صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : الحاوي للفتاوي للسيوطي

القند وهو غير السكر لغة وعرفا أما لغة فمن راجع كتب اللغة وجد الفرق بينهما في التعريف، وأما عرفا فإن الفقهاء أفردوا المسألتين وتكلموا على كل على حدتها فدل على أنهم أرادوا بالسكر غير القائم في أعساله الذي هو القند فممن أفرد الكلام على كل على حدتها البلقيني في التدريب فقال عطفا على ما يصح السلم فيه: وفي السكر على النص وفي القند صرح به الماوردي هذه عبارته، لكن المفهوم من كلام الشيخ ولي الدين العراقي في فتاويه الميل إلى تصحيح المنع فيه أخذا من عموم كلام الأصحاب فإنه قال فيها الذي يظهر من كلام الأصحاب أن القند ليس مثليا فإن ناره قوية ليست للتمييز ويختلف جودة ورداءة بحسب تربة القصب وجودة الطبخ كما ذكره أهل الخبرة بذلك وهو داخل في عموم منع الفقهاء السلم فيما دخلته النار للطبخ لكن صحح الماوردي السلم في القند ومقتضى ذلك أنه مثلى هذا لفظه في فتاويه وما جزم به في صدر كلامه فهما عن الأصحاب هو المتجه وبه نفتي وليست المسألة مصرحا بها في كلام الشيخين إلا أنها داخلة في عموم منعهما السلم فيما طبخ ويزيد على السكر غررا بما فيه من الاختلاف بحسب تربة القصب فتارة يحصل منه السكر كثيرا وتارة قليلا بخلاف السكر فإن هذا الغرر معدوم فيه والله أعلم.

باب القرض
مسألة - لو اقترض جارية مجوسية هل يجوز لكونه ممنوعا من وطئها الآن أم لا لاحتمال أن تسلم، ولو تزوج امرأة ولم يدخل بها فهل يجوز له أن يقترض ابنتها ولو اقترض الخنثى المشكل هل يجوز أم لا.
الجواب - أما الأوليان فالمتجه فيهما منع الاقتراض كما قاله الأسنوي في أخت الزوجة وعمتها وخالتها وأما الثالثة فيجوز ذلك منقول.

قطع المجادلة عند تغيير المعاملة
بسم الله الرحمن الرحيم

(1/135)


الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى، وبعد فقد كثر السؤال عما وقع كثيرا في هذه الأزمان وهو اختلاف الخصوم في المطالبة بعد المناداة على الفلوس كل رطل بثلاثين درهما بعد أن كانت بستة وثلاثين وهل يطالب من عليه الدين بقيمته يوم اللزوم أو يوم المطالبة وهل يأخذ من الفلوس الجدد المتعامل بها عددا بالوزن أو بالعدد فرأيت أن أنظر في ذلك وفي جميع فروعه تخريجا على القواعد الفقهية وكذا لو نودي على الذهب أو الفضة، وقد وقع في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة عكس ما نحن فيه وهو عزة الفلوس وغلوها بعد كثرتها ورخصها تكلم في ذلك قاضي القضاة جلال الدين البلقيني كلاما مختصرا فنسوقه ثم نتكلم بما وعدنا به: نقلت من خط شيخنا قاضي القضاة شيخ الإسلام علم الدين البلقيني رحمه الله قال في فوائد الأخ شيخ الإسلام جلال الدين وتحريره ما قال اتفق في سنة إحدى وعشرين وثمانمائة عزة الفلوس بمصر وعلى الناس ديون في مصر من الفلوس وكان سعر الفضة قبل عزة الفلوس كل درهم بثمانية دراهم من الفلوس ثم صار بتسعة وكان الدينار الأفلورى بمائتين وستين درهما من الفلوس والهرجة بمائتين وثمانين والناصري بمائتين وعشرة وكان القنطار المصري ستمائة درهم فعزت الفلوس ونودي على الدرهم بسبعة دراهم وعلى الدينار بناقص خمسين فوقع السؤال عمن لم يجد فلوسا وقد طلب منه صاحب دينه الفلوس فلم يجدها فقال أعطني عوضا عنها ذهبا أو فضة بسعر يوم المطالبة ما الذي يجب عليه، وظهر لي في ذلك أن هذه المسألة قريبة الشبه من مسألة أبل الدية والمنقول في ابل الدية أنها إذا فقدت فإنه يجب قيمتها بالغة ما بلغت على الجديد قال الرافعي فتقوم الإبل بغالب نقد البلد ويراعى صفتها في التغليظ فإن غلب نقدان في البلد تخير الجاني وتقوم الإبل التي لو كانت موجودة وجب تسليمها فإن كانت له ابل معيبة وجبت قيمة الصحاح من ذلك الصنف وإن لم يكن هناك ابل فيقوم من صنف أقرب البلاد إليهم، وحكى صاحب

(1/136)


التهذيب وجهين في أنه هل تعتبر قيمة مواضع الوجود أو قيمة بلد الأعواز لو كانت الإبل موجودة فيها والأشبه الثاني ووقع في لفظ الشافعي أنه يعتبر قيمة يوم الوجوب والمراد على ما يفهمه كلام الأصحاب يوم وجوب التسليم ألا تراهم قالوا إن الدية المؤجلة على العاقلة تقوم كل نجم منها عند محله وقال الروياني أن وجبت الدية والإبل مفقودة فتعتبر قيمتها يوم الوجوب أما إذا وجبت وهي موجودة فلم يتفق الأداء حتى أعوزت تجب قيمة يوم الاعواز لأن الحق حينئذ تحول إلى القيمة انتهى، قال فهذه تناظر مسألتنا لأنه وجب عليه متقوم معلوم الوزن وهو قنطارة من الفلوس مثلا فلم يجده فإن جرينا على ظاهرالنص الذي نقله الرافعي فلا يلزمه الحاكم إلا بقيمة يوم الإقرار فينظر في سعر الذهب والفضة يوم الإقرار ويحكم عليه القاضي بذلك وإن قلنا بما قاله الروياني فتجب قيمتها يوم الأعواز فإن الأقارير كانت قبل العزة - انتهى ما أجاب به ابن البلقيني، وأعلم أنه نحا في جوابه إلى اعتبار قيمة الفلوس، وذلك أنها عدمت أو عزت فلم تحصل إلا بزيادة والمثلى إذا عدم أو عز فلم يحصل إلا بزيادة لم يجب تحصيله كما صححه النووي في الغصب بل يرجع إلى قيمته، وإنما نبهت على هذا لئلا يظن أن الفلوس من المتقومات وإنما هي من المثليات في الأصح، والذهب والفضة المضروبان مثليان بلا خلاف إلا أن في المغشوش منهما وجها أنه متقوم، إذا تقرر هذا فأقول تترتب الفلوس في الذمة بأمور منها القرض وقد تقرر أن القرض الصحيح يرد فيه المثل مطلقا فإذا اقترض منه رطل فلوس فالواجب رد رطل من ذلك الجنس سواء زادت قيمته أم نقصت أما في صورة الزيادة فلأن القرض كالسلم وسيأتي النقل فيه، وأما في صورة النقص فقد قال في الروضة من زوائده ولو أقرضه نقدا فأبطل السلطان المعاملة به فليس له إلا النقد الذي أقرضه نص عليه الشافعي رضي الله عنه فإذا كان هذا مع إبطاله فمع نقص قيمته من باب أولى، ومن صورة الزيادة أن

(1/137)


تكون المعاملة بالوزن ثم ينادي عليها بالعدد ويكون العدد أقل وزنا وقولي فالواجب إشارة إلى ما يحصل الإجبار عليه من الجانبين هذا على دفعه وهذا على قبوله وبه يحكم الحاكم أما لو تراضيا على زيادة أو نقص فلا إشكال فإن رد أكثر من قدر القرض جائز بل مندوب وأخذ أقل منه إبراء من الباقي، وقولي من ذلك الجنس احتراز من غيره كأن أخذ بدله عروضا أو نقدا ذهبا أو فضة وهذا مرجعه إلى التراضي أيضا فإنه استبدال وهو من أنواع البيع ولا يجبر فيه واحد منهما فإن أراد أخذ بدله فلوسا من الجدد المتعامل بها عددا فهل هو من جنسه لكون الكل نحاسا أولا لاختصاصه بوصف زائد وزيادة قيمة محل نظر والظاهر الأول لكن لا إجبار فيها أيضا لاختصاصها بما ذكر فإن تراضيا على قدر فذاك وإلا فلا يجبر المدين على دفع رطل منها لأنه أزيد قيمة ولا يجبر الدائن على أخذ قدر منها عددا لأنه أنقص وزنا فإن عدمت الفلوس العتق فلم توجد أصلا رجع إلى قدر قيمتها من الذهب والفضة ويعتبر ذلك يوم المطالبة فيأخذ الآن لو قدر انعدامها في كل عشرة أرطال دينارا، ولو اقترض منه فلوسا عددا كستة وثلاثين ثم أبطل السلطان المعاملة بها عددا وجعلها وزنا كل رطل بستة وثلاثين كما وقع في بعض السنين فإن كان الذي قبضه معلوم القدر بالوزن رجع بقدره وزنا ولا تعتبر زيادة قيمته ولا نقصها، وإن لم يكن وزنه معلوما فهو قرض فاسد لأن شرط القرض أن يكون المقرض معلوم القدر بالوزن أو الكيل وقرض المجهول فاسد والعدد لا يعتبر به والمقبوض الفاسد يضمن بالمثل أو بالقيمة وهنا قد تعذر الرجوع إلى المثل للجهل بقدره فيرجع إلى القيمة وهل يعتبر قيمة ما أخذه يوم القبض أو يوم الصرف؟ الظاهر الأول فقد أخذ ما قيمته يوم قبضه ستة وثلاثون فيرد ما قيمته الآن كذلك وهو رطل أو مثله من الفضة أو الذهب.

(1/138)


(فرع) فإن وقع مثل ذلك في الفضة فإن اقترض منه أنصافا بالوزن ثم نودي عليها بأنقص أو بأزيد أو بالعدد أو اقترض عددا ثم نودي عليها بالوزن فلا يخفى قياسه على ما ذكرنا.
(فصل) ومنها السلم والأصح جوازه في الدراهم والدنانير والفلوس بشرطه ومعلوم أنه لا يتصور فيه قسم العدد لاشتراط الوزن فيه فإذا حل الأجل لزمه القدر الذي أسلم فيه وزنا سواء زادت قيمته عما كان وقت السلم أم نقصت ويجب تحصيله بالغا ثمنه ما بلغ فإن عدم فليس إلا الفسخ والرجوع برأس المال أو الصبر إلى الوجود ولا يجوز الاستبدال عنه فإن كان راس المال فلوسا وهي باقية بعينها أخذها وإن تلفت رجع إلى مثلها وزنا.

(1/139)


(فصل) ومنها ثمن ما بيع به في الذمة قال في الروضة وأصلها لو باع بنقد معين أو مطلق وحملناه على نقد البلد فأبطل السلطان ذلك النقد لم يكن للبائع إلا ذلك النقد كما لو أسلم في حنطة فرخصت فليس له غيرها وفيه وجه شاذ ضعيف أنه مخير إن شاء أجاز العقد بذلك النقد وإن شاء فسخه كما لو تغيب قبل القبض انتهى. فأقول هنا صور أحدها أن يبيع برطل فلوس فهذا ليس له إلا رطل زاد سعره أم نقص سواء كان عند البيع وزنا فجعل عددا أم عكسه وكذا لو باع باقية فضة أو عشرة أنصاف وهي خمسة دراهم أو دنانير ذهب ثم تغير السعر فليس إلا الوزن الذي سمى، الثانية أن يبيع بألف فلوسا أو فضة أو ذهبا ثم يتغير السعر فظاهر عبارة الروضة المذكورة أن له ما يسمى ألفا عند البيع ولا عبرة بما طرأ ويحتمل أن له ما يسمى ألفا عند المطالبة وتكون عبارة الروضة محمولة على الجنس لا على القدر وهذا الاحتمال وإن كان أوجه من حيث المعنى إلا أنه لا يتأتى في صورة الأبطال إذ لا قيمة حينئذ إلا عند العقد لا عند المطالبة ويرده أيضا التشبيه بمسألة الحنطة إذا رخصت، الثالثة أن يبيعه بعدد من الفضة أو من الفلوس كعشرة أنصاف أو مائة فلس في الذمة وهي مجهولة الوزن فهذا البيع فاسد والمقبوض به يرجع بقيمته فيما أطلقه الشيخان لا بما بيع به وليس من غرضنا وإن قلنا يرجع في المثلى منه بالمثل كما صححه الأسنوي فكان المبيع فلوسا فالحكم فيه كالمغضوب وسيأتي.
(فصل): ومنها الأجرة وفيها الصور الثلاثة المذكورة في البيع والرجوع في الثالثة إلى أجرة المثل.
(فصل): ومنها الصداق وفيه الصور المذكورة أيضا والرجوع في الثالثة إلى مهر المثل.

(1/140)


(فصل): ومنها بدل الغصب بأن غصب فلوسا أو فضة أو ذهبا ثم تغير سعرها فإن تغير إلى نقص لزمه رد مثل يساوي المغصوب في القيمة في أعلى أحواله من الغصب إلى التلف أو إلى زيادة لزمه رد المثل وزنا والزيادة للمالك فإن كان المغصوب عدديا فالقول قول الغاصب في قدر وزنه لأنه غارم.
(فصل): ومنها المقبوض بالبيع الفاسد وحكمه حكم الغصب وهو اعتبار أكثر القيمة من يوم القبض إلى يوم التلف.
(فصل): ومنها الإتلاف بلا غصب ويرجع فيه إلى المثل وزنا من غير اعتبار نقص ولا زيادة، وكذا لو بيعت الفلوس أو الفضة أو الذهب ثم حصل تقايل بعد تلفها رجع إلى مثلها وزنا، وكذا لو كانت ثمنا وتلفت ثم رد المبيع بعيب أو غيره، وكذا لو التقطت وجاء المالك بعد التملك والتلف فالرجوع في الكل إلى المثل وزنا ولا يعتبر ما طرأ من زيادة السعر أو نقصه، وكذا لو بيعت ثم حصل تخالف وفسخ وهي تالفة فيما صححه صاحب المطلب لكن الذي أطلقه الشيخان وجوب القيمة فيه وعلى هذا تعتبر قيمتها يوم التلف، ومنها لو استعيرت فإن الأصح جواز إعارة الدراهم والدنانير للتزين، والذي أطلقه الشيخان في تلف العارية الرجوع بالقيمة ويعتبر يوم التلف وصحح السبكي الرجوع بالمثل في المثلى والمعتمد إطلاق الشيخين، ومنها لو أخذت على جهة السوم فتلفت وفيها القيمة ويعتبر يوم القبض فيما صححه الإمام ويوم التلف فيما صححه غيره، ومنها لو أخذت على جهة الزكاة المعجلة واقتضى الحال الرجوع وهي تالفة رجع بمثلها وزنا، وكذا لو جعلت صداقا ثم تشطر وهي تالفة رجع بنصف مثلها وزنا، ومنها لو أداها الضامن عن المضمون حيث له الرجوع وحكمه حكم القرض.

(1/141)


(فصل: في حكم ذلك في الأوقاف) إذا شرط الواقف لأرباب الوظائف معلوما من أحد الأصناف الثلاثة ثم تغير سعرها عما كان حالة الوقف فله حالان الأول أن يعلق ذلك بالوزن بأن يشرط مثقالا من الذهب أو عشرة دراهم من الفضة أو رطلان من الفلوس فالمستحق الوزن الذي شرطه زاد سعره أم نقص، الثاني أن يعلقه بغيره كثلاثمائة مثلا ويكون هذا القدر قيمة الدينار يومئذ أو قيمة اثنى عشر درهما ونصفا أو قيمة عشرة أرطال من الفلوس فالعبرة بما قيمته ذلك فلو زاد سعر الدينار فصار بأربعمائة فله في الحال الأول دينار وفي الثاني ثلاثة أرباع دينار ولو نقص فصار بمائتين فله في الحال الأول دينار وفي الثاني دينار ونصف، وكذا لو زادت قيمة دراهم الفضة أو نقصت أو قيمة أرطال الفلوس فالمستحق ما يساوي ثلاثمائة في الحال الثاني وما هو الوزن المقرر في الحال الأول.
(فصل): إذا تحصل ريع الوقف عند الناظر أو المباشر أو الجابي فنودي عليه برخص نظر فإن حصل منه تقصير في صرفه بأن شرط الواقف الصرف في كل شهر فحصل الريع في الشهر الثاني وآخر الصرف يوما واحدا مع حضور المستحقين في البلد عصى وإثم ولزمه ضمان ما نقص بالمنادى في ماله لأنه كالغاصب بوضع يده عليه وحبسه عن المستحقين وإن نودي عليه والحالة هذه بزيادة كانت للوقف كما هو واضح وإن لم يحصل منه تقصير بأن كان شرط الواقف الصرف في كل سنة مثلا فحصل الريع قبل تمام السنة أو حصل عند الوقت الذي شرط الصرف عنده بعض الريع وهو يسير جدا بحيث لا يمكن قسمته وآخر ليجتمع ما يمكن قسمته فهذا لا تقصير فيه والنقص الحاصل يكون من ضمان الوقف ولا يدخل على المستحقين منها شيء كما لو رخصت أجرة عقار الوقف فإنه على الوقف ولا ينقص بسببها شيء من معاليم المستحقين ولو نودي عليه والحالة هذه بزيادة كانت للوقف ثم عند الصرف إلى المستحقين يراعى ما قدمناه في الحالين المذكورين في الفصل الذي قبل هذا ويعمل بما يقتضيه.

(1/142)


(فصل: في الوصية) إذا أوصى له بأحد الأصناف الثلاثة وتغير سعرها من الوصية إلى الموت فالظاهر أنها على الحالين المذكورين في الوقف إن علق بالوزن فللموصى له ما ذكر سواء زاد السعر أم نقص كما لو أوصى له بثوب فزادت قيمته أو نقصت وإن علق بالقدر استحق القدر المسمى.
(فصل): ومما وقع السؤال عنه من طلق زوجته وله منها ولد وقرر له القاضي فرضا كل شهر مائة درهم بمعاملة تاريخه فهل يلزمه عند تغير السعر ما قدره مائة يوم التقرير أو يوم الدفع وأقول إن كان الولد رضيعا والتقرير أجرة الرضاع فالحكم ما سبق في الأجرة إنها على ثلاث صور وهذه الصورة هي الثانية فظاهر ما في الروضة في مسألة البيع أن عليه ما يسمى مائة عند التقرير وعلى الاحتمال الذي ذكرناه أن عليه ما يسمى مائة عند المطالبة وإن كان الوليد فطيما فالمقرر نفقة القريب وأصل الواجب فيها إنما هو الأصناف بقدر الكفاية فإذا رأى الحاكم تقرير عوض عن ذلك من النقود أو الفلوس ثم تغير السعر فهذا الذي قرر ليس بلازم بدليل إنه لو زاد سعر القوت والادم احتيج إلى زيادة على المقرر فالواجب عليه في هذه الصورة ما يسمى مائة عند المطالبة قطعا ولا يطرقه احتمال أصلا.
(فصل): ودين المكاتبة يأتي فيه ما في البيع ودين المخارجة ليس بالازم والمدار فيه على قدرة العبد.

(1/143)


(فصل): ووقع السؤال عن طباخ الشيخونية يأخذ أنصباء المستحقين من الطعام والخبز فيبيعها ثم يدفع لهم في آخر الشهر قدرا معلوما أقل مما باع به وأقول إن كان أخذه لها على جهة الشراء من أربابها فهذا اشتراء فاسد لأنه شراء لما لم يوجد بعد فحكمه في البيع والقبض حكم المبيع الفاسد فيضمنه بقيمته من النقود وإن كان على جهة أنه وكيل عن أربابها في البيع فهو وكيل بجعل فبيعه وقبضه صحيح ثم إن جعل ثمن نصيب كل واحد على حدة ولم يخلطه بغيره ولا تصرف فيه دفعه إليه برمته وله منه القدر الذي شرط له كالثلث مثلا وإن تصرف فيه فهو متعد بالتصرف فيه فالقدر الذي تصرف فيه يضمنه بمثله والباقي يدفعه بعينه وإن خلطه ضمنه أيضا بمثله.
(فرع): من فتاوى ابن الصلاح سئل عن رجل تزوج امرأة على مبلغ من الفلوس في الذمة فانعدم النحاس فهل يرجع إلى قيمة الفلوس بقيمة البلد الذي عقدوا النكاح فيه أم بقيمة البلد الذي تطالب فيه؟ فأجاب لا يرجع إلى قيمتها أصلا كما لا يرجع إلى قيمة المسلم فيه عند تعذره وإنما يثبت لها الرجوع إلى مهر المثل بالفسخ أو الانفساخ.
وهذه فوائد نختم بها الكتاب:
(الأولى) يكره للإمام أبطال المعاملة الجارية بين الناس لما أخرجه أبو داود عن ابن مسعود قال نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تكسر سكة المسلمين الجارية بينهم إلا من بأس.
(الثانية) أخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن كعب قال أول من ضرب الدينار والدرهم آدم عليه السلام.
(الثالثة) قال في شرح المهذب قال الشافعي والأصحاب يكره للإمام ضرب الدراهم المغشوشة للحديث الصحيح (من غش فليس منا) ولأن فيه إفسادا للنقود وإضرارا بذوي الحقوق وغلاء الأسعار وانقطاع الاجلاب وغير ذلك من المفاسد قال أصحابنا ويكره لغير الإمام ضرب المغشوش لما ذكرناه في الإمام ولأن فيه افتئاتا على الإمام ولأنه يخفى فيغتر به بخلاف ضرب الإمام.

(1/144)


(الرابعة) قال الأصحاب يكره لغير الإمام ضرب الدراهم والدنانير وإن كانت خالصة لأنه من شأن الإمام ولأنه لا يؤمن فيه الغش والإفساد.
(الخامسة) قال الأصحاب من ملك دراهم مغشوشة كره له إمساكها بل يسكبها ويصفيها قال القاضي أبو الطيب إلا إذا كانت دراهم البلد مغشوشة فلا يكره إمساكها قال في شرح المهذب وقد نص الشافعي على كراهة إمساك المغشوشة واتفق عليه الأصحاب لأنه يغر به ورثته إذا مات وغيرهم في الحياة كذا علله الشافعي وغيره.
(السادسة) قال في شرح المهذب إذا كان الغش في الدراهم مستهلكا بحيث لو صفيت لم يكن له صورة جازت المعاملة بها بالاتفاق وإن لم يكن مستهلكا فإن كانت الفضة معلومة لا تختلف صحة المعاملة بها على عينها الحاضرة وفي الذمة بالاتفاق أيضا، وإن كانت الفضة التي فيها مجهولة ففيها أربعة أوجه: أصحها الجواز بعينه وفي الذمة لأن المقصود رواجها ولا يضر اختلاطها بالنحاس كما لا يضر بيع المعجونات بالاتفاق وإن كانت أفرادها مجهولة المقدار، والثاني المنع لأن المقصود الفضة وهي مجهولة كما لا يجوز بيع اللبن المخلوط بالماء بالاتفاق، والثالث يصح بأعيانها ولا يصح التزامها في الذمة كما يجوز بيع الحنطة المختلطة بالشعير بعينه ولا يصح السلم فيها ولا قرضها، والرابع إن كان الغش فيها غالبا لم يجز وإلا جاز.

(1/145)


(السابعة) قال الخطابي كان أهل المدينة يتعاملون بالدراهم عددا وقت قدوم رسول الله صلى الله عليه وسلم ويدل عليه قول عائشة في قصة شرائها بريرة إن شاء أهلك أن أعدها لهم عدة واحدة فعلت تريد الدراهم فأرشدهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى الوزن وجعل المعيار وزن أهل مكة وكان الوزن الجاري بينهم في الدرهم ستة دوانيق وهو درهم الإسلام في جميع البلدان وكانت الدراهم قبل الإسلام مختلفة الأوزان في البلدان فمنها البغلي وهو ثمانية دوانيق والطبرى أربعة دوانيق، وكانوا يستعملونها مناصفة مائة بغلية ومائة طبرية فكان في المئتين منها خمسة دراهم زكاة فلما كان زمن بني أمية قالوا إن ضربنا البغلية ظن الناس أنها التي تعتبر للزكاة فيضر الفقراء وإن ضربنا الطبرية ضر أرباب الأموال فجمعوا الدرهم البغلي والطبرى وفعلوهما درهمين كل ستة دوانيق وأما الدنانير فكانت تحمل إليهم من بلاد الروم فلما أراد عبد الملك بن مروان ضرب الدنانير والدراهم سأل عن أوزان الجاهلية فأجمعوا له على أن المثقال اثنان وعشرون قيراطا إلا حبة بالشامي وإن كل عشرة من الدراهم سبعة مثاقيل فضربها انتهى كلام الخطابى، وقال الماوردي في الأحكام السلطانية استقر في الإسلام وزن الدرهم ستة دوانيق كل عشرة سبعة مثاقيل واختلف في سبب استقرارها على هذا الوزن فقيل كانت في الفرس ثلاثة أوزان منها درهم على وزن المثقال عشرون قيراطا ودرهم اثنا عشر ودرهم عشر فلما احتيج في الإسلام إلى تقديره أخذ الوسط من جميع الأوزان الثلاثة وهو اثنان وأربعون قيراطا فكان أربعة عشر قيراطا من قراريط المثقال وقيل أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى الدراهم مختلفة منها البغلي ثمانية دوانيق والطبري أربعة دوانيق واليمنى دانق واحد فقال انظروا أغلب ما يتعامل الناس به من أعلاها وأدناها فكان البغلي والطبري فجمعا فكانا اثنا عشر دانقا فأخذ نصفها فجعلها ستة دوانيق فجعله درهم الإسلام، قال واختلف في أول

(1/146)


من ضربها في الإسلام فحكى عن سعيد بن المسيب أن أول من ضربها في الإسلام عبد الملك بن مروان قال أبو الزناد أمر عبد الملك بضربها في العراق سنة أربع وسبعين من الهجرة وقال المدائني بل ضربها في آخر سنة خمس وسبعين ثم أمر بضربها في النواحي سنة ست وسبعين قال وقيل أول من ضربها مصعب بن الزبير بأمر أخيه عبد الله بن الزبير سنة سبعين على ضرب الأكاسرة ثم غيرها الحجاج انتهى كلام الماوردي. وقال ابن عبد البر في التمهيد كانت الدنانير في الجاهلية وأول الإسلام بالشام وعند عرب الحجاز كلها رومية تضرب بلاد الروم عليها صورة الملك واسم الذي ضربت في أيامه مكتوب بالرومية ووزن كل دينار منها مثقال كمثقالنا هذا وهو وزن درهمين ودانقين ونصف وخمسة أسباع حبة وكانت الدراهم بالعراق وأرض المشرق كلها كسروية عليها صورة كسرى واسمه فيها مكتوب بالفارسية ووزن كل درهم منها مثقال فكتب ملك الروم واسمه لآوى بن قرفط إلى عبد الملك أنه قد أعد له سككا ليوجه بها إليه فيضرب عليها الدنانير فقال عبد الملك لرسوله لا حاجة لنا فيها قد عملنا سككا نقشنا عليها توحيد الله واسم رسوله صلى الله عليه وسلم، وكان عبد الملك قد جعل للدنانير مثاقيل من زجاج لئلا تغير أو تحول إلى زيادة أو نقصان وكانت قبل ذلك من حجارة وأمر فنودي أن لا يتبايع أحد بعد ثلاثة أيام من ندائه بدينار رومي فضرب الدنانير العربية وبطلت الرومية، وقال القاضي عياض لا يصح أن تكون الأوقية والدراهم مجهولة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه وسلم وهو يوجب الزكاة في أعداد منها ويقع بها المبايعات والأنكحة كما ثبت في الأحاديث الصحيحة قال وهذا يبين أن قول من زعم أن الدراهم لم تكن معلومة إلى زمن عبد الملك بن مروان وأنه جمعها برأي العلماء وجعل كل عشرة وزن سبعة مثاقيل ووزن الدرهم ستة دوانيق قول باطل وإنما معنى ما نقل من ذلك أنه لم يكن منها شيء من ضرب الإسلام وعلى صفة لا تختلف بل كانت

(1/147)


مجموعات من ضرب فارس والروم وصغارا وكبارا وقطع فضة غير مضروبة ولا منقوشة ويمنية ومغربية فرأوا صرفها إلى ضرب الإسلام ونقشه وتصيّرها وزنا واحدا وأعيانا يستغني فيها عن الموازين فجمعوا أكبرها وأصغرها وضربوه على وزنهم. وقال الرافعي أجمع أهل العصر الأول على التقدير بهذا الوزن وهو أن الدرهم ستة دوانيق كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل ولم يتغير المثقال في الجاهلية ولا الإسلام. وقال النووي في شرح المهذب الصحيح الذي يتعين اعتماده واعتقاده أن الدراهم المطلقة في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت معلومة الوزن معروفة المقدار وهي السابقة إلى الإفهام عند الإطلاق وبها تتعلق الزكاة وغيرها من الحقوق والمقادير الشرعية ولا يمنع من هذا كونه كان هناك دراهم أخرى أقل أو أكثر من هذا القدر فإطلاق النبي صلى الله عليه وسلم الدراهم محمول على المفهوم عند الإطلاق وهو كل درهم ستة دوانيق كل عشرة سبعة مثاقيل وأجمع أهل العصر الأول فمن بعدهم إلى يومنا هذا ولا يجوز أن يجمعوا على خلاف ما كان في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وخلفائه الراشدين. وأما مقدار الدرهم والدينار فقال الحافظ أبو محمد عبد الحق في كتاب الأحكام قال ابن حزم بحثت غاية البحث عند كل من وثقت بتميزه فكل أتفق على أن دينار الذهب بمكة وزنه ثنتان وثمانون حبة وثلاثة أعشار حبة من حب الشعير المطلق والدرهم سبعة أعشار المثقال فوزن الدرهم المكي سبع وخمسون وستة أعشار حبة وعشر عشر حبة والرطل مائة درهم وثمانية وعشرون درهما بالدرهم المذكور- هذا كلام ابن حزم، قال النووي بعد إيراده في شرح المهذب وقال غير هؤلاء وزن الرطل البغدادي مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم وهو تسعون مثقالا انتهى. وقال ابن سعد في الطبقات حدثنا محمد بن عمر الواقدي حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه قال ضرب عبد الملك ابن مروان الدنانير والدراهم سنة خمس وسبعين وهو أول من أحدث ضربها

(1/148)


ونقش عليها، وفي الأوائل للعسكري أنه نقش عليها اسمه، وأخرج ابن عساكر في تاريخه من طريق الحميدي عن سفيان قال سمعت أبي يقول أول من وضع وزن سبعة الحارث بن أبي ربيعة يعني العشرة عددا سبعة وزنا، وأخرج ابن عساكر عن مغيرة قال أول من ضرب الدراهم الزيوف عبيد الله بن زياد وهو قاتل الحسين. وفي تاريخ الذهبي أول ضرب الدراهم في بلاد المغرب عبد الرحمن بن الحكم الأموي القائم بالأندلس في القرن الثالث وإنما كانوا يتعاملون بما يحمل إليهم من دراهم المشرق، وأخرج ابن أبي حاتم في تفسيره عن أبي جعفر قال القنطار خمسة عشر ألف مثقال والمثقال أربعة وعشرون قيراطا، وأخرج ابن جرير في تفسيره عن السدي في قوله تعالى (والقناطير المقنطرة) قال يعني المضروبة حتى صارت دنانير أو دراهم.
(الفائدة الثامنة) في تحرير الدراهم النقرة التي كان يتعامل بها في القرن الثامن وشرطها أرباب الدولة القلاوونية في أوقافهم كشيخون وصرغتمش ونحوهما قال الذهبي في تاريخه في سنة اثنتين وثلاثين وستمائة أمر الخليفة المستنصر بضرب الدراهم الفضة ليتعامل بها بدلا عن قراضة الذهب فجلس الوزير وأحضر الولاة والتجار والصيارفة وفرشت الانطاع وأفرغ عليها الدراهم وقال الوزير قد رسم مولانا أمير المؤمنين بمعاملتكم بهذه الدراهم عوضا عن قراضة الذهب رفقا بكم وإنقاذا لكم من التعامل بالحرام من الصرف الربوي فأعلنوا بالدعاء ثم أديرت بالعراق وسعرت كل عشرة بدينار فقال الموفق أبو المعالي بن أبي الحديد الشاعر في ذلك:
لا عدمنا جميل رأيك فينا * أنت باعدتنا عن التطفيف
ورسمت اللجين حتى ألفنا * ه وما كان قبل بالمألوف
ليس للجمع كان منعك للصر * ف ولكن للعدل والتعريف

(1/149)


وقال أبن كثير في تاريخه في سنة ست وخمسين وسبعمائة رسم السلطان الملك الناصر حسن بضرب فلوس جدد على قدر الدينار ووزنه وجعل كل أربعة وعشرين فلسا بدرهم وكان قبل ذلك الفلوس العتق كل رطل ونصف بدرهم. وهذا صريح في أن الدراهم النقرة كان سعرها كل درهم ثلثا رطل من الفلوس كما أن ما قاله الذهبي صريح في أنه كان سعرها حين ضربت كل درهم عشر دينار. وقال الحافظ ابن حجر في تاريخه أنباء الغمر في سنة ست وسبعين وسبعمائة بيع الإردب القمح بمائة وخمسة وعشرين درهما نقرة وقيمتها إذ ذاك ست مثاقيل ذهب وربع انتهى. وهذا على أن كل عشرين درهما مثقال. وقال ابن حجر أيضا في هذه السنة غلا البيض بدمشق فبيعت الحبة الواحدة بثلث درهم من حساب ستين بدينار، وهذا أيضا على أن كل عشرين درهما مثقال.
(التاسعة) التعامل بالفلوس قديم، قال الجوهري في الصحاح الفلس يجمع على أفلس وفلوس وقد أفلس الرجل صار مفلسا كأنما صارت دراهمه فلوسا وزيوفا ويجوز أن يراد به أنه صار إلى حال يقال فيها ليس معه فلس انتهى. وهذا يدل على وجودها في زمن العرب وقال سعيد بن منصور في سننه ثنا محمد بن أبان عن حماد عن إبراهيم قال لا بأس بالسلف في الفلوس- أخرجه الشافعي في الأم والبيهقي في سننه دليلا على أنه لا ربا في الفلوس، وإبراهيم هو النخعي، وهذا يدل على وجودها في القرن الأول، وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف عن مجاهد قال لا بأس بالفلس بالفلسين يدا بيد، وأخرج عن حماد مثله، وأخرج عن الزهري أنه سئل عن الرجل 0يشتري الفلوس بالدراهم قال هو صرف فلا تفارقه حتى تستوفيه، وذكر الصولي في كتاب الأوراق أنه في سنة إحدى وسبعين ومائتين ولى هرون بن إبراهيم الهاشمي حسبة بغداد في زمن الخليفة المعتمد فأمر أهل بغداد أن يتعاملوا بالفلوس فتعاملوا بها على كره ثم تركوها.

(1/150)


(العاشرة) أخرج سعيد بن منصور في سننه عن عمر بن الخطاب قال من زافت عليه ورقة فلا يخالف الناس أنها طياب وليبتع بها سمل ثوب أو سحق ثوب، وأخرج أيضا عن الشعبي أن عبد الله بن مسعود باع نفاية بيت المال زيوفا وقسيات بدراهم دون وزنها فذكر ذلك لعمر بن الخطاب فنهاه وقال أوقد عليها حتى يذهب ما فيها من نحاس أو حديد حتى تخلص الفضة ثم بع الفضة بوزنها.
(الحادية عشرة) أخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب قال قرض الدنانير والدراهم من الفساد في الأرض، وأخرج عن عطاء في قوله تعالى (وكان في المدينة تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون) قال كانوا يقرضون الدراهم
(الثانية عشر) قال العسكري في الأوائل أول من اتخذ ألسنة الموازين من الحديد عبد الله بن عامر بن كريز.

باب الرهن
مسألة - رجل رهن بيتا فيه مطلقته المعتدة فهل يصح القبض له عن الرهن وهو مشحون بأمتعة مطلقته.

(1/151)


الجواب - يتوقف على مقدمة وهي أن الشيخين في الشرح والمحرر والروضة والمنهاج وشرح المهذب عبرا في قبض العقار بأن قالا يحصل بالتخلية والتمكين منه بشرط فراغه من أمتعة البائع، وكذا عبر البغوي في التهذيب والقمولي في الجواهر فاختلف المتأخرون في لفظة البائع هل هي قيد أو مثال فقال الأسنوي في شرح المنهاج خرج بقوله أمتعة البائع أمتعة المشتري والمستعير والمستأجر والغاصب ثم قال و في هذا التعميم نظر ولم يتعرض لذلك في المهمات، ونقل الشيخ ولي الدين العراقي هذا الكلام في شرح البهجة واقتصر عليه ولم يتعرض له في النكت، وكذا قال ابن الملقن تقييده بأمتعة البائع يخرج ما عداه كأمتعة المشتري والمستأجر، وكذا ابن النقيب في نكته وأما السبكي فلم يذكر شيئا بل قال عقب عبارة المنهاج فيشترط في صحة التسليم تفريغها وقال الأذرعي في الغنية ذكر البائع يوهم التقييد به وأمتعة المستعير والمستأجر والموصى له بالمنفعة والغاصب كأمتعة البائع أما لو كانت مشغولة بأمتعة المشتري فالظاهر أنه لا يشترط التفريغ لصحة القبض، وقال في التوسط قوله بأمتعة البائع مثال ثم ذكر ما تقدم وقال ويحتمل أنه احترز بأمتعة البائع عن أمتعة المشتري والظاهر أنه خرج على الغالب ولا مفهوم له، وأغرب الأسنوي فقال في شرح المنهاج أنه يخرج ما عداه واغتر به من شرح المنهاج من أصحابه وهذا تخليط ولم ينظر قوله في السفينة مشحونة بالقماش وهو يشمل قماش البائع وغيره انتهى ويشير إلى ذلك قول ابن المقري في مختصر الروضة بشرط فراغه من متاع فنكره ليعم متاع البائع وغيره، إذا علمت ذلك فنعود إلى مسألتنا فالقبض في الرهن كالقبض في البيع فان كان مشغولا بأمتعة الراهن لم يصح بلا شك أو لا المرتهن صح بلا شك أو المستأجر ونحوه فعلى جعله قيدا صح وعلى جعله مثالا لا يصح وأمتعة المعتدة ليست كالمالك خلافا لمن توهم ذلك بل المستأجر كما يفهم من تصرفاتهم في بيع الدار المستحقة لسكنى المعتدة

(1/152)


والظاهر في المستأجر ونحوه عدم الصحة.
مسألة –
ماذا تقولون لا زال الزمان بكم * زاه وعلمكم في الأرض منتشرا
في مسلم أسلم الذمي توثقة * في الدين رهنا على حق بغير مرا
فضاع ليلا من البيت الذي سرقت * حاجاته ثم شاع القول واشتهرا
فخاصم المسلم الذمي مدعيا * برهنه عند قاض شافعي ذكرا
فألزم الحاكم الذمي معتمدا * ما لم يقله إمام كان معتبرا
هل حكمه باطل يا ذا العلوم * وهل للشافعية نقل بالذي صدرا
جوزيتم بنعيم في الجنان غدا * عند الآله الذي للعالمين برا
ثم الصلاة وتسليم الآله على * طه الحبيب ومن والاه أو نصرا <ص
ما لاح برق وما ناحت مطوقة * على الغصون وهبت نسمة سحرا
الجواب –
أقول من بعد حمد الله جل على * أنعامه وأجل الحمد من شكرا
ثم الصلاة على خير البرية من * عمت رسالته من جاء أو غبرا
أن يسرق الرهن من حرز يليق فلا * ضمان يلزم من ذا في يديه جرى
وقوله بيمين منه نقبله * ولم يكلف بيانا فهو ما ظهرا
وإن يقتصر ولم يجعله في سكن * حرز يليق به يضمنه معتبرا
قد خط معتمدا أحكام مذهبه * هذا جواب ابن الأسيوطي مستطرا

باب الصلح
مسألة - زقاق غير نافذ به بيوت وعلى كتفه مخزن فأراد صاحب البيوت أن يبني على الزقاق بابا يصون به بيوته ويبني على الباب طبقة فهل لصاحب المخزن منعه.
الجواب - إن كان باب المخزن داخل الزقاق فله المنع من بناء باب وطبقة علوه إن كان ذلك بحيث يصير باب المخزن داخل الباب وإن كان الباب يبني داخلا بحيث يصير باب المخزن خارجه فليس له المنع.
مسألة - رجلان لهما منزل مشترك فباع أحدهما حصته لآخر وللمشتري بجواره منزل فجدد عمارة منزله وأضاف له قطعة من المشترك من غير قسمة فهل يلزمه هدمه أو قيمة نصف القطعة.
الجواب - ينبغي أن يقسم فان خرج له الشق الذي فيه البناء اختص به ولا شيء عليه وإلا خير شريكه بين القلع بلا غرم وبين الإبقاء بالأجرة.

باب الحوالة

(1/153)


مسألة - فيمن جبى بالأمانة ريع وقف بإذن ناظر شرعي وصرف ذلك للمستحقين والعمارة بأذنه وفضل له شيء ومن الوقف حمام تجمد على مستأجرها من أجرتها شيء فأحال الناظر الجابي عليه بما فضل له فهل تصح الحوالة أم لا.
الجواب - نعم وهي عبارة عن تعيين جهة للدين المستقر على الوقف.
مسألة - رجل أحال رجلا بدين له على آخر ثم تقايلا أحكام الحوالة ومات المحتال فادعى وارثه على المحال عليه بالمبلغ المحال به وقبضه منه فهل له الرجوع.
الجواب - المنقول عن الرافعي أنه جزم بعدم صحة الإقالة في الحوالة وان كان البلقيني حكى عن الخوارزمي فيها خلافا وصحح الجواز فعلى ما جزم به الرافعي يكون ما قبضه وارث المحتال من المحال عليه صحيحا واقعا موقعه ولا رجوع عليه.
مسألة - شخص له على آخر دين به ضمان أحال به شخصا على ذمة الأصيل والضامن فهل الحوالة صحيحة أم لا وإذا صحت فهل يطالب الأصيل على انفراده أو الضامن أو هما معا.
الجواب - هذه الحوالة باطلة فان الرافعي والنووي حكيا في صحتها وجهين ولم يرجحا شيئا وصحح البلقيني البطلان ووجهه كما قال في الروضة أن صاحب الدين كان له مطالبة واحد فلا يستفيد بالحوالة زيادة صفة.
مسألة - رجل له على رجل دين فمات الدائن وله ورثة فأخذ الأوصياء من المدين بعض الدين وأحالهم على آخر بالباقي فقبلوا الحوالة وضمنوا آخر فمات المحال عليه فهل لهم الرجوع على المحيل أم لا.
الجواب - يطالبون الضامن وتركة المحال عليه فان تبين إفلاسهما بان فساد الحوالة لأنها لم تقع على وفق المصلحة للأيتام فيرجعون على المحيل.

باب الضمان

(1/154)


مسألة - قال أئمتنا فيمن أذن لرجل أن يؤدي عنه دينه وهو عشرة فصالح المأذون رب الدين منها على نصفها أنه يرجع بالعشرة ولو أن رب الدين والحالة هذه أبرأ من خمسة وقبض خمسة رجع المأذون بخمسة فقط وهم مصرحون بأن الصلح من الدين على بعضه إبراء لباقية فأما أن لا يكون كل صلح حطيطة إبراء من الباقي وأما أن يفرق بين ابراء وإبراء بفرق يعقل معناه.
الجواب - قول السائل في صورة الصلح أنه يرجع بعشرة ممنوع فإن المنقول في الروضة في الصورتين معا أن المأذون لا يرجع إلا بخمسة ولم يحك في ذلك خلافا وإنما اختلفت الصورتان في أن صورة الصلح يبرأ فيها الضامن والأصيل من الخمسة الباقية وصورة الإبراء لا يبرأ فيها من الخمسة الباقية إلا الضامن فقط ويبقى الأصيل وهذا هو محط الأشكال فانقلب الأمر على السائل وقد فرق بينهما بفرق معقول فلينظر من كلامه.
مسألة - رجل ضمن شخصا بإذنه في عشرين دينارا وللمضمون المديون عند الضامن مال وديعة فقال له أد العشرين مما عندك ثم أنه وكل وكيلا في قبض الوديعة فهل للضامن إمساك الوديعة عنده حتى يقض منها الدين أم لا.
الجواب - نعم له ذلك.
مسألة - رجل ضمن رجلا في دين ثم مات الضامن وترك ورثة أخذوا ما خلفه فطالب الدائن بعض الورثة بالدين فأجابه بأنه إنما يلزمه قدر حصته من الميراث فقال بل يلزمك الكل بمقتضى أن القدر الذي خصه من الإرث يستغرق جميع الدين فهل يلزمه ذلك.
الجواب - إنما يلزمه على قدر نسبة ماله من الإرث.
مسألة –
يا منشئا لعلوم ما سبقت لها * يا عالم الزمن المشهور كالعلم
ماذا جوابك يا بحر العلوم ويا * مفتي الأنام ومجلى حندس الظلم
في رب دين على شخص أقربه * مع رفقة ضمنوا في المال والذمم
أحال ذو المال شخصا بالمقربة * على الأصيل وضمان بجمعهم
فهل لمحتال هذا المال من طلب * لضامن قادر خال من العدم
أو لا يطالب ضمانا لما ضمنوا * إلا الأصيل فقد بين شفا ألمى

(1/155)


أثابك الله جنات مزخرفة * بجاه خير البرايا أشرف الأمم
الجواب –
الله أحمد حمدا غير منفصم * ثم الصلاة على المبعوث للأمم
ما للذي احتال إن صححت من طلب * إلا الأصيل فقط فاحكم ولا تجم
ولا يطالب ضمانا بما ضمنوا * فالنقل في ذاك باد فيه للحكم

باب الإبراء
مسألة - أبرأك الله هل تصح بها البراءة.
الجواب - وقع في زوائد الروضة في البيع أنه نقل عن الغزالي وأقره أن باعك الله وأقالك الله وزوجك الله كناية، ولم يذكر سوى هذه الثلاثة وذكر في أصل الروضة نقلا عن العبادي أن طلقك الله وأعتقك الله يقع به الطلاق والعتاق، ثم قال وظاهر هذا أنه صريح وذكر البوشنجي أنه كناية قال وقول صاحب الدين للغريم أبرأك الله كقول الزوج طلقك الله انتهى. فمقتضى ما ذكره في البيع تصحيح مقالة البوشنجي أن الكل كناية ويرشد إليه استدرك مقالة العبادي بمقالته.
مسألة - رجل نزل لآخر عن إقطاع والتزم له أنه إذا صار اسمه في الديوان أعطاه مائتي دينار فلما صار اسمه في الديوان أعطاه بعضها وأبرأه من الباقي فهل تصح.
الجواب - هذا الالتزام إن كان بطريق النذر كما هو العادة الآن فالذي يظهر لي أنه لا تصح البراءة ولو تراضيا لأن النذر لا تصح البراءة منه لما فيه من حق الله كالزكاة والكفارة ويحتمل الصحة لأن الحق فيه لمعين بخلاف سائر النذور والزكاة والكفارة والأول أظهر كما لو انحصرت صفة الاستحقاق في معين فإنه لا تصح البراءة منه وأما إن كان هذا الالتزام لا بطريق النذر بل في مقابلة النزول وقلنا بصحة ذلك كما استنبطه السبكي من خلع الأجنبي فإن البراءة منه تصح كما للخلع.

بذل الهمة في طلب براءة الذمة
بسم الله الرحمن الرحيم
مسألة - رجل اغتاب رجلا بسب أو نحوه أو قذفه أو خانه في أهله ثم إنه تاب بعد ذلك فهل يكفي في ذلك توبته ورجوعه إلى الله وكثرة ذكره وعبادته أم لا بد من تحلله من ذلك وذكره له ما ظلمه به إذا لم يكن علمه.

(1/156)


الجواب - لا بد من تحلله من ذلك وذكره له ما ظلمه به لأن ذلك من شروط التوبة وما لم تصح التوبة لم يكفر الذنب المتعلق بالآدمي شيء، وإنما لا يحتاج إلى ذلك حيث تعذر الوقوف على صاحب الحق لموت أو نحوه - هذا الذي جزمت به هو الموافق لنقل العلماء من أصحابنا وللآثار: أما النقل فقال الشيخ محي الدين النووي في الأذكار في باب كفارة الغيبة والتوبة منها أعلم أن كل من ارتكب معصية لزمه المبادرة إلى التوبة منها والتوبة من حقوق الله يشترط فيها ثلاثة أشياء أن يقلع عن المعصية في الحال وأن يندم على فعلها وأن يعزم أن لا يعود إليها، والتوبة من حقوق الآدميين يشترط فيها هذه الثلاثة ورابع وهو رد الظلامة إلى صاحبها وطلب عفوه عنها والإبراء منها فيجب على المغتاب التوبة بهذه الأمور الأربعة لأن الغيبة حق آدمي ولا بد من استحلاله من اغتابه وهل يكفيه أن يقول قد اغتبتك فاجعلني في حل أم لا بد أن يبين ما اغتابه به فيه وجهان لأصحابنا أحدهما يشترط بيانه فإن أبرأه من غير بيانه لم يصح كما لو أبرأه من مال مجهول، والثاني لا يشترط لأن هذا مما لا يتسامح فيه ولا يشترط علمه بخلاف المال والأول أظهر لأن الإنسان قد يسمح بالعفو عن غيبة دون غيبة فإن كان صاحب الغيبة ميتا أو غائبا فقد تعذر تحصيل البراءة منها لكن قال العلماء ينبغي أن يكثر الاستغفار له والدعاء ويكثر من الحسنات - هذا كلام النووي بحروفه، وقال الشيخ تقي الدين السبكي في تفسيره قد ورد في الغيبة تشديدات كثيرة حتى قيل إنها أشد من الزنا من جهة أن الزاني يتوب فيتوب الله عليه والغائب لا يتاب عليه حتى يستحل من المغيب روى ذلك في حديث لكن سنده ضعيف قال وهذا وإن كان في حقوق الآدميين كلها ففي الغيبة شيء آخر وهو هتك الأعراض وانتقاص المسلمين وإبطال الحقوق بما قد يترتب عليها وإيقاع الشحناء والعداوات ثم قال فإن قلت ما تقول في حديث كفارة الاغتياب أن تستغفر لمن اغتبته قلت: في سنده من

(1/157)


لا يحتج به وقواعد الفقه تأباه لأنه حق آدمي فلا يسقط إلا بالإبراء فلا بد أن يتحلل منه فإن مات وتعذر ذلك قال بعض الفقهاء يستغفر له فإما أن يكون أخذه من هذا الحديث وإما أن يكون المقصود أن يصل إليه من جهته حسنات عسى أن يعدل ما احتمل من سيئاته وأن يكون سببا لعفوه عنه في عرصات القيامة وإلا فالقياس أن لا يسقط أيضا نعم بالنسبة إلى الإحكام الدنيوية كقبول الشهادة ونحوها إذا تحققت منه التوبة وعجز عن التحلل منه بموت ونحوه يكفي ذلك انتهى، وأما الآثار فأخرج ابن أبي الدنيا في كتاب الصمت والطبراني في الأوسط والأصبهاني في الترغيب عن جابر بن عبد الله وأبي سعيد الخدري قالا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الغيبة أشد من الزنا قيل وكيف قال الرجل يزني ثم يتوب فيتوب الله عليه وإن صاحب الغيبة لا يغفر له حتى يغفر له صاحبه، وأخرج ابن أبي الدنيا عن عطاء بن أبي رباح أنه سئل عن التوبة من الفرية فقال تمشى إلى صاحبك فتقول كذبت بما قلت لك وظلمت وأسأت فإن شئت أخذت بحقك وإن شئت عفوت، وأخرج الأصبهاني عن عائشة بنت طلحة قالت كنت عند عائشة أم المؤمنين وعندها أعرابية فخرجت الأعرابية تجر ذيلها فقالت بنت طلحة ما أطول ذيلها فقالت عائشة اغتبتها أدركيها تستغفر لك، وأما مسألة خيانة الرجل في أهله فقد روى مسلم وأبو داود والنسائي عن بريدة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ما من رجل يخلف رجلا في أهله فيخونه فيهم إلا نصب له يوم القيام فقيل له هذا قد خانك في أهلك فخذ من حسناته ما شئت فيأخذ من حسناته ما شاء حتى يرضى أترون يدع له من حسناته شيئا) هذا لفظ الحديث فمن خان رجلا في أهله بزنا أو غيره فقط ظلم الزوج وتعلق له به حق يطالبه به في الآخرة، لا محالة بنص هذا الحديث وهذا حق آدمي لا تصح التوبة منه إلا بالشروط الأربعة ومنها استحلاله من ذلك بعد أن يعرفه به بعينه على ما تقدم في كلام النووي ثم أقول له حالان أحدهما أن لا يكون

(1/158)


على المرأة في ذلك تبعة ولا ضرر بأن يكون أكرهها على ذلك فهذا كما وصفنا لا شك فيه، والثاني أن يكون عليها في ذلك ضرر بأن تكون مطاوعة فهذا قد يتوقف فيه من حيث أنه ساع في إزالة ضرره في الآخرة بضرر المرأة في الدنيا والضرر لا يزال بالضرر فيحتمل أن لا يسوغ له في هذه الحالة أخباره به وأن أدى إلى بقاء ضرره في الآخرة، ويحتمل أن يكون ذلك عذرا ويحكم بصحة توبته إذا علم الله منه حسن النية ويحتمل أن يكلف الأخبار به في هذه الحالة ولكن يذكر معه ما ينفي الضرر عنها بأن يذكر أنه أكرهها ويجوز الكذب بمثل ذلك وهذا فيه جمع بين المصلحتين لكن الاحتمال الأول أظهر عندي، ولو خاف من ذكر ذلك الضرر على نفسه دون غيره فالظاهر أن ذلك لا يكون عذرا لأن التخلص من عذاب الآخرة بضرر الدنيا مطلوب وقد أقر جماعة من السلف على أنفسهم بالزنا ليقام الحد عليهم فيطهروا مع أن ذلك محض حق الله والستر فيه على أنفسهم أولى فكيف في حق الآدمي، ويحتمل أن يقال إنه يعذر بذلك ويرجى من فضل الله أن يرضى عنه خصمه إذا علم حسن نيته، ولو لم يرض صاحب الحق في الغيبة والزنا ونحوهما أن يعفو إلا ببذل مال فله بذله سعيا في خلاص ذمته والغبطة في ذلك له ثم رأيت الغزالي قال في منهاج العابدين في فضل التوبة من حقوق الآدميين: وأما الحرمة بأن خنته في أهله أو ولده أو نحوه فلا وجه للاستحلال والإظهار فإنه يولد فتنة وغيظا بل يفزع إلى الله سبحانه ليرضيه عنك ويجعل له خيرا كثيرا في مقابلته فإن أمنت الفتنة والهيج وهو نادر فتستحل منه ثم قال في آخر كلامه وجملة الأمر أن ما أمكنك من إرضاء الخصوم عملت وما لم يمكنك راجعت الله بالتضرع والصدق ليرضيه عنك فيكون ذلك في مشيئة الله يوم القيام والرجاء منه بفضله العظيم وإحسانه العميم إنه إذا علم الصدق من قلب العبد فإنه يرضى خصماءه من جزيل فضله يوم القيام انتهى.

باب الشركة

(1/159)


مسألة - جماعة اشتركوا في مال واشتروا به قصبا وقلقاسا قائما على أصوله ثم جاء جماعة أخر ووافقوهم على أنهم شاركوهم في ذلك ولم يحضروه ولا وزنوا شيئا من الثمن ثم عملوا في قلع القصب والقلقاس أياما فهل الشركة الثانية صحيحة أم لا وإذا فسدت فهل له أجرة المثل في العمل أم لا.
الجواب - الشركة الثانية باطلة وإذا عملوا في القصب والقلقاس على مسمى فاسد فلهم أجرة المثل وشراء القلقاس وهو مدفون في الأرض باطل وكذا القصب في الأرض إن كان مستورا بقشره وإلا يصح.
مسألة - رجل يسمى عثمان أخرج من ماله مائة وخمسين دينارا فاقرض منها خمسين لرجل يسمى بدر الدين وشاركه بالمائة الباقية وجلسا في دكان واشتريا قماشا بالمال وصارا يتصرفان معا بالبيع والشراء ويأخذ كل منهما حصته من الربح أولا فأولا ثم تفاسخا الشركة وأخذ عثمان القماش بأسره ودفع لبدر الدين خمسين دينارا عن حصته في القماش فادعى بدر الدين بعد ذلك أنه لم يأخذ في مدة الشركة شيئا من الربح وأن حصته منه باقية فهل يقبل قوله في ذلك.
الجواب - إن كان عثمان دفع لبدر الدين الخمسين عل أنها عوض عن حصته من القماش فهذا عبارة عن شرائها فإن وجدت شروط البيع من الإيجاب والقبول والعلم بالأعيان ونحو ذلك فهو بيع صحيح وليس له بعد ذلك دعوى بربح سابق لأن ذلك قد دخل في الحصة التي باعها وقد رضى فيها بهذا الثمن سواء كان قدر القيمة أو أقل، هذا إن صدق على البيع فإن أنكر فالقول قوله بيمينه والشركة باقية في الأمتعة ويرد الخمسين دينارا ما لم تقم بينة على تصديقه وإن لم توجد شروط البيع فالشركة باقية في الأمتعة أعني شركة الملكية وإن كان عقد الشركة قد انفسخ والخمسون دينارا قبضها بغير طريق شرعي فيردها وله حصته من الأمتعة ولا حاجة حينئذ إلى دعوى ربح لأنه قائم بالأمتعة فإن ادعى أن عثمان استبد بربح أخذه دونه وأنكر عثمان فالقول قول عثمان بيمينه. 0

باب الوكالة

(1/160)


مسألة - رجل وكل إنسانا في أن يسلم له في قمح ففعل وضمن المسلم إليه رجل فهل تصح دعوى الموكل على المسلم إليه بالقمح وعلى ضامنه وهل يجوز للوكيل أن يشهد للموكل بالضمان أم لا.
الجواب - نعم للموكل الدعوى على المسلم إليه والضامن وأما شهادة الوكيل له فإن كان قبل عزله لم تقبل وكذا بعده إن خاصم وإن لم يخاصم قبلت.

باب الإقرار
مسألة - إذا قال لفلان عندي أقل من ثلاثة دراهم كم يلزمه.
الجواب - مقتضى القواعد أنه يلزمه بعض درهم وهو قدر ما يتمول من الدراهم.
مسألة - مريض صدر بينه وبين زوجته مبارأة ما عدا حقوق الزوجية ولم يستفسروه عن مراده بالحقوق فهل تدخل كسوتها في لفظ الحقوق أو تحمل على حال الصداق ومنجمه فقط وهل ينفع قول المريض لغير الشهود قبل موته ليس لزوجتي عندي سوى حال الصداق ومنجمه.
الجواب - هذه اللفظة في أصلها شاملة لكل حق للزوجة من صداق وكسوة ونفقة ولا يلزم من إطلاقها إرادة جميع مدلولاتها فإذا طلقها الزوج وأراد بعض ذلك قبل منه وإذا أخبر قبل موته أنه ليس لها عنده سوى الحال والمنجم نفع ذلك في تفسير هذه اللفظة المطلقة في الإقرار.

باب الغصب
مسألة - سيد قطع يد عبده ثم غصبه غاصب فمات بالسراية عنده فماذا يلزم الغاصب .
الجواب - مقتضى القواعد أنه لا يلزمه شيء لأن هلاكه مستند إلى سبب متقدم على الغصب.
مسألة - رجل ذمي نهى مسلما عن منكر فهل له ذلك بناء على أنه مكلف بفروع الشريعة أم لا.

(1/161)


الجواب - لإنكار المنكر مراتب منها القول كقوله لا تزن مثلا ومنها الوعظ كقوله اتق الله فإن الزنا حرام وعقوبته شديدة ومنها السب والتوبيخ والتهديد كقوله يا فاسق يا من لا يخشى الله لئن لم تقلع عن الزنا لأرمينك بهذا السهم ومنها الفعل كرميه بالسهم من أمسك امرأة أجنبية ليزنى بها وككسره آلات الملاهي وإراقة أواني الخمور، وهذه المراتب الأربعة للمسلم وليس للذمي منها سوى الأوليين فقط دون الأخريين لأن فيهما ولاية وتسلطا لا يلقيان بالكافر وأما الأوليان فليس فيهما ذلك بل هما مجرد فعل خير وقد ذكر الأسنوي في شرح المنهاج أن في حفظه أنه ليس للكافر إزالة المنكر يعني بالفعل وهي المرتبة الرابعة وكذا ذكر الغزالي في الأحياء وعلله بأن ذلك نصرة للدين فلا يكون من أهلها من هو جاحد لأصل الدين وعدوله، ثم قال في أثناء الباب ما نصه فإن قيل هل يجوز للكافر الذمي أن يحتسب على المسلم إذا رآه يزني قلنا أن منع المسلم بفعله فهو تسلط عليه فنمنعه من حيث أنه تسلط وما جعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا وأما مجرد قوله لا تزن فليس بممنوع منه من حيث أنه نهى عن الزنا بل من حيث أنه إذلال للمسلم إلى أن قال بل نقول إن الكافر إذا لم يقل للمسلم لا تزن يعاقب عليه أن رأينا خطاب الكفار بالفروع.

هدم الجاني على الباني
مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم

(1/162)


أخبرني شيخنا شيخ الإسلام قاضي القضاة علم الدين البلقيني إجازة عن أبي إسحاق التنوخي عن القاسم بن مظفر أن عبد الرحيم بن تاج الأمناء أخبره الحافظ أبو القاسم ابن عساكر أنبأنا أبو محمد بن الأكفاني أنا أبو محمد الحسن بن علي بن عبد الصمد الكلاعي أنا تمام بن محمد أخبرني أبي حدثني أبو الحسن علي بن شيبان الدينوري أخبرني محمد بن عبد الرحمن الدينوري عن رجل أظنه الربيع بن سليمان قال قال الشافعي سمعت سفيان بن عيينة يقول أن العالم لا يماري ولا يداري ينشر حكمة الله فإن قبلت حمد الله وإن ردت حمد الله. وبعد فقد رفع إلى أن رجلا أخذ خربة بجوار مسجد وبني بها مخازن ثم أنه قصرها على سكنى من يعدها للفساد فيسكن فيها جماعة بعضهم عزاب وبعضهم متزوجون وعيالهم بمسكن آخر وإنما يعدون هذا المسكن ليختلوا فيه للفساد وأن هذا الموضع يجتمع فيه كل يوم ثلاثاء خلق كثيرون يأتونه من أطراف البلد من نساء ورجال وشباب مرد فيجتمعون فيه على شرب الخمر والزنا واللواط بحيث يدخل جماعة يباشرون الزنا أو اللواط ويتأخر جماعة ينتظرون انتهاء النوبة إليهم فمنهم من يقف بالدهليز ومنهم من يقف بالطريق ومنهم من يجلس على باب المسجد حتى قيل أنه رؤى رجل في ذلك المسجد ومعه صبي يلوط به وصار ذلك مشاعا في تلك الخطة وصار المكان معروفا بذلك بحيث يقصد من أمكنة بعيدة لهذه الأمور، وبجوار هذا المكان الخبيث رجل مبارك يقوم في إنكار ما يراه بحسب ما يراه بحسب استطاعته فراجع صاحب البيت في إخلائه من هؤلاء وتسكين من هو على سيرة حميدة فأبى بعد طول المراجعة سنين رغبة في زيادة الأجرة وكان من جملة قوله له هذه أمة مذنبة ثم اتفق أن أخلى الله المكان من هؤلاء بعوارض طرأت لهم ثم زالت تلك العوارض فعادوا ليسكنوا على منوالهم فجاءني ذلك الرجل المبارك وشكا إلى هذا الأمر فقلت له اذهب إلى صاحب المكان وقل له أن لم يخل هؤلاء منه أفتيت بهدمه، ومن جملة الساكنين ثم رجل جهله

(1/163)


فوق جهل الجاهلين ومقامه أسفل سافلين فلما بلغه هذا الكلام قال هذا ليس بحكم الله وذهب إلى الشيخ شمس الدين الباني فاستفتاه فأفتاه بأنه لا يهدم وإن من قال بهدمه يلزمه التعزير ثم جاء بهذه الفتوى وصار يجلس على الدكاكين في السواق ويقول فلان مجازف في دين الله وانضم إليه عصبة من نمطه فمنهم من يقول هذا الذي أفتى به - يعني قولي بالهدم - خرق للإجماع وآخر يقول هذا جاء به من إرم ذات العماد وصار كل من الجهال يرمي بكلام فألفت في ذلك كتابا سميته (رفع منار الدين وهدم بناء المفسدين) وهذا الكتاب مختصر منه ليسهل تناوله فأقول أما ما تلفظ به الجهال فإن كلام الجاهلين لا يعبأ به ولا يلتفت إليه وأما ما أفتى به الباني فإنه قد كتب في صحيفة عمله وطبع عليها بطابع وسوف يعرض عليه وهو واقف على الصراط فيقرؤه ويطلب منه الخروج من عهدته يوم لا ينفع جاه ولا تعصب، وأما الذي أفتيت أنابه فهو الذي وردت به الأحاديث وثبت عن الصحابة والتابعين ونص عليه العلماء من أئمة المذاهب الأربعة ولم تزل عليه الخلفاء والملوك وولاة الأمور سلفا وخلفا وها أنا أبين ذلك:

ذكر الأحاديث المرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم

(1/164)


ذكر الأحاديث المرفوعة: أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (أن أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبوا ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام ثم آمر رجلا فيصلي بالناس ثم انطلق برجال معي معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق عليهم بيوتهم بالنار) استدل بهذا الحديث من قال بأن الجماعة فرض عين وهم عطاء والأوزاعي وأحمد بن حنبل وداود وأبو ثور وابن المنذر وابن خزيمة وابن حبان - الأربعة من أصحابنا، قال النووي في شرح المهذب والصحيح أنها فرض كفاية والجواب عن الهم بتحريق بيوتهم ما أجاب به الشافعي وغيره أن هذا ورد في قوم منافقين يتخلفون عن الجماعة ولا يصلون فرادى قال وسياق هذا الحديث يؤيد هذا التأويل. قلت إذا تأمل المنصف هذا الكلام عرف منه أن الإمام الشافعي رضي الله عنه قائل بجواز العقوبة بتحريق البيوت فإنه لم ينكر سوى الاستدلال بالحديث على فرضية الجماعة على الأعيان وقال بمقتضى الحديث في حق المنافقين الذين لا يصلون وأما القائلون بأنها فرض عين فاستدلالهم بالحديث صريح في أنهم أيضا قائلون بجواز تحريق البيوت على من تخلف عنها من المسلمين، وقال الرافعي في شرح المسند اللفظ لا يقتضي كون الإحراق للتخلف فيحتمل أنه أراد طائفة مخصوصين من صفتهم أنهم يتخلفون فأما مطلق التخلف فإنه لا يقتضي الزجر بالإحراق قال ويوضحه أن الشافعي قال في الأم بعد رواية الحديث، فيشبه أن يكون ما قاله من همه بالإحراق إنما قاله في قوم تخلفوا عن صلاة العشاء لنفاق، وقال ابن فرحون المالكي اختلف في هذا الحديث هل هو في المؤمنين أو المنافقين قال والظاهر أنه في المؤمنين لقوله في الرواية الأخرى (ثم أتى قوما يصلون في بيوتهم ليس لهم عذر فأحرقها عليهم) والمنافقون لا يصلون في بيوتهم قال وفائدة قوله لقد هممت تقديم الوعيد والتهديد على العقوبة لأن

(1/165)


المفسدة إذا ارتفعت واندفعت بالأخف من الزواجر لم يعدل إلى الأعلى انتهى. وقال الحافظ أبو الفضل بن حجر في شرح البخاري ذهب جماعة إلى أن الحديث ورد في المنافقين والذي يظهر لي أن المراد به نفاق المعصية لا نفاق الكفر بدليل قوله في رواية أبي داود (ثم أتى قوما يصلون في بيوتهم ليست بهم علة) فهذا يدل على أن نفاقهم نفاق معصية لا كفر لأن الكافر لا يصلي في بيته إنما يصلي في المسجد رياء وسمعة فإذا خلا في بيته كان كما وصفه الله به من الكفر والاستهزاء نبه عليه القرطبي قال ثم أنه قد يستدل بالحديث لكون الجماعة فرض كفاية إذ يحتمل أن يقال التهديد بالتحريق المذكور يمكن أن يقع في حق تاركي فرض الكفاية كمشروعية قتالهم، وقال ابن دقيق العيد في الحديث إنه صلى الله عليه وسلم لا يهم إلا بما يجوز له فعله لو فعله وأما كونه ترك ولم يفعل فلاحتمال أنهم انزجروا بذلك وتركوا التخلف الذي ذمهم بسببه، قال الحافظ ابن حجر وقد جاء في بعض الطرق بيان سبب الترك وهو ما أخرجه أحمد من حديث أبي هريرة بلفظ (لولا ما في البيوت من النساء والذرية لأقمت صلاة العشاء وأمرت فتياني يحرقون ما في البيوت بالنار) فهذا كلام الأئمة على هذا الحديث من الإمام الشافعي فمن بعده. فإن قيل التحريق بالنار منسوخ قلنا <ص في الآدمي والحيوان فقط وقد نص أصحابنا في باب السير على جواز تحريق شجر الكفار وهدم بنائهم إذا دعت ضرورة لذلك وقد ورد هذا الحديث من رواية جماعة من الصحابة فأخرج ابن ماجه عن أسامة بن زيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لينتهين رجال عن ترك الجماعة أو لأحرقن بيوتهم) وأخرج أحمد والنسائي عن زيد بن ثابت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي الظهر بالهجير فلا يكون وراءه إلا الصف والصفان والناس في قايلتهم وتجارتهم فأنزل الله (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى) فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم (لينتهين رجال أو لأحرقن بيوتهم) وأخرج

(1/166)


أحمد بسند صحيح عن ابن أم مكتوم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى المسجد فرأى في القوم رفقة فقال (إني لأهم أن أجعل للناس إماما ثم أخرج فلا أقدر على إنسان يتخلف عن الصلاة في بيته إلا أحرقته عليه) وأخرج الطبراني في الأوسط بسند حسن عن أنس بن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس في جماعة ثم انصرف إلى قوم سمعوا النداء فلم يجيبوا فاضرمها عليهم نارا) وأخرج الحاكم في مستدركه عن ابن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لقوم يتخلفون عن الجمعة (لقد هممت أن آمر رجلا يصلي بالناس ثم أحرق على قوم يتخلفون عن الجمعة بيوتهم) وأخرج ابن مردويه في تفسيره عن ابن عباس قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم فقال أخرج لهذا المسجد فقال مالك لعاصم انظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي فدخل على أهله فأخذ سعفات من نار وخرجوا يشتدون حتى دخلوا المسجد وفيه أهله فحرقوه وهدموه وخرج أهله فتفرقوا عنه، وأخرج ابن إسحاق وابن مروديه عن أبي رهم كلثوم بن الحصين وكان من أصحاب الشجرة قال دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم ومعن بن عدي أخا عاصم بن عدي فقال انطلقا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدماه وأحرقاه فخرجا سريعين فقال مالك لمعن انظرني حتى أخرج إليك فدخل إلى أهله وأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدان حتى أتيا المسجد وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه، وأخرج ابن جرير من طريق ابن إسحاق عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم قالوا أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك وكان أصحاب مسجد الضرار قد أتوه وهو متجهز إلى تبوك فقالوا يا رسول الله إنا قد بنينا مسجدا لذي العلة في الحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية وأنا نحب أن تأتينا فتصلي لنا فيه فقال إني على جناح سفر وحال شغل ولو قدمنا أتيناكم إن شاء الله فصلينا لكم

(1/167)


فيه فلما نزل بذي أوان - بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار - وأتاه خبر المسجد فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عدي أو أخاه عاصم بن عدي أخا بني العجلان فقال انطلقا إلى هذا الظالم أهله فاهدماه وحرقاه فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم بن عوف فقال مالك لمعن انظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي فدخل أهله فأخذ سعفا من النخل فأشعل فيه نارا ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله فحرقاه وهدماه وتفرقوا عنه ونزل فيهم من القرآن ما نزل، وأخرج ابن المنذر في تفسيره من وجه آخر عن محمد بن إسحاق مثله، وأخرج البيهقي في دلائل النبوة من طريق ابن إسحاق عن ثقة من بني عمرو بن عوف مرسلا مثله، وأخرج أبو داود والترمذي والحاكم وصححه من طريق صالح ابن محمد بن زائدة قال دخل مسلمة أرض الروم فأتى برجل قد غل فسأل سالما عنه فقال سمعت أبي يحدث عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه قال فوجدنا في متاعه مصحفا فسئل سالم عنه فقال بعه وتصدق بثمنه وأخرج الحاكم وصححه من طريق عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال دخلت يوما على رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى ثوبان معصفران فقال ما هذان قلت صنعتهما لي أم عبد الله قال أقسمت عليك لما رجعت إليها فأمرتها أن توقد لهما التنور ثم تطرحهما فيه فرجعت إليها ففعلت، وأخرج مسلم والنسائي من طريق طاووس عن عبد الله ابن عمرو قال رأى النبي صلى الله عليه وسلم على ثوبين معصفرين قال أمك أمرتك بهذا قلت أغسلهما قال بل أحرقهما، قال النووي في شرح مسلم الأمر بإحراقهما عقوبة وهتك لزجره وزجر غيره عن مثل هذا الفعل.

ذكر ما ورد عن الصحابة والتابعين في ذلك

(1/168)


قال ابن سعد في الطبقات في ترجمة عمر بن الخطاب قالوا إن عمر أول من ضرب في الخمر ثمانين واشتد على أهل الريب والتهم وأحرق بيت رويشد الثقفي وكان حانوتا قال ابن سعد والنباذ بالمدينة يسمى الحانوت، وقال ابن سعد أيضا في ترجمة إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أخبرنا يزيد بن هرون ومعن بن عيسى ومحمد ابن إسماعيل بن أبي فديك قالوا حدثنا ابن أبي ذئب عن سعد بن إبراهيم عن أبيه أن عمر بن الخطاب حرق بيت رويشد الثقفي وكان حانوتا للشراب وكان عمر قد نهاه فلقد رأيته يتلهب كأنه جمرة، أخرجه الدولابي في الكنى من وجه آخر عن سعد بن إبراهيم، ورويناه أيضا في نسخة إبراهيم بن سعد رواية كاتب الليث عنه، وقال عبد الرزاق في المصنف أنا عبد الله بن عمر عن نافع عن صفية ابنة أبي عبيد ومعمر عن نافع عن صفية قالت وجد عمر رضي الله عنه في بيت رجل من ثقيف خمرا. وكان قد جلده في الخمر فحرق بيته وقال ما اسمك قال رويشد قال بل أنت فويسق، وأخرج عن عبد القدوس عن نافع قال وجد عمر في بيت رويشد الثقفي خمر فحرق بيته وقال ما اسمك قال رويشد قال بل أنت فويسق، وقال ابن أبي شيبة في المصنف ثنا وكيع عن إسماعيل بن أبي خالد عن الحارث بن شبيل عن أبي عمرو الشيباني قال بلغ عمر بن الخطاب أن رجلا أثرى في بيع الخمر فقال اكسروا كل آنية له وسيروا كل ماشية له، وقال ابن سعد في الطبقات أخبرنا محمد بن عمر حدثني عبد الله بن الحارث، بن الفضيل عن أبيه عن حبيب بن عمير عن مليح بن عوف السلمي قال بلغ عمر بن الخطاب أن سعد بن أبي وقاص صنع بابا مبوبا من خشب على باب داره وخص على قصره خصا من قصب فبعث محمد بن مسلمة وأمرني بالمسير معه وقد أمره أن يحرق ذلك الباب وذلك الخص فانتهينا إلى دار سعد فأحرق الباب والخص، وقال سعيد بن منصور في سننه حدثنا مسكين بن ميمون ثنا عروة بن رويم قال بينا عمر بن الخطاب يتصفح الناس يسألهم عن أهل أجنادهم إذ مر بأهل حمص فقال كيف أنتم وكيف

(1/169)


أميركم فقالوا خيرا يا أمير المؤمنين إلا أنه بنى علية يكون فيها فكتب كتابا وأرسل إليه بريدا وأمره إذا جئت باب عليته فأجمع حطبا وأحرق باب عليته فلما قدم جمع حطبا وأحرق باب العلية فأخبروه فقال دعوه فإنه رسول أمير المؤمنين، وقال ابن عبد الحكم في فتوح مصر حدثنا شعيب عن الليث وعبد الله بن صالح عن الليث عن يزيد بن أبي حبيب قال أول من بنى غرفة بمصر خارجة بن حذاقة فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فكتب إلى عمر بن العاصي سلام عليك أما بعد فإنه بلغني أن خارجة ابن حذاقة بنى غرفة ولقد أراد خارجة أن يطلع على عورات جيرانه فإذا أتاك كتابي هذا فأهدمها إن شاء الله والسلام، وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف من طريق سعد بن إبراهيم عن أبيه قال دخل عبد الرحمن بن عوف ومعه ابن له عليه قميص حرير على عمر فشق القميص. فهذه آثار صحيحة عن عمر بن الخطاب في هدم بيوت الخمارين وإتلاف أمكنة الفساد إذا تعينت طريقا لإزالة الفساد وقد فعل ذلك في خلافته والصحابة يومئذ متوافرون ولم ينكره أحد منهم فكان ذلك إجماعا وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر) وقال البخاري في الأدب المفرد حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثني معن حدثني ابن المنكدر عن أبيه عن ربيعة بن عبد الله بن الهدير بن عبد الله أن رجلين اقتمرا على ديكين على عهد عمر فأمر عمر بقتل الديكة فقال له رجل من الأنصار أتقتل أمة تسبح فتركها، وأخرج البيهقي في شعب الإيمان عن عثمان بن عفان أنه قال في النرد لقد هممت أن آمر بحزم حطب ثم أرسل إلى بيوت الذين هم في بيوتهم فأحرقها، وأخرج سعيد بن منصور والبيهقي عن الحسن أن عثمان بن عفان كان يأمر بذبح الحمام التي يلعب بها. فهذان أثران عن عثمان بن عفان ثالث الخلفاء الراشدين وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم (عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين لمهديين من بعدي عضوا عليها بالنواجذ) وقد فعل ذلك عثمان وقاله في قصة النرد ولم

(1/170)


ينكر عليه أحد والصحابة يومئذ متوافرون فكان إجماعا مع أن اللعب بالحمام ليس من المحرمات، وأخرج البيهقي عن عبد الرحمن بن يزيد قال كنت جالسا مع عبد الله بن مسعود فأتاه ابن له قد ألبسته أمه قميصا من حرير وهو معجب به فقال يا بني من ألبسك هذا قال أمي قال أدنه فدنا منه فشقه ثم قال اذهب إلى أمك فتلبسك ثوبا غيره، وأخرج ابن أبي شيبة من طريق المهاجرين شماس عن عمه قال رأى ابن مسعود ابنا له عليه قميص من حرير فشقه وقال إنما هذا للنساء، وأخرج ابن أبي شيبة عن أبي جحيف قال انطلقت مع عبد الله حتى أتيت داره فأتاه بنون له عليهم قمص حرير فحرقها وقال انطلقوا إلى أمكم فتلبسكم غير هذا، وأخرج ابن أبي الدنيا في ذم الملاهي والبيهقي عن ابن الزبير أنه خطب بمكة فقال بلغني عن رجال يلعبون بلعبة يقال لها النردشير أني أحلف بالله لا أوتي بأحد يلعب بها إلا عاقبته في شعره وبشره وأعطيت سلبه من أتاني به، وأخرج ابن أبي الدنيا والبيهقي عن مجاهد قال مر ابن عمر بقوم يلعبون بالشهاردة فأحرقها بالنار، وأخرج البيهقي عن مالك أنه قال الشطرنج من النرد بلغنا عن ابن عباس أنه ولى مال يتيم فأحرقها، وقال أبو نعيم في الحلية حدثنا محمد بن إبراهيم ثنا محمد بن الحسن ابن قتيبة ثنا أحمد بن زيد الخزار ثنا ضمرة ثنا أكدين بن سليمان أن عمر بن عبد العزيز كتب إلى عامله عبد الله بن عوف على فلسطين أن أركب إلى البيت الذي يقال له المكس فأهدمه ثم أحمله إلى البحر فانسفه في اليم نسفا، وقال ابن جرير في تفسيره ثنا ابن حميد ثنا هرون عن أبي جعفر عن ليث أن شقيقا لم يدرك الصلاة في مسجد بني غاضرة فقيل له مسجد بني فلان لم يصلوا بعد فقال لا أحب أن أصلي فيه فإنه بني على ضرار وكل مسجد بني ضرارا أو رياء أو سمعة فإن أصله ينتهي إلى المسجد الذي بنى على ضرار.
ذكر نقول العلماء من أئمة المذاهب الأربعة في ذلك:

(1/171)


قال الشيخ تاج الدين السبكي في الطبقات الوسطى في ترجمة الاصطخري أحد أئمة أصحابنا الشافعيين أصحاب الوجوه ما نصه ولي الحسبة ببغداد وأحرق طاق اللعب من أجل ما يعمل فيه من المناهي، وقال في الطبقات الكبرى في ترجمة الاصطخري أيضا من أخباره في حسبته أنه كان يأتي إلى باب القاضي فإذا لم يجده جالسا يفصل القضايا أمر من يستكشف عنه هل به عذر من أكل أو شرب أو حاجة الإنسان ونحو ذلك فإن لم يجد به عذرا أمره بالجلوس للحكم، ومنها أنه أحرق مكان الملاهي من أجل ما يعمل فيها من الملاهي. قال ابن السبكي وهذا منه دليل على أنه كان يرى جواز إتلاف مكان الفساد إذا تعين طريقا - هذه عبارة ابن السبكي. وقد نقل الماوردي في الأحكام السلطانية فعل الاصطخري ولم ينكره وقال أيضا في الأحكام السلطانية يمتاز والى الجرائم على القضاة بأوجه منها أن له فيمن تكررت منه الجرائم ولم ينزجر بالحدود استدامة حبسه إذا أضر الناس بجرائمه حتى يموت، ومنها أن له أخذ المجرم بالتوبة قهرا ويظهر له من الوعيد ما يقوده إليها طوعا ويتوعده بالقتل فيما لا يجب فيه القتل، وقال الغزالي في الأحياء درجات النهي عن المنكر سبعة: الأولى التخويف بلطف أن ذلك حرام وذلك للجاهل، الثانية النهي بالوعظ والنصح والتخويف بالله، الثالثة السب والتعنيف بالقول الغليظ الخشن وذلك يعدل إليه عند العجز عن المنع باللطف وظهور مبادئ الإصرار والاستهزاء بالوعظ والنصح، الرابعة التغيير باليد ككسر آلات الملاهي وإراقة الخمر ونحو ذلك الخامسة التهديد والتخويف كقوله دع عنك هذا أو لأكسرن رأسك أو لأضربن رقبتك: السادسة مباشرة الضرب باليد والرجل وغير ذلك بلا شهر سلاح وذلك جائز للآحاد بشرط الضرورة والاقتصار على قدر الحاجة في الدفع، السابعة أن يحتاج إلى أعوان يشهرون السلاح وفي احتياج هذا إلى إذن الإمام خلاف فقال قائلون يحتاج إليه لأنه يؤدي إلى تحريك الفتن وقال آخرون لا يحتاج إلى إذن وهو

(1/172)


الأقيس لأن منتهاه تجنيد الجنود في رضا الله ودفع معاصيه ونحن نجوز للآحاد من الغزاة أن يجتمعوا ويقاتلوا من أرادوا من فرق الكفار قمعا لأهل الكفر فكذلك قمع أهل الفساد جائز لأن الكافر لا بأس بقتله فكذلك الفاسق المناضل عن فسقه لا بأس بقتله والمقتول من القائمين في حرب الفريقين شهيد، ثم قال الغزالي فإن قلت فليجز للسلطان زجر الناس عن المعاصي باتلاف أموالهم وتخريب دورهم التي فيها يشربون وإحراق أموالهم التي بها يتوصلون للمعاصي فاعلم أن ذلك أن ورد الشرع به لم يكن خارجا عن سنن المصالح والمصالح يتبع فيها ولا يبتدع - هذا كلام الغزالي فعلق القول به على وروده من الشرع لأنه لم يقف فيه على حديث، وقد صحت به الأحاديث والآثار عن الخلفاء الراشدين فإن قيل التعزيز بإتلاف المال منسوخ في مذهبنا قلت محل ذلك فيما لم يتعين طريقا لإزالة الفساد أما ما تعين طريقا لإزالته فإنه غير منسوخ فيه ولهذا فعله عمر بن الخطاب وغيره من الخلفاء الراشدين وهلم جرا، وقد نص أصحابنا على مثل ذلك في فروع منها قولهم يجوز كسر أواني الذهب والفضة لتحريم استعمالها واتخاذها، ومنها قولهم أن آلات الملاهي تكسر وهو متفق عليه عندنا، ومنها قال الغزالي في الأحياء للولاة كسر الظروف التي فيها الخمور زجرا وتأديبا دون الآحاد قال وقد فعل ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأكيدا للزجر وتأديبا دون الآحاد قال وقد فعل ذلك في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم تأكيدا للزجر ولم يثبت نسخه - هذا كلام الغزالي، قال الأسنوي في شرح المنهاج بعد نقله وهو من النفائس المهمات فانظر إلى قوله ولم يثبت نسخه كيف صرح بأن هذا القسم مما لم يجر فيه النسخ وإن جرى في القسم الآخر، ومنها قال الغزالي في الأحياء في إراقة الخمور للآحاد ولو كانت الخمر في قوارير ضيقة الرؤوس ولو اشتغل بإراقتها لأدركه الفساق ومنعوه أو لم يخف ذلك لكن كان فيه تضييع زمانه وتعطيل شغله فله كسرها

(1/173)


إذ ليس عليه أن يضيع منفعة بدنه وغرضه من أشغاله لأجل ظروف الخمر - نقله الأسنوي وارتضاه، ومنها قال الغزالي في الأحياء لو كانت آنية من بلور أو زجاج على صورة حيوان وفي كسرها خسران مال كثير جاز كسرها، ومنها قال الغزالي في الأحياء لو أخبره عدلان ابتداء من غير استخبار أن فلانا يشرب الخمر في داره أو بأن في داره خمرا أعده للشرب فله إذ ذك أن يدخل داره ولا يلزمه الاستئذان ويكون قد تخطى ملكه بالدخول للتوصل إلى دفع المنكر ككسر رأسه بالضرب للمنع مهما احتاج إليه، ومنها قال الغزالي يتوقى في إراقة الخمور كسر الأواني وفي النهي عن لبس الحرير تمزيق الثوب إن وجد إلى ذلك سبيلا فإن لم يقدر إلا بالكسر والتمزيق فله ذلك وسقطت قيمة الظرف ويقومه بسبب الخمر إذا صار حائلا بينه وبين الوصول إلى الخمر ولو ستر الخمر ببدنه لكنا نقصد بدنه للضرب والجرح لنتوصل إلى إراقة الخمر فإذا لا تزيد حرمة ملكه على حرمة نفسه انتهى، وقال الحافظ عماد الدين بن كثير في تاريخه في صفر سنة ثلاث عشرة وثلثمائة بلغ الخليفة المقتدر بالله أن جماعة من الرافضة يجتمعون في مسجد نراثا فينالون من الصحابة ولا يصلون الجمعة ويكاتبون القرامطة ويدعون إلى ولاية محمد بن إسماعيل الذي بين الكوفة وبغداد ويدعون أنه المهدي ويتبرؤون من المقتدر من تبعه فأمر بالاحتفاظ عليهم واستفتى العلماء في المسجد المذكور فأفتوا بأنه مسجد ضرار يهدم كما هدم مسجد الضرار فأمر الخليفة بهدم المسجد المذكور كما أفتى بذلك العلماء فهدمه نازوك صاحب الشرطة وأمر الوزير الخاقاني فجعل مكانه مقبرة فدفن فيه جماعة من الموتى وقال ابن عطية في تفسيره روى أن مسجد الضرار لما هدم وأحرق اتخذ مزبلة يرمى فيه الأقذار والقمامات قال وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما نزلت (لا تقم فيه أبدا) كان لا يمر بالطريق التي فيها المسجد، وقال صاحب عيون التفاسير كل مسجد بنى مباهاة ورياء وسمعة أو لغرض غير

(1/174)


وجه الله أو بمال غير طيب فهو لاحق بمسجد الضرار، وذكر نحو ذلك الكواشي في تفسيره وهو من الشافعية والشهاب الاياسلوغي في تفسيره وهو من الحنفية، وقال القرطبي في تفسيره ما نصه قال علماؤنا لا يجوز أن يبنى مسجدا إلى جنب مسجد ويجب هدمه والمنع من بنائه لئلا يتضرر المسجد الأول فيبقى شاغرا إلا أن تكون المحلة كبيرة فلا يكفي أهلها مسجد واحد فيبنى حينئذ وكذلك قالوا لا ينبغي أن يبنى في المصر الواحد جامعان ويجب منع الثاني ومن صلى الجمعة فيه لم تجزئه وقد أحرق النبي صلى الله عليه وسلم مسجد الضرار وهدمه، قال علماؤنا وإذا كان المسجد الذي يتخذ للعبادة وحض الشرع على بنائه يهدم، وينزع إذا كان فيه ضرر فما ظنك بسواه بل هو أحرى أن يزال ويهدم هذا كله كلام القرطبي، وقال ابن فرحون في طبقات المالكية في ترجمة الحارث بن مسكين أحد أئمة المالكية قاضي مر: كان عدلا في قضائه محمود السيرة قال محمد بن عبد الحكم قال ابن أبي دؤاد لقد قام حارثكم مقام الأنبياء وقد هدم مسجدا كان بناه خراساني بين القبول بناحية القطب في الصحراء وكان يجتمع فيه للقراءة والقصص والتعبير قال ابن فرحون وبمثل هذا أفتى يحيى ابن عمر في كل مسجد يبنى نائيا عن القرية حيث لا يصلى فيه أهل القرية وإنما يصلى فيه من ينتابه وبذلك أفتى في مسجد السبت بالقيروان وبمثله أفتى أبو عمران في المسجد الذي بنى بجبل فاس، وقال ابن فرحون في كتابه تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام التعزير لا يختص بفعل معين ولا قول معين فقد عزر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجر وأمر عمر بن الخطاب بهجر صبيغ الذي كان يسأل عن مشكلات القرآن فكان لا يكلمه أحد وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بكسر دنان الخمر وشق ظروفها، ومن ذلك إباحته سلب الصائد في حرم المدينة لمن وجده، وأمره عبد الله ابن عمرو بتحريق الثوبين المعصفرين وأمره يوم خيبر بكسر القدور التي طبخ فيها لحوم الحمر وهدمه

(1/175)


لمسجد الضرار وأمره بتحريق متاع الغال وبقطع نخل اليهود وتحريقها، ومن ذلك أنه صلى الله عليه وسلم بلغه أن ناسا من المنافقين يثبطون الناس عنه في غزوة تبوك فبعث إليهم طلحة في نفر من أصحابه وأمره أن يحرق عليهم البيت ففعل، ومن ذلك أن عمر بن الخطاب أمر بتحريق قصر سعد بن أبي وقاص لما بلغه أنه احتجب عن الخروج للحكم بين الناس وأمر أيضا بتحريق حانوت رويشد الثقفي الذي كان يبيع الخمر وقال له أنت فويسق ولست برويشد، ومن ذلك أنه أراق اللبن المغشوش، وغير ذلك مما يكثر تعداده، وقال وهذه قضايا صحيحة معروفة، وقال الإمام شمس الدين بن القيم الحنبلي في كتاب الطرق الحكمية قد منع النبي صلى الله عليه وسلم الغال من الغنيمة سهمه وحرق متاعه هو وخلفاؤه ومن بعده ومنع المقاتل من السلب لما أساء شافعه على أمير السرية وعزم على تحريق بيوت تاركي الجمعة والجماعة وأمر بكسر دنان الخمر وبكسر القدور التي طبخ فيها اللحم الحرام وبتحريق الثوبين المعصفرين وسلك أصحابه وخلفاؤه من بعده من ذلك ما هو معروف مشهور فحرق عمر بن الخطاب حانوت الخمار بما فيه وحرق قرية يباع فيها الخمر وحرق قصر سعد بن ابي وقاص لما احتجب في قصره عن الرعية، وسئل أستاذنا الإمام كمال الدين بن الهمام الحنفي عن رجل يجمع في بيته جماعة إلى الفسق فأجاب بما نصه قال الفقهاء رجل أظهر الفسق في داره ينبغي أن يتقدم إليه أبدا للعذر فإن كف لم يتعرض له وإن لم يكف فالإمام مخير إن شاء سجنه وإن شاء ضربه أسواطا وإن شاء أزعجه عن داره، وقد بالغ بعض أشياخنا حيث أمر بتخريب دار الفاسق انتهى، وقال ابن فرحون صرح الحنفية بقتل من لا يزول فساده إلا بالقتل وذكروا ذلك في اللوطي إذا أكثر من ذلك يقتل تعزيرا، وفي معجم الأدباء لياقوت الحموي أن نور الدين الشهيد لما فتح المدرسة الكبيرة بحلب استدعى البرهان البلخي أمام الحنفية في زمانه فألقى فيها الدرس وكان الآذان بحلب على قاعدة الشيعة يزاد

(1/176)


فيه حي على خير العمل محمد وعلى خير البشر فلما سمع البلخي ذلك أمر الفقهاء فصعدوا المنارة وقت الآذان وقال لهم مروا المؤذنين يؤذنوا الآذان المشروع ومن امتنع منهم ألقوه من فوق المنارة على رأسه ففعلوا فلم يعد أحد يؤذن على ذلك. وقال ابن كثير في سنة تسع وسبعمائة برزت المراسيم السلطانية المظفرية بيبرس إلى نواب البلاد الساحلية بإبطال الخمور وتخريب الحانات ففعل ذلك وفرح المسلمون فرحا كثيرا ولله الحمد، وقال الذهبي في العبر في سنة إحدى وعشرين وسبعمائة خرب البازار المعد للفاحشة ببغداد من أوله إلى آخره وما يعلم ما غرم على بنائه إلا الله تعالى من عظمه ولله الحمد، وقال غيره في سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة خرب آل ملك نائب السلطنة خزانة النبوذ وأراق خمورها وكانت دار فسق وفجور، وقال الحافظ ابن حجر في أنباء الغمر في سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة شدد منجك نائب الشام على أهل اللهو وأمر بقطع الأشجار الصفصاف التي بين النهرين وبتحريق المكان الذي بالسوق الأعلى وأزال المنكرات منه ومن الذي فوق الجهة وهدم الأبنية والحوانيت التي هناك. قلت وما زال هذا دأب الخلفاء والملوك سلفا وخلفا من عهد الصحابة وهلم جرا. والعلماء يفتونهم بذلك من غير نكير، ومن طالع تواريخ الأمة وقف على ذلك وعلمه علم اليقين، وقد قلت في هذه الواقعة:
يقول ربع الفسق ما مسلم * مما له أرصدت يرضاني
ولا ترى في الناس ذا مسكة * إلا يرى في الوزن نقصاني
وإن يزنى أحد راجحا * فالجاهل اللوطي والزاني
وقلت إن لم يخل مما به * فالشرع فيه هدم ذا الجاني
واستفتى الباني فأفتى بأن * من قال هذا آثم جاني
يا أيها الناس ألا فاسمعوا * مقال حق ليس بالواني
من ذا الذي أولى بتأثيمه * عند محب كان أوشاني
أهادم ربعا بنوه لكي * يعصى به الله أم الباني

باب القراض
مسألة - لو اختلف المالك والعامل فقال المالك دفعت لك المال قراضا وقال الآخر بل قرضا من المصدق.

(1/177)


الجواب - هذا الفرع لم أره منقولا عندنا وإنما المنقول عكسه وهو في الروضة محكى فيه وجهان بلا ترجيح، ورجح فيما إذا كان المال باقيا تصديق المالك وفيما إذا تلف تصديق العامل، وأما هذا الفرع فالذي يظهر فيه تصديق العامل لأن معه يدا وبلغني أنه منقول عند المالكية كذلك.
باب المزارعة
مسألة - رجل له أرض اتفق مع شخص عنده قمح على أنهما يزرعان الأرض وأن صاحب القمح يبذر عن صاحب الأرض ما يخصه من القمح وأن ما يخص صاحب القمح يؤدي هو خراجه وإن صاحب الأرض يحرث ما يخصه وما يخص شريكه في مقابلة أنه يصبر عليه بما يخصه من القمح ثم طلع الزرع فما الذي يستحقه كل منهما.
الجواب - يختص صاحب القمح بجميع الزرع لأن القمح الذي بذره كله ملكه ولم يقع فيه قرض صحيح وعليه أجرة المثل للأرض ولصاحب الأرض أيضا أجرة المثل لعمله وحرثه لأنه عمل بإجارة فاسدة.

باب الإجارة
مسألة - رجل أجر أرضا عشر سنين ثم باعها لآخر بعد ثمان سنين وجعل له أجرة السنتين فامتنع المستأجر من زرعها وقال للمشتري ازرع أنت أرضك فهل له ذلك.
الجواب - إذا باع الأرض المؤجرة فالإجارة لازمة باقية على حكمها وليس للمستأجر الامتناع ومعناه أن عليه بقية الأجرة زرعها أم لا لأن الأجرة تلزم وأن لم يستوف المنفعة ولا يجبر على الزرع نفسه، لكن الصورة المسؤول عنها فيها جعل الأجرة الباقية للمشتري فإن ذكر ذلك في العقد على وجه أنه شرط في البيع بطل البيع.
مسألة - فيمن أستأجر شخصا لقلع سن وجعه فحضر لذلك فقال المستأجر سني طيبة وامتنع من قلعها فهل تنفسخ الإجارة أم لا.
الجواب - أطلق الجمهور أن الإجارة تنفسخ.
مسألة - رجل أستأجر بيتا مرخما على أن يسكنه خاصة وأقبض الأجرة فوضع فيه كتانا واحترق البيت بسببه فهل يضمن البيت وإذا ضمنه فهل يلزمه قيمته أو بناء مثله وهل تنفسخ الإجارة وهل له الرجوع بأجرة بقية المدة.

(1/178)


الجواب - إن كان حصول الحريق في البيت بفعل منسوب إليه من نار أوقدها وجرت إلى ذلك فهو ضامن للبيت مطلقا وإن كان غير منسوب إليه فضمانه على من نسب إليه الحريق، وهل يكون المستأجر طريقا في الضمان؟ ينظر فإن كان أستأجر للانتفاع مطلقا فلا أو للسكنى خاصة فهو متعد بوضع الكتان فيصير بذلك غاصبا كما ذكره الأصحاب فيما إذا اكترى ليسكن فاسكن حدادا أو قصارا وإذا صار غاصبا صار طريقا في الضمان والقرار على من نسب إليه الحريق وعلى كل حال تنفسخ الإجارة بما حصل ويستحق بقية أجرة المدة فيرجع بها أو يحاسب بها مما يلزمه، وأما هل تلزمه قيمة الدار أو بناء مثلها فالذي أفتى به النووي ونقله عن نص الشافعي أنه يلزمه بناء مثلها ولكن فيما إذا هدم جدارا، ولا يظهر بينه وبين ما نحن فيه فرق، وأما الأسنوي فصحح وجوب القيمة لأن الجدار متقوم وأول النص فالعمدة على ما أفتى به النووي وقصة جريح في الصحيح تؤيده.
مسألة - استأجر إنسان عينا مدة ولزمته الأجرة باستيفاء المنفعة فادعى أنه معسر وكان أقر عند الإجارة أنه ملى وقادر فهل يقبل قوله في دعوى الإعسار بعد إقراره.
الجواب - لا يقبل قوله إلا ببينة تشهد أنه كان قادرا وتلف ماله.
مسألة - رجل أستأجر من رجل أرضا إقطاعية ليزرعها مدة ثلاث سنين فمات المؤجر بعد سنتين وخلف ولدا فهل تنفسخ الإجارة أو تبقى لولد المؤجر.
الجواب - الأرض الإقطاعية في إجارتها كلام للعلماء حتى قال المحققون أنها لا تصح إجارتها لأنها بصدد أن ينزعها الإمام من المقطع ويقطعها غيره لكن الذي نختاره صحة إجارتها ومع ذلك لا نقول أنها كالأرض المملوكة حتى أنه إذا مات المؤجر تبقى الإجارة بل نقول بانفساخ الإجارة بموته كما إذا مات البطن الأول وقد أجر الوقف بل أولى لأن البطن الثاني ينتقل إليه الوقف قطعا والإقطاع لا يتحقق انتقاله إلى الولد فقد يقطعه السلطان إياه وقد لا يقطعه.

(1/179)


مسألة - في رجل سافر لبلاد السلطان في طلب مال الذخيرة فأعطوه حق طريقه فأخذ صحبته ثلاثة مماليك في خدمته فأعطى كل واحد منهم عشرة أشرفية فهل له أن يدعى على أحدهم بالمبلغ الذي أعطاه في نظير سفره معه وهل يلزمه أن يعطى من أخذ معه تسفيره.
الجواب - يلزمه أن يعطى الذي أخذه معه تسفيره بشرط أن يشرط عليه ذلك أو لا فإن سافر معه ولم يذكر له أجرة فلا شيء له ومتى أعطاه شيئا وقد شرطه له أو لا أو لم يشرطه ولكن تبرع به فلا رجوع له به.

باب الجعالة
مسألة - شخص حج حجة نافلة فقال له آخر بعني ثواب حجتك بكذا فقال له بعتك فهل ذلك صحيح، وينتقل الثواب إليه، وإذا قال شخص لآخر أقرأ لي كل يوم ما تيسر من القرآن واجعل ثوابه لي وجعل له على ذلك مالا معلوما ففعل فهل يكون ثواب القراءة للمجعول له أو مثل الثواب أم لا، وإذا انتقل الثواب له فهل يبقى للقارئ ثواب أم لا، وكذا إذا لم يقرأ له بجعالة ولكن قرأ له تبرعا من نفسه وكذا سائر العبادات.
الجواب - أما مسألة الحج وسائر العبادات فباطلة عند الفقهاء وأما مسألة القراءة فجائزة إذا شرط الدعاء بعدها والمال الذي يأخذه من باب الجعالة وهي جعالة على الدعاء لا على القراءة فإن ثواب القراءة للقارئ ولا يمكن نقله للمدعو وله إنما يقال له مثل ثوابه فيدعو بذلك ويحصل له أن استجاب الله الدعاء وكذا حكم القارئ بلا جعالة في الدعاء.
مسألة - فيمن يقرأ ختمات من القرآن بأجرة هل يحل له ذلك وهل يكون ما يأخذه من الأجرة من باب التكسب أو الصدقة.

(1/180)


الجواب - نعم يحل له أخذ المال على القراءة والدعاء بعدها وليس ذلك من باب الأجرة ولا الصدقة بل من باب الجعالة فإن القراءة لا يحوز الاستئجار عليها لأن منفعتها لا تعود للمستأجر لما تقرر في مذهبنا من أن ثواب القراءة للقارئ لا للمقروء له. وتجوز الجعالة عليها إن شرط الدعاء بعدها وإلا فلا وتكون الجعالة على الدعاء لا على القراءة. هذا مقتضى قواعد الفقه وقرره لنا أشياخنا، وفي شرح المهذب أنه لا يحوز الاستئجار لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وسلم وتجوز الجعالة إن كانت على الدعاء عند زيارة قبره لأن الدعاء تدخله النيابة ولا يضر الجهل بنفس الدعاء وإن كانت على مجرد الوقوف عنده ومشاهدته فلا لأنه لا تدخله النيابة انتهى، ومسألة القراءة نظيره.
مسألة –
ماذا جوابكم لا زال فضلكم * يعم سائلكم في كل ما سألا
في قارئ يقرأ القرآن ليس له * قصد سوى أنه في الوقف قد حصلا
لأخذ معلومة في الوقف لازمة * فصار مثل أجير لازم العملا
فهل ثياب على هذى القراءة أو * ثوابه في حضور يشبه العملا
فقد تنازع فيها قائلان فمن * أصاب وجه صواب نلتم نزلا
ولا برحتم نجوما والزمان بكم * زاه ومبتهج والخير قد حصلا
الجواب –
الحمد لله حمدا يبلغ الاملا * ثم الصلاة على المختار منتحلا
لا يطلق القول في هذا بأن له * أجرا ولا بانتفاء الأجر عنه خلا
بل المدار على ما كان نيته * بالقلب وهو على النيات قد حملا
فإن نوى قربة لله كان له * أجر وأن ينو محض الجعل عنه فلا
وابن السيوطي قد خط الجواب لكي * يرى لدى الحشر في فردوسه النزلا

باب إحياء الموات
مسألة - رجل بيده رزقة اشتراها ثم مات فوضع شخص يده عليها بتوقيع سلطاني فهل للورثة منازعته.

(1/181)


الجواب - إن كانت الرزقة وصلت إلى البائع الأول بطريق شرعي بأن أقطعه السلطان إياها وهي أرض موات فإنه يملكها ويصح منه بيعها ويملكها المشتري منه وإذا مات فهي لورثته ولا يجوز لأحد وضع اليد عليها لا بأمر سلطاني ولا بغيره وإن كان السلطان أقطعه إياها وهي غير موات كما هو الغالب الآن فإن المقطع لا يملكها بل ينتفع بها بحسب ما يقرها السلطان في يده وللسلطان انتزاعها متى شاء ولا يجوز للمقطع بيعها فإن باع ففاسد وإذا أعطاها السلطان لأحد نفذ ولا يطالب.
مسألة - ما شرع فيه في هذه الأيام من هدم الأبنية المحدثة في الشوارع وحريم المساجد هل يجوز أم لا.
الجواب - نعم هو جائز بل واجب.

البارع في إقطاع الشارع
بسم الله الرحمن الرحيم

(1/182)


الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. عرض على ورقة صورتها: فرع يجوز للإمام إقطاع الشارع على الأصح فيصير المقطع به كالمتحجر ولا يجوز لأحد تملكه بالأحياء وفي وجه غريب يجوز للإمام تملك ما فضل عن حاجة الطريق ومراد قائله أن للإمام التملك للمسلمين لا لنفسه. وذكر الرافعي في الجنايات أنه تقدم في الأحياء أن الأكثرين جوزوا الإقطاع وأن المقطع يبنى فيه ويتملك وهذا ذهول فإن الأصح في الصلح منع البناء وهنا منع التملك انتهى. وأقول هذا الفرع منقول برمته من التكملة للزركشي والكلام عليه من وجهين: الوجه الأول في ذكر حكم المسألة إجمالا وحكمها على ما هو المفهوم من المنقول بعد مراجعة ما تيسر من كتب المذهب كالروضة والشرح وتهذيب البغوي وكافي الخوارزمي ونهاية إمام الحرمين وبسيط الغزالي ووسيطه والأحكام السلطانية للماوردي والتلخيص لابن القاص والبلغة للجرجاني وتعليق القاضي الحسين وغير ذلك، ومن كتب المتأخرين الكفاية لابن الرفعة وشرح المنهاج للسبكي والمهمات والخادم أن الإمام إذا أقطع أحدا موضعا من الشارع كان المقطع أولى به من غيره للارتفاق خاصة دون التملك والبناء وأنه لو جاء أحد بعد صدور الإقطاع إلى هذا الموضع فجلس فيه أزعج منه ولا يقر ولو كان المقطع غائبا عنه وليس فيه أمتعته فإن قلت مقتضى قوله كالمتحجر أنه لو جاء أحد وتعدى وجلس لم يمنع لأن المشبه به وهو المتحجر قالوا أنه يصير أحق من غيره ومع ذلك لو تعدى غيره وبنى لم يكن عليه سوى الإثم ويملك البقية بالإحياء ومقتضى ذلك أن المتعدي هنا ليس عليه سوى الإثم ولا يزعج قلت ليس الأمر كذلك كما سنبينه مفصلا. الوجه الثاني في الكلام على ذلك من حيث التفصيل فنقول في هذا الفرع المسؤول عنه أمور أحدها أن قوله كالمتحجر زيادة زادها الزركشي وليست في كلام الشيخين ولا غيرهما كما سنبين ذلك عند سياق عباراتهم وحينئذ فلا يرد أصلا السؤال المتقدم وعلى تقدير توجهه فالجواب عنه من

(1/183)


ثلاثة أوجه: الوجه الأول أن القاعدة المقررة أنه لا يلزم استواء المشبه والمشبه به من كل وجه فيكون التشبيه في الأحقية فقط لا في القدر الزائد أيضا من حصول متعد بعد ثبوت الأحقية وهذا واضح، الثاني الفرق بين الصورتين فإن مسألة المتحجر البقعة فيها تقبل التملك فإذا وجد الأحياء الذي هو أقوى سببا عمل بمقتضاه وقدم على التحجر الذي هو أضعف وذلك من باب نسخ السبب الضعيف لوجود أقوى منه ونظيره إدخال الحج على العمرة وطروء الحدث الأكبر على الأصغر وتقديم المباشرة على السبب في باب الجنايات، وأما مسألة الشارع فالبقعة فيها لا تقبل التملك فلم يوجد سبب أقوى يقدم على هذا السبب فتمسكنا بالسبب السابق الذي هو إقطاع الإمام وألغى كلما طرأ بعده، الثالث أن قوله عقب هذا التشبيه ولا يجوز لأحد تملكه بالأحياء يجري مجرى القيد لمحل التشبيه فيكون في معنى قوله إنه كالمتحجر إلا أنه لا يجوز لأحد أن يتملكه فتكون هذه الجملة مخرجة لتلك الصورة المذكورة في المتحجر وهو تعدى شخص عليه بالأحياء فلا تأتى هنا ويكون إخراجها من منطوق الكلام لا من مفهومه ولهذا عبر بقوله لأحد الدال على العموم ولم يقل ولا يجوز له تملكه أي للمقطع ليفيد أن المقطع وغيره في ذلك سواء فبكل من هذه الأوجه الثلاثة عرف أن العبارة لا تعطى ذلك المقتضى المذكور، ووجه رابع وهو أنه شبهه بالمتحجر من حيث أنه لم يملك البقعة بالتحجر وكذلك هو لا يملك البقعة بالإقطاع وعلى هذا فقوله بعده ولا يجوز لأحد تملكه بالإحياء جار مجرى التفسير لا مجرى التقييد، الأمر الثاني أن قوله وذكر الرافعي في الجنايات إلى قوله وهذا ذهول سبقه إليه ابن الرفعة في الكفاية ثم السبكي في شرح المنهاج ثم الأسنوي في المهمات فاعتمده الزركشي هنا وحاول في الخادم التأويل والجمع بين كلام الرافعي ونحن نسوق ما تيسر من عبارات الأصحاب في المسألة قال في الروضة وهل قطاع الإمام فيه مدخل وجهان أصحهما عند الجمهور نعم

(1/184)


وهو المنصوص لأن له فيه نظرا ولهذا يزعج من أضر جلوسه، وأما تملك شيء من ذلك فلا سبيل إليه بحال، وحكى وجه في الرقم للعبادي وفي شرح مختصر الجويني لأبي طاهر أن للإمام أن يتملك من الشوارع ما فضل عن حاجة الطروق والمعروف الأول- هذه عبارة الروضة فانظر كيف لم يذكر فيها قوله كالمتحجر وقال البغوي في التهذيب: القطائع قسمان أحدهما ما يملك وهو ما مضى من إحياء الموات والثاني إقطاع إرفاق لا تملك فيه كمقاعد الأسواق والطرق الواسعة ويجوز للسلطان إقطاعه لكنه لا يملكه بل يكون أولى به ويمنع أن يبني دكة لأنه يضيق الطريق ويضر بالضرير وبالبصير بالليل وإذا أقطع السلطان موضعا كان أحق به سواء نقل متاعه إليه أو لم ينقل لأن للإمام النظر والاجتهاد وإذا أقطعه ثبت يده عليه، وقال الخوارزمي في الكافي القطائع ضربان إقطاع إرفاق وإقطاع تملك أما إقطاع الإرفاق وهو أن يقطع الإمام أو نائبه من إنسان موضعا من مقاعد الأسواق والطريق الواسعة ليجلس فيه للبيع والشراء فيجوز إذا كان لا يضر بالمارة هذا هو المذهب، ولو أقطعه السلطان موضعا منه لا يملكه ويكون أولى به نقل متاعه إليه أو لم ينقل ولو قام عنه أو غاب عنه لا ينقطع حقه عنه حتى لو عاد كان أولى به ولو قعد فيه بالسبق من غير إقطاع كان أولى به ما دام هو فيه وكذا لو قام وترك فيه شيئا من متاعه فليس لغيره إزعاجه منه ولو لم يترك فيه شيئا فسبق إليه غيره كان الثاني أحق به والفرق بينهما أن الاستحقاق تم بالإقطاع وهو باق بعد الذهاب والاستحقاق ههنا بكونه فيه وقد زال - هذا هو المذهب انتهى كلام الخوارزمي بحروفه فانظر كيف صرح بأن المقطع أحق به ولو قام أو غاب ولم يكن له فيه متاع وإنه لو أراد أحد الجلوس فيه في غيبته أزعج بخلاف من قعد بالسبق من غير إقطاع إذا قام ولم يترك متاعه كان لغيره الجلوس فيه ثم فرق بين المسألتين ببقاء الاستحقاق بعد الذهاب بالإقطاع وهذا ما قدمنا ذكره في أول الكلام على

(1/185)


المسألة، وقال الماوردي في الأحكام السلطانية وأما القسم الثالث وهو ما اختص بأفنية الشوارع والطرقات فهو موقوف على نظر السلطان وفي حكم نظره وجهان أحدهما أن نظره فيه مقصور على كفهم عن التعدي ومنعهم من الإضرار والإصلاح بينهم عند التشاجر وليس له أن يقيم جالسا ولا أن يقدم مؤخرا ويكون السابق إلى المكان أحق به من المسبوق، والوجه الثاني أن نظره فيه نظر مجتهد فيما يراه صلاحا من اجلاس من يجلسه ومنع من يمنعه وتقديم من يقدمه كما يجتهد في أموال بيت المال وإقطاع الموات ولا يجعل السابق أحق على هذا الوجه وليس له على الوجهين أن يأخذ منهم على الجلوس أجرا وإذا تاركهم على التراضي كان السابق إلى المكان أحق من المسبوق انتهى، والوجه الثاني هو الذي ذكر في الروضة أنه الأصح فانظر كيف صرح الماوردي بان السابق لا يجعل أحق على هذا الوجه تقديما لإقطاع الإمام، وقال السبكي في شرح المنهاج وهل لإقطاع الإمام مدخل في الشوارع وجهان أصحهما نعم ورجحه الأكثرون ونص عليه الشافعي لأن للإمام نظرا واجتهادا في أن الجلوس في الموضع هل هو مضر أولا ولهذا يزعج من رأى جلوسه مضرا وإنما يزعجه الإمام وإذا كان لاجتهاده فيه مدخل فكذلك لإقطاعه، والثاني وهو اختيار الجوري والقفال ورجحه الغزالي أنه لا مدخل للإقطاع في ذلك لأنها منتفع بها من غير عمل فأشبهت المعادن الظاهرة ولأنه لا مدخل للتمليك فيها فلا معنى للإقطاع بخلاف الموات، قال الرافعي وللنزاع فيه مجال في قوله لا مدخل للتمليك فيه لأن في الرقم للعبادي وفي شرح مختصر الجويني لابن طاهر وجه أن للإمام أن يتملك من الشوارع ما فضل عن حاجة الطروق وزاد الرافعي فقال في كتاب الجنايات فيما إذا حفر بئرا في شارع بإذن الإمام أن الذي أورده أصحابنا العراقيون والروياني وصاحب التتمة لا ضمان وجوزوا أن يخصص الإمام قطعة من الشارع ببعض الناس فإن الخلاف راجع إلى ما تقدم في إحياء الموات أن إقطاع الإمام هل له

(1/186)


مدخل في الشوارع وبينا أن الأكثرين قالوا نعم وجوزوا للمقطع أن يبني فيه ويتملكه هذا كلامه في الجنايات، قال السبكي ولم يتقدم منه في إحياء الموات إلا ما ذكرناه فقوله بينا أن الأكثرين قالوا نعم يريد به تجويز الإقطاع وهو صحيح وقوله وجوزوا للمقطع أن يبني فيه يمكن تمشيته على قول من يقول بجواز بناء دكة في الشارع وقد تقدم في الصلح أن الأصح خلافه وقوله ويتملكه لا يمكن تمشيته إلا على ما حكاه هنا عن الرقم وشرح مختصر الجويني وهو وجه غريب منكر لا يكاد يعرف فلا يبني عليه قال والظاهر أن الرافعي لما تكلم في الجنايات طال عهده بما ذكره في الصلح وفي إحياء الموات ولم يحرره، قال ابن الرفعة وكيف قدر فهو بعيد إلا إذا جهل السبب الذي صار به الشارع شارعا وإذا جهل السبب ومنه ما يمتنع معه التملك جزما ومنه ما لا يكون كذلك فكيف يقدم على تملكه وأيضا فإن الشارع وإن اتسع في وقت قد يكون في وقت آخر بقدر الحاجة أو أضيق وهو موضوع شارعا لعموم الأوقات، قال السبكي وهذا الذي قاله ابن الرفعة صحيح ثم قال وإذا جوزنا الإقطاع في ذلك فإنما معناه أن يصير المقطع أحق بالارتفاق به من غيره قال وقد تكرر في كلام الشافعي والأصحاب أن الإقطاع قسمان إقطاع إرفاق وهو هذا وإقطاع تمليك وهو ما تقدم في الموات ليتملك بالإحياء فالشارع وإن أطلق عليه اسم الموات فيما عدا المرور ونحوه لا يدخله الإحياء ولا الحمى ولا إقطاع التمليك، ثم قال السبكي: فرع عن الأحكام السلطانية للماوردي إذا قلنا بدخول الإقطاع فلا يجعل السابق أحق قال فإن أراد السابق بعد الإقطاع فصحيح لأن بالإقطاع صار المقطع أحق وأما إذا سبق واحد قبل الإقطاع فينبغي أن يمتنع الإقطاع لغيره ما دام حقه باقيا ولا يأتي فيه خلاف لقوله صلى الله عليه وسلم (من سبق إلى ما لم يسبق إليه فهو أحق به) وحاصله أن السبق موجب للأحقية قطعا بالحديث والإقطاع موجب للأحقية على الصحيح فإن تعارضا قدم الأقدم تاريخا

(1/187)


ولو فرضنا أنهما حصلا في وقت واحد فينبغي تقديم السبق لأنه ثابت بالنص وإنما لم نقدمه بعد الإقطاع لأنا نجعل الإقطاع سبقا انتهى كلام السبكي. فانظر كيف نقل عن الماوردي أن السابق مع الإقطاع لا حق له وحمله على السابق بعد صدور الإقطاع وقال إنه صحيح وعلله بأن بالإقطاع صار المقطع أحق وبأنا نجعل الإقطاع سبقا وهو عين ما نقلناه في أول الكلام على المسألة، الأمر الثالث في بقية ما يتعلق بكلام الرافعي قال في المهمات بعد سياق كلاميه ولا شك في أن المذكور هناك يعنى في الجنايات سهو فإنه أحال على المذكور هنا فأطلق القول من غير إمعان وقال في الخادم بعد أن ساق كلام الرافعي وكلام ابن الرفعة في الاعتراض عليه الذي يظهر أنهما مسألتان إحداهما أن الإمام هل له أن يملك ابتداء والأصح المنع وهو المذكور هنا والثانية أنه إذا أقطعه الإمام ذلك فهل للمقطع أن يتملكه إذا بنى فيه والأصح نعم وهو المذكور في الجنايات قال والحاصل أن هذا الإقطاع بمثابة إقطاع الموات إذا بنى فيه تملك وليس للإمام أن يملكه ابتداء قال فإن قلت يمنع من هذا حوالة الرافعي في الجنايات على المذكور هنا وهو لم يذكر هنا التملك بضم اللام وإنما ذكر التمليك، قلت قد ذكر هنا جواز الإقطاع ومن لازمه جواز التملك وقد صرح بهذا اللازم في الجنايات وأيضا فلم يقل في الجنايات أنه يملكه بل يتملكه ومعناه أنه يتملكه بالإحياء للمسلمين قال على أن الصواب المذكور هنا وفيما نقله هناك عن الأكثرين نظر أما قولهم إنهم جوزوا فيه البناء فلا يتأتى فيه الأعلى تجويز بناء دكة في الشارع إذا لم يضر وهو وجه والأصح كما قاله في باب الصلح المنع وإن لم يضر، وأما قولهم إنهم جوزوا تملكه فلا يتأتى إلا على ما حكاه هنا عن الرقم وهو وجه غريب قلت حط محط كلام الخادم على إبقاء الاعتراض على الرافعي والحكم عليه بالسهو فيما ذكره في الجنايات وهو معذور في ذلك فانه حاول الجمع بينهما بالطريق التي ذكرها

(1/188)


فوجدها لا تتمشى على الراجح فرجع إلى مواقفه المعترضين، وأقول لا بأس بتأويل كلام الرافعي على وجه يمنع نسبة الذهول والسهو إليه وعبارته في الجنايات وإن حفر لمصلحة عامة ففيه الوجهان أو القولان والخلاف راجع إلى ما تقدم في إحياء الموات إن إقطاع الإمام هل له مدخل في الشوارع وبينا أن الأكثرين قالوا نعم وجوزوا للمقطع أن يبني فيه ويتملكه انتهى. فمحمل الإيراد هنا إجراء الكلام على أن قوله وجوزوا معطوف على قالوا فيكون منسوبا للأكثرين وعلى أن قوله ويتملكه الضمير فيه راجع إلى الشارع كما هو راجع إليه في قوله أن يبني فيه ويندفع الأول بأن يجعل قوله وجوزوا مستأنفا لا معطوفا على خبران فيكون إشارة إلى الوجه المذكور في الصلح أنه يجوز البناء في الطريق وهو وجه مشهور لا غريب وإن لم يكن هو المصحح، والقصد بسياق ذلك هنا الإشارة إلى بناء الخلاف في مسألة حفر البئر على هذا الخلاف المذكور في إحياء الموات في إقطاع الإمام للشارع وعلى الخلاف المذكور في جواز البناء في الشارع ويوضح ما قلناه من الاستئناف وعدم العطف إن مسألة البناء ليست مذكورة في إحياء الموات وإنما هي مذكورة في باب الصلح فكيف يظن بالرافعي أنه يعزو إلى باب مسألتين وليس فيه إلا إحداهما فتعين أن الذي عزاه إلى إحياء الموات إنما هو مسألة إقطاع الإمام فقط وهي التي حكى فيها هناك عن الأكثرين الجواز وتم الكلام عند قوله وبينا أن الأكثرين قالوا نعم ثم استأنف كلاما آخر على طريق التذييل مرشحا لما ذكره فقال وجوزوا أي طائفة من الأصحاب للمقطع أن يبني فيه فيكون ذلك ترشيحا لجواز حفر البئر في الشارع لمصلحة عامة الذي هو الأظهر ولا يلزم من ذلك أن يكون الراجح في مسألة البناء الجواز لما أشرنا إليه من أن القصد بسياق ذلك بناء الخلاف على الخلاف والترشيح ولا يلزم من بناء الخلاف في مسألة على الخلاف في أخرى أن يستويا في الترجيح وأما اعتراضهم عليه في قوله ويتملكه بأن الوجه

(1/189)


القائل بتملك الشارع المحكى في إحياء الموات غريب منكر لا يبنى عليه ولا يعول فضلا عن أن يعزى إلى الأكثرين فإنه يندفع بأيسر شيء وذلك أن الاعتراض مبنى على أن الضمير في يتملكه عائد إلى الشارع ونحن نقول ليس عائدا إلى الشارع بل إلى البناء المفهوم من قوله يبنى فيه فيكون ذلك ترشيحا لجواز حفر البئر لأنه إذا قالت فرقة بجواز أن يبنى في الشارع ما يكون ملكا لبانيه فجواز حفر البئر ؟؟ لا تملك وتجعل لعموم المسلمين أولى. هذا ما تيسر تأويل كلام الرافعي عليه وهو وإن كان فيه بعض تكلف فإنه أولى من نسبة الإمام الرافعي إلى السهو والذهول. ومن النقول في المسألة عودا وانعطافا على ما تقدم قال ابن القاص في تلخيصه القطائع فرقتان أحدهما مضى والثاني إقطاع إرفاق لا يملك مثل المقاعد في الأسواق هو أحق به، وقال إمام الحرمين في النهاية الذي صار معظم الأصحاب أن الوالي لو أراد أن يقطع القاعد فله ذلك كما له أن يقطع الموات من محييه، وقال الغزالي في البسيط الإمام هل له أن يقطع مقاعد الأسواق؟ الذي ذهب إليه معظم الأصحاب أن له ذلك كما في الموات، وذكر في الوسيط نحوه، وقال الجرجاني في البلغة وأما الشوارع والرحاب الواسعة فلكل أحد أن يرتفق بالقعود فيها للبيع والشراء بحيث لا يضر بالمجتازين ومتى تركها كان غيره أحق بها وإن قام عنها ليعود إليها في غد كان أولى بها فإن أقطع الإمام مكانا منها كان المقطع أحق بالارتفاق به من غيره، وقال القاضي حسين في تعليقه الإقطاع قسمان أحدهما إقطاع تمليك وهو الموات الذي يتملكه المقطع بإحداث أمر فيه والثاني إقطاع إرفاق وهو مثل الرباطات ومقاعد الأسواق فللإمام أن يقطعها من شاء ليجلس فيها للتجارة وغيرها إذا كان لا يتضرر المارة به إذ لاجتهاده مدخل في هذه المواضع بدليل أنه يمنع عنه من يجلس فيه على وجه يتضرر به الناس بخلاف المعادن الظاهرة فإنه لا مدخل لاجتهاد الإمام فيها إذ لا يسوغ له منع أحد عنها

(1/190)


بحال تم الحكم فيه أن المقطع أحق به ما دام يتردد ويرجع إليه فإن أعرض عنه وتركه فللغير أن يجلس فيه وإن اشتغل عنه بعذر أو غيره فحقه قائم فيه ليس للغير أن يجلس مكانه وإذا مرض أو غاب إن كانت المدة قصيرة لم يكن للغير أن يجلس مكانه وإن طالت المدة فللغير الجلوس مكانه ولا يملكه المقطع بحال إذ ليس فيه أثر عمارة ولا عين مال بخلاف الموات والمعادن الباطنة على أحد القولين انتهى. فهذه عبارات مشاهير أئمة الأصحاب ليس فيها تعرض لتشبيهه بالمتحجر حتى يتوهم أن يأتي في المتعدي عليه على ما يأتي في المتعدى على المتحجر والله أعلم. قال مؤلفه رضي الله عنه ألفته في ذي القعدة سنة خمس وتسعين وثمانمائة.

الجهر بمنع البروز على شاطئ النهر

مقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم

(1/191)


الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى. وقع في هذه الأيام أن رجلا له بيت بالروضة على شاطئ النيل أصله قديم على سمت جدران بيوت الجيران الأصلية ثم أحدث فيه من بضع عشرة سنة بروز ذرعه إلى صوب البحر نحو عشرين ذراعا بالذراع الشرعي بحيث خرج عن سمت بيوت الجيران القديمة ثم أراد في هذه الأيام أن يحدث فيه بروزا ثانيا قدام ذلك البروز الأول متصلا به فحفر له أساسا ذرعه إلى صوب البحر ستة عشر ذراعا بالذراع الشرعي بحيث يصير مجموع البروزين ستة وثلاثين ذراعا واقعة في حريم النهر وأرضه التي هي عند احتراق النيل مشرع له وطريق للواردين والمارين فقلت له لا يحل لك ذلك باتفاق المذاهب الأربعة فشنع علي في البلد أني أفتيت بهدم بيوت الروضة وهذا كذب محض وإشاعة باطلة فإن البيوت القديمة الباقية على أصولها لا يحل التعرض لها وإنما <ص الكلام في البروز الحادث وما يراد إحداثه الآن وكثير من الناس يظنون أن مذهب الشافعي: جواز البروز مطلقا وليس كذلك بل شرطه أن لا يكون في شارع ولا في حريم نهر ولا نحو ذلك مما هو مبين في كتب الفقه وقد وقع في حياة شيوخنا إن أيبك الخاصكي بنى بيتا بمصر تجاه جامع الريس وبرز فيه على شاطئ النهر فاستفتى الشيخ الإمام العلامة المحقق جلال الدين المحلى الشافعي فأفتى بمنعه من ذلك وعلله بأن شطوط الأنهار لا تملك ولا يجوز إحياؤها ولا البناء فيها وهذا هو منقول المذهب نص عليه إمامنا الشافعي رضي الله عنه وسائر أصحابه ولا نعلم في ذلك خلافا في المذهب بل ولا في بقية المذاهب الأربعة بل الأئمة وأتباعهم متفقون على هذا الحكم. وهذه نبذة من نقول الأئمة في ذلك:

ذكر نقول مذهبنا (الشافعية)

(1/192)


قال الرافعي في الشرح والنووي في الروضة: حريم المعمور لا يملك بالإحياء والحريم هو المواضع القريبة التي نحتاج إليها لتمام الانتفاع كالطريق ومسيل الماء ونحوه ثم تكلما على حريم الدار وحريم القرية ثم قالا والبئر المحفورة في الموات حريمها الموضع الذي يقف فيه النازح وموضع الدولاب ومتردد البهيمة ومصب الماء والموضع الذي يجتمع فيه لسقي الماشية والزرع من حوض ونحوه والموضع الذي يطرح فيه ما يخرج منه وكل ذلك غبر محدود وإنما هو بحسب الحاجة كذا قاله الشافعي والأصحاب وفي وجه حريم البئر قدر عمقها من كل جانب وبهذا يقاس حريم النهر- هذا كلام الشيخين، ثم قالا بعد ذلك عمارة حافات هذه الأنهار من وظائف بيت المال ويجوز أن يبنى عليها قنطرة لعبور الناس لأن ذلك من مصالح المسلمين انتهى. وقال الشيخ تقي الدين السبكي في شرح المنهاج ما نصه فرع عن أبي حنيفة لا حريم للنهر وعن أبي يوسف ومحمد له حريم وهو مذهبنا قال ورأيت في ديار مصر من الفقهاء من يستنكر العماير التي على حافات النيل ويقول أنه لا يجوز إحياؤها قال وهذا قد عمت به البلوى في جميع البلدان قال وإذا رأينا عمارة على 0حافة نهر لا نغيرها لاحتمال أنها وضعت بحق وإنما الكلام في الابتداء أو فيما عرف حاله، ثم قال ومما عظمت البلوى به اعتقاد بعض العوام أن أرض النهر ملك بيت المال وهذا أمر لا دليل عليه وإنما هو كالمعادن الظاهرة لا يجوز للإمام إقطاعها ولا تمليكها بل هو أعظم من المعادن الظاهرة في ذلك المعنى والمعادن الظاهرة إنما امتنع التملك والاقطاع فيها لشبهها بالماء وبإجماع المسلمين على المنع من إقطاع مشارع الماء لاحتياج جميع الناس إليها فكيف يباع قال ولو فتح هذا الباب لأدى إلى أن بعض الناس يشتري أنهار البلد كلها ويمنع بقية الخلق عنها فينبغي أن يشهر هذا الحكم ليحذر من يقدم عليه كائنا من كان ويحمل الأمر على أنها مبقاة على الإباحة كالموات وأن الخلق كلهم يشتركون

(1/193)


فيها، وتفارق الموات في أنها لا تملك بالأحياء ولا تباع ولا تقطع وليس للسلطان تصرف فيها بل هو وغيره فيها سواء فإن وجدنا نهرا صغيرا بيد قوم مخصوصين مستولين عليه دون غيرهم فهو ملكهم يتصرفون فيه بما شاؤوا وإن لم يكن ملكا ولكن فيه مشارب لقوم مخصوصين فحقوقهم فيه على تلك المشارب يتصرفون فيها بالطريق الشرعي - هذا كله كلام السبكي، وهو تصريح بالنقل عن مذهبنا أن النهر له حريم لا يجوز تملكه ولا أحياؤه ولا البناء فيه ولا بيعه ولا إقطاعه، وقال في فتاويه الأنهار ومجاريها العامة ليست مملوكة بل هي إما مباحة لا يجوز لأحد تملها وإما وقف على جميع المسلمين ولا شك أن الأنهار الكبار كالنيل والفرات مباحة كما صرح به الفقهاء في كتبهم ولا يجوز تملك شيء منها بالإحياء لا بالبيع من بيت المال ولا بغيره وكذلك حافاتها التي عموم الناس إلى الإرتفاق بها لأجلها والأنهار الصغيرة التي حفرها قوم مخصوصون معرفون مملوكة لهم كسائر الأملاك المشتركة انتهى بحروفه، وهو تصريح بالنقل عن الفقهاء أن حافات النيل لا يجوز تملكها ولا إحياءها، وقال في شرح المنهاج فرع شخص أراد أن يغرس على حريمه على ماء جار شجرة جاز وأن كان النهر مشتركا لأنه لا يضر بهم كما يتخذ على باب داره مشرعا، وفي فتاوي القفال: رجل له دار في موضع ويجري نهر على باب داره فأراد أن يغرس شجر على جانب النهر بحذاء داره لم يجز فقيل له هذا كما لو بنى دكة في الشارع فقال ليس كذلك انتهى. فإذا منع القفال من غرس شجرة فما ظنك بالبناء، وقال الزركشي في شرح المنهاج حافات النيل والفرات لا يجوز تملك شيء منها بالأحياء ولا بالابتياع من بيت المال ولا غيره قال وقد عمت البلوى بالأبنية على حافات النيل كما عمت بالقرافة مع أنها مسبلة، وذكر الدميري في شرح المنهاج نحو ذلك، وقد راجعت نص الشافعي فوجدته نص في مختصر المزني وفي الأم على أن النهر والماء الظاهر لا يملكه أحد من الناس ولا يصح لأحد

(1/194)


أن يقطعه بحال والناس فيه شرع والمسلمون كلهم شركاء في ذلك - هذا نصه في الكتابين، زاد في الأم ولو أحدث على شيء من هذا بناء قيل له حول بناءك ولا قيمة له فيما أحدث بتحويله، وقال ابن الرفعة في الكفاية الحرائم هي المواضع القريبة التي يحتاج إليها لتمام الانتفاع بها سميت بذلك لأنها يحرم التعرض لها بنوع عدوان وذلك يختلف باختلاف المحيا وذكر نحو ما تقدم عن الرافعي والنووي ثم قال وحمل الأصحاب قوله صلى الله عليه وسلم (حريم البئر أربعون ذراعا) على آبار الحجاز فإنها تكون عميقة تحتاج في المواضع التي يمر فيها الثور إلى ذلك المقدار وحريم النهر ملقى النهر للطين وما يخرج منه من التقن وهو رسابة الماء، وقال البغوي في التهذيب من حريم النهر ملقى الطين وما يخرج منه، وقال الخوارزمي في الكافي حريم النهر ما يلقى فيه الطين عند الحفر، وقال السبكي في شرح المنهاج في سنن البيهقي عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (حريم البئر أربعون ذراعا من جوانبها كلها) وعن ابن المسيب حريم البئر البدئي خمس وعشرون ذراعا من نواحيها كلها وحريم العادي خمسون ذراعا من نواحيها كلها وحريم بئر الزرع ثلاثمائة ذراع من نواحيها كلها، قال الزهري وسمعت الناس يقولون حريم العيون خمسمائة ذراع وعن أبي هريرة مرفوعا مثل قول ابن المسيب وعن ابن عباس حريم البئر خمسون ذراعا وحريم العين مائتا ذراع، ثم قال السبكي: والشافعي لم ير التحديد وحمل اختلاف الروايات على القدر المحتاج إليه وبهذا يقاس حريم النهر قال ومن حريم النهر ملقى طينه وما يخرج منه مما يحتاج إلى إلقائه عند حفره قال وفي كلام الأصحاب وملقى تقنه وهو ما ينحى مع الماء وسمى الرسابة، وفي سنن ابن ماجه عن عبد الله بن مغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من حفر بئرا فله أربعون ذراعا عطنا لماشيته) وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (حريم البئر مد رشائها) وعن

(1/195)


ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (حريم النخلة مد جر يدها) قال القاضي أبو الطيب وابن الصباغ إذا أحيا أرضا ليغرس فيها وغرس فليس لغيره أن يغرس بجواره بحيث تلتف أغصان الغراس وبحيث تلتقي عروقها، وقال الماوردي حريم الأرض المحياة للزراعة طرقها ومفيض مائها وبيدر زرعها وما لا يستغنى عنه من مرافقها. انتهى ما في شرح المنهاج للسبكي في ضبط الحريم، وقال الغزى في أدب القضاء مسألة لا يجوز لأحد أن يبنى سكرا في النهر العام الكبير الذي ليس بمملوك لأن النهر العام كالطريق المسلوك العام ولو أراد أن يضع صخرة في طريق واسع منع منه، وفي فتاوى ابن الصلاح:
مسألة - إذا أراد رجل أن يبني عمارة سكر في النهر الكبير الذي ليس بمملوك ثم يبنى عليه طاحونة وناعورة ولا يضر بمن هو فوقه ولا بمن هو أسفل منه هل له ذلك ويكون ذلك أحياء له ويكون بمنزلة الموات الذي يملك بالأحياء حتى يملك قرار النهر الذي يبنى عليه العمارات ويملك حريمه أم لا؟
أجاب ليس له ذلك فإنه لا يخلو عن ضرر فإنه يمنع من أن ينحدر في مكانه بسباحة أو سفينة أو نحو ذلك وطريق الماء العام كطريق السلوك العام ولو أراد مريد أن يضع صخرة في طريق شارع واسع منع منه وهذا شر من ذلك من وجه ولو قدر خلو ذلك عن الضرر لم يجز ملك ذلك الموضع كما لا يملك شيئا من الطرق الواسعة بشيء من الاختصاصات الجائزة.

ذكر نقول الحنفية

(1/196)


قال في الهداية: ولا يجوز إحياء ما قرب من العامر ويترك مرعى لأهل القرية ومطرحا لحصائدهم لتحقق حاجاتهم إليها فلا يكون مواتا لتعلق حقهم بها بمنزلة الطريق والنهر وعلى هذا قالوا لا يجوز أن يقطع الإمام ما لا غنى للمسلمين عنه كالملح والآبار التي يستقى الناس منها لما ذكرنا ومن حفر بئرا في برية فله حريمها فإن كانت للعطن فحريمها أربعون ذراعا وإن كانت للناضح فحريمها ستون ذراعا عندهما وعند أبي حنيفة أربعون ذراعا لهما إلى أن قال وإن كان عينا فحريمها خمسمائة ذراع بالتوقيف والأصح أنه خمسمائة ذراع من كل جانب والذراع هي المكسرة فمن أراد أن يحفر في حريمها منع منه، ثم قال والقناة لها حريم بقدر ما يصلح وعن محمد أنه بمنزلة البئر في استحقاق الحريم وقيل هذا عندهما وعنده لا حريم لها ما لم يظهر الماء لأنه نهر في التحقيق فيعتبر بالنهر الظاهر قالوا وعند ظهور الماء على الأرض فهو بمنزلة عين فوارة فيقدر بخمسمائة ذراع والشجرة تغرس في ارض موات لها حريم أيضا حتى لم يكن لغيره أن يغرس شجرا في حريمه لأنه يحتاج إلى حريم له يجد ثمره ويضعه فيه وهو مقدر بخمسة أذرع وبه ورد الحديث وما تركه الفرات أو دجلة وعدل عنه الماء ويجوز عوده إليه لم يجز أحياؤه لحاجة العامة إلى كونه نهرا وإن كان لا يجوز أن يعود إليه فهو كالموات إذا لم يكن حريما لعامر لأنه ليس في ملك أحد لأن قهر الماء يدفع قهر غيره ومن كان له نهر في أرض غيره فليس له حريم عند أبي حنيفة إلا أن يقيم بينة على ذلك وقالا له مسناة النهر يمشى عليها ويلقى عليها طينه ثم عن أبي يوسف أن حريمه مقدار نصف بطن النهر من كل جانب وعن محمد مقدار بطن النهر من كل جانب وهذا أرفق بالناس، ثم قال أعلم أن المياه أنواع منها ماء البحار ولكل واحد من الناس فيها حق الشفه وسقي الأراضي حتى إن من أراد أن يكرى منها نهرا إلى أرضه لم يمنع من ذلك والانتفاع بماء البحر كالانتفاع بالشمس والقمر والهواء

(1/197)


فلا يمنع من الانتفاع به على أي وجه شاء، والثاني ماء الأودية العظام كجيحون وسيحون ودجلة والفرات للناس فيه حق الشفه على الإطلاق وحق سقي الأراضي فإن أحيا واحد أرضا ميتة وكرى منها نهر ليسقيها إن كان لا يضر بالعامة ولا يكون النهر في ملك أحد له ذلك لأنها مباحة في الأصل إذ قهر الماء يدفع قهر غيره وإن كان يضر بالعامة فليس له ذلك لأن دفع الضرر عنهم واجب وعلى هذا نصب الرحى عليه لأن شق النهر للرحى كشقه للسقي ثم قال الأنهار ثلاثة نهر غير مملوك لأحد ولم يدخل ماؤه في المقاسم بعد كالفرات ونحوه وهذا كريه على السلطان من بيت مال المسلمين لأن منفعة الكرى لهم فتكون مؤنته من الخراج والجزية دون العشر والصدقات فإن لم يكن في بيت المال شيء فالإمام يجبر الناس على كريه أحياء لمصلحة العامة انتهى ملخصا، وقال القدوري ولا يجوز إحياء ما قرب من العامر ويترك مرعى لأهل القرية ومطرحا لحصائدهم ومن حفر بئرا في برية فله حريمها فإن كانت للتعطن فحريمها أربعون ذراعا وإن كانت للناضح فستون ذراعا وإن كانت عينا فحريمها ثلثمائة ذراع فمن أراد أن يحفر في حريمها منع منه، وما ترك الفرات ودجلة وعدل عنه الماء ويجوز عوده إليه لم يجر أحياؤه وإن كان لا يجوز أن يعود إليه فهو كالموات إذا لم يكن حريما لعامر من أحياه بإذن الإمام ملكه ومن كان له نهر في أرض غيره فليس له حريمه عند أبي حنيفة إلا أن يقيم بينة على ذلك وقال أبو يوسف ومحمد له مسناة النهر يمشى عليها ويلقى عليها طينه انتهى. وقد عرف بهذا النص وغيره من كتب الحنفية أن الذي نقله السبكي عن أبي حنيفة من أنه لا حريم للنهر إنما هو في النهر المملوك في أرض الغير لا في الأنهار الكبار المباحة كالنيل والفرات وقال صاحب النافع وهو الإمام أبو المفاخر السويدي الزوزني ولا يجوز إحياء ما قرب من العامر يترك مرعى لأهل القرية ومطرحا لحصائدهم ومن حفر بئرا فله حريمها فإن كانت بئر العطن فحريمها

(1/198)


أربعون ذراعا وإن كانت بئرا لناضح فستون ذراعا وإن كان عينا فحريمها خمسمائة ذراع من كل جانب فمن أراد أن يحفر في حريمها منع منه وما تركه الفرات أو دجلة وعدل عنه ويجوز عوده إليه لم يجز إحياؤه لحاجة النهر إليه فإن كان لا يمكن أن يعود إليه فهو كالموات إذا لم يكن حريما للعامر ومن كان له نهر في أرض غيره فليس له حريمه عند أبي حنيفة إلا أن تكون له بينة عليه وقال أبو يوسف ومحمد له مسناة النهر يمشى عليها ويلقى عليها طينه، وفي فتاوي قاضي خان لو حفر بئرا في المفازة أو في موضع لا يملكه أحد بإذن الإمام كان له ذلك وله ما حوله أربعون ذراعا حريما للبئر ولو حفر نهرا في مفازة بإذن الإمام قال أبو حنيفة لا يستحق للنهر حريما وقال صاحباه يستحق مقدار عرض النهر حتى إذا كان مقدار عرض النهر ثلاثة أذرع كان له من الحريم مقدار ثلاثة أذرع من الجانبين من كل جانب ذراع ونصف في قول الطحاوي وعن الكرخي مقدار عرض النهر، هذا في النهر الذي حفره إنسان وملكه، وقال في موضع آخر ولو احتفر رجل قناة بغير إذن الإمام في مفازة وساق الماء حتى أتى به أرضا فأحياها فإنه يجعل لقناته ولمخرج مائه حريما بقدر ما يصلح وهذا قول أبي يوسف ومحمد فأما عند أبي حنيفة إذا فعل ذلك بإذن الإمام فإنه يستحق الحريم للموضع الذي يقع الماء فيه على وجه الأرض وإن كان بغير إذن الإمام لا شيء له لأن عند أبي حنيفة من احتفر نهرا لا يستحق له الحريم والقناة إلا أن يقع الماء على وجه الأرض بمنزلة النهر، وقال في موضع آخر إذا أحيا رجل أمواتا ليس لها شرب وحفر لها من نهر للعامة حافتها غير مملوكة وساق إليها ما يكفيها من الماء ينظر إن كان ذلك لا يضر بالعامة كان له ذلك وإن كان يضر بالعامة ليس له أن يفعل ذلك ولا للإمام أن يأذن له بذلك وكذا ليس للإمام أن يزيد في النهر العظيم كوة أو كوتين إن كان يضر بالعامة وفي النهر الخاص المملوك ليس له أن يفعل ذلك أضر بصاحب الملك أم لم

(1/199)


يضر لأن حافة النهر ملكه فلا يملك حفرها وسعتها، وقال في موضع آخر الأنهار ثلاثة الأول النهر العظيم الذي لم يدخل في المقاسم كالفرات ودجلة وجيحون وسيحون والنيل إذا احتاج إلى الكرى فإصلاح شطه يكون على السلطان من بيت المال فإن لم يكن في بيت المال مال يجبر المسلمون على كريه وإن أراد واحد من المسلمين أن يكرى منها نهرا لأرضه كان له ذلك إذا لم يضر بالعامة بأن ينكسر شط النهر ويخاف منه الغرق فيمنع من ذلك، ثم قال نهر يجري في سكة تحفر في كل سنة مرتين ويجتمع تراب كثير في السكة قالوا إن كان التراب على حريم النهر لم يكن لأهل السكة تكليف أرباب النهر نقل التراب وإن كان التراب جاوز حريم النهر كان لهم ذلك وكذلك نهر لقوم يجري في أرض رجل حفروا التراب وألقوا التراب في أرضه إن كان التراب في حريم النهر لم يكن لصاحب الأرض أن يأخذ أصحاب النهر برفع التراب لأن لهم إلقاء التراب في حريم النهر فإن ألقوا التراب في غير حريم النهر كان له أن يأخذهم برفع التراب، وقال في موضع آخر رجل بنى في الطريق الأعظم بناء لا يضر بالطريق فعثر به إنسان فعطب أو دابة فتلفت كان ضامنا ولكل واحد من الناس حق المنع والمطالبة بالرفع وكذا لو نصب على نهر العامة طاحونة لا تضر بالنهر فكالطريق ولكل واحد حق المنع والرفع فإن ضر في الحالين ترتب عليه الإثم أيضا ولو جعل على نهر العامة قنطرة بغير إذن الإمام ولم يزل الناس والدواب يمرون عليه ثم انكسر أو وهي فعطب به إنسان أو دابة ضمن فإن كان بإذن الإمام لم يضمن لأنه فعله حسبة وممرا للناس انتهى ملخصا، وفي فتاوى البزازي المياه ثلاثة في عامة العموم كالأنهار العظام مثل دجلة وجيحون وسيحون ليست مملوكة لأحد فيملك كل أحد سقى دوابه وأرضه ونصب الطاحونة والدالية والسانية واتخاذ المشرعة والنهر إلى أرضه بشرط أن لا يضر بالعامة فإن أضر منع فإن فعل فلكل أحد من أهل الدار منعه المسلم والذمي والمكاتب فيه سواء ثم قال

(1/200)