانيا الأنهار المملوكة
ثانيا الأنهار المملوكة
18- ذهب الفقهاء إلى أن الأنهار المملوكة يكون كريها وإصلاحها وعمارتها على من 42 398 يملكونها، لأن الحق لهم والمنفعة تعود عليهم على الخصوص والخلوص .
كيفية الكري والإصلاح
كيفية الكري والإصلاح
19- يختلف الفقهاء في كيفية كري النهر المشترك وإصلاحه على الوجه الآتي
عند الحنابلة وأبي حنيفة وهو وجه عند الشافعية يكون كري النهر المشترك وإصلاحه على الشركاء بحسب ملكهم فيه .
ويوضح الحنابلة الكيفية التي يتم بها الإصلاح فيقولون إذا كان بعض الشركاء في النهر أقرب إلى أوله من بعض اشترك الكل في كريه وإصلاحه حتى يصلوا إلى الأول، ثم إذا وصلوا فلا شيء على الأول بعد ذلك لانتهاء استحقاقه، لأنه لا حق له فيما وراء ذلك ويشترك الباقون حتى يصلوا إلى الثاني ثم لا شيء عليه لما تقدم، ثم يشترك من بعد الثاني حتى ينتهي إلى الثالث، ثم لا شيء عليه بعد ذلك، وهكذا كلما انتهى العمل إلى موضع واحد منهم لم يكن عليه فيما بعده شيء لأنه لا ملك فيما وراء موضعه .
فإن كان يفضل عن جميعهم منه ما يحتاج إلى مصرف فمؤنته على جميعهم، لاشتراكهم في الحاجة إليه للانتفاع به، فكانت مؤنتهم عليه كأوله .
وقال أبو حنيفة مؤنة كري النهر المشترك عليهم من أعلاه فإذا جاوزوا أرض رجل منهم بريء من مؤنة الكري، ويوضح ابن عابدين ذلك فيقول بيانه أنه لو كان الشركاء في النهر عشرة فعلى كل عشر المؤنة فإذا جاوزوا أرض رجل منهم فهي على التسعة الباقين أتساعا لعدم نفع الأول فيما بعد أرضه، وهكذا فمن- في الآخر أكثرهم غرامة لأنه لا ينتفع إلا إذا وصل الكري إلى أرضه ودونه في الغرامة من قبله إلى الأول والفتوى على قول أبي حنيفة .

(90/5)


ووجه قول أبي حنيفة أن الكري من حقوق الملك، والملك في الأعلى مشترك بين الكل من فوهة النهر إلى مشرب أولهم، فكانت مؤنته على الكل، فأما بعده فلا ملك لصاحب الأعلى فيه إنما له حق، وهو حق تسييل الماء فيه، فكانت مؤنته على صاحب 42 399 الملك لا على صاحب الحق، ولهذا كانت مؤنة الكري على أصحاب النهر .
وقال أبو يوسف ومحمد من الحنفية والشافعية في الأصح الكري على جميع الشركاء من أول النهر إلى آخره لاشتراكهم وانتفاعهم به، وقال الصاحبان بحصص الشرب والأرضين كما يستوون في استحقاق الشفعة لأن لصاحب الأعلى حقا في الأسفل لاحتياجه إلى تسييل ما فضل من الماء فيه .
20- قال الحنفية وليس على أهل الشفة من الكري شيء، لأن الكري من حقوق الملك ولا ملك لأهل الشفة في رقبة النهر، بل لهم حق شرب الماء والسقي للدواب فقط، ولأنهم لا يحصون، لأنهم أهل الدنيا جميعا .
امتناع أحد الشركاء عن الكري والإصلاح
امتناع أحد الشركاء عن الكري والإصلاح
21- يتفق الفقهاء على أن ما يحتاجه النهر المشترك بين جماعة من كري وإصلاح وعمارة يكون على جميع الشركاء فيه . لكنهم يختلفون في حكم ما إذا امتنع حد الشركاء عن المشاركة في الكري والإصلاح.
وعلى الجملة فإن الحكم عند الحنفية والحنابلة أن الآبي يجبر على المشاركة.
وعند المالكية والشافعية في الجديد لا يجبر الآبي ولكل مذهب تفصيل خاص يختلف عن غيره وبيان ذلك فيما يلي
22- قسم الحنفية النهر المملوك إلى قسمين عام، وخاص.
والفاصل بينهما أن ما تستحق به الشفعة خاص، وما لا تستحق به الشفعة عام. واختلف في تحديد ذلك، فقيل الخاص ما كان لعشرة فما دونها، أو كان عليه قرية واحدة، وقيل إن كان النهر لما دون الأربعين فهو خاص، وإن كان لأربعين فهو نهر عام، وجعل بعضهم الحد الفاصل في المائة، وبعضهم في الألف وغير ذلك عام، وأصح ما قيل فيه أنه يفوض إلى رأي المجتهد فيختار من الأقاويل أي قول شاء، وقيل الخاص ما لا تجري فيه السفن، وما لجري فيه فهو عام.
قال الإتقاني ولكن أحسن ما قيل فيه إن 42 400 كان النهر لدون مائة فالشركة خاصة وإلا فعامة .
23- وعلى ذلك فإن كان النهر عاما وأبى بعض الشركاء من الكري، فإنه يجبر على الكري دفعا للضرر العام وهو ضرر بقية الشركاء، وضرر الآبي خاص ويقابله عوض فلا يعارض به.
وإذا أراد الشركاء في النهر العام أن يحصنوه خيفة الانبثاق وفيه ضرر عام كغرق الأراضي وفساد الطرق يجبر الآبي، وإن لم لكن فيه ضرر عام فلا يجبر الآبي لأنه موهوم، بخلاف الكري فإنه معلوم.
24- أما النهر الخاص فقد اختلف فقهاء الحنفية في إجبار الممتنع عن الكرى.
فإن كان الممتنع بعض الشركاء فقد جاء في الكفاية قيل يجبر الآبي وهو قول أبي بكر الإسكاف، قال ابن عابدين أجبر على الصحيح كما في الخزانة، وقيل لا يجبر وهو قول أبي بكر بن أبي سعيد البلخي، قال ابن عابدين وهو ظاهر الرواية.
وإن كان الممتنع كل الشركاء في النهر واتفقوا على ترك الكري ففي ظاهر المذهب لا يجيرهم الإمام على ذلك كما لو امتنعوا عن عمارة أراضيهم، وقال بعض المتأخرين يجبرهم الإمام على ذلك لحق أصحاب الشفة في النهر
25- وعلى القول بعدم جبر الآبي إذا أبى بعض الشركاء من الكري وقام الباقون بالكري، فهل يرجعون على الآبي بما يخصه من مؤنة ما أنفقوا؟ قالوا إن كان بأمر القاضي رجعوا على الآبي.
نقل ابن عابدين عن الذخيرة أن القاضي إذا أمر الباقين بكري نصيب الآبي على أن يستوفوا مؤنة الكري من نصيبه من الشرب مقدار ما يبلغ قيمة ما أنفقوا عليه فإنهم يرجعون على الآبي بذلك.
وإن لم يرفعوا الأمر إلى القاضي، هل يرجعون على الآبي بقسطه من النفقة ويمنع الآبي من شربه حتى يؤدي ما عليه؟ قيل نعم، وقيل لا.
وذكر في عيون المسائل أن الأول قول أبي حنيفة وأبي يوسف ، ومثله في التتار خانية والبزازية، قال ابن عابدين وظاهره أنه لا ترجيح لأحد القولين لكن مفهوم كلام الدر 42 401 كالهداية والتبيين وغيرهما ترجيح عدم الرجوع إذا كان بغير أمر القاضي .
26- والأصل عند المالكية أنه يقضى على شريك فيما لا ينقسم أن يعمر مع شريكه أو يبيع منه جمعت حصته إن أبى التعمير.
لكن المالكية استثنوا من ذلك الشركاء في البئر أو العين أو النهر فإن من أبى العمارة من الشركاء لا يجبر على البيع سواء كان على البئر أو العين زرع أو شجر فيه ثمر مؤبر أم لا، ويقال للشريك عمر إن شئت ولك ما حصل من الماء بعمارتك، وقال الدسوقي هو إما كل الماء إن كان التخريب أذهب كل الماء وحصل الماء بالتعمير، أو ما زاد منه بالعمارة، وذلك إلى أن تستوفي قدر ما أنفقت، أو إلى أن يأتيك صاحبك الآبي بما يصيبه من النفقة، وهذا قول ابن القاسم .
وقال ابن نافع يجبر الشريك على البيع إن أبى العمارة إن كان على البئر أو العين زرع أو شجر فيه ثمر مؤبر، وقد ضعفه ابن رشد ورجح قول ابن القاسم .

(90/6)


وجاء في مواهب الجليل إذا احتاجت بئر أو قناة بين شركاء لسقي أرضهم إلى الكنس لقلة مائها فأراد أحدهم الكنس وأبى الآخرون. - وفي ترك الكنس ضرر على الماء وانتقاص، والماء يكفي أو لا يكفي إلا الذين أرادوا الكنس خاصة- فللذين أرادوا الكنس أن يكنسوا ثم يكونوا أولى بالذي زاد في الماء لكنسهم دون من لم يكنس حتى يؤدوا حصتهم من النفقة فيرجعوا إلى أخذ حصتهم من جميع الماء
27- وقال الشافعية إذا امتنع أحد الشركاء عن العمارة في النهر والقناة والبئر ففي الجديد لا إجبار عليه كما لا يجبر على زرع الأرض المشتركة، ولأن الممتنع يتضرر أيضا بتكليفه العمارة والضرر لا يزال بالضرر .
وفي القديم يجبر دفعا للضرر وصيانة للأملاك المشتركة عن التعطيل.
وقال النووي والأظهر عند جمهور الأصحاب هو الجديد.
وصحح صاحب الشامل القديم وأفتى به الشاشي .
وقال الغزالي في الفتاوى الأقيس أن يجبر الممتنع، وقال والاختيار إن ظهر للقاضي أن امتناعه مضارة أجبره، وإن كان لإعسار أو غرض صحيح أو شك فيه لم يجبر.
42 402 ولو أنفق الشريك على تعمير النهر فليس له منع الشريك الممتنع من الانتفاع بالماء لسقي الزرع وغيره، لكن له أن يمنعه من الانتفاع بالدولاب والبكرة والآلات التي أحدثها .
قال النووي وإذا قلنا بالقديم- وهو إجبار الممتنع- فأصر على الامتناع فإن الحاكم ينفق عليه من ماله، فإن لم يكن له مال اقترض عليه، أو أذن للشريك في الإنفاق عليه ليرجع على الممتنع، فلو استقل به الشريك فلا رجوع له على المذهب، وقيل قولان القديم نعم، والجديد لا، وقيل يرجع في القديم، وفي الجديد قولان .
28- وعند الحنابلة يجبر الممتنع من الشركاء عن العمارة لحق شركائه أي يجبره الحاكم ويأخذ من مال الممتنع النقد ويُنفق بقدر حصته، فإن لم يكن للممتنع نقد باع الحاكم عرضه وأنفق من ثمنه مع شريكه بالمحاصة لقيامه مقام الممتنع، فإن تعذر ذلك على الحاكم لنحو تغييب ماله اقترض عبيه الحاكم ليؤدي ما عليه كنفقة نحو زوجته، وإن عمر الشريك بإذن شريكه أو بإذن الحاكم رجع على شريكه لوجوبه على المنفق عنه .
وإذا أراد أحد الشركاء أن يعمر فليس للشركاء منعه والماء بينهم على الشركة، ولا يختص به المعمر لأن الماء ينبع من ملكهما وإنما اثر أحدهما في نقل الطين منه وليس فيه عين مال، ورجوع المعمر بما أنفق على ما سبق .
حكم ما انحسر عنه الماء
حكم ما انحسر عنه الماء
29- اختلف الفقهاء في حكم الأرض التي ينكشف عنها ماء النهر هل تكون فيئا للمسلمين أو"تكون لمن يلي هذه الأرض؟ فعند جمهور الفقهاء تكون فيئا للمسلمين، وعند غيرهم تكون لمن يلي الأرض التي انكشف عنها النهر، وهذا في الجملة، ولكل مذهب تفصيل خاص وبيان ذلك فيما يلي
فعند الحنفية لو جزر ماء الأنهار العظام كسيحون ودجلة والفرات عن أرض فليس لمن يليها أن يضمها إلى أرض نفسه، لأنه يحتمل أن يعود ماؤها إلى مكانه ولا يجد إليه
42 403 سبيلا فيحمل على جانب آخر فيضر، حتى لو أمن العود، أو كان بإزائها من الجانب الآخر أرض موات لا يستضر أحد بحمل الماء عليه فله ذلك، ويملكه إذا أحياه بإذن الإمام أو بغير إذنه على الاختلاف في اشتراط إذن الإمام في الإحياء أو عدم اشتراطه .
واختلف فقهاء المالكية في الحكم، فقد ذكر الشيخ عليش، وقد سئل عن أرض انكشف عنها البحر هل تكون فيئا للمسلمين أو لمن تليه أو لمن دخل البحر أرضه؟ أنها تكون لمن تليه ثم قال وذلك هو قول عيسى بن دينار وعليه حمديس، وبه الفتوى والقضاء، وقال سحنون وأصبغ ومطرف تكون فيئا للمسلمين كما كان البحر .
وعند الشافعية لو انحسر ماء النهر عن جانب منه لم يخرج عن كونه من حقوق المسلمين العامة، وليس للسلطان إقطاعه لأحد كالنهر وحريمه.
ولو زرعه أحد لزمه أجرته لمصالح المسلمين، ويسقط عنه قدر حصته إن كان له حصة في مال المصالح.
نعم للإمام دفعه لمن يرتفق به بما لا يضر المسلمين.
ومثله ما ينحسر عنه الماء من الجزائر في البحر، ويجوز زرعه ونحوه لمن لم يقصد إحياءه، ولا يجوز فيه البناء ولا الغراس ولا ما يضر المسلمين .
وفرق الحنابلة بين أرض مملوكة غلب عليها الماء ثم نضب عنها وبين أرض نضب عنها الماء ولم تكن مملوكة لأحد.
جاء في كشاف القناع لا يملك بإحياء ما نضب أي غار عنه الماء مما كان مملوكا وغلب الماء عليه ثم نضب الماء عنه، بل هو باق على ملك ملاكه قبل غلبة الماء عليه، فلهم أخذه، لأنها لا تزيل ملكهم عنه.

(90/7)


أما ما نضب عنه الماء من الجزائر والرِّقاق مما لم يكن مملوكا فلكل أحد إحياؤه بعدت أو قربت كموات، قال الحارثي مع عدم الضرر ونص عليه، وقال في التنقيح لا يملك بالإحياء، وتبعه في المنتهى، وقال أحمد في رواية العباس بن 42 404 موسى إذا نضب الماء من جزيرة إلى فناء رجل لم يبن فيها، لأن فيها ضررا، وهو أن الماء يرجع إلى ذلك المكان، فإذا وجده مبنيا رجع إلى الجانب الآخر فأضر بأهله، ولأن الجزائر منبت الكلأ والحطب فجرت مجرى المعادن الظاهرة .
وقال أحمد في رواية حرب يروى عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه أباح الجزائر يعني أباح ما ينبت في الجزائر من النبات، قال إذا نضب الفرات عن شيء، ثم نبت فيه نبات فجاء رجل يمنع الناس منه فليس له ذلك، وإن كان ما نضب عنه الماء لا ينتفع به أحد فعمره رجل عمارة لا ترد الماء مثل أن يجعله مزرعة فهو أحق به من غيره لأنه متحجر لما ليس لمسلم فيه حق .
وللتفصيل انظر ( إحياء ف 11 ).

(90/8)


نهي
التعريف
نهي
التعريف
أ- النهي في اللغة ضد الأمر، يقال نهى عن الشيء زجره عنه، ونهى الله عن كذا حرمه .
أما في الاصطلاح فقد عرفه الأصوليون بتعريفات منها أنه اقتضاء كف عن فعل على جهة استعلاء .
الألفاظ ذات الصلة
الأمر
الألفاظ ذات الصلة
الأمر
2- من معاني الأمر في اللغة طلب الفعل، ويستعمله الفقهاء بهذا المعنى .
والعلاقة بين الأمر والنهي التضاد.
42 405
الأحكام المتعلقة بالنهي
أ- صيغة النهي
الأحكام المتعلقة بالنهي
بين علماء الأصول أحكام النهي ومن أهمها
أ- صيغة النهي
3- قال الجمهور إن للنهي صيغة مبينة له تدل بتجريدها عن القرائن عليه، وهي قول القائل لا تفعل وهذا قول الجمهور، وقال أبو الحسن الأشعري ومن تبعه ليس له صيغة تختص به .
ب- ما يقتضيه النهي
أولا إفادة النهي الدوام والتكرار
ب- ما يقتضيه النهي
أولا إفادة النهي الدوام والتكرار
4- اختلف الأصوليون في النهي هل يفيد الدوام والتكرار أو لا؟
فقطع جماعة بأن النهي المطلق يقتضي الدوام والتكرار، ولبعض الأصوليين في المسألة آراء أخرى .
وللتفصيل ينظر الملحق الأصولي.
ثانيا اقتضاء النهي الفور أو عدمه
ثانيا اقتضاء النهي الفور أو عدمه
5- اختلف الأصوليون في اقتضاء النهي الكف على الفور، فذهب بعضهم إلى اقتضائه الفور، وخالفهم في ذلك آخرون .
والتفصيل في الملحق الأصولي.
ثالثا اقتضاء النهي التحريم
ثالثا اقتضاء النهي التحريم
6- ذهب جمهور العلماء إلى أن مطلق النهي يقتضي التحريم .
وقال قوم إنه موقوف لا يقتضي التجريم ولا غيره إلا بدليل.
وقال آخرون إنه للتنزيه حقيقة، لا للتحريم، لأنها يقين فحمل عليه ولم يحمل على التحريم إلا بدليل .
واستدل الجمهور بقوله تعالى { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } 42 406 ولأن الصحابة رضي الله عنهم رجعوا في التحزيم إلى مجرد النهي. والتفصيل في الملحق الأصولي.
رابعا اقتضاء النهي الفساد
رابعا اقتضاء النهي الفساد
7- اختلف الأصوليون والفقهاء في اقتضاء النهي المطلق الفساد.
فذهب جمهور العلماء إلى أن النهي يقتضي الفساد في الجملة .
ثم اختلفوا، فقال المالكية والحنابلة إنه يقتضي الفساد مطلقا إلا بدليل يدل على خلاف ذلك، ولهم في ذلك تفصيل.
وقسم الحنفية والشافعية النهي إلى قسمين قسم يرجع إلى عين المنهي عنه كبيع الدم والميتة، والخنزير، أو يرجع لركن من أركان العقد أو شرط من شروطه كبيع الملاقيح، فهذا النوع لا ينعقد بالاتفاق. وقسم يرجع لمعنى مجاور للمنهي عنه، ولا يرجع إليه لا من حيث الأصل ولا من حيث الوصف، كالبيع عند شروع النداء لصلاة الجمعة .
ونوع يرجع لمعنى اتصل بالمنهي عنه وصفا، ويعبر عنه بالنهي عن الشيء لوصفه اللازم، وهذا النوع هو محل الخلاف بين الحنفية والشافعية .
وتفصيل المسألة كلها في الملحق الأصولي.
ج- ما تستعمل فيه صيغة النهي من معان
ج- ما تستعمل فيه صيغة النهي من معان
8- تستعمل صيغة النهي في معاني أخرى غير ما سبق، كالكراهة كقوله تعالى { وَلَا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ } والدعاء كقوله تعالى { رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا } والإرشاد كقوله تعالى { لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } والتحقير لشأن المنهي عنه كقوله تعالى { وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } واليأس كقوله تعالى { لَا تَعْتَذِرُوا الْيَوْمَ } 42 407 وبيان العاقبة كقوله تعالي { وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ }
والتفصيل في الملحق الأصولي.
د- النهي عن المنكر
د- النهي عن المنكر
9- النهي عن المنكر هو طلب الكف عن فعل ما ليس فيه رضا الله تعالى، وهو من فروض الكفاية التي يجب على المسلمين أن يقوموا بها، ويأثمون إذا تركوها جميعا، ويسقط الحرج عن الباقين إذا قام به بعضهم، قال تعالى { وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ }
والتفصيل في مصطلح ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ف1 وما بعدها ).

(91/1)


نهي عن المنكر
انظر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
نهي عن المنكر
انظر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .

(92/1)


حرف الواو
وديعة
التعريف
وَديعَة 43 5 التعريف 1ـ الوديعة في اللغة ما استودع، وهي واحدة الودائع، يقال أودعه مالًا أي دفعه إليه ليكون وديعة عنده، وأودعه مالًا أيضًا قبله منه، وهو من الأضداد.
ويقال أودعت زيدًا مالًا واستودعته إياه إذا دفعته إليه ليكون عنده، فأنا مودِع ومستودِع، وزيد مودَع ومستودَع، والمال أيضًا مودَع ومستودَع، أي وديعة.
وفي الاصطلاح هي المال الموضوع عند الغير ليحفظه، وزاد الحنابلة بلا عوض.
والإيداع تسليط الغير على حفظ ماله، وزاد الحنابلة "تبرعا".
الألفاظ ذات الصلة
أ ـ الأمانة
ب ـ الإعارة
ج ـ اللقطة
د ـ الغصب
الألفاظ ذات الصلة
أ ـ الأمانة
2ـ الأمانة في اللغة ضد الخيانة، مصدر أمن، يقال أمن أمانة فهو أمين ثم استعمل المصدر في الأعيان مجازا فقيل الوديعة أمانة.
وفي الاصطلاح هي الشيء الذي يوجد عند الأمين سواء أكان أمانة بعقد الاستحفاظ كالوديعة أو كان أمانة من ضمن عقد آخر كالمأجور والمستعار أو دخل بطريق الأمانة في يد شخص بدون عقد ولا قصد، كما لو ألقت الريح في دار أحد مال جاره فحيث كان ذلك بدون عقد لا يكون وديعة بل أمانة فقط .
والصلة بين الوديعة والأمانة أن الأمانة أعم مطلقا من الوديعة، لأن الوديعة نوع من الأمانة .
ب ـ الإعارة
3ـ الإعارة في اللغة من التعاور، وهو التداول والتناوب مع الرد، وهي مصدر أعار، والاسم منه العارية.
43 6 وفي الاصطلاح إباحة الانتفاع بما يحل الانتفاع به مع بقاء عينه .
والصلة بين الوديعة والإعارة أن اليد في كل من الوديعة والعارية يد أمانة عند بعض الفقهاء.
ج ـ اللقطة
4ـ اللقطة في اللغة اسم الشيء الذي تجده ملقى فتأخذه.
وفي الاصطلاح هي المال الضائع من ربه يلتقطه غيره .
والصلة بينهما أن يد الملتقط أثناء الحوْل يد أمانة، وإن تلفت عند الملتقط أثناء الحول بغير تفريطه أو نقصت فلا ضمان عليه كالوديعة، وإن أخذها لنفسه ضمن.
د ـ الغصب
5ـ الغصب في اللغة أخذ الشيء ظلمًا وقهرًا.
واصطلاحا الاستيلاء على حق الغير عدوانًا .
والصلة بين الوديعة والغصب التضاد.
مشروعية الوديعة
مشروعية الوديعة
6ـ استدل الفقهاء على مشروعية الوديعة بالكتاب والسنّة القولية والعملية والإجماع والمعقول.
أما الكتاب فبعموم قوله تعالى ( { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } ) ، حيث أمر سبحانه المؤمنين بالتعاهد والتساعد على البر والتقوى، ومن ذلك الوديعة، قال في النظم المستعذب إذ البر اسم جامع للخير كله، والتقوى من الوقاية، أي ما يقي الإنسان من الأذى في الدنيا ومن العذاب في الآخرة.
وقوله سبحانه ( { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا } ).
فالآية عامة في جميع الأمانات، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب .
وأما السنة فبقول النبي صلى الله عليه وسلم ( أد الأمانة 43 7 إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك )
وبقول النبي صلى الله عليه وسلم ( من نفَّس عن مؤمن كُربةً من كرب الدنيا نفَّس الله عنه كربةً من كرب يوم القيامة، .. والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه )
ولا شك أن من عون المسلم لأخيه قبول وديعته ليحفظها له عند احتياجه إلى إيداعها عنده.
وبما روي ( عن عائشة رضي الله عنها في هجرة النبي صلى الله عليه وسلم قالت وأمر ـ تعني رسول الله صلى الله عليه وسلم ـ عليًّا رضي الله عنه أن يتخلف عنه بمكة حتى يؤدي عنه صلى الله عليه وسلم الودائع التي كانت عنده للناس )
وأما الإجماع فقد أجمع الفقهاء على جواز الوديعة في الجملة .
وأما المعقول فلأن بالناس حاجة بل ضرورة إليها .
الحكم التكليفي
الحكم التكليفي
7ـ اختلف الفقهاء في الحكم التكليفي للوديعة على أربعة أقوال
أ ـ فقال الحنفية قبول الوديعة مستحب، لأنها من باب الإعانة، وهي مندوبة لقول الله تعالى ( { وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى } ) ، وقوله صلى الله عليه وسلم ( والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه )
قال السمناني وعندنا لا يجب قبول الوديعة بحال.
ب ـ وذهب الحنابلة إلى أن قبولها مستحب لمن علم من نفسه أنه ثقة قادر على حفظها، ويكره لغيره لأن فيه تغريرًا بصاحبها، إلا أن يرضى ربها بعد إعلامه بذلك إن كان لا يعلمه، 43 8 لانتفاء التغرير.
ج ـ وقال المالكية حكم الوديعة من حيث ذاتها الإباحة في حق الفاعل والقابل على السواء، غير أنه قد يعرض وجوبها في حق الفاعل إذا خشي ضياعها أو هلاكها إن لم يودعها، مع وجود قابل لها قادر على حفظها.
وحرمتها إذا كان المال مغصوبًا أو مسروقًا، لوجوب المبادرة إلى رده لمالكه .

(93/1)


كذلك في حق القابل قد يعرض لها الوجوب، كما إذا خاف ربها عليها عنده من ظالم، ولم يجد صاحبها من يستودعها غيره، فيلزمه عندئذ القبول قياسًا على من دعي إلى أن يشهد على شهادة، ولم يكن في البلد من يشهد سواه. والتحريم، كالمال المغصوب يحرم قبوله، لأن في إمساكه إعانةً على عدم رده لمالكه . والندب، إذا خشي ما يوجبها دون تحققه. والكراهة، إذا خشي ما يحرمها دون تحققه.
د ـ وقال الشافعية يُستحب لمن قدر على حفظ الوديعة وأداء الأمانة فيها أن يقبلها، لأنه من التعاون المأمور به . فإن لم يكن هناك من يصلح لذلك غيره، وخاف إن لم يقبل أن تهلك، تعين عليه أصل قبولها، أي لزمه بعينه، لأن حرمة مال المسلم كحرمة دمه، ولكن دون أن يتلف منفعة نفسه وحرزه في الحفظ من غير عوض، كما في أداء الشهادة بالأجرة، قال النووي "ولو تعين عليه قبول وديعة، فلم يقبلها وتلفت فهو عاصٍ، ولا ضمان عليه، لأنه لم يلتزم الحفظ " .
أما إذا كان عاجزًا عن حفظها فيحرم عليه قبولها، لأنه يغرر بها ويعرضها للهلاك، فلم يجز له أخذها .
قال ابن الرفعة ومحله إذا لم يعلم بذلك المالك، فإن علم المالك بحاله فلا يحرم.
وقال الزركشي الأوجه تحريمه عليهما، أما على المالك فلإضاعته ماله، وأما على المودع فلإعانته على ذلك، وعلم المالك بعجزه لا يبيح له القبول.
ولو كان قادرًا على حفظها، لكنه لا يثق بأمانة نفسه، أي لا يأمن أن يخون فيها، 43 9 فوجهان أحدهما الحرمة، والثاني الكراهة، وهو المعتمد.
حقيقة الوديعة
حقيقة الوديعة
8ـ اختلف الفقهاء في حقيقة الوديعة، هل هي عقد أم مجرد إذن؟ على قولين
الأول لجمهور الفقهاء المالكية والحنابلة والشافعية على الأصح في المذهب وهو أنها عقد توكيل من جهة المودع، وتوكل من جهة الوديع، غير أن هذه الوكالة من نوع خاص، لأنها إقامة الغير مقام النفس في الحفظ دون التصرف، بخلاف الوكالة المطلقة التي هي إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في تصرف معلوم مملوكٍ له.
وعبر الحنفية عن حقيقة الوديعة بأنها عقد وهي تسليط الغير على حفظ ماله صريحا أو دلالة.
الثاني لبعض الشافعية، وهو أن الوديعة مجرد إذن وترخيص من المالك لغيره بحفظ ماله، أشبه بالضيافة . فكما أن الضيافة ترخيص وإذن من المالك للضيف باستهلاك الطعام المقدم له دون أن يكون فيها عقد أو تمليك، فكذلك الوديعة مجرد إذن من المالك للوديع في حفظ ماله، وليست بعقد.
وتظهر ثمرة الخلاف بين القولين ـ كما حكى النووي في الروضة ـ في الفروع التالية
أـ إذا أودع رجل مالًا عند صبي فأتلفه، ففي ضمانه قولان بناء على الخلاف في الوديعة هل هي عقد برأسه أم مجرد إذن؟ فإن قيل هي عقد، لم يضمنه الصبي، وإن قيل إذن، ضمنه.
ب ـ نتاج البهيمة المودعة، هل تعتبر فيه أحكام الوديعة أم لا؟ قولان. فإن قلنا إن الوديعة عقد، فالولد وديعة كالأم، وإن قلنا 43 10 إذن، فليس بوديعة، بل هو أمانة شرعية في يده، وعليه ردها في الحال، حتى لو لم يؤد مع التمكن ضمن.
ج ـ إذا عزل المودع نفسه، ففي انعزاله وجهان بناءً على أن الوديعة إذن أم عقد؟ فإن قلنا إذن، فالعزل لغو، كما لو أذن للضيفان في أكل طعامه، فقال بعضهم عزلتُ نفسي، يلغو قوله، وله الأكل بالإذن السابق، فعلى هذا تبقى الوديعة بحالها ولا تنفسخ، وإن قلنا عقد، انفسخت، وبقي المال في يده أمانةً شرعية، كثوب الغير الذي طيرته الريح إلى داره، فيجب عليه الرد عند التمكن، وإن لم يطلب صاحبه على الأصح، فإن لم يفعل ضمن.
خصائص عقد الوديعة
خصائص عقد الوديعة
9ـ يتضح مما سبق أن خصائص عقد الوديعة ثلاث
(إحداها) أنه عقد جائز من الجانبين، أي غير لازم في حق أي منهما، فلكل واحد منهما أن يبادر لفسخه والتحلل منه متى شاء، دون توقف على رضا الطرف الآخر أو موافقته، وتنفسخ بموت أحدهما أو جنونه أو إغمائه.
وعلى ذلك، فمتى أراد المودع استرداد وديعته، لزم الوديع ردها إليه، لعموم قوله تعالى ( { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا } ) ، ومتى أراد الوديع ردها لصاحبها، لزمه أخذها منه، لأن الأصل في المستودع أنه متبرع بإمساكها وحفظها، فلا يلزمه التبرع في المستقبل . وقد جاء في المادة (774) من مجلة الأحكام العدلية "لكل من المودع والمستودع فسخُ عقد الإيداع متى شاء".
غير أن الشافعية استثنوا من هذا الأصل حالة لحوق الضرر بأحد الطرفين نتيجة فسخ الآخر عقد الوديعة بدون رضاه، فقال الشهاب الرملي "العقود الجائزة إذا اقتضى فسخها 43 11 ضررًا على الآخر امتنع، وصارت لازمة. ولهذا قال النووي للوصي عزلُ نفسه إلا أن يتعين عليه أو يغلب على ظنه تلف المال باستيلاء ظالم من قاضٍ أو غيره. قلت ويجري مثله في الشريك والمقارض".

(93/2)


واستثنى الشافعية أيضًا من القول بجواز ردها في حق الوديع متى شاء حالة ما إذا كان قبولها واجبا عليه أو مندوبا إذا لم يرض مالكها بردها إليه لأن القول بجواز ردها حينئذ في حق الوديع منافٍ للقول بوجوب حفظها عليه حيث وجب، أو بندبه حيث ندب، فجاء في تحفة المحتاج ولهما، يعني للمالك الاسترداد، وللوديع الرد في كل وقت، لجوازها من الجانبين، نعم، يحرم الرد حيث وجب القبول، ويكون خلاف الأولى حيث ندب، ولم يرضه المالك. وقال الرملي "ولو طالب المودع المالك بأخذ وديعته، لزمه أخذها، لأن قبول الوديعة لا يجب، فكذا استدامة حفظها، ومنه يؤخذ أنه لو كان في حالة يجب فيها القبول، يجوز للمالك الامتناع.
(والثانية) أنه عقد أمانة. وعقود الأمانة هي العقود التي يكون المال المقبوض في تنفيذها أمانةً في يد قابضه لحساب صاحبه، فلا يكون القابض مسئولًا عما يصيبه من تلف فما دونه إلا إذا تعدى عليه أو قصر في حفظه، كالشركة والوكالة والإجارة والوصاية.
وإنما كانت الوديعة كذلك، لأن الأصل فيها أنها معروف وإحسان من الوديع، فلو ضمن من غير عدوان أو تفريط، لامتنع الناس عن قبول الودائع، وذلك مضر بهم، إذ كثيرًا ما يحتاجون إليها أو يضطرون.
وقد نبه الفقهاء إلى تميز عقد الوديعة واختصاصه من بين سائر عقود الأمانة بأن موضوعه ومقصده الأساس الائتمان على الحفظ دون أي غرضٍ آخر كالتصرف أو الانتفاع أو غير ذلك، وذلك لتمحضه وتجرده للحفظ فقط، بخلاف عقود الأمانة الأخرى، فإن الائتمان على الحفظ فيها ليس بمقصودٍ أصالةً، بل ضمنًا، ففي الإجارة مثلًا، يلاحظ أن غرض العقد وغايته الأصلية إنما هي تمليك منافع العين المؤجرة بعوض للمستأجر، وأن الائتمان على الحفظ أمر ضمني تابع لذلك المقصد. وفي الولاية على المال والوصاية والوكالة والشركة، يبرز غرض العقد وهدفه الأساس أنه التصرف في المال في الحدود التي 43 12 رسمها الشارع أو فوض فيها الموكل أو الشريك، والحفظ فيها ضمني. وفي الرهن ـ عند من يعده من عقود الأمانة ـ يعتبر موضوع العقد ومقصده توثيق الدين، والائتمان على الحفظ ليس أكثر من غرض ضمني تابع للمقصد الأساس.
وتصنيف الوديعة من عقود الأمانة لا من عقود الضمان هو رأي جمهور الفقهاء وأهل العلم، باستثناء رواية عن الإمام أحمد ذكر فيها اعتبار الوديعة مضمونة في يد الوديع إذا هلكت من بين ماله.
(والثالثة) أنه عقد تبرع. إذ لا خلاف بين الفقهاء في أن الأصل في الوديعة أنها من عقود التبرعات التي تقوم على أساس الرفق والمعونة وتنفيس الكربة وقضاء الحاجة، فلا تستوجب من المودع بدلًا عن حفظ الوديعة، خلافًا لعقود المعاوضات المالية التي تقوم على أساس إنشاء حقوق والتزامات مالية متقابلة بين العاقدين.
غير أنهم اختلفوا في مشروعية اشتراط عوض فيها للوديع مقابل حفظه للوديعة على ثلاثة أقوال
أ) وذهب الحنفية والشافعية إلى أنه يجوز للوديع أن يشترط أجرًا على حفظ الوديعة، واعتبروا شرطه صحيحًا ملزمًا. وقد جاء في المادة (814) من مرشد الحيران ليس للمستودع أن يأخذ أجرةً على حفظ الوديعة ما لم يشترط ذلك في العقد. بل إن الشافعية نصوا على حق الوديع في أخذ الأجرة على الحفظ والحرز حيث يكون قبول الوديعة واجبًا على الوديع لتعينه، قالوا لأن الأصح جواز أخذ الأجرة على الواجب العيني، كإنقاذ الغريق وتعليم الفاتحة ونحو ذلك .
ب) وفصل المالكية في المسألة، ففرقوا بين أمرين أجرة الحرز الذي تشغله الوديعة، وأجرة الحفظ. وقالوا إن المستودع يستحق 43 13 أجرة موضع الحفظ أي الحرز إذ لا يلزمه بذل منفعة حرزه بدون عوض. أما حفظ الوديعة، فلا أجرة له عليه إن لم يأخذها مثله أو يشترطها في العقد أو يجر بها عرف، وذلك لاطراد العادة باطراحها، وأن الوديع لا يطلب أجرًا على ذلك، بخلاف ما إذا اتفقا على أجرة الحفظ، فإنه يجوز ذلك ـ لأن المذهب جواز الأجرة على الحراسة ـ أو جرت بذلك العادة أو كان طالبها ممن يكري نفسه للحراسة ويأخذ أجرًا على حفظ الودائع، لأن المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا .
ج) وذهب الحنابلة إلى عدم جواز اشتراط العوض للوديع، وقالوا إن الأجر إنما يكون في الإجارة على الحفظ دون الوديعة.
أركان الوديعة
أولا الصيغة (الإيجاب والقبول)
أركان الوديعة
10ـ ذهب جمهور الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة إلى أن أركان عقد الوديعة هي
1) الصيغة (وهي الإيجاب والقبول).
2) العاقدان (وهما المودع والمستودع).
3) المحلّ (وهو العين المودعة).
وخالفهم الحنفية في ذلك التقسيم، إذ اعتبروا ركن الوديعة الصيغة المؤلفة من الإيجاب والقبول الدالين على التراضي.
أولا الصيغة (الإيجاب والقبول)
11- لا خلاف بين الفقهاء في أن الأصل في العقود هو التراضي وطيب النفس، وأن الوديعة لا تصح إلا بالمراضاة، وإلا كانت قسرًا على الحفظ أو غصبًا للمال.

(93/3)


والصيغة، هي الإيجاب والقبول كأن يقول لغيره أودعتك هذا الشيء، أو احفظ هذا الشيء، أو خذ هذا الشيء وديعة عندك، وما يجري مجراه، ويقبل الآخر. فإذا وجد ذلك فقد تم عقد الوديعة.
غير أنهم اختلفوا في كون الإيجاب والقبول منحصرًا بلفظهما وحده، بين مشترطٍ لذلك 43 14 وغير مشترط لذلك أو بما يدل على رضا العاقدين من قول صريحٍ أو كنايةٍ أو فعلٍ.
فيرى الحنفية والمالكية عدم اشتراط ذلك.
قال الحنفية وركنها الإيجاب قولًا صريحًا أو كنايةً أو فعلًا، والقبول من المودع صريحًا أو دلالة في حق وجوب الحفظ، وإنما قلنا "صريحًا أو كناية" ليشمل ما لو قال لرجل أعطني ألف درهم، أو قال لرجل في يده ثوب أعطنيه، فقال أعطيتك، فهذا محمول على الوديعة. نص عليه في المحيط، لأن الإعطاء يحتمل الهبة والوديعة، والوديعة أدنى، وهو متيقن، فصار كناية، وإنما قلنا في الإيجاب "أو فعلا" ليشمل ما لو وضع ثوبه بين يدي رجل، ولم يقل شيئًا، فهو إيداع. وإنما قلنا في القبول "أو دلالة" ليشمل سكوته عند وضعه بين يديه، فإنه قبول دلالة، حتى لو قال لا أقبل، لا يكون مودعًا، لأن الدلالة لم توجد .
قال المالكية الصيغة هي كل ما يفهم منه طلب الحفظ، ولو بقرائن الأحوال، ولا تتوقف على إيجاب وقبول باللفظ.
وقال الشافعية والحنابلة يشترط لصحة الإيداع الإيجاب من المودع لفظًا. فجاء في أسنى المطالب لا بد من صيغة دالة على الاستحفاظ، كأودعتك هذا المال، واحفظه، ونحوه كاستحفظتك وأنبتك في حفظه، وهو وديعة عندك لأنها عقد وكالة، لا إذن مجرد في الحفظ .
وأما القبول، فيصح بكل لفظ أو فعل دال عليه عند الحنابلة، وهو الأصح عند الشافعية. جاء في تحفة المحتاج والأصح أنه لا يشترط القبول من الوديع لصيغة العقد أو الأمر لفظًا، ويكفي مع عدم اللفظ والرد منه القبض ولو على التراخي، كما في الوكالة. وقال في كشاف القناع ويكفي القبض قبولًا للوديعة، كالوكالة .
ثانيا العاقدان (المودِع والمستودَع)
(أ) شروط المودِع
43 15 ثانيا العاقدان (المودِع والمستودَع)
يشترط في كل من المودع والمستودع ما يلي
(أ) شروط المودِع
12ـ اتفق الفقهاء على أنه يشترط في المودع أن يكون جائز التصرف. وهو العاقل المميز عند الحنفية، والبالغ العاقل الرشيد عند جمهور الفقهاء.
وعلى ذلك، فلو أودع طفل أو مجنون إنسانًا مالًا، فلا يجوز له قبول وديعته. فإن أخذها منه ضمنها، ولا يبرأ من الضمان إلا بالتسليم إلى الناظر في ماله. قال السمناني لأنه قبل مالًا ممن لا يملك التصرف فيه، كما لو غصب المودع، وعلم المستودع بالغصب، وقبل الوديعة، وقال الشيخ زكريا الأنصاري لأنه مقصر بالأخذ ممن ليس أهلًا للإيداع . وعلل ذلك في كشاف القناع لأنه أخذ مال غيره بغير إذن شرعي، أشبه ما لو غصبه .
وقد استثنى الحنابلة والشافعية في الأصح وابن عرفة من المالكية من هذا الحكم ما لو خشي الوديع هلاكها في يد المحجور، فأخذها منه حسبةً، رأفة على المال وصونًا له عن الضياع، فلا ضمان عليه حينئذ، وقد قاس الحنابلة ذلك على المال الضائع، والموجود في مفازة ـ مهلكة ـ إذا أخذه شخص ليحفظه لربه، وتلف قبل التمكن من رده، وعلى ما لو أخذ إنسان المال المغصوب من الغاصب تخليصًا له، ليرده إلى مالكه، فتلف قبل التمكن، فإنه لا يضمنه، لأنه محسن، وما على المحسنين من سبيل. وقال الشافعية هو كما لو خلص المحرم طائرا من جارحة، فأمسكه ليحفظه ويتعهده فتلف، فإنه لا يضمنه.
أما ابن عرفة فقد قال والأظهر أن شرط 43 16 الوديعة باعتبار جواز فعلها وقبولها حاجة الفاعل، وظن صونها من القابل، ولهذا تجوز من الصبي الخائف عليها إن بقيت بيده.
أما الصبي المميز، فقد اختلف الفقهاء في صحة إيداعه على قولين
(أحدهما) للحنفية والحنابلة وقول للمالكية ـ قاله ابن رشد وحكى عليه الاتفاق ـ ، وهو صحة إيداع الصبي المميز إذا كان مأذونًا له.
وقال الكاساني من الحنفية وأما بلوغه، فليس بشرط عندنا، حتى يصح الإيداع من الصبي المأذون، لأن ذلك مما يحتاج إليه التاجر، فكان من توابع التجارة، فيملكه الصبي المأذون كما يملك التجارة .
أما الصبي غير المأذون فلا يصح قبول الوديعة منه لأنه لا يحفظ المال عادة .
وقال ابن قدامة فإن كان الصبي مميزًا، صح إيداعه لما أذن له في التصرف فيه، لأنه كالبالغ بالنسبة إلى ذلك .
(والثاني) للشافعية والمالكية في المشهور وهو عدم صحة إيداعه مطلقًا، سواء أكان مميزًا أو غير مميز، مأذونًا له أو غير مأذون وألحقوا إيداعه بالعدم.
قال الشافعية فإن قبله ضمنه بأقصى القيم، وقال المالكية إن شرط المودع كالموكل، فمن صح منه أن يوكل غيره صح منه أن يودع غيره، قال العدوي وأما الصبي والسفيه، فلا يودعان ولا يستودعان، لكن إن أودعاك شيئًا، وجب عليك يا رشيد حفظه.
(ب) شروط المستودَع
مستوى7 الشرط الأول أن يكون جائز التصرف
(ب) شروط المستودَع
يشترط في المستودع شرطان
الأول أن يكون جائز التصرف

(93/4)


13ـ اتفق الفقهاء على أنه يشترط في المستودع أن يكون جائز التصرف. غير 43 17 أنهم اختلفوا فيمن يصدق عليه هذا الوصف على قولين
(أحدهما) لجمهور الفقهاء، وهو أن جائز التصرف هو البالغ العاقل الرشيد، (والثاني) للحنفية وهو أن يكون عاقلا وأما البلوغ فليس بشرط.
وعلى كلا القولين لا يصح قبول المجنون والصبي الذي لا يعقل الوديعة، لأن حكم هذا العقد لزوم الحفظ، ومن لا عقل له لا يكون من أهل الحفظ .
وقد اختلف الفقهاء في صحة استيداع الصبي المميز على أربعة أقوال
(الأول) لأكثر المالكية والشافعية في الأظهر والحنابلة في المعتمد، وهو أنه لا يصح استيداع الصبي، مميزًا كان أو غير مميز، لأن القصد من الإيداع الحفظ، والصبي ليس من أهله .
وعلى ذلك، فلو أودع أحد وديعة عند صبي فتلفت عنده، لم يضمنها، سواء حفظها أم فرط في حفظها، وذلك لعدم صحة التزامه الحفظ، فصار كما لو تركها عند بالغ من غير استحفاظ، فتلفت .
أما إذا أتلفها الصبي المستودع بأكل أو غيره فقد اختلف الفقهاء على رأيين
فذهب أكثر المالكية والحنابلة على المعتمد في المذهب والشافعية في قول وابن المنذر إلى أنه لا ضمان عليه. وعللوا ذلك بأن المالك سلطه عليها، فصار كما لو باعه أو أقرضه شيئًا وأقبضه إياه فأتلفه، فلا يلزمه ضمانه .
وبأن صاحب السلعة قد سلط عليها من هو محجور عليه، ولو ضمن المحجور عليه لبطلت فائدة الحجر. غير أن اللخمي وغيره من المالكية استثنوا من ذلك ما لو أنفق الصبي 43 18 الوديعة فيما لا غنى له عنه ولا بدّ له منه وله مال، وقالوا يرجع عليه عند ذلك بالأقل مما أتلفه أو مما صون به ماله.
وذهب الشافعية في الأصح وبعض الحنابلة إلى تضمين الصبي في هذه الحالة، وذلك لعدم الاعتداد باستيداعه، وكونه من أهل الضمان، فصار كما لو أتلف مالًا لغيره بلا استيداع ولا تسليط على الإتلاف . وعلل ابن قدامة ذلك بأن ما ضمنه بإتلافه قبل الإيداع، ضمنه بعد الإيداع كالبالغ، وأن المودع ما سلطه على إتلاف الوديعة، وإنما استحفظه إياها.
وقد بين السيوطي في الأشباه والنظائر أساس الفرق في الحكم بين التلف والإتلاف في هذه المسألة فقال قاعدة كل من ضمن الوديعة بالإتلاف ضمنها بالتفريط إلا الصبي المميز، فإنه يضمنها بالإتلاف على الأظهر، ولا يضمنها بالتفريط قطعًا، لأن المفرط هو الذي أودعه .
(الثاني) للحنفية وهو أن الصبي المميز إذا كان مأذونًا بالتجارة، فيصح قبوله الوديعة، لأنه من أهل الحفظ . قال الكاساني ألا ترى أنه أذن له الولي، ولو لم يكن من أهل الحفظ، لكان الإذن له سفهًا. وأما الصبي المحجور، فلا يصح قبول الوديعة منه، لأنه لا يحفظ المال عادةً، ألا ترى أنه منع منه ماله.
وقد جاء في المادة (776) من المجلة العدلية وأما الصبي المميز المأذون فيصح إيداعه وقبوله الوديعة وعلى ذلك، فلو قبل الصبي المحجور الوديعة، فهلكت في يده، فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة وأصحابه. أما إذا استهلكها، فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة ومحمد ، وقولهما هو المعتمد في المذهب، وعند أبي يوسف يضمن.
وجه قول أبي يوسف أن إيداعه لو صح، فاستهلاك الوديعة يوجب الضمان، وإن لم يصح جعل كأن لم يكن، فصار الحال بعد العقد كالحال قبله، ولو استهلكها قبل العقد 43 19 لوجب عليه الضمان.
ووجه قولهما أن إيداع الصبي المحجور عليه إهلاك للمال معنى، فكان فعل الصبي إهلاك مال قائم صورة لا معنى، فلا يكون مضمونًا عليه، ودلالة ذلك أنه لما وضع المال في يده، فقد وضعه في يد من لا يحفظه عادةً، ولا يلزمه الحفظ شرعًا، ولا شك أنه لا يجب عليه حفظ الوديعة شرعًا لأن الصبي ليس من أهل وجوب الشرائع عليه، والدليل على أنه لا يحفظ الوديعة عادةً أنه منع عنه ماله، ولو كان يحفظ المال عادة لدفع إليه، قال تعالى ( { فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ } ) ، وبهذا فارق المأذون، لأنه يحفظ المال عادةً، ألا ترى أنه دفع إليه ماله، ولو لم يوجد منه الحفظ عادة لكان الدفع إليه سفهًا.
(الثالث) لابن رشد من المالكية، وهو أن الصبي المميز يصح أن يتوكل، فيصح أن يكون أمينًا لغيره في حفظ الوديعة .
(الرابع) لابن عرفة المالكي، وهو أن شرط الوديعة باعتبار جواز فعلها وقبولها حاجة الفاعل، وظن صونها من القابل، فيجوز أن يودع الصبي ما خيف تلفه بيد مالكه، كما يحصل عند نزول بعض الظلمة ببعض البلاد، ولقاء الأعراب القوافل ونحو ذلك .. إن ظن المودع صونه بيد الصبي المستودع.
مستوى7 الشرط الثاني أن يكون معينًا
الشرط الثاني أن يكون معينًا
14ـ نص الحنابلة على أنه يشترط لصحة عقد الوديعة أن يكون الوديع معينا وقت الإيجاب، فلو قال صاحب العين لجماعة أودعت أحدكم هذه العين، أو ليحفظ لي أحدكم هذه، لم يصح العقد.

(93/5)


وذهب الحنفية إلى عدم اشتراط ذلك، جاء في البحر الرائق لابن نجيم نقلًا عن الخلاصة لو وضع كتابه عند قوم، فذهبوا وتركوه، ضمنوا إذا ضاع، وإن قاموا واحدًا بعد واحد، ضمن الأخير، لأنه تعين للحفظ، 43 20 فتعين للضمان .
وقد أكدت المجلة العدلية هذا المعنى، فجاء في المادة (773) إذا وضع رجل ماله عند جماعة على سبيل الوديعة وانصرف، وهم يرونه، وبقوا ساكتين، صار ذلك المال وديعة عند جميعهم، فإذا قاموا واحدًا بعد واحدٍ وانصرفوا عن ذلك المال، فبما أنه يتعين حينئذ الحفظ على من بقي منهم آخرًا، يصير المال وديعة عند الأخير فقط.
فالحنفية اعتبروا الإيداع منعقدًا في هذه الصورة بالإيجاب والقبول دلالة فعلية، وبذلك صار ذلك المال فيها وديعة عندهم جميعًا، فإذا غادروا جميعهم ذلك المكان معًا، ضمنوا كلهم بالاشتراك، أي إن بدل الضمان ينقسم على عدد الذين قاموا وذهبوا بالتساوي. أما إذا غادر أولئك الأشخاص الواحد تلو الآخر ذلك المحل، بعد أن رأوا المال المودع وسكتوا، فمن بقي منهم في الآخر يكون قد تعين للحفظ، ويصير ذلك المال وديعة عنده فقط. فإذا ترك ذلك الأخير المكان، وفقد ذلك المال، لزمه وحده الضمان.
ثالثا العين المودَعة
أن تكون مالًا
ثالثا العين المودَعة
اختلف الفقهاء فيما يشترط في العين المودعة
أن تكون مالًا
15ـ ذهب الحنفية والمالكية إلى اشتراط كون العين المودعة مالًا، فما ليس بمال ـ كالميتة والدم ونحوهما ـ لا يصح ورود عقد الإيداع عليه، لأن عدم ماليته يتنافى مع تشريع حمايته لصاحبه بعقد الوديعة، واعتباره أمانة شرعية واجبة الحفظ والصون لصاحبها في يد الوديع.
ثم قال الحنفية وشرط الوديعة كون المال قابلًا لإثبات اليد عليه، حتى لو أودع البعير الشارد والطير في الهواء والمال الساقط في البحر ونحوها، فلا يصح إيداعه. وقد جاء في المادة (775) من المجلة العدلية يشترط كون الوديعة قابلة لوضع اليد عليها وصالحة للقبض.
43 21 وقد عللوا ذلك بأن الإيداع عقد استحفاظ، وحفظ الشيء بدون إثبات اليد عليه محال، فلما تعذر التزام الوديع بحفظه، لعدم إمكان إحرازه وحوزه، امتنع تكليفه شرعًا به في عقد الوديعة لعسره أو استحالته في حقه، إذ لا تكليف بما لا يطاق، ولا اعتبار لعقد لا يتصور تنفيذه .
أما الشافعية والحنابلة فاشترطوا لصحة العقد أن تكون العين المودعة مالًا أو مختصًا، ولم يقصروها على المال وحده.
وبناءً على اعتبار المالية نصوا على عدم صحة إيداع الخمر غير المحترمة ونحوها من المحرمات، لأنها ليست بمال.
وبناءً على اعتبار المختص قالوا أما ما فيه اختصاص كجلد ميتة لم يدبغ، وزبل، وكلب صيد محترم، ونحوها، فيجوز إيداعه كالمال، لجواز اقتنائه، بخلاف النجس الذي لا يقتنى، والكلب الذي لا ينفع بحراسة أو صيد، وآلات اللهو، فلا يصح إيداعها لكونها غير محترمة، ولا يجوز تمولها ولا اقتناؤها.
وقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية وابن عرفة من المالكية إلى صحة إيداع الصكوك والوثائق بذكر الحقوق.
أن تكون منقولا
أن تكون منقولا
16- ذهب ابن عرفة من المالكية إلى أنه يشترط في العين المودعة أن تكون مما يمكن نقله فيخرج العقار.
وذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية والمالكية) إلى عدم اشتراط ذلك فتصح أن تكون العين المودعة عقارا أو منقولا.
آثار عقد الوديعة
كون الوديعة أمانةً عند الوديع
آثار عقد الوديعة 17- إذا انعقد الإيداعُ صحيحًا، ترتب عليه ثلاثة آثار كون الوديعة أمانةً عند الوديع 43 22 ووجوب الحفظ عليه، ولزوم الردّ عند الطلب.
وتفصيل ذلك فيما يلي
أولا كون الوديعة أمانة 18ـ ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة على المعتمد، والثوري والأوزاعي والنخعي وربيعة والقاضي شريح وغيرهم إلى أن الوديعة أمانة في يد الوديع، فإن تلفت من غير تعديه أو تفريطه فلا ضمان عليه، حتى ولو كانت بين ماله ولم يذهب معها شيء منه.
قال ابن المنذر أجمع أكثر أهل العلم على أن المودع إذا أحرز الوديعة، ثم تلفت من غير جنايته أن لا ضمان عليه .
أما إذا تعدى الوديع عليها أو فرط في حفظها، فعليه ضمانها. قال ابن قدامة بغير خلاف نعلمه، لأنه متلف لمال غيره، فضمنه كما لو أتلفه من غير استيداع .
واستدل الفقهاء على كونها أمانة بالسنة وقول الصحابة والإجماع والمعقول
فأما السنة فبما روي عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ( من أودع وديعة فلا ضمان عليه )
وبما روي عن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ( ليس على المستعير غير المغل ضمان، ولا على المستودع غير المغل ضمان ) والمغل هو الخائن.
وأما قول الصحابة فبما روي عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وجابر رضي الله عنهم أن 43 23 الوديعة أمانة في يد الوديع.
وأما الإجماع فقد أجمع فقهاء الأمصار على كونها أمانةً في يد الوديع .

(93/6)


وأما المعقول فلأن الوديع إنما يحفظها لمالكها، فتكون يده كيده .
ولأنه قبض العين بإذن مالكها، لا على وجه التمليك ولا الوثيقة، فلا يضمنها، إذ لا موجب للضمان .
ولأن الأصل في حفظ الوديعة أنه معروف وإحسان من الوديع، فلو ضمن من غير عدوان أو تقصير لزهد الناس في قبولها، ورغبوا عنه، وفي ذلك تعطيل لمصالح المسلمين، لمسيس الحاجة إليها.
وفي رواية عن أحمد أن الوديع ضامن إذا تلفت الوديعة من بين ماله، لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه ضمَّن أنس بن مالك وديعةً ذهبت من بين ماله .
وقال المالكية والشافعية إنه لا فرق في كون الوديعة أمانة في يد الوديع، لا تضمن بغير تعديه أو تفريطه، سواء كانت بأجر أو بدونه، حيث إن أخذ الأجرة في الوديعة لا يغير شيئا من أحكام الأمانة أو الضمان فيها.
أما الحنفية، فقد فرقوا في موجبات الضمان فيها بين ما إذا كانت بأجر أو بدون أجر، مع اعتبارها في الحالين أمانة في يد الوديع، فقالوا إذا تلفت الوديعة بما لا يمكن التحرز عنه من الأسباب ـ كحريق غالب وغرق غالب ولصوص مكابرين ـ فلا ضمان على الوديع، سواء أكانت بأجر أم مجانًا.
أما إذا هلكت بما يمكن التحرز عنه، فينظر إن كانت بغير أجر، فلا يجب على الوديع الضمان. أما إذا كانت بأجر، فإنه يكون ضامنا.
جاء في المادة (777) من المجلة العدلية 43 24 الوديعة أمانة في يد الوديع. وبناءً عليه إذا هلكت بلا صنع الوديع أو تعديه أو تقصيره في الحفظ، فلا يلزمه الضمان، إلا إذا كان الإيداع بأجرة على حفظ الوديعة، فهلكت أو ضاعت بسبب يمكن التحرز منه، لزم الوديع ضمانها.
فوجه تضمين الوديع بأجر في هذه الصورة عندهم أن الحفظ مستحق عليه فيها، لأنه مستأجر على الحفظ قصدًا، إذ العقد عقد الحفظ، والأجر في مقابل الحفظ، والمتاع في يد الأجير. ويتفرع عن القول بكون الوديعة أمانة ما يلي
أ- اشتراط الضمان في الوديعة أو عدمه
أ- اشتراط الضمان في الوديعة أو عدمه
19ـ إذا اشترط رب لوديعة على الوديع ضمانها، فقبل، أو قال للمودع أنا ضامن لها، فتلفت أو سرقت من غير تعديه أو تفريطه في المحافظة عليها، فلا ضمان عليه، لأن اشتراط الضمان على الأمين باطل، وجعل ما أصله أمانة مضمونًا بالشرط لا يصح، كمال المضاربة والشركة والوكالة . وبذلك قال جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والثوري وإسحاق وابن المنذر وغيرهم.
وقد علل الفقهاء ذلك بأن هذا الشرط منافٍ لمقتضى العقد ومفوت لموجبه، فلا يعتبر.
قال الزرقاني شرط ضمانها يخرجها عن حقيقتها، ويخالف ما يوجبه الحكم، وقال ابن قدامة ولأن شرط ضمان ما لم يوجد سبب ضمانه، فلم يلزمه، كما لو شرط ضمان ما يتلف في يد مالكه .
وحكي عن عبيد الله بن الحسن العنبري أنه خالف في ذلك وقال بضمانه بالشرط.
ولو أودعها بشرط عدم ضمان الوديع إذا تعدى عليها أو فرط في حفظها، فقد قال الحنفية والشافعية لا يصح هذا الشرط، لأنه 43 25 إبراء عما لم يجب، وهذا في صحيح الوديعة وفاسدها.
ب- قبول قول الوديع في هلاك الوديعة
ب- قبول قول الوديع في هلاك الوديعة 20ـ فرع الفقهاء على كون الوديعة أمانةً في يد الوديع قبول قوله في براءة نفسه عند ادعاء هلاكها أو ضياعها بغير تعديه أو تفريطه إذا كذّبه المالك، سواء قبضها ببينة أو بغير بينة، وعلى ذلك نص الحنفية والمالكية.
وعلل الكاساني ذلك بقوله إن المالك يدعي على الأمين أمرًا عارضًا، وهو التعدي، والوديع مستصحب لحال الأمانة، فكان متمسكًا بالأصل، فكان القول قوله لكن مع اليمين، لأن التهمة قائمة فيستحلف دفعا للتهمة .
وفصل الشافعية والحنابلة في المسألة فقالوا إذا ادعى تلف الوديعة بسب ظاهر ـ كحريق وغرق وغارة ـ لم يقبل قوله حتى يقيم البينة على وجود ذلك السبب في تلك الناحية، فإن لم يقم بينة به ضمن، لأنه لا يتعذر إقامة البينة عليه، والأصل عدمه .
أما إذا ادعى الهلاك بسبب خفي ـ كسرقة وضياع ـ أو لم يبين السبب، فالقول قوله في هلاكها، لتعذر إقامة البينة على ذلك، فلو لم يقبل قوله، لامتنع الناس عن قبول الودائع مع مسيس الحاجة إليها .
وحيث كان القول للوديع في دعوى التلف، فهل يكتفي بقوله دون يمينه، أم لا بد من يمينه معه؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال
الأول لجمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية في غير المشهور والحنابلة وهو أن القول قوله بيمينه. قال الكاساني 43 26 لأن التهمة قائمة، فيستحلف دفعًا للتهمة.
الثاني لأحمد في رواية عنه وهو أنه يصدق في ادعاء تلفها بغير يمين.
والثالث للمالكية في المشهور وهو أنه يحلف المتهم دون غيره.
قال العدوي وعلى المشهور محل كونه لا يحلف إلا المتهم إذا لم تكن الدعوى دعوى تحقيق، وأما دعوى التحقيق، فلا فرق بين متهم وغيره. وغرم بمجرد النكول في دعوى الاتهام القاصرة على المتهم، وبعد حلف المودع في دعوى التحقيق التي ليست قاصرةً على المتهم.

(93/7)


ج ـ قبول قول الوديع في رد الوديعة
ج ـ قبول قول الوديع في رد الوديعة 21ـ إذا ادعى الوديع رد الوديعة إلى ربها ـ وعبر الشافعية بقولهم ردها إلى من ائتمنه ـ فقد ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة والثوري وإسحاق وابن القاسم من المالكية في رواية أصبغ عنه وغيرهم إلى أن القول قول الوديع بيمينه.
وقال القاضي أبو الطيب من الشافعية ولأنه يصدق في التلف قطعًا، فكذا في الرد . وقال صاحب المهذب لأنه أخذ العين لمنفعة المالك، فكان القول في الرد قوله .
43 27 ووافقهم في ذلك المالكية فيما إذا كان الوديع قبضها بدون بينة. أما إذا قبضها ببينة قصد بها التوثيق، فقالوا لا يقبل قوله في ردها على مالكها إلا ببينة. وقد علل ذلك القاضي عبد الوهاب البغدادي بقوله لأنه لما أشهد عليه وتوثق منه، جعله أمينًا في الحفظ دون الرد، فإذا ادعى ردها، فقد ادعى براءته مما ليس بمؤتمن فيه، فلم يقبل منه إلا ببينة، ولأن هذا فائدة الإشهاد عليه، فإذا أزلناه لم يبق له فائدة.
وقد وافق المالكية في هذا التقسيم والتفصيل أحمد في رواية عنه، غير أنه لم يقيد البينة ـ فيما إذا قبض الوديع الوديعة ببينة ـ بأن يكون التوثق مقصودًا بها. قال ابن رجب وخرجها ابن عقيل على أن الإشهاد على دفع الحقوق الثابتة بالبينة واجب، فيكون تركه تفريطًا، فيجب فيه الضمان .
وقال الشافعية إذا ادعى الوديع الرد على غير من ائتمنه كوارثه، أو ادعى وارث الوديع الرد منه على المالك للوديعة، أو أودع الوديع عند سفره أمينا لم يعينه المالك فادعى الأمين الرد على المالك طولب كل ممن ذكر ببينة، لأن الأصل عدم الرد ولم يأتمنه .
أما لو ادعى وارث الوديع أن مورثه ردها على المودع أو أنها تلفت في يد مورثه أو في يده قبل التمكن من الرد من غير تفريط فيصدق بيمينه لأن الأصل عدم حصولها في يد الوارث وعدم تعديهما
.
د ـ كون زوائد الوديعة لصاحبها
د ـ كون زوائد الوديعة لصاحبها 22ـ لا خلاف بين الفقهاء في أن المنافع المتولدة من الوديعة ـ متصلة أو منفصلة ـ تكون لصاحبها، لأنها نماء ملكه، وأنها أمانة بيد الوديع .
قال الحنفية إن اجتمع عنده مقدار منها، وخاف فساده بيده، والمودع غائب، كما إذا 43 28 تجمع لديه كمية من لبن الحيوان المودع أو من ثمار الكرم أو البستان المودع، وخيف فسادها، يبيع الوديع هذه الزوائد لحساب صاحبها بإذن الحاكم.
فإن باعها الوديع بدون أمر الحاكم فإن كان في بلدة أو موضع يمكنه مراجعة الحاكم يضمن، وأما إذا باعها لعدم إمكانه مراجعة الحاكم، كأن كان في المفازة مثلًا، فيصح بيعه بناءً على أن الضرورات تبيح المحظورات.
مستوى7 هـ ـ كون نفقة الوديعة على صاحبها
هـ ـ كون نفقة الوديعة على صاحبها 23ـ لا خلاف بين الفقهاء في أن الوديعة التي تحتاج إلى نفقة ومؤنة، تكون نفقتها ومصاريفها على صاحبها لا على الوديع. فإن أذن مالكها للوديع بالإنفاق عليها، كان وكيلًا عنه في ذلك، ويعود عليه بما أنفق. فإن لم ينفق عليها، ولا أذن له بالإنفاق، فللوديع مطالبته بالإنفاق عليها أو ردها أو الإذن له بالإنفاق عليها، ليرجع عليه به. وهذا إذا كان حاضرًا.
فإن كان غائبًا، فقد اختلف الفقهاء في الإجراء الذي ينبغي للوديع أن يتبعه من أجل الإنفاق عليها، وذلك على النحو التالي
فذهب الحنفية إلى أن المستودع يرفع الأمر إلى الحاكم، والحاكم حينئذ يأمر بإجراء الأنفع والأصلح في حق صاحب الوديعة، لأن تصرفه على الرعية منوط بالمصلحة، فإن كان يمكن إكراء الوديعة، فيؤجرها الوديع برأي الحاكم، وينفق من أجرتها. وإن لم تكن صالحة للكراء، فيأمره ببيعها فورًا بثمن المثل، إن كان الأصلح لصاحبها ذلك. وإن كان الأصلح أن تبقى له، فيأمره بأن ينفق عليها من ماله إلى ثلاثة أيام رجاء أن يحضر المالك، فإن لم يحضر خلالها أمره ببيعها.
وقيد الحنفية الإنفاق على الوديعة إذا كانت حيوانا بألا يتجاوز هذا الإنفاق قيمة الحيوان، فإن تجاوزها فللمستودع أن يرجع بقدر قيمة الحيوان لا بزيادة على ذلك.
43 29 وقال الشافعية إن فقد المالك أو وكيله فيراجع الوديع الحاكم ليقترض الوديع على المالك أو يؤجرها ويصرف الأجرة في مؤنتها أو يبيع جزءا منها أو جميعها إن رآه.
فإن فقد الحاكم تصرف الوديع وفق ما ذكر بنفسه وأشهد ليرجع، فإن لم يشهد لم يرجع في أحد وجهين وهو المعتمد.
وقال إمام الحرمين والقدر الذي يعلفها على المالك هو الذي يصونها عن التلف والتعييب لا ما يحصل به السِّمَن.
وقال الحنابلة يرفع الوديع الأمر إلى الحاكم، ليأمر بالإنفاق عليها من مال صاحبها إذا كان له مال، لأن للحاكم ولايةً على مال الغائب، فإن لم يكن له مال، فعل ما يرى فيه الحظ للغائب من بيعها وحفظ ثمنها لربها، أو بيع بعضها لنفقة الباقي، أو إجارتها لينفق من أجرتها عليها، أو الاستدانة على صاحبها، أو الإذن للوديع بالإنفاق عليها من ماله ليرجع على صاحبها.

(93/8)


24ـ ولو أنفق الوديع على الوديعة بدون إذن الحاكم، فهل يرجع على صاحبها بما أنفق؟ اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة أقوال
الأول للحنفية والشافعية وهو أنه لا رجوع له على صاحب الوديعة بشيء، لأنه متطوع بما أنفق لإنفاقه على ملك الغير بغير أمره .
والثاني للمالكية وهو أنه إذا أنفق عليها نفقة تلزمها، فإنه يرجع على صاحبها بما أنفق عليها، ولو وقع ذلك بدون إذنه أو إذن الحاكم إذا ثبت الإنفاق بالبينة.
والثالث للحنابلة وهو أنه إن لم يقدر على استئذان الحاكم، فأنفق عليها ناويًا الرجوع على صاحبها بنفقتها، وأشهد على الرجوع، رجع عليها بما أنفق روايةً واحدةً، لأنه مأذون فيه عرفًا، ولا تفريط منه إذا لم يجد حاكمًا.
وإن فعل ذلك مع إمكان استئذان الحاكم 43 30 من غير إذنه، فهل له الرجوع؟ يخرج على روايتين
(إحداهما) يرجع به، لأنه مأذون فيه عرفًا . (والثانية) لا يرجع، لأنه مفرط بترك استئذان الحاكم على الصحيح من المذهب.
ثانيا وجوب الحفظ على الوديع
المسألة الأولى كيفية الحفظ
ثانيا وجوب الحفظ على الوديع 25 ـ اتفق الفقهاء على أنه يجب على الوديع حفظ الوديعة وصيانتها لصاحبها. فإن قصر في حفظها أو تعدى، فهكلت، ضمنها.
وقد ذهب الفقهاء إلى أنه لا يكفي الإيجاب والقبول في حق وجوب حفظها على الوديع حتى يثبت يده عليها بالقبض، لأن حفظ الشيء بدون إثبات اليد عليه محال، قالوا وإن من إثبات اليد على الوديعة ما لو وضع المودع الوديعة بين يدي الوديع أو في موضع من منزله أو دكانه، فرآه وسكت، أو أشار إليه أن ضعها هناك.
ويتعلق بوجوب الحفظ على الوديع مسألتان 26ـ المسألة الأولى كيفية الحفظ لا خلاف بين الفقهاء في أن على الوديع أن يصون الوديعة بما يصون به ماله، وفرقوا بين حالتين
(الأولى) أن يعين المودع الحرز، كما إذا قال للوديع احفظها في هذا البيت، أو في هذا الموضع منه. وقد نص الفقهاء على أنه يلزمه حفظها فيه، فإن نقلها إلى ما دونه ضمن، لأن من رضي حرزًا، لم يرض بما دونه . وإن نقلها إلى مثله أو إلى ما هو أحرز منه لم يضمن، لأن تعيين الحرز يقتضي الإذن في مثله وفيما هو أحفظ منه بطريق الأولى .
43 31 (والثانية) ألا يعين المودع الحرز، وقد نص الفقهاء في هذه الحالة على أنه يلزمه حفظها في حرز مثلها، وهو ما لا يعد الواضع فيه مضيعًا لما له، وذلك لأن الإطلاق يقتضيه، فتوضع الدراهم في الصندوق، والأثاث في البيت، والغنم في صحن الدار ونحو ذلك.
فإن أخر إحرازها فتلفت، لزمه الضمان، لأن ترك الحفظ من غير عذر تفريط موجب لتضمينه . وإن وضعها في حرز دون حرز مثلها ضمن، لأن الإيداع يقتضي الحفظ، فلما أطلق حمل على المتعارف، وهو حرز المثل، فإن تركها فيما دونه كان مفرطًا، فلزمه الضمان.
وإن وضعها في حرز فوق حرز مثلها، فلا ضمان عليه، لأن من رضي بحرز المثل رضي بما فوقه .
ولا يخفى أن ضابط حرز المثل عند جمهور الفقهاء عرفي، أي بحسب عادة الناس وما يرونه مناسبًا لحفظ الأشياء بحسب نفاستها ودناءتها، وكثرتها وقلتها، وهذه الأمور تختلف كثيرًا بحسب الأقاليم والحواضر والبوادي، وباعتبار الأزمنة والأمكنة، وكثرة السرقة في البلد أو ندرتها ... ونحو ذلك من الاعتبارات ، وقد أفصح الإمام الشافعي عن هذا المعنى بقوله وإذا استودع الرجل الرجل الوديعة، فوضعها في موضع من داره يحرز منه ماله، ويرى الناس مثله حرزًا ـ وإن كان غيره من داره أحرز منه ـ فهلكت، لم يضمن، وإن وضعها في موضع من داره لا يراه الناس حرزًا، ولا يحرز فيه مثل الوديعة، فهلكت، ضمن.
فضابط الحرز في الوديعة عند الفقهاء أن تحرز فيما يحرز فيه أمثالها مع مراعاة الأعراف والأزمان والأماكن . 43 32
وفي هذا المقام ذكر جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة والليث بن سعد وغيرهم أن للوديع أن يحفظ الوديعة بنفسه أو عند من يأتمنه على حفظ ماله من عياله، كزوجته وولده وخادمه ونحوهم، لأن الإنسان لا يلتزم بحفظ مال غيره عادة إلا بما يحفظ به مال نفسه، وإنه يحفظ مال نفسه بيده مرة وبيد هؤلاء أخرى، فله أن يحفظ الوديعة بيدهم أيضًا.
وعلى ذلك فإن دفعها إلى أحد منهم فلا ضمان عليه، أما إذا وضعها عند من لا يأتمنه منهم ولا يحفظ ماله عندهم، فإنه يصير بذلك ضامنًا، لأنه تفريط في حفظ الوديعة .
وزاد الحنفية أنه لو نهاه عن دفعها إلى بعض عياله، فدفعها إليه ضمن إن كان له بد بأن كان له عيال غيره، وإن لم يكن له بد منه لا يضمن.
واشترط المالكية في العيال الذين يجوز للوديع دفع الوديعة إليهم أن يكونوا تحت غلقه من زوج أو ولد أو والدة ومن أشبههم.
وقال الشافعية إذا أودعها عند غيره بلا عذر من غير إذن المالك، فإنه يكون بذلك ضامنًا، سواء أكان ذلك عند أحد من عياله كزوجته وابنه ونحوهم. أو عند أجنبي، لأن المستودع رضي بأمانته لا بأمانة غيره، ولم يسلطه على أن يودعها غيره، فإن فعل ذلك كان متعديًا، ويلزمه ضمانها.

(93/9)


المسألة الثانية مدة حفظ الوديعة
المسألة الثانية مدة حفظ الوديعة 27ـ اختلف الفقهاء في المدة التي ينبغي للوديع أن يحفظ بها الوديعة إذا غاب ربها غيبة 43 33 منقطعة، أي فقد بحيث لا يدرى أحي هو أم ميت، وماذا يفعل بها بعد ذلك، على أربعة أقوال
(الأول) للحنفية وهو أنه يلزمه حفظها حتى يعلم موت صاحبها أو حياته، لأنه التزم حفظها له، فعليه الوفاء بما التزم به لحديث ( وفاء لا غدرا ) وليس له أن يتصدق بها، كما هو الحال في اللقطة، لأن مالك اللقطة غير معلوم للملتقط فبعد التعريف يكون التصدق بها طريقًا لإيصالها إليه، بخلاف الوديعة، فإن مالكها معلوم، فكان طريق إيصالها الحفظ إلى أن يحضر المالك أو يتبين موته، فيطلبها وارثه، ويدفعها إليه. قالوا إلا أن تكون الوديعة مما يفسد أو يتلف بالمكث، فحينئذ يكون للوديع بيعها بأمر الحاكم، وحفظ ثمنها أمانة عنده مثل أصلها؛ لكن إذا لم يبعها، ففسدت بالمكث لا يضمن، لأنه حفظ الوديعة على الوجه الذي أمر به .
(الثاني) للمالكية وهو أنه ينتظر بها إلى أقصى ما يحيى المودع إلى مثله، ثم يدفعها إلى ورثته، فإن لم يكن له وارث، تصدق بها عنه.
(الثالث) للشافعية على المعتمد وهو أن هذا مال ضائع، فمتى لم ييأس من مالكه أمسكه له أبدًا، مع التعريف به ندبًا، أو أعطاه للقاضي الأمين، فيحفظه له كذلك، ومتى أيس منه، أي بأن يبعد في العادة وجوده فيما يظهر، صار من جملة أموال بيت المال، فيصرفه في مصارفها من هو تحت يده، أو يدفعه للإمام ما لم يكن جائرًا فيما يظهر.
وأفتى الشيخ العز بن عبد السلام فيمن عنده وديعة أيس من معرفة مالكها بعد البحث التام، 43 34 أن يصرفها في أهم مصالح المسلمين، فأهمها، وليقدم أهل الضرورة ومسيس الحاجة على غيرهم، ولا يبني بها مسجدًا، ولا يصرفها إلا فيما يجب على الإمام العادل صرفها فيه. فإن جهل ذلك، فليسأل عنه أورع العلماء، وأعرفهم بالمصالح الواجبة التقديم.
(الرابع) للحنابلة وهو أن الوديعة التي فقد مالكها، ولم يطلع على خبره، وليس له ورثة ـ وكذا الوديعة التي جهل مالكها ـ يجوز للوديع بدون إذن الحاكم أن يتصدق بها بنية غرمها إذا عرفه أو عرف وارثه، وله أن يدفعها إلى الحاكم، ويلزم الحاكم قبولها
.
ثالثا لزوم الرد عند الطلب
أـ إذا كانت الوديعة لواحد
ثالثا لزوم الرد عند الطلب أـ إذا كانت الوديعة لواحد 28ـ ذهب الفقهاء إلى أنه يجب على الوديع رد الوديعة لمالكها على الفور إذا طلبها . فإن أخر ردها أو منعها بعد طلبها بغير عذر، فهلكت، ضمنها، لكونه متعديًا بذلك، وهذا لأنه لما طلبها، لم يكن راضيًا بإمساك الوديع بعد الطلب، فيضمنها بحبسها عنه، ولأنه صار غاصبًا، لكونه أمسك مال غيره بغير إذنه بفعل محرم.
أما إذا كان ذلك لعذر، فلا ضمان عليه إن تلفت قبل الرد، استصحابًا ليد الأمانة، ولانتفاء موجب تضمينه، حيث إنه لا يُعد بذلك متعديًا ولا مفرطًا، لأن الله لا يكلف نفسًا إلا وسعها. ولا خلاف بين الفقهاء في ذلك.
أما العذر المسوغ لتأخير رد الوديعة أو منعه، فمثل كونه بالليل، ولم يتأت فتح الحرز حينئذ، أو كان في صلاة أو قضاء حاجة أو طهارة أو أكل أو حمام أو ملازمة غريم يخاف هربه، أو يخشى المطر والوديعة في موضع آخر، ونحو ذلك أو عجز عن حملها ونحو 43 35 ذلك فالتأخير جائز ، ولا يعد بذلك متعديًا ولا مماطلًا.
وقال الحنفية العذر قد يكون حسيًا، وقد يكون معنويًا. فأما الحسي فلوجود الوديعة في محل بعيد لا يستطيع الوصول إليه حين طلبها.
وأما المعنوي فكما إذا خاف الوديع على نفسه من ظالم أن يقتله أو دائن أن يحبسه، وهو غير قادر على الوفاء، أو كانت امرأةً وخافت من فاسق، أو خاف على ماله بأن كان مدفونا معها، فإذا ظهر اغتصبه غاصب، أو كان صاحب الوديعة ظالمًا، فطلب الوديعة ليظلم بها، بأن كانت سيفًا فعلم أو شك أنه طلبه ليقتل به رجلًا بغير حق، أو كانت كتابًا فيه إقرار المودع بمال الغير ، أو بقبض دينه من الغير فله عند وجود عذر من هذه الأعذار أن يمنع الوديعة من مالكها، ولا يكون ظالمًا بمنعها حينئذ، حتى لو هلكت الوديعة بعد ذلك الطلب لا يضمنها.
وإذا أخر الوديع رد الوديعة لصاحبها بعد طلبها للإشهاد على الرد فقد ذهب الشافعية إلى أنه ليس له ذلك، حتى ولو كان مالكها قد أشهد على تسليمها إليه، وذلك لقبول قوله في الرد إليه عند ادعائه دون توقفٍ على بينة.
وذهب المالكية إلى أنه إذا كان قبضها ببينة مقصودة للتوثق، فإنه يعد معذورًا في تأخير ردها إليه حتى يشهد عليه، إذ لا يقبل قوله في ردها في هذه الحالة إلا بالبينة. وفيما عدا ذلك ليس له تأخيره للإشهاد عليه، لأنه مصدق في دعوى ردها لصاحبها بدونه . فإن أخره فتلفت، كان ضامنًا، لأنه متسبب في ضياعها.

(93/10)


29ـ ومما يتفرع على التزام الوديع برد الوديعة إلى ربها أن يقوم برد الوديعة بنفسه أو على يد أمينه ـ كزوجته وخازنه ووكيله ونحوهم إلى المودع ـ استبراءً من تحمل التبعة، ورعاية للأمانة وأداءً لحقها. وهو ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة.
43 36 وذهب الحنابلة وهو قول عند الحنفية ـ وعليه الفتوى ـ إلى أنه كما يصح للوديع رد الوديعة إلى مالكها، فإنه يصح ردها إلى من يحفظ ماله عادةً لأن أيديهم كيده وذلك تخلصًا من دركها، وإيصالًا للحق إلى مستحقه.
والقول الثاني للحنفية أنه يلزم ردها إلى المودع بالذات.
وقال الحنفية لو طلب وكيل المودع الوديعة يلزم الوديع ردها إذا ثبتت وكالة الوكيل بالبينة.
وقال الحنابلة إن أمره بالدفع إلى وكيله فتمكن وأبى ضمن، والأصح ولو لم يطلبها وكيله.
وذهب المالكية ـ في حالة ردها إلى غير مالكها ـ إلى أنه يلزمه توثيق ردها بالشهادة، ليصدق في دعوى الرد إذا أنكر القابض، قال ابن رشد من دفع الوديعة إلى غير اليد التي دفعتها إليه، فعليه ما على ولي اليتيم من الإشهاد، قال الله عز وجل ( { فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ } ). فإن لم يشهد، فلا يصدق في الدفع إذا أنكر القابض، ولا أحفظ في هذا الوجه نص خلاف، إلا على قول ابن الماجشون فيمن بعث ببضاعة إلى رجل مع رجل، أنه لا يلزمه الإشهاد في دفعها إليه، وهو مصدق، وإن أنكر القابض دينًا كانت أو صلة.
وفي وجوب الإشهاد على دفع الوديعة إلى وكيل المالك وجهان عند الشافعية، أصحهما عند البغوي الوجوب، كما لو أمره بقضاء دينه، يلزمه الإشهاد، وأصحهما عند الغزالي وابن الرفعة عدمه، لأن قول الوديع مقبول في الرد والتلف، فلا يقتضي الإشهاد، لأن الودائع حقها الإخفاء، بخلاف قضاء الدين، وبه جزم في الأنوار والحاوي الصغير، وهو مقتضى كلام النووي في تصحيح التنبيه، وصححه في الروضة في الوكالة.
وأضاف الشافعية أن للوديع تأخير الرد 43 37 للإشهاد عليه إذا طلب مالكها ردها إلى وكيله.
قال النووي في الروضة إذا قال له ردها على فلان وكيلي، فطلب الوكيل، فلم يرد، فهو كما لو طلب المالك فلم يرد، لكن له التأخير ليشهد على المدفوع إليه بالقبض، لأنه لو أنكر صدق بيمينه .
وإن لم يطلب الوكيل، فإن لم يتمكن من الرد، لم تصر مضمونة، وإلا فوجهان، لأنه لما أمره بالدفع إلى وكيله عزله، فيصير ما في يده كالأمانة الشرعية، مثل الثوب تطيره الريح إلى داره، وفيها وجهان (أحدهما) تمتد إلى المطالبة، (وأصحهما) تنتهي بالتمكن من الرد.
ب ـ رد الوديعة المشتركة
ب ـ رد الوديعة المشتركة 30ـ إذا كانت الوديعة مشاعًا لشخصين أو أكثر، كما إذا أودع رجلان مالهما المشترك عند شخص، ثم طلب أحد الشركاء في غياب الآخر حصته، فقد اختلف الفقهاء في لزوم رد نصيبه إليه على ثلاثة أقوال
(أحدها) لأبي حنيفة وهو أنه ليس للوديع أن يدفع إليه نصيبه حتى يحضر الآخر، لأن الوديع غير مالك للمال المشترك، فيكون إعطاؤه على هذا الوجه تعديًا على ملك الغير، حيث أنه لا يملك القسمة بينهما.
ووجه قول أبي حنيفة أن الوديع لو دفع شيئًا إلى الشريك الحاضر، فلا يخلو إما أن يدفع إليه من النصيبين جميعًا، وإما أن يدفع إليه من نصيبه خاصة، ولا وجه إلى الأول، لأن دفع نصيب الغائب إليه ممتنع شرعًا، ولا سبيل إلى الثاني، لأن نصيبه شائع في الكل، إذ الوديعة مشتركة بينهما، ولا تتميز إلا بالقسمة، والقسمة على الغائب غير جائزة.
(الثاني) للشافعية والقاضي من الحنابلة وهو أنه ليس للوديع قسمة الوديعة وإعطاؤه حصته، ولا تسليم الجميع، بل يرفع الأمر إلى الحاكم ليقسمها ويدفع إليه نصيبه لاتفاقهما على الإيداع فكذا في الاسترداد.
(الثالث) للحنابلة والصاحبين أبي يوسف ومحمد من الحنفية، وعليه جرت مجلة 43 38 الأحكام العدلية وهو التفريق بين ما إذا كانت الوديعة من المثليات وبين ما إذا كانت من القيميات.
فإن كانت من المثليات التي لا تنقص بالقسمة، فطلب الحاضر نصيبه منها، فيؤمر الوديع بالدفع إليه، فإن امتنع من دفع حصته يكون ضامنًا لها.
قال الحنابلة لأنه حق مشترك يمكن فيه تمييز نصيب أحد الشريكين من نصيب الآخر بغير غبن ولا ضرر، فإذا طلب أحدهما نصيبه لزم دفعه إليه كما لو كان متميزًا.
وقال الصاحبان لأن لكل من المتشاركين أن يأخذ حصته في المثليات المشتركة في غياب الآخر وبدون إذنه، كما إذا كان لرجلين دين مشترك على رجل، فجاء أحدهما وطلب حصته من الدين، فإنه يدفع إليه حصته.
وإن كانت من القيميات، فليس للوديع أن يعطي الحاضر حصته، فإن فعل وهلكت ضمنها.
لأن قسمة غير المثلي بيع، وليس للوديع أن يبيع على المودع، لأن قسمة ذلك لا يؤمن فيها الحيف، لأنه يفتقر إلى التقويم، وذلك ظن وتخمين.
ولأن الإفراز غالب في المثلي، والمبادلة غالبة في القيمي، وبما أن الوديع ليس مأذونًا بالمبادلة، فليس له أن يعطي القيمي.
مستوى7 كيفية رد الوديعة ومؤنته

(93/11)


كيفية رد الوديعة ومؤنته
31 ـ ذكر الحنفية والشافعية والحنابلة أن رد الوديعة يحصل برفع اليد والتخلية بينها وبين المالك، على وجه يجعله متمكنًا من رقبتها دون مانع، كما إذا وضعها أمامه، وقال له اقبضها. ولا يلزم الوديع نقلها إلى دار المودع أو دكانه أو إلى أي مكان آخر إذا طلب ذلك منه المودع، سواء قلت المؤنة أو كثرت، لأن الوديع إنما قبض العين لمنفعة مالكها على الخصوص، فلم تلزمه الغرامة 43 39 عليها، كما لو وكله على حفظها في ملك صاحبها، وإنما عليه التمكين من أخذها.
وعلى ذلك، فإذا امتنع الوديع عن نقلها إليه، وهلكت بعده بيده، لا يلزمه الضمان، لأن مؤنة الرد على المالك، وليس على الوديع شيء غير التخلية والتمكين.
مستوى7 مكان رد الوديعة
32 - مكان رد الوديعة
مكان رد الوديعة هو المكان الذي وقع فيه الإيداع، سواء قلت مؤنة حمل الوديعة أو كثرت، لأن الواجب على الوديع بعد الطلب أن يخلي بين الوديعة ومالكها، لا الحمل والرد .
ولا يجبر الوديع على تسليم الوديعة في مكان آخر وعلى ذلك نص الحنفية والشافعية والحنابلة.
مستوى7 موت الوديع قبل رد الوديعة
موت الوديع قبل رد الوديعة 33 ـ إذا مات الوديع قبل رد الوديعة، وانتقلت إلى يد وارثه، فيجب عليه ردها لمالكها مع العلم به والتمكين منه، لزوال الائتمان .
إذا وجد في تركة متوف صندوق أو كتاب أو كيس فيه نقود، كُتب عليه بخط المتوفى أنه وديعة لفلان، فقد اختلف الفقهاء فيما يلزم الوارث فعله على قولين
(أحدهما) للحنفية والمالكية وهو الصحيح في المذهب عند الحنابلة وهو أن على الوارث أن يعمل وجوبًا بخط مورثه أن هذا الشيء وديعة لفلان، ولا يحتاج إلى إثبات بوجه آخر.
(والثاني) للشافعية وابن قدامة من الحنابلة 43 40 وهو أنه لا يلزم الورثة التسليم بذلك، لاحتمال أنه كتبه ناسيًا وإمكان وقوع التزوير بالخط ونحو ذلك. وإنما يلزم الوارث التسليم بإقراره أو إقرار المورث أو وصيته أو ببينة. قال ابن قدامة ولا تثبت الوديعة إلا بإقرار من الميت أو ورثته أو ببينة تشهد بها، وإن وجد عليها مكتوبا وديعة لم يكن حجة عليهم، لجواز أن يكون الظرف كانت فيه وديعة قبل هذا، أو كان وديعة لمورثهم عند غيره، أو كانت وديعة فابتاعها، وكذا لو وجد في رزمانج أبيه أن لفلان عندي وديعة، لم يلزمه بذلك، لجواز أن يكون قد ردها ونسي الضرب على ما كتب، أو غير ذلك.
استيفاء الوديع حقه من الوديعة
استيفاء الوديع حقه من الوديعة 34 ـ إذا كان للوديع على مالك الوديعة حق عجز عن أخذه منه، لجحوده وامتناعه بالباطل عن أدائه فقد اختلف الفقهاء في جواز استيفاء الوديع حقه من الوديعة فمنهم من أجاز ومنهم من منع.
وتفصيل ذلك في مصطلح (ظفر بالحق ف 4 وما بعدها، واستيفاء ف 17 ـ 18).
موجبات ضمان الوديعة
أـ إتلاف الوديعة
المسألة الأولى إتلاف الوديعة بأمر صاحبها
موجبات ضمان الوديعة
35 ـ الأصل في الوديعة أنها أمانة، وأنه لا ضمان على الوديع في الوديعة إلا إذا فرط في حفظها لأن المفرط متسبب بترك ما وجب عليه من حفظها أو تعدى على الوديعة ، لأن المتعدي متلف لمال غيره فيضمنه، وقد فصل الفقهاء ذلك وبيانه فيما يلي
أـ إتلاف الوديعة 36ـ إتلاف الوديعة هو أن يفعل الوديع بالوديعة ما يؤدي إلى ذهابها وضياعها، أو إخراجها عن أن تكون منتفعًا بها المنفعة المطلوبة منها عادة، كإحراق الثوب، وقتل الحيوان، وأكل الطعام ونحو ذلك.
وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يحرم على الوديع اقتراف هذا العمل في حالة السعة والاختيار، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، وقوله صلى الله عليه وسلم ( كل المسلم على 43 41 المسلم حرام، دمه وماله وعرضه )
ولا خلاف بين الفقهاء في أن إتلاف الوديع للوديعة بدون إذن صاحبها يوجب عليه ضمانها، لكونه تعديًا عليها ينافي الموجب الأصلي لعقد الإيداع، وهو الحفظ، ولأن إتلاف مال الغير بدون إذنه سبب لوجوب الضمان عليه باتفاق أهل العلم، وقد نصت المادة (787) من المجلة العدلية إذا هلكت الوديعة أو نقصت قيمتها بسبب تعدي المستودع أو تقصيره، لزمه الضمان.
وهناك مسائل تتعلق بإتلاف الوديع للوديعة هي المسألة الأولى إتلاف الوديعة بأمر صاحبها 37 ـ لو أمر رب الوديعة الوديع بإتلافها، بأن يلقيها في البحر أو يحرقها في النار ونحو ذلك، فقد نص الفقهاء على حرمة إتلافها. ولو فعل، ففي ضمانه قولان
أحدهما لا شيء عليه، لإذن المالك له بذلك. لأن الحق في الوديعة ثابت لصاحبها، وقد أسقطه حين أذن له بإتلافها، فصار كما لو استنابه في مباح، فلا يغرم الوديع له شيئًا.
ولأن تحريم الفعل أثره في بقاء حق الله تعالى، وهو التأثيم، أما حق الآدمي، فلا يبقى مع الإذن في تفويته. وإلى ذلك ذهب الشافعية والحنابلة وبعض المالكية.

(93/12)


والثاني هو ضامن، كمن قال لرجل اقتلني أو ولدي، ففعل، ولأن مقتضى عقد الوديعة وجوب حفظها على الوديع، فصار الإذن له في إتلافها، كشرط مناقض لمقتضى عقدها، فيلغي. قال ابن المنذر ولأنه ممنوع من إتلاف المال في غير حال الضرورة، 43 42 لأن ذلك محرم، وفاعله عاصٍ، يجب أن يحجر عليه، لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال، فإذا أمره بما ليس له، فأمره وسكوته سيان.
ولو كان هذا لا شيء عليه، لكان المسلم إذا قال لأخيه المسلم اضرب عنقي، فقطعه، أن لا شيء عليه، لأنه فعل ما أمره به، وقد أجمع أهل العلم على أن هذا قاتل ظالم، وقد منع الله تعالى من مالِ المسلم ومن دمه، وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين تحريمهما. وإلى ذلك ذهب جماعة من فقهاء المالكية.
المسألة الثانية إتلاف الوديعة ثم رد بدلها
المسألة الثانية إتلاف الوديعة ثم رد بدلها 38ـ اختلف الفقهاء فيما لو تعدى الوديع على الوديعة فأتلفها، ثم رد بدلها، فهل يبقى ضامنًا لها بموجب إتلافها أم يرتفع عنه الضمان بالرد؟ فقال المالكية إن كانت الوديعة دراهم أو دنانير أو طعامًا أو نحو ذلك مما يكال ويوزن، فأتلفها الوديع، ثم رد مثلها مكانها، فلا شيء عليه بعد ذلك إن تلف. أما إذا كانت ثيابا أو عروضًا قيمية، فهو ضامن لها من ساعة أتلفها، سواء رد بدلها إلى مكانها أم لا. لأنه بإتلافها لزمته قيمتها، ولا يبرأ من تلك القيمة إلا أن يردها على صاحب الوديعة، لا أن يردها في يده وديعة.
وعند الحنفية والشافعية والحنابلة يبقى ضامنًا لها، سواء أكانت من المثليات أو القيميات، من النقود أو العروض، لأن حكم الوديعة، وهو الاستئمان، قد ارتفع بالإتلاف، فلا يعود إليه إلا بالوفاق عند الحنفية، ورد المثل أو القيمة ليس عودًا للوفاق عندهم، لأنه إنما جاء بملك نفسه، لا بعين الوديعة . وعند الشافعية والحنابلة لا يعود الاستئمان إلا بسبب جديد، ولم يوجد، فلا يبرأ من الضمان.
ولو أتلف الوديع بعض الوديعة تعديا، فهل يضمن مقدار ما أتلف، أم يضمن سائرها؟ قال النووي في الروضة إذا أتلف بعض الوديعة، ولم يكن له اتصال بالباقي، كأحد الثوبين، لم 43 43 يضمن إلا المتلف، وإن كان له اتصال، كتحريق بعض الثوب، وقطع طرف البهيمة، نظر إن كان عامدًا، فهو جانٍ على الكل، فيضمن الجميع. وإن كان مخطئًا، ضمن المتلف، ولا يضمن الباقي على الأصح. وهذا هو مذهب الشافعية.
وعند الحنفية إذا طرأ نقصان على قيمتها لزمه النقصان.
المسألة الثالثة تلف الوديعة لعدم دفع المستودع الهلاك عنها
المسألة الثالثة تلف الوديعة لعدم دفع المستودع الهلاك عنها 39 ـ إذا تلفت الوديعة بسبب امتناع الوديع عن دفع الهلاك عنها، كما إذا وقع حريق في بيته، فلم ينقل الوديعة إلى مكان آخر، مع قدرته عليه؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين
الأول للحنفية والحنابلة وهو أنه يصير بذلك ضامنًا لها. وذلك لأنه تعين عليه إخراج الوديعة إلى محل آخر طريقا لحفظها، وبتركه الحفظ الملتزم بالعقد والمتعين عليه، مع قدرته عليه وتمكنه منه، صار كالمتلف لها.
والثاني للشافعية وهو أنه لا ضمان عليه بذلك. لأن النار أتلفتها، وهذا كالرجل المسلم تحيط به النار، ورجل مسلم قادرٌ على إخراجه، فلم يفعل، فهو عاص، ولا عقل عليه ولا قود.
ب ـ إيداع الوديعة عند الغير
ب ـ إيداع الوديعة عند الغير 40ـ ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة وإسحاق والقاضي شريح وغيرهم إلى أنه ليس للوديع أن يودع الوديعة عند غيره ـ ممن ليس في عياله أو من يحفظ ماله عادة ـ عند غير الشافعية بدون إذن المالك، من غير عذر. فإن فعل ذلك صار ضامنًا، حتى ولو كان ذلك الغير أمينًا.
لأن المودع إنما أذن له في حفظها تحت يده، ولم يأذن له في وضعها تحت يد غيره، فإن فعل ذلك، كان متعديًا، لخروجه في حفظها عن الوجه المأذون فيه، ولأن الناس 43 44 متفاوتون في الحفظ والأمانة، والمودع إنما رضي بحفظه وأمانته دون غيره، ولم يسلطه على أن يودعها غيره، فإذا دفعها إلى أجنبي، فقد صار تاركًا الحفظ الذي التزمه، مستحفظًا عليها من استحفظ منه، وذلك تفريط موجب للضمان. وإنما استثنيت حالة العذر، لأن الدفع إليه فيها تعين طريقًا للحفظ، فكان مأذونًا به من المالك دلالة، فارتفع سبب الضمان.
وخالفهم في ذلك ابن أبي ليلى ، فقال له إيداعها عند الأجنبي لغير عذر، ولا ضمان عليه فيه، لأنه إذا كان عليه إحرازها وحفظها على الوجه الذي يحفظ به ماله، فالإنسان قد يودع مال نفسه عند أجنبي، فكان له أن يودع الوديعة عنده، كما لو حفظها في حرزه. وبأن من ملك شيئًا بنفسه، ملك تفويضه إلى غيره، وقد ملك الوديع حفظ الوديعة، فيملك تفويضه إلى غيره.
وقد سبق بيان حكم إيداع الوديعة عند أحد من عياله في الفقرة (26).

(93/13)