صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الموسوعة الفقهية الكويتية 1-39 وملاحق تراجم الفقهاء الموسوعة الفقهية

الكتاب : الموسوعة الفقهية الكويتية
المصدر: www.islam.gov.kw
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

الكتاب : ملاحق تراجم الفقهاء الموسوعة الفقهية
المصدر: www.islam.gov.kw
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
..........................................................
ويليه من الجزء 40 إلى 42
الكتاب : الموسوعة الفقهية الكويتية
المصدر : ملتقى أهل الحديث.
الجزء : من حرف النون ناقصا بعض المصطلحات في النهاية ,إلى حرف الواو كلمة : وضوء.
قام بتنسيقه وفهرسته للموسوعة الشاملة 2 أبوعمر(80)
لملتقى أهل الحديث
www.ahlalhdeeth.com
سائلا الله عز وجل أن يغفر له ولوالديه بمنه وكرمه
وأن يجعل عمله خالصا لوجهه الكريم

ب - هبة الزّوجة يومها لضرّتها ، لا يجوز الاعتياض عنه عند الحنفيّة ، ووافقهم الشّافعيّة والحنابلة . قال الشّافعيّة : لأنّه ليس عيناً ولا منفعةً فلا يقابل بمالٍ . وقال الحنابلة : إنّ الزّوجة من حقّها كون الزّوج عندها ، وهو لا يقابل بمالٍ . وقال ابن تيميّة : قياس المذهب جواز أخذ العوض عن سائر حقوقها من القسم وغيره . والمالكيّة أجازوا الاعتياض عن حقّها في ذلك ، لأنّه عوضٌ عن الاستمتاع أو عن إسقاط الحقّ .
ت - إذا تعذّر ردّ المبيع المعيب كان للمشتري الحقّ في الاعتياض عن العيب . وهذا عند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو المذهب عند الشّافعيّة ، لأنّ الرّضى بالعيب يمنع الرّجوع بالنّقصان ،« ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم جعل لمشتري المصرّاة الخيار بين الإمساك من غير أرشٍ وبين الرّدّ ». وعند الحنابلة : يجوز إمساك المبيع والاعتياض عن العيب ، لأنّه فات عليه جزءٌ من المبيع ، فكان له المطالبة بعوضه ، ويخالف المصرّاة ، لأنّ الخيار له بالتّدليس ، وكذلك في القول الثّاني عند الشّافعيّة .
ث - القصاص يجوز الاعتياض عنه عند جميع الفقهاء .
ج - يصحّ الصّلح عن إسقاط حقّ الدّعوى ، كحقّ الشّفعة والشّرب ، إلاّ ما كان مخالفاً للشّرع كدعوى الحدّ والنّسب ، ولأنّ الصّلح في الدّعوى لافتداء اليمين ، وهو جائزٌ .
ح - يجوز الصّلح عن التّعزير الّذي هو حقّ العبد ، لكن قال أبو حنيفة : إنّ التّعزير الّذي فيه حقّ اللّه كقبلة الأجنبيّة ، فالظّاهر عدم صحّة الصّلح فيه .
خ - يجوز الاعتياض عن إسقاط حقّ الحضانة عند الحنفيّة والمالكيّة ، على القول بأنّها حقّ الحاضن .
د - يجوز الاعتياض عن إسقاط حقّ الرّجوع في الهبة عند الحنفيّة ونكتفي بذكر هذه الأمثلة ، إذ من العسير حصر الحقوق الّتي يجوز الاعتياض عنها ، ويرجع في ذلك إلى المسائل في أبوابها من كتب الفقه .
ما لا يقبل الإسقاط :
أ - العين :

(5/289)


43 - العين ما يحتمل التّعيين مطلقاً ، جنساً ونوعاً وقدراً وصفةً ، كالعروض من الثّياب ، والعقار من الأرضين والدّور ، والحيوان من الدّوابّ ، والمكيل والموزون .
ومالك العين يجوز له التّصرّف فيها بالنّقل على الوجه المشروع من بيعٍ أو غيره . أمّا التّصرّف فيها بالإسقاط - أي رفع الملك وإزالته ، بأن يقول الشّخص مثلاً : أسقطت ملكي في هذه الدّار لفلانٍ ، يريد بذلك زوال ملكه وثبوته لغيره - فهذا باطلٌ ، ولا يفيد زوال ملك المسقط عن العين ، وثبوت الملك فيها للمسقط له . وقد اتّفق الفقهاء على أنّ الأعيان لا تقبل الإسقاط . إلاّ ما ورد بالنّسبة للعتق والوقف على ما سبق بيانه .
44 - لكن لو حدث هذا التّصرّف من المالك ، وكانت العين تحت يد المسقط له ، فإن كانت العين مغصوبةً هالكةً صحّ الإسقاط ، لأنّه حينئذٍ يكون إسقاطاً لقيمتها المترتّبة في ذمّته ، فصار إسقاطاً للدّين ، وإسقاط الدّين صحيحٌ .
وإن كانت العين قائمةً ، فمعنى إسقاطها إسقاط ضمانها لو هلكت ، وتصير بعد البراءة من عينها كالأمانة ، لا تضمن إلاّ بالتّعدّي . وقال زفر رحمه الله : لا يصحّ الإبراء وتبقى مضمونةً . وإن كانت العين أمانةً ، فالبراءة عنها لا تصحّ ديانةً ، بمعنى أنّ مالكها إذا ظفر بها أخذها . وتصحّ قضاءً ، فلا يسمع القاضي دعواه بعد البراءة . وقد قالوا : الإبراء عن الأعيان باطلٌ ديانةً لا قضاءً . ومعناه أنّها تكون ملكاً له بالإبراء ، وإنّما الإبراء عنها صحيحٌ في سقوط الضّمان ، أو يحمل على الأمانة .

(5/290)


ويقول المالكيّة : إنّ البراءة من المعيّنات يسقط بها الطّلب بقيمتها إذا فاتت ، والطّلب برفع اليد عنها إن كانت قائمةً . وهذا هو المشهور من المذهب ، إلاّ إنّه نقل عن المازريّ ما ظاهره أنّ الإبراء يشمل الأمانات وهي معيّناتٌ ( وهذا في الإبراء العامّ ) . كذلك صرّح ابن عبد السّلام بأنّ الإسقاط في المعيّن ، والإبراء أعمّ منه يكون في المعيّن وغيره .
ب - الحقّ :
ذكر فيما سبق ما يقبل الإسقاط من الحقوق ، سواءٌ أكان من حقّ اللّه أم من حقّ العبد ، ونذكر فيما يلي ما لا يقبل الإسقاط منهما .
ما لا يقبل الإسقاط من حقوق اللّه تعالى :
45 - الأصل أنّ حقّ اللّه لا يقبل الإسقاط من أحدٍ من العباد ، وأنّ ذلك موكولٌ إلى صاحب الشّرع لاعتباراتٍ خاصّةٍ ، كالتّخفيف عن العباد على ما سبق . فحقّ اللّه الخالص من العبادات كالصّلاة والزّكاة ، ومن العقوبات كحدّ الزّنى وحدّ شرب الخمر ، ومن الكفّارات وغير ذلك من الحقوق الّتي ثبتت للعبد بمقتضى الشّريعة كحقّ الولاية على الصّغيرة ، حقّ اللّه هذا لا يجوز لأحدٍ من العباد إسقاطه ، لأنّه لا يملك الحقّ في ذلك ، بل إنّ من حاول ذلك فإنّه يقاتل ، كما فعل أبو بكرٍ رضي الله عنه بمانعي الزّكاة . حتّى إنّ السّنن الّتي فيها إظهار الدّين ، وتعتبر من شعائره ، كالأذان ، لو اتّفق أهل بلدةٍ على تركه وجب قتالهم .
46 - كذلك لا يجوز التّحيّل على إسقاط العبادات ، كمن دخل عليه وقت صلاة ، فشرب خمراً أو دواءً منوّماً حتّى يخرج وقتها - وهو فاقدٌ لعقله - كالمغمى عليه . وكمن كان له مالٌ يقدر به على الحجّ ، فوهبه كيلاً يجب عليه الحجّ .

(5/291)


47 - وتحرم الشّفاعة لإسقاط الحدود الخالصة للّه تعالى . وفي السّرقة كذلك بعد الرّفع للحاكم ، لأنّ الحدّ فيها حقّ اللّه تعالى ، وقد روت عائشة رضي الله تعالى عنها : « أتي رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بسارقٍ قد سرق ، فأمر به فقطع ، فقيل : يا رسول اللّه ما كنّا نراك تبلغ به هذا ، قال : لو كانت فاطمة بنت محمّدٍ لأقمت عليها الحدّ » . وروى عروة قال :« شفع الزّبير في سارقٍ فقيل : حتّى يأتي السّلطان ، قال : إذا بلغ السّلطان فلعن اللّه الشّافع والمشفّع ». ولقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لصفوان ، حين تصدّق على السّارق : « فهلاّ قبل أن تأتيني به » . وقال النّوويّ في شرح مسلمٍ : وأجمعوا على تحريم الشّفاعة في الحدود بعد بلوغه الإمام ، فأمّا قبل بلوغه الإمام فقد أجازه أكثر العلماء ، إذا لم يكن المشفوع فيه صاحب شرٍّ وأذًى للمسلمين ، فإن كان لم يشفع فيه .
48 - ويلاحظ أنّ السّرقة ، وإن كان الحدّ فيها هو حقّ اللّه ، إلاّ أنّ الجانب الشّخصيّ فيها متحقّقٌ ناحية المال ، ولذلك يجوز الإبراء من المال . أمّا الحدّ فإنّه يجوز العفو عنه قبل الرّفع للحاكم ، أمّا بعده فلا يجوز . لكن قال الحنفيّة - غير زفر ، وروايةٌ لأبي يوسف - لو أنّ المسروق منه ملّك المسروق للسّارق سقط الحدّ .
والقذف ممّا يجتمع فيه حقّ اللّه وحقّ العبد ، مع الاختلاف في تغليب أحدهما ، وعلى الجملة ، فإنّه يجوز العفو فيه ( أي الإسقاط ) قبل التّرافع وبعده عند الشّافعيّة والحنابلة ، ولا يجوز بعد الرّفع عند الحنفيّة ، غير أنّ المالكيّة قيّدوا العفو بعد التّرافع بما إذا كان المقذوف يريد السّتر على نفسه ، ويثبت ذلك بالبيّنة . ولا يشترط هذا القيد بين الابن وأبيه . وروي عن الإمام أبي يوسف أنّه يجوز العفو كذلك بعد الرّفع للإمام .

(5/292)


وأمّا التّعزير ، فما كان منه حقّاً للآدميّ جاز العفو عنه ، وما كان حقّاً للّه فهو موكولٌ إلى الإمام . ونقل عن الإمام مالكٍ أنّه يجب على الإمام إقامته إذا كان في حقّ اللّه .
وعن الإمامين أبي حنيفة وأحمد أنّ ما كان من التّعزير منصوصاً عليه ، كوطء جارية امرأته فيجب امتثال الأمر فيه ، وما لم يكن منصوصاً عليه فهو موكولٌ إلى الإمام .
49 - وما دامت حدود اللّه لا تقبل الإسقاط من العباد ، فبالتّالي لا يجوز الاعتياض عن إسقاطها ، فلا يصحّ أن يصالح سارقاً أو شارباً ليطلقه ولا يرفعه للسّلطان ، لأنّه لا يصحّ أخذ العوض في مقابلته . وكذا لا يصحّ أن يصالح شاهداً على ألاّ يشهد عليه بحقٍّ للّه أو لآدميٍّ ، لأنّ الشّاهد في إقامة الشّهادة محتسبٌ حقّاً للّه تعالى ، لقوله تعالى : { وأقيموا الشّهادة للّه } والصّلح عن حقوق اللّه عزّ وجلّ باطلٌ ويجب عليه ردّ ما أخذ ، لأنّه أخذه بغير حقٍّ .
وهناك أيضاً ما يعتبر حقّاً للّه تعالى ممّا شرع أصلاً لمصلحة العباد ، ولذلك لا يسقط بالإسقاط ، لما في ذلك من منافاة الإسقاط لما هو مشروعٌ . ومن أمثلة ذلك :
الولاية على الصّغير :
50 - من الحقوق الّتي اعتبرها الشّارع وصفاً ذاتيّاً لصاحبها ، ولاية الأب على الصّغير ، فهي لازمةٌ له ولا تنفكّ عنه ، فحقّه ثابتٌ بإثبات الشّرع ، فهي حقٌّ عليه للّه تعالى ، ولذلك لا تسقط بإسقاطه ، لأنّ ذلك يعتبر خلاف المشروع ، وهذا باتّفاقٍ . أمّا غير الأب كالوصيّ ففيه خلافٌ . فعند الحنفيّة والمالكيّة : إذا كان الوصيّ قد قبل الوصاية ، ومات الموصي ، فلا يجوز له عزل نفسه لثبوت هذا الحقّ له . ولأنّها ولايةٌ فلا تسقط بالإسقاط .
أمّا الشّافعيّة والحنابلة : فإنّه يجوز عندهم أن يسقط الوصيّ حقّه ، ولو بعد قبوله بعد موت الموصي ، لأنّه متصرّفٌ بالإذن ، فكان له عزل نفسه كالوكيل .
وينظر تفصيل أنواع الولايات ، كالقاضي وناظر الوقف ، في مصطلح ( ولايةٌ ) .

(5/293)


السّكنى في بيت العدّة :
51 - أوجب الشّارع على المعتدّة أن تعتدّ في المنزل الّذي يضاف إليها بالسّكنى حال وقوع الفرقة أو الموت ، والبيت المضاف إليها في قوله تعالى { لا تخرجوهنّ من بيوتهنّ } هو البيت الّذي تسكنه . ولا يجوز للزّوج ولا لغيره إخراج المعتدّة من مسكنها . وليس لها أن تخرج وإن رضي الزّوج بذلك ، لأنّ في العدّة حقّاً للّه تعالى ، وإخراجها أو خروجها من مسكن العدّة منافٍ للمشروع ، فلا يجوز لأحدٍ إسقاطه . وهذا في الجملة ، لأنّ المذهب عند الحنابلة : أنّه لا يجب على المطلّقة البائنة قرارها في مسكن العدّة ، لحديث فاطمة بنت قيسٍ الّذي فيه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال لها : « لا نفقة لك ولا سكنى » .
وإنّما يستحبّ لها ذلك ، خروجاً من الخلاف . وفي ذلك تفصيلٌ كثيرٌ ر : ( عدّةٌ ، سكنى ) .
خيار الرّؤية :
52 - بيع الشّيء قبل رؤيته يثبت خيار الرّؤية للمشتري ، فله الأخذ وله الرّدّ عند رؤيته ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من اشترى شيئاً لم يره فله الخيار إذا رآه » فالخيار هنا ليس باشتراط العاقدين ، وإنّما هو ثابتٌ شرعاً فكان حقّ اللّه تعالى ، ولهذا لا يجوز إسقاطه ، ولا يسقط بالإسقاط ، وهذا متّفقٌ عليه عند من يجيزون بيع الشّيء الغائب ، مع مراعاة شرائط ثبوت الخيار .
ولو أنّ العاقدين تبايعا بشرط إسقاط خيار الرّؤية بطل الشّرط مع الخلاف في صحّة العقد وفساده ، بناءً على حكم الشّروط الفاسدة في البيع . وينظر التّفصيل في : ( بيعٌ ، خيارٌ ) .
حقّ الرّجوع في الهبة :

(5/294)


53 - حقّ الرّجوع في الهبة الّتي يجوز الرّجوع فيها - وهي فيما يهبه الوالد لولده عند الجمهور ، وفيما يهبه الإنسان إذا لم يوجد مانعٌ من موانع الرّجوع في الهبة عند الحنفيّة - حقٌّ ثابتٌ شرعاً ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يحلّ لرجلٍ أن يعطي عطيّةً أو يهب هبةً ، فيرجع فيها ، إلاّ الوالد بما يعطي ولده » . وهذا ما استدلّ به الجمهور . واستدلّ الحنفيّة بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الواهب أحقّ بهبته ما لم يثب منها » أي ما لم يعوّض . قالوا : والعوض فيما وهب لذي الرّحم المحرّم هو : صلة الرّحم ، وقد حصل .
وما دام حقّ الرّجوع في الهبة - فيما يجوز الرّجوع فيه - ثابتاً شرعاً فإنّه لا يجوز إسقاطه ، ولا يسقط بالإسقاط . وهذا ما ذهب إليه الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة في قولٍ . والقول الآخر للحنابلة أنّ الرّجوع حقّه ، وهو يسقط بإسقاطه . وعند المالكيّة يجوز للأب الرّجوع فيما وهبه لولده ، إلاّ إذا أشهد عليها ، أو شرط عدم الاعتصار ( أي الرّجوع ) ، فلا رجوع له حينئذٍ على المشهور . وينظر تفصيل ذلك في : ( هبةٌ ) .
ما لا يقبل الإسقاط من حقوق العباد :
سبق أنّ كلّ جائز التّصرّف لا يمنع من إسقاط حقّه ما لم يكن هناك مانعٌ ، وفيما يلي بيان بعض ما لا يقبل الإسقاط من الحقوق اتّفاقاً أو عند بعض الفقهاء ، إمّا لفقد شرطٍ من شروط المحلّ ، أو شرطٍ من شروط الإسقاط في حدّ ذاته .
ما يتعلّق به حقّ الغير :
54 - الإسقاط إذا كان مسّ حقّاً لغير من يباشره فإنّه لا يصحّ ، إذا كان فيه ضررٌ على الغير كحقّ الصّغير ، أو يتوقّف على إجازة من يملك الإجازة كالوارث والمرتهن ، ومن أمثلة ذلك ما يأتي :
حقّ الحضانة :

(5/295)


55 - يرى جمهور الفقهاء - الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، وهو أيضاً قولٌ للمالكيّة خلاف المشهور عندهم - أنّ للحاضن أن يسقط حقّه بإسقاطه ، وينتقل الحقّ إلى من بعده ، ولا يجبر على الحضانة إلاّ إذا تعيّن ولم يوجد حاضنٌ غيره ، ثمّ إن عاد الحاضن فطلب الحضانة عاد الحقّ إليه . وخالف ذلك المالكيّة في المشهور عندهم فقالوا : إنّ الحاضنة إذا أسقطت حقّها من الحضانة لغير عذرٍ ، بعد وجوبها لها ، ثمّ أرادت العود فلا تعود .
وللتّفصيل ر : ( حضانةٌ ) .
نسب الصّغير :
56 - النّسب حقّ الصّغير ، فإذا ثبت هذا الحقّ فإنّه لا يجوز لمن لحق به إسقاط هذا الحقّ ، فمن أقرّ بابنٍ ، أو هنّئ به فسكت ، أو أمّن على الدّعاء ، أو أخّر نفيه مع إمكان النّفي فقد التحق به ، ولا يصحّ له إسقاط نسبه بعد ذلك .
ولو أنّ امرأةً طلّقها زوجها ادّعت عليه صبيّاً في يده أنّه ابنه منها ، وجحد الرّجل فصالحت عن النّسب على شيءٍ فالصّلح باطلٌ ، لأنّ النّسب حقّ الصّبيّ لا حقّها .
عزل الوكيل :
57 - الأصل أنّ الموكّل يجوز له عزل الوكيل متى شاء ، لأنّه تصرّف في خالص حقّه ، لكن لو تعلّق بالوكالة حقٌّ للغير ، فلا يجوز له أن يعزله بغير رضى صاحب الحقّ ، لأنّ في العزل إبطال حقّه من غير رضاه ، وذلك كالوكيل في الخصومة لا يجوز عزله ما دامت الخصومة مستمرّةً . وكالعدل المتسلّط على بيع المرهون .
وذلك في الجملة عند الحنفيّة والمالكيّة ، مع تفصيلٍ كثيرٍ في شروط العزل وشروط الوكالة في الخصومة ، وتنظر في : ( وكالةٌ ، رهنٌ ) .
تصرّف المفلس :
58 - المحجور عليه للفلس ، يتعلّق حقّ الغرماء بماله ، ولذلك لا يجوز له التّصرّف في ماله تصرّفاً مستأنفاً ، كوقفٍ ، وعتقٍ ، وإبراءٍ ، وعفوٍ مجّاناً فيما لا قصاص فيه ، وذلك لتعلّق حقّ الغرماء بماله ، فهو محجورٌ عليه فيه ، أشبه الرّاهن يتصرّف في الرّهن . ر : ( حجرٌ ، فلسٌ ) .

(5/296)


إسقاط الحقّ قبل وجوبه ، وبعد وجود سبب الوجوب :
59 - يتّفق الفقهاء على عدم صحّة الإسقاط قبل وجوب الحقّ ، وقبل وجود سبب الوجوب ، لأنّ الحقّ قبل ذلك غير موجودٍ بالفعل ، فلا يتصوّر ورود الإسقاط عليه ، فإسقاط ما لم يجب ، ولا جرى سبب وجوبه لا يعتبر إسقاطاً ، وإنّما مجرّد وعدٍ لا يلزم منه الإسقاط مستقبلاً ، كإسقاط الشّفعة قبل البيع ، وإسقاط الحاضنة حقّها في الحضانة قبل وجوبها ، فكلّ هذا لا يعتبر إسقاطاً ، وإنّما هو امتناعٌ عن الحقّ في المستقبل ، ويجوز الرّجوع فيه والعود إلى المطالبة بالحقّ .
60 - أمّا إذا لم يجب الحقّ ، ولكن وجد سبب وجوبه ، ففي صحّة الإسقاط حينئذٍ اختلاف الفقهاء : فعند الحنفيّة والحنابلة ، وهو المعتمد عند المالكيّة ، ومقابل الأظهر عند الشّافعيّة : أنّه يصحّ الإسقاط بعد وجود السّبب وقبل الوجوب .
فقد جاء في بدائع الصّنائع : الإبراء عن الحقّ بعد وجود سبب الوجوب قبل الوجوب جائزٌ ، كالإبراء عن الأجرة قبل مضيّ مدّة الإجارة . وفي فتح القدير : الإبراء عن سائر الحقوق بعد وجود سبب الوجوب جائزٌ . وفي شرح منتهى الإرادات ، ومثله في المغني : إن عفا مجروحٌ عمداً أو خطأً عن قود نفسه أو ديتها صحّ عفوه ، لإسقاطه حقّه بعد انعقاد سببه .
وفي فتح العليّ المالك وردت عدّة مسائل : كإبراء الزّوجة زوجها من الصّداق في نكاح التّفويض قبل البناء وقبل أن يفرض لها ، وإسقاط المرأة عن زوجها نفقة المستقبل ، وكعفو المجروح عمّا يئول إليه الجرح . ثمّ قال نقلاً عن ابن عبد السّلام : وبعض هذه المسائل أقوى من بعضٍ ، فهل يلزم الإسقاط في ذلك ، لأنّ سبب الوجوب قد وجد أو لا يلزم لأنّها لم تجب ؟ قولان حكاهما ابن رشدٍ . وفي الدّسوقيّ ذكر أنّ المعتمد هو لزوم الإسقاط لجريان السّبب . والأظهر عند الشّافعيّة والقول الثّاني للمالكيّة : أنّه يصحّ إسقاط الحقّ قبل وجوبه ، وإن جرى سبب وجوبه .

(5/297)


جاء في نهاية المحتاج : لو أبرأ المشتري البائع عن الضّمان لم يبرّأ في الأظهر ، إذ هو إبراءٌ عمّا لم يجب ، وهو غير صحيحٍ وإن وجد سببه ، والقول الثّاني : يبرّأ لوجود سبب الضّمان . واستثنى الشّافعيّة صورةً يصحّ فيها الإسقاط قبل الوجوب وهي : من حفر بئراً في ملك غيره بلا إذنٍ ، وأبرأه المالك ، ورضي ببقائها ، فإنّه يبرّأ ممّا وقع فيها .
إسقاط المجهول :
61 - إسقاط الحقّ المعلوم لا خلاف فيه ، والخلاف إنّما هو في المجهول ، كالدّين ، والعيب في المبيع ، وحصّةٍ في تركةٍ ، وما ماثل ذلك . فهذا النّوع محلّ خلافٍ بين الفقهاء في صحّة إسقاطه ، بناءً على اختلافهم في الإبراء من الدّين ، هل هو تمليكٌ أو إسقاطٌ ؟
فعند الحنفيّة والمالكيّة ، وهو المشهور عند الحنابلة ، والقديم عند الشّافعيّ : أنّه يجوز الإبراء من المجهول ، « لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم لمن اختصما في مواريث قد درست : استهما ، وتوخّيا الحقّ ، وليحلل كلٌّ منكما صاحبه » . ولأنّه إسقاط حقٍّ لا تسليم فيه ، فصحّ في المجهول ، لأنّ الجهالة فيه لا تفضي إلى المنازعة . ومن ذلك عند الحنابلة : صحّة الصّلح عمّا تعذّر علمه من الدّين ، لئلاّ يفضي إلى ضياع المال .
وفي الجديد عند الشّافعيّ ، وهو روايةٌ عند الحنابلة : أنّه لا يصحّ الإبراء من المجهول ، بناءً على أنّه تمليك ما في ذمّته ، فيشترط العلم به .
ولا فرق عند الشّافعيّة ، والحنابلة على القول بعدم الصّحّة بين مجهول الجنس والقدر والصّفة . ويستثني الشّافعيّة من الإبراء من المجهول صورتين :

(5/298)


الأولى : الإبراء من إبل الدّية ، فيصحّ الإبراء منها مع الجهل بصفتها ، لاغتفارهم ذلك في إثباتها في ذمّة الجاني . وكذا الأرش والحكومة يصحّ الإبراء منهما مع الجهل بصفتهما . الثّانية : إذا ذكر قدراً يتحقّق أنّ حقّه أقلّ منه . وأضيف إلى هاتين الصّورتين ما لو أبرأه عمّا عليه بعد موته ، فيصحّ مع الجهالة ، لأنّه وصيّةٌ . كذلك الجهل اليسير الّذي يمكن معرفته لا يؤثّر في الإسقاط عند الشّافعيّة ، كالإبراء من حصّته من مورّثه في التّركة ، إن علم قدر التّركة ، وجهل قدر حصّته . وإن أجاز الوارث وصيّة مورّثه فيما زاد على الثّلث ، وقال : إنّما أجزت لأنّي ظننت المال قليلاً ، وأنّ الثّلث قليلٌ ، وقد بان أنّه كثيرٌ ، قبل قوله بيمينه ، وله الرّجوع بما زاد على ظنّه ، ما لم يكن المال ظاهراً لا يخفى على المجيز ، أو تقوم بيّنةٌ بعلمه وبقدره ، وهذا في الجملة .
62 - أمّا الإبراء من العيوب في البيع ، فالحكم فيه عند الحنفيّة والمالكيّة كالحكم في الدّين ، مع تفصيلٍ بين الحادث والقائم . وعند الحنابلة : الأشهر فيه عدم صحّة الإبراء .
والرّأي الثّاني : يجوز الإبراء فيه . وأمّا عند الشّافعيّة ففيه طريقان :
أحدهما أنّ المسألة على ثلاثة أقوالٍ : قولٌ بصحّة البراءة من كلّ عيبٍ ، وقولٌ بعدم صحّة البراءة والثّالث أنّه لا يبرّأ إلاّ من عيبٍ واحدٍ ، وهو العيب الباطن في الحيوان الّذي لا يعلم به البائع ، قال الشّافعيّ رحمه الله : لأنّ الحيوان يفارق ما سواه ، وقلّما يبرّأ من عيبٍ يظهر أو يخفى ، فدعت الحاجة إلى التّبرّي من العيب الباطن فيه .
هذه أمثلةٌ لما لا يقبل الإسقاط بالاتّفاق ، أو مع الاختلاف لعدم تحقّق شرطٍ من شروط المحلّ أو شروط الإسقاط في حدّ ذاته .

(5/299)


63 - وهناك كثيرٌ من الحقوق الّتي لا تقبل الإسقاط لأسبابٍ مختلفةٍ ، ومن العسير حصر هذه الحقوق لتشعّبها في مسائل الفقه المختلفة . ومن أمثلة ذلك : حقّ الزّوج في الاستمتاع . وهناك ما لا يسقط لقاعدةٍ عند الشّافعيّة وهي : أنّ صفات الحقوق لا تفرد بالإسقاط كالأجل والجودة ، بينما يجوز إسقاطهما عند الحنفيّة خروجاً عن قاعدة " التّابع تابعٌ " .
كذلك قال الحنفيّة : إنّ الشّرط إذا كان في عقدٍ لازمٍ فإنّه يلزم ولا يقبل الإسقاط ، فلو قال ربّ السّلم : أسقطت حقّي في التّسليم في ذلك المكان أو البلد لم يسقط . وكمن أسقط حقّه فيما شرط له من ريع الوقف لا لأحدٍ ، لأنّ الاشتراط له صار لازماً كلزوم الوقف .
وغير ذلك كثيرٌ ، وينظر في مواضعه .
تجزّؤ الإسقاط :
64 - من المعلوم أنّ الإسقاط يرد على محلٍّ ، والمحلّ هو الأساس في بيان حكم التّجزّؤ ، فإذا كان المحلّ يقبل الإسقاط في بعضه دون البعض الآخر ، قيل : إنّ الإسقاط يتجزّأ .
وإن كان المحلّ لا يمكن أن يثبت بالإسقاط في بعضه ، بل يثبت في الكلّ ، قيل : إنّ الإسقاط لا يتجزّأ . ومن القواعد في ذلك عند الحنفيّة ، كما ذكر ابن نجيمٍ والأتاسيّ شارح المجلّة : " ذكر بعض ما لا يتجزّأ كذكر كلّه " . فإذا طلّق نصف تطليقةٍ وقعت واحدةٌ ، أو طلّق نصف المرأة طلقت ، ومنها العفو عن القصاص : إذا عفا عن بعض القاتل كان عفواً عن كلّه ، وكذا إذا عفا بعض الأولياء سقط القصاص كلّه وانقلب نصيب الباقين مالاً .

(5/300)


وخرج عن القاعدة العتق عند أبي حنيفة ، فإنّه إذا أعتق بعض عبده لم يعتق كلّه . وعند الصّاحبين لا يتجزّأ ، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « من أعتق شركاً له في مملوكٍ فعليه عتقه كلّه » . وأدخل شارح المجلّة تحت القاعدة أيضاً : الكفالة بالنّفس ، والشّفعة ، ووصاية الأب ، والولاية . وذكر الشّافعيّة هذه القاعدة بتوضيحٍ أكثر فقالوا : ما لا يقبل التّبعيض يكون اختيار بعضه كاختيار كلّه ، وإسقاط بعضه كإسقاط كلّه . وذكروا تحت هذه القاعدة المسائل الّتي سبق إيرادها عن ابن نجيمٍ ، وهي : الطّلاق والقصاص والعتق والشّفعة . فإذا عفا الشّفيع عن بعض حقّه سقط الكلّ . واستثنى الشّافعيّة من القاعدة حدّ القذف ، فالعفو عن بعضه لا يسقط شيئاً منه . قاله الرّافعيّ . وزاد في نهاية المحتاج : التّعزير ، فلو عفا عن بعضه لم يسقط منه شيءٌ .

(5/301)


والمسائل المشهورة الّتي وردت من طلاقٍ وعتقٍ وقصاصٍ هي محلّ اتّفاقٍ بين المذاهب ، في أنّ الطّلاق المبعّض أو المضاف إلى جزءٍ من الزّوجة ، أو العتق المضاف إلى جزءٍ من العبد ، أو عفو أحد المستحقّين عن القصاص ، كلّ هذا يسري على الكلّ ، ولا يتبعّض المحلّ ، فتطلق المرأة ، ويعتق العبد ، ويسقط القصاص . وهذا في الجملة في الأصل العامّ ، إلاّ ما ورد عن أبي حنيفة في العتق كما سبق . وللفقهاء تفصيلٌ في فروع كلّ مسألةٍ . فمثلاً إضافة الطّلاق أو العتق إلى الظّفر والسّنّ والشّعر لا يقع به شيءٌ عند الحنابلة ، لأنّ هذه الأشياء تزول ويخرج غيرها فكانت في حكم المنفصل . وفي الإضافة إلى الشّعر قولان عند المالكيّة ، ويقع بالإضافة إليه الطّلاق عند الشّافعيّة . والشّفعة أيضاً الأصل العامّ فيها أنّها لا تتبعّض ، حتّى لا يقع ضررٌ بتفريق الصّفقة . فالشّفيع إمّا أن يأخذ الكلّ أو يترك ، وإذا أسقط حقّه في البعض سقط الكلّ . لكن وقع خلافٌ عند الشّافعيّة ، إذ قيل : إنّ إسقاط بعض الشّفعة لا يسقط شيئاً منها . وليس من تبعيض الشّفعة ما إذا كان البائع أو المشتري اثنين ، فإنّ الشّفيع له أن يأخذ نصيب أحدهما دون الآخر ، وإذا تعدّد الشّفعاء فالشّفعة على قدر الأنصباء . والدّين ممّا يقبل التّبعيض ، فللدّائن أخذ بعضه وإسقاط بعضه .
السّاقط لا يعود :
65 - من المعلوم أنّ السّاقط ينتهي ويتلاشى ، ويصبح كالمعدوم لا سبيل إلى إعادته إلاّ بسببٍ جديدٍ يصير مثله لا عينه ، فإذا أبرأ الدّائن المدين فقد سقط الدّين ، فلا يكون هناك دينٌ ، إلاّ إذا وجد سببٌ جديدٌ ، وكالقصاص لو عفي عنه فقد سقط وسلمت نفس القاتل ، ولا تستباح إلاّ بجنايةٍ أخرى ، وهكذا . وكمن أسقط حقّه في الشّفعة ، ثمّ رجعت الدّار إلى صاحبها بخيار رؤيةٍ ، أو بخيار شرطٍ للمشتري ، فليس له أن يأخذ بالشّفعة ، لأنّ الحقّ قد بطل ، فلا يعود إلاّ بسببٍ جديدٍ .

(5/302)


والإسقاط يقع على الكائن المستحقّ ، وهو الّذي إذا سقط لا يعود ، أمّا الحقّ الّذي يثبت شيئاً فشيئاً ، أي يتجدّد بتجدّد سببه فلا يرد عليه الإسقاط ، لأنّ الإسقاط يؤثّر في الحال دون المستقبل . ومثال ذلك ما جاء في خبايا الزّوايا : لو اشترى عبداً فأبق قبل القبض ، ورضي المشتري بترك الفسخ ، ثمّ بدا له ، يمكّن من الفسخ ، لأنّ التّسليم مستحقٌّ له في الأوقات كلّها ، والإسقاط يؤثّر في الحال دون ما يستحقّ من بعد .

(5/303)


وقال ابن عابدين : لو أسقطت الزّوجة نوبتها لضرّتها فلها الرّجوع ، لأنّها أسقطت الكائن ، وحقّها يثبت شيئاً فشيئاً ، فلا يسقط في المستقبل ، ولا يرد أنّ السّاقط لا يعود ، لأنّ العائد غير السّاقط ، وهذه مسألةٌ متّفقٌ عليها . وقد ذكر ابن نجيمٍ قاعدةً في ذلك فقال : الأصل أنّ المقتضي للحكم إن كان موجوداً والحكم معدومٌ فهو من باب المانع ، وإن عدم المقتضي فهو من باب السّاقط . فهناك فرقٌ إذن بين وجود المقتضي للحكم ، ثمّ سقط الحكم لمانعٍ ، فإذا زال المانع مع وجود المقتضي عاد الحكم ، بخلاف ما إذا عدم المقتضي فلا يعود الحكم . ومن ذلك حقّ الحضانة . جاء في منتهى الإرادات : لا حضانة لفاسقٍ ، ولا لكافرٍ على مسلمٍ ، ولا تزويج بأجنبيٍّ من محضونٍ . وبمجرّد زوال المانع من فسقٍ أو كفرٍ ، أو تزوّجٍ بأجنبيٍّ ، وبمجرّد رجوع ممتنعٍ من حضانةٍ يعود الحقّ له في الحضانة ، لقيام سببها مع زوال المانع . هذا مع الاختلاف بين الفقهاء ، هل الحضانة حقّ الحاضن أو حقّ المحضون . وفي الدّسوقيّ : إذا انتقلت الحضانة لشخصٍ لمانعٍ ، ثمّ زال المانع فإنّها تعود للأوّل ، كما لو تزوّجت الأمّ ودخل بها الزّوج ، وأخذت الجدّة الولد ، ثمّ فارق الزّوج الأمّ ، وقد ماتت الجدّة ، أو تزوّجت ، والأمّ خاليةٌ من الموانع ، فهي أحقّ ممّن بعد الجدّة ، وهي الخالة ومن بعدها . كذا قال المصنّف ( الدّردير ) ، وهو ضعيفٌ . والمعتمد أنّ الجدّة إذا ماتت انتقلت الحضانة لمن بعدها كالخالة ، ولا تعود للأمّ ولو كانت متأيّمةً ( لا زوج لها ) .
وفي الجمل على شرح المنهج : لو أسقطت الحاضنة حقّها انتقلت لمن يليها ، فإذا رجعت عاد حقّها . ومثل ذلك عند الحنفيّة كما في البدائع . وقال ابن نجيمٍ : وفرّعت على " وقولهم : السّاقط لا يعود " قولهم إذا حكم القاضي بردّ شهادة الشّاهد ، مع وجود الأهليّة ، لفسقٍ أو لتهمةٍ ، فإنّه لا يقبل بعد ذلك في تلك الحادثة .

(5/304)


ومن المسائل الّتي ذكرها ابن نجيمٍ للتّفرقة بين ما هو مسقطٌ وما هو مانعٌ قوله : لا يعود التّرتيب بعد سقوطه بقلّة الفوائت ، بخلاف ما إذا سقط بالنّسيان فإنّه يعود بالتّذكّر ، لأنّ النّسيان كان مانعاً لا مسقطاً ، فهو من باب زوال المانع . ولا تصحّ إقالة الإقالة في السّلم ، لأنّه دينٌ ساقطٌ فلا يعود . أمّا عود النّفقة - بعد سقوطها بالنّشوز - بالرّجوع ، فهو من باب زوال المانع ، لا من باب عود السّاقط . وتنظر الفروع في أبوابها .
أثر الإسقاط :
66 - يترتّب على الإسقاط آثارٌ تختلف باختلاف ما يرد عليه . ومن ذلك :
( 1 ) إسقاط رجلٍ الانتقاع بالبضع بالطّلاق ، ويترتّب عليه آثارٌ متعدّدةٌ ، كالعدّة والنّفقة والسّكنى وجواز الرّجعة ، إن كان الطّلاق رجعيّاً ، وعدم جواز ذلك إن كان بائناً ، وغير ذلك من الآثار . ر : ( طلاقٌ ) .
( 2 ) الإعتاق وهو : إزالة الرّقّ عن المملوك وإثبات الحرّيّة له ، يترتّب عليه ملكه لماله وكسبه ، وإطلاق يده في التّصرّفات ، وإثبات حقّ الولاء للمعتق ، وما شابه ذلك من الأحكام . ر : ( عتقٌ ) .
( 3 ) قد يترتّب على الإسقاط إثبات حقوقٍ تتعلّق بالمحلّ ، كإسقاط حقّ الشّفعة ، يترتّب عليه استقرار الملك للمشتري ، وإسقاط حقّ الخيار في البيع يترتّب عليه لزوم البيع ، لأنّ الملك الثّابت بالبيع قبل الاختيار ملكٌ غير لازمٍ . وإجازة بيع الفضوليّ يترتّب عليها لزوم البيع الموقوف وينظر تفصيل ذلك في : ( بيعٌ - خيارٌ - شفعةٌ - فضوليٌّ ) .
( 4 ) ومن الآثار ما يرد تحت قاعدة : الفرع يسقط بسقوط الأصل ، كما إذا أبرئ المضمون أو المكفول عن الدّين برّئ الضّامن والكفيل ، لأنّ الضّامن والكفيل فرعٌ ، فإذا سقط الأصل سقط الفرع ولا عكس ، فلو أبرئ الضّامن لم يبرّأ الأصيل ، لأنّه إسقاط وثيقةٍ فلا يسقط بها الدّين . ر : ( كفالةٌ - ضمانٌ ) .

(5/305)


( 5 ) وقد يترتّب على الإسقاط الحصول على حقٍّ كان صاحبه ممنوعاً منه ، لتعلّق حقّ الغير ، وذلك مثل صحّة تصرّف الرّاهن في المرهون ، بنحو وقفٍ أو هبةٍ ، إذا أذن المرتهن ، لأنّ منعه كان لتعلّق حقّ المرتهن به ، وقد أسقطه بإذنه .
( 6 ) الغريم إذا وجد عين ماله عند المفلس كان له حقّ الرّجوع فيه بشروطٍ منها : ألاّ يتعلّق بالعين حقٌّ للغير كشفعةٍ ورهنٍ . فإذا أسقط أصحاب الحقوق حقوقهم ، بأن أسقط الشّفيع شفعته ، أو أسقط المرتهن حقّه في الرّهن فلربّ العين أخذها .
( 7 ) إذا أجّل البائع الثّمن بعد العقد سقط حقّ الحبس على ما جاء في البدائع ، لأنّه أخّر حقّ نفسه في قبض الثّمن ، فلا يتأخّر حقّ المشتري في قبض المبيع ، وكذا لو أبرأ البائع المشتري من الثّمن بطل حقّ الحبس .
( 8 ) لو أجّلت الزّوجة المهر لوقتٍ معلومٍ ، فليس لها أن تمنع نفسها ، لأنّ المرأة بالتّأجيل رضيت بإسقاط حقّ نفسها ، فلا يسقط حقّ الزّوج . وهذا في قول أبي حنيفة ومحمّدٍ ، وقال أبو يوسف : لها أن تمنع نفسها ، لأنّ من حكم المهر أن يتقدّم تسليمه على تسليم النّفس ، فلمّا قبل الزّوج التّأجيل كان ذلك رضاً بتأخير حقّ نفسها في القبض ، بخلاف البائع .
ومن ذلك أيضاً الوصيّة فيما زاد على الثّلث بإجازة الورثة . وينظر تفصيل كلّ ذلك في : ( إفلاسٌ - بيعٌ - حبسٌ - رهنٌ ) .
( 9 ) إسقاط الشّارع العبادات بسبب الأعذار قد يسقط الطّلب بها بعد ذلك ، فلا يطالب بالقضاء ، كالصّوم بالنّسبة للشّيخ الكبير الّذي لا يقدر عليه . وقد يطالب بالقضاء ، كالصّوم بالنّسبة للحائض والمسافر .

(5/306)


( 10 ) الإبراء من الدّين أو من الحقّ يترتّب عليه براءة ذمّة المبرّأ متى استوفى الإبراء شروطه . وسواءٌ أكان عن حقٍّ خاصٍّ أم حقٍّ عامٍّ ، بحسب ما يرد في صيغة المبرّئ . ويترتّب كذلك سقوط حقّ المطالبة ، فلا تسمع الدّعوى فيما تناوله الإبراء إلى حين وقوعه ، دون ما يحدث بعده . ولا تقبل الدّعوى بعد ذلك بحجّة الجهل أو النّسيان .
إلاّ أنّ المالكيّة قيّدوا ذلك بما إذا لم يكن الإبراء مع الصّلح . فإذا كان الإبراء مع الصّلح ، أو وقع بعد الصّلح إبراءٌ عامٌّ ، ثمّ ظهر خلافه فله نقضه ، لأنّه إبراءٌ على دوام صفة الصّلح لا إبراءٌ مطلقٌ ، إلاّ إذا التزم في الصّلح عدم القيام عليه ولو ببيّنةٍ فلا تسمع الدّعوى .
هذا ، مع استثناء الحنفيّة من الإبراء بعض المسائل ، كضمان الدّرك ( استحقاق المبيع ) ، وكدعوى الوكالة والوصاية ، وكادّعاء الوارث ديناً للميّت على رجلٍ ، وفي ذلك تفصيلٌ كثيرٌ ينظر في ( إبراءٌ - دعوى ) .
( 11 ) الإبراء العامّ يمنع الدّعوى بالحقّ قضاءً لا ديانةً ، إن كان بحيث لو علم بماله من الحقّ لم يبرّئه ، كما في الفتاوى الولوالجية . لكن في خزانة الفتاوى : الفتوى على أنّه يبرّأ قضاءً وديانةً وإن لم يعلم به .
وعند الشّافعيّة : لو أبرأه في الدّنيا دون الآخرة برّئ فيهما ، لأنّ أحكام الآخرة مبنيّةٌ على أحكام الدّنيا ، وهو أحد قولين عند المالكيّة ، ذكرهما القرطبيّ في شرح مسلمٍ .
بطلان الإسقاط :

(5/307)


67 - للإسقاط أركانٌ ، ولكلّ ركنٍ شروطه الخاصّة ، فإذا لم يتحقّق شرطٌ من الشّروط الّتي سبق بيانها بطل الإسقاط ، أي بطل حكمه ، فلا ينفذ . ومن أمثلة ذلك : أنّه يشترط في المسقط أن يكون بالغاً عاقلاً ، فإذا كان المتصرّف بالإسقاط صبيّاً أو مجنوناً فلا يصحّ الإسقاط ولا ينفذ . ولو كان التّصرّف بالإسقاط منافياً للمشروع ، فإنّه يكون تصرّفاً باطلاً ولا يسقط بالإسقاط ، كإسقاط الولاية ، أو إسقاط حدٍّ من حدود اللّه . وكذلك الإسقاط لا يرد على الأعيان ، ويعتبر إسقاطها باطلاً . ولذلك خرّجه الفقهاء على إسقاط الضّمان .
وقد يقع الإسقاط صحيحاً ، لكن يبطل إذا ردّه المسقط عنه ، عند من يقول أنّه يرتدّ بالرّدّ كالحنفيّة . في قاعدةٍ ذكرها الحنفيّة هي : أنّه إذا بطل الشّيء بطل ما في ضمنه ، قلو أبرأه ضمن عقدٍ فاسدٍ فسد الإبراء . وأغلب هذه المسائل وردت فيما سبق في البحث .

إسكارٌ *
التعريف :
1 - الإسكار لغةً : مصدر أسكره الشّراب . وسكر سكراً ، من باب تعب ، والسّكر اسمٌ منه ، أي أزال عقله . والإسكار في اصطلاح الفقهاء : تغطية العقل بما فيه شدّةٌ مطربةٌ كالخمر . ويرى جمهور الفقهاء أنّ ضابط الإسكار هو أن يختلط كلامه ، فيصير غالب كلامه الهذيان ، حتّى لا يميّز بين ثوبه وثوب غيره عند اختلاطهما ، ولا بين نعله ونعل غيره ، وذلك بالنّظر لغالب النّاس . وقال أبو حنيفة : السّكران الّذي لا يعرف السّماء من الأرض ، ولا الرّجل من المرأة . ر : ( أشربةٌ ) .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإغماء :
2 - الإغماء آفةٌ تعطّل القوى المدركة عن أفعالها مع بقاء العقل مغلوباً .
ب - التّخدير :
3 - التّخدير تغشية العقل من غير شدّةٍ مطربةٍ .
ج- التّفتير :
4 - المفتّر ما من شأنه أن يضعف الأعضاء ويليّن الجسم بشدّةٍ ويسكّن حدّته .
الحكم الإجماليّ :

(5/308)


5 - تعاطي ما يحدث الإسكار محرّمٌ موجبٌ للحدّ ، حيث لا توجد شبهةٌ مسقطةٌ له . أمّا عند أبي حنيفة فالخمر محرّمةٌ بالنّصّ ، ويحدّ شارب القليل والكثير منها . وأمّا غير الخمر فلا يحرم ، ولا يحدّ شاربه إلاّ بالقدر الّذي أسكر فعلاً . وتفصيل ذلك في ( أشربةٌ ) .
كما أنّ للسّكر أثراً في التّصرّفات القوليّة الفعليّة ، كالطّلاق والبيوع والرّدّة والخطابات وغيرهما . وينظر في الملحق الأصوليّ ، باعتباره من عوارض الأهليّة ، وفي الحدود .
مواطن البحث :
6 - يبحث موضوع الإسكار في حدّ الشّرب ، عند الكلام عن ضابط الإسكار ، وفي أوصاف الخمريّة ، وفي علّة حدّ شارب الخمر ، وفي السّرقة عند أثر الإسكار في الإحراز .

إسكانٌ *
انظر : سكنى .
إسلامٌ *
التعريف :
1 - من معاني الإسلام في اللّغة : الإذعان والانقياد ، والدّخول في السّلم ، أو في دين الإسلام . والإسلام يكون أيضاً بمعنى : الإسلاف ، أي عقد السّلم ، يقال : أسلمت إلى فلانٍ في عشرين صاعاً مثلاً ، أي اشتريتها منه مؤجّلةً بثمنٍ حالٍّ .
أمّا في الشّرع فيختلف معناه تبعاً لوروده منفرداً ، أو مقترناً بالإيمان .
فمعناه منفرداً : الدّخول في دين الإسلام ، أو دين الإسلام نفسه . والدّخول في الدّين هو استسلام العبد للّه عزّ وجلّ باتّباع ما جاء به الرّسول صلى الله عليه وسلم من الشّهادة باللّسان ، والتّصديق بالقلب ، والعمل بالجوارح .
ومعناه إذا ورد مقترناً بالإيمان هو : أعمال الجوارح الظّاهرة ، من القول والعمل كالشّهادتين والصّلاة وسائر أركان الإسلام . وإذا انفرد الإيمان يكون حينئذٍ بمعنى : الاعتقاد بالقلب والتّصديق باللّه تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشرّه مع الانقياد .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الإيمان :

(5/309)


2 - سبق تعريف الإسلام منفرداً ومقترناً بالإيمان . وهذا يتأتّى في تعريف الإيمان أيضاً . فالإيمان منفرداً : هو تصديق القلب بما جاء به الرّسول صلى الله عليه وسلم والإقرار باللّسان والعمل به . أمّا إذا اقترن بالإسلام فإنّ معناه يقتصر على تصديق القلب ، كما جاء في حديث سؤال جبريل ونصّه : عن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه قال : « بينما نحن جلوسٌ عند رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذات يومٍ ، إذ طلع علينا رجلٌ شديد بياض الثّياب ، شديد سواد الشّعر ، لا يرى عليه أثر السّفر ، ولا يعرفه منّا أحدٌ ، حتّى جلس إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم فأسند ركبتيه إلى ركبتيه ، ووضع كفّيه على فخذيه ، وقال : يا محمّد أخبرني عن الإسلام ، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم : الإسلام : أن تشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّ محمّداً رسول اللّه ، وتقيم الصّلاة ، وتؤتي الزّكاة ، وتصوم رمضان ، وتحجّ البيت إن استطعت إليه سبيلاً . قال : صدقت . قال : فعجبنا له يسأله ويصدّقه ، قال : فأخبرني عن الإيمان ، قال : أن تؤمن باللّه ، وملائكته وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، وتؤمن بالقدر خيره وشرّه ، قال : صدقت » . الحديث .
إطلاق الإسلام على ملل الأنبياء السّابقين وأتباعهم :
3 - اختلف علماء الإسلام في ذلك ، فبعضهم يرى أنّ الإسلام يطلق على الملل السّابقة . واحتجّ بقوله تعالى : { شرع لكم من الدّين ما وصّى به نوحاً والّذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدّين ولا تتفرّقوا فيه } الآية ، وآياتٍ أخرى .
ويرى آخرون : أنّه لم توصف به الأمم السّابقة ، وإنّما وصف به الأنبياء فقط ، وشرّفت هذه الأمّة بأن وصفت بما وصف به الأنبياء ، تشريفاً لها وتكريماً .

(5/310)


ووجه اختصاص الأمّة المحمّديّة بهذا الاسم " الإسلام " هو : أنّ الإسلام اسمٌ للشّريعة المشتملة على العبادات المختصّة بهذه الأمّة ، من الصّلوات الخمس ، وصوم رمضان ، والغسل من الجنابة ، والجهاد ، ونحوها . وذلك كلّه مع كثيرٍ غيره خاصٍّ بهذه الأمّة ، ولم يكتب على غيرها من الأمم ، وإنّما كتب على الأنبياء فقط . ويؤكّد هذا المعنى - وهو اختصاص الأمّة المحمّديّة باسم الإسلام - قوله تعالى : { ملّة أبيكم إبراهيم هو سمّاكم المسلمين } . فالضّمير ( هو ) يرجع لإبراهيم عليه السلام ، كما يراه علماء السّلف لسابقيّة قوله في الآية الأخرى : { ربّنا واجعلنا مسلمين لك ، ومن ذرّيّتنا أمّةً مسلمةً لك } . فدعا بذلك لنفسه ولولده ، ثمّ دعا لأمّةٍ من ذرّيّته ، وهي هذه الأمّة فقال : { ربّنا وابعث فيهم رسولاً منهم } الآية ، وهو سيّدنا محمّدٌ صلى الله عليه وسلم فاستجاب اللّه دعاءه ، فبعث محمّداً إليهم ، وسمّاهم مسلمين . فاتّفق أئمّة السّلف على أنّ اللّه تعالى لم يذكر أمّةً بالإسلام غير هذه الأمّة ، ولم يسمع بأمّةٍ ذكرت به غيرها .
4 - وقال الإمام ابن تيميّة : وقد تنازع النّاس فيمن تقدّم من أمّة موسى وعيسى هل هم مسلمون أم لا ؟ فالإسلام الحاضر الّذي بعث اللّه به محمّداً صلى الله عليه وسلم المتضمّن لشريعة القرآن ، ليس عليه إلاّ أمّة محمّدٍ صلى الله عليه وسلم والإسلام اليوم عند الإطلاق يتناول هذا .

(5/311)


وأمّا الإسلام العامّ المتناول لكلّ شريعةٍ بعث اللّه بها نبيّاً ، فإنّه إسلام كلّ أمّةٍ متّبعةٍ لنبيٍّ من الأنبياء . وعلى هذا الأساس يمكن أن تفهم كلّ الآيات الكريمة الّتي تعرّض فيها القرآن الكريم لهذه الكلمة مستعملةً بالنّسبة للأمم الأخرى ، إمّا على أنّها تشير إلى المعنى اللّغويّ لمادّة أسلم ، أو أنّها تشير إلى المعنى المشترك بين الشّرائع السّماويّة كلّها الّذي بعث اللّه به جميع الرّسل ، وإليه الإشارة في كثيرٍ من الآيات ، ومنها قوله تعالى : { ولقد بعثنا في كلّ أمّةٍ رسولاً أن اعبدوا اللّه واجتنبوا الطّاغوت } .
أثر الدّخول في الإسلام في التّصرّفات السّابقة :
5 - الأصل أنّ تصرّفات غير المسلمين مع المسلمين وغيرهم صحيحةٌ إلاّ ما جاء الإسلام بإبطاله ، كما يعلم في أبواب الفقه المختلفة .
وإذا كان من دخل في الإسلام متزوّجاً بأكثر من أربعٍ ، أو بمن يحرم الجمع بينهنّ ، كأختين ، فإنّه يجب عليه أن يفارق ما زاد على أربعٍ ، أو إحدى الأختين . واستدلّ له القرافيّ « بقول النّبيّ عليه الصلاة والسلام لغيلان لمّا أسلم على عشر نسوةٍ : أمسك أربعاً وفارق سائرهنّ » . وهل يلزمه فراق من عدا الأربع الّتي تزوّجهنّ أوّلاً ، أو من شاء ؟ في ذلك خلافٌ يرجع إليه في بابه . وكذلك في مسألة فراق أيّ الأختين شاء .
وإذا أسلم الزّوجان الكافران معاً ، قبل الدّخول أو بعده ، فهما على نكاحهما ، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم . إذا أسلم زوج الكتابيّة قبل الدّخول أو بعده ، أو أسلما معاً ، فالنّكاح باقٍ بحاله ، سواءٌ أكان زوجها كتابيّاً أو غير كتابيٍّ ، لأنّ للمسلم أن يبتدئ نكاح كتابيّةٍ ، فاستدامته أولى ، ولا خلاف في هذا بين القائلين بإجازة نكاح الكتابيّة .

(5/312)


وأمّا إن أسلمت الكتابيّة قبله وقبل الدّخول ، تعجّلت الفرقة ، سواءٌ أكان زوجها كتابيّاً أو غير كتابيٍّ ، إذ لا يجوز لكافرٍ نكاح مسلمةٍ . قال ابن المنذر : أجمع على هذا كلّ من نحفظ عنه من أهل العلم ، والصّحيح أنّ في المسألة خلاف أبي حنيفة ، إذا كان في دار الإسلام ، فإنّه لا فرقة إلاّ بعد أن يعرض عليه الإسلام فيأبى . وإن كان إسلامهما بعد الدّخول فالحكم فيه كالحكم فيما لو أسلم أحد الزّوجين الوثنيّين على ما يأتي :
6 - وإذا أسلم أحد الزّوجين الوثنيّين ، أو المجوسيّين ، أو كتابيٌّ متزوّجٌ بوثنيّةٍ ، أو مجوسيّةٌ قبل الدّخول ، تعجّلت الفرقة بينهما من حين إسلامه ، ويكون ذلك فسخاً لا طلاقاً . وهذا مذهب أحمد والشّافعيّ . وقال الحنفيّة : لا تتعجّل الفرقة ، بل إن كانا في دار الإسلام عرض الإسلام على الآخر ، فإن أبى وقعت الفرقة حينئذٍ ، وإن أسلم استمرّت الزّوجيّة ، وإن كانا في دار الحرب وقف ذلك على انقضاء ثلاث حيضٍ ، أو مضيّ ثلاثة أشهرٍ ، وليست عدّةً ، فإن لم يسلم الآخر وقعت الفرقة . وقال مالكٌ : إن كانت هي المسلمة عرض عليه الإسلام ، أسلم وإلاّ وقعت الفرقة ، وإن كان هو المسلم تعجّلت الفرقة .
أمّا إن كان إسلام أحد الزّوجين الوثنيّين أو المجوسيّين أو زوجة الكتابيّ ، بعد الدّخول ، ففي المسألة ثلاثة اتّجاهاتٍ :
الأوّل : يقف الأمر على انقضاء العدّة ، فإن أسلم الآخر قبل انقضائها فهما على النّكاح ، وإن أسلم حتّى انقضت العدّة وقعت الفرقة منذ اختلف الدّينان ، فلا يحتاج إلى استئناف العدّة . وهذا قول الشّافعيّ ، وروايةٌ عن أحمد .
الثّاني . تتعجّل الفرقة . وهذا روايةٌ عن أحمد وقول الحسن وطاووسٍ .

(5/313)


الثّالث : يعرض الإسلام على الآخر إن كان في دار الإسلام ، وهو قول أبي حنيفة ، كقوله في إسلام أحدهما قبل الدّخول ، إلاّ أنّ المرأة إذا كانت في دار الحرب ، فانقضت مدّة التّربّص ، وهي ثلاثة أشهرٍ أو ثلاثة حيضٍ ، وقعت الفرقة ، ولا عدّة عليها بعد ذلك ، لأنّه لا عدّة على الحربيّة . وإن كانت هي المسلمة ، فخرجت إلينا مهاجرةً ، فتمّت الحيض هنا ، فكذلك عند أبي حنيفة . وقال الصّاحبان : عليها العدّة .
ما يلزم الكافر إذا أسلم من التّكاليف السّابقة على الإسلام :
7 - قال القرافيّ : إنّ أحوال الكافر مختلفةٌ إذا أسلم ، فيلزمه ثمن البياعات ، وأجر الإجارات ، ودفع الدّيون الّتي اقترضها ونحو ذلك ، ولا يلزمه من حقوق الآدميّين القصاص ، ولا الغصب والنّهب إن كان حربيّاً . وأمّا الذّمّيّ فيلزمه جميع المظالم وردّها ، لأنّه عقد الذّمّة وهو راضٍ بمقتضى عقد الذّمّة . وأمّا الحربيّ فلم يرض بشيءٍ ، فلذلك أسقطنا عنه الغصوب والنّهوب والغارات ونحوها .
وأمّا حقوق اللّه تعالى ممّا تقدّم في كفره ، فلا تلزمه وإن كان ذمّيّاً لا ظهارٌ ولا نذرٌ ولا يمينٌ من الأيمان ، ولا قضاء الصّلوات ، ولا الزّكوات ، ولا شيءٍ فرّط فيه من حقوق اللّه تعالى ، لقوله عليه الصلاة والسلام : « الإسلام يجبّ ما كان قبله » وضابط الفرق : أنّ حقوق العباد قسمان : منها ما رضي به حالة كفره ، واطمأنّت نفسه بدفعه لمستحقّه ، هذا لا يسقط بالإسلام ، لأنّ إلزامه إيّاه ليس منفّراً له عن الإسلام لرضاه . وما لم يرض بدفعه لمستحقّه ، كالقتل والغصب ونحو ، فإنّ هذه الأمور إنّما دخل عليها معتمداً على أنّه لا يوفّيها أهلها ، فهذا كلّه يسقط ، لأنّ في إلزامه ما لم يعتقد لزومه تنفيراً له عن الإسلام ، فقدّمت مصلحة الإسلام على مصلحة ذوي الحقوق .

(5/314)


وأمّا حقوق اللّه تعالى فتسقط مطلقاً رضي بها أم لا . والفرق بينها وبين حقوق الآدميّين من وجهين : أحدهما : أنّ الإسلام حقٌّ للّه تعالى ، والعبادات حقٌّ للّه تعالى ، فلمّا كان الحقّان لجهةٍ واحدةٍ ناسب أن يقدّم أحدهما على الآخر ، ويسقط أحدهما الآخر ، لحصول الحقّ الثّاني لجهة الحقّ السّاقط . وأمّا حقّ الآدميّين فلجهة الآدميّين ، والإسلام ليس حقّاً لهم ، بل لجهة اللّه تعالى ، فناسب ألاّ يسقط حقّهم بتحصيل حقّ غيرهم .
وثانيهما : أنّ اللّه تعالى كريمٌ جوادٌ ، تناسب رحمته المسامحة ، والعبد بخيلٌ ضعيفٌ ، فناسب ذلك التّمسّك بحقّه ، فسقطت حقوق اللّه تعالى مطلقاً ، وإن رضي بها ، كالنّذور والأيمان ، أو لم يرض بها كالصّلوات . ولا يسقط من حقوق العباد إلاّ ما تقدّم الرّضى به ، فهذا هو الفرق بين القاعدتين .
الآثار اللاّحقة لدخول الإسلام :
8 - إذا أسلم الكافر أصبح كغيره من المسلمين ، له ما لهم من الحقوق ، وعليه ما عليهم من الواجبات . فتلزمه التّكاليف الشّرعيّة ، كالعبادات والجهاد . إلخ . وتجري عليه أحكام الإسلام ، كإباحة تولّي الولايات العامّة كالإمامة ، والقضاء ، والولايات الخاصّة الواقعة على المسلمين ... إلخ .
الأثر المترتّب على الإسلام فيما يتعلّق بالتّكاليف الشّرعيّة كالعبادات والجهاد وغيرها :
9 - الكافر في حال كفره هل هو مخاطبٌ بفروع الشّريعة ومكلّفٌ بها أم لا ؟ قال النّوويّ : المختار أنّ الكفّار مخاطبون بفروع الشّريعة المأمور بها ، والمنهيّ عنها ، ليزداد عذابهم في الآخرة . ويستوفي المسألة علماء الأصول في مباحث التّكليف ، فليرجع إليها .

(5/315)


فإذا أسلم الكافر فإنّه يعصم بذلك نفسه وماله وأولاده الصّغار ، كما في الحديث المعروف : « أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا : لا إله إلاّ اللّه ، فمن قالها فقد عصم منّي ماله ونفسه إلاّ بحقّه ، وحسابه على اللّه » وفي روايةٍ أخرى : « فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم ، إلاّ بحقّها ، لهم ما للمسلمين ، وعليهم ما على المسلمين » فتثبت هذه العصمة للنّفس مباشرةً ، وللمال تبعاً لعصمة النّفس ، وتجري عليه أحكام الشّريعة الجارية على المسلمين تلك الّتي كانت ممنوعةً عنه بالكفر .
ويحصل التّوارث بينه وبين أقاربه المسلمين ، فيرثهم إن ماتوا ، ويرثونه كذلك . لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « لا يرث المسلم الكافر ولا الكافر المسلم » ولانعقاد الإجماع على ذلك . كما أنّه يحرم من إرث أقاربه الكفّار ، ويحلّ له تزوّج المسلمة ، كما يحرم عليه تزوّج المشركة من غير أهل الكتاب ، أي الوثنيّة .
وتبطل - في حقّ من أسلم - ماليّة الخمر والخنزير بعدما كان له ذلك ، وتلزمه جميع التّكاليف الشّرعيّة وفي مقدّمتها أركان الإسلام : الصّلاة والزّكاة والصّوم والحجّ ، أصولاً وفروعاً ، بالنّسبة لجميع التّكاليف . وكذلك يفرض عليه الجهاد ، بعدما كان غير مطالبٍ به ، لحديث : « من مات ولم يغز ، ولم يحدّث به نفسه ، مات على شعبةٍ من نفاقٍ » وتحلّ الصّلاة خلفه ، والصّلاة عليه إذا مات ، وغسله وكفنه ودفنه في مقابر المسلمين ، إلى غير هذا من أحكامٍ تعرّضت لها كتب الفقه في كلّ المذاهب .
10 - إذا باع ذمّيٌّ لآخر خمراً وخنزيراً ، ثمّ أسلما ، أو أسلم أحدهما قبل القبض ، يفسخ البيع ، لأنّه بالإسلام حرم البيع والشّراء ، فيحرم القبض والتّسليم أيضاً ، أخذاً من قوله تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا اتّقوا اللّه وذروا ما بقي من الرّبا إن كنتم مؤمنين } .

(5/316)


وقال ابن رشدٍ : لو أسلموا لأحرزوا بإسلامهم ما بأيديهم من الرّبا وثمن الخمر والخنزير ، لقول اللّه تعالى : { فمن جاءه موعظةٌ من ربّه فانتهى فله ما سلف } .
كما يجب على الّذي أسلم أن يهجر بلد الكفر وبلد الحرب . قال ابن رشدٍ : لقد وجب بالكتاب والسّنّة والإجماع على من أسلم ببلد الكفر أن يهجره ، ويلحق بدار المسلمين ، ولا يسكن بين المشركين ، ويقيم بين أظهرهم ، وذلك إذا كان لا يتمكّن من إقامة شعائر دينه ، أو يجبر على أحكام الكفر . وانظر تفصيل ذلك في مصطلح ( هجرةٌ ) .
ما يشترط لصحّته الإسلام :
11 - ممّا يشترط الإسلام لصحّته من التّصرّفات :
( 1 ) العقد على المرأة المسلمة .
( 2 ) ولاية عقد نكاحها .
( 3 ) الشّهادة على عقد نكاحها .
( 4 ) شركة المفاوضة ، وهي أن يتساوى الشّركاء في المال والدّين والتّصرّف . وأجازها أبو يوسف بين المسلم والذّمّيّ .
( 5 ) الوصيّة بمصحفٍ أو ما بمعناه ، فلا بدّ من كون الموصى له مسلماً .
( 6 ) النّذر ، فيشترط إسلام النّاذر ، لأنّ النّذر لا بدّ أن يكون قربةً ، وفعل الكافر لا يوصف بكونه قربةً . وهذا مذهب الحنفيّة والمالكيّة وظاهر مذهب الشّافعيّة . ويصحّ عند الحنابلة . قال صاحب كشّاف القناع : ويصحّ النّذر من كافرٍ ولو بعبادةٍ ، لحديث عمر رضي الله عنه قال : « قلت يا رسول اللّه : إنّي كنت نذرت في الجاهليّة أن أعتكف ليلةً ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : أوف بنذرك » .
(7) القضاء بين المسلمين .
(8) الولايات العامّة كلّها ، وهي الخلافة ، وما تفرّع منها ، من الولاية وإمارة الجيوش ، والوزارة والشّرطة ، والدّواوين الماليّة ، والحسبة ، وذلك لقوله تعالى : { ولن يجعل اللّه للكافرين على المؤمنين سبيلاً } .

(5/317)


(9) الشّهادة على المسلمين في غير حال ضرورة الوصيّة في السّفر ، لقوله تعالى : { واستشهدوا شهيدين من رجالكم } أي من رجال المسلمين . وقال الإمام ابن قيّم الجوزيّة الحنبليّ : أجاز اللّه سبحانه شهادة الكفّار على المسلمين في السّفر في الوصيّة للحاجة بقوله تعالى : { أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض } . ثمّ قال : وقول الإمام أحمد في قبول شهادته في هذا الموضع ضرورةٌ حضراً وسفراً ، ولو قيل تقبل شهادتهم مع أيمانهم في كلّ شيءٍ عدم فيه المسلمون لكان له وجهٌ ، ويكون بدلاً مطلقاً .
ب - الدّين ، أو الملّة :
12 - من معاني الدّين لغةً : العادة والسّيرة والحساب والطّاعة والملّة . وقد وردت هذه الكلمة في القرآن الكريم بمعانٍ متعدّدةٍ .
التّوحيد : كما في قوله تعالى : { إنّ الدّين عند اللّه الإسلام } .
الحساب : كقوله تعالى : { الّذين يكذّبون بيوم الدّين } .
الحكم : كقوله تعالى : { كذلك كدنا ليوسف ما كان ليأخذ أخاه في دين الملك } .
الملّة : كقوله تعالى : { هو الّذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحقّ } .
وكقوله تعالى : { وذلك دين القيّمة } يعني الملّة المستقيمة .
واصطلاحاً : يطلق الدّين على الشّرع ، كما يطلق على ملّة كلّ نبيٍّ . وقد يخصّ بملّة الإسلام ، كما قال تعالى : { إنّ الدّين عند اللّه الإسلام } .
13 - وعلى ضوء هذه المعاني اللّغويّة ، وعلى ضوء التّوجيه القرآنيّ الّذي سلك في استعمال هذه الكلمة بالمعاني الّتي ذكرناها ، أو بغيرها الّتي اشتمل عليها القرآن ، لا نكاد نلمس قرقاً جوهريّاً بين مسمّى الإسلام ومسمّى الدّين ، ما عدا العموم والخصوص .
ما يُخْرِج المرء عن الإسلام :

(5/318)


14 - كلّ ما يصير الكافر بالإقرار به مسلماً يكفر المسلم بإنكاره . وكذا كلّ ما يقطع الإسلام من نيّة كفرٍ ، أو قول كفرٍ ، أو فعل كفرٍ ، سواءٌ استهزاءً أم اعتقاداً أم عناداً . وقال القاضي أبو بكر بن العربيّ : كلّ من فعل فعلاً من خصائص الكفّار على أنّه دينٌ ، أو ترك فعلاً من أفعال المسلمين يدلّ على إخراجه من الدّين ، فهو كافرٌ بهذين الاعتقادين لا بالفعلين .
وفي الدّرّ المختار : لا يخرج الرّجل من الإيمان إلاّ جحود ما أدخله فيه ، ثمّ ما تيقّن أنّه ردّةٌ يحكم بها ، وما يشكّ أنّه ردّةٌ لا يحكم به ، إذ الإسلام الثّابت لا يزول بالشّكّ ، مع أنّ الإسلام يعلو ولا يعلى عليه . وفي الخلاصة وغيرها ، إذا كان في المسألة وجوهٌ توجب التّكفير ووجهٌ واحدٌ يمانعه فعلى المفتي أن يميل إلى الوجه الّذي يمنع التّكفير تحسيناً للظّنّ بالمسلم ، إلاّ إذا صرّح بإرادة موجب الكفر فلا ينفع التّأويل . وللتّفصّل يرجع إلى مصطلح ( ردّةٌ ) .
ما يصير به الكافر مسلماً :
15 - ذكر الفقهاء أنّ هناك طرقاً ثلاثةً يحكم بها على كون الشّخص مسلماً وهي :
النّصّ - والتّبعيّة - والدّلالة .
أمّا النّصّ فهو أن يأتي بالشّهادتين صريحاً .
وأمّا التّبعيّة فهي أن يأخذ التّابع حكم المتبوع في الإسلام ، كما يتّبع ابن الكافر الصّغير أباه إذا أسلم مثلاً ، وسيأتي الكلام عليها مستوفًى .
وأمّا طريق الدّلالة فهي سلوك طريق الفعل للدّخول في الإسلام .
أوّلاً : الإسلام النّصّ :
وهو النّطق بالشّهادتين وما يقوم مقام النّطق ، والبرء من كلّ دينٍ غير دين الإسلام .

(5/319)


16 - يكفي كلّ الكفاية التّصريح بالشّهادة بوحدانيّة اللّه تعالى وتقديسه ، مدعّماً بالتّصديق الباطنيّ والاعتقاد القلبيّ الجازم بالرّبوبيّة والإقرار بالعبوديّة له تعالى ، والتّصريح كذلك بكلمة الشّهادة برسالة محمّدٍ صلى الله عليه وسلم وبما جاء به من عند اللّه من أصول العقائد وشرائع الإسلام ، من صلاةٍ وزكاةٍ وصيامٍ وحجٍّ ، فليس هناك عنوانٌ في قوّته ودلالته على التّحقّق من هذه العقيدة الكاملة أصرح من النّطق بصيغتي الشّهادتين : " أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأشهد أنّ محمّداً رسول اللّه ".
فالكافر الّذي أنار اللّه بصيرته وأشرقت على قلبه أنوار اليقين ، ويريد أن يعتنق الإسلام فلا بدّ له من التّلفّظ بالشّهادتين عند التّمكّن والقدرة على ذلك ، بخلاف غير القادر كالأخرس ، ومن غير المتمكّن كالخائف والشّرق ومن عاجلته المنيّة ، وكلّ من قام به عذرٌ يمنعه النّطق ، فنصدّق عذره إن تمسّك به بعد زوال المانع . ولا لزوم لأن تكون صيغتهما بالعربيّة حتّى بالنّسبة لمن يحسنها . وأمّا من يرى اختصاص رسالة محمّدٍ صلى الله عليه وسلم بالعرب ، فلا بدّ أن يقرّ بعموم رسالته . وأمّا المسلم أصالةً ، أي من كان من أبناء المسلمين ، فهو مسلمٌ تبعاً لوالديه ، ومحمولٌ على ذلك ، ولو لم ينطق بالشّهادتين طوال عمره .
وأوجبها عليه بعضهم ولو مرّةً في العمر .
17 - وقد ذهب جمهور المحقّقين إلى أنّ التّصديق بالقلب كافٍ في صحّة مطلق الإيمان بينه وبين اللّه . وأمّا الإقرار بالشّهادتين فإنّه شرطٌ لإجراء الأحكام الدّنيويّة عليه فقط ، ولا يحكم عليه بكفرٍ إلاّ إن اقترن به فعلٌ يدلّ على كفره كالسّجود للصّنم .

(5/320)


إذن فحكم الإسلام في الظّاهر يثبت بالشّهادتين ، أو ما يؤدّي معناهما لتقام عليه أحكام الشّريعة فيما له وما عليه كما سيأتي . وقد جاء في الحديث الشّريف عن الشّريد بن سويدٍ الثّقفيّ قال : « قلت يا رسول اللّه : إنّ أمّي أوصت أن أعتق عنها رقبةً مؤمنةً ، وعندي جاريةٌ سوداء نوبيّةٌ أفأعتقها ؟ قال : ادعها ، فدعوتها فجاءت فقال : من ربّك ؟ قالت : اللّه ، قال : فمن أنا ؟ قالت : رسول اللّه ، قال : اعتقها فإنّها مؤمنةٌ » .
وقد قال الإمام النّوويّ : اتّفق أهل السّنّة من المحدّثين والفقهاء والمتكلّمين على أنّ المؤمن الّذي يحكم بأنّه من أهل القبلة ولا يخلّد في النّار لا يكون إلاّ من اعتقد بقلبه دين الإسلام اعتقاداً جازماً حاليّاً من الشّكوك ونطق بالشّهادتين .
18 - فإن اقتصر على إحداهما لم يكن من أهل القبلة إلاّ إذا عجز عن النّطق لخللٍ في لسانه ، أو لعدم التّمكّن منه لمعاجلة المنيّة له ، أو لغير ذلك فإنّه يكون مؤمناً ، أمّا إذا أتى بالشّهادتين فلا يشترط معهما أن يقول : أنا بريءٌ من كلّ دينٍ خالف الإسلام ، إلاّ إذا كان من الكفّار الّذين يعتقدون اختصاص رسالة سيّدنا محمّدٍ صلى الله عليه وسلم للعرب ، فإنّه لا يحكم بإسلامه إلاّ بأن يستبرأ . أمّا إذا اقتصر على قوله : لا إله إلاّ اللّه ، ولم يقل : محمّدٌ رسولٌ اللّه ، فالمشهور من مذهب الشّافعيّ ومذاهب العلماء أنّه لا يكون مسلماً ، ومن أصحابنا الشّافعيّة من قال : يكون مسلماً ، ويطالب بالشّهادة الأخرى ، فإن أبى جعل مرتدّاً ، ويحتجّ لهذا القول بقوله صلى الله عليه وسلم : « أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يقولوا لا إله إلاّ اللّه ، فمن قالها فقد عصم منّي ماله ونفسه إلاّ بحقّها ، وحسابه على اللّه » .

(5/321)


وهذا محمولٌ عند الجماهير على قول الشّهادتين ، واستغني بذكر إحداهما عن الأخرى لارتباطهما وشهرتهما . وجاء في فتح القدير : سئل أبو يوسف عن الرّجل كيف يسلم ، فقال : يقول أشهد أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّ محمّداً رسول اللّه ، ويقرّ بما جاء من عند اللّه ، ويتبرّأ من الدّين الّذي انتحله . وفيه أنّ النّصرانيّ يقول : أشهد أن لا إله إلاّ اللّه وأنّ محمّداً عبده ورسوله ، ويتبرّأ من النّصرانيّة ، وكذا اليهوديّة وغيرها . وأمّا من في دار الحرب فيحمل على الإسلام إذا قال : محمّدٌ رسول اللّه ، أو قال : دخلت دين الإسلام ، أو دخلت دين محمّدٍ صلى الله عليه وسلم فهو دليل إسلامه ، فكيف إذا أتى بالشّهادتين . وأمّا توبة المرتدّ فهو أن يتبرّأ من كلّ دينٍ غير دين الإسلام ، بعد أن يأتي بالشّهادتين ، وأن يتبرّأ ممّا انتقل إليه .
أركان الإسلام
أركان الإسلام خمسةٌ :
19 - جاءت الآيات القرآنيّة الكريمة مجملةً بالأوامر والأحكام فيما يخصّ هذه الأركان ، وكذلك في السّنّة النّبويّة أحاديث كثيرةٌ ، فمن ذلك ما رواه عمر بن الخطّاب قال : سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : « بني الإسلام على خمسٍ : شهادة أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّ محمّداً رسول اللّه ، وإقام الصّلاة ، وإيتاء الزّكاة ، والحجّ ، وصوم رمضان » . رواه البخاريّ ومسلمٌ . وأيضاً الحديث السّابق المشهور بحديث جبريل .
الرّكن الأوّل : شهادة أن لا إله إلاّ اللّه ، وأنّ محمّداً رسول اللّه :

(5/322)


20 - هذه الشّهادة من أوّل ما يدخل به المرء في الإسلام ، فكانت أوّل واجبٍ على المكلّف يتحتّم عليه أداؤه تصديقاً واعتقاداً ونطقاً . وأئمّة السّلف كلّهم متّفقون على أنّ أوّل ما يؤمر به العبد الشّهادتان . وقد كانت رسالات كلّ الرّسل تدعو إلى التّوحيد الّذي تضمّنته هذه الكلمة ، والإقرار بالألوهيّة والرّبوبيّة للّه سبحانه وتعالى . وقد جاء في القرآن الكريم : { وما أرسلنا من قبلك من رسولٍ إلاّ نوحي إليه أنّه لا إله إلاّ أنا فاعبدون } فكانت هذه الكلمة أوّل ما يدخل به المرء في الإسلام ، وإذا كانت آخر ما يخرج به المسلم من الدّنيا دخل بها الجنّة ، كما قال صلى الله عليه وسلم : « من كان آخر كلامه لا إله إلاّ اللّه دخل الجنّة » . والإيمان أيضاً برسالة محمّدٍ صلى الله عليه وسلم هو إيمانٌ بجميع ما جاء به من عند اللّه وما تتضمّنه رسالته ، وإيمانٌ بجميع الرّسل ، وتصديقٌ برسالاتهم . والجمع بين هذين الأصلين في هذا الرّكن الرّكين الّذي يسبق كلّ الأركان تتحقّق به باقي الأركان .
الرّكن الثّاني : إقام الصّلاة .
21 - الصّلاة لغةً بمعنى الدّعاء ، وقد أضاف الشّرع إلى الدّعاء ما شاء من أقوالٍ وأفعالٍ وسمّي مجموع ذلك الصّلاة ، أو هي منقولةٌ من الصّلة الّتي تربط بين شيئين ، فهي بذلك صلةٌ بين العبد وربّه ، وفرضت ليلة الإسراء بمكّة قبل الهجرة بسنةٍ .
ووجوب الصّلوات الخمس من المعلوم من الدّين بالضّرورة بالكتاب والسّنّة والإجماع . فمن جحدها كلّها أو بعضها فهو كافرٌ مرتدٌّ .
أمّا من أقرّ بوجوبها وامتنع من أدائها ، فقيل : فاسقٌ يقتل حدّاً إن تمادى على الامتناع ، وقيل : من تركها متعمّداً أو مفرّطاً فهو كافرٌ يقتل كفراً .

(5/323)


وقد جاءت الآيات الكثيرة من القرآن الكريم دالّةٌ على ذلك ، منها قوله تعالى : { وأقيموا الصّلاة وآتوا الزّكاة } وقوله تعالى : { إنّ الصّلاة كانت على المؤمنين كتاباً موقوتاً } ، وغيرها كثيرٌ . أمّا الأحاديث النّبويّة فمنها « سئل صلى الله عليه وسلم : أيّ الأعمال أفضل ؟ فقال : الصّلاة لمواقيتها » إلى غير ذلك . ر : ( صلاةٌ ) .
الرّكن الثّالث : إيتاء الزّكاة .
22 - الزّكاة لغةً : النّموّ والزّيادة . يقال : زكا الشّيء إذا نما وكثر ، إمّا حسّاً كالنّبات والمال ، أو معنًى كنموّ الإنسان بالفضائل والصّلاح .
وشرعاً : إخراج جزءٍ من مالٍ مخصوصٍ لقومٍ مخصوصين بشرائط مخصوصةٍ ، وسمّيت صدقة المال زكاةً ، لأنّها تعود بالبركة في المال الّذي أخرجت منه وتنمّيه . وركنيّتها ووجوبها ثابتان بالكتاب والسّنّة والإجماع . فمن جحد وجوبها مرتدٌّ ، لإنكاره ما قام من الدّين ضرورةً . ومن أقرّ بوجوبها وامتنع من أدائها أخذت منه كرهاً ، بأن يقاتل ويؤدّب على امتناعه عن أدائها . وقرنت بالصّلاة في القرآن الكريم في اثنين وثمانين آيةً .
وفرضت في مكّة مطلقةً أوّلاً ، وفي السّنة الثّانية من الهجرة حدّدت الأنواع الّتي تجب فيها ، ومقدار النّصاب في كلٍّ ر : ( زكاةٌ ) .
الرّكن الرّابع : الصّيام .
23 - الصّوم لغةً : مطلق الإمساك والكفّ ، فكلّ من أمسك عن شيءٍ يقال فيه : صام عنه . وفي الشّرع : الإمساك عن شهوتي الفرج والبطن يوماً كاملاً بنيّة التّقرّب .
ووجوبها وركنيّتها ثابتان بالكتاب والسّنّة والإجماع . قال اللّه تعالى : { يا أيّها الّذين آمنوا كتب عليكم الصّيام كما كتب على الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون أيّاماً معدوداتٍ } . وقوله تعالى : { فمن شهد منكم الشّهر فليصمه } . ومن السّنّة قوله صلى الله عليه وسلم : « صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته » ر : ( صيامٌ ) .
الرّكن الخامس : الحجّ .

(5/324)


24 - الحجّ في اللّغة : القصد . وشرعاً : القصد إلى البيت الحرام بشرائط مخصوصةٍ وفي أيّامٍ مخصوصةٍ . والأصل في وجوبه قوله تعالى : { وللّه على النّاس حجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً } وقوله تعالى : { وأتمّوا الحجّ والعمرة للّه } . ومن السّنّة قوله صلى الله عليه وسلم : « إنّ اللّه فرض عليكم الحجّ فحجّوا » .
فركنيّته ووجوبه ثابتان بالكتاب والسّنّة والإجماع ، وهو معلومٌ من الدّين بالضّرورة ، فمن جحد ذلك فهو كافرٌ . ومن أقرّ به وتركه فاللّه حسبه ، لا يتعرّض إليه بشيءٍ ، لتوقّفه على الاستطاعة وسقوطه بعدمها . ر : ( حجٌّ ) .
ثانياً : الإسلام بالتّبعيّة
إسلام الصّغير بإسلام أحد أبويه :
25 - اتّفق الفقهاء على أنّه إذا أسلم الأب وله أولادٌ صغارٌ ، أو من في حكمهم - كالمجنون إذا بلغ مجنوناً - فإنّ هؤلاء يحكم بإسلامهم تبعاً لأبيهم .
وذهب الجمهور ( الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ) إلى أنّ العبرة بإسلام أحد الأبوين ، أباً كان أو أمّاً ، فيحكم بإسلام الصّغار بالتّبعيّة ، لأنّ الإسلام يعلو ولا يعلى عليه ، لأنّه دين اللّه الّذي ارتضاه لعباده . وقال مالكٌ : لا عبرة بإسلام الأمّ أو الجدّ ، لأنّ الولد يشرف بشرف أبيه وينتسب إلى قبيلته . وذهب الشّافعيّة إلى أنّ إسلام الجدّ - وإن علا - يستتبع الحكم بإسلام الأحفاد الصّغار ومن في حكمهم ، ولو كان الأب حيّاً كافراً ، وذلك لقوله تعالى : { والّذين آمنوا واتّبعتهم ذرّيّتهم بإيمانٍ ألحقنا بهم ذرّيّتهم } .
وقال الثّوريّ : إذا بلغ الصّبيّ يخيّر بين دين أبويه ، فأيّهما اختار كان على دينه .
الإسلام بالتّبعيّة لدار الإسلام :

(5/325)


26 - يدخل في ذلك الصّغير إذا سبي ولم يكن معه أحدٌ من أبويه ، إذا أدخله السّابي إلى دار الإسلام . وكذلك لقيط دار الإسلام ، حتّى لو كان ملتقطه ذمّيّاً . وكذلك اليتيم الّذي مات أبواه وكفله أحد المسلمين ، فإنّه يتّبع كافله وحاضنه في الدّين ، كما صرّح بذلك ابن القيّم . وانفرد الحنابلة بأنّ الولد يحكم بإسلامه إذا مات واحدٌ من أبويه الذّمّيّين ، واستدلّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « كلّ مولودٍ يولد على الفطرة ، فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه » .
ثالثاً : الإسلام بالدّلالة :
27 - قال ابن نجيمٍ : الأصل أنّ الكافر متى فعل عبادةً فإن كانت موجودةً في سائر الأديان لا يكون بها مسلماً ، كالصّلاة منفرداً ، والصّوم ، والحجّ الّذي ليس بكاملٍ ، والصّدقة ، ومتى فعل ما اختصّ بشرعنا ، ولو من الوسائل كالتّيمّم . وكذلك ما كان من المقاصد أو من الشّعائر ، كالصّلاة بجماعةٍ والحجّ الكامل والأذان في المسجد وقراءة القرآن ، يكون به مسلماً ، وإليه أشار في المحيط وغيره . وقد اعتبر الفقهاء جملةً من الأفعال تقوم دلالةً على كون الشّخص مسلماً ، ولو لم يعرف عنه النّطق بالشّهادتين .
أ - الصّلاة :
28 - يرى الحنفيّة والحنابلة أنّه يحكم بإسلام الكافر بفعل الصّلاة . لكن قال الحنابلة : يحكم بإسلامه بالصّلاة سواءٌ في دار الحرب أو دار الإسلام ، وسواءٌ صلّى جماعةً أو فرداً ، فإن أقام بعد ذلك على الإسلام ، وإلاّ فهو مرتدٌّ تجري عليه أحكام المرتدّين .

(5/326)


وإن مات قبل ظهور ما ينافي الإسلام فهو مسلمٌ ، يرثه ورثته المسلمون دون الكافرين ، واحتجّوا بقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « إنّي نهيت عن قتل المصلّين » وقوله : « العهد الّذي بيننا وبينهم الصّلاة » وقوله : « من صلّى صلاتنا ، واستقبل قبلتنا ، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الّذي له ذمّة اللّه وذمّة رسوله ، فلا تخفروا اللّه في ذمّته » . فجعلها حدّاً بين الإيمان والكفر ، فمن صلّى فقد دخل في حدّ الإسلام ، ولأنّها عبادةٌ تختصّ بالمسلمين فالإتيان بها إسلامٌ ، كالشّهادتين .
وقال الحنفيّة : لا يحكم بإسلامه بالصّلاة إلاّ إن صلاّها كاملةً في الوقت مأموماً في جماعةٍ ، إلاّ أنّ محمّد بن الحسن يرى أنّه حتّى لو صلّى وحده مستقبل القبلة فإنّه يحكم بإسلامه ، وقال المالكيّة وبعض الشّافعيّة : لا يحكم بإسلام الكافر بمجرّد صلاته ، لأنّ الصّلاة من فروع الإسلام ، فلم يصر مسلماً بفعلها ، كالحجّ والصّيام ، ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « أمرت أن أقاتل النّاس حتّى يشهدوا أن لا إله إلاّ اللّه وأنّي رسول اللّه ، فإذا قالوها عصموا منّي دماءهم وأموالهم إلاّ بحقّها » . وقال بعضهم : إن صلّى في دار الإسلام فليس بمسلمٍ ، لأنّه قد يقصد الاستتار بالصّلاة وإخفاء دينه ، وإن صلّى في دار الحرب فهو مسلمٌ ، لأنّه لا تهمة في حقّة . والدّليل لذلك قوله صلى الله عليه وسلم : « من صلّى صلاتنا ، واستقبل قبلتنا ، وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الّذي له ذمّة اللّه وذمّة رسوله فلا تخفروا اللّه في ذمّته » . وقوله صلى الله عليه وسلم : « إذا رأيتم الرّجل يتعاهد المساجد فاشهدوا له بالإيمان » فإنّ اللّه يقول : { إنّما يعمر مساجد اللّه من آمن باللّه واليوم الآخر وأقام الصّلاة وآتى الزّكاة ولم يخش إلاّ اللّه فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين } .

(5/327)


قال ابن قدامة : من صلّى حكمنا بإسلامه ظاهراً ، أمّا صلاته في نفسه فأمرٌ بينه وبين اللّه تعالى . فالرّجل يتعهّد المساجد ويرتادها لإقامة الصّلوات في أوقاتها والإنصات فيها لما يتلى من آيات اللّه ، وما يلقى فيها من العبر والعظات ، والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر ، مع العلم بأنّ المساجد لا يرتادها إلاّ المؤمنون الطّائعون والمخلصون في إيمانهم للّه ، فلا جرم إن كان هذا الحديث النّبويّ يشير إلى أنّ هذا الارتياد هو أمارةٌ على الإيمان ، يشهد له قوله تعالى : { إنّما يعمر مساجد اللّه من آمن باللّه واليوم الآخر } . الآية .
ب - الأذان :
29 - ويحكم بإسلام الكافر بالأذان في المسجد وفي الوقت ، لأنّه من خصائص ديننا وشعار شرعنا ، وليس لمجرّد أنّه يشتمل على الشّهادتين ، بل لأنّه من قبيل الإسلام بالفعل .
ج - سجود التّلاوة :
30 - ويحكم بإسلام الكافر بسجود التّلاوة ، لأنّه من خصائصنا ، فإنّه سبحانه أخبر عن الكفّار في قوله تعالى : { وإذا قرئ عليهم القرآن لا يسجدون } .
د - الحجّ :
31 - وكذلك لو حجّ ، وتهيّأ للإحرام . ولبّى وشهد المناسك مع المسلمين ، فإنّه يحكم بإسلامه . وإن لبّى ولم يشهد المناسك ، أو شهدها ولم يلبّ ، فلا يحكم بإسلامه .

إسلامٌ *
انظر : سلمٌ .
إسلافٌ *
انظر : سلفٌ .
إسنادٌ *
التعريف :
1 - الإسناد لغةً يكون :
أ - بمعنى إمالة الشّيء إلى الشّيء حتّى يعتمد عليه .
ب - ويأتي أيضاً بمعنى رفع القول إلى قائله ونسبته إليه .
ويأتي اصطلاحاً لمعانٍ :
أ - إعانة الغير ، كالمريض مثلاً ، بتمكينه من التّوكّؤ على المسند ، ونحوه إسناد الظّهر إلى الشّيء . وتفصيل الكلام في الإسناد بهذا المعنى يأتي تحت عنواني : ( استنادٌ ) ( وإعانةٌ ) .
ب - ما يذكر لتقوية القضيّة المدّعاة . والكلام فيه تحت عنواني ( إثباتٌ ) ( وسندٌ ) .

(5/328)


ج - الإضافة ، ومنه قولهم : إسناد الطّلاق إلى وقتٍ سابقٍ وتفصيله في مصطلح ( إضافةٌ ) .
د - الطّريق الموصّل إلى متن الحديث . وبيانه فيما يلي :
الإسناد بمعنى الطّريق الموصّل إلى متن الحديث :
2 - هذا الاصطلاح هو للأصوليّين والمحدّثين ، وله عندهم إطلاقان :
الأوّل : أنّ إسناد الحديث هو ذكر سنده ، وهو ضدّ الإرسال . والسّند : سلسلة رواته بين القائل والرّاوي الأخير . وهذا الاصطلاح في الإسناد هو الأشهر عند المحدّثين .
الثّاني : ونقله ابن الصّلاح عن ابن عبد البرّ ، أنّ الإسناد هو رفع الحديث إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم . فمقابل الحديث المسند - على هذا القول - الحديث الموقوف ، وهو ما لم يرفع إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم . بل هو من قول الصّحابيّ .
والمقطوع : وهو ما انتهى إلى التّابعيّ .
العلاقة بين الإسناد والسّند :
3 - السّند :
السّند هو الطّريق الموصّل إلى متن الحديث . والمراد بالطّريق : سلسلة رواة الحديث ، والمراد بمتن الحديث : ألفاظ الحديث المرويّة . وأمّا الإسناد فهو ذكر ذلك الطّريق وحكايته والإخبار به . فبين ( الإسناد ) ( والسّند ) تباينٌ . وهذا الوجه هو المشهور في التّفريق بين الاصطلاحين . قال السّخاويّ : هو الحقّ .
ونقل السّيوطيّ في التّفريق بين الاصطلاحين خلاف هذا . قال : قال ابن جماعة والطّيبيّ : السّند هو الإخبار عن طريق المتن ، وأمّا الإسناد فهو رفع الحديث إلى قائله . هذا ما نصّوا عليه في الفرق بين الاصطلاحين ، ولكن باستقراء مواضع من كلام المحدّثين نجدهم يستعملون الإسناد بمعنى السّند كثيراً بنوعٍ من التّساهل أو المجاز ، حتّى لقد قال ابن جماعة : المحدّثون يستعملون السّند والإسناد بمعنًى واحدٍ .
منزلة الإسناد :

(5/329)


4 - يقول الأصوليّون : إنّ الاحتجاج بالسّنة موقوفٌ بالنّسبة إلينا على السّند ، بأن يقول المحتجّ بها : حدّثني فلانٌ من غير واسطةٍ ، أو بواسطةٍ أنّه صلى الله عليه وسلم قال : أو فعل ، أو أقرّ كذا .. وإن لم يكن الاحتجاج موقوفاً على السّند بالنّسبة إلى الصّحابة ، أي لسماعهم الأحاديث من النّبيّ صلى الله عليه وسلم مباشرةً . ومباشرتهم لرؤية أفعاله . وهذا في غير المتواتر ، أمّا المتواتر فيغني تواتره عن بيان إسناده . وقد نقل مسلمٌ في مقدّمة صحيحه عن عبد اللّه بن المبارك رضي الله عنه أنّه قال : الإسناد من الدّين ، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء . وقال الشّافعيّ رضي الله عنه : الّذي يطلب الحديث بلا سندٍ كحاطب ليلٍ يحمل حزمة حطبٍ وفيه أفعى وهو لا يدري .
5 - وإنّما احتيج إلى الإسناد للحاجة إلى ضبط المرويّات والتّوثّق منها ، وظهرت تلك الحاجة بعدما شرع أهل الأهواء في افتراء أحاديث يقوّون بها ما يذهبون إليه .
قال ابن سيرين : لم يكونوا يسألون عن الإسناد ، فلمّا وقعت الفتنة قالوا : سمّوا لنا رجالكم ، فينظر إلى أهل السّنّة فيؤخذ حديثهم ، وإلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم .
الإسناد وثبوت الحديث :

(5/330)


6 - إن كان إسناد الحديث صحيحاً لم يلزم منه صحّة المتن وثبوته ، لاحتمال كون الحديث شاذّاً ، أو لاحتمال وجود علّةٍ قادحةٍ . فإنّ الحديث إنّما يكون صحيحاً إذا جمع إلى صحّة الإسناد السّلامة من الشّذوذ والعلّة . إلاّ أنّ بعضهم ذكر أنّ أئمّة نقد الحديث إذا قال الواحد منهم في حديثٍ : إنّه صحيح الإسناد ، ولم يقدح فيه فالظّاهر منه الحكم على الحديث بأنّه صحيحٌ في نفسه ، لأنّ عدم العلّة والقادح هو الأصل والظّاهر . كذا ذكره ابن الصّلاح في مقدّمته . ولا يلزم من صحّة الحديث ظاهراً أنّه مقطوعٌ بصحّته في نفس الأمر ، لجواز الخطّ أو النّسيان على الثّقة . ولكنّ إسناد الحديث ليس بشرطٍ لصحّة الحديث المرسل ، ويحتجّ به إن كان الّذي أرسله ثقةٌ ، وهو قول الأئمّة الثّلاثة : أبي حنيفة ومالكٍ وأحمد ، وقيل في تعليل ذلك : من أسند فقد أحالك ، ومن أرسل فقد تكفّل لك ، أي بالصّحّة . ولا يقبله الإمام الشّافعيّ إلاّ إن اعتضد بما يقوّيه . وفي المسألة تفصيلاتٌ أخرى . انظر ( إرسالٌ ) .
والصّحيح أنّ المسند من الأحاديث أقوى من المرسل .
صفات الأسانيد :
7 - يوصف الإسناد بصفاتٍ مختلفةٍ ، فقد يوصف مثلاً بالعلوّ أو بالنّزول . فإن كانت الوسائط قليلةً فهو إسنادٌ عالٍ ، وإن كانت كثيرةً فهو نازلٌ .
كما يوصف الإسناد بالقوّة والصّحّة ، أو بالحسن أو بالضّعف ، وقد يقال : إسنادٌ معنعنٌ ، أو مدلّسٌ ، أو غريبٌ ، أو غير ذلك . ويعرف ذلك كلّه بالرّجوع إلى مواطنه من كتب علوم الحديث أو أبواب السّنّة من الملحق الأصوليّ .
ما يحتاج إلى الإسناد . والإسناد في العصر الحديث :

(5/331)


8 - يحتاج إلى الإسناد كلّ ما يحتجّ به ممّا ليس بمتواترٍ ، ومن ذلك ثبوت القراءات القرآنيّة بالإسناد . ومنه أيضاً ثبوت الأحاديث النّبويّة القوليّة والفعليّة المرويّة بالإسناد . وقد دخل الإسناد في رواية الكتب المؤلّفة في علوم الدّين ، حتّى إنّه دخل في رواية كتب اللّغة والأدب والتّاريخ وغيرها . إلاّ أنّ الإسناد ترك غالباً في هذه الأعصر الأخيرة ، حتّى في كتب الحديث . ولعلّ ذلك اكتفاءً من العلماء بتواتر تلك الكتب عن مؤلّفيها ، كالبخاريّ ومسلمٍ وأبي داود ، أو لشهرتها عنهم ، ممّا يغني عن إيراد الأسانيد ، ونظراً لطول الأسانيد ونزولها بدرجةٍ تضعّفت الثّقة بها ، فلا تكاد تكافئ ما قد يبذل فيها من الجهود . ومع ذلك ففي إحيائها بركة المحافظة على هذه الخصّيصة من خصائص ، الأمّة الإسلاميّة .

إسهامٌ *
التعريف :
1 - الإسهام في اللّغة يأتي بمعنيين : الأوّل : جعل الشّخص صاحب حصّةٍ أو نصيبٍ ، يقال : أسهمت له بألفٍ ، يعني أعطيته ألفاً . ويصبح الشّخص ذا سهمٍ في أمورٍ منها : الميراث ، والقسمة ، والغنيمة ، والفيء ، والنّفقة ، والشّرب إن كان له استحقاقٌ في ذلك .
والثّاني : الإقراع . يقال : أسهم بينهم ، أي أقرع بينهم . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذين المعنيين .
الإسهام بالمعنى الأوّل : جعل الشّخص صاحب حصّةٍ :
2 - الإسهام في جميع حالات الاشتراك ، كالاشتراك في الهدي ، يجعل لكلٍّ من المشتركين سهماً فيه . والاشتراك في العمل يجعل لكلٍّ من المشتركين سهماً من الرّبح أو تحمل الخسارة . كما يثبت الإسهام لكلٍّ من الشّركاء نصيباً في الشّفعة . والاشتراك في الرّهن - إذا رهن عيناً عند اثنين - يجعل لكلٍّ من المرتهنين حظّاً في حفظها .
والاشتراك في الجناية الخطأ يوجب على كلٍّ من الجناة حظّاً من الدّية ، ومن ذلك إسهام العاقلة في تحمّل الدّية في جناية الخطأ . وقد فصّل الفقهاء ذلك في أبوابه الخاصّة به .

(5/332)


الإسهام بالمعنى الثّاني : القرعة :
3 - اتّفق الفقهاء على جواز القرعة إذا كانت لتطييب القلوب ، بل هي مندوبةٌ في ذلك ، كإقراع المسافر بين نسائه لإخراج من يسافر بها منهنّ ، والإقراع بينهنّ لتعيين من يبدأ بها في القسمة ، ونحو ذلك . كما اتّفقوا على مشروعيّة القرعة لتعيين الحقّ في القسمة بعد الإفراز ، قطعاً للخلاف وتطييباً للقلوب .
ولكنّهم اختلفوا في مشروعيّة القرعة لإثبات حقّ البعض وإبطال حقّ البعض الآخر ، كمن طلّق إحدى زوجتيه ثمّ مات ولم يعيّن . فأنكر الحنفيّة أن يتمّ التّعيين بالقرعة ، وأقرّ ذلك غيرهم . وقد فصّل الفقهاء ذلك في أبواب العتق والنّكاح والقسمة والطّلاق .

أسيرٌ *
انظر : أسرى .
إشارةٌ *
التعريف :
1 - الإشارة لغةً : التّلويح بشيءٍ يفهم منه ما يفهم من النّطق ، فهي الإيماء إلى الشّيء بالكفّ والعين والحاجب وغيرها . وأشار عليه بكذا : أبدى له رأيه ، والاسم الشّورى .
وهي عند الإطلاق حقيقةٌ في الحسّيّة ، وتستعمل مجازاً في الذّهنيّة ، كالإشارة بضمير الغائب ونحوه ، فإن عدّي " إلى " تكون بمعنى الإيماء باليد ، ونحوها ، وإن عدّي ب " على " تكون بمعنى الرّأي .
والإشارة في اصطلاح الفقهاء مثلها في اللّغة ، ويستعملها الأصوليّون في مبحث الدّلالات ، ويعرّفون دلالة الإشارة بأنّها : دلالة اللّفظ على ما لم يقصد به ، ولكنّه لازمٌ له . كدلالة قوله تعالى : { لا جناح عليكم إن طلّقتم النّساء ما لم تمسّوهنّ أو تفرضوا لهنّ فريضةً } على صحّة النّكاح بدون ذكر المهر ، لأنّ صحّة الطّلاق فرع صحّة النّكاح .
أمّا عبارة النّصّ فهي المعنى الّذي يتبادر فهمه من صيغته ، ويكون هو المقصود من سياقه ، وسيأتي تفصيل ما يتّصل بذلك في الملحق الأصوليّ .
الألفاظ ذات الصّلة :
أ - الدّلالة :
2 - الدّلالة : كون الشّيء بحيث يفهم منه شيءٌ آخر ، كدلالة اللّفظ على المعنى ، وهي أعمّ من الإشارة .
ب - الإيماء :

(5/333)


3 - الإيماء : مرادفٌ للإشارة لغةً ، وعند الأصوليّين عرّفه بعضهم بأنّه : إلقاء المعنى في النّفس بخفاءٍ .
صفتها : الحكم الإجماليّ :
4 - الإشارة تقوم مقام اللّفظ في أغلب الأمور ، لأنّها تبيّن المراد كالنّطق ، ولكنّ الشّارع يقيّد النّاطقين بالعبارة في بعض التّصرّفات كالنّكاح ، فإذا عجز إنسانٌ عنها ، أقام الشّارع إشارته مقام نطقه في الجملة .
إشارة الأخرس :
5 - إشارة الأخرس معتبرةٌ شرعاً ، وتقوم مقام عبارة النّاطق فيما لا بدّ فيه من العبارة ، إذا كانت معهودةً في جميع العقود كالبيع ، والإجارة ، والرّهن ، والنّكاح ، والحلول : كالطّلاق ، والعتاق ، والإبراء . وغير ذلك كالأقارير - ما عدا الإقرار بالحدود ، ففيه خلافٌ كما يأتي قريباً - والدّعاوى " والإسلام .
وهذا القدر متّفقٌ عليه بين الفقهاء فيما نعلم ، وفي اللّعان والقذف خلافٌ . فقد قال الحنفيّة وبعض الحنابلة : إنّ الإشارة لا تقوم مقام النّطق فيهما ، لأنّ في الإشارة شبهةٌ يدرأ بها الحدّ ، وقال مالكٌ والشّافعيّ وبعض الحنابلة : إشارة الأخرس كنطقه فيهما .
ولا فرق في اعتبار إشارة الأخرس بين أن يكون قادراً على الكتابة ، أو عاجزاً عنها ، ولا بين أن يكون الخرس أصالةً أو طارئاً عند جمهور الفقهاء .
ونقل عن المتولّي من الشّافعيّة : إنّما تعتبر إشارة الأخرس إذا كان عاجزاً عن الكتابة ، لأنّها أضبط . ولم يفرّق المالكيّة بين إشارة الأخرس وكتابته ، فظاهره أنّه لا يشترط لقبول إشارته العجز عن الكتابة .
ويشترط الحنفيّة لقبول إشارته ما يلي :
أ - أن يكون قد ولد أخرس ، أو طرأ عليه الخرس ودام حتّى الموت . وهذه رواية الحاكم عن أبي حنيفة ، وفي هذا من الحرج ما فيه ، وقدّر التّمرتاشيّ الامتداد لسنةٍ .
وفي التتارخانية : أنّه إذا طرأ عليه الخرس ودام حتّى صارت إشارته مفهومةً اعتبرت إشارته كعبارته وإلاّ لم تعتبر .

(5/334)


ب - ألاّ يقدر على الكتابة . جاء في تكملة حاشية ابن عابدين : قال الكمال : قال بعض الشّافعيّة : إن كان يحسن الكتابة لا يقع طلاقه بالإشارة ، لاندفاع الضّرورة بما هو أدلّ على المراد من الإشارة ، وهو قولٌ حسنٌ ، وبه قال بعض مشايخنا .
قال ابن عابدين : بل هذا القول تصريحٌ بما هو مفهومٌ من ظاهر الرّواية ، ففي كافي الحاكم الشّهيد ما نصّه : فإن كان الأخرس لا يكتب ، وكان له إشارةٌ تعرف في طلاقه ، ونكاحه ، وشرائه ، وبيعه فهو جائزٌ ، وإن كان لم يعرف ذلك منه أو شكّ فيه فهو باطلٌ . ثمّ قال : فيفيد أنّه إن كان يحسن الكتابة لا تجوز إشارته .وفي الأشباه والنّظائر : أنّ المعتمد أنّ عدم القدرة على الكتابة ليس شرطاً للعمل بالإشارة .
وقال السّيوطيّ والزّركشيّ من الشّافعيّة : يستثنى من هذه القاعدة المتقدّمة في إقامة إشارة الأخرس مقام نطقه مسائل لا تقوم فيها إشارة الأخرس مقام النّطق ، منها :
( 1 ) إذا خاطب بالإشارة في الصّلاة لا تبطل صلاته في الأصحّ .
( 2 ) إذا نذر بالإشارة لا ينعقد نذره .
( 3 ) إذا شهد بالإشارة لا تقبل شهادته في الأصحّ ، لأنّ إقامتها مقام النّطق للضّرورة ، ولا ضرورة في شهادته لإمكان شهادة النّاطق .
( 4 ) إذا حلف لا يكلّم زيداً فكلّمه بالإشارة لا يحنث .
( 5 ) إذا حلف بالإشارة لا تنعقد يمينه إلاّ في اللّعان .
إقرار الأخرس بما يوجب الحدّ :
6 - اختلف الفقهاء في صحّة إقرار الأخرس بالزّنى وغيره من الحدود . فذهب الشّافعيّة ، والقاضي من الحنابلة ، وابن القاسم من المالكيّة إلى أنّه يحدّ إن أقرّ بالزّنى بإشارته ، قالوا : لأنّ من صحّ إقراره بغير الزّنى صحّ إقراره به . وذهب الحنفيّة إلى أنّه لا يحدّ بإقراره بالزّنى ، لأنّ الإشارة تحتمل ما فهم منها وغيره ، فيكون ذلك شبهةً في درء الحدّ ، والحدود تدرأ بالشّبهات . وتفصيل ذلك في مصطلحي : ( حدودٌ ، وإقرارٌ ) .

(5/335)


إشارة الأخرس بالإقرار بما يوجب القصاص :
7 - إشارته في ذلك مقبولةٌ في قول الفقهاء في القصاص ، لأنّه من حقوق العباد .
تقسيم إشارة الأخرس :
8 - صرّح الشّافعيّة بأنّه إذا كانت إشارة الأخرس بحيث يفهمها كلّ من وقف عليها فهي صريحةٌ . وإن كان يختصّ بفهمها ذوو الفطنة والذّكاء ، فهي كنايةٌ وإن انضمّ إليها قرائن . وتعرف نيّة الأخرس فيما إذا كانت إشارته كنايةً بإشارةٍ أخرى أو كتابةٍ . أمّا إذا لم يفهم إشارته أحدٌ فهي لغوٌ . وعند المالكيّة لا تكون إشارة الأخرس كنايةً ، فإن كانت مفهمةً فهي صريحةٌ وإلاّ فلغوٌ . ولم نعثر للحنفيّة والحنابلة على قسمة الإشارة من الأخرس إلى صريحٍ وكنايةٍ ، وتفصيل ما يخصّ الإشارة في الطّلاق يأتي في بابه .
إشارة الأخرس بقراءة القرآن :
9 - للفقهاء في المسألة اتّجاهان :
الأوّل : يجب تحريك الأخرس لسانه في تكبير الصّلاة وقراءة القرآن ، لأنّ الصّحيح يلزمه النّطق بتحريك لسانه ، فإذا عجز عن أحدهما لزمه الآخر . وهو قول الحنفيّة والشّافعيّة ، وقول القاضي من الحنابلة .
والثّاني : لا يجب عليه ذلك ، وهو مذهب المالكيّة ، وهو المذهب عند الحنابلة .
وخرج بعض الحنفيّة والشّافعيّة على قولهم بوجوب التّحريك ، تحريم تحريك الأخرس لسانه بالقراءة وهو جنبٌ .
الشّهادة بالإشارة :
10 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه لا تجوز شهادة الأخرس بحالٍ ، وإن فهم إشارته كلّ أحدٍ . لأنّ المعتبر في الشّهادة اليقين ، والإشارة لا تخلو عن احتمالٍ . وذهب المالكيّة إلى أنّها تقبل إذا كانت مفهمةً .
معتقل اللّسان :

(5/336)


11 - مذهب الجمهور ، وهو قولٌ عند الحنابلة صوّبه صاحب الإنصاف أنّ معتقل اللّسان - وهو واسطةٌ بين النّاطق والأخرس - إن كان عاجزاً عن النّطق فهو كالأخرس ، وتقوم إشارته المفهمة مقام العبارة ، فإن أوصى بالإشارة ، أو قرئت عليه الوصيّة ، وأشار أن " نعم " صحّت الوصيّة . والمذهب عند الحنابلة أنّ المعتقل اللّسان لا تصحّ وصيّته .
إشارة النّاطق :
12 - من كان مستطيعاً للنّطق ففي إقامة إشارته مقام النّطق اتّجهان :
الأوّل : أنّها لغوٌ في الجملة . وهو مذهب الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة ، إلاّ في مسائل معدودةٍ نصّ عليها الحنفيّة والشّافعيّة أقاموا فيها الإشارة مقام النّطق . وإنّما قالوا بإلغائها ، لأنّها مهما قويت دلالتها فإنّها لا تفيد اليقين الّذي تفيده العبارة ،
ومن المسائل الّتي استثنوها :
أ - إشارة المفتي بالجواب .
ب - أمان الكفّار ، ينعقد بالإشارة تغليباً لحقن الدّم ، فلو أشار المسلم إلى الكافر بالأمان ، فانحاز إلى صفّ المسلمين لم يحلّ قتله .
ج - إذا سلّم عليه في الصّلاة فردّ بالإشارة لم تفسد صلاته .
د - الإشارة بالعدد في الطّلاق .
هـ- لو أشار المحرم إلى الصّيد فصيد ، حرم عليه الأكل منه . وزاد الحنفيّة الإشارة بالإقرار بالنّسب لتشوّف الشّرع إلى إثباته ، وبالإسلام والكفر .
الثّاني : أنّ إشارة النّاطق معتبرةٌ كنطقه ، ما دامت مفهومةً بين النّاس ومتعارفاً بينهم على مدلولها . وقالوا : إنّ التّعاقد بالإشارة أولى من التّعاقد بالأفعال ( التّعاطي ) ، لأنّ الإشارة يطلق عليها أنّها كلامٌ . قال اللّه تعالى : { قال : آيتك ألاّ تكلّم النّاس ثلاثة أيّامٍ إلاّ رمزاً } وهذا مذهب المالكيّة إلاّ في عقد النّكاح خاصّةً ، دون تعيين المنكوحة أو النّاكح .
تعارض عبارة النّصّ مع إشارته :

(5/337)


13 - سبق بيان المراد بعبارة النّصّ وبإشارته ( ر : ف 1 ) ، فإذا تعارضت عبارة نصٍّ وإشارة آخر يرجّح مفهوم العبارة في الجملة ، على خلافٍ وتفصيلٍ ينظر في الملحق الأصوليّ .
ردّ السّلام في الصّلاة :
14 - اختلف الفقهاء في جواز ردّ السّلام في الصّلاة ، فرخّصت طائفةٌ من التّابعين في الرّدّ بالقول كسعيد بن المسيّب والحسن البصريّ وقتادة . وروى عن أبي هريرة أنّه كان إذا سلّم عليه وهو في الصّلاة ردّه حتّى يسمع . وذهب جماعةٌ إلى أنّه يردّ بعد الانصراف من الصّلاة . واتّفق الأئمّة الأربعة على أنّ ردّ السّلام بالقول . في الصّلاة مبطلٌ لها . على اختلافٍ بينهم في بعض التّفصيل . فالرّاجح عند المالكيّة : أنّ الرّدّ بالإشارة واجبٌ .
ويرى الشّافعيّة أنّه يستحبّ الرّدّ بالإشارة . وذهب الأحناف إلى أنّه يكره ردّه بالإشارة باليد ، ولا تفسد به الصّلاة ، جاء في حاشية ابن عابدين : ردّ السّلام بيده لا يفسدها ، خلافاً لمن عزا إلى أبي حنيفة أنّه مفسدٌ ، فإنّه لم يعرف نقله من أحدٍ من أهل المذهب .
وعند الحنابلة يردّ بالإشارة . وقد استدلّ القائلون بالرّدّ بعد الانصراف من الصّلاة بحديث ابن مسعودٍ قال : « كنّا نسلّم على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو في الصّلاة ، فيردّ علينا ، فلمّا رجعنا من عند النّجاشيّ سلّمنا عليه ، فلم يردّ علينا وقال : إنّ في الصّلاة شغلاً » . واستدلّ القائلون بالرّدّ بالإشارة بحديث جابرٍ قال : « إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعثني لحاجةٍ ، ثمّ أدركته وهو يسير فسلّمت عليه فأشار إليّ ، فلمّا فرغ دعاني فقال : إنّك سلّمت عليّ آنفاً وأنا أصلّي » وفي روايةٍ لمسلمٍ : « فلمّا انصرف قال : إنّه لم يمنعني أن أردّ عليك إلاّ أنّي كنت أصلّي » . وحديث ابن عمر عن صهيبٍ أنّه قال : « مررت برسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو يصلّي ، فسلّمت عليه فردّ إليّ إشارةً » .
الإشارة في التّشهّد :

(5/338)


15 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه يستحبّ للمصلّي في التّشهّد الإشارة بسبّابته ، وتسمّى في اصطلاح الفقهاء " المسبّحة " وهي الّتي تلي الإبهام ، ويرفعها عند التّوحيد ولا يحرّكها ، لحديث ابن الزّبير « أنّه صلى الله عليه وسلم كان يشير بأصبعه إذا دعا ، ولا يحرّكها » وقيل يحرّكها ، لحديث وائل بن حجرٍ « أنّه صلى الله عليه وسلم : رفع أصبعه فرأيته يحرّكها » وتفصيل كيفيّة الإشارة من حيث عقد الأصابع أو بسطها ، والتّحريك وعدمه يأتي في ( الصّلاة ) .
إشارة المحرم إلى الصّيد :
16 - إذا أشار المحرم إلى صيدٍ ، أو دلّ حلالاً عليه فصاده حرم على المحرم أكله . وهذا القدر لا يعلم فيه خلافٌ بين الفقهاء ، « لحديث أبي قتادة في قصّة اصطياده وهو غير محرمٍ ، قال : فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : منكم أحدٌ أمره أن يحمل عليها ، أو أشار إليها ؟ قالوا : لا قال : فكلوا ما بقي من لحمها » . وإن لم تكن منه إعانةٌ على قتله بشيءٍ حلّ له الأكل منه عند جمهور الفقهاء للحديث السّابق .
واختلف الفقهاء في وجوب الجزاء على المشير ، فذهب الحنفيّة والحنابلة إلى أنّه يجب عليه الجزاء ، لأنّ الإشارة إلى الصّيد من محظورات الإحرام بدليل تحريم الأكل منه ، فتكون جنايةً على الصّيد بتفويت الأمن على وجهٍ ترتّب عليه قتله ، فصارت كالقتل . وعند المالكيّة والشّافعيّة لا جزاء على المشير ، لأنّ النّصّ علّق الجزاء بالقتل . وليست الإشارة قتلاً .
الإشارة إلى الحجر الأسود والرّكن اليمانيّ :

(5/339)


17 - اتّفق الفقهاء على استحباب استلام الحجر الأسود والرّكن اليمانيّ باليد أو غيرها عند الطّواف ، لحديث « ابن عمر رضي الله عنهما قال : ما تركت استلام هذين الرّكنين في شدّةٍ ولا رخاءٍ منذ رأيت النّبيّ صلى الله عليه وسلم يستلمهما » . كما اتّفقوا على استحباب الإشارة إلى الحجر الأسود عند تعذّر الاستلام ، لحديث ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال : « طاف النّبيّ صلى الله عليه وسلم بالبيت على بعيرٍ ، كلّما أتى على الرّكن أشار إليه » . واختلفوا في الإشارة إلى الرّكن اليمانيّ عند تعذّر الاستلام . فذهب أبو حنيفة وأبو يوسف والمالكيّة والحنابلة إلى أنّه لا يشير إليه إن عجز عن استلامه ، وذهب الشّافعيّة ومحمّد بن الحسن إلى أنّه يشير إلى الرّكن اليمانيّ قياساً على الحجر الأسود .
التّسليم بالإشارة :
18 - لا تحصل سنّة ابتداء السّلام بالإشارة باليد أو الرّأس للنّاطق ، ولا يسقط فرض الرّدّ عنه بها . لأنّ السّلام من الأمور الّتي جعل لها الشّارع صيغاً مخصوصةً ، لا يقوم مقامها غيرها ، إلاّ عند تعذّر صيغتها الشّرعيّة . وتكاد تتّفق عبارات الفقهاء على القول : بأنّه لا بدّ من الإسماع ، ولا يكون الإسماع إلاّ بقولٍ . وقد ورد في الحديث : « لا تسلّموا تسليم اليهود ، فإنّ تسليمهم بالأكفّ والرّءوس والإشارة » . وروى علقمة عن عطاء بن أبي رباحٍ قال : « كانوا يكرهون التّسليم باليد » . يعني الصّحابة رضوان الله عليهم .
أمّا الأصمّ ومن في حكمه ، وغير المقدور على إسماعه كالبعيد ، فالإشارة مشروعةٌ في حقّه ، وقال بعض الفقهاء : إذا سلّم على أصمّ لا يسمع ينبغي أن يتلفّظ بالسّلام ، لقدرته عليه ، ويشير باليد . ويسقط قرض الرّدّ من الأخرس بالإشارة ، لأنّه مقدوره ، ويردّ عليه بالإشارة والتّلفّظ معاً . وانظر مصطلح : ( سلامٌ ) .
الإشارة في أصل اليمين :

(5/340)


19 - لا تنعقد يمين النّاطق بالإشارة ، لأنّها لا تنعقد إلاّ بأسماء اللّه وصفاته .
أمّا الأخرس فذهب بعض الفقهاء إلى أنّ يمينه لا تنعقد . وذهب آخرون إلى أنّه إذا كانت له إشارةٌ مفهمةٌ حلف ، وتصحّ يمينه ، وإن كانت غير مفهمةٍ ، ووجبت عليه يمينه ، وقف حتّى تفهم إشارته . ونسب الزّركشيّ هذا للإمام الشّافعيّ . وانظر مصطلح ( أيمانٌ ) .
إشارة القاضي إلى أحد الخصوم :
20 - لا يجوز للحاكم أن يعمل أعمالاً تسبّب التّهمة وسوء الظّنّ في مجلس الحكم ، ممّا يوهم أنّه يفضّله على خصمه ، كالإشارة لأحد الخصمين باليد ، أو بالعين أو بالرّأس ، لأنّ ذلك يسبّب انكساراً لقلب الخصم الآخر ، وقد يحمله ذلك على ترك الدّعوى واليأس من العدالة ، ممّا يترتّب عليه ضياع حقّه . وهذا محلّ اتّفاقٍ بين الفقهاء .
وقد روى عمر بن شبّة في كتاب قضاة البصرة بإسناده عن أمّ سلمة أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال : « من ابتلي بالقضاء بين المسلمين ، فليعدل بينهم في لحظه وإشارته ومقعده ، ولا يرفع صوته على أحد الخصمين ما لا يرفع على الآخر » وفي روايةٍ : « فليسوّ بينهم في النّظر والإشارة والمجلس » .
إشارة المحتضر إلى الجاني عليه :
21 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّه لا يعتبر قول المحتضر : قتلني فلانٌ ، ولا يكون ذلك لوثاً ، لأنّه لا يقبل دعواه على الغير بالمال ، فلا يقبل ادّعاؤه عليه بالدّم ، ولأنّه مدّعٍ فلا يكون قوله حجّةً على غيره . لحديث : « لو يعطى النّاس بدعواهم لادّعى ناسٌ دماء رجالٍ وأموالهم » فإذا لم تعتبر أقواله فلا تقبل إشارته من باب أولى . وذهب مالكٌ إلى أنّه إذا قال المحتضر الحرّ المسلم البالغ العاقل : قتلني فلانٌ عمداً ، ثمّ مات فإنّه يكون لوثاً ، فيثبت القصاص بعد حلف أولياء الدّم يمين القسامة . أمّا إذا قال : قتلني خطأً ، ففي ذلك عن الإمام مالكٍ روايتان : إحداهما : لا يقبل قوله ، لأنّه يتّهم على أنّه أراد إغناء ورثته .

(5/341)


والثّانية : أنّ قوله يقبل ، وتكون معه القسامة ، ولا يتّهم ، لأنّه في حالٍ يصدّق فيه الكاذب ، ويتوب فيه الفاجر ، فمن تحقّق مصيره إلى الآخرة وأشرف على الموت فلا يتّهم في إراقة دم مسلمٍ ظلماً ، وغلبة الظّنّ في هذا ينزل منزلة غلبة الظّنّ في صدق الشّاهد ، والغالب من أحوال النّاس عند الموت التّوبة والاستغفار والنّدم على التّفريط . وتزوّده من دنياه قتل نفسٍ خلاف الظّاهر وغير المعتاد .
إشارة المحتضر إلى تصرّفاتٍ ماليّةٍ :
22 - إذا كان المحتضر قادراً على النّطق فلا تقبل إشارته ، أمّا إذا كان غير قادرٍ على النّطق فإشارته تقوم مقام عبارته . وفي حاشية ابن عابدين : إن لم يكن معتقل اللّسان لم تعتبر إشارته إلاّ في أربعٍ : الكفر ، والإسلام ، والنّسب ، والإفتاء .
وعند المالكيّة : أنّ الإشارة المفهمة كالنّطق مطلقاً . وعلى هذا فإنّ إشارة المحتضر إلى تصرّفٍ ماليٍّ كعبارته ، سواءٌ أكان قادراً على النّطق أم لا .

إشاعةٌ *
التعريف :
1 - الإشاعة مصدر أشاع ، وأشاع ذكر الشّيء : أطاره وأظهره ، وشاع الخبر في النّاس شيوعاً أي انتشر وذاع وظهر . ولا يخرج استعمال الفقهاء عن هذا المعنى اللّغويّ .
وقد تطلق الإشاعة على الأخبار الّتي لا يعلم من أذاعها . وكثيراً ما يعبّر الفقهاء عن هذا المعنى بألفاظٍ أخرى غير الإشاعة كالاشتهار ، والإفشاء ، والاستفاضة .
الحكم الإجماليّ :
2 - قد تكون الإشاعة حراماً ، إذا كانت إظهاراً لما يمسّ أعراض النّاس كإشاعة الفاحشة ، لقوله تعالى : { إنّ الّذين يحبّون أن تشيع الفاحشة في الّذين آمنوا لهم عذابٌ أليمٌ في الدّنيا والآخرة } . هذا هو الحكم الأخرويّ ، وبالنّسبة للحكم المترتّب على الإشاعة الكاذبة فهو حدّ القذف إن توفّرت شروطه ، وإلاّ فالتّعزير . ر : ( قذفٌ ، تعزيرٌ ) .

(5/342)


أمّا المشاع عنه فلا عقوبه عليه بمجرّد الإشاعة ، قال القليوبيّ : لا يكتفى بالإشاعة - أي شيوع الزّنى - في جواز القذف ، لأنّ السّتر مطلوبٌ . وقد ورد أنّ في آخر الزّمان « يجلس الشّيطان بين الجماعة ، فيتكلّم بالكلمة فيتحدّثون بها ، ويقولون : لا ندري من قالها » . فمثل هذا لا ينبغي أن يسمع فضلاً عن أن يثبت به حكمٌ .
على أنّ من واجب أولي الأمر قطع دابر الفساد بالطّرق المناسبة .
3 - وقد تكون الإشاعة طريقاً لثبوت بعض الأحكام ، ومن ذلك : أيمان القسامة ، فإنّها يكتفى لطلبها بالإشاعة ، فالإشاعة هنا تعتبر لوثاً . ومن ذلك : سقوط الحدّ عن الزّوجين إن دخلا بلا شهودٍ وثبت الوطء . إن فشا النّكاح ، أي شاع واشتهر .
4 - وإذا كان إظهار الشّيء يترتّب عليه منع الوقوع في الحرام ، فإنّ إشاعته تكون مطلوبةً ، وذلك كإشاعة الرّضاعة ممّن ترضع ، قال ابن عابدين : الواجب على النّساء ألاّ يرضعن كلّ صبيٍّ من غير ضرورةٍ ، وإذا أرضعن فليحفظن ذلك ، وليشهرنه ويكتبنه احتياطاً .
مواطن البحث :
5 - تنظر مواطن الإشاعة في أبواب الرّضاع ، والنّكاح ، والشّهادة والقسامة ، والصّيام ( في رؤية الهلال ) والقذف ، وأصل الوقف ، وثبوت النّسب .

أشباهٌ *
التعريف اللّغويّ :
1 - الأشباه جمعٌ مفرده شبهٌ ، والشّبه والشّبه : المثل ، والجمع أشباهٌ ، وأشبه الشّيء ماثله ، وبينهم أشباهٌ أي أشياء يتشابهون بها .
التعريف الاصطلاحيّ :
أ - عند الفقهاء :
2 - لا يخرج استعمال الفقهاء للفظ الأشباه عن المعنى اللّغويّ .
ب - عند الأصوليّين :

(5/343)


3 - اختلف الأصوليّون في تعريف الشّبه ، حتّى قال إمام الحرمين الجوينيّ : لا يمكن تحديده ، وقال غيره : يمكن تحديده . فقيل : هو الجمع بين الأصل والفرع بوصفٍ يوهم اشتماله على الحكمة المقتضية لحكمٍ من غير تعيينٍ ، كقول الشّافعيّ في النّيّة في الوضوء والتّيمّم : طهارتان فأنّى تفترقان . وقال القاضي أبو بكرٍ : هو أن يكون الوصف لا يناسب الحكم بذاته ، لكنّه يكون مستلزماً لما يناسبه بذاته . وحكى الأبياريّ في " شرح البرهان " عن القاضي أنّه : ما يوهم الاشتمال على وصفٍ مخيّلٍ . وقيل : الشّبه هو الّذي لا يكون مناسباً للحكم ولكن عرف اعتبار جنسه القريب في الجنس القريب .
وأوضح تعريفٍ له هو ما قاله شارح مسلمٍ الثّبوت : الشّبه هو ما ليس بمناسبٍ لتراثه ، بل يوهم المناسبة ، وذلك التّوهّم إنّما هو بالتفات الشّارع إليه في بعض الأحكام ، فيتوهّم فيه المناسبة ، كقولك : إزالة الخبث طهارةٌ تراد للصّلاة فتعيّن فيها الماء ، ولا يجوز مائعٌ آخر ، كإزالة الحدث يتعيّن فيها الماء .
وفي المستصفى : قياس الشّبه هو الجمع بين الفرع والأصل بوصفٍ ، مع الاعتراف بأنّ ذلك الوصف ليس علّةً للحكم ، وذلك كقول أبي حنيفة مسح الرّأس لا يتكرّر تشبيهاً له بمسح الخفّ والتّيمّم ، والجامع أنّه مسحٌ ، فلا يستحبّ فيه التّكرار قياساً على التّيمّم ومسح الخفّ . وفي الرّسالة يقول الشّافعيّ في قياس الشّبه : يكون الشّيء له في الأصول أشباهٌ ، فذلك يلحق بأولاها به وأكثرها شبهاً فيه ، فقد يختلف القايسون في هذا .
صفته : الحكم الإجماليّ :
أوّلاً : عند الفقهاء :

(5/344)


4 - إذا نيط الحكم بأصلٍ فتعذّر انتقل إلى أقرب شبهٍ له . ولذلك اعتبر جمهور الفقهاء الشّبه طريقاً من طرق الحكم في أبوابٍ معيّنةٍ ، من ذلك جزاء صيد المحرم ، قال اللّه تعالى : { ومن قتله منكم متعمّداً فجزاءٌ مثل ما قتل من النّعم يحكم به ذوا عدلٍ منكم } أي يحكمان فيه بأشبه الأشياء ، ومن ذلك في النّسب ما روي أنّ عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : « دخل عليّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو مسرورٌ تبرق أسارير وجهه فقال : أي عائشة . ، ألم تري إلى مجزّزٍ المدلجيّ دخل فرأى أسامة وزيداً وعليهما قطيفةٌ قد غطّيا رءوسهما وبدت أقدامهما ، فقال : إنّ هذه الأقدام بعضها من بعضٍ » .
وذلك يدلّ على أنّ إلحاق القافة يفيد النّسب لسرور النّبيّ صلى الله عليه وسلم به ، وهو لا يسرّ بباطلٍ . وقد أخذ بهذا جمهور الفقهاء خلافاً للحنفيّة .
5 - ويشترط في القضاء بالشّبه قول أهل الخبرة والمعرفة في الأمر الّذي يكون فيه التّخاصم ، كاعتبار مجزّزٍ المدلجيّ من أهل الخبرة في القيافة .
6 - لكنّ الاعتماد على الشّبه بقول أهل الخبرة يكون فيما لم يرد فيه نصٌّ أو حكمٌ ، ولذلك يعتبر اللّعان مانعاً من إعمال الشّبه ، وقد « قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم في قصّة المتلاعنين : إن جاءت به أكحل العينين ، سابغ الأليتين ، مدلج السّاقين ، فهو لشريك ابن سحماء ، فجاءت به كذلك ، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم : لولا ما مضى من كتاب اللّه لكان لي ولها شأنٌ » . وهذا بالنّسبة للنّصّ ، أمّا بالنّسبة للحكم فقد قال اللّه تعالى في جزاء الصّيد : { يحكم به ذوا عدلٍ منكم } وقد قضى الصّحابة رضوان الله عليهم في بعض الحيوانات ، كقول عمر وعثمان وعليٍّ وزيد بن ثابتٍ وابن عبّاسٍ ومعاوية : في النّعامة بدنةٌ . وما لم يقض فيه الصّحابة فيرجع فيه إلى قول عدلين من أهل الخبرة .

(5/345)


7 - ويلاحظ أنّ الإمام أبا حنيفة وأصحابه يخالفون الجمهور في الاعتماد على الشّبه في النّسب . كما أنّ الشّبه في حزّاء الصّيد هو عند الجمهور من حيث الخلقة ، وعند الحنفيّة المثل هو القيمة . وتفصيل ذلك يرجع إليه في مواضعه .
8- كذلك يعتمد على الشّبه في الاختلاف الواقع بين المتداعيين عند المالكيّة .
جاء في تبصرة الحكّام : إن اختلف البائع والمشتري في ثمن السّلعة ، فإن ادّعى أحدهما ثمناً يشبه ثمن السّلعة ، وادّعى الآخر مالاً يشبه أن يكون ثمناً لها ، فإن كانت السّلعة فائتةً ( أي قد خرجت من يد المدّعى عليه بهلاكٍ أو بيعٍ أو نحوهما ) فالقول قول مدّعي الأشبه منهما اتّفاقاً ( أي عند المالكيّة ) ، لأنّ الأصل عدم التّغابن ، والشّراء بالقيمة وما يقاربها . وإن كانت السّلعة قائمةً فالمشهور أنّه لا يراعى الأشبه ، لأنّهما قادران على ردّ السّلعة . وفي المنثور في القواعد للزّركشيّ في باب الرّبا : إذا كان المبيع لا يكال ولا يوزن فيعتبر بأقرب الأشياء شبهاً به على أحد الأوجه . والصّلح مع الإقرار يحمل على البيع أو الإجارة أو الهبة . والأصل فيه أنّ الصّلح يجب حمله على أقرب العقود إليه وأشبهها به ، لتصحيح تصرّف العاقد ما أمكن . ر : ( صلحٌ ) .
ثانياً : عند الأصوليّين
9 - اختلف الأصوليّون هل الشّبه حجّةٌ أم لا ؟ فقيل : إنّه حجّةٌ وإليه ذهب الأكثرون ، وقيل : إنّه ليس بحجّةٍ وبه قال أكثر الحنفيّة . وقيل غير ذلك .
وينظر تفصيل ذلك في الملحق الأصوليّ ( القياس ) .
المراد بفنّ الأشباه والنّظائر في علم الفقه :

(5/346)


10 - المراد بفنّ الأشباه والنّظائر - كما ذكر الحمويّ في تعليقه على أشباه ابن نجيمٍ - : المسائل الّتي يشبه بعضها بعضاً مع اختلافها في الحكم لأمورٍ خفيّةٍ أدركها الفقهاء بدقّة أنظارهم . وفائدته كما ذكر السّيوطيّ أنّه فنٌّ به يطّلع على حقائق الفقه ومداركه ومأخذه وأسراره ، ويتمهّر في فهمه واستحضاره ، ويقتدر على الإلحاق والتّخريج ، ومعرفة أحكام المسائل الّتي ليست بمسطورةٍ ، والحوادث والوقائع الّتي لا تنقضي على مرّ الزّمان .
وقد كتب عمر بن الخطّاب إلى أبي موسى الأشعريّ : اعرف الأمثال والأشباه ، ثمّ قس الأمور عندك ، فاعمد إلى أحبّها إلى اللّه وأشبهها بالحقّ فيما ترى .

اشتباهٌ *
التعريف :
1 - الاشتباه مصدر : اشتبه ، يقال اشتبه الشّيئان وتشابها : أشبه كلّ واحدٍ مهما الآخر . والمشتبهات من الأمور : المشكلات . والشّبهة اسمٌ من الاشتباه وهو الالتباس .
والاشتباه في الاستعمال الفقهيّ أخصّ منه في اللّغة ، فقد عرّف الجرجانيّ الشّبهة بأنّها : ما لم يتيقّن كونه حراماً أو حلالاً . وقال السّيوطيّ : الشّبهة ما جهل تحليله على الحقيقة وتحريمه على الحقيقة . ويقول الكمال بن الهمام : الشّبهة ما يشبه الثّابت وليس بثابتٍ ، ولا بدّ من الظّنّ لتحقّق الاشتباه .
الألفاظ ذات الصّلة

أ - الالتباس :
2 - الالتباس هو : الإشكال ، والفرق بينه وبين الاشتباه على ما قال الدّسوقيّ : أنّ الاشتباه معه دليلٌ ( يرجّح أحد الاحتمالين ) والالتباس لا دليل معه .
ب - الشّبهة :

(5/347)


3 - يقال : اشتبهت الأمور وتشابهت : التبست فلم تتميّز ولم تظهر ، ومنه اشتبهت القبلة ونحوها ، والجمع فيها شبهٌ وشبهاتٌ . وقد سبق أنّها ما لم يتعيّن كونه حراماً أو حلالاً نتيجة الاشتباه . وللفقهاء في تقسيمها وتسميتها اصطلاحاتٌ ، فجعلها الحنفيّة نوعين : الأوّل : شبهةٌ في الفعل ، وتسمّى شبهة اشتباهٍ أو شبهة مشابهةٍ ، أي شبهةٌ في حقّ من اشتبه عليه فقط ، بأن يظنّ غير الدّليل دليلاً ، كما إذا ظنّ جارية امرأته تحلّ له ، فمع الظّنّ لا يحدّ ، حتّى لو قال : علمت أنّها تحرم عليّ حدّ .
النّوع الثّاني : شبهةٌ في المحلّ ، وتسمّى شبهةٌ حكميّةٌ أو شبهة ملكٍ ، أي شبهةٌ في حكم الشّرع بحلّ المحلّ . وهي تمنع وجوب الحدّ ، ولو قال علمت أنّها حرامٌ عليّ . وتتحقّق بقيام الدّليل النّافي للحرمة في ذاته ، لكن لا يكون الدّليل عاملاً لقيام المانع كوطء أمة الابن ، لقوله صلى الله عليه وسلم : « أنت ومالك لأبيك » ، ولا يتوقّف هذا النّوع على ظنّ الجاني واعتقاده ، إذ الشّبهة بثبوت الدّليل قائمةٌ . وجعلها الشّافعيّة ثلاثة أقسامٍ :
-1 - شبهةٌ في المحلّ ، كوطء الزّوجة الحائض أو الصّائمة ، لأنّ التّحريم ليس لعينه بل لأمرٍ عارضٍ كالإيذاء وإفساد العبادة .
- 2 - وشبهةٌ في الفاعل ، كمن يجد امرأةً على فراشه فيطؤها ، ظانّاً أنّها زوجته .
- 3 - وشبهةٌ في الجهة ، كالوطء في النّكاح بلا وليٍّ أو بلا شهودٍ . وتفصيل ذلك في مصطلح شبهةٌ . والمقصود هنا بيان أنّ الشّبهة أعمّ من الاشتباه ، لأنّها قد تنتج نتيجة الاشتباه ، وقد تنتج دون اشتباهٍ .
ج - التّعارض :
4 - التّعارض لغةً : المنع بالاعتراض عن بلوغ المراد . واصطلاحاً : تقابل الحجّتين المتساويتين على وجهٍ توجب كلّ واحدةٍ منهما ضدّ ما توجبه الأخرى . وسيأتي أنّ التّعارض أحد أسباب الاشتباه .
د - الشّكّ :

(5/348)


5 - الشّكّ لغةً : خلاف اليقين ، وهو التّردّد بين شيئين ، سواءٌ استوى طرفاه ، أو رجّح أحدهما على الآخر ، وقد استعمله الفقهاء كذلك . وهو عند الأصوليّين : التّردّد بين أمرين بلا ترجيحٍ لأحدهما على الآخر عند الشّاكّ ، فالشّكّ سببٌ من أسباب الاشتباه .
هـ - الظّنّ :
6 - الظّنّ خلاف اليقين . وقد يستعمل بمعنى اليقين ، كما في ، قوله تعالى : { الّذين يظنّون أنّهم ملاقو ربّهم } .
وفي الاصطلاح : هو الاعتقاد الرّاجح مع احتمال النّقيض ، وهو طريقٌ لحدوث الاشتباه . - و - الوهم :
7 - الوهم : ما سبق القلب إليه مع إرادة غيره .
وفي الاصطلاح : هو إدراك الطّرف المرجوح ، أو كما قال عنه ابن نجيمٍ : رجحان جهة الخطأ ، فهو دون كلٍّ من الظّنّ والشّكّ ، وهو لا يرتقي إلى تكوين اشتباهٍ .
أسباب الاشتباه :
8 - قد ينشأ الاشتباه نتيجة خفاء الدّليل بسببٍ من الأسباب ، كالإجمال في الألفاظ واحتمالها التّأويل ، ودوران الدّليل بين الاستقلال بالحكم وعدمه ، ودورانه بين العموم والخصوص ، واختلاف الرّواية بالنّسبة للحديث ، وكالاشتراك في اللّفظ ، أو التّخصيص في عامّه ، أو التّقييد في مطلقه ، كما ينشأ الاشتباه عند تعارض الأدلّة دون مرجّحٍ . كما أنّ النّصوص في دلالتها ليست على وضعٍ واحدٍ ، فمنها ما دلالته على الأحكام ظنّيّةٌ ، فيجتهد الفقهاء للتّعرّف على ما يدلّ عليه النّصّ ، وقد يتشابه الأمر عليهم نتيجة ذلك ، إذ من الحقائق الثّابتة اختلاف النّاس في تفكيرهم ، وتباين وجهات نظرهم .
والاشتباه النّاشئ عن خفاءٍ في الدّليل يعذر المجتهد فيه ، بعد بذله الجهد واستفراغه الوسع ، ويكون فيما انتهى إليه من رأيٍ قد اتّبع الدّليل المرشد إلى تعرّف قصد الشّارع .
وبيان ذلك فيما يلي :
أ - اختلاف المخبرين :

(5/349)


9 - ومن ذلك ما لو أخبره عدلٌ بنجاسة الماء ، وأخبره آخر بطهارته . فإنّ الأصل عند تعارض الخبرين وتساويهما تساقطهما ، وحينئذٍ يعمل بالأصل وهو الطّهارة ، إذ الشّيء متى شكّ في حكمه ردّ إلى أصله ، لأنّ اليقين لا يزول بالشّكّ ، والأصل في الماء الطّهارة .
ومن هذا القبيل ما لو أخبر عدلٌ بأنّ هذا اللّحم ذبحه مجوسيٌّ ، وأخبر عدلٌ آخر أنّه ذكّاه مسلمٌ ، فإنّه لا يحلّ لبقاء اللّحم على الحرمة الّتي هي الأصل . إذ حلّ الأكل متوقّفٌ على تحقّق الذّكاة الشّرعيّة . وبتعارض الخبرين لم يتحقّق الحلّ ، فبقيت الذّبيحة على الحرمة .
ب - الإخبار المقتضي للاشتباه :
10 - وهو الإخبار الّذي اقترنت به قرائن توقع في الاشتباه . مثال ذلك : أن يعقد على امرأةٍ ، ثمّ تزفّ إليه أخرى بناءً على أنّها زوجته ، ويدخل بها على هذا الاعتقاد ، ثمّ يتبيّن أنّها ليست المرأة الّتي عقد عليها . فإن وطئها فإنّه لا حدّ عليه اتّفاقاً ، لأنّه اعتمد دليلاً شرعيّاً في موضع الاشتباه ، وهو الإخبار . وقد أورد الفقهاء فروعاً كثيرةً مثل هذا الفرع ، وهي مبنيّةٌ على هذا الأساس .
ت - تعارض الأدلّة ظاهراً :

(5/350)


11 - لا يوجد بين أدلّة الأحكام الشّرعيّة في واقع الأمر تعارضٌ ، لأنّها جميعها من عند اللّه تعالى . أمّا ما يظهر من التّعارض بين الدّليلين فلعدم العلم بظروفهما وشروط تطبيقهما ، أو بما يراد بكلٍّ منهما على سبيل القطع ، أو لجهلنا بزمن ورودهما ، وغير ذلك ممّا يرتفع به التّعارض . فمن الاشتباه بسبب تعارض الأدلّة في الظّاهر ما إذا سرق الوالد من مال ولده ، إذ أنّ نصوص العقاب على السّرقة تشمل في عمومها هذه الواقعة . فاللّه سبحانه وتعالى يقول : { والسّارق والسّارقة فاقطعوا أيديهما ... } . غير أنّه قد جاء في السّنّة ما يفيد حلّ مال الابن لأبيه . فقد روي أنّ الرّسول صلى الله عليه وسلم قال : « أنت ومالك لأبيك » وقوله : « إنّ أطيب ما أكل الرّجل من كسبه ، وإنّ ولده من كسبه » ووجود مثل هذا ينتج اشتباهاً في الحكم يترتّب عليه إسقاط الحدّ ، لأنّ من أعظم الشّبهات أخذ الرّجل من مالٍ جعله الشّرع له ، وأمره بأخذه وأكله . وقال أبو ثورٍ وابن المنذر بإقامة الحدّ .
وتفصيل ذلك في مصطلح ( سرقةٌ ) .

(5/351)


ومن الاشتباه النّاشئ عن تعارض الأدلّة في الظّاهر ما ورد بالنّسبة لطهارة سؤر الحمار ، فقد روي عن عبد اللّه بن عبّاسٍ أنّه كان يقول :" الحمار يعتلف القتّ والتّبن فسؤره طاهرٌ وعن جابرٍ « أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم سئل : أنتوضّأ بما أفضلت الحمر ؟ قال : نعم ، وبما أفضلت السّباع كلّها » ، وروي عن عبد اللّه بن عمر أنّه كان يقول :" إنّه رجسٌ" والتّوقّف في الحكم عند تعارض الأدلّة واجبٌ . فلذلك كان مشكوكاً فيه ، والمراد بالشّكّ التّوقّف عن إعطاء حكمٍ قاطعٍ ، لتعارض الأدلّة . قال ابن عابدين : الأصحّ أنّ سؤر الحمار مشكوكٌ في طهوريّته ( أي كونه مطهّراً ، لا في طهارته في ذاته ) وهو قول الجمهور . وسببه تعارض الأخبار في لحمه ، وقيل : اختلاف الصّحابة في سؤره ، وقد استوى ما يوجب الطّهارة والنّجاسة فتساقطا للتّعارض ، فيصار إلى الأصل ، وهو هنا شيئان : الطّهارة في الماء ، والنّجاسة في اللّعاب ، وليس أحدهما أولى من الآخر ، فبقي الأمر مشكلاً ، نجساً من وجهٍ ، طاهراً من وجهٍ .
ث - اختلاف الفقهاء :

(5/352)


12 - من ذلك ما قاله الفقهاء من عدم وجوب الحدّ بالوطء في نكاحٍ مختلفٍ فيه ، كالنّكاح بلا وليٍّ ، فالحنفيّة يجيزونه . وسقوط الحدّ بسبب ذلك قول أكثر أهل العلم ، لأنّ الاختلاف في إباحة الوطء فيه شبهةٌ ، والحدود تدرأ بالشّبهات ويرجع في تفصيل ذلك إلى باب ( حدّ الزّنى ) . ومن ذلك المصلّي بالتّيمّم إذا رأى سراباً ، وكان أكبر رأيه أنّه ماءٌ ، فإنّه يباح له أن ينصرف ، وإن استوى الأمران لا يحلّ له قطع الصّلاة ، وإذا فرغ من الصّلاة ، إن ظهر أنّه كان ماءً يلزمه الإعادة ، وإلاّ فلا . نصّ على ذلك الحنفيّة . والشّافعيّة والحنابلة على أنّ من تيمّم لفقد الماء فوجده أو توهّمه بطل تيمّمه إن لم يكن في صلاةٍ . ويحصل هذا التّوهّم برؤية سرابٍ . ومحلّ بطلانه بالتّوهّم إن بقي من الوقت زمنٌ لو سعى فيه إلى ذلك لأمكنه التّطهّر به والصّلاة فيه . وإذا بطل التّيمّم بتوهّم وحود الماء فإنّه بطلانه بالظّنّ أو الشّكّ أولى ، سواءٌ أتبيّن له خلاف ظنّه أم لم يتبيّن ، لأنّ ظنّ وجود الماء مبطلٌ للتّيمّم . وعند المالكيّة : إن وجد الماء بعد الدّخول في الصّلاة فيجب عليه إتمامها . ونصّ الحنابلة على أنّ من خاف على نفسه أو ماله إذا ما طلب الماء ساغ له التّيمّم ، ولو كان خوفه بسبب ظنّه فتبيّن عدم السّبب . مثل من رأى سواداً باللّيل ظنّه عدوّاً ، فتبيّن أنّه ليس بعدوٍّ بعد أن تيمّم وصلّى لم يعد لكثرة البلوى . وقيل : يلزمه الإعادة ، لأنّه تيمّم من غير سببٍ مبيحٍ للتّيمّم .
ج – الاختلاط :

(5/353)


13 – يقصد به اختلاط الحلال بالحرام وعسر التّمييز بينهما . كما لو اختلطت الأواني الّتي فيها ماءٌ طاهرٌ بالأواني الّتي فيها ماءٌ نجسٌ ، واشتبه الأمر ، بأن لم يمكن التّمييز بينهما ، فإنّه يسقط استعمال الماء ، ويجب التّيمّم عند الحنفيّة والحنابلة ، وهو قول سحنونٍ من المالكيّة ، لأنّ أحدهما نجسٌ يقيناً ، والآخر طاهرٌ يقيناً ، لكن عجز عن استعماله لعدم علمه فيصار إلى البدل . وتفصيل ذلك يرجع فيه إلى مصطلح ( ماءٌ ) .
ومن هذا القبيل ما إذا اشتبهت عليه ثيابٌ طاهرةٌ بنجسةٍ ، وتعذّر التّمييز بينها ، ولم يجد ثوباً طاهراً بيقينٍ ، وليس معه ما يطهّرهما به ، واحتاج إلى الصّلاة ، فالحنفيّة ، وهو المشهور عند المالكيّة ، ومذهب الشّافعيّة خلافاً للمزنيّ ، أنّه يتحرّى بينها ، ويصلّي بما غلب على ظنّه طهارته . وقال الحنابلة وابن الماجشون من المالكيّة : لا يجوز التّحرّي ويصلّي في ثياب منها بعدد النّجس منها ، ويزيد صلاةً في ثوبٍ آخر . وقال أبو ثورٍ والمزنيّ : لا يصلّي في شيءٍ منها كالأواني . وإنّما يتحرّى - عند من قال بذلك - إذا لم يجد ثوباً طاهراً ، أو ما يطهّر به ما اشتبه عليه من الثّياب . وإذا تحرّى فلم يترجّح أحدهما على الآخر صلّى في أحدهما . والقائلون بالتّحرّي هنا قالوا : لأنّه لا خلف للثّوب في ستر العورة ، بخلاف الاشتباه في الأواني ، لأنّ التّطهّر بالماء له خلفٌ وهو التّيمّم .
ح - الشّكّ ( بالمعنى الأعمّ يشمل أيضاً الظّنّ والوهم ) :

(5/354)


14 - ومن ذلك ما قالوه فيمن أيقن بالوضوء وشكّ في الحدث من أنّه لا وضوء عليه ، إذ اليقين لا يزول بالشّكّ ، وهو ما ذهب إليه فقهاء المذاهب ، غير أنّه نقل عن مالكٍ أنّه قال : من أيقن بالوضوء وشكّ في الحدث ابتدأ الوضوء ، وقد روى ابن وهبٍ عن مالكٍ أنّه قال : أحبّ إليّ أن يتوضّأ ، وهذا يدلّ على أنّ الوضوء عند مالكٍ في ذلك إنّما هو استحبابٌ واحتياطٌ ، كما أجمعوا على أنّ من أيقن بالحدث وشكّ في الوضوء أنّ شكّه لا يعتبر وعليه الوضوء ، لأنّه المتيقّن . والمراد بالشّكّ هنا مطلق التّردّد سواءٌ أكان على السّواء أم كان أحد طرفيه أرجح . وعلى هذا فلا فرق بين أن يغلب على ظنّه أحدهما أو يتساوى الأمران عندهما ، لأنّ غلبة الظّنّ إذا لم تكن مضبوطةً بضابطٍ شرعيٍّ لا يلتفت إليها ، ولأنّه إذا شكّ تعارض عنده الأمران ، فيجب سقوطهما كالبيّنتين إذا تعارضتا ، ويرجع إلى اليقين
وقالوا : من تيقّن الطّهارة والحدث معاً واشتبه عليه الأمر فلم يعلم الأخير منهما والأسبق فيعمل بضدّ ما قبلهما ، فإن كان قبل ذلك محدثاً فهو الآن متطهّرٌ ، لأنّه تيقّن الطّهارة بعد ذلك الحدث وشكّ في انتقاضها ، لأنّه لا يدري هل الحدث الثّاني قبلها أو بعدها . وإن كان متطهّراً وكان يعتاد التّجديد فهو الآن محدثٌ ، لأنّه متيقّنٌ حدثاً بعد تلك الطّهارة وشكّ في زواله ، لأنّه لا يدري هل الطّهارة الثّانية متأخّرةٌ عنه أم لا . ومن هذا القبيل ما قالوه في الصّائم لو شكّ في غروب الشّمس ، فإنّه لا يصحّ له أن يفطر مع الشّكّ ، لأنّ الأصل بقاء النّهار . ولو أفطر وهو شاكٌّ ولم يتبيّن الحال بعد ذلك فعليه القضاء اتّفاقاً .

(5/355)


أمّا إذا شكّ الصّائم في طلوع الفجر فالمستحبّ له ألاّ يأكل لاحتمال أن يكون الفجر قد طلع ، فيكون الأكل إفساداً للصّوم فيتحرّز عنه ، لما روي أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « الحلال بيّنٌ والحرام بيّنٌ وبينهما أمورٌ مشتبهاتٌ » . وقوله صلى الله عليه وسلم : « دع ما يريبك إلى ما لا يريبك » . ولو أكل وهو شاكٌّ فإنّه لا يحكم بوجوب القضاء عليه ، لأنّ فساد الصّوم مشكوكٌ فيه ، إذ الأصل بقاء اللّيل فلا يثبت النّهار بالشّكّ ، وإلى هذا اتّجه فقهاء الحنفيّة والشّافعيّة والحنابلة .
وقال المالكيّة : من أكل شاكّاً في الفجر فعليه القضاء مع الحرمة ، وإن كان الأصل بقاء اللّيل ، هذا بالنّسبة لصوم الفرض . وقيل : وفي النّفل أيضاً . كما قيل مع الكراهة لا الحرمة . ومن أكل معتقداً بقاء اللّيل أو حصول الغروب ثمّ طرأ الشّكّ ، فعليه القضاء بلا حرمةٍ .
د - الجهل :
15 - ومن ذلك الأسير في دار الحرب ، إذا لم يعرف دخول رمضان ، وأراد صومه ، فتحرّى وصام شهراً عن رمضان فتبيّن أنّه أخطأ . فإذا كان صام قبل حلول شهر رمضان فعلاً لم يجزئه ، لأنّه أدّى الواجب قبل وجوبه ووجود سببه ، وهو مشاهدة الشّهر ، ونقل الشّيرازيّ عن الأصحاب من الشّافعيّة قولاً آخر بالإحزاء ، لأنّه عبادةٌ تفعل في السّنة مرّةً ، فجاز أن يسقط فرضها بالفعل قبل الوقت عند الخطأ ، كالوقوف بعرفة إذا أخطأ النّاس ووقفوا قبل يوم عرفة ، ثمّ قال : والصّحيح أنّه لا يجزئه ، لأنّه تيقّن الخطأ فيما يؤمن مثله في القضاء ، فلم يعتدّ بما فعله ، كما لو تحرّى في وقت الصّلاة فصلّى قبل الوقت .
وإن تبيّن أنّ الشّهر الّذي صامه كان بعد رمضان صحّ .

(5/356)


وإذا كان الشّهر الّذي صامه ناقصاً ، ورمضان الّذي صامه النّاس تامّاً صام يوماً ، إذ لا بدّ من موافقة العدد ، لأنّ صوم شهرٍ آخر بعده يكون قضاءً ، والقضاء يكون على قدر الفائت . وعند الشّافعيّة وجهٌ آخر اختاره أبو حامدٍ الإسفرايينيّ بالإجزاء ، لأنّ الشّهر يقع على ما بين الهلالين ، ولهذا لو نذر صوم شهرٍ ، فصام شهراً نقاصاً بالأهلّة أجزأه . ثمّ قال الشّيرازيّ : والصّحيح عندي أنّه يجب عليه صوم يومٍ .
ومن ذلك الاشتباه في القبلة بالنّسبة لمن يجهلها . فقد نصّ فقهاء المذاهب على أنّ من اشتبهت عليه جهة القبلة ، ولم يكن عالماً بها ، سأل من بحضرته ممّن يعلمها من أهل المكان . وحدّ الحضرة أن يكون بحيث لو صاح به سمعه . فإذا تحرّى بنفسه وصلّى دون سؤالٍ ، وتبيّن له بعد ذلك أنّه لم يصب القبلة ، أعاد الصّلاة ، لعدم إجزاء التّحرّي مع القدرة على الاستخبار ، لأنّ التّحرّي دون الاستخبار ، إذ الخبر ملزمٌ له ولغيره ، بينما التّحرّي ملزمٌ له دون غيره ، فلا يصار إلى الأدنى مع إمكان الأعلى ، أمّا إذا لم يكن بحضرته أحدٌ يرجع إليه في ذلك ، أو كان وسأله ولم يجبه ، أو لم يدلّه ثمّ تحرّى ، فإنّ صلاته تصحّ ، حتّى لو تبيّن له بعد ذلك أنّه أخطأ ، لما روي عن عامر بن ربيعة أنّه قال : « كنّا مع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في ليلةٍ مظلمةٍ ، فلم ندر أين القبلة ، فصلّى كلّ رجلٍ منّا على حياله - أي قبالته - فلمّا أصبحنا ذكرنا ذلك لرسول اللّه صلى الله عليه وسلم فنزل قول اللّه سبحانه { فأينما تولّوا فثمّ وجه اللّه } » . ولأنّ العمل بالدّليل الظّاهر واجبٌ إقامةً للواجب بقدر الوسع ، وإقامةً للظّنّ مقام اليقين لتعذّره . ولما روي عن عليٍّ رضي الله عنه أنّ " قبلة المتحرّي جهة قصده إن تحرّى ثمّ قبل الصّلاة أخبره عدلان من أهل الجهة أنّ القبلة إلى جهةٍ أخرى ، أخذ بقولهما ولا عبرة بالتّحرّي .
ذ - النّسيان :

(5/357)


16 - ومن ذلك المرأة إذا نسيت عادة حيضها ، واشتبه عليها الأمر بالنّسبة للحيض والطّهر ، بأن لم تعلم عدد أيّام حيضها المعتادة ، ولا مكان هذه الأيّام من الشّهر فإنّها تتحرّى ، فإن وقع تحرّيها على طهرٍ تعطى حكم الطّاهرات ، وإن كان على حيضٍ أعطيت حكمه ، لأنّ غلبة الظّنّ من الأدلّة الشّرعيّة .
وإن تردّدت ولم يغلب على ظنّها شيءٌ فهي المحيّرة ، وتسمّى المضلّلة ، لا يحكم لها بشيءٍ من الطّهر أو الحيض على التّعيين ، بل تأخذ بالأحوط في حقّ الأحكام ، لاحتمال كلّ زمانٍ يمرّ عليها من الحيض والطّهر والانقطاع ، ولا يمكن جعلها حائضاً دائماً لقيام الإجماع على بطلانه ، ولا طاهراً دائماً لقيام الدّم ، ولا التّبعيض لأنّه تحكّمٌ ، فوجب الأخذ بالأحوط في حقّ الأحكام للضّرورة . وتفصيل أحكامها في مصطلح ( استحاضةٌ ) .
س - وجود دليلٍ غير قويٍّ على خلاف الأصل :
17 - ومن ذلك ما قاله فقهاء الحنفيّة وابن شبرمة والثّوريّ وابن أبي ليلى في إثبات الشّفعة بسبب الجواز ، أو بسبب الشّركة في مرافق العقار ، ووافقهم الشّافعيّة في الصّحيح عندهم بالنّسبة للشّريك في ممرّ الدّار ، بأن كان للمشتري طريقٌ آخر إلى الدّار ، أو أمكن فتح بابٍ لها إلى شارع . وأمّا جمهور الفقهاء فيقصرونها على الشّركة في نفس العقار المبيع فقط ، فإذا وقعت الحدود فلا شفعة ، لأنّ الشّفعة تثبت على خلاف الأصل ، إذ هي انتزاع ملك المشتري بغير رضاءٍ منه ، وإجبارٌ له على المعاوضة ، ولما روى جابرٌ من قول النّبيّ صلى الله عليه وسلم : « الشّفعة فيما لم يقسم ، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطّرق فلا شفعة » وبما روي عن سعيد بن المسيّب أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال : « إذا قسمت الأرض وحدّت فلا شفعة فيها » .

(5/358)