صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين

... فأجاب حفظه الله بقوله : هذه المسألة محل خلاف ، والصواب أنه يسقط والدليل عموم قوله تعالى : ( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ) (1) ، وقال عليه الصلاة والسلام : " إن الله تجاوز عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه " (2) .

( ... ( (

157) ... وسئل : عن حكم من نام عن صلاة العشاء ثم قام لصلاة الفجر وصلاها ولكن تذكر صلاة العشاء وهو يصلي الفجر ؟ هل يكمل صلاة الفجر أم ماذا يفعل ؟
... فأجاب فضيلة الشيخ بقوله : نعم ، يكمل صلاة الفجر ثم يصلي صلاة العشاء.
( ... ( (

158) ... سئل فضيلة الشيخ : عن شخص دخل المسجد لصلاة العشاء ثم تذكر أنه لم يصل المغرب فماذا يعمل ؟
... فأجاب بقوله : إذا دخلت المسجد وصلاة العشاء مقامة ثم تذكرت أنك لم تصل المغرب فتدخل مع الجماعة بنية صلاة المغرب ، وإذا قام الإمام إلى الركعة الرابعة ، فتجلس أنت في الثالثة وتنتظر الإمام ثم تسلم معه ، ولك أن تسلم ثم تدخل مع الإمام فيما بقي من صلاة العشاء ، ولا يضر اختلاف النية بين الإمام والمأموم على الصحيح من أقوال أهل العلم ، وإن صليت المغرب وحدك ثم صليت مع الجماعة فيما أدركت من صلاة العشاء فلا بأس .
( ... ( (

159) ... سئل فضيلة الشيخ : كيف تقضي الفوائت ؟
فأجاب قائلاً : الفوائت من الفرائض تقضى بكل حال في الوقت الذي يزول فيه العذر ولابد من الترتيب،وكذلك صلاة النوافل المؤقتة بوقت كالوتر والرواتب .
... وأما النوافل المطلقة فلا تقضى لأنه لا وقت لها ، وإنما يصلي نفلاً متى شاء في غير وقت النهي ، وأما النوافل ذوات الأسباب فإنه إذا فاتت أسبابها لا تقضى لأنها مربوطة بسببها فإذا تأخرت عنه لم تكن فعلت من أجله فلا تقضى .
( ... ( (
__________
(1) سورة البقرة ، الآية : 286 .
(2) أخرجه بن ماجه : كتاب الطلاق / باب طلاق المكره والناسي .

(12/184)


160) ... وسئل فضيلته عن مريض أجرى عملية جراحية ففاتته عدة فروض من الصلوات ، فهل يصليها مجتمعة بعد شفائه ؟ أم يصليها كل وقت مع وقته كالظهر مع الظهر وهكذا ؟
فأجاب بقوله : عليه أن يصليها جميعاً في آن واحد ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما فاتته صلاة العصر في غزوة الخندق صلاها قبل المغرب (1) وعلى الإنسان إذا فاتته بعض فروض الصلاة أن يصليها جميعاً ولا يؤخرها .
( ... ( (
161 وسئل : عن جماعة فاتتهم صلاة العصر نسياناً ولم يتذكروا إلا عند سماع أذان المغرب فصلوا المغرب ثم العصر ؟
فأجاب فضيلته بقوله : إذا نسي الإنسان صلاة أو نام عنها وليس عنده من يوقظه أو يذكره حتى خرج وقتها ، فإنه كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( يصليها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك )) (2) .
... وفي هذه الحالة التي وقعت للسائل فإنه ينبغي عليه أن يبدأ أولاً بصلاة العصر ثم المغرب حتى يكون الترتيب على حسب ما فرض الله عز وجل ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما فاتته الصلوات في أحد الأيام في غزوة الخندق قضاها مرتبة . وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : (( صلوا كما رأيتموني أصلي )) (3) . وبناء على هذا فلو أنكم حينما جئتم إلى المسجد وهم يصلون المغرب دخلتم معهم بنية العصر ، ثم إذا سلم الإمام من صلاة المغرب تأتون ببقية صلاة العصر فتكون الصلاة مغرباً للجماعة ، وتكون لكم عصراً ، وهذا لا يضر – أعني اختلاف نية الإمام والمأموم – لأن الأفعال واحدة ، والذي نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن الاختلاف في على الإمام وهي الأفعال دون النية . وما وقع منكم على سبيل الجهل،حيث قدمتم المغرب على العصرفإنه لا حرج عليكم في ذلك

( ... ( (

162 ) وسئل فضيلته : إذا فاتت الإنسان الصلاة لعذر فهل يجوز تأخيرها بعد زوال العذر ؟
__________
(1) تقدم تخريجه ص21 .
(2) تقدم تخريجه ص 16 .
(3) تقدم تخريجه ص 153 .

(12/185)


فأجاب قائلاً : لا يجوز لك أن تؤخر الصلاة عن وقتها إذا زال العذر ، لقوله صلى الله عليه وسلم : (( فليصلها إذا ذكرها )) (1) . فجعل وقت قضائها وقت الذكر ، فإن أخرت فأنت آثم .
( ... ( (

163 ) سئل فضيلة الشيخ : إذا فاتني فرض أو أكثر لنوم أو نسيان ، فكيف أقضي الصلاة الفائتة ؟ وهل أصليها أولاً ثم الصلاة الحاضرة أم العكس .
فأجاب بقوله : تصلها أولاً ، ثم تصل الصلاة الحاضرة ، ولا يجوز لك التأخير ، وقد شاع عند الناس أن الإنسان إذا فاته فرض فإنه يقضيه مع الفرض الموافق له من اليوم الثاني ، فمثلاً لو أنه لم يصل الفجر يوماً فإنه لا يصليه إلا مع الفجر في اليوم الثاني ، وهذا غلط ، وهو مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم القولي والفعلي، أما القولي : فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها )) (2) . ولم يقل : فليصلها من اليوم الثاني إذا جاء وقتها ، بل قال : (( فليصلها إذا ذكرها )) .
وأما الفعلي : فحين فاتته الصلوات في يوم من أيام الخندق صلها قبل الصلاة الحاضرة ، فدل هذا على أن الإنسان يصلي الفائتة ثم يصلي الحاضرة ، لكن لو نسي فقدم الحاضرة على الفائتة،أو كان جاهلاً لا يعلم فإن صلاته صحيحة ، لأن هذا عذر له .وبهذه المناسبة أود أن أقول : إن الصلوات بالنسبة للقضاء على ثلاثة أقسام :
القسم الأول : يقضي متى زال العذر ، أي عذر التأخير وهي الصلوات الخمس ، فإنه متى زال العذر بالتأخير وجب قضاؤها .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 16 .
(2) تقدم تخريجه ص 16 .

(12/186)


القسم الثاني : إذا فات لا يقضى وإنما يقضى بدله ، وهو صلاة الجمعة ، إذا جاء بعد رفع الإمام من الركعة الثانية فإنه في هذه الحال يصلي ظهراً ، فيدخل مع الإمام بنية الظهر ، وكذلك من جاء بعد تسليم الإمام فإنه يصلي ظهراً ، وأما من أدرك الركوع من الركعة الثانية فإنه يصلي جمعة ، أي يصلي ركعة بعدها إذا سلم الإمام ، وهذه يجهلها كثير من الناس ، فإن بعض الناس يأتي يوم الجمعة والإمام قد رفع من الركعة الثانية ، ثم يصلي ركعتين على أنها جمعة وهذا خطأ ، بل إذا جاء بعد رفعه من الركعة الثانية فإنه لم يدرك من الجمعة شيئاً فعليه أن يصلي ظهراً ، لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة )) (1) . ومفهومه أن من أدرك أقل فإنه لم يدرك الصلاة ، والجمعة تقضى ظهراً ، ولهذا يجب على النساء في البيوت وعلى المرضى الذين لا يأتون الجمعة ، يجب عليهم أن يصلوا ظهراً ولا يصلوا جمعة ، فإن صلوا جمعة في هذه الحال فإن صلاتهم باطلة ومردودة.
القسم الثالث :صلاة إذا فاتت لا تقضى إلا في نظير وقتها وهي صلاة العيد إذا لم يعلم بها إلا بعد زوال الشمس،فإن أهل العلم يقولون : يصلونها من اليوم التالي من نظير وقتها .
إذن فالقضاء على ثلاثة أقسام :
الأول : ما يقضى من حين زوال العذر ، وهي الصلوات الخمس .كذلك الوتر ، وشبهه من السنن المؤقتة .
الثاني : ما يقضى بدله وهي صلاة الجمعة فإذا فاتت تقضى ظهراً .
الثالث : ما يقضى هو نفسه ولكن في نظير وقته من اليوم التالي ، وهو صلاة العيد إذا فاتت بالزوال فإنها تصلى في نظير وقتها من اليوم التالي . والله الموفق .

( ... ( (

164 ) وسئل فضيلته : عن رجل فاتته صلاة الفجر لعذر شرعي ونسى أن يصليها وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم تذكر ، فماذا يفعل ؟ وهل صلاته للظهر والعصر والمغرب والعشاء صحيحة ؟
__________
(1) تقدم تخريجه ص 147 .

(12/187)


فأجاب بقوله : إذا فاتت الإنسان صلاة الصبح لعذر شرعي ونسى أن يصليها ، وصلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء ، ثم ذكر أنه لم يصل صلاة الفجر ، فإنه يؤدي صلاة الصبح ولا حرج عليه ، وصلاته للظهر والعصر والمغرب والعشاء صحيحة ، لأنه ترك الترتيب ناسياً ، والإنسان إذا ترك الترتيب ناسياً فصلاته صحيحة .
( ... ( (
165 ) سئل فضيلة الشيخ:أعلى الله درجته – عمن نسي صلاة أو نام عنها ولم يذكر أو يستيقظ إلا بعد صلاة الفجر أو بعد العصر فهل يقضيها في هذين الوقتين؟
الجواب : من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ، فإذا نام الإنسان عن الفريضة أو صلى محدثاً ناسياً أو جاهلاً ثم ذكر ذلك بعد صلاة الفجر أو بعد صلاة العصر فإنه يقضيها لعموم الحديث الآنف الذكر .
أما إذا تركها متعمداً حتى خرج وقتها فإن القول الراجح أنها لا تقضي لأن ذلك لا يفيد .
وليعلم أن العلماء اختلفوا فيما إذا وجد سبب صلاة النافلة في وقت النهي هل يجوز فعلها أم لا ؟ والصحيح أنه يجوز فعل ذوات الأسباب في الأسباب في أوقات النهي ، فإذا دخلت المسجد بعد صلاة الفجر فصل ركعتين ، وإذا دخلت المسجد بعد صلاة العصر فصل ركعتين ، وهكذا كل نفل وجد سببه في أوقات النهي فإنه يفعل و لا نهي عنه ، هذا هو القول الراجح من ؟ أقوال أهل العلم ، ويكون النهي عن الصلاة في أوقات النهي مخصوصاً بالنوافل المطلقة التي ليس لها سبب،ووجه ترجيح هذا القول أن صلاة ذوات الأسباب جاءت عامة مقيدة بأسبابها فمتي وجد السبب مخصصة لعموم النهي،كما أن في بعض أحاديث النهي ما يدل على أن ذوات الأسباب لا تدخل فيه حيث جاء في بعض ألفاظه : " لا تتحروا الصلاة " (1) . وهذا يدل على أن ما فعل لسبب فلا بأس به لأن ذلك ليس تحرياً للصلاة في هذه الأوقات .
* * *
__________
(1) أخرجه البخاري : كتاب مواقيت الصلاة / باب لا يتحرى الصلاة قبل غروب الشمس .

(12/188)


166) ... سئل الشيخ حفظه الله تعالى : هناك جماعة من الناس عندهم عادة في رمضان وهي صلاتهم الفروض الخمسة بعد صلاة آخر جمعة ويقولون إنهاء قضاء عن أي فرض من هذه الفروض لم يصله الإنسان أو نسيه في رمضان فما حكم هذه الصلاة ؟ أفتونا مأجورين .
فأجاب فضيلته بقوله : الحكم في هذه الصلاة أنها من البدع ، وليس لها أصل في الشريعة الإسلامية ، وهي لا تزيد الإنسان من ربه إلا بعداً ، لأن رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : " كل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار " (1) . فالبدع وإن استحسنها مبتدعوها ورأوها حسنة في نفوسهم فإنها سيئة عند الله عز وجل لأن نبيه صلي الله عليه وسلم يقول : " كل بدعة ضلالة ، وكل ضلالة في النار " . وهذه الصلوات الخمس التي يقضيها الإنسان في آخر جمعة من رمضان لا أصل لها في الشرع ، ثم إننا نقول هل لم يخل هذا الإنسان إلا في خمس صلوات فقط ربما أنه أخل في عدة أيام لا في عدة صلوات ، والنهم أن الإنسان ما علم أنه مخل فيه فعليه قضاءه متي علم ذلك لقوله صلي الله عليه وسلم " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها " (2) . وأما أن الإنسان يفعل هذه الصلوات الخمس احتياطاً – كما يزعمون – فإن هذا منكر و لا يجوز .
* * *
فصل
قال فضيلة لشيخ – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خير جزاء - :
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام علي نبينا محمد صلي الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين .
أما بعد : فأن الوقت من أهم شروط الصلاة ، لقول الله سبحانه :
__________
(1) أخرجه مسلم : كتاب الجمعة / باب تخفيف الصلاة والخطبة
(2) تقدم تخرجه ص 16

(12/189)


( إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (103) (1) . وإذا كانت الصلوات خمساً فأوقاتها خمسة أو ثلاثة ، خمسة لغير أهل الأعذار ، وثلاثة لأهل الأعذار ، الذين يجوز لهم الجمع ، فالظهر والعصر يكون وقتهما وقتاً واحداً إذا جاز الجمع ، والمغرب والعشاء يكون وقتهما وقتاً واحداً إذا جاز الجمع .
والفجر وقت واحد ولهذا فصلها الله عز وجل : )أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) (2) ولم يقل لدلوك الشمس إلي طلوع الشمس ، بل قال إلي (إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) وغسق الليل يكون عند منتصفه ، لأن أشد ما يكون ظلمة في الليل منتصف الليل ، لأن منتصف الليل هو أبعد ما تكون الشمس عن النقطة التي فيها هذا المنتصف .
ولهذا كان القول الراجح أن الأوقات خمسة كما يلي :
أولاً : الفجر من طلوع الفجر الثاني وهو البياض المعترض في الأفق إلي أن تطلع الشمس .
وهنا أنبه فأقول إن التقويم – تقويم أم القرى- فيه تقديم خمس دقائق في آذان الفجر على مدار السنة ، فالذي يصلي أول ما يؤذن يعتبر صلى قبل الوقت ، وهذا شئ اختبرناه في الحساب الفلكي ، واختبرناه أيضاً في الرؤية .
... فلذلك لا يعتمد هذا بالنسبة لأذان الفجر لأنه مقدم وهذه مسألة خطرة جداً ، لو تكبر للإحرام فقط قبل أن يدخل الوقت ما صحت صلاتك فريضة ، لكن التقاويم الأخرى الفلكية التي بالحساب بينها وبين هذا التقويم خمس دقائق .
... وعلى كل حال وقت صلاة الفجر من طلوع الفجر الثاني إلي طلوع الشمس .
ثانياً : الظهر من زوال الشمس إلي أن يصير ظل كل شئ مثله لكن بعد أن تخصم ظل الزوال ، لأن الشمس خصوصاً في أيام الشتاء يكون لها ظل نحو الشمال ، هذا ليس بعبرة بل العبرة أنك تنظر الظل ما دام ينقص فالشمس لم تزل ، فإذا بدأ يزيد أدني زيادة فإن الشمس قد زالت ،
__________
(1) سورة النساء ، الآية : 103
(2) سورة الإسراء ، الآية : 78

(12/190)


واجعل علامة على ابتداء زيادة الظل فإذا صار ظل الشيء كطوله خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر
... ثالثاً : وقت العصر إلي أن تصفر الشمس والضرورة إلي غروبها .
... رابعاً : وقت المغرب من غروب الشمس إلي مغيب الشفق الأحمر وهو يختلف أحياناً يكون بين الغروب وبين مغيب الشفق ساعة وربع وأحياناً يكون ساعة واثنان وثلاثون دقيقة .
... خامساً : وقت العشاء من خروج وقت المغرب إلي منتصف الليل ، والمعني : أنك تقدر ما بين غروب الشمس وطلوع الفجر ثم تنصفه ، فالنصف هو منتهى صلاة العشاء .
... ويترتب على هذا فائدة عظيمة :
... لو طهرت المرأة في الثلث الأخير من الليل فليس عليها صلاة العشاء و لا المغرب لأنها طهرت بعد الوقت .
وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : " وقت العشاء إلي نصف
الليل " (1) ، ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حديث يدل على أن وقت العشاء يمتد إلي طلوع الفجر أبداً .
... ولهذا كان القول الراجح أن وقت العشاء إلي نصف الليل ، والآية الكريمة تدل على هذا لأنه فصل الفجر عن الأوقات الأربعة : (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ ) أي زوالها ( إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ) جمع الله بينها لأنه ليس هناك بينها فاصل أما الفجر فقال :( وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78) )(2)فالفجر لا
تتصل بصلاة لا قبلها ولا بعدها ، لأن بينها وبين الظهر نصف النهار الأول ، وبينها وبين صلاة العشاء نصف الليل الآخر .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 208
(2) سورة الإسراء ، الآية :78 .

(12/191)


... واعلم أن الصلاة قبل دخول الوقت لا تقبل حتى لو كبر تكبيرة الإحرام ثم دخل الوقت بعد التكبيرة مباشرة فإنها لا تقبل على أنها فريضة ، لأن الشيء المؤقت بوقت لا يصح قبل وقته ، كما لو أراد الإنسان أن يصوم قبل رمضان بيوم واحد فإنه لا يجزئه عن رمضان ، كذلك الصلاة لكن إن كان جاهلاً لا يدري صارت نافلة ووجب عليه إعادتها فريضة .
... أما إذا صلاها بعد الوقت فلا يخلو من حالين :
... الحال الأولى : أن يكون معذوراً بجهل أو نسيان أو نوم فهذا تقبل منه .
... الجهل : مثل أن لا يعرف أن الوقت قد دخل وقد خرج ، فهذا لا شئ عليه ، متي علم فإنه يصلي الصلاة وتقبل منه لأنه معذور .والنسيان : مثل أن يكون الإنسان اشتغل بشغل عظيم أشغله وألهاه حتى خرج الوقت فإن هذا يصليها ولو بعد خروج الوقت .
النوم كذلك : فلو أن شخصاً نام على أنه سيقوم عند الآذان ولكن صار نومه ثقيلاً فلم يسمع الأذان و لا المنبه الذي وضعه عند رأسه حتى خرج الوقت فإنه يصلي إذا استيقظ لقول الرسول عليه الصلاة والسلام : " من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك " (1) .
الحال الثانية : أن يؤخر الصلاة عن وقتها عنداً من غير عذر فاتفق العلماء على أنه آثم وعاصي لله ورسوله .
وقال بعض العلماء : أنه يكفر بذلك كفراً مخرجاً عن الملة نسأل الله العافية .
ولكن الصحيح أنه لا يكفر وهذا قول الجمهور ، ولكن اختلفوا فيما لو صلاها في هذه الحال ، أي بعد أن أخرجها عن وقتها عمداً بلا عذر ثم صلى :
فمنهم من قال : أنها تقبل صلاته لأنه عاد إلي رشده وصوابه ، ولأنه إذا كان الناسي تقبل منه الصلاة بعد الوقت فالمتعمد كذلك .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 16.

(12/192)


ولكن القول الصحيح الذي تؤيده الأدلة أنها لا تقبل منه إذا أخرها عن وقتها عمداً ولو صلى ألف مرة وذلك لقول النبي عليه الصلاة والسلام : " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (1) . يعني مردود غير مقبول عند الله ، وإذا كان مردوداً فلن يقبل ، وهذا الذي أخرج الصلاة عن وقتها عمداً إذا صلاها على غير أمر الله ورسوله .وأما المعذور فهو معذور ، ولهذا أمره الشارع أن يصليها إذا زال عذره ، أما من ليس بمعذور فإنه لو بقي يصلي كل دهره فإنها لا تقبل منه هذه الصلاة التي أخرجها عن وقتها بلا عذر فعليه أن يتوب إلي الله ، ويستقيم ويكثر من العمل الصالح والاستغفار ومن تاب تاب الله عليه .
والحمد لله رب العالمين ، وصلي الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلي يوم الدين .

* * *

رسالة في مواقيت الصلاة
... أن الحمد لله ، نحمده ونستعينه ، ونستغفره ، ونتوب إليه ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ،وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمد عبده ورسوله . صلي الله عليه وسلم ، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليماً .
... أما بعد : فإن الله تعالى فرض على عباده خمس صلوات في اليوم والليلة موقتة بأوقات اقتضتها حكمة الله تعالي ليكون العبد على صلة بربه تعالي في هذه الصلوات مدة الأوقات كلها ، فهي للقلب بمنزلة الماء للشجرة تسقى به وقتاً فوقتاً لا دفعة واحدة ثم يقطع عنها .
... ومن الحكمة في تفريق هذه الصلوات في تلك الأوقات أن لا يحصل الملل والثقل على العبد إذا أداها كلها في وقت واحد ، فتبارك الله تعالي أحكم الحاكمين .
... وهذه رسالة موجزة نتكلم فيها على أوقات الصلوات في الفصول التالية :
الفصل الأول : في بيات المواقيت .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 21.

(12/193)


الفصل الثاني : في بيان وجوب فعل الصلاة في وقتها ، وحكم تقديمها في أوله أو تأخيرها عنه .
الفصل الثالث : فيما يدرك به الوقت وما يترتب على ذلك .
الفصل الرابع : في حكم الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما .
وقد مشينا فيها على ما تقضيه دلالة الكتاب والسنة ، وأسندنا المسائل إلي أدلتها ليكون المؤمن سائراً على بصيرة ويزداد ثقة و طمأنينة .
... والله المسئول المرجو الإجابة أن يثبتا على ذلك وأن يجعل فيه الخير والبركة للمسلمين ، أنه جواد كريم .

الفصل الأول
في بيان المواقيت
قال الله تعالى : (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ 44)(1) .
وقال تعالى: ( وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ) (89)(2).
فما من شئ يحتاج العباد في دينهم أو دنياهم إلي معرفة حكمه إلا بينه الله تعالى في كتابه أو سنة رسوله صلي الله عليه وسلم ، فإن السنة تبين القرآن وتفسره وتخصص عمومه وتقيد مطلقه ، كما أن القرآن يبين لعضه بعضاً ويفسره ويخص عمومه ويقيد مطلقه ، والكل عند الله تعالى ، كما قال النبي صلي الله عليه وسلم " ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه " (3) . رواه أحمد وأبو داود وسنده صحيح .
ومن أفراد هذه القاعدة الكلية العامة بيان أوقات الصلوات الخمس أوكد الأعمال البدنية فرضية وأحبها إلي الله عز وجل ، فقد بين الله تعالى هذه الأوقات في كتابه وسنة رسوله صلي الله عليه وسلم بياناً شافياً ولله الحمد .
__________
(1) سورة النحل ، الآية : 44
(2) سورة النحل ، الآية :89
(3) أخرجه الإمام أحمد 4/131 ، وأبو داود : كتاب السنة / باب في لزوم السنة (4604) .

(12/194)


أما في كتاب الله فقد قال الله تعالى : )أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً (78) (1) .
فأمر الله تعالى نبيه صلي الله عليه وسلم – والأمر له أمر لأمته معه – أن يقيم الصلاة لدلوك الشمس أي من زوالها عند منتصف النهار إلي غسق الليل وهو اشتداد ظلمته ، وذلك عند منتصفه ثم فصل فقال : (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ ) أي صلاة الفجر وعبر عنها بالقرآن لأنه يطول فيها .
واشتمل قوله تعالى :(لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ). أوقات صلوات أربع هي : الظهر والعصر ، وهما صلاتان نهاريتان في النصف الأخير من النهار .
والمغرب والعشاء ، وهما صلاتان ليليتان في النصف الأول من الليل .
... أما وقت الفجر ففصله : (وَقُرْآنَ الْفَجْرِ )وعلم تعيين الوقت من إضافته إلي الفجر وهو تبين ضوء الشمس في الأفق .
... وإنما جمع الله تعالى الأوقات الأربع دون فصل لأن أوقاتها متصل بعضها ببعض فلا يخرج وقت الصلاة منها إلا بدخول التالية ،
وفصل وقت الفجر لأنه لا يتصل بوقت قبله ولا بعده فإن بينه وبين وقت صلاة العشاء نصف الليل الأخير ، وبينه وبين صلاة الظهر نصف النهار الأول كما يتبين ذلك من السنة إن شاء الله تعالى .
... وأما في سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم ففي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل الرجل كطوله ما لن يحضر وقت العصر ، ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ،ووقت صلاة المغرب ما لم يغيب الشفق،ووقت العشاء إلي نصف الليل الأوسط،ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس "(2) وفي رواية : وقت العشاء إلي نصف الليل " ولم يقيده بالأوسط .
__________
(1) سورة الإسراء، الآية :78.
(2) تقدم تخريجه ص 208

(12/195)


وله من حديث أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه – عن الرسول صلي الله عليه وسلم أنه أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئاً قال : فأقام الفجر حين انشق الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضاً ثم أمره ( يعني أمر بلال كما في رواية النسائي) فأقام بالظهر حين زالت الشمس .
والقائل يقول : قد انتصف النهار وهو كان أعلم منهم ثم أمره فأقام بالعصر والشمس مرتفعة ثم أمره فأقام بالمغرب حين وقعت ( وفي رواية النسائي غربت ) ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق ، ثم الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول : طلعت الشمس أو كادت . ثم أخر الظهر حتى كان قريباً من وقت العصر بالأمس ، ثم أخر العصر حتى انصرف منها والقائل يقول : قد احمرت الشمس ثم أخر المغرب حتى سقوط الشفق ، ثم أخر العشاء حتى ثلث الليل الأول،ثم أصبح فدعا السائل فقال : " الوقت بين هذين " (1)
... فاتضح بهذه الآية الكريمة والسنة النبوية القولية والفعلية بيان أوقات الصلوات الخمس بياناً كافياً على النحو التالي :
وقت صلاة الظهر من زوال الشمس- وهو تجاوزها وسط السماء إلي أن يصير ظل كل شئ مثله ابتداء من الظل الذي زالت عليه الشمس .
وقت صلاة العصر من كون ظل الشيء مثله إلي أن تصفر الشمس أو تحمر .
ويمتد وقت الضرورة إلي الغروب لحديث إبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر "(2) .متفق عليه
وقت صلاة المغرب من غروب الشمس إلي مغيب الشفق وهو الحمرة .
وقت صلاة العشاء الآخرة من مغيب الشفق إلي نصف الليل .
__________
(1) أخرجه مسلم : كتاب المساجد /باب أوقات الصلوات الخمس .
(2) تقدم تخريجه ص 106 .

(12/196)


ولا يمتد وقتها ألي طلوع الفجر لنه خلاف ظاهر القرآن وصريح السنة حيث قال الله تعالي (أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ)(1)ولم يقل إلي طلوع الفجر . وصرحت السنة بأن وقت صلاة العشاء ينتهي بنصف الليل كما رأيت في حديث عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما .
وقت صلاة الفجر من طلوع الفجر الثاني- وهو البياض المعترض في الأفق الشرقي الذي ليس بعده ظلمة – إلي طلوع الشمس .
وهذه المواقيت المحددة إنما تكون في مكان يتخلله الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة سواء تساوى الليل والنهار أم زاد أحدهما على الآخر زيادة قليلة أو كثيرة .
أما المكان الذي لا يتخلله الليل والنهار في أربع وعشرون ساعة فلا يخلو : إما أن يكون ذلك مطرداً في سائر العام ، أو في أيام قليلة منه .
فإن كان في أيام قليلة منه مثل أن يكون المكان يتخلله الليل والنهار في أربع عشرون ساعة طيلة فصول السنة ، لكن في بعض الفصول يكون فيه أربعاً وعشرين ساعة أو أكثر والنهار كذلك ، ففي هذه الحالة إما أن يكون في الأفق ظاهرة حية يمكن بها تحديد الوقت كابتداء زيادة النور مثلاً أو انطماسه بالكلية ، فيعلق الحكم بتلك الظاهرة ، وإما أن لا يكون فيه ذلك فتقدر أوقات الصلاة بقدرها في آخر يوم قبل استمرار الليل في الأربع والعشرين ساعة أو النهار .
... فإذا قدرنا أن الليل كان قبل أن يستمر عشرين ساعة ، والنهار فيما بقي من الأربع والعشرين ، جعلنا الليل المستمر عشرين ساعة فقط .
والباقي نهاراً واتبعنا فيه ما سبق في تحدي أوقات الصلوات .
__________
(1) سورة الإسراء ، الآية 78.

(12/197)


... إما إذا كان المكان لا يتخلله الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة طيلة العام في الفصول كلها فإنه يحدد لأوقات الصلاة بقدرها لما رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان – رضي الله عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم ذكر الدجال الذي يكون في آخر الزمان فسألوه عن لبثه في الأرض فقال : " أربعون يوماً ،يوم كسنة ، ويوم كشهر ، ويوم كجمعة ، وسائر أيامه كأيامكم "
قالوا : يا رسول الله فذلك اليوم كسنة أتكفينا فيه صلاة يوم ؟
قال : " لا ، اقدروا له قدره " (1)
... فإذا ثبت أن المكان الذي لا يتخلله الليل والنهار يقدر له قدره فماذا نقدره ؟
... يري بعض العلماء ، أنه يقدر بالزمن المعتدل ، فيقدر الليل باثنتي عشرة ساعة وكذلك النهار ، لأنه لما تعذر اعتبار هذا المكان بنفسه اعتبر بالمكان المتوسط ، كالمستحاضة التي ليس لها عادة ولا تمييز .
ويري آخرون أنه يقدر بأقرب البلاد إلي هذا المكان مما يحدث فيه ليل ونهار في أثناء العام ، لأنه لما تعذر اعتباره بنفسه اعتبر بأقرب الأماكن شبهاً به وهو أقرب البلاد إليه التي يتخللها الليل والنهار في أربع وعشرين ساعة .
وهذا القول أرجح لأنه أقوى تعليلاً وأقرب إلي الواقع . والله أعلم .

الفصل الثاني
وجوب فعل الصلاة في وقتها وحكم تقديمها في أوله
أو تأخيرها عنه
... يجب فعل الصلاة جميعها في وقتها المحدد لها لقوله تعالى : (إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً) (:103) (2).أي فرضاً ذا وقت . ولقوله تعالي " ( أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُوداً) (78) .(3) . والأمر للوجوب .
__________
(1) أخرجه مسلم : كتاب الفتنه وأشراط الساعة /باب ذكر الدجال وصفته وما معه .
(2) سورة النساء ، الآية : 103
(3) سورة النساء ، الآية : 78.

(12/198)


... وعن عبد الله بن عمر- رضي الله عنهما – أن النبي صلي الله عليه وسلم ذكر يوماً فقال " من حافظ عليها كانت له نوراً وبرهاناً ونجاة يوم القيامة ، ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان و لا نجاة ،وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف "(1) . قال المنذري: رواه أحمد بإسناد جيد .
فلا يجوز للمسلم أن يقدم الصلاة كلها أو بعضها قبل دخول وقتها ، لأن ذلك من تعدي حدود الله تعالى والاستهزاء بآياته .
فإن فعل ذلك معذوراً بجهل أو نسيان أو غفلة فلا إثم عليه ، وله أجر ما عمل ، وتجب عليه الصلاة إذا دخل وقتها ، لأن دخول الوقت هو وقت الأمر فإذا أتى بها قبله لم تقبل منه ولن تبرأ بها ذمته لقول النبي صلي الله عليه وسلم " من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد " (2) . أي : مردود . رواه مسلم عن عائشة رضي الله عنها ، ولا يجوز للمسلم أن يؤخر الصلاة وقتها ، لأن ذلك من تعدي حدود الله تعالي والاستهزاء بآياته ، فإن فعل ذلك بدون عذر فهو آثم وصلاته مردودة غير مقبولة ولا مبرئه لذمته ، لحديث عائشة السابق ، وعليه أن يتوب إلي الله تعالى ويصلح عمله فيما استقبل من حياته .
وأن أخر الصلاة عن وقتها لعذر من نوم أو نسيان ، أوشغل ظن أن يبيح له تأخيرها عن وقتها فإنه يصليها متى زال ذلك العذر لحديث أنس بن مالك – رضي الله عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك " (3). وفي رواية : " من نسي صلاة أو نام عنها " .متفق عليه .
__________
(1) تقدم تحريجه ص 50 .
(2) تقدم تخريجه ص 21 .
(3) تقد تخريجه ص 16 .

(12/199)


وإذا تعددت الصلوات التي فاتته بعذر فإنه يصليها مرتبة من حين زوال عذره ولا يؤخرها إلي نظيرها من الأيام التالية لحديث جابر بن عبد الله – رضي الله عنهما – أن النبي صلي الله عليه وسلم في غزوة الخندق توضأ بعدما غربت الشمس فصلى العصر ثم صلى بعدها المغرب(1). متفق عليه .
... ... وعن أبي سعيد الخدري – رضي الله عنه – قال : حسبنا يوم الخندق عن الصلاة حتى كان بعد المغرب بهوي من الليل قال : فدعا رسول الله صلي الله عليه وسلم بلالاً فأقام الظهر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ثم أمره فأقام العصر فصلاها فأحسن صلاتها كما كان يصليها في وقتها ثم أمره فأقام الصلاة للمغرب فصلاها كذلك .(2) . رواه أحمد .
... ... وفي هذا الحديث دليل على أن الفائتة تصلى كما تصلى في الوقت ويؤيده حديث أبي قتادة – رضي الله عنه – في قصة نومهم مع النبي صلي الله عليه وسلم في سفر عن صلاة الفجر حتى طلعت الشمس قال : ثم أذن بلال بالصلاة فصلى رسول الله صلي الله عليه وسلم ركعتين ، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم (3).الحديث رواه مسلم . وعلى هذا فإذا صلى بالنهار صلاة فائتة من صلاة الليل جهر فيها بالقراءة ، وإذا صلى في الليل فائتة من صلاة النهار أسر فيها بالقراءة كما يدل على الأول حديث أبي قتادة ، وعلى الثاني حديث أبي سعيد.
وإذا صلى الفوائت غير مرتبة لعذر فلا حرج عليه ، فإذا جهل أن عليه صلاة فائتة فصلى ما بعدها ثم علم بالفائتة صلاها ولن يعد التي بعدها ، وإذا نسي الصلاة الفائتة فصلى ما بعدها ثم ذكر الفائتة صلاها ولم يعد التي بعدها لقوله تعالى : (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا )(4).
__________
(1) تقدم تخريجه ص 21 .
(2) أخرجه الإمام أحمد 3/25 .
(3) أخرجه مسلم : كتاب المساجد /باب قضاء الصلاة الفائتة …
(4) سورة البقرة ، الآية :286 .

(12/200)


قال أهل العلم : وإذا كان عليه فائتة فذكرها أوعلم بها عند خروج وقت الحاضرة صلى الحاضرة أولاً ، ثم صلى الفائتة لئلا يخرج وقت الحاضرة قبل أن يصليها فتكون الصلاتين كلتهما فائتتين .
... ... والأفضل تقديم الصلاة في أول وقتها ، لأن هذا هو فعل النبي صلي الله عليه وسلم وهو أسبق إلي الخير ، وأسرع في إبراء الذمة .
ففي صحيح البخاري عن أبي برزة الأسلمي- رضي الله عنه – أنه سئل كيف كان النبي صلي الله عليه وسلم يصلى المكتوبة ؟ قال : كان يصلى الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس . وفي رواية : إذا زالت الشمس ، ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلي رحله في أقصى المدينة والشمس حية .
ونسيت ما قال في المغرب – لكن روى مسلم من حديث سلمة بن الأكوع أن النبي صلي الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب (1)، ومن حديث رافع بن خديج : كنا نصلي المغرب مع رسول الله صلي الله عليه وسلم فينصرف أحدنا وأنه ليبصر مواقع نبله (2). وكان يستحب أن يؤخر من العشاء التي تدعونها العتمة وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه ويقرأ بالستين إلي المئة (3).
__________
(1) أخرجه البخاري :كتاب مواقيت الصلاة / باب وقت العصر ، ومسلم : كتاب المساجد /باب استحباب التبكير بالعصر .
(2) أخرجه مسلم : كتاب المساجد/باب بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس .
(3) أخرجه البخاري : كتاب مواقيت الصلاة /باب وقت المغرب، ومسلم : كتاب المساجد / باب بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس .

(12/201)


وله من حديث أنس : كان النبي صلي الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس مرتفعة حية فيذهب الذاهب إلي العوالي فيأتيهم والشمس مرتفعة وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه . زفي رواية : كنا نصلي العصر ثم يذهب الذاهب منا إلي قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة (1)ولهما من حديث جابر- رضي الله عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم يصلي صلاة العشاء أحياناً وأحياناً ، إذا رآهم اجتمعوا عجل ، وإذا رآهم أبطؤوا أخر ، والصبح كانوا أو كان النبي صلي الله عليه وسلم يصليها بغلس (2).
... وفي صحيح البخاري عن عائشة – رضي الله عنها – قالت : كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله صلي الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلي بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس (3) .
... وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال : مكثنا ذات ليلة ننتظر رسول الله صلي الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده فذكر الحديث وفيه : " ولولا أن يثقل على أنتي لصليت بهم هذه الساعة ، ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلي " (4).
وفي صحيح البخاري عن أبي ذر الغفاري – رضي الله عنه- قال كنا مع النبي صلي الله عليه وسلم في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر فقال النبي صلي الله عليه وسلم " أبرد " ثم أراد أن يؤذن فقال له " أبرد " حتى رأينا فيء التلول " . وفي رواية حتى ساوى الظل التلول . فقال النبي صلي الله عليه وسلم " إن شدة الحر من فيح جهنم ، فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة " (5).ففي هذه الأحاديث دليل على أن السنة المبادرة بالصلاة في أول وقتها سوى صلاتين :
__________
(1) أخرجه البخاري : كتاب مواقيت الصلاة / باب وقت العصر .
(2) تقدم تخريجه ص 190.
(3) أخرجه البخاري : كتاب مواقيت الصلاة / باب وقت الفجر .
(4) أخرجه مسلم : كتاب المساجد /باب وقت العشاء وتأخيرها .
(5) تقدم تخريجه ص 205 .

(12/202)


الأولى : صلاة الظهر في شدة الحر فتؤخر حتى يبرد الوقت وتمتد الأفياء .
الثانية : صلاة العشاء الآخرة فتؤخر إلي ما بعد ثلث الليل إلا أن يحصل في ذلك مشقة فيراعى حال المأمومين إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم أبطؤوا أخر .
الفصل الثالث
فيما يدرك به الوقت وما يترتب على ذلك

يدرك الوقت بإدراك ركعة ،بمعني أن الإنسان إذا أدرك من وقت الصلاة مقدار ركعة فقد أدرك تلك الصلاة لحديث أبي هريرة – رضي الله عنه –أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة " (1). متفق عليه وفي رواية : " من أدرك من الصبح ركعة قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ، ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر "(2) .
... وفي رواية البخاري : " إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته ، و إذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته " (3).فدلت هذه الروايات بمنطوقها على أن من أدرك ركعة من الوقت بسجدتيها فقد أدرك الوقت ، ودلت بمفهومها على أن من أدرك أقل من ركعة لم يكن مدركاً للوقت .
ويترتب على هذا الإدراك أمران :
أحدهما : إنه إذا أدرك من الصلاة ركعة في الوقت صارت الصلاة كلها أداء ، ولكن لا يعني ذلك أنه يجوز له أن يؤخر بعض الصلاة عن الوقت ، لأنه يجب فعل الصلاة جميعها في الوقت .
وفي صحيح مسلم عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقول:" تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقرها أربعاً لا يذكر فيها إلا قليلاً " (4) .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 147 .
(2) تقدم تخريجه ص 106 .
(3) أخرجه البخاري : كتاب مواقيت الصلاة /باب من أدرك ركعة من العصر قبل المغرب .
(4) أخرجه مسلم : كتاب المساجد /باب استحباب التبكير بالعصر

(12/203)


الأمر الثاني : إنه إذا أدرك من وقت الصلاة مقدار ركعة وجبت عليه سواء كان ذلك من أول الوقت أم من آخره .
مثال ذلك من أوله : أن تحيض امرأة بعد غروب الشمس بمقدار ركعة فأكثر ولم تصل المغرب ، فقد وجبت عليها صلاة المغرب حينئذ فيجب عليها قضاؤها إذا طهرت .
ومثال ذلك آخره : أن تطهر امرأة من الحيض قبل طلوع الشمس بمقدار ركعة فأكثر ، فتجب عليها صلاة الفجر .
فإذا حاضت بعد غروب الشمس بأقل من مقدار ركعة أو طهرت قبيل طلوع الشمس بأقل من ركعة لم تجب عليها صلاة المغرب في المسألة الأولي و لا صلاة الفجر في المسألة الثانية ،لأن الإدراك فيها أقل من مقدار ركعة .

الفصل الرابع
في حكم الجمع بين الصلاتين في وقت إحداهما

... سبق في الفصل الثاني بيان وجوب فعل كل صلاة في وقتها المحدد لها وهذا هو الأصل ، لكن إذا وجدت حالات تستدعي الجمع بين الصلاتين أبيح الجمع ، بل كان مطلوباً ومحبوباً ‘لي الله تعالى لموافقته لقاعدة الدين الإسلامي التي أشار الله تعالى إليها بقوله " ( يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ )(1) .
... وقوله (ِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ) (2) .
... وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة – رضي الله عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال " إن الدين يسر ولن يشاد أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا " (3) .
... وفي الصحيحين عن أبي موسى أن النبي صلي الله عليه وسلم قال حين بعثه ومعاذاً إلي اليمن : " يسرا ولا تعسرا ، وبشرا ولا تنفرا ، وتطاوعا ولا تختلفا " (4) .
__________
(1) سورة البقرة ، الآية : 185 .
(2) سورة الحج ، الآية : 78 .
(3) تقدم تخريجه ص 217 .
(4) أخرجه البخاري : كتاب المغازي /باب بعث أبي موسى ومعاذ إلي اليمن قبل حجة الوداع ، ومسلم : كتاب الجهاد والسير /باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير .

(12/204)


وفي رواية لمسلم عن أبي موسى – رضي الله عنه – قال : كان النبي صلي الله عليه وسلم إذا بعث أحداً من أصحابه في بعض أمره قال : " بشروا ولا تنفروا ويسروا ولا تعسروا " (1) .وفيهما عن أنس – رضي الله عنه – أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " يسروا ولا تعسروا وبشروا ( وفي رواية : سكنوا ) ولا تنفروا " (2) .
إذا تبين هذا فقد وردت السنة بالجمع بين الصلاتين : الظهر والعصر ، أو المغرب والعشاء في وقت إحداهما في عدة مواضع :
الأول : في السفر سائراً أو نازلاً :
ففي صحيح البخاري عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : كان النبي صلي الله عليه وسلم يجمع بين صلاة المغرب والعشاء في السفر (3) .
وفي صحيح مسلم عنه قال : كان النبي صلي الله عليه وسلم إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول العصر فيجمع بينهما (4).
... وفيه أيضاً عن ابن عباس – رضي الله عنهما – أن النبي صلي الله عليه وسلم جمع بين الصلاتين في سفرة سافرها في غزوة تبوك ، فجمع بين الظهر والعصر وبين المغرب والعشاء (5).
وفيه عن معاذ بن جبل – رضي الله عنه – قال : خرجنا مع رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك فكان يصلي الظهر والعصر جميعاً ، والمغرب والعشاء جميعاً (6) .
__________
(1) أخرجه مسلم : كتاب الجهاد والسير/ باب الأمر بالتيسير وترك التنفير .
(2) أخرجه البخاري : كتاب الأدب /باب قول النبي صلي الله عليه وسلم " يسروا ولا تعسروا " ، ومسلم : كتاب الجهاد والسير /باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير .
(3) أخرجه البخاري: كتاب التقصير الصلاة / باب الجمع في السفر بين المغرب والعشاء .
(4) أخرجه مسلم : كتاب صلاة المسافرين وقصرها / باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر .
(5) أخرجه مسلم : كتاب صلاة المسافرين / باب الجمع بين الصلاتين في الحضر .
(6) أخرجه مسلم : كتاب صلاة المسافرين / باب الجمع بين الصلاتين في الحضر .

(12/205)


وفي صحيح البخاري من حديث أبي جحيفة –رضي الله عنه – حين أتي النبي صلي الله عليه وسلم وهو في الأبطح بمكة في الهاجرة (أي وقت الظهر ) قال : فخرج بلال فنادى بالصلاة ، ثم دخل فأخرج فضل وضوء رسول الله صلي الله عليه وسلم فوقع الناس عليه يأخذون منه ، ثم دخل فأخرج العنزة وخرج النبي صلي الله عليه وسلم ( أي من قبة كان فيها أدم ) كأني أنظر إلي بياض ساقيه فركز العنزة ثم صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين .(1) .
وظاهر هذه الأحاديث أنه كان يجمع بين الصلاتين وهو نازل ، فإما أن يكون ذلك لبيان الجواز ، أو أن ثمة حاجة إلي الجمع ، لأن النبي صلي الله عليه وسلم لم يجمع في حجته حين كان نازلاً بمنى ، وعلى هذا فنقول : الأفضل للمسافر النازل أن لا يجمع ، وأن جمع فلا بأس إلا أن يكون في حاجة إلي الجمع إما لشدة تعبه ليستريح ، أو لمشقة طلب الماء عليه لكل وقت ونحو ذلك فإن الأفضل له الجمع واتباع الرخصة .
وأما المسافر السائر فلأفضل له الجمع بين الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء – حسب الأيسر له – إما جمع تقديم يقد الثانية في وقت الأولي ، وإما جمع تأخير يؤخر الأولي إلي وقت الثانية .
ففي الصحيحين عن أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال: كان رسول الله صلي الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس – أي تزول – أخر الظهر إلي وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما ، فإذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل
صلى الظهر ثم ركب (2) .
__________
(1) أخرجه البخاري : كتاب الوضوء / باب استعمال فضل وضوء الناس .
(2) أخرجه البخاري : كتاب تقصير الصلاة / باب يؤخر الظهر إلي العصر ، ومسلم : كتاب صلاة المسافرين / باب جواز الجمع بين الصلاتين في السفر .

(12/206)


... ... وذكر في فتح الباري أن إسحاق بن راهويه روى هذا الحديث عن شبابة فقال : كان إذا في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعاً ثم ارتحل . قال : وأعل بتفرد إسحاق به شبابة ، ثم تفرد جعفر الغريابي به عن إسحاق قال : وليس ذلك بقادح فإنهما إمامان حافظان (1) .
الثاني : عند الحاجة إلي الجمع بحيث يكون في تركه حرج ومشقة سواء كان ذلك في الحضر أم في السفر .
لما رواه مسلم عن ابن عباس – رضي الله عنهما- أن النبي صلي الله عليه وسلم جمع بين الظهر والعصر ، والمغرب والعشاء بالمدينة في غير خوف ولا مطر فقيل لم فعل ذلك ؟ قال : " كي لا يحرج أمته " (2) .
وروي عن معاذ بن جبل – رضي الله عنه – قال : جمع رسول الله صلي الله عليه وسلم في غزوة تبوك بن الظهر والعصر ، وبين المغرب والعشاء ، فقيل ما حمله على ذلك ؟ قال : " أراد أن لا يحرج أمته " (3) .
ففي هذين الحديثين دليل على أنه كلما دعت الحاجة إلي لجمع بين الصلاتين وكان في تركه حرج ومشقة فهو جائز سواء كان ذلك في حضر أو في سفر .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية : " فالأحاديث كلها تدل على أنه جمع في الوقت الواحد لرفع الحرج عن أمته ، فيباح الجمع إذا كان في تركه حرج قد رفعه الله عن الأمة ، وذلك يدل على الجمع للمرض الذي يحرج صاحبه بتفريق الصلاة بطريق الأولى والأحرى ، ويجمع من لا يمكنه إكمال الطهارة في الوقتين إلا بحرج كالمستحاضة و أمثال ذلك من الصور" اهـ . ونقل في الإنصاف عنه أي عن شيخ الإسلام ابن تيمية جواز الجمع لتحصيل الجماعة إذا كانت لا تحصل له لو صلى في الوقت ، قلت : ودليل ذلك ظاهر من حديث ابن عباس حيث دل على جواز الجمع للمطر وما ذلك إلا لتحصيل الجماعة لأنه يمكن لكل واحد أن يصلي في الوقت منفرداً ويسلم من مشقة المطر بدون جمع .
__________
(1) فتح الباري 2/679 .
(2) تقدم تخريجه ص 34 .
(3) أخرجه الإمام أحمد في " المسند " 5/ 237، وأبو داود : كتاب الصلاة / باب الجمع بين الصلاتين .

(12/207)


الموضوع الثالث : الجمع في عرفة ومزدلفة أيام الحج :
ففي صحيح مسلم من حديث جابر –رضي الله عنه – في صفة حج النبي صلي الله عليه وسلم قال : فأجاز رسول الله صلي الله عليه وسلم حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتي بطن الوادي فخطب الناس ، قال : ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً (1) .
وفي الصحيحين من حديث أسامة بن زيد وكان رديف النبي صلي الله عليه وسلم من عرفة إلي المزدلفة قال : فنزل الشعب فبال ثم توضأ ولم يسبغ الوضوء فقلت له : الصلاة أمامك " فركب فلما جاء
المزدلفة نزل فتوضأ ، فأسبغ الوضوء ، ثم أقيمت الصلاة فصلى المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما شيئاً (2) .
وفي حديث جابر الذي رواه مسلم أنه صلى في المزدلفة المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين (3).
ففي هذين الحديثين أن النبي صلي الله عليه وسلم جمع في عرفة بين الظهر والعصر جمع تقديم ، وجمع في مزدلفة بين المغرب والعشاء جمع تأخير . وإنما أفردنا ذكرهما لأن العلماء اختلفوا في علة الجمع فيهما : فقيل : السفر وفيه نظر ، لان النبي صلي الله عليه وسلم لم يجمع في منى قبل عرفة ولا حين رجع منها .
__________
(1) أخرجه مسلم : كتاب الحج /باب حجة النبي صلي الله عليه وسلم
(2) أخرجه البخاري : كتاب الوضوء / باب الجمع بين الصلاتين بمزدلفة ، ومسلم : كتاب الحج /باب الإفاضة من عرفات إلي المزدلفة.
(3) تقدم تخريجه ص 161 .

(12/208)


وقيل: النسك ، وفيه أيضاً إذ لو كان كذلك لجمع النبي صلي الله عليه وسلم من حين أحرم ، وقيل : المصلحة والحاجة وهو الأقرب فجمع عرفة لمصلحة طول زمن الوقوف والدعاء ،و لأن الناس يتفرقون في الموقف فإن اجتمعوا للصلاة شق عليهم ، وإن صلوا متفرقين فاتت مصلحة كثرة الجمع . أما في مزدلفة فهم أحوج إلي الجمع ، لأن الناس يدفعون من عرفة بعد الغروب فلو حبسوا لصلاة المغرب فيها لصلوها من غير خشوع ولو أوقفوا لصلاتها في الطريق لكان ذلك أشق فكانت الحاجة داعية إلي تأخير المغرب لتجمع مع العشاء هناك .
وهذا عين الصواب والمصلحة لجمعه بين المحافظة على الخشوع في الصلاة ومراعاة أحوال العباد . ...
... فسبحان الحكيم الرحيم ، و نسأله تعالى أن يهب لنا من لدنه رحمة وحكمة إنه هو الوهاب ،والحمد لله رب العالمين الذي بنعمته تتم الصالحات ، وصلى الله على نبينا محمد خير المخلوقات ، وعلى آله و أصحابه والتابعين لهم بإحسان مدى الأوقات .

فصل
قال فضيلة الشيخ – جزاه الله عن الإسلام والمسلمين خيراً :
من أهم شروط الصلاة الطهارة من الحدث والنجس وقد ذكرها الله تعالى في قوله : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْه)(1).
__________
(1) سورة المائدة ، الآية :6 .

(12/209)


فالوضوء تطهير الأعضاء الأربعة : غسل الوجه ومنه المضمضة والاستنشاق ، غسل اليدين إلي المرفقين ، مسح الرأس ومنه الأذنان ، وغسل الرجلين إلي الكعبين ، هذا الوضوء وهذا هو الواجب فيه ، أما الأكمل فهو أن تسمي الله ، والتسمية على الوضوء سنة إن فعلها الإنسان فهو أكمل وأفضل ، وإن تركها فوضوءه صحيح لاسيما إذا كان ناسياً ، ثم اغسل كفيك ثلاث مرات، ثم تمضمض واستنشق ثلاث مرات بثلاث غرفات ، أو بست غرفات يكون المضمضة ثلاثة غرفات والاستنشاق ثلاث غرفات ، ثم اغسل وجهك طولاً من منابت الشعر إلي أسفل اللحية ، وما استرسل من اللحية فإنه داخل غسل الوجه ،ومن الأذن إلي الأذن عرضاً ، يجب عليك أن تغسل كل ذلك لأنه داخل في الوجه ، ويجب عليك بعد هذا أن تغسل اليدين من أطراف الأصابع إلي المرفقين ، والمرفقان داخلان في الغسل فيجب عليك أن تغسل المرفقين حتى تشرع في العضدين ، لأن أبا هريرة رضي الله عنه توضأ حتى أشرع في العضد ، وقال رأيت النبي صلي الله عليه وسلم يتوضأ .

(12/210)


... ثم تمسح رأسك بيديك ابتداء من المقدم إلي أن تصل إلي المؤخرة ثم ترجع إلي المقدم مرة ثانية ، ثم تمسح الأذنين تدخل السبابتين في صماخي الأذنين وتمسح بإبهاميهما ظاهر الأذنين ، والأفضل ألا تأخذ للأذنين ماءً جديداً لأن الرسول صلي الله عليه وسلم لم يثبت عنه أنه أخذ ماءً جديداً للأذنين وقد قال صلي الله عليه وسلم " الأذنان من الرأس " (1) .، ثم بعد ذلك تغسل الرجلين إلي الكعبين والكعبان داخلان في الغسل ، والسنة أن تثلث في غسل الكفين وغسل الوجه والمضمضة والاستنشاق وفي غسل اليدين إلي المرفقين ، وفي غسل الرجلين إلي الكعبين ، أما الرأس فلا ينبغي أن تثلث فيه لأن الرسول صلي الله عليه وسلم لم يثلث في الرأس ، وإذا كان الإنسان لابساً الشراب أو الكنادر فإنه إذا لبسهما على طهارة يمسح عليهما بدلاً عن غسل الرجلين ثلاث ليال بلياليها إن كان مسافراً ، ويوماً وليلة إن كان مقيماً ، والمسح يكون من أطراف الأصابع إلي الساق ، بشرط ألا يكون عليه جنابة فإن كان عليه جنابة فلابد أن يخلعهما ويغسل رجليه كما يغسل سائر جسده ، واعلم أن ابتداء المدة من أول مسحة يمسحها الإنسان بعد الحدث ، وليس من اللبس ، ولا من الحدث بعد اللبس ، فإذا تطهر ولبس خفيه لصلاة الفجر وأحدث في الضحى ولم يمسحهما إلا لصلاة الظهر فإن ابتداء المدة يكون من مسحهما لصلاة الظهر ، لأن النبي صلي الله عليه وسلم يقول : " يمسح المقيم " ، ويكون المسح إلا بتحققه فعلاً ،وكذلك إذا كان في الإنسان جرح أو كسر ووضع عليه خرقة بقدر الحاجة فإنه يمسحها بدلاً عن الغسل سواء كان في الجنابة أو الحدث الأصغر ، ولا يشترط أن يلبسها على طهارة بخلاف الخف فإنه
__________
(1) أخرجه أبو داود : كتاب الطهارة /باب صفة وضوء النبي صلي الله عليه وسلم (134) ، والترمذي : أبواب الطهارة/باب ما جاء أن الأذنين من الرأس (37) ، وأبن ماجة : كتاب الطهارة /باب الأذنان من الرأس (443) من حديث أبي أمامة .

(12/211)


لابد أن يلبسه على طهارة وذلك لأن الحديث الوارد عن الرسول صلي الله عليه وسلم ي الجبيرة ليس فيه اشتراط أن يلبسها على طهارة ، ويمسح الجبيرة مادامت عليه ، ولا يحتاج إذا مسح عليها أن يتيمم معها ، وذلك لأن المسح قائم مقام الغسل عند الضرورة ، وفي آخر الآية الكريمة ذكر الله تعالي أن الإنسان إن كان مريضاً يعني مرضاً يضره معه استعمال الماء ، أو كان مسافراً يعني يثقله حمل الماء فإنه في هذه الحال يتيمم ، والتيمم هو ضرب الأرض باليدين ثم مسح الوجه والكفين بعضهما ببعض ، ويسمى عند العامة العفور لأن الإنسان يعفر وجهه بالتراب تعبداً لله عز وجل ، واعلم أيها الأخ المسلم أن التيمم ينوب مناب الماء عند عدمه ، وأنه مطهر طهارة كاملة حتى يجد الإنسان الماء ،لأن النبي صلي الله عليه وسلم يقول " جعلت لي الأرض مسجداً وطهوراً "(1) .والطهور ما يتطهر به وكذلك قال الله تعالى لما ذكر التيمم قال "(مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ ) (2) فإذا تيممت لصلاة الفجر مثلاً وبقيت طهارتك إلي صلاة الظهر فإنك تصلي الظهر فإنك تصلى الظهر بتيمم الفجر و لا حرج عليك في ذلك ما دمت لم تنقض طهارتك وكذلك إذا تيممت لصلاة الظهر فلك أن تصلى العصر بذلك التيمم مادامت طهارتك باقية ، لأن الله تعالى جعل التيمم مطهراً ، فإذا كان مطهراً فإنه رافع الحدث ، ولكن رفعه للحدث مؤقت بزوال موجبه وهو فقد الماء أو المرض ، فإذا وجد الإنسان الماء وجب عليه أن يستعمل الماء وإذا برئ من المرض وجب عليه استعمال الماء ، وإذا قدر أن رجلاً كان مسافراً وأصابته جنابة وليس معه ماء فإنه يتيمم عن الجنابة ويصلى ولا يعيد التيمم عن الجنابة مرة ثانية عند الصلاة الثانية أو الثالثة لأن تيممه الول عن الجنابة رفع الجنابة ، ولكن يتيمم إن طرأ عليه حدث أصغر ، يتيمم للحدث
__________
(1) تقدم تخريجه ص 95 .
(2) سورة المائدة ، الآية : 6.

(12/212)


الأصغر ، ثم إذا وجد الماء أو وصل إليه في البلد وجب عليه أن يغتسل من الجنابة التي أصابته في السفر ويتيمم لها لقول النبي صلي الله عليه وسلم : " الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين ، فإذا وجده فليتق الله وليمسه بشرته "(1) .هذه هي الطهارة من الأحداث وهي شرط للصلاة لا تصح إلا بها ، فلو صلى المحدث بغير وضوء ناسياً أو صلى من عليه جنابة بغير غسل ناسياً وجب عليه إعادة الصلاة لأن شرط لا يسقط بالنسيان .

---

مجموع فتاوى و رسائل - المجلد الثاني عشر
محمد بن صالح العثيمين

ستر العورة

167) ... سئل فضيلة الشيخ : عن حكم الصلاة بالثياب البيضاء الشفافة وتحتها سراويل قصيرة لا تواري إلا الجزء اليسير من الفخذ والبشرة ظاهرة منها بوضوح تام ؟
فأجاب بقوله : إذا لبس المرء سروالاً قصيراً لا يغطي ما بين السرة والركبة ، ولبس فوقه ثوباً شفافاً فإنه في الحقيقة لم يستر عورته ، لأن الستر لابد فيه التغطية ، بحيث لا يتبين لون الجلد من وراء الساتر ، وقد قال الله تعالى : (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ )(2) .وقال صلي الله عليه وسلم الله عليه وسلم الله عليه وسلم الله عليه وسلم الله عليه وسلم في الثوب" إن كان ضيقاً فأتزر به وإن كان واسعاً فالتحف به " (3) .
وأجمع العلماء على أن من صلى عرياناً وهو يقدر على ستر عورته فإن صلاته لا تصح .
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 5/146-147و155و180، وأبو داود : كتاب الطهارة /باب الجنب يتيمم (332و33) ، الترمذي : كتاب الطهارة /باب ما جاء في التيمم للجنب إذا لم يجد الماء (124) ، والنسائي : كتاب الطهارة /باب الصلوات بتيمم واحد (321) ، وقال الترمذي : هذا حديث حسن صحيح .
(2) سورة الأعراف ، الآية : 31 .
(3) أخرجه البخاري : كتاب الصلاة في الثياب /باب إذا كان الثوب ضيقاً ، ومسلم : كتاب الزهد والرقائق/باب حديث جابر الطويل

(12/213)


وعلى هؤلاء الذين أنعم الله عليهم بهذه الملابس أن يلبسوا سروالاً يستر ما بين السرة والركبة ، أو يلبسوا ثوباً صفيقاً لا يشف عن العورة لكي يقوموا بأمر الله تعالى : ((يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) .

* * *
168) ... سئل فضيلته : عن حكم الصلاة في الثياب الشفافة ؟
فأجاب بقوله : الجواب على هذا السؤال وهو ما يفعله بعض الناس أثناء الصيف من لبس الثياب الخفيفة وتحتها سراويل قصيرة لا
تصل إلي الركبة ، أن هذا حرام ، ولا تجوز الصلاة به ، لأن من شرط صحة الصلاة أن يستر الإنسان ما بين سرته وركبته ، فإذا كان السروال قصيراً لا يستر ما بين السرة والركبة ، والثوب خفيفاً يتبين لون البشرة من ورائه ، فإنه حينئذ لا يكون ساتراً لعورته التي يجب سترها ، فإنه لو صلى مهما صلى تكون صلاته باطلة ، وعلى هذا فعلى إخواننا إما أن يغيروا السروال إلي سروال طويل يستر ما بين السرة والركبة ، أو يلبسوا ثياباً صفيقة لا تشف عن البشرة ، والله الموفق .
* * *
169 ... سئل فضيلة الشيخ : كثير من الناس يصلون بثياب خفيفة تصف البشرة ويلبسون تحت هذه الثياب سراويل قصيرة لا تتجاوز منتصف الفخد فيشاهد منتصف الفخذ من وراء الثوب ، فما حكم صلاة هؤلاء ؟

(12/214)


فأجاب فضيلته بقوله: حكم صلاة هؤلاء حكم من صلى بغير ثوب سوى السراويل القصيرة ، لأن الثياب الشفافة التي تصف البشرة غير ساترة ووجودها كعدمها ، وبناء على ذلك فإن صلاتهم غير صحيحة على أصح قولي العلماء وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد – رحمه الله - وذلك لأنه يجب على المصلي من الرجال أن يستر ما بين السرة والركبة وهذا أدنى ما يحصل به امتثال قول الله –عز وجل -: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) (1). فالواجب عليهم أحد أمرين : إما أن يلبسوا سراويل تستر ما بين السرة والركبة ، وإما أن يلبسوا فوق هذه السراويل القصيرة ثوباً صفيقاً لا يصف البشرة .وهذا الفعل الذي ذكر في السؤال خطأ وخطير فعليهم أن يتوبوا إلي الله تعالى منه ، وأن يحرصوا على إكمال ستر ما يجب ستره في صلاتهم . نسأل الله تعالى لنا ولإخواننا المسلمين الهداية والتوفيق لما يحبه ويرضاه إنه جواد كريم . حرر في 5 رمضان 1408 هـ .
* * *
170) وسئل فضيلة الشيخ :- حفظه الله تعالى – هل الفخذ عورة ؟
__________
(1) سورة الأعراف ، الآية :31 .

(12/215)


فأجاب بقوله : هذه المسألة مختلف فيها :فمن أهل العلم من يرى أن الفخذ ليس بعورة بالنسبة للرجل ، وأنه لا يجب على الرجل ستره وظاهر كلامهم الإطلاق في الصلاة وغيرها ، ومنهم من يرى أن الفخذ عورة في الصلاة وغير الصلاة ، والأحاديث في ذلك : إما صحيحة غير صريحة ، وإما صريحة غير صحيحة ، ولذلك قال البخاري رحمه الله : إن حديث أنس يعني انكشاف فخد النبي صلي الله عليه وسلم الله عليه الصلاة والسلام وسلم الله عليه الصلاة والسلام الصلاة والسلام وسلم الله عليه الصلاة والسلام الصلاة والسلام الصلاة والسلام وسلم الله عليه الصلاة والسلام الصلاة والسلام الصلاة والسلام الصلاة والسلام وسلم الله وسلم أسند وحديث جرهد أحوط (1) . فكأن البخاري رحمه الله يقول الأحاديث الصحيحة تدل على أن الفخذ ليس بعورة ، لأنه بدا من النبي صلي الله عليه وسلم الله ، والنبي صلي الله عليه وسلم أشد الناس حياءً ، ولو كان الفخذ عورة ما كشفه الرسول عليه الصلاة والسلام ، لكن في حديث علي بن أبي طالب قول النبي صلي الله عليه وسلم : " إن الفخذ عورة " (2) . وقوله :"لا تكشف فخدك ولا تنظر إلي فخذ حي ولا ميت"(3). ولكن هذه الأحاديث ضعيفة والذي يظهر لي أن الفخذ
ليس بعورة إلا إذا خيف من بروزه فتنة فإنه يجب ستره كأفخاذ الشباب .
* * *
171 ... وسئل فضيلة الشيخ :- حفظه الله تعالى – بعض الناس يقول : إن الصلاة في الفنيلة العلاقية لا تجوز فهل هذا صحيح ؟
__________
(1) أخرجه البخاري : كتاب الصلاة في الثياب / باب ما يذكر في الفخذ .
(2) أخرجه الإمام أحمد 3/478 و 479 ، وأبو داود : كتاب الحمام/ باب النهي عن التعري (4014) ، والترمذي: كتاب الأدب /باب ما جاء أن الفخذ عورة (2795)
(3) أخرجه أبو داود : كتاب الحمام /باب النهي عن التعري (4015) ، وأبن ماجه: كتاب =

(12/216)


فأجاب قائلاً : هذا ليس صحيح ، لأن عورة الرجل ما بين سرته وركبته في الصلاة ، فصدره وظهره وكتفه ليس من العورة ، وقد صح عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه صلى ووضع رداءه على المشجب وصلى بإزار ، وأنكر عليه بعض الناس لم فعلت هذا ؟ قال : " فعلته ليراه أحمق مثلك " (1) وهذا دليل على أن مثل هذا جائز ، لكن الأفضل أن يستر منكبيه لقول النبي صلي الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة : " لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء " (2) . فهذا أفضل ، أما أنها لا تصح الصلاة فليس بصحيح .
وكلمة " شيء " في الحديث نكرة في سياق النفي فتعم الشيء ولو كان يسيراً .
* * *
172 ... وسئل فضيلته: عن عورة المرأة أمام المرأة ؟
فأجاب بقوله : لا أعلم في عورة المرأة أمام المرأة تفصيلاً ،وظاهر القرآن أنها تبدي للمرأة ما تبديه لمحارمها ، وذكر فقهاؤنا رحمهم الله أنه يجوز للمرأة أن تنظر من المرأة جميع بدنها إلا ما بين السرة والركبة ودليلهم في ذلك ما رواه مسلم عن حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال:" لا ينظر الرجل إلي عورة الرجل ، ولا تنظر المرأة إلي عورة المرأة " (3) .
* * *
173 ... وسئل فضيلة الشيخ :- أعلى الله درجته – ما قولكم في حدود عورة المرأة مع المرأة ؟
__________
(1) لجنائز /باب في غسل الميت (1460) ، والحاكم 4/200 وسكت عنه ، قال أبو داود : فيه نكارة ، وأعله الحافظ في التلخيص بالانقطاع ص 438 .
(1) أخرجه الإمام أحمد 3/335 .
(2) أخرجه البخاري : كتاب الصلاة /باب إذا صلى بالثوب الواحد فليجعل على عاتقيه ، ومسلم : كتاب الصلاة /باب الصلاة في الثوب الواحد وصفة لبسه .
(3) أخرجه مسلم : كتاب الحيض /باب تحريم النظر إلي العورات .

(12/217)


فأجاب بقوله : عورة المرأة مع المرأة ، كعورة الرجل مع الرجل أي ما بين السرة والركبة ، ولكن هذا لا يعني أن النساء يلبسن أمام النساء ثياباً قصيرة لا تستر إلا ما بين السرة والركبة فإن هذا لا يقله أحد من أهل العلم ، ولكن معنى ذلك أن المرأة إذا كان عليها ثياب واسعة فضفاضة طويلة ثم حصل لها أن خرج شيء من ساقها أو من نحرها أو ما أشبه ذلك أمام الأخرى فإن هذا ليس فيه أثم ، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن لباس النساء في عهد النبي صلي الله عليه وسلم الله عليه وسلم كان ساتراً من الكف (كف اليد) إلي كعب الرجل ، ومن المعلوم أنه لو فتح للنساء الباب في تقصير الثياب للزم من ذلك محاذير متعددة ، وتدهور الوضع إلي أن تقوم النساء بلباس بعيد عن اللباس الإسلامي شبيه بلباس الكفار .
* * *
174 ... وسئل فضيلة الشيخ :- حفظه الله تعالى – : عن حكم لبس المرأة الثوب القصير أمام النساء؟ وعن حدود عورة المرأة عند المرأة ؟
... فأجاب قائلاً : لا يجوز للمرأة أن تلبس ثوباً قصيراً ، اللهم إلا إذا كانت في بيتها وليس في بيتها سوى زوجها ، وأما مع الناس فلا يحل لها أن تلبس الثوب القصير أ أو الضيق ، أو الشفاف الذي يصف ما وراءه ، لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال :" صنفان من أهل النار لم أرهما " وذكر : "نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها " (1) .فإذا كانت المرأة تلبس القصير ، أو الضيق ، أو الشفاف الذي ترى من ورائه البشرة فهي في الحقيقة كاسية عارية ، كاسية من حيث أن عليها كسوة ، وعارية من حيث أن الكسوة لم تفدها شيئاً .
__________
(1) أخرجه مسلم : كتاب اللباس والزينة /باب النساء الكاسيات العاريات .

(12/218)


... وحدود عورة المرأة عند المرأة ما بين السرة والركبة ، فالساق والنحر والرقبة ليس بعورة بالنسبة لنظر المرأة للمرأة ، ولكن لا يعني ذلك أننا نجوز للمرأة أن تلبس ثياباً لا تستر إلا ما بين السرة والركبة، ولكن فيما لو أن امرأة خرج ساقها لسبب وأختها تنظر إليها وعليها ثوب سابغ ، أو خرج شيء من رقبتها أو من نحرها و أختها تنظر فلا بأس بذلك ، فيجب أن نعرف الفرق بين العورة وبين اللباس ، اللباس لابد أن يكون سابغاً بالنسبة للمرأة ، أما العورة للمرأة مع المرأة فهي ما بين السرة والركبة .
* * *
175 ... وسئل فضيلة الشيخ :- عن حكم كشف عورة المرأة للرجل عند الحاجة لذلك حال العلاج ، وكذلك عورة الرجل للمرأة ؟ وإذا كان لا يوجد إلا طبيبة نصرانية وطبيب مسلم ؟
... فأجاب بقوله : كشف عورة الرجل للمرأة والمرأة للرجل عند الحاجة لذلك حال العلاج لا بأس به بشرطين :
الشرط الأول : أن تؤمن الفتنة .
الشرط الثاني : أن لا يكون هناك خلوة .
والطبيبة النصرانية المأمونة أولي في علاج المرأة من الرجل المسلم ، لأنها من جنسها بخلاف الرجل . والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين .
* * *
176 ... وسئل فضيلة الشيخ :- رعاه الله تعالى – هل صوت المرأة عورة ؟
... فأحاب قائلاً : من تأمل نصوص الكتاب والسنة وجدها تدل على أن صوت المرأة ليس بعورة ، بل بعضها على ذلك بأدنى نظر :
فمن ذلك قوله تعالى يخاطب نساء النبي صلي الله عليه وسلم :(فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَعْرُوفاً) (1) . فإن النهي عن الخضوع بالقول ، وإباحة القول المعروف يدل على أن صوتها ليس بعورة إذ لو كان عورة لكان مطلق القول منها منكراً ، ولم يكن منها قول معروف ، ولكان تخصيص النهي بالخضوع عديم الفائدة .
__________
(1) سورة الأحزاب ، الآية :32 .

(12/219)


وأما السنة فالأدلة على ذلك كثيرة ، فالنساء اللاتي يأتين إلي النبي صلي الله عليه وسلم يخاطبنه بحضور الرجال ولا ينهاهن ، ولا يأمر الرجال بالقيام ولو كان الصوت عورة لكان سماعه منكراً ووجب أحد الأمرين ، لأن النبي صلي الله عليه وسلم لا يقر منكر .
... وقد صرح فقهاؤنا الحنابلة بأن صوت المرأة ليس بعورة ، انظر شرح المنتهى 3/11 وشرح الإقناع 3/8 ط مقبل . وغاية المنتهى 3/8 والفروع 5/157 .
... وأما قول النبي صلي الله عليه وسلم : " إذا نابكم شيء في الصلاة فليسبح الرجال وليصفق النساء " (1) . فهذا مقيد في الصلاة ، وظاهر الحديث أنه لا فرق بين أن تكون مع الرجال أو في بيت لا يحضرها إلا النساء أو محارم ، والعلم عند الله تعالى .
* * *
177 ... وسئل فضيلة الشيخ :- أعلى الله درجته – : عن عورة المرأة مع المرأة ؟
فأجاب بقوله : عورة المرأة مع المرأة ما بين السرة والركبة ، لأن هذا هو الموضع الذي نهى رسول الله صلي الله عليه وسلم عن النظر إليه ، ففي صحيح مسلم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " لا ينظر الرجل إلي عورة الرجل ، ولا المرأة إلي عورة المرأة " (2) ، ولكن يجب أن نعرف أن النظر شيء وأن اللباس شيء .
فأما النظر فقد علم حكمه من هذا الحديث أنه لا يجوز النظر للعورة .
__________
(1) أخرجه البخاري : كتاب الأحكام /باب الإمام يأتي قوماً فيصلح بينهم .
(2) تقدم تخريجه ص 267 .

(12/220)


وأما اللباس فلا يجوز للمرأة أن تلبس لباساً لا يستر إلا العورة وهي ما بين السرة والركبة ، ولا أظن أحداً يبيح للمرأة أن تخرج إلي النساء كاشفة صدرها وبطنها فوق السرة وساقها . قال شيخ الإسلام ابن تيمية 22/146 مجموع الفتاوى حين الكلام على قول النبي صلي الله عليه وسلم كاسيات عاريات : بأن تكتسي ما لا يسترها فهي كاسية وهي في الحقيقة عارية ، مثل من تكتسي الثوب الرقيق الذي يصف بشرتها ، أو الثوب الضيق الذي يبدي تقاطيع خلقها مثل عجيزتها وساعدها ونحو ذلك ، وإنما كسوة المرأة ما يسترها ولا يبدي جسمها و لا حجم أعضائها لكونه كثيفاً واسعاً . اهـ .
... وعلى هذا ففائدة الحديث أنه لو كانت المرأة تعمل في بيتها ، أو ترضع ولدها ونحو ذلك فظهر ثديها ، أو شيء من ذراعها ، أو عضدها أو أعلي صدرها فلا بأس بذلك ، ولا يمكن أن يراد به أن تلبس عند النساء لباساً يستر العورة فقط ، وليست العلة في منع اللباس القصير هي التشبه ، وإنما العلة الفتنة ولهذا لو لبست ثوباً لا يلبسه إلا الكافرات كان حراماً وإن كان ساتراً .
... وإذا قيل تشبه بالكفار فلا يعني ذلك أن لا نستعمل شيئاً من صنائعهم فإن ذلك لا يقوله أحد ، وقد كان الناس في عهد النبي صلي الله عليه وسلم وبعده يلبسون ما يصنعه الكفار من اللباس ، ويستعملون ما يصنعونه من الأواني .
والتشبه بالكفار هو التشبه بلباسهم ، وحلاهم ، وعاداتهم الخاصة ، وليس معناه أن لا نركب ما يركبون ، أو لا نلبس ما يلبسون ، لكن إذا كانوا يركبون على صفة معينة خاصة بهم فلا نركب على هذه الصفة ، وإذا كانوا يفصلون الثياب على صفة معينة خاصة بهم فلا نفصل على هذا التفصيل ، وإن كنا نركب مثل السيارة التي يركبونها ، ونفصل من نوع النسيج الذي يفصلون منه . حرر في 25/2/1409 هـ .
* * *

(12/221)


178 ... وسئل فضيلة الشيخ :- عن حكم لبس المرأة اللباس الذي فيه فتحات أمامية وجانبية وخلفية مما يكشف عن جزء من الساق ، وحجة هؤلاء أنهن بين النساء فقط ؟
فأجاب قائلاً : الذي أري أن المرأة يجب أن تستتر بلباس ساتر ، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن النساء في عهد النبي صلي الله عليه وسلم كن يلبسن القمص اللاتي تصل إلي الكعبين في القدمين ، وإلي الكفين في اليدين ، ولا شك أن الفتحات التي أشار إليها السائل تبدي الساق وربما يتطور الأمر حتى يبدو ما فوق الساق ، والواجب على المرأة تحتشم وأن تلبس كل ما يكون أقرب إلي سترها لئلا تدخل في قول النبي صلي الله عليه وسلم " صنفان من أهل النار لم أرهما ، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ، و لا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا " (1) .
* * *
179 ... وسئل عن حكم لبس القصير مما يسمح بظهور جزء من الساق فهو أعلى من الكعبين ؟
فأجاب فضيلته بقوله : هذا السؤال يفهم جوابه مما سبق و أن المرأة كلما كان عليها ثوب ضاف فهو أستر لها وأقرب إلي الحشمة وأبعد من الفتنة .
* * *
180 ... وسئل فضيلته : عن حكم لبس المرأة الملابس الضيقة فعند النساء وعند المحارم ؟
__________
(1) تقدم تخريجه ص 268 .

(12/222)


... فأجاب فضيلته قائلاً : لبس الملابس الضيقة التي تبين مفاتن المرأة وتبرز ما فيه الفتنة محرم ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( ( صنفان من أهل النار لم أرهما ، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس – يعني ظلماً وعدواناً – ونساء كاسيات عاريات ) ) بأنهن يلبسن ألبسة قصيرة لا تستر ما يجب ستره من العورة ، وفسر : بأنهن يلبسن ألبسة تكون خفيفة لا تمنع من رؤية ما ورائها من بشرة المرأة ، وفسر " بأن يلبسن ملابس ضيقة فهي ساترة عن الرؤية لكنها مبدية لمفاتن المرأة ، وعلى هذا فلا يجوز للمرأة أن تلبس هذه الملابس الضيقة إلا لمن يجوز لها إبداء عورتها عنده وهو الزوج فإنه ليس بين الزوج وزوجته عورة لقول الله تعالى ( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُون 29 إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ 30 ) (1) وقالت عائشة : (( كنت أغتسل أنا والنبي صلى الله عليه وسلم يعني من الجنابة من إناء واحد تختلف إيدينا فيه ) ) (2) فالإنسان وزوجته لا عورة بينهما ، فالضيق الذي يبين مفاتن المرأة لا يجوز لا عند المحارم ولا عند النساء .
* * *

181 ... وسئل فضيلته : بعض النساء هداهن الله يلبسن بناتهن الصغيرات ثياباً قصيرة تكشف عن الساقين وإذا نصحنا هؤلاء الأمهات قلن نحن كنا نلبس ذلك من قبل ولم يضرنا ذلك بعد أن كبرنا فمنا رأيكم بذلك ؟
__________
(1) سورة المعارج ، الآيتان : 29 ، 30
(2) أحرجه البخاري : كتاب الغسل / باب غسل الرجل مع امرأته ، وباب هل يدخل الجنب يده في الإناء قبل أن يغسلها . .

(12/223)


... فأجاب بقوله : أرى أنه لا ينبغي للإنسان أن يلبس أبنته هذا اللباس وهو صغيرة ، لأنها إذا اعتادته بقيت عليه وهان عليها أمره ، أما لو تعودت الحشمة من صغرها بقيت على تلك الحال في كبرها ، والذي أنصح به أخواتنا المسلمات أن يتركن لباس أهل الخارج من أعداء الدين وأن يعودن بناتهن على اللباس الساتر ، وعلى الحياء فالحياء من الإيمان
* * *
182 ... وسئل فضيلة الشيخ : يوجد ظاهرة عن بعض النساء وهي لبس الملابس القصيرة والضيقة التي تبدي المفاتن وبدون أكمام ومبدية للصدر والظهر وتكون شبه عارية تماماً ، وعندما نقوم بنصحهن يقلن أنهن لا يلبسن هذه الملابس إلا عند النساء وأن عورة المرأة مع المرأة من السرة إلى الركبة فما حكم ذلك ؟ وما حكم لبس هذه الملابس عند المحارم ؟ جزاكم الله خير الجزاء عن المسلمين والمسلمات وأعظم الله مثوبتكم ؟
... فأجاب بقوله : الجواب على هذا أن يقال إنه صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( صنفان من أهل النار لم أرهما ، قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات ،لا يدخلن الجنة ، ولا يجدن ريحها ، وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا )) (1)
__________
(1) تقدم تخريجه ص 268 .

(12/224)


... وفسر أهل العلم الكاسيات العاريات بأنهن اللاتي يلبس ألبسه ضيقة ، أو ألبسه خفيفة لا تستر ما تحتها ، أو ألبسة قصيرة . وقد ذكر شيخ الإسلام أن لباس النساء في بيوتهن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ما بين كعب القدم وكف اليد كل هذا مستور وهن في البيوت . أم إذا خرجن إلى السوق فقد علم أن نساء الصحابة كن يلبسن ثياباً ضافيات يسحبن على الأرض ورخص لهن النبي صلى الله عليه وسلم أن يرخينه إلى ذراع لا تزدن على ذلك ، (1) وأما ما أشتبه على بعض النساء من قول النبي صلى الله عليه وسلم (( لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة ولا الرجل إلى عورة الرجل )) (2) وأن عورة المرأة بالنسبة للمرأة ما بين السرة والركبة من أنه يدل على تقصير المرأة لباسها ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل لباس المرأة ما بين السرة والركبة حتى يكون في ذلك حجة ولكنه قال : (( لا تنظر المرأة إلى عورة المرأة )) فنهى الناظرة ، لأن اللابسة عليها لباس ضافي لكن أحياناً تكشف عورتها لقضاء الحاجة أو غيره من الأسباب فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن تنظر المرأة إلى عورة المرأة ، ولما قال النبي عليه الصلاة والسلام : (( لا ينظر الرجل إلى عورة الرجل )) فهل كان الصحابة يلبسون إزراً من السرة إلى الركبة ، أو سراويل من السرة إلى الركبة ؟! وهل يعقل الآن أن امرأة تخرج إلى النساء ليس عليها من اللباس إلا ما يستر ما بين السرة والركبة ، هذا لا يقوله أحد ، ولم يكن هذا إلا عند نساء الكفار ، فهذا الذي فهمه بعض النساء من هذا الحديث لا صحة له ، والحديث معناه ظاهر ، لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم لباس المرأة ما بين السرة والركبة ، لعلى النساء أن يتقين الله ، وأن يتحلين بالحاء الذي هو من خلق المرأة والذي هو من الإيمان كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : (( الحياء شعبة من الإيمان )) (3)
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 2/5
(2) تقدم تخريجه ص 267
(3) أخرجه البخاري : كتاب الإيمان / باب أمور الإيمان ، ومسلم : كتاب الإيمان / باب بيان عدد شعب الإيمان

(12/225)


. وكما تكون المرأة مضرب للمثل فيقال : ( أحيا من العذراء في خدرها ) ولم نعلم ولا عن نساء الجاهلية أنهن كن يسترن ما بين السرة والركبة فقط لا عند النساء ولا عند الرجال فهل يردن هؤلاء النساء أن تكون نساء المسلمين أبشع صورة من نساء الجاهلية ؟!!.
والخلاصة : أن اللباس شيء ، والنظر إلى العورة شيء آخر ، أما اللباس فلباس المرأة مع المرأة المشروع فيه أن يستر ما بين كف اليد إلى كعب الرجل هذا هو المشروع ، ولكن لو احتاجت المرأة إلى تشمير ثوبها لشغل أو نحوه فلها أن تشمر إلى الركبة ، وكذلك لو احتاجت أن تشمر الذراع إلى العضد فإنها تفعل ذلك بقدر الحاجة فقط ، وأما أن يكون هذا هو اللباس المعتاد الذي تلبسه فلا . والحديث لا يدل عليه بأي حال من الأحوال ، ولهذا وجه الخطاب إلى الناظرة لا إلى المنظورة ، ولم يتعرض الرسول عليه الصلاة والسلام لذكر اللباس إطلاقاً ، فلم يقل لباس المرأة ما بين السرة والركبة حتى يكون في هذا شبهه لهؤلاء النساء .
وأما محارمهن في النظر فكنظر المرأة إلى المرأة بمعنى أنه يجوز للمرأة أن تكشف عند محارمها ما تكشفه عند النساء ، تكشف الرأس والرقبة والقدم والكف والذراع والساق وما أشبه ذلك ، ولكن لا تجعل اللباس قصيراً .
* * *
183 ) وسئل فضيلة الشيخ : عن مجلات الأزياء وتفصيل الملابس على ما فيها ؟
فأجاب بقوله : أطلعت على كثير من المجلات التي تشير إلها السائلة فألفيتها مجلات خليعة فظيعة خبيثة ، حقيق بنا ونحن في المملكة العربية السعودية ، الدولة التي لا نعلم – ولله الحمد – دولة تماثلها في الحفاظ على شرع الله وعلى الأخلاق الفاضلة ، حقيق بنا أن لا توجد مثل هذه المجلات في أسواقنا وفي محلات الخياطة ، لأن منظرها أفظع من مخبرها ، ولا يجوز لأي امرأة أو رجل أن يشتري هذه المجلات أو ينظر إليها أو يراجعها لأنه فتنة .

(12/226)


قد يشتريها الإنسان وهو يظن أنه سالم منها ، ولكن لا تزال به نفسه والشيطان حتى يقع في فخها وشركها ، وحتى يختار مما فيها من أشياء لا تناسب مع البيئة الإسلامية .
وأحذر جميع النساء والقائمين عليهن من وجودها في بيوتهم لما فيها من الفتنة العظمية ، والخطر على أخلاقنا وديننا ، والله المستعان .
* * *
184 ) سئل فضيلة الشيخ : عن حكم إلباس البنات القصير والضيق من الثياب ؟
فأجاب بقوله : يجب على الإنسان مراعاة المسؤولية ، وأن يتقي الله تعالى ويمنع كافة من له ولاية عليهن من هذه الألبسة ، فقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال (( صنفان من أهل النار لم أرهما : نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها )) (1) وهؤلاء النسوة اللاتي يستعملن الثياب القصيرة كاسيات ، لأن عليهن كسوة لكنهن عاريات لظهور عورتهن ، لأن المرأة بالنسبة للنظر كلها عورة ، وجهها ويداها ورجلاها ، وجميع أجزاء جسمها لغير المحارم .
... وكذلك الألبسة الضيقة ، وإن كانت كسوة في الظاهر لكنها عري في الواقع ، فإن إبانة مقاطع الجسم بالألبسة الضيقة هو تعري ، فعلى المرأة أن تتقي ربها ولا تبين مفاتنها ، وعليها أن لا تخرج إلى السوق وإلا وهي لابسة ما لا يلفت النظر ، ولا تكون متطيبة لئلا تجر الناس إلى نفسها فيخشى أن تكون زانية .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 268 .

(12/227)


... وعلى المرأة المسلمة أن لا تترك بيتها إلا لحاجة لابد منها ، ولكن غير متطيبة ، ولا متبرجة بزينة ، وبدون مشية خيلاء ، وليعلم أنه صلى الله عليه وسلم قال : (( ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء )) (1) . ففتنة النساء عظيمة لا يكاد يسلم منها أحد ، وعلينا نحن معشر المسلمين أن لا نتخذ طرق أعداء الله من يهود ونصارى وغيرهم فإن المرعظيم .
... وفق الله الجميع للصواب وجنبنا أسباب الشر والفساد إنه جواد كريم .

* * *
185 ) وسئل فضيلة الشيخ : هل يجوز للمرأة أن تكشف شيئاً من صدرها أو ذراعيها أو شيئاً من ساقها عند النساء ؟
فأجاب قائلاً : أما الذراعان فلا بأس أن تخرجهما عند النساء ، وأما الرقبة فلا بأس أيضاً أن تظهرها عند النساء وكذلك الرأس ، ولكننا ننصح نساءنا بنصيحة نرجو الله سبحانه وتعالى أن ينفع بها ، فنقول كلما كانت الألبسة أضفى وأستر فهو أنفع لها .
وننهاهن أن يتتبعن ما يكون في هذه المجلات فيصنعن ما يعرض فيها ، لأن هذا يجر المرأة إلى أن تتشبه بالنساء الكافرات سواء رضيت أم لم ترض ، وكلما كانت النساء أستر فهو أفضل .
وقد ذكر شيخ الإسلام أبن تيمية – رحمه الله – أن نساء الصحابة كن يلبسن دروعاً – يعني القمص – تكون ساترة من الكف إلى الكعب . من كفي اليد إلى كعب الرجل ، وهذا هو الأفضل .

* * *
186 ) وسئل فضيلته : هل يجوز للمرأة أن تخرج أمام النساء بثياب قصيرة ، أو ثياب يبدو منها الصدر ، أو بثياب خفيفة ، أو بثياب ضيقة ؟
__________
(1) أخرجه البخاري : كتاب النكاح / باب ما يُتقى من شؤم المرأة ، ومسلم : كتاب الذكر والدعاء ( الرقاق ) / باب أكثر أهل الجنة الفقراء . . .

(12/228)


... ... فأجاب بقوله : لا أرى أن المرأة تخرج أمام النساء بثياب قصيرة أو بثياب يبدو منها صدرها ، أو بثياب خفيفة ، أو بثياب ضيقة ، لأن كل ذلك قد يكون داخلاً في قوله صلى الله عليه وسلم (( نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات )) (1) فإن قال قائل : أليس قد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال : " لا تنظر المرأة إلي عورة المرأة ، ولا الرجل إلي عورة الرجل " (2). وعورة المرأة للمرأة ما بين السرة والركبة .
... قلنا : بلى هذا قد ثبت عن النبي صلي الله عليه وسلم ولكن هذا نهي للمرأة الناظرة لا المنظورة ، المنظورة عليها ثياب ضافية مأذون فيها مباحة شرعاً ، لكن الناظرة قد تنظر إلي هذه المرأة وهي قد رفعت ثوبها لحاجة ، فنهيت المرأة الناظرة عن أن تنظر إلي عورة المرأة وهي ما بين السرة والركبة ، ومن المعلوم أنه لا يمكن أن يوجد في نساء المؤمنين من تخرج إلي النساء ليس عليها ستر إلا ما بين السرة والركبة . هذا أمر يكذبه الواقع .

* * *
187 ) وسئل فضيلته : ما حكم لبس النساء أمام النساء الملابس ذات الأكمام القصيرة أي ما فوق المرفق والفتحات من جهة النحر أو الظهر أو الساقين ؟ وما حكم لبس الملابس الضيقة أو الشفافة علماً بأن ذلك كله أمام النساء دون الرجال ؟ وكذلك لبس الملابس القصيرة وهو ما يصل إلى نصف الساقين ؟
__________
(1) تقدم تخريجه ص 268 .
(2) تقدم تخريجه ص 267 .

(12/229)


... فأجاب بقوله : الذي أراه أنه لا يجوز للمرأة أن تلبس مثل هذا اللباس ولو أمام المرأة الأخرى ، لأن ها هو معنى قوله صلى الله عليه وسلم (( صنفان من أهل النار لم أرهما ، نساء كاسيات عاريات ، مائلات مميلات رؤسهن كأسنمة البخث المائلة ))(1). قال أهل العلم : معنى كونهن كاسيات عاريات أنهن يلبسن ثياباً ضيقة أو ثياباً شفافة ، أو ثياباً قصيرة ، وكان من هدي نساء الصحابة رضى الله عنهن أنهن يلبسن ثياباً يصلن إلى الكعب في الرجل وإلى مفصل الكف من الذراع في اليد إلا إذا خرجت إلى السوق فإنهن يلبسن ثوباً نازلاً تحت ذلك وضافياً على الكف أو تجعل في الكف قفازين فإن من هدي نساء الصحابة لبس القفازين لقول النبي صلى الله عليه وسلم للمرأة إذا أحرمت (( لا تلبس القفازين ))(2) ولولا أن لبس القفازين كان معلوماً عند النساء في ذلك الوقت لما احتيج إلى النهي عنه في حال الإحرام .
* * *
__________
(1) تقدم تخريجه ص 268.
(2) أخرجه البخاري : كتاب جزاء الصيد / باب ما ينهي من الطيب للمحرم والمحرمة .

(12/230)


188 ) وسئل فضيلة الشيخ : عن مجلة ( البردة ) وهي مجلة أزياء نسائية تعرض جميع أنواع الملابس حتى ملابس النوم ، والهدف من هذه المجلة اقتباس الأزياء للملابس لقط ن علماً بأن هذه المجلات تكون صادرة من مصادر غربية بحتة وتظهر فيها نساء شبه عاريات ، ويعرض فيها ملابس لا تناسب الفتيات المسلمات ، وهذا في الغالب وليس دائماً ، فما حكم الاعتماد عليها باختيار الأزياء المناسبة فقط بغض النظر عن ما فيها من تبرج ؟ وما حكم اقتباس تسريحات الشعر من النساء العارضات للأزياء ؟ وهل يدخل ذلكم في قوله صلى الله عليه وسلم (( من متشبه بقوم فهو منهم ))(1) وما حكم لبس القصير للمرأة مثل أن يكون الثوب في نصف الساق أو فوق الكعب قليلاً ؟
... فأجاب فضيلته بقوله: لا يجوز اقتناء هذه المجلات وأشباهها لما فيها من الصور الخليفة ، ولأنها قد تدعو إلى هذه الألبسة البعيدة عن الألبسة الدينية الإسلامية الموجبة للتشبه بالكفار في لبسهم ، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (( من تشبه بقوم فهو منهم )) . فلا يجوز اقتناء هذه المجلات ولا شرائها ، بل يجب على الإنسان إذا رآها أن يحرقها إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً .
... كذلك مسألة الشعر ، فإنه لا يجوز للمرأة أن تصفف شعرها على صفة شعر الكافرات أو الفاجرات لأن من تشبه بقوم فهو منهم .
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد 2/50 ، وأبو داود : كتاب اللباس / باب لبس الشهرة ، والهيثمي في " المجمع " 10/271 ، وابن عبد البر في " التمهيد " 6/80 ، قال شيخ الإسلام : " إسناده جيد " الفتاوى 5/331 ، وقال الحافظ في " الفتح " 6/97 : حديث حسن. وكذلك السيوطي في " الجامع الصغير " 1/590 وصححه أحمد شاكر – المسند – 5114 .

(12/231)


وبهذه المناسبة فإنني أنصح نساءنا المسلمات المؤمنات وأنصح أولياء أمورهن بالبعد عن هذه المجلات وعن هذه التسريحات التي تدعو للتلقي عن الكفار ومحبة ما هم عليه من الألبسة الخليعة التي تمت إلى الحياء ولا الشريعة الإسلامية بصلة . أو الموضات التي يكون عليها تسريح الشعر ، وليكن المسلمون متميزين عن غيرهم لما تقتضيه الشريعة الإسلامية ، وبالطابع الإسلامي حتى يعود للأمة الإسلامية عزتها وكرامتها ومجدها وما ذلك على الله بعزيز .
... أما بالنسبة للقصير فالذي نرى أن لبس القصير للنساء داخل في قوله صلى الله عليه وسلم (( نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات )) (1) . وأنه لا يجوز للمرأة أن تعاد لبس القصير .أما بالنسبة للعورة : فالعورة شي واللباس شيء آخر ، فإذا كان على المرأة ثوب يستر إلى الكعب ثم بدا ساقها لحاجة وليس حولها إلا نساء أو محارم فإنها لا تأثم بذلك .
* * *
189 )وسئل فضيلته : عن حكم لبس العباءة الفرنسية وهي عباءة تتميز بالأكمام الواسعة جداً حيث إن المرأة عندما تلبسها وترفع يدها يظهر الذراع ، وليس هذا فقط ، بل إن هذه العباءة بها العديد من التطريز والفصوص وقطع من الجلد الأسود ، فما حكم لبس هذه العباءة ؟
... فأجاب بقوله : لبس العباءة المطرزة يعتبر من التبرج بالزينة والمرأة منهية عن ذلك كما قال الله تعالى : ( وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لا يَرْجُونَ نِكَاحاً فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ) (2) . فإذا كان هذا في القواعد وهي العجائز فكيف بالشابات ، ولا فرق في هذا بين العباءة الفرنسية الظاهرة وبين اللباس الذي تحتها إذا كانت تتعمد خروجه من تحت العباءة ، لعلى من كانت تؤمن بالله واليوم الآخر أن تتجنب كل أسباب الفتنة في اللباس والأطياب وهيئة المشية ومحادثة الرجال وغير ذلك .
__________
(1) تقدم تخريجه ص 268 .
(2) سورة النور ، الآية : 60 .

(12/232)


* * *
190 ) وسئل فضيلته : عن حكم لبس العباءة المطرزة أو الطرحة المطرزة وطريقته بأن تضع المرأة العباءة على الكتف ثم تلف الطرحة على رأسها ثم تغطي وجهها مع العلم أن هذه الطرحة ظاهرة للعيان ولم تخف تحت العباءة ؟
فأجاب بقوله : لا شك أن اللباس المذكور من التبرج بالزينة وقد قال الله تعالى لنساء النبي صلى الله عليه وسلم ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى ) (1) . وقال عز وجل ( وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ) (2) . فإذا كان الله عز وجل نهى نساء النبي صلى الله عليه وسلم أن يتبرجن تبرج الجاهلية الأولى ، ونهى نساء المؤمنين أن يضربن بأرجلهن ليعلم ما يخفين من زينتهن دل ذلك على أن كل ما يكون من الزينة فإنه لا يجوز إظهاره ولا إبداؤه ، لأنه من التبرج بالزينة ، وليعلم أنه كلما كان لباس المرأة أبعد عن الفتنة فإنه أفضل وأطيب للمرأة وأدعى إلى خشيتها لله سبحانه وتعالى والتعلق به .
* * *
191 ) وسئل فضيلته : عن حكم الملابس التي كتب عليها عبارات تخل بالدين أو الشرف حيث انتشرت تلك الملابس ؟
فأجاب بقوله : اللباس الذي يكتب عليه ما يخل بالدين أو الشرف لا يجوز لبسه سواء كتب باللغة العربية أو غيرها ، وسواء كان للرجال أو النساء ، وسواء كان شاملاً لجميع البدن أو لجزء منه أو عضو من أعضائه مثل أن يكتب عليه عبارة تدل على ديانة اليهود أو النصارى أو غيرهم أو على عيد من أعيادهم أو على شرب الخمر أو فعل الفاحشة أو نحو ذلك . ولا يجوز ترويج مثل هذه الألبسة ، أو بيعها ، أو شراؤها وثمنها حرام لقول النبي صلى الله عليه وسلم (( إن الله إذا حرم شيئاً حرم
__________
(1) سورة الأحزاب ، الآية : 33 .
(2) سورة النور ، الآية : 31 .

(12/233)


ثمنه )) (1) ونصيحتي لإخواني المسلمين أن يتقوا ربهم ويتجنبوا ما حرم عليهم لينالوا سعادة الدنيا والآخرة .
* * *
192 ) وسئل فضيلته : عن حكم لبس ( البنطلون ) الذي انتشر في أوساط النساء مؤخراً ؟
فأجاب بقوله : قبل الإجابة على هذا السؤال أزجه نصيحة إلى الرجال المؤمنين أن يكونوا رعاة لمن تحت أيديهم من الأهل من بنين وبنات وزوجات وأخوات وغيرهن ، وأن يتقوا الله تعالى في هذه الرعية وألا يدعوا الحبل على الغارب للنساء اللاتي قال في حقهن النبي صلى الله عليه وسلم (( ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن )) (2) . وأرى ألا ينساق المسلمون وراء هذه الموضة من أنواع الألبسة التي ترد إلينا من هنا وهناك ، وكثير منها لا يتلاءم مع الزي الإسلامي الذي يكون فيه الستر الكامل للمرأة مثل الألبسة القصيرة أو الضيقة جداً أو الخفيفة ، ومن ذلك (( البنطلون )) فإنه يصف حجم رجل المرأة وكذلك بطنها وخصرها وثدييها وغير ذلك ، فلابسته تدخل تحت الحديث الصحيح : (( صنفان من أهل النار لم أرهما : قوم معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس ، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها وإن ريحها ليوجد من مسيرة كذا وكذا )) (3) . فنصيحتي لنساء المؤمنين ولرجالهن أن يتقوا الله عز وجل ، وأن يحرصوا على الزي الإسلامي الساتر ، وألا يضيعوا أموالهم في اقتناء مثل هذه الألبسة والله الموفق .
* * *
193 ) وسئل فضيلة الشيخ : حجتهم في هذا أن البنطال فضفاض وواسع بحيث يكون ساتراً ؟
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد في المسند 1/322 .
(2) أخرجه البخاري : كتاب الحيض / باب ترك الحائض الصوم ، ومسلم : كتاب الإيمان / باب بيان نقص الإيمان . .
(3) تقدم تخريجه ص 256 .

(12/234)


فأجاب بقوله : حتى وإن كان واسعاً فضفاضاً لأن تميز رجل عن رجل يكون به شيء من عدم الستر ، ثم إنه يخشى أن يكون ذلك أيضاً من تشبه النساء بالرجال لأن (( البنطال )) من ألبسه الرجال .

* * *
194 ) وسئل فضيلة الشيخ : لقد انتشر في الآونة الأخيرة بشكل كبير بيع محلات الملابس النسائي (( البناطيل )) النسائية بشتى أنواعها وتعلمون – حفظكم الله – خطر انتشار لبس البنطلون بالنسبة للنساء حتى صارت من تلبسه تتهم من قبل الشباب المعاكس فهل يأثم من يقوم بتصنيعها أو استيرادها أو بيعها ؟ وهل يدخل في عموم قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ) (1) . وقول النبي صلى الله عليه وسلم (( نم سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ، ووزر من عمل بها من بعده ، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء )) (2) . وهل المال المكتسب من بيعها حرام أم حلال ؟ وما نصيحتكم لأصحاب المحلات والعاملين فيها ؟
فأجاب بقوله : الذي أراه تحريم لبس المرأة للبنطلون لأنه تشبه بالرجال ، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال ، ولأنه يزيل الحياء من المرأة ، ولأنه يفتح باب لباس أهل النار حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم ((صنفان من أهل النار لم أرهما )) وذكر أحدهما (( نساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤسهن كأسنمة البخت المائلة لا يدخلن الجنة ولا يجدن ريحها )) (3) .
... ولا يحل استيرداها ولا صناعتها ، والكسب الحاصل منها ومن كل لباس محرم حرام وسحت ، لأن الله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه ووسائله .
__________
(1) سورة البروج ، الآية 10 .
(2) أخرجه مسلم : كتاب الزكاة / باب الحث على الصدقة .. .
(3) تقدم تخريجه ص 268 .

(12/235)


ونصيحتي لأهل المحلات الذين يبيعونها أن يتقوا الله تعالى في أنفسهم وفي مجتمعهم وأن لا يكونوا سبباً لإيقاعهم في الإثم ، وأبواب الرزق الحلال مفتوحة – والحمد لله – والقليل من الحلال خير من الكثير الحرام . أسأل الله تعالى الهداية للجميع. حرر في 14/3/1418 هـ .
* * *
195) وسئل فضيلة الشيخ : عن حكم لبس المرأة للبنطلون ؟
فأجاب بقوله : أرى منع لبس المرأة البنطلون مطلقاً وإن لم يكون عندها إلا زوجها ، وذلك لأنه تشبه بالرجال ، فإن الذين يلبسون
البنطلونات هم الرجال ، وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم المتشبهات من النساء بالرجال ، وأما لباسها غير البنطلون عند محارمها فلها أن تلبس ما يستر جسمها كله إلا ما يظهر غالباً مثل اليدين والرجلين والرأس والوجه فإنه لا بأس بخروجه . والله أعلم .
* * *
196 ) وسئل فضيلته : عن حكم ذهاب المرأة للطبيب للضرورة عند عدم وجود طبيبة ؟ وما يجوز لها أن تكشفه ؟
فأجاب بقوله : إن ذهاب المرأة إلى الطبيب عند عدم وجود الطبيبة لا بأس به كما ذكر ذلك أهل العلم ، ويجوز أن تكشف للطبيب كل ما يحتاج إلى النظر إليه إلا أنه لابد وأن يكون معها محرم ودون خلوة من الطبيب بها ، لأن الخلوة محرمة وهذا من باب الحاجة .
وقد ذكر أهل العلم رحمهم الله أنه إنما أبيح هذا لأنه محرم تحريم الوسائل ، وما كان تحريمه تحريم الوسائل فإنه يجوز عند الحاجة إليه .
* * *
197 ) وسئل فضيلة الشيخ : يوجد بعض النساء هداهن الله تساهلن من ناحية إخراج الأيدي والأرجل عند الخروج للأسواق أو المدرسة أو أي مكان آخر وذلك بشكل يلفت نظر الرجال ، وعند نصحهن يقلن : إن إخراج الأيدي والأرجل جائز والدليل قوله تعالى ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) (1) وإن ستر وتغطية الأيدي والأرجل ليس بواجب فما رأي فضيلتكم بهذا الموضوع وجزاكم الله خيراً ؟
__________
(1) سورة النور ، الآية : 31 .

(12/236)


فأجاب فضيلته بقوله : يرى الفقهاء من الحنابلة في المشهور من مذهبهم أنه يجب ستر الكفين والقدمين عن الرجال الأجانب ، ولا شك أن ما يفعله بعض النساء اليوم من إخراج أيديهن وعليهن الحلي حرام موجب للفتنة وكذلك الأرجل وقد قال الله تعالى ( وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ) (1) وهذا يدل على أن النساء تنزل ثيابهن إلى ما أسفل الخلخال .
وأما الآية التي ذكرت في السؤال ( وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) (2) فالمراد بالزينة الثياب واللباس كما قال تعالى : ( يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) (3) وقال : ( قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ) (4) ولم يرد في القرآن أن الزينة تعني جزءاً من البدن ، وليس هذا معروفاً في اللغة العربية . وأما قوله (زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ) فالاستثناء هنا منقطع ، والمعنى لكن ما ظهر من الزينة كالعباءة ونحوها لا بأس به .
* * *
198 ... وسئل فضيلته : عن مقياس التشبه بالكفار ؟ وحكم المكياج ؟ وحكم لبس المرأة للأبيض عند الزواج ؟
__________
(1) سورة النور ، الآية : 31 .
(2) سورة النور ، الآية : 31 .
(3) سورة الأعراف ، الآية : 31 .
(4) سورة الأعراف ، الآية : 32 .

(12/237)


فأجاب بقوله :1 - مقياس التشبه أن بعل المتشبه ما يختص به المتشبه به ، فالتشبه بالكفار أن يعل المسلم شيئاً من خصائصهم ، أما ما أنتشر بين المسلمين وصار لا يتميز به الكفار فإنه لا يكون تشبهاً ، فلا يكون حراماً من أجل أنه تشبه إلا أن يكون محرماً من جهة أخرى ، وهذا الذي قلناه هو مقتضى مدلول هذه الكلمة ، وقد صرح بمثله صاحب الفتح حيث قال ص 272 ج 10 : وقد كره بعض السلف لبس البرنس ، لأنه كان من لباس الرهبان وقد سئل مالك عنه فقال : لا بأس به ، قيل : فإنه من لبوس النصارى ، قال كان يلبس ههنا ؟ أهـ . قلت : لو استدل مالك بقول النبي صلى الله عليه وسلم حين سئل ما يلبس المحرم فقال : لا يلبس القميص ولا السراويل ولا البرانس . الحديث لكان أولى . وفي الفتح أيضاً ص 307 ج 10 : وإن قلنا النهي عنها ( أي عن المياثر الأرجوان ) من أجل التشبه بالأعاجم فهو لمصلحة دينية ، لكن كان ذلك شعارهم حينئذ هم كفار ثم لما لم يصير الآن يختص بشعارهم زال ذلك المعنى فتزول الكراهة ، والله أعلم . اهـ .
وأما المكياج الذي تتجمل به المرأة لزوجها فلا نرى به بأساً لأن الأصل الحل إلا إذا ثبت أنه يضر بالوجه في المآل فيمنع حينئذ اتقاء لضرره .وأما لبس المرأة للأبيض عند الزواج فلا بأس به إلا أن يكون تفصيل الثوب مشابهاً لتفصيل ثوب الرجل فيحرم حينئذ لأنه من تشبه المرأة بالرجل وقد لعن النبي صلى الله عليه وسلم المتشبهات بالرجال (1) ، وكذلك لو كان علي وجه يختص بلباس الكافرات فهو حرام .
* * *
وسئل فضيلته : ما رأي فضيلتكم في أن كثير من النساء اللاتي يخرجن إلى الأسواق لقصد الشراء من أصحاب المحلات التجارية يخرجن أكفهن ، والبعض الأخر يخرجن الكف من الساعد ؟
__________
(1) أخرجه البخاري : كتاب اللباس / باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال .

(12/238)


فأجاب جزاه الله خيراً بقوله : لا شك أن إخراج المرأة كفيها وساعديها في الأسواق أمر منكر ، وسبب للفتنة ، لاسيما أن بعض هؤلاء السناء يكون على أصابعهن خواتم وعلى سواعدهن أسورة ، وقد قال الله تعالى للمؤمنات (وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ )(1) وهذا يدل على أن المرأة المؤمنة لا تبدي شيئاً من زينتها ، وأنه لا يحل لها أن تفعل شيئاً يعلم به ما تخفيه من هذه الزينة فكيف يمن تكشف زينة يديها ليراها الناس ؟!!
أنني أنصح النساء المؤمنات بتقوى الله عز وجل ، وأن يقدمن الهدى على الهوى ويعتصمن بما أمر الله به نساء النبي صلى الله عليه وسلم اللاتي هن أمهات المؤمنين وأكمل النساء أدباً وعفه حيث قال لهن ( وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً 33) (2) ليكون لهن نصيب من هذه الحكمة العظيمة ( إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً 33 ).
وأنصح رجال المؤمنين الذين جعلهم الله قوامين على النساء أن يقوموا بالأمانة التي حملوها واسترعاهم الله عليها نحو هؤلاء النساء فيقوموهن بالتوجيه والإرشاد والمنع من أسباب الفتنة ، فإنهم عن ذلك مسؤولون ، ولربهم ملاقون ، فلينظروا بماذا يجيبون ( يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ 30 ) (3) .
__________
(1) سورة النور ، الآية 31 .
(2) سورة الأحزاب ، الآية : 33 .
(3) سورة آل عمران ، الآية : 30 .

(12/239)


والله أسأل أن يصلح عامة المسلمين وخاصتهم ، رجالهم ونساءهم صغارهم وكبارهم ، وأن يرد كيد أعدائهم في نحورهم ، إنه جواد كريم ، والحمد لله رب العالمين ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . في 3/4/1409 هـ .
* * *
وسئل : عن رجل سقط إحرامه وهو في الصلاة فانكشف ظهره فهل تصح صلاته ؟
فأجاب فضيلته بقوله : الإحرام للرجل إزار ورداء ، فإذا نزل الرداء عن منكبي الرجل وهو يصلي فلا حرج ، لأنه يجوز للرجل أن يصلي بإزار فقط دون رداء ، إلا أن الأولى أن يستر بقية البدن لقول النبي صلى الله عليه وسلم (( لا يصلي أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء ))(1) .
* * *
وسئل فضيلته : هل يجوز على الرجل ستر أحد عاتقيه في الصلاة ؟
__________
(1) تقدم تخريجه ص 266 .

(12/240)


فأجاب بقوله : ستر أحد العاتقين سنة وليس بواجب لقوله عليه الصلاة والسلام لجابر رضى الله عنه (( إن كان ضيقاً فأتزر به ، وإن كان واسعاً فألتحف به )) (1) . وصلى جابر رضى الله عنه في إزار ، ورداؤه على المشجب ، فذكره رجل بذلك ، فقال : (( فعلت هذا ليراه أحمق مثلك )) (2) ، وفي لفظ (( ليرى الجاهلون )) هذا هو القول الراجح وهو مذهب الجمهور .وكونه لابد أن يكون على العاتقين شيء من الثوب ليس لأن العاتقين عورة ، بل من أجل تمام اللباس وشد الإزار ، لكن الأفضل في ثوبين لأنه أقرب إلى الستر وأحوط ، وقد صح عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال : (( إذا وسع الله عليكم فأوسعوا )) فدل هذا على أنه إذا كان الإنسان في سعة فالثوبان أفضل ، ويؤيد مذهب ما ذهب إليه عمر رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل : أيصلي أحدنا في الثوب الواحد ؟ فقال : (( أولكلكم ثوبان ))(3) . وهذا يدل على أن الواحد مجزئ ، لكن إذا وسع الله علينا فلنتوسع ، لأن قوله : (( أولكلكم ثوبان )) يدل على أنه ليس لكل واحد من الناس ثوبان ، بل أكثر الناس في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ثوب واحد .
* * *
وسئل فضيلته : هل لبس الفترة أو العمامة واجب في الصلاة ؟
فأجاب بقوله : لبس هذه الأشياء ليس بواجب في الصلاة ، لأن ستر الرأس في الصلاة ليس بواجب ، ولكن إذا كنت في بلد يعتاد أهله أن يلبسوا هذا ويكون ذلك من تمام لباسهم فإنه ينبغي أن تلبسه لقوله تعالى (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ) (4)
__________
(1) تقدم تخريجه ص 263 .
(2) تقدم تخريجه ص 266 .
(3) أخرجه البخاري : كتاب الصلاة / باب الصلاة في الثوب الواحد ملتحفاً به ( 358 ) ، بلفظ (( أوكلكم يجد ثوبين )) ، ومسلم : كتاب الصلاة / باب الصلاة في ثوب واحد وصفة لبسه ( 515) .
(4) سورة الأعراف ، الآية 31 .

(12/241)


. فإذا كان من الزينة أن يضع الإنسان على رأسه شيئاً من عمامة ن أو غترة ، أو طاقية فإنه يستحب له أن يلبسه حال الصلاة ، أما إذا كان في بلد لا يعتادون ذلك وليس من زينتهم فليبق على ما هو عليه .
* * *
سئل فضيلة الشيخ : هل يجوز للإنسان أن يصلي وأسه مكشوف ؟
فأجاب بقوله : يجوز للإنسان أن يصلي بدون أن يكون على رأسه شيء لا غترة ولا طاقية ، وذلك لأن ستر الرأس في الصلاة ليس بفرض ، فلو صلى الإنسان مكشوف الرأس فإن صلاته صحيحة .
لكن الأفضل أن يغطيه إذا كان في أناس يغطون رؤوسهم ، وعادتهم أن غطوا رؤوسهم في لباسهم لعموم قوله تعالى : (يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِد) . فإذا كان من قوم يلبسون هذه الأشياء مثل الغترة أو الشماغ أو الشال ، فإن الأفضل أن يلبسها حال صلاته ، لأنها من الزينة التي أمر الله بأخذها .
* * *
وسئل عن عورة المرأة في الصلاة ؟
فأجاب فضيلته بقوله : العورة في الصلاة ليس فيها عندي نص قاطع أعتمد عليه وأنا فيها مقلد ، والمعروف عند الحنابلة أن المرأة الحرة البالغة يجب عليها أن تستر جميع بدنها ما عدا الوجه ، والصواب أيضاً أن الكفين ليسا بعورة وكذلك القدمان ، وأما إذا كانت دون البلوغ فإنه على ما ذهب هؤلاء إليه فإنه لا يجب عليها إلا أن تستر ما بين السرة والركبة ، والمسألة عندي لم تتحرر ولم أصل فيها إلى شيء قاطع ، والله أعلم .
* * *
وسئل فضيلة الشيخ : عن حكم ظهور القدمين والكفين من المرأة في الصلاة ، مع العلم أنها ليست أمام رجال ولكن في البيت ؟
فأجاب فضيلته : المشهور من مذهب الحنابلة – رحمهم الله – أن المرأة البالغة الحرة كلها عورة في الصلاة إلا وجهها ،وعلى هذا فلا يحل لها أن تكشف كفيها وقدميها .
وذهب كثير من أهل العلم إلى جواز كشف المرأة كفيها وقدميها .

(12/242)


والاحتياط أن تتحرز المرأة من ذلك ، لكن لو فرض أن امرأة فعلت ثم جاءت تستفتي فإن الإنسان لا يجرؤ أن يأمرها بالإعادة .
* * *

وسئل فضيلته : عن حكم إخراج المرأة كفيها أو قدميها في الصلاة ؟ وعن حكم كشف المرأة لوجهها ؟
فأجاب بقوله : إخراج المرأة التي تصلي كفيها وقدميها اختلف فيه أهل العلم :
فذهب بعضهم إلى أن كفيها وقدميها من العورة ، وبناء على ذلك فإنه لا يجوز للمرأة أن تكشفهما في حال الصلاة .
وذهب آخرون إلى أنهما ليسا من العورة وأن كشفهما لا يبطل الصلاة .
والأولى أن تحتاط المرأة وألا تكشف قدميها أو كفيها في حال الصلاة ، وأما بالنسبة للنظر فإن الوجه بلا شك يحرم على المرأة أن تكشفه إلا لزوجها ومحارمها ، وأما الكفان والقدمان فهما أقل فتنة نم الوجه .

* * *
وسئل فضيلة الشيخ : إذا كانت المرأة في نزهة خارج بيتها هل يجوز لها أن تصلي أمام الناس مكشوفة الوجه أو تترك الصلاة وتقضي ما فاتها عند عودتها ؟
... فأجاب بقوله : على المرأة إذا خرجت للنزهة أن تصلي كما تصلي في بيتها ، ولا يحل لها تأخيرها ، وإذا خشيت أن يمر الرجال قريباً منها فيجب عليها أن تغطي وجهها في هذه الحال لئلا يروها ، وإذا سجدت فإنها تكشفه في هذه الحالة ثم تغطيه بعد ذلك ، لأن الأفضل في حال السجود أن تباشر الجبهة المحل الذي يسجد عليه ، ولهذا قال أنس بن مالك رضى الله عنه : (( كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم في شدة الحر ، فإذا لم يستطع الواحد منا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه )) (1). فدل هذا على أن الإنسان لا ينبغي أن يسجد على شيء متصل به إلا إذا كان هناك حاجة .
__________
(1) أخرجه البخاري : كتاب الصلاة / باب السجود على الثوب في شدة الحر ، ومسلم : كتاب المساجد / باب استحباب تقديم الظهر في أول الوقت في غير شدة الحر .

(12/243)


وهنا لا تغطي المرأة وجهها لأنها في حال السجود لا يراها أحد ، وفي مثل هذه الحال ينبغي لها أن تكون صلاتها خلف الرجال في المكان الذي لا تكون أمامهم ، وإن أمكن أن تكون هناك سيارة أن غيرها تحول بين المرأة والرجال فإن ذلك أفضل ، والله الموفق .
* * *
وسئل فضيلة الشيخ : هل يجوز للمرأة أن تصلي بالنقاب والقفاز ؟
فأجاب بقوله : إذا كانت المرأة تصلي في بيتها أو في مكان لا يطلع عليها إلا الرجال المحارم فالمشروع لها كشف الوجه واليدين لتباشر الجبهة والنف موضع السجود وكذلك الكفان .
أما إذا كانت تصلي وحولها رجال غير محارم فإنه لا بد من ستر وجهها ، لأن ستر الوجه من غير المحارم واجب ولا يحل لها كشفه أمامهم كما دل على ذلك كتاب الله – سبحانه وتعالى – وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم والنظر الصحيح الذي لا يحيد عنه عاقل فضلاً عن المؤمن .
ولباس القفازين في اليدين أمر مشروع ، فإن هذا هو ظاهر فعل نساء الصحابة بدليل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (( لا تنتقب المرحمة ، ولا تلبس القفازين )) (1) . فهذا يدل على أن من عادتهن لبس القفازين ، وعلى هذا فلا بأس أن تلبس المرأة القفازين إذا كانت تصلي وعندها رجال أجانب ، أما ما يتعلق بستر الوجه فإنها تستره ما دامت قائمة أو جالسة فإذا أرادت السجود فتكشف الوجه لتباشر الجبهة محل السجود .

* * *
وسئل فضيلة الشيخ – أعلى الله درجته في المهديين - : هل يجوز للمرأة أن تصلي وهي لابسة القفاز ؟
__________
(1) تقدم تخريجه ص 281 .

(12/244)


فأجاب قائلاً : القفاز هو الذي يلبس في اليد وهو حرام على المرأة إذا كانت محرمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في سياق ما يلبسه المحرم : (( لا تنتقب المرحمة ولا تلبس القفازين )) . فيحرم على المرأة المحرمة أن تلبس هذه القفازات ، أما في غير الإحرام فلا بأس أن تلبسها في الصلاة وخارج الصلاة ، بل إن لبسها للقفازين خارج الصلاة أستر لها وأبعد عن الفتنة .وههنا مسألة ينبغي أن ننبه عليها وهي : أن المرأة إذا كانت تصلي وحلوها رجال غير محارم فإنها تغطي وجهها عن النظر إليه ، فإذا سجدت كشفته عند السجود ، ودليل ذلك قول أنس بن مالك رضى الله عنه : (( كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وسلم في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا أن يمكن جبهته من الأرض بسط ثوبه فسجد عليه )) (1) ، فقوله : (( فإذا لم يستطع )) يدل على أن هذا لا يفعل إلا عند الضرورة .
* * *
سئل فضيلة الشيخ - حفظه الله تعالى - : عن امرأة مريضة وتتيمم على الوسادة ولا تغطي شعرها فما حكم صلاتها بهذه الحالة ؟
فأجاب بقوله : إذا كانت هذه المرأة لا تستطيع أكثر مما فعلت ،فلا تستطيع أن تنزل من السرير حتى تتوضأ أو تتيمم ، ولا تستطيع أن تستر ما يجب ستره في الصلاة فإنه لا شيء عليها وصلاتها صحيحة لقول الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (2) . ولقوله : ( لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا ) (3) . ولقوه صلى الله عليه وسلم : (( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم )) (4) . أما إذا كانت تستطيع أن تفعل من الواجب أكثر مما فعلت فإنه لا يجوز لها ذلك .
* * *
وسئل فضيلة الشيخ : ما معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم : (( لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار ))(5) ؟
__________
(1) تقدم تخرجه ص 297 .
(2) سورة التغابن ، الآية : 16 .
(3) سورة البقرة ، الآية 286 .
(4) تقدم تخريجه ص 98 .
(5) أخرجه الإمام أحمد في " المسند " 6/150 .

(12/245)


فأجاب فضيلته بقوله : المراد بالحائض التي بلغت بالحيض وهذا كقول النبي صلى الله عليه وسلم : (( غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم )) (1) أي بلغ بالإحتلام ، كذلك الحائض لا يمكن أن تصلي ، ولكن المعنى أن المرأة إذا بلغت بالحيض فإن الله لا يقبل صلاتها حتى تختمر أي تغطي
رأسها ، وهذا مما استدل به أهل العلم على قولهم : إن عورة المرأة البالغة في الصلاة جميع البدن إلا الوجه فإنه ليس بعورة في الصلاة ، ولكنه عورة في النظر فيجب على المرأة أن تغطي وجهها عن كل الرجال إلا زوجها ومحارمها .
* * *
سئل فضيلة الشيخ : عن رداء الصلاة للمرأة هل يجوز أن يكون قطعة واحدة أم رداء وشيلة ؟
فأجاب بقوله : يجوز أن يكون الثوب الذي على المرأة وهي تصلي ثوباً واحداً ، لأن الشرط هو ستر العورة ، والمرأة الحرة في الصلاة كلها عورة إلا وجهها ، واستثنى بعض العلماء الكفين والقدمين أيضاً ، وقالوا : إن الوجه والكفين لا يجب سترهما في الصلاة ، وعلى هذا فإذا صلت المرأة في ثوب قطعة واحدة وهي ساترة ما يجب ستره ، فإن صلاتها جائزة .
ولكن بعض أهل العلم يقول إن الأفضل أن تصلي في درع وخمار وملحفة .
والدرع : هو الثوب الذي يشبه القميص .
والخمار : هو ما تخمر بها رأسها .
والملحفة : ما تلف به جميع بدنها .

* * *
وسئل فضيلته : إذا انكشفت عورة المصلي فما الحكم ؟
فأجاب بقوله : هذا لا يخلو من أحوال :
الحال الأولى : إذا كان عمداً بطلت صلاته قليلاً كان أو كثيراً ، طال الزمن أو قصر .
الحال الثانية : إذا كان غير عمد وكان يسيراً فالصلاة لا تبطل .
__________
(1) أخرجه البخاري : كتاب الجمعة / باب فضل الغسل يوم الجمعة ، ومسلم : كتاب الجمعة / باب بيان وجوب غسل الجمعة .

(12/246)


الحال الثالثة : إذا كان غير عمد وكان فاحشاً لكن الزمن قليل كما لو هبت الريح وهو راكع وانكشف الثوب ولكن في الحال أعاده فالصحيح أن الصلاة لا تبطل لأنه ستره عن قرب ، ولم يتعمد الكشف وقد قال الله تعالى : ( فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُم) (1) .
الحال الرابعة : إذا كان غير عمد وكان فاحشاً وكال الزمن بأن لم يعلم إلا في آخر صلاته ، لأن ستر العورة شرط من شروط الصلاة والغالب عليه أنه مفرط . والله أعلم .
* * *
وسئل : عن رجل يصلي في صوب نجس ناسياً نجاسته فهل يلزمه إعادة الصلاة ؟
فأجاب فضيلته بقوله : الصحيح أنه لا إعادة عليه لقوله تعالى : ( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (2) قال الله تعالى في الحديث الذي رواه مسلم :(( قد فعلت )) (3) .
* * *
سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى - عن لبس المرأة ثياب الرجل وإذا صلت فيها فما حكم صلاتها ؟
فأجاب قائلاً : إذا كان الثوب الذي تلبسه المرأة من الثياب
__________
(1) سورة التغابن ، الآية 16 .
(2) سورة البقرة ، الآية : 286 .
(3) أخرجه مسلم : كتاب الإيمان / باب بيان أنه سبحانه لم يكلف إلا ما يطاق .

(12/247)


الخاصة بالرجال فإن لبسها إياه حرام ، سواء كان ي حال الصلاة ، أو ي غير حال الصلاة ، وذلك لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم (( أنه لعن المتشبهات من النساء بالرجال ، ولعن المتشبهين من الرجال بالنساء )) (1) فلا يحل لامرأة أن تلبس ثوباً خاصاً بالرجل ، ولا يحل للرجل أن يلبس ثوباً خاصاً بالمرأة ، ولكن يجب أن نعرف ما هل الخصوصية ؟ ليست الخصوصية في اللون ، ولكنها لي اللون والصفة ، ولهذا يجوز للمرأة أن تلبي الثوب الأبيض إذا كان تفصيله ليس على تفصيل ثوب الرجل ، وإذا تبين أن لبس المرأة ثوباً يختص بالرجل حرام فإن صلاتها فيه لا تصح عند بعض أهل العلم الذين يشترطون في السترة أن يكون الساتر مباحاً ، وهذه المسألة محل خلاف بين أهل العلم ، فمن العلماء من اشترط في الثوب الساتر أن يكون مباحاً ، ومنهم من لم يشترط ذلك ، وحجة القائلين باشتراطه : أن ستر العورة من شروط الصلاة ، ولابد أن يكون الشرط مما أذن الله فيه فإذن لم يأذن الله فيه لم يكن ساتراً شرعاً لوقوع المخالفة ، وحجة من قالوا بصحة الصلاة فيه مع الإثم : أن الستر قد حصل ، والإثم خارج عن نطاق الستر وليس خاصاً بالصلاة ، لتحريم لبس الثوب المحرم في الصلاة وخارجها ، وعلى كل حال فالمصلي بثوب محرم عليه على خطر في أن ترد صلاته ولا تقبل منه .
* * *
سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى - : عن حكم من صلى في ثياب نجسة وهو لا يعلم ؟
__________
(1) تقدم تخريجه ص 290 .

(12/248)


فأجاب بقوله : إذا صلى الإنسان في ثياب نجسه ولم يعلم أنه أصابتها نجاسة إلا بعد صلاته ، أو كان عالماً بذلك قبل أن يصلي ولم يذكر إلا بعد فراغه من صلاته فإن الصلاة صحيحة ، وليس عليه إعادة لهذه الصلاة ، وذلك لأنه ارتكب ذلك المحظور جاهلاً أو ناسياً وقد قال الله تبارك وتعالى : ( رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا) (1) فقال الله تعالى : (( قد فعلت )) ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم صلى ذات يوم في تعليه وكان فيهما أذى فلما كان في أثناء الصلاة أخبره جبريل بذلك فخلعهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي (2) ولم يستأنف الصلاة فدل هذا على أن من علم بالنجاسة في أثناء الصلاة فإنه يزيلها ولو في أثناء الصلاة ويستمر في صلاته إذا كان يمكنه أن يبقى مستور العورة بعد إزالتها ، وكذلك من نسي وذكر في أثناء الصلاة فإنه يزيل هذا الثوب النجس إذا كان يبقي عليه ما يستر عورته ، وأما إذا فرغ من صلاته ثم ذكر بعد أن فرغ ، أو علم بعد أن فرغ من صلاته ، فإنه لا إعادة عليه، وصلاته صحيحة ، بخلاف الرجل الذي يصلي وهو ناسي أن يتوضأ مثل أن يكون قد أحدث ونسي أن يتوضأ ، ثم صلى وذكر بعد فراغه من الصلاة أنه لم يتوضأ ، فإنه يجب عليه الوضوء وإعادة الصلاة ، وكذلك لو كان عليه جنابة ولم يعلم بها ، مثل أن يكون قد احتلم في الليل وصلى الصبح بدون غسل جهلاً منه ، ولما كان من النهار رأي في ثوبه منياً من نومه ، فإنه يجب عليه أن يغتسل وأن يعيد ما صلى .
__________
(1) سورة البقرة ، الآية : 286 .
(2) أخرجه أبو داود : كتاب الصلاة / باب الصلاة في النعل .

(12/249)


والفرق بين هذه المسألة والمسألة الأولى – أعني مسألة النجاسة – أن النجاسة من باب ترك المحظور ، وأما الوضوء والغسل فهو من باب فعل المأمور ، وفعل المأمور أمر إيجادي لابد أن يقوم به الإنسان ، ولا تتم العبادة إلا بوجوده ، أما إزالة النجاسة فهي أمر عدمي لا تتم الصلاة إلا بعدمه ، فإذا وجد في حال الصلاة نسياناً أو جهلاً فإنه لا يضر ، لأنه لم يفوت شيء يطلب حصوله في صلاته . والله أعلم .
* * *
وسئل فضيلة الشيخ : عن إنسان في البر وليس عنده ماء وثيابه نجسه وليس عنده ما يستر به عورته سواه هل يصلي في الثوب النجس أو يصلي عريان ؟
فأجاب بقوله : إذا لم يكن عنده إلا ثوب نجس وليس عنده ماء يطهره به فإنه يلزمه أن يصلي بهذا الثوب ، ليواري سواته لقدرته على ذلك وصلاته صحيحه ، ولا إعادة عليه لعجزه عن إزالة النجاسة التي على ثوبه ، وقد قال الله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) (1) . وهذا قد اتقى الله ما استطاع فيكون قائماً بما أمر الله به ، والقائم بما أمر الله به لا يلزمه الإعادة ، وقول الأصحاب إنه يلزمه أن يصلي به ويعيد قول ضعيف ، وأضعف منه قول بعض العلماء أن يصلي عرياناً ، لأنه قادر على السترة . والله أعلم .
* * *
سئل فضيلة الشيخ : عن الغترة والشماخ إذا جعلهما الإنسان خلفه هل يعد ذلك من كف الثوب المنهي عنه ؟
فأجاب بقوله : الذي أرى أنه لا يعد من كف الثوب المنهي عنه لأن هذه من صفات لبس الغترة والشماغ فهي كالثوب القصير كمه ، والعمامة الملوية على الرأس .
* * *
سئل فضيلة الشيخ – حفظه الله تعالى - : عن حديث : (( أمرت ألا أكف ثوباً )) هل صحيح ؟ وما معناه ؟
__________
(1) سورة التغابن ، الآية : 16 .

(12/250)


فأجاب قائلاً : هذا الحديث صحيح (1)، والمراد أنه لا يكف الثوب في حال الصلاة ، فإن الذي ينبغي للمصلي أن يبقي ثيابه على حالها ، ولا يكفها رفعاً عن الأرض ، ولا يكف أكمامه أيضاً ، لأن النبي صلي الله عليه وسلم قال : " أمرت أن أسجد على سبعة أعظم وأن لا أكف شعراً ولا ثوباً "(2). والله أعلم .
* * *
سئل فضيلة الشيخ : إذا كان الثوب نازلاً عن الكعبين فهل تصح الصلاة فيه ؟
فأجاب بقوله : إذا كان الثوب نازلاً عن الكعبين فإنه محرم لقول النبي صلي الله عليه وسلم :" ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار" (3). وما قاله النبي صلي الله عليه وسلم في الإزار فإنه يكون في غيره .
... وعلى هذا يحب على الإنسان أن يرفع ثوبه وغيره من لباسه عما تحت كعبيه ، وإذا صلى وهو نازل تحت الكعبين فقد اختلف أهل العلم في صحته :
فمنهم من يرى أن صلاته صحيحه ، لأن الرجل قد قام بالواجب وهو ستر العورة .
ومنهم من يرى أن صلاته ليست بصحيحه ، وذلك لأنه ستر عورته بثوب محرم ، وجعل هؤلاء من شروط الستر أن يكون الثوب مباحاً ، فالإنسان على خطر إذا صلى في ثياب مسبلة فعليه أن يتقي الله عز وجل ، وأن يرفع ثيابه حتى تكون فوق كعبيه .
* * *
سئل فضيلة الشيخ : عن رجل يجعل ثيابه تحت الكعبين ولكن ليس بقصد الخيلاء والكبر فهل عليه وزر في ذلك ؟
فأجاب بقوله : عليك وزر إذا نزل ثوبك أو سراويلك إلى ما تحت الكعبين لقول النبي صلى الله عليه وسلم (( ما أسفل من الكعبين من الإزار ففي النار )) (4) ولم يقيده بالخيلاء .
* * *
سئل فضيلة الشيخ : هل تبطل صلاة المسبل ؟
__________
(1) أخرجه البخاري : كتاب صفة الصلاة/باب لا يكف ثوبه في الصلاة ، ومسلم : كتاب الصلاة / باب أعضاء السجود والنهي عن كف الشعر والثوب
(2) تقدم تخريجه أعلاه .
(3) أخرجه البخاري : كتاب اللباس ، باب ما أسفل الكعبين في النار .
(4) تقدم تخريجه ص 305 .

(12/251)