صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : مجموع فتاوى و مقالات ابن باز
المؤلف : عبد العزيز بن عبد الله ابن باز
مصدر الكتاب : موقع الشيخ على الإنترنت
http://www.binbaz.org
[ الكتاب موقم آليا غير موافق للمطبوع ]
الكتاب غير مكتمل، بقي المجلدان 14 و 15

أما بعد : فإن وصيتي لجميع المسلمين في المملكة العربية السعودية وفي دول الخليج وفي كل مكان أن يتقوا الله عز وجل وأن يستقيموا على دينه في جميع الأوقات ، ولاسيما في مثل هذه الظروف التي لا تخفى على الجميع ، وهي ما جرى من الأحداث في الخليج بأسباب عدوان حاكم العراق على دولة الكويت . والواجب على المسلمين دائما أن يتقوا الله سبحانه وتعالى ، وأن يستقيموا على دينه ، وأن يحذروا ما حرم الله عليهم من قول وعمل . لأن الطاعات هي سبب الخير في الدنيا والآخرة ، وهي سبب الأمن والسعادة وإطفاء الفتن .
أما المعاصي فهي أسباب الشر في الدنيا والآخرة . وكل خير في الدنيا والآخرة فسببه طاعة الله واتباع شريعته ، وكل شر في الدنيا والآخرة فسببه معصية الله والكفر به والانحراف عن دينه وهذه الأحداث التي وقعت في الخليج أسبابها ما قدمته أيدي العباد من مخالفة لأمر الله وانتهاك لمحارم الله ، كما قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم : وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ وقال عز وجل : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وقال سبحانه : مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ فالواجب على كل مسلم أن يحاسب نفسه وأن يراقب ربه وذلك بفعل الأوامر وترك النواهي والمبادرة بالتوبة الصادقة من جميع الذنوب ، كما قال الله سبحانه وتعالى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

(6/153)


وقال سبحانه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا والتوبة النصوح هي مشتملة على الندم على ما مضى من المعاصي ، وعلى الإقلاع منها وتركها ، والحذر منها ، وعلى العزم الصادق على عدم العودة إليها طاعة لله وتعظيما له وإخلاصا له ورغبة فيما عنده وحذرا من عقابه سبحانه وتعالى .
وبهذا تدفع الشرور ويحصل الأمن ويشتت الله الأعداء ويذلهم ويجعل دائرة السوء عليهم كما قال سبحانه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ ومن نصر الله الاستقامة على طاعته والتوبة إليه من جميع المعاصي والإعداد لجهاد الأعداء والصبر والمصابرة في جهادهم وبذلك يحصل النصر والتأييد لأولياء الله وأهل طاعته . ويحصل الإذلال والهزيمة على أعداء الله .
يقول الله سبحانه : وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ فوصيتي للجميع التوبة إلى الله والضراعة إليه ، وطلب النصر والتأييد على أعداء الله ، والمبادرة بكل ما يرضي الله ويقرب إليه ظاهرا وباطنا والإيمان بأنه سبحانه هو الذي بيده النصر كما قال سبحانه : وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ ليس النصر بالأسباب ، وإنما هي أسباب ، وليس النصر بالجيوش ،

(6/154)


وإن هي أسباب ، قال جل وعلا في كتابه العظيم إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فالنصر من عنده عز وجل ، ولكنه سبحانه أمر بالأسباب ، وأمر بالإعداد للعدو وأخذ الحذر ، وأمر بإعداد الجيوش والسلاح المناسب ، كما قال سبحانه وتعالى : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وقال سبحانه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ هكذا يجب على المسلمين أن يعدوا العدة وأن يجاهدوا عدوهم بكل ما يستطيعون من أنواع السلاح والمصابرة وأبشر إخواني جميعا أن الله سينصر دينه وسينصر حزبه وسيهزم عدوه .
ولا شك أن حاكم العراق تعدى وظلم وبغى على جيرانه وأحدث فتنة عظيمة سوف يجد عقابها وجزاءها إلا أن يتوب إلى الله توبة صادقة ويؤدي الحق لأهله . والواجب جهاده حتى يخرج من الكويت ويرجع إلى الحق والصواب ، والمجاهدون لهذا الطاغية على خير عظيم ، فمن أخلص لله في جهاده فهو إن عاش عاش حميدا مأجورا عظيم الأجر ، وإن قتل قتل شهيدا لكونه جاهد في سبيل الله لإنقاذ وطن مسلم ولنصر مظلومين ولردع ظالم تعدى وبغى وظلم مع كفره وخبث عقيدته الإلحادية .

(6/155)


ووصيتي للمسلمين جميعا أن يحسنوا ظنهم بالله وأن يطمئنوا لنصره عز وجل ، فهو سبحانه الناصر لأوليائه وأهل طاعته ، وهو الذي يقول جل وعلا : فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ فالعاقبة لأهل الإيمان المتقين لله قال تعالى إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ وقد خان الأمانة هذا الطاغية- طاغية العراق- وكفر النعمة وأساء إلى جيرانه بعدما أحسنوا إليه وساعدوه في أوقاته الحرجة ، ولكنه كفر النعمة وأساء الجوار وظلم وتعدى وسوف يجد العاقبة الوخيمة .
يقول النبي- صلى الله عليه وسلم - : ما من ذنب أجدر من أن يعجل الله به العقوبة من البغي وقطيعة الرحم وهذا قد بغى وظلم والله جل وعلا يقول : وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا ويقول سبحانه : وَالظَّالِمُونَ مَا لَهُمْ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ ولا مانع من أخذ الأسباب وقت الحرب ، ولا مانع من كون المسلمين يتخذوا الأسباب التي تنفعهم في وقت لحرب ، فهم مأمورون بأخذ الأسباب في جميع الأمور ، كما أنهم مأمورون بأخذ السلاح والإعداد للعدو ، فهم مأمورون أيضا بالأسباب الأخرى كحاجتهم وحاجات بيوتهم من الطعام والزاد وغير ذلك ،
كل ذلك مأمورون به ولا حرج فيه ، لكن مع حسن ظنهم بالله ومع الاستقامة على دينه ومع التوبة إليه سبحانه من جميع الذنوب ، هذا هو الواجب على الجميع ، والأسباب هم مأمورون بها وهي حق ولكنها من التوكل ، والتوكل على الله واجب في جميع الأمور ، وهو يشمل أمرين : -
أحدهما : الثقة بالله والاعتماد عليه ، والإيمان بأنه الناصر ، وأنه مصرف الأمور ، وأن بيده كل شيء سبحانه وتعالى .

(6/156)


والأمر الثاني : الأخذ بالأسباب من جميع الوجوه ن لأن الله أمر بها ، قال سبحانه : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وقال سبحانه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ وقال تعالى : وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ الآية وقد لبس النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد درعين ، وأخذ بالأسباب يوم الخندق ، وهكذا يوم الفتح ، كل هذا من باب الأسباب ، فالإعداد للعدو وهكذا بقية الأسباب من توقي شر الحروب وإعداد ما يحتاجه العوائل والبيوت كل ذلك أمر مطلوب وليس فيه مخالفة لأمر الله ، وليس فيه أيضا إخلال بالتوكل ، بل التوكل يشمل الأمرين : الثقة بالله والاعتماد عليه ، والإيمان بأنه الناصر جل وعلا مع الأخذ بالأسباب ، هذا ما يجب على المسلمين .
ونسأل الله أن ينصر دينه ويعلي كلمته ، وأن يهزم حاكم العراق ويشتت شمله ، وأن يدير عليه دائرة السوء ، وينصر المسلمين عليه ويعينهم على كل خير ، وأن ينصر المظلومين ويعيد إليهم بلادهم ، وأن يهديهم وجميع المسلمين سواء السبيل .
ونسأل الله أن يجعل العاقبة حميدة للجميع ، وأن يجعل هذه الحوادث عظة للمؤمنين وسببا لاستقامتهم على دينهم ، وسببا لتوبة الجميع من كل ذنب إنه جل وعلا جواد كريم ، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

(6/157)


الغزو العراقي جريمة عظيمة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى إله وأصحابه ومن اهتدى بهداه أما بعد :
فبمناسبة ما جرى من الحوادث هذه الأيام بسبب احتلال الرئيس العراقي دولة الكويت واجتياحه لها بالقوات المسلحة المتنوعة وما جرى بسبب ذلك من الفساد العظيم وسفك الدماء ونهب الأموال وانتهاك الأعراض رأيت أن أبين لإخواني المسلمين في هذا الحديث ما يجب حول هذا الحادث فأقول : - لا شك أن هذا الحادث حادث مؤلم ويحزن كل مسلم ولا شك أنه جريمة عظيمة وعدوان شديد من الزعيم العراقي على دولة مجاورة مسلمة ، فالواجب عليه التوبة إلى الله سبحانه من ذلك وسحب جميع جيوشه من دولة الكويت ، وحل المشاكل بالطرق السلمية التي شرعها الله لعباده كما قال جل وعلا : وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وقال في الفئة الباغية : فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ
فالمشاكل التي تقع بين الدولتين أو الدول والقبيلتين أو الأفراد يجب أن تحل بالوسائل الشرعية لا بالقوة والعدوان والظلم ، يقول الله سبحانه في كتابه العظيم : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا قال العلماء : الرد إلى الله تعالى : الرد إلى كتابه العظيم القرآن الكريم . والرد إلى الرسول - صلى الله عليه وسلم - : الرد إليه في حياته عليه الصلاة والسلام ، وبعد وفاته : الرد إلى سنته .
وقال عز وجل : وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ فالواجب على المتنازعين سواء كانا دولتين أو قبيلتين أو جماعتين أو فردين رد النزاع والمشاكل إلى حكم الله إلا أن يتيسر الصلح فالصلح خير ...

(6/158)


والواجب على الرئيس العراقي حل الخلاف بالصلح والمفاوضة السليمة وتوسيط الأخيار ، فإن لم يتيسر الصلح وجب الرد إلى الكتاب والسنة عن طريق محكمة شرعية يتولاها علماء الحق تعرض عليهم المشكلة ويحكمون فيها بشرع الله كما أمر سبحانه ، هذا هو الواجب على كل دولة منتسبة إلى الإسلام لأن الله جل وعلا يقول : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ويقول جل وعلا : أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ فالذي ننصح به رئيس العراق أن يتقي الله وأن يسحب جيوشه من دولة الكويت وينهي هذه المشكلة ، وأن يرضى بحكم الله في ذلك إذا لم يتيسر الصلح .
ولا شك أن الرجوع إلى الحق خير وفضيلة ، ويشكر صاحبه عليه ، وهو خير له من التمادي في الخطأ والباطل ، وننصح الجميع بالاستقامة على دين الله ، والحكم بشريعته والتواصي بطاعته وترك معصيته ، وعدم تحكيم القوانين الوضعية وآراء الرجال ، وهذا هو طريق العزة وطريق العدالة وطريق السعادة والكرامة . ولا شك أن كل بلاء يحصل للمسلمين وكل شر ومصيبة فأسبابها الذنوب والمعاصي ، كما قال الله تعالى : وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ وقال عز وجل : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ وقال سبحانه : مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ فالواجب على الجميع التوبة إلى الله والرجوع إليه والاستقامة على دينه والندم على ما مضى من السيئات والمخالفات والعدوان .

(6/159)


هذا هو الواجب على جميع الدول الإسلامية والعربية وعلى جميع المسلمين وعلى الجميع أن يتقوا الله وأن يعظموا شرعه ، وأن يتوبوا إليه من تقصيرهم وذنوبهم ، وأن يعلموا أن ما أصابهم فهو بسبب ذنوبهم وسيئاتهم ، فالتوبة إلى الله فيها الخير العظيم والسعادة في الدنيا والآخرة ، والله جل وعلا قد يملي للظالم ولا يأخذه بسرعة ، بل يملي ولا يغفل سبحانه وتعالى ، كما قال عز وجل : وَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ وقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : إن الله ليملي للظالم حتي إذا أخذه لم يفلته لما تلا قوله سبحانه وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ

(6/160)


فنصيحتي لنفسي ولجميع المسلمين في كل مكان ، أن يتقوا الله ويتوبوا إليه ، ويستقيموا على دينه ، وأن يخلصوا له العبادة ، وأن يحذروا ما حرم عليهم سبحانه ولا شك أن الرجوع إلى الحق والحرص على تحكيم الشرع والحذر مما يخالفه هو طريق أهل الإيمان وسبيلهم ، وهو طريق العزة والكرامة ، وهو طريق الإنصاف والحكمة ، وهو الواجب على كل المسلمين دولا وشعوبا وأفرادا وجماعات وأما ما وقع من الحكومة السعودية من طلب الاستعانة من دول شتى للدفاع وحماية أقطار المسلمين لأن عدوهم لا يؤمن هجومه عليهم ، كما هجم على دولة الكويت- فهذا لا بأس به ، وقد صدر من هيئة كبار العلماء- وأنا واحد منهم- بيان بذلك أذيع في الإذاعة ونشر في الصحف ، وهذا لا شك في جوازه ، إذ لا بأس أن يستعين المسلمون بغيرهم للدفاع عن بلاد المسلمين وحمايتهم وصد العدوان عنهم ، وليس هذا من نصر الكفار على المسلمين الذي ذكره العلماء في باب حكم المرتد ، فذاك أن ينصر المسلم الكافر على إخوانه المسلمين ، فهذا هو الذي لا يجوز ، أما أن يستعين المسلم بكافر ليدفع شر كافر آخر أو مسلم معتد ، أو يخشى عدوانه فهذا لا بأس به وقد ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - استعان بدروع أخذها من صفوان بن أمية استعارها منه - وكان صفوان كافرا - في قتال له لثقيف يوم حنين ، وكانت خزاعة مسلمها وكافرها مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في قتاله لكفار قريش يوم الفتح وصح عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : إنكم تصالحون الروم صلحا آمنا ثم تقاتلون أنتم وهم عدوا من ورائكم فهذا معناه الاستعانة بهم على قتال العدو الذي من وراءنا .
والمقصود أن الدفاع عن المسلمين وعن بلادهم يجوز أن يكون ذلك بقوة مسلمة ، وبمساعدة من نصارى أو غيرهم عن طريق السلاح ، وعن طريق الجيش الذي يعين المسلمين على صد العدوان عنهم ، وعلى حماية بلادهم من شر أعدائهم ومكائدهم .

(6/161)


والله جل وعلا يقول في كتابه العظيم : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فأمرنا بأخذ الحذر من أعدائنا وقال عز وجل : مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وهكذا من يعتدي علينا ولو كان مسلما أو ينتسب إلى الإسلام ، فإذا خشي المسلمون عدوانه جاز لهم أيضا أن يستعينوا بمن يستطيعون الاستعانة به لصد عدوان الكافر ولصد عدوان المعتدي وظلمه عن بلاد المسلمين وعن حرماتهم والواجب على المسلمين التكاتف والتعاون على البر والتقوى ضد أعدائهم ، وإذا احتاجوا فيما بينهم لمن يساعدهم على عدوهم أو على من يريد الكيد لهم والعدوان عليهم ممن ينتسب للإسلام فإن لهم أن يستعينوا بمن يعينهم على صد العدوان وحماية أوطان المسلمين وبلادهم كما تقدم .
وأكرر نصيحتي لجميع زعماء المسلمين ولجميع الدول العربية والإسلامية أن يتقوا الله ويحكموا شريعته في كل شيء ، وأن يحذروا ما يخالف شرعه ، وأن يبتعدوا عن الظلم مهما كان نوعه ، هذا هو طريق النجاة وهذا هو طريق السعادة والسلامة .
رزق الله الجميع التوفيق والهداية ، ووفق جميع المسلمين للاستقامة على دينه ، والتوبة إليه من جميع الذنوب ، وأصلح أحوالنا جميعا ، ووفق قادة المسلمين جميعا وعامة المسلمين لكل ما فيه رضاه ، ولكل ما فيه صلاح الدنيا والآخرة إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وأتباعه بإحسان .
نشرت في مجلة الدعوة في 10/2/1411 هـ بعددها 1255 .

(6/162)


هذه الواقعة عبرة وعظة وذكرى لنا جميعا
( في اختتام المؤتمر الإسلامي العالمي لمناقشة الأوضاع الحاضرة في الخليج والذي نظمته رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة ، وجه سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي والرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد الكلمة التالية ) :
الحمد لله تعالى ، إن الدين النصيحة وعلى علماء المسلمين أينما كانوا أن يناصروا الله وأن يبينوا للحاكم ما يجب عليه ، وما يحرم عليه حتى يكون على بينة وعلى بصيرة ، وأن يكون ذلك بالأسلوب المناسب وبالأسلوب الطيب الذي يدعو للقبول والرضا وعدم النفرة .
كذلك يجب التناصح بين العلماء في بيان الدعوة إلى الله وتوجيه الناس إلى الخير في المساجد والمجتمعات وتشجيع من يقوم بواجبه في الدعوة إلى الله عز وجل وهكذا تشجيع الخطباء في تحري الخطب المناسبة التي تنفع الناس على مقتضى الكتاب والسنة ، وألا يتكلم إلا عن علم وبصيرة بما يحل ويحرم . فالمسلمون أشد حاجة إلى الدعوة والنصيحة ، وغيرهم في حاجة إلى الدعوة والبلاغ والبيان لعلهم يهتدون .
وهذه الواقعة التي وقعت من حاكم العراق على دولة الكويت وما جاء بعدها فيها عبرة وعظة وفيها ذكرى لنا جميعا نسأل الله أن ينفعنا بذلك وأن يهدينا إلى صراطه المستقيم ، وأن يوفقنا إلى ما فيه صلاح قلوبنا وصلاح أعمالنا ، وأن يهدينا جميعا لما يرضيه ويقربنا إليه والواجب على كل مسلم ومسلمة الجهاد بالنفس والحساب لها ، كما قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ويقول جل وعلا : وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ والواجب على الأمير والحاكم والقاضي وكل مسئول أن يتقي الله ويحاسب نفسه ويجاهدها في الله ، وأن يستقيم على دين الله ول ن يحذر محارم الله ، وأن يقدم التوبة النصوح من كل ما سلف .
وهكذا كل مؤمن وكل مؤمنة ، والواجب على الجميع جهاد النفس لعلها تستقيم وتبتعد عن طاعة الهوى والشيطان لعلها تلزم الحق . والواجب شكر الله عند السراء والصبر عند البلاء ، مع التوبة من التقصير والذنوب ...

(6/163)


هذا هو الواجب على جميع المسلمين ، كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له رواه مسلم فالمؤمن يشكر عند الرخاء والنعمة ، ويصبر عند البلاء يجاهدها ويتوب إلى الله ، ويستقيم على دين الله ، ويبتعد عن محارم الله ، يناصر إخوانه ، يدعوهم إلى الخير ، يحاسب أهل بيته ، ويدعوهم إلى الخير ، ويأمر بالمعروف وينهاهم عن المنكر .
وهكذا مع إخوانه ومع زملائه وجيرانه ، ينصحهم لله ويدعوهم إلى الحق بالأسلوب س لحسن والطيب ، ويحذرهم من مغبة المعاصي والشرور لعلهم يتوبون ويرجعون .
ونسأل الله أن يوفقنا جميعا والمسلمين لكل ما فيه رضاه وصلاح العباد ، وأن يوفق شعب العراق ، وأن يعينهم على إبدال هذا الرئيس الفاجر الخبيث بأصلح منه ، ينفعهم في الدنيا والآخرة ، وأن يعينهم على طاعة الله نسأل الله أن يبدلهم بخير منه ، من يرحم العباد ويحكم فيهم شرع الله ويعينهم على طاعة الله .
ونسأل الله أن يوفق شعب العراق بإمام صالح ، وبحاكم صالح ، ويعينهم على طاعة الله ، ويرحم صغيرهم ، ويواسي كبيرهم ، ويعينهم على كل خير ويحكم شرع الله عز وجل فيهم .
ونسأل الله أن يزيل الحاكم صدام حسين ، وأن يدير عليه دائرة السوء ، وأن ينزل في قلبه من الرعب والخوف ما يحمله على سحب جيوشه من الكويت ومن الحدود ، إنه جل وعلا جواد كريم .
وأشكركم مرة أخرى على جهودكم وأعمالكم ونسأل الله أن يتقبل من الجميع إنه جواد كريم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه وأتباعه .
نشرت هذه الكلمة في مجلة الدعوة في 1/3/1411 هـ بعددها 1258 .

(6/164)


عمل صدام عدوان أثيم
فلا شك أن عمل الزعيم العراقي من اجتياحه الدولة الكويتية وما ترتب على ذلك من سفك الدماء ونهب الأموال وانتهاك الأعراض ، لا شك أن هذا عدوان أثيم وجريمة عظيمة ومنكر شنيع يجب عليه التوبة إلى الله من ذلك والبدار بإخراج جيشه من الدولة الكويتية . لأن هذا الإقدام والاجتياح أمر منكر بل مخالف للشرع ولجميع القوانين العرفية ولما تم عليه التعاهد بينه وبين قادة العرب في جامعتهم العربية .
والواجب عليه حل المشاكل بالطرق السلمية والمفاوضات ، وإذا لم تنجح المفاوضات والطرق السلمية وجب رد الأمر إلى محكمة شرعية - لا قانونية- ويجب أن ترد جميع المنازعات بين الدول والأفراد والقبائل إلى الحكم الشرعي ، بأن تشكل محكمة شرعية من علماء أهل الحق والسنة حتى يحكموا بما تنازع عليه المسلمون من دولتين أو قبيلتين أو أفراد . وإن هذا العمل الذي قام به صدام ضد الكويت هو عمل إجرامي يجب التوبة منه وعدم التمادي ، والرجوع إلى الحق فضيلة وحق ، خير من التمادي في الرذيلة والخطأ . وقد صدر بيان من مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية يبين خطأ هذا العمل ، وأنه عدوان وجريمة وخيانة . ووضح في بيان العلماء- والذي أنا أحد أعضائه- أنه لا مانع من الاستعانة ببعض الكفار للجيوش الإسلامية والعربية ولا بأس من الاستعانة لصد عدوان المعتدي والدفاع عن البلاد وعن حرمة الإسلام والمسلمين أما الإشاعات حول الحرمين الشريفين فإنهما بحمد الله بمنأى عن الزعيم العراقي وغيره وهما آمنان بحمد الله ...

(6/165)


وكل ما في الأمر أن الدولة السعودية احتاجت إلى الاستعانة ببعض الجيوش من جنسيات متعددة ومن جملتهم الولايات المتحدة وإنما ذلك للدفاع المشترك مع القوات السعودية عن البلاد والإسلام وأهله ولا حرج في ذلك . لأنه استعانة لدفع الظلم وحفظ البلاد وحمايتها من شر الأشرار وظلم الظالمين وعدوان المعتدين فلا حرج كما قرره أهل العلم وبينوه . وأما ما أشاعته بعض الأقليات الإسلامية التي صدقت أقوال صدام وأكاذيبه حول تدخل الإمبريالية في شؤون المسلمين ومقدساتهم وغيرها من الإشاعات الباطلة ، فإن هذه خطأ كبير والذي أشاعه هو حزب صدام وهو حزب قومي وليس حزبا إسلاميا ، وحتى لو كانوا مسلمين إذا تعدوا وجب ردعهم ولو بالاستعانة ببعض الكفرة ، وعلى طريق سلمية كما هي يدفع بها الشر وتحمي بها البلاد ، والرسول - صلى الله عليه وسلم - استعان بصفوان بن أمية يوم حنين لحرب أهل الطائف وبذلك فإن الاستعانة بالكفار على من تعدى وظلم يجوز على الكفار أو على أي متعد وظالم والذي لا يجوز هو أن ينصر كفار على مسلمين ، أما هذا الوضع فهو يحمي المسلمين وأراضيهم من المجرمين والمعتدين والكافرين ، وفرق بين الاثنين ، بين إنسان ينصر الكفار على المسلمين ويعينهم على المسلمين وهذه هي الردة لا تجوز وهذا منكر . أما كما هو الحال بالمملكة من الاستعانة بالكفار لردع المعتدي وصده سواء كان كافرا أو مسلما عن بلاد الإسلام والمقدسات فهذا أمر مطلوب ولازم . لأنه لحماية المسلمين ورد الأذى عنهم سواء كان كافرا أو مسلما . والواجب على الزعيم العراقي أن يتوب إلى الله ويرجع عما هو عليه من الباطل ، ويترك حزب الشيطان ، وعليه أن يلتزم بالإسلام ، وأن يسود الرعية ويحكم فيهم بالإسلام وندعو له بالهداية .

(6/166)


وأكد سماحته في إجابته على سؤال للجزيرة حول إمكانية إيجاد محكمة دولية شرعية لحل المنازعات بين الدول فقال : يجب على جميع الدول الإسلامية والعربية حل منازعاتهم بالطرق الشرعية بمحكمات شرعية في كل بلد محكمة أخرى تكون دولية تحكم بين الدول . وفي البلدان الإسلامية يجب أن يكون هناك محكمة شرعية لأن الله سبحانه وتعالى يقول : وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ويقول جل وعلا : فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ ويقول سبحانه وتعالى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا فإذا تنازعت دولتان أو أكثر وجب أن يحكم بينهما علماء الإسلام بحكم الشريعة فيما تنازعوا به على ضوء الكتاب والسنة ، لا بقوانين في البلدان أو بآراء الرجال بل بشرع الله ووجه سماحته النصح للجيش العراقي وعدم التمادي في الأعمال المنكرة والواجب على الجنود العراقيين وعلى كل مسلم أن يحترم مال المسلم ودمه وعرضه وأهله ، ولا يجوز التعدي على أي مسلم لا في الكويت ولا في غيره ، لا في ماله ولا في عرضه ، ولا في دمه . قال عليه الصلاة والسلام : كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه
وهذا العدوان من العراق لا يبرر للجنود وأفراد الجيش أن يتعدوا على الكويتيين أو غيرهم ، ويأخذوا أموالهم ، أو يضربوا أجسادهم ، أو يقتلوهم أو يقتلوا صبيانهم ، أو يتعدوا على نسائهم ، كل ذلك منكر وحرام لا يجوز ، والواجب أن يتقوا الله وأن يحذروا ما حرم الله وأن لا يقدموا على أمر يغضب الله عليهم ويسبب دخولهم النار والبعد عن رحمته ورضوانه .

(6/167)


وأوصى سماحته الأشقاء الكويتيين في تصريحه ل ( الجزيرة ) بالاستعانة بالصبر وتقوى الله فقال : أوصي شعب الكويت المظلوم بتقوى الله ، وأن يستقيموا على دينه ، وأن يتوبوا إليه عن سالف ذنوبهم ، وأن يسألوا الله النصر على العدو ، وأن يعيدهم إلى بلادهم سالمين وسوف يعوضهم الله خيرا مما أخذ منهم بالتوبة النصوح ، يعطيهم الله ما فاتهم ويعوضهم خيرا منه سبحانه وتعالى كما قال عز وجل : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ويقول سبحانه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا

(6/168)


ونسأل الله أن يمن علينا وعليهم بالتوبة ، وكل منا على خطر ، وكل مسلم في أي مكان في السعودية أو الكويت أو الشام أو اليمن ، وفي كل مكان ، عليه محاسبة النفس ومجاهدتها في الله ، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه وما أخطأه لم يكن ليصيبه . لذلك فإن على جميع إخواننا بالكويت وعلى جميع المسلمين بالمملكة العربية السعودية وكل مكان عليهم تقوى الله ، وأن يجاهدوا أنفسهم في طاعة الله وأن يصبروا على ما أصابهم من مصائب ، كما أن عليهم الاستقامة على الحق والتواصي به ، والتناصح في الله أصلح الله لهم ما كان فاسدا ، ورد عليهم ما كان شاردا ، وعوضهم خيرا مما أصابهم ، وجعل لهم العاقبة الحميدة سبحانه وتعالى ، قال عز وجل : وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ وقال تعالى : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا ومن يتق الله يوفقه الله ويعوضه خيرا مما أخذ منه ، ويسأله الرحمة العامة والشاملة التي تعم أمر دينه ودنياه وآخرته وفي ختام تصريح سماحته قال : كلمتي نصيحة عامة للمسلمين جميعا : أن يتقوا الله وأن يلتزموا بشرع الله ، وأن يتدبروا القرآن العظيم ويعتنوا بالسنة المطهرة ، وأن ينظموا أعمالهم على ضوء الكتاب والسنة ، وأن تكون أعمالهم وأقوالهم وخلافاتهم كلها ترجع إلى الكتاب والسنة لا إلى القوانين الوضعية ، بل يجب أن تكون كلها محكومة بكتاب الله وسنة رسوله وأن يلتزموا بهذا أفرادا وجماعات ودولا ، وهذا هو الواجب على المسلمين أن يتحاكموا إلى شرع الله ، وأن يستقيموا على دين الله ، وأن يعملوا بما أمر دين الله ، ويدعوا ما حرم الله ، لأن الله يقول : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ

(6/169)


فمأمورون بتقوى الله جميعا والحفاظ على دينه قال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا وقال سبحانه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ * لا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ
وهذا هو الواجب على الناس جميعا أن يتقوا الله ويعبدوه وحده ويحكموا شريعته وينقادوا لأمره ويحذروا نهيه سبحانه ، وأن يقفوا عند حدوده ، وأن يتواصوا بهذا ويتناصحوا كما قال تعالى : وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ويقول سبحانه : وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خَسِرَ إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ ويقول- صلى الله عليه وسلم - : الدين النصيحه الدين النصيحة الدين النصيحة قيل لمن يا رسول الله ؟ قال لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ويقول جرير بن عبدالله البجلي بايعت النبي - صلى الله عليه وسلم - على إقامة الصلاة وعلى إيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم

(6/170)


وهذا هو الواجب على مستوى الشعوب ورؤساء الدول الإسلامية ، أن يتناصحوا وأن يتواصوا بالحق ، وأن يحكموا بشرع الله لا بالقوانين التي يضعونها بأنفسهم ، ودعا سماحته في ختام تصريحه الله عز وجل بالهداية للجميع والتوفيق للمسلمين ، وأن يصلح قادتهم ويولي عليهم خيارهم وأن يعيذهم من شر الأشرار ، ونسأل الله أن يكفينا شر كل ذي شر ، وأن يرد كيد كل عدو في نحره ، وأن يكشف شره أينما كان . والله ولي التوفيق .
نشر في الجزيرة بتاريخ 26/1/1411 هـ الموافق 17/8/1990م (صفحة المحيط الدولي ) .

(6/171)


تحرير دولة الكويت من أيدي المعتدين الظالمين نعمة من الله عظيمة ونصر عزيز ضد الظلم والعدوان والإلحاد
الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده محمد بن عبد الله وعلى آله وصحبه أما بعد :
فإن ما من الله به على المسلمين المجاهدين في سبيله من تحرير الكويت من أيدي الغاصبين الظالمين والمعتدين الملحدين من أعظم نعم الله سبحانه على أهل الكويت وغيرهم من المسلمين وغيرهم من محبي الحق والعدل ، فجدير بجميع المسلمين في المملكة العربية السعودية والكويت وسائر دول الخليج وغيرهم أن يشكروا الله على ذلك ، وأن يستقيموا على دينه ، وأن يحذروا أسباب غضبه لما من الله به سبحانه عليهم من هزيمة المعتدين ، ونصر المظلومين ، وإجابة دعاء المسلمين ، وقد وعد الله سبحانه عباده بالنصر والعاقبة الحميدة إذا نصروا دينه واستقاموا عليه واستنصروا به سبحانه وأعدوا العدة لعدوهم وأخذوا حذرهم من مكائده ، كما قال عز وجل في كتابه المبين : إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ وقال سبحانه : وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ وقال تعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ وقال سبحانه : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ..

(6/172)


والآيات في هذا المعنى كثيرة وكلها تدل على وجوب الالتجاء إلى الله سبحانه في جميع الأمور والاستعانة به وحده والاستنصار به والاستقامة على دينه والحذر من أسباب غضبه سبحانه ، كما تدل على أنه عز وجل هو الذي بيده النصر لا بيد غيره كما قال سبحانه : وَمَا النَّصْرُ إِلا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وقال عز وجل : إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ وقال سبحانه كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ ولكنه سبحانه مع ما وعد به عباده من النصر أمرهم بالإعداد لعدوهم وأخذ الحذر منه فقال عز وجل : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وقال سبحانه وتعالى : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ وعلق نصرهم سبحانه على أسباب عظيمة وهي نصر دينه بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة ، والأمر بالمعروف ، والنهي عن المنكر ، والاستقامة على الإيمان ، والعمل الصالح .

(6/173)


فالواجب على جميع المسلمين في الكويت وغيرها أن يأخذوا بهذه الأسباب وأن يستقيموا عليها ، وأن يتواصوا بها أينما كانوا لأن الأخذ بها والاستقامة عليها من أعظم الأسباب للنصر في الدنيا ، والأمن ورغد العيش والسعادة في الدنيا والآخرة والفوز بالجنة ، والكرامة وحسن العاقبة في جميع الأمور كما أوضح ذلك سُبْحَانَه في الآية الكريمة السابقة من سورة النور وهي قوله عز وجل : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا الآية ، وكما أوضح ذلك أيضا سبحانه في قوله عز وجل في سورة الصف : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ في هذه الآيات الكريمات ، أوضح سُبْحَانَه أن الإيمان بالله ورسوله وهو يشمل أداء ما أوجب الله من الطاعات ، وترك ما حرم الله من المعاصي مع الجهاد في سبيله ، وهو شعبة من الإيمان- هما سبب المغفرة لجميع الذنوب ، والفوز بالجنة والمساكن الطيبة فيها ، كما أنهما هما السبب في حصول النصر والفتح القريب .

(6/174)


فجدير بأهل الإسلام أينما كانوا أن يأخذوا بهذه الأسباب ويتواصوا بها ويستقيموا عليها أينما كانوا ، لأنها هي سبب عزهم ونصرهم وأمنهم في الدنيا ، وهي سبب فوزهم ونجاتهم في الآخرة ، وهي أيضا سبب الربح والفوز بأنواع الكرامة وأنواع السعادة في هذه الدنيا وفي الآخرة ، كما قال الله عز وجل : وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خَسِرَ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وأصل الإيمان وأساسه توحيد الله والإخلاص له وترك الإشراك به ، كما قال عز وجل في كتابه العظيم : وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ والمعنى أمر وأوصى ، وقال تعالى : فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ أَلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وقال سبحانه : وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ

(6/175)


ولما بعث النبي - صلى الله عليه وسلم - معاذ بن جبل رضي الله عنه إلى أهل اليمن أمره أن يدعوهم أولا إلى توحيد الله والإخلاص له والإيمان برسوله محمد- صلى الله عليه وسلم - ثم بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وما ذاك إلا لأن هذه الأصول الثلاثة هي أصول الدين العظمى من استقام عليها وأدى حقها استقام على بقية أمور الدين من الصيام والحج وسائر ما أمر الله به ورسوله ، وعلى ترك كل ما نهى الله عنه ورسوله ، ومن أعظم شعب الإيمان ومن تحقيق شهادة ألا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله ، تحكيم شرع الله بين عباده في كل شؤونهم كما قال الله عز وجل لنبيه " - صلى الله عليه وسلم - في سورة المائدة : وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ الآية لما قال بعد ذلك سبحانه : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ إلى أن قال سبحانه : أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ وقال عز وجل في سورة المائدة وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ وقال سبحانه في سورة النساء : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا

(6/176)


فأوضح سبحانه في هذه الآيات الكريمات أن الواجب على الرسول - صلى الله عليه وسلم - وعلى جميع الأمة في كل زمان ومكان أن يحكموا شرع الله في جميع ما شجر بينهم وفي جميع شؤونهم الدينية والدنيوية ، وحذر سبحانه من اتباع الهوى وطاعة أعداء الله في عدم تحكيم شريعته ، وأخبر سبحانه أن حكمه هو أحسن الأحكام ، وأن جميع الأحكام المخالفة لحكمه كلها من أحكام الجاهلية ، وأخبر سبحانه أن الحكم بغير ما أنزل كفر وظلم وفسق ، وبين سبحانه أنه لا إيمان لمن لم يحكم رسوله - صلى الله عليه وسلم - في جميع الأمور وينشرح صدره لذلك ويسلم له تسليما ، فالواجب على جميع حكام المسلمين أن يلتزموا بحكمه سبحانه ، وأن يحكموا شرعه بين عباده وألا يكون في أنفسهم حرج من ذلك ، وأن يحذروا اتباع الهوى المخالف لشرعه ، وألا يطيعوا من دعاهم إلى تحكيم أي قانون أو نظام يخالف ما دل عليه كتاب الله أو سنة رسوله- صلى الله عليه وسلم - وبين سبحانه أنه لا إيمان لأهل الإسلام إلا بذلك ، فكل من زعم أن تحكيم القوانين الوضعية المخالفة لشرع الله أمر جائز أو أنه أنسب للناس من تحكيم شرع الله ، أو أنه لا فرق بين تحكيم شرع الله وتحكيم القوانين التي وضعها البشر المخالفة لشرع الله عز وجل فهو مرتد عن الإسلام كافر بعد الإيمان إن كان مسلما قبل أن يقول هذا القول أو يعتقد هذا الاعتقاد ، وكما صرح بذلك أهل العلم والإيمان من علماء التفسير وفقهاء المسلمين في باب حكم المرتد ، ومن أشكل عليه شيء مما ذكرنا فليراجع ما ذكره العلماء في تفسير الآيات السابقات كالإمام ابن جرير ، والإمام البغوي والحافظ ابن كثير ، وغيرهم من علماء التفسير ، وليراجع ما ذكره العلماء في باب حكم المرتد وهو المسلم يكفر بعد إسلامه حتى يتضح له الحق وتزول عنه الشبهة ، أما من حكم بغير ما أنزل الله وهو يعلم ذلك لرشوة دفعت إليه من المحكوم له أو لعداوة بينه وبين المحكوم عليه ، أو لأسباب أخرى فإنه قد

(6/177)


أتى منكرا عظيما وكبيرة من الكبائر ، كما أنه قد أتى نوعا من الكفر والظلم والفسق لكنه لا يخرجه عمل ذلك من ملة الإسلام ، ولكنه يكون بذلك قد أتى معصية عظيمة وتعرض لعذاب الله وعقابه وهو على خطر عظيم من انتكاس القلب والردة عن الإسلام ، نعوذ بالله من ذلك ، وقد يطلق بعض العلماء أنه أتى بذلك كفرا أصغر وظلما أصغر وفسقا أصغر كما روي ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما وعطاء وجماعة من السلف رحمهم الله . والله المسئول أن يصلح أحوال المسلمين ويمنحهم الفقه في دينه ، ويوزعهم شكر نعمه ، وأن يصلح قادتهم ويولي عليهم خيارهم ، وأن ينصر دينه ويعلي كلمته ، ويخذل أعداء الإسلام أينما كانوا ، وأن يعيذنا والمسلمين جميعا من مضلات الفتن وأسباب النقم إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه.
نشرت في صحيفة الرياض في 12/9/1411 هـ .

(6/178)


حوار فيما يتعلق بالأمة الإسلامية بعد حرب الخليج.
في ظل الأحداث الجسام التي تمر بها أمتنا الإسلامية في الوقت الراهن والتي تكاد تعصف بمقدراتها ومصالح شعوبها وتهدد دينها وعقيدتها في الصميم ، وفي ظل التجارب المريرة التي خاضتها الأمة خلال القرن الحالي والتي أدت إلى تصدع البنيان وانهيار العديد من أركانه ، ورغم ذلك فقد كان الأمل يحدونا مع تصاعد الصحوة الإسلامية في كافة أرجاء العالم الإسلامي ، أن نفيق من سباتنا العميق ، وأن ننفض عن كواهلنا غبار الزمن بكل ما يحمله من مخالفات تذكي عوامل الفرقة والشقاق ، حتى جاء طاغية العراق ليقتل هذا الأمل في النفوس بعدوانه الغاشم على دولة الكويت ومحاولاته المستمرة لتوسيع وتزكية عوامل الشقة والخلاف بين أبناء الأمة ليعيدها بذلك سنوات عديدة للوراء . في ظل ذلك كله وفي ظل التحديات العديدة التي تواجهها الأمة يكتسب الحديث مع سماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز الرئيس العام لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد أهمية بالغة لأنه يأتي معبرا عن رؤية واحد من أبرز علماء الأمة خلال القرن الحالي لواقعها ، راصدا إياه ومحددا لأسباب وعوامل الضعف والانهيار الذي تعانيه ، وواصفا العلاج الناجع للخلاص من تلك الأثقال والهموم التي تكبل مسيرة الأمة وتعيق انطلاقها وتقدمها ولتسليط الضوء على كل هذه النقاط وغيرها مما يهم الأمة الإسلامية ويشغل أذهان المسلمين في الوقت الراهن ، كان لعكاظ هذا الحوار الشامل مع سماحته :
س 1 : من خلال اهتمام سماحتكم بالعمل الإسلامي والدعوة إلى الله . . ما هي رؤيتكم لواقع الأمة الإسلامية؟ وما هو السبيل لانتشالها مما هي فيه من تشتت وانقسام ؟..

(6/179)


ج : لا ريب أنه لا سبيل إلى صلاح الأمة ونجاتها وجمع كلمتها إلا باتحادها على كتاب الله وسنة الرسول عليه الصلاة والسلام ، والتعاون في ذلك كما قال تعالى : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وقال سبحانه : وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ
وفي أحداث الخليج عظة وذكرى لكل مسلم ، فالواجب على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يتعاونوا على البر والتقوى ، وأن يتواصوا بالحق والصبر عليه ، وأن يعتصموا بكتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام في جميع الأمور ، فهذا هو طريق النجاة وطريق السعادة وطريق العزة والكرامة والنصر على الأعداء . ففي هذا الطريق وهذا السبيل كل خير في الدنيا والآخرة .
نسأل الله أن يوفق المسلمين لما فيه رضاه وأن يجمع كلمتهم على الهدى .
حوار أجراه مع سماحته فهد البكران نشر في جريدة عكاظ بعددها 909 الصادر في 3/9/1411 هـ .
س 2 : البعض يلقي اللوم على المنظمات الإسلامية والعربية بعدم قيامها بما هو مطلوب منها ، فكيف يمكن لها أن تقوم بدورها في خدمة الإسلام والمسلمين ؟ :
لا ريب أن المنظمات الإسلامية مسئولة عن واجبها نحو الدعوة إلى الله سُبْحَانَه ونحو جمع كلمة المسلمين .

(6/180)


فالواجب على كل منظمة أن تبذل وسعها بالدعوة إلى الله وتوجيه الناس إلى الخير ، وإرسال الدعاة إلى المناطق التي تستطيع إرسالهم إليها للدعوة إلى الله حسب طاقتها ، فكل منظمة عليها واجبها بقدر طاقتها . لأن الله يقول : فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا فعليها أن تدعو إلى الله عن طريق الكتاب والسنة؟ كما قال تعالى : قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ويقول سبحانه : وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ فعلى كل طالب علم وكل عالم أن يدعو إلى الله حسب طاقته على الطريقة التي رسمها الله لعباده بقوله سبحانه : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ
والحكمة معناها : العلم بما قال الله وقال رسوله ، والموعظة الحسنة المقصود بها الترغيب والترهيب والتوجيه إلى الخير وذكر ما للمتقي من الخير والعاقبة الحميدة ، وما للكافر والعاصي من العاقبة الوخيمة ، أما الجدال فهو الجدال بالأدلة الشرعية بالأسلوب الحسن دون عنف ولا شدة ، بل بالأدلة الشرعية والبيان الواضح اللين حتى تزول الشبهة إن كان عند المجادلة شبهة ، وإذا قامت المنظمة بهذا الواجب فهي على خير عظيم ، ومن هداه الله على يد منظمة أو على يد أي إنسان كان له مثل أجره لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - من دل على خير فله مثل أجر فاعله
س3 : ماهي الدروس المستفادة من حرب الخليج لصالح الأمة الإسلامية ؟

(6/181)


ج : حرب الخليج فيها عظات وذكرى لمن تعقلها : فإنها قسمت العرب وغير العرب ما بين ناصر للحق وداع للحق ، وما بين ناصر للظلم وداع لمناصرة الظلم ، وقد أبان الله جل وعلا الطريق السوي لعباده ، وأن الطريق السوي هو سلوك الصراط المستقيم الذي بعث الله به نبيه محمدا - صلى الله عليه وسلم - حيث قال جل وعلا : وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ وهي الطرق المخالفة للشرع فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ أي تحيد بكم عن سبيله إلى سبيل أخرى ، وهي سبيل الشيطان .
وقد ظهر من هذه الحوادث ما يبين للعاقل وجوب نصر المظلوم وردع الظالم والاستقامة على الحق ، وهذا هو الواجب على كل مسلم وعلى كل عاقل ، حتى ولو كان غير مسلم ، فعلى كل عاقل وعلى كل ذي إنصاف أن ينصر الحق وأن يرد الظلم وأن ينصر المظلوم ، هذا هو الواجب على كل إنسان ، سواء كان مسلما أو غير مسلم ، ولكن الواجب على المسلم أكبر وأعظم .
لأن الله أوجب عليه ذلك بأن ينصر المظلوم وأن يردع الظالم حسب طاقته ، وأن يكون في صف الحق لا في صف الباطل ، هذا هو الواجب على بني الإسلام وعلى كل ذي عقل سليم ، وفى هذا الصدد يقول الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الحديث الصحيح : انصر أخاك ظالما أو مظلوما قيل يا رسول الله نصرته مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ قال تحجزه عن الظلم فذلك نصرك إياه فالظالم منعه من الظلم وتوبيخه على الظلم ، هذا نصره ، والمظلوم يعان على رد الظالم وعلى تسليم حقه ورده إليه ، وإذا كان الظالم كافرا كان ردعه أوجب كأمثال صدام وأشباهه .
س4 : لا شك أن حرب الخليج أحدثت تصدعا في صفوف المسلمين كيف ترون سماحتكم الحل المناسب للتوفيق بينهم ؟

(6/182)


ج : التصدع له دواء ، فكل داء له دواء ، ودواء التصدع هو الرجوع إلى الله والتوبة إليه والالتزام بالحق من جميع الدول ومن جميع المسئولين ، فعلى كل واحد أن يتوب إلى الله من خطئه ومن غلطه ، ويرجع إلى الصواب ويطلب من أخيه المسامحة عما جرى منه على أخيه من الخطأ ، والله جل وعلا يتوب على التائبين ، يقول سبحانه : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ويقول سُبْحَانَه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا والنبي - صلى الله عليه وسلم - يقول : التائب من الذنب كمن لا ذنب له
فعلى الدول الإسلامية والعربية جميعا التعاون على البر والتقوى والتواصي بالحق والصبر عليه ، والرجوع عن الباطل والتوبة إلى الله منه واستسماح أخيه الذي ظلمه وتعدى عليه يستسمحه فيقول : يا أخي سامحني ، جرى مني كذا وأخطأت في كذا ، وأنا أطلب المسامحة والعذر . والتواصي بالحق مطلوب ، والتسامح مطلوب ، فالتواصي بالحق يتطلب أن يوصي كل واحد أخاه بالحق ، والتسامح يعني أن يطلب كل واحد من أخيه أن يسمح عن ما جرى من التقصير بحقه ، وإذا تسامحوا وتصالحوا وتبرأ الظالم من خطئه وزلته وتاب إلى الله من ذلك حصل المطلوب وزال المحظور
س5 : لا شك أن أعداء الأمة الإسلامية يتحينون الفرصة المناسبة للقضاء عليها فما هي السبل لمنع وقوع ذلك ؟

(6/183)


ج: الواجب على الدول الإسلامية أن تستعد لأعداء الله وتحذر مكائدهم ، وأن تستقيم على دين الله ، وأن تلزم الحق وأن تعد العدة دائما ، لا تغفل ولا تأمن مكر العدو ، يقول الله جل وعلا في كتابه العظيم : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ ويقول جل وعلا : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ
فالواجب على كل دولة إسلامية عربية أو غير عربية أن تعد العدة وأن تستقيم على دين الله وعلى شريعته ، وأعظم العدة الاستقامة على الحق والثبات عليه وطاعة الله ورسوله في كل شيء وتحكيم شريعته ، هذه هي العدة ، ثم العدة الحسية من الجيش الطيب والسلاح المناسب في الوقت الحاضر حسب طاقتهم ، فالله أمرهم بما يستطيعون حيث يقول تعالى : وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ فكل دولة تجتهد في اقتناء السلاح المناسب في الوقت الحاضر ، والحرص على صنعته إذا أمكن أو شرائه ، والحرص على إيجاد الجندي الطيب المسلم في وقت الرخاء ، حتى إذا جاءت الشدائد تكون عندها القوة الكافية ، وهذا واجب الجميع ، وأعظم شيء وأهمه إصلاح النفوس بتقوى الله ، والاستقامة على دينه ، وترك معصيته سبحانه وتعالى ، والإخلاص لله بالعبادة ، وا لنهي عن الشرك بالله ، ومن ذلك التعلق بالأموات والاستغاثة بهم والنذر لهم ونحو ذلك ، فهذا من الشرك بالله ، فالتعلق بالأموات وسؤالهم النصر على الأعداء أو شفاء المرضى يعتبر من الشرك الأكبر.

(6/184)


فالواجب على كل دولة أن تعتني بهذا الأمر ، وأن توجه رعيتها إلى توحيد الله والإخلاص له وترك الشرك به جل وعلا ، وأن يستقيم الجميع على دين الله ، وأن يحذروا معصيته سبحانه وتعالى ، وأن يرجعوا إلى كتاب الله وسنة نبيه في كل شيء كما قال سبحانه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا أوجب سبحانه على المؤمنين عند التنازع رد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسوله أي إلى الكتاب العزيز وهو القرآن وإلى سنة الرسول - صلى الله عليه وسلم - فما دل عليه الكتاب والسنة الصحيحة وجب الأخذ به .
وقال سُبْحَانَه : وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ وأوجب عليهم طاعة ولي الأمر يعني في المعروف لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : إنما الطاعة في المعروف فيجب على الدول فيما - صلى الله عليه وسلم - إذا تنازعت أن ترد نزاعها إلى الله ورسوله وحكم الشرع ، وعليها في نفسها أن تستقيم على دين الله وأن توجه جيشها وشعبها إلى الاستقامة على دين الله ، وهذا هو طريق النصر وطريق السعادة وطريق العزة والكرامة وطريق الحماية من الأعداء أينما كانوا ، وكيفما كانوا . نسأل الله لجميع المسلمين التوفيق والهداية ، ونسأل الله لولاة الأمور أن يصلحهم ، وأن يعينهم على كل خير ، وأن يمنحهم الفقه في الدين والثبات عليه .
س 6 : هناك من يسعى لاستغلال الدين لتحقيق مآربه الخاصة خلال أحداث الخليج . فما هي كلمة سماحتكم في ذلك؟

(6/185)


ج : الواجب على كل مسلم أن يتقي الله وأن يخلص لله ، وأن لا يعمل عمل المنافقين ، فيستغل الدين لأهوائه ، فالمنافق هكذا عمله ، يرجع إلى الدين عند حاجته إليه نفاقا ، فهذا منكر لا يجوز ، والمنافقون شر من الكفار ، ولذا قال تعالى : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ فالواجب الالتزام بالدين من أجل الدين ومن أجل طاعة الله ورسوله لا من أجل أعراض دنيوية ، فالمنافق من شأنه الالتزام بالدين وإظهاره لمصلحته الدنيوية وحاجته ، وإذا خلا رجع إلى الكفر بالله والضلال وإلى مناصرة الكفار ، وإذا انتهت حاجته رفض الدين ، فهذا ليس من الدين في شيء . لأنه منافق ، والمنافق شر من الكافر والعياذ بالله ، كما قال تعالى : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا
ومن صفاتهم ما ذكر الله في كتابه العظيم في قوله سبحانه : إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلًا * مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ فالمذبذب هو الحائر ، مرة مع المسلمين ومرة مع الكفار ، فهذا المذبذب يكون مع الكفار إذا نصروا ورأى عندهم الفائدة ، وتارة مع المسلمين إذا نصروا وصار عندهم الفائدة . إذا هو مذبذب ، ليس عنده ثبات وليس عنده بصيرة ، بل هو مع من نصر ومع من رأى فيه المصلحة ، فإن رأى المصلحة مع الكفار صار معهم ، وإن رأى المصلحة مع المسلمين صار مع المسلمين ، ليس عنده هدف صالح وليس عنده عقيدة ثابتة ، هذه حال المنافقين نسأل الله العافية .
س 7 : هل من كلمة توجيهية لأبناء الشعب الكويتي بعد تحرير بلادهم من يد طاغية العراقي؟

(6/186)


ج : وصيتي للشعب الكويتي ولكل مسلم تقوى الله سبحانه وتعالى ، هذه وصيتي للكويتي وللسعودي ولكل مسلم في الخليج والمسلمين جميعا ، فأوصي الجميع بتقوى الله جل وعلا وأن يستقيموا على دينه وأن يشكروا الله على نعمة النصر ونعمة العافية ونعمة ردع الظالم .
والشكر لله يكون بالطاعة لله ولرسوله والاستقامة على دين الله والمحافظة على الصلوات الخمس في أوقاتها وفي أداء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لمن لم يحج مرة واحدة في العمر ، وكذلك طاعة الله ورسوله في كل شيء من بر الوالدين وصلة الرحم والدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلى غير هذا من وجوه الخير ، مع ترك المعاصي كلها ، هذا كله من شكر الله ، فوصيتي للجميع أن يشكروا الله بفعل ما أمر وترك ما نهى عنه والصبر عليه كما قال سبحانه : وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ

(6/187)


ويقول سبحانه : وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وهذا واجب الجميع أن يتعاونوا على البر والتقوى والتناصح في الله وترك معصيته وألا يتعاونوا على الإثم والعدوان من الشرك وشرب الخمر والزنا والمقامرة وغير ذلك مما نهى الله عنه ورسوله ، وعليهم بأن يتواصوا بالحق والصبر عليه وأن يتناهوا عن الإثم والعدوان بأن ينهى كل واحد أخاه عن المنكر ويأمره بالخير ، هذا كله من شكر الله سبحانه وتعالى قال تعالى : وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ هذه أوصاف المؤمنين وهذه أخلاقهم ، وعدهم الله عليها الرحمة بالنصر في الدنيا والسعادة والنجاة في الآخرة
نسأل الله للجميع التوفيق والاستقامة والهداية .
س 8 : ختاما ماهي كلمتكم لأسر الشهداء ؟
ج : أسأل الله أن يجبر مصيبتهم وأن يحسن عزاءهم وأن يعوضهم خيرا مما فاتهم في الدنيا والآخرة وأن يغفر للشهداء ، وأن يتجاوز عن سيئاتهم ويدخلهم الجنة وينجيهم من النار ، والشهداء يرجى لهم الخير العظيم ، فنوصي أسرهم بالدعاء لهم والرحمة وعلو المنزلة في الجنة ، ونوصي أسرهم أيضا بالصبر والاحتساب . لأن الشهادة في سبيل الله نعمة عظيمة ، فعلى الأسر أن يصبروا ويحتسبوا والله يعوضهم خيرا ويجبر مصيبتهم سبحانه وتعالى متى صبروا واحتسبوا . رزق الله الجميع التوفيق لما يرضيه .

(6/188)


لقاء جريدة المسلمون مع سماحته
س1 : الآن بعد أن هدأ غبار الحرب كيف السبيل- في رأي سماحتكم- إلى إزالة غبار الفتنة التي نشأت عن أزمة الخليج؟
ج : بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه ، أما بعد :
فلا شك أن الفتنة التي فجر أسبابها حاكم العراق فتنة عظيمة وترتب عليها شرور كثيرة ، والحمد لله الذي من بالقضاء عليها وتحرير دولة الكويت ودحر الظالم والقضاء عليه وعلى عدوانه ، ولا شك أن ذلك من نعم الله العظيمة ، فنشكر الله على ذلك ونسأله سبحانه أن يصلح أحوال المسلمين وأن يوفقهم لما يرضيه ، والواجب على المسلمين في مقابل هذه النعمة أن يشكروا الله عز وجل كثيرا وأن يستقيموا على دينه ، وأن يحذروا أسباب غضبه ، وأن يجتهدوا في رأب الصدع ولم الشمل على طاعة الله ورسوله واتباع كتاب الله وسنة رسوله عليه الصلاة والسلام ، والتواصي بالحق والصبر عليه .
هذا هو الطريق لإزالة غبار هذه الفتنة والسلامة من شرها ومكائدها ومكائد من دعا إليها ، والله يقول في كتابه العظيم : وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا ويقول وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ويقول عز وجل : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا وهذا هو السبيل لإزالة غبار هذه الفتنة وآثارها السيئة .

(6/189)


إن السبيل الوحيد هو جمع الكلمة على طاعة الله ورسوله ، والتواصي بالحق والصبر عليه من الرؤساء والأعيان والعلماء والعامة حتى يستقيم الجميع على طاعة الله ورسوله ، وحتى تكون محبتهم في الله وبغضهم في الله ، وموالاتهم في الله ، ومعاداتهم في الله . فنسأل الله أن يسلك بنا وبهم صراطه المستقيم ، وأن يهدينا وإياهم لكل ما فيه رضا ، وأن يعيذنا وكافة المسلمين في كل مكان من أسباب غضبه ، وأسباب النزاع الذي يؤدي بالناس إلى ما لا تحمد عقباه .
حوار مع سماحة الشيخ : عبد العزيز بن عبد الله بن باز أجراه الدكتور : عبد القادر طاش
لجريدة المسلمون ونشر هذا الحوار في22 شعبان 1411 هـ بعدد رقم 318 .
س 2 : ما هو أبرز درس من الدروس المستفادة من هذه المحنة العظيمة التي أصابت الأمة ؟
ج : إن أبرز درس : أن الفتن والحوادث تبين للناس العدو من الصديق ، وتقسمهم إلى محق ، ومبطل ، وحاسد ، وراغب في الخير ، ومنصف ، وجائر ، فالواجب على المؤمن عند وجود المحن أن يكون مع الحق لا مع هواه ولا مع الباطل ، بل يجب أن يكون مع الحق يدور معه أينما دار ، ومن كان مع الحق دعا إليه ونصره ، ومن كان مع الظلم والشرك والبدعة خالفه ودعا إلى تركه وعدم التعاون معه ، ففي هذه الفتنة معلوم أن حاكم العراق ظالم معتد على دولة آمنة مسلمة ، بغى عليها واعتدى ظلما وعدوانا ، وهو بعثي ملحد .

(6/190)


إن واجب المسلمين جميعا أن يكونوا مع الحق ضد الظالم والمعتدي ، ومن المؤسف أن تكون جماعة من الفئة الكافرة تنصر المحق وتردع الظالم ، بينما دول تنتسب إلى الإسلام تقف مع المبطل والظالم ، إن هذا لمن العجائب والغرائب ، فالواجب على من ينتسب للإسلام ومن يدعي الإسلام أن يكون مع الإسلام حقيقة ، وأن يكون مع طالب الحق ومع ناصر الحق لا مع الظالم والمعتدي ولو كان قريبه أو أخاه ، فالواجب نصر المحق وردع الظالم والقضاء على ظلمه بالطرق المناسبة التي يحصل بها المطلوب ، كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم : انصر أخاك ظالما أو مظلوما قيل يا رسول الله أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ قال تحجزه عن الظلم فذلك نصرك إياه
وهذا الحديث العظيم من جوامع الكلم ، فالواجب على أهل الإسلام أن يطبقوه وأن يلتزموا به مع القريب والبعيد .
س 3 : أدت الفتنة إلى اندفاع بعض القيادات والجماعات الإسلامية إلى تأييد الباغي ، فماذا تقولون لهم الآن بعد أن انتهت الحرب؟
ج : نقول لهم : إن باب التوبة مفتوح ، فالواجب على من حاد عن الصواب أن يرجع إلى الصواب ، وأن يتوب إلى الله وأن يندم على ما فرط فيه من الخطأ ، وأن يعود إلى الرشد والهدى والحق ، والله يمحو بالتوبة ما قبلها من الخطأ والضلال ، كما قال عز وجل وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وقال سبحانه : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا وقال النبي صلى الله عليه وسلم : التائب من الذنب كمن لا ذنب له

(6/191)


والتوبة النصوح تشمل أمورا ثلاثة : الأمر الأول : الندم على الخطأ والزلل والظلم والعدوان . والثاني : الإقلاع عن الذنب وتركه والحذر منه رغبة فيما عند الله وتعظيما له سبحانه . والثالث : العزم الصادق على عدم العودة إليه إخلاصا لله ومحبة وتعظيما له . وهناك شرط رابع لا بد منه أيضا : فيما يتعلق بحق المخلوقين فلا بد أن يتخلص من الظلم المالي والدموي والعرضي ، لا بد من توبة بأن ترد المظلمة أو تستبيح المظلومين .
وإذا استوفى الإنسان هذه الشروط رغبة فيما عند الله وتعظيما له سبحانه - تاب الله عليه ومحا عنه سيئاته كما قال تعالى في حق الكفرة : قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وقال سبحانه في حق الجميع : قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ أجمع أهل العلم أن المراد بهذه الآية التائبون .
س 4 : هناك من يقول إن بعض الدول والجماعات في العالم العربي والإسلامي تخلوا عنا ووقفوا ضدنا وناصروا طاغية العراق ، لذلك ينبغي أن نعيد النظر في علاقتنا بهم ونوقف مساعداتنا لهم وننصرف إلى شئوننا الذاتية ونقتصر على أنفسنا ، فما رأيكم في مثل هذا القول؟

(6/192)


ج : الواجب على الدول الإسلامية وعلى رؤسائها التعاون على البر والتقوى ، ومن أراد الخير وندم على ما فرط منه من الظلم - فالمشروع أن يتعاون معه على البر والتقوى : فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ وإذا أساء إليك بعض الناس فمن الأحسن لك أن تقابل إساءته بالإحسان والصفح والعفو إذا لم يستمر على الإساءة واستقام على الحق ولم يعتد ، فإن الرجوع إلى الحق ليس عيبا ولا ينبغي أن تطغى الحزازات والعداوات على المصلحة العامة للمسلمين ، فإن عاقبة ذلك وخيمة ، ولكن ينبغي السير في إزالتها بالعفو والصفح والإصلاح ، وعلى من أساء أن يظهر التوبة والاعتذار عما جرى منه وأن يبدل سيئاته حسنات ، فالحسنة تمحو السيئة إذا صدق صاحبها ، أما إذا استمر المعتدي على عدوانه ولم يرغب في الصلح والتعاون - فالواجب حينئذ عدم التعاون معه إذا كان التعاون معه يضر الدعوة الإسلامية أو يضر المجتمع الإسلامي أو يفضي إلى فساد الأخلاق .
س 5 : انساقت بعض الجماهير ، ومنهم بعض شباب الصحوة الإسلامية في بعض البلدان وراء بعض القيادات التي رفعت شعارات تناصر النظام العراقي العلماني مما يدل على أن هناك قصورا أو خللا في منهج الدعوة وقلة العلم الشرعي الذي تربى عليه هؤلاء الشباب ، فكيف يمكن أن نعالج مثل هذا الخلل وما هو دور العلماء في ذلك؟

(6/193)


ج : لا شك أن هذا واقع ، وأن نقص العلم يسبب وقوع المجتمع في أخطاء كثيرة ، والواجب على العلماء في كل مكان بذل الدعوة وبذل النصيحة ونشر العلم بين الناس ولا سيما بين الشباب الذين يرغبون في العلم ويدعون إلى الله عز وجل ، وعلى طالب العلم أن يقبل العلم ويسعى إلى أن يتبصر ولا يعجل ، والواجب على الشباب وعلى غيرهم ممن ليس عندهم العلم الكافي ألا يعجلوا في الأمور وأن يتفقهوا في الدين ويستمعوا لتوجيه العلماء مما يقال ويكتب حتى يكونوا على بينة ، وعليهم أن يتدبروا ما يطلعون عليه أو يقال لهم أو يسمعونه في إذاعة أو غيرها ، ويعرضوه على الأدلة الشرعية ، وأن يسألوا أهل العلم عما أشكل عليهم وممن يوثق فيهم ، حتى يكونوا على بينة ، ويتحروا أهل العلم الذين يعرفون بنشر الحق والعناية به وإقامة الأدلة عليه ويستفيدوا من علمهم .
أما الاندفاع مع الشعارات التي يروج لها فلان أو فلان أو يؤيدها فلان أو فلان فهذا لا ينبغي لعاقل ، وإن كثرة الكلام والبلاغة ليست دليلا على الحق ، بل الدليل على الحق هو ما قال الله سبحانه وما قال رسوله صلى الله عليه وسلم ، مع العناية بدراسة القواعد الشرعية والأسس المرعية التي دل عليها قول الله وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فهي المعيار الذي يستنبط منه ويؤخذ عن طريقه الحق عند عدم وجود النص من الكتاب أو السنة ، أما قول فلان ما أذاعته الإذاعة الفلانية فهذا لا ينبغي لعاقل أن يغتر به ، بل ينبغي للعاقل أن يكون الكتاب السنة والقواعد الشرعية هي التي يبني عليها ما يختاره وما يرده ، وينبغي أيضا ألا يستقل بنفسه في بعض المسائل التي تخفى عليه ، بل ينبغي أن يستفيد من إخوانه ، وأن يسأل من يثق به من أهل العلم ، وألا يعجل في الأمور حتى يطمئن إلى أن هذا هو الحق ، لا لأنه قاله فلان أو الحاكم الفلاني أو الرئيس الفلاني أو الزعيم الفلاني .

(6/194)


س 6 : كان من أبرز الأسباب التي أدت إلى طغيان حاكم العراق ، فهل من كلمة توجهونها عبر جريدة " المسلمون " لقادة المسلمين وأعيانهم في هذا المجال؟
ج : الشورى من أهم المهمات في الدول الإسلامية والجماعات الإسلامية ، لذلك ينبغي العناية بالشورى الإسلامية ، وهي من صفات المؤمنين كما قال جل وعلا : وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وقال جل وعلا : وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فالتشاور في الأمور التي ليس فيها دليل واضح من أهم المهمات ، أما إذا كان النص صريحا من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم فلا تشاور .
إنما الشورى تكون فيما قد يخفى من المسائل التي تبدو للحاكم أو للجماعة أو للمركز الإسلامي ومن فيه أو لغير ذلك ، هذا محل الشورى ، والشورى تكون في معرفة الحق ، أو في كيفية تنفيذه والدعوة إليه ، أو في معرفة الباطل وفي أدلته وكيفية القضاء عليه ودفعه ومحاربته .
وهناك أمر ينبغي أن يلاحظ وهو أن الشورى محكومة من أهل العلم والبصيرة ، وأعيان الناس العارفين بأحوال المجتمع ، يتشاورون ويتعاونون ، لا من هب ودب ، ولا من الناس الملاحدة أو من الناس المعروفين بالعقائد الزائفة ، بل من الناس المعروفين بالعقل الراجح والعلم والفضل والتبصر في أحوال الناس إن كانوا من أعيان المجتمع حتى يحصل التعاون معهم في معرفة الحق فيما قد يخفى دليله أو في الأمور التي تحتاج إلى نظر وعناية في كيفية تنفيذ الحق أو كيفية ردع الباطل والقضاء عليه .
س 7 : وماذا عن إهمال تطبيق الشريعة ؟

(6/195)


ج : إن الواجب أن تحكم الدول المنتسبة للإسلام شريعة الله ، وأن تدع القوانين الوضعية التي وضعها الرجال ، فإن الله جل وعلا أوجب على المسلمين أن يحكموا شرع الله ، فقال سبحانه : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا
فالواجب على جميع المسلمين أن يحكموا شرع الله وأن يتركوا التحاكم إلى القوانين الوضعية التي وضعها الشرق أو الغرب ، ففي شرع الله ما يكفي والحمد لله ، ولهذا قال الله عز وجل : أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ نعم إذا وجد نظام أو قانون يوافق الشرع في أية مسألة من مسائل القانون فلا بأس . ويمكن أن تضع الدول قوانين يعرفها الناس ويستفيدون منها بشرط موافقتها للشرع .
وهذا ليس من تحكيم القوانين بل هذا عمل بالشرع ، ومثلما وضع العلماء أبوابا يوضحون فيها الأحكام الشرعية ، فإذا وضعت الدولة قانونا يعرفه الناس في مجال التجارة ، أو في مجال البيوع ، أو فيما يتعلق بالأوقاف ، أو النكاح ، إذا وضعت شيئا واضحا في أبواب معينة يسير عليها الناس على هدي كتاب الله وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم - فهذا لا يسمى قوانين ، بل هي مثلما وضع الفقهاء في كتبهم أبوابا يوضحون فيها أحكام الله ، فإذا وضعت الدولة شيئا يوضح حكم الله في مسألة من المسائل وبينت الشروط فليس هذا ببدع من القول ولا يضر إذا لم يكن مخالفا لشرع الله .
س 8 : هناك مطالبات - سماحة الشيخ - بإحداث بعض التغييرات في المجتمع بعد هذه الأزمة ، إذ كشفت الأزمة عن بعض الأمور ، فما رأيكم في هذا ؟ و ما هي المجالات التي ترونها بحاجة إلى تغيير ، سواء في مجتمعنا أو في المجتمعات الإسلامية بشكل عام ؟

(6/196)


ج : هذا المقام مقام عظيم ، من ذلك أنه يجب على الذين ينتخبون الرؤساء والأعيان أن يتحروا في المنتخب أن يكون من أهل الدين والاستقامة والعقل الراجح والعقيدة الصالحة ، ومحبة الخير للمسلمين ، وألا ينتخبوا من هب ودب ، كما ينبغي أن يكون المنتخب صالحا لقيادة المجتمع إلى طريق النجاة والسعادة ، ثم أيضا هناك مسألة الولايات الأخرى الصغيرة ، مثل ولاية إمارة في بلدة أو قرية أو رئاسة جمعية أو إدارة مدرسة إلى غير ذلك ، فيجب أن ينتبه لذلك ، وأن يختار لكل أمر من يناسبه ، وألا يكون للمنتخب هوى فيختاره . لأنه قريبه أو لأنه صديقه أو لأنه أعطاه مالا أو رشوة .
إن هذا من أعظم الخيانة ، فيجب على أفراد المجتمع أن تكون عنايتهم بالاختيار ، بأن يكون المختار من أهل الكفاية وأهل الاستقامة وأهل الأمانة وأهل المعرفة ، الذين إذا اختيروا ينفعون الأمة في دينهم ودنياهم .
وكذلك ينبغي العناية بإيجاد المدارس الإسلامية التي تخرج الشباب الصالح ، فيجب على ولاة الأمور وعلى المسئولين أن تكون لهم عناية بإيجاد المدارس الصالحة والمديرين الطيبين الصالحين ، وهكذا في جميع القيادات يجب على المسئولين أن يختاروا المرء الصالح الذي يعرف منه الخير ، وممن يتسم بالالتزام بالإسلام ، وبالالتزام بالأمانة وترك الخيانة .
س 9 : هناك يا سماحة الشيخ بعض الأبواق التي تدعو الآن إلى مقاطعة أو تعطيل فريضة الحج لهذا العام بزعم وجود القوات الأجنبية ، فما ردكم على هؤلاء ؟
ج : هذه دعوى باطلة مغرضة ، أو أن صاحبها مغرور مخدوع ليس عنده بصيرة ، إن الحرمين والحمد لله ليس فيهما كفار ولا قادة للكفار ولا دول كافرة ، الحرمان في صيانة والحمد لله ، وفي أيد أمينة ، وقوات الدول التي ساعدت في حرب حاكم العراق في محلها بعيدة عن مكة بمسافة طويلة .

(6/197)


إن الدول التي ساعدت وساهمت مشكورة على نصر الحق وعلى ردع الظالم ليس لها تعلق بالحرمين وليست في الحرمين ، لقد جاءوا بطلب ، ولمساعدة المنكوبين والمظلومين ضد الظالم والمعتدي ، وما جاءوا لحرب المسلمين ، وما جاءوا للاستيلاء على الحرمين ، إنما جاءوا بدعوة من خادم الحرمين الشريفين من أجل نصر المظلوم وردع الظالم ، والحمد لله الذي نفع بذلك ، وصار في هذه الدول المشركة خير عظيم للمسلمين حتى ردع الله بهم الظالم وأنقذ بهم حق المظلوم ، إن الذي يقول إن الحرمين الآن محصوران من دول كافرة إما مخدوع وإما مغالط أو مغرض . وليس لأحد أن يدعو إلى ترك فريضة الحج ، بل يجب على المسلمين أن يتعاونوا في أداء فريضة الحج ، ولكن يعذر من وجد مخاوف في الطريق أو كان الحرمان - لا سمح الله - فيهما خطر .
فإذا كان الطريق غير آمن أو الحرمان ليسا آمنين صار ذلك عذرا في أن يؤخر الحج إلى عام آخر ، ولكن والحمد لله الحرمان آمنان والطريق آمن وليس هناك خطر .
س10 : في أثناء الأزمة حصل شيء من الاختلاف بين طلبة العلم والخطباء وإن كان محدودا والحمد لله ، فماذا تقولون في ذلك؟
ج : لا شك أنه وقع بعض الاختلاف في بعض المسائل من بعض المحاضرين وبعض الخطباء وفي بعض الندوات عن حسن ظن أو عن جهل من بعض إخواننا والواجب على الجميع الرجوع إلى كتاب الله وإلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، كما أن الواجب على الخطيب وعلى المحاضر في الندوات أن يتثبت في الأمور وألا يتعجل حتى يطمئن أنه على الحق والهدى بالأدلة الشرعية ، فلا ينبغي أن يعجل في فتوى أو إصدار أحكام على غير بصيرة .
وعلى كل طالب علم ، وعلى كل من يشارك في الندوات ، أو يلقي المحاضرات ، أو يقوم بخطب الجمعة ، أو غيرها أن يتثبت في الأمور وألا يحكم على أي شيء بأنه حرام أو واجب أو مستحب أو مباح أو مكروه إلا على بصيرة حتى لا يضل الناس بسببه .

(6/198)


وأما فإن بعض إخواننا ظن أن هذا لا يجوز ، وأن ما أقدمت عليه الدولة السعودية من الاستعانة ببعض الدول الأجنبية غلط ، فهذا غلط من قائله ، فالدولة السعودية كانت محتاجة إلى هذا الشيء ، بل مضطرة لما عند حاكم العراق من قوة كبيرة ، ولأنه باغت دولة الكويت واجتاحها ظلما وعدوانا ، فاضطرت الدولة السعودية إلى الاستعانة ببعض المسلمين وبعض الدول الأجنبية ؛ لأن الواقع خطير والمدة ضيقة ليس فيها متسع للتساهل .
فهي في هذا الأمر قد أحسنت وفعلت ما ينبغي لردع الظالم وحصره حتى لا يقدم على ضرر أكبر وحتى يسحب جيشه من الدولة المظلومة .
والمقصود أن الاستعانة بالمشرك أو بدولة كافرة عند الحاجة الشديدة أو الضرورة وفي الأوقات التي لا يتيسر فيها من يقوم بالواجب ويحصل به المطلوب من المسلمين - أمر لازم لردع الشر الذي هو أخطر وأعظم ، فإن قاعدة الشرع المطهر هي دفع أكبر الضررين بأدناهما وتحصيل كبرى المصلحتين ، أما أن يتساهل الحاكم أو الرئيس أو ولي الأمر أو غيرهم من المسئولين حتى يقع الخطر وتقع المصيبة فذلك لا يجوز بل يجب أن يتخذ لكل شيء عدته وأن تنتهز الفرص لردع الظلم والقضاء عليه وحماية المسلمين من الأخطار التي لو وقعت لكان شرها أخطر وأكبر .
وقد درس مجلس هيئة كبار العلماء هذه المسألة وهي الاستعانة بغير المسلمين عند الضرورة في قتال المشركين والملاحدة وأفتى بجواز ذلك عند الضرورة إليه ، للأسباب التي ذكرنا آنفا . والله المستعان .
س 11 : السؤال الأخير يتعلق بوسائل الإعلام ، فقد ظهر في الأزمة حاليا أن لوسائل الإعلام دورا خطيرا إذ يتابع الناس عن طريقها الأحداث ويستقون الأخبار ويكونون الآراء ، فهل من كلمة حول ذلك ؟ وما دور العلماء وطلبة العلم في التعاون مع وسائل الإعلام ؟

(6/199)


ج : لا شك أن وسائل الإعلام لها دور عظيم ، ولا شك أنها سلاح ذو حدين ، فالواجب على القائمين عليها أن يتقوا الله ويتحروا الحق فيما ينشرون ، سواء كان ذلك عن طريق الوسيلة المرئية أو المسموعة أو المقروءة ، والواجب أن ينشروا ويذيعوا عن أهل العلم والإيمان والبصيرة ما ينفع الناس ويبصرهم بالحق ، أما المقالات الضارة والمقالات الملحدة فالواجب الحذر منها وعدم نشرها ، وعليهم أن يؤدوا الأمانة في ذلك فلا ينشروا إلا ما يقود الناس إلى الحق ويبعدهم عن الباطل .
والواجب على المسئولين في وسائل الإعلام ألا يولوا في الإعلام إلا الثقات الذين عندهم علم وبصيرة وأمانة .
إن وسائل الإعلام تحتاج إلى رجال يخافون الله ويتقونه ويعظمونه ويتحرون نفع المسلمين والمجتمع كله فيما ينشرون حتى لا يضل الناس بسببهم ، ومعلوم أن من نشر قولا يضر الناس يكون عليه مثل آثام من ضل به ، كما أن من نشر ما ينفع الناس يكون له مثل أجور من انتفع بذلك ، ونسأل الله تعالى أن يهديهم ويوفقهم ويصلح أحوالهم .
س 12 : ماذا بالنسبة لتعاون العلماء وطلبة العلم مع وسائل الإعلام ؟
ج : هذا واجب ، فيجب على العلماء وطلبة العلم أن يتعاونوا مح هذه الوسائل حتى يرشدوا الناس ويفقهوهم ويعلموهم . لأن هذه الوسائل يستفيد منها الملايين من الناس إذا استقامت ووجهت الوجهة الصالحة ، لذلك ينبغي على العلماء والأخيار أن يتعاونوا مع وسائل الإعلام فيما ينفع الناس في دينهم ودنياهم .
رسائل الشيخ ابن باز إلى هؤلاء
الشعب الكويتي :
نحمد الله لكم أن يسر لكم تحرير بلادكم ونشكر الله على ذلك ، ونسأله سبحانه أن يضاعف الأجر لإخوانكم المسلمين الذين ساهموا في هذا الأمر العظيم وأن يجزيهم خيرا وأن يوفق المسلمين جميعا لكل ما فيه رضاه وأن يكونوا أبدا متعاونين على البر والتقوى وعلى ردع الظلم

(6/200)


إن عليكم أيها الإخوة في الكويت أن تشكروا الله على النعمة العظيمة بتحرير بلادكم من الظالم المعتدي ، وعليكم أن تستقيموا على دين الله وأن تتوبوا إلى الله من جميع الذنوب وأن تتناصحوا وتتعاونوا على البر والتقوى حتى تستمر النعمة ويكفيكم الله شر الأعداء .
أهالي الشهداء :
إلى أولياء وأهالي الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله وفي نصر المظلوم وردع الظالم وإقامة الحق ، إنهم في هذا الأمر على خير عظيم ونرجو لهم الشهادة ، والنجاة من النار ، والسعادة ، ونعزي ذويهم وأقاربهم وأصحابهم ، ونسأل الله أن يرحمهم ويغفر لهم ، وأن يجبر مصيبة ذويهم ويحسن عزاءهم ويعوضهم عنهم خيرا ، وأن يرزقهم الصبر والاحتساب ، وأن يغفر للميتين ويصلح أحوال الأحياء إنه جواد كريم ، وفي الحقيقة إنها نعمة من الله ، فالقتل في سبيل الحق وإنقاذ المسلمين من الشر وردع الظالمين ونصر دين الله والقضاء على الفساد من نعم الله العظيمة ، ومن الجهاد في سبيل الله ، فينبغي أن يهنأ أولياؤهم بهذا الخير العظيم الذي رزقهم الله وهو الشهادة .
الشعب العراقي :
أوصيكم أيها الشعب بتقوى الله والتوبة إليه مما سلف منكم من شر وخطأ وظلم وعدوان ، وأن تجتهدوا في اختيار الحاكم الصالح الذي يحكم فيكم شرع الله ويقودكم إلى الجنة والكرامة ، وأن تحذروا شر صدام وأمثاله ، وأن تحرصوا على عدم بقائه في الحكم ، وأن تجتهدوا في كل ما يقرب إلى الله ويبعد عن غضبه ، ومن أسباب ذلك اختيار الحاكم الصالح الذي يحكم شرع الله ، ويدعو إلى دين الله ، ويحارب البدع والأهواء ، ويبتعد من الإلحاد والدعوة إليه ، وينبغي لكم أن تختاروا الحاكم من أهل السنة لا من البعثيين ولا من غيرهم ممن يخالف شرع الله حتى يقودكم إلى طاعة الله ويباعدكم عن أسباب غضبه وانتقامه .

(6/201)


شباب الصحوة :
أوجه رسالتي هذه إلى جميع الشباب الذين وفقهم الله إلى التمسك بالدين والدعوة إليه والتفقه فيه في جميع بلاد الله ، وأوصيهم بتقوى الله والتثبت في الأمور وعدم العجلة ، كما أوصيهم بالعناية بالقرآن الكريم تلاوة وتدبرا وحفظا ومراجعة ومدارسة ، وأوصيهم بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم حفظا لها وعناية بها ومذاكرة فيها ، وأوصيهم بالدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالحكمة والأسلوب الحسن والكلام الطيب ، لا بالعنف والشدة وإنما باللين والتبصر ، كما قال عز وجل : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ وأوصيهم بعدم العجلة في كل الأمور والتثبت والتشاور والتعاون على الخير حتى يفقهوا الدين كما ينبغي ، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم : من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين فالعجلة قد تفضي إلى شر عظيم ، فالواجب التثبت والعناية بالأدلة الشرعية ، والحرص على حلقات العلم عند أهل العلم المعروفين بالاستقامة وحسن العقيدة .
العلماء وطلبة العلم :
أوصي العلماء جميعا وطلبة العلم بتقوى الله ، والعناية بتحقيق العلم بالأدلة الشرعية ، لا بتقليد فلان أو فلان ، كما أوصيهم جميعا بالعناية بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم ، ومراجعة كلام العلماء حتى يعرفوا الحق بالدليل لا بقول فلان وتقليد فلان ، كما أوصي طلبة العلم أن يتفقهوا في الدين وأن يأخذوا العلم من أدلته الشرعية ، ويتعاونوا على البر والتقوى ويتواصوا بالحق والصبر عليه ، وينشروا العلم بين الناس في المساجد وفي غير المساجد ، وفي الخطب والندوات وحلقات العلم في المدارس والجامعات وأين ما كانوا ، وأسأل الله للجميع التوفيق .

(6/202)


حكم الاستعانة بالكفار في قتال الكفار
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين وإمام المتقين وقائد المجاهدين نبينا محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين . أما بعد :
فقد اختلف العلماء رحمهم الله في حكم الاستعانة بالكفار في قتال الكفار على قولين :
أحدهما : المنع من ذلك ، واحتجوا على ذلك بما يلي :
أولا : ما رواه مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أن رجلا من المشركين كان معروفا بالجرأة والنجدة أدرك النبي صلى الله عليه وسلم في مسيره إلى بدر في حرة الوبرة فقال جئت لأتبعك وأصيب معك فقال له النبي صلى الله عليه وسلم تؤمن بالله ورسوله قال لا قال ارجع فلن أستعين بمشرك قالت ثم مضى حتى إذا كنا في الشجرة أدركه الرجل فقال له كما قال له أول مرة فقال تؤمن بالله ورسوله قال لا قال ارجع فلن أستعين بمشرك ثم لحقه في البيداء فقال مثل قوله فقال له تؤمن بالله ورسوله قال نعم قال فانطلق ا . هـ .
واحتجوا أيضا بما رواه الحاكم في صحيحه من حديث يزيد بن هارون أنبأنا مستلم بن سعيد الواسطي عن خبيب بن عبد الرحمن بن خبيب عن أبيه عن جده خبيب بن يساف قال : أتيت أنا ورجل من قومي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد غزوا فقلت يا رسول الله إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدا لا نشهده معهم فقال أسلما فقلنا لا قال فإنا لا نستعين بالمشركين قال فأسلمنا وشهدنا معه الحديث ، قال الحاكم : حديث صحيح الإسناد ، ولم يخرجاه ، وخبيب صحابي معروف . ا . هـ . ذكره الحافظ الزيلعي في نصب الراية 423 ثم قال : ورواه أحمد ، وابن أبي شيبة ، وإسحاق بن راهويه في مسانيدهم ، والطبراني في معجمه من طريق ابن أبي شيبة .
قال في التنقيح : ومستلم ثقة ، وخبيب بن عبد الرحمن أحد الثقات الأثبات . والله أعلم .

(6/203)


ثم قال الزيلعي : حديث آخر : روى إسحاق بن راهويه في مسنده أخبرنا الفضل بن موسى عن محمد بن عمرو بن علقمة عن سعيد بن المنذر عن أبي حميد الساعدي قال : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أحد حتى إذا خلف ثنية الوداع نظر وراءه فإذا كتيبة حسناء فقال من هؤلاء ؟ قالوا هذا عبد الله بن أبي ابن سلول ومواليه من اليهود وهم رهط عبد الله بن سلام فقال هل أسلموا ؟ قالوا لا إنهم على دينهم قال قولوا لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين انتهى .
ورواه الواقدي في كتاب المغازي ، ولفظه فقال : من هؤلاء ؟ قالوا يا رسول الله هؤلاء حلفاء ابن أبي من يهود فقال عليه السلام لا ننتصر بأهل الشرك على أهل الشرك انتهى .
قال الحازمي في كتاب الناسخ والمنسوخ : وقد اختلف أهل العلم في هذه المسألة فذهب جماعة إلى منع الاستعانة بالمشركين ، ومنهم أحمد مطلقا ، وتمسكوا بحديث عائشة المتقدم وقالوا : إن ما يعارضه لا يوازيه في الصحة ، فتعذر ادعاء النسخ . وذهبت طائفة إلى أن للإمام أن يأذن للمشركين أن يغزوا معه ويستعين بهم بشرطين :
أحدهما : أن يكون بالمسلمين قلة بحيث تدعو الحاجة إلى ذلك .
والثاني : أن يكونوا ممن يوثق بهم في أمر المسلمين ، ثم أسند إلى الشافعي أن قال الذي روى مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم رد مشركا أو مشركين وأبى أن يستعين بمشرك كان في غزوة بدر . ثم إنه عليه السلام استعان في غزوة خيبر بعد بدر بسنتين بيهود من بني قينقاع واستعان في غزوة حنين سنة ثمان بصفوان بن أمية وهو مشرك فالرد الذي في حديث مالك إن كان لأجل أنه مخير في ذلك بين أن يستعين به وبين أن يرده كما له رد المسلم لمعنى يخافه فليس واحد من الحديثين مخالفا للآخر ، وإن كان لأجل أنه مشرك فقد نسخه ما بعده من استعانته بالمشركين .

(6/204)


ولا بأس أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين إذا خرجوا طوعا ويرضخ لهم ولا يسهم لهم ، ولا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه أسهم لهم ، قال الشافعي : ولعله عليه السلام إنما رد المشرك الذي رده في غزوة بدر رجاء إسلامه قال : وذلك واسع للإمام أن يرد المشرك ويأذن له انتهى ، وكلام الشافعي كله نقله البيهقي عنه . . ا . هـ .
وقال النووي رحمه الله في شرحه لصحيح مسلم 198- 199 ج 12 ما نصه : قوله : عن عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة ، هكذا ضبطناه بفتح الباء وكذا نقله القاضي عن جميع رواة مسلم قال : وضبطه بعضهم بإسكانها وهو موضع على نحو من أربعة أميال من المدينة ، قوله صلى الله عليه وسلم فارجع فلن أستعين بمشرك ، وقد جاء في الحديث الآخر أن النبي صلى الله عليه وسلم استعان بصفوان بن أمية قبل إسلامه فأخذ طائفة من العلماء بالحديث الأول على إطلاقه ،
وقال الشافعي وآخرون : إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة به أستعين به وإلا فيكره ، وحمل الحديثين على هذين الحالين ، وإذا حضر الكافر بالإذن رضخ له ولا يسهم والله أعلم . ا . هـ .
وقال الوزير ابن هبيرة في كتابه الإفصاح عن معاني الصحاح 2 ص 286 ما نصه : واختلفوا : هل يستعان بالمشركين على قتال أهل الحرب أو يعاونون على عدوهم : فقال مالك وأحمد : لا يستعان بهم ولا يعاونون على الإطلاق ، واستثنى مالك : إلا أن يكونوا خدما للمسلمين فيجوز ، وقال أبو حنيفة : يستعان بهم ويعاونون على الإطلاق ، ومتى كان حكم الإسلام هو الغالب الجاري عليهم ، فإن كان حكم الشرك هو الغالب كره .

(6/205)


وقال الشافعي : يجوز ذلك بشرطين : أحدهما : أن يكون بالمسلمين قلة وبالمشركين كثرة ، والثاني : أن يعلم من المشركين حسن رأي في الإسلام وميل إليه ، فإن أستعين بهم رضخ لهم ولم يسهم لهم ، إلا أن أحمد قال في إحدى روايتيه : يسهم لهم ، وقال الشافعي : إن استؤجروا أعطوا من مال لا مالك له بعينه ، وقال في موضع آخر : ويرضخ لهم من الغنيمة ، قال الوزير : وأرى ذلك مثل الجزية والخراج . ا . هـ .
القول الثاني : جواز الاستعانة بالمشركين في قتال المشركين عند الحاجة أو الضرورة واحتجوا على ذلك بأدلة منها قوله جل وعلا في سورة الأنعام : وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ الآية ، واحتجوا أيضا بما نقله الحازمي عن الشافعي رحمه الله فيما ذكرنا آنفا في حجة أصحاب القول الأول ، وسبق قول الحازمي رحمه الله نقلا عن طائفة من أهل العلم أنهم أجازوا ذلك بشرطين :
أحدهما : أن يكون في المسلمين قلة بحيث تدعو الحاجة إلى ذلك .
الثاني : أن يكونوا ممن يوثق بهم في أمر المسلمين ، وتقدم نقل النووي عن الشافعي أنه أجاز الاستعانة بالمشركين بالشرطين المذكورين وإلا كره . ونقل ذلك أيضا عن الشافعي الوزير ابن هبيرة كما تقدم .
واحتج القائلون بالجواز أيضا بما رواه أحمد وأبو داود عن ذي مخمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ستصالحون الروم صلحا آمنا وتغزون أنتم وهم عدوا من ورائكم فتنصرون وتغنمون الحديث . ولم يذمهم على ذلك فدل على الجواز ، وهو محمول على الحاجة أو الضرورة كما تقدم .
وقال المجد ابن تيمية في المحرر في الفقه ص171 ج2 ما نصه : ولا يستعين بالمشركين إلا لضرورة ، وعنه إن قوي جيشه عليهم وعلى العدو ولو كانوا معه ولهم حسن رأي في الإسلام جاز وإلا فلا " انتهى .
وقال : الموفق في المقنع ج1 ص492 ما نصه : ولا يستعين بمشرك إلا عند الحاجة .

(6/206)


وقال في المغني ج8 ص 414 - 415 فصل : ولا يستعان بمشرك ، وبهذا قال ابن المنذر والجوزجاني وجماعة من أهل العلم ، وعن أحمد ما يدل على جواز الاستعانة به ، وكلام الخرقي يدل عليه أيضا عند الحاجة ، وهو مذهب الشافعي لحديث الزهري الذي ذكرناه ، وخبر صفوان بن أمية ، ويشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين فإن كان غير مأمون عليهم لم تجز الاستعانة به . لأننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يؤمن من المسلمين مثل المخذل والمرجف فالكافر أولى .
ووجه الأول ما روت عائشة رضي الله عنها قالت : خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بدر حتى إذا كان بحرة الوبرة أدركه رجل من المشركين كان يذكر منه جرأة ونجدة فسر المسلمون به فقال يا رسول الله جئت لأتبعك وأصيب معك فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم تؤمن بالله ورسوله ؟ قال لا قال فارجع فلن أستعين بمشرك قالت ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان بالبيداء أدركه ذلك الرجل فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم تؤمن بالله ورسوله ؟ قال نعم قال فانطلق متفق عليه ، ورواه الجوزجاني . وروى الإمام أحمد بإسناده عن عبد الرحمن بن خبيب قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يريد غزوة أنا ورجل من قومي ولم نسلم فقلنا إنا لنستحي أن يشهد قومنا مشهدا لا نشهده معهم قال فأسلمتما ؟ قلنا لا قال فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين قال ابن المنذر : والذي ذكر أنه استعان بهم غير ثابت . ا . هـ .

(6/207)


وقال الحافظ في التلخيص بعدما ذكر الأحاديث الواردة في جواز الاستعانة بالمشركين والأحاديث المانعة من ذلك ما نصه : ويجمع بينه يعني حديث عائشة وبين الذي قبله يعني حديث صفوان بن أمية ومرسل الزهري بأوجه ذكرها المصنف منها وذكره البيهقي عن نص الشافعي : أن النبي صلى الله عليه وسلم تفرس فيه الرغبة في الإسلام فرده رجاء أن يسلم فصدق ظنه . وفيه نظر من جهة التنكر في سياق النفي ومنها : أن الأمر فيه إلى رأي الإمام ، وفيه النظر بعينه ، ومنها : أن الاستعانة كانت ممنوعة ثم رخص فيها وهذا أقربها وعليه نص الشافعي .
وقال في الفروع ج6 ص 49 - 50 ما نصه : ويكره أن يستعين بكافر إلا لضرورة ، وذكر جماعة : لحاجة ، وعنه يجوز مع رأي فينا ، زاد جماعة وجزم به في المحرر : وقوته بهم بالعدو .
وقال الصنعاني رحمه الله في سبل السلام ج4 ص 49-50 على شرحه لحديث عائشة رضي الله عنها : ارجع فلن أستعين بمشرك ما نصه : والحديث من أدلة من قال : لا يجوز الاستعانة بالمشرك القتال ، وهو قول طائفة من أهل العلم ، وذهب الهادوية وأبو حنيفة وأصحابه إلى جواز ذلك ، قالوا : لأنه استعان بصفوان بن أمية يوم حنين ، واستعان بيهود بني قينقاع ورضخ لهم ، أخرجه أبو داود والترمذي عن الزهري مرسلا ، ومراسيل الزهري ضعيفة ، قال الذهبي : لأنه كان خطاء ، ففي إرساله شبهة تدليس . وصحح البيهقي من حديث أبي حميد الساعدي أنه ردهم ،
قال المصنف : ويجمع بين الروايات بأن الذي رده يوم بدر تفرس فيه الرغبة في الإسلام فرده رجاء أن يسلم فصدق ظنه ، أو أن الاستعانة كانت ممنوعة فرخص فيها ، وهذا أقرب . وقد استعان يوم حنين بجماعة من المشركين تألفهم بالغنائم . وقد اشترط الهادوية أن يكون معه مسلمون يستقل بهم في إمضاء الأحكام ، وفي شرح مسلم : أن الشافعي قال : إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين ودعت الحاجة إلى الاستعانة أستعين به وإلا فيكره ،

(6/208)


ويجوز الاستعانة بالمنافق إجماعا لاستعانته صلى الله عليه وسلم بعبد الله بن أبي وأصحابه .
وهذا آخر ما تيسر نقله من كلام أهل العلم ، والله ولي التوفيق وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه .
عبد العزيز بن عبد الله بن باز
رئيس المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي
والرئيس العام لإدارات البحوث العلمية
والإفتاء والدعوة والإرشاد
شرح معنى قوله تعالى وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ
س : قال الله تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا * فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا والسؤال هو : أن بعض المسلمين يأخذون بهذه الآية أنه لا حرج على المسلم يذهب ويشد الرحال إلى قبر الرسول صلى الله عليه وسلم يسأله أن يستغفر له رسول الله وهو في قبره ، فهل هذا العمل صحيح كما قال تعالى . وهل معنى جاءوك باللغة أنه : جاءوك في حياتك أم في موتك؟ وهل يرتد المسلم عن الإسلام إذا لم يحكم سنة رسول الله ؟ وهل التشاجر على الدنيا أم على الدين؟

(6/209)


ج : هذه الآية الكريمة فيها حث الأمة على المجيء إليه إذا ظلموا أنفسهم بشيء من المعاصي ، أو وقعوا فيما هو أكبر من ذلك من الشرك أن يجيئوا إليه تائبين نادمين حتى يستغفر لهم عليه الصلاة والسلام ، والمراد بهذا المجيء : المجيء إليه في حياته صلى الله عليه وسلم وهو يدعو المنافقين وغيرهم إلى أن يأتوا إليه ليعلنوا توبتهم ورجوعهم إلى الله ، ويطلبوا منه عليه الصلاة والسلام أن يسأل الله أن يقبل توبتهم وأن يصلح أحوالهم ولهذا قال : وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ فطاعة الرسول إنما تكون بإذن الله . يعني الإذن الكوني القدري ، فمن أذن الله له وأراد هدايته اهتدى ، ومن لم يأذن الله في هدايته لم يهتد ، فالأمر بيده سبحانه ، ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ

(6/210)


أما الإذن الشرعي فقد أذن سبحانه لجميع الثقلين أن يهتدوا وأراد منهم ذلك شرعا وأمرهم به ، كما قال تعالى : يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ وقال سبحانه : يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ثم قال : وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ أي تائبين نادمين لا مجرد قول ، واستغفر لهم الرسول أي : دعا لهم بالمغفرة ، لوجدوا الله توابا رحيما فهو حث لهم أي للعباد على أن يأتوا للرسول صلى الله عليه وسلم ليعلنوا عنده توبتهم وليسأل الله لهم ؟ وليس المراد بعد وفاته صلى الله عليه وسلم كما يظنه بعض الجهال ، فالمجيء إليه بعد موته لهذا الغرض غير مشروع وإنما يؤتى للسلام عليه لمن كان في المدينة أو وصل إليها من خارجها لقصد الصلاة بالمسجد والقراءة فيه ونحو ذلك ، فإذا أتى المسجد سلم على الرسول صلى الله عليه وسلم وعلى صاحبيه ، لكن لا يشد الرحل من أجل زيارة القبر فقط ، بل من أجل المسجد وتكون الزيارة لقبره صلى الله عليه وسلم ، وقبر الصديق ، وعمر رضي الله عنهما تابعة لزيارة المسجد لقوله صلى الله عليه وسلم : لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى متفق على صحته ، فالقبور لا تشد إليها الرحال ، ولكن متى وصل إلى المسجد النبوي فإنه يشرع له أن يسلم عليه صلى الله عليه وسلم ، ويسلم على صاحبيه رضي الله عنهما ، لكن لا يشد الرحال من أجل الزيارة فقط للحديث المتقدم .

(6/211)


وأما ما يتعلق بالاستغفار : فهذا يكون في حياته لا بعد وفاته ، والدليل على هذا أن الصحابة لم يفعلوا ذلك ، وهم أعلم الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وأفقه الناس في دينه ، ولأنه عليه السلام لا يملك ذلك بعد وفاته ، عليه السلام ، كما قال صلى الله عليه وسلم : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له
وأما ما أخبر به عليه الصلاة والسلام أن من صلى عليه تعرض صلاته عليه فذلك شيء خاص يتعلق بالصلاة عليه ، ومن صلى عليه صلى الله عليه بها عشرا ، وقال عليه الصلاة والسلام : أكثروا علي من الصلاة يوم الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي قيل يا رسول الله كيف وقد أرمت أي بليت قال إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء فهذا حكم خاص بالصلاة عليه . وفي الحديث الآخر عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن لله ملائكة سياحين يبلغوني عن أمتي السلام فهذا شيء خاص للرسول صلى الله عليه وسلم ، وأنه يبلغ ذلك ،

(6/212)


وأما أن يأتي من ظلم نفسه ليتوب عند القبر ويستغفر عند القبر فهذا لا أصل له ، بل هو منكر ولا يجوز وهو وسيلة للشرك ، مثل أن يأتي فيسأله الشفاعة أو شفاء المريض أو النصر على الأعداء أو نحو ذلك ، أو يسأله أن يدعو له فهذا لا يجوز . لأن هذا ليس من خصائصه صلى الله عليه وسلم بعد وفاته ولا من خصائص غيره ، فكل من مات لا يدعى ولا يطلب منه الشفاعة لا النبي ولا غيره وإنما الشفاعة تطلب منه في حياته ، فيقال : يا رسول الله اشفع لي أن يغفر الله لي اشفع لي أن يشفي الله مريضي وأن يرد غائبي وأن يعطيني كذا وكذا ، وهكذا يوم القيامة بعد البعث والنشور ، فإن المؤمنين يأتون آدم ليشفع لهم إلى الله حتى يقضي بينهم فيعتذر ويحيلهم إلى نوح فيأتونه فيعتذر ثم يحيلهم نوح إلى إبراهيم فيعتذر فيحيلهم إبراهيم إلى موسى فيعتذر ثم يحيلهم موسى إلى عيسى فيعتذر عليهم جميعا الصلاة والسلام ثم يحيلهم عيسى إلى محمد صلى الله عليه وسلم فيأتونه فيقول عليه الصلاة والسلام أنا لها أنا لها فيتقدم ويسجد تحت العرش ويحمد ربه بمحامد عظيمة يفتحها الله عليه ثم يقال له ارفع رأسك وقل تسمع وسل تعط واشفع تشفع فيشفع صلى الله عليه وسلم في أهل الموقف حتى يقضى بينهم ، وهكذا يشفع في أهل الجنة حتى يدخلوا الجنة . لأنه صلى الله عليه وسلم موجود ، أما في البرزخ بعد وفاته صلى الله عليه وسلم فلا يسأل الشفاعة ولا يسأل شفاء المريض ولا رد الغائب ولا غير ذلك من الأمور ، وهكذا بقية الأموات لا يسألون شيئا من هذه الأمور ، بل يدعى لهم ويستغفر لهم إذا كانوا مسلمين ، وإنما تطلب هذه الأمور من الله سبحانه ، مثل أن يقول المسلم : اللهم شفع في نبيك عليه الصلاة والسلام ، اللهم اشف مريضي ، اللهم انصرني على عدوي ، ونحو ذلك . لأنه سبحانه يقول : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ ويقول عز وجل : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا

(6/213)


دَعَانِ الآية .
أما قوله تعالى : الآية فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ فهي عامة على ظاهرها ، فلا يجوز للمسلمين أن يخرجوا عن شريعة الله ، بل يجب عليهم أن يحكموا شرع الله في كل شيء ، فيما يتعلق بالعبادات ،
وفيما يتعلق بالمعاملات ، وفي جميع الشئون الدينية والدنيوية لكونها تعم الجميع ، ولأن الله سبحانه يقول : أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ويقول : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ فهذه الآيات عامة لجميع الشئون التي يتنازع فيها الناس ويختلفون فيها ، ولهذا قال سبحانه : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ يعني الناس من المسلمين وغيرهم حَتَّى يُحَكِّمُوكَ يعني محمدا صلى الله عليه وسلم ، وذلك بتحكيمه صلى الله عليه وسلم حال حياته وتحكيم سنته بعد وفاته ، فالتحكيم لسنته هو التحكيم لما أنزل من القرآن والسنة فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ أي فيما تنازعوا فيه ، هذا هو الواجب عليهم أن يحكموا القرآن الكريم ، والرسول صلى الله عليه وسلم ، في حياته وبعد وفاته باتباع سنته التي هي بيان القرآن الكريم وتفسير له ودلالة على معانيه ،

(6/214)


أما قوله سبحانه ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا فمعناه أنه يجب أن تنشرح صدورهم لحكمه ، وألا يبقى في صدروهم حرج مما قضى بحكمه عليه الصلاة والسلام . لأن حكمه هو الحق الذي لا ريب فيه وهو حكم الله عز وجل ، فالواجب التسليم له وانشراح الصدر بذلك وعدم الحرج ، بل عليهم أن يسلموا لذلك تسليما كاملا رضا بحكم الله واطمئنانا إليه ، هذا هو الواجب على جميع المسلمين فيما شجر بينهم من دعاوى وخصومات ، سواء كانت متعلقة بالعبادات أو بالأموال أو بالأنكحة أو الطلاق أو بغيرها من شئونهم .
وهذا الإيمان المنفي هو أصل الإيمان بالله ورسوله بالنسبة إلى تحكيم الشريعة والرضا بها والإيمان بأنها الحكم بين الناس ، فلا بد من هذا ، فقد زعم أنه يجوز الحكم بغيرها أو قال إنه يجوز أن يتحاكم الناس إلى الآباء أو إلى الأجداد أو إلى القوانين الوضيعة التي وضعها الرجال سواء كانت شرقية أو غربية - فمن زعم أن هذا يجوز فإن الإيمان منتف عنه ويكون بذلك كافرا كفرا أكبر ،
فمن رأى أن شرع الله لا يجب تحكيمه ولكن لو حكم كان أفضل ، أو رأى أن القانون أفضل ، أو رأى أن القانون يساوي حكم الله فهو مرتد عن الإسلام . وهي ثلاثة أنواع :
النوع الأول : أن يقول : إن الشرع أفضل ولكن لا مانع من تحكيم غير الشرع .
النوع الثاني : أن يقول : إن الشرع والقانون سواء ولا فرق .
النوع الثالث : أن يقول إن القانون أفضل وأولى من الشرع . وهذا أقبح الثلاثة ، وكلها كفر وردة عن الإسلام .

(6/215)


أما الذي يرى أن الواجب تحكيم شرع الله ، وأنه لا يجوز تحكيم القوانين ولا غيرها مما يخالف شرع الله ولكنه قد يحكم بغير ما أنزل الله لهوى في نفسه ضد المحكوم عليه ، أو لرشوة ، أو لأمور سياسية ، أو ما أشبه ذلك من الأسباب وهو يعلم أنه ظالم ومخطئ ومخالف للشرع - فهذا يكون ناقص الإيمان ، وقد انتفى في حقه كمال الإيمان الواجب ، وهو بذلك يكون كافرا كفرا أصغر وظالما ظلما أصغر وفاسقا فسقا أصغر ، كما صح معنى ذلك عن ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد وجماعة من السلف رحمهم الله ، وهو قول أهل السنة والجماعة خلافا للخوارج والمعتزلة ومن سلك سبيلهم .
والله المستعان .
معنى قوله تعالى : لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ
س : قال الله تعالى : لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ هل معنى هذا أن الله أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بكتاب الله ولا يجتهد رأيه فيما لم ينزل عليه كتاب ؟ وهل اجتهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟
ج : الله جل وعلا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بأن يحكم بين الناس بما أنزل الله عليه ، قال سبحانه : وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فكان يحكم بما أنزل الله ، فإذا لم يكن هناك نص عنده اجتهد عليه الصلاة والسلام وحكم بما عنده من الأدلة الشرعية كما قال في الحديث الصحيح : إنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بحق أخيه فإنما أقطع له قطعة من النار فليحملها أو يذرها متفق على صحته من حديث أم سلمة رضي الله عنها ، ومعنى هذا أنه قد يجتهد في الحكم حسب القواعد الشرعية . لأنه لم ينزل عليه فيه شيء ، فمن عرف أن الحكم ليس بمطابق وأن الشهود زور فقد أخذ قطعة من النار ، فليحذر ذلك وليتق الله في نفسه ، ولو كان الرسول هو الحاكم عليه .

(6/216)


لأن الحاكم ليس له إلا الظاهر من ثقة الشهود وعدالتهم ، أو يمين المدعى عليه ، فذا كان المدعي أحضر شهودا يعلم أنهم قد غلطوا ولو كانوا تقاة وأن الحق ليس له ، أو يعلم أنهم شهود زور ولكن القاضي اعتبرهم عدولا ؛ لأنهم عدلوا عنده وزكوا لديه ، فان هذا المال الذي يحكم به له أو القصاص كله باطل بالنسبة إليه لعلمه ببطلانه ، وهو قد تعدى حدود الله وظلم ، وإن حكم له القاضي . لأن القاضي ليس له إلا الظاهر ، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم : فمن قطعت له من حق أخيه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار والنبي صلى الله عليه وسلم يحكم بما أنزل الله فيما أوصاه الله إليه ، وما لم يكن فيه نص اجتهد فيه عليه الصلاة والسلام حتى تتأسى به الأمة ، وهو في ذلك كله يعتبر حاكما بما أنزل الله لكونه حكم بالقواعد الشرعية التي أمر الله أن يحكم بها ، ولهذا قال للزبير بن العوام رضي الله عنه لما ادعى على شخص في أرض : شاهداك أو يمينه فقال الزبير إذا يحلف يا رسول الله ولا يبالي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ليس لك إلا ذلك متفق عليه .
ولما بعث معاذا وفدا إلى اليمن قال له إن عرض لك قضاء فبم تحكم ؟ قال أحكم بكتاب الله قال فإن لم تجد قال فسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فإن لم تجد قال أجتهد رأي ولا آلو فضربه صلى الله عليه وسلم في صدره وقال الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله رواه الإمام أحمد وجماعة بإسناد حسن .
تفسير قوله تعالى : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا
س : الأخ : إبراهيم ع . ز . من بانياس الساحل في سوريا يقول في سؤاله : قال الله تعالى : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وهذا يعني أنه سبحانه ألزم نفسه بنفسه إطعام كل ما يدب على هذه الأرض من إنسان أو حيوان أو حشرات إلخ ، فبماذا نفسر المجاعة التي تجتاح بلدان قارة أفريقيا ؟ .

(6/217)


ج : الآية على ظاهرها ، وما يقدر الله سبحانه من الكوارث والمجاعات لا تضر إلا من تم أجله وانقطع رزقه ، أما من كان قد بقي له حياة أو رزق فإن الله يسوق له رزقه من طرق كثيرة قد يعلمها وقد لا يعلمها ، لقوله سبحانه : وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وقوله : وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا وَإِيَّاكُمْ وقول النبي صلى الله عليه وسلم : لا تموت نفس حتى تستكمل رزقها وأجلها
وقد يعاقب الإنسان بالفقر وحرمان الرزق لأسباب فعلها من كسل وتعطيل للأسباب التي يقدر عليها ، أو لفعله المعاصي التي نهاه الله عنها ، كما قال الله سبحانه : مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ الآية . وقال عز وجل : وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ الآية ، وصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : إن العبد ليحرم الرزق بالذنب يصيبه رواه الإمام أحمد والنسائي وابن ماجة بإسناد جيد .
وقد يبتلى العبد بالفقر والمرض وغيرهما من المصائب لاختبار شكره وصبره لقول الله سبحانه : وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ وقوله عز وجل : وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ والمراد بالحسنات في هذه الآية النعم وبالسيئات المصائب . وقول النبي صلى الله عليه وسلم عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير إن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له وإن أصابته سراء شكر فكان خيرا له وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن أخرجه الإمام مسلم في صحيحه ، والآيات والأحاديث في هذا المعنى كثيرة . وبالله التوفيق

(6/218)


أصحاب الكهف وأصحاب الصخرة
س : هذا سؤال من المستمعة ف . ر . أ من بورسودان أن تقول : ما هو القول الصحيح في عدد أهل الكهف ؟ وهل هم أصحاب الصخرة ؟ أم أنهم غيرهم ؟ فإن كان كذلك فمن هم إذن أصحاب الصخرة وما هي قصتهم؟
ج : أهل الكهف بينهم الله في كتابه العظيم ، والأقرب ما قاله جماعة من أهل العلم : أنهم سبعة وثامنهم كلبهم ، هذا هو الأقرب والأظهر ، وهم أناس مؤمنون ، فتية آمنوا بربهم وزادهم الله هدى ، فلما أيقظهم الله بعد أن ناموا المدة الطويلة ، توفاهم الله بعد ذلك على دينهم الحق ، هؤلاء هم أهل الكهف كما بينهم الله في كتابه الكريم ، فتية آمنوا بربهم فزادهم الله هدى وناموا النومة الطويلة بإذن الله ، ثم ماتوا بعد ذلك وبنى عليهم بعض أهل الغلبة هناك من الأمراء والرؤساء مسجدا ، وقد أخطئوا وغلطوا في ذلك . لأن القبور لا يجوز أن تبنى عليها المساجد ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، ولعن من فعله فقال : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وحذر من البناء على القبور وتجصيصها واتخاذ المساجد عليها ، كل هذا نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم ولعن من فعله ،

(6/219)


فلا يجوز للمسلمين أن يبنوا على القبور مساجد ، ولا قبابا ولا غير ذلك ، بل تكون القبور ضاحية مكشوفة غير مرفوعة ليس عليها بناء ، لا قبة ولا مسجد ولا غير ذلك ، هكذا كانت قبور المسلمين في عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، وفي عهد الخلفاء الراشدين حتى غير الناس بعد ذلك وبنوا على القبور ، وهذا من الجهل والغلط ومن وسائل الشرك ، قال النبي صلى الله عليه وسلم : لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد قالت عائشة رضي الله عنها يحذر ما صنعوا وقال عليه الصلاة والسلام لما أخبرته أم حبيبة وأم سلمة أن في أرض الحبشة عدة كنائس فيها تصاوير قال أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور ثم قال أولئك شرار الخلق عند الله متفق على صحته ، فأخبر أنهم شرار الخلق بسبب بنائهم على القبور واتخاذهم الصور عليها ، أسأل الله السلامة .
وقال عليه الصلاة والسلام فيما رواه عنه جندب بن عبد الله البجلي رضي الله عنه : إن الله قد اتخذني خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا ولو كنت متخذا من أمتي خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك أخرجه مسلم في صحيحه ، فنهى صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث العظيم عن اتخاذ القبور مساجد وحذر من هذا ، وبين أنه عمل من كان قبلنا من المغضوب عليهم والضالين وهو عمل مذموم ، وما ذاك إلا لأنه من وسائل الشرك والغلو في الأنبياء والصالحين ، فلا يجوز للمسلمين أن يتخذوا قبابا ولا مساجد على قبور أمواتهم ، بل هذا منكر ومن وسائل الشرك ،

(6/220)


وهكذا لا يجوز تجصيص القبور والبناء عليها والقعود عليها . لما ثبت في صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك ، كما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكتابة عليها أو إسراجها في أحاديث أخرى ، وكل ذلك من باب سد الذرائع المفضية إلى الشرك والغلو ، والله المستعان ولما في القعود عليها من الإهانة لأهلها .
أما أصحاب الصخرة فكما جاء في الحديث عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول انطلق ثلاثة رهط ممن كان قبلكم حتى أووا المبيت إلى غار فدخلوه فانحدرت صخرة من الجبل فسدت عليهم الغار فقالوا إنه لا ينجيكم من هذه الصخرة إلا أن تدعو الله بصالح أعمالكم فقال رجل منهم اللهم كان لي أبوان شيخان كبيران وكنت لا أغبق قبلهما أهلا ولا مالا فنأى بي في طلب شيء يوما فلم أرح عليهما حتى ناما فحلبت لهما غبوقهما فوجدتهما نائمين وكرهت أن أغبق قبلهما أهلا أو مالا فلبثت والقدح على يدي أنتظر استيقاظهما حتى برق الفجر فاستيقظا فشربا غبوقهما اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه من هذه الصخرة فانفرجت شيئا لا يستطيعون الخروج قال النبي صلى الله عليه وسلم وقال الآخر اللهم كانت لي بنت عم كانت أحب الناس إلي فأردتها عن نفسها فامتنعت مني حتى ألمت بها سنة من السنين فجاءتني فأعطيتها عشرين ومائة دينار على أن تخلي بيني وبين نفسها ففعلت حتى إذا قدرت عليها قالت لا أحل لك أن تفض الخاتم إلا بحقه فتحرجت من الوقوع عليها فانصرفت عنها وهي أحب الناس إلي وتركت الذهب الذي أعطيتها اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة غير أنهم لا يستطيعون الخروج منها قال النبي صلى الله عليه وسلم قال الثالث اللهم إني استأجرت أجراء فأعطيتهم أجرهم غير رجل واحد ترك الذي له وذهب فثمرت أجره حتى كثرت منه الأموال فجاءني بعد حين فقال يا عبد

(6/221)


الله أد إلي أجري فقلت له كل ما ترى من أجرك من الإبل والبقر والغنم والرقيق فقال يا عبد الله لا تستهزىء بي فقلت إني لا أستهزئ بك فأخذه كله فاستاقه فلم يترك منه شيئا اللهم فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فأفرج عنا ما نحن فيه فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون
في هذا الحديث موعظة وذكرى ودلالة على أن الله سبحانه على كل شيء قدير ، وأنه سبحانه يبتلي عباده في السراء والضراء والشدة والرخاء ليمتحن صبرهم وشكرهم ويبين آياته لعباده وقدرته العظيمة ، وهذا حديث صحيح ، رواه مسلم والبخاري في الصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وفيه عبرة وإرشاد إلى الضراعة إلى الله وإلى سؤاله عند الكرب والشدة ، وأنه سبحانه قريب مجيب يسمع دعاء الداعي ويجيب دعوته إذا شاء سبحانه وتعالى ، وفيه دلالة على أن الأعمال الصالحات من أسباب تيسير الأمور وإزالة الشدائد وتفريج الكروب ، وفيه دليل على أنه ينبغي للمؤمن إذا وقع في الشدة أن يضرع إلى الله ويفزع إليه ويسأله ويتوسل بأعماله الصالحة كإيمانه بالله ورسوله وتوحيده وإخلاص العبادة له ، وكبر الوالدين وأداء الأمانة والعفة عن الفواحش .
هذه وأمثالها هي الأسباب والوسائل الشرعية ، والله سبحانه من فضله وإحسانه يجيب دعوة المضطر ، ويرحم عبده المؤمن ويجيب سؤاله ، كما قال سبحانه : وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ وقال سبحانه : ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ وقال سبحانه : أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ

(6/222)


وهؤلاء الثلاثة مضطرون نزل بهم أمر عظيم وكربة شديدة فسألوا الله بصالح الأعمال ، فأجاب الله دعاءهم وفرج كربتهم . وفيه من الفوائد بيان فضل بر الوالدين وهو من أفضل القربات ومن أسباب تيسير الأمور ، وهكذا العفة عن الزنا ، والحذر منه من جملة الأعمال الصالحات ومن أسباب النجاة من كل سوء ، وهكذا أداء الأمانة والنصح فيها من أعظم الأسباب في تيسير الكروب ومن أفضل الأعمال الصالحات ، ولعظم فائدة هذا الحديث أخبر النبي أمته ليستفيدوا ويعتبروا ويتأسوا بمن قبلهم في الأعمال الصالحة .
والله المستعان .
ضمن أسئلة برنامج نور على الدرب بالإذاعة .
حول رغبة التقليل في مستويات حفظ القرآن الكريم
س : سماحة الشيخ الوالد عبد العزيز بن عبد الله بن باز حفظه الله السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد " نرفع لسماحتكم موضوعنا في رغبتنا في التقليل من مستويات حفظ القرآن الكريم بجامعة أم القرى ، ليس كراهية لحفظ القرآن الكريم إنما هذا يرجع إلى سببين :
أولا : لما روي عن أبي موسى رضي الله عنه أن النبي قال : تعاهدوا هذا القرآن فوالذي نفس محمد بيده لهو أشد تفلتا من الإبل في عقلها متفق عليه ، فكلما زاد المحفوظ فإن ظروف الحياة قد تؤدي إلى مراجعة البعض وذهاب الباقي نهبا للنسيان ، والمؤمن حريص على وقاية نفسه من ذاك العذاب الذي قد توعد به رب العالمين من يحفظ آياته ثم ينساها .
ثانيا : قد تكالبت على الإنسان في هذه الحياة الهموم وزادت أعباء الحياة وأن حفظ القرآن بحاجة إلى صفاء في الذهن قد لا تيسرها هذه الأعباء والهموم .
لذا نرجو من سماحتكم أن تقفوا بجانب أبنائكم طلاب الجامعة لتحقيق رغبتهم في تقليل المستويات من حفظ القرآن ، كأن يكتفي بجزأين من القرآن واستبدال الساعتين الأخيرتين بمادة أصول الفقه أو السيرة النبوية ، وجزاكم الله عنا خيرا ونسأله تعالى أن يحفظكم ويمد في عمركم
مقدمه / ع . ع . ا . م

(6/223)


ج : وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته :
بعده :
نشكر لكم غيرتكم الطيبة على كتاب الله ، ولكن لا نرى الموافقة على ما ذكرتم ، ونرجو أن يكون فيما تراه الجامعة الكفاية والبركة إن شاء الله وحسن العاقبة ، أما الوعيد الذي أشرتم إليه فليس المقصود منه نسيان الآيات من جهة الذاكرة ، وإنما المقصود نسيان العمل وتركه ، أما النسيان للمحفوظ من جهة التفلت وعدم الذكر فلا أحد يسلم من ذلك حتى النبي ، فقد قال في بعض الأحاديث : رحم الله فلانا لقد أذكرني آية كذا كنت أنسيتها وقال عليه الصلاة والسلام : إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون وقد نسي في الصلاة عدة مرات . وفق الله الجميع لما يرضيه .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
الرئيس العام
لإدارات البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد
هل الدعوة والصدقة ترد القضاء والقدر
من عبد العزيز بن عبد الله بن باز إلى حضرة الابن المكرم صاحب السمو الملكي الأمير المكرم / عبد العزيز بن فهد بن عبد العزيز وفقه الله لكل خير آمين .
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته :
فقد وصلني كتابكم الكريم المؤرخ في 24 / 8 / 1411هـ وصلكم الله وما تضمنه من الأسئلة كان معلوما . وهذا نصها وجوابها :
س ا : هل الدعاء والصدقة ترد القضاء والقدر؟
جـ ا : قدر الله عز وجل ماض في عباده كما قال الله سبحانه : مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ وقال عز وجل : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ وقال سبحانه : إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ

(6/224)