صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين

يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره ) ( الزلزلة : 7-8) ، وهذا يكون في الأفعال والأقوال 0

***
قول ابن عباس : ( يشركون ) تفسير للإلحاد ، ويتضمن الإشراك بها في جهتين :
1 - ... أن يجعلوها دالة على المماثلة
2 - ... أو يشتقوا منها أسماء للأصنام ، كما في الرواية الثانية عن ابن عباس التي ذكرها المؤلف ، فمن جعلها دالة على المماثلة ، فقد أشرك لأنه جعل لله مثيلاً ، ومن أخذ منها أسماء لأصنامه ، فقد أشرك لأنه جعل مسميات هذه الأسماء مشاركة لله – عز وجل
وقوله : ( وعنه ) 0 أي : ابن عباس
قوله: ( سموا اللات من الإله ….. ) وهذا أحد نوعي الإشراك بها أن يشتق منها أسماء للأصنام 0

* تنبيه :
فيه كلمة تقولها النساء عندنا وهي : ( وعزالي ) ، فما هو المقصود بها ؟
الجواب : المقصود أنها من التعزية ، أي : أنها تطلب الصبر والتقوية وليست تندب العزى التي هي الصنم ، لأنها قد لا تعرف أن هناك صنماً اسمه العزى ولا يخطر ببالها هذا ، وبعض الناس قال : يجب إنكارها ، لأن ظاهر اللفظ أنها تندب العزى ، وهذا شرك ، ولكن نقول : لو كان هذا هو المقصود لوجب الإنكار ، لكننا نعلم علم اليقين أن هذا غير مقصود ، بل يقصد بهذا اللفظ التقوي والصبر والثبات على هذه المصيبة
قوله : ( عن الأعمش : يدخلون فيها ما ليس منها ) هذا أحد أنواع الإلحاد ، وهو أن يسمى الله بما لم يسم به نفسه ، ومن زاد فيها فقد ألحد ، لأن الواجب فيها الوقوف على ما جاء به السمع
تتمة :
جاءت النصوص بالوعيد على الإلحاد في آيات الله تعالى كما في قوله تعالى : ( إن الذين يلحدون في آياتنا لا يخفون علينا ) ( فصلت : 40 ) ، فقوله : ( لا يخفون علينا ) فيها تهديد ، لأن المعنى سنعاقبهم ، والجملة مؤكدة بأن
...
وآيات الله تنقسم إلى قسمين :

(10/234)


1 - ... آيات كونية ، وهي كل المخلوقات من السماوات والأرض والنجوم والجبال والشجر والدواب وغير ذلك ، قال الشاعر :
فواعجباً كيف يعصى الإله ... ... أم كيف يجحده الجاحد
وفي كل شيء له آية ... ... ... تدل على أنه واحد
... والإلحاد في الآيات الكونية ثلاثة أنواع :
1 - ... اعتقاد أن أحداً سوى الله منفرد بها أو ببعضها
2 - ... اعتقاد أن أحداً مشارك لله فيها
3 - ... اعتقاد أن لله فيها معيناً في إيجادها وخلقها وتدبيرها
والدليل قوله تعالى : ( قل ادعو الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير ) ( سبأ : 22 ) ظهير ، أي معين
وكل ما يخل بتوحيد الربوبية ، فإنه داخل في الإلحاد في الآيات الكونية
2 - ... آيات شرعية ، وهو ما جاء به الرسل من الوحي كالقرآن ، قال تعالى : ( بل هو آيات بينات في صدور الذين أوتوا العلم ) ( العنكبوت : 49 )
والإلحاد في الآيات الشرعية ثلاثة أنواع :
1 - ... تكذيبها فيما يتعلق بالأخبار
2 - ... مخالفتها فيما يتعلق بالأحكام
3 - ... التحريف في الأخبار والأحكام
والإلحاد في الآيات الكونية والشرعية حرام
ومنه ما يكون كفراً ، كتكذيبها ، فمن كذب شيئاً مع اعتقاده أن الله ورسوله أخبرا به ، فهو كافر
ومنه ما يكون معصية من الكبائر ، كقتل النفس والزنا
ومنه ما يكون معصية من الصغائر ، كالنظر لأجنبية لشهوة
قال الله تعالى في الحرم : ( ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم ) ( الحج : 25 ) ، فسمى الله المعاصي والظلم إلحاداً ، لأنها ميل عما يجب أن يكون عليه الإنسان ، إذ الواجب عليه السير على صراط الله تعالى ، ومن خالف ، فقد ألحد
***
فيه مسائل :

(10/235)


الأولى : إثبات الأسماء يعني لله تعالى ، وتؤخذ من قوله : ( ولله الأسماء ) ، وهذا خبر متضمن لمدلوله من ثبوت الأسماء لله ، وفي الجملة حصر لتقديم الخبر ، والحصر باعتبار كونها حسنى لا باعتبار الأسماء
وأنكر الجهمية وغلاة المعتزلة ثبوت الأسماء لله تعالى
الثانية : كونها حسنى أي : بلغت في الحسن أكمله ، لأن ( حسنى ) مؤنث أحسن ، وهي اسم تفضيل
الثالثة : الأمر بدعائه بها والدعاء نوعان : دعاء مسألة ، ودعاء عبادة ، وكلاهما مأمور فيه أن يدعى الله بهذه الأسماء الحسنى وسبق تفصيل ذلك (1)
الرابعة : ترك من عارض من الجاهلين الملحدين أي ترك سبيلهم ، وليس المعنى أن لا ندعوهم ولا نبين لهم ، والآية تتضمن أيضاً التهديد
الخامسة : تفسير الإلحاد فيها وقد سبق بيان أنواعه
السادسة : وعيد من ألحد وتؤخذ من قوله تعالى : ( سيجزون ما كانوا يعملون )
باب لا يقال : السلام على الله
ــــــــــــــــــــــــ
هذه الترجمة أتى بها المؤلف بصيغة النفي ، وهو محتمل للكراهة والتحريم ، لكن استدلاله بالحديث يقتضي أنه للتحريم وهو كذلك
والسلام له عدة معان :
1 - ... التحية ، كما قال : سلم على فلان ، أي : حياه بالسلام
2 - ... السلامة من النقص والآفات ، كقولنا :( السلام عليك أيها النبي صلي الله عليه وسلم ورحمة الله وبركاته )
3 - ... السلام:اسم من أسماء الله تعالى ، قال تعالى : ( الملك القدوس السلام ) ( الحشر : 23 )
قوله: ( لا يقال السلام على الله ) أي : لا تقل : السلام عليكم يا رب ، لما يلي :
أ - ... أن مثل هذا الدعاء يوهم النقص في حقه ، فتدعو الله أن يسلم نفسه من ذلك ، إذ لا يدعى لشيء بالسلام من شيء إلا إذا كان قابلاً أن يتصف به ، والله – سبحانه – منزه عن صفات النقص

(10/236)


ب - ... إذا دعوت الله أن يسلم نفسه ، فقد خالفت الحقيقة ، لأن الله يدعى ولا يدعى له ، فهو غني عنا ، لكن يثنى عليه بصفات الكمال مثل غفور ، سميع ، عليم …..
ومناسبة الباب لتوحيد الصفات ظاهرة ، لأن صفاته عليا كاملة كما أن أسمائه حسنى ، والدليل على أن صفاته عليا قوله تعالى : ( للذين لا يؤمنون بالآخرة مثل السوء ولله المثل الأعلى ) ( النحل : 60 )
وقوله تعالى : ( وله المثل الأعلى في السماوات والأرض ) ( الروم : 27 )
والمثل الأعلى : الوصف الأكمل ، فإذا قلنا : السلام على الله أوهم ذلك أن الله – سبحانه – قد يلحقه النقص ، وهذا ينافي كمال صفاته
ومناسبة هذا الباب لما قبله ظاهرة ، لأن موضوع الباب الذي قبله إثبات الأسماء الحسنى لله المتضمنة لصفاته ، وموضوع هذا الباب سلامة صفاته من كل نقص ، وهذا يتضمن كمالها ، إذ لا يتم الكمال إلا بإثبات صفات الكمال ونفي ما يضادها ، فإنك لو قلت : زيد فاضل أثبت له الفضل ، وجاز أن يلحقه نقص ، وإذا قلت : زيد فاضل ولم يسلك شيئاً من طرق السفول ، فالآن أثبت له الفض المطلق في هذه الصفة والرب – سبحانه وتعالى – يتصف بصفات الكمال ، ولكنه إذا ذكر ما يضاد تلك الصفة صار ذلك أكمل ، ولهذا أعقب المؤلف رحمه الله الباب السابق بهذا الباب إشارة إلى أن الأسماء الحسنى والصفات العلى لا يلحقها نقص والسلام إسم ثبوتي سلبي فسلبي : أي أنه يراد به نفي كل نقص أو عيب يتصوره الذهن أو يتخيله العقل ، فلا يلحقه نقص في ذاته أو صفاته أو أفعاله أو أحكامه
وثبوتي : أي يراد به ثبوت هذا الاسم له ، والصفة التي تضمنها وهي السلامة
***

(10/237)


في الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه ، قال : كنا إذا كنا مع النبي صلي الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم في الصلاة ، قلنا : السلام على الله من عباده ، السلام على فلان وفلان فقال النبي صلي الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم : ( لا تقولوا : السلام على الله ، فإن الله هو السلام ) (1)
ــــــــــــــــــــــ
قوله : ( في الصحيح ) هذا أعم من أن يكون ثابتاً في ( الصحيحين ) ، أو أحدهما ، أو غيرهما ، وانظر:(ص 146 ) باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله، وهذا الحديث المذكور في (الصحيحين )
قوله : ( كنا إذا كنا مع النبي صلي الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم في الصلاة ) الغالب أن المعية مع النبي صلي الله عليه وسلم صلي الله عليه وسلم في الصلاة لا تكون إلا في الفرائض ، لأنها هي التي يشرع لها صلاة الجماعة ، ومشروعية صلاة الجماعة في غير الفرائض قليلة ، كالاستسقاء
قوله : ( قلنا السلام على الله من عباده ) أي : يطلبون السلامة لله من الآفات ، يسألون الله أن يسلم نفسه من الآفات ، أو أن اسم السلام على الله من عباده ، لأن قول الإنسان السلام عليكم خبر بمعنى الدعاء ، وله معنيان :
1 - ... اسم السلام عليك ، أي : عليك بركاته باسمه
2 - ... السلامة من الله عليك ، فهو سلام بمعنى تسليم ، ككلام بمعنى تكليم
قوله : ( السلام على فلان وفلان ) أي : جبريل وميكائيل ، وكلمة فلان

يكنى بها عن الشخص ، وهي مصروفة ، لأنها ليست علماً ولا صفة ، كصفوان في قوله تعالى : ( كمثل صفوان عليه تراب ) ( البقرة :264)
وقد جاء في لفظ آخر : ( السلام على جبريل وميكال ) (1) كانوا يقولون هكذا في السلام فقال النبي صلي الله عليه وسلم ( لا تقولوا : السلام على الله ، فإن الله هو السلام )
وهذا نهي تحريم ، والسلام لا يحتاج إلى سلام ، هو نفسه – عز وجل – سلام سالم من كل نقص ومن كل عيب

(10/238)


وفيه دليل على جواز السلام على الملائكة ، لأن النبي صلي الله عليه وسلم لم ينه عنه ، ولأنه عليه الصلاة والسلام لما أخبر عائشة أن جبريل يسلم عليها قالت:(عليه السلام ) (2)
فيه مسائل :
الأولى : تفسير السلام فبالنسبة لكونه اسماً من أسماء الله معناه السالم من كل نقص وعيب ، وبالنسبة لكونه تحية له معنيان :
الأول : تقدير مضاف ، أي ، اسم السلام عليكم ، أي : اسم الله الذي هو السلام عليكم
الثاني : أن السلام بمعنى التسليم اسم مصدر كالكلام بمعنى التكليم ، أي : تخبر خبراً يراد به الدعاء ، أي : أسأل الله أن يسلمك تسليماً

الثانية : أنه تحية وسبق ذلك
الثالثة : أنها لا تصلح لله وإذا كانت لا تصلح له كانت حراماً
الرابعة : العلة في ذلك وهي أن الله هو السلام ، وقد سبق بيانها
الخامسة : تعليمهم التحية التي تصلح لله وتؤخذ من تكملة الحديث : ( فإذا صلى أحدكم ، فليقل : التحيات لله ….. ) ، وفيه حسن تعليم الرسول صلي الله عليه وسلم من وجهين :
الأول : أنه حينما نهاهم علل النهي
وفي ذلك فوائد :
1 - ... طمأنينة الإنسان إلى الحكم إذا قرن بالعلة
2 -بيان سمو الشريعة الإسلامية وأن أوامرها ونواهيها مقرونة بالحكمة ، لأن العلة حكمة
3 - ... القياس على ما شارك الحكم المعلل بتلك العلة
الثاني : أنه حين نهاهم عن ذلك بين لهم ما يباح لهم ، فيؤخذ منه أن المتكلم إذا ذكر ما ينهى عنه فليذكر ما يقوم مقامه مما هو مباح ، ولهذا شواهد كثيرة من القرآن والسنة سبق شيء منها
ويستفاد من الحديث : أنه لا يجوز الإقرار على المحرم ، لقوله : ( لا تقولوا : السلام على الله ) ، وهذا واجب على كل مسلم ، ويجب على العلماء بيان الأمور الشرعية لئلا يستمر الناس فيما لا يجوز ويرون أنه جائز ، قال تعالى : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه ) ( آل عمران : 187)
***

باب قول : اللهم اغفر لي إن شئت

(10/239)


ـــــــــــــــــــــــــ
قوله : ( باب قول : اللهم اغفر لي إن شئت )
عقد المؤلف هذا الباب لما تضمنه هذا الحديث من كمال سلطان الله وكمال جوده وفضله ، ولك من صفات الكمال
قوله : ( اللهم ) معناه : يا الله ، لكن لكثرة الاستعمال حذفت يا النداء وعوض عنها الميم ، وجعل العوض في الآخر تيمناً بالابتداء بذكر الله
قوله : ( اغفر لي ) المغفرة : ستر الذنب مع التجاوز عنه ، لأنها مشتقة من المغفر ، وهو ما يستر به الرأس للوقاية من السهام ، وهذا لا يكون إلا بشيء ساتر واق ، ويدل له قول الله – عز وجل – للعبد المؤمن حينما يخلو به ويقرره بذنوبه يوم القيامة : ( قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم ) (1)
قوله : ( إن شئت ) 0 أي : إن شئت أن تغفر لي فاغفر ، وإن شئت فلا تغفر
***

في الصحيح عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال : ( لا يقل أحدكم : اللهم اغفر لي إن شئت اللهم ارحمني إن شئت ليعزم المسألة ، فإن الله لا مكره له ) (1)
ـــــــــــــــــــــــــــ
قوله ( في الصحيح ) سبق الكلام على مثل هذه العبارة في كلام المؤلف ، والمراد هنا الحديث الصحيح ، لأن الحديث في ( الصحيحين ) كليهما قوله صلي الله عليه وسلم : ( لا يقل أحدكم ) لا : ناهية بدليل جزم الفعل بعدها
قوله : ( اللهم اغفر لي ، اللهم أرحمني ) ففي الجملة الأولى : ( اغفر لي ) النجاة من المكروه ، وفي الثانية : ( أرحمني ) الوصول إلى المطلوب ، فيكون هذا الدعاء شاملاً لكل ما فيه حصول المطلوب وزوال المكروه
قوله : ( ليعزم المسألة ) اللازم لام الأمر ، ومعنى عزم المسألة : أن لا يكون في تردد بل يعزم بدون تردد ولا تعليق و( المسألة ) : السؤال ، أي : ليعزم في سؤاله فلا يكون متردداً بقوله : إن شئت

(10/240)


قوله : ( فإن الله لا مكره له ) تعليل للنهي عن قول : ( اللهم اغفر لي إن شئت ، اللهم ارحمني إن شئت ) ، أي : لا أحد يكرهه على ما يريد فيمنعه منه ، أو ما لا يريد فيلزمه بفعله ، لأن الأمر كله لله وحده
والتحذير في التعليق من وجوه ثلاثة :

ولمسلم : ( وليعظم الرغبة ، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه ) (1)
ــــــــــــــــــــــــ
الأول : أنه يشعر بأن الله له مكره على الشيء ، وأن وراءه من يستطيع أن يمنعه ، فكأن الداعي بهذه الكيفية يقول : أنا لا أكرهك ، إن شئت فاغفر وإن شئت فلا تغفر
الثاني : أن أقول القائل : ( إن شئت ) كأنه يرى أن هذا أمر عظيم على الله فقد لا يشاؤه لكونه عظيماً عنده ، ونظير ذلك أن تقول لشخص من الناس – والمثال للصورة بالصورة لا للحقيقة بالحقيقة – أعطني مليون ريال إن شئت ، فإنك إذا قلت له ذلك ، ربما يكون الشيء عظيماً يتثاقله ، فقولك : إن شئت ، لأجل أن تهون عليه المسألة ، فالله – عز وجل – لا يحتاج أن تقول له : إن شئت ، لأنه – سبحانه وتعالى – لا يتعاظمه شيء أعطاه ، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: (وليعظم الرغبة ، فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه )
قوله: ( وليعظم الرغبة ) ، أي : ليسأل ما شاء من قليل وكثير ولا يقل : هذا كثير لا أسأل الله إياه ، ولهذا قال : ( فإن الله لا يتعاظمه شيء أعطاه ) ، أي : لا يكون الشيء عظيماً عنده حتى يمنعه ويبخل به – سبحانه وتعالى – كل شيء يعطيه ، فإنه ليس عظيماً عنده ، فالله – عز وجل – يبعث الخلق بكلمة واحدة ، وهذا أمر عظيم ، لكنه يسير عليه ، قال تعالى : ( قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبئن بما علمتم وذلك على الله يسير ) ( التغابن : 7 ) وليس بعظيم ، فكل مايعطيه الله – عز وجل – لأحد من خلقه فليس بعظيم يتعاظمه ، أي : لا يكون الشيء عظيماً
عنده حتي لا يعطيه ، بل كل شيء عنده هين .

(10/241)


الثالث: أنه يشعر بأن الطالب مستغن عن الله ، كانه يقول : إن شئت فأفعل ، وإن شئت فلا تفعل فأنا لا يهمني ، ولهذا قال : ( وليعظم الرغبة ) أي يسأل برغبة عظيمة ، والتعليق ينافي ذلك ، لأن المعلق للشيء المطلوب يشعر تعليقه بانه مستغن عنه ، والإنسان ينبغي أن يدعو الله تعالى وهو يشعر أنه مفتقر إليه غاية الإفتقار ، وأن الله قادر على ان يعطيه ما سأل ، وأن الله ليس يعظم عليه شيء ، بل هو هين عليه ، إذا من آداب الدعاء أن لا يدعو بهذه الصيغة ، بل يجزم فيقول : اللهم أغفر لي ، اللهم أرحمني ، اللهم وفقني ، وما اشبه ذلك ، وهل يجزم بالإجابة ؟
... الجواب : إذا كان الأمر عائدا إلى قدرة الله! فهذا يجب أن تجزم بان الله قادر على ذلك ، قال الله تعالى : (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ)(غافر: من الآية60)
أما من حيث دعائك أنت باعتبار ما عندك من الموانع ، او عوم توافر الأسباب فإنك قد تتردد في الاجابة ، ومع ذلك ينبغي أن تحسن الظن بالله ، لأن الله ـ عز وجل ـ قال : (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) فالذي وفقك لدعائه أولا سيمن عليك بالاجابة آخراً ، لا سيما إذا أتي الإنسان بأسباب الإجابة وتجنب الموانع ، ومن الموانع الاعتداء في الدعاء ، كأن يدعو بأثم أو قطيعة رحم .
ومنها أن يدعو بما لا يمكن شرعا وقدرا .
فشرعا كأن يقول : اللهم اجعلني نبيا .
وقدرا ً بأن يدعو الله تعالى بأن يجمع بين النقيضين ، وهذا أمر لا يمكن ، فالاعتداء بالدعاء مانع من اجابته ، وهو محرم لقوله تعالى:(ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)(لأعراف:55) وهو اشبه ما يكون بالاستهزاء بالله ـ سبحانه ـ
مناسبة الباب للتوحيد : من وجهين :

(10/242)


1. من جهة الربوبية ، فإن من أتى بما يشعر بأن الله مكره لم يقم بتمام ربوبيته تعالى، لأن تمام الربوبية أنه لا مكره له، بل أن لا يسأل عما يفعل، كما قال تعالى : (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون ) (الأنبياء :23).
وكذلك فيه من ناحية الربوبية من جهة أخرى، وهو أن الله يتعاظم الأشياء التي يعطيها، فكان فيه قدح في جودة و كرمه .
2 – من ناحية العبد، فإنه يشعر باستغنائه عن ربه، وهذا نقص في توحيد الإنسان، سواء من جهة الألوهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات، ولهذا ذكره المصنف في الباب الذي يتعلق بالأسماء والصفات .
فإن قلت : ما الجواب عما ورد في دعاء الاستخارة: (اللهم ! إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك العظيم، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علام الغيوب، اللهم ! إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاقدره لي ويسره لي ثم بارك لي فيه، وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فأصرفه عني و اصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان ثم أرضني به .(1) ، وكذا ما ورد في الحديث المشهور : ( اللهم ! أحيني ما كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خير لي (2) .
__________
(1) البخاري : كتاب الدعوات / باب الدعاء عند الاستخارة .
(2) البخاري كتاب الدعوات / باب الدعاء بالموت والحياة، ومسلم : كتاب الذكر والدعاء / باب كراهة تمني الموت .

(10/243)


فالجواب : أنني لم أعلق هذا بالمشيئة، ما قلت : فاقدره لي إن شئت، لكن لا أعلم أن هذا الخير لي أو شر والله يعلم، فأقول إن كنت تعلم إن هذا الأمر خير فاقدره لي، فالتعليق عندي مجهول لا اعلم هل هو خير لي أو لا؟ وكذا بالنسبة للحديث الآخر ، لأن الإنسان لا يعلم هل طول حياته خير أوشر؟ ولهذا كره أهل العلم أن تقول للشخص : أطال الله بقاءك، لأن طول البقاء لا يعلم، فقد يكون خيرا، وقد يكون شرا، ولكن يقال : أطال الله بقاءك على طاعته وما أشبه ذلك حتى يكون الدعاء خيرا بكل حال، وعلى هذا، فلا يكون في حديث الباب معارضة لحديث الاستخارة ولا حديث : (اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرا لي)، لأن الدعاء مجزوم به وليس معلقا بالمشيئة، والنهي إنما هو عما كان معلقا بالمشيئة .
لكن لو قال : اللهم اغفر إن أردت وليس إن شئت، فالحكم واحد لأن الإرادة هنا كونية، فهي بمعنى المشيئة، فالخلاف باللفظ لا يعتبر مؤثرا بالحكم .
* * *

فيه مسائل :
الأولى : النهي عن الاستثناء في الدعاء. والمراد بالاستثناء هنا الشرط، فإن الشرط يسمى استثناء بدليل قوله صلى الله عليه وسلم لضباعة بنت الزبير (حجي واشترطي، فإن لك على ربك ما استثنيت)(1)، ووجهه أنك إذا قلت : أكرم زيدا إن أكرمك، فهو كقولك : أكرم زيدا إلا ألا يكرمك، فهو بمعنى الاستنثناء في الحقيقة.
الثانية : بيان العلة في ذلك . وقد سبق أنها ثلاث علل :
أنه تشعر بأن الله له مكره، والأمر ليس كذلك .
أنها تشعر بأن هذا أمر عظيم على الله قد يثقل عليه ويعجز عنه، والأمر ليس كذلك .
أنها تشعر باستغناء الإنسان عن الله، وهذا غير لائق وليس من الأدب .
__________
(1) البخاري : كتاب النكاح / باب الأكفاء في اليدين ، ومسلم : كتاب الحج / باب جواز اشتراط المحرم .
وقوله صلى الله عليه وسلم :" ( فإن لك على ربك ما استثنيت) اخرجه النسلئي : كتاب المناسك / باب كيف يقول إذا اشترط .

(10/244)


الثالثة : قوله : (ليعزم المسالة) . تفيد أنك إذا سألت فاعزم ولا تردد .
الرابعة : إعظام الرغبة . لقوله صلى الله عليه وسلم : (وليعظم الرغبة)، أي : ليسال
الخامسة : التعليل لهذا الأمر ..
ما بدا له فلا شي عزيز أو ممتنع على الله .
الخامسة : التعليل لهذا الأمر . يستفاد من قوله : (فإن الله لا يتعاظمه شي، أو لا مكره له) وقوله : (وليعظم الرغبة، وفي هذا حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم إذا ذكر شيئا قرنه بعلته .
وفي ذكر علة الحكم فوائد :
الأولى : بيان سمو هذه الشريعة، وأنه ما من شي تحكم به إلا وله علة وحكمه .
الثانية : زيادة طمأنينة الإنسان، لأنه إذا فهم العلة مع الحكم اطمأن، ولهذا لما سئل صلى الله عليه وسلم عن بيع الرطب بالتمر لم يقل حلال أو حرام، بل قال : (أينقص إذا جف؟) قالوا : نعم . فنهى عنه (1).
(والرجل الذي قال : إن امرأتي ولدت غلاما أسود – لم يقل صلى الله عليه وسلم الولد لك – بل قال : هل لك من إبل ؟ قال : نعم . قال : ما ألوانها؟ قال : حمر. قال : هل فيها من أورق – الأورق : الأشهب الذي بين البياض والسواد - ؟ قال : نعم . قال : من أين؟ قال : لعله نزعة عرق (2)، قال لعل ابنك نزعة عرق ، فاطمأن ، وعرف الحكم، وأن هذا هو الواقع، فقرن الحكم بالعلة يُوجب الطمأنينة ومحبة الشريعة والرغبة فيها .
الثالثة : القياس إذا كانت المسألة في حكم من الأحكام، فليحق بها ما شاركها في العلة .
باب لا يقول : عبدي وأمتي
__________
(1) الإمام أحمد في(المسند) (1/175-176)، وابو داود : كتاب البيوع / باب في التمر بالتمر، والترمذي : كتاب البيوع / باب اشتراء التمر بالرطب، وابن ماجة : كتاب التجارات / باب بيع الرطب بالتمر، والحاكم في (المستدرك) (2/38) وصححه ووافق الذهبي ، وصححه أحمد شاكر في (المسند) (1515) .
(2) البخاري : كتاب الطلاق / باب إذا عرض بنفي الولد، ومسلم : كتاب اللعان .

(10/245)


في الصحيح عن أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا يقل أحدكم : أطعم ربك، وضيء ربك، وليقل : سيدي ومولاي. ولا يقل أحدكم : عبدي أمتي . وليقل : فتاي وفتاتي وغلامي (1) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
هذه الترجمة تحتمل كراهة هذا القول وتحريمه، وقد اختلف العلماء في ذلك وسيأتي التفصيل فيه.
قوله : (في الصحيح) . سبق التنبيه على مثل هذه العبارة في كلام المؤلف، وهذا الحديث في (الصحيحين)، أي : في الحديث الصحيح، ولعله أراد (صحيح البخاري) ، لأن هذا لفظه، أما لفظ مسلم، فيختلف .
قوله صلى الله عليه وسلم : (لا يقل) . الجملة نهي .
(عبدي)، أي : للغلام .
و(أمتي)، أي : للجارية .
والحكم في ذلك ينقسم إلى قسمين :
الأول : أن يضيفه إلى غيره، مثل أن يقول : عبد فلان أو أمة فلان، فهذا جائز، قال تعالى : (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم) (النور :32) وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة)(2).
الثاني : أن يضيفه إلى نفسه ، وله صورتان :
الأولى : أن يكون بصيغة الخبر، مثل : أطعمت عبدي، كسوت عبدي، أعتقت عبدي، فإن قاله في غيبة العبد أو الأمة، فلا بأس به، وإن قاله في حضرة العبد أو الأمة، فإن ترتب عليه مفسدة تتعلق بالعبد أو السيد منع، وإلا، فلا لأن قائل ذلك لا يقصد العبودية التي هي الذل، وإنما يقصد أنه مملوك .
الثانية : أن يكون بصيغة النداء فيقول السيد : يا عبدي! هات كذا، فهذا منهي عنه، وقد اختلف العلماء في النهي : هل هو للكراهة أو التحريم ؟ والراجح التفصيل في ذلك، وأقل أحواله الكراهة.
__________
(1) البخاري : كتاب العتق / باب كراهة التطاول على الرقيق ، ومسلم كتاب : كتاب الأدب / باب حكم إطلاق لفظ العبد والأمة .
(2) البخاري : كتاب الزكاة/ باب ليس على المسلم في عبده صدقة، ومسلم : كتاب الزكاة / باب لا زكاة لمسلم في عبده وفرسه .

(10/246)


قوله صلى الله عليه وسلم :(لا يقل أحدكم : أطعم ربك ...الخ) . أي : لا يقل أحدكم لعبد غيره، ويحتمل أن يشمل قول السيد لعبده حيث يضع الظاهر موضع المضمر تعاظما .
واعلم أن إضافة الرب إلى غير الله تعالى تنقسم إلى أقسام :
القسم الأول : أن تكون الإضافة إلى ضمير المخاطب، مثل : أطعم ربك، وضيء ربك ، فيكره ذلك للنهي عنه، لأن فيه محذورين :
من جهة الصيغة، لأنه يوهم معنى فاسدا بالنسبة لكلمة رب، لأن الرب من أسمائه سبحانه، وهو يطعم ولا يُطعم، وإن كان بلا شك أن الرب هنا غير رب العالمين الذي يطعم ولا يطعم، ولكن من باب الدب في اللفظ.
من جهة المعنى أنه يشعر العبد أو الأمة بالذل، لأنه إذا كان السيد ربا كان العبد أو الأمة مربوبا .
القسم الثاني : أن تكون الإضافة إلى ضمير الغائب، لا بأس به، كقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أشراط الساعة : (أن تلد الأمة ربها)(1)، وأما لفظ (ربتها)(2) ، فلا إشكال فيه لوجود تاء التأنيث فلا اشتراك مع الله في اللفظ ، لأن الله لا يقال له إلا رب ، وفي حديث الضالة – وهو متفق عليه – ( حتي يجدها ربها)(3) وقال بعض أهل العلم– وهو متفق عليه : إن حديث الضالة في بهيمة لا تتعبد ولا تتذلل، فليست كالإنسان، والصحيح عدم الفارق، لأن البهيمة تعبد الله عبدة خاصة، قال تعالى : (ولله يسجد من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب)، وقال في الناس : (وكثير من الناس) ليس جميعهم : (وكثير حق عليه العذاب) ( الحج : 18) ، وعلى هذا، فيجوز أن تقول : أطعم الرقيق ربه، ونحوه ...
__________
(1) البخاري : كتاب الإيمان / باب سؤال جبريل النبي صلى الله عليه وسلم، ومسلم : كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان .
(2) البخاري : كتاب التفسير / باب (إن الله عنده علم الساعة)، ومسلم : كتاب الإيمان / باب بيان الإيمان
(3) البخاري كتاب اللقطة / باب ضالة الإبل ، ومسلم : كتاب اللقطة .

(10/247)


القسم الثالث:أن تكون الإضافة إلى ضمير المتكلم، بان يقول العبد: هذا ربي، فهل يجوز هذا؟
قد يقول قائل : إن هذا جائز، لأن هذا من العبد لسيده، وقد قال تعالى عن صاحب يوسف : (إنه ربي أحسن مثواي) ( يوسف :32)، أي : سيدي، ولأن المحذور من قول (ربي) هو إذلال العبد، وهذا منتف، لأنه هو بنفسه يقول : هذا ربي .
القسم الرابع: أن يضاف الاسم إلى الظاهر، فيقال: هذا رب الغلام، فظاهر الحديث الجواز، وهو كذلك ما لم يوجد محذور فيمنع، كما لو ظن السامع أن السيد رب حقيقي خالق ونحو ذلك.
قوله : (وليقل : سيدي ومولاي) . المتوقع أن يقول : وليقل سيدك ومولاك، لأن مقتضى الحال أن يرشد إلى ما يكون بدلا عن اللفظ المنهي عنه بما يطابقه، وهنا ورد النهي بلفظ الخطاب، والإرشاد بلفظ التكلم، وليقل : (سيدي ومولاي)، ففهم المؤلف رحمه الله – كما سيأتي في المسائل- أن فيه لإشارة إلى أنه إذا كان الغير قد نهى أن يقول للعبد : أطعم ربك، فالعبد من باب أولى أن ينهي عن قول : أطعمت ربي، وضأت ربي، بل يقول : سيدي ومولاي .
وأما إذا قلنا بأن أطعم ربك خاص بمن يخاطب العبد لما فيه من إذلال العبد بخلاف ما إذا قال هو بنفسه : أطعمت ربي، فإنه ينتفي الإذلال، فإنه يقال : إن الرسول صلى الله عليه وسلم لما وجه الخطاب إلى العبد نفسه ، فقال : (وليقل : سيدي ومولاي) ، أي بدلا عن قوله : أطعمت ربي، وضأت ربي .
وقوله : (سيدي) السيادة في الأصل علو المنزلة، لأنها من السؤدد والشرف والجاه وما أشبه ذلك.
والسيد يطلق على معان ، منها : المالك، والزوج ، والشريف المطاع .
وسيدي هنا مضافة إلى ياء المتكلم وليست على وجه الإطلاق .

(10/248)


فالسيد على وجه الإطلاق لا يقال إلا لله – عز وجل – قال صلى الله عليه وسلم(السيد الله)(1)
وأما السيد مضافة، فإنها تكون لغير الله، قال تعالى:(وألفيا سيدها لدى الباب) (سورة يوسف : 25) وقال صلى الله عليه وسلم : (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة)(2) ، والفقهاء يقولون : إذا قال السيد لعبده، أي : سيد العبد لعبده .
· تنبيه :
اشتهر بعض الناس إطلاق السيدة على المرأة، فيقولون مثلا : هذا خاص بالرجال، وهذا خاص بالسيدات، وهذا قلب للحقائق، لأن السادة هم الرجال، قال تعالى : (وألفيا سيدها لدى الباب) وقال : (الرجال قوامون على النساء) (الأنعام :62) ، وقال صلى الله عليه وسلم : (إن النساء عوان عندكم)(3) . أي : بمنزلة السير، وقال في الرجل : (راع في أهله ومسؤول عن رعيته)(4) ، فالصواب أن يقال للواحدة امرأة وللجماعة منهن نساء .
قوله : (ومولاي) . أي : وليقل مولاي، والولاية تنقسم إلى قسمين :
القسم الأول : ولاية مطلقة، وهذه لله – عز و جل - لا تصلح لغيره،

كالسيادة المطلقة .
وولاية الله نوعان :
النوع الأول : عامة، وهي الشاملة لكل أحد، قال تعالى : (ثم ردوا إلى الله مولاهم الحق وضل عنهم ما كانوا يفترون) (الأنعام : 62) ، فجعل له ولاية على هؤلاء المفترين، وهذه ولاية عامة .
__________
(1) الإمام أحمد في (المسند)(4/24، 35) ، والبخاري في (الأدب المفرد) (211) وابو داود : كتاب الأدب / باب في كراهة التمادح .قال ابن حجر في الفتح (5/ 179) : رجاله ثقات ، وقد صححه غير واحد .
(2) مسلم : كتاب الفضائل / باب تفضيل النبي صلى الله عليه وسلم على جميع الخلائق .
(3) الإمام أحمد (5/ 72)، والترمذي : كتاب الرضاع / باب في حق المرأة على زوجها ، وابن ماجة : كتاب النكاح / باب حق المراة على زوجها ، 1 / 594 .
(4) البخاري : كتاب الجمعة / باب الجمعة في القرى، ومسلم : كتاب الإمارة / باب فضيلة الإمام العادل .

(10/249)


النوع الثاني : خاصة بالمؤمنين، قال تعالى : (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم) (محمد :11) ، وهذه ولاية خاصة ، ومقتضى السياق أن يقال: وليس مولى الكافرين، لكن قال : (لا مولى لهم)، أي : لا هو مولى للكافرين ولا أولياؤهم الذين يتخذونهم آلهة من دون الله موالي لهم لأنهم يوم القيامة يتبرؤون منهم .
القسم الثاني : ولاية مقيدة مضافة، فهذه تكون لغير الله، ولها في اللغة معان كثيرة، منها : الناصر، والمتولي للأمور، والسيد، والعتيق.
قال تعالى : (وإن تظاهرا عليه فإن الله هو مولاه وجبريل وصالح المؤمنين) (التحريم : 4)، وقال صلى الله عليه وسلم فيما يروى عنه : ( من كنت مولاه، فعليّ مولاه)(1)، وقال صلى الله عليه وسلم : (إنما الولاء لمن اعتق)(2) . ويقال للسلطان ولي الأمر، والعتيق مولى فلان لمن أعتقه، وعليه يعرف أنه لا وجه لاستنكار بعض الناس لمن خاطب ملكا بقوله : مولاي، لأن المراد
بمولاي أي متولي أمري، ولا شك أن رئيس الدولة يتولى أمورها، كما قال تعالى : (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم) (النساء :59)
قوله صلى الله عليه وسلم : (ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي) ، هذا خطاب للسيد أن لا يقول : عبدي وأمتي لمملوكه ومملوكته، لأننا جميعا عباد الله، ونساؤنا إماء لله ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)(3) .
__________
(1) الإمام أحمد في (المسند) (1/84)
(2) البخاري : كتاب العتق / باب ما يجوز من شرط المكاتب، ومسلم : كتاب العتق / باب إنما الولاء لمن أعتق .
(3) البخاري : كتاب الجمعة / باب هل على من لم يشهد الجمعة غسل ...، ومسلم : كتاب الصلاة / باب خروج النساء.

(10/250)


فالسيد منهي أن يقول ذلك، لأنه إذا قال : عبدي وأمتي، فقد تشبه بالله – عز وجل – ولو من حيث ظاهر اللفظ، لأن الله – عز وجل – يخاطب عباده بقوله : عبدي، كما في الحديث : (عبدي استطعمتك فلم تطعمني ...)(1) وما أشبه ذلك .
وإن كان السيد يريد بقوله : (عبدي)، أي : مملوكي، فالنهي من باب التنزه عن اللفظ الذي يوهم الإشراك، وقد سبق بيان حكم ذلك(2) .
وقوله : (وأمتي) . الأمة : الأنثى من المملوكات، وتسمى الجارية .
والعلة من النهي : أن فيه إشعارا بالعبودية، وكل هذا من باب حماية التوحيد والبعد عن التشريك حتى في اللفظ، ولهذا ذهب بعض أهل العلم ومنهم شيخنا عبد الرحمن السعدي رحمه الله إلى أن النهي في الحديث ليس على سبيل التحريم، وأنه على سبيل الأدب والأفضل والأكمل، وقد سبق بيان حكم ذلك مفصلا .
قوله : (وليقل فتاي وفتاتي) .مثله جاريتي وغلامي، فلا بأس به .
وفي الحديث فوائد :
حسن تعليم الرسول صلى الله عليه وسلم،حيث إنه إذا نهى عن شيء فتح للناس ما
يباح لهم فقال : (لا يقل : عبدي وأمتي، وليقل : فتاي وفتاتي) ، وهذه كما هي طريقة القرآن أيضا، قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا) (البقرة :104) ، وهكذا ينبغي لأهل العلم وأهل الدعوة إذا سدوا على الناس ويسدوا الطرق أمامهم، لأن في ذلك فائدتين عظيمتين :
الأولى : تسهيل ترك المحرم على هؤلاء، لأنهم إذا عرفوا أن هناك بدلا عنه هان عليهم تركه.
الثانية : بيان أن الدين الإسلامي فيه سعة، وأن كل ما يحتاج إليه الناس، فإن الدين الإسلامي يسعه، فلا يحكم على الناس أن يتكلموا بشي أو لا يفعلوا شيئا إلا وفتح لهم ما يغني عنه، وهذا من كمال الشريعة الإسلامية .
__________
(1) مسلم : كتاب البر والصلة / باب فضل عيادة المريض .
(2) تقدم (ص924)

(10/251)


2 – أن الأمر يأتي للإباحة ، لقوله : (وليقل : سيدي ومولاي)، وقد قال العلماء : إن الأمر إذا أتى في مقابلة شي ممنوع صار للإباحة ، وهنا جاء الأمر في مقابلة شي ممنوع، ومثله قوله تعالى : (وإذا حللتم فاصطادوا) (المائدة :2) .
* * *

فيه مسائل :
* الأولى : النهي عن قول : عبدي وأمتي. تؤخذ من قوله : (ولا يقل أحدكم عبدي وأمتي)، وقد سبق بيان ذلك .
* الثانية : لا يقول العبد : ربي، ولا يقال له :أطعم ربك . تؤخذ من الحديث، وقد سبق بيان ذلك .
* الثالثة : تعليم الأول (وهو السيد) قول : فتاي وفتاتي وغلامي .
* الرابعة : تعليم الثاني (وهو العبد) قول : سيدي ومولاي .
* الخامسة : التنبيه للمراد، وهو تحقيق التوحيد حتى في الألفاظ . وقد سبق ذلك .
وفي الباب مسائل أخرى لكن هذه المسائل هي المقصود .
* * *

باب لا يرد من سال بالله
ـــــــــــــــــــــــــ
قوله : (باب لا يرد) . (لا) نافية بدليل رفع المضارع بعدها، والنفي يحتمل أن يكون للكراهة، وأن يكون للتحريم .
وقوله : (من سأل بالله) . أي : من سأل غيره بالله، والسؤال بالله ينقسم إلى قسمين :
أحدهما : السؤال بالله بالصيغة، مثل أن يقول : أسألك بالله كما تقدم في حديث الثلاثة حيث قال الملك : (أسألك بالذي أعطاك الجلد الحسن واللون الحسن بعيرا)(1) .
الثاني : السؤال بشرع الله – عز وجل -، أي : يسأل سؤالا يبيحه الشرع، كسؤال الفقير من الصدقة، والسؤال عن مسألة من العلم، وما شابه ذلك .
وحكم من رد من سأل بالله الكراهة أو التحريم حسب حال المسؤول والسائل ، وهنا عدة مسائل :
المسألة الأولى : هل يجوز للإنسان أن يسأل بالله أم لا؟
__________
(1) تقدم تخريجه (ص877)

(10/252)


وهذه المسألة لو يتطرق إليه المؤلف رحمه الله، فنقول أولا : السؤال من حيث هو مكروه ولا ينبغي للإنسان أن يسأل أحدا شيئا إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك، ولهذا كان مما بايع النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه أن يسألوا الناس شيئا، حتى إن عصا أحدهم ليسقط منه وهو على راحلته، فلا يقول لأحد : ناولينه، بل ينزل ويأخذه(1) .
والمعنى يقتضيه، لأنك إذا أعززت نفسك ولم تذلها لسؤال الناس بقيت محترما عند الناس، وصار لك منعة من أن تذل وجهك لأحد، لأن من أذل وجهه لأحد، فإنه ربما يحتاجه ذلك الأحد لأمر يكره أن يعطيه إياه، ولكنه سأله اضطر إلى يجيبه، ولهذا روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال (ازهد فيما عند الناس يحبك الناس)(2) ، فالسؤال أصلا مكروه أو محرم إلا لحاجة أو ضرورة .
فسؤال المال محرم، فلا يجوز أن يسال من أحد مالا إلا إذا دعت الضرورة إلى ذلك، وقال الفقهاء رحمهم الله في باب الزكاة : (إن من أبيح له أخذ شي أبيح له سؤاله)، ولكن فيما قالوه نظر،فإن الرسول صلى الله عليه وسلم حذر من السؤال ، وقال : ( إن الإنسان لا يزال يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم)(3)، وهذا يدل على التحريم إلا للضرورة .
وأما سؤال المعونة بالجاه أو المعونة بالبدن، فهذا مكروه، إلا إذا دعت الحاجة إلى ذلك .
وأما إجابة السائل، فهو موضوع بابنا، ولا يخلو السائل من أحد الأمرين :
الأول : أن يسأل سؤالا مجردا، كأن يقول مثلا : يا فلان ! أعطني كذا وكذا، فإن كان مما أباحه الشارع له فإنك تعطيه، كالفقير يسأل شيئا من الزكاة.
__________
(1) مسلم : كتاب الزكاة / باب كراهة المسألة للناس .
(2) ابن ماجة : كتاب الزهد / باب الزهد في الدنيا .
(3) البخاري : كتاب الزكاة/ باب من سال الناس تكثرا، ومسلم : كتاب الزكاة / باب كراهة المسألة .

(10/253)


الثاني : أن يسأل بالله ، فهذا تجيبه وإن لم يكن مستحقا، لأنه سال بعظيم، فإجابته من تعظيم هذا التعظيم، لكن لو سال إثما أو كان في إجابته ضرر على المسؤول، فإنه يجاب.
مثال الأول : أن يسألك بالله نقودا ليشتري بها محرما كالخمر.
ومثال الثاني : أن يسألك بالله أن تخبره عما في سرك وما تفعله مع أهلك ، فهذا لا يجاب لأن في الأول إعانة على الإثم، وإجابته في الثاني ضرر على المسؤول .
عن ابن عمر رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : (من سأل بالله فأعطوه ؛ ومن استعاذ بالله ؛ فأعيذوه ، ومن دعاكم ؛ فأجيبوه ، ومن صنع إليكم معرروفا ؛ فكافئوه ، فإن لم تجدوا ما تكافئوه ، فأدعوا له حتي تروا أنكم قد كافأتموه ) . رواه أبو داوود والنسائي بسند صحيح (1)
ـــــــــــــــــــــــ
* * *
قوله صلى الله عليه وسلم : (من سال بالله) . (من) : شرطية للعموم .
قوله : (فأعطوه) الأمر هنا للوجوب ما لم يتضمن السؤال إثما أو ضررا على المسؤول، لأن في إعطائه إجابة لحاجته وتعظيما لله - عز وجل – الذي سال به .
ولا يشترط أن يكون سؤاله بلفظ الجلالة بل بكل اسم يختص بالله، كما قال الملك الذي جاء إلى الأبرص والقرع والأعمى : (أسألك بالذي أعطاك كذا وكذا)(1) .
قوله : (ومن استعاذ بالله فأعيذوه) . أي قال : أعوذ بالله منك ، فإنه يجب عليك أن تعيذه، لأنه استعاذ بعظيم، ولهذا لما قالت ابنة الجون للرسول صلى الله عليه وسلم: أعوذ بالله منك، قال لها : (لقد عذت بعظيم- أو معاذ -، الحقي بأهلك(2).
لكن يستثنى من ذلك لو استعاذ من أمر واجب عليه، فلا تعذه، مثل أن تلزمه بصلاة الجماعة، فقال أعوذ بالله منك .
__________
(1) تقدم (ص110 ) .
(3) تقدم (ص877) .
(2) البخاري : كتاب الطلاق / باب من طلق وهل يواجه الرجل امرأته بالطلاق .

(10/254)


وكذلك لو ألزمته بالإقلاع عن أمر محرم، فاستعاذ بالله منك، فلا تعذه لما فيه من التعاون على الإثم والعدوان، ولأن الله لا يعيذ عاصيا، بل العاصي يستحق العقوبة لا الانتصار له وإعادته .
وكذلك من استعاذ بملجأ صحيح يقتضي الشرع أن يعيذه – وإن لم يقل أستعيذ بالله -، فإنه يجب عليك أن تعيذه كما قال أهل العلم : لو جنى أحد جناية ثم لجأ إلى الحرم، فإنه لا يقام عليه الحد ولا القصاص في الحرم، ولكنه يضيق عليه، فلا يبايع، ولا يشترى منه، ولا يؤجر حتى يخرج .
قوله:(ومن دعاكم فأجيبوه). (من) : شرطية للعموم، والظاهر أن المراد بالدعوة هنا للإكرام، وليس المقصود بالدعوة هنا النداء .
وظاهر الحديث وجوب إجابة الدعوة في كل دعوة، وهو مذهب الظاهرية .
وجمهور أهل العلم : أنها مستحبة إلا دعوة العرس ، فإنها واجبة لقوله صلى الله عليه وسلم فيها:(شر الطعام طعام الوليمة، يدعى إليها من يأباها ويمنعها من يأتيها ، ومن لم يجب ، فقد عصى الله ورسوله)(1) . وسواء قيل بالوجوب أو الاستحباب، فإنه يشترط لذلك شروط :
1. أن يكون الداعي ممن لا يجب هجره أو يسن .
2. ألا يكون هناك منكر في مكان الدعوة، فإن كان هناك منكر، فإن أمكنة إزالته، وجب عليه الحضور لسببين :
- إجابة الدعوة .
- وتغيير المنكر .
وإن كان لا يمكن إزالته حرم عليه الحضور، لأن حضوره يستلزم إثمه، وما استلزم الإثم ، فهو إثم .
3. أن يكون الداعي مسلما، وإلا لم تجب الإجابة، لقوله صلى الله عليه وسلم : (حق المسلم على المسلم خمس ...) وذكر منها: ( إذا دعاك فأجبه)(2). قالوا : وهذا مقيد للعموم الوارد .
__________
(1) البخاري : كتاب النكاح/ باب من ترك الدعوة فقد عصى الله ورسوله/ ومسلم : كتاب النكاح / باب الأمر بإجابة الداعي .
(2) البخاري : كتاب الجنائز / باب الأمر باتباع الجنائز، ومسلم : كتاب السلام / باب من حق المسلم للمسلم .

(10/255)


4. أن لا يكون كسبه حرام، لأن إجابته تسلتزم أن تأكل طعاما حراما، وهذا لا يجوز، وبه قال بعض أهل العلم .
وقال آخرون : ما كان محرما لكسبه، فإنما إثمه على الكاسب لا على من أخذه بطريق مباح من الكاسب، بخلاف ما كان محرما لعينه، كالخمر والمغصوب ونحوهما، وهذا القول وجيه قوي، بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم اشتري من يهودي طعاما لأهله(1)، واكل من الشاة التي أهدتها له اليهودية بخيبر(2)، وأجاب دعوة اليهودي،(5) ومن المعلوم أن اليهود معظمهم يأخذون الربا ويأكلون السحت، وربما يقوي هذا القول قوله صلى الله عليه وسلم في اللحم الذي تصدق به على بريرة : (هو لها صدقة ولنا منها هدية) (3) .
وعلى القول الأول، فإن الكراهة تقوي وتضعف حسب كثرة المال الحرام وقلته، فكلما كان الحرام أكثر كانت الكراهة أشد، وكلما قل كانت الكراهة أقل .
5. أن لا تتضمن الإجابة إسقاط واجب أو ماهو أوجب منها، فإن تضمنت ذلك حرمت الإجابة .
6. أن لا تتضمن ضررا على المجيب، مثل أن تحتاج إجابة الدعوة إلى سفر أو مفرقة هله المحتاجين إلى وجوده بينهم .
مسألة : هل إجابة الدعوة حق على لله أو للآدمي؟
__________
(1) البخاري : كتاب البيوع / باب شراء النبي صلى الله عليه وسلم بالنسيئة، ومسلم : كتاب المساقاة / باب الرهن .
(2) البخاري : كتاب الهبة / باب قبول الهدية من المشركين، ومسلم : كتاب السلام / باب السم .
(5) الإمام احمد في المسند (3/ 210، 211) .
(3) البخاري : كتاب الزكاة / باب إذا تحولت الصدقة، ومسلم : كتاب الزكاة / باب إباحة الهدية للنبي عليه الصلاة والسلام .

(10/256)


الجواب : حق للآدمي، ولهذا طلبت من الداعي أن يقيلك فقبل، فلا إثم عليك، لكنها واجبة بأمر الله عز وجل- ، ولهذا ينبغي أن تلاحظ أن إجابتك طاعة لله وقيام بحق أخيك، لكن صاحبها أن يسقطها كما أن له أن لا يدعوك أيضا، ولكن إذا أقالك حياء منه وخجلا من غير اقتناع، فإنه لا ينبغي أن تدع الإجابة .
مسألة : هل بطاقات الدعوة التي توزع كالدعوة بالمشافهة ؟
الجواب : البطاقات ترسل إلى الناس ولا يدري لمن ذهبت إليه، فيمكن أن نقول : إنها تشبه دعوة الجفلي فلا تجب الإجابة، أما إذا علم أو غلب على الظن أن الذي أرسلت إليه مقصود بعينه، فإنه لها حكم الدعوة بالمشافهة .
قوله : (من صنع إليكم معروفا، فكافئوه) . المعروف : الإحسان، فمن أحسن إليك بهدية أو غيرها، فكافئه، فإذا أحسن إليك بإنجاز معاملة وكان عملا زائدا عن الواجب عليه،فكافئه، وهذا، كالملك أو الرئيس ... مثلا إذا أعطاك هدية، فمثل هذا يدعي له، لأنك لو كافأته لرأى أن في ذلك غضا من حقه فتكون مسيئا له، والنبي صلى الله عليه وسلم أن تكافئه إحسانه .
وللمكافأة فائدتان :
1. تشجيع ذوي المعروف على فعل المعروف .
2. أن الإنسان يكسر بها الذل الذي حصل له يصنع المعروف إليه ، لأن من صنع إليك

(10/257)


معروفا فلا بد أن يكون في نفسك رقة له، فإذا رددت إليه معروفه زال عنك ذلك، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : (اليد العليا خير من اليد السفلى)(1)، واليد العليا هي يد المعطي، وهذه فائدة عظيمة لمن صنع له معروفا، لئلا يرى لأحد عليه منة إلا الله – عز وجل -، لكن بعض الناس يكون كريما جدا، فإذا كافأته بدل هديته أكثر مما أعطيته ، فهذا لا يريد مكافأة ، ولكن يدعي له، لقوله صلى الله عليه وسلم : (فإن لم تجدوا ما تكافئونه، فادعوا له) وكذلك الفقير إذا لم يجد مكافأة الغني فإنه يدعو له .
ويكون الدعاء بعد الإهداء مباشرة، لأنه من باب المسارعة إلى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، ولأنه به سرور صانع المعروف .
قوله : (حتى تروا أنكم قد كافأتموه) . (تروا) ، بفتح التاء بمعنى تعلموا، وتجوز بالضم بمعنى تظنوا، أي : حتى تعلموا أو يغلب على ظنكم أنكم قد كافأتموه، ثم أمسكوا .
* * *

* فيه مسائل :
* الأولى : إعاذة من استعاذ بالله. وسبق أن من استعاذ بالله وجبت إعاذته، إلا أن يستعيذ عن شي واجب فعلا أو تركا، فإنه لا يعاذ .
* الثانية : إعطاء من سأل بالله . وسبق التفصيل فيه .
* الثالثة : إجابة الدعوة . وسبق كذلك التفصيل فيها .
* الرابعة:المكافأة على الصنيعة.أي:على صنيعة من صنع إليك معروفا، وسبق تفصيل ذلك .
* الخامسة : أن الدعاء مكافأة لمن يقدر إلا عليه . وسبق أنه مكافأة في ذلك ، وفيما إذا كان الصانع لا يكافأ مثله عادة .
* السادسة : قوله : (حتى تروا أنكم قد كافأتموه) . أي : أنه لا يقصر في الدعاء، بل يدعوا له حتى يعلم أو يغلب على ظنه أنه قد كافأه .
وفيه مسائل أخرى ، لكن ما ذكره المؤلف هو المقصود .
* * *

باب لا يسأل بوجه الله إلا الجنة
__________
(1) البخاري : كتاب الزكاة / باب لا صدقة إلا عن ظهر غني، ومسلم كتاب الزكاة / باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى .

(10/258)


عن جابر ؛ قال : قال رسول الله صلي الله عليه وسلم : (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة) . رواه أبو داوود (1)
ــــــــــــــــــــــــــــــ
* مناسبة هذا الباب للتوحيد : أن فيه تعظيم وجه الله - عز وجل -، بحيث لا يسأل به إلا الجنة.
* * *
قوله : (لا يسأل بوجه الله إلا الجنة) . اختلف في المراد بذلك على قولين :
القول الأول : أن المراد : لا تسألوا أحدا من المخلوقين بوجه الله، فإذا أردت أن تسأل أحدا من المخلوقين، فلا تسأله بوجه الله، لأنه لا يسأل بوجه الله إلا الجنة، والخلق لا يقدرون على إعطاء الجنة، فإذا لا يسألون بوجه الله مطلقا، ويظهر أن المؤلف يرى هذا الرأي في شرح الحديث، ولذلك ذكره بعد (باب لا يرد من سأل بالله) .
القول الثاني : أنك إذا سألت الله، فإن سألت الجنة وما يستلزم دخولها، فلا حرج أن تسأل بوجه الله، وإن سالت شيئا من أمور الدنيا، فلا تسأله بوجه الله، لأن وجه الله أعظم من أن يسال به لشي من أمور الدنيا .
فأمور الآخرة تسأل بوجه الله، كقولك مثلا: أسألك بوجهك أن تنجيني من النار، والنبي صلى الله عليه وسلم استعاذ بوجه الله لما نزل قوله تعالى : (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذابا من فوقكم) ، قال : أعوذ بوجهك، (أو من تحت أرجلكم) ، قال : أعوذ بوجهك، (أو يلبسكم شيعا ويذيق بعضكم بأس بعض) (الأنعام :65) قال : هذه أهون أو أيسر)(2) .
ولو قيل : إنه يشمل المعنيين جميعا، لكان له وجه .
وقوله : (بوجه الله) . فيه إثبات الوجه لله – عز وجل - ، وهو ثابت بالقرآن والسنة وإجماع السلف، فالقرآن في قوله تعالى : (كل شي هالك إلا وجهه) (القصص : 88) ، وقوله تعالى : (والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم) (الرعد :22) والآيات كثيرة .
والسنة كما في الحديث السابق : (أعوذ بوجهك) .
__________
(1) أبو داوود : كتاب الزكاة / باب كراهية المسالة بوجه الله
(2) البخاري : كتاب التفسير / باب (قل هو القادر ...)

(10/259)


واختلف في هذا الوجه الذي أضافه الله إلى نفسه : هل هو وجه حقيقي ، أو أنه وجه يعبر به عن الشي الذي يراد به وجهه وليس هو الوجه الحقيقي، أو أنه يعبر به عن الجهة، أو أنه يعبر به عن الثواب؟
فيه خلاف، لكن هدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، فقالوا : إنه وجه حقيقي ، لأن الله تعالى قال : (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام) (الرحمن : 27) ، ولما أراد الله غير ذاته، قال : (تبارك اسم ربك ذي الجلال والإكرام ) (الرحمن :78) ف(ذي) صفة لرب وليست صفة لاسم، و(ذو) صفة لوجه وليست صفة لرب، فإذا كان الوجه موصوفا بالجلال والإكرام، فلا يمكن أن يراد به الثواب أو الجهة أو الذات وحدها، لأن الوجه غير الذات .
وقال أهل التعطيل : أن الوجه عبارة عن الذات أو الجهة أو الثواب، قالوا : ولو أثبتنا لله وجها للزم أن يكون جسما، والأجسام متماثلة،ويلزم من ذلك لإثبات المثل لله – عز وجل - ، والله تعالى يقول : (ليس كمثله شي) (الشورى : 11)، وإثبات المثل تكذيب للقرآن، وأنتم يا أهل السنة تقولون : إن من اعتقد أن لله مثيلا فيما يختص به فهو كافر، فنقول لهم :
أولا : ما تعنون بالجسم الذي فررتم منه، أتعنون به المُركّب من عظام وأعصاب ولحم ودم بحيث يفتقر كل جزء منه إلى الآخر؟ إن أردتم ذلك، فنحن نوافقكم أن الله ليس على هذا الوجه ولا يمكن أن يكون كذلك، وإن أردتم بالجسم الذات الحقيقية المتصفة بصفات الكمال، فلا محذور في ذلك، والله تعالى وصف نفسه بأنه أحد صمد، قال تعالى : (قل هو الله أحد* الله الصمد) (الإخلاص : 1-2) ، قال ابن عباس رضى الله عنهما: الصمد: الذي لا جوف له (1).
ثانيا : قولكم : إن الأجسام متماثلة قضية من أكذب القضايا، فهل جسم الدب مثل جسم النملة؟ فبينهما تباين عظيم في الحجم والرقة واللين وغير ذلك .
فإذا بطلت هذه الحجة بطلت النتيجة وهي استلزام مماثلة الله لخلقه .
__________
(1) ابن جرير (30/ 742) .

(10/260)


ونحن نشاهد البشر لا يتفقون في الوجوه، فلا تجد اثنين متماثلين من كل وجه ولو كانا توأمين، بل قالوا : إن عروق الرجل واليد غير متماثلة من شخص إلى آخر .
ويلاحظ أن التعبير بنفي المماثلة أول من التعبير بنفي المشابهة، لأنه اللفظ الذي جاء به القرآن، ولأنه ما من شيئين موجودين إلا ويتشابهان من وجه ويفترقان من وجه آخر، فنفى مطلق المشابهة لا يصح ، وقد تقدم .
وأما حديث أبي هريرة رضى الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : (إن لله خلق آدم على صورته)(1) ،ووجه الله لا يماثل أوجه المخلوقين، فيجاب عنه :
بأنه لا يراد به صورة تماثل صورة الرب – عز وجل – بإجماع المسلمين والعقلاء، لأن الله – عز وجل – وسع كرسيه السماوات والأرض، والسماوات والأرضون كلها بالنسبة للكرسي – موضع القدمين – كحلقة ألقيت في فلاة من الأرض، وفضل العرش على الكرسي كفضل الفلاة على هذه الحلقة، فما ظنك برب العالمين؟ فلا أحد يحيط به وصفا و لا تخيلا ، من هذا وصفه لا يمكن أن يكون على صورة آدم ستون ذراعا، وإنما يراد به أحد معنيين :
الأول : أن الله خلق آدم على صورة اختارها وجعلها أحسن صورة في الوجه، وعلى هذا، فلا ينبغي أن يقبح أو يضرب لأنه لما أضافه إلى نفسه اقتضى من الإكرام ما لا ينبغي معه أن يقبح أو أن يضرب .
__________
(1) البخاري : كتاب الاستئذان / باب بدء السلام، ومسلم كتاب البر / باب النهي عن ضرب الوجه . ()

(10/261)


الثاني : أن الله خلق آدم على صورة الله - عز وجل – ولا يلزم من ذلك المماثلة بدليل قوله صلى الله عليه وسلم : (إن أول زمرة تدخل الجنة على صورة القمر ليلة البدر ثم الذين يلونهم على أضوأ كوكب في السماء)(1) ، ولا يلزم أن يكون على صورة نفس القمر، لأن القمر أكبر من أهل الجنة، وأهل الجنة يدخلونها طول أحدهم ستون ذراعا، وعرضه سبعة أذرع كما في بعض الأحاديث .
وقال بعض أهل العلم : على صورته، أي : صورة آدم، أي : أن الله خلق آدم أول مرة على هذه الصورة، وليس كبنية يتدرج في الإنشاء نطفة ثم علقة ثم مضغة .
لكن الإمام أحمد رحمه الله أنكر هذا التأويل، وقال : هذا تأويل الجهمية، ولأنه يفقد الحديث معناه، وأيضا يعارضه اللفظ الآخر المفسر للضمير وهو بلفظ : (على صورة الرحمن) .
* * *

* فيه مسائل :
· الأولى : النهي عن أن يسأل بوجه الله غاية المطالب .
تؤخذ من حديث الباب، وهذا الحديث ضعفه بعض أهل العلم، لكن على تقدير صحته، فإن من الأدب أن لا تسال بوجه الله إلا ما كان من أمر الآخرة : الفوز بالجنة، أو النجاة من النار .
· الثانية : إثبات صفة الوجه . وقد سبق الكلام عليه .
* * *

باب ما جاء في ال ( لو )
ــــــــــــــــــــــــ
قوله : في ( اللو) .
دخلت (أل) على (لو) وهي لا تدخل إلا على الأسماء، قال ابن مالك :
بالجر والتنوين والندا وأل ... ... ... ومسند للاسم تمييز حصل
لأن المقصود بها اللفظ، أي : باب ما جاء في هذا اللفظ .
والمؤلف رحمه الله جعل الترجمة مفتوحة ولم يجزم بشي، لأن (لو) تستعمل على عدة أوجه:
__________
(1) البخاري كتاب بدء الحلق / باب ما جاء في صفة الجنة، ومسلم : كتاب الجنة ونعيمها / باب أول زمرة تدخل الجنة .

(10/262)


الوجه الأول : أن تستعمل في الاعتراض على الشرع ، وهذا محرم، قال تعالى : ( لو أطاعونا ما قتلوا) (آل عمران :168) في غزوة أحد حينما تخلف أثناء الطريق عبد الله بن أبي في نحو ثلث الجيش، فلما استشهد من المسلمين سبعون رجلا اعترض المنافقون على تشريع الرسول صلى الله عليه وسلم، وقالوا : لو أطاعونا ورجعوا كما رجعنا ما قتلوا، فرأينا خير من شرع محمد، وهذا محرم يصل إلى الكفر .
الثاني : أن تستعمل في الاعتراض على القدر، وهذا محرم أيضا، قال الله تعالى : (يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزي لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا) (آل عمران :156) أي : لو أنهم بقوا ما قتلوا، فهم يعترضون على قدر الله .
الثالث : أن تستعمل للندم والتحسر، وهذا محرم أيضا، لأن كل شي يفتح الندم عليك فإنه منهي عنه، لأن الندم يكسب النفس حزنا وانقباضا، والله يريد من أن نكون في انشراح وانبساط، قال صلى الله عليه وسلم : (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شي، فلا تقل : لو أني فعلت كذا لكان كذا ، فإن لو تفتح عمل الشيطان )(1) .
مثال ذلك : رجل حرص أن يشتري شيئا يظن أن فيه ربحا فخسر، فقال : لو أني ما اشتريته ما حصل لي من خسارة، فهذا ندم وتحسر، ويقع كثيرا، وقد نهي عنه .
الرابع : أن تستعمل في الاحتجاج بالقدر على المعصية، كقول المشركين:(لو شاء الله ما أشركنا) (الأنعام : 148) وقولهم:(لو شاء الرحمن ما عبدناهم) (الزخرف : 20) وهذا باطل .
__________
(1) يأتي (ص 952) .

(10/263)


الخامس : أن تستعمل في التمني،وحكمه حسب المتمني : إن كان خيرا فخير، وإن كان شرا فشر، وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم في قصة النفر الأربعة قال أحدهم : (لو أن لي مالا لعمات بعمل فلان) فهذ تمني خيرا، وقال الثاني : (لو أن لى مالا لعملت بعمل فلان)، فهذا تمني شرا . فقال النبي صلى الله عليه وسلم في الأول : ( فهو بنيته، فأجرهما سواء)، وقال في الثاني : (فهو بنيته فوزرهما سواء)(1) .
السادس : أن تستعمل في الخبر المحض .
وهذا جائز، مثل : لو حضرت الدرس لاستفدت ، ومنه قوله صلى الله عليه وسلم : (لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدى و لأحللت معكم)(2)، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه لو علم أن هذا الأمر سيكون من الصحابة ما ساق الهدى ولأحل ،
قوله تعالى : ( يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهنا) (آل عمران: من الآية154) . ــــــــــــــــــــــــــ
وهذا ظاهر لي : وبعضهم قال : إنه من باب التمني، كأنه قال : ليتني استقبلت من أمري ما استدبرت حتى لا أسوق الهدى .
لكن الظاهر : أنه لما رأى من أصحابه، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يتمنى شيئا قدر الله خلافه.
وقد ذكر المؤلف في هذا البيت آيتين :
* الآية الأولى قوله تعالى : (يقولون) . الضمير للمنافقين .
قوله : (ما قتلنا) . أي : ما قتل بعضنا، لأنهم لم يقتلوا كلهم ، ولأن المقتول لا يقول .
__________
(1) الإمام أحمد (4/230،231)
(2) البخاري : كتاب التمني / باب قول النبي صلى الله عليه وسلم : (لو استقبلت من أمري ما استدبرت)، ومسلم : كتاب الحج / باب بيان وجوه الإحرام .

(10/264)


قوله : (لو كان لنا من الأمر) . (لو) : شرطية، وفعل الشرط : (كان)، وجوابه : (ما قتلنا) ولم يقترن الجواب باللام، لأن الأفصح إذا كان الجواب منفيا عدم الاقتران، فقولك : لو جاء زيد ما جاء عمرو أفصح من قولك : لو جاء زيد لما جاء عمرو، وقد ورد قليلا اقترانها مع النفي ، كقول الشاعر :
لو نعطي الخيار لما افترقنا ... ... ... ولكن لا خيار مع الليالي
قوله : (ها هنا) . أي : في أُحد .
قوله : (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) . هذا رد عليهم، فلا يمكن أن يتخلفوا عما أراد الله بهم .
وقوله : (الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا) (آل عمران: من الآية168)
ــــــــــــــــــــــــــ
وقولهم : (لو كان لنا من الأمر شي) . هذا من الاعتراض على الشرع، لأنهم عتبوا على الرسول صلى الله عليه وسلم حين خرج بدون موافقتهم، ويمكن أن يكون اعتراضا على القدر أيضا، أي : لو كان لنا من حسن التدبير والرأي شي ما خرجنا فنقتل .
قوله : (وقعدوا) . الواو إما أن تكون عاطفة والجملة معطوفة على (قالوا) ، ويكون وصف هؤلاء بأمرين :
- بالاعتراض على القدر بقولهم : (لو أطاعونا ما قتلوا) .
- وبالجبن عن تنفيذ الشرع (الجهاد) بقولهم : (وقعدوا) ، أو تكون الواو للحال والجملة حالية على تقدير (قد) ، أي : والحال أنهم قد قعدوا، ففيه توبيخ لهم حيث قالوا مع قعودهم، ولو كان فيهم خير لخرجوا مع الناس، لكن فيهم الاعتراض على المؤمنين وعلى قضاء الله وقدره .
قوله : (لإخوانهم) . قيل : في النسب لا في الدين، وقيل في الدين ظاهرا، لأن المنافقين يتظاهرون بالإسلام ، ولو قيل لهم : إنه شامل للأمرين، لكان صحيحا .

(10/265)


قوله : (لو أطاعونا ما قتلوا) . هذا غير صحيح ، ولهذا رد الله عليهم بقوله : (قل فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين)، وإن كنتم قاعدين، فلا تستطيعون أيضا أن تدرؤوا عن أنفسكم الموت .
فهذه الآية والتي قبلها تدل على أن الإنسان محكوم بقدر الله كما أنه يجب أن يكون محكوما بشرع الله .
· مناسبة الباب للتوحيد :
أن من جملة أقسم (لو) الاعتراض على القدر ، ومن اعترض على القدر، فإنه لم يرض بالله ربا، ومن لم يرض بالله ربا، ومن لم يرض بالله ربا، فإنه لم يحقق توحيد الربوبية .
والواجب أن ترضى بالله ربا، ولا يمكن أن تستريح إلا إذا رضيت بالله ربا تمام الرضا، وكأن لك أجنحة تميل بها حيث مال القدر، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : (عجبت لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذلك لأحد إلا المؤمن : إن أصابته سراء شكر، فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خير له )(1)، ومهما كان، فالأمر سيكون على ما كان، فلو خرجت مثلا في سفر ثم أصبت في حادث، فلا تقل : لو أني ما خرجت في السفر ما أصبت، لأن هذا مقدر لا بد منه .
وفي الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول صلى الله عليه وسلم قال : (احرص على ما ينفعك، واستعن بالله، ولا تعجزن، وإن أصابك شي، فلا تقل : لو أني فعلت كذا، لكان كذا وكذا، لكن قل : قدر الله وما شاء الله فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان)(2)
ـــــــــــــــــــــــــ
***
قوله : (وفي الصحيح) أي : (صحيح مسلم)، وانظر ما سبق في : باب تفسير التوحيد وشهادة أن لا إله إلا الله (146) .
والمؤلف رحمه الله حذف منه جملة، وأتى بما هو مناسب للباب، والمحذوف قوله : ( المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير)
__________
(1) مسلم : كتاب الزهد / باب المؤمن أمره كله خير .
(2) مسلم كتاب القدر / باب في الأمر بالقوة وترك العجز

(10/266)


قوله : (القوي) . أي : في إيمانه وما يقتضيه إيمانه، ففي إيمانه، يعني : ما يحل في قلبه من اليقين الصادق الذي لا يعتريه شك، وفيما يقتضيه، يعني : العمل الصالح من الجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والحزم في العبادات وما أشبه ذلك .
وهل يدخل في ذلك قوة البدن ؟
الجواب : لا يدخل في ذلك قوة البدن إلا إذا كان في قوة بدنه ما يزيد إيمانه أو يزيد ما يقتضيه، لأن (القوي) وصف عائد على موصوف وهو المؤمن، فالمراد : القوي في إيمانه أو ما يقتضيه، ولا شك أن قوة البدن نعمة، إن استعملت في الخير فخير، وإن استعملت في الشر فشر .
قوله : (خير وأحب إلى الله) . خير في تأثيره وآثاره فهو ينفع ويقتدي به وأحب إلى الله باعتبار الثواب .
قوله : (ومن المؤمن الضعيف) . وذلك في الإيمان أو فيما يقتضيه لا في قوة البدن .
قوله : (وفي كل خير) . أي : في كل من القوي والضعيف خير، وهذا النوع من التذييل يسمى عند البلاغيين بالاحتراس حتى لا يظن أنه لا خير في الضعيف.
فإن قيل : إن الخيرية معلومة في قوله (خير واحب) ، لأن الأصل في اسم التفضيل اتفاق المفضل والمفضل عليه في أصل الوصف؟
فالجواب : أنه قد يخرج عن الأصل، كما في قوله تعالى : (أصحاب الجنة يومئذ خير مستقر) (الفرقان : 24) مع أن أهل النار لا خير في مستقرهم .
كذلك الإنسان إذا سمع هذه الجملة : (خير وأحب) صار في نفسه انتقاص للمؤمن المفضل عليه، فإذا قيل : (وفي كل خير) رفع من شانه ، ونظيره قوله تعالى : (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلا وعد الله الحسنى) (الحديد : 10) .
قوله:(احرص على ما ينفعك) . الحرص : بذلك الجهد لنيل ما ينفع من أمر الدين أو الدنيا .
وأفعال العباد بحسب السبر والتقسيم لا تخلو من أربع حالات :
1. نافعة ، وهذه مأمور بها .
2. ضارة وهذه محذر منها .
3. فيها نفع وضرر .

(10/267)


4. لا نفع فيها ولا ضرر ، وهذه لا يتعلق بها أمر ولا نهي، لكن الغالب أن لا تقع إلا وسيلة إلى ما فيه أمر أو نهي ، فتأخذ حكم الغاية، لأن الوسائل لها أحكام المقاصد .
فالأمر لا يخلو من نفع أو ضرر، إما لذاته أو لغيره، فحديثنا العام قد لا يكون فيه نفع ولا ضرر ، لكن قد يتكلم الإنسان ويتحدث لأجل إدخال السرور على غيره فيكون نفعا، ولا يمكن أن تجد شيئا من الأمور والحوادث ليس فيه نفع ولا ضرر، إما ذاتي ، أو عارض إنما ذكرناه لأجل تمام السبر والتقسيم .
والعاقل يشح بوقته أن يصرفه فيما لا نفع فيه و لا ضرر ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليقل خير أو ليصمت)(1) .
واتصال هذه الجملة بما قبلها ظاهر جدا، لأن من القوة الحرص على ما ينفع .
و (ما) : اسم موصول بفعل (ينفع)، والاسم الموصول يحول بصلته إلى اسم فاعل، كأنه قال: احرص على النافع، وإنما قلت ذلك لأجل أن أقول : إن النبي صلى الله عليه وسلم أمرنا بالحرص على النافع، ومعناه أن نقدم الأنفع على النافع، لأن الأنفع مشتمل على أصل النفع وعلى الزيادة، وهذه الزيادة لا بد أن نحرص عليها، لأن الحكم إذا علق بوصف كان تأكد ذلك الحكم بحسب ما يشتمل عليه تأكد ذلك الوصف، فإذا قلت : أنا أكره الفاسقين كان كل من كان أشد في الفسق إليك أكره، فنقدم الأنفع على النافع لوجهين :
1. أنه مشتمل على النفع وزيادة .
2. أن الحكم إذا علق بوصف كان تأكد ذلك الحكم بحسب تأكد ذلك الوصف وقوته .
يؤخذ من الحديث وجود الابتعاد عن الضار، لأن الابتعاد عنه انتفاع وسلامة لقوله : (احرص على ما ينفعك)
قوله : (واستعن بالله) . الواو تقتضي الجمع فتكون الاستعانة مقرونة بالحرص، والحرص سابق على الفعل، فلابد أن تكون الاستعانة مقارنة للفعل من أوله .
__________
(1) البخاري : كتاب الأدب / باب إكرام الضيف/ ومسلم : كتاب الإيمان / باب الحث على إكرام الجار .

(10/268)


والاستعانة : طلب العون بلسان المقال، كقولك : (اللهم أعني، أو: لا حول ولا قوة إلا بالله) عند شروعك بالفعل .
أو بلسان الحال، وهي ان تشعر بقلبك أنك محتاج إلى ربك – عز وجل – أن يعينك على هذا الفعل، وأنه إن وكلك إلى نفسك وكلك إلى ضعف وعجز وعورة .
أو طلب العون بهما جميعا، والغالب أن من استعان بلسان المقال، فقد استعان بلسان الحال .
لو احتاج الإنسان إلى الاستعانة بالمخلوق كحمل صندوق مثلا، فهذا جائز، ولكن لا تشعر أنها كمعونة بعض أعضائك لبعض، كما لو عجزت عن حمل شي بيد واحدة، فإنك تستعين على حمله باليد الأخرى، وعلى هذا ، فالاستعانة بالمخلوق فيما يقدر عليه كالاستعانة ببعض أعضائك، فلا تنافي قوله صلى الله عليه وسلم : (استعن بالله) .
قوله : (ولا تعجزن) . فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الخفيفة، و(لا) الناهية ، والمعنى : لا تفعل فعل العاجز من التكاسل وعدم الحزم والعزيمة، وليس المعنى : لا يصيبك عجز، لأن العجز عن الشي غير التعاجز، فالعجز بغير اختيار الإنسان، ولا طاقة له به، فلا يتوجه عليه نهي، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( صل قائما، فإن لم تستطع ، فقاعدا، فإن لم تستطع، فعلى جنب)(1) .
فإذا اجتمع الحرص وعدم التكاسل،اجتمع في هذا صدق النية بالحرص والعزيمة بعد التكاسل.
لأن بعض الناس يحرص على ما ينفعه ويشرع فيه، ثم يتعاجز ويتكاسل ويدعه، وهذا خلاف ما أمر به الرسول صلى الله عليه وسلم، فما دمت عرفت أن هذا نافع، فلا تدعه، لأنك إذا عجزت نفسك خسرت العمل الذي عملت ثم عودت نفسك التكاسل والتدني من حال النشاط والقوة إلى حال العجز والكسل، وكم من إنسان بدأ العمل – لا سيما النافع – ثم أتاه الشيطان فثبطه؟
لكن إذا ظهر في أثناء العمل أنه ضار، فيجب الرجوع عنه، لأن الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل .
__________
(1) البخاري : كتاب تقصير الصلاة / باب إذا لم يطق قاعدا صلي على جنب .

(10/269)


وذكر في ترجمة الكسائي انه بدأ في طلب علم النحو ثم صعب عليه، فوجد نملة تحمل طعاما تريد أن تصعد به حائطا، كلما صعدت قليلا سقطت، وهكذا حتى صعدت، فأخذت درسا من ذلك، فكابد حتى صار إماما في النحو.
قوله : (إن أصابك شي فلا تقل : لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا).
هذه هي المرتبة الرابعة مما ذكر في هذا الحديث العظيم إذا حصل خلاف المقصود.
فالمرتبة الأولى : الحرص على ما ينفع .
والمرتبة الثانية : الاستعانة بالله .
والمرتبة الثالثة : المضي في الأمر والاستمرار فيه وعدم التعاجز .
وهذه المراتب إليك .
المرتبة الرابعة: إذا حصل خلاف المقصود، فهذه ليست إليك، وإنما هي بقدر الله، ولهذا قال: (وإن أصابك ...) ، ففوض الأمر لله .
قوله : ( وإن أصابك شي) . أي : مما لا تحبه ولا تريده ومما يعوقك عن الوصول إلى مرامك فيما شرعت فيه من نفع .
فمن خالفه القدر ولم يأت على مطلوبه لا يخلو من حالين :
الأول : أن يقول : لو لم أفعل ما حصل كذا .
الثاني : أن يقول : لو فعلت كذا لأمر لم يفعله لكان كذا .
مثال الأول قول القائل : لو لم أسافر ما فاتني الربح .
ومثال الثاني أن يقول : لو سافرت لربحت .
وذكر النبي صلى الله عليه وسلم الثاني دون الأول، لأن الإنسان عامل فاعل،فهو يقول : لو أني فعلت الفعل الفلاني دون هذا الفعل لحصلت مطلوبي، بخلاف الإنسان الذي لم يفعل وكان موقفه سلبيا من الأعمال .
قوله : (كذا) . كناية عن مبهم ، وهي مفعول لفعلت .
قوله : (لكان كذا) فاعل كان، والجملة جواب لو .
قوله : (قدر الله) . خبر لمبتدأ محذوف، أي هذا قدر الله .
وقدر بمعنى مقدور ، لأن الله يطلق على التقدير الذي هو فعل الله،ويطلق على المقدور الذي وقع بتقدير الله، وهو المراد هنا، لأن القائل يتحدث عن شي وقع عليه، فقدر الله أي مقدوره، ولا مقدر إلا بتقدير ، لأن المفعول نتيجة الفعل .

(10/270)


والمعني إن هذا الذي وقع قدر الله وليس إلىّ، أما الذي إلىّ فقد بذلت ما أراه نافعا كما أمرت، وهذا فيه التسليم التام لقضاء الله – عز وجل – وان الإنسان إذا فعل ما أمر به على الوجه الشرعي، فإنه لا يلام على شي، ويفوض الأمر إلى الله .
قوله: (وما شاء الله فعل) . جملة مصدرة ب(ما) الشرطية، (وشاء) : فعل الشرط ، وجوابه : (فعل)، أي : ما شاء الله أن يفعله فعله، لأن الله لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه ، قال تعالى : (والله يحكم لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب) (الرعد :41)، وقد سبق ذكر قاعدة، وهي ان كل فعل لله معلق بالمشيئة، فإنه مقرون بالحكمة، وليس شي من فعله معلقا بالمشيئة المجردة، لأن الله لا يشرع ولا يفعل إلا الحكمة، وبهذا التقرير نفهم أن المشيئة يلزم منها وقوع المشاء، ولهذا كان المسلمون يقولون : ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن .
وأما الإرادة ووقوع المراد ففيه تفصيل :
فالإرادة الشرعية لا يلزم منها وقوع المراد ، وهي التي بمعنى المحبة، قال تعالى : (والله يريد أن يتوب عليكم) (النساء :27) بمعني يجب، ولو كانت بمعنى يشاء لتاب الله علي جميع الناس .
والإرادة الكونية يلزم منها وقوع المراد، كما قال الله تعالى : (ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) (البقرة :253)
قوله : (فإن لو تفتح عمل الشيطان) . (لو) : اسم إن قصد لفظها، أي ؛ فإن هذا اللفظ يفتح عمل الشيطان.

(10/271)


وعمله : ما يلقيه في قلب الإنسان من الحسرة والندم والحزن ، فإن الشيطان يحب ذلك ، وقال تعالى : (إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئا إلا بإذن الله) (المجادلة :10) ، حتى في المنام يريه أحلاما مخيفة ليعكر عليه صفوه ويشوش فكره، فحينئذ لا يتفرغ للعبادة على ما ينبغي ، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة تشوش الفكر،فقال صلى الله عليه وسلم : (لا صلاة بحضرة طعام، ولا يدافعه الأخبثان)(1) ، إذا رضى الإنسان بالله ربا، وقال : هذا قضاء الله وقدره، وانه لا بد أن يقع، اطمأنت نفسه وانشرح صدره .
* ويستفاد من الحديث :
1. إثبات محبة الله – عز وجل -، لقوله : ( خير وأحب)
2. اختلاف الناس في قوة الإيمان وضعفه ، لقوله : (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف)
3. زيادة الإيمان ونقصانه، لأن القوة زيادة والضعف نقص، وهذا هو القول الصحيح الذي عليه عامة أهل السنة .
وقال بعض أهل السنة: يزيد ولا ينقص، لأن النقص لم يرد في القرآن، قال تعالى : ( ويزداد الذين آمنوا إيمانا) (المدثر:31)، وقال تعالى:(ويزداد الذين آمنوا إيمانا مع إيمانهم) ( الفتح : 4) .
والراجح القول الأول، لأنه من لازم ثبوت الزيادة ثبوت النقص عن الزائد، وعلى هذا يكون القرآن دالا على ثبوت نقص الإيمان بطريق اللزوم، كما أن السنة جاءت به صريحة في قوله صلى الله عليه وسلم : (ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)(2) ، يعني : النساء .
__________
(1) مسلم : كتاب المساجد / باب كراهة الصلاة بحضرة العام .
(2) البخاري : كتاب الحيض / باب ترك الحائض للصوم، ومسلم : كتاب الإيمان / باب نقصان الإيمان .

(10/272)


والإيمان يزيد بالكمية والكيفية، فزيادة الأعمال الظاهرة زيادة كمية، وزيادة الأعمال الباطنة كاليقين زيادة كيفية، ولهذا قال إبراهيم عليه السلام : (رب ارني كيف تحيي الموتى قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي) (البقرة : 260) .
والإنسان إذا أخبره ثقة بخبر، ثم جاء آخر فأخبره نفس الخبر، زاد يقينه، ولهذا قال أهل العلم: إن المتواتر يفيد العلم اليقيني، وهذا دليل على تفاوت القلوب بالتصديق، وأما الأعمال، فظاهر، فمن صلى أربع ركعات أزيد ممن صلى ركعتين .
4– أن المؤمن وإن ضعف إيمانه فيه خير؛ لقوله : (وفي كل خير) .
5 – أن الشريعة جاءت بتكميل المصالح وتحقيقها ، لقوله : (احرص على ما ينفعك) ، فإذا امتثل المؤمن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم ، فهو عبادة وإن كان ذلك النافع أمرا دنيويا .
6 – أنه لا ينبغي للعاقل أن يمضي جهده فيما لا ينفع، لقوله:(احرص على ما ينفعك) .
7- أنه ينبغي للإنسان الصبر والمصابرة، لقوله : (و لا تعجزن)
8- أن ما لا قدرة للإنسان فيه فله أن يحتج عليه بالقدر ، لقوله : (ولكن قل : قدر الله وما شاء الله فعل) ، وأما الذي يمكنك، فليس لك أن تحتج بالقدر .
وأما محاجة آدم وموسى حيث لام موسى أدم عليهما السلام ؛ وقال له : (لماذا أخرجتنا ونفسك من الجنة؟ فقال : أتلومني على شي قد كتبه الله على)(1) فهذا احتجاج بالقدر.
فالقدرية الذين ينكرون القدر يكذبون هذا الحديث ، لأن من عادة أهل البدع أن ما خالف بدعتهم إن أمكن تكذيبه فكذبوه، وإلا حرفوه ، ولكن هذا الحديث ثابت في الصحيحين وغيرهما .
وقال شيخ الإسلام ابن تميمة : إن هذا من باب الاحتجاج بالقدر على المصائب لا على المعائب، فموسى لم يحتج على آدم بالمعصية التي هي سبب الخروج، بل احتج بالخروج نفسه .
__________
(1) البخاري : كتاب القدر / باب تحاج آدم وموسى، ومسلم : كتاب القدر / باب حجاج آدم وموسى .

(10/273)


معناه أن فعلك صار سببا لخروجنا ، وإلا فإن موسى عليه الصلاة والسلام ابعد من أن يلوم أباه على ذنب تاب منه واجتباه ربه وهداه، وهذا ينطبق على الحديث .
وذهب ابن القيم رحمه الله إلى وجه آخر في تخريج هذا الحديث، وهو أن آدم احتج بالقدر بعد أن مضى وتاب من فعله، وليس كحال الذين يحتجون على أن يبقوا في المعصية ويستمروا عليها، فالمشركون لما قالوا : ( لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ) (الأنعام :148) كذبهم الله، لأنهم لا يحتجون على شي مضى ويقولون : تبنا إلى الله، ولكن يحتجون على شي مضى ويقولون : تبنا إلى الله، ولكن يحتجون على البقاء في الشرك .
9 – أن للشيطان تأثيرا على بني آدم، لقوله : (فإن لو تفتح عمل الشيطان) ، وهذا
لاشك فيه،ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم(إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم)(1).
فقال بعض أهل العلم : إن هذا يعني الوساوس التي يلقيها في القلب فتجري في العروق .
وظاهر الحديث : أن الشيطان نفسه يجري من ابن آدم مجرى الدم، وهذا ليس ببعيد على قدرة الله – عز وجل -، كما أن الروح تجري مجرى الدم، وهي جسم، إذا قبضت تكفن وتحنط وتصعد بها الملائكة إلى السماء .
ومن نعمة الله أن للشيطان ما يضاده ، وهي لمة الملك، فإن الشيطان في قلب ابن آدم لمة وللملك لمة، ومن وفق غلبت عنده لمة الملك لمة الشيطان، فهما دائما يتصارعان نفس مطمئنة ونفس أمارة بالسوء، وأما النفس اللوامة فهي وصف للنفسين جميعا .
10 – حسن تعليم النبي صلى الله عليه وسلم حين قرن النهي عن قول (لو) بيان علته، لتتبين حكمة الشريعة، ويزداد المؤمن إيمانا وامتثالا .
* * *

فيه مسائل :
* الأولى : تفسير الآيتين في آل عمران . وهما :
الأولى : (الذين قالوا لإخوانهم وقعدوا لو أطاعونا ما قتلوا).
__________
(1) البحاري : كتاب الاعتكاف / باب زيارة المرأة زوجها في اعتكافه، مسلم : كتاب السلام / باب أنه يستحب لمن رؤى خاليا بامرأة .

(10/274)


الثانية : (يقولون لو كان لنا من الأمر شي ما قتلنا هاهنا) ، أي : ما أُخرجنا وما قتلنا، ولكن الله تعالى : أبطل ذلك بقوله : (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) ، والآية الأخرى : (لو أطاعونا ما قتلوا)، فأبطل الله دعواهم هذه بقوله : (فادرؤوا عن أنفسكم الموت إن كنتم صادقين)، أي : إن كنتم صادقين في البقاء وأن عدم الخروج مانع من القتل، فادرؤوا عن أنفسكم الموت، فإنهم لن يسلموا من الموت، بل لابد أن يموتوا، ولكن لو أطاعوهم وتركوا الجهاد، لكانوا على ضلال مبين .
* الثانية: النهي الصريح عن قول (لو) إذا أصابك شي . لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : (فإن أصابك شي، فلا تقل : لو أني فعلت كذا لكان كذا) .
* الثالثة : تعليل المسألة بان ذلك يفتح عمل الشيطان. فالنهي عن قول (لو) علتها أنها تفتح عمل الشيطان وهو الوسوسة، فيتحسر الإنسان بذلك ويندم ويحزن .
* الرابعة : الإرشاد إلى الكلام الحسن. ويعني قوله : (ولكن قل : قدر الله وما شاء الله فعل).
* الخامسة : الأمر بالحرص على ما ينفع مع الاستعانة بالله. لقوله صلى الله عليه وسلم : (احرص على ما ينفعك واستعن بالله) .
* السادسة : النهي عن ضد ذلك ، وهو العجز . لقوله : (ولا تعجزن)، فإن قال قائل : العجز ليس باختيار الإنسان، قد يصاب بمرض فيعجز، فكيف نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن أمر لا قدرة للإنسان عليه؟
أجيب : بأن المقصود بالعجز هنا التهاون والكسل عن فعل الشي، لأنه هو الذي في مقدور الإنسان .
* * *

باب النهي عن سب الريح
ــــــــــــــــــــــــــــ
المؤلف رحمه الله أطلق النهي ولم يفصح : هل المراد به التحريم أو الكراهة، وسيتبين إن شاء الله من الحديث .
قوله (الريح) . الهواء الذي يصرفه الله – عز وجل - ، وجمعه رياح .

(10/275)


وأصولها أربعة : الشمال، والجنوب ، والشرق، والغرب، وما بينهما يسمى النكباء، لأنها ناكبة عن الاستقامة في الشمال، أو الجنوب، أو الشرق، أو الغرب .
وتصريفها من آيات الله – عز و جل – فأحيانا تكون شديدة تقلع الأشجار وتهدم البيوت وتدفن الزروع ويحصل معها فيضانات عظيمة، وأحيانا تكون هادئة، وأحيانا تكون باردة، وأحيانا حارة، وأحيانا عالية، وأحيانا نازلة، كل هذا بقضاء الله وقدره، ولو أن الخلق اجتمعوا كلهم على أن يصرفوا الريح عن جهتها التي جعلها الله عليها ما استطاعوا إلى ذلك سبيلا، ولو اجتمعت جميع المكائن العالمية النفاثة لتوجد هذه الريح الشديدة ما استطاعت إلى ذلك سبيلا، ولكن الله – عز وجل – بقدرته يصرفها كيف يشاء وعلى ما يريد ، فهل يحق للمسلم أن يسب هذه الريح ؟
الجواب : لا، لأن هذه الريح مسخرة مدبرة، وكما أن الشمس أحيانا تضر بإحراقها بعض الأشجار، ومع ذلك لا يجوز لأحد أن يسبها، فكذلك الريح، ولهذا قال : (لا تسبوا الريح) .
***

قوله : (لا تسبوا الريح) . (لا) : ناهية، والفعل مجزوم بحذف النون، والواو فاعل، والريح مفعول به .
والسب : الشتم، والعيب، والقدح، واللعن، وما أشبه ذلك، وإنما نهى عن سبها، لأن سب المخلوق سب لخالقه، فلو وجدت قصرا مبنيا وفيه عيب، فسببته، فهذا السب ينصب على من بناه، وكذلك سب الريح ، لأنها مدبرة مسخرة على ما تقتضيه حكمة الله – عز وجل - .
ولكن إذا كانت الريح مزعجة، فقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى ما يقال حينئذ في قوله : (ولكن قولوا : اللهم إنا نسألك ...الخ) .
قوله : (وخير منها) . أي : ما تحمله، لأنها قد تحمل خيرا، كتلقيح الثمار، وقد تحمل رائحة طيبة الشم، وقد تحمل شرا، كإزالة لقاح الثمار، وأمراض تضر بالإنسان والبهائم .
قوله : (وخير ما أمرت به) . مثل إثارة السحاب وسوقه إلى حيث شاء الله.
قوله : (ونعوذ بك) . أي : نعتصم ونلجأ .

(10/276)


قوله: (ومن شر هذه الريح ) أي : شرها بنفسها كقلع الأشجار ، ودفن الزروع وهدم البيوت .
قوله : (ومن شر ما فيها) . أي : ما تحمله من الأشياء الضارة، كالأنتان ، والقاذورات، والأوبئة وغيرها .
قوله : (وشر ما أُمرت به) . كالهلاك والتدمير، وقال تعالى في ريح عاد : ( تدمر كل شي بأمر ربها) (الأحقاف :25) وتيبس الأرض من الأمطار، ودفن الزروع، وطمس الآثار والطرق، فقد تؤمر بشر لحكمة بالغة نعجز عن إدراكها .
وقوله : (ما أمرت به) . هذا الأمر حقيقي، أي : يأمرها الله أن تهب ويأمرها أن تتوقف، وكل شي من المخلوقات فيه إدراك بالنسبة إلى أمر الله ، قال تعالى للأرض والسماء : (ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين) (فصلت : 11)، وقال للقلم : (اكتب . قال : ربي وماذا أكتب؟ قال اكتب ما هو كائن إلى قيام الساعة)(1) .
* * *

فيه مسائل :
الأولى : النهي عن سب الريح الثانية : الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره . الثالثة : الإرشاد إلى أنها مأمورة . الرابعة : أنها قد تؤمر بخير وقد تؤمر بشر .
ـــــــــــــــــــــــــــ
فيه مسائل :
* الأولى : النهي عن سب الريح . وهذا النهي للتحريم، لأن سبها سب لمن خلقها وأرسلها.
* الثانية : الإرشاد إلى الكلام النافع إذا رأى الإنسان ما يكره . أي : منها، وهو أن يقول : (اللهم إني أسألك من خيرها ...) الحديث، مع فعل السباب الحسية ايضا، كالاتقاء من شرها بالجدران أو الجبال ونحوها .
* الثالثة : الإرشاد إلى أنها مأمورة . لقوله : (ما أمرت به) .
* الرابعة : أنها قد تؤمر بخير وقد تؤمر بشر . لقوله : خير ما أُمرت به، وشر ما أُمرت به)
__________
(1) يأتي تخريجه (ص1006) .

(10/277)


والحاصل : أنه يجب على الإنسان أن لا يعترض على قضاء الله وقدره، وأن لا يسبه، وأن يكون مستسلما لأمره الكوني كما يجب أن يكون مستسلما لأمره الشرعي، لأن هذه المخلوقات لا تملك أن تفعل شيئا إلا بأمر الله – سبحانه وتعالى - .
* * *

باب قوله تعالى :
( يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ)(آل عمران: من الآية154) .
ــــــــــــــــــــــــــ
ذكر المؤلف في هذا الباب آيتين :
*الأولى : قوله تعالى : (يظنون) . الضمير يعود على المنافقين، والأصل في الظن : أن الاحتمال الراجح، وقد يطلق على اليقين، كما في قوله تعالى : (الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم) (البقرة :46) ، أي : يتيقنون، وضد الراجح المرجوح، ويسمى وهما .
قوله : (ظن الجاهلية) . عطف بيان لقوله : (غير الحق)، و(الجاهلية) : الحال الجاهلية، والمعنى : يظنون بالله ظن الملة الجاهلية التي لا يعرف الظان فيها قدر وعظمته، فهو ظن باطل مبني على الجهل .
والظن بالله – عز وجل- على نوعين :
الأول : أن يظن خيرا .
الثاني : أن يظن بالله شرا .
والأول له متعلقان :
1. متعلق بالنسبة لما يفعله في هذا الكون، فهذا يجب عليك أن تحسن الظن بالله – عز
وجل- فيما يفعله –سبحانه وتعالى – في هذا الكون، وأن تعتقد أن ما فعله إنما هو الحكمة بالغة قد تصل العقول إليها وقد لاتصل ، وبهذا يتبين عظمة الله وحكمته في تقديره، فلا يظن أن الله إذا فعل شيئا في الكون فعله لإرادة سيئة ، حتى الحوادث والنكبات لم يحدثها الله إرادة السوء المتعلق بفعله، أما المتعلق بغيره بأن يحدث ما يريد به أن يسوء هذا الغير، فهذا واقع، كما قال تعالى : (قل من ذا الذي يعصمكم من الله إن أراد بكم سوء أو أراد بكم رحمة) (الأحزاب : 17) .

(10/278)


2. متعلق بالنسبة لما يفعله بك، فهذا يجب أن تظن بالله أحسن الظن، لكن بشرط أن يوجد
لديك السبب الذي يوجب الظن الحسن، وهو أن تعبد الله على مقتضى شريعته مع الإخلاص، فإذا فعلت ذلك ، فعليك أن تظن أن الله يقبل منك ولا تسيء الظن بالله بأن تعتقد أنه لن يقبل منك، وكذلك إذا تاب الإنسان من الذنب، فيحسن الظن بالله أنه يقبل منه، ولا يسيء الظن بالله بأن يعتقد أنه لا يقبل منه .
وأما إن كان الإنسان مفرطا في الواجبات فاعلا للمحرمات، وظن بالله ظنا حسنا، فهذا هو ظن المتهاون المتهالك في الأماني الباطلة، بل هو من سوء الظن بالله ، إذ أن حكمة الله تأبى مثل ذلك.
النوع الثاني : وهو أن يظن بالله سوء، مثل أن يظن في فعله سفها أو ظلما أو نحو ذلك ، فإنه من أعظم المحرمات وأقبح الذنوب، كما ظن هؤلاء المنافقون وغيرهم ممن يظن بالله غير الحق .
قوله : (يقولون هل لنا من الأمر من شي) . مرادهم بذلك أمران :
الأول : رفع اللوم عن أنفسهم .
الثاني : الاعتراض على القدر .
وقوله : (لنا) : خبر مقدم .
قوله : (من شي) : مبتدأ مؤخر مرفوع بالضمة المقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد .
قوله : (إن الأمر كله لله) . أي : فإذا كان كذلك، فلا وجه لاحتجاجكم على قضاء الله وقدره، فالله – عز وجل – يفعل ما يشاء من النصر والخذلان .
قوله : (إن الأمر)واحد الأمور لا واحد الأوامر، أي : الشأن كل الشأن الذي يتعلق بأفعال الله وأفعال المخلوقين كله لله – سبحانه، فهو الذي يقدر الذل والعز والخير والشر، لكن الشر في مفعولاته لا في فعله .
قوله : (يخفون في أنفسهم ما لا يبدون لك) . أي : ما لا يظهرون لك، فمن شأن المنافقين عدم الصراحة والصدق، فيخفي نفسه ما لا يبديه لغيره، لأنه يرى من جبنه وخوفه أنه لو أخبر بالحق لكان فيه هلاكه، فهو يخفي الكفر والفسوق والعصيان .

(10/279)


قوله : (ما قتلناها هنا) . أي : في أٌحد، والمراد بمن (قتل) : من استشهد من المسلمين في أُحد، لأن عبد الله بن أُبي رجع بنحو ثلث الجيش في غزوة أحد ، وقال / أن محمدا يعصيني ويطيع الصغار والشبان .
قوله : (قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم) . هذا رد لقولهم : لو كان لنا من الأمر شي ما قتلناها هنا .
وهذا الاحتجاج لا حقيقة له، لأنه إذا كتب القتل على أحد ، لم ينفعه تحصنه في بيته، بل لابد أن يخرج إلى مكان موته ، والكتاب قسمان :
1. كتابة شرعية، وهذا لا يلزم منها وقوع المكتوب، مثل قوله تعالى : ( إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا مؤقتا) (النساء : 103) وقوله : ( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) (البقرة :183) .
2. كتابة كونية، وهذه يلزم منها وقوع المكتوب كما في هذه الآية، ومثل قوله تعالى : (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون) (الأنبياء :105) ، وقوله : كتب الله لأغلبن أنا ورسلي) (المجادلة :21) .
قوله : (وليمحص ما في قلوبكم) . أي : إذا حصل الابتلاء فقوبل بالصبر، صار في ذلك تمحيص لما في القلب، أي : تطهير لله وإزالة لما يكون قد علق به من بعض الأمور التي لا تنبغي .
وقد حصل الابتلاء والتمحيص في غزوة أُحد بدليل أن الصحابة لما ندبهم الرسول (1)صلى الله عليه وسلم حين قيل له : (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم) (آل عمران 172) خرجوا إلى حمراء الأسد ولم يجدوا غزوا فرجعوا، (فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء واتبعوا رضوان الله والله ذو فضل عظيم) (آل عمران : 174) .
__________
(1) البخاري : كتاب المغازي / باب (الذين استجابوا لله والرسول) ، ومسلم : كتاب فضائل الصحابة / باب من فضائل طلحة والزبير .
أما خروجهم إلى حمراء الأسد فقد أخرجه ابن كثير في تفسيره ( 1/ 337). وصححه ابن حجر في الفتح ( 8/ 228).

(10/280)


قوله : (والله عليم بذات الصدور) . جملة خبرية فيها إثبات أن الله عليم بذات الصدور، والمراد بها القلوب، كما قال تعالى : (فإنها لا تعمي الأبصار ولكن تعمي القلوب التي في الصدور) (الحج :146) ، فالله لا يخفى عليه شي فيعلم ما في القلب وما ليس في قلبه متى يكون وكيف يكون .
وقوله : ( الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ) (الفتح: من الآية6) .
ـــــــــــــــــــــ
* * *
* الآية الثانية قوله تعالى : (الظانين بالله ظن السوء) . المراد بهم : المنافقون والمشركون، قال تعالى : (ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء) (الفتح :6) أي : ظن العيب، وهو كقوله فيما سبق : 0ظن الجاهلية) (آل عمران :154) .
ومنه ما نقله المؤلف عن ابن قيم رحمها الله : أنهم يظنون أن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم سيضمحل، وأنه لا يمكن أن يعود، وما أشبه ذلك ؟
قوله : (عليهم دائرة السوء) . وأنه لا يمكن أن يعود ، وما أشبه ذلك .
قوله : (عليهم دائرة السوء) . أي : أن السوء محيط بهم جميعا من كل جانب كما تحيط الدائرة بما في جوفها، وكذلك تدور عليهم دوائر السوء، فهم وإن ظنوا أنه تعالى تخلى عن رسوله وأن أمره سيضمحل، فإن الواقع خلاف ظنهم ، ودائرة السوء راجعة عليهم .
قوله : (وغضب الله عليهم) الغضب من صفات الله الفعلية التي تتعلق بمشيئتة ويترتب عليها الانتقام، وأهل التعطيل قالوا : إن الله لا يغضب حقيقة: فمنهم من قال: المراد بغضبه الانتقام .
ومنهم من قال : المراد بغضبه الانتقام .
ومنهم من قال : المراد إرادة الانتقام . قالوا : لأن الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنه جمرة يلقيها الشيطان في قلب ابن آدم)(1).
__________
(1) الإمام أحمد في (المسند) (3/61) .

(10/281)


فيجاب عن ذلك : بأن هذا هو غضب الإنسان ، ولا يلزم من التوافق في اللفظ التوافق في المثلية والكيفية، قال تعالى : (ليس كمثله شي) (الشورى :11) ويد ل على أن الغضب ليس هو الانتقام قوله تعالى : (فلما آسفونا انتقمنا منهم) (الزخرف :55) ف (آسفونا) بمعنى أغضبونا (انتقمنا منهم)، فجعل الانتقام مرتبا على الغضب ، فدل على أنه غيره .
قوله : (ولعنهم) . اللعن : الطرد والإبعاد عن رحمة الله .
قوله : (وأعد لهم جهنم) . أي هيأها لهم وجعلها سكنا لهم ومستقرا .
قوله : (وساءت مصيرا) . أي : مرجعا يصار إليه .
و(مصيرا) : تمييز ، والفاعل مستتر ، أي : ساءت النار مصيرا يصيرون إليه .
قال بن القيم في الآية الأولى : (فسر هذا الظن بأنه سبحانه لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، وفسر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته .
ـــــــــــــــــــــ
* * *
قوله : ( قال بن القيم) . هو محمد ابن قيم الجوزية، أحد تلاميذ شيخ الإسلام ابن تيميه الكبار الملازمين له رحمهما الله، وقد ذكره في (زاد المعاد) عقيب غزوة أحد تحت بحث الحكم والغايات المحمودة التي كانت فيها .
قوله : (في الآية الأولى) . يعني قوله (يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية)، فسر بأن الله لا ينصر رسوله، وأن أمره سيضمحل، أي : يزول، وفسر بأن ما أصابه لم يكن بقدر الله وحكمته، ويؤخذ هذا التفسير من قولهم :
(لو كان لنا من الأمر شي ما قتلنا هاهنا)، ففسر بإنكار الحكمة، وإنكار القدر، وإنكار أن يتم أمر رسوله صلى الله عليه وسلم وأن يظهر الله على الدين كله .

(10/282)


ففسر بما يكون طعنا في الربوبية وطعنا في الأسماء والصفات ، فالطعن في القدر طعن في ربوبية الله – عز وجل – ، لأن من تمام ربوبيته – عز وجل - أن نؤمن بأن كل ما جرى في الكون فإنه بقضاء الله وقدره، والطعن في الأسماء والصفات تضمنه الطعن في أفعاله وحكمته، حيث ظننا أن الله تعالى لا ينصر رسوله وسوف يضمحل أمره، لأنه إذا ظن الإنسان هذا الظن بالله، فمعنى ذلك إن إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم عبث وسفه، فما الفائدة من أن يرسل رسول ويؤمر بالقتال وإتلاف الأموال والأنفس ، ثم تكون النتيجة أن يضمحل أمره وينسى ؟ فهذا بعيد .
ولا سيما رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي هو خاتم النبيين، فإن الله تعالى قد أذن بأن شريعته سوف تبقى إلى يوم القيامة .
قال ابن القيم رحمه الله : ( وهذا هو ظن السوء الذي ظنه المنافقون والمشركون في سورة الفتح).
وخلاصة ما ذكر ابن القيم في تفسير ظن السوء ثلاثة أمور :
الأول : أن يظن أن الله يديل الباطل على الحق إدالة مستقرة يضمحل معها الحق، فهذا هو ظن المشركين والمنافقين في سورة الفتح، قال تعالى : (بل ظننتم أن لن ينقلب الرسول والمؤمنون إلى أهليهم ابدا) (الفتح :12) .
الثاني : أن ينكر أن يكون ما جرى بقضاء الله وقدره، لأنه يتضمن أن يكون في ملكه سبحانه ما لا يريد ، مع أن كل ما يكون في ملكه فهو بإرادته .
الثالث : أن ينكر أن يكون قدره لحكمة بالغة يستحق عليه الحمد، لأن هذا يتضمن أن تكون تقديراته لعبا وسفها، ونحن نعلم علم اليقين أن الله لا يقدر شيئا أو يشرعه إلا لحكمة، قد تكون معلومة لنا وقد تقصر عقولنا عن إدراكها، ولهذا يختلف الناس في علل الأحكام الشرعية اختلافا كبيرا بحسب ما عندهم من معرفة حكمة الله – سبحانه وتعالى - .

(10/283)


ورأي الجهمية والجبرية أن الله يقدر الأشياء لمجرد المشيئة لا لحكمة، قالوا : لأنه لا يسأل عما يفعل ، وهذا من أعظم سوء الظن بالله، لأن المخلوق إذا تصرف لغير حكمة سمي سفيها، فما بالك بالخالق الحكيم ؟
قال تعالى: (وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا) (ص :27) ، فالظن بأنها خلقت باطلا لحكمة عظيمة ظن الذين كفروا ، وقال تعالى : (وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين * ما خلقناهما إلا بالحق) (الدخان :38- 39) الذي هو ضد الباطل، وهؤلاء قالوا : إن الله تعالى خلقهما باطلا لغير حكمة، قال الله : (ذلك ظن الذين كفروا) ، أي : الذين يظنون أن الله خلقهما باطلا وعبثا وسفها ولعبا .
والمعتزلة على العكس من ذلك ، يقولون : لا يقدر إلا لحكمة ، ويفرضون على الله ما يشاؤون، وقد ذكر صاحب (مختصر التحرير) الفتوحي رحمه الله : أن المسالة قولين في المذهب .
ولكن الصواب بلا ريب أنه لا يفعل شيئا ولا يقدره على عبده ولا يشرع شيئا إلا لحكمة بالغة يستحق عليها الحمد والشكر .
قوله : (فويل للذين كفروا من النار)(ص :27) (ويل) : مبتدأ، وساغ الابتداء بالنكرة : للتعظيم، وخبر المبتدأ : (للذين كفروا) ، والجار والمجرور (من النار) بيان لويل، وفي هذا دليل على أن كلمة (ويل) كلمة وعيد وليست كما قيل : واد في جهنم، ولهذا نقول : ويل لك من البرد، ويل لك من فلان، ويقول المتوجع : ويلاه، وإن كان قد يوجد واد في جهنم اسمه ويل، لكن ويل في مثل هذه الآية كلمة وعيد .
قوله : (وأكثر الناس) . أي : من بني آدم لا من المؤمنين يظنون بالله ظن السوء، أي : العيب فيما يختص بهم ، كما إذا دعوا الله على الوجه المشروع يظنون أن الله لا يجيبهم ، أو إذا تعبدوا الله بمقتضى شريعته يظنون أن الله لا يقبل منهم، وهذا ظن السوء فيما يختص بهم .

(10/284)


قوله : (فيما يفعله بغيرهم) . كما إذا رأوا أن الكفار انتصروا على المسلمين بمعركة من المعارك ظنوا أن الله يديل هؤلاء الكفار على المسلمين دائما، فالواجب على المسلم أن يحسن الظن بالله مع وجود الأسباب التي تقتضي ذلك .
قوله : ( ولا يسلم من ذلك) . أي : من الظن السوء .
قوله : ( إلا من عرف الله وأسماءه وصفاته وموجب حكمته وحمده) . صدق رحمه الله ، لا يسلم من ظن السوء إلا من عرف الله – عز وجل – وماله من الحكم والأسرار فيما يقدره ويشرعه، وكذلك عرف أسماءه وصفاته معرفة حقة لا معرفة تحريف وتاويل .
ولهذ حجب المحرفون والمؤولون عن معرفة أسماء الله وصفاته، فتجد قلوبهم مظلمة غالب، تحاول أن تورد الإشكالات والتشكيك والجدل، أما من أبقى أسماء الله وصفاته على ما دلت عليه مثل هذه الاعتراضات التي ترد على قلوب أولئك المحرفين ، لأن المحرفين إنما أتوا من جهة ظنهم بالله ظن السوء، حيث ظنوا أن الكتاب والسنة دل ظاهرهما على التمثيل والتشبيه، فأخذوا يحرفون الكلم عن مواضعه وينكرون ما أثبت الله لنفسه ، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تميمة : إن كل معطل ممثل ، وكل ممثل معطل .
أما كون كل معطل ممثلا، فلأنه إنما عطل لكونه ظن أن دلالة الكتاب والسنة تقتضي التمثيل، فلما ظن هذا الظن السيء بنصوص الكتاب والسنة أخذ يحرفها ويصرفها عن ظاهرها، فمثلا أولا،وعطل ثانيا، ثم إنه إذا عطل صفات الله تعالى خوفا من تشبيهه بالموجود، فقد شبهه بالمعدوم، وأما كونه كل ممثل معطلا ، فلأن الممثل عطل الله تعالى من كمال الواجب حيث مثله بالمخلوق الناقص، وعطل كل نص يدل على نفي مماثلة الخالق للمحلوق .
وعلى هذا ، فالذي عرف أسماء الله وصفاته معرفة على ما جرى عليه سلف هذه الأمة وأئمتها ، وعرف موجب حكمة الله ، أي : مقتضى حكمة الله، لا يمكن أن يظن بالله ظن السوء .

(10/285)


وقوله : (موجب) . موجب، بالفتح : هو المسبب الناتج عن السبب بمعنى المقتضي ، وبالكسر : السبب الذي يقتضي الشي بمعنى المقتضي ، والمراد هنا الأول .
فالذي يعرف موجب حكمة الله وما تقتضيه الحكمة،فإنه لا يمكن أن يظن بالله ظن السوء أبدا، وتلاحظ الحكمة التي حصلت للمسلمين في هزيمتهم في حنين وفي هزيمتهم في أُحد، فإن في ذلك حكما عظيمة ذكرها الله في سورة آل عمران والتوبة، فهذه الحكم إذا عرفها الإنسان لا يمكن أن يظن بالله ظن السوء ، وأنه أراد أن يخذل رسوله وحزبه، بل كل ما يجريه الله في الكون ، كمنع الإنبات والفقر، فهو لحكمة بالغة قد لا نعلمها، ولا يمكن أن يظن أن الله بخل على عباده، لأنه - عز وجل – أكرم الأكرمين، وعلى هذا فقس .
قوله : (اللبيب) . على وزن فعيل، ومعناه : ذو اللب، وهو العقل .
ولو فتشت من فتشت، لرأيت عنده تعنتا على القدر ولامة له، وأنه كان ينبغي أن يكون كذا وكذا، فمستقل ومستكثر، وفتش نفسك، هل أنت سالم؟
وما تنج منها تنج من ذي عظيمة ... ... ... وإلا فأني لا أخالك ناجيا
ـــــــــــــــــــــــ
قوله : (بهذا) . المشار إليه هو الظن بالله – عز وجل - ، ليعتني بهذا حتى يظن بالله ظن الحق، فلا ظن السوء والجاهلية .
قوله : (وليتب إلى الله) . أي : يرجع إليه، لأن التوبة الرجوع من المعصية إلى الطاعة .
قوله :(وليستغفره) . أي يطلب منه المغفرة، واللام في قوله : (فليتب) وقوله : (وليستغفره) للأمر .
قوله : (تعنتا على القدر وملاء مة له) . أي : إذا قدر الله شيئا لا يلائمه تجده يقول : ينبغي أن ننتصر، ينبغي أن يأتي المطر، ينبغي أن لا نصلب بالجوائح، وأن يوسع لنا في هذا الرزق وهكذا.
قوله : (فمستقل ومستكثر) . (مستقل) : مبتدأ، وخبره محذوف .

(10/286)


و(مستكثر) : مبتدأ خبره محذوف، والتقدير : فمن الناس مستقل ومنهم مستكثر، ونظير ذلك قوله تعالى : (فمنهم شقي وسعي) (هود : 105) ف (سعيد) مبتدأ خبره محذوف تقديره : ومنهم سعيد . ولا يقال بأن (سعيد) معطوف على شقي، لكونه يلزم أن يكون الوصفان لموصوف واحد ,
قوله : (وفتش نفسك : هل أنت سلم) . وهذا ينبغي أن يكون في جميع المسائل مما أوجبه الله، فتش عن نفسك : هل أنت سالم من التقصير فيه؟ ومما حرمه الله عليك : هل أنت سالم من الوقوع فيه؟
قوله : (فإن تنج منه تنج من ذي عظيمة) . (تنج) الأول فعل الشرط مجزوم بحذف الواو ، (تنج) الثانية جوابه مجزوم بحذف الواو .
قوله : (من ذي عظيمة) . أي : من ذي بلية عظيمة .
قوله : (وإلا، فإني لا إخالك ناجيا) . التقدير، أي : وإلا تنج من هذه البلية،فإني لا إخالك ناجيا .
ومعني إخالك : أظنك ، وهي تنصب مفعولين : الأول هنا الكاف، والثاني ناجيا .
***

فيه مسائل :
* الأولى : تفسير آية آل عمران . وهي قوله تعالى:(يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية ..) وقد سب، والضمير فيها للمنافقين .
* الثانية : تفسير آية الفتح . وهي قوله تعالى : (الظانين بالله ظن السوء ...)، وقد سبق، والضمير فيها للمنافقين .
* الثالثة : الإخبار بأن ذلك أنواع لا تحصر . أي : ظن السوء، والذي أخبر بذلك ابن القيم رحمه الله ، وضابط هذه الأنواع أن يظن بالله ما لا يليق به .
* الرابعة : أن لا يسلم من ذلك إلا من عرف الأسماء والصفات وعرف نفسه . أي : لا يسلم من ظن السوء بالله إلا من عرف الله وأسمائه وصفاته وموجب حكمته وحمده وعرف نفسه ففتش عنها ، والحقيقة أن الإنسان هو محل النقص والسوء، وأما الرب، فهو محل الكمال المطلق الذي لا يعتريه نقص بوجه من الوجوه .
ولا تظن بربك ظن سوء ... ... ... فإن الله أولى بالجميل
* مناسبة الباب للتوحيد :

(10/287)


إن ظن السوء ينافي كمال التوحيد، وينافي الإيمان بالأسماء والصفات، لأن الله قال في الأسماء : (ولله السماء الحسنى فادعوه بها) (الأعراف : 18) فإذا ظن بالله ظن السوء ، لم تكن الأسماء حسنى، قال في الصفات : (ولله المثل الأعلى) (النحل :60) ، وإذا ظن بالله ظن السوء، لم يكن له المثل الأعلى .
* * *

باب ما جاء في منكري القدر
ـــــــــــــــــــــــــــــ
قوله : (منكري) . أصله منكرين - جمع مذكر سالم - فحذفت النون للإضافة كما يحدث التنوين أيضا ، قال الشاعر :
كأني تنوين وأنت إضافة ... ... ... فأين تراني لا تحل جواري
وقيل : (مكاني) بدل (جواري) .
قوله : (القدر) هو تقدير الله - عز وجل - للكائنات، وهو سر مكتوم لا يعلمه إلا الله أو من شاء من خلقه .
قال بعض أهل العلم : القدر سر الله - عز وجل - في خلقه، ولا نعلمه إلا بعد وقوعه سواء كان خيرا أو شرا .
والقدر يطلق على معنيين .
الأول : التقدير، أي : إرادة الله الشي - عز وجل - .
الثاني : المُقدّر، أي : ما قدره الله - عز وجل - .
والتقدير يكون مصاحبا للفعل وسابقا له، فالمصاحب للفعل هو الذي يكون به الفعل، والسابق هو قدره الله - عز وجل - في الأزل، مثال ذلك :
خلق الجنين في بطن الأم فيه تقدير سابق علمي قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وفيه تقدير مقارن للخلق والتكوين، وهذا الذي يكون به الفعل، أي : تقدير الله لهذا الشي عند خلقه.
والإيمان بالقدر يتعلق بتوحيد الربوبية خصوصا، وله تعلق بتوحيد الأسماء والصفات، لأنه من صفات الكمال لله عز وجل .
والناس في القدر ثلاثة طوائف :

(10/288)


الأولى : الجبرية الجهمية، ، اثبتوا قدر الله تعالى وغلوا في لإثباته حتى سلبوا العبد اختياره وقدرته، وقالوا : ليس للعبد اختيار ولا قدرة في ما يفعله أو يتركه، فأكله وشربه ونومه ويقظته وطاعته ومعصيته كلها بغير اختيار منه ولا قدرة، ولا فرق بين أن ينزل من السطح عبر الدرج مختارا وبين أن يلقى من السطح مكرها .
الطائفة الثانية : القدرية المعتزلة، أثبتوا للعبد اختيارا وقدره في عمله وغلوا في ذلك حتى نفوا أن يكون لله تعالى في عمل العبد مشيئة أو خلق، ونفى غلاتهم علم الله به قبل وقوعه، فأكل العبد أو شربه ونومه ويقظته وطاعته ومعصيته كلها واقعة باختياره التام وقدرته التامة وليس لله تعالى في ذلك مشيئة ولا خلق، بل ولا علم قبل وقوعه عند غلاتهم .
استدل الأولون الجبرية :
بقوله تعالى : (الله خالق كل شي) (الزمر :62) ، والعبد وفعله من الأشياء، وبقوله تعالى : (والله خلقكم وما تعملون) (الصافات :96) ، وبقوله تعالى : (وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) (الأنفال :17) ، فنفى الله الرمي عن نبيه حين رمى وأثبته لنفسه، وبقوله تعالى : (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شي) (الأنعام : 148) .
وله شبه أخرى تركناها خوف الإطالة .
والرد على شبهاتهم بما يلي :
أما قوله تعالى : (الله خالق كل شي)، فاستدلالهم بها معارض بالنصوص الكثيرة التي فيها إثبات إرادة العبد وإضافة عمله إليه وإثابته عليه كرامة أو إهانة، وكلها من عند الله، ولو كان مجبرا عليها ما كان لإضافة عمله إليه وإثابته عليه فائدة .
وأما قوله تعالى : (والله خلقكم وما تعملون) ، فهو حجة عليهم ، لأنه أضاف العمل إليهم، وأما كون الله تعالى خالقه، فلأن عمل العبد حاصل بإرادته الجازمة وقدرته التامة ، والإرادة والقدرة مخلوقان لله – عز وجل -، فكان الحاصل بها مخلوقا لله .

(10/289)


وأما قوله تعالى : ( وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى) ، فهو حجة عليهم، لأن الله تعالى أضاف الرمي إلى نبيه صلى الله عليه وسلم ، لكن الرمي في الآية معنيان :
أحدهما : حذف المرمي، وهو فعل النبي صلى الله عليه وسلم الذي أضافه الله إليه .
الثاني : إيصال المرمي إلي أعين الكفار الذين رماهم النبي صلى الله عليه وسلم بالتراب يوم بدر فأصاب عين كل واحد منهم، وهذا من فعل الله، إذ ليس بمقدور النبي صلى الله عليه وسلم أن يوصل التراب إلى عين كل واحد منهم .
وأما قوله تعالى (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شي) ، فلعمر الله، إنه الحجة على هؤلاء الجبرية ، فقد أبطل الله تعالى حجة هؤلاء المشركين الذي احتجوا بالقدر على شركهم حين قال في الآية نفسها : (كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا)، وما كان الله ليذيقهم بأسه وهم على حق فيما احتجوا به .
ثم نقول : القول بالجبر باطل بالكتاب والسنة والعقل والحس وإجماع السلف، ولا يقول به من قدّر الله حق قدره وعرف مقتضى حكمته ورحمته .
فمن أدلة الكتاب :
قوله تعالى : (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة) (آل عمران : 152) وقال تعالى : (يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم) (آل عمران : 167) وقال : (إنه خبير بما تفعلون ) (النمل :88) ، وقال تعالى : ( والله خبير بما تعملون) (المنافقون :11) فأثبت للعبد إرادة وقولا وفعلا وعملا .
ومن أدلة السنة قول النبي صلى الله عليه وسلم :(إنما الأعمال بالنيات وإنما كل امري ما نوى)(1)
وقوله : (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به، فأتوا منه ما استطعتم)(2) .
__________
(1) تقدم (ص 625) .
(2) البخاري : كتاب الاعتصام بالكتاب والسنة / باب الأقتداء بسنن النبي صلى الله عليه وسلم ، ومسلم : كتاب الفضائل / باب توقيره صلى الله عليه وسلم .

(10/290)


ولهذا إذا أُكره المرء على قول أو فعل وقلبه مطمئن بخلاف ما أكره عليه، لم يكن لقوله أو فعله الذي أكره عليه حكم فاعله اختيارا .
وأما إجماع السلف على بطلان القول بالجبر : فلم ينقل عن أحد منهم أنه قال به، بل رد من أدرك منهم بدعته موروث معلوم .
وأما دلالة العقل على بطلانه : فلأنه لو كان العبد مجبر على عمله، لكانت عقوبة العاصي ظلما ومثوبة الطائع عبثا، والله تعالى منزه عن هذا وهذا، ولأنه لو كان العبد مجبرا على عمله لم تقم الحجة بإرسال الرسل، لأن القدر باق مع إرسال الرسل، وما كان الله ليقيم على العباد حجة انتفاء كونها حجة .
وأما دلالة الحس على بطلانه : فإن الإنسان يدرك الفرق بين ما فعله باختياره، كأكله وشربه وقيامه وقعوده، وبين ما فعله بغير اختياره، كارتعاشه من البرد والخوف ونحو ذلك .
واستدل الطائفة الثانية (القدرية) بقوله تعالى : (منكم من يريد الدنيا ) (من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها) (فصلت : 46) ، ونحوها من النصوص القرآنية والنبوية الدالة على أن العبد إرادة، وأنه هو العامل الكاسب الراكع الساجد ونحو ذلك .
والرد عليهم من وجوه :
الأول : أن الآيات والأحاديث التي استدلوا بها نوعان :
نوع مقيد لإرادة العبد وعمله بأنه بمشيئة الله، كقوله تعالى : (لمن شاء منكم أن يستقيم* وما تشاؤون إلا إن يشاء الله رب العالمين) (التكوير :28 –29) وقوله : (إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا * وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما) (الإنسان :29 –30) ،
وكقوله تعالى : (لو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد) البقرة :253) .

(10/291)


والنوع الثاني : مطلق ، كقوله تعالى : (فأتوا حرثكم أني شئتم) (البقرة : 223)، وقوله : (فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر) (الكهف :29) وقوله : (من كان يريد العاجلة ...) إلى قوله تعالى (ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكور) (الإسراء 18-19)
وهذا النوع المطلق يحمل على المقيد كما هو معلوم عند أهل العلم .
الثاني : أن إثبات استقلال العبد بعمله مع كونه مملوكا لله تعالى يقتضي لإثبات شي في ملك الله لا يريده الله، وهذا نوع إشراك به، ولهذا سمي النبي صلى الله عليه وسلم : (القدرية مجوس هذه الأمة)(1) .
الثالث أن نقول لهم : هل تقرون بأن الله تعالى عالم بما سيقع من أفعال العباد؟ فسيقول غير الغلاة منهم : نعم، نقر بذلك، فنقول وهل وقع فعلهم على وفق علم الله أو على خلافه؟ فإن قالوا : على وفقه ، قلنا : إذاً قد أراده، وإن قالوا : على خلافه، فقد أنكروا علمه، وقد قال الأئمة رحمهم الله في القدرية: ناظروهم بالعلم، فإن أقروا به، خُصموا، وإن أنكروه ، كفروا .
وهاتان الطائفتان – الجبرية والقدرية – ضالتان طريق الحق، لأنهما بين مفرط غال ومفرط مقصر، فالجبرية غلوا في إثبات القدر وقصروا في إرادة العبد وقدرته، والقدرية غلوا في إثبات القدر وقصروا في العبد وقدرته ، والقدرية غلوا في إثبات إرادة العبد وقدرته وقصروا في القدر .
ولهذا كان الأسعد بالدليل والأوفق للحكمة والتعليل هم :
__________
(1) أخرجه الإمام أحمد وأبو داود ، وهو مشهور عند أهل العلم لكن فيه ضعف .

(10/292)


الطائفة الثالثة : أهل السنة والجماعة، والطائفة الوسط، الذين جمعوا بين الأدلة وسلكوا في طريقهم خير ملة، فآمنوا بقضاء الله وقدره، وبأن للعبد اختيارا وقدرة، فكل ما كان في الكون من حركة أو سكون أو وجود أو عدم، فإنه كائن بعلم الله تعالى ومشيئته، وكل ما كان في الكون فمخلوق لله تعالى ، لا خالق إلا الله ولا مدبر للخلق إلا الله – عز وجل -، وآمنوا بأن للعبد مشيئة وقدرة ، لكن مشيئته مربوطة بمشيئة الله تعالى ، كما قال تعالى : (لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين ) ، فإذا شاء العبد شيئا وفعله ، علمنا أن مشيئة الله تعالى قد سبقت تلك المشيئة .
هؤلاء هم الذين جمعوا بين الدليل المنقول والمعقول، فأدلتهم على إثبات القدر هي أدلة المثبتين له من الجبرية، لكنهم استدلوا بها على وجه العدل والجمع بينهما وبين الأدلة التي استدل بها نفاة القدر .
وأدلتهم على الإثبات مشيئة العبد وقدرته هي أدلة المثبتين لذلك من القدرية، لكنهم استدلوا بها على وجه العدل والجمع بينها وبين الأدلة التي استدل بها نفاة مشيئة العبد وقدرته .
وبهذا نعرف أن كل من الجبرية والقدرية نظروا إلى النصوص بعين الأعور الذي لا يبصر إلا من جانب واحد، فهدي الله أهل السنة والجماعة لما اختلف فيه من الحق بإذنه ، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم .
· حكاية :
مما يحكى أن القاضي عبد الجبار الهمذاني المعتزلي دخل على الصاحب ابن عباد وكان
معتزليا ايضا، وكان عنده الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني ، فقال عبد الجبار على الفور : سبحان من تنزه عن الفحشاء ! فقال أبو إسحاق فورا : سبحان من لا يقع في ملكه إلا ما يشاء! فقال عبد الجبار وفهم أنه قد عرف مراده : أيريد ربنا أن يعصى؟ فقال أبو إسحاق : أيعصى ربنا قهرا؟ فقال له عبد الجبار : أرأيت أن منعني الهدى وقضى على بالردى، أحسن

(10/293)


إلىّ أم أساء؟ فقال له أبو إسحاق : إن كان منعك ما هو لك، فقد أساء، وإن كان منعك ما هو له ، فيختص برحمته من يشاء. فانصرف الحاضرون وهم يقولون : والله، ليس عن هذا جواب . ا . هـ .
وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تميمة رحمه الله أن أهل السنة والجماعة وسط بين فرق المبتدعة في خمسة أصول ذكرها في (العقيدة الواسطية) فلتراجع هناك .
· مراتب القدر :
وهي أربع يجب الإيمان بها كلها :
المرتبة الأولى : العلم، وذلك بأن تؤمن بأن الله تعالى على علم كل شي جملة وتفصيلا، فعلم ما كان وما يكون، فكل شي معلوم لله، سواء كان دقيقا أم جليلا أو أفعال خلقه .
وأدلة ذلك من الكتاب كثيرة، منها : قوله تعالى : (وعنده مفاتيح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها الله ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين ) (الإنعام :59) فالأوراق التي تتساقط ميتة أي ورقة كانت صغيرة أو كبيرة في بر أو بحر، فإن الله تعالى يعلمها، والورقة التي تخلق يعلمها من باب أولى .
ولا حظ سعة علم الله – عز وجل – وإحاطته، فلو فرض أنه في ليلة مظلمة ليس فيها قمر وفيها سحاب متراكم ممطر وحبة في قاع البحر المائج العميق، فهذه ظلمات متعددة : ظلمة الطبقة الأرضية، وظلمة البحر، وظلمة السحاب، وظلمة المطر، وظلمة الأمواج ، وظلمة الليل، فكل هذا داخل في قوله تعالى : (ولا حبة في ظلمات الأرض)، ثم جاء العموم المطلق : (ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين) ، ولا كتابة إلا بعد علم .
ففي هذه الآية إثبات العلم وإثبات الكتابة .
ومنها قوله تعالى : (ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير) (الحج :70) ففي الآية أيضا إثبات العلم وإثبات الكتابة .
المرتبة الثانية : الكتابة، وقد دلت عليها الآيتان السابقتان .

(10/294)


المرتبة الثالثة : المشيئة، وهي عامة، ما من شي في السماوات والأرض إلا وهو كائن بإرادة الله ومشيئته، فلا يكون في ملكه مالا يريد أبدا، سواء كان ذلك فيما يفعله بنفسه أو يفعله مخلوق، قال تعالى : (إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون)(يس : 82) وقال تعالى : (ولو شاء ربك ما فعلوه) (الأنعام : 112) وقال تعالى:(لو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم .) الآية (البقرة : 253) .
المرتبة الرابعة : الخلق، فما من شي في السماوات ولا في الأرض إلا الله خالقه ومالكه ومدبره وذو سلطانه، قال تعالى : ( الله خالق كل شي) (الزمر : 62) ، وهذا العموم لا مخصص له، حتى فعل المخلوق مخلوق لله، لأن فعل المخلوق من صفاته، وهو وصفاته مخلوقان، ولأن فعله نتج عن أمرين :
1. إرادة جازمة .
2. قدرة تامة .
والله هو الذي خلق في الإنسان الإرادة الجازمة والقدرة، ولهذا قيل لأعرابي : بم عرفت ربك؟ قال بنقص العزائم، وصرف الهمم .
والعبد يتعلق بفعله شيئان :
1. خلق، وهذا يتعلق بالله .
2. مباشرة ، وهذا يتعلق بالعبد وينسب إليه، قال تعالى : ( جزاء بما كانوا يعملون) (الواقعة :24)، وقال تعالى (ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون) (النحل :32) ولولا نسبة الفعل إلى العبد ما كان للثناء على المؤمن المطيع وإثباته فائدة، وكذلك عقوبة العاصي وتوبيخه .
وأهل السنة والجماعة يؤمنون بجميع هذه المراتب الأربع، وقد جمعت في بيت :
علم كتابة مولانا مشيئته ... ... ... وخلقه وهو إيجاد وتكوين
وهناك تقديرات أخرى نسبية :
منها : تقديري عمري : حين يبلغ الجنين في بطن أمه أربعة أشهر يرسل إليه الملك، فينفخ فيه الروح، ويكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد .
ومنها : التقدير الحولي : وهو الذي يكون في ليلة القدر، يكتب فيها ما يكون في السنة، قال تعالى : (فيها يفرق كل أمر حكيم) (الدخان :4) .

(10/295)


ومنها التقدير اليومي : كما ذكره بعض أهل العلم واستدل له بقوله تعالى : (يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن) (الرحمن : 29) فهو كل يوم يغني فقيرا، ويفقر غنيا، ويوجد معدوما ، ويعدم موجودا ، ويبسط الرزق ويقدرُهُ ، وينشي السحاب والمطر وغير ذلك .
فإن قيل : هل الإيمان بالقدر ينافي ما علم بالضرورة من أن الإنسان يفعل الشي باختياره ؟
الجواب : لا ينافيه، لأن ما يفعله الإنسان باختياره من قدر الله، كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه لما أقبل على الشام، وقالوا له : إن في الشام طاعونا يفتك بالناس، فجمع الصحابة وشاورهم، فقال بعضهم : نرجع. فعزم على الرجوع ، فجاء أمين هذه الأمة أبو عبيدة عامر بن الجراح ، فقال : يا أمير المؤمنين! أفرارا من قدر الله؟ فأجاب عمر نفر من قدر الله إلى قدر الله(1) .
يعني : أن مضينا في السفر بقدر الله، ثم ضرب له مثلا، قال : أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له شعبتن إحداهما خصبة والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة فبقدر الله، وإن رعيت الجدبة فبقدر الله ؟
وقال أيضا : أرأيت لو رعى الجدبة وترك الخصبة، أكنت معجزة؟ قال : نعم . قال : فسر إذن . ومعنى معجزة : ناسبا إياه إلى العجز .
فالإنسان وإن كان يفعل، فإنما يفعل بقدر الله.
فإن قيل : إذا تقرر ذلك، لزم أن يكون العاصي معذورا بمعصيته، لأنه عصي بقدر الله؟
أُجيب : إن احتجاج العاصي بالقدر باطل بالشرع والنظر .
__________
(1) البخاري : كتاب الطب / باب ما يذكر في الطاعون، ومسلم : كتاب السلام / باب الطاعون والطيرة .

(10/296)


أما بطلانه بالشرع : فقد قال الله تعالى : (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شي) فهم قالوا هذا على سبيل الاحتجاج بالقدر على معصية الله، فرد الله عليهم بقوله : (كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا)، ولو كانت حجتهم صحيحة ما أذاقهم الله بأسه ، وقال تعالى : (قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون) (الأنعام : 148) ، وهذا دليل واضح على بطلان احتجاجهم بالقدر على معصية الله، وقال تعالى :(رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل)(النساء :156) فابطل الله الحجة على الناس بإرسال الرسل، ولو كان القدر حجة ما انتفت بإرسال الرسل، لأن القدر باق حتى مع إرسال الرسل، وهذا يدل على بطلان احتجاج العاصي على معصيته بقدر الله.
وأما بطلانه بالنظر ، فنقول : لو فرض أنه نشر في جريدة ما عن وظيفة مرتبه كذا وكذا، ووظيفة أخرى أقل منها، فإنك سوف تطلب الأعلى ، فإن لم يكن ، طلبت الأخرى، فإذا لم يحصل له شي منها، طلبت الأخرى، فإذا لم يحصل منها ، فإنه يلوم نفسه على تفريطه بعدم المسارعة إليها من أول الناس .
وعندنا وظائف دينية الصلوات الخمس كفارة لما بينها ، وهي كنهر على باب أحدنا يغتسل منه كل يوم خمس مرات ، وصلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة، فلماذا تترك هذه الوظائف وتحتج بالقدر وتذهب إلى الوظائف الدنيوية الرفيعة، فكيف لا تحتج بالقدر فيما يتعلق بأمور الدنيا وتحتج به فيما يتعلق بأمور الآخرة؟
مثال آخر:رجل قال : عسى ربي أن يرزقني بولد صالح عالم عابد، وهو لم يتزوج، فنقول : تزوج حتى يأتيك . فقال : لا. فلا يمكن أن يأتيه الولد، لكن إذا تزوج ، فإن الله بمشيئتة قد يرزقه الولد المطلوب .
وكذلك من يسال الله الفوز بالجنة والنجاة من النار، ولا يعمل لذلك، فلا يمكن أن ينجو من النار ويفوز بالجنة لأنه لم يعمل لذلك .

(10/297)


فبطل الاحتجاج بالقدر على معاصي الله بالأثر و النظر ، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم كلمة جامعة مانعة نافعة : (ما منكم من أحد إلا وقد كتب مقعده من الجنة ومقعده من النار).قالوا:يا رسول الله! أفلا ندع العمل ونتكل؟ قال : (اعملوا، فكل ميسر لما خلق له) (1) ، فالنبي صلى الله عليه وسلم أعطانا كلمة واحدة ، فقال : (اعملوا ...)، وهذا فعل أمر، (فكل ميسر لما خلق له) .
وللإيمان بالقدر فوائد عظيمة، منها :
1 – أنه من تمام توحيد الربوبية .
2– أنه يوجب صدق الاعتماد على الله – عز وجل - ، لأنك إذا علمت أن كل شي بقضاء الله وقدره صدق اعتمادك على الله .
2 – أنه يوجب للقلب الطمأنينة، إذا علمت أن ما أصابك لم يكن ليخطئك وما أخطأك لم يكن ليصيبك، اطمأننت بما يصيبك بعد فعل الأسباب النافعة .
3 – منع إعجاب المرء بعمله إذا عمل عملا يشكر عليه، لأن الله هو الذي من عليه وقدره له، قال تعالى : (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير* كيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم) (الحديد : 22-23) ، أي : فرح بطر وإعجاب بالنفس.
4 – عدم حزنه على ما أصابه ، لأنه من ربه، فهو صادر عن رحمة وحكمة .
5 – أن الإنسان يفعل الأسباب، لأنه يؤمن بحكمة الله – عز وجل – وأنه لا يقدر الأشياء إلا مربوطة بأسبابها .
وقال بن عمر : (والذي نفس ابن عمر بيده، لو كان لأحدهم مثل أُحد ذهبا، ثم أنفقه في سبيل الله، ما قبله الله منه، حتى يؤمن
ــــــــــــــــــــــــــ

* * *
__________
(1) البخاري : كتاب التفسير / باب (فأما من أعطى وأتقى) ، ومسلم : كتاب القدر / باب كيفية خلق الآدمي في بطن أمه .

(10/298)