صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مجموع فتاوى ورسائل ابن عثيمين

2- أن أحوال الآخرة لا تقاس بأحوال الدنيا فليس العذاب أو النعيم في القبر المحسوس في الدنيا.
هل عذاب القبر أو نعيمه على الروح أو على البدن؟
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: مذهب سلف الأمة وأئمتها أن العذاب أو النعيم يحصل لروح الميت وبدنه، وأن الروح تبقى بعد مفارقة البدن منعمة، أو معذبة وأنها تتصل بالبدن أحياناً فيحصل له معها النعيم أو العذاب.
النفخ في الصور:
النفخ معروف. والصور لغة: القرن.
وشرعاً: قرن عظيم التقمه إسرافيل ينتظر متى يؤمر بنفخه، وإسرافيل أحد الملائكة الكرام الذين يحملون العرش، وهما نفختان:
إحداهما: نفخة الفزع ينفخ فيه فيفزع الناس ويصعقون إلا من شاء الله.
والثانية: نفخة البعث ينفخ فيه فيبعثون ويقومون من قبورهم.
وقد دل على النفخ في الصور الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
قال الله تعالى: (ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون(1) . (ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون(2).
وعن عبدالله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتاً ورفع ليتاً ثم لا يبقى أحد إلا صعق ثم ينزل الله مطراً كأنه الطل أو الظل (شك الراوي) فتنبت منه أجساد الناس ثم ينفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون". رواه مسلم في حديث طويل.
وقد اتفقت الأمة على ثبوته.
(البعث والحشر)
البعث لغة: الإرسال، والنشر.
وشرعاً: إحياء الأموات يوم القيامة.
والحشر لغة: الجمع.
وشرعاً: جمع الخلائق يوم القيامة لحسابهم والقضاء بينهم.
والبعث والحشر حق ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين قال الله تعالى: (قل بلى وربي لتبعثن(3).وقال تعالى: (قل إن الأولين والآخرين . لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم(4).
__________
(1) سورة الزمر، الآية: 68.
(2) سورة يس، الآية: 51.
(3) سورة التغابن، الآية: 7.
(4) سورة الواقعة، الآية: 49-50.

(5/37)


وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: "يحشر الناس يوم القيام على أرض بيضاء عفراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد". متفق عليه.
وأجمع المسلمون على ثبوت الحشر يوم القيامة.
ويحشر الناس حفاة لا نعال عليهم، عراة لا كسوة عليهم، غرلاً لا ختان فيهم لقوله تعالى: (كما بدأنا أول خلق نعيده(1)5). وقول النبي، صلى الله عليه وسلم: "إنكم تحشرون حفاة، عراة، غرلاً، ثم قرأ (كما بدأنا أول خلق نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين(2) وأول من يكسى إبراهيم". متفق عليه.
وفي حديث عبدالله بن أنيس المرفوع الذي رواه أحمد: "يحشر الناس يوم القيامة عراة غرلاً، بهماً ". قلنا: وما بهماً ؟ قال: "ليس معهم شيء". الحديث.
(الشفاعة)
الشفاعة لغة: جعل الوتر شفعاً.
واصطلاحاً: التوسط للغير بجلب منفعة، أو دفع مضرة.
والشفاعة يوم القيامة نوعان: خاصة بالنبي، صلى الله عليه وسلم ، وعامة له ولغيره.
فالخاصة به، صلى الله عليه وسلم ، شفاعته العظمى في أهل الموقف عند الله ليقضي بينهم حين يلحقهم من الكرب والغم مالا يطيقون، فيذهبون إلى آدم، فنوح فإبراهيم، فموسى، فعيسى، وكلهم يعتذرون فيأتون إلى النبي، صلى الله عليه وسلم ، فيشفع فيهم إلى الله فيأتي سبحانه وتعالى للقضاء بين عباده.
وقد ذكرت هذه الصفة في حديث الصور المشهور لكن سنده ضعيف متكلم فيه وحذفت من الأحاديث الصحيحة فاقتصر منها على ذكر الشفاعة في أهل الكبائر.
قال ابن كثير وشارح الطحاوية: وكان مقصود السلف من الاقتصار على الشفاعة في أهل الكبائر هو الرد على الخوارج ومن تابعهم من المعتزلة.
وهذه الشفاعة لا ينكرها المعتزلة والخوارج ويشترط فيها إذاً الله لقوله تعالى: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذاًه(3).
__________
(1) سورة الأنبياء، الآية: 104.
(2) سورة الأنبياء، الآية: 104.
(3) سورة البقرة، الآية: 255.

(5/38)


النوع الثاني العامة: وهي الشفاعة فيمن دخل النار من المؤمنين أهل الكبائر أن يخرجوا منها بعدما احترقوا وصاروا فحماً وحميماً. لحديث أبي سعيد قال: قال رسول الله، صلى الله عليه وسلم: "أما أهل النار الذين هم أهلها فلا يموتون فيها ولا يحيون، ولكن أناس، أو كما قال تصيبهم النار بذنوبهم، أو قال: بخطاياهم فيميتهم إماتة حتى إذا صاروا فحماً إذاً في الشفاعة". الحديث رواه أحمد.
قال ابن كثير في النهاية ص204ج2 : وهذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه من هذا الوجه.
وهذه الشفاعة تكون للنبي، صلى الله عليه وسلم ، وغيره من الأنبياء، والملائكة والمؤمنين لحديث أبي سعيد عن النبي، صلى الله عليه وسلم ، وفيه: "فيقول الله تعالى :شفعت الملائكة، وشفع النبيون، وشفع المؤمنون، ولم يبق إلا أرحم الراحمين فيقبض قبضة من النار فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط قد عادوا حمماً". متفق عليه.
وهذه الشفاعة ينكرها المعتزلة والخوارج بناء على مذهبهم أن فاعل الكبيرة مخلد في النار فلا تنفعه الشفاعة.
ونرد عليهم بما يأتي:
1- أن ذلك مخالف للمتواتر من الأحاديث عن النبي، صلى الله عليه وسلم .
2- أنه مخالف لإجماع السلف.
ويشترط لهذه الشفاعة شرطان:
الأول: إذاً الله في الشفاعة لقوله تعالى: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذاًه(1). الثاني: رضا الله عن الشافع والمشفوع له لقوله تعالى: (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى((2) . فأما الكافر فلا شفاعة له لقوله تعالى: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين(2). أي لو فرض أن أحداً شفع لهم لم تنفعهم الشفاعة.
__________
(1) سورة البقرة ،الآية:255.
(2) سورة الأنبياء، الآية: 28.
(2) سورة المدثر، الآية: 48.

(5/39)


وأما شفاعة النبي، صلى الله عليه وسلم ، لعمه أبي طالب حتى كان في ضحضاح من نار وعليه نعلان يغلي منهما دماغه، وإنه لأهون أهل النار عذاباً، قال النبي، صلى الله عليه وسلم: "ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار". رواه مسلم. فهذا خاص بالنبي، صلى الله عليه وسلم ، وبعمه أبي طالب، فقط، وذلك والله أعلم لما قام به من نصرة النبي، صلى الله عليه وسلم ، والدفاع عنه، وعما جاء به.
(الحساب)
الحساب لغة: العدد.
وشرعاً: إطلاع الله عباده على أعمالهم.
وهو ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين.
قال الله تعالى: (إن إلينا إيابهم. ثم إن علينا حسابهم(1)4). وكان النبي، صلى الله عليه وسلم ، يقول في بعض صلاته:"اللهم حاسبني حساباً يسيراً".فقالت عائشة رضي الله عنها:ما الحساب اليسير؟ قال: "أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه". رواه أحمد. وقال الألباني : إسناده جيد.
وأجمع المسلمون على ثبوت الحساب يوم القيامة.
وصفة الحساب للمؤمن: أن الله يخلو به فيقرره بذنوبه، حتى إذا رأى أنه قد هلك. قال الله له: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم فيعطى كتاب حسناته.
وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق (هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين(2)5). متفق عليه من حديث ابن عمر.
والحساب عام لجميع الناس إلا من استثناهم النبي، صلى الله عليه وسلم ، وهم سبعون ألفاً من هذه الأمة منهم عكاشة بن محصن يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب. متفق عليه. وروى أحمد من حديث ثوبان مرفوعاً أن مع كل واحد سبعين ألفاً، قال ابن كثير: حديث صحيح وذكر له شواهد.
وأول من يحاسب هذه الأمة لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: "نحن الآخرون السابقون يوم القيامة المقضي بينهم قبل الخلائق". متفق عليه، وروى ابن ماجه عن ابن عباس مرفوعاً: "نحن آخر الأمم وأول من يحاسب" الحديث.
__________
(1) سورة الغاشية، الآيتان: 25-26.
(2) سورة هود، الآية:18.

(5/40)


وأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله الصلاة لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: "أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله". رواه الطبراني في الأوسط وسنده لا بأس به إن شاء الله، قال المنذري في الترغيب والترهيب ص246 ج1 : وأول ما يقضى بين الناس في الدماء لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: "أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء". متفق عليه.
(الموازين)
الموازين جمع ميزان، وهو لغة: ما تقدر به الأشياء خفة وثقلاً. وشرعاً: ما يضعه الله يوم القيامة لوزن أعمال العباد.
وقد دل عليه الكتاب، والسنة، وإجماع السلف.
قال الله تعالى: (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون . ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون(1).
(ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين(2).
وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: "كلمتان حبيبتان إلى الرحمن، خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم". متفق عليه.
وأجمع السلف على ثبوت ذلك.
وهو ميزان حقيقي، له كفتان، لحديث عبدالله بن عمرو بن العاص عن النبي، صلى الله عليه وسلم ، في صاحب البطاقة قال: "فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة". الحديث رواه الترمذي وابن ماجه. قال الألباني: إسناده صحيح.
واختلف العلماء هل هو ميزان واحد أو متعدد؟
فقال بعضهم: متعدد بحسب الأمم، أو الأفراد، أو الأعمال لأنه لم يرد في القرآن إلا مجموعاً وأما إفراده في الحديث فباعتبار الجنس.
وقال بعضهم:هو ميزان واحد لأنه ورد في الحديث مفرداً، وأما جمعه في القرآن فباعتبار الموزون وكلا الأمرين محتمل. والله أعلم.
والذي يوزن العمل لظاهر الآية السابقة والحديث بعدها.
وقيل: صحائف العمل لحديث صاحب البطاقة.
__________
(1) سورة الأعراف، الآيتان: 8-9.
(2) سورة الأنبياء، الآية: 47.

(5/41)


وقيل: العامل نفسه لحديث أبي هريرة أن النبي، صلى الله عليه وسلم ، قال: "إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة". وقال اقرؤوا: (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً(1). متفق عليه.
وجمع بعض العلماء بين هذه النصوص بأن الجميع يوزن، أو أن الوزن حقيقة للصحائف وحيث إنها تثقل وتخف بحسب الأعمال المكتوبة صار الوزن كأنه للأعمال، وأما وزن صاحب العمل فالمراد به قدره وحرمته. وهذا جمع حسن والله أعلم.

...
(نشر الدواوين)
النشر لغة: فتح الكتاب أو بث الشيء.
وشرعاً: إظهار صحائف الأعمال يوم القيامة وتوزيعها.
والدواوين: جمع ديوان وهو لغة: الكتاب يحصى فيه الجند ونحوهم.
وشرعاً: الصحائف التي أحصيت فيها الأعمال التي كتبها الملائكة على العامل.
فنشر الدوواين إظهار صحائف الأعمال يوم القيامة، فتتطاير إلى الأيمان والشمائل، وهو ثابت بالكتاب، والسنة، وإجماع الأمة.
قال الله تعالى : ( فأما من أوتي كتابه بيمينه. فسوف يحاسب حساباً يسيراً . وينقلب إلى أهله مسروراً . وأما من أوتي كتابه وراء ظهره . فسوف يدعو ثبوراً . ويصلى سعيراً(2). (وأما من أوتي كتابه بشماله فيقول يا ليتني لم أوت كتابيه(3).
وعن عائشة رضي الله عنها أنها سألت النبي، صلى الله عليه وسلم: "هل تذكرون أهليكم؟ قال: أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحداً :عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل، وعند تطاير الصحف حتى يعلم أين يقع كتابه في يمينه، أم في شماله، أم وراء ظهره، وعند الصراط إذا وضع بين ظهراني جهنم حتى يجوز". رواه أبو داود والحاكم وقال: صحيح على شرطهما.
وأجمع المسلمون على ثبوت ذلك.
(صفة أخذ الكتاب(
المؤمن يأخذ كتابه بيمينه فيفرح ويستبشر ويقول: (هاؤم اقرأوا كتابيه(4).
__________
(1) سورة الكهف، الآية: 105.
(2) سورة الأنشقاق، الآيات: 7-12.
(3) سورة الحاقة، الآية: 25.
(4) سورة الحاقة، الآية: 19.

(5/42)


والكافر يأخذه بشماله، أو من وراء ظهره فيدعو بالويل والثبور ويقول: (يا ليتني لم أوت كتابيه .ولم أدر ما حسابيه(1).
(الحوض)
الحوض لغة: الجمع. يقال :حاض الماء يحوضه إذا جمعه، ويطلق على مجتمع الماء.
وشرعاً: حوض الماء النازل من الكوثر في عرصات القيامة للنبي، صلى الله عليه وسلم.
ودل عليه السنة المتواترة، وأجمع عليه أهل السنة.
قال النبي، صلى الله عليه وسلم: "إني فرطكم على الحوض". متفق عليه.
وأجمع السلف أهل السنة على ثبوته، وقد أنكر المعتزلة ثبوت الحوض ونرد عليهم بأمرين:
1- الأحاديث المتواترة عن الرسول، صلى الله عليه وسلم.
2- إجماع أهل السنة على ذلك.
(صفة الحوض)
طوله شهر، وعرضه شهر، وزواياه سواء، وآنيته كنجوم السماء، وماؤه أبيض من اللبن وأحلى من العسل، وأطيب من ريح المسك، فيه ميزابان يمدانه من الجنة، أحدهما من ذهب ، والثاني من فضة، يرده المؤمنون من أمة محمد، ومن يشرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، وكل هذا ثابت في الصحيحين أو أحدهما.
وهو موجود الآن لقوله، صلى الله عليه وسلم: "وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن"، رواه البخاري.
واستمداده من الكوثر لقوله صلى الله عليه وسلم: "وأعطاني الكوثر وهو نهر في الجنة يسيل في حوض". رواه أحمد. قال ابن كثير: وهو حسن الإسناد والمتن.
ولكل نبي حوض، ولكن حوض النبي، صلى الله عليه وسلم ، أكبرها وأعظمها وأكثرها واردة لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: "إن لكل نبي حوضاً، وإنهم ليتباهون أيهم أكثر واردة، وإني لأرجو أن أكون أكثرهم واردة". رواه الترمذي وقال :غريب وروى ذلك ابن أبي الدنيا وابن ماجه من حديث أبي سعيد، وفيه ضعف لكن صححه بعضهم من أجل تعدد الطرق.

(الصراط)
الصراط لغة: الطريق.
وشرعاً: الجسر الممدود على جهنم ليعبر الناس عليه إلى الجنة.
وهو ثابت بالكتاب، والسنة، وقول السلف.
__________
(1) سورة الحاقة، الآيتان: 25-26.

(5/43)


قال الله تعالى: (وإن منكم إلا واردها(1). فسرها عبدالله بن مسعود، وقتادة، وزيد بن أسلم بالمرور على الصراط.
وفسرها جماعة منهم ابن عباس بالدخول في النار لكن ينجون منها.
وقال النبي، صلى الله عليه وسلم: "ثم يضرب الجسر على جهنم وتحل الشفاعة ويقولون : اللهم سلم سلم". متفق عليه.
واتفق أهل السنة على إثباته.

(صفة الصراط)
سئل النبي، صلى الله عليه وسلم ، عن الصراط فقال: "مدحضة مزلة، عليه خطاطيف وكلاليب، وحسكة مفلطحة لها شكوة عقيفاء، تكون بنجد، يقال لها: السعدان. رواه البخاري وله من حديث أبي هريرة: "وبه كلاليب مثل شوك السعدان"، غير أنها لا يعلم قدر عظمها إلا الله يخطف الناس بأعمالهم". وفي صحيح مسلم من حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: بلغني أنه أدق من الشعر، وأحد من السيف. وروى الإمام أحمد نحوه عن عائشة رضي الله عنها مرفوعاً.
(العبور على الصراط وكيفيته)
لا يعبر الصراط إلا المؤمنون على قدر أعمالهم لحديث أبي سعيد رضي الله عنه عن النبي، صلى الله عليه وسلم ، وفيه: "فيمر المؤمنون كطرف العين، وكالبرق، وكالريح، وكالطير، وكأجاويد الخيل والركاب، فناج مسلم، ومخدوش مرسل ومكدوس في جهنم". متفق عليه. وفي صحيح مسلم: "تجري بهم أعمالهم، ونبيكم قائم على الصراط يقول: يارب سلم سلم، حتى تعجز أعمال العباد حتى يجيء الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً". وفي صحيح البخاري: "حتى يمر آخرهم يسحب سحباً".
وأول من يعبر الصراط من الأنبياء محمد، صلى الله عليه وسلم ، ومن الأمم أمته لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: "فأكون أنا وأمتي أول من يجيزها ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل ودعاء الرسول يومئذ اللهم سلم سلم". رواه البخاري.
(الجنة والنار)
الجنة لغة: البستان الكثير الأشجار.
وشرعاً: الدار التي أعدها الله في الآخرة للمتقين.
والنار لغة: معروفة.
وشرعاً: الدار التي أعدها الله في الآخرة للكافرين.
__________
(1) سورة مريم، الآية: .71

(5/44)


وهما مخلوقتان الآن لقوله تعالى في الجنة:(أعدت للمتقين(1) وفي النار:(أعدت للكافرين(2). والإعداد التهيئة ولقوله، صلى الله عليه وسلم ، حين صلى صلاة الكسوف: "إني رأيت الجنة فتناولت منها عنقوداً ولو أخذته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا، ورأيت النار فلم أر كاليوم منظراً قط أفظع". متفق عليه.
والجنة والنار لا تفنيان لقوله: (جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً(3). والآيات في تأبيد الخلود في الجنة كثيرة ، وأما في النار فذكر في ثلاثة مواضع : في النساء ( إن الذين كفروا وظلموا لم يكن الله ليغفر لهم ولا ليهديهم طريقاً . إلا طريق جهنم خالدين فيها أبداً (4). وفي الأحزاب : ( إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً. خالدين فيها أبداً (5) . وفي الجن: (ومن يعص الله ورسوله فإن له نار جهنم خالدين فيها أبداً(6). وقال الله تعالى: (إن المجرمين في عذاب جهنم خالدون. لا يفتر عنهم وهم فيه مبلسون(7).
(مكان الجنة والنار)
الجنة في أعلى عليين لقوله تعالى: (كلا إن كتاب الأبرار لفي عليين(8). وقوله، صلى الله عليه وسلم ، في حديث البراء بن عازب المشهور في قصة فتنة القبر: "فيقول الله عز وجل: اكتبوا كتاب عبدي في عليين، وأعيدوه إلى الأرض".
والنار في أسفل سافلين لقوله تعالى: (كلا إن كتاب الفجار لفي سجين(9). وقوله، (، في حديث البراء بن عازب السابق: "فيقول الله تعالى :اكتبوا كتاب عبدي في سجين في الأرض السفلى".
(أهل الجنة وأهل النار)
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 133.
(2) سورة البقرة، الآية: 24.
(3) سورة البينة، الآية: 8 .
(4) سورة النساء، الآيتان: 168-169 .
(5) سورة الأحزاب، الآيتان: 64-65.
(6) سورة الجن، الآية: 23 .
(7) سورة الزخرف، الآيتان: 74-75.
(8) سورة المطففين، الآية: 18.
(9) سورة المطففين، الآية: 7.

(5/45)


أهل الجنة كل مؤمن تقي لأنهم أولياء الله، قال الله تعالى في الجنة: (أعدت للمتقين(1). (أعدت للذين آمنوا بالله ورسله(2).
وأهل النار كل كافر شقي قال الله تعالى في النار: (أعدت للكافرين(3). (فأما الذين شقوا ففي النار(4) .
(ذبح الموت)
الموت زوال الحياة، وكل نفس ذائقة الموت، وهو أمر معنوي غير محسوس بالرؤية، ولكن الله تعالى يجعله شيئاً مرئياً مجسماً ويذبح بين الجنة والنار لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي، صلى الله عليه وسلم ، قال: "يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي منادٍ يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم، هذا الموت وكلهم قد رآه، ثم ينادي: يا أهل النار فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟ فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم وقد رآه. فيذبح. ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت". ثم قرأ: ( وأنذرهم يوم الحسرة إذ قضي الأمر وهم في غفلة وهم لا يؤمنون(5). أخرجه البخاري في تفسير هذه الآية، وروى نحوه في صفة الجنة والنار من حديث ابن عمر مرفوعاً.

فصل
في حقوق النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه
أفضل الخلق عند الله الرسل، ثم النبيون، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون وقد ذكر الله هذه الطبقات في كتابه في قوله: (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً(6).
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 133.
(2) سورة الحديد، الآية: 21.
(3) سورة البقرة، الآية: 24.
(4) سورة هود، الآية: 106.
(5) سورة مريم، الآية: 39 .
(6) سورة النساء، الآية: 69 .

(5/46)


وأفضل الرسل أولو العزم منهم وهم خمسة: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد عليهم الصلوات من الله والتسليم، وقد ذكرهم الله في موضعين من كتابه :في الأحزاب: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم(1). وفي الشورى: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى(2).
وأفضلهم محمد، صلى الله عليه وسلم ، لقوله صلى الله عليه وسلم: "أنا سيد الناس يوم القيامة". متفق عليه، وصلاتهم خلفه ليلة المعراج وغير ذلك من الأدلة.
ثم إبراهيم لأنه أبو الأنبياء وملته أصل الملل، ثم موسى لأنه افضل أنبياء بني إسرائيل وشريعته أصل شرائعهم، ثم نوح وعيسى لا يجزم بالمفاضلة بينهما لأن لكل منهما مزية.

خصائص النبي صلى الله عليه وسلم
اختص النبي، صلى الله عليه وسلم ، بخصائص نتكلم على ما ذكر المؤلف منها:
1-خاتم النبيين لقوله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين(3).
2-سيد المرسلين وسبق دليله.
3-لا يتم إيمان عبد حتى يؤمن برسالته لقوله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم(4). وغيره من الأنبياء يبعثون إلى أقوام معينين كل إلى قومه.
4-لا يقضى بين الناس إلا بشفاعته وسبق دليل ذلك في الشفاعة.
5-سبق أمته الأمم في دخول الجنة لعموم قوله، صلى الله عليه وسلم: (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة(. وسبق.
__________
(1) سورة الأحزاب، الآية: 7.
(2) سورة الشورى، الآية: 13.
(3) سورة الأحزاب، الآية: 40.
(4) سورة النساء، الآية: 65.

(5/47)


6-صاحب لواء الحمد يحمله،صلى الله عليه وسلم،يوم القيامة ويكون الحامدون تحته، لحديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي،صلى الله عليه وسلم،قال:"أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر،وبيدي لواء الحمد ولا فخر،وما من نبي يومئذ آدم فمن سواه إلا تحت لوائي وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر". رواه الترمذي، وقد روى الأولى والأخيرة مسلم.
7-صاحب المقام المحمود أي العمل الذي يحمده عليه الخالق والمخلوق لقوله تعالى: (عسى أن يبعثك ربك مقاماً محموداً(1). وهذا المقام هو ما يحصل من مناقبه، صلى الله عليه وسلم ، يوم القيامة من الشفاعة وغيرها.
8-صاحب الحوض المورود، والمراد الحوض الكبير الكثير واردوه، أما مجرد الحياض فقد مر أن لكل نبي حوضاً.
9- 11- إمام النبيين، وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم لحديث أبي بن كعب أن النبي، صلى الله عليه وسلم ، قال: "إذا كان يوم القيامة كنت إمام النبيين وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم غير فخر". رواه الترمذي وحسنه.
12-أمته خير الأمم لقوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس(2). فأما قوله تعالى:(يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأني فضلتكم على العالمين(3). فالمراد عالمي زمانهم.
فضائل الصحابة
الصحابي من اجتمع بالنبي، صلى الله عليه وسلم ، مؤمناً به ومات على ذلك.
وأصحاب النبي، صلى الله عليه وسلم ، أفضل أصحاب الأنبياء لقول النبي، صلى الله عليه وسلم: "خير الناس قرني". الحديث رواه البخاري وغيره.
وأفضل الصحابة المهاجرون لجمعهم بين الهجرة والنصرة، ثم الأنصار.
وأفضل المهاجرين الخلفاء الأربعة الراشدون:أبو بكر، وعمر،وعثمان، وعلي رضي الله عنهم.
__________
(1) سورة الإسراء، الآية: 79.
(2) سورة آل عمران، الآية: 110
(3) سورة البقرة، الآية: 47

(5/48)


فأبو بكر هو الصديق عبدالله بن عثمان بن عامر من بني تيم بن مرة بن كعب، أول من آمن برسول الله، صلى الله عليه وسلم ، من الرجال وصاحبه في الهجرة، ونائبه في الصلاة والحج، وخليفته في أمته، أسلم على يديه خمسة من المبشرين بالجنة عثمان، والزبير، وطلحة، وعبد الرحمن ابن عوف، وسعد بن أبي وقاص، توفي في جمادى الآخرة سنة 13هـ عن63 سنة وهؤلاء الخمسة مع أبي بكر، وعلي بن أبي طالب، وزيد بن حارثة، هم الثمانية الذين سبقوا الناس بالإسلام قاله ابن إسحاق يعني من الذكور بعد الرسالة.
وعمر هو أبو حفص الفاروق عمر بن الخطاب من بني عدي بن كعب بن لؤي، أسلم في السنة السادسة من البعثة بعد نحو أربعين رجلاً وإحدى عشرة امرأة، ففرح المسلمون به وظهر الإسلام بمكة بعده. استخلفه أبو بكر على الأمة فقام بأعباء الخلافة خير قيام إلى أن قتل شهيداً في ذي الحجة سنة 23هـ عن63 سنة.
وعثمان هو أبو عبدالله ذو النورين عثمان بن عفان من بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. أسلم قبل دخول النبي، صلى الله عليه وسلم ، دار الأرقم كان غنياً سخياً، تولى الخلافة بعد عمر بن الخطاب باتفاق أهل الشورى إلى أن قتل شهيداً في ذي الحجة سنة 35هـ عن 90سنة على أحد الأقوال.
وعلي وهو أبو الحسن علي بن أبي طالب، واسم أبي طالب عبد مناف بن عبد المطلب، أول من أسلم من الغلمان، أعطاه رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، الراية يوم خيبر ففتح الله على يديه، وبويع بالخلافة بعد قتل عثمان رضي الله عنهما فكان هو الخليفة شرعاً إلى أن قتل شهيداً في رمضان سنة 40هـ عن 63سنة.

(5/49)


وأفضل هؤلاء الأربعة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم علي، لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: "كنا نخير بين الناس في زمن النبي، صلى الله عليه وسلم ، فنخير أبا بكر، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان". رواه البخاري ولأبي داود: "كنا نقول ورسول الله، صلى الله عليه وسلم ، حي: أفضل أمة النبي، صلى الله عليه وسلم ، بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان" زاد الطبراني في رواية: "فيسمع ذلك النبي، صلى الله عليه وسلم ، فلا ينكره". هذا ولم أجد اللفظ ذكره المؤلف بزيادة علي بن أبي طالب.
وأحقهم بالخلافة بعد النبي، صلى الله عليه وسلم ، أبو بكر رضي الله عنه لأنه أفضلهم وأسبقهم إلى الإسلام، ولأن النبي، صلى الله عليه وسلم ، قدمه في الصلاة، ولأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعوا على تقديمه ومبايعته ولا يجمعهم الله على ضلالة، ثم عمر رضي الله عنه لأنه أفضل الصحابة بعد أبي بكر، ولأن أبا بكر عهد بالخلافة إليه، ثم عثمان رضي الله عنه لفضله، وتقديم أهل الشورى له وهم المذكرون في هذا البيت:
علي وعثمان وسعد وطلحة ... ... زبير وذو عوف رجال المشورة
ثم علي رضي الله عنه لفضله، وإجماع أهل عصره عليه.
وهؤلاء الأربعة هم الخلفاء الراشدون المهديون الذين قال فيهم النبي، صلى الله عليه وسلم: "عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ".
وقال: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة". رواه أحمد وأبو داود والترمذي قال الألباني: وإسناده حسن. فكان آخرها خلافة علي هكذا قال المؤلف وكأنه جعل خلافة الحسن تابعة لأبيه، أو لم يعتبرها حيث إنه رضي الله عنه تنازل عنها.
فخلافة أبي بكر رضي الله عنه سنتان وثلاثة أشهر وتسع ليال من 13 ربيع الأول سنة 11هـ إلى 22 جمادى الآخرة سنة 13هـ.
وخلافة عمر رضي الله عنه عشر سنوات وستة أشهر وثلاثة أيام من 23 جمادى الآخرة سنة 13هـ إلى 26 ذي الحجة سنة 23هـ.

(5/50)


وخلافة عثمان رضي الله عنه اثنتا عشرة سنة إلا اثني عشر يوماً من 1 محرم سنة 24هـ إلى 18 ذي الحجة سنة 35 هـ.
وخلافة علي رضي الله عنه أربع سنوات وتسعة أشهرمن ذي الحجة سنة 35هإلى 19 رمضان سنة 40هـ.
فمجموع خلافة هؤلاء الأربعة تسع وعشرون سنة وستة أشهر وأربعة أيام.
ثم بويع الحسن بن علي رضي الله عنهما يوم مات أبوه علي رضي الله عنه، وفي ربيع الأول سنة 41هـ سلم الأمر إلى معاوية وبذلك ظهرت آية النبي، صلى الله عليه وسلم ، في قوله: الخلافة بعدي ثلاثون سنة وقوله في الحسن: "إن ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين". رواه البخاري.

الشهادة بالجنة أو النار
الشهادة بالجنة أو بالنار ليس للعقل فيها مدخل فهي موقوفة على الشرع، فمن شهد له الشارع بذلك شهدنا له، ومن لا فلا، لكننا نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء.
وتنقسم الشهادة بالجنة أو بالنار إلى قسمين عامة وخاصة.
فالعامة هي المعلقة بالوصف مثل أن نشهد لكل مؤمن بأنه في الجنة أو لكل كافر بأنه في النار أو نحو ذلك من الأوصاف التي جعلها الشارع سبباً لدخول الجنة أو النار.
والخاصة هي المعلقة بشخص مثل أن نشهد لشخص معين بأنه في الجنة، أو لشخص معين بأنه في النار فلا نعين إلا ما عينه الله أو رسوله.
المعينون من أهل الجنة
المعينون من أهل الجنة كثيرون ومنهم: العشرة المبشرون بالجنة وخصوا بهذا الوصف لأن النبي، صلى الله عليه وسلم ، جمعهم في حديث واحد فقال: "أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة، وعلي في الجنة، وطلحة في الجنة، والزبير في الجنة، وعبد الرحمن بن عوف في الجنة، وسعد بن أبي وقاص في الجنة، وسعيد بن زيد في الجنة، وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة". رواه الترمذي وصححه الألباني.
وقد سبق الكلام على الخلفاء الأربعة وأما الباقون فجمعوا في هذا البيت:
سعيد وسعد وابن عوف وطلحة ... ... ... وعامر فهر والزبير الممدح

(5/51)


فطلحة هو ابن عبيد الله من بني يتم بن مرة أحد الثمانية السابقين إلى الإسلام قتل يوم الجمل في جمادى الآخرة سنة 36هـ عن 64سنة.
والزبير هو ابن العوام من بني قصي بن كلاب ابن عمة رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، انصرف يوم الجمل عن قتال علي فلقيه ابن جرموز فقتله في جمادى الأولى سنة 36هـ عن 67سنة.
وعبد الرحمن بن عوف من بني زهرة بن كلاب توفي سنة 32هـ عن 72سنة ودفن بالبقيع.
وسعد بن أبي وقاص هو ابن مالك من بني عبد مناف بن زهرة أول من رمى بسهم في سبيل الله، مات في قصره بالعقيق على عشرة أميال من المدينة ودفن بالبقيع سنة 55هـ عن 82سنة.
وسعيد بن زيد هو ابن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي كان من السابقين إلى الإسلام، توفي بالعقيق ودفن بالمدينة سنة 51هـ عن بضع وسبعين سنة.
وأبو عبيدة هو عامر بن عبدالله بن الجراح من بني فهر، من السابقين إلى الإسلام توفي في الأردن في طاعون عمواس سنة 18هـ عن 58سنة.
وممن شهد له النبي، صلى الله عليه وسلم ، بالجنة الحسن، والحسين، وثابت بن قيس.
قال النبي، صلى الله عليه وسلم: "الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة". رواه الترمذي، وقال :حسن صحيح.
قال صلى الله عليه وسلم ، في ثابت بن قيس: "إنك لست من أهل النار، ولكنك من أهل الجنة". رواه البخاري.
فالحسن سبط رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، وريحانته وهو أمير المؤمنين ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ولد في 15 رمضان سنة 3هـ ومات في المدينة ودفن في البقيع في ربيع الأول سنة 50هـ.
والحسين سبط رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، وريحانته وهو ابن علي بن أبي طالب رضي الله عنه ولد في شعبان سنة 4هـ وقتل في كربلاء في 10 محرم سنة 61هـ.
وثابت وهو ابن قيس بن شماس الأنصاري الخزرجي خطيب الأنصار قتل شهيداً يوم اليمامة سنة 11هـ في آخرها، أو أول سنة 12هـ.

المعينون من أهل النار في الكتاب والسنة

(5/52)


من المعينين بالقرآن: أبو لهب عبد العزى بن عبدالمطلب عم النبي، صلى الله عليه وسلم ، وامرأته أم جميل أروى بنت حرب بن أمية أخت أبي سفيان لقوله تعالى: (تبت يدا أبي لهب وتب(1) إلى آخر السورة.
ومن المعينين بالسنة: أبو طالب عبد مناف بن عبد المطلب لقول النبي، صلى الله عليه وسلم:"أهون أهل النار عذاباً أبو طالب وهو منتعل نعلين يغلي منهما دماغه". رواه البخاري.
ومنهم عمرو بن عامر بن لحي الخزاعي قال النبي، صلى الله عليه وسلم: "رأيته يجر أمعاءه في النار". رواه البخاري وغيره.
تكفير أهل القبلة بالمعاصي
أهل القبلة هم المسلمون المصلون إليها ، لا يكفرون بفعل الكبائر ، ولا يخرجون من الإسلام بذلك ، ولا يخلدون في النار لقوله تعالى : ( وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما(2) إلى قوله: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم(3). فأثبت الأخوة الإيمانية مع القتال وهو من الكبائر، ولو كان كفراً لانتفت الأخوة الإيمانية.
وقال النبي، صلى الله عليه وسلم ، يقول الله تعالى: (من كان في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان فأخرجوه). يعني من النار. متفق عليه.
وخالف في هذا طائفتان:
الأولى: الخوارج قالوا: فاعل الكبيرة كافر خالد في النار.
الثانية: المعتزلة قالوا: فاعل الكبيرة خارج عن الإيمان ليس بمؤمن ولا كافر في منزلة بين منزلتين وهو خالد في النار.
ونرد على الطائفتين بما يأتي:
1- مخالفتهم لنصوص الكتاب، والسنة.
2- مخالفتهم لإجماع السلف.
حقوق الصحابة رضي الله عنهم
للصحابة رضي الله عنهم فضل عظيم على هذه الأمة حيث قاموا بنصرة الله، ورسوله، والجهاد في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم، وحفظ دين الله بحفظ كتابه، وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم ، علماً، وعملاً، وتعليماً حتى بلغوه الأمة نقياً طرياً.
__________
(1) سورة المسد، الآية: 1.
(2) سورة الحجرات، الآية: 9.
(3) سورة الحجرات، الآية: 10.

(5/53)


وقد أثنى الله عليهم في كتابه أعظم ثناء حيث يقول في سورة الفتح: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركعاً سجداً يبتغون فضلاً من الله ورضواناً(1). إلى آخر السورة.
وحمى رسول الله، صلى الله عليه وسلم ،كرامتهم حيث يقول صلى الله عليه وسلم: "لا تسبوا أصحابي فوالذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهباً ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه". متفق عليه. فحقوقهم على الأمة من أعظم الحقوق فلهم على الأمة:
1- محبتهم بالقلب، والثناء عليهم باللسان بما أسدوه من المعروف والإحسان.
2- الترحم عليهم، والاستغفار لهم تحقيقاً لقوله تعالى: (والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم(2).
3- الكف عن مساوئهم التي إن صدرت عن أحد منهم فهي قليلة بالنسبة لما لهم من المحاسن والفضائل وربما تكون صادرة عن اجتهاد مغفور وعمل معذور لقوله(: "لا تسبوا أصحابي". الحديث.

حكم سب الصحابة
سب الصحابة على ثلاثة أقسام:
الأول: أن يسبهم بما يقتضي كفر أكثرهم، أو أن عامتهم فسقوا، فهذا كفر، لأنه تكذيب لله ورسوله بالثناء عليهم والترضي عنهم، بل من شك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين، لأن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب أو السنة كفار، أو فساق.
الثاني: أن يسبهم باللعن والتقبيح، ففي كفره قولان لأهل العلم وعلى القول بأنه لا يكفر يجب أن يجلد ويحبس حتى يموت أو يرجع عما قال.
الثالث: أن يسبهم بما لا يقدح في دينهم كالجبن والبخل فلا يكفر ولكن يعزر بما يردعه عن ذلك، ذكر معنى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في كتاب "الصارم المسلول" ونقل عن أحمد في ص 573 قوله: (لا يجوز لأحد أن يذكر شيئاً من مساوئهم، ولا يطعن على أحد منهم بعيب أو نقص، فمن فعل ذلك أدب، فإن تاب وإلا جلد في الحبس حتى يموت أو يرجع).
__________
(1) سورة الفتح، الآية: 29.
(2) سورة الحشر، الآية: 10.

(5/54)


حقوق زوجات النبي صلى الله عليه وسلم
زوجات النبي، صلى الله عليه وسلم ، زوجاته في الدنيا والآخرة، وأمهات المؤمنين ولهن من الحرمة والتعظيم ما يليق بهن كزوجات لخاتم النبيين فهن من آل بيته طاهرات، مطهرات، طيبات، مطيبات، بريئات، مبرآت من كل سوء يقدح في أعراضهن وفرشهن، فالطيبات للطيبين، والطيبون للطيبات، فرضي الله عنهن وأرضاهن أجمعين وصلى الله وسلم على نبيه الصادق الأمين.
زوجاته صلى الله عليه وسلم ، اللاتي كان فراقهن بالوفاة وهن:
1- خديجة بنت خويلد أم أولاده ـ ماعدا إبراهيم ـ تزوجها رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، بعد زوجين: الأول عتيق بن عابد. والثاني أبو هالة التميمي ولم يتزوج، صلى الله عليه وسلم ، عليها حتى ماتت سنة 10 من البعثة قبل المعراج.
2- عائشة بنت أبي بكر الصديق أريها، صلى الله عليه وسلم ، في المنام مرتين أو ثلاثاً وقيل: هذه امرأتك فعقد عليها ولها ست سنين بمكة ودخل عليها في المدينة ولها تسع سنين توفيت سنة 58هـ.
3- سودة بنت زمعة العامرية، تزوجها بعد زوج مسلم هو السكران بن عمرو أخو سهيل بن عمرو توفيت آخر خلافة عمر وقيل: سنة 54هـ.
4- حفصة بنت عمر بن الخطاب تزوجها، صلى الله عليه وسلم ، بعد زوج مسلم هو خنيس بن حذافة الذي قتل في أحد وماتت سنة 41هـ.
5- زينب بنت خزيمة الهلالية أم المساكين تزوجها بعد استشهاد زوجها عبدالله بن جحش في أحد وماتت سنة 4هـ بعد زواجها بيسير.
6- أم سلمة هند بنت أبي أمية المخزومية تزوجها بعد موت زوجها أبي سلمة عبدالله ابن عبد الأسد من جراحة أصابته في أحد وماتت سنة 61هـ.
7- زينب بنت جحش الأسدية بنت عمته، صلى الله عليه وسلم ، تزوجها بعد مولاه زيد بن حارثة سنة 5هـ وماتت سنة 20هـ.
8- جويرية بنت الحارث الخزاعية تزوجها بعد زوجها مسافع بن صفوان وقيل: مالك ابن صفوان سنة 6هـ وماتت سنة 56هـ.

(5/55)


9- أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان تزوجها بعد زوج أسلم ثم تنصر هو عبيد الله بن جحش وماتت في المدينة في خلافة أخيها سنة 44هـ.
10- صفية بنت حيي بن أخطب من بني النضير من ذرية هارون بن عمران، صلى الله عليه وسلم ، أعتقها وجعل عتقها صداقها بعد زوجين أولهما سلام بن مشكم. والثاني كنانة بن أبي الحقيق بعد فتح خيبر سنة 6هـ وماتت سنة 50هـ.
11- ميمونة بنت الحارث الهلالية تزوجها سنة 7هـ في عمرة القضاء بين زوجين: الأول ابن عبد ياليل والثاني أبو رهم بن عبد العزى، بنى بها في سرف وماتت فيه سنة 51هـ.
فهؤلاء زوجات النبي، صلى الله عليه وسلم، اللاتي كان فراقهن بالوفاة اثنتان توفيتا قبله وهما: خديجة، وزينب بنت خزيمة، وتسع توفي عنهن وهن البواقي.
وبقي اثنتان لم يدخل بهما، ولا يثبت لهما من الأحكام والفضيلة ما يثبت للسابقات وهما:
1- أسماء بنت النعمان الكندية تزوجها النبي، صلى الله عليه وسلم، ثم فارقها واختلف في سبب الفراق فقال ابن إسحاق إنه وجد في كشحها بياضاً ففارقها فتزوجها بعده المهاجر بن أبي أمية.
2- أميمة بنت النعمان بن شراحيل الجونية وهي التي قالت:"أعوذ بالله منك" ففارقها والله أعلم.
وأفضل زوجات النبي، صلى الله عليه وسلم، خديجة، وعائشة رضي الله عنهما، ولكل منهما مزية على الأخرى، فلخديجة في أول الإسلام ما ليس لعائشة من السبق والمؤازرة، والنصرة، ولعائشة في آخر الأمر ما ليس لخديجة من نشر العلم، ونفع الأمة، وقد برأها الله مما رماها به أهل النفاق من الإفك في سورة النور.
قذف أمهات المؤمنين
قذف عائشة بما برأها الله منه كفر، لأنه تكذيب للقرآن وفي قذف غيرها من أمهات المؤمنين قولان لأهل العلم: أصحهما أنه كفر، لأنه قدح في النبي، صلى الله عليه وسلم، فإن الخبيثات للخبيثين.

معاوية بن أبي سفيان

(5/56)


هو أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان صخر بن حرب، ولد قبل البعثة بخمس سنين، وأسلم عام الفتح وقيل: أسلم بعد الحديبية وكتم إسلامه ولاه عمر الشام واستمر عليه، وتسمى بالخلافة بعد الحكمين عام 37هـ واجتمع الناس عليه بعد تنازل الحسن بن علي سنة 41هـ كان يكتب للنبي، صلى الله عليه وسلم، ومن جملة كتاب الوحي، توفي في رجب سنة 60هـ عن 78سنة، وإنما ذكره المؤلف وأثنى عليه للرد على الروافض الذين يسبونه ويقدحون فيه، وسماه خال المؤمنين لأنه أخو أم حبيبة إحدى أمهات المؤمنين وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة ص 199 ج2 نزاعاً بين العلماء هل يقال لإخوة أمهات المؤمنين : أخوال المؤمنين أم لا؟
الخلافة
الخلافة منصب كبير، ومسؤولية عظيمة، وهي تولي تدبير أمور المسلمين بحيث يكون هو المسؤول الأول في ذلك، وهي فرض كفاية، لأن أمور الناس لا تقوم إلا بها.
وتحصل الخلافة بواحد من أمور ثلاثة:
الأول: النص عليه من الخليفة السابق، كما في خلافة عمر بن الخطاب فإنها بنص من أبي بكر رضي الله عنه.
الثاني: اجتماع أهل الحل والعقد سواء كانوا معينين من الخليفة السابق كما في خلافة عثمان رضي الله عنه، فإنها باجتماع من أهل الحل والعقد المعينين من قبل عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أم غير معينين كما في خلافة أبي بكر رضي الله عنه على أحد الأقوال، وكما في خلافة علي رضي الله عنه.
الثالث: القهر والغلبة كما في خلافة عبدالملك بن مروان حين قتل ابن الزبير وتمت الخلافة له.

حكم طاعة الخليفة
طاعة الخليفة وغيره من ولاة الأمور واجبة في غير معصية الله لقوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم((1)[1]).
ولقوله، صلى الله عليه وسلم: "السمع والطاعة على المسلم فيما أحب وكره، مالم يؤمر بمعصية فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة". متفق عليه.
__________
(1) سورة النساء، الآية:59

(5/57)


وسواء كان الإمام براً وهو القائم بأمر الله فعلاً وتركاً، أو فاجراً وهو الفاسق لقوله صلى الله عليه وسلم: "إلا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة". رواه مسلم.
والحج والجهاد مع الأئمة ماضيان نافذان، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة سواء كانوا أبراراً أو فجاراً، لأن مخالفتهم في ذلك توجب شق عصا المسلمين والتمرد عليهم.
والحديث الذي ذكره المؤلف "ثلاث من أصل الإيمان..." إلخ ضعيف كما رمز له السيوطي في الجامع الصغير، وفيه راو قال المزي :إنه مجهول. وقال المنذري في مختصر أبي داود : شبه مجهول.
والثلاث الخصال المذكورة فيه هي: "الكف عمن قال: لا إله إلا الله" والثانية: "الجهاد ماض" إلخ. والثالثة: "الإيمان بالأقدار".
والخروج على الإمام محرم لقول عبادة بن الصامت رضي الله عنه: "بايعنا رسول الله، صلى الله عليه وسلم ، على السمع والطاعة في منشطنا، ومكرهنا، وعسرنا، ويسرنا، وأثره :علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان". متفق عليه.
وقال صلى الله عليه وسلم: "يكون عليكم أمراء تعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، ولكن من رضي وتابع" قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا ماصلوا لا ما صلوا. أي من كره بقلبه وأنكر بقلبه". رواه مسلم.
ومن فوائد الحديثين أن ترك الصلاة كفر بواح، لأن النبي، صلى الله عليه وسلم ، لم يجز الخروج على الأئمة إلا بكفر بواح، وجعل المانع من قتالهم فعل الصلاة فدل على أن تركها مبيح لقتالهم، وقتالهم لا يباح إلا بكفر بواح كما في حديث عبادة.

هجران أهل البدع
الهجران مصدر هجر وهو لغة: الترك.
والمراد بهجران أهل البدع: الابتعاد عنهم، وترك محبتهم، وموالاتهم، والسلام عليهم، وزيارتهم، وعيادتهم، ونحو ذلك.

(5/58)


وهجران أهل البدع واجب لقوله تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله(1). ولأن النبي، صلى الله عليه وسلم ، هجر كعب بن مالك وصاحبيه حين تخلفوا عن غزوة تبوك.
لكن إن كان في مجالستهم مصلحة لتبيين الحق لهم وتحذيرهم من البدعة فلا بأس بذلك، وربما يكون ذلك مطلوباً لقوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن(2). وهذا قد يكون بالمجالسة، والمشافهة، وقد يكون بالمراسلة، والمكاتبة، ومن هجر أهل البدع: ترك النظر في كتبهم خوفاً من الفتنة بها، أو ترويجها بين الناس فالابتعاد عن مواطن الضلال واجب لقوله صلى الله عليه وسلم ، في الدجال: "من سمع به فلينأ عنه فوالله إن الرجل ليأتيه وهو يحسب أنه مؤمن فيتبعه مما يبعث به من الشبهات". رواه أبو داود قال الألباني: وإسناده صحيح.
لكن إن كان الغرض من النظر في كتبهم معرفة بدعتهم للرد عليها فلا بأس بذلك لمن كان عنده من العقيدة الصحيحة ما يتحصن به وكان قادراً على الرد عليهم، بل ربما كان واجباً، لأن رد البدعة واجب وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
الجدال والخصام في الدين
الجدال: مصدر جادل، والجدل منازعة الخصم للتغلب عليه، وفي القاموس الجدل: اللدد في الخصومة، والخصام: المجادلة فهما بمعنى واحد.
وينقسم الخصام والجدال في الدين إلى قسمين:
الأول: أن يكون الغرض من ذلك إثبات الحق وإبطال الباطل وهذا مأمور به إما وجوباً، أو استحباباً بحسب الحال لقوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن(3).
__________
(1) سورة المجادلة، الآية: 22.
(2) سورة النحل، الآية: 125.
(3) سورة النحل، الآية: 125.

(5/59)


الثاني: أن يكون الغرض منه التعنيت، أو الانتصار للنفس، أو للباطل فهذا قبيح منهي عنه لقوله تعالى: (ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا(1). وقوله: (وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب(2).
علامة أهل البدع وذكر بعض طوائفهم:
لأهل البدع علامات منها:
1- أنهم يتصفون بغير الإسلام، والسنة بما يحدثونه من البدع القولية، والفعلية، والعقيدية.
2- أنهم يتعصبون لآرائهم، فلا يرجعون إلى الحق وإن تبين لهم.
3- أنهم يكرهون أئمة الإسلام والدين.
ومن طوائفهم:
1- الرافضية: وهم الذين يغلون في آل البيت ويكفرون من عداهم من الصحابة، أو يفسقونهم، وهم فرق شتى فمنهم الغلاة الذين ادعوا أن عليّاً إله ومنهم دون ذلك.
وأول ما ظهرت بدعتهم في خلافة علي بن أبي طالب حين قال له عبدالله بن سبأ :أنت الإله فأمر علي ـ رضي الله عنه ـ بإحراقهم وهرب زعيمهم عبدالله بن سبأ إلى المدائن.
ومذهبهم في الصفات مختلف: فمنهم المشبه، ومنهم المعطل، ومنهم المعتدل.
وسموا رافضة لأنهم رفضوا زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب حين سألوه عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فترحم عليهما فرفضوه وأبعدوا عنه.
وسموا أنفسهم شيعة لأنهم يزعمون أنهم يتشيعون لآل البيت وينتصرون لهم ويطالبون بحقهم في الإمامة.
2- الجهمية: نسبة إلى الجهم بن صفوان الذي قتله سالم أو سلم بن أحوز سنة 121هـ.
مذهبهم في الصفات التعطيل، والنفي، وفي القدر القول بالجبر، وفي الإيمان القول بالإرجاء وهو أن الإيمان مجرد الإقرار بالقلب وليس القول والعمل من الإيمان ففاعل الكبيرة عندهم مؤمن كامل الإيمان فهم معطلة، جبرية، مرجئة وهم فرق كثيرة.
3- الخوارج: وهم الذين خرجوا لقتال علي بن أبي طالب بسبب التحكيم.
مذهبهم التبرؤ من عثمان، وعلي، والخروج على الإمام إذا خالف السنة وتكفير فاعل الكبيرة، وتخليده في النار، وهم فرق عديدة.
__________
(1) سورة غافر، الآية: 4.
(2) سورة غافر، الآية: 5.

(5/60)


4- القدرية: وهم الذين يقولون بنفي القدر عن أفعال العبد، وأن للعبد إرادة وقدرة مستقلتين عن إرادة الله وقدرته، وأول من أظهر القول به معبد الجهني في أواخر عصر الصحابة تلقاه عن رجل مجوسي في البصرة.
وهم فرقتان غلاة، وغير غلاة، فالغلاة ينكرون علم الله، وإرادته، وقدرته، وخلقه لأفعال العبد وهؤلاء انقرضوا أو كادوا. وغير الغلاة يؤمنون بأن الله عالم بأفعال العباد، لكن ينكرون وقوعها بإرادة الله، وقدرته، وخلقه، وهو الذي استقر عليه مذهبهم.
5- المرجئة: وهم الذين يقولون بإرجاء العمل عن الإيمان أي تأخيره عنه فليس العمل عندهم من الإيمان، والإيمان مجرد الإقرار بالقلب فالفاسق عندهم مؤمن كامل الإيمان، وإن فعل ما فعل من المعاصي أو ترك ما ترك من الطاعات، وإذا حكمنا بكفر من ترك بعض شرائع الدين فذلك لعدم الإقرار بقلبه لا لترك هذا العمل، وهذا مذهب الجهمية وهو مع مذهب الخوارج على طرفي نقيض.
6- المعتزلة: أتباع واصل بن عطاء الذي اعتزل مجلس الحسن البصري، وقرر أن الفاسق في منزلة بين منزلتين لا مؤمن ولا كافر، وهو مخلد في النار، وتابعه في ذلك عمرو ابن عبيد.
ومذهبهم في الصفات التعطيل كالجهمية، وفي القدر قدرية ينكرون تعلق قضاء الله وقدره بأفعال العبد، وفي فاعل الكبيرة أنه مخلد في النار وخارج من الإيمان في منزلة بين منزلتين الإيمان والكفر، وهم عكس الجهمية في هذين الأصلين.
7- الكرامية: أتباع محمد بن كرام المتوفى سنة 255هـ يميلون إلى التشبيه، والقول بالإرجاء وهم طوائف متعددة.
8- السالمية: أتباع رجل يقال له: ابن سالم يقولون بالتشبيه.

(5/61)


وهذه هي الطوائف التي ذكرها المؤلف ثم قال: ونظائرهم مثل الأشعرية أتباع أبي الحسن علي بن إسماعيل الأشعري كان في أول أمره يميل إلى الاعتزال حتى بلغ الأربعين من عمره، ثم أعلن توبته من ذلك، وبين بطلان مذهب المعتزلة وتمسك بمذهب أهل السنة رحمه الله، أما من ينتسبون إليه فبقوا على مذهب خاص يعرف بمذهب الأشعرية لا يثبتون من الصفات إلا سبعاً زعموا أن العقل دل عيها ويؤولون ما عداها وهي المذكورة في هذا البيت:
حي عليم قدير والكلام له ... ... ... إرادة وكذاك السمع والبصر
ولهم بدع أخرى في معنى الكلام، والقدر وغير ذلك.
الخلاف في الفروع
الفروع جمع فرع وهو لغة ما بني على غيره.
واصطلاحاً: ما لا يتعلق بالعقائد كمسائل الطهارة، والصلاة ونحوها.
والاختلاف فيها ليس بمذموم حيث كان صادراً عن نية خالصة واجتهاد، لا عن هوى وتعصب، لأنه وقع في عهد النبي، صلى الله عليه وسلم ، ولم ينكره حيث قال في غزوة بني قريظة: "لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة". فحضرت الصلاة قبل وصولهم فأخر بعضهم الصلاة حتى وصلوا بني قريظة وصلى بعضهم حين خافوا خروج الوقت ولم ينكر النبي، صلى الله عليه وسلم ، على واحد منهم. رواه البخاري. ولأن الاختلاف فيها موجود في الصحابة وهم خير القرون، ولأنه لا يورث عداوة، ولا بغضاء، ولا تفرق كلمة بخلاف الاختلاف في الأصول.

(5/62)


وقول المؤلف: "المختلفون فيه محمودون في اختلافهم" ليس ثناء على الاختلاف فإن الاتفاق خير منه، وإنما المراد به نفي الذم عنه، وأن كل واحد محمود على ما قال، لأنه مجتهد فيه مريد للحق فهو محمود على اجتهاده واتباع ما ظهر له من الحق وإن كان قد لا يصيب الحق، وقوله: "إن الاختلاف في الفروع رحمة وإن اختلافهم رحمة واسعة"، أي داخل في رحمة الله وعفوه حيث لم يكلفهم أكثر مما يستطيعون ولم يلزمهم بأكثر مما ظهر لهم، فليس عليهم حرج في هذا الاختلاف، بل هم فيه داخلون تحت رحمة الله وعفوه، إن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطؤوا فلهم أجر واحد.
الإجماع وحكمه
الإجماع لغة: العزم والاتفاق.
واصطلاحاً: اتفاق العلماء المجتهدين من أمة محمد، صلى الله عليه وسلم ، على حكم شرعي بعد النبي، صلى الله عليه وسلم.
وهو حجة لقوله تعالى: (فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول(1). وقول النبي، صلى الله عليه وسلم: "لا تجتمع أمتي على ضلالة". رواه الترمذي.

التقليد
التقليد لغة: وضع القلادة في العنق.
واصطلاحاً: اتباع قول الغير بلا حجة.
وهوجائز لمن لا يصل إلى العلم بنفسه لقوله تعالى:(فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون(2).
والمذاهب المشهورة أربعة:
المذهب الحنفي: وإمامه أبو حنيفة النعمان بن ثابت إمام أهل العراق، ولد سنة 80هـ وتوفي سنة 150هـ.
المالكي: وإمامه أبو عبدالله مالك بن أنس، إمام دار الهجرة، ولد سنة 93هـ وتوفي سنة 179هـ.
الشافعي: وإمامه أبو عبدالله محمد بن إدريس الشافعي، ولد سنة 150هـ وتوفي سنة 204هـ.
الحنبلي: وإمامه أبو عبدالله أحمد بن محمد بن حنبل، ولد سنة 164هـ وتوفي سنة 241هـ.
وهناك مذاهب أخرى كمذهب الظاهرية، والزيدية، والسفيانية، وغيرهم، وكل يؤخذ من قوله ما كان صواباً، ويترك من قوله ما كان خطأ، ولا عصمة إلا في كتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
__________
(1) سورة النساء، الآية: 59 .
(2) سورة النحل، الآية: 43 .

(5/63)


نسأل الله أن يجعلنا من المتمسكين بكتابه وسنة رسوله، صلى الله عليه وسلم ، ظاهراً وباطناً، وأن يتوفانا على ذلك، وأن يتولانا في الدنيا والآخرة، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، وأن يهب لنا منه رحمة إنه هو الوهاب.
والحمد لله كثيراً، كما يحب ربنا ويرضى، وكما ينبغي لكرم وجهه، عز جلاله، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
تم في عصر الجمعة الموافق 10/1/1392هـ.
بقلم مؤلفه
الفقير إلى الله
محمد الصالح العثيمين

مجموع فتاوى و رسائل - 5

نبذة في العقيدة

محمد بن صالح العثيمين
بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وسلم وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان، وسلم تسليماً.
أما بعد: فإن (علم التوحيد) أشرف العلوم، وأجلها قدراً، وأوجبها مطلباً، لأنه العلم بالله تعالى، وأسمائه، وصفاته، وحقوقه على عباده.
ولأنه مفتاح الطريق إلى الله تعالى، وأساس شرائعه.
ولذا أجمعت الرسل على الدعوة إليه، قال الله تعالى: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون(1).
وشهد لنفسه تعالى بالوحدانية، وشهد بها له ملائكته، وأهل العلم، قال الله تعالى:(شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم(2).
ولما كان هذا شأن التوحيد، كان لزاماً على كل مسلم أن يعتني به تعلماً، وتعليماً، وتدبراً، واعتقاداً، ليبني دينه على أساس سليم، واطمئنان، وتسليم يسعد بثمراته، ونتائجه.
الدين الإسلامي:
__________
(1) سورة الأنبياء، الآية: 25.
(2) سورة آل عمران، الآية: 18.

(5/64)


الدين الإسلامي: (هو الدين الذي بعث الله به محمداً صلى الله عليه وسلم ختم الله به الأديان وأكمله لعباده، وأتم به عليهم النعمة، ورضيه لهم ديناً، فلا يقبل من أحد ديناً سواه، قال الله تعالى: (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين(1).
وقال تعالى: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً(2).
وقال تعالى: (إن الدين عند الله الإسلام(3).
وقال تعالى: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين(4).
وقد فرض الله تعالى على جميع الناس أن يدينوا لله تعالى به فقال مخاطباً رسول الله صلى الله عليه وسلم:(قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السموات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون(5).
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : (والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار".
والإيمان به:(تصديق ما جاء به مع القبول، والإذعان، لا مجرد التصديق) . ولهذا لم يكن أبو طالب مؤمناً بالرسول صلى الله عليه وسلم مع تصديقه لما جاء به ، وشهادته بأنه من خير الأديان.
والدين الإسلامي: متضمن لجميع المصالح التي تضمنتها الأديان السابقة، متميز عليها بكونه صالحاً لكل زمان، ومكان وأمة، قال الله تعالى مخاطباً رسوله ((): (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه(6).
__________
(1) سورة الأحزاب، الآية: 40.
(2) سورة المائدة، الآية: 3.
(3) سورة آل عمران: الآية 19.
(4) سورة آل عمران: الآية 85.
(5) سورة الأعراف، الآية: 158.
(6) سورة المائدة، الآية: 48.

(5/65)


ومعنى كونه صالحاً لكل زمان، ومكان، وأمة: أن التمسك به لا ينافي مصالح الأمة في أي زمان، أو مكان، بل هو صلاحها، وليس معنى ذلك أنه خاضع لكل زمان ومكان وأمة كما يريده بعض الناس.
والدين الإسلامي: هو دين الحق الذي ضمن الله تعالى لمن تمسك به حق التمسك أن ينصره، ويظهره على من سواه، قال الله تعالى: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون(1).
وقال تعالى: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً ومن كفر بعد ذلك فأولئك هم الفاسقون(2).
والدين الإسلامي: عقيدة، وشريعة، فهو كامل في عقيدته، وشرائعه:
1- يأمر بتوحيد الله تعالى، وينهى عن الشرك.
2- يأمر بالصدق، وينهى عن الكذب.

3- يأمر بالعدل(3)، وينهى عن الجور.
4- يأمر بالأمانة، وينهى عن الخيانة.
5- يأمر بالوفاء، وينهى عن الغدر.
6- يأمر ببر الوالدين، وينهى عن العقوق.
7- يأمر بصلة الأرحام وهم الأقارب، وينهى عن القطيعة.
8- يأمر بحسن الجوار، وينهى عن سيئه.
وعموم القول أن (الإسلام) يأمر بكل خلق فاضل، وينهى عن كل خلق سافل.
ويأمر بكل عمل صالح، وينهى عن كل عمل سيئ.
قال ال له تعالى: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون(4).

أركان الإسلام
__________
(1) سورة التوبة، الآية: 33.
(2) سورة النور، الآية: 55.
(3) العدل: هو المساواة بين المتماثلات والتفريق بين المختلفات، وليس العدل المساواة المطلقة كما ينطق به بعض الناس حين يقول: دين الإسلام دين المساواة ويطلق فإن المساواة بين المختلفات جور لا يأتي به الإسلام ولا يحمد فاعله.
(4) سورة النحل، الآية: 90.

(5/66)


أركان الإسلام: أسسه التي ينبني عليها، وهي ـ خمسة ـ مذكورة فيما رواه ـ ابن عمر رضي الله عنهما ـ عن النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه قال: "بني الإسلام على خمسة: على أن يوحد الله (وفي رواية على خمس): شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، والحج". فقال رجل: الحج، وصيام رمضان، قال: لا ، صيام رمضان، والحج. هكذا سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وسلم). متفق عليه. واللفظ لمسلم.
1- أما شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله فهي: الاعتقاد الجازم المعبر عنه باللسان بهذه الشهادة، كأنه بجزمه في ذلك مشاهد له، وإنما جعلت هذه الشهادة ركناً واحداً مع تعدد المشهود به:
إما لأن الرسول صلى الله عليه وسلم مبلغ عن اللع تعالى ،فالشهادة له بالعبودية والرسالة من تمام شهادة أن لا إله إلا الله وإما لأن هاتين الشهادتين أساس صحة الأعمال وقبولها، إذ لا صحة لعمل، ولا قبول، إلا بالإخلاص لله تعالى، والمتابعة لرسوله (صلى الله عليه وسلم)، فبالإخلاص تتحقق شهادة أن لا إله إلا الله، وبالمتابعة لرسول الله تتحقق شهادة أن محمداً عبده ورسوله.
ومن ثمرات الشهادة العظيمة: تحرير القلب والنفس من الرق للمخلوقين، والاتباع لغير المرسلين.
2- وأما إقام الصلاة: فهو التعبد لله تعالى بفعلها على وجه الاستقامة والتمام في أوقاتها وهيئاتها.
ومن ثمراته: انشراح الصدر، وقرة العين، والانزجار عن الفحشاء والمنكر.
3- وأما إيتاء الزكاة: فهو التعبد لله تعالى ببذل القدر الواجب في الأموال الزكوية المستحقة.
ومن ثمراته: تطهير النفس من الخلق الرذيل (البخل)، وسد حاجة الإسلام والمسلمين.
4- وأما صوم رمضان: فهو التعبد لله تعالى بالإمساك عن المفطرات نهار رمضان.
ومن ثمراته: ترويض النفس عن ترك المحبوبات طلباً لمرضاة الله عز وجل.

(5/67)


5- وأما حج البيت: فهو التعبد لله تعالى بقصد البيت الحرام للقيام بشعائر الحج.
ومن ثمراته: ترويض النفس على بذل المجهود المالي والبدني في طاعة الله تعالى، ولهذا كان الحج نوعاً من الجهاد في سبيل الله تعالى.
وهذه الثمرات التي ذكرناها لهذه الأسس وما لم نذكره تجعل من الأمة أمة إسلامية نقية، تدين لله دين الحق، وتعامل الخلق بالعدل والصدق، لأن ما سواها من شرائع الإسلام يصلح بصلاح هذه الأسس، وتصلح أحوال الأمة بصلاح أمر دينها، ويفوتها من صلاح أحوالها بقدر ما فاتها من صلاح أمور دينها.
ومن أراد استبانة ذلك فليقرأ قوله تعالى: (ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون . أفأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون أَوَأمن أهل القرى أن يأتيهم بأسنا ضحى وهم يلعبون . أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلا القوم الخاسرون(1). ولينظر في تاريخ من سبق، فإن في التاريخ عبرة لأولي الألباب، وبصيرة لمن لم يحل دون قلبه حجاب. والله المستعان.

أسس العقيدة الإسلامية
الدين الإسلامي ـ كما سبق ـ عقيدة وشريعة، وقد أشرنا إلى شيء من شرائعه وذكرنا أركانه التي تعتبر أساساً لشرائعه.
-أما "العقيدة الإسلامية" فأسسها الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره.
وقد دل على هذه الأسس كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم).
ففي كتاب الله تعالى يقول الله :(ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين(2).
ويقول في القدر: (إنا كل شيء خلقناه بقدر وما أمرنا إلا واحدة كلمح بالبصر(3).
__________
(1) سورة الأعراف، الآية: 96-99.
(2) سورة البقرة، الآية: 177.
(3) سورة القمر، الآيتان : 49-50

(5/68)


وفي سنة رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقول النبي (صلى الله عليه وسلم) مجيباً لجبريل حين سأله عن الإيمان: "الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره". رواه مسلم.

الإيمان بالله تعالى
الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بوجود الله تعالى:
وقد دل على وجوده تعالى: الفطرة، والعقل، والشرع، والحس.
1- أما دلالة الفطرة على وجوده: فإن كل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه من غير سبق تفكير أو تعليم، ولا ينصرف عن مقتضى هذه الفطرة إلا من طرأ على قلبه ما يصرفه عنها لقول النبي (صلى الله عليه وسلم) "ما من مولود إلا يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو بمجساته". رواه البخاري.
2- وأما دلالة العقل على وجود الله تعالى: فلأن هذه المخلوقات سابقها ولاحقها لابد لها من خالق أوجدها إذ لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها، ولا يمكن أن توجد صدفة.
لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها لأن الشيء لا يخلق نفسه، لأنه قبل وجوده معدوم فكيف يكون خالقاً؟‍‍
ولا يمكن أن توجد صدفة، لأن كل حادث لابد له من محدث، ولأن وجودها على هذا النظام البديع، والتناسق المتآلف، والارتباط الملتحم بين الأسباب ومسبباتها، وبين الكائنات بعضها مع بعض يمنع منعاً باتاً أن يكون وجودها صدفة، إذ الموجود صدفة ليس على نظام في أصل وجوده فكيف يكون منتظماً حال بقائه وتطوره؟‍
وإذا لم يمكن أن توجد هذه المخلوقات نفسها بنفسها، ولا أن توجد صدفة تعين أن يكون لها موجد وهو الله رب العالمين.

(5/69)


وقد ذكر الله تعالى هذا الدليل العقلي والبرهان القطعي في سورة الطور، حيث قال: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون(1) يعني أنهم لم يخلقوا من غير خالق، ولا هم الذين خلقوا أنفسهم، فتعين أن يكون خالقهم هو الله تبارك وتعالى، ولهذا لما سمع ـ جبير بن مطعم ـ رضي الله عنه رسول الله (صلى الله عليه وسلم) يقرأ سورة الطور فبلغ هذه الآيات: (أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون . أم خلقوا السموات والأرض بل لا يوقنون . أم عندهم خزائن ربك أم هم المسيطرون(2) وكان ـ جبير ـ يؤمئذ مشركاً قال: (كاد قلبي أن يطير، وذلك أول ما وقر الإيمان في قلبي) رواه ـ البخاري ـ مفرقاً.
ولنضرب مثلاً يوضح ذلك، فإنه لو حدثك شخص عن قصر مشيد، أحاطت به الحدائق، وجرت بينها الأنهار، وملىء بالفرش والأسرة، وزين بأنواع الزينة من مقوماته ومكملاته، وقال لك: إن هذا القصر وما فيه من كمال قد أوجد نفسه، أو وجد هكذا صدفة بدون موجد، لبادرت إلى إنكار ذلك وتكذيبه، وعددت حديثه سفهاً من القول، أفيجوز بعد ذلك أن يكون هذا الكون الواسع بأرضه، وسمائه، وأفلاكه، وأحواله، ونظامه البديع الباهر، قد أوجد نفسه، أو وجد صدفة بدون موجد؟!
3- وأما دلالة الشرع على وجود الله تعالى: فلأن الكتب السماوية كلها تنطق بذلك، وماجاءت به من الأحكام المتضمنة لمصالح الخلق دليل على أنها من رب حكيم عليم بمصالح خلقه، وما جاءت به من الأخبار الكونية التي شهد الواقع بصدقها دليل على أنها من رب قادر على إيجاد ما أخبر به.
__________
(1) سورة الطور، الآية: 35.
(2) سورة الطور، الآيات: 35-37 .

(5/70)


4- وأما أدلة الحس على وجود الله فمن وجهين: أحدهما: أننا نسمع ونشاهد من إجابة الداعين، وغوث المكروبين، ما يدل دلالة قاطعة على وجوده تعالى، قال الله تعالى: (ونوحاً إذ نادى من قبل فاستجبنا له(1) وقال تعالى: (إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم(2) وفي صحيح البخاري عن ـ أنس بن مالك ـ رضي الله عنه: "أن أعرابياً دخل يوم الجمعة والنبي (صلى الله عليه وسلم) يخطب، فقال: "يا رسول الله، هلك المال ، وجاع العيال، فادع الله لنا" فرفع يديه ودعا فثار السحاب أمثال الجبال فلم ينزل عن منبره حتى رأيت المطر يتحادر على لحيته. وفي الجمعة الثانية قام ذلك الأعرابي أو غيره فقال: "يا رسول الله تهدم البناء، وغرق المال، فادع الله لنا " فرفع يديه وقال: "اللهم حوالينا ولا علينا " فما يشير إلى ناحية إلا انفرجت".
وما زالت إجابة الداعين أمراً مشهوداً إلى يومنا هذا لمن صدق اللجوء إلى الله تعالى وأتى بشرائط الإجابة.
الوجه الثاني: أن (آيات الأنبياء) التي تسمى (المعجزات) ويشاهدها الناس، أو يسمعون بها، برهان قاطع على وجود مرسلهم، وهو الله تعالى، لأنها أمور خارجة عن نطاق البشر، يجريها الله تعالى، تأييداً لرسله ونصراً لهم.
مثال ذلك آية موسى (صلى الله عليه وسلم) حين أمره الله تعالى أن يضرب بعصاه البحر، فضربه فانفلق انثي عشر طريقاً يابساً، والماء بينها كالجبال، قال الله تعالى: (فأوحينا إلى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم(3) .
ومثال ثان : ( آية عيسى صلى الله عليه وسلم ) حيث كان يحيي الموتى ، ويخرجهم من قبورهم بإذاً الله ، قال الله تعالى عنه : ( وأحيي الموتى بإذاً الله(4) ، وقال : (وإذ تخرج الموتى بإذاًي(5).
__________
(1) سورة الأنبياء، الآية: 76 .
(2) سورة الأنفال، الآية: 9.
(3) سورة الشعراء، الآية: 63 .
(4) سورة آل عمران، الآية: 49.
(5) سورة المائدة، الآية: 110.

(5/71)


ومثال ثالث (لمحمد صلى الله عليه وسلم) حين طلبت منه قريش آية، فأشار إلى القمر فانفلق فرقتين فرآه الناس، وفي ذلك قوله تعالى: (اقتربت الساعة وانشق القمر. وإن يروا آية يعرضوا ويقولوا سحر مستمر(1).
فهذه الآيات المحسوسة التي يجريها الله تعالى تأييداً لرسله، ونصراً لهم، تدل دلالة قطعية على وجوده تعالى.
الثاني: الإيمان بربويته:
[أي بأنه وحده الرب لا شريك له ولا معين].
والرب: من له الخلق، والملك، والأمر، فلا خالق إلا الله، ولا مالك إلا هو، ولا أمر إلا له، قال تعالى: (ألا له الخلق والأمر(2) وقال: (ذلكم الله ربكم له الملك والذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير(3).
ولم يعلم أن أحداً من الخلق أنكر ربوبية الله سبحانه، إلا أن يكون مكابراً غير معتقد بما يقول، كما حصل من ـ فرعون ـ حين قال لقومه: (أنا ربكم الأعلى(4) وقال: (يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري(5) لكن ذلك ليس عن عقيدة. قال الله تعالى: (وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلواً(6) وقال موسى لفرعون فيما حكى الله عنه: (لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السموات والأرض بصائر وإني لأظنك يا فرعون مثبوراً(7).
ولهذا كان المشركون يقرون بربوبية الله تعالى ، مع إشراكهم به في الألوهية ، قال الله تعالى: (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون .سيقولون لله قل أفلا تذكرون . قل من رب السموات السبع ورب العرش العظيم .سيقولون لله قل أفلا تتقون . قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون. سيقولون لله قل فأنى تسحرون(8).
__________
(1) سورة القمر، الآيتان: 1-2.
(2) سورة الأعراف، الآية: 54.
(3) سورة فاطر، الآية: 13.
(4) سورة النازعات، الآية: 24.
(5) سورة القصص، الآية: 38.
(6) سورة النمل، الآية: 14.
(7) سورة الإسراء، الآية: 102.
(8) سورة المؤمنون، الآيتان: 84-89.

(5/72)


وقال الله تعالى:(ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم(1) وقال: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون(2).
وأمر الرب سبحانه شامل للأمر الكوني والشرعي فكما أنه مدبر الكون القاضي فيه بما يريد حسب ما تقتضيه حكمته، فهو كذلك الحاكم فيه يشرع العبادات وأحكام المعاملات حسبما تقتضيه حكمته، فمن اتخذ مع الله تعالى مشرعاً في العبادات، أو حاكماً في المعاملات فقد أشرك به ولم يحقق الإيمان.
الثالث: الإيمان بألوهيته:
__________
(1) سورة الزخرف، الآية: 9 .
(2) سورة الزخرف، الآية: 87.

(5/73)


أي (بأنه وحده الإله الحق لا شريك له) و "الإله" بمعنى "المألوه" أي "المعبود" حباً وتعظيماً، وقال الله تعالى: (وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم(1) وقال تعالى:(شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم(2). وكل ما اتخذ إلهاً مع الله يعبد من دونه فألوهيته باطلة، قال الله تعالى: (ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير(3) وتسميتها آلهة لا يعطيها حق الألوهية قال الله تعالى في (اللات والعزى ومناة): (إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما نزّل الله بها من سلطان(4) وقال عن هود: إنه قال لقومه : (أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان(5). وقال عن يوسف إنه قال لصاحبي السجن (أأرباب متفرقون خير أم الله الواحد القهار . ما تعبدون من دونه إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان( (9) ولهذا كانت الرسل عليهم والصلاة والسلام يقولون لأقوامهم: (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره(6) ولكن أبى ذلك المشركون، واتخذوا من دون الله آلهة، يعبدونهم مع الله سبحانه وتعالى، ويستنصرون بهم ويستغيثون.
وقد أبطل الله تعالى اتخاذ المشركين هذه الآلهة ببرهانين عقليين:
الأول: أنه ليس في هذه الآلهة التي اتخذوها شيء من خصائص الألوهية، فهي مخلوقة لا تخلق، ولا تجلب نفعاً لعابديها، ولا تدفع عنهم ضرراً ، ولا تملك لهم حياة، ولا موتاً، ولا يملكون شيئاً من السموات ولا يشاركون فيه.
__________
(1) سورة البقرة، الآية: 163.
(2) سورة آل عمران، الآية: 18.
(3) سورة الحج، الآية: 62.
(4) سورة النجم، الآية: 23.
(5) سورة الأعراف، الآية: 71.
(6) سورة يوسف، الآيتان:39- 40.

(5/74)


قال الله تعالى: (واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئاً وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضراً ولا نفعاً ولا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً(1).
وقال تعالى:(قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير. ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن إذاً له(2). وقال: (أيشركون مالا يخلق شيئاً وهم يخلقون. ولا يستطيعون لهم نصراً ولا أنفسهم ينصرون(3).
وإذا كانت هذه حال تلك الآلهة فإن اتخاذها آلهة من أسفه السفه وأبطل الباطل.
والثاني: أن هؤلاء المشركين كانوا يقرون بأن الله تعالى وحده الرب الخالق الذي بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه، وهذا يستلزم أن يوحدوه بالألوهية كما وحدوه بالربوبية كما قال تعالى: (يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون . الذي جعل لكم الأرض فراشاً والسماء بناءً وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقاً لكم فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون(4).
وقال: (ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون(5).
وقال: (قل من يرزقكم من السماء والأرض أم من يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون. فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون(6).
__________
(1) سورة الفرقان، الآية: 3.
(2) سورة سبأ، الآيتان: 22-23.
(3) سورة الأعراف، الآيتان: 191-192.
(4) سورة البقرة، الآية: 21-22.
(5) سورة الزخرف، الآية: 87.
(6) سورة يونس، الآيتان: 31-32.

(5/75)


الرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته أي (إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو سنة رسوله (صلى الله عليه وسلم) من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به من غير تحريف، ولا تعطيل، ولا تكييف، ولا تمثيل) قال الله تعالى: (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون( (1). وقال: (وله المثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم(.(1)[1])
وقال: (ليس كمثله شي وهو السميع البصير((3) .
وقد ضل في هذا الأمر طائفتان:
إحداهما: (المعطلة) الذين أنكروا الأسماء، والصفات، أو بعضها، زاعمين أن إثباتها لله يستلزم التشبيه، أي تشبيه الله تعالى بخلقه، وهذا الزعم باطل لوجوه منها:
الأول: أنه يستلزم لوازم باطلة كالتناقض في كلام الله سبحانه، وذلك أن الله تعالى أثبت لنفسه الأسماء، والصفات، ونفى أن يكون كمثله شيء، ولو كان إثباتها يستلزم التشبيه لزم التناقض في كلام الله وتكذيب بعضه بعضاً.
الثاني: أنه لا يلزم من اتفاق الشيئين في اسم أو صفة أن يكونا متماثلين، فأنت ترى الشخصين يتفقان في أن كلا منهماً إنسان سميع، بصير، متكلم، ولا يلزم من ذلك أن يتماثلا في المعاني الإنسانية، والسمع، والبصر، والكلام، وترى الحيوانات لها أيد وأرجل، وأعين، ولا يلزم من اتفاقها هذا أن تكون أيديها وأرجلها، وأعينها متماثلة.
فإذا ظهر التباين بين المخلوقات فيما تتفق فيه من أسماء، أو صفات، فالتباين بين الخالق والمخلوق أبين وأعظم.
الطائفة الثانية: (المشبهة) الذين أثبتوا الأسماء والصفات مع تشبيه الله تعالى بخلقه زاعمين أن هذا مقتضى دلالة النصوص، لأن الله تعالى يخاطب العباد بما يفهمون وهذا الزعم باطل لوجوه منها:
__________
(1) سورة الأعراف ، الآية:180 .
(2)سورة الروم ، الآية : 27 .
(3) سورة الشورى ، الآية : 11 .

(5/76)


الأول: أن مشابهة الله تعالى لخلقه أمر باطل يبطله العقل، والشرع، ولا يمكن أن يكون مقتضى نصوص الكتاب والسنة أمراً باطلاً.
الثاني: أن الله تعالى خاطب العباد بما يفهمون من حيث أصل المعنى، أما الحقيقة والكنه الذي عليه ذلك المعنى فهو مما استأثر الله تعالى بعلمه فيما يتعلق بذاته، وصفاته.
فإذا أثبت الله لنفسه أنه سميع، فإن السمع معلوم من حيث أصل المعنى (وهو إدراك الأصوات) لكن حقيقة ذلك بالنسبة إلى سمع الله تعالى غير معلومة، لأن حقيقة السمع تتباين حتى في المخلوقات، فالتباين فيها بين الخالق والمخلوق، أبين وأعظم.
وإذا أخبر الله تعالى عن نفسه أنه استوى على عرشه فإن الاستواء من حيث أصل المعنى معلوم، لكن حقيقة الاستواء التي هو عليها غير معلومة بالنسبة إلى استواء الله على عرشه، لأن حقيقة الاستواء تتباين في حق المخلوق، فليس الاستواء على كرسي مستقر كالاستواء على رحل بعير صعب نفور، فإذا تباينت في حق المخلوق، فالتباين فيها بين الخالق والمخلوق أبين وأعظم.
والإيمان بالله تعالى على ما وصفنا يثمر للمؤمنين ثمرات جليلة منها:
الأولى: تحقيق توحيد الله تعالى بحيث لا يتعلق بغيره رجاء، ولا خوف، ولا يعبد غيره.
الثانية: كمال محبة الله تعالى، وتعظيمه بمقتضى أسمائه الحسنى وصفاته العليا.
الثالثة: تحقيق عبادته بفعل ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه.

الإيمان بالملائكة
الملائكة: (عالم غيبي مخلوقون، عابدون لله تعالى، وليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، خلقهم الله تعالى من نور، ومنحهم الانقياد التام لأمره، والقوة على تنفيذه).
قال الله تعالى: (ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون .يسبحون الليل والنهار لا يفترون(1).
__________
(1) سورة الأنبياء، الآيتان: 19-20 .

(5/77)


وهم عدد كثير لا يحصيهم إلا الله تعالى، وقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله عنه في قصة المعراج أن النبي (صلى الله عليه وسلم) رفع له البيت المعمور في السماء يصلي فيه كل يوم سبعون ألف ملك إذا خرجوا لم يعودوا إليه آخر ما عليهم.
والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بوجودهم.
الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه (كجبريل) ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالاً.
الثالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم، كصفة (جبريل) فقد أخبر النبي (صلى الله عليه وسلم) أنه رآه على صفته التي خلق عليها وله ستمائة جناح قد سد الأفق.
وقد يتحول الملك بأمر الله تعالى إلى هيئة رجل، كما حصل (لجبريل) حين أرسله تعالى إلى ـ مريم ـ فتمثل لها بشراً سوياً، وحين جاء إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) وهو جالس في أصحابه جاءه بصفة رجل شديد بياض الثياب، شديد سواد الشعر، لا يرى عليه أثر السفر، ولا يعرفه أحد من الصحابة، فجلس إلى النبي (صلى الله عليه وسلم) فأسند ركبتيه إلى ركبتيه، ووضع كفيه على فخذيه، وسأل النبي (صلى الله عليه وسلم) عن الإسلام، والإيمان، والإحسان، والساعة، وأماراتها، فأجابه النبي (صلى الله عليه وسلم) فأنطلق. ثم قال (صلى الله عليه وسلم) "هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم”. رواه مسلم.
وكذلك الملائكة الذين أرسلهم الله تعالى إلى إبراهيم، ولوط كانوا في صورة رجال.
الرابع: الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله تعالى، كتسبيحه، والتعبد له ليلاً ونهاراً بدون ملل ولا فتور.
وقد يكون لبعضهم أعمال خاصة.
مثل: جبريل الأمين على وحي الله تعالى يرسله الله به إلى الأنبياء والرسل.
ومثل: ميكائيل الموكل بالقطر أي بالمطر والنبات.
ومثل إسرافيل: الموكل بالنفخ في الصور عند قيام الساعة وبعث الخلق.
ومثل: ملك الموت الموكل بقبض الأرواح عند الموت.
ومثل: مالك الموكل بالنار وهو خازن النار.

(5/78)


ومثل: الملائكة الموكلين بالأجنة في الأرحام إذا تم للإنسان أربعة اشهر في بطن أمه، بعث الله إليه ملكاً وأمره بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد.
ومثل: الملائكة الموكلين بحفظ أعمال بني آدم وكتابتها لكل شخص، وهما ملكان: أحدهما عن اليمين والثاني عن الشمال.
ومثل: الملائكة الموكلين بسؤال الميت إذا وضع في قبره يأتيه ملكان يسألانه عن ربه، ودينه، ونبيه.
والإيمان بالملائكة يثمر ثمرات جليلة منها :
الأولى: العلم بعظمة الله تعالى، وقوته، وسلطانه، فإن عظمة المخلوق من عظمة الخالق.
الثانية: شكر الله تعالى على عنايته ببني آدم، حيث وكل من هؤلاء الملائكة من يقوم بحفظهم، وكتابة أعمالهم، وغير ذلك من مصالحهم.
الثالثة: محبة الملائكة على ما قاموا به من عبادة الله تعالى.
وقد أنكر قوم من الزائغين كون الملائكة أجساماً، وقالوا : إنهم عبارة عن قوى الخير الكامنة في المخلوقات، وهذا تكذيب لكتاب الله تعالى، وسنة رسوله (صلى الله عليه وسلم)، وإجماع المسلمين.
قال الله تعالى: (الحمد لله فاطر السموات والأرض جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع(1).
وقال: (ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم(2).
وقال:(ولوترى إذ الطالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم(3).
وقال: (حتى إذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير(4).
وقال في أهل الجنة: (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب .سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار(5).
__________
(1) سورة فاطر، الآية: 1 .
(2) سورة الأنفال، الآية: 50.
(3) سورة الأنعام، الآية: 93.
(4) سورة سبأ، الآية: 23.
(5) سورة الرعد، الآيتان: 23-24.

(5/79)


وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (صلى الله عليه وسلم) قال: "إذا أحب الله العبد نادى جبريل إن الله يحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل، فينادي جبريل في أهل السماء، إن الله يحب فلاناً فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض(.
وفيه أيضاً عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا كان يوم الجمعة كان على كل باب من أبواب المسجد الملائكة يكتبون الأول فالأول، فإذا جلس الإمام طووا الصحف، وجاؤوا يستمعون الذكر).
وهذه النصوص صريحة في أن الملائكة أجسام لا قوى معنوية، كما قال الزائغون وعلى مقتضى هذه النصوص أجمع المسلمون.

الإيمان بالكتب
الكتب: جمع (كتاب) بمعنى (مكتوب).
والمراد بها هنا: [الكتب التي أنزلها تعالى على رسله رحمة للخلق، وهداية لهم، ليصلوا بها إلى سعادتهم في الدنيا والآخرة].
والإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بأن نزولها من عند الله حقاً .
الثاني: الإيمان بما علمنا اسمه منها باسمه كالقرآن الذي نزل على محمد صلى الله عليه وسلم ، (والتوراة) التي أنزلت على موسى صلى الله عليه وسلم (والإنجيل) الذي أنزل على عيسى صلى الله عليه وسلم ، (والزبور) الذي أوتيه داود صلى الله عليه وسلم وأما مالم نعلم اسمه فنؤمن به إجمالاً.
الثالث: تصديق ما صح من أخبارها، كأخبار القرآن، وأخبار مالم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة.
الرابع: العمل بأحكام مالم ينسخ منها، والرضا والتسليم به سواء فهمنا حكمته أم لم نفهمها، وجميع الكتب السابقة منسوخة بالقرآن العظيم قال الله تعالى: (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه من الكتاب ومهيمناً عليه(1) أي (حاكماً عليه) وعلى هذا فلا يجوز العمل بأي حكم من أحكام الكتب السابقة إلا ما صح منها وأقره القرآن.
والإيمان بالكتب يثمر ثمرات جليلة منها:
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 48.

(5/80)


الأولى: العلم بعناية الله تعالى بعباده حيث أنزل لكل قوم كتاباً يهديهم به.
الثانية: العلم بحكمة الله تعالى في شرعه حيث شرع لكل قوم ما يناسب أحوالهم. كما قال الله تعالى: (لكل جعلنا منكم شرعة منهاجاً(1).
الثالثة: شكر نعمة الله في ذلك.

الإيمان بالرسل
الرسل: جمع (رسول) بمعنى (مرسل) أي (مبعوث) بإبلاغ شيء.
والمراد هنا: من أوحي إليه من البشر بشرع وأمر بتبليغه.
وأول الرسل نوح وآخرهم محمد صلى الله عليه وسلم.
قال الله تعالى: (إنا أوحينا إليك كما أوحينا إلى نوح والنبيين من بعده(2).
وفي صحيح البخاري عن ـ أنس بن مالك ـ رضي الله عنه في (حديث الشفاعة أن النبي صلى الله عليه وسلم (ذكر أن الناس يأتون إلى آدم ليشفع لهم فيعتذر إليهم ويقول: ئتوا نوحاً أول رسول بعثه الله وذكر تمام الحديث).
وقال الله في محمد صلى الله عليه وسلم: (ما كان محمد أبا أحدٍ من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين(3).
ولم تخل أمة من رسول يبعثه الله تعالى بشريعة مستقلة إلى قومه.
أو نبي يوحى إليه بشريعة من قبله ليجددها، قال الله تعالى: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت(4).
وقال تعالى: (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير(5).وقال تعالى:(إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا للذين هادوا(6).
- والرسل بشر مخلوقون ليس لهم من خصائص الربوبية والألوهية شيء، قال الله تعالى عن نبيه محمد صلى الله عليه وسلم وهو سيد الرسل وأعظمهم جاهاً عند الله: (قل لا أملك لنفسي نفعاً ولا ضراً إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون(7).
__________
(1) سورة المائدة، الآية: 48.
(2) سورة النساء، الآية: 163.
(3) سورة الأحزاب، الآية: 40.
(4) سورة النحل، الآية: 36.
(5) سورة فاطر، الآية: 24.
(6) سورة المائدة، الآية: 44.
(7) سورة الأعراف، الآية: 188.

(5/81)


وقال تعالى: (قل إني لا أملك لكم ضراً ولا رشداً . قل إني لن يجيرني من الله أحد ولن أجد من دونه ملتحداً(1).
وتلحقهم خصائص البشرية من المرض، والموت، والحاجة إلى الطعام والشراب، وغير ذلك، قال الله تعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام في وصفه لربه تعالى: (والذي هو يطعمني ويسقين . وإذا مرضت فهو يشفين . والذي يميتني ثم يحيين(2).
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون فإذا نسيت فذكروني".
وقد وصفهم الله تعالى بالعبودية له في أعلى مقاماتهم، وفي سياق الثناء عليهم فقال تعالى في نوح صلى الله عليه وسلم : ( إنه كان عبداً شكوراً(3). وقال في محمد صلى الله عليه وسلم:(تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً(4).
وقال في إبراهيم، وإسحاق، ويعقوب (صلى الله عليهم وسلم): (واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق ويعقوب أولي الأيدي والأبصار . إنا أخلصناهم بخالصة ذكرى الدار . وإنهم عندنا لمن المصطفين الأخيار(5).
وقال في عيسى بن مريم صلى الله عليه وسلم : (إن هو إلا عبد أنعمنا عليه وجعلناه مثلاً لبني إسرائيل(6).
والإيمان بالرسل يتضمن أربعة أمور:
__________
(1) سورة الجن، الآيتان: 21-22.
(2) سورة الشعراء، الآيات: 79-81 .
(3) سورة الإسراء، الآية: 3.
(4) سورة الفرقان، الآية: 1.
(5) سورة ص، الآيات: 45-47.
(6) سورة الزخرف، الآية: 59.

(5/82)


الأول: الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى، فمن كفر برسالة واحد منهم فقد كفر بالجميع. كما قال الله تعالى: (كذبت قوم نوح المرسلين(1) فجعلهم الله مكذبين لجميع الرسل، مع أنه لم يكن رسول غيره حين كذبوه، وعلى هذا فالنصارى الذين كذبوا محمداً صلى الله عليه وسلم ولم يتبعوه هم مكذبون للمسيح بن مريم غير متبعين له أيضاً، لا سيما وأنه قد بشرهم بمحمد صلى الله عليه وسلم ولا معنى لبشارتهم به إلا أنه رسول إليهم ينقذهم الله به من الضلالة، ويهديهم إلى صراط مستقيم.
الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه مثل: محمد وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح (عليهم الصلاة والسلام) وهؤلاء الخمسة هم أولو العزم من الرسل، وقد ذكرهم الله تعالى في موضعين من القرآن : في (سورة الأحزاب) في قوله:
(وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم(2) وفي (سورة الشورى) في قوله: (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه(3).
وأما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالاً قال الله تعالى: (ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليه ومنهم من لم نقصص عليك(4).
الثالث: تصديق ما صح عنهم من أخبارهم.
الرابع: العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم، وهو خاتمهم محمد صلى الله عليه وسلم المرسل إلى جميع الناس قال الله تعالى: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً(5).
وللإيمان بالرسل ثمرات جليلة منها:
الأولى: العلم برحمة الله تعالى وعنايته بعباده حيث أرسل إليهم الرسل ليهدوهم إلى صراط الله تعالى، ويبينوا لهم كيف يعبدون الله، لأن العقل البشري لا يستقل بمعرفة ذلك.
__________
(1) سورة الشعراء، الآية: 105.
(2) سورة الأحزاب، الآية: 7 .
(3) سورة الشورى، الآية: 13.
(4) سورة غافر، الآية:78.
(5) سورة النساء، الآية: 65.

(5/83)


الثانية: شكره تعالى على هذه النعمة الكبرى.
الثالثة: محبة الرسل عليهم الصلاة والسلام وتعظيمهم، والثناء عليهم بما يليق بهم، لأنهم رسل الله تعالى، ولأنهم قاموا بعبادته، وتبليغ رسالته، والنصح لعباده.
وقد كذب المعاندون رسلهم زاعمين أن رسل الله تعالى لا يكونون من البشر! وقد ذكر الله تعالى هذا الزعم وأبطله بقوله: (وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشراً رسولاً . قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكاً رسولاً(1) فأبطل الله تعالى هذا الزعم بأنه لابد أن يكون الرسول بشراً لأنه مرسل إلى أهل الأرض، وهم بشر، ولو كان أهل الأرض ملائكة لنزل الله عليهم من السماء ملكاً رسولاً، ليكون مثلهم، وهكذا حكى الله تعالى عن المكذبين للرسل أنهم قالوا: (إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عن ما كان يعبد آباؤنا فأتونا بسلطان مبين. قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشاء من عباده وما كان لنا أن نأتيكم بسلطان إلا بإذاً الله(2).

الإيمان باليوم الآخر
اليوم الآخر: [يوم القيامة الذي يبعث الناس فيه للحساب والجزاء].
وسمي بذلك لأنه لا يوم بعده، حيث يستقر أهل الجنة في منازلهم، وأهل النار في منازلهم.
والإيمان باليوم الآخر يتضمن ثلاثة أمور:
الأول: الإيمان بالبعث: وهو إحياء الموتى حين ينفخ في الصور النفخة الثانية، فيقوم الناس لرب العالمين ، حفاة غير منتعلين ، عراة غير مستترين ، غرلاً غير مختتنين، قال الله تعالى: (كما بدأنا أول خلقٍ نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين(3).
والبعث: حق ثابت دل عليه الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين.
قال الله تعالى: (ثم إنكم بعد ذلك لميتون . ثم إنكم يوم القيامة تبعثون(4).
__________
(1) سورة الإسراء، الآيتان: 94-95.
(2) سورة إبراهيم، الآيتان: 10-11.
(3) سورة الأنبياء، الآية: 104.
(4) سورة المؤمنون، الآيتان: 15-16.

(5/84)


وقال النبي صلى الله عليه وسلم: "يحشر الناس يوم القيامة حفاة عراة غرلاً". متفق عليه.
وأجمع المسلمون على ثبوته، وهو مقتضى الحكمة حيث تقتضي أن يجعل الله تعالى لهذه الخليقة معاداً يجازيهم فيه على ما كلفهم به على ألسنة رسله قال الله تعالى: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون(1) وقال لنبيه صلى الله عليه وسلم: (إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد(2).
الثاني: الإيمان بالحساب والجزاء: يحاسب العبد على عمله، ويجازي عليه، وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين.
قال الله تعالى: (إن إلينا إيابهم . ثم إن علينا حسابهم(3) وقال: (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون(4) وقال: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين(5).
وعن ابن عمر رضي الله عنهما ـ أن النبي (صلى الله عليه وسلم ) ـ قال: "إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه(6) ويستره، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم أي رب حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى أنه قد هلك قال: قد سترتها عليك في الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب حسناته، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق (هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين( (1). متفق عليه.
وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم:"أن من هم بحسنة فعملها، كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، وأن من هم بسيئة فعملها، كتبها الله سيئة واحدة".
__________
(1) سورة المؤمنون، الآية: 115.
(2) سورة القصص، الآية: 85 .
(3) سورة الغاشية، الآيتان: 25-26.
(4) سورة الأنعام، الآية: 160.
(5) سورة الأنبياء، الآية: 47.
(6) كنفه: ستره.

(5/85)


وقد أجمع المسلمون على إثبات الحساب والجزاء على الأعمال، وهو مقتضى الحكمة فإن الله تعالى أنزل الكتب، وأرسل الرسل، وفرض على العباد قبول ما جاؤوا به، والعمل بما يجب العمل به منه وأوجب قتال المعارضين له وأحل دماءهم، وذرياتهم، ونساءهم، وأموالهم. فلو لم يكن حساب، ولا جزاء لكان هذا من العبث الذي ينزه الرب الحكيم عنه، وقد أشار الله تعالى إلى ذلك بقوله: (فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين . فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين(1).
الثالث: الإيمان بالجنة والنار: وأنهما المآل الأبدي للخلق. فالجنة دار النعيم التي أعدها الله تعالى للمؤمنين المتقين، الذين آمنوا بما أوجب الله عليهم الإيمان به، وقاموا بطاعة الله ورسوله، مخلصين لله متبعين لرسوله. فيها من أنواع النعيم "مالا عين رأت، ولا إذاً سمعت، ولا خطر على قلب بشر". قال الله تعالى: (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم عند ربهم جنات عدنٍ تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه(2) وقال تعالى: (فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون(3).
__________
(1) سورة هود ، الآية: 18 .
(2) سورة الأعراف، الآيتان: 6-7.
(2) سورة البينة، الآيتان: 7-8.
(3) سورة السجدة، الآية: 17.

(5/86)


وأما النار فهي دار العذاب التي أعدها الله تعالى للكافرين الظالمين، الذين كفروا به وعصوا رسله، فيها من أنواع العذاب، والنكال مالا يخطر على البال قال الله تعالى: (واتقوا النار التي أعدت للكافرين(1) وقال: (إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل يشوي الوجوه بئس الشراب وساءت مرتفقاً(2) . وقال تعالى: (إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيراً . خالدين فيها أبداً لا يجدون ولياً ولا نصيراً . يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا(3).
ويلتحق بالإيمان باليوم الآخر: الإيمان بكل ما يكون بعد الموت مثل:
(أ ) فتنة القبر: وهي سؤال الميت بعد دفنه عن ربه، ودينه، ونبيه، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول: ربي الله، وديني الإسلام، ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم. ويضل الله الظالمين فيقول الكافر هاه، هاه، لا أدري. ويقول المنافق أو المرتاب(4): لا أدري سمعت الناس يقولون شيئاً فقلته.
(ب ) عذاب القبر ونعيمه: فيكون عذاب القبر للظالمين من المنافقين والكافرين، قال الله تعالى: (ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون(5).
وقال تعالى في ـ آل فرعون ـ: (النار يعرضون عليها غدوّاً وعشيا ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب(6).
__________
(1) سورة آل عمران، الآية: 131.
(2) سورة الكهف، الآية: 29.
(3) سورة الأحزاب، الآيات: 64-66 .
(4) أو للشك من الراوي كما في الصحيحين.
(5) سورة الأنعام، الآية: 93 .
(6) سورة غافر، الآية: 46.

(5/87)


وفي صحيح مسلم من حديث زيد بن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فلولا أن لا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر الذي أسمع منه، ثم أقبل بوجهه فقال: تعوذوا بالله من عذاب النار. قالوا: نعود بالله من عذاب النار . فقال : تعوذوا بالله من عذاب القبر. قالوا : نعوذ بالله من عذاب القبر. قال: تعوذوا بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قالوا: نعوذ بالله من الفتن ما ظهر منها وما بطن. قال: تعوذوا بالله من فتنة الدجال. قالوا: نعوذ بالله من فتنة الدجال".
وأما نعيم القبر فللمؤمنين الصادقين قال الله تعالى: (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة أن لا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون(1).
وقال تعالى: (فلولا إذا بلغت الحلقوم . وأنتم حينئذ تنظرون . ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون فلولا إن كنتم غير مدينين . ترجعونها إن كنتم صادقين . فأما إن كان من المقربين. فروح وريحان وجنة نعيم(2) إلى آخر السورة.
وعن البراء بن عازب ـ رضي الله عنه ـ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المؤمن إذا أجاب الملكين في قبره: "ينادي منادٍ من السماء أن صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، وألبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة، قال : فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في قبره مد بصره" رواه أحمد وأبو داود في حديث طويل.
وللإيمان باليوم الآخر ثمرات جليلة منها:
الأولى: الرغبة في فعل الطاعة والحرص عليها رجاء لثواب ذلك اليوم.
الثانية: الرهبة من فعل المعصية والرضا بها خوفاً من عقاب ذلك اليوم.
الثالثة: تسلية المؤمن عما يفوته من الدنيا بما يرجوه من نعيم الآخرة وثوابها.
وقد أنكر الكافرون البعث بعد الموت زاعمين أن ذلك غير ممكن.
وهذا الزعم باطل دل على بطلانه الشرع، والحس، والعقل.
__________
(1) سورة فصلت، الآية: 30 .
(2) سورة الواقعة، الآيات: 83-89.

(5/88)


أما من الشرع: فقد قال الله تعالى: (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير(1) وقد اتفقت جميع الكتب السماوية عليه.
وأما الحس: فقد أرى الله عباده إحياء الموتى في هذه الدنيا، وفي سورة البقرة، خمسة أمثلة على ذلك وهي:
المثال الأول: قوم موسى حين قالوا له: "لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة" فأماتهم الله تعالى، ثم أحياهم وفي ذلك يقول الله تعالى مخاطباً بني إسرائيل: (وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون .ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون(2).
المثال الثاني: في قصة القتيل الذي اختصم فيه بنو إسرائيل، فأمرهم الله تعالى أن يذبحوا بقرة فيضربوه ببعضها ليخبرهم بمن قتله، وفي ذلك يقول الله تعالى: (وإذ قتلتم نفساً فادارأتم فيها والله مخرج ما كنتم تكتمون. فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون(3).
المثال الثالث: في قصة القوم الذين خرجوا من ديارهم فراراً من الموت وهم ألوف فأماتهم الله تعالى، ثم أحياهم وفي ذلك يقول الله تعالى: (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم ،ن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون(4).
__________
(1) سورة التغابن، الآية: 7 .
(2) سورة البقرة، الآيتان: 55-56.
(3) سورة البقرة، الآيتان: 72-73.
(4) سورة البقرة، الآية: 243.

(5/89)


المثال الرابع: في قصة الذي مر على قرية ميتة فاستبعد أن يحييها الله تعالى، فأماته الله تعالى مائة سنة، ثم أحياه وفي ذلك يقول الله تعالى: (أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه قال كم لبثت قال لبثت يوماً أو بعض يوم قال بل لبثت مائة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه(1) وانظر إلى حمارك ولنجعلك آية للناس وانظر إلى العظام كيف ننشزها ثم نكسوها لحماً فلما تبين له قال أعلم أن الله على كل شيء قدير(2).
المثال الخامس: في قصة إبراهيم الخليل حين سأل الله تعالى أن يريه كيف يحيي الموتى؟ فأمره الله تعالى أن يذبح ـ أربعة من الطير، ويفرقهن أجزاء على الجبال التي حوله، ثم يناديهن، فتلتئم الأجزاء بعضها إلى بعض، ويأتين إلى إبراهيم سعياً، وفي ذلك يقول الله تعالى: (وإذ قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءاً ثم ادعهن يأتينك سعياً واعلم أن الله عزيز حكيم(3).
فهذه أمثلة حسية واقعة تدل على إمكان إحياء الموتى. وقد سبق الإشارة إلى ما جعله الله تعالى من آيات ـ عيسى بن مريم ـ في إحياء الموتى، وإخراجهم من قبورهم بإذاً الله تعالى.
وأما دلالة العقل فمن وجهين:
__________
(1) لم يتغير.
(2) سورة البقرة، الآية: 259.
(3) سورة البقرة، الآية: 260.

(5/90)


أحدهما:أن الله تعالى فاطرالسموات والأرض ومافيهما خالقهما ابتداء،والقادرعلى ابتداء الخلق لا يعجز عن إعادته، قال الله تعالى:(وهو الذي يبدأ الخلق ثم يعيده وهو أهون عليه(1) وقال تعالى: (كما بدأنا أول خلقٍ نعيده وعداً علينا إنا كنا فاعلين(2) وقال آمراً بالرد على من أنكر إحياء العظام وهي رميم:(قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلقٍ عليم(3). الثاني: أن الأرض تكون ميتة هامدة ليس فيها شجرة خضراء، فينزل عليها المطر فتهتز خضراء حية فيها من كل زوج بهيج، والقادر على إحيائها بعد موتها، قادر على إحياء الأموات. قال الله تعالى: (ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وريت إن الذي أحياها لمحيي الموتى إنه على كل شيء قدير(4) وقال تعالى: (ونزلنا من السماء ماء مباركاً فأنبتنا به جنات وحب الحصيد. والنخل باسقات لها طلع نضيد . رزقاً للعباد وأحيينا به بلدة ميتاً كذلك الخروج(5).
وقد ضل قوم من أهل الزيغ فأنكروا عذاب القبر، ونعيمه، زاعمين أن ذلك غير ممكن لمخالفته الواقع، قالوا: فإنه لو كشف عن الميت في قبره لوجد كما كان عليه، والقبر لم يتغير بسعة ولا يضيق.
وهذا الزعم باطل بالشرع، والحس، والعقل:
أما الشرع: فقد سبقت النصوص الدالة على ثبوت عذاب القبر، ونعيمه في فقرة (ب) مما يلتحق بالإيمان باليوم الآخر.
وفي صحيح البخاري ـ من حديث ـ ابن عباس رضي الله عنهما قال: "خرج النبي صلى الله عليه وسلم من بعض حيطان المدينة، فسمع صوت إنسانين يعذبان في قبورهما" وذكر الحديث، وفيه "أن أحدهما كان لا يستتر من البول" وفي ـ رواية ـ من (بوله) وأن الآخر كان يمشي بالنميمة.
__________
(1) سورة الروم، الآية: 27.
(2) سورة الأنبياء، الآية: 104.
(3) سورة يس: الآية 79.
(4) سورة فصلت، الآية: 39.
(5) سورة ق، الآيات: 9-11.

(5/91)


وأما الحس: فإن النائم يرى في منامه أنه كان في مكان فسيح بهيج يتنعم فيه، أو أنه كان في مكان موحش يتألم منه، وربما يستيقظ أحياناً مما رأى، ومع ذلك فهو على فراشه في حجرته على ما هو عليه. والنوم أخو الموت ولهذا سماه الله تعالى (وفاة) قال الله تعالى: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمى(1).
وأما العقل: فإن النائم في منامه يرى الرؤيا الحق المطابقة للواقع، وربما رأى النبي صلى الله عليه وسلم على صفته، ومن رآه على صفته فقد رآه حقاً، ومع ذلك فالنائم في حجرته على فراشه بعيداً عما رأى، فإذا كان هذا ممكناً في أحوال الدنيا، أفلا يكون ممكناً في أحوال الآخرة؟‍
وأما اعتمادهم فيما زعموه على أنه لو كشف عن الميت في قبره لوجد كما كان عليه، والقبر لم يتغير بسعة ولا ضيق، فجوابه من وجوه منها:
الأول: أنه لا تجوز معارضة ما جاء به الشرع بمثل هذه الشبهات الداحضة التي لو تأمل المعارض بها ما جاء به الشرع حق التأمل لعلم بطلان هذه الشبهات وقد قيل:
وكم من عائب قولاً صحيحاً ... ... ... وآفته من الفهم السقيم
الثاني: أن أحوال البرزخ من أمور الغيب التي لا يدركها الحس، ولو كانت تدرك بالحس لفاتت فائدة الإيمان بالغيب، ولتساوى المؤمنون بالغيب، والجاحدون في التصديق بها.
الثالث: أن العذاب والنعيم وسعة القبر وضيقه إنما يدركها الميت دون غيره، وهذا كما يرى النائم في منامه أنه في مكان ضيق موحش، أو في مكان واسع بهيج، وهو بالنسبة لغيره لم يتغير منامه هو في حجرته وبين فراشه وغطائه، ولقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يوحى إليه وهو بين أصحابه فيسمع الوحي، ولا يسمعه الصحابة، وربما يتمثل له الملك رجلاً فيكلمه، والصحابة لا يرون الملك، ولا يسمعونه.
__________
(1) سورة الزمر، الآية: 42.

(5/92)


الرابع: أن إدراك الخلق محدود بما مكنهم الله تعالى من إدراكه، ولا يمكن أن يدركوا كل موجود، فالسموات السبع، والأرض، ومن فيهن، وكل شيء يسبح بحمد الله تسبيحاً حقيقياً يسمعه الله تعالى من شاء من خلقه أحياناً. ومع ذلك هو محجوب عنا، وفي ذلك يقول الله تعالى: (تسبح له السموات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم(1) وهكذا الشياطين، والجن، يسعون في الأرض ذهاباً وإياباً، وقد حضرت الجن إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستمعوا لقراءته وأنصتوا وولوا إلى قومهم منذرين. ومع هذا فهم محجوبون عنا وفي ذلك يقول الله تعالى: (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهما إنه يراكم وهو وقبيله من حيث لا ترونهم إنا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون(2) وإذا كان الخلق لا يدركون كل موجود، فإنه لا يجوز أن ينكروا ما ثبت من أمور الغيب، ولم يدركوه.

الإيمان بالقدر
(القدر) بفتح الدال: (تقدير الله تعالى للكائنات، حسبما سبق به علمه، واقتضته حكمته).
والإيمان بالقدر يتضمن أربعة أمور:
الأول: الإيمان بأن الله تعالى علم بكل شيء جملة وتفصيلاً، أزلاً وأبداً، سواء كان ذلك مما يتعلق بأفعاله أو بأفعال عباده.
الثاني: الإيمان بأن الله كتب ذلك في اللوح المحفوظ، وفي هذين الأمرين يقول الله تعالى: (ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير(3).
وفي صحيح مسلم ـ عن عبدالله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "كتب الله مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة".
__________
(1) سورة الإسراء، الآية: 44.
(2) سورة الأعراف، الآية: 27.
(3) سورة الحج، الآية: 70 .

(5/93)


الثالث: الإيمان بأن جميع الكائنات لا تكون إلا بمشيئة الله تعالى، سواء كانت مما يتعلق بفعله أم مما يتعلق بفعل المخلوقين، قال الله تعالى فيما يتعلق بفعله : ( وربك يخلق ما يشاء ويختار(1) وقال: (ويفعل الله ما يشاء(2) وقال : (هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء(3) وقال تعالى فيما يتعلق بفعل المخلوقين :( ولو شاء الله لسلطهم عليكم فلقاتلوكم(4) وقال: (ولو شاء الله ما فعلوه فذرهم وما يفترون(5).
الرابع: الإيمان بأن جميع الكائنات مخلوقة لله تعالى بذواتها، وصفاتها، وحركاتها، قال الله تعالى: (الله خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل(6) وقال: (وخلق كل شيء فقدره تقديراً(7) وقال عن نبي الله إبراهيم عليه الصلاة والسلام إنه قال لقومه: (والله خلقكم وماتعملون(8).
والإيمان بالقدر على ما وصفنا لا ينافي أن يكون للعبد مشيئة في أفعاله الاختيارية وقدرة عليها، لأن الشرع والواقع دالان على إثبات ذلك له.
أما الشرع: فقد قال الله تعالى في المشيئة:(فمن شاء اتخذ إلى ربه مآباً(9) وقال:(فأتوا حرثكم أنى شئتم(10)وقال في القدرة:(فاتقوا الله ما استطعتم واسمعوا وأطيعوا(11) وقال:(لا يكلف الله نفساً إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت(12).
__________
(1) سورة القصص، الآية: 68.
(2) سورة إبراهيم، الآية: 27.
(3) سورة آل عمران، الآية: 6.
(4) سورة النساء، الآية: 90.
(5) سورة الأنعام، الآية: 137.
(6) سورة الزمر، الآية: 62.
(7) سورة الفرقان، الآية: 2.
(8) سورة الصافات، الآية: 96.
(9) سورة النبأ، الآية: 39.
(10) سورة البقرة، الآية: 223.
(11) سورة التغابن، الآية: 16.
(12) سورة البقرة، الآية: 286.

(5/94)


وأما الواقع: فإن كل إنسان يعلم أن له مشيئة وقدرة بهما بفعل وبهما يترك، ويفرق بين ما يقع بإرادته، كالمشي، وما يقع بغير إرادته كالارتعاش، لكن مشيئة العبد وقدرته واقعتان بمشيئة الله تعالى، وقدرته لقول الله تعالى: (لمن شاء منكم أن يستقيم . وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين(1) ولأن الكون كله ملك لله تعالى فلا يكون في ملكه شيء بدون علمه ومشيئته.
والإيمان بالقدر على ما وصفنا لا يمنح العبد حجة على ما ترك من الواجبات أو فعل من المعاصي، وعلى هذا فاحتجاجه به باطل من وجوه: الأول: قوله تعالى: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا قل هل عندكم من علم فتخرجوه لنا إن تتبعون إلا الظن وإن أنتم إلا تخرصون(2) ولو كان لهم حجة بالقدر ما أذاقهم الله بأسه.
الثاني: قوله تعالى: (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل وكان الله عزيزاً حكيماً(3) ولو كان القدر حجة للمخالفين لم تنتفِ بإرسال الرسل، لأن المخالفة بعد إرسالهم واقعة بقدر الله تعالى. الثالث: ما رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري عن علي بن طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما منكم من أحد إلا قد كتب مقعده من النار أو من الجنة. فقال رجل من القوم: ألا نتكل يا رسول الله؟ قال: لا، اعملوا فكل ميسر، ثم قرأ (فأما من أعطى واتقى(4) الآية. وفي لفظ لمسلم: "فكل ميسر لما خلق له"، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالعمل ونهى عن الاتكال على القدر.
__________
(1) سورة التكوير، الآيتان: 28-29.
(2) سورة الأنعام، الآية: 148.
(3) سورة النساء، الآية: 165 .
(4) سورة الليل، الآية: 5.

(5/95)


الرابع: أن الله تعالى أمر العبد ونهاه، ولم يكلفه إلا ما يستطيع، قال الله تعالى: (فاتقوا الله ما استطعتم(1) وقال: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها(2) ولو كان العبد مجبراً على الفعل لكان مكلفاً بما لا يستطيع الخلاص منه، وهذا باطل ولذلك إذا وقعت منه المعصية بجهل، أو نسيان، أو إكراه، فلا إثم عليه لأنه معذور.
الخامس: أن قدر الله تعالى سر مكتوم لا يعلم به إلا بعد وقوع المقدور وإرادة العبد لما يفعله سابقة على فعله فتكون إرادته الفعل غير مبنية على علم منه بقدر الله، وحينئذ تنتفي حجته بالقدر إذ لا حجة للمرء فيما لا يعلمه.
السادس: أننا نرى الإنسان يحرص على ما يلائمه من أمور دنياه حتى يدركه ولا يعدل عنه إلى ما لا يلائمه ثم يحتج على عدوله بالقدر، فلماذا يعدل عما ينفعه في أمور دينه إلى ما يضره ثم يحتج بالقدر؟ أفليس شأن الأمرين واحداً؟!
وإليك مثالاً يوضح ذلك: لو كان بين يدي الإنسان طريقان أحدهما ينتهي به إلى بلد كلها فوضى، وقتل، ونهب، وانتهاك للأعراض وخوف، وجوع، والثاني ينتهي به إلى بلد كلها نظام، وأمن مستتب، وعيش رغيد، واحترام للنفوس والأعراض والأموال، فأي الطريقين يسلك؟
إنه سيسلك الطريق الثاني الذي ينتهي به إلى بلد النظام والأمن، ولا يمكن لأي عاقل أبداً أن يسلك طريق بلد الفوضى، والخوف، ويحتج بالقدر، فلماذا يسلك في أمر الآخرة طريق النار دون الجنة ويحتج بالقدر؟
مثال آخر: نرى المريض يؤمر بالدواء فيشربه ونفسه لا تشتهيه، وينهى عن الطعام الذي يضره فيتركه ونفسه تشتهيه، كل ذلك طلباً للشفاء والسلامة، ولا يمكن أن يمتنع عن شرب الدواء أو يأكل الطعام الذي يضره ويحتج بالقدر فلماذا يترك الإنسان ما أمر الله ورسوله به أو يفعل ما نهى الله ورسوله عنه ثم يحتج بالقدر؟
__________
(1) سورة التغابن، الآية: 16.
(2) سورة البقرة، الآية: 286.

(5/96)


السابع: أن المحتج بالقدر على ما تركه من الواجبات أو فعله من المعاصي، لو اعتدى عليه شخص فأخذ ماله أو انتهك حرمته ثم احتج بالقدر، وقال: لا تلمني فإن اعتدائي كان بقدر الله، لم يقبل حجته. فكيف لا يقبل الاحتجاج بالقدر في اعتداء غيره عليه، ويحتج به لنفسه في اعتدائه على حق الله تعالى؟!
ويذكر أن ـ أمير المؤمنين ـ عمر بن الخطاب رضي الله عنه رفع إليه سارق استحق القطع، فأمر بقطع يده فقال: مهلاً يا أمير المؤمنين، فإنما سرقت بقدر الله فقال عمر: ونحن إنما نقطع بقدر الله.
وللإيمان بالقدر ثمرات جليلة منها:
الأولى: الاعتماد على الله تعالى، عند فعل الأسباب بحيث لا يعتمد على السبب نفسه لأن كل شيء بقدر الله تعالى.
الثانية: أن لا يعجب المرء بنفسه عند حصول مراده، لأن حصوله نعمة من الله تعالى، بما قدره من أسباب الخير، والنجاح، وإعجابه بنفسه ينسيه شكر هذه النعمة.
الثالثة: الطمأنينة، والراحة النفسية بما يجري عليه من أقدار الله تعالى فلا يقلق بفوات محبوب، أو حصول مكروه، لأن ذلك بقدر الله الذي له ملك السموات والأرض وهو كائن لا محالة وفي ذلك يقول الله تعالى: (ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير. لكيلا تأسوا على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور(1) .ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: "عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له". رواه مسلم.
وقد ضل في القدر طائفتان:
· إحداهما: (الجبرية) الذين قالوا : إن العبد مجبر على عمله وليس له فيه إرادة ولا قدرة.
__________
(1) سورة الحديد ، الآيتان 22-23.
(2) سورة آل عمران، الآيتان: 152.
(3 ) سورة الكهف ، الآية: 29.
(4) سورة فصلت، الآية:46.

(5/97)


· الثانية: (القدرية) الذين قالوا : إن العبد مستقل بعمله في الإرادة والقدرة، وليس لمشيئة الله تعالى وقدرته فيه أثر.
والرد على الطائفة الأولى (الجبرية) بالشرع والواقع:
أما الشرع: فإن الله تعالى أثبت للعبد إرادة، ومشيئة، وأضاف العمل إليه قال الله تعالى: (منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة( (2) وقال: (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر إنا أعتدنا للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها((3) الآية. وقال: (من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها وما ربك بظلام للعبيد((4)
وأما الواقع: فإن كل إنسان يعلم الفرق بين أفعاله الاختيارية التي يفعلها بإرادته كالأكل، والشرب، والبيع، والشراء، وبين ما يقع عليه بغير إرادته كالارتعاش من الحمى، والسقوط من السطح، فهو في الأول فاعل مختار بإرادته من غير جبر، وفي الثاني غير مختار ولا مريد لما وقع عليه.
والرد على الطائفة الثانية (القدرية) بالشرع والعقل:
أما الشرع: فإن الله تعالى خالق كل شيء، وكل شيء كائن بمشيئته، وقد بين الله تعالى في كتابه أن أفعال العباد تقع بمشيئته فقال تعالى: (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد(1) وقال تعالى: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين(2).
وأما العقل: فإن الكون كله مملوك لله تعالى، والإنسان من هذا الكون فهو مملوك لله تعالى، ولا يمكن للمملوك أن يتصرف في ملك المالك إلا بإذاًه ومشيئته.

أهداف العقيدة الإسلامية
الهدف (لغة) يطلق على معان منها: (الغرض ينصب ليرمى إليه وكل شيء مقصود).
وأهداف العقيدة الإسلامية: مقاصدها، وغاياتها النبيلة المترتبة على التمسك بها وهي كثيرة متنوعة فمنها:
__________
(1) سورة البقرة، الآية:253.
(2) سورة السجدة، الآية: 13.

(5/98)


أولاً: إخلاص النية والعبادة لله تعالى وحده، لأنه الخالق لا شريك له فوجب أن يكون القصد والعبادة له وحده.
ثانياً: تحرير العقل والفكر من التخبط الفوضوي الناشىء عن خلو القلب من هذه العقيدة، لأن من خلا قلبه منها فهو إما فارغ القلب من كل عقيدة وعابد للمادة الحسية فقط، وإما متخبط في ضلالات العقائد والخرافات.
ثالثاً: الراحة النفسية والفكرية فلا قلق في النفس ولا اضطراب في الفكر، لأن هذه العقيدة تصل المؤمن بخالقه، فيرضى به رباً مدبراً، وحاكماً مشرعاً، فيطمئن قلبه بقدره، وينشرح صدره للإسلام، فلا يبغي عنه بديلاً.
رابعاً: سلامة القصد والعمل من الانحراف في عبادة الله تعالى أو معاملة المخلوقين، لأن من أسسها الإيمان بالرسل المتضمن لاتباع طريقتهم ذات السلامة في القصد والعمل.
خامساً: الحزم والجد في الأمور، بحيث لا يفوت فرصة للعمل الصالح إلا استغلها فيه رجاء للثواب، ولا يرى موقع إثم إلا ابتعد عنه خوفاً من العقاب، لأن من أسسها الإيمان بالبعث والجزاء على الأعمال (ولكل درجات مما عملوا وما ربك بغافل عن ما يعملون(1). وقد حث النبي صلى الله عليه وسلم على هذه الغاية في قوله: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله، ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل : لو أني فعلت كذا وكذا ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن (لو) تفتح عمل الشيطان" رواه مسلم.
سادساً: تكوين أمة قوية تبذل كل غال ورخيص في تثبيت دينها، وتوطيد دعائمه، غير مبالية بما يصيبها في سبيل ذلك، وفي هذا يقول الله تعالى:(إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون(2).
__________
(1) سورة الأنعام، الآية: 132.
(2) سورة الحجرات، الآية: 15.

(5/99)


سابعاً: الوصول إلى سعادة الدنيا والآخرة بإصلاح الأفراد والجماعات، ونيل الثواب والمكرمات، وفي ذلك يقول الله تعالى: (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون(1).
هذه بعض أهداف العقيدة الإسلامية نرجو الله تعالى أن يحققها لنا ولجميع المسلمين. إنه جواد كريم، والحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مجموع فتاوى و رسائل - 5

أسماء الله و صفاته و موقف أهل السنة منها
محمد بن صالح العثيمين

بسم الله الرحمن الرحيم
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونتوب إليه، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أرسله الله تعالى بين يدي الساعة بشيراً، ونذيراً، وداعياً إلى الله بإذاًه وسراجاً منيراً، فبلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة، وجاهد في الله حق جهاده، بلسانه، ويده، وماله، حتى أتاه اليقين فصلوات الله وسلامه عليه وعلى آله، وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد:
أيها الإخوة الحاضرون فإني أذكركم ونفسي بما أنعم الله به على هذه البلاد من نعمة الإسلام قديماً وحديثاً، هذه البلاد التي كانت محل الرسالة رسالة محمد، صلى الله عليه وسلم خاتم النبيين الذي بعث إلى الناس كافة، بل إلى الجن والإنس.
هذه البلاد التي كما بدأ منها الإسلام فإليها يعود كما ثبت به الحديث عن النبي، صلى الله عليه وسلم، حيث قال: "إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها".
__________
(1) سورة النحل، الآية: 97.

(5/100)