صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : فتاوى يسألونك
المؤلف : حسام الدين عفانة
عدد الأجزاء : 10 و ينقص هنا الجزء 6
مصدر الكتاب : موقع الشيخ على الإنترنت
www.yasaloonak.net
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
قام بفهرسة و تنسيق الكتاب أخوكم أسامة بن الزهراء - عفا الله عنه- لملتقى أهل الحديث

الاقتراض بالربا للضرورة !!
يقول السائل : ما قولكم فيمن اقترض قرضاً ربوياً [ بالفائدة ] لشراء سيارة جديدة معللاً ذلك بأن السيارة شيء أساسي في حياة الإنسان وأنه لم يجد من يقرضه قرضاً حسناً فاضطر للاقتراض بالفائدة والضرورات تبيح المحظورات ؟
الجواب : لا بد أولاً من معرفة الضرورة عند العلماء وما هي المحظورات التي تباح بالضرورة لنرى هل ما فعله هذا الشخص يدخل ضمن ذلك أم لا ؟
فنقول إن الشريعة الإسلامية جاءت باليسر والسماحة ودفع المشقة ورفع الحرج عن الناس .
يقول الله تعالى :( إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) سورة البقرة الآية 173 .
ويقول الله تعالى :( حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) سورة المائدة الآية 3 .

(5/97)


ويقول الله تعالى :( قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) سورة الأنعام الآية 145 .
ويقول الله تعالى :( وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) سورة الأنعام الآية 119 .
فهذه الآيات الكريمات بينت أن حالات الضرورة مستثناة من التحريم وبناءً على ذلك قال الفقهاء :[ الضرورة هي أن تطرأ على الإنسان حالة من الخطر أو المشقة الشديدة بحيث يخاف حدوث ضرر أو أذى بالنفس أو بالعضو أو بالعرض أو بالعقل أو بالمال وتوابعها ويتعين أو يباح عندئذ ارتكاب الحرام أو ترك الواجب أو تأخيره عن وقته دفعاً للضرر عنه في غالب ظنه ضمن قيود الشرع ] نظرية الضرورة الشرعية ص 67-68 .
وقاعدة الضرورات تبيح المحظورات ليست على عمومها ولم يقل أحد من أهل العلم أن كل محظور يباح عند الضرورة .
فالضرورة لا تدخل في كل الأمور المحرمة بمعنى أن هنالك محرمات لا تباح بالضرورة كالقتل فلا يباح قتل المسلم بحجة الضرورة فلا يجوز لمسلم أن يقتل مسلماً ولو كان مضطراً أو مكرهاً لأن قتل النفس لا يباح إلا بالحق يقول الله تعالى :( وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ) سورة الإسراء الآية 33 .
فقد اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز للمسلم أن يقدم على قتل غيره بحجة الضرورة .
وكذلك فإن الزنا لا يباح بحجة الضرورة فلا يحل لمسلم أن يزني بحجة الضرورة ولو كان مكرهاً .
ولكن يجوز أكل الميتة وأكل لحم الخنزير في حال الاضطرار وكذا إساغة اللقمة بالخمر عند الغصة أو عند العطش الشديد أو عند الإكراه الملجىء فهذه الأمور ونحوها تباح عند الضرورة.

(5/98)


وقد ذكر الفقهاء قديماً وحديثاً قواعد وضوابط للضرورة منها : أن يحصل فعلاً خوف الهلاك أو التلف على النفس أو المال وذلك بغلبة الظن .
أو يتحقق المرء من وجود خطر حقيقي على إحدى الضرورات الخمس وهي الدين والنفس والعرض والعقل والمال ومنها ألا يتمكن الشخص من دفع الضرورة بوسيلة أخرى من المباحات .
ومنها أن الضرورة تقدر بقدرها فلا يصح التوسع في باب الضرورات فيقتصر المضطر على الحد الأدنى لدفع الضرر . نظرية الضرورة الشرعية ص 69-70 .
إذا تقرر هذا فأقول : إنه لا يجوز شرعاً الاقتراض بالربا لشراء السيارة لأن اقتناء السيارة ليس من باب الضرورة التي تبيح الحرام " الربا ".
لا شك أن السيارة حاجة مهمة في الحياة ولكن لا يصل الحال إلى اعتبارها من الأمور الضرورية التي يتوقف عليها حفظ إحدى الضروريات الخمس فكم من الناس لا يملكون سيارة وحياتهم تسير بشكل طبيعي .
فلا يجوز شرعاً أن نبيح الربا باسم الضرورة وخاصة إذا كانت هذه الضرورة متوهمة وليست حقيقية كما هو الحال في شراء سيارة جديدة بقرض ربوي باسم الضرورة .
قال الشيخ المودودي :[ لا تدخل كل ضرورة في باب الاضطرار بالنسبة للاستقراض بالربا . فإن التبذير في مجالس الزواج ومحافل الأفراح والعزاء ليس بضرورة حقيقية .
وكذلك شراء السيارة أو بناء المنزل ليس بضرورة حقيقية وكذلك ليس استجماع الكماليات أو تهيئة المال لترقية التجارة بأمر ضروري . فهذه وأمثالها من الأمور التي قد يعبر عنها بالضرورة والاضطرار ويستقرض لها المرابون آلافاً من الليرات لا وزن لها ولا قيمة في نظر الشريعة والذين يعطون الربا لمثل هذه الأغراض آثمون .

(5/99)


فإذا كانت الشريعة تسمح بإعطاء الربا في حالة من الاضطرار فإنما هي حالة قد يحل فيها الحرام كأن تعرض للإنسان نازلة لا بد له فيها من الاستقراض بالربا أو حلت به مصيبة في عرضه أو نفسه أو يكون يخاف خوفاً حقيقياً حدوث مشقة أو ضرر لا قبل له باحتمالها ففي مثل هذه الحالات يجوز للمسلم أن يستقرض بالربا ما دام لا يجد سبيلاً غيره للحصول على المال غير أنه يأثم بذلك جميع أولي الفضل والسعة من المسلمين الذين ما أخذوا بيد أخيهم في مثل هذه العاهة النازلة به حتى اضطروه لاستقراض المال بالربا . بل أقول فوق ذلك أن الأمة بأجمعها لا بد أن تذوق وبال هذا الإثم لأنها هي التي غفلت وتقاعست عن تنظيم أموال الزكاة والصدقات والأوقاف مما نتج عنه أن أصبح أفرادها لا يستندون إلى أحد ولم يبق لهم من بدّ من استجداء المرابين عند حاجاتهم .
لا يجوز الاستقراض حتى عند الاضطرار إلا على قدر الحاجة ومن الواجب التخلص منه ما استطاع الإنسان إليه سبيلاً لأنه من الحرام له قطعاً أن يعطي قرشاً واحداً من الربا بعد ارتفاع حاجته وانتفاء اضطراره .
أما : هل الحاجة شديدة ؟ .. أم لا .. ؟ وإذا كانت فإلى أي حدّ ؟ .. ومتى قد زالت ؟ فكل هذا مما له علاقة بعقل الإنسان المبتلى بمثل هذه الحالة وشعوره بمقتضى الدين والمسؤولية الأخروية . فهو على قدر ما يكون متديناً يتقي الله ويرجو حساب الآخرة يكون معتصماً بعروة الحيطة والورع في هذا الباب ] الربا ص 157-158 .

(5/100)


وأخيراً يجب أن يعلم أن كثيراً من الناس يدخلون إلى الربا الحرام من باب الضرورة كما يزعمون وهذه دعوى باطلة كما بينت فالربا محرم بالنص القطعي من كتاب الله سبحانه وتعالى :( الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَءَاتَوُا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ ) سورة البقرة الآية 275-279.
وقد صح في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال : هم سواء) رواه مسلم .

(5/101)


كل قرض جرَّ نفعاً فهو ربا
يقول السائل : ما معنى الحديث :( كل قرض جرّ نفعاً فهو ربا ) وهل يدخل فيه أي منفعة صارت إلى المقرض مهما كانت ؟
الجواب : هذا الحديث بهذا اللفظ لم يثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وروي بلفظ آخر وهو : ( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن قرض جر منفعة ) فقد رواه الحارث بن أبي أسامة في مسنده وفي إسناده متروك كما قال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير 3/34 .
ورواه البيهقي في السنن 5/350 ، بلفظ :( كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا ) وقال البيهقي : موقوف . ورواه البيهقي أيضاً في معرفة السنن والآثار 8/169 والحديث ضعيف ، ضعفه ابن حجر كما سبق وضعفه الشيخ الألباني في إرواء الغليل 5/235 .
ومعنى الحديث صحيح ولكن ليس على إطلاقه ، فالقرض الذي يجر نفعاً ويكون رباً أو وجهاً من وجوه الربا هو القرض الذي يشترط فيه المقرض منفعة لنفسه فهو ممنوع شرعاً .
وأما إذا لم يشترط ذلك فرد المقترض للمقرض القرض وهدية مثلاً بدون شرط سابق فهذا جائز ولا بأس به ، بل هو من باب مكافأة الإحسان بالإحسان وقد قال عليه الصلاة والسلام :( خيركم أحسنكم قضاء ) رواه البخاري ومسلم .
وعن جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال :( أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو في المسجد ضحى فقال : صل ركعتين وكان لي عنده دين فقضاني وزادني ) رواه البخاري .
ومن هذا يتبين لنا أن المنفعة التي يجرها القرض تكون محرمة إذا كانت مشروطة وينطبق عليها كل قرض جر منفعة فهو ربا .
ويلحق بالمنفعة المشروطة الهدية أو المنفعة التي يقدمها المقترض للمقرض قبل السداد . ولم تجر العادة في التهادي بينهما ففيها شبه بالربا وقد ورد في آثار عن الصحابة المنع من ذلك .
فقد روى البخاري عن أبي بردة قال :( أتيت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال لي : ألا تجيء إلى البيت حتى أطعمك سويقاً وتمراً فذهبنا فأطعمنا سويقاً وتمراً ، ثم قال : إنك بأرض الربا فيها فاش - أي منتشر - فإذا كان لك على رجل دين فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تقبله فإن ذلك من الربا ) .
وعن سالم بن أبي الجعد قال :( كان لنا سماك عليه لرجل خمسون درهماً فكان يهدي إليه السمك فأتى ابن عباس فسأله عن ذلك ؟ فقال : قاصه بما أهدى إليك ) رواه البيهقي وقال الألباني إسناده صحيح .
وله رواية أخرى :( أن ابن عباس قال في رجل كان له على رجل عشرون درهماً فجعل يهدي إليه وجعل كلما أهدى إليه هدية باعها حتى بلغ ثمنها ثلاثة عشر درهما فقال ابن عباس : لا تأخذ منه إلا سبعة دراهم ) سنن البيهقي 5/349 - 350 وقال الألباني إسناده صحيح . إرواء الغليل 5/234 .

(5/102)


تحديد مقدار الربح مسبقاً في المصارف الإسلامية
يقول السائل : هل يجوز شرعاً تحديد مقدار الربح مسبقاً للمستثمرين في المصارف الإسلامية بنسبة مئوية ثابتة وهل يعتبر هذا التحديد من الربا ؟
الجواب : كثير من الاستثمارات التي تقوم بها المصارف الإسلامية والتي يستثمر فيها المستثمرون من غير المساهمين في البنك هي في حقيقتها عقد مضاربة حيث إن المستثمر أو المستثمرين هم أصحاب الأموال والمصرف الإسلامي هو العامل .
والمضاربة جائزة شرعاً باتفاق الفقهاء وقامت الأدلة العامة على مشروعيتها من كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - وهو المأثور عن الصحابة والتابعين فقد كانوا يتعاملون بها من غير نكير فهذا بمثابة الإجماع على جوازها . انظر الشركات للخياط 2/53 .
ومن شروط عقد المضاربة أن يتم الاتفاق على تحديد نصيب كل من الشريكين أو الشركاء من الربح نصاً صريحاً يمنع النزاع والخلاف وليكون كل منهم على بصيرة من الأمر .
وقال الفقهاء : لا بد أن يكون الربح نصيباً شائعاً كأن يكون مثلاً ربعاً أو ثلثاً أو نصفاً .
قال ابن المنذر :[ أجمع أهل العلم على أن للعامل أن يشترط على رب المال ثلث الربح أو نصفه أو يجمعان عليه بعد أن يكون ذلك معلوماً جزءاً من أجزاء ] المغني 5/23 .
وحساب الربح بالنسبة المئوية جائز شرعاً ولا بأس به وهو بمعنى حساب الربح بالربع أو الثلث أو النصف ، فإن الربع يساوي 25% والثلث 33% وهكذا ولا مانع مطلقاً من حساب الربح بالنسبة المئوية وما يظنه كثير من الناس أن حساب الربح بالنسبة المئوية هو من باب الربا غير صحيح ويرجع هذا الظن الخاطىء إلى تعامل الناس مع البنوك الربوية التي تحسب فوائدها بالنسبة المئوية كأن يقترض شخص من البنك الربوي عشرة آلاف دينار لمدة سنتين فيقال له إن عليك فائدة بنسبة 9% مثلاً وفي الحقيقة والواقع أن حساب المصارف الإسلامية للأرباح بالنسبة المئوية ليس له علاقة بالربا ولا بمعدلات الفائدة الربوية .

(5/103)


رسوم خدمات القروض
يقول السائل : هنالك إحدى المؤسسات تقدم قروضاً لمشاريع صغيرة لتوسيعها وتطويرها وجاء في النشرة التي تصدرها المؤسسة المذكورة تحت عنوان :[ فوائد ورسوم القروض بأنهم لا يأخذون أية فائدة أو رسوم ولكن الأشخاص الذين يحصلون على القروض يدفعون رسوم خدمات وهذه الرسوم تختلف تبعاً لحجم وشروط القرض ] فما قولكم في ذلك ؟
الجواب : لقد صار شائعاً عند كثير من المتعاملين بالربا التلاعب بالألفاظ والعبارات محاولةً منهم لتغيير الحقائق والمسميات بتغيير أسمائها فقط فالربا يسمى فائدة ويسمى رسم خدمات كما في السؤال وتغيير الأسماء لا يغير من حقائق المسميات شيئاً وقد أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - عن مثل هذا التلاعب من تغيير الناس لأسماء المحرمات كما جاء في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( ليستحلن طائفة من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها ) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في غاية المرام ص 24 ، وفي السلسلة الصحيحة 1/136 .

(5/104)


وجاء في رواية أخرى :( إن ناساً من أمتي يشربون الخمر يسمونها بغير اسمها ) رواه الحاكم والبيهقي وله شواهد تقويه ، وقد صدق الصادق المصدوق فإن الخمور تسمى في زماننا بالمشروبات الروحية .
وروي في الحديث أنه عليه الصلاة والسلام قال :( يأتي على الناس زمان يستحلون الربا باسم البيع ) ذكره ابن القيم في إغاثة اللهفان 1/352 ، وضعفه الشيخ الألباني في غاية المرام ص 25 ثم قال :[ ... معنى الحديث واقع كما هو مشاهد اليوم ].
والملاحظ في السؤال أن ما سموه رسم خدمات يختلف مقداره تبعاً لحجم القرض وشروطه وهذه إشارة واضحة إلى أنه ربا لأنه لو كان رسماً للخدمات فعلاً لما اختلف مقداره باختلاف حجم القرض وشروطه إذ أن الخدمات التي تؤدى لمن يقترض ألفاً هي ذاتها الخدمات التي تؤدى لمن يقترض عشرة آلاف ولكنه التلاعب ومحاولة تغيير الأسماء ليخدع الناس ويظنوا أن ذلك لا شيء فيه ويجب أن يعلم أن هذه الرسوم هي ربا وإن غيرت أسماؤها لأن العبرة في العقود بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني كما قرر ذلك فقهاؤنا .

(5/105)


الوفاء بالوعد
يقول السائل : ما حكم الوفاء بالوعد في الشريعة الإسلامية ؟
الجواب : إن كثيراً من النصوص من كتاب الله وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - أمرت بالوفاء بالوعد وحثت على ذلك وذمت من لم يف بوعده فمن هذه النصوص قوله تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ) سورة المائدة الآية 1 .
فهذه الآية الكريمة تأمر بالوفاء بالعقود والوعد داخل في ذلك .
قال الزجاج :[ المعنى أوفوا بعقد الله عليكم وبعقدكم مع بعضكم مع بعض ] نقله عنه القرطبي في تفسيره 6/33 .
وقال تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ) سورة الصف الآية 3 .

(5/105)


وهذه الآية من أشد الآيات في وجوب الوفاء بالوعد لأنها تضمنت الذم الشديد لمن لم يف بما يعد . قال القرافي :[ والوعد إذا أخلف قول لم يفعل فيلزم أن يكون كذباً وأن يحرم إخلاف الوعد مطلقاً ] الفروق 4/20 .
وقال تعالى :( وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ ) سورة النحل الآية 91 .
وقال تعالى :( وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا ) سورة الإسراء الآية 34 .
كما أن الله سبحانه وتعالى ذم بعض المنافقين الذين لم يفوا بوعودهم كما في قوله تعالى :( وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ ءَاتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا ءَاتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ ) سورة التوبة الآيات 75-77.
كما أن الله سبحانه وتعالى مدح الموفين بعهودهم ووعودهم وأثنى عليهم كما في قول الله تعالى :( وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ) سورة البقرة الآية 177 .
وقال تعالى :( وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى ) سورة النجم الآية 37 .
ومدح الله سبحانه وتعالى إسماعيل بقوله :( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا ) سورة مريم الآية 54 .
وورد في السنة النبوية ما يدل على وجوب الوفاء بالوعد فمن ذلك ما جاء في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول اله - صلى الله عليه وسلم - قال :( آية المنافق ثلاث : إذا حدث كذب ، وإذا أؤتمن خان ، وإذا وعد أخلف ) رواه البخاري ومسلم .
وجاء في رواية أخرى عند مسلم :( من علامات المنافق ثلاث ... ).
وفي رواية ثالثة عند مسلم أيضاً :( آية المنافق ثلاث ... وإن صام وصلى وزعم أنه مسلم ).

(5/106)


وجاء في حديث آخر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا أؤتمن خان ، وإذا حدث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر ) رواه البخاري ومسلم .
وجاء في الحديث عن عبد الله بن عامر - رضي الله عنه - قال :( دعتني أمي يوماً ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - قاعد في بيتها فقالت : تعال أعطك . فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما أردت أن تعطيه ؟ فقالت : أعطيه تمراً . فقال لها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أما إنك لو لم تعطه شيئاً كتبت عليك كذبة ) رواه أبو داود وحسّنه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود 3/943 ، وفي السلسة الصحيحة 2/384 .
وجاء في الحديث عن عائشة رضي الله عنها :( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يستعيذ في صلاته كثيراً من المأثم والمغرم - الإثم والدين - فقيل له : يا رسول الله ، ما أكثر ما تستعيذ من المغرم ؟ فقال : إن الرجل إذا غرم - أي استدان - حدث فكذب ووعد فأخلف ) رواه البخاري .
وبعد عرض هذه النصوص القرآنية والأحاديث النبوية أقول إن أهل العلم اختلفوا في حكم الوفاء بالوعد فمنهم من قال بأنه مندوب ومنهم من قال بأنه واجب ومنهم من قال بالتفصيل ففي حالات يجب الوفاء وفي أخرى يندب .
والذي أميل إليه وأختاره وجوب الوفاء بالوعد ديانة وقضاء وهذا قول جماعة من أهل العلم منهم جماعة من فقهاء السلف كالفقيه المعروف ابن شبرمة والحسن البصري وعمر بن عبد العزيز والقاضي سعيد بن الأشوع وإسحاق بن راهويه وغيرهم .
قال الإمام البخاري في صحيحه :[ باب من أمر بإنجاز الوعد وفعله الحسن - ( وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ ) - وقضى ابن الاشوع بالوعد وذكر ذلك عن سمرة .

(5/107)


وقال المسور بن مخرمة سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - وذكر صهراً له فقال : وعدني فوفاني . قال أبو عبد الله - أي البخاري - رأيت إسحاق بن إبراهيم يحتج بحديث ابن أشوع ] صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري 6/217-218 .
ثم ساق البخاري أربعة أحاديث في الوفاء بالوعد منها قصة أبي سفيان مع هرقل وفيه :( سألتك ماذا يأمركم ؟ فزعمت أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة . قال : وهذه صفة نبي ) .
ثم ذكر حديث أبي هريرة السابق في علامات المنافق ثم ذكر حديث جابر بن عبد الله - رضي الله عنه - قال :( لما مات النبي - صلى الله عليه وسلم - جاء أبا بكر مالٌ من قبل العلاء بن الحضرمي . فقال أبو بكر : من كان له على النبي - صلى الله عليه وسلم - دين أو كانت له قبله عدة فليأتنا . قال جابر : فقلت : وعدني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا فبسط يديه ثلاث مرات . قال جابر : فعدَّ في يدي خمسمئة ثم خمسمئة ثم خمسمئة ).
ثم ذكر حديث ابن عباس في قصة وفاء موسى عليه السلام بوعده لوالد الفتاتين .
فهذه الأدلة وغيرها تدل على وجوب الوفاء بالوعد .
وقد ذكر الحافظ السخاوي تفصيلاً أكثر من هذا في كتابه القيم " التماس السعد في الوفاء بالوعد " وبين قوة هذا القول فقال في مقدمة كتابه :[ وبعد ، فهذا تصنيف لطيف سميته التماس السعد في الوفاء بالوعد ، جمعت فيه ما تيسر لي الوقوف عليه من الأحاديث والآثار ومناسبات الأشعار وافتتحته بآية في المعنى مع طرف من تفسيرها الأسنى ليتوافق دليل السنة والكتاب ويظهر قوة من جنح في ذلك للوجوب من الأصحاب ] التماس السعد في الوفاء بالوعد ص 30 .
ومن لطيف ما ذكره الحافظ السخاوي :[ أن مطرفاً بن عبد الله الشخير وكان من فضلاء السلف سمع رجلاً يقول : أستغفر الله وأتوب إليه . فأخذ بذراعه وقال : لعلك لا تفعل من وعد فقد أوجب ].
وذكر أيضاً :[ أنه قيل لبعض الصالحين وقد أصبح صائماً تطوعاً : أفطر فإن المتطوع أمير نفسه . فقال : إني لأستحي من ربي عز وجل أن أعده وعداً وهو أن أصوم ولا أوفي له بوعدي ] التماس السعد ص 57-58 .
ومن كلمات السلف :[ الوعد سحابة والإنجاز مطر وأحسن المواعيد ما صدقه الإمطار ] التماس السعد ص 96 .
وأخيراً ينبغي أن يقال إن الأخذ بقول من أوجب الوفاء بالوعد يضبط معاملات الناس وخاصة في الأمور المالية وقد أخذت كثير من المصارف الإسلامية التي تتعامل وفق الأحكام الشرعية بمبدأ الإلزام بالوعد لما في ذلك من ضبط للمعاملات المالية .

(5/108)


المواعدة على الصرف
يقول السائل : هل يجوز شرعاً أن أتفق مع شخص على أن أبيعه عشرة آلاف دولار بما يعادلها من الدنانير بالسعر الحاضر على أن يتم التسليم والاستلام بعد شهرين ؟
الجواب : هذه العملية تسمى مواعدة على الصرف وهي محل خلاف بين أهل العلم قديماً وحديثاً ، ومن المعروف أن الصرف هو بيع الثمن بالثمن جنساً بجنس أو بغير جنس .
وشروط الصرف تقابض البدلين في مجلس العقد وأن يخلو عقد الصرف من الأجل ومن خيار الشرط لأنه يخل بالقبض كما قرر ذلك جمهور الفقهاء . انظر الموسوعة الفقهية 24/348 فما بعدها .
وبناءً على اشتراط عدم التأجيل في عقد الصرف اختلف الفقهاء في جواز المواعدة على الصرف والذي أميل إليه وأطمئن إليه هو جواز المواعدة على الصرف على أن تكون المواعدة غير لازمة.
فإذا تواعد شخصان على المصارفة بعد ستة أشهر مثلاً بأن حدَّدا نوع العملة وسعرها اليوم واتفقا على أن يتم التقابض عندما يحل الأجل وعندما حل الأجل عقد الطرفان عقداً جديداً وتم التسليم والاستلام فهذا العقد جائز ولا بأس به حيث إن المواعدة في هذه الحال ليست لازمة .

(5/109)


وأما إن كانت المواعدة لازمة في عقد الصرف فلا تصح المعاملة لأن كلاً من الطرفين يكون ملزماً بتنفيذ الوعد عند حلول الأجل ولا يحتاج إلى إنشاء عقد جديد فحينئذ يكون ذلك بمثابة عقد صرف تأخر فيه تقابض البدلين وتقابض البدلين قبل التفرق شرط لصحة عقد الصرف ولا عبرة بتسمية اتفاقهم الأول مواعدة إذ العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني .
وقد قال بجواز هذه المعاملة الإمام الشافعي وابن حزم الظاهري وابن نافع من المالكية وبعض العلماء المعاصرين .
قال الإمام الشافعي :[ وإذا تواعد الرجلان الصرف فلا بأس أن يشتري الرجلان الفضة ثم يقرانها عند أحدهما حتى يتبايعاها ويصنعا بها ما شاءا ] الأم 3/32 .
وقال ابن حزم :[ والتواعد في بيع الذهب بالذهب أو بالفضة وفي بيع الفضة بالفضة وفي سائر الأصناف الأربعة بعضها ببعض جائز تبايعا بعد ذلك أو لم يتبايعا لأن التواعد ليس بيعاً . وكذلك المساومة أيضاً جائزة - تبايعا أو لم يتبايعا - لأنه لم يأت نهي عن شيء من ذلك وكل ما حرم علينا فقد فصل باسمه قال تعالى :( وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ ).
فكل ما لم يفصل لنا تحريمه فهو حلال بنص القرآن إذ ليس في الدين إلا فرض أو حرام أو حلال فالفرض مأمور به في القرآن والسنة والحرام مفصل باسمه في القرآن والسنة وما عدا هذين فليس فرضاً ولا حراماً بالضرورة حلال إذ ليس هنالك قسم رابع - وبالله التوفيق ] المحلى 76/465-466 .
وقال الشيخ العدوي :[ ... وأما لو أراد أن يعقدا بعد ذلك فلا ضرر كأن يقول له سر بنا إلى السوق بدراهمك فإن كانت جياداً تصارفنا أي أوقعنا عقد الصرف بعد ذلك يوافقه الآخر فلا ضرر فيه ] حاشية العدوي على شرح الخرشي على مختصر خليل 5/38 .
وقد أجازت المواعدة على الصرف عدد من الهيئات العلمية الشرعية فقد جاء في فتاوى ندوات البركة ما يلي :

(5/110)


1. ما هو الرأي في المواعدة بشراء العملات مختلفة الجنس بسعر يوم الاتفاق " يوم المواعدة " على أن يكون تسليم كل من البدلين مؤجلاً لكي يتم التبادل في المستقبل يداً بيد وذلك في حالة كون مثل هذه المواعدة ملزمة وحالة كونها غير ملزمة ؟
الفتوى : إن هذه المواعدة إذا كانت ملزمة للطرفين فإنها تدخل في عموم النهي عن بيع الكالئ بالكالئ " بيع الدين بالدين " فلا تكون جائزة وإذا كانت غير ملزمة للطرفين فإنها جائزة . فتاوى ندوات البركة ص 28 .
2. ما حكم المواعدة في صرف العملات ؟
الفتوى : يؤكد على ما جاء في قرارات المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي بالكويت في مارس 1983 من أن المواعدة في بيع العملات مع تأجيل الثمن جائزة إذا كانت المواعدة غير ملزمة " هذا رأي الأغلبية " أما المواعدة إذا كانت ملزمة فهذه المعاملة غير جائزة شرعاً . فتاوى ندوات البركة ص 107.
وجاء في الفتاوى الشرعية للبنك الإسلامي الأردني السؤال التالي :[ تسهيلاً لحجاج بيت الله الحرام ترغب وزارة الأوقاف بأن يتفق البنك الإسلامي الأردني معها لبيعها ريالات سعودية بسعر محدد مسبقاً - اليوم مثلاً - خلال فترة مستقبلية محددة - ستين يوماً من تاريخه مثلاً - على أن تقوم وزارة الأوقاف بتسليم البنك خلال أي يوم من الستين يوماً ثمن الريالات السعودية بالدنانير الأردنية وأن يقوم البنك في ذات اليوم بتسليمها شيكاً بالريالات السعودية محسوباً على أساس السعر المحدد سابقاً لهذه الغاية - والذي قد يزيد أو يقل عن سعر صرف الريال في ذلك اليوم - فهل يجوز شرعاً السير في هذه المعاملة ؟

(5/111)


الجواب : إن الاتفاق على تبادل العملات مختلفة الأجناس بسعر يحدد حين الاتفاق على أن يتم التسليم والتسلم من قبل البنك والوزارة في وقت واحد على أساس السعر المتفق عليه سابقاً بغض النظر عن سعر العملة يوم التنفيذ يشمله ما جاء في نيل الأوطار من أن مذهب الحنفية والشافعية أنه يجوز التبادل بسعر يومها وأغلى وأرخص وإن هذا الاتجاه وإن كان يخالف ما جاء في حديث ابن عمر الذي يتضمن الإجازة بسعر يومها إلا أنه يظهر أن الأمامين أخذا بالحديث العام وهو قوله - صلى الله عليه وسلم - :( إذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد) وعليه فإني أوافق على السير في معاملة الاتفاق على الوجه المشروح عملاً برأي الحنفية والشافعية المشار إليه والله سبحانه وتعالى أعلم ] فتاوى البنك الإسلامي الأردني 2/10-11 .
وجاء في فتاوى بيت التمويل الكويتي :[ ما الرأي الشرعي في مدى جواز الاتفاق على بيع أو شراء العملة وبسعر يتفق عليه مقدماً على أن تنفذ العملية في زمن لاحق ويكون التسليم والاستلام بالنقد في وقت واحد ؟
الجواب : مثل هذه المعاملة تعتبر وعداً بالبيع فإن أنفذاه على الصورة الواردة في السؤال فلا مانع شرعاً والله أعلم .
وزيادة في إيضاح هذه المسألة أقول : إن تنفيذ هذا الوعد على الصورة الواردة في السؤال يكون مشروعاً ولكنه إذا اقترن الوعد بما يدل على أنه عقد بيع بأن دفع بعض الثمن دون بعض فيكون من قبيل بيع الكالئ بالكالئ " المؤجل بالمؤجل " وهو ممنوع مطلقاً ولا سيما في عقد الصرف الذي يشترط لصحته تقابض كلا البدلين في مجلس العقد ويعتبر اشتراط التأجيل مفسداً له عند جميع الأئمة ] فتاوى بيت التمويل 1/203 .

(5/112)


ومما يدل على جواز هذه المعاملة أن المواعدة في الصرف خارجة عن نطاق النصوص التي تحرم تأخير تسليم العوضين أو أحدهما لأن المراد من هذه النصوص النهي عن قبض أحد العوضين فقط دون الآخر لأن ذلك يؤدي إلى ربا النسيئة فوجود الفترة الزمنية بين قبض أحد العوضين وتأجيل قبض الآخر هو الذي أوجد الربا وهذه الصورة لا خلاف في تحريمها وهي تختلف عن المواعدة في الصرف في أن المواعدة في الصرف لا يحصل فيها تسليم أحد البدلين وتأجيل الآخر وإنما يكون فيها التسليم والتسلم في المستقبل معاً فليس هناك تسليم مسبق وتأجيل بل التسليم يتم في الموعد المحدد في نفس اللحظة التي يتم فيها تسليم العملة المحلية يتم تسلم العملة الأجنبية وما يتم حين التواعد هو تحديد السعر الذي يتم على أساسه هذا التسليم في المستقبل وليس إنشاء عقد الصرف . أحكام صرف النقود والعملات في الفقه الإسلامي ص 123 .
وهذه المعاملة تحقق مصلحة للمتعاملين بها كما أنه ليس في هذه العملية ما يقضي بحرمتها لانتفاء الغرر والجهالة والربا ، غاية ما في الأمر أن العميل يطمئن من خلال هذه العملية أنه سيحصل على المبلغ الذي يريده في زمن محدد ، يقول الدكتور سامي حمود :[ وإذا نظرنا إلى واقع الحال بالنسبة لما تؤديه العملية من خدمة للمستورد في حال المواعدة على الشراء وللمصدِّر في حال المواعدة على البيع نجد أن اطمئنان كل من المستورد لما سيدفعه من ثمن والمصدر لما سيقتضيه أمر له اعتباره ، أما المصرف فإنه إذا كانت لديه عمليات واسعة فإنه يستطيع أن يوازن بين المواعدة بالبيع مع المواعدة بالشراء ] تطوير الأعمال المصرفية بما يتفق والشريعة الإسلامية ص 320 ، أحكام صرف النقود والعملات ص 126 .
وخلاصة الأمر أن هذه المعاملة جائزة شرعاً بشرط أن تكون المواعدة غير لازمة .

(5/113)


حكم بيع الحلي الذهبية القديمة بجديدة
يقول السائل : كثير من النساء عندما يردن بيع الحلي الذهبية القديمة التي لديهن يذهبن إلى الصائغ فيعطينه الذهب القديم ويأخذن ذهباً جديداً ويدفعن فرق السعر ، فما حكم ذلك ؟
الجواب : هذا البيع باطل ولا يجوز شرعاً لأنه يشترط في بيع الذهب بالذهب أمران أولهما اتحاد الوزن أي التساوي في الوزن والثاني التقابض في مجلس البيع والشراء وفي صورة السؤال فإن الذهب الجديد لم يساو الذهب القديم في الوزن حيث إنه تم دفع الفرق في السعر بينهما .
وحتى يكون هذا البيع صحيحاً فإن المرأة تبيع الذهب القديم إلى الصائغ بالسعر الذي يتم الاتفاق عليه وتقبض الثمن ثم تشتري منه ذهباً جديداً بالسعر الذي يتم الاتفاق عليه والأولى والأفضل أن تبيع المرأة الذهب القديم إلى الصائغ وتقبض الثمن ثم تذهب إلى السوق فتطلب حاجتها من الذهب من غيره من الصاغة فهذا أحسن كما ذهب إليه الإمام أحمد . المغني 4/42
وقد صح في الحديث عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال :( لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلاً بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض - أي لا تزيدوا - ولا تبيعوا الورق - الفضة - بالورق إلا مثلاً بمثل بمثل ولا تشفوا بعضها على بعض ولا تبيعوا منها غائباً بناجز ) رواه البخاري ومسلم .
قال الإمام النووي :[ قوله - صلى الله عليه وسلم - :( لا تبيعوا الذهب بالذهب ولا الورق بالورق إلا سواء بسواء ) ، قال العلماء : هذا يتناول جميع أنواع الذهب والورق من جيد ورديء وصحيح ومكسور وحلي وتبر وغير ذلك وسواء الخالص والمخلوط بغيره وهذا كله مجمع عليه ] شرح النووي على مسلم 4/195 .
وقال ابن قدامة المقدسي :( والجيد والرديء والتبر والمضروب والصحيح والمكسور سواء في جواز البيع مع التماثل وتحريمه مع التفاضل وهذا قول أكثر أهل العلم ) المغني 4/8 .

(5/114)


وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :( الذهب بالذهب وزناً بوزن مثلاً بمثل والفضة بالفضة وزناً بوزن مثلاً بمثل فمن زاد أو استزاد فهو ربا ) رواه مسلم .
وعن فضالة بن عبيد - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا وزناً بوزن ) رواه مسلم .
ويؤخذ من هذه الأحاديث وغيرها أن الأموال الربوية أي التي يجري فيها الربا لا يجوز بيع بعضها ببعض إلا إذا تساوى الوزن وتم القبض في مجلس العقد .
فلا يصح بيع الرديء منها بالجيد مع اختلاف الوزن وكذلك القديم بالجديد ويدل على ذلك ما ثبت في الحديث أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - :( بعث أخا عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر فقدم بتمر جنيب - أي جيد - فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أكل تمر خيبر هكذا ؟ قال : لا والله يا رسول الله إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع - تمر رديء - ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لا تفعلوا ولكن مثلاً بمثل أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا وكذلك الميزان ) رواه مسلم .
وفي رواية أخرى عند مسلم : فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - :( فلا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيباً ) .
ويدل على ذلك أيضاً ما ثبت في الحديث عن أبي سعيد قال :( جاء بلال بتمر برني - تمر جيد - فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : من أين هذا ؟ فقال بلال : تمر كان عندنا رديء فبعت منه صاعين بصاع لمطعم النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أوه عين الربا لا تفعل لكن إذا أردت أن تشتري التمر فبعه ببيع آخر ثم اشتر به ) رواه مسلم . وفي رواية أخرى عند مسلم : فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :( هذا الربا فردوه ثم بيعوا تمرنا واشتروا لنا من هذا ).
وخلاصة الأمر أن الصحيح في هذه المعاملة أن يباع الذهب القديم بالنقود وبعد قبضها من الصائغ يشترى الذهب الجديد ولا ينبغي أن يكون هنالك تواطئ على العقدين والأفضل هو بيع القديم لصائغ وشراء الجديد من صائغ آخر .

(5/115)


استلام الشيك الحالّ بمثابة قبض النقود
يقول السائل : هل استلام الشيك في الصرف يعتبر بمثابة قبض النقود وما حكم أخذ العمولة على الشيكات الحالة والمؤجلة وما تعليقكم على ما جاء في إحدى الفتاوى التي نشرت في جريدة القدس من منع استعمال الشيك في عمليات الصرف وعدم جواز دفع العمولة عليها ؟
الجواب : إن الأصل في نظام المعاملات في الشريعة الإسلامية الإباحة مع الإلتزام بالقواعد العامة الحاكمة لنظام المعاملات المالية الشرعية وإن التطور الملموس الذي ظهر في باب المعاملات المالية يحتاج إلى دراسة وبحث لصور المعاملات المالية الحديثة على ضوء القواعد الشرعية وينبغي التروي في إصدار الأحكام ودراستها دراسة عميقة ومن المعروف أن التعامل بالشيكات صار من الأمور المشهورة والمعروفة والتي لا يستغني عنها الناس في معاملاتهم المالية والشيك عبارة عن أمر من العميل إلى المصرف ليدفع إلى شخص ثالث المبلغ المدون في الشيك من حسابه الجاري في المصرف . المصارف الإسلامية ص 314 .
والشيكات على أنواع وأشكال مختلفة ولا يتسع المقام للحديث عن تفاصيل ذلك ولكن سأذكر حكم استعمال الشيك في الصرف وهل يقوم استلام الشيك مقام قبض المبلغ في الصرف لأنه من المعلوم فقهاً أنه يشترط لصحة عقد الصرف تقابض البدلين في المجلس فإذا ما تصارف اثنان أحدهما لديه ألف دينار مثلاً ويريد أن يصرفها إلى دولارات فدفع الأول الألف دينار للصراف فأعطاه الصراف شيكاً حال الأجل بالدولارات التي تقابل الدنانير فهل عملية الصرف هذه صحيحة أم لا ؟

(5/116)


الجواب : إذا نظرنا إلى حقيقة التعامل بالشيكات وأن منزلتها لا تقل عن منزلة التعامل بالأوراق النقدية وإذا اشترطنا في الشيك الحلول بمعنى أن يكتب تاريخ الشيك في تاريخ المصارفة وأن يكون المبلغ المكتوب فيه محدداً فإنه يجوز استعمال الشيك في هذه الحالة ويعتبر استلام الشيك بمثابة قبض المبلغ المدون فيه فقبض الشيك في هذه الحالة يقوم مقام قبض بدل الصرف ذاته .
يقول الشيخ مصطفى الزرقا رحمه الله :[ فإذا نظرنا إلى أن الشيكات تعتبر في نظر الناس وعرفهم وثقتهم بمثابة النقود الورقية وأنها يجري تداولها بينهم كالنقود تظهيراً وتحويلاً وأنها محمية في قوانين جميع الدول من حيث أن سحب الشيك على بنك ليس للساحب فيه رصيد يفي بقيمة الشيك المسحوب يعتبر جريمة شديدة تعاقب عليها قوانين العقوبات في الدول جميعاً ، إذا نظرنا إلى هذه الاعتبارات يمكن القول معها بأن تسليم المصرف الوسيط شيكاً بقيمة ما قبض من طالب التحويل يعتبر بمثابة دفع بدل الصرف في المجلس أي أن قبض ورقة الشيك كقبض مضمونه فيكون الصرف قد استوفى شريطته الشرعية في التقابض ] أحكام صرف النقود والعملات ص 101 .
وبهذا يتضح لنا أن إعطاء شيك حال بمنزلة التقابض في المجلس فلا مانع من ذلك شرعاً وأما أخذ العمولة على الشيكات المؤجلة كأن تكون قيمة الشيك ألف دينار مثلاً وتاريخ الشيك بعد شهرين فيذهب حامل الشيك إلى الصراف فيعطيه 950 ديناراً فأرى أن هذه الصورة ممنوعة شرعاً لاشتمالها على الربا .

(5/117)


وأما إذا كان الشيك حالاً فلا مانع من أخذ العمولة عليه كما جرت عادة المصارف والصرافين من خصم 1% مثلاً على الشيك فهذه الصورة تخرج على أنها وكالة والوكالة تجوز بأجر وبدون أجر فهذه العملية ظاهر فيها الجواز شرعاً لأن العمولة التي يأخذها البنك هي أجرة له على التحصيل فهو وكيل مفوّض من قبل أصحاب هذه الأوراق علماً أن تحصيلها يتطلب جهداً كبيراً من البنك ويكلفه مصاريف انتقال المحصلين وإرسال الإخطارات للمدينين والإشعارات بسدادهم يقول الأستاذ الهمشري :[ وبالتأمل في مفهوم كل من التحصيل للأوراق التجارية والوكالة أستطيع أن أقرر أن عملية التحصيل للأوراق التجارية لا تخرج عن كونها عملية توكيل للبنك بأجر وإذا أجزنا للمحامي الأجر مقابل وكالته في الدفاع سواء أكسب القضية أم خسرها فإن الوكيل - البنك - في عملية التحصيل للدين يستحق الأجر سواء تم التحصيل أم لا لأنه قام بالوكالة وحقق المطالبة بسداد الدين في ميعاد الاستحقاق واتخذ كافة وسائل التحصيل الممكنة ... ] البنوك الإسلامية ص 137-138 .
وأما ما جاء في الفتوى المنشورة في جريدة القدس قبل حوالي أسبوعين حيث ورد فيها ما يلي :[ وأما إذا كان قبض المبلغ غير مؤجل أي أنه حال ويستطيع الصيرفي قبض المبلغ من الجهة الموجه إليها الشيك في أي وقت يريد فالأمر فيه تفصيل فإذا كانت العملية تسمى صرفاً فتكون العملية غير جائزة وذلك لأن صورة الصرف الشرعية هي مبادلة مال بمال مثلاً بمثل دون زيادة وفي نفس المجلس يستلم الطرفان كل من الآخر دون أن يفترقا وفي هذه الصورة قد استلم صاحب الشيك مبلغه نقداً وأما الصيرفي فقد استلم ورقة فيها أمر بالدفع ولم يستلم نقوداً وقدم المبلغ أيضاً ناقصاً .

(5/118)


وأما إذا كانت العملية غير صورة الصرف ... فصاحب الشيك المضمون قبضه حالاً غير مؤجل لسبب من الأسباب لا يتمكن من الذهاب للجهة الموجه إليها الأمر بالقبض فيكلف شخصاً آخر سواء الصيرفي أو غيره بأن يقوم بهذه المهمة مقابل أجرة معينة فيستلم الصيرفي الشيك المضمون قبضه حالاً ويعطي صاحبه مبلغه باستثناء الأجرة المتفق عليها ... فهذه الصورة ليست فيها مخالفة شرعية ... الخ ].
أقول هذه الفتوى فرقت بين المتماثلين في الحقيقة والواقع واعتمدت في التفريق على اختلاف الاسم فقط ففي الصورة الأولى التي تسمى صرفاً لا تجوز وفي الصورة الثانية التي تسمى مهمة مقابل الأجر تجوز وليس فيها مخالفة شرعية .
إن الشريعة الإسلامية لا تفرق بين المتماثلين وإن مضمون الصورتين واحد وإن اختلفت التسمية كما جاء في الفتوى .
إن من القواعد المعلومة في الشريعة الإسلامية أن العبرة في العقود للمقاصد والمعاني لا للألفاظ والمباني وهذه القاعدة مستمدة من القاعدة الكلية الأخرى وهي الأمور بمقاصدها .
قال العلامة ابن القيم :[ قواعد الفقه وأصوله تشهد أن المرعي في العقود حقائقها ومعانيها لا صورها وألفاظها ] زاد المعاد 5/200 .
وقال في موضع آخر :[ والتحقيق أنه لا فرق بين لفظ ولفظ فالاعتبار في العقود بحقائقها ومقاصدها لا بمجرد ألفاظها ] زاد المعاد 5/813 .
وبهذا يظهر لنا أن تفريق الفتوى بين الصورتين المذكورتين في صرف الشيك الحال تفريق غير صحيح لأن حقيقة الصورتين واحدة وإن اختلفت التسمية كما ورد في الفتوى .
وختاماً فالذي يظهر لي هو جواز صرف الشيكات الحالة مع دفع عمولة عليها كما هو متعارف الآن لدى البنوك والصرافين وأن هذه العمولة تخرج على أنها وكالة بأجر .

(5/119)


توثيق المعاملات بالكتابة
يقول السائل : كثير من معاملات الناس التي تحتاج كتابة عقود واتفاقيات يعتمد الناس فيها على عامل الثقة بينهم فلا يكتبونها ولا يوثقونها فما قولكم في ذلك ؟
الجواب : إن كتابة العقود وتوثيقها بمختلف أنواعها أمر مطلوب شرعاً وخاصة في هذا الزمان حيث خربت ذمم كثير من الناس وقل دينهم وورعهم وزاد طمعهم وجشعهم .
وإن الاعتماد على عامل الثقة بين الناس ليس مضموناً لأن قلوب الناس متقلبة وأحوالهم متغيرة وقد يكون المتعاقدان متحابين وصديقين حميمين وقت العقد ووقت الإقراض ثم يقع بينهما من العداوة والبغضاء ما الله به عليم فتضيع الحقوق .
أو تنكر أو تنقض لذا كان من الأمور المندوبة شرعاً توثيق الدين وغيره من العقود والاتفاقيات .

(5/120)


ومما يدل على مشروعية ذلك آية الدين وهي أطول آية في القرآن الكريم حيث يقول الله سبحانه وتعالى :( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌوَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) سورة البقرة الآيتان 282-283 .

(5/121)


ففي هاتين الآيتين دلالة واضحة على مشروعية كتابة الدين وتوثيقه .
قال الإمام ابن العربي المالكي :[ قوله تعالى :( فَاكْتُبُوهُ ) يريد أن يكون صكاً ليستذكر به عند أجله لما يتوقع من الغفلة في المدة التي بين المعاملة وبين حلول الأجل والنسيان موكل بالإنسان والشيطان ربما حمل على الإنكار والعوارض من موت وغيره تطرأ فشُرِع الكتاب والإشهاد ] أحكام القرآن 1/247 .
ومما يرشد إلى مشروعية كتابة العقود وتوثيقها ما جاء في الحديث عن ابن عمر - رضي الله عنه - أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال :( ما حق امرئ مسلم يبيت ليلتين وله شيء يريد أن يوصي فيه إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه ) رواه البخاري ومسلم .
وقد روى الترمذي بإسناده عن عبد المجيد بن وهب قال :( قال لي العداء بن خالد بن هوذة : ألا أقرئك كتاباً كتبه لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ قال : قلت بلى ، فأخرج لي كتاباً : هذا ما اشترى العداء ابن خالد بن هوذة من محمد - صلى الله عليه وسلم - اشترى منه عبداً أو أمة لا داء ولا غائلة ولا خبثة بيع المسلم المسلم ) رواه الترمذي وحسّنه ورواه ابن ماجة ورواه البخاري تعليقاً وقال الشيخ الألباني : حسن . سنن الترمذي مع شرحه عارضة الأحوذي 5/176 ، صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري 5/213، صحيح سنن الترمذي 2/5 .

(5/122)


وبناءً على هذه الأدلة قال جمهور أهل العلم إن كتابة الدين وتوثيقه أمر مندوب إليه وقال بعض العلماء بوجوب ذلك أخذاً بظاهر الآية وهو قول وجيه له حظ من النظر وينبغي حمل الناس عليه في هذا الزمان قطعاً لأكل حقوق الآخرين بالباطل وسداً لأبواب النزاع والخصومات ولما نرى في مجتمعنا من نزاع وشقاق وخلاف بسبب عدم توثيق الديون والعقود وكتابتها فكم من المنازعات حدثت بين المؤجر والمستأجر بسبب عدم كتابة عقد الإجارة وكم من خصومات حصلت بين الشركاء لاختلافهم في قضية ما ويعود ذلك لعدم كتابة اتفاق الشراكة وهكذا الحال في كل المعاملات التي لم توثق .
لذا فإني أنصح كل متعاقدين في أي من العقود الشرعية أن يوثقا العقد بجميع شروطه وتفصيلاته الصغيرة قبل الكبيرة ، قال الله تعالى :(ولا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ) .
قال ابن العربي المالكي :[ هذا تأكيد من الله تعالى في الإشهاد بالدين تنبيهاً لمن كسل فقال : هذا قليل لا أحتاج إلى كتبه والإشهاد عليه . لأن أمر الله تعالى فيه والتحضيض عليه واحد والقليل والكثير في ذلك سواء ] أحكام القرآن 1/257 .
كما أن المعاملة التي لا تكتب ولا يستشهد عليها يترتب عليها مفاسد كثيرة منها ما يكون عن عمد إذا كان أحد المتداينين ضعيف الأمانة فيدعي بعد طول الزمن خلاف الواقع ومنها ما يكون عن خطأ ونسيان فإذا ارتاب المتعاملان واختلفا ولا شيء يُرجع إليه في إزالة الريبة ورفع الخلاف من كتابة أو شهود أساء كل منهما الظن بالآخر ولم يسهل عليه الرجوع عن اعتقاده إلى قول خصمه فلج خصامه وعدائه وكان وراء ذلك من شرور المنازعات ما يرهقهما عسراً ويرميهما بأشد الحرج وربما ارتكبا في ذلك محارم كثيرة . تفسير المنار 3/134 بتصرف .
وكتابة الدين وتوثيقه تعود بالمنفعة على الناس من عدة وجوه :
1. صيانة الأموال وقد أمرنا بصيانتها ونهينا عن إضاعتها .

(5/123)


2. قطع المنازعة فإن الوثيقة تصير حكماً بين المتعاملين ويرجعان إليها عند المنازعة تكون سبباً لتسكين الفتنة ولا يجحد أحدهما حق صاحبه مخافة أن تخرج الوثيقة وتشهد الشهود عليه بذلك فينفضح أمره بين الناس .
3. التحرز عن العقود الفاسدة لأن المتعاملين بها ربما لا يهتديان إلى الأسباب المفسدة للعقد ليتحرزا عنها فيحملهما الكاتب على ذلك إذا رجعا إليه ليكتب .
4. رفع الارتياب فقد يشتبه على المتعاملين إذا تطاول الزمان مقدار البدل ومقدار الأجل فإذا رجعا إلى الوثيقة لا يبقى لواحد منهما ريبة ] الموسوعة الفقهية 14/135 .
ويجب التنبيه على أن كاتب الديون أو العقود بين الناس لا ينبغي أن يكون أحد المتعاقدين حتى يكون أقرب للعدل المشار إليه في قوله تعالى :( وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ ) .
قال القرطبي :[ قوله تعالى :( بِالْعَدْلِ) أي بالحق والمعدلة أي لا يكتب لصاحب الحق أكثر مما قاله ولا أقل وإنما قال : ( بَيْنَكُمْ ) ولم يقل أحدكم لأنه لما كان الذي له الدين يهتم في الكتابة الذي عليه الدين وكذلك بالعكس شرع الله سبحانه وتعالى كاتباً غيرهما يكتب بالعدل لا يكون في قلبه
ولا قلمه موادة لأحدهما على الآخر ] تفسير القرطبي 3/383 .

(5/124)


وأخيراً فينبغي الإشارة إلى قوله تعالى :( وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ ) إن المدين - الذي عليه الحق - هو الذي يملي على الكاتب اعترافه بالدين ومقدار الدين وشرطه وأجله ذلك خيفة أن يقع الغبن على المدين لو أملى الدائن فزاد في الدين أو قرب الأجل أو ذكر شروطاً معينة في مصلحته والمدين في موقف ضعيف قد لا يملك معه إعلان المعارضة رغبةً في إتمام الصفقة لحاجته إليها فيقع عليه الغبن فإذا كان المدين هو الذي يملي لم يمل إلا ما يريد الارتباط به عن طيب خاطر ثم ليكون إقراره بالدين أقوى وأثبت وهو الذي يملي وفي الوقت ذاته يناشد ضمير المدين وهو يملي أن يتقي الله ربه وأن لا يبخس شيئاً من الدين الذي يقرّ به ) ظلال القرآن 1/492 .

(5/125)


المماطلة في سداد الدين
يقول السائل : إنه صاحب محل تجاري وإن بعض الناس يشتري منه البضاعة بالدين على أن يقضيه في آخر الشهر ثم يمضي الشهر والشهران والشهور وهذا المدين لا يسدد دينه مع أنه مستطيع فما قولكم في ذلك ؟

(5/125)


الجواب : مما يؤسف له أن كثيراً من الناس يتساهلون في الدين تساهلاً كبيراً فتراهم يشترون البضاعة ويطلبون من البائع أن يمهلهم حتى استلام رواتبهم أو حتى نهاية الشهر أو نحو ذلك ثم يماطلون ويسوفون في سداد الدين وقد تمضي عليهم الشهور والسنون وهم كذلك مع مقدرتهم على قضاء ديونهم ، إن ما يقوم به هؤلاء الناس ما هو إلا أكل لأموال الناس بالباطل وقد قال الله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ) سورة النساء الآية 29 .
وقد حذر النبي - صلى الله عليه وسلم - أمثال هؤلاء الذين يأخذون أموال الناس ويماطلون فيها فقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه ومن أخذ أموال الناس يريد إتلافها أتلفه الله ) رواه البخاري .
وعن عمران بن حصين رضي الله عنهما قال :( كانت ميمونة تدان فتكثر فقال لها أهلها في ذلك ولاموها ووجدوا عليها فقالت : لا أترك الدين وقد سمعت خليلي وصفيي - صلى الله عليه وسلم - يقول : ما من أحد يدان ديناً يعلم الله منه أنه يريد قضاءه إلا أداه الله عنه في الدنيا ) رواه النسائي وابن ماجة وابن حبان وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني في صحيح ابن ماجة 2/52 .
وعن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :( من مات وعليه دينار أو درهم قضي من حسناته ليس ثم دينار ولا درهم ) رواه ابن ماجة وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجة 2/53 .

(5/126)


وعن صهيب- رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال :( أيما رجل يدين ديناً وهو مجمع على أن لا يوفيه إياه لقي الله سارقاً ) رواه ابن ماجة والبيهقي وقال الشيخ الألباني : حسن صحيح . المصدر السابق 2/52 .
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يتعوذ من الدين كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال :( دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم المسجد فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة جالساً فيه فقال : يا أبا أمامة ما لي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة ؟ قال : هموم لزمتني وديون يا رسول الله ، قال : أفلا أعلّمك كلاماً إذا قلته أذهب الله عز وجل همك وقضى عنك دينك ؟ فقال : بلى يا رسول الله ، قال : قل إذا أصبحت وأمسيت : اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وأعوذ بك من العجز والكسل وأعوذ بك من البخل والجبن وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال . قال : فقلت ذلك فأذهب الله عز وجل همي وقضى عني ديني ) رواه أبو داود .
فلا ينبغي لأحد من الناس أن يتساهل في الدين وخاصة أن الإنسان قد يموت وهو مدين ويكون بذلك على خطر عظيم لأن نفس المؤمن تكون معلقة بدينه ، فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة- رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه ) رواه أحمد والترمذي وقال : حديث حسن ، ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي .

(5/127)


وعن جابر - رضي الله عنه - قال :( توفي رجل فغسّلناه وكفّناه وحنّطناه ثم أتينا به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي عليه ، فقلنا : تصلي عليه ؟ فخطا نحوه خطوة ثم قال : أعليه دين ؟ قلنا : ديناران ، فانصرف فتحملهما أبو قتادة فأتيناه ، فقال أبو قتادة : الديناران عليّ ، فقال رسول الله- صلى الله عليه وسلم - : قد أوفى الله حق الغريم وبرئ منهما الميت ؟ قال : نعم فصلى عليه ، ثم قال بعد ذلك بيوم : ما فعل الديناران ؟ قلت : إنما مات أمس ، فعاد إليه من الغد فقال : قد قضيتهما ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : الآن بردت جلدته ) رواه أحمد بإسناد حسن كما قال الحافظ المنذري في الترغيب والترهيب 2/591 .
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يمتنع عن الصلاة عمن عليه دين حتى يقضى دينه فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - :( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يؤتى بالرجل الميت عليه الدين فيسأل : هل ترك لدينه قضاء ؟ فإن حدث أنه ترك وفاء صلّى عليه ، وإلا قال : صلوا على صاحبكم . فلما فتح الله عليه الفتوح قال : أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن توفي وعليه دين فعليّ قضاؤه ومن ترك مالاً فهو لورثته ) رواه مسلم.
ويجب أن يعلم أن هؤلاء الذين يتلاعبون بأموال الناس ويماطلون في تسديد الدين أن المماطلة في أداء الدين محرمة مع القدرة على الأداء فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة- رضي الله عنه - أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال :( مطل الغني ظلم ) متفق عليه .
قال الإمام النووي :[ قوله - صلى الله عليه وسلم - ( مطل الغني ظلم ) قال القاضي وغيره : المطل منع قضاء ما استحق أداؤه فمطل الغني ظلم وحرام ] شرح النووي على صحيح مسلم 4/174-175 .
ومن المعلوم عند أهل العلم أن أداء الدين واجب باتفاق بدلالة الأحاديث الصحيحة الواردة في تحريم مال الغير كما قال القرطبي في تفسيره 3/415 .

(5/128)


ولأهمية قضاء الدين من أموال الميت فهو مقدم على الوصية وإن ذكرت قبله في قول الله تعالى :( مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ ) سورة النساء الآية 12 ، وعلى هذا أكثر أهل العلم .
وكذلك فإن الدين يقضى عن الميت قبل توزيع تركته .
وأخيراً أنبه الدائنين أن يوثقوا ديونهم ويكتبوها ويشهدوا على ذلك لأن ذمم كثير من الناس قد خربت وفسدت وكثير من هؤلاء ينكرون الدين إن لم يكن موثقاً بالكتابة وقد قال الله تعالى :( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلَا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلَا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) سورة البقرة الآية 282 .

(5/129)


تبديل السيارة القديمة بسيارة جديدة
يقول السائل : ما حكم من يبدل سيارته بسيارة أخرى مع دفع الفرق وهل يعتبر هذا البيع من الربا ؟
الجواب : هذا البيع جائز ولا ربا فيه لأن الربا لا يجري في بيع سيارة بسيارة فالسيارات ليست من الأموال الربوية وعادة كثير من الناس أن يتم هذا البيع باستبدال السيارة القديمة بأخرى أحدث منها ودفع الفرق . وهذا العقد يتم فيه شراء السيارة الثانية بثمن مكون من السيارة الأولى مضافاً إلى ذلك الفرق في السعر بين السيارتين وهذا البيع داخل في عموم قوله تعالى :( وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ ) فهو جائز ولا بأس به .

(5/130)


بيع الكلاب
يقول السائل : ما حكم بيع الكلاب ؟
الجواب : يجب أن يعلم أولاً أنه لا يجوز اقتناء الكلب في البيوت إلا لحاجة نافعة ككلاب الصيد وكلاب الحراسة لما ثبت في الحديث عن ابن عمر رضي الله عنهما قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :( من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو كلب ماشية نقص من عمله كل يوم قيراطان ) رواه مسلم .
وأما بيع الكلاب فمحل خلاف كبير بين أهل العلم وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى تحريم بيع الكلب وأن ثمنه حرام واستدلوا على ذلك بما يلي :
1. عن أبي مسعود الأنصاري- رضي الله عنه - :( أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - نهى عن ثمن الكلب ) رواه البخاري ومسلم .
2. وعن رافع بن خديج - رضي الله عنه - قال :( سمعت رسول الله يقول : شر الكسب مهر البغي وثمن الكلب وكسب الحجام ) رواه مسلم .
وفي رواية أخرى عند مسلم قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :( ثمن الكلب خبيث ومهر البغي خبيث وكسب الحجام خبيث ) وغير ذلك من الأحاديث .

(5/130)


وأجاز جماعة من أهل العلم بيع الكلاب التي ينتفع بها ككلاب الحراسة والصيد ويلحق بها في زماننا الكلاب التي تقتفي الأثر والتي تستعمل في تعقب آثار المجرمين والكشف عن المخدرات ونحوها فيجوز بيع هذه الكلاب ، وهذا قول أبي حنيفة ومالك في رواية عنه وبه قال عطاء وإبراهيم النخعي . شرح النووي على صحيح مسلم 4/179 .
وسحنون من المالكية حيث قال :[ أبيعه وأحج بثمنه ] أي كلب الصيد كما نقله عنه في حاشية الدسوقي على الشرح الكبير 3/11 ، وهو قول بعض الحنابلة . الإنصاف 4/28 .
ومال إلى هذا القول الإمام الشوكاني والألباني وغيرهما وهو الذي أميل إليه ، لما يلي :
أولاً : قال تعالى :( يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ ) سورة المائدة الآية 4 .
ووجه الدليل في الآية الكريمة قوله تعالى :( مُكَلِّبِينَ ) ، قال القرطبي :[ معنى : ( مُكَلِّبِينَ ) ، أصحاب الكلاب وهو كالمؤدب صاحب التأديب ] تفسير القرطبي 6/66 .
وهذه الآية تدل على جواز اتخاذ الكلاب للصيد ويفهم من ذلك أنها أداة للصيد ينتفع بها وما كان كذلك يجوز بيعه ما دام أنه يجوز اقتناؤه .
ثانياً : وردت بعض الأحاديث التي تستثني كلب الصيد وكلب الماشية وما في معناهما من عموم النهي المذكور في الأحاديث التي احتج بها الجمهور على المنع فمن ذلك :
1. عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - :( نهى عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد ) رواه الترمذي وقال لا يصح من هذا الوجه ، ولكن الشيخ الألباني ذكر أن الحديث حسن ، صحيح سنن الترمذي 2/24 .

(5/131)


وقد ذكر الشيخ أحمد الغماري عدة طرق يتقوى بها حديث أبي هريرة السابق ، الهداية في تخريج أحاديث البداية 7/169 فما بعدها .
2. وعن جابر قال :( نهى رسول الله- صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب إلا الكلب المعلم ) رواه النسائي وأحمد والدارقطني وطعن النسائي في سنده ولكن قال الحافظ ابن حجر : رجاله ثقات ، إلا أن النسائي طعن في صحته فتح الباري 5/331 .
وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير 3/4 :[ ورد الاستثناء من حديث جابر ورجاله ثقات ] وقال الشيخ أحمد الغماري :[ هذا سند على شرط الصحيح ] ثم ذكر له طرقا تقويه وذكر رواية عن ابن عباس فيها استثناء كلب الصيد . الهداية 7/171 .
وقال الإمام الشوكاني بعد أن ذكر حديث جابر :[ فينبغي حمل المطلق على المقيد ويكون المحرم بيع ما عدا كلب الصيد إن صلح هذا المقيد للاحتجاج به ] نيل الأوطار 5/163 .
وقال الشيخ الألباني :[ ... ولكن معنى الاستثناء صحيح دراية للأحاديث الصحيحة التي تبيح اقتناء كلب الصيد وما كان كذلك حل بيعه وحل ثمنه كسائر الأشياء المباحة كما حققه الإمام أبو جعفر الطحاوي في شرح معاني الآثار ... ] السلسلة الصحيحة 6/1156 .
والذي حققه أبو جعفر الطحاوي أن النهي عن ثمن الكلب كان في الوقت الذي أمر فيه النبي - صلى الله عليه وسلم - بقتل الكلاب كما ثبت في أحاديث كثيرة ، ثم استثنى من القتل كلب الصيد والماشية والحراسة فجاز بيع هذه دون مطلق الكلاب .

(5/132)


قال الطحاوي :[ إن الكلاب قد كان حكمها أن تقتل كلها ولا يحل إمساك شيء منها فلم يكن بيعها حينئذ بجائز ولا ثمنها بحلال ] شرح معاني الآثار 4/53 . ثم ذكر طائفة من الأحاديث في قتل الكلاب ثم قال :[ فكان هذا حكم الكلاب أن تقتل ولا يحل إمساكها ولا الانتفاع بها فما كان الانتفاع به حراماً وإمساكه حراماً فثمنه حرام فإن كان نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب كان وهذا حكمها فإن ذلك قد نسخ فأبيح الانتفاع بالكلاب ] ثم ذكر طائفة من الأحاديث التي تبيح الانتفاع بكلاب الصيد والماشية ثم قال :[ فلما ثبتت الإباحة بعد النهي أباح الله عز وجلّ في كتابه ما أباح بقوله :( وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ ) اعتبرنا حكم ما ينتفع به هل يجوز بيعه ويحل ثمنه أم لا ؟ فرأينا الحمار الأهلي قد نهي عن أكله وأبيح كسبه والانتفاع به فكان بيعه إن كان هذا حكمه حلالاً وثمنه حلالاً وكان يجيء في النظرأيضاً أن يكون كذلك الكلاب لما أبيح الانتفاع بها حل بيعها وأكل ثمنها ويكون ما روي في حرمة أثمانها كان وقت حرمة الانتفاع بها وما روي في إباحة الانتفاع بها دليل على حل أثمانها . وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمة الله عليهم أجمعين ] شرح معاني الآثار 4/57 .
وذكر الشيخ الألباني في موضع آخر أن حديث جابر وهو :( نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ثمن الكلب إلا كلب الصيد ) قد رواه النسائي والبيهقي وهو على شرط مسلم وذكر له شاهدين ثم قال :[ فلعل هذا الاستثناء يقوى بهذه الطرق والشواهد ] التعليقات الرضية 2/347 .
وذكر صاحب إعلاء السنن - 14/486 فما بعدها - عدداً من الشواهد تتقوى بها هذه الأحاديث ويدل على أن الحديث الوارد في استثناء كلب الصيد لا يقل عن درجة الحسن وعليه فيجوز بيع الكلاب التي ينتفع بها في الحراسة والصيد وكلاب الأثر وغير ذلك .

(5/133)


ضوابط الكسب
يقول السائل : في عالم التجارة والمال والأعمال مجالات واسعة للكسب والحصول على الأموال ولكن هنالك أمور كثيرة يقف المرء حائراً أمامها متسائلاً ، هل يجوز هذا العمل شرعاً ؟! وهل هذا الكسب حلال أم حرام ؟ أرجو بيان ضوابط تضبط ذلك .
الجواب : إن المسلم ينطلق في حياته من عقيدته الإسلامية وأنه عبد لله سبحانه وتعالى ملتزم بشرعه فالإسلام لا يعطي الفرد الحرية المطلقة في أن يفعل ما يشاء وكيفما يشاء كما هو الحال في النظام الرأسمالي .
إن الحرية المطلقة رذيلة ممقوتة حيث إنها تؤدي بالانسان إلى الشرود والجموح والانفلات من جميع القيم والمبادئ ، يقول الدكتور يوسف القرضاوي حفظه الله : [ إن الحرية التي شرعها الإسلام في مجال الاقتصاد ليست حرية مطلقة من كل قيد كالحرية التي توهمها قوم شعيب ( أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ ) بل هي حرية منضبطة مقيدة بالعدل الذي فرضه الله تعالى .ذلك أن في الطبيعة الإنسانية نوعاً من التناقض خلقها الله عليه لحكمة اقتضاها عمران الأرض واستمرار الحياة .
فمن طبيعة الإنسان الشغف بجمع المال وحبه حباً قد يخرجه عن حد الاعتدال كما قال تعال في وصف الإنسان :( وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ ) وكما صوّر الرسول - صلى الله عليه وسلم - مدى طمع الإنسان بقوله :( لو كان لابن آدم واديان من تراب لابتغى إليهما ثالثاً ولا يملاً جوف ابن آدم إلا التراب ) متفق عليه .
ومن طبيعة الإنسان الشح والحرص كما قال تعالى :( وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ ) ، (وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا ) وقال الرسول عليه الصلاة والسلام :( يشيب ابن آدم وتشب معه خصلتان : الحرص ، وطول الأمل ) رواه البخاري .

(5/134)


ومن طبيعته حب الخلود إن لم يكن بنفسه فبذريته من بعده وحب الاستعلاء والسيطرة على الآخرين وهاتان الغريزتان كانتا الأحبولة التي أوقع إبليس بها آدم أبا البشر في شرك المخالفة بالأكل من الشجرة :( فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى ) ] دور القيم والأخلاق في الاقتصاد الإسلامي ص 371 - 372.
إذا تقرر هذا فإن الإسلام حث على العمل والسعي في الأرض للكسب ، قال تعالى :
( هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ ) سورة الملك الآية 15 .
وقال تعالى :( يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا ) سورة البقرة الآية 168.
وقد وضع العلماء أصولاً وضوابط لما يحل ويحرم في باب المعاملات فمن هذه الضوابط والأصول تحريم الربا فهو محرم بنص كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال تعالى :( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس ذلك بأنهم قالوا إنما البيع مثل الربا وأحل الله البيع وحرم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فنتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأؤلئك أصحَابُ النّارِ هُمْ فِيْها خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ) سورة البقرة الآيتان 275- 276 .
وقال - صلى الله عليه وسلم - :( لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال : هم سواء ) رواه مسلم .
ويترتب على تحريم الربا تحريم العمل في البنوك الربوية مهما كان العمل لأن العمل فيها إما إعانة على الربا أو رضىً بهذا العمل المحرم وكلاهما ممنوع شرعاً .

(5/135)


يقول الله تعالى :( وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ ) سورة المائدة الآية 2 .
ويدخل في ذلك تأجير المحلات والمباني للبنوك الربوية فهو حرام لما سبق من أنه تعاون على الإثم والعدوان .
ومن هذه الضوابط تحريم كل معاملة فيها غش وخداع وقد ثبت في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( من غشنا فليس منا ) رواه مسلم . فهذا الحديث عام ويشمل المعاملات كلها والعمل كذلك .
وصور الغش والخداع في زماننا كثيرةٌ جداً وخاصة في التجارة والأعمال المختلفة فمن ذلك على سبيل المثال لا الحصر :
1. بيع المواد الفاسدة و المنتهية الصلاحية .
2. التلاعب في الأوزان كأن يكتب على العبوة وزن معين ثم لا يكون وزنها في الحقيقة كذلك .
3. تسويق بضاعة رديئة على أنها بضاعة جيدة وذلك بوضع العلامة التجارية للبضاعة الجيدة على الرديئة.
4. بيع المواد الضارة بالصحة والتي تسبب الأمراض المستعصية .
5. وصف مكونات المواد المصنعة بأوصاف غير حقيقية .
6. الغش في تنفيذ المقاولات وأعمال البناء مثل تقليل الحديد والإسمنت في البنايات مما قد يتسبب في انهيار المبنى ومقتل سكانه أو إصابتهم بأذى .
ومن الضوابط التي تحكم عالم التجارة والعمل تحريم الاتجار والعمل بالمحرمات سواء كان ذلك بانتهاك محرم أو ترك واجب .
يقول الله تعالى :( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ) سورة المنافقون الآية 9 .
ومن صور الاتجار في المحرمات وكذا العمل فيها :
التجارة في الخمر بمختلف أسمائها وكذا العمل في صناعتها والعمل في قطف العنب لتصنيعها وبيع العنب لمن يعصره خمراً .

(5/136)


وقد صح في الحديث من قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - :( إن الله تعالى حرّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام ) رواه بالبخاري ومسلم .
وجاء في الحديث :( أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لعن الخمر وشاربها وساقيها وبائعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمول إليه وآكل ثمنها ) رواه أبو داود والحاكم وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع الصغير 2/907 .
ويلحق بتحريم الاتجار بالخمر الاتجار بالمخدرات والسموم القاتلة كالهيروين والأفيون والحشيش .
ومن الصور المحرمة المتاجرة في الأفلام الساقطة الخليعة والصحف والمجلات التي تنشر الفحشاء والمنكر وكذا العمل في طباعتها وطباعة أي مادة تحارب الله ورسوله ودينه .
ومن صور العمل المحرمة الأعمال التي يجبر فيها الإنسان على ترك الفرائض كمن يعمل في مصنع ويمنع من أداء الصلاة المفروضة في وقتها فهذا عمل محرم .
وكذا العمل الذي تكون فيه خلوة محرمة شرعاً كعمل السكرتيرة في مكتب المدير أو المحامي أو الطبيب إذا وجدت الخلوة المحرمة .
وكذا العمل الذي يقتضي أن تتخلى المرأة المسلمة عن لباسها الشرعي المفروض .
وكذا العمل الذي تنتهك فيه المحرمات كعمل الراقصات والمغنيات والممثلات ومن يشاركهن في ذلك من الرجال والنساء كالمصورين والمخرجين وغيرهم فهذا العبث الذي يسميه الناس في زماننا فناً والمتضمن انتهاك المحرمات كالعري والتقبيل والمعاشرة الجنسية وإن لم تكن تامة كل ذلك من المحرمات ويمنع ترويج وبيع هذه الأفلام والأشرطة أو تأجيرها أو الإعلان عنها وغير ذلك .
ومن الأعمال المحرمة الحفلات الغنائية المختلطة وما يصاحبها من رقص ماجن وعري وتهتك .
ومن الأعمال المحرمة الاشتغال بعمل أو وظيفة من شأنها الإعانة على ظلم أو حرام فهي حرام كمن يشتغل في عمل ربوي أو محل للخمر أو في مرقص أو ملهى أو نحو ذلك . الحلال والحرام ص 141 .

(5/137)


وكذلك العمل في وظيفة تلحق الضرر والأذى بالمسلمين سواء كان الضرر أو الأذى مادياً أو معنوياً .
ومن الأعمال المحرمة المتاجرة بالمواد المسروقة والمغصوبة وهي التي أخذت من أصحابها بغير رضا كالمواد التي تصادر من الناس ظلماً وعدواناً .
ومن الضوابط في هذا المجال تحريم المعاملات التي فيها غرر وخطر كالقمار الذي هو الميسر ، قال تعالى :( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) سورة المائدة الآيتان 90-91 .
ومن ذلك ما يعرف باللوتو والتوتو وكذلك اليانصيب المسمى زوراً وبهتاناً باليانصيب الخيري فكل ذلك حرام .
وأخيراً لا يظنن أحد أن فيما تقدم من المحرمات تضييق لموارد الرزق على الناس بل إن طرق الكسب الحلال مفتوحة وهي أكثر من أن تعد وتحصى .

(5/138)


إيثار المؤسس والمساهم في الشركات المساهمة
يقول السائل : هل يجوز إيثار المؤسس والمساهم في الشركات المساهمة على غيره في معاملات تلك الشركات عملاً بقوله تعالى :( أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ) ؟
الجواب : كثير من الناس يخطئ في فهم الآية الكريمة المذكورة في السؤال ويحملونها على غير وجهها الصحيح فيفهمون أن معنى الآية : أن الأقرب هو الأولى بالمعروف أو بالمعاملة وبعضهم يقول الأقرب فالأقرب ، وهذا فهم خاطئ تماماً وحتى نفهم الآية فهماً صحيحاً لا بد من فهم ما يسبقها من الآيات وما يلحقها وكيف فسرها علماء التفسير .
يقول الله تعالى :( فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى )سورة القيامة 31-40 .
قال أهل التفسير في معنى قوله تعال :( أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ) أي ويل لك يا أيها الشقي ثم ويل لك.
وقال المفسرون هذه العبارة في لغة العرب ذهبت مذهب المثل في التخويف والتحذير والتهديد فاحذر وانتبه لأمرك .
قال الراغب الأصفهاني :[ وقوله تعالى :(أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ) كلمة تهديد وتخويف يخاطب به من أشرف على هلاك فيحث به على التحرز أو يخاطب به من نجا ذليلاً منه فينهى عن مثله ثانياً وأكثر ما يستعمل مكرراً وكأنه حث على تأمل ما يئول إليه أمره ليتنبه للتحرز منه ] المفردات في غريب القرآن ص 32 .
وقال الإمام القرطبي :[ قوله تعالى : ( أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) تهديد بعد تهديد ووعيد بعد وعيد أي فهو وعيد أربعة لأربعة كما روي أنها نزلت في أبي جهل الجاهل بربه فقال :( فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى ) أي لا صدق رسول الله ولا وقف بين يدي فصلى ، ولكن كذب رسولي وتولى عن التصلية بين يدي .
فترك التصديق خصلة والتكذيب خصلة وترك الصلاة خصلة والتولي عن الله تعالى خصلة فجاء الوعيد أربعة مقابلة لترك الخصال الأربع والله أعلم . لا يقال : فإن قوله :( ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى ) خصلة خامسة فإنا نقول : تلك كانت عادته قبل التكذيب والتولي فأخبر عنها وذلك بين في قول قتادة على ما نذكره .

(5/139)


وقيل : إن رسول الله- صلى الله عليه وسلم - خرج من المسجد ذات يوم فاستقبله أبو جهل على باب المسجد مما يلي باب بني مخزوم فأخذ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بيده فهزه مرةً أو مرتين ثم قال : ( أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ) فقال له أبو جهل : أتهددني ؟ فوالله إني لأعز أهل الوادي وأكرمه . ونزل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما قال لأبي جهل وهي كلمة وعيد ... قال قتادة : أقبل أبو جهل بن هشام يتبختر فأخذ النبي - صلى الله عليه وسلم - بيده فقال : ( أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ثُمَ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى) . فقال : ما تستطيع أنت ولا ربك لي شيئاً إني لأعز من بين جبليها . فلما كان يوم بدر أشرف على المسلمين فقال : لا يعبد الله بعد هذا اليوم أبداً . فضرب الله عنقه وقتله شرّ قتلة . وقيل : معناه الويل لك ... وعلى هذا التأويل قيل : هو من المقلوب كأنه قيل: أويل ثم أخر الحرف المعتل والمعنى : الويل لك حياً والويل لك ميتاً والويل لك يوم البعث والويل لك يوم تدخل النار ... وقيل : المعنى أنت أولى وأجدر بهذا العذاب .
وقال أبو العباس أحمد بن يحيى : قال الأصمعي ( أَوْلَى ) في كلام العرب معناه مقاربة الهلاك كأنه يقول : قد وليت الهلاك ، قد دانيت الهلاك ، وأصله من الولى وهو القرب . قال الله تعالى :( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ ) أي يقربون منكم ... وكان أبو العباس ثعلب يستحسن قول الأصمعي ويقول : ليس أحد يفسر كتفسير الأصمعي . وقال النحاس : العرب تقول أولى لك : كدت تهلك ثم أفلت وكأن تقديره : أولى لك وأولى بك الهلكة ] تفسير القرطبي 19/114-116 .

(5/140)


وقال ابن منظور :[ وقوله عز وجل ( أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى ) معناه التوعد والتهدد أي الشر أقرب إليك وقال ثعلب : معناه دنوت من الهلكة وكذلك قوله تعالى :( فَأَوْلَى لَهُمْ) أي وليهم المكروه وهو اسم لدنوت أو قاربت وقال الأصمعي : أولى لك قاربك ما تكره أي نزل بك يا أبا جهل ما تكره ... ، قال ثعلب : ولم يقل أحد في أولى لك أحسن مما قال الأصمعي وقال غيرهما : أولى يقولها الرجل لآخر يحسره على ما فاته وبقول له : يا محروم أي شيء فاتك ؟ وقال الجوهري : أولى لك تهدد ووعيد ]
لسان العرب 15/404 ، وراجع أيضاً تفسير الألوسي 15/164 ، وتفسير ابن كثير 4/451 .
إذا تقرر أن المراد بالآية التهديد والوعيد والآية لا تدل على الفهم الخاطئ الذي يفهمه كثير من الناس من هذه الآية ، أقول بالنسبة لإيثار المساهم والمؤسس بمعاملات الشركة التي أسسها وأسهم فيها بأن ذلك لا يجوز لأن محاباة بعض المؤسسين يجعل الشركة شركة خاصة ويؤدي إلى الإضرار بمصالح جمهور المساهمين .
والواجب على إدارة الشركة هو القيام على مصالح جميع المساهمين ومعاملة الجميع على قدم المساواة ، بل إن بعض أنظمة الشركات المساهمة تمنع التعامل مع بعض المساهمين في الشركة كأعضاء مجلس الإدارة من أجل المحافظة على مصالح الشركة بشكل عام .

(5/141)


خُلو الرِجل
يقول السائل : ما قولكم فيما يعرف بِخُلو الرِجل المعمول به حالياً ؟
الجواب : بدل خلو الرجل أو المفتاحية هو مبلغ من المال يدفعه الشخص نظير تنازل المنتفع بعقار عن حقه في الانتفاع .
ومسألة خلو الرجل من المسائل الشائكة التي خاض فيها العلماء واختلفوا في حكمها اختلافاً بيناً وخاصة أنه لا يوجد فيها نصوص شرعية لأنها من المسائل المتأخرة الحدوث .
وعلى كل حال فقد صار خلو الرجال معروفاً ومعمولاً به في كثير من بلاد المسلمين وخاصة في بلادنا .
وتنقسم صور الاتفاق على بدل الخلو إلى أربع صور وهي :

(5/141)


1. أن يكون الاتفاق بين مالك العقار وبين المستأجر عند بدء العقد وتسمى هذه الصورة المفتاحية .
فإذا اتفق المالك والمستأجر على أن يدفع المستأجر للمالك مبلغاً مقطوعاً زائداً عن الأجرة الدورية فلا مانع شرعاً من دفع هذا المبلغ المقطوع على أن يعد جزءاً من أجرة المدة المتفق عليها ، وفي حالة الفسخ تطبق على هذا المبلغ أحكام الأجرة .
2. أن يكون الاتفاق بين المستأجر وبين المالك وذلك في أثناء مدة عقد الإجارة أو بعد انتهائها .
فإذا تم الاتفاق بين المالك والمستأجر أثناء مدة الإجارة على أن يدفع المالك للمستأجر مبلغاً مقابل تخليه عن حقه الثابت بالعقد في ملك منفعة بقية المدة فإن بدل الخلو هذا جائز شرعاً لأنه تعويض عن تنازل المستأجر برضاه عن حقه في المنفعة التي باعها للمالك .
أما إذا انقضت مدة الإجارة ولم يتجدد العقد صراحة أو ضمناً عن طريق التجديد التلقائي حسب الصيغة المفيدة له فلا يحل بدل الخلو لأن المالك أحق بملكه بعد انقضاء حق المستأجر .
3. أن يكون الاتفاق بين المستأجر ومستأجر جديد في أثناء مدة عقد الإجارة أو بعد انتهائها .
4. أن يكون الاتفاق بين المستأجر الجديد وبين كل من المالك والمستأجر الأول قبل انتهاء المدة أو بعد انتهائها .
فإذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول وبين المستأجر الجديد أثناء مدة الإجارة على التنازل عن بقية مدة العقد لقاء مبلغ زائد عن الأجرة الدورية فإن بدل الخلو هذا جائز شرعاً مع مراعاة مقتضى عقد الإجارة المبرم بين المالك والمستأجر الأول ومراعاة ما تقضي به القوانين النافذة الموافقة للأحكام الشرعية .
على أنه في الإجارات الطويلة المدة خلافاً لنص عقد الإجارة طبقاً لما تسوغه بعض القوانين لا يجوز للمستأجر إيجار العين لمستأجر آخر ولا أخذ بدل الخلو فيها إلا بموافقة المالك .

(5/142)


أما إذا تم الاتفاق بين المستأجر الأول وبين المستأجر الجديد بعد انقضاء المدة فلا يحل بدل الخلو لانقضاء حق المستأجر الأول في منفعة العين .
هذا ما قرره مجمع الفقه الإسلامي في دورته الرابعة ، انظر مجلة المجمع عدد 4/ ج3/ص 2329/2330 .
وبناءً على ذلك يتبين لنا أن ما يفعله كثير من مستأجري الدور السكنية والشقق والمحلات التجارية الذين يطالبون ببدل خلو مقابل إخلاء المأجور بعد انتهاء مدة الإجارة أن مطالبتهم تلك باطلة وإن أخذوا بدل الخلو فإنه يكون أكلاً لأموال الناس بالباطل .
ويظهر الظلم واضحاً في كثير من قضايا المطالبة بالخلو وخاصة إذا كان المستأجر قد استأجر منزلاً للسكن منذ مدة طويلة كعشرين سنة خلت والأجرة زهيدة وبقية الأجرة على حالها لأن المستأجر محمي بحكم القانون ويطالب صاحب المنزل الآن بإخلائه والمستأجر يرفض الإخلاء ويطالب بالخلو والمبلغ الذي يطلبه أضعاف الأجرة التي دفعها طوال العشرين عاماً ،أليس هذا ظلماً وأكلاً لأموال الناس بالباطل .
وأخيراً أدعو المالكين والمستأجرين إلى التراحم فيما بينهم والاحتكام إلى شرع الله سبحانه وتعالى .

(5/143)


عزل المحكمين
يقول السائل : هل يجوز لأحد الخصمين اللذين اتفقا على التحكيم في نزاع بينهما عزل المحكم قبل أن يصدر الحكم ؟
الجواب : إن تعيين المحكم أو المحكمين في قضية ما لا بد أن يكون بتراضي الخصمين في النزاع فإذا اتفق الخصمان على تعيين المحكم بينهما وشرع المحكم في النظر في القضية فلا ينبغي لأحد الخصمين عزل المحكم ولا بد من استمرار المحكم في القضية إلى أن يصدر الحكم لأن ذلك يؤدي إلى عدم استقرار أمور التحكيم ويقلل من هيبة المحكم وهذا قول جماعة من الفقهاء وهو رأي القانون المدني في كثير من البلاد العربية فلا يصح عزل المحكمين إلا بتراضي الخصوم جميعاً .

(5/143)


الأسرة والمجتمع
عرض المرء ابنته على شخص ليتزوجها
يقول السائل : من المعلوم أن الرجل هو الذي يختار المرأة عند رغبته في الزواج فهل يجوز أن يعرض الإنسان ابنته على شخص ليتزوجها ؟
الجواب : لا مانع شرعاً من أن يعرض المسلم ابنته أو أخته على من يرى فيه الصلاح للزواج منها .
قال الله تعالى في قصة موسى عليه الصلاة والسلام مع والد الفتاتين اللتين سقى لهما موسى الغنم :(وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ فَجَاءَتهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَه وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ) سورة القصص الآيات 23-28 .

(5/144)


قال القرطبي :[ قوله ( إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ ) الآية . فيه عرض الولي بنته على الرجل وهذه سنة قائمة عرض صالح مدين ابنته على صالح بني اسرائيل وعرض عمر ا بن الخطاب ابنته حفصة على أبي بكر وعثمان رضي الله عنهم أجمعين وعرضت الموهوبة نفسها على النبي - صلى الله عليه وسلم - فمن الحسن عرض الرجل وليته والمرأة نفسها على الرجل الصالح اقتداء بالسلف الصالح ] تفسير القرطبي 13/271 .
وقال الإمام البخاري في صحيحه " باب عرض الإنسان ابنته أو أخته على أهل الخير " ثم روى بسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما حدَّث :( أن عمر بن الخطاب حين تأيمت حفصة بنت عمر من خنيس بن حذافة السهمي ، وكان من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فتوفي في المدينة ، فقال عمر بن الخطاب : أتيت عثمان بن عفان فعرضت عليه حفصة فقال : سأنظر في أمري ، فلبثت ليالي ثم لقيني فقال : قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا ، قال عمر : فلقيت أبا بكر الصديق فقلت : إن شئت زوجتك حفصة بنت عمر ، فصمت أبو بكر فلم يرجع إلي شيئاً ، وكنت أوجد عليه مني على عثمان . فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فأنكحتها إياه ، فلقيني أبو بكر فقال : لقد وجدت عليَّ حين عرضت عليّ حفصة فلم أرجع إليك شيئاً . قال عمر : قلت : نعم ، قال : أبوبكر : فإنه لم يمنعني أن أرجع إليك فيما عرضت عليّ إلا أنني كنت علمت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد ذكرها ، فلم أكن لأفشي سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، ولو تركها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبلتها ) .
قال الحافظ ابن حجر في أول شرحه للباب بأن الإمام البخاري أورد عرض البنت في الحديث الأول وعرض الأخت في الحديث الثاني - وسيأتي ذكره - فتح الباري 11/80 .

(5/145)


ثم قال الحافظ ابن حجر :[ وفيه - أي الحديث - عرض الانسان بنته وغيرها من مولياته على من يعتقد خيره وصلاحه لما فيه من النفع العائد على المعروضة عليه وأنه لا استحياء في ذلك ] فتح الباري 11/82 .
ثم ذكر الإمام البخاري الحديث الثاني وفيه إشارة إلى عرض أم حبيبة رضي الله عنها على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يتزوج أختها وقد ذكر البخاري الرواية المصرحة بذلك في موضع آخر من صحيحه ونصها :( عن أم حبيبة قالت : قلت يا رسول الله هل لك في بنت أبي سفيان ؟ قال : فأفعل ماذا ؟ قلت : تنكح ، قال : أتحبين ؟ قلت : لست لك بمخلية وأحب من شركني فيك أختي ، قال : إنها لا تحل لي ... الخ ) الحديث . صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري 11/62 وأم حبيبة هي بنت أبي سفيان عرضت على النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يتزوج أختها .
وكذلك يجوز للمرأة أن تعرض نفسها على الرجل الصالح ليتزوج بها . قال الإمام البخاري في صحيحه " باب عرض المرأة نفسها على الرجل الصالح " ثم روى بسنده عن أنس - رضي الله عنه - :( جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تعرض عليه نفسها قالت : يا رسول الله ، ألك بي حاجة ؟ فقالت بنت أنس : ما أقل حياءها واسوأتاه ، واسوأتاه ، قال هي خير منك ، رغبت في النبي - صلى الله عليه وسلم - فعرضت عليه نفسها ).

(5/146)


وروى البخاري أيضاً بسنده عن سهل بن سعد :( أن امرأة عرضت نفسها على النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال له رجل : يا رسول الله زوجنيها ، فقال : ما عندك ؟ قال : ما عندي شيء ، قال : اذهب فالتمس ولو خاتماً من حديد ، فذهب ثم رجع فقال : لا ، ما وجدت شيئاً ولا خاتماً من حديد ، ولكن هذا إزاري ولها نصفه . قال سهل : وماله رداء ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : وما تصنع بإزارك ؟ إن لبسته لم يكن عليها منه شيء ، وإن لبسته لم يكن عليك منه شيء ، فجلس الرجل حتى إذا طال مجلسه قام فرآه النبي - صلى الله عليه وسلم - فدعاه أو دعي له ، فقال له : ماذا معك من القرآن ؟ فقال : معي سورة كذا وسورة كذا ، لسور يعددها . فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أملكناكها بما معك من القرآن ). صحيح البخاري 11/79 .
وقال الحافظ ابن حجر :[ وفي الحديثين جواز عرض المرأة نفسها على الرجل وتعريفه رغبتها فيه وأن لا غضاضة عليها في ذلك وأن الذي تعرض المرأة نفسها عليه بالاختيار لكن لا ينبغي أن يصرح لها بالرد بل يكفي السكوت ] فتح الباري 11/80 .

(5/147)


وعرض الرجل ابنته على الرجل الصالح ليتزوج بها أمر لا بأس به كما سبق وفعله جماعة من السلف كما جاء في قصة سعيد بن المسيب أن عبد الملك بن مروان خطب ابنته لولده الوليد حين ولاه العهد ، فأبى أن يزوجها ، قال أبو وداعة :[ كنت أجالس سعيد بن المسيب ففقدني أياماً ، فلما جئت قال : أين كنت ؟ قلت : توفيت أهلي ، فاشتغلت ، قال : فهّلا أخبرتنا فشهدناها ؟ قال : ثم أردت أن أقوم . فقال : هل أحدثت أمرأة غيرها ؟ فقلت : يرحمك الله ، ومن يزوجني وما أملك إلا درهمين أو ثلاثة ؟ فقال : إن أنا فعلت تفعل ؟ قلت : نعم ، فحمد الله تعالى وصلى على النبي - صلى الله عليه وسلم - وزوجني على درهمين أو على ثلاثة ، فقال : فقمت وما أدري ما أصنع من الفرح ، وصرت إلى منزلي . وجعلت أفكر ممن آخذ وأستدين ؟ وصليت المغرب ، وكنت صائماً فقدمت عشائي لأفطر ، وكان خبزاً وزيتاً ، وإذا بالباب يقرع ، فقلت : من هذا ؟ فقال : سعيد ، ففكرت في كل إنسان اسمه سعيد إلا سعيد بن المسيب ، فإنه لم ير منذ أربعين سنة إلا ما بين بيته والمسجد ، فقمت وخرجت ، وإذا سعيد بن المسيب ، وظننت أنه بدا له ، فقلت : يا أبا محمد ! هلا أرسلت إليّ فأتيتك ؟ قال : لا ، أنت أحق أن تزار ، قلت : فما تأمرني ؟ قال : رأيتك رجلاً عزباً قد تزوجت فكرهت أن تبيت الليلة وحدك ، وهذه امرأتك ، فإذا هي قائمة خلفه في طوله ، ثم دفعها في الباب ، ورد الباب ، فسقطت المرأة من الحياء ، فاستوثقت من الباب ، ثم صعدت إلى السطح ، وناديت الجيران ، فجاءوني وقالوا : ما شأنك ؟ قلت : زوجني سعيد بن المسيب ابنته ، وقد جاء بها على غفلة وها هي في الدار ، فنزلوا إليها ، وبلغ أمي فجاءت ، وقالت : وجهي من وجهك حرام إن مسستها قبل أن أصلحها ثلاثة أيام ، فأقمت ثلاثاً ثم دخلت بها ، فإذا هي من أجمل الناس ، وأحفظهم لكتاب الله تعالى ، وأعلمهم بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأعرفهم بحق الزوج ، قال :
فمكثت شهراً لا يأتيني ولا آتيه ، ثم أتيته بعد شهر وهو في حلقته فسلمت عليه فردَّ عليَّ ولم يكلمني حتى انفض من في المسجد ، فلما لما يبق غيري ، قال : ما حال ذلك الإنسان ؟ قلت : على ما يحب الصديق ويكره العدو ) عن عشرة النساء ص 87-88 .

(5/148)


معاملة الزوجة بالحسنى
تقول السائلة : إن زوجها يسيء معاملتها ويهينها أمام أولادها ويقتّر عليها في الإنفاق مع العلم أنه يحافظ على الصلوات في المسجد فما قولكم في ذلك ؟
الجواب : كثير من الناس عندهم انفصال ما بين القول والعمل ويعرفون الأحكام الشرعية معرفة نظرية فقط ولا يحولون تلك المعرفة إلى ممارسة عملية في الحياة وقد قال الله تعالى :( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ ) سورة الصف الآيتان 2-3 .
وكثير من أمثال هذا الشخص المشار إليه في السؤال يفهمون الأحكام الشرعية المتعلقة بالمرأة بطريقة غير صحيحة فهم يفهمون القوامة على أنها تسلط على المرأة وهكذا . وينسى هؤلاء النصوص الشرعية الكثيرة التي حثت على حسن التعامل مع الزوجة حيث إن الزوجة آية من آيات الله تعالى التي منَّ بها على عباده كما قال تعالى :( وَمِنْ ءَايَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) سورة الروم الآية 21 .
إن الأساس الذي ينبغي أن تقوم عليه العلاقة الزوجية هو المودة والرحمة وتعني عطف قلوبهم بعضهم على بعض وقال بعض أهل التفسير : المودة المحبة والرحمة الشفقة وقال ابن عباس رضي الله عنهما :[ المودة حب الرجل امرأته والرحمة رحمته إياها أن يصيبها سوء ] تفسير القرطبي 14/17 .

(5/149)


وقد أمر الله تعالى بحسن معاشرة الزوجة فقال تعالى :( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا ءَاتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا ) سورة النساء الآية 19 .
قال الإمام القرطبي :[ قوله تعالى :( وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) أي على ما أمر الله به من حسن المعاشرة والخطاب للجميع إذ لكل أحد عشرة زوجاً كان أو ولياً ولكن المراد بهذا الأمر في الأغلب الأزواج وهو مثل قوله تعالى :( فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ ) وذلك توفية حقها من المهر والنفقة وألا يعبس في وجهها بغير ذنب وأن يكون منطلقاً في القول لا فظاً ولا غليظاً ولا مظهراً ميلاً إلى غيرها ، والعشرة : المخالطة والممازجة ... فأمر الله سبحانه بحسن صحبة النساء إذا عقدوا عليهن لتكون أدمة ما بينهم وصحبتهم على الكمال فإنه أهدأ للنفس وأهنأ للعيش وهذا واجب على الزوج ولا يلزمه في القضاء وقال بعضهم : هو أن يتصنع لها كما تتصنع له ، قال يحيى بن عبد الرحمن الحنظلي : أتيت محمد بن الحنفية فخرج إلي في ملحفة حمراء ولحيته تقطر من الغالية - نوع من الطيب - فقلت : ما هذا ؟ قال : إن هذه الملحفة ألقتها عليّ امراتي ودهنتني بالطيب وإنهن يشتهين منا ما نشتهيه منهن .
وقال ابن عباس - رضي الله عنه - : إني أحب أن أتزين لامرأتي كما أحب أن تتزين المرأة لي ] تفسير القرطبي 5/97 .

(5/150)


وقد حثّ النبي - صلى الله عليه وسلم - على حسن معاملة الزوجة وقد وردت في ذلك أحاديث كثيرة وقد بوب على بعضها الإمام البخاري بتراجم مناسبة فقال :" باب الوصاة بالنساء " ، وقال الإمام البخاري أيضاً :" باب المداراة مع النساء " ، وقال الإمام البخاري أيضاً :" باب حسن المعاشرة مع الأهل ".
ومن هذه الأحاديث حديث أبي هريرة أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال :( من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يؤذي جاره واستوصوا بالنساء خيراً فإنهن خلقن من ضلع أعوج وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه فإن ذهبت تقيمه كسرته وإن تركته لم يزل أعوج فاستوصوا بالنساء خيراً ) .
قال الحافظ ابن حجر معلقاً على هذا الحديث :[ وفي الحديث الندب إلى المداراة لاستمالة النفوس وتألف القلوب وفي سياسة النساء بأخذ العفو منهن والصبر على عوجهن وأن من رام تقويمهن فاته الانتفاع بهن مع أنه لا غنى للإنسان عن امرأة يسكن إليها ويستعين بها على معاشه ] فتح الباري 11/163 .
وجاء في الحديث عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( إني أحرج عليكم حق الضعيفين اليتيم والمرأة ) رواه ابن ماجة وابن حبان والحاكم وصححه ووافقه الذهبي .
وورد في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في خطبة حجة الوداع :( واستوصوا بالنساء خيراً فإنهن عوان عندكم ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك إلا أن يأتين بفاحشة مبينة فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهم ألا إن لكم على نسائكم حقاً ولنسائكم عليكم حقاً فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن ) رواه الترمذي وقال حسن صحيح ورواه ابن ماجة وحسّنه الشيخ الألباني في صحيح سنن الترمذي 1/341 .
وقال - صلى الله عليه وسلم - :( اتقوا الله في النساء ) رواه مسلم .

(5/151)


وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :( أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً وخياركم خياركم لنسائهم ) رواه الترمذي وقال : حسن صحيح . ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي .
قال العلامة ابن علان المكي :[ ( وخياركم خياركم لنسائهم ) وفي رواية ( خيركم خيركم لأهله ) قال في النهاية هو إشارة إلى صلة الرحم والحث عليها ، قيل ولعل المراد من حديث الباب أن يعامل زوجته بطلاقة الوجه وكف الأذى والإحسان إليها والصبر على أذاها قلت ويحتمل أن الإضافة فيه للعهد والمعهود هو النبي - صلى الله عليه وسلم - والمراد( أنا خيركم لأهلي ) وقد كان - صلى الله عليه وسلم - أحسن الناس لأهله وأصبرهم على اختلاف أحوالهم ] دليل الفالحين 3/106 .
ويجب أن يعلم أن الإنفاق على الزوجة واجب على الزوج كما قال تعالى :( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) سورة البقرة الآية 233 ، وقال تعالى :
( لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا ءَاتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا ءَاتَاهَا ) سورة الطلاق الآية 7 .
وهذا الإنفاق يؤجر عليه الزوج أجراً عظيماً فقد جاء في الحديث عن أبي هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ودينار أنفقته على أهلك أعظمها أجراً الذي أنفقته على أهلك ) رواه مسلم .
وقال - صلى الله عليه وسلم - :( أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله ) رواه مسلم .
وعن أبي مسعود البدري أن النبي - صلى الله عليه وسلم -قال :( إذا أنفق الرجل على أهله نفقة يحتسبها فهي له صدقة ) رواه البخاري ومسلم .

(5/152)


وقال الحافظ ابن حجر :[ وقال الطبري ما ملخصه : الإنفاق على الأهل واجب والذي يعطيه يؤجر على ذلك بحسب قصده ولا منافاة بين كونها واجبة وبين تسميتها صدقة بل هي من صدقة التطوع وقال المهلب : النفقة على الأهل واجبة بالإجماع وإنما سماها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه وقد عرفوا ما في الصدقة من الأجر فعرّفهم أنها لهم صدقة حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يكفوهم ترغيباً لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوع ] فتح الباري 11/425 .
وعن سعد - رضي الله عنه - : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( إنك مهما أنفقت على أهلك من نفقة فإنك تؤجر حتى اللقمة ترفعها إلى فيّ امرأتك ) رواه البخاري ومسلم .
والأصل في الإنفاق على الزوجة والأولاد هو الإنفاق بالمعروف كما في الآية المذكورة أولاً .
والمعروف هو المتعارف في عرف الشرع من غير تفريط ولا إفراط ويقدر ذلك بحسب حال الزوج يسراً أو عسراً ويدل على ذلك قوله تعالى :( لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا ءَاتَاهُ اللَّهُ لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا ءَاتَاهَا ) سورة الطلاق الآية 7 ، وقوله تعالى :( أَسْكِنُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ سَكَنْتُمْ مِنْ وُجْدِكُمْ ) سورة الطلاق الآية 6 .
وقوله - صلى الله عليه وسلم - :( أطعموهن مما تأكلون واكسوهن مما تكتسون ولا تضربوهن ولا تقبحوهن ) رواه أبو داود وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن أبي داود 2/402 .
وإذا كان الزوج بخيلاً شحيحاً فإنه يجوز للمرأة أن تأخذ من مال زوجها بالمعروف لتنفق على نفسها وأولادها من دون علم الزوج فعن عائشة رضي الله عنها قالت : ( إن هند بنت عتبة قالت : يا رسول الله إن أبا سفيان رجل شحيح وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم . فقال - صلى الله عليه وسلم - : خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) رواه البخاري ومسلم .

(5/153)


منع الزوجة من الذهاب إلى المسجد
تقول السائلة : إنها سيدة متزوجة وملتزمة بالدين وزوجها ليس كذلك وهو يمنعها من الذهاب إلى المسجد لحضور الصلوات والدروس الدينية وتقول إنها لم تدخل المسجد ولا مرة ولكنها تعوض ذلك بسماع القرآن الكريم وسماع الأشرطة الدينية وتسأل هل ينطبق عليها ما ورد في الحديث من قول النبي - صلى الله عليه وسلم - :( ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا غشيتهم الرحمة ونزلت عليهم السكينة ... الخ ) أفيدونا جزاكم الله خيراً .
الجواب : كثيرون من الناس يسيؤون فهم وضع المرأة في الإسلام ، وكثيرون يعاملون المرأة بشدة وقسوة بحكم عاداتهم وتقاليدهم الموروثة والتي لا تقرها الشريعة الإسلامية ويبدو أن زوج السائلة من هذا النوع .
إن معاملة الإسلام للمرأة أكرم وأعظم مما يظن كثير من الناس ولا يتسع المقام لتفصيل ذلك وأقتصر على ما يتعلق بالسؤال فقط فينبغي أن يعلم أن للمرأة الحق في الذهاب إلى المسجد للصلاة وحضور الدروس وليس الأمر خاصاً بالرجال فقد ورد في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( إنما النساء شقائق الرجال ) رواه أبو داود وصححه الشيخ الألباني ، صحيح الجامع الصغير 1/461 .

(5/154)


ومن المعلوم عند أهل العلم أن النساء كن في العهد النبوي يحضرن صلاة الجماعة بما في ذلك صلاتي الفجر والعشاء وهما وقت الظلمة فعن عائشة رضي الله عنها قالت ( كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الفجر متلفعات بمروطهن - أي أكسيتهن - ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس ) رواه البخاري ومسلم .
وكذلك كن النساء يحضرن صلاة الجمعة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فعن أم هشام بنت حارثة بن النعمان قالت :( ما حفظت : " ق " إلا من فيّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب بها كل جمعة ) رواه مسلم .
وثبت في الحديث أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال :( إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها ) متفق عليه .
وقال - صلى الله عليه وسلم - :( لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن ) رواه أبو داود وإسناده صحيح كما قال الشيخ الألباني في تعليقه على إعلام الساجد ص 225 .
وغير ذلك من الأحاديث الواردة في حضور النساء لصلاة العيدين وصلاة الكسوف وطلب النساء من النبي - صلى الله عليه وسلم - يوماً ليعظهن ... الخ ، فلا يجوز لهذا الزوج أن يمنع زوجته من الخروج للمسجد .
وأما الحديث الذي ذكرته في السؤال وهو :( ما اجتمع قوم ... الخ ) فهذا الحديث في حق من يجتمعون على تلاوة القرآن ويذكرون الله عز وجل ، وأما السائلة فلها الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى لصبرها على زوجها الظالم لها ولقيامها بما أوجب الله عليها ولسماعها للقرآن ولما تقوم به من ذكر وعبادة قال الله تعالى ( وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا) سورة الأحزاب الآية 35 .
ووردت أحاديث كثيرة في فضل الذكر والذاكرين منها قوله - صلى الله عليه وسلم - :( من قال لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير عشر مرات كان كمن أعتق أربعة أنفس من ولد إسماعيل ) متفق عليه وغير ذلك من الأحاديث .

(5/155)


المعاشرة الزوجية قبل الزفاف
يقول السائل : ما حكم المعاشرة الزوجية بين الزوجين بعد العقد وقبل الزفاف ؟
الجواب : من المعلوم أن عقد الزواج إذا وقع صحيحاً ترتبت عليه آثاره الشرعية ومنها حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر فهذا الأمر واضح ومعلوم .
ولكن العرف قد جرى بأن المعاشرة الزوجية لا تكون إلا بعد الزفاف لا قبله أي بعد أن ينقل الزوج زوجته إلى بيت الزوجية .
لذا فإني أرى تقييد هذا المباح بالعرف حيث إن هذا العرف صحيح ويحقق مقاصد الشارع الحكيم وبيان ذلك بما يلي :
إن العرف قد جرى في بلادنا أن يتم عقد الزواج ويكتب وتبقى الزوجة في بيت أبيها مدة من الزمن قد تطول وقد تقصر فأحياناً تمكث الزوجة في بيت أبيها سنة أو اكثر أو أقل .
وفي هذه الحال يتردد الزوج لزيارة زوجته في بيت أبيها ويسميه الناس خاطباً مع أن هذه التسمية فيها نظر لأنه ليس بخاطب وإنما هو زوج شرعاً .
وعندما يتفق الزوجان وأهلهما على الزفاف ويعين موعد لذلك وتقام الأفراح وفي يوم الزواج يحضر الزوج وأقاربه لأخذ الزوجة من بيت أبيها إلى بيت الزوج فعندها تتم المعاشرة الزوجية بينهما وأما قبل ذلك فينبغي منع إقامة أي علاقة جنسية بينهما لما قد يترتب على إقامة العلاقة الزوجية في الفترة التي تسبق الزفاف من مفاسد .

(5/156)


فمثلاً إذا تمت معاشرة بينهما في تلك الفترة وحصل الحمل فقد لا يستطيع الزوج إتمام الزفاف لسبب من الأسباب فعندئذ تظهر علامات الحمل على الفتاة وهذا ينعكس عليها سلباً وعلى زوجها ، وماذا لو قدر الله سبحانه وتعالى وفاة هذا الزوج قبل الزفاف وكان قد عاشرها وحملت منه فلا شك أن مشكلات كثيرة ستقوم وتؤدي إلى نزاع وخصام .
وهنالك احتمال أن يقع سوء تفاهم بينهما وقد يصل الأمر إلى الفراق بالطلاق أو غيره فحينئذ ستكون الفتاة في موقف صعب جداً وكذلك إذا تم الزفاف وكانت العلاقة الجنسية قد تمت قبله فقد يطعن الزوج في عفاف زوجته وهذا يوقع الفتاة وأهلها في مشكلات عويصة .
وقد يقول قائل ما دام أن العقد قد وقع صحيحاً فهي زوجته شرعاً وقانوناً فلماذا تحرمون استمتاع كل منهما بالآخر .
وأقول إنني لا أحرم ما أحل الله سبحانه وتعالى ولكن نقيد هذا المباح حفظاً لمصالح العباد ودفعاً للمفاسد التي قد تترتب على هذا الفعل .
والعرف الصحيح الذي لا يصادم النصوص الشرعية معتبر عند أهل العلم .
قال الإمام القرافي :[ وأما العرف فمشترك بين المذاهب ومن استقرأها وجدهم يصرحون بذلك فيها ] شرح تنقيح الفصول ص 488 .
وقال الشيخ ابن عابدين :
والعرف في الشرع له اعتبار لذا عليه الحكم قد يدار
رسالة " نشر العرف في بناء بعض الأحكام على العرف " ضمن مجموعة رسائل ابن عابدين 2/112 .
وقد قامت الأدلة الكثيرة على اعتبار العرف ووضع الفقهاء القواعد الفقهية في ذلك كما في قولهم : العادة محكمة ، والمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً واستعمال الناس حجة يجب العمل بها وغير ذلك .

(5/157)


[ وسلطان العرف العملي كبير في أحكام الأفعال المعتادة والمعاملات المختلفة المتعلقة بحقوق الناس أو أحوالهم الشخصية أو القضاء أو الشهادات والعقوبات وغيرها ويعمل بالعرف ما لم يصادم نصاً شرعياً من القرآن أو السنة واضح الدلالة قطعياً أو نصاً تشريعياً كالقياس ويعتبر ما ثبت بالعرف حينئذ ثابتاً بالنص اتباعاً للقاعدة الشرعية الثابت بالعرف كالثابت بالنص أو الثابت بالعرف ثابت بدليل شرعي ] نظرية العرف ص 48 .
ومن أوسع مجالات اتباع العرف ما يتعلق بالأسرة مثل عشرة النساء والنفقة عليهن ومن ضمن ذلك ما تعارف عليه الناس أن الزوج لا يعاشر زوجته المعاشرة الزوجية إلا بعد الزفاف وهذا عرف صحيح ينبغي اعتباره والعمل به فهو لا يصادم النصوص الشرعية بل يؤكد مقاصد الشارع الحكيم .
كما أنه يمكن منع المعاشرة الزوجية بين الزوجين قبل الزفاف استناداً إلى قاعدة سد الذرائع وهي قاعدة معتبرة عند أهل العلم فمعلوم كم هي المفاسد التي قد تترتب على إقامة مثل هذه العلاقات وقد صرح بعض الآباء الذين سئلوا عن رأيهم في ذلك لو حصل هذا الأمر مع بناتهم بأن بعضهم سيقتل ابنته وزوجها لما في ذلك من مس بشرفه وشرف عائلته .
وصرح بعضهم بأمور أفظع من ذلك وقد جاء هذا في دراسة واستطلاع لرأي بعض الناس قام به بعض طلبة العلم .
وهذا على سبيل المثال لا على سبيل الحصر من ردود الأفعال التي قد تقع من الآباء والأهل تجاه بناتهم إن حصلت هذه المعاشرة .
ومن المفاسد التي قد تقع ووقعت فعلاً أنه في إحدى الحالات التي تمت فيها المعاشرة قبل الزفاف وحصل الحمل ولم يتمكن الزوج من إتمام إجراءات الزفاف أقدم على إجهاض زوجته وأدى ذلك إلى قتل الجنين ؟!
فَسَدّاً لطرق الفساد هذه وغيرها ينبغي منع الزوجين من ذلك وحصره على ما بعد الزفاف فقط .

(5/158)


إصلاح غشاء البكارة
تقول السائلة : إنها شابة في العشرينات من عمرها وأنها قد انحرفت ووقعت في الرذيلة وعاشت عدة سنوات في المنكرات والآن كما تقول فقد رجعت إلى الله وتابت توبة صادقة وتسأل عن حكم إصلاح غشاء البكارة بعملية جراحية لإعادته لوضعه السابق وتسأل عن حكم استعمال العادة السرية ؟
الجواب : إنه لشيء طيب أن يعود الإنسان عن غيه وضلاله وأن يرجع إلى الله سبحانه وتعالى ويتوب توبة صادقة ولكن يجب على الأسرة أن تربي أبناءها على شرع الله وأن تؤدبهم بأدب الإسلام كي تجنبهم الوقوع في الفواحش والمنكرات ابتداءً فأسرة هذه الفتاة التي استمرت في انحرافها لعدة سنوات كما جاء في رسالتها عليها مسؤولية عظيمة لأنها قصرت في ذلك .
وما دام أنها عادت إلى الله وصارت محافظة على الصلاة ولبست الجلباب الشرعي كما قالت فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يقبل توبتها ويغفر لها وأن يثبتها على طاعته وأما بالنسبة للشق الأول من السؤال حول إصلاح البكارة بعملية جراحية فإن إصلاح البكارة يسمى عند العلماء رتق غشاء البكارة أو عملية الرتق العذري ومن المعروف أن البكارة هي الجلدة التي تكون على فرج المرأة وتسمى عذرة ولذا يقال للفتاة البكر عذراء ورتق البكارة معناه إصلاحها وإعادتها لوضعها السابق قبل التمزق .
وهنالك أسباب عديدة لزوال غشاء البكارة منها :
1. الدخول في الزواج .
2. الزنى والاغتصاب .
3. حصول حادثة للفتاة كالقفز مثلاً ونحو ذلك .
إذا تقرر هذا فإن هذه المسألة من المسائل الحديثة التي لم يرد فيها نص ولم يتعرض الفقهاء المتقدمون لها لعدم إمكان حصولها في زمانهم وإنما بحثها العلماء المعاصرون على ضوء أحكام الشرع وقواعده العامة .

(5/159)


والذي يظهر لي بعد دراسة أقوال العلماء المعاصرين وما اعتمدوا عليه في هذه المسألة أن عملية الرتق العذري أو إصلاح غشاء البكارة غير جائزة شرعاً ولا يجوز الإقدام عليها لا من الفتاة التي زالت بكارتها بأي سبب من الأسباب ولا من الطبيبة أو الطبيب المعالج لما يلي :
أولاً : إن رتق غشاء البكارة قد يؤدي إلى اختلاط الأنساب فقد تحمل المرأة من الجماع السابق ثم تتزوج بعد رتق غشاء بكارتها وهذا يؤدي إلى إلحاق الحمل بالزوج واختلاط الحلال بالحرام.
ثانياً : إن رتق غشاء البكارة فيه اطلاع على المنكر .
ثالثاً : إن رتق غشاء البكارة يسهل على الفتيات ارتكاب جريمة الزنا لعلمهن بإمكان رتق غشاء البكارة بعد الزنا .
رابعاً : إذا اجتمعت المصالح والمفاسد فإن أمكن تحصيل المصالح ودرء المفاسد فعلنا ذلك وإن تعذر درء المفاسد وتحصيل المصالح فإن كانت المفسدة أعظم من المصلحة درأنا المفسدة ولا نبالي بفوات المصلحة كما قرر ذلك فقهاء الإسلام .
وتطبيقاً لهذه القاعدة فإننا إذا نظرنا إلى رتق غشاء البكارة وما يترتب عليه من مفاسد حكمنا بعدم جواز الرتق لعظيم المفاسد المترتبة عليه .
خامسا ً: إن من قواعد الشريعة الإسلامية أن الضرر لا يزال بالضرر ومن فروع هذه القاعدة أنه لا يجوز للإنسان أن يدفع الغرق عن أرضه بإغراق أرض غيره ومثل ذلك لا يجوز للفتاة وأهلها أن يزيلوا الضرر عن الفتاة برتق الغشاء ويلحقونه بالزوج .
سادساً : إن مبدأ رتق غشاء البكارة مبدأ غير شرعي لأنه نوع من الغش والغش محرم شرعاً .
سابعاً : إن رتق غشاء البكارة يفتح أبواب الكذب للفتيات وأهليهن لإخفاء حقيقة سبب زوال البكارة والكذب محرم شرعاً .
ثامناً : إن رتق غشاء البكارة يفتح الباب للأطباء أن يلجأوا إلى إجراء عمليات الأجهاض وإسقاط الأجنة بحجة الستر على الفتيات . أحكام الجراحة الطبية ص 429-430 .

(5/160)


وما يقال من أن الرتق العذري فيه ستر على الفتاة التي أزيلت بكارتها باغتصاب أو إكراه على الزنا والستر مطلوب شرعاً . أبحاث فقهية في قضايا طبية معاصرة ص 229 .
فيجاب عن ذلك بأن الستر الذي ندبت إليه الشريعة الإسلامية هو المحقق لمصالح معتبرة ورتق غشاء البكارة فيه كشف للعورة بدون حاجة وفيه فتح لباب الشر وهو الزنا كما أن الحكم بجواز رتق غشاء البكارة في حالة الزنا الذي لم يشتهر فيه فتح لباب من الشر عظيم والله يأمرنا أن يشهد عذاب الزاني طائفة من المؤمنين نكاية به وتأديباً لغيره من مغبة الوقوع في الفاحشة فجواز هذه الصورة لا يعتبر ستراً بل هو ترك لمبدأ معاقبته وإشعاره بذنبه فرفض الطبيب إجراء هذه العملية فيه ردع للزانية وتأديب لغيرها . الأحكام الطبية المتعلقة بالنساء ص 218 .
ويضاف لذلك أن الستر المطلوب شرعاً هو الذي شهدت له نصوص الشرع باعتبار وسيلته ورتق غشاء البكارة لم يتحقق فيه ذلك بل الأصل حرمته لمكان كشف العورة وفتح باب الفساد . أحكام الجراحة الطبية ص 432 .
وإن القول بجواز هذه العملية يؤدي إلى فتح أبواب الفساد وانتشار الرذيلة وما زعم من مصالح قد تترتب على ذلك إنما هي مصالح وهمية وليست حقيقية كما أن حالات تمزق غشاء البكارة بسبب حادث ما غير الزنا والاغتصاب تعتبر نادرة وقليلة ويمكن إذا حصل ذلك الحصول على تقرير طبي موثق لبيان السبب الحقيقي لزوال غشاء البكارة حتى تكون الفتاة بعيدة عن تهمة الزنا .

(5/161)


وأخيراً فإن على الأطباء المسلمين أن يكونوا دعاة صدق فيرشدوا الفتاة وأهلها إلى عدم إجراء هذه العملية وأخذ تقرير طبي يثبت براءة الفتاة فيكونوا بذلك قد وجهوا الناس إلى الأخذ بالصدق قولاً وفعلاً كما أن على الأطباء أن يرفضوا إجراء هذه العملية لكي يسدوا على المجتمع باب الزنا والتلاعب في الأعراض وأن يحاربوا الكسب غير المشروع بإجراء هذه العمليات مهما تنوعت الأسباب فإذا انتهج الأطباء هذه السبل لمعالجة فقد الفتاة لبكارتها أمكن إقناع الناس بأن فقدها بغير الفاحشة ليس أمراً معيباً ولا يمنع من الزواج منها . الأحكام الطبية المتعلقة بالنساء ص222 .
وأما بالنسبة للشق الثاني من السؤال والمتعلق بالعادة السرية أو الاستمناء فإن هذا الأمر حرام في حق الشاب والفتاة على حد سواء كما هو مذهب جماهير علماء المسلمين ويدل على ذلك قوله تعالى :( وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ ) سورة المؤمنون الآيات 5-7 ، والعادون هم الظالمون المتجاوزون الحلال إلى الحرام .
وقال تعالى :( وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ) سورة النور الآية 33.
وقد أرشد الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلى أنه عند ثوران الشهوة فالمطلوب هو اللجوء إلى تسكينها ويكون ذلك بالزواج إن كان مستطيعاً له وإلا فعلى الإنسان أن يصوم لما للصوم من أثر في تسكين الشهوة فعن ابن مسعود - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال :( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) رواه البخاري ومسلم .
فعلى هذه الفتاة السائلة أن تكثر من الصوم وأن تحاول أن تشغل نفسها بالأمور النافعة والمفيدة كتلاوة القرآن ومطالعة الكتب الثقافية وعليها أن تبتعد عن المثيرات بشتى أنواعها وخاصة الأفلام والمسلسلات وأن تحاول أن تنسى الماضي وألا تجلس لوحدها وإنما تختلط مع أسرتها لأن ذلك أصون لها وأبعد عن الشيطان .

(5/162)


الزواج المبكر
يقول السائل : زعم بعض المنادين بتأخير سن الزواج والمعارضين للزواج المبكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما تزوج عائشة رضي الله عنها أنها كانت في سن ثلاث وعشرين سنة أو سبع عشرين فما قولكم في ذلك ؟
الجواب : لقد كثر الكلام حول قضية الزواج المبكر وكثر اللغط حول تأخير سن الزواج في هذه الأيام وأقدم قبل الجواب عن السؤال كلاماً موجزاً حول الزواج المبكر وأذكر بعض النصوص الشرعية التي تحض على الزواج :
قال تعالى :( وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ ) سورة النور 32 .
وقال تعالى :( فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ ) سورة النساء الآية 3 .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - :( يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) رواه البخاري .
وقال - صلى الله عليه وسلم - :( وأتزوج النساء فمن رغب عن سنتي فليس مني ) رواه البخاري .
وقال - صلى الله عليه وسلم - :( الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة ) رواه مسلم .

(5/163)


ويجب أن يعلم أن الشريعة الإسلامية لم تحدد سناً معيناً بالسنوات لعقد الزواج بل أجاز جمهور الفقهاء المتقدمين زواج الصغير والصغيرة أي دون البلوغ ولكن قوانين الأحوال الشخصية في البلاد الإسلامية حددت سناً للزواج فقد نصّ القانون الأردني للأحوال الشخصية في المادة الخامسة منه على ما يلي :[ يشترط في أهلية الزواج أن يكون الخاطب والمخطوبة عاقلين ، وأن يتم الخاطب السن السادسة عشرة وأن تتم المخطوبة الخامسة عشرة من العمر ].
[ ونصَّ قانون الأحوال الشخصية لدولة الإمارات العربية في الفقرة الأولى من المادة عشرين على أن سن الزواج للفتى ثمانية عشر عاماً وللفتاة ستة عشر ].
وكذلك فإن القوانين الأوروبية قد حددت سن الزواج فالقانون الفرنسي قد جعل سن الثامنة عشرة للفتى والخامسة عشر للفتاة . وكذلك فإن الديانات الأخرى حددت سناً للزواج ففي الشريعة اليهودية جعلت سن زواج الرجل الثالثة عشرة والمرأة الثانية عشرة .
إن المعنى الحقيقي للزواج المبكر من الناحية الطبية والعلمية هو الزواج قبل البلوغ فبالنسبة للفتاة الزواج المبكر هو زواجها قبل الحيض .
وأما تسمية من تتزوج قبل الثامنة عشرة بأنه زواج مبكر فهذا لا يستند إلى قاعدة علمية أو قاعدة شرعية فأمر الزواج مربوط بالبلوغ والبلوغ عند الفتاة هو الفترة الزمنية التي تتحول فيها الفتاة من طفلة إلى بالغة وعندها تصبح الفتاة بالغة .
وأما سن البلوغ فيتراوح عالمياً ما بين 9-16 سنة وفي بلادنا ما بين 11-12 سنة حسب دراسة علمية صادرة عن الجامعة الأردنية .
ويقال لمعارضي الزواج المبكر ما يلي :

(5/164)