صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : فتاوى يسألونك
المؤلف : حسام الدين عفانة
عدد الأجزاء : 10 و ينقص هنا الجزء 6
مصدر الكتاب : موقع الشيخ على الإنترنت
www.yasaloonak.net
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]
قام بفهرسة و تنسيق الكتاب أخوكم أسامة بن الزهراء - عفا الله عنه- لملتقى أهل الحديث

حق التقادم
يقول السائل : يدّعي بعض الناس ملكيتهم بعض الأراضي عن طريق ما يسمّى حق التقادم ، مع أن تلك الأراضي ليست من أملاكهم فعلاً ، وإنما استعملوها لسنوات طويلة ثم اَدعوا ملكيتها ، فما هو قولكم في هذه القضية ؟
الجواب : حق التقادم ، هو انقضاء زمان معين كخمسة عشر عاماً أو أكثر أو أقل على حق في ذمّة إنسان أو مرور تلك المدة على عين لغيره في يده ، دون أن يطالب صاحبها ، وهو قادر على المطالبة ، المدخل الفقهي العام 1/243 .
ويسمّى حق التقادم أيضاً مرور الزمان أو مضي المدة أو وضع اليد .
ومن المقرر عند أهل العلم ، أن أسباب الملكية في الشريعة الإسلامية أربعة وهي :
1 - إحراز المباحات .
2 - العقود ، كالبيع والشراء .
3 - الخلفية ، كالميراث .
4 - التولد من المملوك .
وحق التقادم ليس سبباً من أسباب التملك الصحيحة في الشريعة الإسلامية ، فلا يعتبر حق التقادم سبباً صحيحاً من أسباب كسب الحقوق أو إسقاطها ديانة ، فلا يجوز شرعاً لأي إنسان أن يأخذ مال غيره بلا سبب شرعي ، ويدل على ذلك قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس ) رواه أحمد والبيهقي والطبراني ، وقال الشيخ الألباني: صحيح ، إرواء الغليل 5/279 .

(3/114)


ولأن الحق في الإسلام أبدي لا يزول إلا بمسوغ شرعي ، ولكن المجتهدين من فقهاء الإسلام بيّنوا أن حق التقادم يكون سبباً في منع الاستماع للدعوى بعد مضيّ مدة معينة كست وثلاثين سنة أو ثلاثين سنة أو خمسة عشرة سنة أو غير ذلك ، لأن إهمال صاحب الحق لحقه هذه السنوات الطويلة بلا عذر ،مع تمكنه من التقاضي يدل على عدم الحق غالباً فلو كان الحق لشخص ومضى عليه زمن طويل ، ولم يطالب به فلا يعني هذا زوال حقه وضياعه ، ولكن العلماء اجتهدوا ، فمنعوا ذلك الشخص أن يترافع أمام القضاء بعد مضي تلك السنوات الطويلة وذلك تجنباً لإثارة المشكلات في الإثبات وما يتعلق بالقضاء من أمور أخرى ، فمرور الزمان أو التقادم لا يسقط الحقوق مطلقاً بل الحق يبقى لصاحبه فمن وضع يده على قطعة أرض ليست له واستعملها سنوات طويلة لا يعني ذلك أن ملكيتها انتقلت إليه ، فلا تبرأ ذمته إلا إذا أعادها إلى صاحبها ، لأن الحقوق الثابتة لا يؤثر فيها مرور الزمن أو تقادم العهد .
وحق التقادم المانع من سماع الدعوى أمام القضاء يكون مقبولاً إذا لم يكن هنالك عذر شرعي في عدم رفع الدعوى ، وأما إذا وجد عذر شرعي في عدم رفع الدعوى فإن الدعوى تسمع ولا يعتبر حق التقادم حينئذ مانعاً من سماع الدعوى .

(3/115)


جاء في المادة 1663 من مجلة الأحكام العدلية : " والمعتبر في هذا الباب ، أي في مرور الزمن المانع لاستماع الدعوى هو مرور الزمن الواقع بلا عذر فقط ، وأما في الزمن الحاصل بأحد الأعذار الشرعية ككون المدعي صغيراً أو مجنوناُ أو معتوهاً ، سواء كان له وصيٌ ، أو لم يكن له ، أو كونه في ديار أخرى مدة السفر ، أو كان خصمه من المتغلبة فلا اعتبار له ، فلذلك يعتبر مبدأ مرور الزمن ، من تاريخ زوال واندفاع العذر ، مثلاً لا يعتبر الزمن الذي مرّ حال جنون أو عته أو صغر المدّعي ،بل يعتبر مرور الزمن من تاريخ وصوله حد البلوغ ، كذلك إذا كان لأحد مع أحد المتغلبة دعوى ، ولم يمكنه الإدعاء لامتداد الزمن زمن تغلب خصمه وحصل مرور زمن لا يكون مانعاُ لاستماع الدعوى وإنما يعتبر مرور الزمن من تاريخ زوال التغلب " .
وأخيراً يجب أن يعلم ، أن القضاء في الإسلام مظهر للحق لا مثبت له ، وأن حكم القاضي لا يغير حقيقة الأشياء ، لأن القاضي يحكم حسب الظاهر وبحسب اجتهاده .

(3/116)


ضمان صاحب الدابة لما تسببه من أضرار
يقول السائل : دهس سائق سيارة دابة لرجل ، فانحرفت السيارة فأصيب السائق بجروح ، وتضررت السيارة ، ونفقت الدابة ، فعلى من الضمان ؟
الجواب : إن الضمان في هذه المسألة على صاحب الدابة لأنه قصّر في حفظ دابته فإن لم يربطها ولم يتخذ الوسائل الكفيلة بعدم وصولها إلى الطريق الذي تسير فيه السيارات فهو ضامن ، وعليه أن يعوض السائق عن جروحه التي أصيب بها ، وكذلك عليه أن يعوضه بدل الأضرار التي لحقت بسيارته ، ولا يضمن السائق الدابة .
والأصل في هذه المسألة ما رواه مالك في الموطأ ، عن ابن شهاب ، عن حرام بن سعد بن محيصة ، أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائط -أي بستان- رجل فأفسدت فيه ، فقضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار ، وأن ما أفسدته المواشي بالليل ضامن على أهلها ) رواه أبو داود والنسائي ، وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني .
وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي المتعلق بحوادث السيارات ما يلي :
(( ما تسببه البهائم من حوادث السير في الطرقات يضمن أربابها الأضرار التي تنجم عن فعلها إن كانوا مقصرين في ضبطها والفصل في ذلك للقضاء )) .

(3/117)


لا ضمان على صاحب البيت إن مات العامل بدون تقصير من صاحب البيت
يقول السائل : سقط عامل عن سقالة أثناء عمله في بيت أحد الأشخاص ، فأصيب العامل بكسور ، والعامل يطالب صاحب البيت بالتعويض عن الضرر الذي لحق به ، فما قولكم في ذلك ؟
الجواب : إذا كان صاحب البيت ليس له علاقة بسقوط العامل لا من قريب ولا من بعيد كأن يكون العامل هو الذي نصب السقالة ، فلا ضمان على صاحب البيت حتى لو أن العامل توفي ، فلا شيء على صاحب البيت ما دام العامل يعرف طبيعة العمل وهو الذي تولى إعداد السقالة فجروحه هدر وكذا دمه هدر إذا مات .
وقد ثبت في الحديث الصحيح ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ( العجماء جرحها جبار ، والبئر جبار ، والمعدن جبار ....) رواه البخاري ومسلم.
والعجماء هي الدابة ، وجبار أي هدر .
والمراد بقوله: (العجماء جبار) أي أن الدابة إذا أتلفت شيئاً ، أو قتلت إنساناً من غير تقصير من صاحبها ، فلا ضمان فيما فعلت .
وقوله (البئر جبار) أي أنه إذا سقط أحد في بئر حفرها شخص في ملكه ، فدخل أحد إلى ملك صاحب البئر فوقع فيها فمات ، فدم الميت هدر ، ولا شيء على صاحب البئر .
(والمعدن جبار) إي إذا حفر رجل منجماً أو محجراً ، فانهار على شخص فمات فدمه هدر ولا شيء على صاحب المنجم أو المحجر .
وهذا ينطبق على العامل الذي يُستأجر للقيام بعمل ما فيسقط عليه جدار أو تنهار به السقالة أو يحدث حادث مفاجئ للآلة التي يعمل بها فلا ضمان على صاحب البيت ولا يجوز شرعاً تحميله شيئاً من دية الميت أو مطالبته بتعويض العامل عن الضرر الذي لحق به .

(3/117)


حكم المحكم لازم للمتخاصمين
يقول السائل : هل حكم المحكِّم أو المحكِّمين ، ملزم للمتخاصمين اللذين رضيا بمبدأ التحكيم ، ووافقا على المحكِّم أو المحكِّمين ؟
الجواب : إن التحكيم بين الناس في الخصومات مشروع بكتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وثابت عن الصحابة والتابعين .
فمن كتاب الله قوله تعالى: ( وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحًا يُوَفِّقْ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ) سورة النساء /35 .
وهذه الآية نص صريح في إثبات التحكيم كما قال القرطبي في تفسيرها ، تفسير القرطبي 5/179 .
ومن السنة النبوية ما رواه البخاري في صحيحه في قصة تحكيم سعد بن معاذ - رضي الله عنه - في يهود بني قريظة ، وقد رضي الرسول - صلى الله عليه وسلم - بسعدٍ - رضي الله عنه - حكماً .

(3/118)


وكذلك ما رواه أبو داود بسنده عن يزيد بن المقدام عن شريح عن أبيه عن جده شريح عن أبيه هانئ: ( أنه لما وفد إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع قومه ، سمعهم يكّنونه بأبي الحكم ، فدعاه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: إن الله هو الحكم وإليه الحكم ، فلم تكنّى أبا الحكم ؟ فقال : إن قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم فرضي كلا الطرفين ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ما أحسن هذا فما لك من الولد ؟ قال : لي شريح ومسلم وعبد الله قال فمن أكبرهم ؟ قال:قلت شريح فقال : أنت أبو شريح ) ورواه النسائي أيضاً ، وقال الشيخ الألباني: صحيح ، إرواء الغليل 8/237 .
وقد وقعت حوادث كثيرة في زمن الصحابة رضي الله عنهم كانوا يحكّمون فيها بين المتخاصمين ، فمن ذلك ما وقع لعمر - رضي الله عنه - حين ساوم على فرس لرجل فركبه فعطب الفرس ، فقال عمر للرجل: خذ فرسك ، فقال الرجل : لا ، فقال: إجعل بيني بينك حكماً ، فقال الرجل: شريح فتحاكما إليه .... الخ " رواه ابن سعد في الطبقات ، وقال الشيخ الألباني : رجاله ثقات ، رجال الشيخين إلا أن الشعبي لم يدرك عمر ، وغير ذلك من الآثار .
وإذا ثبت هذا فأقول : إن حكم المحكّم أو المحكّمين لازم للمتخاصمين ، ولا يصح شرعاً رفض حكم المحكّم أو المحكّمين من قبل أحد المتخاصمين ، وهذا مذهب جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والشافعية في القول المعتمد عندهم ، والحنابلة ، وهو قول الظاهرية ، ونقل عن جماعة من السلف .
ويدل على هذا ، أن المتخاصمين ما داما قد قبلا بالتحكيم ورضيا بالمحكّم أو المحكّمين فلا بد لهما من قبول الحكم الذي يصدر عن المحكّم أو المحكمين .
ولولا أن حكم المحكّم لازم للمتخاصمين لما كان للترافع إليه أي معنىً ، قياساً على الحاكم المولّى من ولي الأمر .
وقد جاء في المادة 1448 من مجلة الأحكام العدلية ما يلي :
"كما أن حكم القضاة لازم الإجراء في حق جميع الأهالي الذين في داخل قضائهم كذلك حكم المحكّمين لازم الإجراء ، على الوجه المذكور في حق من حكّمهم وفي الخصوص الذي حكموا به ، فلذلك ليس لأي واحد من الطرفين الإمتناع عن قبول حكم المحكّمين بعد حكم المحكّمين حكماً موافقاً لأصوله المشروعة " .
ومما ينبغي التنبيه عليه ، أن حكم المحكّم أو المحكّمين يكون مقبولاً إذا كان موافقاً للأصول الشرعية ، وينبغي أن يكون المحكّم أو المحكّمين من أهل العلم والخبرة في الشرع وفي القضية التي هي محل التحكيم .
ومن العلماء من يشترط في المحكّم أن يكون أهلاً للقضاء .
وينبغي أن لا يكون المحكّم قريباً لأحد المتخاصمين ، قرابة تمنع الشهادة ، حتى يكون أقرب إلى العدل ، وأبعد عن التهمة .

(3/119)


يجوز الصلح بإسقاط الحق
يقول السائل : هل يجوز لمن أصلح بين اثنين في خلاف مالي أن يطلب من أحدهما إسقاط بعض حقه عن الآخر ؟
الجواب : نعم ، يجوز شرعاً للمصلح بين المتخاصمين أن يطلب من أحدهما إسقاط بعض حقه عن الآخر لإتمام الصلح بينهما ، وإنهاء النزاع والخصومة فمن المعلوم عند أهل العلم أن الصلح جائز ومشروع بنص كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد قال تعالى: ( لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ) سورة النساء /114.
وقال تعالى : ( وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ ) سورة النساء /128 .
وورد في الحديث أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الصلح جائز بين المسلمين ، إلا ما حرّم حلالاً أو أحل حراماً ، والمسلمون على شروطهم ، إلا شرطاً حرّم حلالاً أو أحل حراماً ) رواه الترمذي وأبو داود وغيرهما ، وهو حديث حسن .

(3/120)


وقد ثبت في الحديث الصحيح ، عن كعب بن مالك - رضي الله عنه - ، أنه كان له على عبد الله ابن بي حدرد الأسلمي مال ، فلقيه فلزمه حتى ارتفعت أصواتهما ، فمرّ بهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال : ( يا كعب ، فأشار بيده كأنه يقول النصف ، فأخذ نصف ماله عليه وترك نصفاً ) رواه الإمام البخاري .
وفي رواية للبخاري أيضاً ، عن كعب أنه تقاضى ابن أبي حدرد ديناً كان له عليه في المسجد ، فارتفعت أصواتهما حتى سمعهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في بيته ، فخرج إليهما حتى كشف سجف حجرته - أي ستر البيت - ، فنادى: ( يا كعب قال: لبيك يا رسول الله ، فقال: ضع من دينك هذا ، وأومأ إليه ، أي الشطر ، قال: لقد فعلت ، قال: قم فاقضه ) .
وفي هذا الحديث دلالة على جواز الشفاعة لصاحب الحق أن يسقط شيئاً من حقه حيث أشار الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكعب لكي يسقط نصف دينه عن عبد الله بن أبي حدرد ثم أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم - عبد الله بن أبي حدرد أن يسدد الشطر الثاني من الدين لكعب بن مالك .
والله الهادي إلى سواء السبيل

(3/121)


المرأة والأسرة
تغريب النكاح
يقول السائل : ما المقصود بقول الرسول - صلى الله عليه وسلم -: ( غربوا النكاح ، لا تضووا ) ؟
الجواب : إن الحديث المذكور ، لم يثبت عن الرسول- صلى الله عليه وسلم - ، وإنما ورد من كلام عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ، فقد روى إبراهيم الحربي في غريب الحديث ، عن عبد الله بن المؤمل ، عن أبي مليكة قال: قال عمر لآل السائب: قد أضوأتم ، فانكحوا في النوابغ ، قال الحربي: يعني تزوجوا الغرائب ، ذكره الحافظ ابن حجر العسقلاني في التلخيص الحبير 3/146 .
وورد في رواية أخرى ، أن عمر بن الخطاب قال لبني السائب - وقد اعتادوا الزواج بقريباتهم - : " مالي أراكم يا بني السائب قد ضويتم ، غربوا النكاح لا تضووا " .

(3/121)


قال العلامة ابن منظور في لسان العرب: " وغلام ضاوي ، وكذلك غير الإنسان من أنواع الحيوان ، وما أدري ما أضواه ، وأضوى الرجل ، ولد له ولد ضاويٍ ، وكذلك المرأة وفي الحديث اغتربوا لا تضووا ، أي تزوجوا في البعاد الأنساب لا في الأقارب لئلا تضووا أولادكم ، وقيل معناه ، انكحوا في الغرائب دون القرائب فإن ولد الغريبة أنجب وأقوى وولد القريبة أضعف وأضوى ،.... ومعنى لا تضووا ، أي لا تأتوا بأولاد ضاوين أي ضعفاء .... الخ " لسان العرب / مادة ضوى .
وتغريب النكاح مطلوب لأن زواج الأقارب وخاصة إذا كان متكرراً في نطاق الأسرة الواحدة فإنه قد ينتج عنه نسل ضعيف ، والزواج من الأقارب هو واسطة لإظهار الصفات المَرَضيِّة الكامنة وتكثيفها في النسل .
وقال الإمام الشافعي: " ليس من قوم لا يخرجون نسائهم إلى رجال غيرهم ولا يخرجون رجالهم إلى نساء غيرهم إلا جاء أولادهم حمقى " الإنتقاء في فضائل الأئمة الثلاثة الفقهاء ص98 .

(3/122)


قراءة الفاتحة عند عقد الزواج بدعة
يقول السائل : جرت عادة كثير من الناس أنه عندما يتم عقد قران رجل على امرأة وبعد أن يتم الإتفاق على المهر وتوابعه ، فإنهم يقرأون الفاتحة ، فما حكم ذلك ؟
الجواب:إن الناس قد ابتدعوا أموراً كثيرة مخالفة لهدي النبي- صلى الله عليه وسلم - فيما يتعلق بقراءة القرآن الكريم بشكل عام ، وقراءة سورة الفاتحة بشكل خاص .
فترى وتسمع قارئ القرآن بعد أن ينهي قراءته ، يقول الفاتحة ، ونرى المدرس بعد أن ينهي درسه يقول الفاتحة ، وكذلك فإنهم يقرأون الفاتحة عند اتفاق الناس على أمر ما ، مثل إقامة شركة بين اثنين مثلاً ، فبعد الإتفاق يقولون الفاتحة ، وكذلك بعد إجراء مراسم الصلح يقولون الفاتحة ، وكذلك ما جاء في السؤال ، فإنهم يقرأون الفاتحة بعد الإتفاق على التفاصيل المتعلقة بعقد النكاح ، وغير ذلك من الحالات التي تقرأ فيها سورة الفاتحة .

(3/122)


وكل ذلك من الأمور المبتدعة في الدين التي ليس عليها دليل من الشرع ، ولم يثبت عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيء في ذلك ، ولا يجوز شرعاً لأحد أن يخص سورة الفاتحة أو آية من القرآن الكريم بالتلاوة قي وقت معين أو لغرض معين ، إلا ما خصه الرسول - صلى الله عليه وسلم - ، كما ثبت في السنة من تخصيص قراءة سورة الفاتحة للرقية، وقراءة آية الكرسي عندما يريد الإنسان النوم حفظاً من الشيطان ، وقراءة ( قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ ) ، و ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ ) ، و ( قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ ) للرقية فهذا وأمثاله جائز لثبوته عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - بأدلة صحيحة .
وأما تخصيص قراءة الفاتحة في الحالات الذي ذكرتها سابقاً فلا يجوز ، لأنه أمر محدث ، والرسول- صلى الله عليه وسلم - يقول: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) رواه البخاري ومسلم .
وقال- صلى الله عليه وسلم - ( إياكم ومحدثات الأمور فإن كل بدعة ضلالة ) رواه أبو داود والترمذي وهو حديث صحيح .
وقال - صلى الله عليه وسلم -: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهدين من بعدي ، تمسكوا بها ، وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ) رواه أبو داود والترمذي ، وقال حسن صحيح .
وقد شرع لنا النبي - صلى الله عليه وسلم - عند النكاح ، خطبة النكاح ، قال الإمام الترمذي: " باب ما جاء في خطبة النكاح ، ثم ذكر حديث ابن مسعود ، الذي ذكره ابن القيم مضمونه في كلامه الآتي .
وقال العلامة ابن القيم: " فصل في هديه - صلى الله عليه وسلم - في أذكار النكاح ، ثم قال: ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه علمهم خطبة الحاجة ، وهي ( الحمد لله ، نحمده ونستعينه ونستغفره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ، وسيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ، ومن يضلل ، فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ثم يقرأ الآيات الثلاث :

(3/123)


( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ ) سورة آل عمران /102
( يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا) سورة النساء /1
( يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ) سورة الأحزاب /72,71 .
قال شعبة: " قلت لأبي اسحاق هذه في خطبة النكاح أو في غيرها ؟ قال: في كل حاجة " زاد المعاد 2/454 - 455 .
هذه هي السنة الثابتة عن الرسول- صلى الله عليه وسلم - ، فعلينا إتباعها ، فإن الخير كل الخير في الإتباع ، وإن الشر كل الشر في الإبتداع .

(3/124)


ماذا يترتب على العدول عن الخطبة
يقول السائل : خطب رجل امرأة ، ثم تراجع أهل الزوجة عن الخطبة ، فماذا يترتب على رجوعهم عن الخطبة ، حيث أنه أعطى المرأة جزءاً من المهر وأهداها حلياً وملابس وتكلّف مبلغاً من المال في حفل الخطبة ، وهو يطالب بذلك ؟
الجواب : إن الخطبة عند الفقهاء ، هي وعد بالزواج ، وليست عقد زواج ، ويجوز شرعاً العدول عن الخطبة إذا كان العدول لسبب شرعي ، كأن يظهر في أحد الخاطبين عيب يخل بالزواج أو يعرف أحد الخاطبين عن الآخر أمراً مخلاً بدينه .
ويرى جماعة من أهل العلم أنه يحرم الرجوع عن الخطبة لغير سبب شرعي ، لأن الخطبة وعد بالزواج ، والوفاء بالوعد واجب شرعاً ، فإذا أخل أحد الخاطبين بذلك فهو آثم شرعاً ، وهو مذهب قوي تؤيده عمومات الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، الآمرة بالوفاء بالوعود والعهود .
وبالنسبة لما دفعه الخاطب ، فما دفعه على سبيل المهر ، فله استرداده ، فإذا دفع لها ألف دينار مثلاً ، فله الحق في استرداد المبلغ كاملاً ، فإذا كانت المخطوبة قد اشترت بالمبلغ ذهباً ، وجب رد المبلغ إليه ، وهو غير ملزم بأخذ الذهب الذي اشتري بما دفع .
وأما إذا أعطاها ذهباً ، فإنه يسترد الذهب الذي دفعه إليها ، فإن كانت المخطوبة قد باعت الذهب مثلاً ، فله أن يسترد مثل الذهب الذي أعطاها ، إن كان له مثل أو قيمته .
وأما بالنسبة للهدايا التي أهداها الخاطب للمخطوبة ، فللخاطب أن يسترد الهدايا التي ما زالت موجودة أو قائمة ، وأما الهدايا المستهلكة ، فليس له استرداد قيمتها وهذا ما أخذ به قانون الأحوال الشخصية المعمول به في المحاكم الشرعية في بلادنا وأما بالنسبة للنفقات التي بذلها الخاطب في حفل الخطوبة ، فليس له المطالبة بها .

(3/125)


إخبار الطبيب الخاطب عن مرض المخطوبة
يقول السائل : إنه يريد أن يتقدم لخطبة فتاة ، وقد علم أنها مريضة بمرض في القلب فذهب إلى الطبيب الذي يعالجها وسأله عن مرض الفتاة فرفض الطبيب أن يخبره بأي شيء يتعلق بمرض الفتاة ، وأخبره أن ذلك من الأسرار المتعلقة بالمريض ، ولا يجوز للطبيب أن يبوح بها ، فما قولكم في هذه القضية ؟
الجواب : لا شك أن من واجبات الطبيب أن يكتم أسرار المريض فلا يبوح بها إلا في حالات خاصة ، سأذكرها فيما بعد .
وكتمان الأسرار أمر مطلوب شرعاً في كثير من شؤون الحياة ، فقد ثبت في الحديث الصحيح أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( إن من أشد الناس عذاباً يوم القيامة ، الرجل يفضي إلى امرأته ، أو تفضي إليه ، ثم ينشر سرها ) رواه مسلم .
وعن أنس بن مالك قال : ( أتى عليّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأنا ألعب مع الغلمان قال: فسلم علينا فبعثني إلى حاجة فأبطأت على أمي ، فلما جئت قالت: ما حبسك، قلت بعثني رسول الله في حاجة ، قالت ما حاجته ، قال: إنها سر ، قالت: لا تحدثن بسر رسول الله أحداً ) رواه مسلم .
فانظر رعاك الله ، إلى هذا الموقف العظيم من هذا الغلام وأمه في المحافظة على سر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
وكشف الأسرار يلحق الأذى والضرر بالناس ، وهو من خيانة الأمانة والمطلوب من الطبيب أن يكتم أسرار المريض ، لأن المريض غالباً ما يبوح للطبيب المعالج بأسراره ، فالأصل هو الكتمان .
((جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي المتعلق بقضية السر في مهنة الطب ما يلي:
1 ) أ. السر هو ما يفضي به الإنسان إلى آخر مستكتماً إياه من قبل أو من بعد ويشمل ما حفت به قرائن دالة على طلب الكتمان ، إذا كان العرف يقضي بكتمانه كما يشمل خصوصيات الإنسان وعيوبه التي يكره أن يطلع عليها الناس .
ب. السر أمانة لدى من استودع حفظه ، إلتزاماً بما جاءت به الشريعة الإسلامية وهو ما تقضي به المروءة وآداب التعامل .
ج. الأصل حظر إفشاء السر ، وإفشاؤه بدون مقتضٍ معتبر موجب للمؤاخذة شرعاً .
د. يتأكد واجب حفظ السر على من يعمل في المهن التي يعود الإفشاء فيها على أصل المهنة بالخلل ، كالمهن الطبية ، إذ يركن إلى هؤلاء ذوو الحاجة إلى محض النصح وتقديم العون ، فيفضون إليهم بكل ما يساعد على حسن أداء هذه المهام الحيوية ، ومنها أسرار لا يكشفها المرء لغيرهم حتى الأقربين إليه .

(3/126)


2 ) تستثنى من وجوب كتمان السر ، حالات يؤدي فيها كتمانه إلى ضرر يفوق ضرر إفشائه بالنسبة إلى صاحبه ، أو يكون في إفشائه مصلحة ترجح على مضرة الكتمان ، وهذه الحالات على ضربين :
أ. حالات يجب فيها إفشاء السر بناءً على قاعدة ارتكاب أهون الضررين ، لتفويت أشدهما وقاعدة تحقيق المصلحة العامة التي تقضي بتحمل الضرر الخاص لدرء الضرر العام ، إذا تعين ذلك لدرئه ، وهذه الحالات نوعان :
. ما فيه درء مفسدة عن المجتمع . وما فيه درء مفسدة عن الفرد
ب. حالات يجوز فيها إفشاء السر لما فيه :
. جلب مصلحة للمجتمع . أو درء مفسدة عامة
وهذه الحالات يجب الإلتزام فيها بمقاصد الشريعة وأولياتها من حيث حفظ الدين والنفس والعقل والمال والنسل .
ج. الإستثناءات بشأن مواطن وجوب الإفشاء أو جوازه ، ينبغي أن ينص عليها في نظام مزاولة المهن الطبية وغيرها من الأنظمة موضحة ومنصوصاً عليها ، على سبيل الحصر مع تفصيل كيفية الإفشاء ، ولمن يكون ، وتقوم الجهات المسؤولة بتوعية الكافة بهذه المواطن .
3 ) يوصي المجمع نقابات المهن الطبية ووزارات الصحة وكليات العلوم الصحية، بإدراج هذا الموضوع ضمن برامج الكليات والإهتمام به وتوعية العاملين في هذا المجال بهذا الموضوع ووضع المقررات المتعلقة به والإستفادة من الأبحاث المقدمة في هذا الموضوع )) مجلة المجمع الفقهي 8/3/409 - 410 .
وبناءً على ما سبق ، أنصح السائل أن يتوجه لأهل تلك الفتاة التي يريد خطبتها ويعلمهم أنه يريد خطبة ابنتهم وأنه علم أنها مريضة بالقلب ويريد أن يعرف عن مرضها من الطبيب المعالج ، ويكون ذلك برفقة واحد من أهلها فيخبره الطبيب حينئذ بحقيقة مرضها وهو مطمئن أنه لا يكشف سراً .
وأما ذهابه إلى الطبيب مباشرة ليسأله عن المريضة فهو غير مقبول ، لأن بعض الناس قد يستغل مثل هذه الحالات في أمور لا تحمد عقباها .

(3/127)


بطلان الدعوة إلى تأخير سن الزواج
يقول السائل : يطالب بعض الناس بتأخير سن الزواج ، ويرفضون الزواج المبكر ، فما قولكم في ذلك ؟
الجواب : حض الإسلام على الزواج ورغّب فيه والزواج من سنة النبي- صلى الله عليه وسلم - ومن طريقته وهديه عليه الصلاة والسلام ، والزواج المبكر أفضل وأولى من تأخير سن الزواج في حق الذكر والأنثى على السواء ، يقول الله تعالى : ( وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ ) سورة النور /32 .
قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية:"هذه المخاطبة تدخل في باب الستر والصلاح أي زوجوا من لا زوج له منكم ، فإنه طريق التعفف ، والخطاب للأولياء .... وقوله ( الأيامى منكم) ، أي الذين لا أزواج لهم من النساء والرجال " تفسير القرطبي 12/236 .
وقد حض الرسول - صلى الله عليه وسلم - على التبكير في الزواج وعدم تأخيره فمن ذلك - ما جاء في حديث طويل ، عن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث حيث قال: ( اجتمع ربيعة بن الحارث والعباس بن عبد الطلب فقالا: والله لو بعثنا هذين الغلامين قالا لي وللفضل بن عباس ، إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .... إلى أن قال: وقد بلغنا النكاح .... فقال الرسول - صلى الله عليه وسلم - لمحمية - رجل كان مسؤولاً عن الصدقات - :( أنكح هذا الغلام ابنتك -للفضل بن عباس- فأنكحه وقال لنوفل بن الحارث: أنكح هذا الغلام ابنتك -لي- عبد المطلب بن ربيعة ، فأنكحني ....الخ الحديث) رواه مسلم .
والشاهد في هذا ، قول عبد المطلب " وقد بلغنا النكاح " أي الحلم كقوله تعالى : ( حتى إذا بلغوا النكاح ) أي أن النبي- صلى الله عليه وسلم - أمر بتزويجهما وهما غلامان .

(3/128)


- ما رواه مسلم بإسناده عن فاطمة بنت قيس ، وفيه أن الرسول- صلى الله عليه وسلم - أمرها أن تتزوج أسامة بن زيد ، حيث قال لها: ( أنكحي أسامة بن زيد ، فكرهته ، ثم قال أنكحي أسامة بن زيد ، فنكحته فجعل الله فيه خيراً كثيراً ، واغتبطت به ) ، وقد كان أسامة بن زيد يوم زوجه النبي- صلى الله عليه وسلم - فاطمة بنت قيس ، دون السادسة عشرة من عمره .
- وعن عائشة رضي الله عنها ، أن الرسول- صلى الله عليه وسلم - قال : ( لو كان أسامة جارية لكسوته وحليته حتى أُنفِقَهُ ) رواه ابن ماجة وأحمد ، وصححه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة 3/16 .
والمراد أنه لو كان أسامة بن زيد بنتاً لزينه وألبسه الحلي حتى يتزوج .
- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه وأمانته فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض ) رواه الترمذي وابن ماجة والحاكم ، وهو حديث حسن ، كما قال الشيخ الألباني ، صحيح سنن الترمذي 1/315 .
- وعن علي - رضي الله عنه - ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: ( يا علي ، ثلاثٌ لا تؤخرها ، الصلاة إذا آنت ، والجنازة إذا حضرت ، والأيم إذا وجدت لها كفؤاً ) رواه الترمذي وقال: غريب حسن ، كما نقله الألباني في المشكاة 1/192 .
والأيم هي المرأة التي لا زوج لها .
وبناءً على ما تقدم ، نرى أن الأصل في الفتاة أن تتزوج إذا تقدم لها الخاطب الكفؤ ما دامت بالغة عاقلة ، ولا يجوز لوليها أن يتأخر في تزويجها إذا وجد الكفؤ وقد ورد عن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - أنه قال: " زوجوا أولادكم إذا بلغوا لا تحملوا آثامهم " ذكره ابن الجوزي في أحكام النساء ص304 .
وهذا يشمل الذكور والإناث فينبغي للولي أن لا يتأخر في تزويج أولاده وبناته حتى لا يقعوا في المعاصي والآثام .
وورد عن الحسن البصري أنه قال: " بادروا نساءَكم التزويج " .

(3/129)


وذكر ابن الجوزي عن بعض السلف أنه قال: " كان يقال العجلة من الشيطان إلا في خمس ، إطعام الطعام إذا حضر الضيف ، وتجهيز الميت إذا مات ، وتزويج البكر إذا أدركت ، وقضاء الدين إذا وجب ، والتوبة من الذنب إذا أذنب " أحكام النساء ص304 .
وقد أورد بعض أهل العلم أضرار تأخير زواج الفتاة فقال:"والواقع أن في تأخير زواج الأنثى إذا بلغت ، أضراراً كثيرة .
منها : احتمال انزلاقها إلى الفاحشة .
ومنها: أن يفوتها الزوج الكفؤ .
ومنها: قد يفوتها قطار الزواج بالكلية .
ومنها: كدورة نفسها ، وكراهية وليها الذي أخر زواجها بعدم قبوله من تقدم إليها من الخطّاب الأكفاء وقد يصدر منها ما لا تحمد عقباه .
ومنها: قد يصيب نفسها شيء من التعقيد والسخط على كل من حولها ، ولا شك أن الولي يتحمل قسطه من هذه النتائج والآثام بسبب تأخيره تزويجها " المفصل في أحكام المرأة 6/309
وينبغي التذكير بأن قانون الأحوال الشخصية المعمول به في بلادنا ، قد حدد أقل سن للزواج كما جاء في المادة الخامسة منه ما يلي:
(( يشترط في أهلية الزواج أن يكون الخاطب والمخطوبة عاقلين ، وأن يتم الخاطب السنة السادسة عشرة وأن تتم المخطوبة الخامسة عشرة من العمر )) .
وهذا تحديد مقبول ينبغي العمل به .
*****

(3/130)


أخذ الزوجة من مال زوجها البخيل دون إذنه
تقول السائلة : إن زوجها بخيل جداً في الإنفاق عليها وعلى أولاده فتأخذ نقوداً منه خفية ، فهل يجوز لها ذلك ؟
الجواب : إن إنفاق الزوج على زوجته وأولاده واجب باتفاق أهل العلم ، ويدل على ذلك :
قوله تعالى : ( وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ) سورة البقرة/233 .
وقوله تعالى:( لِيُنفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ ) سورة الطلاق/7 .
قال الإمام البخاري في صحيحه: " باب وجوب النفقة على الأهل والعيال " .

(3/130)


وقال الحافظ ابن حجر: " الظاهر أن المراد بالأهل في الترجمة الزوجة ، وعطف العيال عليها من العام بعد الخاص .... ، ثم ساق الإمام البخاري بسنده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( أفضل الصدقة ما ترك غنى ، واليد العليا خير من اليد السفلى ، وإبدأ بمن تعول ، تقول المرأة: إما أن تطعمني وإما أن تطلقني ، ويقول العبد: أطعمني واستعملني ، ويقول الابن: أطعمني إلى من تدعني ) .
وقد حث الرسول - صلى الله عليه وسلم - على الإنفاق على الأهل والعيال والمنفق مأجور إن شاء الله حيث قال : ( إذا أنفق المسلم نفقة على أهله ، وهو يحتسبها كانت له صدقة ) رواه البخاري .
ونقل الحافظ ابن حجر في الفتح عن المهلب قوله: " النفقة على الأهل واجبة بالإجماع وإنما سماها الشارع صدقة خشية أن يظنوا أن قيامهم بالواجب لا أجر لهم فيه وقد عرفوا ما في الصدقة من الأجر فعرفهم أنها لهم صدقة حتى لا يخرجوها إلى غير الأهل إلا بعد أن يكفوهم ترغيباً لهم في تقديم الصدقة الواجبة قبل صدقة التطوع " فتح الباري 11/425 .
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( دينار أنفقته في سبيل الله ، ودينار أنفقته في رقبة - عتق رقبة - ، ودينار أنفقته على أهلك ) رواه مسلم .
وعن ثوبان - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أفضل دينار ينفقه الرجل دينار ينفقه على عياله ، ودينار ينفقه على دابته في سبيل الله ، ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله ) رواه مسلم .
وإذا تقرر هذا ، فنعود إلى جواب السؤال فنقول: يجوز لزوجة البخيل أن تأخذ من مال زوجها البخيل ما يكفي للإنفاق عليها وعلى أولادها بالمعروف أي ما تحصل به الكفاية من غير تقتير ولا إسراف .
ويدل على ذلك ما ورد في قصة هند زوج أبي سفيان كما رواها الإمام البخاري في صحيحه حيث قال البخاري: " باب إذا لم ينفق الرجل ، فللمرأة أن تأخذ ما يكفيها وولدها بالمعروف ، ثم روى بسنده عن عائشة رضي الله عنها ، أن هنداً بنت عتبة قالت: " يا رسول الله ، إن أبا سفيان رجل شحيح ، وليس يعطيني ما يكفيني وولدي إلا ما أخذت منه وهو لا يعلم ، فقال رسول الله : ( خذي ما يكفيك وولدك بالمعروف ) .
والمراد بالمعروف ، أي أنها تأخذ القدر الذي عرف بالعادة أن فيه الكفاية لها ولولدها .

(3/131)


يحرم استئصال القدرة على الحمل إلا لضرورة ملحة
تقول السائلة : إنها أصيبت بمرض الأزمة وضيق التنفس ، ونصحها بعض الأطباء بإغلاق مواسير الحمل ، وفعلت ذلك ، والآن ضميرها يؤنبها ، وتسأل إن كان عليها كفارة لذلك ؟
الجواب: إن نعمة التناسل من أعظم النعم على الإنسان وقد منَّ الله سبحانه وتعالى على عباده بهذه النعمة في آيات كثيرة منها ، قوله تعالى: ( يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ ) سورة الحجرات /13 .
وقوله تعالى : ( وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنْ الطَّيِّبَاتِ ) سورة النحل /72 .
وحث النبي- صلى الله عليه وسلم - على الزواج وعلى تكثير الأولاد فقال:( تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم ) رواه ابن حبان وأحمد والطبراني وغيرهم ، وقال الشيخ الألباني: صحيح ، إرواء الغليل 6/195 .
وغير ذلك من النصوص الشرعية .
وبناءً على ما تقدم ، يحرم اتخاذ وسيلة تؤدي إلى قطع النسل نهائياً إلا في حالات الضرورة بضوابطها الشرعية .
وقد جاء في قرار مجمع الفقه الإسلامي الخاص بتنظيم النسل ما يلي :

(3/132)


(( وبناءً على أن من مقاصد الزواج في الشريعة الإسلامية ، الإنجاب والحفاظ على النوع الإنساني ، وإنه لا يجوز إهدار هذا المقصد ، لأن إهداره يتنافى مع النصوص الشرعية وتوجيهاتها الداعية إلى تكثير النسل والحفاظ عليه والعناية به باعتبار حفظ النسل أحد الكليات الخمس التي جاءت الشرائع برعايتها قرر ما يلي:
1 - لا يجوز إصدار قانون عام يحد من حرية الزوجين في الإنجاب .
2 - يحرم استئصال القدرة على الإنجاب في الرجل والمرأة ، وهو ما يعرف (بالإعقام) أو (التعقيم) ، ما لم تدع إلى ذلك ضرورة بمعاييرها الشرعية .
3 - يجوز التحكم المؤقت في الإنجاب ، بقصد المباعدة بين فترات الحمل ، أو إيقافه لمدة معينة من الزمان إذا دعت إليه حاجة معتبرة بحسب تقدير الزوجين ، عن تشاور بينهما وتراضٍ بشرط أن لا يترتب على ذلك ضرر ، وأن تكون الوسيلة مشروعة ، وأن لا يكون فيها عدوان على حمل قائم )) .
وعليه فإن هذه المرأة قد ارتكبت إثماً عندما أقدمت على إغلاق مواسير الحمل ، لأن مرضها ليس داعياً لمنع الحمل نهائيا ، وكذلك فقد أثم الطبيب الذي أشار عليها بذلك .
وعلى هذه المرأة والطبيب أن يتوبا إلى الله توبة صادقة ، ويكثرا من فعل الخيرات ولا أعلم كفارة معينة تلزمهما ، إلا ما ذكرت من التوبة .

(3/133)


يحرم تمزيق الملابس عند الحزن والغضب
يقول السائل : ما حكم المرأة التي تمزق ملابسها عند الغضب من زوجها وأولادها ؟
الجواب : لقد ثبت في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه - أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ( ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية ) رواه البخاري ومسلم
قال الحافظ ابن حجر: " قوله (ليس منا) أي ليس من أهل سنتنا وطريقتنا ، وليس المراد به إخراجه عن الدين ، ولكن فائدة إيراده بهذا اللفظ ، المبالغة في الردع عن الوقوع في مثل ذلك " فتح الباري 3/406 .
وشق الجيوب يقصد به شق الملابس وتمزيقها ، والأصل أن الجيب هو ما يفتح من الثوب ليدخل فيه الرأس ، وشق الجيوب من أفعال الجاهلية وهو من علامات السخط وعدم الرضا ، وكثير من النساء يقمن بشق الجيوب عند وفاة الزوج أو أحد الأقارب أو عند الغضب الشديد ، وهذا أمر لا يجوز شرعاً ، فقد ثبت في الحديث عن أبي بردة بن أبي موسى الأشعري - رضي الله عنه - قال:"وجع أبو موسى وجعاً فغشي عليه ورأسه في حجر امرأة من أهله ، فصاحت امرأة من أهله ، فلم يستطع أن يرد عليها شيئاً فلما أفاق قال: أنا بريء مما برئ منه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( برئ من الصالقة والحالقة والشاقة ) رواه البخاري ومسلم .
والصالقة هي التي ترفع صوتها بالبكاء وتصيح ، والحالقة التي تحلق شعر رأسها عند المصيبة ، كما كانت نساء الجاهلية يفعلن ، والشاقة التي تشق ثوبها .
وفي رواية أخرى عن أبي بردة قال: أغمي على أبي موسى الأشعري- رضي الله عنه - ، فأقبلت امرأته أم عبد الله تصيح برنة ، ثم أفاق فقال: ألم تعلمي ؟ ، وكان يحدثها أن الرسول- صلى الله عليه وسلم - قال: ( أنا بريء ممن حلق وصلق وخرق ) رواه البخاري ومسلم.
قال صاحب مرقاة المفاتيح : " وكان الجميع من صنع الجاهلية ، وكان ذلك في أغلب الأحوال من صنيع النساء " مرقاة المفاتيح 4/209 .
وجاء في حديث آخر ، عن أسيد بن أبي أسيد عن امرأة من المبايعات قالت: ( كان فيما أخذ علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في المعروف الذي أخذ علينا ، أن لا نعصيه فيه ، أن لا نخمش وجهاً ، ولا ندعو ويلاً ، ولا نشق جيباً ، ولا ننشر شعراً ) رواه أبو داود ، وقال الشيخ الألباني: صحيح .
وجاء في حديث آخر عن أبي أمامة : ( أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لعن الخامشة وجهها والشاقة جيبها والداعية بالويل والثبور ) رواه ابن ماجة ، وقال الشيخ الألباني: صحيح.
وخلاصة الأمر أن هذه الأحاديث تدل على حرمة الأمور المذكورة من لطم الخدود ، وشق الجيوب ونشر الشعر ، لأن ذلك يعني عدم الرضا بالقضاء .

(3/134)


المعتدة عدة وفاة لا تسافر لحج أو عمرة
يقول السائل : امرأة توفي عنها زوجها ، وتريد أن تسافر إلى مكة المكرمة لتؤدي العمرة ، وهي ما زالت في عدتها ، فما حكم ذلك ؟
الجواب : لا يجوز للمعتدة عدة الوفاة ، السفر إلى الحج أو العمرة على الراجح من أقوال أهل العلم ، والأصل أن المرأة التي يموت زوجها ، ينبغي عليها أن تمكث في بيتها ولا تخرج منه إلا لحاجاتها الأساسية ، ويدل على ذلك ما جاء في الحديث ، أن أخت أبي سعيد الخدري ، وهي الفريعة بنت مالك مات زوجها ، فسألت الرسول - صلى الله عليه وسلم - أن ترجع إلى أهلها ،فقال لها النبي- صلى الله عليه وسلم - : ( .... أمكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله ) قالت: " فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشراً " رواه أبو داود والترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح .
والعمل على هذا عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي- صلى الله عليه وسلم - وغيرهم لم يروا للمعتدة أن تنتقل من بيت زوجها حتى تنقضي عدتها ، تحفة الأحوذي 4/329 .
وقد ورد عن عمر - رضي الله عنه - ،" انه كان يرد المتوفى عنهن أزواجهن من البيداء يمنعهن الحج " رواه مالك في الموطأ والبيهقي وعبد الرزاق .
وروى عبد الرزاق عن مجاهد قال: " كان عمر وعثمان يرجعانهن حواج ومعتمرات من الجحفة وذي الحليفة " المصنف 7/33 .
قال الشيخ ابن قدامة: " إن المعتدة من الوفاة ، ليس لها أن تخرج إلى الحج ولا إلى غيره رُويَ ذلك عن عمر وعثمان رضي الله عنهما وبه قال سعيد بن المسيب والقاسم ومالك والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي والثوري " المغني 8/166 .
وقال الشيخ ابن قدامة أيضاً : " ولو كانت عليها حجة الإسلام فمات زوجها ، لزمتها العدة في منزلها ، وإن فاتها الحج ، لأن العدة في المنزل تفوت ولا بدل لها والحج يمكن الإتيان به في غير هذا العام " المغني 8/168 .

(3/135)


حكم خروج المعتدة عدة وفاة من بيتها
يقول السائل : ما حكم خروج المرأة المتوفى عنها زوجها من بيتها أثناء عدتها ؟ وهل يجوز لها أن تسافر للحج أو للعمرة خلال العدة ؟
الجواب : إن الأصل في عدة المعتدة عدة وفاة أن تبقى في البيت الذي توفي فيه زوجها ، وأن لا تخرج منه نهاراً إلا لحاجة ، وأن لا تخرج منه ليلاً إلا لضرورة ويدل على ذلك ، ما ورد في الحديث ، عن فُرَيعة بنت مالك قالت : " خرج زوجي في طلب عبيد له قد هربوا فأدركهم فقتلوه فأتى نعيه وأنا في دارٍ شاسعة من دور أهلي ، فأتيت النبي- صلى الله عليه وسلم - فذكرت ذلك له فقلت: إن نعي زوجي أتاني في دار شاسعة من دور أهلي ولم يدع نفقة ولا مالاً ورثته وليس المسكن له ، فتحولت إلى أهلي وإخواني ، فكان أرفق لي في بعض شأني ، فقال : (تحولي) ، فلما خرجت إلى المسجد أو إلى الحجرة دعاني فقال: ( امكثي في بيتك الذي أتاك فيه نعي زوجك، حتى يبلغ الكتاب أجله ) ، قالت: فاعتددت أربعة أشهر وعشراً " رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة وأحمد ، وقال الترمذي: حسن صحيح .
قال الشيخ الشوكاني: " وقد استدل بحديثها - أي الفريعة - هذا على أن المتوفى زوجها عنها تعتد في المنزل الذي بلغها نعي زوجها وهي فيه ولا تخرج منه إلى غيره ، وقد ذهب إلى ذلك جماعة من الصحابة والتابعين من بعدهم " نيل الأوطار 6/336 .
ثم إن هذا القول نقل عن عمر وعثمان وابن عمر وسعيد بن المسيب وعطاء ، وهو قول المالكية والحنفية والشافعية ، قال ابن عبد البر: " وقد قال بحديث الفريعة جماعة من فقهاء الأمصار بالحجاز والشام والعراق ومصر ولم يَطعَن فيه أحد منهم " نيل الأوطار 6/336 .

(3/136)


وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: " المعتدة عدة الوفاة تتربص أربعة أشهر وعشرا، وتتجنب الزينة والطيب في بدنها وثيابها ، ولا تتزين ولا تتطيب ولا تلبس ثياب الزينة ، وتلزم منزلها ولها أن تأكل كل ما أباحه الله .... ولا يحرم عليها عمل شغل من الأشغال المباحة ، مثل التطريز والخياطة والغزل وغير ذلك مما تفعله النساء ، ويجوز لها ما يباح لها في غير العدة ، مثل كلام من تحتاج إلى كلامه من الرجال إذا كانت مستترة وغير ذلك ، وهذا الذي ذكرته هو سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يفعله نساء الصحابة إذا مات أزواجهن ، مجموع الفتاوى 34/27-28 .
وبناءً على ما سبق ، يجوز للمعتدة عدة الوفاة أن تخرج في حوائجها الأصلية ، كخروجها للتداوي أو لزيارة والديها المريضين أو للاكتساب إن لم يوجد من ينفق عليها كأن تكون موظفة فيجوز لها الخروج إلى وظيفتها ، ويجوز لها الخروج ليلاً إن اضطرت إلى ذلك ، كأن تضطر للذهب إلى المستشفى ليلاً ونحو ذلك .
وأما خروجها إلى غير حوائجها فلا يجوز ، وقد نص الفقهاء على أنها لا تخرج لزيارة قريب ولا لتجارة ولا لتهنئة ولا لتعزية .
وأما سفر المعتدة عدة الوفاة إلى الحج أو العمرة فلا يجوز حتى لو كان حج الفرض ، قال الشيخ ابن قدامة: " إن المعتدة من وفاة ليس لها أن تخرج إلى الحج أو لغيره وروي ذلك عن عمر وعثمان رضي الله عنهما ، وبه قال سعيد بن المسيب والقاسم ومالك والشافعي وأبو عبيد وأصحاب الرأي والثوري " المغني 8/167 .
وهو قول الحنابلة أيضاً .
وقال الشيخ ابن قدامة أيضاً: " ولو كانت حجة الإسلام ، فمات زوجها ، لزمتها العدة في منزلها وإن فاتها الحج ، لأن العدة في المنزل تفوت ولا بدل لها ، والحج يمكن الإتيان به في غير هذا العام " المغني 8/168 .

(3/137)


ومما يدل على ذلك ما رواه سعيد بن منصور بسنده عن مجاهد عن سعيد بن المسيب قال: " ردّ عمر بن الخطاب نساءً حاجات أو معتمرات توفي أزواجهن من ذي الحليفة ".
وروى عبد الرزاق بسنده عن مجاهد قال: " كان عمر وعثمان يرجعانهن حواج ومعتمرات من الجحفة وذي الحليفة " المصنف 7/33 .
وأما ما ورد عن عائشة رضي الله عنها أنها حجت بأختها في عدتها ، فقد ورد أن القاسم بن محمد قال: " أبى الناس ذلك عليها " المصنف لعبد الرزاق 7/30 .
وكذلك لا يجوز للمعتدة عدة وفاة أن تسافر لأي غرض آخر ، ويجب أن يعلم أن العدة فرض في حق المرأة المتوفى عنها زوجها ، سواء دخل بها أو لم يدخل بها لأنها في الحالتين زوجته شرعاً .

(3/138)


ضرب الزوج زوجته مشروع بشروط
تقول السائلة : إن زوجها يضربها باستمرار ، فهو يضربها عند حصول أي نقاش بينهما ويضربها إن قصرت في شيء ، وتقول إنه يضربها ضرباً مبرحاً يترك آثاراً على وجهها وجسمها ، فما حكم الشرع في ذلك ؟
الجواب : يقول الله تعالى : ( وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً ) سورة النساء /34 .
قال الإمام القرطبي في تفسير هذه الآية: " قوله تعالى (واضربوهن) أمر الله أن يبدأ النساء بالموعظة أولاً ، ثم بالهجران ، فإن لم ينجعا فالضرب ، فإنه هو الذي يصلحها ويحملها على توفية حقه ، والضرب في هذه الآية هو ضرب الأدب غير المبرح .... " تفسير القرطبي 5/172 .

(3/138)


لا شك أن ضرب الزوج لزوجته مشروع ، والضرب إحدى وسائل التأديب ، ولكن لا يجوز للزوج أن يبادر إلى ضرب زوجته ابتداءً ، ولا بد أن يعظها أولاً ، فإن نفع الوعظ فبها ونعمت ، وإن لم ينفعها الوعظ هجرها في المضجع ، فإن أخفق الهجر في ردها إلى جادة الصواب ، فإنه حينئذ يلجأ إلى الضرب ، وليس المقصود بالضرب إلحاق الأذى بالزوجة كأن يكسر أسنانها أو يشوه وجهها ، وإنما المقصود بالضرب هو إصلاح حال المرأة ، ويكون الضرب غير مبرح ، وكذلك لا يجوز الضرب على الوجه والمواضع الحساسة في الجسد ، وقد ورد في ذلك أحاديث منها :
- قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( اتقوا الله في النساء ، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه ، فإن فعلن فاضربوهن ضرباً غير مبرح ) رواه مسلم .
- قوله - صلى الله عليه وسلم - في خطبة الوداع : ( ألا واستوصوا بالنساء خيراً ، فأنهن عوان عندكم ، ليس تملكون منهن شيئاً غير ذلك ، إلا أن يأتين بفاحشةٍ مبينة ، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضرباً غير مبرح ، فإن أطعنكم فلا تبتغوا عليهن سبيلاً ، ألا إن لكم على نسائكم حقاً ، ولنسائكم عليكم حقاً فأما حقكم على نسائكم فلا يوطئن فرشكم من تكرهون ، ولا يأذن في بيوتكم لمن تكرهون ، ألا وحقهن عليكم أن تحسنوا إليهن في كسوتهن وطعامهن ) رواه الترمذي ، وقال: حسن صحيح .
- وقال الإمام البخاري: باب ما يكره من ضرب النساء ، وقول الله تعالى (واضربوهن) أي ضرباً غير مبرح " ، ثم ساق البخاري بإسناده إلى النبي- صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( لا يجلد أحدكم امرأته جلد العبد ، ثم يجامعها في آخر اليوم ) وقال الحافظ ابن حجر معلقاً على عنوان الباب: وفيه إشارة إلى أن ضربهن لا يباح مطلقاً ، بل فيه ما يكره كراهة تنزيه أو تحريم " فتح الباري 11/214 .

(3/139)


- وعن عائشة رضي الله عنها قالت : ( ما ضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - شيئاً قط ، ولا امرأة ولا خادماً ، إلا أن يجاهد في سبيل الله ، وما نيل منه شيء قط فينتقم من صاحبه إلا أن ينتهك شيء من محارم الله ، فينتقم لله عز وجل ) رواه مسلم.
- وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:(إذا ضرب أحدكم ، فليتق الوجه ) رواه مسلم .
- وعن معاوية بن حيدة قال: قلت يا رسول الله : ما حق زوجة أحدنا عليه ؟ قال: ( أن تطعمها إذا طعمت وتكسوها إذا اكتسيت ، ولا تضرب الوجه ولا تقبح ولا تهجر إلا في البيت ) رواه أبو داود ، وقال الألباني: صحيح .
وخلاصة الأمر ، أنه لا يجوز للزوج أن يضرب زوجته ابتداءً ، وإنما يكون ذلك بعد الوعظ ، وبعد الهجران .
ويجب أن يكون الضرب غير مبرح ، فإن الضرب المبرح حرام لما سبق في الأحاديث ، قال عطاء : " الضرب غير المبرح بالسواك ونحوه ، وقال الحافظ ابن حجر: " إن كان لا بد فليكن التأديب بالضرب اليسير " فتح الباري 11/215 .
وعلى الزوج أن يتجنب ضرب الوجه والمواضع الحساسة في الجسد .

(3/140)


نظام الأحوال الشخصية بين الثبات والتطور
يقول السائل : ما قولكم في الاعتراضات التي أثيرت حول قانون الأحوال الشخصية ؟
الجواب : اطلعت على دراسة لقانوني الأحوال الشخصية في الضفة الغربية وقطاع غزة أعدها المحامي كارم نشوان ، وناقشها البرلمان الصوري الفلسطيني وأود أن أبين وأناقش بإيجاز بعض القضايا التي وردت في الدراسة المذكورة .
1 - عرضت الدراسة لبعض التوجهات ، وأكدت عليها واعتبرتها مرتكزات للتعديلات المقترحة ، وقد تبين لي ضعف هذه الأسس والمرتكزات ، وأنها تشتمل على مغالطات تصادم الأحكام الشرعية المستمدة من كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأول تلك التوجهات كما جاء في الدراسة : " الشريعة الإسلامية هي مصدر أساسي من مصادر القاعدة القانونية لقانون الأحوال الشخصية " .
وأقول : إن الشريعة الإسلامية ، هي المصدر الأساسي والوحيد لنظام الأحوال الشخصية ، فأحكام الأحوال الشخصية تؤخذ وتستمد من القرآن الكريم ومن السنة النبوية وما اعتمد عليهما من اجتهادات فقهاء الإسلام ، ولا تؤخذ من أي مصدر آخر .
وإذا قلنا إن الشريعة الإسلامية مصدر أساسي ، فمعنى ذلك أنه يوجد مصادر أخرى وإن كانت غير أساسية ، وهذا منطق مرفوض رفضاً باتّاً مخالف لشرع الله تعالى .
2 - قال كاتب الدراسة: إنه يريد أن يفرق في الشريعة الإسلامية بين حدود دين الله سبحانه وتعالى والتي لا يجوز شرعاً تغييرها وبين حدود البشر واجتهاداتهم .
وأقول : إن هذا الفهم خاطئ لمبدأ الاجتهاد في دين الإسلام فإن الفقهاء المسلمين لما اختلفوا في الأحكام الشرعية الفرعية ، بنوا اجتهاداتهم على قواعد وأسس شرعية صحيحة فكل اجتهاد لفقيه من فقهاء الإسلام يقع ضمن دائرة الإسلام ولا يخرج عنها إلا من شذ ولا عبرة بالشاذ ، والأئمة المجتهدون لا يقولون في دين الله بأهوائهم ولا برغباتهم ، وإنما يعتمدون على مصادر الشريعة الإسلامية من كتاب وسنة وإجماع وقياس وغيرها من المصادر .
3 - إن القول بأن الأحكام الشرعية تقبل التطوير والتغيير والاستدلال على ذلك بأن الإمام الشافعي غيّر مذهبه القديم إلى مذهبه الجديد .

(3/141)


إن هذا الكلام غير صحيح ولا يستند على أسس علمية معتبرة ، وينم عن عدم معرفة بما غيره الإمام الشافعي في مصر من مذهبه القديم فإن علماء الإسلام متفقون إتفاقاً تاماً على أن الأحكام الشرعية الثابتة بكتاب الله وسنة نبيه- صلى الله عليه وسلم - لا تقبل التغيير ولا التبديل إلى يوم القيامة ، وأما الأحكام التي يمكن أن يدخلها التغيير ، فإنها بعض الأحكام المبنية على الاجتهاد ، كالأحكام التي تبنى على المصلحة والعرف ، والإمام الشافعي لما تراجع عن مذهبه القديم في العراق ، وأنشأ المذهب الجديد في مصر لم يغير أي حكم من الأحكام المبنية على النصوص الصريحة من الكتاب أو السنة.
وبناءً على ذلك ، فكل حكم ثبت بالنصوص الصريحة من الكتاب أو السنة لا يقول مسلم بأنه قابل للتغيير والتبديل .
فقضية تعدد الزوجات لا تقبل تغيراً ولا تبديلاً .
وقضية الولاية في الزواج لا تقبل تغييراً ولا تبديلاً .
وحق الرجل في الطلاق لا يقبل تغييراً ولا تبديلاً .
وأحكام الميراث لا تقبل تغييراً ولا تبديلاً .
وهكذا بقية الأحكام الشرعية الثابتة بالكتاب والسنة لا يدخلها التغيير ولا التبديل .
4 - ينبغي أن يعلم علماً تاماً أنه لا يجوز في دين الله سبحانه أن يلتزم المسلمون بأي قانون وضعي ، وضعه الإنسان مع مخالفته لشرع الله ، بغض النظر عن واضع القانون البشري .
5 - زعم كاتب الدراسة أن " القانون الحالي ، يحمل مضامين قاسية ومجحفة بحق المرأة الفلسطينية تصل إلى التمييز الواضح والسافر ، ليس لشيء ، إنما لكونها امرأة .... " .
وأقول : إن هذا الكلام جد خطير وفيه تهجم وجرأة على شرع الله عز وجل .
إن شريعة الله عدل كلها ، ورحمة كلها بالإنسان ذكراً كان أو أنثى .
إن الإسلام أعطى للمرأة حقوقاً لم تنلها في ظل أي نظام آخر ، وإن الإسلام قد عامل المرأة معاملة كريمة حسنة ، لم تنلها في ظل أي نظام ، لا في القديم ولا في الحديث .

(3/142)


6 - إن كاتب الدراسة يتجاهل الفوارق الطبيعية بين المرأة و الرجل ويريد أن يساوي بينهما مساواة تامة ، ولا يدري أنه بعمله هذا يقف ضد المرأة من حيث لا يشعر .
فلا ينكر عاقل وجود فوارق بين المرأة والرجل ، وأن المساواة التي ينادي بها دعاة تحرير المرأة ، ستعود على المرأة بالوبال والخسران .
ويا معشر النساء اتعظن بحال المرأة في الغرب ، حيث إنها صارت سلعة تباع وتشترى ، والسعيد من اتعظ بغيره ، والشقي من اتعظ بنفسه .
فكاتب الدراسة يريد أن يساوي في الحقوق والواجبات بين الرجل والمرأة ، وهذا إجحاف في حق المرأة ، فكيف يساوي بينهما والرجل هو الملزم شرعاً بالإنفاق على زوجته وأولاده ، والزوجة غير ملزمة بالإنفاق على الزوج والأولاد فكيف يساوي بينهما والزوج ملزم بتأمين المسكن ومتطلباته للزوجة والأولاد ، والزوجة ليست ملزمة بذلك ، فكيف يساوي بينهما ، وهل المساواة بين الزوجة والزوج إنصاف للمرأة ؟
7 - طالب كاتب الدراسة بتعديل قانوني الأحوال الشخصية في مسائل كثيرة ، أشير إلى بعضها إشارات سريعة :
زعم أن تعريف الزواج في القانون لم ينص على ديمومة العقد ، ودعا إلى النص على ذلك ولم يعلم أن الأصل في عقد الزواج في الشريعة الإسلامية هو التأبيد .
دعا إلى تغيير سن الزواج وجعلها 18 سنة للذكر والأنثى ، وهذا ضد مصلحة المجتمع عامة ، وضد المرأة بشكل خاص .
دعا إلى إلغاء الولاية في الزواج وهذا يعارض النصوص الشرعية في إثبات الولاية في الزواج ، والتي هي لمصلحة المرأة ولحمايتها من الذئاب البشرية .
زعم أن الزوجة تستحق المهر كاملاً إذا وقع الطلاق قبل الخلوة الصحيحة ، وهذا مصادم للنص الصريح من كتاب الله تعالى : ( وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إِلاّ أَنْ يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ ) سورة البقرة/237 .

(3/143)


دعا إلى مشاركة المرأة لزوجها في أمواله الخاصة وإن لم يكن لها دور في جني المال ، وهذا أكل لأموال الناس بالباطل .
دعا إلى غلّ يد الرجل في الطلاق وهذا مصادم للنصوص الشرعية في إعطاء الزوج حق الطلاق ، وأن الطلاق لا يتوقف على حكم الحاكم مع القيود والضوابط التي فرضتها الشريعة الإسلامية في هذا المجال .
دعا إلى الحد من تعدد الزوجات تحت ذرائع واهية ، واعتمد على أقوال ضعيفة لبعض الكتاب ، وهذا مخالف للنصوص الشرعية .
ألمح إلى إعادة النظر في الميراث وأنه لا بد من مساواة الرجل بالمرأة في الميراث ، وهذا هدم للأحكام الشرعية الصريحة من كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وغير ذلك من القضايا التي يضيق المقام عن تفصيل الرد عليها .
وخلاصة الأمر : أن هذه التعديلات المطروحة لنظام الأحوال الشخصية المطبق عندنا ما هي إلا دعوة خطيرة لهدم الأسس الشرعية التي قامت عليها أحكام الأحوال الشخصية .
وإن الكاتب قد استمد أكثر اقتراحاته من الفكر الغربي المنحرف ، ويدعو بطريقة أو بأخرى ، إلى تنحية الشرعية الإسلامية جانباً .
وختاماً : أدعو الغيورين من هذه الأمة من القضاة الشرعيين والمفتين وأهل العلم وغيرهم للوقوف أمام الهجمة الشرسة الموجهة إلى آخر ما بقي من شريعة الإسلام في الأنظمة والقوانين.
والله الهادي إلى سواء السبيل

(3/144)


المتفرقات
الاستماع لقراءة القرآن الكريم
يقول السائل : هل الاستماع والإنصات لقارئ القرآن الكريم ، إذا كان يقرأ من الإذاعة أو في المسجد واجب لقوله تعالى : ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) ؟
الجواب : يرى كثير من أهل العلم أن هذه الآية الكريمة (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) سورة الأعراف /204 ، قد نزلت في الصلاة ، وهذا يدل على أن الإستماع لقراءة القرآن يكون واجباً حال قراءة الإمام للقرآن في الصلاة سواء كانت فرضاً أو نفلاً ، ونقل ابن جرير الطبري شيخ المفسرين ، أن هذه الآية نزلت في الصلاة عن جماعة من السلف ، فقد روى ابن جرير بسنده عن أبي هريرة قال: ( كانوا يتكلمون في الصلاة ، فلما نزلت هذه الآية ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ ) ، أمروا بالإنصات .
ورويَ مثل ذلك عن ابن عباس وابن مسعود والزهري وعطاء وعبيد بن عمير وعن سعيد بن المسيب ومجاهد وسعيد بن جبير والضحاك وإبراهيم النخعي وقتادة وغيرهم .
وهذا أرجح أقوال أهل العلم في سبب نزول هذه الآية وبناءً عليه يكون الإستماع واجباً لقراءة الإمام في الصلاة .
وأما الإستماع والإنصات لقراءة القارئ خارج الصلاة ، سواء كان يقرأ من الإذاعة أو في المسجد أو كان يقرأ من المسجل فمندوبة ، قال ابن عبد البر: " في قول الله عز وجل : ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) ، مع إجماع أهل العلم أن مراد الله من ذلك في الصلوات المكتوبة أوضح الدلائل على أن المأموم إذا جهر إمامه في الصلاة أنه لا يقرأ معه بشيء ، وأن يستمع له وينصت " فتح المالك بترتيب التمهيد لابن عبد البر على موطأ مالك 2/126 .
وذكر ابن عبد البر في الإستذكار وفي التمهيد خبر أبي عياض عن أبي هريرة قال: ( كانوا يتكلمون في الصلاة حتى نزلت هذه الآية ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا ) ) .

(3/145)


وقال إبراهيم بن مسلم : " فقلت لأبي عياض: لقد كنت أظن أن لا ينبغي لأحد يسمع القرآن ألا يسمع ، قال: إنما ذلك في الصلاة المكتوبة ، فأما في الصلاة غير المكتوبة فإن شئت سمعت وإن شئت مضيت ولم تسمع " الإستذكار 4/230 .
وقال ابن جرير الطبري بعد أن ساق أقوال العلماء في تأويل الآية السابقة: " وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: أمروا باستماع القرآن في الصلاة إذا قرأ الإمام وكان من خلفه ممن يأتم به يسمعه في الخطبة ، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب لصحة الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:( إذا قرأ الإمام فأنصتوا) وإجماع الجميع على أن من سمع خطبة الإمام ممن عليه الجمعة الإستماع والإنصات لها مع تتابع الأخبار بالأمر بذلك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأنه لا وقت يجب على أحد استماع القرآن والإنصات لسماعه من قارئه إلا في هاتين الحالتين على اختلاف في إحداهما وهي حالة أن يكون خلف إمام مؤتم به ، وقد صح الخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بما ذكر من قوله: ( إذا قرأ الإمام فأنصتوا ) ، فالإنصات خلفه لقراءته واجب على من كان مؤتماً سامعاً قراءته بعموم ظاهر القرآن والخبر عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - " تفسير الطبري 6/166.
وروى الطبري بإسناده عن سعيد بن جبير أن الآية( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا ) قال: "الإنصات يوم الأضحى ويوم الفطر ويوم الجمعة وفيما يجهر به الإمام في الصلاة" تفسير الطبري 6/165 .
وعلق القرطبي على قول سعيد بن جبير بعد أن نقله بقوله : " وهو الصحيح لأنه يجمع ما أوجبته هذه الآية وغيرها من السنة في الإنصات " تفسير القرطبي 7/353 - 354 .
ثم نقل القرطبي عن النقاش قوله : " أجمع أهل التفسير أن هذا الإستماع في الصلاة المكتوبة وغير المكتوبة " .

(3/146)


وحكى ابن المنذر الإجماع على عدم وجوب الاستماع والإنصات في غير الصلاة والخطبة وذلك أن إيجابهما على كل من يسمع أحداً يقرأ فيه حرج عظيم لأنه يقتضي أن يترك له المشتغل بالعلم علمه والمشتغل بالحكم حكمه ، والمتبايعان مساومتهما وتعاقدهما وكل ذي شغلٍ شغله " تفسير المنار 9/552 - 553 .
وقال العز بن عبد السلام : " الاستماع للقرآن والتفهم لمعانيه من الآداب المشروعة المحثوث عليها ، والاشتغال عن ذلك بالتحدث بما لا يكون أفضل من الاستماع سوء أدب على الشرع " فتاوى العز بن عبد السلام ص485 - 486 .
وقال جلال الدين السيوطي: " يسن الاستماع لقراءة القرآن ، وترك اللغط والحديث بحضور القراءة ، قال تعالى: ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ) " الإتقان 1/145 .
ومما يدل على أن الاستماع لقراءة القرآن خارج الصلاة والخطبة مندوب ما ورد من الأدلة في جواز الكلام خارج الصلاة والخطبة .
ومما ينبغي التنبيه عليه ، أن ترك الاستماع والإنصات للقرآن والاشتغال بالأحاديث المختلفة مكروه كراهة شديدة ، وتكون الكراهة أشد إذا كان المتحدثون بأمور الدنيا قرب قارئ القرآن ، وأما إذا كان المجلس فيه كثير من الناس يستمعون وينصتون فتنحى بعضهم وتحدثوا بصوت منخفض من غير تشويش على الآخرين فالخطب هين ويسير .
ولا يعني قولنا إن الاستماع لقارئ القرآن في المسجد أو في الإذاعة أو من المسجل مندوب أن يتساهل الناس في الاستماع لكلام الله ، فينبغي لكل مسلم أن يحرص على الاستماع والإنصات لقراءة القرآن وأن يتأدب في مجلس قراءة القرآن .

(3/147)


كما وينبغي التنبيه أن بعض القراء يسيئون في قرائتهم للقرآن الكريم ، ويشوشون على عباد الله ، كالقراء الذين يقرأون في المآتم عبر مكبرات الصوت ، فإن ذلك حرام شرعاً ، وكذلك القراء الذين يقرأون عبر مكبرات الصوت قبل صلاة الجمعة وقبل الأذان للصلوات الخمس ، فكل ذلك من البدع المخالفة للشرع لأن هؤلاء وأولئك يشوشون على عباد الله ، وخاصة يوم الجمعة ، فإن الوقت قبل صلاة الجمعة هو وقت للتنفل وللدعاء وللذكر والاستغفار ، ولا ينبغي لأحد أن يشوش على عباد الله في قراءة القرآن ولا بالدروس ولا بالمواعظ ، وإنما كل مسلم يقرأ إن رغب أو يصلي أو يدعو أو يستغفر لوحده .
وقد ورد في الحديث أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال: ( إن المصلي يناجي ربه فلينظر بما يناجيه ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن ) رواه الإمام مالك ، وقال الشيخ الألباني: سنده صحيح .

(3/148)


أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار
يقول السائل : ما قولكم فيمن يفتون في دين الله بغير علم ولا هدى ؟
الجواب : كثر المجترئون من طلبة العلم الشرعي وغيرهم على الإفتاء في دين الله سبحانه وتعالى ، ويظنون أن الأمر هين ، وهو عند الله عظيم ، وكثر الخائضون في دين الله بغير علم ، حتى إنك إذا جلست في مجلس وطرحت مسألة شرعية ، ترى كثيراً من الجالسين يدلون برأيهم من غير أن يُطلب منهم ، ويعضهم قد لا يحسن الوضوء .
وصار دين الله وشرعه مع الأسف الشديد حمىً مستباحاً لأشباه المتعلمين ، وظن كثيرٌ من طلبة العلم الشرعي ، أنهم بمجرد حصولهم على الشهادة الجامعية الأولى يحق لهم الإفتاء في دين الله ، وما دروا أن شهادة (البكالوريوس) في الشريعة الإسلامية في زماننا هذا ، تعني محو أمية في العلوم الشرعية فقط ، هذا إذا وزناها بالميزان الصحيح ولا يشذ عن هذا إلا القليل جداً .

(3/148)


وإلى المجترئين على الفتوى في أيامنا هذه ، أسُوق بعض كلام أهل العلم في الفتيا لعل أحدهم يعرف قدره وحده فيقف عنده فلا يتجاوزه .
قال العلاّمة ابن القيم في بيان الشروط التي تجب فيمن يبلغ عن الله ورسوله : " ولما كان التبليغ عن الله سبحانه وتعالى يعتمد العلم بما يبلغ والصدق فيه ، لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق ، فيكون عالماً بما يبلغ صادقاً فيه ويكون مع ذلك حسن الطريقة ، مرضي السيرة ، عدلاً في أقواله وأفعاله ، متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله ، وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر فضله ، ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السنيات ، فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات ؟ ، فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته ، ويتأهب له أهبته ، وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه ، ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به ، فإن الله ناصره وهاديه ، وكيف وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب ، فقال تعالى: ( وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ ) سورة النساء /127 ، وكفى بما تولاه الله تعالى بنفسه شرفاً وجلالة إذ يقول في كتابه : ( يَسْتَفْتُونَكَ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ ) سورة النساء /176 ، وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه ، وليوقن أنه مسؤول غداً وموقوف بين يدي الله " إعلام الموقعين عن رب العالمين 1/11 .
ولكن كثيراً من المجترئين على الفتوى لا يفهم هذا الكلام لا من قريب ولا من بعيد ، والمهم عندهم أن يظهروا أمام العامة بمختلف الوسائل ليشار إليهم بالبنان ، فيجيبوا عن كل مسألة توجه لهم ولا يعرفون قول ( لا أدري ) ، لأنهم يعتبرون ذلك عاراً وشناراً
أوردها سعد وسعد مشتمل ما هكذا يا سعد تورد الإبل

(3/149)


لأن الناس يصفونهم بالجهل إن فعلوا ذلك ، وما دروا أن سلفنا الصالح كانوا يحرصون على قول لا أدري ، كحرص هؤلاء المتعالمين على الإجابة ، وقديماً قال العلماء : " لا أدري نصف العلم " ، قال ابن أبي ليلى : " أدركت مئة وعشرين من الأنصار من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل أحدهم عن المسألة ، فيردها هذا إلى هذا ، وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول ، وما منهم أحد يحدث بحديث أو يسأل عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه .
وقال عمر بن الخطاب : " أجرؤكم على الفتيا ، أجرؤكم على النار .
وقال ابن عباس : " إذا أخطأ العالم ( لا أدري ) أصيبت مقاتله " .
فلا ينبغي لأحد أن يقتحم حمى الفتوى ولما يتأهل لذلك ، وقد قرر أهل العلم أن من أفتى وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص .
وكان شيخ الإسلام ابن تيمية شديد الإنكار على أدعياء العلم الذين يتصدرون للفتيا فقال له بعضهم يوماً: أجعلت محتسباً على الفتوى ؟ فقال له: " يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب " انظر الفتوى - د. يوسف القرضاوي ص24 .
وأدعياء العلم هؤلاء اقتحموا هذه العقبة الكؤود ، ولم يستعدوا لها ، فلو سألت أحدهم عن مبادئ وقواعد أصول الفقه ، لما عرفها ، فلو سألته ما العام ؟ وما الخاص ؟ وما المطلق وما المقيد ؟ وما القياس ؟ وما الحديث المرسل ؟ لما أحرى جواباً .
ولو سألته عن أمهات كتب الفقه المعتبرة لما عرفها ، ولو سألته عن آيات الأحكام من كتاب الله وعن أحاديث الأحكام من سنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، لما عرف شيئاً .

(3/150)


ويزداد الأمر سوءاً عندما نرى هؤلاء الناس المتعالمين يجعلون واقع الناس حاكماً على النصوص الصريحة من كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فترى وتسمع من الفتاوى الغريبة والعجيبة ، فترى من يحلل الربا المحرم في كتاب الله وسنة رسوله ، لأنه ضرورة اقتصادية كما يدعي ، أو لأن ربا الجاهلية لا ينطبق على ربا البنوك الربوية كما يزعم .
وهكذا ترى من هؤلاء العجب العجاب في اتباع الأهواء وإرضاء الأسياد ، ونسوا أو تناسوا قول الله تعالى : ( ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ ) سورة الجاثية /18 .
وقوله تعالى: ( وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ ) سورة المائدة /49 .
وختاماً ، فعلى كل من يتصدى للفتوى أن يتق الله سبحانه وتعالى ، وأن يأخذ للأمر عدته ، وليعلم أنه يوقع عن رب العالمين ، ويبلغ عن الرسول الأمين - صلى الله عليه وسلم - .

(3/151)


كتاب ( مولد العروس ) مكذوب على الإمام ابن الجوزي
أحضر لي أحد طلابي كتاباً صغير الحجم ، بعنوان (مولد العروس) للعلاّمة والحبر الفهامة ، الإمام ابن الجوزي ، هكذا جاء في على غلافه ، ويحتوي على نثر وشعر يتعلق بالمولد النبوي ، وسألني عن هذا الكتاب ؟
الجواب: إن هذا الكتاب المسمى (مولد العروس) والمنسوب لابن الجوزي مكذوب عليه وفيه كثير من المخالفات الشرعية ، ولم تثبت نسبته بطريق صحيح إلى الإمام ابن الجوزي ولم ينسبه أحد إليه إلا كارل بروكلمان ، وفي نسبة هذه المخطوطة لإبن الجوزي - أي مخطوط مولد العروس - نظر ، فهو يخلو من الإسناد الذي اعتاد عليه ابن الجوزي في كتبه ، كما يخلو من تعليق أو نقد ابن الجوزي لما يرد فيه من أخبار ، وكل ما ورد فيه يتعلق بولادة الرسول- صلى الله عليه وسلم - ، وأشعار مدحه ، مما يدل على أن أحد العوام قد وضعه ثم إن الذين ترجموا لابن الجوزي ، لم يذكروه ضمن كتبه .
وورد فيه أيضاً أمور كثيرة مخالفة للعقيدة الإسلامية وللنصوص الشرعية من كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - كما ورد في ص15 منه( وفي الحديث الصحيح أن البيت الذي فيه اسم محمد وأحمد فإن الملائكة تزوره في كل يوم وليلة سبعين مرة) ، ومن المعلوم أن هذا الحديث مكذوب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، بل إن ابن الجوزي نفسه ذكره في كتابه الموضوعات وحكم عليه بالوضع والكذب ، انظر كتب حذر منها العلماء 2/303 - 304 وانظر أيضاً نفس المصدر 2/388 - 389 .

(3/152)


احذروا هذين الكتابين
السؤال : أحضرت لي سائلة كتاباً بعنوان (عرائس المجالس في قصص الأنبياء) وذكرت لي أن فيه أموراً غريبة وطلبت بيان القول فيما اشتمل عليه من الأخبار؟
وسائلة أخرى ، أحضرت لي كتيباً بعنوان (المجموعة المباركة في الصلوات المأثورة والأعمال المبرورة) ، وسألتني عن صحة الأحاديث المذكورة فيه ؟
الجواب: أما الكتاب الأول وهو (عرائس المجالس في قصص الأنبياء) تأليف أبي إسحاق أحمد بن محمد بن إبراهيم الثعلبي المتوفى 427 هـ .
وهو كتاب يشتمل على قصص الأنبياء المذكورة في القرآن الكريم ، وفيه كثير من الإسرائيليات والأخبار الواهيات والغرائب وفيه أيضاً بلايا ورزايا ، انظر كتب حذر منها العلماء 2/20 .

(3/152)


والثعلبي معروف عند أهل العلم أنه ينقل في كتبه كثيراً من الأحاديث المكذوبة ولهذا قالوا عنه إنه كحاطب ليل ، كما قال العلامة اللكنوي في الأجوبة الفاضلة ص101 -102 .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : " علماء الجمهور متفقون على أن ما يرويه الثعلبي وأمثاله لا يحتجون به ، لا في فضيلة أبي بكر وعمر ، ولا في إثبات حكم من الأحكام ، إلا أن يعلم ثبوته بطريقه " منهاج السنة 4/25 ، نقلاً عن المصدر السابق .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية أيضاً: " والثعلبي هو نفسه كان فيه خير ودين ، ولكنه كان حاطب ليل ، ينقل ما وجد في كتب التفسير من صحيح وضعيف وموضوع " .
وقال الشيخ ابن كثير عن الثعلبي : " وكان كثير الحديث واسع السماع ، ولهذا يوجد في كتبه الغرائب شيء كثير " انظر التعليق على سير أعلام النبلاء 17/436 .
وخلاصة القول في كتاب (عرائس المجالس) للثعلبي ، أنه لا يجوز شرعاً الإعتماد عليه في الأحاديث التي ينقلها ، إلا بعد البحث والتنقيب عن حال تلك الأحاديث ، ولذا لا أنصح أحداً باقتناء هذا الكتاب إلا أن يكون من أهل العلم بالحديث .

(3/153)


وأما الكتاب الثاني وهو (المجموعة المباركة في الصلوات المأثورة والأعمال المبرورة ) فإنه كتاب دجل وخرافات وكذب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في معظم ما احتواه ، كما في الخبر الذي ساقه "عن صحابي يقال له عبد الله السلطان ، هكذا زعم ، وأن عبد الله السلطان هذا كان مشهوراً بشرب الخمر والزنا والفسق والفجور وترك الصلاة وترك الصوم .... ، وأن الرسول - صلى الله عليه وسلم - سأل زوجة عبد الله السلطان عن حاله وما كان يفعل ، فقالت: ما رأيت منه إلا الأفعال القبيحة وشرب الخمر والفسوق والفجور ، ولا رأيته يصلي في جميع عمره ركعة واحدة ولا يصوم أبداً ، ولكني رأيته إذا جاء شهر رجب يقوم ويدعو بهذا الدعاء ، ثم ذكرته .... فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : من قرأ هذا الإستغفار وجعله في بيته أو في متاعه جعل الله له ثواب ألف صديق وثواب ثمانين ألف حجة وثمانين ألف مسجد .... " إلى آخر ما قاله من الدجل بلا خجل ، والكذب على الرسول - صلى الله عليه وسلم - .
وهذه أخبار مكذوبة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وضعها وكذبها أدعياء الزهد والمنحرفون عن منهج الرسول - صلى الله عليه وسلم - في الذكر والعبادة .
وقد قال الشيخ علي الطنطاوي في فتاويه ص287 تحت عنوان كتاب يجب أن يمنع ، ما نصه : " سألني كثيرون عن كتيب صغير ما أدري من أين يشترونه اسمه (المجموعة المباركة) ، وليس مباركاً ولا صحيحاً ، لأن فيه أحاديث موضوعة مكذوبة على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فلا يجوز للمسلم أن يصدقة ، ولا يقرأه ولا يبيعه وينبغي لمن قدر على إنكار هذا المنكر أن ينكره ويمنع تداول هذا الكتاب وأن يبيد النسخ الموجودة منه في الأسواق ".
وينبغي تذكير أصحاب المكتبات وأصحاب دور النشر ، أن يتقوا الله عندما يبيعوا كتاباً أو ينشرونه ، فليس كل كتاب ينشر أو يباع .

(3/154)


فإن كتب أهل البدعة والضلالة يحرم بيعها ونشرها ، وكذا كتب السحر والشعوذة والتمائم الشركية وتحضير الأرواح ، والكتب الساقطة الهابطة ، كالقصص والروايات الجنسية ، والمجلات الخليعة التي تنشر الصور العارية الفاضحة والمقالات الجنسية وأمثالها .
قال الشيخ ابن القيم : " وكذلك الكتب المشتملة على الشرك وعبادة غير الله ، فهذه كلها يجب إزالتها وإعدامها ، وبيعها ذريعة إلى اقتنائها واتخاذها ، فهو أولى بتحريم البيع من كل ما عداها ، فإن مفسدة بيعها بحسب مفسدتها في نفسها " .
وقد نص كثير من العلماء على حرمة المتاجرة بكتب أهل البدع والضلالة ، راجع الكتاب النافع المفيد بعنوان كتب حذر منها العلماء للشيخ مشهور سلمان 1/52 - 53 .

(3/155)


إحذروا هذه الخرافة
السؤال : أحضر لي أحد طلابي في الكلية ، قطعة من اللحم -- هكذا تبدو -- ، وقال إن هذه القطعة تنمو وتكبر إذا وضعت في سائل كالشاي مثلاً ، وزعم بعض الناس أن السائل الذي ينتج عنها مفيد في علاج الأمراض المستعصية ، وأن هذه القطعة أحضرت من الخارج ، وتداولها الناس ، فتباع وتشترى ، وهنالك إشاعات كثيرة حول فوائدها ، فما قولكم في القضية ؟
الجواب : إن الإسلام شرع التداوي ، والتداوي من باب الأخذ بالأسباب ، فقد روي في الحديث قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( إن الله أنزل الداء والدواء ، وجعل لكل داء دواء ، فتداووا ولا تتداووا بالحرام ) رواه أبو داود .
وجاء في حديث أسامة بن شريك - رضي الله عنه - قال: قالت الأعراب يا رسول الله ألا نتداوى ؟ قال : ( نعم عباد الله ، تداووا ، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاءً إلا داءً واحداً ، قالوا يا رسول الله ، وما هو ؟ قال: الهرم ) رواه الترمذي وابن ماجة ، وقال الشيخ الألباني: حديث صحيح .

(3/155)


وقد قرر العلماء أن الذي يتولى المداواة لا بد أن يكون من أهل الطب والخبرة وقد ورد في الحديث ، أنه عليه الصلاة والسلام قال: ( من طبب ولم يُعلم منه طب فهو ضامن ) رواه أبو داود وابن ماجة ، وقال الشيخ الألباني: حديث حسن .
وجاء في رواية أخرى ( أيما طبيب تطبب على قوم لا يُعرف له تطبب قبل ذلك فأعنت فهو ضامن ) رواه أبو داود ، وقال الشيخ الألباني: حديث حسن ، انظر صحيح سنن أبي داود 3/866 - 867 .
فهذا الحديث أصل من أصول الطب الإسلامي وتصريح بأن العلاج يكون بالدواء لا بالتعزيمات السحرية أو الدجل الذي يدعيه بعض الجهلة لأكل أموال الناس بالباطل .
وقد جرد الإسلام علم الطب من الخرافات والتعاويذ السحرية في دفع الأمراض ووضع الأسس الأولية التي تصلح لدفع جميع الأمراض البدنية ، راجع الطب النبوي ص261 .
فالمشروع في حق المسلم إذا مرض وأراد التداوي أن يسأل الأطباء ، فهم أدرى الناس بالداء والدواء ، ولا يجوز له الذهاب إلى الدجالين والمشعوذين والسحرة والكهان وأضرابهم .
وقد أردت أن أمهد بهذا الكلام قبل الحديث عن قطعة اللحم المزعومة حتى نكون على بينة من أمر التداوي الصحيح .
فإذا ثبت هذا أقول بالنسبة لقطعة اللحم المزعومة ، إن بعض الصحف نشرت صورة لها وأجرت مقابلات مع بعض الناس الذين ادّعوا أنهم استعملوها ، وزعم بعضهم أنه شرب من الشاي الذي تحول إلى خل بعد وضع قطعة اللحم المشار إليها فيه ، وأنه كان يعاني من التهاب شديد في المفاصل ، فاستخدم ذلك السائل لمرة واحدة ، فمسح على مفاصله فتلاشى المرض ، وزعم آخر أنه كان يعاني من آلام في الظهر ، فمسح ظهره بذلك السائل فشفي ، وغير ذلك من الادعاءات .

(3/156)


وحتى نكون على بينة من أمر قطعة اللحم المزعومة ، فقد طلبت من رئيس قسم التصنيع الغذائي ، في كلية العلوم والتكنلوجيا - جامعة القدس ، إجراء الفحوص المخبرية على قطعة اللحم المزعومة ، فقام مشكوراً بإجراء الفحوصات عليها بالتعاون بين مختبري التصنيع الغذائي والعلوم البحرية في الكلية وكانت النتيجة في الخطاب التالي :
(( الدكتور حسام الدين عفانة المحترم ..
تحية طيبة وبعد.
رداً على تساؤلات بعض الأخوة حول كتلة اللحم المزعومة ومضار استعمالها أو منافعها ، فإنه وبناءً على نتائج الفحوصات المخبرية التي أجريناها على هذه المادة نؤكد ما يلي :
- إن هذه الكتلة ليست قطعة من اللحم ولا حيواناً بحرياً كما يعتقد البعض ، حيث إن فحصها مجهرياً دل على أنها لا تتكون من أنسجة أو خلايا سواء كانت حيوانية أو نباتية .
- إن هذه المادة ما هي إلا إفرازات لكائنات حية دقيقة لا يمكن رؤيتها بالعين المجردة ، ولكن يمكن رؤيتها فقط عند فحص هذه الكتلة مجهرياً .
- إن اللون اللحمي الذي تأخذه هذه الإفرازات هو ناتج عن مادة الشاي ، فعند نقل جزء من هذه الكتلة إلى محلول السكر في الماء ، ينتج عنها كتلة من الإفرازات الشفافة .
- إن رائحة الخل التي تنبعث عن هذه الكتلة هي دليل على عملية تخمر مادة السكر المضافة إلى محاول الشاي ، والتي تقوم بها بعض الكائنات الدقيقة الموجودة داخل هذه الإفرازات كما أن درجة الحامضية العالية للسائل تدل على تكوين أحماض منها حامض الخل ، نتيجة عملية التخمر .
- من المعروف أن أنواعاً مختلفة من الكائنات الحية الدقيقة تسبب الأمراض المعدية للإنسان كما أن هناك أنواعاً أخرى تفيد الإنسان ، غير أننا في هذه الحالة وبما أننا لا زلنا نجهل كنه هذه المادة ، لا يمكننا الإشارة إلى أي فائدة من استعمالها أو اقتنائها ، بل نخشى من أن تسبب هذه الكائنات الدقيقة أو السائل الحامضي مضاراً للذين يستعملونها )) أ.هـ .
وأخيراً وبناءً على هذا التحليل العلمي ، أنصح الأخوة القراء ألا يستعملوا قطعة اللحم المزعومة وألا يصدقوا الشائعات التي تقال حولها ، وألا يدفعوا أموالهم لشرائها ، وأن يتعالجوا حسب الطرق المعروفة للعلاج من خلال الأطباء وليس من خلال الدجالين والمشعوذين وآكلي أموال الناس بالباطل .

(3/157)


مداراة الناس
يقول السائل : ما المقصود بحديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - : ( إنا لنبش في وجوه أقوام ، وإن قلوبنا لتلعنهم ) ؟
الجواب : إن النص المذكور ، ذكره الإمام البخاري معلقاً غير مجزوم به عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - ، حيث قال الإمام البخاري : " باب مداراة الناس ، ويذكر عن أبي الدرداء ، وإنا لنكشر في وجوه أقوام إن قلوبنا لتلعنهم " .
فهذا الكلام ليس عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإنما هو من كلا م أبي الدرداء - رضي الله عنه - .
والكشر هو ظهور الأسنان وأكثر ما يطلق عند الضحك قاله الحافظ في فتح الباري 13/144.
ومن المعروف عند أهل العلم أن التعليقات في صحيح البخاري كثيرة ، والتعليق هو حذف راوٍ أو أكثر من أول السند ولو إلى آخر الإسناد .
وحكم التعليقات في صحيح البخاري أن ما كان منها بصيغة الجزم ، كقال وروى وجاء ونحو ذلك مما بني الفعل فيه للمعلوم فهو صحيح إلى من علقه عنه .
وما كان بصيغة منها التمريض ، كقيل وروي ويروى ويذكر ونحو ذلك مما بني الفعل فيه للمجهول ، فلا يستفاد منها صحة ولا ينافيها ، هذا ما قرره أئمة المحدثين .
قال الحافظ ابن حجر: " إن الأثر المذكور الموقوف على أبي الدرداء ، قد وصله جماعة من المحدثين ولكنه ضعيف " ، وقد بين وصله في الفتح 13/144 .
وقال الشيخ الألباني: " لا أصل له مرفوعاً " أي إلى النبي- صلى الله عليه وسلم - ، ثم قال: " وبالجملة فالحديث لا أصل له مرفوعاً ، والغالب أنه ثابت موقوفاً " أي على أبي الدرداء ، انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة 1/252 .

(3/158)


وإذا تقرر هذا فأقول : إن المراد بالنص السابق المنسوب إلى أبي الدرداء ، هو مداراة الناس ، وهي أمر مطلوب شرعاً ، نقل الحافظ ابن حجر عن ابن بطال قوله: " المداراة من أخلاق المؤمنين ، وهي خفض الجناح للناس ولين الكلمة ، وترك الإغلاظ لهم في القول وذلك من أقوى أسباب الألفة .
وظن بعضهم أن المداراة هي المداهنة فأخطأ لأن المداراة مندوب إليها والمداهنة محرمة بالاتفاق والفرق أن المداهنة من الدهان ، الذي يظهر على الشيء ويستر باطنه ، وفسرها العلماء بأنها معاشرة الفاسق وإظهار الرضا بما هو فيه من غير إنكار عليه .
والمداراة هي الرفق بالجاهل في التعليم ، وبالفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه حتى لا يظهر ما هو فيه ، والإنكار عليه بلطف القول والفعل ولا سيما إذا احتيج إلى تألفه ونحو ذلك " فتح الباري 13/ 144 - 145 .
وقد ذكر الحافظ أيضاً حديث جابر - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( مداراة الناس صدقة ) ثم بين الحافظ ابن حجر من رواه وذكره أنه ضعيف .
وروى حديث جابر المذكور الحافظ ابن حبان ، ثم قال: " المداراة التي تكون صدقة للمداري هي تخلق الإنسان الأشياء المستحسنة مع من يدفع إلى عشرته ما لم يشبها بمعصية الله .
والمداهنة هي استعمال المرء الخصال التي تستحسن منه في العشرة ، وقد يشوبها ما يكره الله جل وعلا " صحيح ابن حبان 2/218 .

(3/159)


يكره تسمية العنب كرماً
يقول السائل : لماذا نه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن تسمية العنب بالكرم ؟
الجواب : ثبت في الحديث الصحيح ، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ( لا تسموا العنب الكرم ، ولا تقولوا خيبة الدهر ، فإن الدهر هو الله ) رواه البخاري.
وفي رواية لمسلم : ( ولا يقولن أحدكم للعنب الكرم فإن الكرم الرجل المسلم ) رواه مسلم .
وفي رواية أخرى : ( لا تقولوا كرم فإن الكرم قلب المؤمن ) رواه البخاري ومسلم .
وفي رواية ثالثة : ( لا تقولوا الكرم ، ولكن قولوا الحبلة ، يعني العنب ) رواه مسلم .
وغير ذلك من الروايات الصحيحة الثابتة عن الرسول- صلى الله عليه وسلم - التي تدل على كراهة تسمية العنب كرماً .
قال الإمام النووي : " قال العلماء: سبب كراهة ذلك أن لفظة الكرم كانت العرب تطلقهاعلى شجر العنب ، وعلى العنب ، وعلى الخمرالمتخذة من العنب ، سموها كرماً لكونها متخذة منه ولأنها تحمل على الكرم والسخاء ، فكره الشرع إطلاق هذه اللفظة على العنب وشجره ، لأنهم إذا سمعوا اللفظة ربما تذكروا بها الخمر وهيجت نفوسهم إليها فوقعوا فيها أو قاربوا ذلك ، وقال: إنما يستحق هذا الاسم الرجل المسلم أو قلب المؤمن ، لأن الكرم مشتق من الكَرَم بفتح الراء ، وقد قال تعالى : ( إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ) سورة الحجرات /13 .
فسمى قلب المؤمن كرماً لما فيه من الإيمان والهدى والنور والتقوى والصفات المستحقة لهذا الاسم " شرح النووي على صحيح مسلم 15/407 .

(3/160)


بدعة إقامة المولد عند ختان المولود
يقول السائل : ما حكم عمل وليمة عند ختان المولود ، وعمل مولد بهذه المناسبة ، ودعوة الأقارب والأصدقاء والجيران ؟
الجواب : من المعلوم أن الختان من سنن الفطرة ، وهو واجب في حق الذكور دون الإناث والوليمة عند الختان تسمّى الإعذاريقال أعذر إعذاراً كما ذكره في المصباح المنير .
ووليمة الختان ليست واجبة بل مستحبة ، قال الإمام البغوي: " ويستحب للمرء إذا أحدث الله له نعمة أن يحدث له شكراً ، ومثله العقيقة ، والدعوة على الختان ، وعند القدوم من الغيبة ، كلها سنن مستحبة شكراً لله تعالى على ما أحدث له من النعمة وآكدها استحباباً، وليمة العرس والإعذار والخُرس ، الإعذار دعوة الختان ، والخرس دعوة السلامة من الطلق " شرح السنة 9/137 - 138 .

(3/160)


وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: " .... فحكم الدعوة للختان وسائر الدعوات غير الوليمة - أي وليمة الزواج - أنها مستحبة لما فيها من إطعام الطعام، والإجابة إليها مستحبة غير واجبة وهذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابه .... ، وإجابة كل داعٍ مستحبة لهذا الخبر ، ولأن فيه جبر قلب الداعي ، وتطييب قلبه ، وقد دعي الإمام أحمد إلى ختان فأجاب وأكل .... " المغني 7/286 .
وقد وردت أحاديث كثيرة في إجابة الدعوة للوليمة سواءً أكانت وليمة عرس أو غير عرس ، ويدخل في ذلك وليمة الختان ، فمن ذلك :
عن ابن عمر رضي الله عنهما أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ( إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليأتها) رواه البخاري ومسلم .
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( من دعي إلى طعام فليجب ، فإن شاء أكل وإن شاء ترك ) رواه مسلم .
وعن ابن عمر - رضي الله عنه - كان يقول عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:( إذا دعا أحدكم أخاه فليجب عرساً كان أو نحوه ) رواه مسلم .
وهذه الأحاديث وغيرها تدل على استحباب دعوة الختان وعلى استحباب إجابتها ، وهذا مذهب جمهور أهل العلم .
وأما ما ورد في الحديث عن الحسن البصري قال: " دعي عثمان بن أبي العاص فأبى أن يجيب ، فقيل له ، فقال: إنا كنا لا نأتي الختان على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا ندعى له " رواه أحمد في المسند فهذا الحديث لا يقتضي منع دعوة الختان .
وقد أجاب الإمام أحمد الدعوة إلى ختان كما سبق في كلام ابن قدامة والأئمة الثلاثة على استحباب الدعوة لها والإجابة .
هذا ما يتعلق بالدعوة إلى وليمة الختان ، وأما ما يتعلق بعمل المولد عند الختان فأقول :

(3/161)


إن عمل المولد ليس مشروعاً في الدين ، بل هو من الأمور المبتدعة التي لا أصل لها ، فعمل المولد بدعة منكرة ، سواء كان ذلك بمناسبة المولد النبوي أو بمناسبة ختان أو غير ذلك من المناسبات التي اعتاد عوام الناس عمل المولد فيها فلا يجوز شرعاً إقامة الموالد ، لأن الرسول- صلى الله عليه وسلم - لم يفعلها ولا خلفاؤه الراشدون ولا غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين ، ولا التابعون لهم بإحسان في القرون الثلاثة المفضلة ، التي شهد لها الرسول- صلى الله عليه وسلم - بالخيرية ، وهم أعلم الناس بالسنة النبوية ، وقد صحّ الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس فيه فهو ردّ ) متفق عليه ، أي مردود .
وفي رواية أخرى : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو ردّ ) .
وثبت في الحديث الصحيح أيضاً ، أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال: ( عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ ، وإياكم ومحدثات الأمور ، فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة ) رواه أبو داود والترمذي وابن ماجة وصححه ابن حبان والحاكم والذهبي وغيرهم ، وغير ذلك من الأحاديث .
وهذه الموالد أحدثت في الإسلام بعد أكثر من أربعمئة عام من تاريخ الإسلام ، فأين كان المسلمون الأوائل عنها ، أين كان الصحابة والتابعون والعلماء والأعلام الذين عاشوا في تلك القرون المفضلة ؟
ومن المعلوم أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد بين لنا أحكام الشرع الحنيف وبلغ عن ربه البلاغ المبين ، وما ترك طريقاً يقربنا من الجنة ، ويباعدنا من النار إلا وبينه للأمة ، كما ورد في الحديث الصحيح ، عن عبد الله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنه - قال: ( ما بعث الله من نبيٍ إلا كان حقاً عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه ، وينذرهم شر ما يعلمه لهم ) رواه مسلم .
فالموالد غير مشروعة من حيث أصلها ، ومن حيث ما يصاحبها من الأمور المنكرة كالغلو في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ووصفه بأوصاف مخالفة للشرع ، واختلاط الرجال بالنساء ، واستعمال آلات الملاهي ، وغير ذلك من الأمور المنكرة .
وأخيراً أقول للسائل ، إن شئت أن تدعو الأقارب والجيران والأصدقاء بمناسبة ختان ولدك فافعل ، واصنع لهم طعاماً وأطهمهم ، ولا تصنع لهم مولداً ، لأنه بدعة ، ولا تَنسَ أن تدعو الفقراء والمحتاجين إلى وليمتك ، فإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ( شر الطعام طعام الوليمة ، يدعى لها الأغنياء ويترك المساكين) رواه البخاري ومسلم.

(3/162)


العدوى في المرض
تقول السائلة : هل هناك عدوى في المرض وكيف نوفق بين قول الرسول - صلى الله عليه وسلم - ( لا عدوى) ، وبين قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( فر من المجذوم فرارك من الأسد ) ؟
الجواب : روى الإمام البخاري في صحيحه بسنده عن أبي هريرة- رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لا عدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر ، وفر من الجذام كما تفر من الأسد ) ورواه مسلم أيضاً .
وقد اختلف أهل العلم في التوفيق بين الأحاديث التي تنفي العدوى وهذا منها ، وبين الأحاديث التي تأمر باجتناب المرضى المصابين بأمراض خطيرة ، كالجذام والطاعون وغيرهما .
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح عدة مسالك في ذلك ، أحسنها ما قاله الإمام البيهقي: " وأما ما ثبت عن النبي- صلى الله عليه وسلم - أنه قال:( لا عدوى ) فهو على الوجه الذي كانوا يعتقدونه في الجاهلية من إضافة الفعل إلى غير الله تعالى ، وقد يجعل الله بمشيئته مخالطة الصحيح من به شيء من هذه العيوب ، سبباً لحدوث ذلك ، ولهذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( فر من المجذوم فرارك من الأسد ) ، وقال : ( لا يورد ممرض على مصح ) وقال في الطاعون :( من سمع به بأرض فلا يقدم عليه ) وكل ذلك بتقدير الله تعالى" فتح الباري 12/367 .
فالرسول - صلى الله عليه وسلم - لا ينكر العدوى ولا ينفيها ، وعلى الناس ألا يعتقدوا أن العدوى تضر بنفسها ، وإنما تضر بأمر الله تعالى ، فهي سبب من الأسباب .

(3/163)


يحرم الطعن في العلماء
يقول السائل : إنه سمع بعض المدرسين يطعن في الفقهاء ، ويصفهم بأنهم علماء الحيض والنفاس ، لأنهم يتكلمون في مسائل الحيض والنفاس ومسائل الطهارة والصلاة والزكاة ونحوها ، ويهملون على زعمه مسائل مهمة تتعلق بالحكم والسياسة ، فما قولكم في ذلك ؟
الجواب : لا شك لدي بأن قائل هذا الكلام جاهلٌ متغطرس ، لا يعرف منزلة العلم ولا العلماء ، ولا يعرف شيئاً عن جهود العلماء والفقهاء في نشر العلم وتبيانه للناس وأكبر دليلٍ على ذلك كتب العلماء التي خلفوها ، وهي ناطقة بصدق حالهم ، وأنهم أخذوا الإسلام جملةً واحدة ، فما قصروه على جانب واحد من جوانبه ، فإذا استعرضت أي كتاب من كتب فقهائنا وعلمائنا لوجدتها تتحدث عن الأحكام الشرعية في جميع أبواب الفقه ، وليست مقصورة على أحكام الحيض والنفاس ، كما زعم القائل .
إن هذا التطاول على العلماء والفقهاء حرامٌ شرعاً ، و إن من عقيدة أهل السنة والجماعة أنهم يدينون الله سبحانه وتعالى باحترام العلماء الهداة ولا بد أن نعرف لعلمائنا فضلهم .

(3/164)


ما الفضل إلا لأهل العلم إنهم على الهدى لمن استهدى أدلاء
وقدر كل امرئ ما كان يحسنه والجاهلون لأهل العلم أعداء
فالتطاول على العلماء والفقهاء وإيذاؤهم حرامٌ شرعاً ، ويودي بالمتطاول المؤذي للعلماء ، وقد قال بعض أهل العلم : " أعراض العلماء على حفرةٍ من حفر جهنم "
وورد عن ابن عباس رضي الله عنهما : " من آذى فقيهاً ، فقد آذى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومن آذى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقد آذى الله عز وجل " .
ويضاف لما سبق ، أن المتطاول ما عرف مكانة أحكام الحيض والنفاس في الفقه الإسلامي ، وأهميتها وكثرة الأحكام المترتبة على معرفة أحكام الحيض والنفاس .
فقد قال الإمام النووي يرحمه الله : (( إعلم أن باب الحيض من عويص الأبواب ومما غلط فيه كثيرون من الكبار لدقة مسائله واعتنى به المحققون وأفردوه بالتصنيف في كتب مستقلة .
وأفرد أبو الفرج الدارمي من أئمة العراقيين مسألة المتحيرة في مجلد ضخم ليس فيه إلا مسألة المتحيرة وما يتعلق بها ، وأتى فيه بنفائس لم يُسبق إليها ، وحقق أشياء مهمة من أحكامها ، وقد اختصرت أنا مقاصده في كراريس ، وسأذكر في هذا الشرح ما يليق به منها إن شاء الله .
وجمع إمام الحرمين في النهاية في باب الحيض نحو نصف مجلد وقال بعد مسائل الصفرة والكدرة:لا ينبغي للناظر في أحكام الإستحاضة أن يضجر من تكرير الصور وإعادتها في الأبواب .

(3/165)


وبسط أصحابنا رحمهم الله مسائل الحيض أبلغ بسط وأوضحوه كامل إيضاح واعتنوا بتفاريعه أشد اعتناء وبالغوا في تقريب مسائله بتكثير الأمثلة وتكرير الأحكام ، وكنت جمعت في الحيض في شرح المهذب مجلداً كبيراً مشتملاً على نفائس ، ثم رأيت الآن اختصاره والإتيان بمقاصده ، ومقصودي بما نبهت عليه ، ألا يضجر مطالعه بإطالته فإني أحرص إن شاء الله على ألا أطيله إلا بمهمات وقواعد مطلوبات وما ينشرح به قلب من به طلب مليح وقصد صحيح ، ولا ألتفت إلى كراهة ذوي المهانة والبطالة ، فإن مسائل الحيض يكثر الإحتياج إليها لعموم وقوعها وقد رأيت ما لا يحصى من المرات من يسأل من الرجال والنساء عن مسائل دقيقة وقعت فيه ، لا يهتدي إلى الجواب الصحيح فيها ، إلا أفراد من الحذاق المعتنين بباب الحيض ، ومعلوم أن الحيض من الأمور العامة المتكررة ويترتب عليه ما لا يحصى من الأحكام ، كالطهارة والصلاة والقراءة ، والصوم والإعتكاف والحج ، والبلوغ والوطء ، والطلاق والخلع والإيلاء ، وكفارة القتل وغيرها والعدة والإستبراء ، وغير ذلك من الأحكام ، فيجب الإعتناء بما هذه حاله ، وقد قال الدارمي في كتاب المتحيرة : الحيض كتاب ضائع لم يصنف فيه تصنيف يقوم بحقه ويشفي القلب ، وأنا أرجو من فضل الله تعالى أن ما أجمعه في هذا الشرح يقوم بحقه أكمل قيام وإنه لا تقع مسألة إلا وتوجد فيه نصاً أو استنباطاً ، لكن قد يخفى موضعها على من لا تكمل مطالعته وبالله التوفيق )) المجموع 2/344 - 345 .
وقال العلاّمة البركوي: " فقد اتفق الفقهاء على فرضية علم الحال على كل من آمن بالله واليوم الآخر من نسوة ورجال .
فمعرفة أحكام الدماء المختصة بالنساء واجبة عليهن ، وعلى الأزواج والأولياء ولكن هذا العلم كان في زماننا مهجوراً ، بل صار كأن لم يكن شيئاً مذكوراً ، لا يفرقون بين الحيض والنفاس والإستحاضة ...." .

(3/166)


ونقل ابن عابدين عن ابن نجيم قال: " واعلم أن باب الحيض من غوامض الأبواب خصوصاً المتحيرة وتفاريعها ، ولهذا اعتنى به المحققون .
وأفرده محمد بن الحسن الشيباني صاحب أبي حنيفة رحمه الله في كتاب مستقل ومعرفة مسائله من أعظم المهمات ، لما يترتب عليها مما لا يحصى من الأحكام ، كالطهارة والصلاة وقراءة القرآن والصوم والاعتكاف والحج والبلوغ والوطء والطلاق والعدة والإستبراء ، وغير ذلك من الأحكام ، وكان من أعظم الواجبات لأن عظم منزلة العلم بالشيء بحسب منزلة ضرر الجهل به ، وضرر الجهل بمسائل الحيض أشد من ضرر الجهل بغيرها ، فيجب الاعتناء بمعرفتها وإن كان الكلام فيها طويلاً ، فإن المحصل يتشوف إلى ذلك ولا التفات إلى كراهة أهل البطالة " انظر الرسالة الرابعة من مجموعة رسائل ابن عابدين المسماة منهل الواردين من بحار الفيض ، على ذخر المتأهلين في مسائل الحيض ص69 - 70 .
وأخيراً ، فإن على طلبة العلم أن يتأدبوا مع العلماء ، ويعرفوا للعلماء مكانتهم وفضلهم: ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعلَمُونَ ) سورة الزمر /9 .
وقال تعالى:( يَرْفَعْ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ )سورة المجادلة 11
قال الحافظ ابن عساكر يرحمه الله: " اعلم يا أخي وفقني الله وإياك لمرضاته وجعلني وإياك ممن يخشاه ويتقيه حق تقاته أن لحوم العلماء مسمومة ، وعادة الله في هتك أستار منتقصيهم معلومة ، وأن من أطلق لسانه في العلماء بالثلب بلاه الله قبل موته بموت القلب ( فَلْيَحْذَرْ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) سورة النور /63 .

(3/167)


الفرق بين كبائر الذنوب وصغائرها
يقول السائل : ما المقصود بكبائر الذنوب ، وما الفرق بينها وبين صغائر الذنوب وما هي كبائر الذنوب ؟
الجواب : ينبغي أن يعلم أولاً أن كل مخالفة لأوامر الله أو نواهيه قبيحة ، سواءً كان الذنب كبيراً أو صغيراً ، وعلى المسلم أن يعلم أنه عندما يرتكب ذنباً أنه يعصي الله عز وجل ، وقد قال بعض السلف: " لا تنظر إلى صغر الذنب ، ولكن انظر من عصيت " .
فالمسلم ملتزم بشرع الله التزاماً كاملاً ولا يدفعه أن هذا الذنب صغير إلى التساهل في الوقوع في المعاصي ، فإن الله عز وجل قال: ( مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا ) سورة النساء /123 .
فالأصل في المسلم أن يجتنب كل ما نهى الشارع الحكيم عنه ، ويدل على ذلك ما ثبت في الحديث الصحيح أن عليه الصلاة والسلام قال: ( ما نهيتكم عنه فاجتنبوه ، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم ) رواه البخاري ومسلم .
إذا تقرر ذلك فأقول إن جماهير العلماء قالوا: إن المعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر ، وقد اختلفوا في حقيقة الكبيرة ، وهذه بعض أقوالهم:
فمنهم من يرى أن الكبيرة هي ما لحق صاحبها بخصوصها وعيد شديد بنص من القرآن الكريم أو السنة النبوية ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : " الكبيرة كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب " تفسير القرطبي 5/159 .
ومن العلماء من يرى أن الكبيرة هي كل معصية أوجبت الحد .
ومنهم من يرى أن الكبيرة هي كل محرم لعينه منهيٌ عنه لمعنى في نفسه فأن فعل على وجه يجمع وجهين أو وجوهاً من التحريم كان فاحشة ، فالزنا كبيرة ، وأن يزني الرجل بزوجة جاره فاحشة .
وقال المفسر الواحدي: " الصحيح أن الكبيرة ليس لها حد يعرفها العباد به ، وإلا لاقتحم الناس الصغائر واستباحوها ، ولكن الله عز وجل أخفى ذلك عن العباد ليجتهدوا في اجتناب المنهي عنه رجاءً أن تجتنب الكبائر ، ونظائره إخفاء الصلاة الوسطى وليلة القدر وساعة الإجابة ونحو ذلك ، وغير ذلك من الأقوال " الزواجر عن اقتراف الكبائر 1/14 - 16 .

(3/168)


وكل ما ذكره أهل العلم في تعريف الكبيرة إنما هو على وجه التقريب ، وليس على وجه التحديد .
وكبائر الذنوب كثيرة ، وليس محصورة في عدد معين عند أهل العلم ، وإن ذكر في بعض الأحاديث عددها ، فليس المراد الحصر ، فمن ذلك ما ورد في الحديث ، عن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: ( ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثاً ، الإشراك بالله ، وعقوق الوالدين ، وشهادة الزور أو قول الزور ، وكان رسول الله متكئاً فجلس ، فما زال يكررها حتى قلنا يا ليته سكت ) رواه البخاري ومسلم .
وعن أنس ابن مالك - رضي الله عنه - قال: ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الكبائر أو سئل عن الكبائر فقال : ( الشرك بالله وقتل النفس وعقوق الوالدين وقال ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ؟ قال قول الزور ، أو قال شهادة الزور ) رواه مسلم .
وعن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( اجتنبوا السبع الموبقات ، قيل يا رسول الله وما هن ؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله قتلها إلا بالحق ، وأكل مال اليتيم ، وأكل الربا ، والتولي يوم الزحف ، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات ) رواه البخاري ومسلم .
قال الإمام النووي: " وأما قوله - صلى الله عليه وسلم - (الكبائر سبع) فالمراد به من الكبائر سبع، فإن هذه الصيغة وإن كانت للعموم ، فهي مخصوصة بلا شك ، وإنما وقع الاقتصار على هذه السبع وفي الأخرى ثلاث ، وفي الرواية الأخرى أربع ، لكونها من أفحش الكبائر مع كثرة وقوعها لا سيما فيما كانت عليه الجاهلية ولم يذكر في بعضها ما ذكر في الأخرى ، وهذا مصرح بما ذكرته من أن المراد البعض" شرح النووي على صحيح مسلم 1/264 .
ويؤيد عدم انحصار الكبائر في سبع أو ثلاث أو أربع ما ورد عن ابن عباس - رضي الله عنه - ، أنه لما سئل عن الكبائر أسبع هي ؟ فقال: هي إلى سبعين أقرب .
وقال سعيد بن جبير: قال رجل لابن عباس الكبائر سبع ؟ قال: هي إلى سبعمائة أقرب منها إلى السبع ، غير أنه لا كبيرة مع استغفار ولا صغيرة مع إصرار " تفسير القرطبي 5/159 .
وهذا هو الراجح إن شاء الله ، وهو أن الكبائر ليست محصورة في عدد معين ، وقد ذكر الإمام ابن حجر المكي يرحمه الله عدداً كبيراً من الذنوب التي تعد من الكبائر وساق الأدلة على ذلك فمن أراد الاستزادة فليرجع إلى كتابه القيم الزواجر عن اقتراف الكبائر .

(3/169)


حكم الإكرام بالقيام
يقول السائل : ما حكم قيام الناس لشخص يدخل إلى مجلسهم ؟
الجواب : يجوز القيام للقادم إذا كان القيام بقصد إكرام أهل الفضل كالعلماء والوالدين لأن احترام هؤلاء وأمثالهم مطلوب شرعاً .
وقد ثبت في الحديث الصحيح ، عن أبي سعيد الخدري ، أن أهل قريظة نزلوا على حكم سعد ، فأرسل النبي - صلى الله عليه وسلم - إليه فجاء ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( قوموا إلى سيدكم ، أو قال خيركم .... الحديث ) رواه البخاري ومسلم واللفظ للبخاري .
قال الإمام النووي: " قوله - صلى الله عليه وسلم - : قوموا إلى سيدكم أو خيركم فيه إكرام أهل الفضل وتلقيهم بالقيام لهم إذا أقبلوا ، هكذا احتج به جماهير العلماء لاستحباب القيام .... ، قلت القيام للقادم من أهل الفضل مستحب ، وقد جاء فيه أحاديث ولم يصح في النهي عنه شيء صريح " شرح النووي على صحيح مسلم 12/440 .

(3/170)


ويدل على ذلك ما ورد في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت : ( ما رأيت أحداً من الناس كان أشبه بالنبي - صلى الله عليه وسلم - كلاماً ولا حديثاً ولا جلسة من فاطمة، قالت كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا رأها قد أقبلت ، رحب بها ثم قام إليها فقبلها ، ثم أخذ بيدها فجاء بها حتى يجلسها في مكانه ، وكانت إذا أتاها النبي - صلى الله عليه وسلم - رحبت به ، ثم قامت إليه فأخذت بيده فقبلته .... ) رواه أبو داود والترمذي ، وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني ، انظر صحيح الأدب المفرد ص356.
ويؤيد ذلك ما جاء في الحديث الطويل في قصة توبة كعب بن مالك ، حين تخلف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك ، فتاب الله عليه ، وفيه: ( وآذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بتوبة الله علينا حين صلى صلاة الفجر ، فتلقاني الناس فوجاً فوجاً يهنئوني بالتوبة يقولون: لتهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد ، فإذا برسول الله - صلى الله عليه وسلم - وحوله الناس ، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني .... ) رواه البخاري ومسلم وغير ذلك من الأحاديث .
وينبغي التنبيه ، أنه ورد النهي عن القيام للقادم إذا كان بقصد المباهاة والتفاخر والسمعة والكبرياء ، فقد ورد في الحديث عن معاوية بن أبي سفيان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( من سرّه أن يتمثل له الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار ) رواه أبو داود والترمذي وحسنه .
وقد جعل ابن رشد المالكي ، القيام للقادم على أربعة أوجه :
1 - محظور ، وهو أن يقع لمن يريد أن يقام له تكبراً وتعاظماً على القائمين إليه .
2 - مكروه ، وهو أن يقع لمن لا يتكبر ولا يتعاظم على القائمين ، ولكن يخشى أن يدخل إلى نفسه بسبب ذلك ما يحذر ، ولما فيه من التشبه بالجبابرة .
3 - جائز ، وهو أن يقع على سبيل البر والإكرام لمن لا يريد ذلك ، ويؤمن معه التشبه بالجبابرة .
4 - مندوب ، وهو أن يقوم لمن قدم من سفر فرحاً بقدومه ، أو إلى من تجددت له نعمة ، فهنئه بحصولها ، أو مصيبة فيعزيه بسببها . " فتح الباري 13/290 .
قال الشيخ أحمد بن قدامة المقدسي: " وقد قال العلماء: يستحب القيام للوالدين والإمام العادل ، وفضلاء الناس ، وقد صار هذا كالشعار بين الأفاضل ، فإذا تركه الإنسان في حق من يصلح أن يفعله في حقه ، لم يأمن أن ينسبه إلى إهانته والتقصير في حقه ، فيوجب ذلك حقداً ، واستحباب هذا في حق القادم لا يمنع الذي يقام له أن يكره ذلك ويرى أنه ليس بأهل لذلك " مختصر منهاج القاصدين ص 251 .

(3/171)


فساد ذات البين
يقول السائل : ما المراد بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحديث : ( فإن فساد البين هي الحالقة ، لا أقول تحلق الشعر ، ولكن تحلق الدين ) ؟
الجواب : إن المذكور في السؤال جزء من حديث رواه أبو داود والترمذي وغيرهما عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة ؟ قالوا بلى يا رسول الله ، قال: إصلاح ذات البين ، فإن فساد ذات البين هي الحالقة ) قال الترمذي هذا حديث صحيح .
وقال: يروى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( هي الحالقة لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين ) .
وهذا الحديث فيه حث وترغيب على إصلاح ذات البين وقوله عليه الصلاة والسلام: ( فإن فساد ذات البين هي الحالقة ) ، أي هي الخصلة التي من شأنها أن تحلق الدين وتستأصله كما يستأصل الموسى الشعر، كما قال صاحب ، عون المعبود 13/178 .
وقال ابن منظور: " الحالقة أي التي من شأنها أن تحلق أي تهلك وتستأصل الدين كما تستأصل الموسى الشعر .... " لسان العرب 3/293 .

(3/172)


استخدام الجن في العلاج
يقول السائل : يدّعي بعض الناس معالجة المرضى ، عن طريق استخدام الجن وقراءة القرآن على الماء أو على بعض الأشربة ، وكذلك القراءة على بعض الأدوات كالموسى ، فما قولكم في ذلك ؟
الجواب : لقد كثر في زماننا هذا الذين يدَّعون العلاج بالقرآن الكريم ، والذين يدَّعون أنهم يتعاملون مع الجن في معالجة المرضى ، وأكثر هؤلاء من الدجالين والمشعوذين الذين يستغلون جهل الناس وضعف المرضى ، فيبتزونهم ويأخذون منهم الأموال الكثيرة بغير حق ويرتكبون مخالفات شرعية كثيرة ، ولا بد من توضيح الأمور التالية :
1 - إذا مرض الإنسان فعليه مراجعة الأطباء أهل الاختصاص ، لأن الله تعالى خلق الداء والدواء ، فقد جاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( ما أنزل الله من داء ، إلا أنزل له شفاء ) رواه البخاري ومسلم .
وجاء في حديث آخر أن النبي- صلى الله عليه وسلم - قال : ( لكل داء دواء ، فإذا أصيب دواء الداء ، برأ بإذن الله ) رواه مسلم .
2 - إن العلاج بالقرآن والرقية بآياته من الأمور المشروعة ، يقول الله سبحانه وتعالى : ( وَنُنَزِّلُ مِنْ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا ) سورة الإسراء /82 .

(3/173)


وروى الإمام البخاري في صحيحه ، عن أبي سعيد الخدري- رضي الله عنه - ، أن رهطاً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انطلقوا في سفرة سافروها حتى نزلوا بحي من أحياء العرب ، فاستضافوهم فأبوا أن يضيفوهم ، فلدغ سيد ذلك الحي ، فسعوا له بكل شيء لا ينفعه شيء ، فقال بعضهم: لو أتيتم هؤلاء الرهط الذين قد نزلوا بكم لعله أن عند بعضهم شيء فأتوهم فقالوا: يا أيها الرهط ، إن سيدنا لدغ فسعينا له بكل شيء لا ينفعه شيء ، فهل عند أحدكم شيء ، فقال بعضهم: نعم والله إني لراق ، ولكن والله لقد استضفناكم فلم تضيفونا ، فما أنا براق لكم حتى تجعلوا لنا جعلاً ، فصالحهم على قطيع من الغنم فانطلق فجعل يتفل ويقرأ ( الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمينَ ) حتى لكأنما نشط من عقال ، فانطلق يمشي ما به قلبة ، قال فأوفوهم جعلهم الذي صالحوهم عليه ، فقال بعضهم: أقسموا ، فقال الذي رقى لا تفعلوا حتى نأتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنذكر له الذي كان ، فننظر ما يأمرنا ، فقدموا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكروا له فقال: ( وما يدريك أنها رقية ، أصبتم ، اقسموا واضربوا لي معكم بسهم ) .
وثبت في الحديث الصحيح ، عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا مرض أحد من أهله نفث عليه بالمعوذتين ) رواه مسلم .

(3/174)


3 - لا ينبغي لأحد من الناس أن يتفرغ لعلاج الناس بالرقى القرآنية أو بالأذكار الواردة ، والإعلان عن نفسه بأنه المعالج بالقرآن والبديل الشرعي لفك السحر ومس الجان والعين والعقم والأمراض المستعصية ، أو يعلن عن نفسه العيادة القرآنية ، ويوزع الكروت ، ويحدد المواعيد كالأطباء المختصين ، لأن ذلك ليس من منهج الصحابة والتابعين والصالحين ، ولم يكن معروفاً مثل هذا التفرغ عندهم مع أن الناس لا زالوا يمرضون على مر العصور والأزمان ، ولأن فتح هذا الباب قد يؤدي إلى مفاسد كثيرة ، ويلج منه الدجالون والمشعوذون وأمثالهم .
4 - لا بأس بقراءة آيات من القرآن الكريم على إناء فيه ماء ، ثم يشربه المريض ويغتسل به قال ابن القيم: " ورأى جماعة من السلف أن يكتب له الآيات من القرآن ثم يشربها قال مجاهد: لا بأس أن يكتب القرآن ويغسله ويسقيه المريض ومثله عن أبي قلابة " .
5 - إن مس الجن للإنسان ثابت ، وقد قامت الأدلة على ذلك من كتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، والواقع يؤيد ذلك .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: " وليس في أئمة المسلمين من ينكر دخول الجن في بدن المصروع وغيره ، ومن أنكر ذلك وادعى أن الشرع يكذب ذلك ، فقد كذب على الشرع ، وليس في الأدلة الشرعية ما ينفي ذلك " مجموع الفتاوى 24/276 .
ويكون العلاج من صرع الجن للإنسان بقراءة الآيات القرآنية والأوراد النبوية الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - .
6 - لا يجوز اللجوء لأي إنسان يدعي المعالجة بالقرآن أو أنه يستطيع إخراج الجن من المصروع إلا بعد التأكد أن هذا الشخص من الصالحين الملتزمين بكتاب الله وسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وأنه يتبع الطرق المشروعة في الرقية والعلاج ولا يستخدم شياطين الجن الذين لا يخدمونه إلا إذا وقع في المحرمات .
وكذلك فإن بعض هؤلاء المعالجين يستخدمون الطلاسم في المعالجة ، أو يذكرون كلاماً غير مفهوم المعنى ، فهذا لا يجوز استعماله .

(3/175)


حديث مكذوب على الرسول - صلى الله عليه وسلم -
يقول السائل: يتداول بعض الخطباء والمدرسين حديثاً عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو ( الناس كلهم هلكى إلا العالمون ، والعالمون كلهم هلكى إلا العاملون ، والعاملون كلهم هلكى إلا المخلصون ، والمخلصون على خطر عظيم ) فهل هذا الحديث ثابت عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - ؟
الجواب : هذا الحديث حديث مكذوب على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قال الصغاني: "وهذا الحديث مفترى ملحون والصواب في الإعراب العالمين والعاملين والمخلصين ".
وقال الشيخ الألباني: موضوع أي مكذوب ، انظر سلسلة الأحاديث الضعيفة1/102 وكشف الخفاء2/312 .

(3/176)


صيغة مكذوبة في الصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم -
يقول السائل : وزع بعض الناس الورقة المطبوعة التالية ، وفيها صيغة للصلاة على النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فهل هذه الصيغة واردة عن الرسول عليه الصلاة والسلام ؟ ونصها كما يلي :
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد المرسلين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد المرسلين
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الشاهدين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الخائفين
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الخاشعين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الطائعين
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد التائبين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد العابدين
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الحامدين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الصالحين
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الراكعين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الساجدين
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد القائمين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد القاعدين

(3/176)


اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد المتقين. اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد المستغفرين
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد النادمين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الشاكرين
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الحافظين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الذاكرين
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد العاقلين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد المحسنين
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الأكرمين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد المنذرين
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد المبشرين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد الطيبين
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد النبيين. اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيد العالمين
اللهم صل وسلم على سيدنا محمد سيدنا النبي الزكي النقي اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد القرشي الهاشمي اللهم صل وسلم على سيدنا محمد المدني العربي المكرم يوم القيامة اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد سيد أهل الجنة اللهم صل وسلم على سيدنا محمد صاحب المقام المحمود اللهم صل وسلم على سيدنا صاحب الصراط المستقيم اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد أفضل الأولين والآخرين اللهم صل وسلم على سيدنا محمد وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وعلى جميع الملائكة المقربين ، وعلى عباد الله الصالحين من أهل السماوات وأهل الأرضين وعلينا معهم أجمعين برحمتك يا أرحم الراحمين ، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين- صلى الله عليه وسلم - .
روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: ( والذي بعثني بالحق بشيراً ونذيراً من دعا بهذه الصلاة في عمره مرةً أو ساعةً أو جمعةً أو شهراً إلا أدخله الله الجنة بغير حساب وقال - صلى الله عليه وسلم - من كتبها وعلقها على نفسه كفاه الله شر من يخاف ، ومن مات وجعلها في كفنه كانت له شهيداً يوم القيامة ويوكل الله به ملائكة يحفظونه من كل هول وشدة .

(3/177)


وقال - صلى الله عليه وسلم - بينما أنا أصلي خلف المقام فلما فرغت دعوت الله عز وجل ، وسألته المغفرة لأمتي إنه غفور رحيم ، فنزل عليَّ جبريل عليه السلام فقلت يا أخي يا جبريل أنت حبيبي وحبيب أمتي ، علمني شيئاً يكون لي ولأمتي من بعدي ، لينالوا إحساناً لهم ورحمة بهم ، فقال جبريل عليه السلام ، ما من مسلم يدعو بهذه الصلاة في عمره مرة واحدةً إلا جاء يوم القيامة ووجهه يتلألأ نوراً كالقمر ليلة البدر ، فيتعجب الناس منه ويقولون هذا نبي مرسل أو ملك مقرب ، إنه عبد دعا بهذه الصلاة في عمره مرةً .
وقال جبريل عليه السلام يا محمد ما دعا بهذه الصلاة أحد خمسة عشر مرة في عمره إلا قمت أنا وأنت يوم القيامة على قبره ويهدي الله فرساً من الجنة سرجها من الياقوت الأحمر فيأتونه ويقولون يا عبد الله ما جزاؤك اليوم إلى الجنة إنزل في جوار النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم قال جبريل يا محمد هذه الصلاة فيها اسم الله الأعظم فمن قرأها كان آمناً يوم القيامة من الفزع الأكبر ومن عذاب القبر .

(3/178)


وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يا أخي يا جبريل ما ثواب من يدعو بهذ الصلاة ، فقال يا محمد سألتني عن شيء لا يعلمه إلا الله تعالى ، يا محمد لو كانت الأشجار أقلاماً والبحار مداداً والجن والإنس كتاباً ما قدروا على كتابة ثواب هذه الصلاة يا محمد ما من أحد من أمتك يدعو بهذه الصلاة إلا كتب الله له ثواب أربعة من الملائكة واربعة من الأنبياء فأما الأنبياء فثوابك يا محمد صلوات الله عليك وسلامه وموسى وعيسى وإبراهيم صلوات الله عليهم أجمعين وأما الملائكة فثوابي أنا وميكائيل واسرافيل وعزرائيل عليهم السلام فعجبت من هذه الصلاة وأن الملائكة يستغفرون لمن يدعو بها ثم قال الرسول- صلى الله عليه وسلم - من كان يؤمن بالله واليوم الآخر ولم يؤمن بهذه الصلاة فأنا بريء منه وهو بريء مني ومن كانت هذه الصلاة عنده ولم يعلمها للمسلمين فأنا بريء منه وهو بريء مني وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك هذه الصلاة يوماً قط وقال عثمان بن عفان - رضي الله عنه - كنت لم أحفظ القرآن فعلمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذه الصلاة فرزقني الله حفظ القرأن ......الخ )).
الجواب : هذه الصيغة في الصلاة والسلام على النبي- صلى الله عليه وسلم - صيغة باطلة لم ترد عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهي افتراء وكذب على الرسول- صلى الله عليه وسلم - وتعتبر من الغلو في الدين ، حيث قال - صلى الله عليه وسلم - : ( إياكم والغلو في الدين ، فإنما هلك من كان قبلكم بالغلو في الدين ) رواه أحمد والنسائي وابن ماجة والحاكم وقال صحيح على شرط الشيخين وصححه الإمام النووي .
وقد وردت صيغ معتمدة عند المحدثين في الصلاة على النبي- صلى الله عليه وسلم - تغني عن هذه الصورة الباطلة ، فعلى المسلم أن يلتزم بالصيغ الصحيحة ، ويتجنب الصيغ المكذوبة ، فإن الخير كل الخير في الإتباع ، والشر كل الشر في الإبتداع .

(3/179)