صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين

... وأما من زعم من أهل العلم أنه كان يجهر به في عهد النبي صلى الله عليه وسلم للتعليم، وأنه لا يسن الجهر به الآن فإن هذا في الحقيقة مبدأ خطير، لو كنا كلما جاءت سنة بمثل هذا الأمر قلنا إنها للتعليم، وأن الناس قد تعلموا الآن فلا تشرع هذه السنة لبطل كثير من السنن بهذه الطريقة، ثم نقول: الرسول عليه الصلاة والسلام قد أعلمهم بما يشرع بعد الصلاة، كما في قصة الفقراء الذين جاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم [في أن الأغنياء سبقوهم فقال: "ألا أخبركم بشيء تدركون به من سبقكم"(1)؟ ثم ذكر لهم أن يسبحوا ويكبروا ويحمدوا ثلاثاً وثلاثين]. فقد علمهم بالقول صلى الله عليه وسلم.
... فالصواب في هذا أنه يشرع أدبار الصلوات المكتوبة أن يجهر الإنسان بكل ما يشرع من ذكر سواء بالتهليل، أو بالتسبيح أو الاستغفار بعد السلام ثلاثاً أو بقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، وتباركت يا ذا الجلال والإكرام(2).
... وأما ذكر السائل عن شيخ الإسلام بن تيميه، وتلميذه ابن القيم – رحمهما الله – من أن الدعاء قبل السلام والذكر بعده، فهذا كلام جيد جداً ويدل عليه حديث ابن مسعود رضي الله عنه حينما ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم علمهم التشهد، ثم قال بعد ذلك: "ثم ليتخير من الدعاء أعجبه إليه"(3). فأرشد النبي عليه الصلاة والسلام المصلي أن يدعو بعد التشهد مباشرة وقبل السلام.
__________
(1) هذا جزء من حديث أبي هريرة المتفق عليه، رواه البخاري في الأذان باب 155 – الذكر بعد الصلاة (843)، ورواه مسلم في المساجد باب 26 – استحباب الذكر بعد الصلاة 1/416 ح142 (595).
(2) هذا جزء من حديث ثوبان رواه مسلم في الموضع السابق ح135 (951).
(3) متفق عليه، وهذا لفظ البخاري وتقدم تخريجه ص234.

(13/180)


... وأما أن الذكر بعد السلام فلقول الله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُم). وعلى هذا فيكون ما بعد السلام ذكراً ويكون ما قبل السلام دعاءً هذا ما يقتضيه الحديث، وما يقتضيه القرآن، وكذلك المعنى يقتضيه أيضاً لأن المصلي بين يدي الله عز وجل فمادام في صلاته فإنه يناجي ربه كما أخبر بذلك النبي صلى الله عليه وسلم(1)، وإذا انصرف وسلم انصرف من ذلك فكيف نقول أجل الدعاء حتى تنصرف من مناجاة الله، المعقول يقتضي أن يكون الدعاء قبل أن تسلم ما دمت تناجي ربك تبارك وتعالى، وعلى هذا فيكون ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله وتلميذه ابن القيم، هو الصواب الذي دل عليه المنقول والمعقول، ولكن لا حرج أن الإنسان يدعو بعد الصلاة أحياناً، أما اتخاذ ذلك سنة راتبة كما يفعله بعض الناس كلما انصرف من السنة رفع يديه يدعو فإن هذا لا أعلم فيه سنة عن النبي صلى الله عليه وسلم.

رسالة

الجهر بالذكر بعد الصلاة

بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم... حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
... كتابكم المؤرخ في الشهر الماضي وصل، وسؤالكم عن: حكم الجهر بالذكر بعد الصلوات المكتوبة وصورته.
__________
(1) حديث المناجاة رواه مالك في الموطأ في الصلاة باب 7 – العمل في القراءة 1/86 (225) وتقدم لفظه في ص13.

(13/181)


... فالجواب: أن الجهر بالذكر بعد الصلوات المكتوبة سنة، دل عليها ما رواه البخاري(1) من حديث عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – أن رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة كان على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وكنت أعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعته". ورواه الإمام أحمد(2) وأبو داود(3) وهذا الحديث من أحاديث العمدة، وفي الصحيحين من حديث المغيرة بن شعبة – رضي الله عنه – قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول إذا قضى الصلاة: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له". الحديث(4)، ولا يسمع القول إلا إذا جهر به القائل.
... وقد اختار الجهر بذلك شيخ الإسلام ابن تيميه – رحمه الله – وجماعة من السلف، والخلف، لحديثي ابن عباس، والمغيرة – رضي الله عنهم – والجهر عام في كل ذكر مشروع بعد الصلاة سواء كان تهليلاً، أو تسبيحاً، أو تكبيراً، أو تحميداً لعموم حديث ابن عباس، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم التفريق بين التهليل وغيره بل جاء في حديث ابن عباس أنهم يعرفون انقضاء صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالتكبير(5)، وبهذا يعرف الرد على من قال لا جهر في التسبيح والتحميد والتكبير.
__________
(1) متفق عليه، رواه البخاري في الأذان باب 155 – الذكر بعد الصلاة (841) و (842)ن ورواه مسلم في المساجد باب 23 – الذكر بعد الصلاة 1/410 ح122 (583).
(2) رواه أحمد 1/367.
(3) رواه أبو داود في الصلاة باب التكبير بعد الصلاة 1/609 (1003).
(4) متفق عليه، فرواه البخاري في الأذان باب 155 – الذكر بعد الصلاة (844)، ورواه مسلم في المساجد باب 26 – استحباب الذكر بعد الصلاة 1/414 ح137 (593).
(5) متفق عليه رواه البخاري في الموضع السابق ح(842)، ومسلم في المساجد باب 23 – الذكر بعد الصلاة 1/410 ح120 (583).

(13/182)


... وأما من قال: إن الجهر بذلك بدعة فقد أخطأ فكيف يكون الشيء المعهود في عهد النبي صلى الله عليه وسلم بدعة؟! قال الشيخ سليمان بن سحمان رحمه الله: (ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم من فعله وتقريره، وكان الصحابة يفعلون ذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم بعد تعليمهم إياه، ويقرهم على ذلك فعلموه بتعليم الرسول صلى الله عليه وسلم إياهم، وعملوا وأقرهم على ذلك العمل بعد العلم به ولم ينكره عليهم).
... وأما احتجاج منكر الجهر بقوله تعالى: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ).
... فنقول له: إن الذي أمر أن يذكر ربه في نفسه تضرعاً وخيفة هو الذي كان يجهر بالذكر خلف المكتوبة، فهل هذا المحتج أعلم بمراد الله من رسوله، أو يعتقد أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعلم المراد ولكن خالفه، ثم إن الآية في ذكر أول النهار وآخره (بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ) وليست في الذكر المشروع خلف الصلوات، وقد حمل ابن كثير في تفسيره الجهر على الجهر البليغ.
... وأما احتجاج منكر الجهر أيضاً بقوله صلى الله عليه وسلم: "أيها الناس اربعوا على أنفسكم". الحديث(1).
... فإن الذي قال: "أيها الناس أربعوا على أنفسكم" هو الذي كان يجهر بالذكر خلف الصلوات المكتوبة، فهذا له محل، وذاك له محل، وتمام المتابعة أن تستعمل النصوص كل منها في محله.
... ثم إن السياق في قوله: "اربعوا على أنفسكم" يدل على أنهم كانوا يرفعون رفعاً بليغاً يشق عليهم ويتكلفونه، ولهذا قال: "أربعوا على أنفسكم". أي: ارفقوا بها ولا تجهدوها، وليس في الجهر بالذكر بعد الصلاة مشقة ولا إجهاد.
... أما من قال: إن في ذلك تشويشاً.
__________
(1) متفق عليه، رواه البخاري في الجهاد باب 131 – ما يكره من رفع الصوت في التكبير (2992)، ومسلم في الذكر والدعاء باب 13 – استحباب خفض الصوت بالذكر 4/2076 ح44 (2704).

(13/183)


... فيقال له: إن أردت أنه يشوش على من لم يكن له عادة بذلك، فإن المؤمن إذا تبين له أن هذا هو السنة زال عنه التشويش، إن أردت أنه يشوش على المصلين، فإن المصلين إن لم يكن فيهم مسبوق يقضي ما فاته فلن يشوش عليهم رفع الصوت كما هو الواقع، لأنهم مشتركون فيه، وإن كان فيهم مسبوق يقضي فإن كان قريباً منك بحيث تشوش عليه فلا تجهر الجهر الذي يشوش عليه لئلا تلبس عليه صلاته، وإن كان بعيداً منك فلن يحصل عليه تشوش بجهرك.
... وبما ذكرنا يتبين أن السنة رفع الصوت بالذكر خلف الصلوات المكتوبة، وأنه لا معارض لذلك لا بنص صحيح ولا بنظر صريح، وأسأل الله تعالى أن يرزقنا جميعاً العلم النافع والعمل الصالح، إنه قريب مجيب، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. حرر في 15/6/1409هـ.

565 ... سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الجهر بالذكر بعد الصلاة؟
... فأجاب فضيلته بقوله: السنة أن يجهر به كما كان عليه الصلاة والسلام يجهر بذلك، قال ابن عباس – رضي الله عنهما -: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم(1)، والناس إذا رفعوا أصواتهم جميعاً لم يشوش بعضهم على بعض. لكن يشوش بعضهم على بعض إذا كان أحدهم يجهر والآخر يسر، والذي يسر لاشك أنه يشوش عليه، فإذا كان الذي يقضي إلى جنب الإنسان وخاف أن يشوش عليه فحينئذ لا يرفع صوته على وجه يشوش، حتى على الذين يقضون؛ لأن الأصوات إذا اختلطت تداخل بعضها في بعض فارتفع التشويش، كما تشاهد الآن في يوم الجمعة الناس يقرأون كلهم القرآن يجهرون به ويأتي المصلي ويصلي ولا يحدث له تشويش.

566 ... سئل فضيلة الشيخ: وفقه الله تعالى -: ما الأذكار المشروعة بعد السلام من الصلاة؟
__________
(1) متفق عليه وتقدم تخريجه ص245.

(13/184)


... فأجاب فضيلته بقوله: ذكر الله تعالى بعد الصلوات قد أمر الله به في قوله: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُم). (النساء: 103). وهذا الذكر الذي أمر الله به مجملاً بينه النبي صلى الله عليه وسلم فتقول إذا سلمت: استغفر الله ثلاثاً، اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام(1)، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد(2) لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن، لا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه، مخلصين له الدين ولو كره الكافرون(3)، وتسبح الله تعالى بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم فمن ذلك أن تسبح الله وتحمده وتكبره ثلاثاً وثلاثين تقول: سبحان الله والحمد لله، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين(4)، وتقول تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير(5). وسواء قلتها مجموعة سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، أو قلت التسبيح وحده، والتحميد وحده،
__________
(1) هذا من حديث ثوبان رواه مسلم وتقدم تخريجه ص245.
(2) هذا اللفظ متفق عليه من حديث المغيرة بن شعبة رواه البخاري في الأذان باب الذكر بعد الصلاة (844)، وفي الدعوات باب الدعاء بعد الصلاة (6329) وفي غيرهما، ورواه مسلم في المساجد باب 26 – استحباب الذكر بعد الصلاة 1/414 ح137 (593).
(3) هذا حديث عبد الله بن الزبير رواه مسلم في الموضع السابق ح139 (594).
(4) متفق عليه من حديث أبي هريرة (حديث الفقراء) رواه البخاري في الأذان باب الذكر بعد الصلاة (843)، وفي مواضع أخرى، ورواه مسلم في الموضع السابق ح142 (595).
(5) هذه الزيادة رواها مسلم في المساجد باب 26: استحباب الذكر ح146 (597).

(13/185)


والتكبير وحده وتختمها بلا إله إلا الله وحده لا شريك له ،له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير.
... كذلك يجوز أن تسبح وتحمد وتكبر عشراً عشراً، بدلاً من الثلاثة وثلاثين فتقول: سبحاه الله، عشر مرات، والحمد لله، عشر مرات، والله أكبر، عشر مرات، فهذه ثلاثون وهذا مما جاءت به السنة(1).
... ومما جاءت به السنة في هذا أن تقول سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله، والله أكبر هذه أربع تقال خمساً وعشرين فيكون المجموع مائة(2).
... فأي نوع من هذه الأنواع سبحت به فهو جائز؛ لأن القاعدة الشرعية: "أن العبادات الواردة على وجوه متنوعة يسن فعلها على هذه الوجوه كلها هذه مرة وهذه مرة" لأجل أن يأتي الإنسان بالسنة في جميع وجوهها، وهذه الأذكار التي قلت عامة في الصلوات: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، وفي المغرب وفي الفجر يكون التهليل عشر مرات، وكذلك "ربي أجرني من النار" سبع مرات بعد المغرب والفجر، والله الموفق.

567 ... سئل فضيلة الشيخ: عن حكم رفع اليدين والدعاء بعد الصلاة؟
... فأجاب فضيلته بقوله: ليس من المشروع أن الإنسان إذا أتم الصلاة رفع يديه ودعا، وإذا كان يريد الدعاء فإن الدعاء في الصلاة أفضل من كونه يدعو بعد أن ينصرف منها، ولهذا أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك في حديث ابن مسعود(3) حين ذكر التشهد قال: "ثم ليتخير من المسألة ما شاء".
__________
(1) رواه أبو داود في الأدب باب في التسبيح عند النوم ح(5065)، ورواه الترمذي في الدعوات باب 25 – منه ح(3410)، النسائي في السهو باب عدد التسبيح بعد التسليم (1347)، وابن ماجة في إقامة الصلاة باب ما يقال بعد التسليم (926).
(2) سيأتي تخريجه في ص285.
(3) متفق عليه وتقدم تخريجه ص234.

(13/186)


... وأما ما يفعله بعض العامة من كونهم كلما صلوا تطوعاً رفعوا أيديهم حتى إن بعضهم تكاد تقول إنه لم يدع؛ لأنك تراه تقام الصلاة وهو في التشهد من تطوعه فإذا سلم رفع يديه رفعاً كأنه والله أعلم رفع مجرد، ثم مسح وجهه، كل هذا محافظة على هذا الدعاء الذي يظنون أنه مشروع، وهو ليس بمشروع. فالمحافظة عليه إلى هذا الحد يعتبر من البدع.

رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم
من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم... حفظه الله تعالى.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد:
... سؤالكم عن رفع الأيدي في الدعاء وعن الدعاء بعد الصلوات.
... والجواب: وبالله التوفيق ومنه تستمد الهداية والصواب: اعلم أن دعاء الله تعالى من عبادته؛ لأن الله تعالى أمر به وجعله من عبادته في قوله: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ).
... وإذا كان الدعاء من العبادة فالعبادة تتوقف مشروعيتها على ورود الشرع بها في جنسها، ونوعها، وقدرها، وهيئتها، ووقتها، ومكانها، وسببها.
... ولا ريب أن الأصل في الدعاء مشروعية رفع اليدين فيه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل رفع اليدين فيه من أسباب الإجابة، حيث قال فيما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً" (الحديث(1) وفيه): "ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك".
__________
(1) رواه مسلم في الزكاة باب 19 – قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها 1/703 ح65 (1015).

(13/187)


... وفي حديث سلمان الذي رواه أحمد وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله حيي كريم يستحي إذا رفع العبد إليه يديه أن يردهما صفراً"(1).
... لكن ما ورد فيه عدم الرفع كان السنة فيه عدم الرفع، والرفع فيه بدعة سواء ورد عدم الرفع فيه تصريحاً، أو استلزاماً.
... فمثال ما ورد فيه عدم الرفع تصريحاً: الدعاء حال خطبة الجمعة، ففي صحيح مسلم عن عمارة ابن رؤيبة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه فقال: "قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا وأشار بإصبعه السبابة(2).
... ويستثنى من ذلك ما إذا دعا الخطيب باستسقاء فإنه يرفع يديه والمأمومون كذلك، لما رواه البخاري من حديث أنس بن مالك – رضي الله عنه – في قصة الأعرابي الذي طلب من النبي صلى الله عليه وسلم وهو يخطب يوم الجمعة أن يستسقي قال: "فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه يدعو ورفع الناس أيديهم معه يدعون". وقد ترجم عليه البخاري: باب رفع الناس أيديهم مع الإمام في الاستسقاء(3). ...
__________
(1) رواه الإمام أحمد 5/438 ورواه أبو داود في الصلاة باب الدعاء (1488)، ورواه الترمذي في الدعوات وحسنه باب 105 ح(3556)، ورواه ابن ماجة في الدعاء باب رفع اليدين في الدعاء (3865)، وصححه ابن حبان 3/160 (876).
(2) رواه مسلم في الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة 2/595 ح53 (874) وفيه بإصبعه المسبحة وعند أحمد 4/135 والنسائي في الجمعة باب الإشارة في الخطبة (1411) بإصبعه السبابة.
(3) رواه في الاستسقاء باب 20 المذكور ح(1029) معلقاً، وفي الدعوات كذلك ح(6341).

(13/188)


... وعلى هذا يحمل حديث أنس بن مالك الذي رواه البخاري أيضاً عنه قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يرفع يديه في شيء من دعائه إلا في الاستسقاء، وأنه يرفع حتى يرى بياض إبطيه"(1) فيكون المراد به دعاءه في الخطبة، ولا يرد على هذا رفع يديه في الخطبة للاستصحاء لأن القصة واحدة. وقد أيد صاحب الفتح (ابن حجر) حمل حديث أنس على أن المراد بالنفي في حديث أنس نفي الصفة لا أصل الرفع كما في ص517 ج2 طبعة الخطيب.
... وأياً كان الأمر فإن حديث عمارة يدل على أنه لا ترفع الأيدي في خطبة الجمعة وإنما هي إشارة بالسبابة، وحديث أنس يدل على رفعها في الاستسقاء، والاستصحاء، فيؤخذ بحديث عمارة فيما عدا الاستسقاء، والاستصحاء، ليكون الخطيب عاملاً بالسنة في الرفع والإشارة بدون رفع.
... ومثال ما ورد فيه عدم الرفع استلزاماً: دعاء الاستفتاح في الصلاة، والدعاء بين السجدتين، والدعاء في التشهدين، فإن النبي صلى الله عليه وسلم "كان يضع يديه على فخذيه في الجلوس، ويضع يده اليمنى على اليسرى في القيام". ولازم ذلك أن لا يكون رافعاً لهما.
__________
(1) رواه في الموضع السابق باب 21 – رفع الإمام يده في الاستسقاء ح(1031).

(13/189)


... وأما الدعاء أدبار الصلوات ورفع اليدين فيه فإن كان على وجه جماعي، بحيث يفعله الإمام ويؤمن عليه المأمومون، فهذا بدعة بلا شك. وإن كان على وجه انفرادي فما ورد به النص فهو سنة، مثل الاستغفار ثلاثاً(1) فإن الاستغفار طلب المغفرة وهو دعاء ومثل قول: "اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك"(2) عند من يرى أن ذلك بعد السلام، ومثل قول: "رب أجرني من النار سبع مرات"(3) بعد المغرب والفجر إلى غير ذلك مما وردت به السنة.
... أما ما لم يرد في السنة تعيينه بعد السلام فالأفضل أن يدعو به قبل السلام لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود – رضي الله عنه – حين ذكر التشهد: "ثم يتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو"، رواه البخاري(4)، ولأنه في الصلاة يناجي ربه فينبغي أن يكون دعاؤه قبل أن ينصرف. وإن دعا بعد السلام فلا حرج، لكن لا ينبغي أن يتخذ ذلك سنة راتبة فيلحقه بالوارد لما سبق في أول الجواب من أن العبادات تتوقف على الوارد عن الشارع في جنسها، ونوعها، وقدرها، وهيئتها، ووقتها، ومكانها، وسببها.
... والله الموفق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه ومن اتبعه في هديه. قال ذلك كاتبه الفقير إلى ربه محمد الصالح العثيمين في 5/6/1405هـ.

568 ... سئل فضيلة الشيخ: عن حكم مسح الوجه باليدين بعد الدعاء؟
__________
(1) يشير إلى حديث ثوبان رواه مسلم في المساجد باب 26 – استحباب الذكر بعد الصلاة ح135 (591).
(2) حديث معاذ رواه أبو داود في الصلاة باب في الاستغفار 2/180 (1522). ورواه النسائي في السهو باب 60- نوع آخر من الدعاء 3/61 (1302)، وصححه ابن حبان 5/364 (2020).
(3) رواه أبو داود في الأدب باب ما يقول إذا أصبح 5/319 (5080) ورواه ابن حبان 5/366 (2022).
(4) متفق عليه، وهذا لفظ البخاري، وانظر تخريجه في ص234.

(13/190)


... فأجاب فضيلته بقوله: مسح الوجه باليدين بعد الدعاء الأقرب أنه غير مشروع؛ لأن الأحاديث الواردة في ذلك ضعيفة، حتى قال شيخ الإسلام - رحمه الله تعالى -: إنها لا تقوم بها الحجة.
... وإذا لم نتأكد أو يغلب على ظننا أن هذا الشيء مشروع فإن الأولى تركه؛ لأن الشرع لا يثبت بمجرد الظن إلا إذا كان الظن غالباً.
... فالذي أرى في مسح الوجه باليدين بعد الدعاء أنه ليس بسنة، والنبي صلى الله عليه وسلم كما هو معروف دعا في خطبة الجمعة بالاستسقاء ورفع يديه(1) ولم يرد أنه مسح بهما وجهه، وكذلك في عدة أحاديث جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه دعا ورفع يديه ولم يثبت أنه مسح وجهه.

مجموع فتاوى و رسائل - المجلد الثالث عشر
محمد بن صالح العثيمين

الذكر الجماعي

569 ... سئل فضيلة الشيخ - وفقه الله تعالى -: عن حكم ترديد الأذكار المسنونة بعد الصلاة بشكل جماعي؟
... فأجاب فضيلته بقوله: هذه بدعة لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما الوارد إن كل إنسان يستغفر ويذكر لنفسه.
... لكن السنة الجهر بهذا الذكر بعد الصلاة، فقد ثبت عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف إذا سمعهم(2)، وهذا دليل على أن السنة الجهر به، خلافاً لما كان عليه أكثر الناس اليوم من الإسرار به، وبعضهم يجهر بالتهليل دون التسبيح، والتحميد، والتكبير، ولا أعلم لهذا أصلاً من السنة في التفريق بين هذا وهذا، وإنما السنة الجهر.
... وقول بعض الناس: إن الرسول عليه الصلاة والسلام جهر به من أجل أن يعلمه الناس فقط.
__________
(1) متفق عليه، رواه البخاري في الاستسقاء/ باب الاستسقاء في خطبة الجمعة (1014)، ومسلم في الاستسقاء، باب الدعاء في الاستسقاء (897).
(2) تقدم تخريجه ص245.

(13/191)


... هذا مردود، وذلك لأن التعليم من النبي عليه الصلاة والسلام قد حصل بالقول كما قال للفقراء من المهاجرين: "تسبحون، وتحمدون، وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين"(1).
... ثم إننا نقول: هب أن المقصود بذلك التعليم، فالتعليم كما يكون في أصل الدعاء، أو في أصل الذكر يكون أيضاً في صفته، فالرسول عليه الصلاة والسلام علمنا هذا الذكر أصله وصفته وهو: الجهر، وكون الرسول عليه الصلاة والسلام يداوم على ذلك يدل على أنه سنة، ولو كان من أجل التعليم فقط لكان النبي عليه الصلاة والسلام يقتصر على ما يكون به علم الناس ثم يمسك.
... فالمهم أن القول الراجح: أنه يسن الذكر أدبار الصلوات على الوجه المشروع، وأنه يسن الجهر به أيضاً – أعني رفع الصوت – ولا يكون رفعاً مزعجاً فإن هذا لا ينبغي، ولهذا لما رفع الناس أصواتهم بالذكر في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام في قفولهم من خيبر قال: "أيها الناس، اربعوا على أنفسكم"(2)، فالمقصود بالرفع، الرفع الذي لا يكون فيه مشقة وإزعاج.

570 ... وسئل فضيلة الشيخ: سمعت من بعض الناس إنكار رفع اليدين في الدعاء فرجعت إلى بعض كتب السنة وشروحها وجمعت منها الكلمة المرفقة في مشروعية رفع اليدين في الدعاء مطلقاً، وأنه من آدابه ومن أسباب إجابة الدعاء، ثم سمعت أخيراً أنه صدر منكم فتوى في عدم مشروعية ذلك أظنه قيل بعد السنة، أرجو الإفادة عن صحة ذلك؟
... فأجاب بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
__________
(1) متفق عليه، وتقدم تخريجه في ص252.
(2) متفق عليه من حديث أبي موسى الأشعري، فرواه البخاري في مواضع منها الجهاد باب 131 – ما يكره من رفع الصوت في التكبير (2992)، ومسلم في الذكر والدعاء باب 13 – استحباب خفض الصوت بالذكر 4/2076 ح44 (2704).

(13/192)


... اطلعت على الورقة المطبوعة المصاحبة لكتابكم التي تتضمن بيان أن رفع اليدين حال الدعاء من آداب الدعاء، وأسباب إجابته، ولاشك أن الأمر كما ذكرتم من أن رفع الأيدي حال الدعاء من آداب الدعاء، وأسباب إجابته للأحاديث الواردة في ذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم وفعله، هذا هو الأصل.

... وقد تأملت في ذلك فظهر لي أن ذلك على أربعة أقسام:
... الأول: ما ثبت فيه رفع اليدين بخصوصه كرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه في خطبة الجمعة حين قال: "اللهم أغثنا"(1)، وحين قال: "اللهم حوالينا ولا علينا"(2).
... الثاني: ما ثبت فيه عدم الرفع كالدعاء حال خطبة الجمعة بغير الاستسقاء، والاستصحاء، كما دل على ذلك ما رواه مسلم 2/595 عن حصين بن عبد الرحمن عن عمارة بن رؤيبة أنه رأى بشر بن مروان على المنبر رافعاً يديه فقال: "قبح الله هاتين اليدين لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يزيد على أن يقول بيده هكذا، وأشار بإصبعه المسبحة"(3)، وفي رواية: "رأيت بشر بن مروان يوم جمعة يرفع يديه فقال عمارة" فذكر نحوه.
... الثالث: ما كان ظاهر السنة فيه عدم الرفع، كالدعاء بين السجدتين، وفي آخر التشهد، فإن الظاهر فيهما عدم رفع اليدين وكذلك دعاء الاستفتاح كما في حديث أبي هريرة، وكذلك الاستغفار بعد السلام.
... وهذه الأقسام الثلاثة حكمها ظاهر؛ لأن الأدلة فيها خاصة.
__________
(1) متفق عليه من حديث أنس، فرواه البخاري في أثناء قصة في الاستسقاء باب 6 – الاستسقاء في خطبة الجمعة غير مستقبل القبلة (1014)، وكذلك مسلم في الاستسقاء باب 2 – الدعاء في الاستسقاء 2/612 ح8 (897).
(2) المرجع السابق.
(3) رواه مسلم في الجمعة باب تخفيف الصلاة والخطبة 2/595 ح35 (874).

(13/193)


... الرابع: ما سوى ذلك فالأصل فيه استحباب رفع اليدين؛ لأن رفعهما من آداب الدعاء، وأسباب أجابته لما فيه من إظهار اللجوء إلى الله عز وجل والافتقار إليه، كما يشير إليه حديث أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله طيب لا يقبل إلا طيب" وفيه "ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب، يا رب". الحديث(1).
... وكذلك حديث سلمان المرفوع: "إن الله حيي كريم يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً"(2).
... هذا ما تبين لي من السنة.
... وأما ما ذكرتم من أنكم سمعتم أنه صدر مني فتوى في عدم مشروعية ذلك.
... فهذا كذب علينا، إما عن سوء فهم من ناقله، أو سوء قصد منه، وما أكثر ما ينقل عن الناس من الأشياء المخالفة للواقع لهذين السببين، أو غيرهما، وكثير من الناس يصوغ السؤال للتعبير عما في نفسه، ويجيبه المسؤول بمقتضى ظاهر سؤاله المخالف لما في نفسه، فيفهم السائل الجواب عما في نفسه وينقله عن المسؤول على حسب فهمه، وكثير من الناس يجاب فيفهم الجواب خطأ وينقله كذلك.
... وأما قولكم أظنه قيل بعد السنة: فهذا الذي وقع منكم موقع الظن، وصغتموه بصيغة التمريض، هو الواقع فإنه ليس من السنة أن يعتاد الرجل كلما صلى تطوعاً رفع يديه يدعو الله عز وجل، حتى ليكاد يجعله من الواجب، كما يفعله كثير من العامة ويشعر في نفسه أنه في هذه الحال أقوى رجاء، وأكثر قرباً، وأشد إنابة إلى الله من دعائه في الصلاة.
__________
(1) رواه مسلم في الزكاة باب 19 – قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها 1/703 ح65 (1015).
(2) تقدم تخريجه ص256.

(13/194)


... بل السنة لمن أراد أن يدعو الله عز وجل من المصلين أن يكون دعاؤه قبل السلام مثل أن يجعله في السجود، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم"(1)، أو يجعله بعد التشهد قبل السلام لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن مسعود(2) – رضي الله عنه – حين علمه التشهد وقال: "ثم ليتخير من المسألة ما شاء"، أو قال: "ما أحب".
... وكما أن الدعاء قبل السلام مقتضى ما دلت عليه السنة، فهو أيضاً مقتضى النظر الصحيح، فإن دعاء المصلي ربه حين مناجاته له أولى من دعائه إذا انصرف من صلاته، وانقطعت المناجاة.
... وأما قولكم: ما دام الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة وأدبار الصلوات المكتوبة فلماذا لا ترفع الأيدي في هذه المواطن وغيرها؟
... فالدعاء بين الأذان والإقامة لا ينكر، ورفع اليدين فيه من القسم الرابع، ولكن الناس إذا صلوا النافلة بعد الأذان ثم دعوا لا يقصدون بذلك أنهم دعوا من أجل أن هذا وقت إجابة لكونه بين الأذان والإقامة، وإنما يدعون من أجل أنهم صلوا هذه النافلة ويدل على ذلك أمور:
الأول: أنهم يدعون بعد النافلة التي بعد الفريضة وليس هذا بين الأذان والإقامة.
الثاني: أنهم يدعون بهذا الدعاء أحياناً وإن لم يسلموا إلا بعد الإقامة كما نشاهدهم ويشاهدهم غيرنا وليس هذا بين الأذان والإقامة.
الثالث: أن الكثير منهم إذا دعا بعد الأذان بما يشرع الدعاء به كالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وسؤال الوسيلة له لا تكاد تراه يرفع يديه بل ربما أنكر على من رفع يديه في هذا الدعاء مع أن هذا من القسم الرابع فالله المستعان.
__________
(1) رواه مسلم في الصلاة باب 41 – النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود 1/348 ح207 (479) وفي أوله زيادة عن الرؤيا الصالحة.
(2) متفق عليه وهذا لفظ البخاري، وتقدم تخريجه في ص234.

(13/195)


... فقد اتخذوا الدعاء بعد النافلة سنة راتبة ربما يحافظ عليها محافظته على الواجب، مع أن ذلك لا أصل له من السنة، فالدعاء من حيث هو دعاء من العبادة، لكن ربطه بسبب معين يحافظ عليه عنده بدون دليل يجعله من البدع، فإن العبادة لا تتحقق فيها المتابعة إلا حيث توافق الشرع في ستة أمور: سببها، وجنسها، وقدرها، وكيفيتها، وزمانها، ومكانها.
... وأما الدعاء أدبار الصلوات المكتوبة ففيه الاستغفار، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر الله ثلاثاً(1)، والاستغفار طلب المغفرة وهو دعاء لكن ظاهر السنة فيه عدم الرفع.
... وفيه حديث أبي أمامه – رضي الله عنه – سئل أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل ودبر الصلوات المكتوبة". أخرجه الترمذي(2) من طريق عبد الرحيم بن سابط، لكن قال في التقريب عن عبد الرحمن هذا: إنه كثير الإرسال. وقال ابن معين: إنه لم يسمع من أبي أمامة.
... وعلى تقدير ثبوته لا يتعين أن يكون المراد بدبر الصلوات ما بعدها فقد يكون المراد به آخرها فيكون مجملاً يفسر بالأحاديث الدالة على أن آخر الصلاة موضع الدعاء كما في حديث ابن مسعود – رضي الله عنه – في التشهد(3).
__________
(1) هذا جزء من حديث ثوبان رواه مسلم وتقدم تخريجه في ص252.
(2) رواه في الدعوات باب 79 ح(3499).
(3) تقدم تخريجه في ص234.

(13/196)


... وفي صحيح مسلم 1/412 عن عائشة – رضي الله عنها – أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يدعو في الصلاة: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات". (الحديث)(1). والظاهر أن ذلك في آخر صلاته؛ لأن ذلك هو الموافق لما أمر به أمته حيث قال: "إذا فرغ أحدكم من التشهد الآخر فيتعوذ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شر المسيح الدجال". أخرجه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه 1/412(2).
... والظاهر أن المراد بدبر الصلوات المكتوبة (في حديث أبي أمامة إن صح) آخر الصلاة لأن دبر الصلاة إذا كان صالحاً لآخرها فتفسيره به أولى؛ لأن كلام الله ورسوله يفسر بعضه بعضاً.
... والمتأمل في هذه المسألة يتبين له: أن ما قيد بدبر الصلاة إن كان ذكراً فهو بعدها، وإن كان دعاء فهو في آخرها.
... أما الأول: فلأن الله تعالى جعل ما بعد الصلاة محلاً للذكر فقال تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُم) وجاءت السنة مبينة لما أجمل في هذه الآية من الذكر مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "من سبح الله في دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين" (الحديث)(3). فيحمل كل نص في الذكر مقيد بدبر الصلاة على ما بعدها ليطابق الآية الكريمة.
__________
(1) متفق عليه، رواه البخاري في الأذان باب 149 – الدعاء قبل السلام (832)، ورواه مسلم في المساجد باب 25 – ما يستعاذ منه في الصلاة 129 (589).
(2) رواه مسلم في الموضع السابق ح130 (588).
(3) متفق عليه وهو جزء من حديث أبي هريرة، رواه البخاري في الأذان باب الذكر بعد الصلاة (843)، ومسلم في المساجد باب استحباب الذكر بعد الصلاة ح42 (595).

(13/197)


... وأما الثاني: فلأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل ما بعد التشهد الأخير محلاً للدعاء كما في حديثي ابن مسعود، وأبي هريرة – رضي الله عنهما – فيحمل كل نص في الدعاء مقيد بدبر الصلاة على آخرها، ليكون الدعاء في المحل الذي أرشد النبي صلى الله عليه وسلم فيه، إلا أن يكون حمل النص على ذلك ممتنعاً، أو بعيداً بمقتضى السياق المعين فيحمل على ما يقتضيه السياق.
... واعلم أن الفتوى التي صدرت مني عبر برنامج (نور على الدرب) ونقلها بعض الناس ووزعها موضوعها المهم منها هو الدعاء المقرون برفع الأيدي، لا مجرد رفع الأيدي كما ستراه في صورة المنشور صحبة كتابنا هذا إن شاء الله تعالى.
... أسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما يحبه ويرضاه، وأن يرزقنا علماً نافعاً تصلح به القلوب والأعمال. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حرر في 10/4/1408هـ.

571 ... سئل فضيلة الشيخ: في بعض البلاد وبعد الصلوات المفروضة يقرأون الفاتحة، والذكر، وآية الكرسي بصوت جماعي، فما الحكم في هذا العمل؟
... فأجاب فضيلته بقوله: قراءة الفاتحة، وآية الكرسي، والذكر بعد الصلاة بصوت مرتفع جماعي من البدع، فإن المعروف عن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه أنهم بعد الصلاة يذكرون الله بصوت مرتفع،ولكن كل واحد منهم يذكر الله تعالى على انفراده دون أن يشتركوا،فرفع الصوت بالذكر بعد الصلاة المفروضة سنة كما ثبت ذلك في صحيح البخاري(1) عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم".
__________
(1) متفق عليه وتقدم في ص245.

(13/198)


... وأما قراءة الفاتحة بعد الصلاة سواء كان ذلك سراً أو جهراً فلا أعلم فيه حديثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ورد الحديث بقراءة آية الكرسي وقل هو الله أحد والمعوذتين فقط(1).

رسالة

بسم الله الرحمن الرحيم

... لقد سألني الأخ... عن حكم رفع الصوت، فأجبته بما يلي:
... رفع الصوت بالذكر الذي بعد الصلوات الخمس، والجمعة سنة بشرطين:
... الأول: أن لا يجهد نفسه بذلك بحيث يرفع رفعاً شديداً كالصراخ.
... والثاني: أن لا يكون أحد إلى جانبه يقضي ما فاته فيشوش عليه.

... ودليل رفع الصوت بذلك ما ثبت في صحيح البخاري عن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم"(2).

... ودليل أن لا يجهد نفسه بذلك أن الصحابة كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فلما رفعوا أصواتهم بالذكر قال: "يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم"(3). أي هونوا عليها.

... ودليل أن لا يشوش على من يقضي الصلاة بجانبه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه حين كانوا يصلون صلاة الليل ويجهرون بالقراءة: "لا يجهر بعضكم على بعض"(4). وفي حديث آخر قال: "لا يؤذين بعضكم بعضاً(5).

... وعلى هذا فينبغي للمصلين أن يرفعوا أصواتهم بالذكر بعد الجمعة، والصلوات المكتوبة الخمس اقتداء بالصحابة رضي الله عنهم مع نبيهم صلى الله عليه وسلم، لكن بالشرطين السابقين. حرر في 3/2/1412هـ.
__________
(1) يدل لذلك ما رواه أبو أمامة الخزرجي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من قرأ آية الكرسي دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت". رواه النسائي في "عمل اليوم والليلة" ص185، وحديث: "أنه صلى الله عليه وسلم قرأ المعوذات دبر كل صلاة" أخرجه الإمام أحمد 4/115.
(2) متفق عليه وتقدم تخريجه في ص245.
(3) تقدم تخريجه ص249.
(4) تقدم تخريجه في ص13.
(5) تقدم تخريجه في ص14.

(13/199)


572 ... سئل فضيلة الشيخ: في بعض البلدان إذا سلم الإمام قرأ آية الكرسي جهراً، ثم يبدأ بالدعاء، والمأمومون يؤمنون، ثم بعد ذلك يجهرون بالذكر، كل على حده فما حكم هذا العمل؟
... فأجاب فضيلته بقوله: أما الأول: وهو قراءة الإمام لآية الكرسي جهراً ثم دعاؤه، وتأمين المأمومين عليه فإن ذلك لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه، وكل من تعبد بما لم يرد به الشرع فقد ابتدع.
... وأما الثاني: وهو الجهر بالتسبيح، والتحميد، والتكبير، والتهليل بعد الصلاة المكتوبة فإن هذا من هدي النبي صلى الله عليه وسلم كما قال ابن عباس – رضي الله عنهما -: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم"(1)، فالذي ينبغي أن يجهر الإنسان بالذكر خلف الصلوات الخمس اقتداء بالصحابة – رضي الله عنهم – في عهد نبيهم صلى الله عليه وسلم.
... لكن لو كان أحد من المأمومين يقضي ما فاته وهو قريب بحيث يشوش عليه رفع الصوت فلا يرفع الصوت حينئذ.

573 ... وسئل فضيلة الشيخ – وفقه الله تعالى -: عن حكم دعاء الإمام بعد الصلاة بصوت مرتفع وتأمين المصلين عليه؟
... فأجاب فضيلته بقوله: دعاء الإمام بعد الصلاة بصوت جهوري، وتأمين المأمومين عليه من البدع المنكرة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين، وسائر الأئمة، والمحققين من أتباعهم لم يفعلوها ولم يروها مشروعة.
... والمشروع رفع الصوت بالذكر المشروع كل على انفراده، كما كان ذلك على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، قال ابن عباس – رضي الله عنهما – "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس عن المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم"(2)
حرر في 24/7/1407هـ.

574 ... وسئل فضيلته: عن حكم الدعاء لشخص معين بعد الصلاة؟
__________
(1) متفق عليه وتقدم تخريجه في ص245.
(2) متفق عليه وتقدم تخريجه في ص245.

(13/200)


... فأجاب فضيلته بقوله: هذا من البدع، فلم يكن من عادة السلف الدعاء لمعين بعد الصلاة، بل أرشد النبي صلى الله عليه وسلم أمته إلى الدعاء بعد إكمال التشهد قبل التسليم كما في حديث ابن مسعود رضي الله عنه(1). حرر في 24 رجب 1407هـ.

575 ... سئل فضيلة الشيخ: عن حكم الدعاء بعد الصلاة؟ وما صحة حديث "من صلى ولم يدع فقد مقته الله"؟
... فأجاب فضيلته بقوله: الدعاء بعد الصلاة بغير ما ورد لا ينبغي، وذلك لأن الأفضل أن يكون الدعاء قبل السلام، هذا ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله في حديث ابن مسعود – رضي الله عنه – بعد أن ذكر التشهد قال: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء"(2) وهذا بمقتضى النظر الصحيح، فإن الإنسان قبل أن يسلم من صلاته بين يدي الله عز وجل، وفي حال مناجاته فلا ينبغي أن يؤخر الدعاء حتى ينصرف من مناجاة الله عز وجل، بل الدعاء في حالة المناجاة أفضل وأولى.
... أما ما ورد به النص مثل قول المصلي: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، حين يسلم فإن هذا يبقى على مشروعيته. وإنما شرع ذلك لما عسى أن يكون من خلل أو تقصير في الصلاة فكانت مشروعيته بعدها.
... أما الحديث الذي ذكر السائل فليس بصحيح، وعلى فرض صحته فإن المراد من صلى ولم يدع في حال صلاته، لأن الصلاة فيها دعاء واجب، فإن قراءة الفاتحة فيها دعاء: اهدنا الصراط المستقيم، صراط الذين أنعمت عليهم. وفي التشهد دعاء: السلام عليك أيها النبي، السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، فيها أعوذ بالله من عذاب جهنم.

رسالة

من محمد الصالح العثيمين إلى الأخ المكرم... حفظه الله تعالى
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته... وبعد:
... كتابكم وصل، وما تضمنه من الأسئلة فهذا جوابها:
__________
(1) متفق عليه وتقدم تخريجه في ص234.
(2) متفق عليه وتقدم تخريجه في ص234.

(13/201)


... جـ1: حديث: "اللهم أعني على ذكرك..."(1) إلخ لا أعلم فيه رواية بتكرار (على) والمحافظة على لفظ الحديث أولى.
... جـ2: لا أعلم أني قلت إن الدعاء بعد الفريضة بدعة، هكذا على الإطلاق، ولكني أقول إن المحافظة على الدعاء بعد الفريضة والنافلة كلتيهما ليس بسنة بل هو بدعة؛ لأن المحافظة عليه يلحقه بالسنة الراتبة سواء كان قبل الأذكار الواردة بعد الصلاة أم بعدها.
... وأما فعله أحياناً فأرجو أن لا يكون به بأس، وإن كان الأولى تركه؛ لأن الله تعالى لم يشرع بعد الصلاة سوى الذكر لقوله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ). ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرشد إلى الدعاء بعد الصلاة، وإنما أرشد إلى الدعاء بعد التشهد قبل التسليم، وكما أن هذا هو المسموع أثراً فهو الأليق نظراً، لكون المصلي يدعو ربه حين مناجاته له في الصلاة قبل الانصراف.
... فأما ما ذكرتم من حديث أبي أمامة – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل أي الدعاء أسمع؟ قال: "جوف الليل الآخر ودبر الصلوات المكتوبات"(2)
... فقد أعله ابن معين بأنه من رواية عبد الرحمن بن سابط عن أبي أمامه ولم يسمع منه، وعلى تقدير سلامته من العلة، فالمراد بدبر الصلوات: أخرها قبل التسليم، وهذا وإن كان خلاف المتبادر، لكن يؤيده أن الله جعل ما بعد انتهاء الصلاة ذكراً، والنبي صلى الله عليه وسلم جعل ما بين التشهد والتسليم دعاء.
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 5/244، وأبو داود في الصلاة/ باب الاستغفار (1522) ونصه: عن معاذ بن جبل – رضي الله عنه – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ بيده وقال: "يا معاذ، والله إني لأحبك، أوصيك يا معاذ: لا تدعن دبر كل صلاة تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك".
(2) رواه الترمذي في الدعوات (3499).

(13/202)


... وأما حديث أم سلمه – رضي الله عنها – أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: إذا صلى الصبح حين يسلم: "اللهم إني أسألك علماً نافعاً ورزقاً طيباً وعملاً متقبلاً"(1) ففيه مولى أم سلمة وهو مجهول، وحديث المجهول غير مقبول حتى تعلم حاله.
... وأما سؤالكم عن دبر الصلاة هل هو بعدها أو قبل السلام؟
... فدبر الصلاة يطلق على آخرها قبل السلام، وعلى ما بعد السلام، لكن حسب التتبع يتبين أن ما قيد بدبر الصلاة إن كان دعاء فهو قبل السلام وإن كان ذكراً فهو بعد السلام، بناء على ما سبق من الآية والحديث.
... وهذه قاعدة مفيدة.
__________
(1) رواه الإمام أحمد 6/317، وابن ماجة في إقامة الصلاة/ باب ما يقال بعد التسليم (925).

(13/203)


... وأما حديث فضالة بن عبيد(1) فذاك في التشهد في الصلاة، وليس بعد الفراغ منها كما يفيده سياقه في مشكاة المصابيح 1/293 قال: "بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعداً إذ دخل رجل فصلى، فقال: اللهم اغفر لي وارحمني، فقال النبي صلى الله عليه وسلم عجلت أيها المصلي، إذا صليت فقعدت فاحمد الله بما هو أهله وصل عليّ ثم ادعه"، فالمراد بالقعود والله أعلم القعود للتشهد، ثم اطلعت عليه في زاد المعاد(2) كذلك، مع احتمال أن يكون المراد بالصلاة هنا معناها اللغوي، فإنها قد تأتي في السنة مراداً بها ذلك مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا دعى أحدكم فليجب، فإن كان صائماً فليصل وإن كان مفطراً فليطعم"(3)، فإن المراد بالصلاة هنا الدعاء كما في قوله تعلى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ) أي ادع لهم بذلك(4).
... وأما سلام المصلي بعد السلام على من حوله ممن مر بهم فهذا دعاء له سبب ولا إشكال في جوازه لوجود سببه، ومن ذلك ما ثبت في صحيح البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه(5) – في قصة وضع المشركين سلا الجزور وهو ساجد عند الكعبة قال: "فلما قضى صلاته رفع صوته فدعا عليهم"، هكذا في مسلم "رفع صوته"، فهذا له سبب وذلك من أجل إرهاب قريش.
__________
(1) رواه أبو داود في الصلاة باب الدعاء (1418)، والترمذي في الدعوات باب 66 ح(3476) و (3477) وصححه، والنسائي في السهو باب التمجيد والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة (1283).
(2) زاد المعاد 1/250.
(3) رواه مسلم في النكاح باب الأمر بإجابة الداعي.. 2/1045 ح106 (1431).
(4) راجع هذا التفسير في صحيح ابن حبان بعد روايته للحديث المذكور 12/120 (5306).
(5) رواه البخاري في الوضوء باب إذا ألقي على ظهر المصلي قذر... (240) ومسلم في الجهاد باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين 3/1418 ح107 (1794).

(13/204)


... ولا شك أن الدعاء من العبادة وأنه مشروع كل وقت لكن يجب أن يعرف الفرق بين العموم والخصوص، فتقييد العام بشيء معين من زمان، أو مكان، أو حال، أو عمل يحتاج إلى دليل، فإذا قلنا يسن الدعاء بعد الصلاة؛ لأن الدعاء مشروع كل وقت، قلنا: يحتاج في تقييده بعد الصلاة إلى دليل.
... ولو قال قائل: يسن للآكل إذا فرغ من أكله أن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم لأن الصلاة عليه مشروعة كل وقت، قلنا: هذا يحتاج إلى دليل.
... ولو قال قائل: يسن لمن فرغ من قضاء حاجته أن يذكر الله تعالى بالتهليل، والتسبيح؛ لأنه مشروع كل وقت. قلنا: تقييده بذلك يحتاج إلى دليل، وهلم جرا. فافهم هذه القاعدة فإنها مفيدة جداً.
... وفقنا الله وإياكم لمرضاته، وجعلنا هداة مهتدين. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. حرر في 29/1/1417هـ.

576 ... وسئل فضيلة الشيخ: قلتم إنه يجوز أن يرفع الصوت بالذكر بعد الصلاة، فهل يكون جماعياً؟
... فأجاب فضيلته بقوله: في الواقع أني لم أقل يجوز، بل قلت: إنه من السنة يعني الأفضل، وأما أداء هذا الذكر جماعة فهذا بدعة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه لم يكونوا يفعلون هذا، بل كل مصلي يقول الذكر وحده لكنهم يجهرون.

577 ... سئل فضيلة الشيخ – جزاه الله خيراً -: اعتاد بعض الأخوة بعد الانتهاء من صلاة الفريضة وبعد الاستغفار أن يرفعوا أيديهم بالدعاء، وهذا العمل (رفع اليدين بالدعاء) يتكرر دائماً وبعد كل فريضة، وهناك من يسميه دعاء ختم الصلاة، فهل لهذا العمل أصل في الكتاب والسنة؟ وهل كان الرسول صلى الله عليه وسلم يرفع يديه بالدعاء بعد كل فريضة؟ وهل هناك دعاء يسمى دعاء ختم الصلاة؟ وما هو توجيهكم لمن يقوم بهذا العمل؟

(13/205)


... فأجاب فضيلته بقوله: الدعاء بعد الفريضة ليس بسنة، ولا ينبغي فعله، إلا ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم مثل: الاستغفار ثلاثاً بعد السلام(1)، والذي ينبغي للإنسان المصلي أن يدعو وهو في صلاته، إما في السجود لقول النبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"(2)، ولقوله: "وأما السجود فأكثروا من الدعاء فقمن أن يستجاب لكم"(3)، أي حريّ أن يستجاب لكم.
... وأما في آخر التشهد قبل السلام لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حين ذكر التشهد قال: "ثم ليتخير من الدعاء ما شاء"(4)، وأمر المصلي إذا تشهد التشهد الأخير "أن يتعوذ بالله من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال"(5). ولم يكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يرفع يديه بالدعاء بعد كل فريضة حتى الاستغفار ثلاثاً ولم ينقل عنه أنه كان يرفع يديه فيه.
__________
(1) ورد ذلك في حديث ثوبان قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثاً وقال: "اللهم أنت السلام ومنك السلام تباركت يا ذا الجلال والإكرام". رواه مسلم في المساجد باب استحباب الذكر بعد الصلاة 1/414 ح135 (591).
(2) رواه مسلم في الصلاة باب ما يقال في الركوع والسجود 1/350 ح215 (482).
(3) رواه مسلم في الصلاة باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود 1/348 ح207 (479).
(4) تقدم تخريجه ص234.
(5) ولفظ الحديث: "إذا تشهد أحدكم فليستعذ بالله من أربع يقول: "اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم ومن عذاب القبر ومن فتنة المحيا والممات ومن شر فتنة المسيح الدجال" رواه مسلم من حديث أبي هريرة في المساجد باب ما يستعاذ منه في الصلاة 1/412 ح128 (588).

(13/206)


... وليس هناك دعاء يسمى دعاء ختم الصلاة بل المأمور به بعد الصلاة ذكر الله، قال الله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُم).
... وتوجيهي لمن يدعو الله تعالى عقب كل فريضة رافعاً يديه أن يترك ذلك اتباعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتمسكاً بهديه، فإن خير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها.
... وفي الله الجميع لما يحب ويرضى إنه قريب مجيب. حرر في 7/7/1414هـ.

578 ... سئل فضيلة الشيخ: ما الأذكار التي تقال بعد الفرائض؟
... فأجاب فضيلته بقوله: ينبغي للمصلي إذا فرغ من صلاته أن يذكر الله عز وجل، بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، لأن الله تعالى أمر بذلك في قوله: (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُم)، ومن ذلك: أن يستغفر الإنسان ثلاث مرات، أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله، ويقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام(1)، ثم يذكر الله عز وجل بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يسبح الله ثلاثاً وثلاثين، ويكبر ثلاثاً وثلاثين، ويحمد ثلاثاً وثلاثين(2)، إن شاء قالها كل واحدة على حدة، وإن شاء قالها جميعاً، أي إن شاء قال سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين، وإن شاء قال: سبحان الله، ثلاثاً وثلاثين، ثم الحمد لله، ثلاثاً وثلاثين، ثم: الله أكبر، ثلاثاً وثلاثين، كل ذلك جائز، بل وتجوز أيضاً صفة أخرى: أن يسبح عشراً، ويكبر عشراً، ويحمد عشراً. وتجوز صفة رابعة: أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمساً وعشرين مرة، فتتم مائة.
__________
(1) رواه مسلم في حديث ثوبان وتقدم تخريجه ص445.
(2) متفق عليه من حديث أبي هريرة وتقدم في ص252.

(13/207)


... والمهم أن كل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم من الأذكار بعد الصلاة فليقله، إما على سبيل البدل، أو على سبيل الجمع، لأن بعض الأذكار يذكر بعضها بدلاً عن بعض، وبعض الأذكار يذكر بعضها مع بعض فتكون مجموعة، فليحرص الإنسان على ذلك امتثالاً لأمر الله تعالى في قوله: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ) واتباعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
... وإذا كان في المسجد فإن الأفضل أن يجهر بهذا الذكر، كما ثبت ذلك في صحيح البخاري، من حديث ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم"(1) فيسن للمصلين أن يرفعوا أصواتهم بهذا الذكر اقتداء بالرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان يرفع صوته بذلك، كما قال ابن عباس: "ما كنا نعرف انقضاء صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إلا بالتكبير"(2).
... وقول بعض أهل العلم: إنه يسن الإسرار بهذا الذكر، وإن جهر النبي صلى الله عليه وسلم كان للتعليم، فيه نظر، فإن الأصل فيما فعله الرسول عليه الصلاة والسلام، أن يكون مشروعاً في أصله ووصفه، ومن المعلوم أنه لو لم يكن وصفه وهو رفع الصوت به مشروعاً، لكان يكفي ما علمه النبي صلى الله عليه وسلم أمته فإنه قد علمهم هذا الذكر بقوله، فلا حاجة إلى أن يعلمهم برفع الصوت، ثم إنه لو كان المقصود التعليم لكان التعليم يحصل بمرة أو مرتين، ولا يحافظ عليه الرسول صلى الله عليه وسلم، كلما سلم رفع صوته بالذكر، فالحاصل أن الجهر بالذكر بعد الصلاة سنة.
__________
(1) متفق عليه من حديث ابن عباس وتقدم تخريجه في ص245.
(2) أخرجه البخاري في الأذان باب الذكر بعد الصلاة (842)، ومسلم في المساجد باب الذكر بعد الصلاة 1/410 ح120 (583).

(13/208)


579 ... وسئل فضيلة الشيخ – غفر الله له -: ما الأذكار والأدعية المشروعة التي تقال بعد الانتهاء من الصلاة؟ وهل هناك فرق بين الأدعية بالنسبة للصلوات؟ بمعنى: هل لكل صلاة دعاء خاص بها؟
... فأجاب بقوله: الأذكار الواردة بعد الصلوات متنوعة، فإذا أتى الإنسان بنوع منها كان كافياً؛ لأن العبادات المتنوعة يشرع للإنسان أن يفعلها على تلك الوجوه التي أتت عليها، فمثال ذلك: الاستفتاح هناك استفتاحات متنوعة إذا استفتح بواحد منها أتى بالمشروع. فمنا ما دل عليه حديث أبي هريرة – رضي الله عنه -: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي، كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم اغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد"(1). ومنها أيضاً: "سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك"(2).
... فلو استفتح بالأول، أو الثاني، أو بغيرهما مما ورد من الاستفتاحات. فلا حرج عليه، بل الأفضل أن يستفتح بهذا تارة وبهذا تارة.
__________
(1) متفق عليه من حديث أبي هريرة تقدم في ص112.
(2) رواه أبو داود في الصلاة باب من رأى الاستفتاح بسبحانك (776)، والترمذي في الصلاة باب: ما يقول عند افتتاح الصلاة (243)، وابن ماجة في إقامة الصلاة باب افتتاح الصلاة (806).

(13/209)


... وكذلك ما ورد في التشهد، وكذلك ما ورد في أذكار الصلوات، فإذا فرغ الإنسان من الصلاة فإنه يستغفر ثلاثاً يقول: أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله. اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام(1). (لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير)(2). ثلاث مرات(3)، لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحسن. لا إله إلا الله، ولا نعبد إلا إياه مخلصين له الدين ولو كره الكافرون)(4).
... ويقول أيضاً: "اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد"(5). ويقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، خمساً وعشرين مرة فهذه مائة(6)، وإن شاء قال: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثاً وثلاثين مرة، فهذه تسعة وتسعون(7). ويقول تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير(8). ويجوز أن يقول: سبحان الله، سبحان الله، سبحان الله ثلاثاً وثلاثين مرة جميعاً.
__________
(1) رواه مسلم وتقدم تخريجه في ص245.
(2) متفق عليه من حديث المغيرة بن شعبة وتقدم في ص252.
(3) هذا اللفظ "ثلاث مرات" انفرد به النسائي عن الكتب الستة وقد رواه في السهو باب 86 كم مرة يقول ذلك 3/80 (1342).
(4) رواه مسلم من حديث عبد الله بن الزبير وتقدم في ص251.
(5) جزء من حديث المغيرة بن شعبة وتقدم في ص251.
(6) رواه الترمذي في الدعوات باب 25 – منه (3413) وصححه، والنسائي في السهو باب 93 نوع آخر من التسبيح 3/85 (1349) و (1350).
(7) وردت في حديث الفقراء أو فقراء المهاجرين المتفق عليه من حديث أبي هريرة، وتقدم في ص252.
(8) هذه الزيادة رواها مسلم في المساجد 1/418 ح145 (597).

(13/210)


... ويقول: الحمد لله، الحمد لله، الحمد لله، ثلاثاً وثلاثين مرة جميعاً. بمعنى أن يسبح ثلاثاً وثلاثين مرة وحدها، ويحمد الله ثلاثاً وثلاثين مرة وحدها، ويكبر أربعاً وثلاثين جميعا(1)ً؛ فهذه مائة، هذه الأنواع من الأذكار الأفضل أن يأتي الإنسان منها مرة بهذا، ومرة بهذا ليكون قد أتى بالسنة.
... أما في صلاة المغرب وصلاة الفجر فإنه ورد أنه يقول بعدها عشر مرات: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد يحيي ويميت، وهو على كل شيء قدير"(2).
... وكذلك يقول: "رب أجرني من النار" سبع مرات(3).
... وأعلم أن تنوع العبادات والأذكار من نعمة الله عز وجل على الإنسان؛ وذلك لأنه يحصل بها عدة فوائد، منها:
... أن تنوع العبادات يؤدي إلى استحضار الإنسان ما يقول من الذكر؛ فإن الإنسان إذا دام على ذكر واحد صار يأتي به بدون أن يحضر قلبه، فإذا تعمد وقصد تنويعها فإنه بذلك يحصل له حضور القلب.
... ومن فوائد تنوع العبادات: أن الإنسان قد يختار الأسهل منها والأيسر لسبب من الأسباب، فيكون في ذلك تسهيل عليه.
... ومنها: أن في كل نوع منها ما ليس في الآخر فيكون في ذلك زيادة ثناء على الله عز وجل.
... والحاصل أن الأذكار الواردة في الصلوات متنوعة كما سبق.

580 ... وسئل فضيلة الشيخ: هل الأذكار بعد الصلاة بشكل منفرد أم يقولها الإمام ويرددون خلفه جماعياً؟
__________
(1) بهذه الصيغة رواه مسلم في المساجد باب استحباب الذكر بعد الصلاة 1/418 ح144 – (596). ورواه الترمذي في الدعوات باب: منه ح3412 و 3413، والنسائي في السهو باب: نوع آخر من عدد التسبيح 3/84 (1348) وفي أوله: "معقبات لا يخيب قائلهن دبر كل صلاة مكتوبة... الحديث".
(2) رواه الإمام أحمد في "المسند" 4/227، والترمذي في الدعوات (3474).
(3) رواه الإمام أحمد في "المسند" 4/234، وأبو داود في الأدب، باب ما يقول إذا أصبح (5080).

(13/211)


... فأجاب فضيلته بقوله: الأذكار بعد الصلوات بشكل منفرد، ولا يرددونها وراء الإمام؛ لأن هذه بدعة لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

581 ... وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم المصافحة في المسجد حيث اعتاد كثير من الناس ذلك بعد الصلاة؟
... فأجاب فضيلته قائلاً: هذه المصافحة لا أعلم لها أصلاً من السنة أو من فعل الصحابة – رضي الله عنهم – ولكن الإنسان إذا فعلها بعد الصلاة لا على سبيل أنها مشروعة، ولكن على سبيل التأليف والمودة، فأرجو أن لا يكون بهذا بأس، لأن الناس اعتادوا ذلك.
... أما من فعلها معتقداً بأنها سنة فهذا لا ينبغي ولا يجوز له، حتى يثبت أنها سنة، ولا أعلم أنها سنة.

582 ... وسئل فضيلة الشيخ: ما هو الأفضل في الذكر بعد السلام من الصلاة؟ هل قوله: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر؟ أو سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر ثلاثاً وثلاثين؟
... فأجاب فضيلته بقوله: الذكر بالتسبيح والتهليل والتحميد بعد صلاة الفريضة له عدة صفات:
... منها أن يقول الإنسان: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ثلاثاً وثلاثين، فهذه تسعة وتسعون، ويقو تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير.
... ومنها أن يقول: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين، والحمد لله ثلاثاً وثلاثين، والله أكبر أربعاً وثلاثين. ولا يقول سوى ذلك.
... ومنها أن يقول: سبحان الله عشر مرات، والحمد لله عشر مرات، والله أكبر عشر مرات.
... ومنها أن يقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر خمساً وعشرين مرة، فهذه مائة مرة(1).
... هذه كلها وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فأي صفة ذكرت أجزأ ذلك، والأحسن إذا كان يحفظها جيداً أن يقول هذا مرة وهذا مرة.
__________
(1) سبق تخريج الأحاديث في ص286.

(13/212)


583 ... وسئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -: جاءت السنة بمشروعية رفع الصوت بالذكر بعد الصلاة، فهل المقصود هو الذكر المباشر لانقضاء الصلاة، مثل: "اللهم أنت السلام" ونحوه، أو أنه يعم جميع الذكر مع التسبيح والتهليل والتكبير؟
... فأجاب فضيلته بقوله: هو يعم كل ذكر مشروع بعد الصلاة؛ الاستغفار، وقول: "اللهم أنت السلام" والتسبيح، والتهليل، وقد ألف بعض علمائنا رسالة وقال: من فرق بين التهليل والتسبيح فقد ابتدع، وأنه لا فرق بين هذا وهذا، وهذا هو الصحيح.
... لكن إذا كان هناك شخص يصلي إلى جانبك، وقد فاته شيء من الصلاة، وخفت إذا رفعت صوتك أن تشوش عليه فلا ترفع صوتك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج على الصحابة وهم يصلون ويجهرون بالقراءة ويوش بعضهم على بعض، فنهاهم أن يرفع الرجل صوته فيشوش على أخيه(1)، أما إذا لم يكن هناك تشويش، فالسنة أن يجهر.

584 ... سئل فضيلة الشيخ: متى يقول الإمام: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام(2)؟
... فأجاب فضيلته بقوله: يقول هذا الدعاء إذا فرغ من الصلاة قبل أن يقبل على الناس. حرر في 24/1/1407هـ.

585 ... وسئل فضيلة الشيخ: ما الحكمة من الاستغفار بعد الصلاة؟
... فأجاب فضيلته بقوله: الحكمة من الاستغفار بعد الصلاة، أن الإنسان لا يخلو من تقصير في صلاته؛ فلهذا شرع له أن يستغفر ثلاثاً ثم يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذات الجلال والإكرام(3). ثم يأتي بالأذكار الواردة عن النبي عليه الصلاة والسلام.
__________
(1) فيه إشارة إلى حديث البياضي تقدم في ص13 وحديث أبي سعيد الخدري في ص13..
(2) هذا حديث ثوبان وتقدم في ص245.
(3) هذا حديث ثوبان وتقدم في ص245.

(13/213)


586 ... وسئل فضيلة الشيخ – جزاه الله خيراً -: الأذكار بعد الصلاة هل تردد بشكل جماعي من قبل المصلين؟ وهل من السنة أن يقول الإمام وبصوت عال بعد الصلاة: جل ربنا الكريم، جل ربنا العظيم. سبحانك يا عظيم "سبحان الله": يعني قولوا: سبحان الله ثلاثاً وثلاثين مرة. ثم يقول: سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا، يا ربنا دائماً نشكرك شكراً كثيراً "الحمد لله" يعني قولوا: الحمد لله ثلاثاً وثلاثين مرة. ثم يقول: الحمد لله الذي هدانا لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله جل شأنه "الله أكبر" يعني قولوا: الله أكبر أربعاً وثلاثين مرة، ثم يقول بعدها: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير؟
... فأجاب فضيلته بقوله: هذه الصفات التي ذكرها السائل من كون الإمام يقول: سبحان الجليل العظيم وما أشبه هذه بدعة لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما الوارد أن كل إنسان يستغفر الله ويذكر لنفسه.
... لكن السنة الجهر بالذكر بعد السلام من الصلاة، فقد ثبت عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أنه قال: "كان رفع الصوت بالذكر حين ينصرف الناس من المكتوبة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم". وأنه كان يعلم إذا انصرفوا بذلك إذا سمعهم(1)، وهذا دليل على أن السنة الجهر بالذكر بعد الصلاة، خلافاً لما عليه أكثر الناس اليوم من الإسرار به، وبعضهم يجهر بالتهليلات دون التسبيح، والتحميد، والتكبير، ولا أعلم لهذا أصلاً من السنة في التفريق بين هذا وهذا، وإنما لسنة الجهر.
... وقول بعض الناس: إن الرسول صلى الله عليه وسلم جهر بالذكر بعد الصلاة من أجل أن يعلمه الناس، هذا قول فيه نظر؛ وذلك لأن التعليم من النبي عليه الصلاة والسلام قد حصل بالقول، كما قال للفقراء من المهاجرين: "تسبحون، وتحمدون، وتكبرون دبر كل صلاة ثلاثاً وثلاثين"(2).
__________
(1) متفق عليه وتقدم في ص245.
(2) جزء من حديث أبي هريرة المتفق عليه وتقدم في ص252.

(13/214)


... ثم إننا نقول: هب أن المقصود بذلك التعليم. فالتعليم كما يكون في أصل الدعاء، أو في أصل الذكر يكون أيضاً بصفته، فالرسول صلى الله عليه وسلم علم هذا الذكر أصله وصفته وهو الجهر، وكون الرسول عليه الصلاة والسلام يداوم على ذلك يدل على أنه سنة، ولو كان من أجل التعليم فقط لكان النبي عليه الصلاة والسلام يقتصر على أن يعلم الناس ثم يقول للناس: هذا الذكر سراً، فالمهم أن القول الراجح في هذه المسألة أنه يسن الذكر ورفع الصوت به.
...
587 ... سئل فضيلة الشيخ: هناك من الناس من يزيد في الأذكار بعد الصلاة كقول بعضهم: "تقبل الله" أو قولهم بعد الوضوء "زمزم" فما تعليقكم حفظكم الله تعالى ونفع بكم الإسلام والمسلمين آمين؟
... فأجاب فضيلته بقوله: هذا ليس من الذكر، بل هذا من الدعاء إذا فرغ وقال: "تقبل الله منك" ومع ذلك لا نرى أن يفعلها الإنسان، لا بعد الوضوء، ولا بعد الصلاة، ولا بعد الشرب من ماء زمزم؛ لأن مثل هذه الأمور إذا فعلت لربما تتخذ سنة فتكون مشروعة بغير علم.

مجموع فتاوى و رسائل - المجلد الثالث عشر
محمد بن صالح العثيمين

مكروهات الصلاة

588 ... وسئل فضيلة الشيخ: إذا حضر العشاء والإنسان يشتهيه فهل له أن يبدأ به ولو خرج الوقت؟
... فأجاب فضيلته بقوله: هذا محل خلاف، فبعض العلماء يقول يؤخر الصلاة إذا انشغل قلبه بما حضر من طعام وشراب أو غيره، ولو خرج الوقت.
... ولكن أكثر أهل العلم يقولون: إنه لا يعذر بحضور العشاء في تأخير الصلاة عن وقتها، وإنما يعذر بحضور العشاء بالنسبة للجماعة يعني أن الإنسان يعذر بترك الجماعة إذا حضر العشاء وتعلقت نفسه به فليأكل، ثم يذهب إلى المسجد فإن أدرك الجماعة وإلا فلا حرج عليه.

(13/215)


... ولكن يجب أن لا يتخذ ذلك عادة بحيث لا يقدم عشاءه إلا وقت الصلاة؛ لأن هذا يعني أنه مصمم على ترك الجماعة، لكن إذا حدث هذا على وجه المصادفة فإنه يعذر بترك الجماعة، ويأكل حتى يشبع؛ لأنه إذا أكل لقمة أو لقمتين ربما يزداد تعلقاً به.
... بخلاف الرجل المضطر إلى الطعام إذا وجد طعاماً حراماً مثل الميتة، فهل نقول إذا لم تجد إلا الميتة وخفت على نفسك الهلاك أو الضرر فكل من الميتة حتى تشبع؟ أو نقول كل بقدر الضرورة؟ نقول له كل بقدر الضرورة. فإذا كان يكفيك لقمتان فلا تأكل الثالثة.
... وهل يلحق بالعشاء من الأشياء التي تشوش على الإنسان مثل البول والغائط والريح؟
... الجواب: نعم يلحق به بل في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا صلاة بحضرة طعام ولا هو يدافعه الأخبثان"(1) يعني البول والغائط ومثل ذلك الريح.
... فالقاعدة أن كل ما أشغل الإنسان عن حضور قلبه في الصلاة وتعلقت به نفسه إن كان مطلوباً، أو قلقت منه إن كان مكروهاً فإن يتخلص منه قبل أن يدخل في الصلاة.
... ونخلص من هذا إلى فائدة: وهي أن لب الصلاة وروح الصلاة هو حضور القلب، ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بإزالة كل ما يحول دون ذلك قبل أن يدخل الإنسان في صلاته.
... وإذا نظرنا إلى واقعنا اليوم وجدنا أن الوساوس والهواجس لا تأتي إلا إذا دخل المصلي في صلاته، ومن ذلك العبث في الصلاة فإن العبث يشغل القلب، فالإنسان إذا دخل في الصلاة جاء الشيطان يكره يقول اذكر كذا، اذكر كذا حتى يذكره ما لم يذكره من قبل، يذكر أن رجلاً جاء إلى أحد العلماء وقال: إنه أودع وديعة، وأنه نسي مكانها، وأن صاحب الوديعة جاء يطلبها فماذا أصنع؟ قال العالم: اذهب فصل، وستذكرها، فذهب الرجل وجعل يصلي فذكر مكانها.
__________
(1) رواه مسلم في المساجد، باب 16، كراهة الصلاة بحضرة الطعام... 1/393 ح67 (560).

(13/216)


... استدل العالم على ذلك بقول النبي عليه الصلاة والسلام "إذا نودي للصلاة، أدبر الشيطان وله ضراط حتى لا يسمع التأذين، فإذا قضي النداء أقبل، حتى إذا قضي التثويب أقبل، حتى يحظر بين المرء ونفسه، يقول: اذكر كذا، اذكر كذا، لما لم يكن يذكر، حتى يظل الرجل لا يدري كم صلى"(1).
... ومما يشغل عن الصلاة ما يفعله بعض من يقف خلف الإمام تجده يمسك المصحف، ويتابع الإمام في قراءته، والحقيقة أن هذا العمل يترتب عليه أمور محاذير:
... أولاً: أن الإنسان يتحرك بحركات لا حاجة إليها، إخراج المصحف، فتح المصحف.
... ثانياً: أن هذا الفعل يشغله عن سنة مطلوبة منه، وهي وضع اليد اليمنى على اليد اليسرى على صدره.
... ثالثاً: أنه يشغل بصره بالانتقال من أعلى الصفحة إلى أسفلها وبالانتقال من أول السطر إلى آخره. والبصر له حركات كما أن اليد لها حركات لاشك في هذا.
... رابعاً: أن هذا المتابع يشعر وكأنه منفصل عن الصلاة، كأنه يمسك على هذا القارئ من أجل النظر هل يخطئ أو يصيب فيشطح قلبه عن الصلاة ويبعد.
... أما إذا وقف وراء الإمام من أجل إذا أخطأ يرده فهذا جائز من أجل الحاجة.
... ولكن ما علاج هذه الوساوس الذي يثيرها الشيطان في الصلاة؟
... علاجها بينه الرسول عليه الصلاة والسلام أن يتفل الإنسان عن يساره ثلاث مرات، ويستعيذ بالله من الشيطان الرجيم هذا هو العلاج(2).
... بقي أن يقول سائل هل يلتفت ويتفل عن يساره وهو يصلي؟
... والجواب: نقول نعم، يلتفت لأن هذا الالتفات لحاجة والالتفات لحاجة لا بأس به.
... وقد يقول قائل: كيف أتفل والناس عن يساري؟
... نقول إذا كنت مأموماً فلا تتفل لأنك ستؤذي من كان على يسارك، ولكن استعذ بالله.
__________
(1) تقدم تخريجه ص103.
(2) من حديث عثمان بن أبي العاص، رواه مسلم وتقدم تخريجه في ص110.

(13/217)


589 ... سئل فضيلة الشيخ: إذا كان الإنسان حاقن وخشي أن قضى حاجته أن تفوته صلاة الجماعة فهل يصلي وهو حاقن ليدرك الجماعة، أو يقضي حاجته ولو فاتته الجماعة؟
... فأجاب فضيلته بقوله: يقضي حاجته ويتوضأ، ولو فاتته الجماعة؛ لأن هذا عذر، وقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "لا صلاة بحضرة طعام، ولا هو يدافعه الأخبثان"(1).

590 ... وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم تغميض العينين في الصلاة.
... فأجاب فضيلته بقوله: تغميض العينين في الصلاة مكروه؛ لأنه خلاف ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم، إلا ما كان لسبب، كما لو كان أمامه زخرفة في الجدار أو في الفراش، أو كان أمامه نور قوي يؤذي عينيه. المهم إذا كان التغميض لسبب فلا بأس به، وإلا فإنه مكروه، ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتاب زاد المعاد لابن القيم – رحمه الله تعالى-.

591 ... وسئل فضيلته: ما حكم تغميض العينين في الصلاة عند القراءة، وعند دعاء القنوت حتى يحصل الخشوع في الصلاة؟
... فأجاب فضيلته قائلاً: تغميض العينين في الصلاة ذكر أهل العلم أنه مكروه، إلا إذا كان هناك سبب مثل أن يكون أمامه شيء يشغله، أو أنوار ساطعة قوية تؤثر على عينيه، ففي هذه الحال يغمض عينيه درءاً لهذه المفسدة.
... وأما ما يدعيه بعض الناس من أنه إذا أغمض عينيه كان أخشع له في صلاته، فأخشى أن يكون هذا من تلبيس الشيطان ليوقعه في هذا المكروه من حيث لا يشعر، ولو عود نفسه على أن لا يخشع إلا إذا أغمض عينيه فهذا هو الذي يجعله يخشع في حال تغميض العينين أكثر مما يخشع لو كان فاتح العينين.

592 ... وسئل فضيلة الشيخ: عن الانحناء الزائد أثناء الوقوف في الصلاة؟
... فأجاب فضيلته بقوله: الانحناء الزائد أثناء الوقوف خلاف المشروع، فإن ظاهر الأدلة أن القائم ينتصب ويعتدل، ولا يكون حانياً رقبته أو ظهره، حتى إن بعض الفقهاء يقول: يكره أن تمس لحيته صدره.
__________
(1) تقدم تخريجه ص296.

(13/218)


593 ... سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -: هل يجوز أن يدخل المصلي المسجد وأن يصلي وعلبة السجائر معه؟ وهل الدخان حرام؟ وما هو الدليل؟
... فأجا فضيلته بقوله: نعم يجوز أن يصلي ومعه السجائر.
... والدخان حرام، والدليل قوله تعالى: (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُم)، وقوله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ)، وقوله: (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً)، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن إضاعة المال، وثبت من الناحية الطبية أن الدخان ضار وربما أدى إلى الموت، فتناوله سبب لقتل شاربه لنفسه، وشاربه ملق بنفسه إلى التهلكة، وشاربه مفسد لماله حيث صرفه في غير ما جعله الله له، فإن الله جعله قياماً للناس، تقوم به مصالح دينهم ودنياهم، والدخان ليس مما تقوم به مصالح الدين ولا الدنيا، فصرف المال فيه إضاعة له، وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن إضاعة المال.

594 ... وسئل فضيلة الشيخ: أشاهد بعضاً من الناس يدخلون إلى المسجد لكي يصلوا وهم يحملون معهم السجائر في جيوبهم، هل عليهم إثم في هذا؟

(13/219)


... فأجاب فضيلته بقوله: ليس عليهم إثم في حملهم لهذه السجائر بالنسبة للصلاة؛ لأن حملها لا يؤثر في الصلاة؛ لأن السجائر ليست نجسة النجاسة الحسية، ولكن عليه إثم يشرب هذه السجائر. فإن شرب الدخان محرم؛ لأنه ثبت من الناحية الطبية أنه مضر وأنه يسبب الإصابة بأمراض مستعصية قد تؤدي إلى الهلاك، قال الله تعالى: (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ). وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه نهى عن أكل البصل والثوم قبل الذهاب إلى المساجد وقال: "إن ذلك يؤذي، وإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم"(1). وإذا نظرنا إلى التدخين وجدنا أن الدخان فيه ضرر على البدن، وفيه إضاعة للمال، وفيه أذية للناس(2).

595 ... وسئل فضيلته: ما صحة ما يروى أن الصلاة في الظلام مكروهة؟
... فأجاب فضيلة الشيخ بقوله: أنا لا أعرف هذا الحديث، وعلى من أتى به أن يتحقق منه.
... والصلاة في الظلام في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كانت هي الأصل؛ لأن مساجد النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك الوقت ليس فيها مصابيح، كما قالت عائشة – رضي الله عنها – "والبيوت يومئذ ليست فيها مصابيح"(3).
__________
(1) رواه مسلم في المساجد باب 17 – نهي من أكل ثوماً.. 1/395 ح74 (564).
(2) سيأتي حكم شرب الدخان مفصلاً في موضعه من الفتاوى إن شاء الله تعالى.
(3) متفق عليه، رواه البخاري في الصلاة باب 22 – الصلاة على الفراش (382)، ومسلم في الصلاة باب الاعتراض بين يدي المصلي 1/367 ح272 (512).

(13/220)


596 ... وسئل فضيلة الشيخ: هل النهي الوارد في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم عن أكل الثوم والبصل والكراث يشمل إذا طبخت مع الطعام أو لا؟ وهل إذا أكلها الإنسان من دون طبخ ثم أكل ما يزيل ريحها هل يشمله النهي؟ وهل النهي خاص بمسجد الرسول صلى الله عليه وسلم أو عام؟ وبماذا نرد على الذي يأكل هذه الأشياء ويجعلها ذريعة إلى ترك الصلاة بالمسجد ويقول إن الرسول صلى الله عليه وسلم قد نهى من أكلها أن يأتي إلى المسجد؟ أفتونا مأجورين والله يحفظكم ويرعاكم ويمدكم بعونه وتوفيقه.
... فأجاب فضيلته بقوله: النهي عن أكل الثوم والبصل والكراث ليس نهياً عنها بذاتها، ولكن من أجل تأذي غير الآكل برائحتها، ولهذا إذا طبخت حتى ذهب ريحها فلا بأس، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: "أيها الناس تأكلون شجرتين لا أراهما إلا خبيثتين هذا البصل والثوم، لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا وجد ريحهما من الرجل في المسجد أمر به فأخرج إلى البقيع فمن أكلهما فليمتهما طبخاً"(1).
... وفي حديث أبي سعيد الخدري(2) – رضي الله عنه – في فتح خيبر أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئاً فلا يقربنا في المسجد". فقال الناس: حرمت، حرمت، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أيها الناس إنه ليس بي تحريم ما أحل الله لي، ولكنها شجرة أكره ريحها". أخرجه مسلم.
... فتبين بهذا أن هذه الشجرة الثوم حلال وليس حراماً ولا مكروهاً، ولكن هي مكروهة من جهة ريحها، فإذا أكل ما يزيل ريحها زالت الكراهة.
__________
(1) رواه مسلم في المساجد باب نهى من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أو نحوها 1/396 ح78 (567) وفي أوله خطبة عمر يوم جمعة.
(2) رواه مسلم في الموضع السابق ح76 (565).

(13/221)


... والنهي شامل للمسجد النبوي وغيره لحديث عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من أكل من هذه البقلة (الثوم) فلا يقربن مساجدنا حتى يذهب ريحها"(1). وفي لفظ: "فلا يأتين المساجد". أخرجه مسلم(2).
... ولأن العلة وهي: تأذي الملائكة لا يختص بالمسجد النبوي.
... ولا يحل لأحد أن يأكل منها ليتخذ ذلك ذريعة للتخلف عن صلاة الجماعة، كما لا يحل السفر في رمضان من أجل أن يفطر؛ لأن التحيل على إسقاط الواجبات لا يسقطها. حرر في 28/12/1414هـ.

597 ... وسئل فضيلة الشيخ: عن رجل سقيم له رائحة كريهة فهل يجوز إخراجه من المسجد؟
... فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان في هذا الرجل السقيم الذي ذكر السائل رائحة كريهة فلا بأس من إخراجه من المسجد إذا لم يزل هذه الرائحة عنه؛ لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه نهى من أكل ثوماً أو نحوه مما له رائحة كريهة أن يقرب المساجد، وعلى هذا فإذا قرب المسجد من كان فيه رائحة كريهة فقد عصى النبي صلى الله عليه وسلم، ومعصية النبي صلى الله عليه وسلم منكر، وقد قال صلى الله عليه وسلم: "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه"(3).
... وإخراج صاحب الرائحة الكريهة من المسجد من إزالة المنكر فيكون مأموراً به. بل في صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – أنه قال: "لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد ريحهما – يعني البصل والثوم – من الرجل في المسجد أمر به فخرج إلى البقيع فمن أكلهما فليمتهما طبخاً".
__________
(1) رواه البخاري في الأذان باب: ما جاء في الثوم.. (853)، ومسلم في باب: نهي من أكل ثوماً.. ح68 (561).
(2) هذه الزيادة وردت عند مسلم ح69 (561).
(3) رواه مسلم في الإيمان باب كون النهي عن المنكر من الإيمان 1/69 ح78 (49).

(13/222)


... ولهذا قال في شرح المنتهى وفي شرح الإقناع: يستحب إخراجه من المسجد – يعني إخراج من فيه رائحة كريهة – من إصنان أو بصل أو نحوهما والله الموفق. حرر في 22/3/1399هـ.

598 ... سئل فضيلة الشيخ: عن حكم تشبيك الأصابع بعد الصلاة، وقبلها، وأثنائها؟
... فأجاب فضيلته بقوله: تشبيك الأصابع بعد الصلاة لا بأس به، فقد ثبت(1) أن النبي صلى الله عليه وسلم شبك بين أصابعه بعد الصلاة.

... وأما إذا كان قبل الصلاة، أو في أثناء الصلاة فمكروه، لحديث ورد في هذا، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود والترمذي(2) عن كعب بن عجرة – رضي الله عنه – قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا توضأ أحدكم ثم خرج عامداً إلى الصلاة فلا يشبكن بين يديه فإنه في صلاة".

599 ... سئل فضيلة الشيخ: عن فرقعة الأصابع أثناء الصلاة سهواً هل تبطل الصلاة؟
... فأجاب فضيلته بقوله: فرقعة الأصابع لا تبطل الصلاة، ولكن فرقعة الأصابع من العبث، وإذا كان ذلك في صلاة الجماعة أوجب التشويش على من يسمع فرقعتها فيكون ذلك أشد ضرراً مما لو لم يكن حوله أحد.
... وبهذه المناسبة أود أن أقول: إن الحركة في الصلاة تنقسم إلى خمسة أقسام: حركة واجبة، وحركة مسنونة، وحركة مكروهة، وحركة محرمة، وحركة جائزة.
__________
(1) رواه البخاري في التيمم باب تشبيك الأصابع (468)، ومسلم في المساجد/ باب السهو في الصلاة والسجود له (573).
(2) رواه أحمد 4/241، وأبو داود في الصلاة باب ما جاء في الهدي في المشي إلى الصلاة (562)، والترمذي في الصلاة باب ما جاء في كراهية التشبيك بين الأصابع في الصلاة (386).

(13/223)


... أما الحركة الواجبة: فهي التي يتوقف عليها فعل واجب في الصلاة، مثل أن يقوم الإنسان يصلي ثم يذكر أن على غترته نجاسة فحينئذ يتعين عليه أن يخلع هذه الغترة، وهذه حركة واجبة، ودليل ذلك(1) أن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يصلي فأخبره أن في نعليه قذراً فخلعهما النبي صلى الله عليه وسلم في أثناء الصلاة ومضى في صلاته، وكذلك إذا كان يصلي متجهاً إلى غير القبلة مجتهداً ولكنه أخطأ اجتهاده، فجاءه رجل آخر أعلم منه وقال له: إن القبلة على يمينك فحينئذ يتعين عليه أن يدور حتى يتجه إلى القبلة. وهذه حركة واجبة. ودليل ذلك أن الناس كانوا يصلون في مسجد قباء في صلاة الصبح فجاءهم آتٍ فقال لهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم قد أنزل عليه الليلة قرآن وأمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، فانصرفوا إلى الكعبة وهم يصلون(2)، وهذه حركة واجبة وضابطها أن يترتب عليها فعل واجب في الصلاة أو ترك محرم.
... وأما الحركة المسنونة: فهي أن يتوقف عليها كمال الصلاة. مثل الدنو في الصف إذا انفتحت الفرجة فدنا الإنسان إلى جاره لسد هذه الفرجة فإن هذه سنة، فيكون هذا الفعل مسنوناً.
... وأما الحركة المكروهة: فهي الحركة التي لا حاجة إليها ولا تتعلق بتكميل الصلاة.
... وأما الحركة المحرمة: فهي الحركة الكثيرة المتوالية، مثل أن يكون الإنسان وهو قائم يعبث، وهو راكع يعبث، وهو ساجد يعبث، وهو جالس يعبث حتى تخرج الصلاة عن هيئتها، فهذه الحركة محرمة لأنها تبطل الصلاة.
__________
(1) رواه أبو داود في الصلاة باب الصلاة في النعل ح(650) وصححه ابن خزيمة 1/384 (786)، وابن حبان 5/560 (2185).
(2) متفق عليه من حديث ابن عمر، فرواه البخاري في الصلاة باب ما جاء في القبلة (403) ورواه في مواضع أخرى، ورواه مسلم في المساجد باب تحويل القبلة 1/375 ح13 (526).

(13/224)


... وأما الحركة المباحة: فهي ما عدا ذلك، مثل أن تشغل الإنسان حكة فيحكها، أو تنزل غترته على عينه فيرفعها فهذه من الحركة المباحة. أو يستأذنه إنسان فيرفع يده ويأذن له فهذه من الحركات المباحة.

600 ... سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: عن مبطلات الصلاة.
... فأجاب فضيلته بقوله: مبطلات الصلاة تدور على شيئين:
... الأول: ترك ما يجب فيها.
... الثاني: فعل ما يحرم فيها.
... فأما ترك ما يجب، مثل أن يترك الإنسان ركناً من أركان الصلاة متعمداً، أو شرطاً من شروطها متعمداً أو واجباً من واجباتها متعمداً.
... مثال ترك الركن أن يترك الركوع متعمداً، ومثال ترك الشرط أن ينحرف عن القبلة في أثناء الصلاة متعمداً، ومثال ترك الواجب أن يترك التشهد الأول متعمداً، فإذا ترك أي واجب من واجبات الصلاة متعمداً فصلاته باطلة سواء سمي ذلك الواجب شرطاً، أم ركناً، أم واجباً.
... الشيء الثاني مما يدور عليه بطلان الصلاة: فعل ما يحرم فيها كأن يحدث في صلاته، أو يتكلم بكلام الآدميين، أو يضحك، أو ما أشبه ذلك من الأشياء التي هي حرام في أثناء الصلاة يفعلها متعمداً عالماً فإن صلاته تبطل في هذه الحال.

601 ... وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم كف الكم في الصلاة؟
... فأجاب فضيلته بقوله: إن كفه لأجل الصلاة فإنه يدخل في قوله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أسجد على سبعة أعظم، ولا أكف ثوباً ولا شعراً"(1). وإن كان قد كفه من قبل لعمل قبل أن يدخل في الصلاة، أو كفه لكثرة العرق وما أشبه ذلك فليس بمكروه.
... أما إذا كان كفه لأجل أنه طويل، فينبغي عليه تقصيره حتى لا يدخل في الخيلاء.
__________
(1) متفق عليه من حديث ابن عباس، رواه البخاري في الأذان باب: السجود على سبعة أعظم ح(810)، ومسلم في الصلاة باب أعضاء السجود 1/354 ح227 (490).

(13/225)


602 ... سئل فضيلة الشيخ - جزاه الله خيراً -: عن الغترة أو الشماغ إذا جعله الإنسان على الورى، هل يعد ذلك من كف الثوب المنهي عنه؟
... فأجاب فضيلته بقوله: الذي أرى أنه لا يعد من كف الثوب المنهي عنه؛ لأن هذه من صفات لبس الغترة والشماغ، فهي كالثوب القصير كمه والعمامة الملوية على الرأس.

مجموع فتاوى و رسائل - المجلد الثالث عشر
محمد بن صالح العثيمين

الحركة في الصلاة

603 ... سئل فضيلة الشيخ: نرجو من فضيلتكم بيان حكم الحركة في الصلاة؟
... فأجاب بقوله: الحركة في الصلاة الأصل فيها الكراهة إلا لحاجة، ومع ذلك فإنها تنقسم إلى خمسة أقسام:
... القسم الأول: حركة واجبة.
... القسم الثاني: حركة محرمة.
... القسم الثالث: حركة مكروهة.
... القسم الرابع: حركة مستحبة.
... القسم الخامس: حركة مباحة.
... فأما الحركة الواجبة: فهي التي تتوقف عليها صحة الصلاة، مثل أن يرى في غترته نجاسة، فيجب عليه أن يتحرك لإزالتها ويخلع غترته، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم أتاه جبريل وهو يصلي بالناس فأخبره أن في نعليه خبثاً فخلعها صلى الله عليه وسلم وهو في صلاته واستمر فيها(1)، ومثل أن يخبره أحد بأنه اتجه إلى غير القبلة فيجب عليه أن يتحرك إلى القبلة.
... وأما الحركة المحرمة: فهي الحركة الكثيرة المتوالية لغير ضرورة؛ لأن مثل هذه الحركة تبطل الصلاة، وما يبطل الصلاة فإنه لا يحل فعله؛ لأنه من باب اتخاذ آيات الله هزواً.
__________
(1) رواه أبو داود وتقدم في ص306.

(13/226)


... وأما الحركة المستحبة: فهي الحركة لفعل مستحب في الصلاة، كما لو تحرك من أجل استواء الصف، أو رأى فرجة أمامه في الصف المقدم فتقدم نحوها وهو في صلاته، أو تقلص الصف فتحرك لسد الخلل، أو ما أشبه ذلك من الحركات التي يحصل بها فعل مستحب في الصلاة؛ لأن ذلك من أجل إكمال الصلاة، ولهذا لما صلى ابن عباس رضي الله عنهما مع النبي صلى الله عليه وسلم فقام عن يساره أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم برأسه من ورائه فجعله عن يمينه(1).
... وأما الحركة المباحة: فهي اليسيرة لحاجة، أو الكثيرة للضرورة، أما اليسيرة لحاجة فمثلها فعل النبي صلى الله عليه وسلم حين كان يصلي وهو حامل أمامه بنت زينت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جدها من أمها فإذا قام حملها، وإذا سجد وضعها(2).
... وأما الحركة الكثيرة للضرورة: فمثل قوله تعالى: (حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ* فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ). فإن من يصلي وهو يمشي لا شك أن عمله كثير ولكنه لما كان للضرورة كان مباحاً لا يبطل الصلاة.
... وأما الحركة المكروهة: فهي ما عدا ذلك وهو الأصل في الحركة في الصلاة، وعلى هذا نقول لمن يتحركون في الصلاة إن عملكم مكروه، منقص لصلاتكم، وهذا مشاهد عند كل أحد فتجد الفرد يعبث بساعته، أو بقلمه، أو بغترته، أو بأنفه، أو بلحيته، أو ما أشبه ذلك، وكل ذلك من القسم المكروه إلا أن يكون كثيراً متوالياً فإنه محرم مبطل للصلاة.

604 ... وسئل فضيلة الشيخ: كم عدد الحركات التي تبطل الصلاة؟
__________
(1) متفق عليه، وتقدم تخريجه في ص27.
(2) رواه البخاري/ الصلاة/ باب: إذا حمل جارية (516) ومسلم/ المساجد/ بال جواز حمل الصبيان في الصلاة (543).

(13/227)


... فأجاب فضيلته بقوله: ليس لها عدد معين، بل الحركة التي تنافي الصلاة بحيث إذا رؤى هذا الرجل فكأنه ليس في صلاة، هذه هي التي تبطل؛ ولهذا حدده العلماء رحمهم الله بالعرف، فقالوا: "إن الحركات إذا كثرت وتوالت فإنها تبطل الصلاة" بدون ذكر عدد معين، وتحديد بعض العلماء إياها بثلاث حركات، يحتاج إلى دليل؛ لأن كل من حدد شيئاً بعدد معين، أو كيفية معينة، فإن عليه الدليل، وإلا صار متحكماً في شريعة الله.

605 ... سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -: ما حكم حمل المرأة لطفلها في الصلاة؟
... فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن تحمل المرأة طفلها إذا كان طاهراً واحتاج إلى حملها، لكونه يصيح ويشغلها عن صلاتها إذا لم تحمله، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصلي وهو حامل أمامه بنت زينت بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم "كان يصلي بالناس وهو حاملها صلى الله عليه وسلم إذا قام حملها وإذا سجد وضعها"(1)، فإذا فعلت المرأة ذلك بطفلها فلا بأس به، لكن الأفضل أن لا تفعل إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، والله أعلم.

606 ... وسئل فضيلة الشيخ: عن إمام مسجد إذا كبر للصلاة وانتهى من التكبيرة، يتقدم يمشي خطوتين أو ثلاث خطوات، وأصبحت عادة عنده فما حكم فعل هذا الإمام؟
... فأجاب فضيلته بقوله: إذا كان هذا شيئاً بغير اختياره فهو معذور؛ لأن بعض الناس قد يكون معه شيء من الدوخة فيحاول أن يتماسك فيتقدم عندئذ، أو يتأخر، وإن كان باختياره فإنه ينهى عنه؛ لأن هذه حركة في الصلاة بدون حاجة، وكل حركة في الصلاة بدون حاجة فإنها مكروهة.
... وهنا يحسن بنا أن نبين أقسام الحركات في الصلاة:
... أقسام الحركات في الصلاة خمسة: حركة واجبة، وحركة محرمة، وحركة جائزة، وحركة مكروهة، وحركة مستحبة.
... فالحركة الواجبة هي: التي يتوقف عليها صحة الصلاة، هذا ضابط الحركة الواجبة ونذكر لذلك مثالين:
__________
(1) تقدم تخريجه ص310.

(13/228)


... المثال الأول: إنسان تذكر أن في غترته نجاسة وهو يصلي، فيجب عليه أن يتحرك لخلع الغترة ويتسمر في صلاته. والغترة نوع مما يلبس على الرأس.
... المثال الثاني: رجل يصلي إلى غير القبلة، فجاءه عالم بالقبلة فقال له: القبلة على يمينك، فهنا يجب عليه أن يتجه إلى القبلة، ولكل واحدة من هاتين المسألتين دليل.
... أما المسألة الأولى: فدليلها أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يصلي في نعليه وفيهما قذراً(1) لم يعلم به، فجاءه جبريل فأخبره بذلك، فخلع نعليه واستمر في صلاته.
... وأما الثانية: فإن أهل قباء كانوا يصلون صلاة الفجر إلى جهة بيت المقدس، وكانت مكة وراءهم، وأتاهم آت فقال لهم: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنزل عليه قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، فانحرفوا إلى جهة الكعبة وهم يصلون(2).
... والحركة المستحبة: هي التي يتوقف عليها فعل مستحب هذا ضابطها.
مثال ذلك: انفتحت فرجة أمامك في الصف، وسد الفرج سنة، فتقدمت لهذه الفرجة، فهذه حركة مستحبة، وكذلك تقارب الصف، فإذا صار بينك وبين جارك فرجة فقربت منه فهذه أيضاً حركة مستحبة.
... والحركة المحرمة: هي الحركة التي تنافي الصلاة. يعني أنها كثيرة بحيث يقول من رآك تتحرك: إنك لست في صلاة، فهذه محرمة وضابطها أن تكون كثيرة متوالية.
... والحركة المكروهة: هي الحركة القليلة بلا حاجة، مثل ما يحصل من بعض الناس حيث يعبث في صلاته بقلمه، أو ساعته، أو عقاله، أو مشلحه بدون حاجة، فهذه حركة مكروهة.
... الحركة الجائزة: هي الحركة اليسيرة إذا كانت لحاجة، أو الحركة الكثيرة إذا كانت لضرورة.
__________
(1) رواه أبو داود وغيره، وتقدم في ص306.
(2) متفق عليه من حديث ابن عمر، وتقدم في ص306.

(13/229)


مثال الحركة اليسيرة للحاجة: إنسان يشق عليه أن يصلي على الأرض مباشرة لأنها حارة، أو لأن فيها شوكاً، أو فيها حصى يؤلم جبهته، فصار يتحرك، ويضع المنديل ليسجد عليه، فهذه حركة جائزة؛ لأنها لحاجة، لكنها يسيرة، والمنديل ينبغي أن يكون واسعاً بحيث يتسع لكفيه وجبهته، هذا هو الأحسن، لكن إذا لم يكن معه إلا منديل صغير لا يتسع إلا الجبهة وهو محتاج أن يسجد عليه فلا بأس. فهذه حركة يسيرة لحاجة.
... وهناك الحركة الكثيرة للضرورة: إن كنت تصلي فهاجمك سبع ففي هذه الحال تحتاج إلى حركات كثيرة وسريعة، فلا بأس بأن تدفع عن نفسك هذا الخطر ولو كنت في صلاتك لقوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) يعني إن خفتم على أنفسكم فصلوا رجالاً يعني: على أرجلكم ولو كنت تهرب، أو ركباناً على الرواحل.
... هذه أقسام الحركات في الصلاة، فاحرص على أن يخشع قلبك وجوارحك، حتى تكون صلاتك تامة، فقد امتدح الله الذين هم في صلاتهم خاشعون.

607 ... سئل فضيلة الشيخ: هل يجوز لي أن أرد السلام وأنا أثناء الصلاة على من سلم عليَّ بصوت مرتفع، بحيث يسمعني من سلم عليَّ أو بصوت منخفض جداً بيني وبين نفسي؟
... فأجاب فضيلته بقوله: إذا سلم الإنسان على المصلي فإن المصلي لا يرد عليه بالقول، ولو رد عليه لبطلت صلاته؛ لأن الرد عليه من كلام الآدميين، وقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "إن الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس، إنما التكبير، والتسبيح، وقراءة القرآن"(1). ولكنه يرد عليه بالإشارة بأن يرفع يده – هكذا – مشيراً إلى أنه يرد عليه السلام، ثم إن بقي المسلم حتى انصراف المصلي من صلاته رد عليه باللفظ، وإن لم يبق وانصرف فالإشارة تكفي.
__________
(1) هذا جزء من حديث معاوية بن الحكم وسيأتي كاملاً في السؤال الذي بعده.

(13/230)


608 ... سئل فضيلة الشيخ: إذا كان الكلام في مصلحة الصلاة مثل أن ينسى الإمام قراءة الفاتحة فنقول له اقرأ الفاتحة، وإذا نسي الركوع وسجد وقيل له سبحان الله فلم يفهم فنقول له لم تركع فهل ذلك يبطل الصلاة؟
... فأجاب فضيلته بقوله: نعم، الكلام يبطل الصلاة، وأعني بالكلام كلام الآدميين، والدليل على ذلك قصة معاوية بن الحكم(1) – رضي الله عنه – حين جاء والنبي صلى الله عليه وسلم يصلي بأصحابه فعطس رجل من القوم فقال: الحمد لله، فقال معاوية: يرحمك الله، فرماه الناس بأبصارهم فقال: وا ثكل أماه فجعلوا يضربون على أفخاذهم يسكتونه فسكت فلما قضى صلاته دعاه النبي صلى الله عليه وسلم قال معاوية: فبأبي هو وأمي، ما رأيت معلماً أحسن تعليماً منه صلوات الله وسلامه عليه، والله ما كهرني، ولا نهرني، وإنما قال: "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" الشاهد قوله صلى الله عليه وسلم "إن هذه الصلاة لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" وهذا عام فشيء نكرة في سياق النفي يفيد العموم سواء لمصلحة الصلاة، أو لغير مصلحة الصلاة، وعلى هذا فلا يجوز لنا أن ننبه الإمام بشيء من الكلام، فإذا سجد في غير موضع السجود فلا نقول له: قم. بل نقول: سبحان الله؛ وإذا قام في غير موضع القيام، فلا نقول له: اجلس؛ لأنك إن قلت: اجلس، فإنك تكون قد كلمت الآدمي فتبطل صلاتك.
... فإذا تكلم أحد الناس جاهلاً فلا عليه إعادة، ولهذا لم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم معاوية بالإعادة، مع أنه تكلم مرتين، مرة قال للعاطس (يرحمك الله) ومرة قال: (وا ثكل أماه) ولم يأمره بالإعادة، لكن لو أن الإمام في صلاة جهرية نسي أن يجهر فقلنا له: سبحان الله، فلم يفهم نقرأ جهراً يرفع أحد المصلين صوته بقراءة الفاتحة فينتبه الإمام.
__________
(1) رواه مسلم في المساجد، باب تحريم الكلام في الصلاة 1/381 ح33 (537).

(13/231)


مجموع فتاوى و رسائل - المجلد الثالث عشر
محمد بن صالح العثيمين
السترة في الصلاة

609 ... وسئل فضيلة الشيخ - جزاه الله خيراً -: ما حكم السترة؟ وما مقدارها؟
... فأجاب فضيلته بقوله: السترة في الصلاة سنة مؤكدة إلا للمأموم، فإن المأموم لا يسن له اتخاذ السترة اكتفاءً بسترة الإمام.
... فأما مقدارها فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عنها فقال: "مثل مؤخرة الرحل"(1).
... لكن هذا أعلاها ويجزئ ما دون ذلك فقد جاء في الحديث: "إذا صلى أحدكم فليستتر ولو بسهم"(2). وجاء في الحديث الآخر الذي رواه أبو داود بإسناد حسن "أن من لم يجد فليخط خطاً. قال الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام(3): لم يصب من زعم أنه مضطرب، فالحديث ليس فيه علة توجب رده. فنقول: أقلها خط، وأعلاها مثل مؤخرة الرحل.

610 ... سئل فضيلة الشيخ - وفقه الله تعالى -: إذا مرت المرأة أمام امرأة تصلي وليس أمامها سترة فهل عليها إعادة الصلاة؟
... فأجاب فضيلته بقوله: أقول إن المرأة، والكلب الأسود، والحمار إذا مر واحد منها بين المصلي وبين سترته، بطلت الصلاة، ووجب استئنافها من جديد، إلا إذا كان يصلي خلف الإمام، فإنه لا يقطع صلاته شيء؛ لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه، هذا إذا كان للمصلي سترة، فإذا لم يكن له سترة وكان له مصلى فإن من مر وراء المصلى لا يقطع الصلاة ولو كان أحد الثلاثة، فإذا كانت المرأة تصلي على سجادة فمر من وراء السجادة أحد من رجل أو امرأة أو كبير أو صغير فإن ذلك لا يخل بالصلاة لأنه من وراء المصلى، فإن لم يكن له سترة ولا مصلى خاص فإن منتهى ذلك منتهى سجوده أي موضع جبهته حال السجود، وما وراء ذلك فإنه لا يضره من مر فيه.
__________
(1) رواه مسلم في الصلاة، باب سترة المصلي 1/358 ح241 (499).
(2) رواه ابن خزيمة في أبواب سترة المصلي 2/12 (811)، ورواه أحمد 3/404 (وط الرسالة 24/57 (15340).
(3) انظر سبل السلام شرح بلوغ المرام باب سترة المصلي 1/283 ح8.

(13/232)


611 ... سئل فضيلة الشيخ: هل تقطع المرأة صلاة المرأة إذا مرت بين يديها؟
... فأجاب فضيلته بقوله: نعم، تقطع لأنه لا فرق في الأحكام بين الرجل والنساء إلا بدليل. ولكن إذا مرت من وراء سترتها إن كان لها سترة، أو من وراء سجادتها إن كانت تصلي على سجادة، أو من وراء موضع سجودها إن لم يكن لها سترة ولا سجادة فإن ذلك لا يضر ولا يؤثر.

612 ... وسئل فضيلة الشيخ: هل يستثنى الحرمان الشريفان من قطع الصلاة لوجود المشقة؟
... فأجاب فضيلته بقوله: الحديث لم يستثن شيئاً، وليس في هذا مشقة لأن في الإمكان أن تمنع، والناس سوف يمتنعون، وإذا لم يتيسر ذلك فأجل النافلة إلى وقت يكون فيه المكان غير مزدحم، أو تقدم إلى مكان آخر يكون خالياً، أو إذا كانت نافلة اجعلها في البيت، فإن النافلة في البيت أفضل من النافلة في المسجد سواء في المسجد الحرام، أو المسجد النبوي، أو في غيرها من المساجد؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال وهو في المدينة: "أفضل صلاة المرء في بيته إلا المكتوبة"(1)، وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتطوع في بيته.

613 ... سئل فضيلة الشيخ – جزاه الله خيراً -: عن حكم مرور المرأة بين يدي المصلي؟
__________
(1) رواه ابو داود في الصلاة باب صلاة الرجل التطوع في بيته ح(1044)، ورواه الترمذي في الصلاة، باب ما جاء في فضل التطوع في البيت (450) وحسنه.

(13/233)


... فأجاب فضيلته بقوله: مرور المرأة بين يدي المصلي مبطل للصلاة إلا إذا كان تابعاً لإمامه، فإن سترة الإمام سترة له ولمن خلفه، فأما إذا كان يصلي منفرداً، أو كان هو الإمام ومرت بينه وبين سترته، أو بينه وبين موضع سجوده إن لم يكن له سترة امرأة بالغة فإن صلاته تبطل ويجب عليه أن يستأنف الصلاة من جديد، هكذا ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر رضي الله عنه(1)، ولا يرد على هذا أن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها كانت تنام بين يدي الرسول صلى الله عليه وسلم(2)، لأن الحديث الذي فيه أن المرأة تقطع الصلاة إنما هو في المرور، والنوم ليس مروراً، والله أعلم.

614 ... سئل فضيلة الشيخ: عن الأشياء التي تقطع الصلاة إذا مرت أمام المصلي؟
... فأجاب فضيلته بقوله: الذي يقطع الصلاة ثلاثة: الحمار، والكلب الأسود، والمرأة البالغة، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم عن أبي ذر – رضي الله عنه – عن النبي صلى الله عليه وسلم "أنه إذا لم يكن بين المصلي وبين هؤلاء المارين مثل مؤخرة الرحل"(3) فإنهم يقطعون صلاته.
... وعلى هذا فنقول: إذا كان للإنسان سترة ثم مر هؤلاء من وراءها فإنهم لا يقطعون الصلاة ولا ينقضونها حتى لو كانت السترة قريبة من موضع السجود ولم يكن بينهم وبين قدميه إلا أقل من ثلاثة أذرع فإن الصلاة صحيحة ما داموا من وراء السترة.
__________
(1) رواه مسلم في الصلاة باب قدر ما يستر المصلي 1/365 ح265 (510) وسيأتي في س 615.
(2) متفق عليه من حديث عائشة، رواه البخاري في الصلاة باب الصلاة على الفراش (382) و (508) و (511) ومواضع أخرى، ومسلم في الصلاة باب الاعتراض بين يدي المصلي 1/366 ح267 و 272 (512).
(3) تقدم في السؤال الذي قبله ص317.

(13/234)


... أما إذا لم يكن للمصلي سترة ومروا بين يديه فإنهم يقطعون صلاته فإذا مر الحمار بين يديه قطع صلاته ووجب عليه أن يعيدها من جديد، وإذا مر الكلب الأسود بين يديه قطع صلاته ووجب عليه أن يعيدها من جديد، وإذا مرت المرأة البالغة من بين يديه فإنها تقطع صلاته ويجب عليه أن يعيد الصلاة من جديد.
... ولكن ما المراد بما بين يديه؟
... كثير من أهل العلم يقولون إن المراد بما بين يديه مسافة ثلاثة أذرع – أي متر ونصف تقريباً من قدميه -.
... وبعض العلماء يقول: ما بين يديه هو منتهى سجوده يعني موضع جبهته، وما وراء ذلك فإنه لا حق له فيه؛ لأن الإنسان يستحق من الأرض ما يحتاج إليه في صلاته، وهو لا يحتاج في صلاته، إلى أكثر من موضع سجوده، وهذا القول هو الأصح عندي، وهو أن المصلي إذا لم يكن له سترة فإن منتهى المكان المحترم له هو موضع سجوده، وما وراء مكان جبهته من السجود لا حق له فيه ولا يضره من مر من ورائه.
... والخلاصة: أن المرأة البالغة، والحمار، والكلب الأسود إذا مرت إحدى هذه الثلاثة بين المصلي وبين سترته بطلت صلاته ووجب عليه إعادتها من جديد، وإذا لم يكن له سترة ومروا من بينه وبين موضع سجوده بطلت صلاته ووجب إعادتها من جديد.

615 ... سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله -: هل تقطع المرأة الصلاة؟ وهل هناك فرق بين المسجد الحرام وغيره؟ وهل يشمل ذلك المسبوق؟
... فأجاب فضيلته بقوله: ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي ذر – رضي الله عنه – أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يقطع صلاة الرجل المسلم – أو قال – المرء المسلم إذا لم يكن بين يديه مثل مؤخرة الرحل: المرأة، والحمار والكلب الأسود"(1)، فإذا مرت المرأة بين المصلي وسترته إن كان له سترة، أو بينه وبين موضع سجوده إن لم يكن له سترة، بطلت صلاته ووجب عليه استئنافها حتى ولو كان في الركعة الأخيرة فإنه يجب عليه أن يعيد الصلاة من جديد.
__________
(1) تقدم تخريجه في ص317.

(13/235)


... ولا فرق في ذلك بين المسجد وغيره على القول الراجح؛ لأن النصوص عامة، وليس فيها تخصيص بقعة دون أخرى، ولهذا ترجم البخاري على هذه المسألة بقوله: "باب السترة بمكة وغيرها"(1) واستدل بالعموم.
... وعليه فإذا مرت المرأة بين الرجل وبين سترته، أو بينه وبين موضع سجوده وجب عليه إعادة الصلاة، إلا إذا كان مأموماً فإن سترة الإمام سترة لمن خلفه، فيجوز أن يمر الإنسان بين يدي المصلين الذين يصلون خلف إمام ولا إثم عليه، ولا يحل له أن يمر بين يدي غير المأمومين فإن ذلك حرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه"(2). وهذا الأربعين في الصحيحين مطلقة، لكن روى البزار(3) أن المراد بالأربعين أربعون خريفاً يعني أربعين سنة لو يبقى الإنسان أربعين سنة واقفاً لكان خيراً من أن يمر بين يدي المصلين.
... أما المسبوق فإنه إذا كان يصلي ما فاته في حكم المنفرد.

616 ... سئل الشيخ – وفقه الله تعالى -: هل يجوز المرور أمام الصف في صلاة الجماعة؟
... فأجاب فضيلته بقوله: اختلف العلماء رحمهم الله هل يأثم المار بين يدي المصلين خلف الإمام؟
... فقال بعض العلماء: إنه يأثم لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه من الإثم لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمر بين يديه". متفق عليه. وأخرجه البزار(4) بلفظ: "لكان أن يقف أربعين خريفاً" أي أربعين سنة خيراً من أن يمر بين يديه، وعلى هذا فلا يجوز لأحد أن يمر بين يدي المصلي لعموم الحديث.
__________
(1) البخاري في الصلاة باب 94.
(2) متفق عليه من حديث أبي جهيم، فرواه البخاري في الصلاة باب: إثم المار بين يدي المصلي (510). ومسلم في الصلاة باب منع المار بين يدي المصلي 1/363 ح261 (507).
(4) أورده الهيثمي في المجمع في كتاب الصلاة، باب فيمن يمر بين يدي المصلي وصححه 2/202 (2302).

(13/236)


... وقال بعض العلماء: إن المرور بين يدي المأمومين ليس بمحرم، لأن ابن عباس – رضي الله عنهما – قال: "أقبلت راكباً على حمار أتان، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فمررت بين يدي بعض الصف فنزلت وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف فلم ينكر ذلك أحد"(1). فدل هذا على أنه لا يحرم على الإنسان أن يمر بين يدي المصلين إذا كان لهم إمام وهذا القول أقرب إلى الصواب، وهو أنه يجوز للإنسان أن يمر بين يدي المصلين خلف الإمام، لكن إذا كان يخشى من التشويش فلا يمر لأن بعض الناس المصلين إذا رأى الإنسان قد مر يلاحظه حين يقبل إلى أن يتجاوزه، فيحصل في ذلك تشويش على المصلين، فإذا حصل أن يبتعد الإنسان عن المرور بين يدي المصلين فهو أفضل، ولكنه لو مر لا يأثم بذلك، ولو كانت امرأة فإنها لا تقطع الصلاة، والله الموفق.

617 ... سئل فضيلة الشيخ: هل يأثم من يترك السترة في الصلاة؟
... فأجاب فضيلته بقوله: إذا قلنا إن السترة واجبة أثم، ولكن الصحيح أنها ليست بواجبة، بل هي سنة، إلا للمأموم فإنه لا يتخذ سترة؛ لأن سترة الإمام سترة له، وعلى هذا لا يأثم المصلي إذا صلى دون سترة.

618 ... سئل فضيلة الشيخ: ما حكم المرور بين يدي المصلي في المسجد الحرام سواء كان المصلي مفترضاً أو متنفلاً مأموماً أو منفرداً؟
... فأجاب فضيلته بقوله: أما المرور بين يدي المأموم فلا بأس به في المسجد الحرام وفي غيره، لأن ابن عباس – رضي الله عنهما – جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في منى وهو يصلي بالناس إلى غير جدار فمر بين يدي الصف، وهو راكب على حمار أتان، ولم ينكر عليه أحد(2).
__________
(1) متفق عليه، رواه البخاري في العلم باب 19 متى يصح سماع الصغير (76) وفي مواضع أخرى، ومسلم في الصلاة باب 47 سترة المصلي 1/361 ح254 (504).
(2) تقدم تخريجه ص324.

(13/237)


... وأما إذا كان المصلي إماماً أو منفرداً فإنه لا يجوز المرور بين يديه لا في المسجد الحرام ولا في غيره لعموم الأدلة، وليس هناك دليل يخص مكة، أو المسجد الحرام يدل على أن المرور بين يدي المصلي فيهما لا يضر ولا يأثم به المار.

619 ... سئل فضيلة الشيخ – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً -: عن حكم وضع الحذاء سترة للمصلي؟
... فأجاب فضيلته بقوله: السترة للمصلي جائزة بكل شيء حتى لو كان سهماً لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا صلى أحدكم فليستر لصلاته ولو بسهم"(1)، بل قال العلماء إنه يمكن أن يستر بالخيط وبطرف السجادة بل جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أن من لم يجد عصاً فليخط خطاً، كما في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا صلى أحدكم فليجعل تلقاء وجهه شيئاً، فإن لم يجد فلينصب عصاً، فإن لم يكن معه عصاً فليخط خطاً، ولا يضره ما مر بين يديه"(2). رواه الإمام أحمد، وقال ابن حجر في البلوغ: ولم يصب من زعم أنه مضطرب، بل هو حسن. وكل هذا يدل على أن السترة لا يشترط أن تكون كبيرة، وإنما يكتفي فيها بما يدل على التستر.
... فالنعال لاشك أنها ذات جسم وكبيرة إلا أني أرى أنه لا ينبغي أن يجعلها سترة له؛ لأن النعال في العرف مستقذرة، ولا ينبغي أن تكون بين يديك وأنت واقف بين يدي الله عز وجل، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم المصلي أن يتنخع بين يديه يعني يتفل النخامة بين يديه، وقال عليه الصلاة والسلام معللاً ذلك: "فإن الله تعالى قبل وجهه"(3).
__________
(1) رواه الإمام أحمد في "المسند" 3/404، والبيهقي 2/270.
(2) رواه أبو داود وتقدم في ص317.
(3) متفق عليه من حديث ابن عمر ولفظه: "إذا كان أحدكم يصلي فلا يبصق قبل وجهه، فإن الله قبل وجهه إذا صلى". رواه البخاري في الصلاة باب حك البزاق من المسجد (406). ورواه مسلم في المساجد باب النهي عن البصاق في المسجد 1/388 ح50 (547).

(13/238)


620 ... سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى -: عن مقدار السترة للمصلي؟
... فأجاب فضيلته بقوله: السترة التي يضعها المصلي الأفضل أن تكون كمؤخرة الرحل نحو ثلثي ذراع، وإن كانت أقل من ذلك فلا حرج حتى لو كانت سهماً أو عصاً فإنه تجزئ، فإذا وضع الإنسان سترة ومر من ورائها شيء رجل، أو امرأة، أو كلب، أو حمار أو غير ذلك فإنه لا يضره؛ لأن السترة تحجز عن المصلي ذلك المار، وإذا لم يكن له سترة ومر أحد من وراء مصلاة – سجادته – فإنه لا يضر أيضاً فإذا كانت المرأة تصلي في بيتها على سجادة ومر من وراء السجادة أحد رجل أو امرأة فإن ذلك لا يضر لأنه خارج مصلاها.

621 ... وسئل الشيخ – أعلى الله درجته في المهديين -: هل السترة في صلاة الجماعة كما هي في صلاة الفرد؟
... فأجاب بقوله: السترة في صلاة الجماعة بالنسبة للإمام كما هي في صلاة المنفرد، أما بالنسبة للمأموم فإنه لا يشرع للمأموم أن يتخذ سترة؛ لأن سترة الإمام سترة لمن خلفه، ولهذا قال ابن عباس – رضي الله عنهما – "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو يصلي في الناس بمنى إلى غير جدار فأرسلت الأتان ترتع فمرت أو قال فمررت بين يدي بعض الصف"(1) وهذا دليل على أن سترة الإمام سترة لمن خلفه وأنه إذا مر أحد يقطع الصلاة بين يدي المأمومين فإن صلاتهم لا تنقطع؛ لأن سترة الإمام سترة لهم.
__________
(1) تقدم تخريجه في ص324.

(13/239)


... وقد ظن بعض الناس أن قول ابن عباس: "ورسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى غير جدار". أن الحرم أي ما كان داخل الأميال لا تشرع فيه السترة، وقالوا: "إن قوله: "إلى غير جدار" يدل على أن الحرم لا تتخذ فيه السترة يعني ما كان داخل الأميال. ولكن من تأمل الحديث وجد أنه يدل على خلاف ذلك؛ لأن قول ابن عباس: "إلى غير جدار"، غير صفة ولا تقع غير إلا صفة لموصوف، فعليه يكون تقدير الكلام إلى شيء غير جدار، والمعروف أن الرسول عليه الصلاة والسلام كان يصلي فتركز له العنزه كما في حديث أبي جحيفة وهو ثابت في الصحيحين أنه قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم في قبة حمراء من أدم، ورأيت بلالاً أخذ وضوء رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأيت الناس يبتدرون ذلك الوضوء، فمن أصاب منه شيئاً تمسح منه، ومن لم يصب منه شيئاً أخذ من بلل يد صاحبه، ثم رأيت بلالاً أخذ عنزة وركزها، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في حلة حمراء مشمراً صلى بالناس ركعتين، ورأيت الناس يمرون بين يدي العنزة"(1). وهذا نص صريح في أن السترة تتخذ حتى فيما كان داخل الأميال؛ لأن الأبطح أقرب إلى الكعبة من منى، ومع ذلك كان الرسول عليه الصلاة والسلام يتخذ فيه السترة.

622 ... وسئل فضيلة الشيخ: ما حكم اتخاذ النعل سترة؟
... فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس إلا إذا كان فيها شيء بين من نجاسة أو أذى، فلا يتخذها سترة؛ إلا أن الأولى أن لا يجعلها سترة له؛ لأن النعال في العرف مستقذرة، ولهذا فالنبي صلى الله عليه وسلم وعلى آله وسلم نهى أن يبصق المصلي أمام وجهه(2).
__________
(1) متفق عليه من حديث أبي جحيفة، فرواه البخاري في الصلاة باب الصلاة في الثوب الأحمر (376)، ورواه مسلم في الصلاة باب سترة المصلي 1/360 ح249 و 250 (503).
(2) تقدم تخريجه في ص326.

(13/240)


623 ... وسئل فضيلة الشيخ: ذكر ابن القيم – رحمه الله تعالى – في زاد المعاد(1) أن من السنة في اتخاذ السترة للمصلي أنها لا تكون أمامه مباشرة، بل تكون عن يمينه، أو عن يساره، فنريد توضح ذلك وجزاكم الله خيراً.
... فأجاب فضيلته بقوله: يريد ابن القيم – رحمه الله – أنك إذا اتخذت سترة في الصلاة فلا تقابلها مقابلة تامة، اجعلها عن يمينك شيئاً ما، أو عن يسارك شيئاً ما، لورود حديث بذلك عن النبي عليه الصلاة والسلام(2)، لكن الحديث الذي ورد في هذا لين، فيه شيء من الضعف، وظاهر الأدلة أن السترة تكون بين يدي المصلي تماماً، وأنه يستقبلها بدون أن تكون عن يمينه أو عن شماله، والأمر في هذا واسع؛ إن صمد إليها صمداً فلا بأس، والإنسان بعيد عن أن يجعلها كالصنم، وإن جعلها عن يمينه أو عن يساره شيئاً ما فلا بأس.

624 ... وسئل فضيلة الشيخ – أعلى الله درجته في المهديين -: عن المسافة التي يمنع فيها المرور من بين يدي المصلي؟
... فأجاب فضيلته بقوله: المسافة التي يمنع فيها المرور بين يدي المصلي إن كان للمصلي سترة فما بينه وبين سترته محرم لا يحل لأحد أن يمر منه.
... وإن لم يكن له سترة؛ فإن كان له مصلى كسجادة يصلي عليها فإن هذه السجادة محترمة؛ فإنه لا يحل لأحد أن يمر بين يدي المصلي فيها.
... وإن كان ليس له مصلى فإن المحرم ما بين قدمه وموضع سجوده، فلا يمر بينه وبين هذا الموضع.

625 ... وسئل فضيلة الشيخ – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء -: هل يأثم الإنسان إذا مر بين يدي المصلي في المسجد الحرام؟
__________
(1) زاد المعاد 1/305.
(2) رواه الإمام أحمد 6/4، وأبو داود في الصلاة/ باب إذا صلى على سارية أو نحوها أين يجعلها منه (693) ونصه: عن ضباعة بنت المقداد بن الأسود عن أبيها، قال: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي إلى عود ولا عمود ولا شجرة إلا جعله حاجبه الأيمن أو الأيسر ولا يصمد له صمداً".

(13/241)


... فأجاب فضيلته بقوله: يأثم الإنسان إذا مر بين يدي المصلي مطلقاً في مكة وفي غيرها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه لكان أن يقف أربعين خيراً من أن يمر بين يديه"(1). وأمر المصلي أن يدفعه إذا أراد المرور بين يديه، وهذا عام يشمل مكة وغيرها، وقد ترجم البخاري على ذلك في صحيحه فقال: "باب السترة بمكة وغيرها"(2). إلا أن أهل العلم يقولون: إذا صلى الإنسان في مكان يحتاج الناس إلى المرور به كالطريق فإن الجناية منه؛ لأن الحق للمارة.
... ولهذا لا ينبغي للإنسان أن يصلي في مكان الطواف ويمنع الناس، ولا يلزم الناس أن يتحاشوا من المرور بين يديه؛ لأنه هو الذي وقف يصلي في مكانهم.

626 ... وسئل فضيلة الشيخ: معلوم أن سترة المأموم هي سترة إمامه، ولكن إذا سلم الإمام فهل تبقى السترة للمسبوقين أم لابد من وجود سترة جديدة، فقد لاحظت أن بعض الناس يمر أمام المسبوق ولا يفعل له شيئاً.. فما الحكم في ذلك؟
... فأجاب فضيلته بقوله: إذا سلم الإمام وقام المسبوق لقضاء ما فاته فإنه يكون في هذا القضاء منفرداً حقيقة، وعليه أن يمنع من يمر بين يديه لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، وترك بعض الناس منع المار قد يكون عن جهل منهم بهذا، أو قد يكون عن تأويل حيث إنهم ظنوا أنهم لما أدركوا الجماعة صاروا بعد انفرادهم عن الإمام بحكم الذين خلف الإمام، لكن لابد أن يمنع المسبوق من يمر بين يديه إذا قام لقضاء ما فاته.

627 ... سئل فضيلة الشيخ: ما رأي فضيلتكم فيمن يرفع صوته بالبكاء في الصلاة؟
__________
(1) متفق عليه وتقدم تخريجه في ص323.
(2) الباب 94 من كتاب الصلاة.

(13/242)


... فأجاب فضيلته بقوله: لا شك أن البكاء من خشية الله عز وجل من صفات أهل الخير والصلاح، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يخشع في صلاته ويكون لصدره أزيز كأزيز المرجل(1)، وقال الله تبارك وتعالى: (وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً). فالبكاء عند قراءة القرآن، وعند السجود، وعند الدعاء من صفات الصالحين، والإنسان يحمد عليه، والأصوات التي تسمع أحياناً من بعض الناس هي بغير اختيارهم فيما يظهر، لا هو شيء يجده في نفسه ويقع بغير اختياره، وقد قال العلماء – رحمهم الله -: إن الإنسان إذا بكى من خشية الله فإن صلاته لا تبطل ولو بان من ذلك حرفان فأكثر، لأن هذا أمر لا يمكن للإنسان أن يتحكم فيه، ولا يمكن أن نقول للناس لا تخشعوا في الصلاة ولا تبكوا، بل نقول إن البكاء الذي يأتي بتأثر القلب مما سمع أو مما استحضره إذا سجد؛ لأن الإنسان إذا سجد يستحضر أنه أقرب ما يكون إلى ربه عز وجل، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد"(2). والقلب إذا استحضر هذا وهو ساجد لاشك أنه يخشع ويحصل البكاء.
... ولا أستطيع أن أقول للناس امتنعوا عن البكاء، ولكني أقول: إن البكاء من خشية الله محمود، والصوت الذي لا يمكن للإنسان أن يتحكم فيه لا يلام عليه.

628 ... سئل فضيلة الشيخ – وفقه الله وحفظه -: عن كيفية رد السلام في الصلاة؟
... فأجاب فضيلته بقوله: رد السلام في الصلاة بالإشارة دون اللفظ باللسان، فإن بقي عندك حتى انتهت الصلاة فرد عليه باللفظ، وإن انصرف فإنه تكفي الإشارة.
... ولكن هل يسلم على المصلي، أولا يسلم؟
... فنقول: ينظر، فإن كان يخشى أن يشوش على المصلي فإنه لا يسلم عليه، وإن كان لا يخشى ذلك فلا بأس أن يسلم، والله الموفق.

حكم الدفايات والمدخنة أمام المصلي
__________
(1) رواه النسائي في السهو باب البكاء في الصلاة 3/18 (1213).
(2) رواه مسلم، وتقدم تخريجه في ص280.

(13/243)


629 ... وسئل فضيلة الشيخ: لا يخفى على فضيلتكم حاجة الناس في الأيام الباردة في فصل الشتاء إلى استخدام الدفايات الكهربائية في المساجد، ولكن ظهر بعض الخلاف بين بعض المصلين حول جواز الصلاة أمام هذه الدفايات حيث إن الأمر مهم، والناس بحاجة إلى توضيح الحكم الصحيح في هذا ونشره لهم، لذا نرجو من فضيلتكم كتابة ما تراه في هذا الحكم، وبمناسبة قرب موعد إجازة الربيع، حيث يكثر جلوس بعض الشباب في مخيمات في البر، نرجو بيان حكم الصلاة أمام المكان الذي يكون مخصص لشب النار (الوجار) إذا كانت النار مشتعلة.
... فأجاب فضيلته بقوله: وضع الدفايات الكهربائية أمام المصلين ليس مكروهاً، بل هو جائز، ولا يدخل في استقبال النار التي ذكر بعض الفقهاء أنه مكروه؛ لأن الذي ذكره بعض الفقهاء هي النار التي تشبه نار المجوس التي يعبدونها وهي نار مشتعلة ذات لهب.
... وأما ما يقع في المخيمات فإن كان دفايات كهربائية فقد بان حكمها، وإن كانت نار موقدة مشتعلة فإنها تدخل فيما كره بعض الفقهاء فليجعلوها خلفهم، أو عن أيمانهم، أو عن شمائلهم.
... كتبه محمد الصالح العثيمين في 4/7/1412هـ.

630 ... سئل فضيلة الشيخ: وقع مشكلة بين بعض المصلين في المساجد حول الدفايات الكهربائية، ووضعها أمام المصلين هل هذا حرام؟ أو مكروه يتنزه عنه، أو لا بأس به؟ وهل الصلاة أمام النار محرمة أو مكروهة؟ أفيدونا جزاكم الله خيراً بالجواب المحرر لكي يقرأ على المصلين ويزول الإشكال، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
... فأجاب فضيلته بقوله: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
... اختلف العلماء – رحمهم الله تعالى – في الصلاة إلى النار:
... فمنهم من كرهها، ومنهم من لم يكرهها، والذين كرهوها عللوا ذلك بمشابهة عباد النار. والمعروف أن عبدة النار يعبدون النار ذات اللهب، أما ما ليس لها لهب فإن مقتضى التعليل أن لا تكره الصلاة إليها.

(13/244)


... ثم إن الناس في حاجة إلى هذه الدفايات في أيام الشتاء للتدفئة، فإن جعلوها خلفهم فاتت الفائدة منها أو قلت، وإن جعلوها عن أيمانهم، أو شمائلهم لم ينتفع بها إلا القليل منهم، وهم الذي يلونها، فلم يبق إلا أن تكون أمامهم ليتم انتفاعهم بها، والقاعدة المعروفة عند أهل العلم أن المكروه تبيحه الحاجة.
... ثم إن هذه الدفايات في الغالب لا تكون أمام الإمام وإنما تكون أمام المأمومين وهذا يخفف أمرها؛ لأن الإمام هو القدوة ولهذا كانت سترته سترة للمأموم. والله أعلم. كتبه محمد الصالح العثيمين في 22/6/1409هـ.

631 ... وسئل فضيلة الشيخ – جزاه الله خيراً -: عن حكم وضع مدخنة البخور، أمام المصلين في المسجد؟
... فأجاب بقوله: لا حرج في ذلك، ولا يدخل هذا فيما ذكره بعض الفقهاء من كراهة استقبال النار، عللوا هذا بأنه يشبه المجوس في عبادتهم للنيران، فالمجوس لا يعبدون النار على هذا الوجه.
... وعلى هذا فلا حرج من وضع حامل البخور أمام المصلي، ولا من وضع الدفايات الكهربائية أمام المصلي أيضاً لاسيما إذا كانت أمام المأمومين وحدهم دون الإمام.

632 ... وسئل فضيلة الشيخ: عن حكم وضع المدفأة الكهربائية أمام المصلين أثناء تأديتهم للصلاة، وهل ورد في ذلك محذور شرعي؟ أثابكم الله ونفع المسلمين بكم وبعلمكم.
... فأجاب فضيلته بقوله: لا بأس أن توضع الدفايات في قبلة المسجد أمام المصلين، ولا أعلم في ذلك محذوراً شرعياً.
... كتبه محمد الصالح العثيمين في 11/8/1418هـ.

633 ... سئل فضيلة الشيخ – جزاه الله خيراً -: عن حديث "أمرت أن لا أكف ثوباً" هل هو صحيح؟ وما معناه؟

(13/245)