صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : سلسلة لقاءات الباب المفتوح
هي عبارة عن سلسلة لقاءات كان يعقدها فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين - طيب الله ثراه - بمنزله كل خميس.
ابتدأ الشيخ هذه اللقاءات في أواخر شوال تقريباً في العام (1412هـ)
وانتهت هذه السلسلة في الخميس الرابع عشر من شهر صفر، عام (1421هـ).
قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية.

تفسير قوله تعالى: (وليال عشر):
________________________________________
قوله تعالى: وَلَيَالٍ عَشْرٍ [الفجر:2] قيل: المراد بالليالي العشر: عشر ذي الحجة، وأطلق على الأيام ليالي؛ لأن اللغة العربية واسعة، قد تطلق الليالي ويراد بها الأيام، والأيام ويراد بها الليالي، وقيل: المراد بالليالي العشر، ليالي العشر الأخيرة من رمضان. أما على القول الأول الذين يقولون: المراد بالليالي العشر عشر ذي الحجة؛ فلأن عشر ذي الحجة أيام فاضلة، قال فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء). وأما الذين قالوا: إن المراد بالليالي العشر هي ليالي عشر رمضان الأخيرة، فقالوا: إن الأصل في الليالي أنها الليالي وليست الأيام. وقالوا: إن ليالي العشر الأخيرة من رمضان فيها ليلة القدر التي قال الله عنها إنها خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ [القدر:3] وقال إنها: مُبَارَكَةٍ [الدخان:3] وقال: فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ [الدخان:4] وهذا القول أرجح من القول الأول، وإن كان القول الأول هو قول الجمهور، لكن اللفظ لا يسعف قول الجمهور، وإنما يرجح القول الثاني، وهو أن الليالي هي العشر الأواخر من رمضان، وأقسم الله بها لشرفها؛ ولأن فيها ليلة القدر؛ ولأن المسلمين يختمون بها شهر رمضان الذي هو وقت فريضة من فرائض وأركان الإسلام، فلذلك أقسم الله بهذه الليالي.

(62/4)


تفسير قوله تعالى: (والشفع والوتر):
________________________________________
وأما قوله: وَالشَّفْعِ وَالْوَتْرِ [الفجر:3] فقيل: إن المراد به كل الخلق إما شفع وإما وتر، والله عز وجل يقول: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [الذاريات:49] والعبادات إما شفع وإما وتر، فيكون المراد بالشفع والوتر كل ما كان مخلوقاً من شفع ووتر، كل ما كان مشروعاً من شفع ووتر. وقيل: المراد بالشفع: الخلق كلهم؛ والمراد بالوتر: الله عز وجل. واعلم أن قوله: (والوتر) فيه قراءتان صحيحتان وهما: (والوِتر والوَتر) يعني: لو قلت: (والشفع والوِتر) صح، ولو قلت: (والشفع والوَتر) صح أيضاً، فقالوا: إن الشبه والخلق؛ لأن المخلوقات كلها مكونة من شيئين، قال تعالى: وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ [الذاريات:49] (والوَتر أو الوِتر) هو الله، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله وتر يحب الوتر) وإذا كانت الآية تحتمل معنيين ولا منافاة بينهما فلتكن لكل المعاني التي تحتملها الآية، هذه القاعدة في علم التفسير، أن الآية إذا كانت تحتمل معنيين وأحدهما لا ينافي الآخر فهي محمولة على المعنيين جميعاً.

(62/5)


تفسير قوله تعالى: (والليل إذا يسر):
________________________________________
قال تعالى: وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ [الفجر:4] أقسم الله أيضاً بالليل إذا يسر، والسري هو: السير في الليل، والليل يسير، يبدأ من المغرب وينتهي بطلوع الفجر، فهو يمشي زمناً ولا يتوقف، فهو دائماً في سريان، فأقسم الله به لما في ساعاته من العبادات، كصلاة المغرب والعشاء، وقيام الليل، والوتر، وغير ذلك؛ ولأن في الليل مناسبة عظيمة وهي أن الله عز وجل ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر؛ فيقول: (من يسألني فأعطيه، من يدعوني فأستجيب له، من يستغفرني فأغفر له) ولهذا نقول: إن الثلث الآخر من الليل: إنه وقت إجابة، فينبغي أن ينتهز الإنسان هذه الفرصة فيقوم لله عز وجل يتهجد، ويدعو الله سبحانه وتعالى بما شاء من خير الدنيا والآخرة، لعله يوافق ساعة إجابة ينتفع بها في دنياه وأخراه.

(62/6)


وقت سنة الفجر:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ: هل ركعتي الفجر مثل صلاة الفجر في اشتراط دخول الوقت أم لا؟
________________________________________
الجواب: سنة الفجر لا تكون إلا بعد طلوع الفجر، وسنة الظهر الأولى أيضاً لا تكون إلا بعد أذان الظهر.

(62/7)


تسوية الصفوف في الصلاة:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ هل المراد بقول الإمام: (استووا واعتدلوا) يعني: استقامة الصف واعتداله، أم أنه متضمن لسد الفرجات وإلصاق القدم بالقدم والمنكب بالمنكب؟ وما صحة الحديث الذي ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لتسون بين صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) هذه المسألة أصبحت بين تفريط وإفراط، فنرجو التوضيح والله يحفظكم؟
________________________________________
الجواب: أولاً: يجب أن نعلم أن على الإمام مسئولية وهي تسوية الصفوف، بأمر الناس بذلك، وإذا لم يمتثلوا تقدم هو بنفسه إلى من تأخر عن الصف أو تقدم ليعدله؛ لأن نبينا وإمامنا وقدوتنا محمداً رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، كان يسوي الصفوف كأنما يسوي بها القداح، وكان يمر بالصف يمسح المناكب والصدور، ويأمرهم بالاستواء، ولا أدري هل الناس يعملونها اليوم أم لا؟ بل إن رأى الناس إماماً يفعل هذا ربما صرخوا به، ولكن سنة النبي صلى الله عليه وسلم أحق أن تتبع، والمهم أن على الإمام أن يعتني بتسوية الصفوف، فيلتفت يميناً ويستقبل الناس بوجهه، ويلتفت يساراً ويقول: استووا، سووا صفوفكم، لا تختلفوا فتختلف قلوبكم، تراصوا، سدوا الخلل، كل هذه الكلمات وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم. وقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً من الأيام بعد أن عقل الناس عنه تسوية الصفوف، وصاروا يسوونها، فرأى رجلاً بادياً صدره - متقدماً بعض الشيء- فقال: (عباد الله! لتسوون صفوفكم أو ليخالفن الله بين وجوهكم) وهو حديث صحيح، وفيه وعيد. ومخالفة الله بين الوجوه قيل فيها معنيان: المعنى الأول: إما أن الله يدير وجه الإنسان فيكون وجهه إلى كتفه -والعياذ بالله. المعنى الثاني: أن المراد ليخالفن الله بين وجهات نظركم فتفترق القلوب وتختلف، لقوله: (لا تختلفوا فتختلف قلوبكم) وأياً كان الأمر سواءً لي الرقبة حتى يكون الوجه إلى جانب البدن، أو أن المراد اختلاف القلوب، كلها وعيد شديد، وهذا يدل على أنه يجب على الإمام أن يعتني بتسوية الصف، لكن لو التفت ووجد الصف مستقيماً بالتراص والتساوي في المكان هل يقول: استووا أم لا يقول؟ الظاهر لي أنه لا يقولها، يعني: مثلاً لو كان وراءه رجلان فقط والتفت وإذا بهما متساويان متراصان وعلى الوجه المطلوب فلا حاجة إلى أن يقول: استووا؛ لأن هذه الكلمة لها معناها، وليست كلمة عابرة، فالإمام إذا قال: استووا ورآهم لم يستووا يجب أن يعيد القول وألا يكبر إلا وقد استوت الصفوف. ألم تعلموا أن أمير المؤمنين عمر رضي الله عنه وكذلك عثمان لما كثر الناس جعل وكيلاً يمر بالصفوف يسويها، حتى إذا جاء وقال: إنها استوت كبر. كل هذا يدل على عناية الشرع بتسوية الصف، فإلصاق القدم بالقدم والمنكب بالمنكب لأمرين: الأمر الأول: التسوية. الأمر الثاني: سد الفرج والخلل؛ لأنك إذا فتحت بينك وبين الذي بجوارك فرجة جاءت الشياطين ودخلت من هذه الفرج ولبست على الناس صلاتهم.

(62/8)


التفصيل في الإنكار على الولاة علناً:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! هناك من يقول: إن الإنكار على الولاة علناً من منهج السلف ، ويستشهد بحديث أبي سعيد الخدري في إنكاره على مروان بن الحكم حينما قدم الخطبة على الصلاة، وبقوله صلى الله عليه وسلم: (ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم) وبحديث (سيد الشهداء رجل قام إلى إمام جائر فأمره ونهاه فقتله) فهل هذا كلام صحيح؟ وكيف الجمع بين هذه الآثار الصحيحة وبين قوله عليه الصلاة والسلام: (من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية) نرجو التفصيل في هذه المسألة، حيث أن كثير من شباب الصحوة يجهل الحكم الصحيح في هذه المسألة، وبخاصة أن هناك من الدعاة من يقول: إن الإنكار على الولاة علناً من منهج السلف ، مما يجعل الشباب يثور ويظن أن عدم الإنكار علناً دليل المداهنة في الدين وغير ذلك، ولما لهذه المسألة من خطورة، نرجو التفصيل وجزاكم الله خيراً؟
________________________________________
الجواب: هذا السؤال مهم، وجوابه أهم منه في الواقع، ولا شك أن إنكار المنكر واجب على كل قادر عليه، لقول الله تبارك وتعالى: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ [آل عمران:104-105] واللام في قوله: (ولتكن) لام الأمر، وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يدي السفيه، ولتأطرنه على الحق أطراً أو ليضربن الله قلوب بعضكم على بعض، ثم يلعنكم كما لعنهم) أي: كما لعن بني إسرائيل الذين قال الله عنهم: لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ [المائدة:78-79]. ولكن يجب أن نعلم أن الأوامر الشرعية في مثل هذه الأمور لها مجال، ولا بد من استعمال الحكمة، فإذا رأينا أن الإنكار علناً يزول به المنكر ويحصل به الخير فلننكر علناً، وإذا رأينا أن الإنكار علناً لا يزول به الشر، ولا يحصل به الخير بل يزداد ضغط الولاة على المنكرين وأهل الخير، فإن الخير أن ننكر سراً، وبهذا تجتمع الأدلة، فتكون الأدلة الدالة على أن الإنكار يكون علناً فيما إذا كنا نتوقع فيه المصلحة، وهي حصول الخير وزوال الشر، والنصوص الدالة على أن الإنكار يكون سراً فيما إذا كان إعلان الإنكار يزداد به الشر ولا يحصل به الخير. وأقول لكم: إنه لم يضل من ضل من هذه الأمة إلا بسبب أنهم يأخذون بجانب من النصوص ويدعون جانباً، سواء كان في العقيدة أو في معاملة الحكام أو في معاملة الناس، أو في غير ذلك، ونحن نضرب لكم أمثالاً حتى يتضح الأمر للحاضرين وللسامعين: مثلاً: الخوارج والمعتزلة رأوا النصوص التي فيها الوعيد على بعض الذنوب الكبيرة فأخذوا بهذه النصوص، ونسوا نصوص الوعد التي تفتح باب الرجاء، -فمثلاً- قالوا: إذا قتل الإنسان مؤمناً عمداً فإنه يكون كافراً -على رأي الخوارج -مباح الدم مخلداً في النار، وعلى رأي المعتزلة يقولون: إذا قتله خرج من الإسلام لكن لا يدخل في الكفر؛ لأننا لا نستطيع أن نجزم بأنه كافر، فنقول: خرج من الإسلام وكان في منزله بين الإسلام وبين الكفر، ولكنه مخلد في النار، ثم أهملوا آيات الوعد وأحاديث الوعد الدالة على أن الله سبحانه وتعالى يخرج من النار من كان في قلبه أدنى مثقال حبة خردل من الإيمان. ثم قابلهم آخرون وقالوا: الإنسان مهما عمل من المعاصي التي دون الكفر فإنه مؤمن كامل الإيمان ولا يدخل النار أبداً، وقالوا: إن قوله تعالى: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ... [النساء:93] هذه في الكافر إذا قتل مؤمناً، الآن لماذا ضل هؤلاء وهؤلاء؟ لأنهم أخذوا بجانب واحد من النصوص. كذلك -مثلاً- في صفات الله عز وجل تجد أن بعض الناس قال: إن الله عز وجل لا يمكن أن يجيء بنفسه، ولا يمكن أن ينزل إلى السماء الدنيا، وليس له وجه، وليس له يدان، لماذا؟ قالوا: لأن الله قال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11] قالوا: وأنت إذا أثبت هذه الأمور مثَّلت الله. وقابلهم أناس آخرون فقالوا: إن الله تعالى أثبت لنفسه وجهاً، وأثبت له يدين، وأثبت أنه ينزل، وأنه يجيء، فوجهه كوجوهنا، ويده كأيدينا، ونزوله كنزولنا، ومجيئه كمجيئنا؛ لأننا لا نعقل من المجيء واليد والوجه إلا ما نشاهد، والله خاطبنا بما يمكن إدراكه، فيكون مجيء الله ووجه الله ويد الله ونزول الله مثل ما يثبت لنا. إذاً: هؤلاء في طرف وهؤلاء في طرف، وكلهم ضالون؛ لأن كل واحد أخذ بجانب، فنحن نقول: إن الله تعالى له وجه وله يدان ويجيء وينزل لكن ليس كأيدينا وكوجوهنا وحاشاه من ذلك عز وجل؛ لأنه لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [الشورى:11]. كذلك أيضاً في مسألة مناصحة الولاة، من الناس من يريد أن يأخذ بجانب من النصوص وهو إعلان النكير على ولاة الأمور، مهما تمخض عنه من المفاسد، ومنهم من يقول: لا يمكن أن نعلن مطلقاً، والواجب أن نناصح ولاة الأمور سراً كما جاء في النص الذي ذكره السائل، ونحن نقول: النصوص لا يكذب بعضها بعضاً، ولا يصادم بعضها بعضاً، فيكون الإنكار معلناً عند المصلحة، والمصلحة هي أن يزول الشر ويحل الخير، ويكون سراً إذا كان إعلان الإنكار لا يخدم المصلحة، لا يزول به الشر ولا يحل به الخير. وأنتم تعلمون -بارك الله فيكم- أن ولاة الأمور لا يمكن أن يرضوا جميع الناس أبداً، حتى إمام المسجد، هل يرضي جميع المصلين؟ لا. بعضهم يقول: تبكر! وبعضهم يقول: تطول! وبعضهم يقول: تقصر! وفي الشتاء يتنازعون والذي يصلي في الشمس والذي يصلي في الظلال لا يحصل الاتفاق، فإذا أعلن
النكير على ولاة الأمور استغله من يكره (وجعل من الحبة قبة) وثارت الفتنة، وما ضر الناس إلا مثل هذا الأمر! الخوارج كانوا مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه على جيش الشام، وعندما تصالح علي مع جيش الشام حقناً لدماء المسلمين صاروا ضده، وقالوا: أنت كافر. كفروا علي بن أبي طالب -والعياذ بالله- لماذا؟ لأن رعاع الناس وغوغاء الناس لا يمكن ضبطهم أبداً، وإعلان النكير على ولاة الأمور يستغله هؤلاء الغوغاء ليصلوا إلى مآربهم، وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الشيطان يئس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب ، ولكنه رضي بالتحريش بينهم) بين من؟ بين سكان الجزيرة، يحرش بينهم حتى تؤدي المسائل إلى القتل ويلاقي الإنسان أخاه في الإسلام وربما أخاه في النسب أو ابن عمه أو صهره فيقتله على أي شيء؟ ولا على شيء. فالحاصل أننا نقول: يجب على شباب الصحوة أن ينظروا إلى النصوص من جميع الجوانب، وألا يقدموا على شيء حتى ينظروا ما عاقبته، إذا كان النبي عليه الصلاة والسلام يقول: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) فاجعل هذا ميزاناً لك في كل أقوالك، وكذلك في كل أفعالك، والله الموفق.

(62/9)


ألفاظ محظورة في حق الله والرسول:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ اشتهر في الفترة الأخيرة بين الشباب لغز أو ما يسمونه باللغز وهو: ما هو الشيء الذي لم يره الرسول صلى الله عليه وسلم، وما هو الشيء الذي لم يره الله سبحانه وتعالى ولم يسمع به؟ ويقصدون بالذي لم يره الرسول صلى الله عليه وسلم رسولٌ مثله، والذي لم يره الله سبحانه وتعالى ولم يسمع به: الشبيه والمثيل والنظير، وتعلمون أن هذا سوء أدب مع الله سبحانه وتعالى، فما حكم ذلك؟ أفيدونا وفقكم الله.
________________________________________
الجواب: أما كون الرسول صلى الله عليه وسلم لم ير الشيء أو لم يسمع به فهذا حاصل لكل بشر، والنبي صلى الله عليه وسلم بشر، يدخل بيته والبرمة على النار فلا يدري ما الذي فيها وهو بيته، والبرمة: مثل القدر، فإنه دخل ذات يوم على أهله فدعا بطعام، وكان قد رأى البرمة على النار وفيها لحم تصدق به على بريرة ، وهي عتيقة لعائشة رضي الله عنها عندها، وقد علموا أن الرسول صلى الله عليه وسلم لا يأكل الصدقة، فقالوا: (لحم تصدق به على بريرة ، فقال: هو عليها صدقة ولنا هدية) أنا أضرب هذا مثلاً للدلالة لكون الرسول صلى الله عليه وسلم لا يعلم الغيب. وكان معه أبو هريرة ذات يوم فانخنس منه وذهب يغتسل، ثم رجع فقال له: (أين كنت؟ قال: كنت جنباً فكرهت أن أكون معك على غير طهارة. قال: سبحان الله! إن المؤمن لا ينجس) فانظر: تغيب عنه أبو هريرة وهو لا يعلم، فالرسول قد لا يسمع بالشيء، وقد لا يرى الشيء، لكن قولنا: في جانب الله عز وجل لم يسمع به الله ولم يره فهذا سوء أدب عظيم مع الله، ويخشى على من ألقى هذا السؤال فضل به من يضل من الناس أن يبوء بالإثم والعياذ بالله. وجانب الرب عز وجل يجب أن يعظم ويهاب، يجب ألا تتكلم في جانب الله عز وجل بما يوهم نقصاً لا من قريب ولا من بعيد؛ لأن الله تعالى قال: لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [النحل:60] كل وصف كمال فأعلاه لله عز وجل، كيف تقول: إن الله لم يسمع به ولم يره؟ فالحذر الحذر من مثل هذه التعبيرات، والحذر الحذر من الكلام في جانب الرب عز وجل إلا بما جاء في الكتاب والسنة. يجب أن نتأدب كما تأدب الصحابة رضي الله عنهم، كانت الآيات تنزل في صفات الله وكان الرسول صلى الله عليه وسلم يتكلم في صفات الله، لا يوردون أسئلة ولا إشكالات، يأخذونها بالرضا والتسليم والقبول، ويعلمون أن الله تعالى فوق ما يتصوره الإنسان: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى:11].

(62/12)


رفع الصوت بالذكر دبر الصلاة:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ حفظك الله: جاءت السنة بمشروعية رفع الذكر بعد الصلاة، فهل المقصود هو الذكر المباشر لانقضاء الصلاة، مثل: (اللهم أنت السلام) ونحوه أو أنه يعم جميع الذكر من التسبيح والتهليل والتكبير؟
________________________________________
الجواب: يعم الجميع، يعم كل ذكر مشروع بعد الصلاة: الاستغفار، وقول: (اللهم أنت السلام) والتسبيح، والتهليل، وقد ألف -أظنه الشيخ/ سليمان بن سحمان رحمه الله- رسالة وقال: من فرق بين التهليل والتسبيح فقد ابتدع، وأنه لا فرق بين هذا وهذا، وهذا هو الصحيح، لكن إذا كان هناك شخص يصلي إلى جانبك وقد فاته شيء من الصلاة وخفت إذا رفعت صوتك أن تشوش عليه فلا ترفع صوتك؛ لأن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم خرج على الصحابة وهم يصلون ويجهرون بالقراءة ويشوش بعضهم على بعض فنهاهم أن يرفع الرجل صوته فيشوش على أخيه. وأما إذا لم يكن هناك تشويش فالمشروع هو رفع الصوت. السائل: ألا يحصل تشويش إذا رفعوا أصواتهم؟ الشيخ: إذا كانوا كلهم ما فاتهم شيء من الصلاة وكانوا يذكرون الله جميعاً لا يحصل تشويش أبداً، كما أنهم يقرءون القرآن قبل الصلاة، كلهم يرفع صوته فلا يحصل تشويش. السائل: والإمام عندما يرفع صوته؟ الشيخ: نقول: إذا رفع صوته وهم يسمعون ليرفعوا أصواتهم مثله، وسبب التشويش أن بعض الناس يكره هذا بقلبه تعرف أن القلب إذا اشتغل يتشوش، لكن لو كانوا مطمئنين بهذا وقد قبلته نفوسهم قبولاً تاماً لم يحصل تشويش إطلاقاً. السائل: لكن السنة أن يجهر به! الشيخ: السنة أن يجهر،ولكن إذا كان إماماً فينبغي أن يبلغ المأمومين قبل ذلك، ويقول: يا إخوان! السنة هي الجهر.

(62/13)


إنكار المنكرات الشائعة:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! من الذي يقرر أن ينكر علني لمنكرات معروفة في المجتمع هم العلماء أم هم الدعاة؟
________________________________________
الجواب: مسألة التقرير وهو أن يتكلم عن الإنكار على الولاة وليس على المنكرات الشائعة، أي: -مثلاً- عندنا الآن منكرات شائعة مثل الربا والميسر، والتأمينات الآن الموجودة عندنا أكثرها من الميسر، والغريب أن الناس أخذوها بالقبول، ولا تكاد تجد أحداً ينكرها مع أن الله قرنها بالخمر والأنصاب والأزلام، ولكن الناس -سبحان الله- لا تجد أحداً ينكرها، تؤمن على سيارتك أو على بيتك، تسلم دراهم ولا تدري هل تخسر أكثر أم أقل، وهذا هو الميسر. فأقول: أما المنكرات الشائعة فأنكرها، لكن كلامنا على الإنكار على الحاكم مثل أن يقوم الإنسان -مثلاً- في المسجد ويقول: الدولة ظلمت..الدولة فعلت، فيتكلم في نفس الحكام، وهناك فرق بين أن يكون الأمير أو الحاكم الذي تريد أن تتكلم عليه بين يديك وبين أن يكون غائباً؛ لأن جميع الإنكارات الواردة عن السلف إنكارات حاصلة بين يدي الأمير أو الحاكم. وهناك فرق بين كون الأمير حاضراً أو غائباً. الفرق أنه إذا كان حاضراً أمكنه أن يدافع عن نفسه، ويبين وجهة نظره، وقد يكون مصيباً ونحن مخطئون، لكن إذا كان غائباً وبدأنا نحن نفصل الثوب عليه على ما نريد هذا هو الذي فيه الخطورة، والذي ورد عن السلف كله في مقابلة الأمير أو الحاكم، ومعلوم أن الإنسان لو وقف يتكلم في شخص من الناس وليس من ولاة الأمور وذكره في غيبته، فسوف يقال: هذه غيبة، إذا كان فيك خير فصارحه وقابله. السائل: بعض الناس يستغل المنكرات الشائعة فينكرها بطريقة يربط بينها وبين كأن لولاة الأمر دخلاً في هذا، بحيث يفيد السامع أن ولاة الأمر هم السبب في هذا، فهذا أيضاً ولو أنه منكر شائع ويحذر من استغلاله ضد هذا الأمر؟ الشيخ: لا. ليس هكذا، أنا أريد مثلاً أن أقول للناس: اجتنبوا الربا، ويأتي ويقول: هذه بيوت الربا معلنة ورافعة البناء ، فلا يقول هكذا، يعني: هذا إنكار ظني على الولاة ، لكن يقول : تجنبوا الربا والربا محرم وإن كثر بين الناس ، الميسر حرام وإن أقر وما أشبه ذلك.

(62/14)


الحيلة على المحرم تجعله أشد تحريماً:
________________________________________
السؤال: رجل قال له أحد معارفه: أريد أن أبيعك هذه المزرعة ثم تبيعها على ابني الأكبر حتى يستقدم عمالاً، فلما فعل هذا الوسيط تبين له أن هذا القريب أراد أن يهب هذه المزرعة دون أبنائه الآخرين، أي: احتال عليه، فماذا على هذا الرجل الوسيط علماً بأن لديه مصلحة عند هذا الرجل؟
________________________________________
الجواب: لا يجوز للإنسان إذا علم أن شخصاً ما يتوصل بمعاملته إلى محرم أن يعامله؛ لأنه إذا عامله صار من باب التعاون على الإثم والعدوان، وقد نهى الله عنه، لكن لماذا لا يكون عند هذا الرجل الشجاعة فيبيعها على ابنه مباشرة دون واسطة، وهو إذا باع على ابنه بالثمن الموافق للسوق؛ فإن ذلك لا بأس به وإن كان دون أبنائه، مثلاً: لو أن إنساناً عنده سيارة وله أبناء متعددون وأراد أن يبيع السيارة بثمنها الذي هو ثمنها في السوق على أحد الأبناء فلا بأس به. وأما البيع الصوري فلا يجوز؛ لأن الحيلة على المحرم تجعل المحرم أخبث. أما الوسيط فعليه أن يتوب إلى الله عز وجل، وأن ينصح الرجل الذي طلب منه أن يكون وسيطاً ويخوفه من الله عز وجل.

(62/15)


الإعذار من الكفر إذا كان متأولاً:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! هناك من يقول بأن قول الله عز وجل: إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء:48] على أن هناك شركاً يغفره الله، ومثلوا لذلك بما في الصحيحين من حديث الرجل الذي قال لأبنائه: (إذا أنا مت فحرقوني ثم اسحقوني، ثم ذروا نصفي في البحر ونصفي في البر، فوالله لئن قدر الله عليَّ ليعذبني). فقالوا: إن هذا كافر مشرك وغفر الله له باجتهاده، فما تعليقكم جزاكم الله خيراً؟
________________________________________
الجواب: نقول بارك الله فيك: إن الإنسان إذا فعل الشيء بتأويل وهو مؤمن بمضمون ما فعل فإنه لا يكفر، فهذا الرجل لو نظرنا إلى ظاهر عمله لقلنا: هذا الرجل شاك في قدرة الله، فليس هناك إشراك إنما فيه تنقص لله، ظن أنهم إذا فعلوا به هكذا لم يقدر الله عليه، فهو شك في القدرة ولم ينكرها صراحة، لكن ظن أن الله لا يقدر عليه. لماذا فعل هذا؟ خوفاً من الله، إذاً هو مؤمن بالله، لكن تأول فأخطأ، والله عز وجل يغفر الخطأ لمن تأول، كل إنسان يفعل الشيء بتأويل، فإن الله تعالى يغفر له ولا يؤاخذه به؛ لأنه لو آخذه بشيء فعله متأولاً لكان هذا من تحميل النفوس ما لا تستطيع، والله تعالى قد نفى ذلك، فقال: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] ألم تر أن الصحابة لما قال لهم الرسول صلى الله عليه وسلم: (لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة ) بعد غزوة الأحزاب، وخرجوا فأدركتهم الصلاة، فبعضهم صلى في الطريق، وبعضهم لم يصل إلا بعد المغرب في بني قريظة، هؤلاء أخروا الصلاة عن وقتها، لكنهم متأولون، ولذلك لم يعنفهم الرسول عليه الصلاة والسلام. وعمار بن ياسر أصابته جنابة وهو في السفر، وجعل يتمرغ في الصعيد كما تتمرغ الدابة، يظن أن هذا هو الواجب فيمن كانت عليه جنابة وليس عنده ماء، وعلمه الرسول، فالمهم أن هذا الرجل كان متأولاً. وهذا أحد الأدلة التي استدل بها شيخ الإسلام رحمه الله على أن الإنسان يعذر بالكفر إذا كان جاهلاً أو متأولاً.

(62/16)


حكم الامتناع عن الإنجاب خوفاً من إصابة الأولاد بالمرض:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! غفر الله لك رجل تزوج وأنجب عدة أطفال، ثم تبين له أن أحد أقارب زوجته فيه برص، هل يجوز له أن يتوقف عن الإنجاب خشية من هذا المرض، علماً بأن أطفاله كلهم سالمون؟
________________________________________
الجواب: هذا من جهله، لو أراد أن يتوقف عن الإنجاب؛ لأن بعض أقارب الزوجة فيهم برص كان هذا لا شك من سفهه ومن سوء ظنه بالله عز وجل؛ لأننا نشاهد أناساً فيهم هذا المرض ولهم أولاد في سلامة منه، ونشاهد أناساً لا نعلم أن فيهم برص ولهم أولاد أصيبوا بهذا، فلا ينبغي للإنسان أن يتشاءم، بل يعتمد ويتوكل على الله ولينجب، وبهذه المناسبة أود أن أبين لكم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يحب أن تكثر الأمة؛ ولذلك قال: (تزوجوا الودود الولود) وقال: (إن الله ما بعث نبياً إلا آتاه من الآيات ما يؤمن على مثله البشر، وإنما الذي أوتيته وحيٌ أوحاه الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة) انظر كيف يتمنى الرسول صلى الله عليه وسلم لكثرة الأمة، ونحن مع الأسف نقول: وقف النسل، نظم النسل! فأنا أقول: أكثر النسل والله تعالى يتولى رزقهم، كما قال تعالى: نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ [الأنعام:151] فقل لهذا الأخ: استمر في الإنجاب ولا تتوقف، ولن يرى بأساً إن شاء الله.

(62/17)


السلام على المسلم الذي لا يرد السلام:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! أثابكم الله ما قولكم في رجل تسلم عليه ولا يرد عليك السلام، وبعد مناصحته لم ينته، فهل تسلم عليه؟
________________________________________
الجواب: أقول: سلم عليه وإن لم يرد عليك؛ لأن الإنسان مأمور بأن يسلم على أخيه المسلم، وإذا سلمت حصلت الأجر وباء هو بالإثم، ويدل لهذا أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (يا رسول الله! إن لي قرابة أصلهم ويقطعونني، وأحسن إليهم ويسيئون إليَّ، وأحلم عنهم ويجهلون عليَّ، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل) أي: استمر كأنما تسفهم المل، والمل هو: الرماد الحار، أو هو التراب الحار، فأمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يقوم بصلة الرحم وإن كانوا هم يقطعونها، فكذلك أنت سلم وإن كان هو لا يرد، وربما مع التكرار يخجل ويراجع نفسه ويقول : لماذا لا أرد عليه السلام؟! السائل: وإذا كان يظن أن هذا من الدين؟ الجواب: إذا كان يهجرك ويظن أن هذا دين فأنت قلت: إنك تنصحه ولكنه لم ينته.

(62/18)


التكرار في سجود التلاوة:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! أحسن الله إليك سجود التلاوة، هل كلما قرأ القرآن وكلما مر بسجدة من سجود التلاوة هل يجب عليه أن يسجد أم يكون أسوة للعلماء إذا فسر الآية فيها سورة السجدة مثلاً لا يسجد؟
________________________________________
الجواب: أولاً: سؤالك في قولك هل عليه أن يسجد، نقول: ليس عليه أن يسجد، سواء تكررت الآيات أو لم تتكرر، فسجود التلاوة سنة وليس بواجب، والدليل على هذا أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قرأ في إحدى الجمع آية فيها سجدة وهي التي في سورة النحل فنزل وسجد، ثم قرأها في جمعة أخرى ولم يسجد، ثم قال: [إن الله لم يفرض علينا السجود إلا أن نشاء] فسجود التلاوة سنة وليس بواجب، وإذا تكررت الآيات؛ فإن كان الإنسان يكرر ويتحفظ القرآن فسجوده الأول يغني عن الباقي، ولا حاجة أن يعيد السجود، وإن كان يقرأ -مثلاً- في سورة الحج فسجد في السجدة الأولى وأتت السجدة الثانية فليسجد، وإن كان الفصل ليس طويلاً، هذا هو التفصيل في مسألة التكرار في السجود.

(62/19)


حكم القراءة الجماعية للقرآن:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! بارك الله فيكم! ما حكم قراءة القرآن جماعة من بعض الناس، فإذا أنكرنا عليهم قالوا: هذا ييسر لنا من جانب أننا نحفظ القرآن. فما قولكم في هذا بارك الله فيكم؟
________________________________________
الجواب: أما من جهة قراءة القرآن بصوت واحد من أجل التحفظ أو التعلم فلا بأس به. وأما إذا كان من أجل التعبد فلا، والفرق بينهما: أن الأول قد يحتاج الناس إليه للتعلم فصار جائزاً، أما الثاني فلا؛ لأن الإنسان يستطيع أن يتعبد بتلاوة القرآن وإن لم يكن معه أحد، ومثل ذلك أيضاً من أراد أن يتحفظ على الشريط كما يفعله بعض الحفظة، يستمع إلى الشريط ويتابعه، فلا بأس به ولا حرج فيه.

(62/20)


حكم زكاة الحلي:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! هل في الذهب المعد للزينة زكاة، وإن كانت المرأة لا تجد إلا أن تبيع بعضه لكي تؤدي الزكاة؟
________________________________________
الجواب: الصحيح من أقوال العلماء والراجح عندي أن الزكاة واجبة في الحلي إذا بلغ النصاب وهو (85) جراماً، فإذا بلغ هذا وجبت زكاته، فإن كان لديها مال فأدت منه فلا بأس، وإن أدى عنها زوجها أو أحد من أقاربها فلا بأس، وإن لم يكن هذا ولا هذا فإنها تبيع منه بقدر الزكاة وتخرج الزكاة، قد يقول بعض الناس: لو عملنا بهذا لانتهى حليها ولم يبق عندها شيء. فنقول: هذا غير صحيح، لماذا؟ لأنه إذا نقص عن النصاب ولو شيئاً يسيراً لم تجب الزكاة، وحينئذ لا بد أن يكون عندها شيء تتحلى به، فالقول الراجح في هذه المسألة أن الزكاة واجبة في كل حلي من ذهب أو فضة، سواء كان يلبس أو يعار أو يؤجر.

(62/21)


أسماء الله الحسنى:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (إن الله وتر يحب الوتر) فهل هذا اسم من أسماء الله أم صفة من صفاته؟
________________________________________
الجواب: يحتمل أن يكون اسماً من أسماء الله، ويحتمل ألا يكون؛ لأن بعض العلماء ذكر قاعدة، قال: ما جاء معرفاً بأل فهو من أسماء الله، وما لم يأت معرفاً فهو صفة من صفات الله، وبعض العلماء يقول: كل صفة من صفات الله وصف الرسول بها ربه فإنها اسم وعلى هذا يتنزل الجواب؛ إن قلنا بأن أسماء الله هي المقرونة بأل، فالوتر لا أعلمه جاء مقروناً بأل، وإن قلنا: كل ما أثبته الله لنفسه أو أثبته له الرسول سواء بأل أو بغير أل فهو اسم، قلنا: إن الوتر من أسماء الله..والله أعلم.

(62/22)


تعظيم كتاب الله:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! أكثر المصلين في المساجد إذا أراد أن يتلو القرآن تناول المصحف بيده اليسرى، وقد رأيت أحد المشايخ يفعل ذلك مراراً، فهل في ذلك حرج أم لا؟
________________________________________
الجواب: الذي أرى أن من تمام تعظيم المصحف أن تتناوله بيدك اليمنى، وأن تضعه في مكانه بيدك اليمنى؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يعجبه التيامن في جميع شئونه؛ ولأنه أمر أن نأخذ بأيماننا وأن نعطي بأيماننا، والعلماء رحمهم الله قالوا: اليسرى تقدم للأذى واليمنى لما سواه، فالذي يريد أن يتناول شيئاً خبيثاً أو نجساً فباليسرى. وأما المصحف فلا شك أن من تعظيمه أن تتناوله باليمنى أخذاً ورداً وإعطاءً، ولو أنك إذا رأيت أحداً يفعل هذا تقول له: يا أخي! لو أنك تريد أن تعطي رجلاً حاجة، أو تتناول منه حاجة، فأي اليدين تقدم؟ سيقول لك: أقدم اليمنى. إذاً: كلام الله أحق أن يعظم.

(62/23)


حكم الذكر الجماعي أدبار الصلوات:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! قلتم: إنه يجوز أن يرفع الصوت بالذكر بعد الصلاة، ولكن إن أدى هذا إلى أن يكون الذكر جماعياً بين المصلين فهل يجوز؟
________________________________________
الجواب: أنا في الواقع لم أقل: يجوز! بل قلت: إنه من السنة، يعني: الأفضل، فإنه من السنة ولا شك. وأما أداء هذا الذكر جماعة فهذا بدعة؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه لم يكونوا يفعلون ذلك، كلُّ يذكر على نفسه لكنهم يجهرون.

(62/24)


الأذان في السفر:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! إذا كنا في سفر وفات وقت الأذان، فهل لنا أن نؤذن للصلاة؟ فبعض الشباب يقول: إذا خرج وقت الأذان فلا تؤذن، فما رأيك يا شيخ؟
________________________________________
الجواب: إذا كنتم تسمعون الأذان فلا حاجة أن تؤذنوا، وإن كنتم لا تسمعون وجب عليكم أن تؤذنوا، ولكم أن تؤذنوا متى أردتم الصلاة ولو كان في أثناء الوقت.

(62/25)


فتاوى: لقاءات الباب المفتوح
لفضيلة الشيخ العلامة:محمد بن صالح العثيمين
- طيب الله ثراه -
لقاء الباب المفتوح [63]
________________________________________
في هذه المادة يتكلم الشيخ عن تفسير بعض آيات سورة الفجر وما فيها من العظات والعبر، ثم أجاب عن الأسئلة الواردة.

(63/1)


تفسير آيات من سورة الفجر:
________________________________________
الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الثالث والستون من اللقاءات التي تتم في كل يوم الخميس من كل أسبوع، وهذا الخميس هو الثامن والعشرون من شهر محرم عام (1415هـ) نبتدئ هذا اللقاء بما اعتدناه من تفسير شيء من آيات الله الكريمة، حيث انتهى بنا المطاف إلى قول الله تبارك وتعالى: هَلْ فِي ذَلِكَ قَسَمٌ لِذِي حِجْرٍ [الفجر:5]. ......

(63/2)


تفسير قوله تعالى: (ألم تر كيف فعل ربك بعاد):
________________________________________
قال الله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ [الفجر:6-7] الخطاب هنا لكل من يوجه إليه هذا التكذيب وهم البشر كلهم، بل والجن أيضاً: (ألم تر) أيها المخاطب: كيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ أي: ما الذي فعل بهم. و(عاد) قبيلة معروفة في جنوب الجزيرة العربية ، أرسل الله تعالى إليهم هوداً عليه الصلاة والسلام، فبلغهم الرسالة، ولكنهم عتوا وبغوا وقالوا: من أشد منا قوة؟ قال الله تعالى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ [فصلت:15] فهم افتخروا بقوتهم ولكن الله بيّن أنهم ضعفاء أمام قوة الله، ولهذا قال: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ ولم يقل: أن الله أشد منهم قوة، بل قال: الَّذِي خَلَقَهُمْ ليبين ضعفهم وأنه جل وعلا أقوى منهم؛ لأن الخالق أقوى من المخلوق: أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ * فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحاً صَرْصَراً فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لا يُنْصَرُونَ [فصلت:15-16]. هنا يقول: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ الذي فعله بهم أنه أرسل عليهم الريح العقيم: سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُوماً فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ [الحاقة:7].. فَأَصْبَحُوا لا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ [الأحقاف:25] وهذا الاستفهام الذي لفت الله فيه النظر إلى ما فعل بهؤلاء يراد به الاعتبار، يعني: اعتبر أيها المكذب للرسول محمد صلى الله عليه وسلم بهؤلاء، كيف أذيقوا هذا العذاب، وقد قال الله تعالى: وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ [هود:83].

(63/3)


تفسير قوله تعالى: (إرم ذات العماد ...):
________________________________________
قال تعالى: إِرَمَ [الفجر:7] هذه وصف للقبيلة، وقيل: اسم للقرية، وقيل غير ذلك، فسواء كانت اسماً للقبيلة أو اسماً للقرية فإن الله تعالى نكل بهم نكالاً عظيماً مع أنهم أقوياء. وقوله: ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ [الفجر:7-8] أصحاب العماد أي: الأبنية القوية: الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا أي: لم يصنع مثلها في البلاد؛ لأنها قوية محكمة، وهذا هو الذي غرهم وقالوا: من أشد منا قوة؟ وفي قوله تعالى: لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ مع أن الذي صنعها هو الآدمي، وهذا دليل على أن الآدمي قد يوصف بالخلق فيقال خلق كذا، ومنه قول النبي عليه الصلاة والسلام في المصورين: (يقال لهم: أحيوا ما خلقتم) لكن الخلق الذي ينسب للمخلوق ليس هو الخلق المنسوب إلى الله، الخلق المنسوب إلى الله إيجاد بعد إعدام وتحويل وتغيير، أما الخلق المنسوب لغير الله فهو مجرد تحويل وتغيير. وأضرب لكم مثلاً: هذا الباب من خشب، من الذي خلق الخشب؟ الله، لا يمكن للبشر أن يخلقوه، لكن البشر يستطيع أن يحول جذوع الخشب وآصال الخشب إلى أبواب وإلى دواليب وما أشبه ذلك، فالخلق المنسوب للمخلوق ليس هو الخلق المنسوب إلى الخالق، فما الفرق؟ الخلق المنسوب للخالق إيجاد من عدم وهذا لا يستصغره أحد، والمنسوب للمخلوق تغيير وتحويل يحول الشيء من صفة إلى صفة، أما أن يغير الذوات، بمعنى: أن يجعل الذهب فضةً أو الفضة حديداً أو ما أشبه ذلك فهذا مستحيل لا يمكن ولا يقدر على ذلك إلا لله وحده لا شريك له.

(63/4)


تفسير قوله تعالى: (وثمود الذين جابوا الصخر بالواد):
________________________________________
ثم قال تعالى: وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ [الفجر:9] ثمود: هم قوم صالح، ومساكنهم معروفة الآن كما قال تعالى: وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ [الحجر:80] ذكر الله أن ثمود كانوا في بلاد الحجر ، وهي معروفة، مر عليها النبي صلى الله عليه وسلم في طريقه إلى تبوك وأسرع وقَنَّع رأسه صلى الله عليه وسلم، قال: (لا تدخلوا على هؤلاء القوم المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم مثلما أصابهم) هؤلاء القوم أعطاهم الله القوة حتى صاروا يخرقون الجبال، والحصى والصخور العظيمة يخرقونها ويصنعون منها بيوتاً، ولهذا قال: جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ أي: وادي ثمود وهو معروف، هؤلاء -أيضاً- فعل الله بهم ما فعل من العذاب والنكال حيث قيل لهم: تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ [هود:65] ثم بعد الثلاثة الأيام أخذتهم الصحية والرجفة، فأصبحوا في ديارهم جاثمين. فعلينا أن نعتبر بحال هؤلاء المكذبين الذين صار مآلهم إلى الهلاك والدمار، وليعلم أن هذه الأمة لن تهلك بما أهلك به الأمم السابقة، بهذا العذاب العام، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سأل الله تعالى ألا يهلكهم بسنة عامة، ولكن قد تهلك هذه الأمة بأن يجعل الله بأسهم بينهم، فتجري بينهم الحروب والمقاتلة، ويكون هلاك بعضهم على يد بعض، لا بشيء ينزل من السماء كما صنع الله بالأمم السابقة. ولهذا يجب علينا أن نحذر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن نبتعد عن كل ما يثير الناس بعضهم على بعض، وأن نلزم دائماً الهدوء، وأن نبتعد عن القيل والقال وكثرة السؤال، فإن ذلك مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وكم من كلمة واحدة صنعت ما تصنعه السيوف الباترة، فالواجب الحذر من الفتن، وأن نكون أمة متآلفة متحابة، يتطلب كل واحد منا العذر لأخيه إذا رأى منه ما يكره. نسأل الله أن يوفقنا جميعاً لما فيه الخير والصلاح، وأن يجمع قلوبنا على طاعته.

(63/5)


حادثة مؤلمة وعواقب أطباق الاستقبال (الدشوش):
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! رجل متزوج بامرأة من أسرة خبيثة كما يخبر الزوج عن حال أهلها بنفسه، وذات يوم ذهب الزوج من بيته وعند عودته وجد الأمر المحزن المبكي، وهو أنه دخل شخص على زوجته بعد أن فتحت له الباب ظانة أنه ابن من أبناء الجيران وفعل بها الفاحشة، ووجد الزوج أن بها آثار الضرب والخنق، وقد أخبرته بالحقيقة إلا أنه أصر على إمساكها ولم يطلقها، فما تنصحون هذا الشخص -علماً بأنه من أهل الخير والصلاح ومن الدعاة إلى الله- أن يفعل مع تلك المرأة لا سيما وأن الخبر قد انتشر بين الناس حفظكم الله وأثابكم؟
________________________________________
الجواب: الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. هذه الحادثة لا شك أنها مؤلمة محزنة، ولها أسباب، ومن أسبابها: ما ينشر في وسائل الإعلام من الشر والبلاء سواء وسائل الإعلام المنظورة أو المقروءة أو المسموعة. وقد توسع الناس في الاستماع إلى الإعلام الخارجي بواسطة الصحون الهوائية التي تسمى الدشوش، نسأل الله أن يقي المسلمين شرها وأن يسلط الدولة على أهلها حتى تقضي عليها، وقد حصل من الدولة -والحمد لله- إنذار بأنها سوف تقضي على هذه الصحون، نسأل الله أن يعينها على ذلك، وأن يعجل بهذا الأمر قبل أن ينتشر الشر والفساد. ولا شك أن أعداء المسلمين لا يألون جهداً في صد المسلمين عن دينهم، إن أمكنهم بالسلاح الذي يقتل الأنفس فعلوا كما يوجد الآن في البوسنة والهرسك وغيرها من بلاد المسلمين، وإن لم يحصل ذلك لهم فبالأخلاق المدمرة، والإنسان إذا دمرت أخلاقه صار كالبهيمة ليس له هم إلا التمتع في الدنيا -والعياذ بالله- وقد قال الله عن الكفار: وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ [محمد:12] عاقبة سيئة، فهذه الوسائل الإعلامية إذا رآها الشاب أو الشابة تشربت في قلوبهم، وسهل عليهم أن يمارسوها. كذلك أيضاً من وسائل الإعلام المدمرة: أنهم يغزون الناس بالأفكار الرديئة الخبيثة المنحرفة، فيضل بها كثير من الناس، لهذا نحن نشير على إخواننا المسلمين عموماً أن يخرجوا من بيوتهم مثل هذه الفتنة، وأن يلاحظوا أهلهم من بنين وبنات، وإذا وجدوا مجلة غير مناسبة أو مدمرة للأخلاق فالواجب عليهم أن يحرقوها أمام أهل البيت، وأن يحذروهم من إعادة مثلها. وكذلك أيضاً في الوسائل الأخرى إذا رأوا أن أهل البيت أنهم مصرون عليها فإن عليهم أن يمنعوهم، وأما إطلاق الحبل على الغارب فإن فيه مفسدة كبيرة، منها مثل هذه القضية التي ذكرها السائل. أما فيما يتعلق بزوجته فهو يقول: إنه وجد عليها أثر الضرب، وهذا يعني أن المرأة لم يكن ذلك باختيارها، وأن هذا الرجل -والله أعلم- دق عليها الباب وأراها أنه أحد من محارمها أو أقاربها حتى دخل وحصل منه ما حصل. وأما قولها: إنها تظن أنه ابن الجيران فهذا غلط منها، حتى ابن الجيران لا يجوز أن يفتح له الباب، ابن الجيران مثل قريب الزوج، يعني: أنه الموت، ولهذا لما حذر النبي عليه الصلاة والسلام من الدخول على النساء قال: (إياكم والدخول على النساء، قالوا: يا رسول الله! أرأيت الحمو، -يعني: أقارب الزوج مثل أخيه وعمه وخاله- قال: الحمو الموت) يعني: فروا منه كما تفرون من الموت، وهو البلاء؛ لأن الحمو إذا دخل على بيت قريبه تجد الناس لا تنكره، وهو أيضاً يرى أن الأمر هين أن يدخل على بيت قريبه؛ فيحصل الشر، فنقول لهذه المرأة: لا تفتح لأحد أبداً إلا لزوجها أو أحد من محارمها، ثم تحذر أيضاً؛ لأن بعض الناس خبيث قد يقلد الصوت فلتحذر من هذا، فالذي أرى أن هذه المرأة إذا ادعت أنها مكرهة كما هو ظاهر حالها مما يتبين من السؤال أنها معذورة وليس عليها إثم، وأن زوجها إذا أبقاها عنده فليس بديوث بل هو عاذر لها، ولا ينبغي أن يفارقها من أجل هذا الفعل الذي حصل عليها وهي -والله أعلم- مكرهة، وأما كلام الناس فلن يسلم منه أحد، الناس سبوا الرسول عليه الصلاة والسلام وسبوا الله عز وجل.

(63/6)


الإسلام يهدم ما قبله:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! هناك أخ لنا في المدينة أتى من أمريكا وأسلم حديثاً، وفي أيام جاهليته اكتسب مالاً كثيراً عن طريق تجارة المخدرات، فحمل معه هذه الأموال الكثيرة وكون لنفسه مكتبة عظيمة وتزوج بها ثلاثاً من النسوة، وفي هذه الأيام الأخيرة أخبر بأنه لا يجوز له أن يتصدق بهذه الأموال؛ لأن الله سبحانه وتعالى طيب لا يقبل إلا الطيب، فيسألك ماذا عليه أن يصنع بهذه الأموال وما صحة هذا الكلام؟
________________________________________
الجواب: نقول لهذا الأخ الذي منَّ الله عليه بالإسلام بعد أن اكتسب مالاً حراماً: أبشر؛ فإن هذا المال حلال له وليس عليه فيه إثم، لا في إبقائه عنده ولا فيما أنفق منه، ولا فيما تزوج به منه؛ لأن الله تعالى قال في الكتاب العزيز: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38] أي: كل ما سلف، و"ما" هذه من صيغ العموم؛ لأنها اسم موصول، يعني: كل ما تقدم فهو مغفور له، حتى لو كان قد قتل نفساً محرمة أو أخذ مالاً فإنه مغفور له، لكن المال الذي غصبه من صاحبه يرده عليه، أما المال الذي اكتسبه عن طريق الرضا بين الناس وإن كان حراماً كالذي اكتسبه بالربا أو المخدرات أو غيرها فإنه حلال له، لقوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38] وكذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام لعمرو بن العاص حين أسلم: (إن الإسلام يهدم ما قبله) هدماً لا يبقي له أثراً. وكثير من الكفار أسلموا وقد قتلوا من المسلمين من قتلوا، ومع ذلك لم يؤاخذوا بما عملوا، فقل لهذا الأخ أن ماله حلال وليس فيه بأس، وليتصدق منه، وليتزوج به امرأة ثانية إن كان عنده امرأة واحدة وثالثة ورابعة، ويفعل به ما يشاء، وأما ما قيل له فليس مبنياً على أصل.

(63/7)


أقصى مدة الحمل:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! أعمل بعيداً عن أهلي، وذهبت إليهم في إجازة، وبعد عودتي إلى عملي بفترة جاءني خبر أن زوجتي حاملة، فتأخر الحمل في بطنها عن موعده المحدد، حيث إني حسبت له من آخر فترة كنت عندها ولم ينزل الجنين إلا بعد أحد عشر شهراً، فارتابت نفسي من هذا الوضع وطلقت زوجتي، فما هو مصير هذا الابن علماً أنني أتحرج كثيراً من إضافته إلى اسمي ولو ألحق بي شرعاً لكي أدفع عن نفسي كلام الناس، فماذا أفعل؟
________________________________________
الجواب: يحسن هنا أن نتمثل بقول الشاعر:
ما يبلغ الأعداء من جاهل *** ما يبلغ الجاهل من نفسه
هذا الرجل لا شك أنه جاهل، لماذا يطلق زوجته لما بقي الحمل في بطنها أحد عشر شهراً؟ الحمل يبقى في بطن أمه عشرين شهراً، ويبقى ثلاثين شهراً، ويبقى إلى أربع سنين، ويبقى إلى سبع سنين في بطن أمه، حتى ذكر أن بعض الأجنة خرج وقد نبتت أسنانه! فهذا الرجل كونه يطلق المرأة من أجل زيادة مدة الحمل المعتاد إلى شهرين، هذا جهل وغلط كبير، وليس هو الحق أن يعتقد أن هذا مبني على حكم شرعي؛ فالشرع لا يحكم بهذا إطلاقاً. وأما الولد فالولد ولده ولا إشكال، ولا يحل له أن يتبرأ منه بمجرد أن الحمل زاد على الغالب، ولم يزد على الغالب مدة طويلة، لم يزد إلا ستين يوماً، يعني: هي مدة النفاس عند كثير من العلماء، فالولد ولده ولا يحل له أن يتبرأ منه لمجرد أنه بقي في بطن أمه أحد عشر شهراً، وقد جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فقال: (يا رسول الله! إن امرأتي ولدت غلاماً أسود -أي: أنا وأمه أبيضان، فأنجب الشك عنده فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: هل لك من إبل؟ قال: نعم. قال: ما ألوانها؟ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق - الأورق: الأشهب- قال: نعم. يا رسول الله! قال: من أين جاء؟ -أي: كيف يخالف لونه ألوان الإبل الأخرى؟ قال: لعله نزعة عرق، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ابنك هذا لعله نزعة عرق) يعني: يمكن أن يكون أحد من آبائه من الجمال أو أمهاته من النوق أورق. قال: (ابنك هذا لعله نزعة عرق) فخرج الرجل مطمئناً، مع أن النفس يكون فيها قلق، أما ما ذكره السائل فليس فيه من القلق أدنى شيء، فقل له: إنه أخطأ في هذا التصرف إذا كان يعتقد أن هذا مقتضى الشريعة، أما إذا كان لا يريد زوجته فهو حر، ومع ذلك حتى لو كره زوجته فنرى أن يمسكها، لقول الله تبارك وتعالى: فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً [النساء:19] أما الولد فهو ولده ولا يحل له أن يتبرأ منه.

(63/8)


نصيحة وتوجيه لاستغلال الإجازة:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! كما تعلم أننا مقبلون على إجازة صيفية، فما هي نصيحتك لنا أن نعمل في هذه الإجازة وجزاك الله خيراً؟
________________________________________
الجواب: نصيحتي للإخوة بالنسبة للعمل في هذه الإجازة: أما بالنسبة للشباب: فنصيحتي لهم أن ينضموا إلى المراكز الصيفية إن وجدت، وكان القائمون عليها من أهل الخير والفضل، ثم إذا لم يمكن فلينضموا إلى أحد من أهل العلم في بلادهم ويحفظون عليه القرآن أو يقرءون عليه من الحديث، أو من الكتب العلمية الشرعية. أما بالنسبة للكبار والمشايخ: فنصيحتي لهم أن يكثروا الاتصال بالشباب في اللقاءات والمحاضرات والندوات؛ لأن هذه الإجازة في الحقيقة إذا لم تستعمل في الخير فإنها سوف تستعمل في الشر؛ لأن فراغ الشباب هلاك، كما قال الشاعر:
إن الشباب والفراغ والجدة *** مفسدة للمرء أي مفسده
الجدة: الغنى. وأسأل الله تعالى أن يوفق الجميع لما فيه الخير والصلاح.

(63/9)


حكم القتال الدائر بين طوائف المسلمين:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! ما رأيكم في القتال الدائر بين طوائف المسلمين في بعض البلاد كـ( أفغانستان ) مثلاً؟ وما هو الواجب على المسلمين تجاه ذلك؟
________________________________________
الجواب: أما بالنسبة لما ذكرت من القتال بين المسلمين؛ فإن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (سباب المسلم فسوق وقتاله كفر) أي: من أعمال الكفر؛ لأنه لا يمكن أن يحمل السلاح مسلم على أخيه المسلم، بل يحمله على الكافر، ولهذا وصف الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بأنه كفر، وقال صلى الله عليه وسلم: (من حمل علينا السلاح فليس منا) والواجب على المسلمين إذا حصل مثل هذه الفتن أن يكفوا ألسنتهم، وأن يكفوا أسلحتهم عن التدخل إلا من له الحق؛ لأن الله قال: وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ * إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الحجرات:10].

(63/10)


مقام الإحسان:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! يقول ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين في شرح مقام الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه يقول: ولا ريب أن تصديق الخبر واليقين به يقوي القلب حتى يصير الغيب بمنزلة المشاهد بالعين، فصاحب هذا المقام كأنه يرى ربه سبحانه فوق سماواته على عرشه مطلعاً على عباده، ناظراً إليهم يسمع كلامهم وكأنه يسمعه وهو يتكلم بالوحي ثم يذهب وكأنه يشاهده وهو يرضى في كل الصفات، ثم يقول وبالجملة -هنا الشاهد- فيشاهد بقلبه رباً عرفت به الرسل كما عرفت به الكتب، وديناً دعت إليه الرسل، وحقائق أخبرت بها الرسل فقام شاهد ذلك بقلبه كما قام شاهد ما أخبر به أهل التواتر وإن لم يره من البلاد والوقائع فهذا إيمانه يجري مجرى العيان وإيمان غيره فمحض تقليد العميان فالرجاء الشرح ولو قليلاً.
________________________________________
الجواب: لا شك أن اليقين يتفاوت تفاوتاً عظيماً، فأحياناً يصل بالإنسان إلى أن يكون اليقين المخبر به كالمشاهد بعينه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أن تعبد الله كأنك تراه) وهذه المنزلة العليا، فإن لم تكن تراه فتعبد له تعبد الخائف، ولهذا قال: (فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وهذا هو الذي جعل ابن عباس رضي الله عنهما يقول: [إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم رأى ربه بفؤاده] أي: بقلبه لا رؤية عين، والرؤية بالقلب أقوى من رؤية العين من وجه، والرؤية بالعين أقوى من رؤية القلب من وجه آخر، فباعتبار اليقين وحلاوة الإيمان وذوق الإيمان رؤية القلب أعلى، وباعتبار الإدراك رؤية العين أقوى؛ لأنه يشاهد الشيء محسوساً أمامه، وهذه المرتبة -أعني: مرتبة الرؤية بالقلب- مرتبة لا ينالها إلا القليل من الناس، أكثر الناس إيمانهم مبني على مجرد الخبر الصادق، وكفى به دليلاً، ولكن اليقين الذي يحصل بعد هذه المرتبة يكون أقوى، وأما قوله في آخر كلامه: وإيمان غيره محض تقليد العميان، يريد بذلك الإيمان الضعيف المهلهل الذي يكاد يكون صاحبه يقول سمعتهم يقولون شيئاً فقلته، وأما الإيمان الحقيقي فإنه ليس تقليد عميان؛ لأن الإنسان يؤمن به على أنه حق يشاهده.

(63/11)


حكم دخول مدائن صالح:
________________________________________
السؤال: شيخنا الفاضل! تعرضت في تفسير سورة الفجر إلى مدائن صالح فهل الأفضل الدخول لها مع البكاء وأخذ العبرة أم الامتناع من الدخول؟
________________________________________
الجواب: الأفضل ألا يدخل مدائن صالح فإن دخل فلا يدخل إلا باكياً، وإنما قلنا: الأفضل ألا يدخل؛ لأن الإنسان قد يدخل على أنه واثق من نفسه أنه سوف يبكي ولكن لا يبكي، فلهذا نصيحتنا ألا يدخل الإنسان إليها، ولكن مع الأسف أن بعض الناس الآن اعتبرها آثاراً مجردة وقال: إن هذه آثار السابقين فيشاهدونها على أنها عجائب من عجائب الصنعة، وهذا دليل على الجهل بما جاءت به السنة عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

(63/12)


كيفية معاملة غير المسلم في الدوائر الحكومية:
________________________________________
السؤال: أعمل في دائرة حكومية، ويعمل معنا كثير من الكفار المسيحيين ونحن في جهاز واحد، وربما يكون المسئول عن التدريب ورفع التقارير إلى المسئولين منهم، فبم تنصحوني في شأن التعامل معهم؟
________________________________________
الجواب: ننصحك وغيرك ممن يشاركه أحد من غير المسلمين أن يعمل على حسب ما تقتضيه وظيفته، وأن يعامل غير المسلمين بما تقتضيه الشريعة. أما الأول: وهو أن يعمل بما تقتضيه الوظيفة؛ فلأن العمل في الوظيفة وتنفيذ ما جاء فيها حسب النظام مما أمر الله به، إذا لم يكن مخالفاً للشرع؛ لقول الله تبارك وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] وأما معاملة غير المسلمين بما تقتضيه الشريعة فلا بد من هذا، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام: (لا تبدءوا اليهود ولا النصارى بالسلام، وإذا لقيتموهم في طريق فاضطروهم إلى أضيقه) فلا يجوز أن نبدأهم بالسلام، لكن إذا سلموا علينا رددنا عليهم بمثل ما سلموا به علينا. ثم إذا كان لهم حق السلطة والتدبير في هذه الوظيفة فإننا ننصح أولاً ألا يوظف غير المسلمين فيما يمكن أن يقوم به المسلم؛ لأن غير المسلم لا يؤمن، لقول الله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لا يَأْلُونَكُمْ خَبَالاً وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَر [آل عمران:118] لكن إذا كان لا يمكن أن يقوم بهذا العمل أحد من المسلمين فيجوز أن يقوم به آخر من غير المسلمين عند الضرورة، ولهذا استأجر النبي صلى الله عليه وسلم رجلاً مشركاً أن يدله على الطريق في الهجرة حين هاجر من مكة إلى المدينة ، مع أن الحال حال خطرة، فإن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم و أبا بكر ومن معهما كانا مطلوبين من قبل قريش، ومع هذا استأجر الرسول عليه الصلاة والسلام رجلاً مشركاً يدله على المدينة ، فدل هذا على جواز استعمال المشرك إذا دعت الحاجة إلى ذلك، فأرى أنكم تقومون بوظيفتكم وتعاملون هؤلاء بما تقتضيه الشريعة. السائل: إذا دخلت على مجموعة وفيهم بعض الكفار المسيحيين أسلم أو لا أسلم؟ الشيخ: سلم وانو السلام على من معهم من المسلمين، وإذا سلم عليك فرد عليه، ألم تر أن الله قال: وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا [النساء:86] والرسول عليه الصلاة والسلام أمرنا أن نرد على اليهود. السائل: وإذا حياك بلغة إنجليزية؟ الشيخ: إذا كنت تعرف اللغة الإنجليزية فرد عليه باللغة الإنجليزية؛ لأنه لا يعرف اللغة العربية. السائل: وإذا علمته اللغة العربية؟ الشيخ: إذا علمته أنت وعلمته أيضاً الشرع هذا شيء حسن.

(63/13)


الذين يدخلون الجنة بغير حساب:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! قول النبي صلى الله عليه وسلم: (يدخل من أمتي سبعون ألفاً الجنة بغير حساب ولا عقاب) وهذا العدد يا فضيلة الشيخ! قليل بالنسبة لأعداد الأمة في قرونها المتعاقبة، فهل هؤلاء فقط هم الذين سيدخلون الجنة بغير حساب؟ أفتونا مأجورين جزاكم الله خيراً.
________________________________________
الجواب: أولاً بارك الله فيك: في هذا الحديث الذي ذكرت أن الأمة رفعت إلى الرسول صلى الله عليه وسلم وأن معهم سبعين ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وذكر أوصافهم، وقد ورد أنه مع كل واحد سبعون ألفاً، وحتى هذا العدد -أيضاً- بالنسبة للأمة قليل، لكن هذه العدد نادر في الأمة: (هم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون) من تحققت فيه هذه الأوصاف من هذه الأمة؟ وليس معنى الحديث أنه لا يدخل الجنة إلا هؤلاء، لا. معنى الحديث أن هؤلاء لا يحاسبون ولا يعذبون، ويوجد أمم كثيرة لا يحصيهم إلا الله يحاسبون وقد يعفو الله عنهم، وقد يعذبهم بقدر ذنوبهم في النار ثم يخرجهم من النار بشفاعة أو بغير شفاعة. فأنت اعمل وحاول أن تتحقق فيك هذه الأوصاف التي قالها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأن تكون منهم ولو كنت من آخر الأمة.

(63/14)


حكم إمامة من يعلق التمائم والحروز:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! يوجد معنا في العمل زميل يقدم في بعض الأحيان لإمامة المصلين في العمل، وقد علق تميمة، فما حكم إمامة هذا الرجل؟ فإذا كان الجواب بعدم الجواز فما الذي ينبغي علينا؟ الشيخ: هل هذا الرجل هو الذي يصلي بكم وتقول: إنه معلق تميمة، هل هو يصلي بكم؛ لأنه نصبه المسئول عن هذه الجهة أو بانتخابكم أنتم؟ السائل: لا يا شيخ! يوجد إمام يصلي بنا ومواظب على إمامة المصلين في العمل لا يوجد شخص مختار من قبل الإدارة لكن تقدم إماماً وواظب على الإمامة، وفي بعض المرات يتخلف هذا الإمام لوجود عمل أو ظرف خارج العمل فيُقدم هذا الشخص من قبل المصلين؟
________________________________________
الجواب: إذا كان منتخباً من قبل المصلين وهو نائب عن الإمام الرسمي وفي يده هذه التميمة فالواجب عليكم أولاً أن تنصحوه وأن تبينوا له أن هذه التميمة لا خير فيها وأنها نوع من الشرك لا سيما إن كان فيها رموز أو دعوات محرمة أو ما أشبه ذلك، فإن انتهى عن عمله فقد هداه الله على أيديكم، ولكم في هذا أجر، وإن لم ينته فالواجب أن يرفع الأمر إلى الإمام الذي أنابه ويقال: نحن لا نرضى أن ينوب هذا عنك، وتختاروا إنساناً بدله يكون مستقيماً. السائل: إذا دخل شخص ووجد هذا يؤم المصلين ؟ الشيخ: يصلي معهم ولا حرج عليه.

(63/15)


حكم شرب ما يسمى بـ(البيرة):
________________________________________
السؤال: ما حكم شرب ما يسمى بالبيرة مع العلم أن فيه نوعين: نوع فيه نسبة من الكحول، ونوع لا يوجد فيه نسبة من الكحول وهل هي من المسكرات؟
________________________________________
الجواب: البيرة الموجودة في أسواقنا كلها حلال؛ لأنها مفحوصة من قبل المسئولين، والأصل في كل مطعوم ومشروب وملبوس الأصل فيه الحل، حتى يقوم الدليل على أنه حرام، لقول الله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [البقرة:29] فأي إنسان يقول: هذا الشراب حرام، أو هذا الطعام حرام، قل له: هات الدليل، إن جاء بدليل فالعمل على ما يقتضيه الدليل، وإن لم يأت بدليل فقوله مردود عليه؛ لأن الله عز وجل يقول: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً كل ما في الأرض، وأكد هذا العموم بقوله: جَمِيعاً فأي إنسان يقول لنا: هذا حلال وهذا حرام فإننا نطالبه بالدليل، إن أتى بالدليل عملنا بمقتضى هذا الدليل، وإن لم يأتِ بدليل فإن قوله مردود عليه، فالبيرة الموجودة في أسواقنا هنا في السعودية كلها حلال ولا إشكال فيها إن شاء الله. ثم النسبة فلا تظن أن أي نسبة من الخمر تكون في شيء تجعله حراماً، النسبة إذا كانت تؤثر بحيث إذا شرب الإنسان من هذا المختلط بالخمر سكر صار حراماً، أما إذا كانت نسبة ضئيلة تضاءلت واضمحل أثرها ولم تؤثر فإنه يكون حلالاً. فمثلاً: نسبة (1%) أو (2%) أو (3%) لا تجعل الشيء حراماً، وقد ظن بعض الناس أن قول الرسول صلى الله عليه وسلم: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) أن معناه: ما خلط بيسير فهو حرام ولو كان كثيراً، وهذا فهم خاطئ، الحديث: (ما أسكر كثيره فقليله حرام) يعني: الشيء الذي إذا أكثرت منه حصل السكر، وإذا خففت منه لم يحصل السكر، يكون القليل والكثير حرام، لماذا؟ لأنك ربما تشرب القليل ثم تدعوك نفسك إلى أن تكثر فتسكر، وأما ما اختلط بمسكر والنسبة فيه قليلة لا تؤثر فهذا حلال ولا يدخل في الحديث.

(63/16)


حكم مدافعة الريح في الصلاة:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! هل مدافعة الريح تأخذ حكم مدافعة الأخبثين في الصلاة؟
________________________________________
الجواب: إي نعم. مدافعة الريح إذا كانت تضيق عليك كمدافعة البول والغائط؛ لأن العلة هي إشغال القلب عن الصلاة، والدليل على هذا أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: (لا صلاة بحضرة طعام) وحضرة الطعام ليس مدافعة أخبثين، لكنه يشغل القلب، وكل ما يشغل القلب لا تُصلِّ مع وجوده، حتى لو فرض أن حولك أناساً وضجيج كلام يشغلك عن الصلاة فلا تصل وأخر الصلاة حتى يزول هذا الضجيج، أو اذهب إلى مكان آخر ليس فيه ضجيج، وذلك أن المقصود من الصلاة وأن لب الصلاة وروح الصلاة هو الطمأنينة والخشوع وحضور القلب، وليست الصلاة مجرد حركات يقوم بها الإنسان قياماً وركوعاً وسجوداً وقعوداً، أهم شيء أن يكون القلب مصلياً قبل أن يكون البدن مصلياً، ولهذا نهي عن الصلاة بحضرة الطعام، وعن الصلاة مع مدافعة الأخبثين، وكذلك كل ما يشغل الإنسان لا يُصلِّ في حال اشتغاله.

(63/17)


مراعاة أدب الخلاف:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! الخلاف في مسألة فقهية أو مسألة ينبني عليها اعتقاد بناءً على اختلاف في تصحيح حديث أو تضعيفه، فهل يصح لمن يرى تضعيف الحديث أن يسمي من يرى تصحيح الحديث وعمل به بأنه مبتدع أو أن فعله بدعة، هل يحق لأحد أن يرمي أحداً بالبدعة أو الفسق نظراً لأنه خالفه؟
________________________________________
الجواب: من الذي يحاسب الناس على أديانهم؟ الله سبحانه وتعالى، فإذا أتى حديث واختلف الناس في تصحيحه ورأى بعضهم أنه حديث صحيح فعليه أن يأخذ بما دل عليه هذا الحديث من عمل أو عقيدة؛ لأنه سوف يحاسب: وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمْ الْمُرْسَلِينَ [القصص:65] سيحاسب على ما عنده من العلم، وكذلك على ما عنده من الفهم، قد يكون الحديث صحيحاً ويختلف الناس في فهمه أيضاً فمنهم من يفهمه على وجه ومنهم من يفهمه على وجه آخر، فإذا فهمه إنسان على وجه وآخر على وجه آخر فإن الواجب على كل واحد منهما أن يأخذ بما فهمه من الحديث، لكن لا مانع من أن يناقش أحدهما الآخر حتى يتوصلا إلى رأي موحد. وأما وصف الإنسان الذي يخالف رأيه في تصحيح حديث أو في دلالته وصفه بالضلال والبدعة فهذا لا يجوز، هذا من عمل أهل الأهواء، ولهذا نجد المسلمين من عهد الصحابة إلى يومنا هذا يعذر بعضهم بعضاً فيما فهم من النص -فمثلاً- قال النبي صلى الله عليه وسلم للصحابة حين رجع من الأحزاب، وأمره جبريل أن يخرج إلى بني قريظة الذين نقضوا العهد، قال لأصحابه: (لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة) فخرجوا فأدركتهم الصلاة، فمنهم من قال: لا نصلي إلا في بني قريظة ولو غابت الشمس، وأخروا الصلاة، ومنهم من قال: نصلي في الوقت، والذين قالوا: إننا لا نصلي إلا في بني قريظة ، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة) فنقول: سمعنا وأطعنا. والذين قالوا: نصلي في الوقت، قالوا: إن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يقصد أن نؤخر الصلاة بل قصد أن نعجل الخروج، فنحن لما حل وقت الصلاة نصلي في الطريق، ونستمر في السير. ففعل هؤلاء كذا وفعل هؤلاء كذا، وعلم بهم النبي صلى الله عليه وسلم ولم يعنف أحداً منهم، مع أن الخلاف في أمر عظيم، في صلاة تؤخر عن وقتها أو تصلى في وقتها. وكذلك أيضاً اختلفوا في مسائل كثيرة، منها: امرأة حامل توفي عنها زوجها، فوضعت قبل أربعة أشهر، السنة جاءت بأنها إذا وضعت بعد موت زوجها ولو بدقائق انتهت عدتها، وانتهى إحدادها كما في حديث سبيعة الأسلمية أنها توفي عنها زوجها فوضعت بعده بليال، فأذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتزوج. ومنهم من يقول: لا. إذا وضعت قبل أربعة أشهر وعشرة أيام فإنها تنتظر حتى تتم لها أربعة أشهر وعشرة أيام، وإن تمت أربعة أشهر وعشرة أيام قبل أن تضع فإنها تنتظر حتى تضع، فيقال: نعم. إذا مضى عليها أربعة أشهر وعشرة أيام ولم تضع فإنها تنتظر حتى تضع لا شك في هذا، لكن إذا وضعت قبل أربعة أشهر وعشرة أيام فإنها تنتهي عدتها، والذي خالف في هذا: علي بن أبي طالب و عبد الله بن عباس، وكلاهما فقيه عالم، ومع ذلك نرجع إلى السنة، وندع قول علي وقول ابن عباس ، السنة أنها إذا وضعت قبل أربعة أشهر وعشرة أيام فإنها تنتهي عدتها، وتحل للأزواج، حتى لو فرض أنها وضعت وزوجها يغسل ولم يصل عليه، فإن عدتها تنتهي، يعني: تنتهي عدتها قبل أن يُخرج بجنازة زوجها إلى المقبرة. فأقول: يا إخواني! لا يجوز لنا أن نحمل الناس على ما نفهم نحن من الأدلة، ولا يجوز أن نجبر الناس على أن يصححوا ما لم يصح عندهم، والناس يحاسبهم الله عز وجل ويسألهم يوم القيامة: مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ [القصص:65].

(63/18)


حكم التكلف والسجع في الدعاء:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! ما صحة الدعاء قول امرأة تقول: " لا إله إلا الله عدد ما كان وما يكون، وعدد حركاته وعدد خلقه من خلق آدم حتى يبعثون ".
________________________________________
الجواب: أشبه ما يكون هذا الدعاء بالتنطع ولو قالت: سبحان الله وبحمده، عدد خلقه، أو لا إله إلا الله عدد خلقه، لكفاها عن ذلك كله، وكان من ذكر النبي عليه الصلاة والسلام: (سبحان الله وبحمده عدد خلقه، سبحان الله وبحمده رضا نفسه، سبحان الله وبحمده زنة عرشه، سبحان الله وبحمده مداد كلماته) هذا من أجمع ما يكون من التسبيح، وأما هذه الأشياء التي يأتي بها بعض الناس يعجبه السجع الذي فيها والمعنى المبتكر! فإن العدول عنها إلى ما جاءت به السنة هو الخير.

(63/19)


الولد للفراش وللعاهر الحجر:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! يسأل عن مشكلة الزنا التي ما سلم منها إلا قليل من إخواننا وأخواتنا قبل إسلامهم نتج من هذه الاتصالات أولاد كثيرون ولا أكون مبالغاً لو وصفتهم أنهم أمة من الناس، الأولاد الذين أتوا من هذا الزنا هل نفقتهم واجبة على آبائهم الذين أسلموا وما كان عندهم عقد على أمهاتهم؟
________________________________________
الجواب: هؤلاء الذين حصل منهم جماع في حال الكفر إن كانوا يعتقدون أن هذا الجماع حصل عن عقد يرونه عقداً صحيحاً وإن كان باطلاً شرعاً، فالعكس صحيح والأولاد للرجل، مثال ذلك: إنسان وهو كافر اتفق مع امرأة على أن يكون زوجها فوافقت، وكانوا يرون هذا عقداً، ثم أسلم الرجل والمرأة نقول: أنتم على نكاحكما، ولا يحتاج أن تجدد العقد، وما حصل بينكما من أولاد فهم لكما، إلا إذا كانت الزوجة في حال الإسلام لا تحل للزوج، مثل لو كان مجوسياً وتزوج أخته، والمجوس يجوزون نكاح المحارم، فإذا تزوج أخته في حال الكفر ثم أسلم وأسلمت وجب التفريق بينهما؛ لأن المرأة لا تحل للرجل، فهؤلاء الجماعة الذين ذكرت نقول: إذا كنتم تعتقدون أن ما حصل منكم من مواقعة هؤلاء النساء نكاح وعقد، فليس هذا زنا، والأولاد لكم، وإن كنتم تعتقدون أنه زنا فإن استلحقتم هؤلاء الأولاد في حال الكفر - يعني: أن الزاني قال: هؤلاء أولادي- فهم أيضاً أولاده ما دام ليس له منازع، وإن لم يستلحقوهم فإنهم لا يكونون أولاداً لهم. وأما النفقة فتنبني على أننا إن حكمنا بأنهم أولاد لهم وجب عليهم الإنفاق عليهم، وإن لم نحكم بذلك فليس عليهم نفقتهم. السائل: ما معنى قوله صلى الله عليه وسلم: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) ؟ الشيخ: حديث (الولد للفراش وللعاهر الحجر) يدل أن هناك رجلين، زان وصاحب فراش كل واحد منهما يدعي أن الولد له، صاحب الفراش يقول: هذا ولدي ولد على فراشي، والزاني يقول: هذا ولدي خلق من مائي، فهنا نغلب جانب الشرع كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: (الولد للفراش وللعاهر الحجر) أما إذا كان الزاني لا ينازعه أحد في ذلك، يعني: زنا بامرأة بكر -مثلاً- أو امرأة ليس لها زوج ولم يدّعِ أحدٌ هذا الولد وقال الزاني: إنه ولدي فهو له؛ لأن هؤلاء كفار لا يلتزمون بأحكام الإسلام، فهو له ولا إشكال فيه وعليه نفقته، وأما إذا كان يعتقد أنه ولد زنا وأنه ليس له ولا يريده، فنفقته على من علم بحاله من المسلمين، نفقته فرض كفاية يقوم بها المسلمون عموماً.

(63/20)


من أفضل كتب السيرة:
________________________________________
السؤال: ما هي كتب السيرة التي ينصح فضيلتكم باقتنائها والإطلاع عليها؟ الجواب:
________________________________________
السيرة النبوية الواقع أن فيها أشياء ضعيفة مما نقل، وفيها أشياء صحيحة، ومن أحسن ما رأيت زاد المعاد لابن القيم ، على أنه رحمه الله أحياناً يأتي بآثار غير صحيحة، لكنه من خير ما رأيت، وكذلك من بعده البداية والنهاية لابن كثير فإنها جيدة، ولكن لو شاء الإنسان أن يأخذ كل قضية وحدها فيدرسها ويراجع عليها كلام أهل العلم ثم يلخصها في كتاب له خاص أو ينشره ويكون عاماً فهذا حسن. وإنني أتمنى أن يوجد طالب علم يحرص على هذه المسألة وينقح السيرة النبوية وسيرة الخلفاء الراشدين مما شابها من الآثار الضعيفة أو المكذوبة.

(63/21)


بطلان حديث لحم البقر داء:
________________________________________
السؤال: ما صحة الحديث الذي يحكي أن ألبان البقر دواء وسمنها شفاء ولحمها داء؟
________________________________________
الجواب: هذا الحديث الذي فيه أن لحم البقر داء هذا حديث باطل مكذوب على الرسول عليه الصلاة والسلام، ولا يمكن أن يصح إطلاقاً؛ لأن الله سبحانه وتعالى يقول فيما أحل لنا: وَمِنَ الإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ [الأنعام:144] فأباح الله عز وجل لحم البقر، وهل الله تعالى يبيح لعباده ما هو داء؟ لا. لا يمكن أن يبيح ما هو داء، إذاً: فهذا الحديث نعلم أنه مكذوب، وقد خرجه بعض الأخوة من طلبتنا وبين أنه كذب لا يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام.

(63/22)


لأدلة على تحديد ركعات الفروض:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! هل هناك دليل من السنة على تحديد ركعات الصلوات المفروضة أن الفجر ركعتان والظهر أربع؟
________________________________________
الجواب: هذا سؤال غريب. أولاً: أن السنة دلت على ذلك دلالة صريحة، قالت عائشة رضي الله عنها: [أول ما فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم فزيد في صلاة الحضر وبقيت صلاة السفر على الفريضة الأولى]. ثانياً: أن هذا أمر مجمع عليه، يعني: لو قال لنا إنسان: إنه يمكن أن تكون صلاة الفجر ثلاثاً لكان كافراً؛ لأن هذا إنكار لما علم بالضرورة من دين الإسلام، وعدد ركعات الصلوات أمر لا يشك فيه أحد. أمر مجمع عليه. وهذا حديث عائشة ذكرته لك، وإجماع المسلمين عليه من عهد رسول الله إلى يومنا هذا، هل الأمة الإسلامية مجمعة على خطأ منذ بزغ نجم الإسلام إلى اليوم، هذا الذي يشككه في هذا -أيها الشباب!- رجل مفسد لأنه في قرارة نفسه يعلم أن هذا لا يحتاج إلى طلب الدليل، عمل المسلمين عليه من ذاك الوقت إلى يومنا هذا، هذا أكبر دليل، لكن احذروا مثل هؤلاء الذين يردون عليهم مثل هذه الأسئلة، احذروهم وفروا منهم كما تفرون من الموت أو أكثر. نسأل الله أن يقي المسلمين شر أمثال هؤلاء، إنه على كل شيء قدير.

(63/23)


فتاوى: لقاءات الباب المفتوح
لفضيلة الشيخ العلامة:محمد بن صالح العثيمين
- طيب الله ثراه -
لقاء الباب المفتوح [64]________________________________________
هذا اللقاء هو عبارة عن تفسير بعض الآيات من سورة الفجر والتي احتوت على ذكر قصة فرعون وكيف أنه طغى في البلاد التي كان فيها وهي مصر، وأكثر فيها الفساد؛ وذلك بكثرة المعاصي، كما أن في هذه الآيات بيان سنة الله فيمن يعصونه ويخالفون أمره ويكذبون رسله.

(64/1)


تفسير آيات من سورة الفجر:
________________________________________
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فنكمل ما ابتدأناه من تفسير سورة الفجر، وقد انتهينا من الكلام على قوله تعالى: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ [الفجر:6-9].......

(64/2)


تفسير قوله تعالى: (وفرعون ذي الأوتاد):
________________________________________
قال تعالى: وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ [الفجر:10] فرعون هو: الذي أرسل الله إليه موسى عليه الصلاة والسلام، وكان قد استذل بني إسرائيل في مصر يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم، وقد اختلف العلماء في السبب الذي أدى به إلى هذه الفعلة القبيحة، لماذا يُقتل الأبناء ويبقي النساء؟ قال بعض العلماء: إن كهنته قالوا له: إنه سيولد في بني إسرائيل مولود يكون هلاكك على يده، فصار يقتل الأبناء ويستبقي النساء. ومن العلماء من قال: إنه فعل ذلك من أجل أن يُضْعِفَ بني إسرائيل؛ لأن الأمة إذا قتلت رجالها واستبقيت نساؤها ذلت بلا شك، فالأول تعليل أهل الأثر والثاني تعليل أهل النظر -أهل العقل- ولا يبعد أن يكون الأمران جميعاً قد صارا علةً لهذا الفعل، ولكن بقدرة الله عز وجل أن هذا الرجل الذي كان هلاك فرعون على يده تربى في نفس بيت فرعون، فإن امرأة فرعون التقطته وربته في بيت فرعون، الذي استكبر في الأرض وعلا فيها وقال لقومه: أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى [النازعات:24] وقال لهم: مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي [القصص:38] وقال لهم: أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ [الزخرف:52] أي: موسى وَلا يَكَادُ يُبِينُ [الزخرف:52] فأنكر الألوهية وأنكر الرسالة، قال الله تعالى: فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ [الزخرف:54] وتعلمون أنه قال لقومه مقرراً لهم عظمته وسلطانه: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ [الزخرف:51] افتخر بالأنهار التي تجري من تحته وهي مياه، فأهلكه الله تعالى بجنسها حيث أغرقه وقومه في البحر الأحمر. فقوله تعالى: وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ أي: ذي القوة؛ لأن جنوده كانوا له بمثابة الوتد، والوتد كما نعلم تربط به حبال الخيمة فتستقر وتثبت، فافتخر فرعون بجنوده وملكه.

(64/3)


تفسير قوله تعالى: (الذين طغوا في البلاد):
________________________________________
قال تعالى: الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ [الفجر:11] الطغيان: مجاوزة الحد، ومنه قوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ [الحاقة:11] أي: لما زاد الماء حملناكم في الجارية يعني: بتلك السفينة التي صنعها نوح عليه الصلاة والسلام، فمعنى (طغوا في البلاد) أي: زادوا عن حدهم، واعتدوا على عباد الله.

(64/4)


تفسير قوله تعالى: (فأكثروا فيها الفساد):
________________________________________
قال تعالى: فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ [الفجر:12] أي: بالمعاصي وقتل الضعفاء، والفساد هنا هو: الفساد المعنوي، والفساد المعنوي يتبعه الفساد الحسي لقول الله تبارك وتعالى: وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ [الأعراف:96] ولهذا قال بعض العلماء في قوله تعالى: وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلاحِهَا [الأعراف:56] قالوا: لا تفسدوها بالمعاصي، وعلى هذا فيكون قوله: فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ [الفجر:12] أي: الفساد المعنوي لكن الفساد المعنوي يتبعه الفساد الحسي. وكان فيما سبق من الأمم أن الله تعالى يدمر هؤلاء المكذبين عن آخرهم، لكن هذه الأمة رفع الله عنها هذا النوع من العقوبة، وجعل عقوبتها أن يكون بأسهم بينهم حيث يدمر بعضهم بعضاً، وعلى هذا فما حصل من المسلمين من اقتتال ومن تدمير بعضهم بعضاً إنما هو بسبب المعاصي والذنوب، يسلط الله بعضهم على بعض، ويكون هذا عقوبة من الله سبحانه وتعالى.

(64/5)


تفسير قوله تعالى: (فصب عليهم ربك سوط عذاب):
________________________________________
قال تعالى: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر:13] صب عليهم: الصب معروف أنه يكون من فوق، والعذاب الذي أتى هؤلاء من فوق من عند الله عز وجل و(سوط عذاب) السوط: هو العصا الذي يضرب به، ومعلوم أن الضرب بالعصا نوع من العذاب، فهذا السوط الذي صبه الله تعالى على عاد وثمود وفرعون ليس كالعصا المعروفة لدينا، وإنما هو عصا عذاب أهلكهم الله تعالى به وأبادهم. نسأل الله تعالى أن يجعل لنا ولكم فيما سبق من الأمم عبرة نتعظ بها، وننتفع بها، ونكون طائعين لله عز وجل غير طاغين، إنه على كل شيء قدير، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

(64/6)


حكم قول (سمع الله لمن حمده .. ربنا ولك الحمد) بالنسبة للإمام والمأموم والمنفرد:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! بالنسبة للذي يصلي منفرداً هل يقول: سمع الله لمن حمده، أو يقول: ربنا ولك الحمد؟
________________________________________
الجواب: الإمام والمنفرد يقولان: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد، والمأموم يقول: ربنا ولك الحمد.

(64/7)


نصيحة لمن يخوضون في أعراض العلماء وولاة الأمور:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! في بعض المجالس يخوض بعض الناس في كثير من طلبة العلم والعلماء، يجرحون ويعدلون! فنريد نصيحة لهؤلاء لكي يشتغلوا بما ينفعهم؟
________________________________________
الجواب: من المعلوم أن الغيبة من كبائر الذنوب، والغيبة: ذكرك أخاك بما يكره، هكذا فسرها النبي صلى الله عليه وسلم، وقد حذر الله عنها في كتابه بأبلغ تحذير فقال جل وعلا: وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ [الحجرات:12] من الذي يقدم له لحم أخيه ميتاً فيأكله؟ لا أحد يأكله، كلٌ يكرهه، وهذا تمثيلٌ يستفاد منه غاية التحذير من الغيبة، وإذا كانت الغيبة في ولاة الأمور من العلماء أو الأمراء كانت أشد وأشد؛ لأن غيبة العلماء يحصل بها انتقاصهم، وإذا انتقص الناس علماءهم لم ينتفعوا من علمهم بشيء فتضيع الشريعة، وإذا لم ينتفع الناس بعلم العلماء فبماذا ينتفعون؟ أبجهل الجهال؟ أم بضلالة الضلال؟ ولهذا نعتبر الذي يغتاب العلماء قد جنى على الشريعة أولاً، ثم على هؤلاء العلماء ثانياً، ووجه الجناية على الشريعة ما ذكرته أنه يستلزم عدم قبول ما تكلم به هؤلاء العلماء من شريعة الله؛ لأنهم قد نقص قدرهم وسقطوا من أعين الناس فلا يمكن أن ينتفعوا بعلمه، وأما كونه غيبةً للشخص فهذا واضح. أما الأمراء فغيبتهم أيضاً أشد من غيبة غيرهم؛ لأنها تتضمن الغيبة الشخصية التي هي من كبائر الذنوب، وتتضمن التمرد على الأمراء وولاة الأمور؛ لأن الناس إذا كرهوا شخصاً لم يستجيبوا لتوجيهاته ولا لأوامره، بل يضادونه ويناوئونه، فيحصل بهذا شر عظيم؛ لأن قلوب الرعية إذا امتلأت حقداً وبغضاً لولاة الأمور انفلت الزمام، وحل الخوف بدل الأمان، وهذا شيء مشاهد ومجرب. ولهذا نرى أن الواجب على عامة الناس وعلى طلبة العلم بالأخص إذا سمعوا عن عالمٍ ما لا يرونه حقاً أن يتثبتوا أولاً من صحة نسبته لهذا العالم، كم من أناس نسبوا إلى العلماء ما لم يقولوه! ثم إذا ثبت عنده أنه قاله يجب عليه من باب النصيحة لله عز وجل ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين أن يتصل بهذا العالم يقول: بلغني عنك كذا وكذا، فهل هذا صحيح؟ فإما أن ينكر وحينئذٍ نطالب من نقل عنه هذا القول بالبينة، وإما أن يقر فإذا أقر أبين له وجهة نظري، أقول: هذا القول الذي قلته غير صحيح، فإما أن يقنعني وإما أن أقنعه، وإما أن يكون لكلٍ منا وجهٌ فيما قال، فيكون هو معذوراً باجتهاده وأنا معذورٌ باجتهادي وليس أن أتكلم في عرضه؛ لأنني لو استبحت لنفسي أن أتكلم في عرضه لكنت أبحت له أن يتكلم هو أيضاً في عرضي وحينئذٍ يحصل التنافر والعداوة والبغضاء. أما الأمراء فهم الأمر الثاني أيضاً، فالكلام في الأمراء كثير وتعرفون ذلك، أضرب لكم مثلاً سهلاً: إذا أمر ولي الأمر بشخص أن يؤدب تأديباً شرعياً يستحقه شرعاً فهل هذا المؤدب مع ضعف الإيمان في عصرنا هل سيقبل هذا الأدب ويرى أنه حق؟ أم يرى أنه ظلم وأن هذا الأمير معتدٍ عليه؟ الثاني: هذا الواقع، يعني: لسنا في عصر كعصر الصحابة يأتي الرجل يقول: يا رسول الله! زنيت طهرني. فإذا أمر ولي الأمر أن يؤدب هذا الرجل صار يشيع -كما قال بعض العلماء عن شخصٍ أشاع عنه قضية معينة فيما سلف، قال: إنك شخصٌ تذيع الشكية وتكتم القضية- ويشكي الناس أنه مظلوم وأن هذا -أي: ولي الأمر- ظالم وما أشبه ذلك. إذاً: غيبة ولاة الأمور تتضمن محذورين: المحذور الأول: أنها غيبة رجل مسلم. والمحذور الثاني: أنها تستلزم إيغار الصدور على الأمراء وولاة أمورهم وكراهتهم وبغضهم وعدم الانصياع لأمرهم؛ وحينئذ ينفلت زمام الأمان، ولهذا ما نرى من المنشورات التي تنشر في سب ولاة الأمور أو الحكومة نرى أن هذا محرم وأنه لا يجوز للإنسان أن ينشرها؛ لأنه إذا نشرها معناه أنها غيبةٌ لإنسان لا نستفيد من نشرها بالنسبة إليه شيئاً، لا نستفيد إلا أن القلوب تبغضهم وتكرههم، لكن هل هذا سيحسن من الوضع إذا كان الوضع سيئاً؟ أبداً. فلا يزيد الأمر إلا شدة، فنرى أن نشر مثل هذه المنشورات أن الإنسان آثمٌ بها؛ لأنه غيبة بلا شك، وأنه يوجب أن تكره الرعية رعاتها وتبغضهم ويحصل بهذا مفسدة عظيمة. وحتى لو فرضنا صحة ما جاء في هذه المنشورات، مع أننا لا ندري هل هو صحيح أو أنه كما قال عليه الصلاة والسلام: (إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته). لكن على تسليم أنه صحيح وأنه صدق هل يحل لنا نشره وهو غيبة؛ لأن الغيبة: (ذكرك أخاك بما يكره)؟ ثم إننا لو نعلم أن هذا المنشور حق وأنه سيحل المشكلة لكنت أول من ينشر هذا وأول من يوزعه، لكن نعلم أنه يحتاج إلى إثبات من وجه، ويحتاج -أيضاً- إلى أن ننظر: هل نشره من المصلحة أم من المفسدة؟ ربما يترتب على نشره من المفسدة أعظم بكثير من نفس هذا الخطأ؛ ولهذا يجب على الإنسان أن يتقي الله أولاً قبل كل شيء، وألا ينشر معايب الناس بدون تحقق، وألا ينشر معايب الناس إلا إذا رأى أن المصلحة في نشرها، أما إذا كان الأمر بالعكس فقد أضاف إلى مفسدة نشر معايب الناس مفسدة أخرى، والله حسيبه، وسوف يلقى جزاءه عند ربه، ونحن نتكلم بهذا عن أدلة فنقول: هل المنشورات في مساوئ الناس سواءً الأمراء أو العلماء هل هي من باب: (ذكرك أخاك بما يكره) أم لا؟ الجواب: نعم، من باب: (ذكرك أخاك بما يكره) وإذا كان من هذا الباب فهذه غيبة أم غير غيبة؟ غيبة، من قال أنها غيبة؟ قالها الرسول صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق وأنصح الخلق وأصدق الخلق. فإذا كانت الغيبة حراماً فهل يترتب على هذه الغيبة إصلاح ما فسد؟ أبداً، لا يترتب عليها إصلاح ما فسد. فتبين بهذا أن نشر المنشورات حرام وتوزيعها حرام، وأن الذي يفعل ذلك آثم وأنه سوف يحاسب على حسب نصوص الكتاب والسنة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت)وقال عليه الصلاة والسلام: (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر) وهذا ينافي الصبر لا شك. قد يقول قائل: إن الله تعالى قال في كتابه: لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ [النساء:148] فنقول: نعم. لكن معنى الآية الكريمة: أنه لا يجوز أن تجهر بالسوء إلا إذا ظلمت فتجهر في مظلمتك في الشكاية حتى تزال مظلمتك، فهذا معنى الآية، يعني: إذا ظلمني شخص فهو عاصٍ أذهب إلى أي شخص وأقول: فلان ظلمني واعتدى عليَّ فلا بأس بذلك؛ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ [النساء:148] ولم يقل: لا يحب الله الجهر بالسوء من القول إلا للظالم حتى نقول إنه عام، إلا من ظلم فله أن يجهر بالسوء من القول فيمن ظلمه؛ لأنه من طبيعة الإنسان أنه يتكلم مع صديقه فيما جرى له من ظلم إنسانٍ عليه؛ لأن في هذا تفريجاً عنه وإزالة غم ولا حرج في هذا. أما أن ننشر معايب الناس على وجهٍ نعلم أن مفسدته أكثر بكثير من مصلحته إن كان فيه مصلحة، ولا ندري هل يثبت أم لا؛ فإن هذا لا يشك إنسانٌ عاقل عرف مصادر الشريعة ومواردها أن ذلك حرام، فنسأل الله تعالى أن يقينا وإياكم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن، وأن يصلح ولاة أمورنا من العلماء والأمراء، وأن يصلح عامتنا إنه على كل شيءٍ قدير.

(64/8)


المفهوم الخاطئ للمنافسة:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! إذا أقيمت الصلاة وبدأ المصلون يعتدلون للصلاة فمثلاً يكون في الصف الأول من كان عن يمين الإمام تحركوا إلى اليسار للمكان الذي يوجد فيه بعض الفُرج، والذين كانوا يقفون عن يسار الإمام تحركوا إلى ميامنهم فيدخل بعض الذين في الصف الثاني لسد الفُرج، والتي كان يسعى لسدها أصحاب الصف الأول أنفسهم، وربما حجز هذا الداخل إلى الصف الأمامي بيده الناس في الصف الأمامي ليدخل بينهم فهل يتركه هذا الشخص المحجوز ليأخذ المكان الفاضل منه ويبقى هو في المكان المفضول والله يقول: وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26]؟
________________________________________
الجواب: هذا لا يجوز، وهذا عدوان على حق الغير، نعم لو فرضنا أنه وقف ولم يدنُ أو نظر إليك يريد أن تسد الفرجة فهذا لا بأس أسقط حقه، وأما أنه متهيئ لأن يدنو فتأتي أنت وتمنعه وتدخل في هذا المكان فهذا لا يجوز فإنه عدوانٌ على حق أخيك، ولأنه يورث العداوة والبغضاء. وأما الآية الكريمة وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ [المطففين:26] فالمنافسة ليست هي العدوان على الغير، بل المنافسة أن تنافس غيرك في حقٍ لا تضره في ذلك.

(64/10)


كلمة توجيهية للذين يقضون أيام الإجازة في التسكع في الشوارع أو السفر إلى البلاد الأوروبية:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! نريد منكم توجيه كلمة للذين يقضون أيام الإجازة في التسكع في الشوارع والجلوس على الأرصفة ولا يذهبون إلى المراكز الصيفية أو حلقات تحفيظ القرآن الكريم، وكذلك إلى الذين يذهبون إلى البلاد الأوروبية لقضاء الإجازة هناك جزاك الله خيراً.
________________________________________
الجواب: هذا طلب طيب من هذا السائل جزاه الله خيراً، وهو يتضمن شيئين: أما الشيء الأول: فهو السفر إلى بلاد خارجية لقضاء هذه الإجازة فيها فنقول: إن السفر إلى بلاد كافرة أو بلاد منهمكة في المعاصي لا يجوز لأمور عدة: الأمر الأول: أن فيه إضاعةً للمال في قيمة التذاكر، وأجور الفنادق أو الشقق أو غير ذلك، ففيه إضاعة مال كثير، وهذا المال الذي تضيعه في هذه التنزهات اجعله نافعاً لك يوم القيامة في بناء مسجد، اجعله في إعانة إخوانك المجاهدين في البوسنة والهرسك ، أو في الصومال ، أو في كشمير ، أو المجاهدين في الجمهوريات الإسلامية التي تحررت من الشيوعية ، أو في غير ذلك من أوجه الخير والبر. ثانياً: أن فيه إضاعة الوقت؛ لأن غالب الذين يذهبون لهذه النزهات لا يذهبون إلى الدعوة إلى الخير، أو إلى تعليم الناس الجاهلين، بل ربما يذهبون لأشياء محرمة لا إشكال في تحريمها، فيكون في ذلك إضاعةً للوقت والمال. ثالثاً: أنه يخشى على عقيدة المرء، وعلى أخلاقه، وعلى عباداته، وعلى أهله إن كانوا معه. يخشى عليه في عقيدته أن يقول: كيف أنعم الله على هؤلاء بهذا الترف وهذا النعيم وهم كفار وهو مؤمن؟ وقد قدر عليه رزقه، فيشك هل الإيمان خير أم الكفر خير؟ ولم يعلم المسكين أن هؤلاء عجلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا وهذا الترف بالنسبة لهم جنة؛ لأنهم ينتقلون بعده إلى عذاب وجحيم -والعياذ بالله- والفقر بالنسبة إليه إذا كان من المؤمنين يعتبر ابتلاء من الله عز وجل يؤجر عليه ويثاب عليه إذا صبر، قال تعالى: إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر:10]. وأما كونه خطراً على عبادته: فإنه قد يصحب أناساً هناك لا يهتمون بالصلاة، ولا بالأذكار، ولا بالتقرب إلى الله، فيكتسب منهم صفاتهم ويصدونه عن ذكر الله وعن الصلاة. وأما أنه خطر على أخلاقه فظاهر: لأنه هناك يجد المرأة المتبرجة غاية التبرج، وعلى جمال فاضح، وغالباً تكون متطيبة متبرجة فتفتن من لا يفتتن، وهناك لا حياء ولا دين فيسهل عليه الانزلاق وراء الشهوة. وأما كونه خطر على أهله فذلك ظاهر أيضاً: فإن الصغار إذا ارتسم في أفكارهم شيء من الصغر لا يتحول عنهم إذا كبروا، فيحصل أن هؤلاء الصغار يتذكرون دائماً في هذه الحال الفظيعة التي كان عليها أهل هذه البلدة التي سافروا إليها. أما بالنسبة لشبابنا في هذه البلاد فإنني أحثهم على أن يلتحقوا بواحدة من جهات ثلاث: أولاً: حِلَقْ تحفيظ القرآن، فهي -والحمد لله- متوفرة في المدن الكبيرة والقرى. ثانياً: الالتحاق بالمساجد في حلق العلماء الذين يدرسون العلم كما يوجد -والحمد لله- منذ سنتين أو نحوها دورات في المدن يسمونها دورات مكثفة، يتكلم فيها علماء موثوقون ينتفع بهم الشباب. ثالثاً: الالتحاق بالمراكز الصيفية التي يقوم عليها رجال موثوقون في علومهم وأفكارهم وأخلاقهم، والمراكز الصيفية متنوعة فيها علوم شرعية، وعلوم عربية، وفيها -أيضاً- فنون مباحة، كتعلم نجارة أو كتابة وما أشبه ذلك، وهي تكف الإنسان عن ضياع وقته. فنحث أبناءنا على الالتحاق بإحدى هذه الجهات الثلاث حتى لا تضيع أوقاتهم وتتبلد أفكارهم فيقعوا في مهاوي الشهوات، وفي المثل السائر الذي قيل نظماً:
إن الشباب والفراغ والجدة *** مفسدة للمرء أي مفسده

(64/11)


حكم من يدعي أن فوز الرجل أو فشله لحسن الطالع أو سوء الطالع:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! نجد في تعليق بعض المعلقين الذين يعلقون على المباريات عندما ينهزم أحد الفريقين يقول: هذا الفريق هزم نتيجة سوء الطالع، فهذه الكلمة أشكلت عليَّ كثيراً، فما رأيكم في هذا التعليق؟
________________________________________
الجواب: نعم. هذه الكلمة يقولها من لا يعرف الشريعة، يقول للشخص إذا نجح: هذا من حسن الطالع، وإذا رسب: هذا من سوء الطالع، وهذا من التنجيم الذي هو نوع من الشرك؛ وذلك لأن الطالع والغارب ليس له تأثير في الحوادث الأرضية بل الأمر بيد الله، سواء ولد الإنسان في هذا الطالع أو في هذا الغارب أو في أي وقت، وفي الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي رواه زيد بن خالد الجهني قال: صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم صلاة الصبح، ونحن في الحديبية على إثر سماء كانت من الليل -يعني: على أثر مطر- فقال: (هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب) وهذا الذي يدعي أن فوز الرجل أو فشله لحسن الطالع أو سوء الطالع من هذا النوع الذي قال فيه الرسول صلى الله عليه وسلم أنه كافر بالله؟ فالواجب على من قاله أن يتوب إلى الله من ذلك، وعلى من سمعه أن ينكر عليه وأن يبين ذلك في المجالس العامة والمجالس الخاصة بالشباب؛ لأن بعض الناس لا يعرف معنى هذه الكلمة ولا يعرف على أي شيء بنيت.

(64/12)


حكم من ترك ركناً من أركان الصلاة:
________________________________________
السؤال: رجل صلى خلف الإمام فترك الرفع من السجود؛ لأنه لم يسمع صوت الإمام، ولم يأتِ بهذا الركن، فهل يأتي بركعة أم يجلس ويسلم مع الإمام؟
________________________________________
الجواب: نقول: يأتي بركعة؛ لأنه ترك ركناً من أركان الصلاة، ومن ترك ركناً من أركان الصلاة حتى سلم فإنه يجب عليه أن يأتي بركعة تامة ثم يسلم، ثم يسجد للسهو ويسلم.

(64/13)


من نسي التشهد الأول ونهض ولم يستتم قائماً ثم تذكر وجلس:
________________________________________
السؤال: إذا ترك رجل التشهد الأول فرفع، ولكن تراجع قبل أن يتم القيام، فهل يشرع له سجود السهو أم لا؟
________________________________________
الجواب: إذا نسي التشهد الأول ونهض ولكن لم يستتم قائماً فإنه يجب عليه أن يرجع إذا ذكر؛ لأنه لم يصل إلى الركن الذي يليه، ولكن هل يجب عيه سجود السهو أم لا؟ من العلماء من قال: إنه لا يجب عليه سجود السهو؛ لأنه لم يصل إلى الركن الذي يليه، ولحديث ورد في ذلك وفيه شيء من الضعف، ومنهم من قال: ينظر إن كان إلى القيام أقرب وجب عليه سجود السهو، وإن كان إلى الجلوس أقرب لم يجب عيه سجود السهو، فإن سجد فإننا لا ننكر عليه، وإن لم يسجد فإننا لا نأمره بذلك.

(64/14)


أقسام الحركات في الصلاة:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! هناك إمام لا أدري هل به مرض أم ماذا، فهو دائماً إذا كبر للصلاة وانتهى من التكبيرة يتقدم يمشي خطوتين أو ثلاث خطوات، وأصبحت عادة عنده أن جماعة المسجد الذي يصلي فيه لا ينكرون عليه ذلك، لكن لما يأتي إنسان غريب أو إنسان يصلي معه يلاحظ أنه يمشي ويتقدم ويرجع مع أنه الإمام، فما حكم ذلك؟
________________________________________
الجواب: لو أن هذا شيء بغير اختياره فهو معذور؛ لأن بعض الناس قد يكون معه شيء من الدوخة فيحاول أن يتماسك فيتقدم عندئذ أو يتأخر. وإن كان باختياره فإنه ينهى عنه؛ لأن هذه حركة في الصلاة بدون حاجة، وكل حركة في الصلاة بدون حاجة فإنها مكروهة، وهنا يحسن بنا أن نبين أقسام الحركات في الصلاة. أقسام الحركات في الصلاة خمسة: حركة واجبة، وحركة محرمة، وحركة جائزة، وحركة مكروهة، وحركة مستحبة. فالحركة الواجبة: هي التي يتوقف عليها صحة الصلاة، هذا ضابط الحركة الواجبة ونذكر لذلك مثالين: المثال الأول: إنسان تذكر أن في غترته نجاسة وهو يصلي، فيجب عليه أن يتحرك لخلع الغترة ويستمر في صلاته، والغترة نوع مما يلبس على الرأس. المثال الثاني: رجل يصلي إلى غير قبلة، فجاءه عالم بالقبلة فقال له: القبلة على يمينك. فهنا يجب عليه أن ينحرف إلى القبلة، ولكل واحدة من هاتين المسألتين دليل. أما المسألة الأولى: فدليلها أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي في نعليه وفيهما قذر لم يعلم به، فجاءه جبريل فأخبره بذلك، فخلع نعليه واستمر في صلاته. وأما الثانية: فإن أهل قباء كانوا يصلون صلاة الفجر إلى جهة بيت المقدس ، وكانت مكة وراءهم وأتاهم آت فقال لهم: إن النبي صلى الله عليه وسلم أنزل عليه قرآن، وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها، فانحرفوا إلى جهة الكعبة وهم يصلون. والحركة المستحبة: هي التي يتوقف عليها فعل مستحب.. هذا ضابطها. مثال ذلك: انفتحت فرجة أمامك في الصف، وسد الفرجة سنة، فتقدمت لهذه الفرجة، فهذه حركة مستحبة، وكذلك تقارب الصف، فإذا صار بينك وبين جارك فرجة فقربت منه فهذه أيضاً حركة مستحبة. والحركة المحرمة: هي الحركة التي تنافي الصلاة، يعني: أنها كثيرة بحيث يقول من رآك تتحرك: إنك لست في صلاة، فهذه محرمة، وضابطها أن تكون كثيرة متوالية. الحركة المكروهة: هي الحركة القليلة بلا حاجة، مثل ما يحصل من بعض الناس حيث يعبث في صلاته بقلمه أو ساعته أو عقاله أو مشلحه بدون حاجة، فهذه حركة مكروهة. الحركة الجائزة: هي الحركة اليسيرة إذا كانت لحاجة، أو الحركة الكثيرة إذا كانت لضرورة. مثال الحركة اليسيرة للحاجة: إنسان يشق عليه أن يصلي على الأرض مباشرة؛ لأنها حارة، أو لأن فيها شوكاً، أو فيها حصىً يؤلم جبهته، فصار يتحرك، يضع المنديل ليسجد عليه، فهذه حركة جائزة؛ لأنها لحاجة، لكنها يسيرة، والمنديل ينبغي أن يكون واسعاً بحيث يتسع لكفيه وجبهته، هذا هو الأحسن؛ لأنه لو كان لا يسع إلا الجبهة فقط لكان فيه نوع مشابه للرافضة الذين يسجدون على حصىً معين، أو على حجر معين، فالعلماء قالوا: يكره أن يخص جبهته بشيء يسجد عليه، لأن هذا فعل الرافضة ، لكن إذا لم يكن معه إلا منديل صغير لا يتسع إلا للجبهة وهو محتاج إلى أن يسجد عليه فلا بأس.. فهذه حركة يسيرة لحاجة. وهناك الحركة الكثيرة للضرورة: إن كنت تصلي فهاجمك سبع ففي هذه الحال تحتاج إلى حركات كثيرة وسريعة، فلا بأس بأن تدفع عن نفسك هذا الخطر ولو كنت في صلاتك لقوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً [البقرة:239] يعني: إن خفتم على أنفسكم فصلوا رجالاً يعني: على أرجلكم، ولو كنت تهرب، أو ركباناً: على الرواحل. هذه أقسام الحركات في الصلاة، فاحرص على أن يخشع قلبك وجوارحك حتى تكون صلاتك تامة، فقد امتدح الله الذين هم في صلاتهم بأنهم خاشعون.

(64/15)


صلاة الموظفين في مكاتبهم إذا كان المسجد بعيداً:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! يبعد المسجد من مقر العمل قرابة أربعمائة متر، فبعض الإخوان في العمل قالوا: نضع مصلى في أحد المكاتب نصلي فيه؛ لأن المسجد بعيد وهم يتأذون من حرارة الشمس عند الذهاب إليه، فهل هذا العمل صحيح؟
________________________________________
الجواب: الذي نرى أنه لا بأس به أن يصلي أهل المكاتب في مكاتبهم إذا كان خروجهم إلى المسجد يؤدي إلى تعطل العمل، أو يؤدي إلى تلاعب بعض الموظفين الذين يخرجون للصلاة ويتأخرون، وإذا كان المسجد بعيداً أيضاً جاز لهم الصلاة في مكان عملهم، فالمهم إذا كان هناك مصلحة أو حاجة إلى أن يصلوا في مكاتبهم فلا حرج.

(64/16)


حكم وضوء مَن خرج من دورة المياه وهو ساهٍ فذهب وتوضأ:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! رجل خرج من دورة المياه وهو ساه فذهب وتوضأ، فهل وضوءه هذا صحيح علماً بأنه قد لا يكون له نية فيه؟
________________________________________
الجواب: الوضوء صحيح ولو كان ساهياً؛ لأنه ما الذي جعله يذهب إلى الميضأة ويغسل كفيه ويتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه إلى نهاية الوضوء، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله؟ فهذا لم يذهب إلى مكان الوضوء إلا وهو ناوٍ له، ولو كان يفكر في شيء آخر فإن ذلك لا يضره ولا يبطل وضوءه. يقول بعض العلماء رحمهم الله: لو كلفنا الله عملاً بلا نية لكان من تكليف ما لا يطاق، وجاء رجل إلى ابن عقيل -عالم من علماء الحنابلة المتقدمين- قال له: يا سيدي. إنني أذهب أغتسل من الجنابة في نهر دجلة، ثم أخرج ولا زلت أعتقد أني على الجنابة!! قال له ابن عقيل رحمه الله: لا تصل! فقال الرجل: تأمرني بترك الصلاة؟! فقال ابن عقيل : لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق...) ورجل يذهب إلى دجلة يغتسل ثم يقول: أعتقد أنني لا زلت على الجنابة فهذا جنون!!

(64/17)


تعريف العالم:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! حصل لبس وخلط عند بعض الشباب في تحديد من هو العالم، فنتج عن ذلك أن وضع من ليس بعالم مثل زاهد أو عابد أو واعظ في مصافِّ العلماء، فجعلوه مصدراً للتلقي والتوجيه والتعليم وما إلى ذلك، فنريد من فضيلتكم تحديد من هو العالم وصفته وجزاكم الله خيراً؟
________________________________________
الجواب: العالم عرفه ابن القيم رحمه الله في تعريف جامع فقال:
العلم معرفة الهدى بدليله *** ما ذاك والتقليد يستويان
فالعالم هو الذي يعرف العلم الحق بالدليل، والعلم قد يكون علماً واسعاً يعرف الإنسان غالب المسائل، وما لا يعرفه منها فعنده قدرة على معرفتها، وقد يكون الإنسان عالماً في مسألة واحدة، يأخذ الكتب ويبحث فيها وينظر أدلة العلماء، فيصير عالماً بها فقط، ومن هذا ما جاء به الحديث (بلغوا عني ولو آية) لكن غالب الوعاظ يأتون بأدلة لا زمام لها، أدلة ضعيفة يريدون بذلك تقوية الناس في الأمور المطلوبة، وتحذيرهم من الأمور المرهوبة، ويتساهلون في باب الترغيب والترهيب، وهؤلاء فيهم نفع لا شك، لكن ليسوا أهلاً لأن يتلقى عنهم العلم الشرعي، بحيث يعتمد على ما يقولون، إلا إذا قالوا: نحن نقول كذا لقوله تعالى كذا وكذا، ونقول كذا لقول النبي صلى الله عليه وسلم كذا، ويأتون بحديث صحيح فمعلوم أن من أتى بعلم وحجة فهو مقبول، لكن ابن مسعود رضي الله عنه حذر من القرَّاء بلا فقه. والمراد بالفقه أن يكون عند الإنسان حكمة فيضع الأشياء مواضعها، وأن يكون عند الإنسان دليل يكون حجة له عند الله عز وجل وأظن أنه لا يخفى على عامة الناس العالم من طالب العلم.

(64/18)


حكم شرب المشروبات اليهودية:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! يوجد مشروب يسمى (الكولا) تنتجه شركة يهودية، فما حكم شراب هذا المشروب؟ وما حكم بيعه؟ وهل هو من التعاون على الإثم والعدوان أم لا؟
________________________________________
الجواب: ألم يبلغك أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى من يهودي طعاماً لأهله، ومات ودرعه مرهونة عند هذا اليهودي؟ ألم يبلغك أن الرسول صلى الله عليه وسلم قبل الهدية من اليهود؟ ولو أننا قلنا: لا نستعمل ما صنعه اليهود أو لا نأكل ما صنعه اليهود مما لا يشترط فيه الذكاة لفات علينا شيء كثير من استعمال سيارات ما يصنعها إلا اليهود، وأشياء نافعة أخرى لا يصنعها إلا اليهود. صحيح أن هذا المشروب قد يكون فيه بلاء يضعه اليهود؛ لأن اليهود غير مؤتمنين؛ ولهذا وضعوا للرسول صلى الله عليه وسلم السم في الشاة التي أهدوها إليه ومات صلى الله عليه وسلم وهو يقول: (ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، وهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم) يعني: موتي، ولهذا قال الزهري رحمه الله: إن النبي صلى الله عليه وسلم مات بقتل اليهود له، لعنة الله عليهم، ولعنة الله على النصارى، فهم لا يؤتمنون لا اليهود ولا النصارى، لكن في ظني أن هذا الذي يرد إلينا لا بد أن يكون قد اختبر ومُحِّص، وعرف هل فيه خطر أو ضرر أم لا.

(64/19)


حكم من سب الدين في حالة الغضب:
________________________________________
السؤال: شيخنا: ما حكم من سب الدين والرب وذلك إذا نشأ بين قوم قد اعتادوا هذا الأمر في ساعة غضب، وكذلك كيف تكون معاملته إذا كان يعتقد نفسه مسلماً؟
________________________________________
الجواب: قال أهل العلم: من سب الله أو رسوله أو كتابه أو دينه فهو كافر جاداً أو لاعباً، واستدلوا بقول الله تعالى عن المنافقين الذين كانوا يسبون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه: وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66] وجاء رجل منهم إلى الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: إنما كنا نتحدث حديث الركب، لنقطع به عنا الطريق، فكان النبي صلى الله عليه وسلم لا يزيد على أن يقول له: قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:65-66]. أما إذا قالها عند غضب شديد بحيث لا يملك نفسه ولا يدري ما يقول فإنه لا يكفر بذلك؛ لأنه غير مريد للقول، ولهذا لو طلق الإنسان زوجته في غضب شديد لا يملك نفسه عنده فإن زوجته لا تطلق؛ لأنه لم يرد طلاقها، وتعلمون أن الرسول صلى الله عليه وسلم حدث عن فرح الله سبحانه وتعالى بتوبة العبد، وأنه أشد فرحاً بذلك من رجل كان في السفر ومع بعيره عليها طعامه وشرابه، فضلت عنه، فطلبها ولم يجدها، فنام تحت شجرة ينتظر الموت، ما بقي عليه إلا أن يموت، فإذا بخطام الناقة متعلقاً بالشجرة، فأخذه وقال: (اللهم أنت عبدي وأنا ربك) يريد أن يقول: أنت ربي وأنا عبدك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: (أخطأ من شدة الفرح) ولم يقل: هذا كافر..فالمهم أن من سب الله أو رسوله أو دينه أو كتابه جاداً كان أو هازلاً فهو كافر. أما من فعل ذلك غاضباً وهو لم يملك نفسه ولا يدري ما يقول فإنه لا يكفر؛ لأنه لا اعتداد بقوله بل هو حكم المجنون، ولكن ينبغي عليه إذا أفاق وذهب عنه الغضب أن يراجع نفسه ويستغفر الله تعالى ويطهر لسانه من هذا الشيء القبيح. ويتعود ذكر الله تعالى والثناء عليه، فإذا تعود لسانه ذلك فإنه لن ينطق بالسباب ولو عند الغضب.

(64/20)


حكم من سب الله تعالى وحكم توبته:
________________________________________
السؤال: كيف يعامل من كان يعتقد نفسه مسلماً وهو ساب لله؟
________________________________________
الجواب: هذا ليس بمسلم ما دام قصد القول، فإن ساب الله تعالى كافر ولو كان ذلك على وجه اللعب والمزاح، بل إن فقهاء الحنابلة رحمهم الله يقولون: من سب الله لا تقبل توبته، يعني: لو جاء وقال: أشهد أني مخطئ وأنا تائب، وأن الرب عز وجل له كمال الصفات يقولون: ما نقبل توبتك وحكمك القتل وتوبتك بينك وبين ربك. لكن الصحيح أنه تقبل إذا علمنا أنه صادق التوبة، وذلك من سيرته واستقامته فيما بعد.

(64/21)


حكم سب الأطفال للدين:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! ما حكم سب الأطفال للدين؟
________________________________________
الجواب: تعلمون أن الأطفال مرفوع عنهم القلم، ولكنهم ينهون عن سب الدين ويؤدبون.

(64/22)


حكم من يأخذ من بعض الناس مالاً ليحج عنه ولا يحج وكيفية التوبة من ذلك:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! حفظك الله، قرية كاملة في جنوب المملكة كانوا ينتظرون موسم الحج بفارغ الصبر؛ لأنهم كانوا يعتبرون أن قوتهم طوال العام لا يكون إلا في هذا الموسم، فكان كل فرد من أفراد هذه القبيلة يبحث عن رجل يحج عنه نظير مبلغ من المال، ويزعمون أن لديهم طلبة علم يعرفون المناسك، فإذا أخذوا تلك المبالغ لا يؤدون الفريضة عن هذا الذي أخذوا منه المال، وكثير منهم تاب من هذا العمل ويسأل ماذا عليه أن يفعل الآن؟ وجزاكم الله خيراً.
________________________________________
الجواب: هذا في الواقع عمل محرم مشين، أما كونه محرماً فلأنهم أخذوا المال ولم يؤدوا الأعمال التي أخذوا المال من أجلها، فهذا أكل للمال بالباطل. وأما كونه مشيناً فإن أخاهم المسلم ائتمنهم ووثق بهم على أداء فريضة من فرائض الإسلام فخانوه بذلك، فالواجب على هؤلاء بعد التوبة أن يحصوا جميع الحجج التي أخذوها، وأن يؤدوها في السنوات التالية، وإذا لم يستطيعوا بأنفسهم فلينيبوا غيرهم ممن يرون أنه أهل للإنابة؛ لأنهم أخذوا أموال الناس بشرط أن يحجوا عنهم، فلا تبرأ ذمتهم إلا بالوفاء بهذا الشرط، فليحجوا بأنفسهم أو لينيبوا غيرهم.

(64/23)


حكم من يصلي الفجر منفرداً في المسجد لعدم وجود المصلين مع وجود مسجد بعيد تقام فيه الجماعة:
________________________________________
السؤال: فضيلة الشيخ! جماعة استهموا في بناء مسجد صغير في الحي؛ لأن المسجد الكبير بعيد منهم، وهم يصلون فيه جميع الصلوات إلا صلاة الفجر فلا يصلي في هذا المسجد صلاة الفجر إلا رجل واحد، علماً بأنه هو الذي يؤذن ويصلي، فهل يستمر على هذا الوضع فيصلي صلاة الفجر وحده أم يذهب إلى المسجد البعيد بسيارته؟
________________________________________
الجواب: عليه أولاً أن ينصح جماعة الحي بأن يأتوا لصلاة الفجر، ويرغبهم في ذلك، فقد ييسر الله له من يشاركه في صلاة الجماعة، أما إذا لم يأت أحد وتأكد من ذلك فالأفضل أن يذهب للمسجد الثاني.

(64/24)


فتاوى: لقاءات الباب المفتوح
لفضيلة الشيخ العلامة:محمد بن صالح العثيمين
- طيب الله ثراه -
لقاء الباب المفتوح [65]________________________________________
في هذا اللقاء تفسير بعض الآيات من سورة الفجر، وفيها أن الله تعالى بالمرصاد لكل من طغى واعتدى وتكبر، وأنه سوف يعاقبه ويؤاخذه، وأن الله عز وجل يبتلي الإنسان بالخير والشر كما هو واضح في الآيات التي تحدث عنها الشيخ في هذه السورة.

(65/1)


تفسير آيات من سورة الفجر:
________________________________________
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فهذا هو اللقاء الخامس والستون من اللقاء الأسبوعي الذي يتم في كل يوم خميس، وهذا هو يوم الخميس الثالث عشر من شهر صفر عام (1415هـ). لقاؤنا هذا اليوم سيكون في تفسير آيات من سورة الفجر، حيث وقفنا على قول الله تبارك وتعالى: فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ [الفجر:13].......

(65/2)


تفسير قوله تعالى: (إن ربك لبالمرصاد):
________________________________________
قال الله تعالى: إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ)[الفجر:14] الخطاب هنا للنبي صلى الله عليه وسلم أو لكل من يتوجه إليه الخطاب، يبين الله عز وجل أنه بالمرصاد لكل من طغى واعتدى وتكبر، وأنه سوف يعاقبه ويؤاخذه، وهذا المعنى له نظائر في القرآن الكريم، منها قوله تبارك وتعالى: أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا [محمد:10] وكقول شعيب لقومه: أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ)[هود:89] فسنة الله سبحانه تعالى واحدة في المكذبين لرسله المستكبرين عن عبادته، هو لهم بالمرصاد، وهذه الآية تفيد التهديد والوعيد لمن استكبر عن عبادة الله أو كذب خبره.

(65/3)


تفسير قوله تعالى: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه):
________________________________________
ثم قال الله عز وجل: فَأَمَّا الإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ [الفجر:15-16] الابتلاء من الله عز وجل يكون بالخير وبالشر، كما قال تعالى: وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [الأنبياء:35] فيبتلي الإنسان بالخير ليبلوه أيشكر أم يكفر؟ ويبتليه بالشر ليبلوه أيصبر أم يفجر؟ وأحوال الإنسان كما تعلمون جميعاً دائرة بين خير وشر، بين خير يلائمه ويسره، وبين شر لا يلائمه ولا يسره، وكله ابتلاء من الله. الإنسان بطبيعته الإنسانية المبنية على الظلم والجهل إذا ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه يقول: ربي أكرمن؛ يعني: أني أهل للإكرام، ولا يعترف بفضل الله عز وجل عليه، وهذا كقوله تعالى: قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص:78] لما ذُكر بنعمة الله عليه قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي [القصص:78] ولم يعترف بفضل الله، وما أكثر الناس الذين هذه حالهم، إذا أكرمهم الله عز وجل ونعمهم قالوا: هذا إكرام من الله لنا؛ لأننا أهل لذلك، ولو أن الإنسان قال: إن الله أكرمني بكذا اعترافاً بفضله، وتحدثاً بنعمته، لم يكن عليه في ذلك بأس، لكن إذا قال: أكرمني، يعني: أني أهل للإكرام، كما يقول -مثلاً- كبير القوم إذا نزل ضيفاً على أحدهم قال: أكرمني فلان؛ لأنني أهل لذلك. وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ [الفجر:16] يعني: ضيق عليه الرزق فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ [الفجر:16] يقول: إن الله تعالى ظلمني فأهانني ولم يرزقني كما رزق فلاناً، ولم يكرمني كما أكرم فلاناً، فصار عند الرخاء لا يشكر، يعجب بنفسه ويقول: هذا حق لي، وعند الشدة لا يصبر، بل يعترض على ربه ويقول: ربي أهانن، وهذا حال الإنسان باعتباره إنساناً، أما المؤمن فليس كذلك، أما المؤمن إذا أكرمه الله ونَعَّمَه شَكَرَ ربه على ذلك، ورأى أن هذا فضل من الله عز وجل وإحسان، وليس من باب الإكرام الذي يقدم لصاحبه على أنه مستحق، وإذا ابتلاه الله عز وجل وقدر عليه رزقه صبر واحتسب وقال: هذا بذنبي، والرب عز وجل لم يهني ولم يظلمني، فيكون صابراً عند البلاء، شاكراً عند الرخاء. وفي الآيتين إشارة إلى أنه يجب على الإنسان أن يتبصر فيقول -مثلاً-: لماذا أعطاني الله المال؟ ماذا يريد مني؟ يريد مني أن أشكر، لماذا ابتلاني الله بالفقر أو بالمرض وما أشبه ذلك؟ يريد مني أن أصبر، فليكن محاسباً لنفسه حتى لا تكون حاله مثل حال الإنسان المبنية على الجهل والظلم.

(65/4)


تفسير قوله تعالى: (كلا بل لا تكرمون اليتيم):
________________________________________
ولهذا قال تعالى: كَلَّا [الفجر:17] يعني: لم يعطك ما أعطاك إكراماً لك لأنك مستحق، ولكنه تفضل منه، ولم يهنك حين قدر عليك رزقك، بل هذا مقتضى رحمته وعدله. ثم قال تعالى: بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ [الفجر:17] يعني: أنتم إذا أكرمكم الله تعالى بالنعم لا تعطفون على المستحقين للإكرام وهم اليتامى، فاليتيم هنا اسم جنس، وليس المراد يتيماً واحداً بل جنس اليتامى؛ واليتيم كما قال العلماء: هو الذي مات أبوه قبل بلوغه من ذكر أو أنثى، وأما من ماتت أمه فليس بيتيم، وقوله: بَلْ لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ [الفجر:17] واليتيم يشمل الفقير من اليتامى والغني، يعني: حتى الغني من اليتامى ينبغي الإحسان إليه وإكرامه؛ لأنه انكسر قلبه بفقد أبيه ومن يقوم بمصالحه، فأوصى الله تعالى به حتى يزول هذا الكسر الذي أصابه.

(65/5)