صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : فتاوى واستشارات موقع الإسلام اليوم
المؤلف : علماء و طلبة علم
الناشر : موقع الإسلام اليوم
مصدر الكتاب : www.islamtoday.net

هل أحرق الإمام علي بعض الخوارج؟
المجيب د. عبد الله بن المحفوظ بن بيه
وزير العدل في موريتانيا سابقاً
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التاريخ : حوادث وعبر
التاريخ 27/04/1425هـ
السؤال
قرأت في أحد المواقع على الشبكة أن علياً بن أبي طالب -رضي الله عنه- أحرق بعض الخارجين عليه أثناء فترة خلافته، وهذا الشيء سبب لي حيرة بسبب الحديث الذي نعرفه أن النبي -صلى الله عليه وسلم- نهى عن التعذيب بالنار؛ لأنه شرك، فكيف يفعل علي -رضي الله عنه- ذلك؟.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
هذا الأثر ذكره الإمام البخاري (6922) عن عكرمة قال: أتى علي - رضي الله عنه - بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس - رضي الله عنهما - فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تعذبوا بعذاب الله" ولقتلتهم ، لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - "من بدل دينه فاقتلوه". فأمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- لما ضل فيه الضُّلَّال السبئية أصحاب عبد الله بن سبأ اليهودي واعتقدوا فيه - والعياذ بالله - الربوبية وشيئاً من هذا القبيل أشعل ناراً، وقال في ذلك:
لما رأيت الأمر أمراً منكراً *** أوقدت ناري ودعوت قنبرا
إضافة إلى أن هذه المسألة تعتبر من قضايا الأعيان التي لا عموم لها كما يقول الشاطبي، والحديث عموماً توجد اختلافات كثيرة في تأويله هل حرقهم بعد أن قتلهم أو هل همّ بحرقهم ولم يفعل .. وأياً كان الأمر فهو اجتهاد صحابي لا علاقة له بالشرك، وحرق الإنسان لا يجوز شرعاً، لكنه ليس شركاً، الشرك هو أن تعبد مع الله إلهاً آخر، أو أن تعتقد آلهة مع الله - سبحانه وتعالى- نعم نهى النبي - صلى الله عليه وسلم- عن الحرق فقال: "إن النار لا يعذب بها إلا الله .." الحديث رواه البخاري (3016)، وليس معنى ذلك أن من أحرق بالنار فهو مشرك، لكن معناه أن هذه العقوبة هي عقوبة أخروية وليست عقوبة دنيوية، هذا الذي يجب أن نعتقده، فالمسألة ليست من باب الشرك، وكما سبق قد لا يثبت هذا التأويل حيث يحتمل أنه هم بتحريقهم ولم يفعل أو أراد تحريقهم بعد قتلهم، وإذا ما ثبت أنه حرقهم فيكون من اجتهاد الصحابي - رضي الله عنه - الذي يخالف نصاً، والمآل إلى نص الشارع، وليس إلى اجتهاد أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا خالفت اجتهاداتهم نصوصاً في الشرع مع اعتقاد أنهم -رضي الله عنهم- مجتهدون،وأنهم كانوا يتصرفون طبقاً لهذا الاجتهاد، وأنهم كانوا هداة.

(13/478)


المراد بـ (السامية)
المجيب د.حمود بن غزاي الحربي
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التاريخ : حوادث وعبر
التاريخ 07/09/1425هـ
السؤال
أود أن أسأل عن تعريف أو بيان لمصطلح (السامية) نسبة إلى ما يطرح عن ( سام) ونحو ذلك. ولكم جزيل تحياتي.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
مصطلح السامية ينسب إلى (سام)؛ أحد أبناء نوح الثلاثة: (سام) و (حام) و (يافث). والشعوب السامية هي الشعوب التي سكنت فلسطين مثل الكنعانيين والعموريين والمؤابيين، ولذلك يطلق هذا المصطلح على شعوب مختلفة الجنس، كما أنه يطلق على لغات تلك الأمم والشعوب، لكن اليهود يحاولون إبقاء هذا المصطلح خاصًّا بهم؛ لأنهم يرفضون الذوبان في الأمم الأخرى، بيد أن الواقع المعاصر الحديث يرفض هذا التعصب اليهودي، فاليهود يندمجون في أكبر تجمع لهم، وهو الولايات المتحدة الأمريكية، في الشعوب الأخرى، لاسيما بعدما أصبح الزواج المدني مباحًا وقانونيًّا، وهذا أمر لا يقبله اليهود؛ لأنه سيسقط فكرة الاضطهاد التي رسموها في عقول الآخرين، وهذا هو الدافع من وراء اتهام المنظمات اليهودية لكل ما تراه معارضًا لصالحها فتفسره بأنه معاداة للسامية، كما فعل (إبراهام فوكسمان) المدير العام لرابطة مناهضة تشويه السمعة، عندما احتج على خطاب رئيس وزراء ماليزيا (محمد مهاتير) بقوله: إن خطاب مهاتير دعوة 1.3بليون مسلم إلى حرب عالمية ضد اليهود، إنها معاداة بشعة للسامية على نطاق عالمي. والله أعلم.

(13/479)


أيهما بُني أولاً: المسجد الأقصى أم قبة الصخرة؟
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التاريخ : حوادث وعبر
التاريخ 08/09/1426هـ
السؤال
أيهما بني أولاً مسجد قبة الصخرة أم المسجد الأقصى؟ ومن بنى كل منهما؟ وما هي أهميتهما الدينية في الإسلام؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:
فالمسجد الأقصى بني قبل مسجد قبة الصخرة بزمن طويل، ففي حديث أبي ذر -رضي الله عنه- قال: قلت يا رسول الله أي مسجدٍ وضع في الأرض أول؟ قال: "المسجد الحرام"، قال: قلت: ثم أي؟ قال: "المسجد الأقصى"، قلت: كم كان بينهما؟ قال: "أربعون سنةً..." أخرجه البخاري (3366)، ومسلم (520).
وهذا الحديث يدل على تقدم بناء المسجد الأقصى، وقد ذكر ابن كثير وغيره أن أول من بناه يعقوب عليه السلام، ثم جُدِّد بناؤه في زمن سليمان عليه السلام، وقد بناه سليمان على قاعدة سداسية الشكل، ويقال إن هذا هو أصل اتخاذ اليهود للنجمة السداسية شعاراً لهم.
والمعروف تاريخياً أن ذلك المعبد قد دمر مرتين، المرة الأولى على يد الملك البابلي "بختنصر" عام (587 قبل الميلاد)، والمرة الثانية عام (70ميلادي) على يد الإمبراطور الروماني "طيطس"، حيث دمره تدميراً كاملاً، ولم يبق منه إلا جزء من السور في الجهة الجنوبية الغربية لساحة المعبد، وقد جاء ذكر التدميرين (الأول والثاني) في القرآن الكريم في أول سورة الإسراء.
وظل مكان الهيكل فضاءً خالياً من أي بناء بقية عهد الرومان النصاري.
وقد حدث الإسراء والمعراج بالنبي صلى -الله عليه وسلم- في عهد الحاكم الروماني "هرقل" عام (621ميلادي) وكان المكان ما زال خالياً من أي بناء، إلا أنه محاط بسور، وهو الذي رُبط فيه (البراق) في ليلة الإسراء والمعراج، وهو نفسه السور الذي تسميه اليهود اليوم بـ (حائط المبكى)، وفيه أبواب داخله ساحات واسعة هي المقصودة بالمسجد الأقصى في قوله -تعالى-: "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير" [الإسراء:1]. وقد ظل المكان معروفاً مقدساً في داخله الصخرة رغم زوال الآثار.
ثم جاء الفتح الإسلامي لبيت المقدس صلحاً في عهد عمر -رضي الله عنه- سنة (16هـ/ 637)، وطلب عمر -رضي الله عنه- من أحد بطريرك القدس أن يدله على مسجد داود (يعني المسجد الأقصى)، فانطلق به حتى انتهى إلى مكان الباب، وقد انحدر الزبل على درج الباب، فتجشم عمر -رضي الله عنه- حتى دخل ونظر، فقال: الله أكبر، هذا والذي نفسي بيده مسجد داود الذي أخبرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه أسري به إليه، ثم أخذ عمر -رضي الله عنه- والمسلمون يكنسون الزبل عن الصخرة حتى ظهرت كلها... ففي مسند الأمام أحمد (261) بسند حسن أن عمر -رضي الله عنه- قال لكعب -رضي الله عنه- بعد فتح بيت المقدس: أين أصلي؟ قال: إن أخذت عني صليت خلف الصخرة، فكانت القدس كلها بين يديك، فقال: عمر: ضاهيت اليهودية، لا ولكن أصلي حيث صلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط رداءه، وكنس الكناسة في ردائه وكنس الناس.

(13/480)


وبقي المسجد الأقصى على حالته بعد الفتح الإسلامي، إلى أن جاء الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان فبدأ بناء المسجد الأقصى سنة (66هـ) على صورته القائمة اليوم.
وأما الصخرة فأول من بنى فوقها مسجداً في العصر الإسلامي عبد الملك بن مروان (65-86هـ/684-705م)، حيث بدأ العمل في بنائها سنة (66هـ/ 685م)، وتم الفراغ منها سنة (72هـ/691م)، وصرف على بنائها خراج مصر لسبع سنين، وهذه القبة مبنية على الصخرة المشرفة التي عرج عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ليلة الإسراء والمعراج، وهذا المسجد معروف بمسجد الصخرة، والمشهور بقبته الذهبية على المبنى المثمن.
وتعتبر قبة الصخرة المشرفة إحدى أهم المعالم المعمارية الإسلامية.
والمسجد الأقصى كما هو معلوم له فضائل، فهو أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، وهو الذي أُسري بالنبي -صلى الله عليه وسلم- منه، وورد في حديث عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- مرفوعاً، بإسناد صحيح: "إن سليمان بن داود -عليهما السلام- سأل الله ثلاثاً أعطاه اثنتين، ونحن نرجو أن تكون له الثلاثة: فسأله حكماً يصادف حكمه، فأعطاه الله إياه، وسأله ملكاً لا ينبغي لأحدٍ من بعده، فأعطاه إياه، وسأله أيما رجلٍ خرج من بيته لا يريد إلا الصلاة في هذا المسجد خرج من خطيئته مثل يوم ولدته أمه، فنحن نرجو أن يكون الله عز وجل قد أعطاه إياه". أخرجه أحمد (6357)
هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

(13/481)


تحول الخلافة إلى ملكية
المجيب د. فهد بن عبدالرحمن اليحيى
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التاريخ : حوادث وعبر
التاريخ 16/6/1425هـ
السؤال
عندي سؤال مهم عن طريقة الحكم في الإسلام: كيف تحوَّلت الخلافة إلى ملكية؟.
الجواب
الحمد لله، وبعد:
فهذا السؤال يحتاج جوابه إلى شرح يطول لفهم مقدمات في هذا الشأن لا بد منها، ولكن لا بأس بإيجاز بعض ما ينبغي معرفته في جواب هذا السؤال:
1- طريقة الحكم في الإسلام تكلم عنها العلماء، إما ضمن مؤلفات العقيدة أو في مؤلفات مستقلة كالأحكام السلطانية للماوردي وغيره، وليس من اليسير شرح ذلك في مثل هذا الجواب.
2- تحول الخلافة إلى ملكية -على حد قول السائل - لا علاقة له بطريقة الحكم في الإسلام، وإنما هو حدث تاريخي له أسبابه وملابساته.
3- جواباً على سؤال كيف تحولت الخلافة إلى ملكية؟ أقول: بأن ذلك مبني على الفرق بين الخلافة والملكية، ويظهر لي أن السائل يعني بالخلافة أن يتم نصب الخليفة عن طريق الاختيار أو الترشح، والانتخابات من قبل أهل الحل والعقد، وأما الملكية فهي أن يكون الملك وراثياً من عائلة واحدة.
وإذا كان جواب مثل هذا السؤال -كما أشرت من قبل - هو على اعتباره حدثاً تاريخياً فينبغي الرجوع فيه إلى أهل التخصص في التاريخ الإسلامي، ومع ذلك فينبغي مراعاة النقاط التالية.
4- قد يجترئ البعض على الصحابة - رضي الله عنهم- عند حديثه عن مثل هذه الموضوعات، وهذا لا يليق بالمسلم الذي يجب عليه اعتقاد عدالة الصحابة - رضي الله عنهم-، وأن يحمل ما صدر عنهم على الاجتهاد الذي لا يخرج عن الأجر أو الأجرين، ولذا إذا كان مثل هذا السؤال أو غيره لا فائدة منه ولا يترتب عليه كبير عمل، فلا حاجة له.
5- في مقدمة ابن خلدون (ص202) قال الفصل الثامن والعشرون في انقلاب الخلافة إلى الملك، فلعلك أن ترجع إليه؛ فلربما كان فيه بيان لبعض ما تريد، ومما قال ابن خلدون في هذا الفصل: (...وكذلك عهد معاوية -رضي الله عنه- إلى يزيد خوفاً من افتراق الكلمة بما كانت بنو أمية لم يرضوا تسليم الأمر إلى من سواهم، فلو قد عهد إلى غيره اختلفوا عليه، مع أن ظنهم كان به صالحاً، ولا يرتاب أحد في ذلك، ولا يظن بمعاوية -رضي الله عنه- غيره، فلم يكن ليعهد إليه وهو يعتقد ما كان عليه من الفسق حاشا لله لمعاوية من ذلك) ا.هـ.
6- جاء في سنن أبي داود(4646) والترمذي(2226)، وغيرهما عن سفينة -رضي الله عنه- مولى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "خلافة النبوة ثلاثون سنة، ثم يؤتي الله الملك أو ملكه من يشاء"، وهذا الحديث مختلف. والله أعلم.

(13/482)


هَرْمجدّون في عقائد يهود
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التاريخ : حوادث وعبر
التاريخ 04/08/1425هـ
السؤال
السلام عليكم.
ما الهَرْمجدّون؟ وهل جرت أحداثها أم أنها ستجري في المستقبل؟
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
(هَرْمجدّون) كلمة مكوّنة من (هَرْ) العبرية، وتعني الجبل أو التلّ، و(مجدّو) الكنعانية، بمعنى موضع الجيوش ومخيّمها، وهو تلّ معروف بفلسطين، يقال له اليوم تلّ المتسلِّم، على بعد 30 ميلاً شرقي ساحل البحر الأبيض المتوسط. وهي أفضل ممر يربط مصر بسوريا والشمال، ولذلك كانت موضع غزوات كثيرة قديمًا. وهي اليوم خراب، وتبعد عن تلّ أبيت 55 ميلاً، وليس لهذا الاسم ذكر في نصوص الكتاب والسنّة، وليس عند المسلمين اعتقاد خاص بهذا الموضع على التحديد .
لكن لهذا الموضع عند النصارى تصوّرٌ مستمدّ من كتابهم المقدّس عندهم، ومن رؤيا يوحنّا، التي تبشر بمذبحةٍ عظيمةٍ لأهل الأرض، تقع في آخر الزمان، في هذا المكان المسمّى بهرمجدون (انظر: رؤيا يوحنّا، وبالأخص الأصحاح: 16/12-16).
ولهذا التصوّر النصراني استمداد من تصور يهودي، يخبر أيضًا عن معركة حاسمة في آخر الزمان، يموت فيها ثلثا أهل الأرض، بزعمهم. (انظر: سفر حزقيال: الأصحاح: 38،39، وسفر زكريا : الأصحاح : 12) .
وكلّ من اليهود والنصارى يزعم أن هذه المعركة ستكون عاقبتها انتصار أبناء ديانتهم، فاليهود يزعمون أن مسيحهم سينزل ويقيم دولتهم، والنصارى يزعمون أن المسيح (الذي ادّعوه إلهًا لهم) سينزل مرة أخرى، لينصرهم على جميع أمم الأرض.
وبعد أن نشأت الفرقة النصرانية المعروفة بالبروتستانتية، على يد مؤسسها مارتن لوثر (ت 953 هـ-1546م )، تغلغلت المبادئ والعقائد اليهودية في قلوب النصارى البروتستانت، وانتعشت روح صداقة بين الديانتين، مع أن اليهود هم أعدى أعداء النصارى، وهم زعموا صلب المسيح!! وفي هذه الأجواء نشأت الأصولية النصرانية، وذلك سنة (1313هـ - 1895م ) والتي أحيت فكرة المجيء الثاني للمسيح، وربطت ربطًا عقائديًّا بين هذه العودة للمسيح وبقاء دولة إسرائيل في فلسطين؛ لأنها بحسب رأيهم تمهيد لمعركة هرمجدون الحاسمة, التي يعتقدون أنها لن تنتهي إلا بنزول المسيح، وتشيع هذه العقائد كثيرًا في الولايات المتحدة الأمريكية، ولها وجود قويّ في البيت الأبيض الأمريكي، وتحدّد كثيرًا من ملامح السياسة الأمريكية الخارجية، وبخاصة فيما يتعلق بالقضايا الإسلامية، وقضية فلسطين والاحتلال اليهودي بالأخص. ولذلك فقد أصبح ذكر معركة هرمجدون كثيرًا ما يتردّد في وسائل الإعلام العالمية، بل في المحافل السياسية!! ولم يَعُد أمر هذه المعركة المتنبّأ بها ممّا يصحّ تجاهله، بعد أن أصبحت العقائد المرتبطة بها تسطّر حروفًا بارزةً في التاريخ الحاضر.

(13/483)


أمّا نحن المسلمين: فنؤمن أنه ستقع معركة عظيمة في بلاد الشام، بيننا وبين الروم، وهم الغرب: أوربا وأبناء أوربا الأمريكيون، وأننا بعد معركة شرسة سنخرج منتصرين. هذا ما لا نشك فيه، لثبوته عن نبينا صلى الله عليه وسلم، ففي صحيح البخاري (3176)، عن عوف بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: " اعْدُدْ سِتًّا بَيْنَ يَدَيْ السَّاعَةِ: مَوْتِي، ثُمَّ فَتْحُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، ثُمَّ مُوْتَانٌ يَأْخُذُ فِيكُمْ كَقُعَاصِ الْغَنَمِ، ثُمَّ اسْتِفَاضَةُ الْمَالِ حَتَّى يُعْطَى الرَّجُلُ مِائَةَ دِينَارٍ فَيَظَلُّ سَاخِطًا، ثُمَّ فِتْنَةٌ لَا يَبْقَى بَيْتٌ مِنْ الْعَرَبِ إِلَّا دَخَلَتْهُ، ثُمَّ هُدْنَةٌ تَكُونُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ بَنِي الْأَصْفَرِ فَيَغْدِرُونَ فَيَأْتُونَكُمْ تَحْتَ ثَمَانِينَ غَايَةً، تَحْتَ كُلِّ غَايَةٍ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا".
وبنو الأصفر: هم الروم. والغاية: هي الراية.
وفي صحيح مسلم (2897): عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ، أَوْ بِدَابِقٍ، فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنْ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ، فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتْ الرُّومُ: خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلْهُمْ. فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ: لَا وَاللَّهِ لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا. فَيُقَاتِلُونَهُمْ، فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا، وَيُقْتَلُ ثُلُثُهُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ، وَيَفْتَتِحُ الثُّلُثُ لَا يُفْتَنُونَ أَبَدًا فَيَفْتَتِحُونَ قُسْطَنْطِينِيَّةَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ إِذْ صَاحَ فِيهِمْ الشَّيْطَانُ: إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ فِي أَهْلِيكُمْ. فَيَخْرُجُونَ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ، فَإِذَا جَاءُوا الشَّأْمَ خَرَجَ، فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ؛ يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ إِذْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّهُمْ، فَإِذَا رَآهُ عَدُوُّ اللَّهِ ذَابَ كَمَا يَذُوبُ الْمِلْحُ فِي الْمَاءِ، فَلَوْ تَرَكَهُ لَانْذَابَ حَتَّى يَهْلِكَ وَلَكِنْ يَقْتُلُهُ اللَّهُ بِيَدِهِ فَيُرِيهِمْ دَمَهُ فِي حَرْبَتِهِ".
الأعماق ودابق : موضعان بالشام .

(13/484)


وفي صحيح مسلم(2899): عَنْ يُسَيْرِ بْنِ جَابِرٍ، قَالَ: هَاجَتْ رِيحٌ حَمْرَاءُ بِالْكُوفَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ لَيْسَ لَهُ هِجِّيرَى إِلَّا: يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ، جَاءَتْ السَّاعَةُ. قَالَ: فَقَعَدَ وَكَانَ مُتَّكِئًا فَقَالَ: إِنَّ السَّاعَةَ لَا تَقُومُ حَتَّى لَا يُقْسَمَ مِيرَاثٌ، وَلَا يُفْرَحَ بِغَنِيمَةٍ، ثُمَّ قَالَ بِيَدِهِ هَكَذَا وَنَحَّاهَا نَحْوَ الشَّأْمِ. فَقَالَ: عَدُوٌّ يَجْمَعُونَ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ وَيَجْمَعُ لَهُمْ أَهْلُ الْإِسْلَامِ. قُلْتُ: الرُّومَ تَعْنِي؟ قَالَ: نَعَمْ، وَتَكُونُ عِنْدَ ذَاكُمْ الْقِتَالِ رَدَّةٌ شَدِيدَةٌ، فَيَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يَحْجُزَ بَيْنَهُمْ اللَّيْلُ فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ، وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، ثُمَّ يَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يَحْجُزَ بَيْنَهُمْ اللَّيْلُ فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ، وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، ثُمَّ يَشْتَرِطُ الْمُسْلِمُونَ شُرْطَةً لِلْمَوْتِ لَا تَرْجِعُ إِلَّا غَالِبَةً، فَيَقْتَتِلُونَ حَتَّى يُمْسُوا فَيَفِيءُ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ، كُلٌّ غَيْرُ غَالِبٍ، وَتَفْنَى الشُّرْطَةُ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الرَّابِعِ نَهَدَ إِلَيْهِمْ بَقِيَّةُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، فَيَجْعَلُ اللَّهُ الدَّبْرَةَ عَلَيْهِمْ، فَيَقْتُلُونَ مَقْتَلَةً- إِمَّا قَالَ: لَا يُرَى مِثْلُهَا. وَإِمَّا قَالَ: لَمْ يُرَ مِثْلُهَا- حَتَّى إِنَّ الطَّائِرَ لَيَمُرُّ بِجَنَبَاتِهِمْ فَمَا يُخَلِّفُهُمْ حَتَّى يَخِرَّ مَيْتًا، فَيَتَعَادُّ بَنُو الْأَبِ كَانُوا مِائَةً فَلَا يَجِدُونَهُ بَقِيَ مِنْهُمْ إِلَّا الرَّجُلُ الْوَاحِدُ، فَبِأَيِّ غَنِيمَةٍ يُفْرَحُ أَوْ أَيُّ مِيرَاثٍ يُقَاسَمُ. فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إِذْ سَمِعُوا بِبَأْسٍ هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ، فَجَاءَهُمْ الصَّرِيخُ أنَّ الدَّجَّالَ قَدْ خَلَفَهُمْ فِي ذَرَارِيِّهِمْ، فَيَرْفُضُونَ مَا فِي أَيْدِيهِمْ وَيُقْبِلُونَ فَيَبْعَثُونَ عَشَرَةَ فَوَارِسَ طَلِيعَةً. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنِّي لَأَعْرِفُ أَسْمَاءَهُمْ وَأَسْمَاءَ آبَائِهِمْ وَأَلْوَانَ خُيُولِهِمْ، هُمْ خَيْرُ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ". أَوْ: "مِنْ خَيْرِ فَوَارِسَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ ".
والدّبرة : أي الهزيمة.
إلى غير ذلك من الأحاديث.
ونحن لا نشك أن هذا هو الوعد الحق، وما سواه فمفترى.
ومع ذلك فعلى المسلمين أن يعملوا على نصرة قضاياهم بالجهاد والعلم والدعوة والإصلاح، لا أن يناموا في انتظار معجزة، أو في انتظار موعودٍ حق؛ لكن لا يعلم متى وقته إلا الله تعالى.

(13/485)


ومن ذلك أن يدافعوا عن دينهم وأوطانهم وأعراضهم وثرواتهم ودمائهم المستباحة في كل مكان، وأن يكونوا على مستوى الخطر الداهم الذي يحيق بهم هذه الأيام، والذي يهدّدهم في دينهم ووجودهم، والذي يراهن على استئصالهم وإبادتهم باسم الحرب على الإرهاب.
فهذا الغرب الذي آمن بهرمجدون، لم يَنَمْ في انتظارها، بل هاهوذا يسعى عمليًّا لتحقيقها، ويرسم خططه المستقبلية بناءً على تصوّره ومعتقداته فيها .
أمّا أكثر المسلمين: فبين لاهٍ لاعب، ويائسٍ عاجز، ومتعلق بالخوارق والمعجزات؛ إلا فئامًا من المسلمين، يعملون ويجاهدون (بجميع أنواع الجهاد) لنصرة أمتهم، والدفاع عن دينها وكيانها.
وفق الله الجميع لمراضيه، وجعل أعمالنا خالصة فيه. والله أعلم.
والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.

(13/486)


همُّ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بإعادة بناء الكعبة
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التاريخ : حوادث وعبر
التاريخ 15/08/1425هـ
السؤال
السلام عليكم.
ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة،رضي الله عنها: "لولا أن قومك حديثو عهد بكفر لهدمت الكعبة، ثم أعدتُ بناءها، وجعلتُ بابها مسوى بالأرض، ثم جعلت لها بابين بابًا يدخل الناس منه، وبابًا يخرجون منه". فما معنى هذا الحديث؟.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحديث المشار إليه في السؤال أخرجه البخاري (1586) ومسلم (1333) من حديث عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا: "يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثوُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لَأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالْأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ بَابًا شَرْقِيًّا وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ..".

(13/487)


الكعبة المشرفة جدد بناؤها في الجاهلية قبل بعثة النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وقد حضر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- هذا البناء، لكن قريشًا قصرت بها النفقة فلم تتم بناءها على قواعد إبراهيم، وأخرجوا الحجر منها، وجعلوا لها بابًا واحدًا. انظر صحيح البخاري (1584) وصحيح مسلم (1333). فأراد النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أن يهدم الكعبة- شرفها الله- ثم يتم بناءها على قواعد إبراهيم عليه السلام -أي يرد ما كان منها على غير قواعد إبراهيم إلى قواعده- ولهذا لم يكن النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يمسح الركن الشامي والركن الغربي. انظر صحيح البخاري (1583) وصحيح مسلم (1333)- وهمّ أن يجعل لها بابين، ويدخل الحجر في الكعبة؛ لأنه في الأصل منها، ولكنه -صلى الله عليه وسلم- ترك ما هو أولى لأجل تأليف القلوب والخشية من الفتنة ونفور الناس بسبب قرب عهدهم بالشرك والكفر، قال النووي -رحمه الله- إذا تعارضت المصالح، أو تعارضت مصلحة ومفسدة، وتعذر الجمع بين فعل المصلحة وترك المفسدة، بدئ بالأهم، لأن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أخبر أن نقض الكعبة وردها إلى ما كانت عليه من قواعد إبراهيم صلى الله عليه وسلم مصلحة، ولكن تعارضه مفسدة أعظم منه، وهي خوف فتنة بعض من أسلم قريبًا، وذلك لما كانوا يعتقدونه من فضل الكعبة، فيرون تغييرها عظيمًا، فتركها صلى الله عليه وسلم ... [النووي على صحيح مسلم (9/89 )]. وقد أعاد بناءها عبد الله بن الزبير، رضي الله عنهما- حين احترقت زمن يزيد بن معاوية لما غزاها أهل الشام- على الصفة التي أرادها النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، ففي صحيح مسلم (1333)، عَنْ عَطَاءٍ قَالَ: لَمَّا احْتَرَقَ الْبَيْتُ زَمَنَ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ، حِينَ غَزَاهَا أَهْلُ الشَّامِ، فَكَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ، تَرَكَهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ حَتَّى قَدِمَ النَّاسُ الْمَوْسِمَ يُرِيدُ أَنْ يُجَرِّئَهُمْ أَوْ يُحَرِّبَهُمْ عَلَى أَهْلِ الشَّامِ، فَلَمَّا صَدَرَ النَّاسُ قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي الْكَعْبَةِ، أَنْقُضُهَا ثُمَّ أَبْنِي بِنَاءَهَا أَوْ أُصْلِحُ مَا وَهَى مِنْهَا ؟ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَإِنِّي قَدْ فُرِقَ لِي رَأْيٌ فِيهَا، أَرَى أَنْ تُصْلِحَ مَا وَهَى مِنْهَا، وَتَدَعَ بَيْتًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهِ، وَأَحْجَارًا أَسْلَمَ النَّاسُ عَلَيْهَا، وَبُعِثَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. فَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: لَوْ كَانَ أَحَدُكُمْ احْتَرَقَ بَيْتُهُ مَا رَضِيَ حَتَّى يُجِدَّهُ، فَكَيْفَ بَيْتُ رَبِّكُمْ! إِنِّي مُسْتَخِيرٌ رَبِّي ثَلَاثًا، ثُمَّ عَازِمٌ عَلَى أَمْرِي. فَلَمَّا مَضَى الثَّلَاثُ أَجْمَعَ رَأْيَهُ عَلَى أَنْ يَنْقُضَهَا، فَتَحَامَاهُ النَّاسُ أَنْ يَنْزِلَ بِأَوَّلِ النَّاسِ يَصْعَدُ فِيهِ أَمْرٌ مِنْ السَّمَاءِ حَتَّى صَعِدَهُ رَجُلٌ فَأَلْقَى مِنْهُ حِجَارَةً، فَلَمَّا لَمْ يَرَهُ النَّاسُ أَصَابَهُ شَيْءٌ تَتَابَعُوا فَنَقَضُوهُ، حَتَّى بَلَغُوا بِهِ الْأَرْضَ فَجَعَلَ ابْنُ

(13/488)


الزُّبَيْرِ أَعْمِدَةً فَسَتَّرَ عَلَيْهَا السُّتُورَ، حَتَّى ارْتَفَعَ بِنَاؤُهُ، وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: إِنِّي سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "لَوْلَا أَنَّ النَّاسَ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِكُفْرٍ، وَلَيْسَ عِنْدِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يُقَوِّي عَلَى بِنَائِهِ لَكُنْتُ أَدْخَلْتُ فِيهِ مِنْ الْحِجْرِ خَمْسَ أَذْرُعٍ، وَلَجَعَلْتُ لَهَا بَابًا يَدْخُلُ النَّاسُ مِنْهُ، وَبَابًا يَخْرُجُونَ مِنْهُ". قَالَ: فَأَنَا الْيَوْمَ أَجِدُ مَا أُنْفِقُ، وَلَسْتُ أَخَافُ النَّاسَ. قَالَ: فَزَادَ فِيهِ خَمْسَ أَذْرُعٍ مِنْ الْحِجْرِ حَتَّى أَبْدَى أُسًّا نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ فَبَنَى عَلَيْهِ الْبِنَاءَ، وَكَانَ طُولُ الْكَعْبَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ذِرَاعًا، فَلَمَّا زَادَ فِيهِ اسْتَقْصَرَهُ فَزَادَ فِي طُولِهِ عَشْرَ أَذْرُعٍ، وَجَعَلَ لَهُ بَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا يُدْخَلُ مِنْهُ، وَالْآخَرُ يُخْرَجُ مِنْهُ، فَلَمَّا قُتِلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ كَتَبَ الْحَجَّاجُ إِلَى عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ، وَيُخْبِرُهُ أَنَّ ابْنَ الزُّبَيْرِ قَدْ وَضَعَ الْبِنَاءَ عَلَى أُسٍّ نَظَرَ إِلَيْهِ الْعُدُولُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، فَكَتَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِنَّا لَسْنَا مِنْ تَلْطِيخِ ابْنِ الزُّبَيْرِ فِي شَيْءٍ، أَمَّا مَا زَادَ فِي طُولِهِ فَأَقِرَّهُ، وَأَمَّا مَا زَادَ فِيهِ مِنْ الْحِجْرِ فَرُدَّهُ إِلَى بِنَائِهِ، وَسُدَّ الْبَابَ الَّذِي فَتَحَهُ. فَنَقَضَهُ وَأَعَادَهُ إِلَى بِنَائِهِ. وأخرج مسلم (1333)، أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ بَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ قَالَ: قَاتَلَ اللَّهُ ابْنَ الزُّبَيْرِ حَيْثُ يَكْذِبُ عَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ يَقُولُ: سَمِعْتُهَا تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ لَنَقَضْتُ الْبَيْتَ حَتَّى أَزِيدَ فِيهِ مِنْ الْحِجْرِ، فَإِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرُوا فِي الْبِنَاءِ". فَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: لَا تَقُلْ هَذَا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، فَأَنَا سَمِعْتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ تُحَدِّثُ هَذَا. قَالَ: لَوْ كُنْتُ سَمِعْتُهُ قَبْلَ أَنْ أَهْدِمَهُ لَتَرَكْتُهُ عَلَى مَا بَنَى ابْنُ الزُّبَيْرِ.
قال الحافظ ابن كثير- رحمه الله: فدل هذا على صواب ما فعله ابن الزبير، فلو ترك لكان جيدًا، ولكن بعدما رجع الأمر إلى هذا الحال فقد كره بعض العلماء أن يغير عن حاله، كما ذكر عن أمير المؤمنين هارون الرشيد، أو أبيه المهدي، أنه سأل الإمام مالكًا عن هدم الكعبة وردها إلى ما فعله بن الزبير، فقال له مالك: يا أمير المؤمنين، لا تجعل كعبة الله ملعبة للملوك؛ لا يشاء أحد أن يهدمها إلا هدمها. فترك ذلك الرشيد. [تفسير ابن كثير (1/184)]
قال ابن حجر-بعد أن أورد كلام الإمام مالك-: "وهذا بعينه خشيه جدهم الأعلى عبد الله بن عباس، رضي الله عنهما- فأشار على ابن الزبير لما أراد أن يهدم الكعبة ويجدد بناءها بأن يرم ما وَهَى منها، ولا يتعرض لها بزيادة ولا نقص، وقال له: لا آمن أن يجيء من بعدك أمير فيغير الذي صنعت". ينظر: فتح الباري (3/448). والله أعلم.

(13/489)


خروج الحسين على يزيد
المجيب أ.د. ناصر بن عبدالكريم العقل
أستاذ العقيدة في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التاريخ : حوادث وعبر
التاريخ 09/04/1426هـ
السؤال
السلام عليكم.
أفيدونا هل كان الحسين بن علي بن أبي طالب -رضي الله عنهما- خارجياً عندما خرج على يزيد؟ وكذلك محمد بن سعود عندما خرج على الخلفاء العثمانيين؟ وجزاكم الله خيراً.

الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
لا ندري ماذا كان سيفعل الحسين -رضي الله عنه- تماماً، ومع ذلك فهو اجتهد فأخطأ، وقد خالفه علماء الصحابة الآخرون كابن عباس، ونصحوه بألا يفعل، وعلى أية حال فقد كان متأولاً، وما حصل من زلة رجل صالح كان هو ضحيتها قبل غيره، لكنها لا تنقص من فضله وقدره، ولا تعد منهجاً للسلف، بل كانت من أعظم العظات والدروس والعبر.
أما محمد بن سعود فكانت إمارته لسد فراغ في السلطة في نجد، حيث لم تكن للدولة العثمانية عليها سلطة مباشرة. وكان قيام إمارة شرعية -تقيم شعائر الدين، وتحفظ الأمن، وتجمع كلمة المسلمين على الحق والهدى والسنة- ضرورة شرعية وأمنية، لا سيما وأن إمارة محمد بن سعود كانت قد انطلقت من أسس شرعية تقوم على راية السنة التي رفعها الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب على التوحيد والعدل والعلم.
ولم يعلن الخروج على الدولة العثمانية، ولا تمرد عليها، حتى نابذه المتنفذون باسمها في البلاد المجاورة.
وقد فصَّلت هذا في كتابي (إسلامية لا وهابية) فليراجع ص (298). والله أعلم.

(13/490)


هل عارض دعوة محمد بن عبد الوهاب أبوه وأخوه؟
المجيب د. أحمد بن محمد أبا بطين - رحمه الله -
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التاريخ : حوادث وعبر
التاريخ 07/08/1426هـ
السؤال
سمعتُ أن محمد بن عبد الوهّاب كان أبوه وأخوه يعارضان دعوته. هل هذا صحيح؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فالإجابة على هذا السؤال تحتاج بسطاً وشرحاً واسعاً، لكن الاختصار مطلوب، فأقول وبالله التوفيق.
أولاً: شكر الله للأخ السائل حرصه على معرفة موضوع السؤال الذي طرحه، ويدل سؤاله على العقل والإنصاف الذي يتمتع به، وهو ينطلق من منهج القرآن الكريم، حيث يقول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوماً بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين"[الحجرات: 6].
ثانياً: وإجابة السؤال تتضمن الحكم على الأشخاص، والحكم لا يصدر إلا ممن هومحيط بخلفية علمية عن المسؤول عنهم، فهؤلاء الذين أثاروا قضية مخالفة والد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، ومخالفة أخيه هل عندهم خلفية علمية عن سعة علم والد الشيخ، وخلفية علمية عن سعة علم أخيه حتى يكون خلافهما للشيخ محمد حكماً على خطئه؟ أم أن أصل المسألة هو معاداتهم للشيخ من قبلهم،قبل أن يعرفوا موقف الوالد والأخ, وأنهم لما سمعوا هذا الخلاف جعلوه حكماً على خطأ الشيخ دون أن يعرفوا الخلفية العلمية لوالد الشيخ وأخيه؟ وهذا هو الذي يظهر لي في المسألة.
ثالثاً: وأما ما سمعته -يا أخي- من معارضة والد الشيخ لابنه محمد فهو على النقيض من فهم الخصوم. لقد حدث أن منع والد الشيخ ولده محمد من مزاولة الإنكار المباشر؛ وذلك من أجل الخوف على الابن، والخوف كذلك من مشكلات اجتماعية لا يستطيع الأب أن يتحملها كسائر علماء عصره، والحق في هذه المسألة أن والد الشيخ قد ربى ولده تربية صالحة، وفتح له باب طلب العلم والسفر من أجله، واعترف الأب بأنه استفاد من ابنه محمد في بعض مسائل الفقه.
وأما مخالفة الأخ لأخيه فليست حكماً على الشيخ، فكم من الأنبياء خالفهم آباؤهم، مثل إبراهيم -عليه السلام- وخالفهم أبناؤهم، مثل نوح -عليه السلام- وخالفهم بعض أعمامهم، مثل ما حصل لنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- من مخالفة عميه له أبي لهب وأبي طالب، وكم من الدعاة الصالحين خالفهم أقاربهم لأي ظرف من الظروف الاجتماعية أو النفسية أو السياسية أو غير ذلك، ولم يقدح ذلك في صحة منهج الدعاة المخلصين، ولم يفت في عضدهم.
والله أعلم, وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.

(13/491)


هل هذه صورة قبر الرسول؟
المجيب د. عبد العزيز بن عبد الفتاح القارئ
عميد كلية القرآن في الجامعة الإسلامية سابقا
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التاريخ : حوادث وعبر
التاريخ 12/10/1426هـ
السؤال
انتشرت في الآونة الأخيرة في المنتديات وعلى البريد الإلكتروني صورة مزعومة لقبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأغضبني جداً ما رأيت، وأخذت أبحث في الإنترنت لموقع معروف لكي أرد عليهم بطريقة صحيحة، وعند بحثي فوجئت بالكثير من المنتديات التي طرحت الصورة والأعضاء يصدقون أنها صحيحة، ومنهم من قال:إنه أول مرة يراها، وأنا أعلم أنها ليست لقبر الرسول -عليه أفضل الصلاة والسلام- فما حكمكم على ذلك؟
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه، وبعد:
فإن هذه الصورة -المزعومة لقبر النبي صلى الله عليه وسلم- لا صلة لها بالواقع، وكذبها واضح للعيان يراه كل من قام بزيارة لمسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة النبوية؛ فقد دُفِن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم أبو بكر الصديق، ثم الفاروق عمر -رضي الله عنهما وأرضاهما- في حجرة أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-.
وبيت عائشة -رضي الله عنها- كانت مساحته من الحجرة إلى الباب نحواً من ستة أذرع أو سبعة، وعرضه بين الثمانية والتسعة، وارتفاع سقفه بقدر قامة الإنسان، وكان بابه جهة المسجد، أي غربي الحجرة.
وروي أن هذا البيت الذي فيه القبور الشريفة مربع مبني بحجارة سُودٍ وقَصَّةٍ (أي جص)، الذي يلي القبلة منه أطول، والشرقي والغربي سواء، والشمالي أنقصها ، وله باب في جهته الشمالية، وهو مسدود بحجارة سود وقصة.
ثم بنى عمر بن عبد العزيز -رحمه الله- سنة ست وثمانين جداراً مُخَمَّساً حول الحجرة، الضلع الشمالي منه على شكل مثلث، وأحاط الحجرة به، ولم يجعل له باباً حماية للقبر النبوي الشريف.
وصفة القبور الشريفة داخل الحجرة: قبر النبي -صلى الله عليه وسلم- أمامها إلى القبلة مُقدَّماً، ثم قبر أبي بكر حِذَاءَ منكبي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم قبر عمر -رضي الله عنه- حذاء منكبي أبي بكر -رضي الله عنه-.
وكانت مُسَنَّمةً، أي مرتفعة عن الأرض بمقدار شبر (فقط)، مبطوحة ببطحاء العَرْصَة الحمراء، أي مفروشة بحصى من بطحاء (العَرْصَة) وهي المكان الذي يقع غربيَّ وادي العقيق في سفوح "جَمَّاءِ أُمِّ خالد" الشمالية، حيث تقع اليوم "الجامعة الإسلامية"، وكانت بطحاؤها نظيفة حمراء.
وورد أنهم غسلوا ما جلبوه منها قبل أن يفرشوه على القبور الثلاثة الشريفة [انتهى ملخصاً من وفاء الوفا للسمهودي].

(13/492)


عقيدة ابن حجر والنووي
المجيب د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 5/7/1422
السؤال
سمعت بعض طلاب العلم يصف ابن حجر والنووي بأنهما أشاعرة ، ونحن نعلم أن لديهم تأويل في بعض الأسماء والصفات ، لكن هل يستقيم بأن ينسبون إلى الأشاعرة على الإطلاق ، أفيدونا أحسن الله إليكم ؟
الجواب
فإن الإمام النووي -رحمه الله- من الأئمة الكبار والعلماء الربانيين ، وقد كتب الله لمؤلفاته القبول والانتشار ، ولم يكن الإمام النووي -رحمه الله- أشعرياً محضاً ، فإنه وإن وافق الأشاعرة في تأويل جملة من صفات الله -تعالى- أو تفويضها ، إلا أن اشتغاله بحديث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حفظه عن الوقوع في كثير من مزالق الأشاعرة .
وكذا الحافظ ابن حجر ، فإنه من الأئمة الأعلام، والجهابذة المحققين ، وقد وافق الأشاعرة في تأويل صفات ٍ لله -تعالى- أو تفويضها ، لكن نقد الأشاعرة في جملة من عقائدهم كمسألة الإيمان وأول واجب على المكلف .
ونوصي السائل وسائر إخواننا بالاشتغال بما ينفع ، والاهتمام بكتب هذين الإمامين لاسيما ( رياض الصالحين) و( الأذكار) و(شرح صحيح مسلم للنووي )، (وفتح الباري) لابن حجر، وأن لا يحكم على الأشخاص إلا بعلم وعدل ، وبالله التوفيق .

(13/493)


الأصل في نجمة داود السداسية
المجيب د. ناصر بن محمد الماجد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 22/3/1423
السؤال
ما أصل نجمة داود (النجمة السداسية) ؟
الجواب
أود الإشارة إلى أن الغموض يحيط بكثير مما يتعلق بالتاريخ اليهودي، ولا سيما ما يتصل بالطقوس الدينية، خاصة مع حرص اليهود الشديد على السرية، وانغلاقهم على أنفسهم، ومن ذلك الشكل السداسي الأضلاع أو ما يعرف بنجمة داود، التي اتخذها اليهود أحد أبرز شعاراتهم المميزة لهم، وهذه النجمة لم ترد في كتبهم المقدسة ولا شروحها، وهي تسمى في العبرية -كما تشير المصادر التي بحثت في الطقوس والرموز اليهودية- (ماجن دافيد)، وترجمتها الحرفية (درع داود)، وقد استخدم الاصطلاح في أول الأمر -على ما ذكروا- بقصد الإشارة إلى الخالق، ثم استخدم بعد هذا للإشارة للنجمة السداسية، وقد وجدت رسوم لهذا الشكل الهندسي على بعض المعابد اليهودية يرجع بعضها إلى القرن الثالث الميلادي ومع هذا فقد كانت موجودة في المعابد الرومانية قبل هذا الوقت بكثير، هذا والله أعلم.

(13/494)


هل طبعت هذه الكتب لابن تيمية
المجيب د. محمد بن تركي التركي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 15/6/1423هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أما بعد:
هناك كتب ومؤلفات لشيخ الإسلام ابن تيمية، منها المطبوعة، ومنها المخطوطة، وخلال البحث عثرت على أسماء بعض الكتب، إلا أنني لم أوفق في معرفة هل هي مطبوعة أم ما زالت مخطوطة؟
والكتب هي:
(1) قاعدة في أن جامع الحسنات العدل والسيئات الظلم ومراتب الذنوب في الدنيا.
(2) رسالة في وجوب العدل على كل أحد في كل حال.
وبارك الله في جهودكم.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، أما بعد:
لم أقف -بعد البحث- على أن هذين الكتابين قد طبعا من قبل، كما لا أعرف عن وجودهما في شيء من المكتبات المشهورة بالمخطوطات، وهذا لا ينفي وجودهما، فلربما كان لدى بعض المختصين بمؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية زيادة علم خفيت علينا.
ويحسن التنبيه هنا على أن شيخ الإسلام -رحمه الله- قد تطرق في عدد من مؤلفاته إلى أن جامع الحسنات هو العدل، وأن جامع السيئات هو الظلم، انظر (مجموع الفتاوى 20/79-82)، (1/86)، (28/184).
كما أشار في عدد من المواضع إلى وجوب العدل على كل أحد في كل حال، انظر الصفدية (2/327) والرد على المنطقيين صـ(422)، ومنهاج السنة (5/126)، ومجموع الفتاوى (30/339)، والله أعلم.

(13/495)


أهل البيت في إيران
المجيب د. الشريف حاتم بن عارف العوني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 13/4/1423
السؤال
هل يوجد أحد من أهل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- في عربستان في الجنوب من دولة إيران؟ علماً أني أنسب إليهم, ولكن الظروف حالت دون معرفتي بأصولي وقد حاولت كثيراً, ولعدم علمي بمؤرخي أهل البيت, فإذا لم يكن لديكم جواب فهلا دللتموني على أحد مؤرخي أهل البيت كي أتأكد منه، وجزيتم خيراً.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
أقول وبالله التوفيق:
فإن آل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- من ذرية الحسن والحسين -رضي الله عنهما- أنسابهم محفوظة معلومة، ولا يوجد على وجه الأرض أوثق من أنسابهم صحة ووضوحاً، وتوثيقاً بالكتب والمشجرات.
ولولا أن ذلك كذلك لما كانت أهم علامات المهدي المنتظر، التي جعلها الشارع دليلاً عليه أنه من عترة النبي -صلى الله عليه وسلم- من ولد ابنته فاطمة -رضي الله عنها-، فلو أن أنساب آل البيت ستضيع أو لو كان فيها خفاء أو شكّ لما كان الشارع الحكيم ليجعلها علامة ظاهرة للمهدي.
ومع شرف هذا النسب، ولما يتعلق به من أحكام شرعية، فقد قيض له علماء يحفظونه ويجمعونه ويؤلفون فيه، قديماً وحديثاً، يبينون صحيح النسب من دخيله، ويسلسلون الأنساب المتصلة إلى علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، وينبهون إلى الأنساب المنقطعة، وإلى الدعاوى المشكوك فيها أو المجزوم بكذبها.
علماً أن آل بيت النبي -صلى الله عليه وسلم- انتشروا في العالم الإسلامي كغيرهم من القبائل العربية، وفي إيران منهم قوم صحيحو النسب، ومنهم أدعياء، كغير إيران من البلاد الإسلامية.
والطريقة الصحيحة للتثبت من النسب أن يرسل السائل ما يعرفه من أسماء سلسلة نسبه، لتُطابق على المشجرات المحفوظة والكتب الموثوقة، للتأكد من صحتها، ولإصلاح ما قد ينتابها من خلل وخطأ أو لبيان عدم صحة النسبة، والتي قد لا يكون للسائل دور في دعواها، وإنما تكون دعوى قديمة، تلقاها الأحفاد عن الأجداد، وهي غير ثابتة.
هذا مع أن ثبوت النسبة أو عدم ثبوتها ليس بُمغنٍ عن العمل الصالح وصحة المعتقد "ومن بطّأ به عمله لم يُسرع به نسبه" مسلم (2699) كما قال -صلى الله عليه وسلم-، والله أعلم، والحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وعلى آله وأصحابه ومن اقتفى أثره واتقى حده.

(13/496)


عقيدة الشيخ الشعراوي
المجيب د. فهد بن عبدالرحمن الرومي
عضو هيئة التدريس بكلية المعلمين
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 21/11/1422
السؤال
قد تناقش مجموعة من الشباب حول عقيدة الشيخ المفسر المتوفى محمد متولي الشعراوي، فناس يقولون: أشعري وآخرون يقولون: لا، فما رأيكم فيه ؟
الجواب
بسم الله الرحمن الرحيم ، يتميز تفسير الشعراوي -رحمه الله تعالى- بميزتين:-
الأولى : عنايته بالتفسير اللغوي والبلاغي، ودقة استنباطاته للمعاني الخفية.
الثانية : قدرته على تبسيط معاني الآيات حتى يستوي في فهمها العامة والعلماء، ولذا حظي بمكانة كبيرة ، وكان له تأثير محمود.
أما أشعريته فإني أراه يتحاشى الخوض في المسائل العقدية في الأسماء والصفات ؛ لأنه يخاطب العامة ، فيكتفي بالعموم والإجمال.
وإن ظهرت أشعريته أو لم تظهر فإني أقول للسائل: ليس هناك تفسير مطبوع ليس فيه خطأ في العقيدة، أقول في العقيدة على تفاوت شديد بين المفسرين ، والشعراوي كغيره من المفسرين أصاب وأخطأ وليس بمعصوم، والخطأ الأكبر ممن تصدى لتتبع هفوات العلماء ويستطير بها فرحاً، والله المستعان، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .

(13/497)


الفقهاء السبعة
المجيب د. حمد بن إبراهيم الحيدري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 20/7/1424هـ
السؤال
يورد الأصوليون في كتبهم مصطلحات (متفق عليها) عندهم مثل قولهم "الفقهاء السبعة"و"الأئمة الأربعة"، فمن هم الفقهاء السبعة المقصودون غير ابن عباس -رضي الله عنهم-؟.
الجواب
الفقهاء السبعة هم من التابعين وليس فيهم ابن عباس، وإن كان من كبار الفقهاء ولكنه ليس من السبعة المعروفين.
والفقهاء السبعة هم:
1-سعيد بن المسيب المتوفى سنة:94هـ.
2-عروة بن الزبير المتوفى سنة:94هـ أيضاً.
3-أبو بكر بن عبدالرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي القرشي المتوفى سنة:94هـ
4-عبدالله بن عبدالله بن عتيبة بن مسعود المتوفى سنة:98هـ
5-خارجة بن زيد بن ثابت توفى سنة:99هـ
6-القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق المتوفى سنة:107هـ
7-سليمان بن يسار المتوفى سنة:107هـ أيضاً -رحمهم الله جميعاً-.
وهم الذين قيل فيهم:
إذا قيل من في العلم سبعة أبحر *** روايتهم عن العلم ليست خارجة
فقل هم عبيدالله عروة قاسم *** سعيد أبو بكر سليمان خارجة
والله أعلم.

(13/498)


كتاب (تنبيه الغافلين)
المجيب د. رياض بن محمد المسيميري
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 22/12/1422
السؤال
أحد جيراننا يقرأ كتاباً اسمه ( تنبيه الغافلين في بستان العارفين) لشيخ يدعى نصر بن محمد إبراهيم السمرقندي، سألته عما يحويه هذا الكتاب، فقال :
01 إن هذا الكتاب كتاب جيد، حيث يذكر الكتاب أن وجود العنكبوت في البيت يجلب الفقر.
02 إن فصوص العقيق تجلب الرزق .
فقلت: يا أخي اتق الله، فالله بيده الرزق والغنى والفقر، وهناك الكثير من الخزعبلات التي لم يذكرها لي، فهل من كلمة يوجهها فضيلة الشيخ لعلّي أوصلها له، فيعود إلى رشده ؟
الجواب
كتاب (تنبيه الغافلين) صنّفه أبو الليث السمرقندي، قال عنه الذهبي في (السير 16/322):" الإمام الفقيه المحدث الزاهد، أبو الليث نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي، الحنفي .
صاحب كتاب (تنبيه الغافلين) وله كتاب (الفتاوى)، وتروج عليه الأحاديث الموضوعة . ت 375هـ" . ا.هـ وقال في (تاريخ الإسلام حوادث 351-380) :" وفي كتاب (تنبيه الغافلين) موضوعات كثيرة " يعني: أحاديث قلت : وهو صاحب التفسير المعروف والمشهور باسمه، وله كتب كثيرة ذكرها البغدادي في (هدية العارفين 6/490 طبعة دار الفكر)"، وقال عنه شيخ الإسلام ابن تيمية في ( ردِّه على البكري ص 15) ضمن كلامه عن جمهور مصنفي السير والأخبار : " فهؤلاء لا يعرفون الصحيح من السقيم ولا لهم خبرة بالنَّقلة ( أي: الرواة)، بل يجمعون فيما يروون بين الصحيح والضعيف ولا يميزون بينها" ا.هـ.
والكتاب المذكور لم أقف عليه، لكن قد ذكره أبو الفضل الغماري في (الحاوي 3/4)، فقال: " وكتاب (تنبيه الغافلين) يشتمل على أحاديث ضعيفة وموضوعة فلا ينبغي قراءته للعامة"، وانظر : (كتب حذر منها العلماء) لمشهور بن حسن، و(تحذير الخواص) للسيوطي فإنهما نافعان في هذا الباب، أعني: في باب بيان خطورة بعض المؤلفات، وتخبطات كثير من المؤلفين والقُصَّاص .
وأنصحك أيها الأخ الكريم أن تدعو صاحبك بالحكمة واللين، وتبين له أن العلم - طلباً وأداءً - أمانة، وأن ترويج الشركيات والبدع والخرافات والأباطيل غش وخيانة للنفس والناس، وأن تدله على البديل النافع لهذا الكتاب وهي الكتب المفيدة الموثوقة مثل: رياض الصالحين للنووي، والوابل الصيب ، والجواب الكافي لابن القيم ، ومختصر البخاري للزبيدي، ومختصر مسلم للمنذري ونحوها، فإن استجاب -فالحمد لله-، وإلا فقد أعذرت إلى الله، والله يحفظك والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

(13/499)


عقيدة الشيخ عبد القادر الجيلاني
المجيب د. أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 4/2/1423
السؤال
أرجو بيان رأيكم بالشيخ عبد القادر الجيلاني?
الجواب
الشيخ عبد القادر الجيلاني من أئمة الصوفية المعتدلين، وعقيدته عقيدة السلف، ويقرر وجوب الاتباع وعدم الابتداع في الدين، وقد أثنى عليه ابن تيمية في غير موضع.
ولكن يؤخذ عليه وقوعه في بعض البدع العملية، واعتماده على أحاديث ضعيفة، واستخدام بعض أساليب المتصوفة في الوعظ، من تلك البدع:
1-قوله بالسفر لزيارة قبر النبي -صلى الله عليه وسلم-.
2-السؤال بحق النبي -صلى الله عليه وسلم-.
3-تخصيص رجب ببعض العبادات، وكذلك النصف من شعبان.
4-تخصيص بعض الأيام أو الليالي بصلوات معينة.
5-تحديد أجر من صام عاشوراء بما لم يرد في الشرع، وقد نسب إليه كرامات لا تصح.
وهناك رسالة علمية للدكتور الشيخ/ سعيد بن مسفر القحطاني حصل بها على درجة الدكتوراة من جامعة أم القرى عن الشيخ عبد القادر مطبوعة بعنوان:" الشيخ عبد القادر الجيلاني..."، والله الموفق.

(13/500)


حقيقه بولس الرسول
المجيب أ.د. بكر بن زكي عوض
أستاذ مقارنة الأديان بجامعة الأزهر
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 19/2/1424هـ
السؤال
السلام عليكم.
هناك شبهة أرجو أن أجد جواباً عنها:
ورد في الأحاديث المحمدية فقرات منقولة عن الكتاب المقدس، من أمثال ذلك ما ورد في كتاب مشكاة المصابيح صـ (487) من طبعة سنة 1297هـ ، الباب الأول والفصل الأول في كلامه عن وصف الجنة وأهلها، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:"قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر" فلا يشك أحد أن هذا الحديث منقول من الرسالة الأولى لبولس الرسول إلى أهل كورنثوس2/9 ومما هو جدير بالملاحظة هنا أنه بينما يقرر محمد أن هذا الوصف من كلام الله ينكر كثيرون من علماء الإسلام أن بولس رسول؟ وأن رسائله موحى بها من الله.

الجواب
وعليك السلام، وبعد:
إنك تعلم أن بولس كان يهودياً مثقفاً فيلسوفاً مستنيراً قبل أن يعتنق النصرانية، وقد مكنته ثقافته اليهودية من العلم ببعض النصوص الدينية الباقية من دعوة موسى ورسل بني إسرائيل، فلما ادعى اعتناقه للنصرانية كان ينطق ببعض النصوص التي حفظها من العهد القديم، لا على أنها وحي أوحي إليه، بل تراث ديني ورثه عن الأقدمين، وجاء نص الحديث قريباً منه في معناه.
ولم يدع بولس النبوة ولا الرسالة بمعناها الشرعي -تنزل الوحي عليه- بل الرسالة بمعناها اللغوي، وكل من يحمل دعوة يريد إيصالها إلى الغير يسمى رسولاً في اللغة، وإذا كان النص يقارب في دلالته معنى الحديث الشريف، فإن الإسلام لم يقل ببطلان كل ما في التوراة والإنجيل، ولكن قال بوقوع تحريف فيهما، وذلك يعني أن الحق قد اختلط بالباطل، فبقيت بقية من حق مثل الوصايا العشر وتوحيد الإله في العهد القديم، وكثر الباطل مثل شرب نوح للخمرة وتجارة إبراهيم بعرض زوجته وكذب يعقوب على أبيه وزنا لوط بابنتيه وزنا داود بامرأة أوريا الحث وقتله وعبادة الأوثان في بيت سليمان وكذب أيوب، وفي العهد الجديد تسلط الشيطان على المسيح، وتحويل المسيح الماء خمراً في عرس قانا الجليل وشرب الخمر وسقي أتباعه في العشاء الأخير وأُخذ إلى الحاكم وعُلِّق على الصليب -وهو الإله- وبصق على وجهه وضرب على رأسه وصلب رغم أنفه ودفن في قبره وقام من موته، كل ذلك وهو الله كما يعتقد النصارى أو ابن الله أو ثالث ثلاثة.
إن بولس (شارل) دخل النصرانية ليهدمها، فقد نقلها من التوحيد إلى التثليث وأحل الخمر وأباح الخنزير ودعا إلى التبتل ونقل المسيحية من المحلية كما قال عيسى:"اذهبي يا امرأة فإني لم أرسل إلا إلى الخراف الضالة من بني إسرائيل" إلى العالمية، كما في قوله:"إن المسيح مات من أجل خطايانا نحن البشر".
وهذا شأن اليهود إذا عجزوا عن مواجهة دين من الأديان ادعوا اتباعه، ليكون الهدم من خلال الاتباع بعد تضليل الأتباع، وقد حفظ الله القرآن من صنيعهم هذا حين تعهد بحفظه بنفسه "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" [الحجر: 9].
لمزيد من البيان راجع: رسالة في اللاهوت (سبينوزا).
محاضرات في النصرانية (محمد أبو زهرة).
الإنجيل والصليب (عبد الأحد داود).

(13/501)


المقصود بأهل الفترة
المجيب عبد الرحمن بن ناصر البراك
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 22/9/1424هـ
السؤال
نسأل المشايخ الكرام عن أهل الفترة من هم؟ والذين يعبدون غير الله ولم تصلهم رسالة الإسلام ما حكمهم؟
الجواب
الحمد لله، المراد بأهل الفترة الذين يذكرهم العلماء هم الذين نشأوا بين رسالتين، فلم تبلغهم الرسالة الأولى يعني رسالة الرسول السابق، ولم يدركوا الرسول الآخر، مثل: أكثر البشرية قبل بعثة محمد - صلى الله عليه وسلم -.
فهؤلاء قد ورد أنهم يوم القيامة يمتحنون فيتبين المطيع من العاصي، يتبين من لو جاءه رسول الله عليه الصلاة والسلام لآمن به واتبعه، ومن لو جاءه الرسول - صلى الله عليه وسلم - لكذبه وعصاه، فيظهر الله حقائقهم بما شاء سبحانه وتعالى، ويجزيهم بحسب ذلك، وهو الحكيم العليم العدل الرحيم، والله أعلم.

(13/502)


محمد بن عبد الوهاب والدولة العثمانية
المجيب د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 13/5/1424هـ
السؤال
السلام عليكم.
عندما أتكلم مع بعض الناس عن دعوة الإمام محمد بن عبد الوهاب، وعن أثرها في إرجاع الناس إلى التوحيد الخالص، الذي هو منهج أهل السنة والجماعة، يعترض البعض بأن الإمام محمد بن عبد الوهاب قد قام على الخليفة العثماني مع من تحالف معهم من أمراء آل سعود وهذا يخالف منهج أهل السنة والجماعة، الرجاء بيان مدى صحة ما قالوا، فإن كان زوراً فما الدليل على بطلان مزاعمهم؟ وفقكم الله.
الجواب
إن الناظر إلى مصنفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب - رحمه الله - يدرك جلياً أن هذا الإمام مجدد لما اندرس من معالم الدين، وأنه على طريقة أهل السنة والجماعة أتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقد قرر الشيخ وجوب السمع والطاعة لأئمة المسلمين برهم وفاجرهم ما لم يأمروا بمعصية الله - انظر مجموعة مؤلفات الشيخ (5/11).
وأما دعوى الخروج على دولة الخلافة العثمانية فليس الأمر كذلك، فإن نجداًلم تكن تحت سيطرة العثمانيين كما حرر ذلك جمع من العلماء والباحثين المعاصرين كالشيخ ابن باز رحمه الله في محاضرة بعنوان "ندوة تجديد الفكر الإسلامي"، والدكتور صالح العبود في كتابه (عقيدة الشيخ محمد بن عبد الوهاب)، والأستاذ أمين سعيد في كتابه (تاريخ الدولة السعودية)، ونحوهم.

(13/503)


هل صحّ خبر تخفيف العذاب عن أبي لهب
المجيب د. رشيد بن حسن الألمعي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 25/11/1424هـ
السؤال
فضيلة الشيخ: تحية واحتراماً. وبعد:
قال تعالى في سورة يونس: "حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ"، أظن بأن المقصود في الآية فرعون موسى، ما أفهمه من الآية أن فرعون خشي على نفسه من الموت، سؤالي هل صحيح بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قال: بأن فرعونه أبا جهل أشد كفراً من فرعون سيدنا موسى؟ وذلك عندما قُتل أبو جهل في معركة ما، لا أدري من الصحابي الذي قام بقتله، ولكن طلب من الصحابي بأن يقتله شخصاً غيره، فسأله الصحابي لماذا؟ فقال له أبو جهل: حتى لا يتحدث التاريخ بأن أبا جهل قتله راعي أغنام، هل هذا صحيح؟ وهل صحيح أن أبا جهل يخفف عنه العذاب كل يوم اثنين، وذلك لأنه فرح عند مولد المصطفى -صلى الله عليه وسلم-؟. أرجو الشرح والتفصيل والتدقيق. وجزاكم الله ألف خير.

الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فأقول وبالله التوفيق: قصة مقتل أبي جهل وردت في كتب السير وغيرها من كتب السنن، ومن ذلك ما ورد في سنن البيهقي الكبرى ج(9/92)، الأثر رقم: (116،173)، عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه- وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال عن أبي جهل: "هذا فرعون هذه الأمة" وانظر سيرة ابن هشام ج(2/636)، وفيها أن أبا جهل قال لابن مسعود - رضي الله عنه-: "لقد ارتقيت مرتقى صعباً يا رويعي الغنم".
وأما ما ذكرتيه في سؤالك من تخفيف العذاب عن أبي جهل كل يوم اثنين، لفرحه بمولد النبي - صلى الله عليه وسلم- فالمعروف أن هذا كان في حق أبي لهب، فقد جاء في صحيح البخاري حديث رقم: (5101) ج(9/140)، من طريق عروة بن الزبير أن زينب ابنة أبي سلمة أخبرته أن أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أنها قالت: "يا رسول الله، أنكح أختي بنت أبي سفيان....وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم- قال: أرضعتني وأبا سلمة ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن، قال عروة: وثويبة مولاة لأبي لهب، وكان أبو لهب اعتقها، فأرضعت النبي - صلى الله عليه وسلم-، فلما مات أبو لهب أريه بعض أهله بشر حيبة قال له: ماذا لقيت؟ قال أبو لهب: لم ألق بعدكم، غير أني سقيت في هذه بعتاقتي ثويبة".
قال ابن حجر في شرحه لهذا الحديث على قوله: (لم ألق بعدكم غير أني سقيت في هذه)، ووقع في رواية عبد الرزاق المذكور، وأشار بيده إلى النقرة التي تحت إبهامه، وفي رواية الإسماعيلي المذكورة وأشار إلى النقرة التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع، انظر فتح الباري(9/145). ومعنى قوله (شرحيبة) أي شر حالة.

(13/504)


وجاء في الاكتفاء بما تضمنه من مغازي المصطفى(2/39)، أن العباس قال: مكثت حولاً بعد موت أبي لهب لا أراه في نوم، ثم رأيته في شر حال، فقال: ما لقيت بعدكم راحة إلا أن العذاب يخفف عني كل يوم اثنين، وذلك أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم- ولد يوم الاثنين، فبشرت أبا لهب بمولده ثويبة مولاته، فقالت له: أشعرت أن آمنة ولدت غلاماً لأخيك عبد الله فقال: اذهبي، فأنت حرة، فنفعه ذلك، وهو في النار، وانظر مثله في الروض الأنف(3/99).
وهنا يجب التنبيه إلى أن هناك من يتعلل بهذا الأثر للاستدلال به على مشروعية الاحتفال بالمولد النبوي، وجعله عيداً، كما ذكر ذلك السيوطي في حسن المقصد في عمل المولد دراسة وتحقيق مصطفى عبد الخالق ص65-66، والواقع أنه لا يصح الاحتجاج به على ذلك؛ لأمور منها:
(1) أن السند منقطع بين عروة وثويبة، فقد أورده البخاري معلقاً من كلام عروة، ولهذا قال ابن حجر في الفتح(9/145)، بأن الخبر مرسل، أرسله عروة، ولم يذكر من حدثه به.
(2) أن الخبر رؤيا منام، والشرع - كما هو معلوم - لا يثبت فيه التكليف بالرؤيا المنامية إلا أن تكن رؤيا نبي من الأنبياء، فرؤيا الأنبياء حق، أو رؤيا بنى عليها النبي - صلى الله عليه وسلم- حكماً كرؤيا الأذان، قال ابن حجر: (وعلى تقدير أن يكون موصولاً فالذي في الخبر رؤيا منام، فلا حجة فيه).
(3) أن صاحب الرؤيا هو العباس بن عبد المطلب - رضي الله - رآها حال كونه كافراً، ورؤيا الكافر لا يحتج بها إجماعاً. والله الموفق.

(13/505)


التسمية بـ"سام" و "سيرين"
المجيب عبد الرحمن بن ناصر البراك
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 16/10/1424هـ
السؤال
أرجو أن تفيدوني وتزودوني ببعض المعلومات على هذا الاسم سام SAM مرات عديدة في حياتي أسمع عن هذا الاسم أنه كان لأحد أبناء سيدنا نوح عليه السلام، لكني لم أقرأ ولم أجد شيئاً مكتوباً في قصة ما أو كتاب، فهل هذا صحيح؟ وإن كان كذلك فهل كان من أبنائه الصالحين؟ وهل يمكن ويجوز تسمية المولود بهذا الاسم؟ وكذلك اسم سيرين SIRIN هل هو من أصل عربي؟ وهل يجوز تسميته للمولودة؟ أفيدوني جزاكم الله خيراً.

الجواب
الحمد لله، (سام) اسم أحد أبناء نوح عليه السلام اللذين نجوا معه وهم: حام، وسام، ويافث وهم الذين نسلت منهم البشرية، فإن جميع البشرية بعد الطوفان كلهم من ذرية نوح عليه السلام، لقوله تعالى:"وجعلنا ذريته هم الباقين" [الصافات:77]، وتسمية أبناء نوح عليه السلام إنما عُلم بخبر المؤرخين ليس فيه نص يجب التسليم له، فليس في الكتاب ولا في السنة تسمية أحد من أولاد نوح، لكن هذا يكاد أن يكون إجماعاً بين المؤرخين أن البشرية تعود إلى هؤلاء الثلاثة وأسماؤهم كما ذكر، ولهذا يسمي المؤرخون الأمم المتناسلة من سام يسمونهم الأمم السامية وللمؤرخين أقوال في ذرية هؤلاء، والله أعلم بالغيب وهذا من العلم الذي لا يضر الجهل به، المهم ما أخبر الله به من أن ذرية نوح عليه السلام هم الذين بقوا بعد هلاك قومه، قال سبحانه وتعالى:"ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون*ونجيناه وأهله من الكرب العظيم*وجعلنا ذريته هم الباقين*وتركنا عليه في الآخرين*سلام على نوح في العالمين*إنا كذلك نجزي المحسنين*إنه من عبادنا المؤمنين*ثم أغرقنا الآخرين" [الصافات:75-82].
فنوح عليه السلام هو أبو البشرية الثاني، والله أعلم.

(13/506)


ومما تقدم يُعلم أن (سام) ممن نجا مع أبيه، فهو من أصحاب السفينة وهو من المؤمنين، فإن الذين كفروا بنوح من أهله زوجته وأحد أبنائه ويسميه المؤرخون (كنعان)، واسمه في التاريخ (كنعان)، كما قال تعالى:"ونادى نوح ابنه وكان في معزل يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين" [هود:42] إلى قوله سبحانه:"ونادى نوح ربه فقال إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحاكمين قال يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح" [هود:45-46]، وأما امرأته فذكر الله حالها ومآلها بقوله:"ضرب الله مثلاً للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط كانتا تحت عبدين من عبادنا صالحين فخانتاهما فلم يغنيا عنهما من الله شيئاً وقيل ادخلا النار مع الداخلين" [التحريم:10]، ولهذا قال سبحانه:"حتى إذا جاء أمرنا وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين وأهلك إلا من سبق عليه القول" [هود:40] وفي الآية الأخرى قال:"إلا من سبق عليه القول منهم ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون" [المؤمنون:27]، وأما التسمية بـ (سام) فلا بأس بها، وكذلك باسم (سيرين) وسيرين اسم أعجمي، وهو اسم لأحد ممن سبي في جهاد المسلمين للكفار في عهد التابعين، وهو والد محمد بن سيرين وأنس بن سيرين وحفصة بنت سيرين وكلهم من الصالحين، رحمنا الله وإياهم أجمعين، والله أعلم.

(13/507)


مصطلح: الأبدال، والأقانيم، والإمبريالية
المجيب د. خالد بن عبد الله القاسم
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك سعود
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 14/2/1425هـ
السؤال
سؤالي: أرجو من فضيلتكم تعريف: الأبدال- الأقانيم- الإمبريالية - الديالكتيك.

الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله. وبعد:
(1) الأبدال: لفظة صوفية، تعني الطبقة الرابعة من الأولياء بعد الأقطاب والأئمة والأوتاد، ويزعمون أن لهم قدرة على ضبط نظام الكون، لذا يتجهون إليهم ويستغيثون بهم، وهذا من الشرك الأكبر، نسأل الله السلامة.
(2)الأقانيم: جمع أقنوم، كلمة سريانية تعني شخصاً، والأقانيم عند النصارى هي الأب والابن والروح القدس، وهي مكونات الإله عندهم، والنصارى مختلفون في تفسير الأقانيم؛ فمنهم من قال إنها ثلاثة أشخاص اجتمعت فأصبحت إلهاً واحداً متعدد الأقانيم كالكاثوليك، ومنهم من قال إنها مراحل تقلب فيها الإله إلى إنسان كالأرثوذوكس، وأقوال عديدة وآراء متضاربة، وغموض في تفسيرها، حتى قيل إن النصارى لا يجتمعون على قول في تفسيرها، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك: "لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" [المائدة:73]،وقال سبحانه: "يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً" [النساء:171]، والأقانيم مما دخل على النصرانية من الفلسفة اليونانية.
(3)الإمبريالية: مصطلح أطلق على المستعمرين الأوربيين والمستعبدين والمستعلين على غيرهم، وعمم ليشمل الهيمنة الغربية في مقدرات الشعوب الأخرى، وقد استخدم بكثرة من قبل الشيوعيين والاشتراكيين في ذم الغرب.
(4) الديالكتيك: طريقة في الجدل والاستدلال عند الفلاسفة للوصول إلى الحقائق، وتختلف هذه الطريقة بحسب المدارس الفلسفية، فالمدارس المشككة تعتمد على السفسطة (التشكيك)، وقد استخدمها (هيجل) لتفسير التاريخ القائم على النتائج بين المتناقضات (ردات الأفعال)، كما استخدمها (ماركس) محاولة للتدليل على نظريته المادية الإلحادية.
واستخدم العلماء المسلمون الجدل للدعوة إلى الله بالحسنى كما أمر سبحانه: "وجادلهم بالتي هي أحسن" [النحل: 125]، وقوله سبحانه: "ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن" [العنكبوت: 46]، فالجدل يجب أن يكون له هدف خير، وأن يمارس بآدابه وقواعده المبسوطة في مواضعها.
هذا والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

(13/508)


كتاب (الحكم العطائية)!
المجيب د.علي بن بخيت الزهراني
عضو هيئة التدريس بجامعة أم القرى
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 9/9/1424هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ، وبعد :
كل عام وأنتم بخير ، شيخنا الفاضل: ما رأيكم بـ (الحِكَم العطائية) ؟ وهل هو صحيح بأنه لو صحَّت الصلاة بغير القرآن لصحت بهذا الحكم؟.
الجواب
الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اتَّبع هداه وبعد:
فـ(الحِكَم العطائية) كتيب لتاج الدين أحمد بن محمد بن عطاء الله الإسكندري المتوفى في القاهرة سنة (709) هـ، من كبار المتصوِّفة في عصره، وكان ممن قام على شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ، وتسبب مع جماعة من الصوفية في حبسه ظلماً بمصر سنة (707)هـ، حيث ادعى عليه أشياء لم يثبت منها شيء (البداية والنهاية 14/47).
وأما الكتاب فهو مؤلف في توحيد الصوفية، وبيان أحوالهم ومسالكهم ...
وقد احتفل به الصوفية بالشرح والتعقيب، وأشهر شروحه: شرح ابن عبَّاد النفزي الرندي، المسمى: غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية.
والكتاب في الجملة يدور على عقائد المتصوفة الفاسدة، وفيه كلام يكاد يصرِّح فيه مؤلفة بما تظافر المتصوفة على تسميتها بالحقيقة، وهي عقيدة وحدة الوجود التي ترى أن كل موجود هو الله، ولا وجود لسواه على الحقيقة، وفيها من الكفر ما هو أكفر من عقائد اليهود والنصارى، كما صرح بذلك علماء أهل السنة والجماعة..
ومن ذلك قوله :" ما حجبك عن الله وجود موجود، ولكن حجبك عنه توهم موجود معه".
وقال شارحه ابن عباد :" تقدم أن لا موجود سوى الله تعالى على التحقيق، وأن وجود ما سواه إنما هو وهم مجرد".
وقوله:" سبحان من ستر سر الخصوصية بظهور البشرية..".
قال شارحه ابن عباد:" سر الخصوصية هو: حقيقة المعرفة التي اختص بها أهل ولاية الله -تعالى- بحيث لا يبقى معها وجود لغير ولا كون، فمن لطيف حكمة الله تعالى أن ستر ذلك بما أظهره من البشرية التي من لوازمها وجود الغير والكون ، ولولا هذا الستر لكان سر الله مبتذلاً غير مضمون".
وفيه -عدا ماتقدم- عبارات هي محل نظر كقوله:" طلبك منه (أي من الله) اتهام له .."
يقوله شارحه:" فطلبه من الله تهمة له؛ إذ لو وثق في إيصال منافعه إليه من غير سؤال لما طلب منه شيئاً..".
فسؤال العبد الله ربه ودعاؤه له مذموم عند هؤلاء الصوفية ؛لأنه بزعمهم صادر عن عدم ثقة بالله ، مع أن أنبياء الله ورسله -صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين- قد سألوا ربهم وطلبوا منه أموراً، والكتاب العزيز مليء بذلك..
وكذلك بعض العبارات التي حملها الشارح على ذم التمتع بالطيبات من الرزق الحلال، وترك الزواج والنسل، والتشنيع على من يأخذ بالأسباب، وغير ذلك مما لا شك أنه على خلاف سنة سيد الخلق -صلى الله عليه وسلم-.
ومع ذلك فالكتاب لا يخلو من حكم نافعة ووصايا جامعة، ولكن يفسد ذلك أمران:
الأول : اشتماله على عبارات باطلة، وكلمات موهمة..
الثاني: إفساد النافع منه من قبل من تولى شرحه من المتصوفة بإغراقه في لجج خرافات الصوفية، وأحوالهم غير الشرعية..

(13/509)


وأما شرح البوطي فلم أطلع عليه، والبوطي كما هو معروف من أشد المتصوفة في هذا العصر تعصباً على الدعوة السلفية، وأكثرهم تمجيداً للصوفية ودعوة لها..
والعبارة المذكورة عبارة منكرة لا يحل التكلم بها، ولا يقولها إلا جاهل ، أو أحد من غلاة المتصوفة، وبمثل هذه الكلمة الجائرة التي يفوح منها رائحة الغلو والفساد فضلت هذه الحكم والعبارات على سنة سيد الأنبياء والمرسلين..
فلم يقل أحد مثل ذلك عن حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- الذي أوتي جوامع الكلم، أيقال ذلك عن كلام غيره من البشر.. سبحانك هذا بهتان عظيم ..
نسأل الله -عز وجل- أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه، وأن يرينا الباطل باطلاً ويرزقنا اجتنابه، إنه سميع مجيب..
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين..

(13/510)


آراء ابن تيمية رحمه الله تعالى
المجيب أحمد بن عبدالرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 14/7/1425هـ
السؤال
ما رأي فضيلتكم في آراء ابن تيمية بصفة عامة، وخاصة في حكم صلاة الجماعة؟.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم بين عبد السلام ابن تيمية الحرَّاني من أئمة الهدى، ومن المشهود لهم بالعلم والورع والتقى، نصر الله به الحق، وأعلى به السنة، وقمع به البدعة، وعلى كلٍّ فإن إمامة شيخ الإسلام ابن تيمية من الأمور الواضحة التي لا تحتاج إلى إثبات، وإن كنا لا ندعي العصمة لأحدٍ من البشر بعد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، إلا أن شيخ الإسلام ابن تيمية كان موفقًا في غالب أقواله واجتهاداته، كيف لا وهو ممن جعل الحق هدفه والدليل من الكتاب والسنة قائده، ومن أراد الاطلاع على سيرة هذا الإمام فعليه بكتب السير والتراجم التي تحدثت عن هذا العالم الجليل، ومن أوسعها: كتاب الجامع لسيرة شيخ الإسلام ابن تيمية، من تأليف: محمد عزير شمس وعلي بن محمد العمران، حيث جمع مؤلفا هذا الكتاب أغلب ما كُتِب عن شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن أراد الاطلاع على منهج هذا الإمام في فقهه واجتهاده فعليه بالكتب والرسائل المؤلفة في هذا الجانب، ومن أهمها: كتاب منهج ابن تيمية في الفقه، من تأليف: د.سعود بن صالح العطيشان .
أما ما يتعلق بحكم صلاة الجماعة، فقد اختلف أهل العلم في حكمها بعد اتفاقهم على مشروعيتها وفضلها ، ويمكن حصر اختلافهم فيها على ثلاثة أقوال:
القول الأول: أنها واجبة على الأعيان، وليست شرطًا لصحة الصلاة، ومن تركها بغير عذر فصلاته صحيحة مع الإثم. وقال بهذا القول الحنفية(وسموها سنةً مؤكدة، والسنة المؤكدة عند الحنفية كالواجب، كما قاله الكاساني من علماء الحنفية) والحنابلة، وبعض الشافعية.
القول الثاني: أنها سنة يُستحب فعلها ، ولا يعاقب من تركها. وقال بهذا القول المالكية، وبعض الشافعية.
القول الثالث: أنها واجبة على الأعيان، وهي شرط لصحة الصلاة، ومن تركها من غير عذر فصلاته باطلة. وقال بهذا القول شيخ الإسلام ابن تيمية.
ولكل قول من هذه الأقوال أدلته، والمقام لا يسمح بذكرها وبسطها، إلا أن القول الذي يرجحه المحققون من أهل العلم هو القول الأول، وهو أن صلاة الجماعة واجبة على الرجال وجوبًا عينيًّا، ولا يجوز التخلف عنها إلا لعذر، استدلالاً بقوله عليه الصلاة والسلام: «مَنْ سمِع النداءَ فلمْ يأتِ فلا صلاةَ له، إلَّا مِن عُذرٍ». أخرجه ابن ماجه (793) والدارقطني 1/420 وابن حبان (2046) والحاكم 1/373،بسند صحيح.
وفد سُئل ابن عباس رضي الله عنهما- عن العذر فقال: خوف أو مرض. والأدلة الدالة على وجوب صلاة الجماعة كثيرة جدًّا، ومن أراد الاطلاع عليها فليرجع إلى ما كتبه العلماء في كتاب الصلاة من كتب الفقه.
والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

(13/511)


نسبة كتاب الروح لابن القيم
المجيب د. محمد بن عبدالله الخضيري
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 25/12/1424هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
سؤالي هو: هل كتاب الروح في الكلام على أرواح الأموات والأحياء بالدلائل من الكتاب والسنة هو لابن القيم? وإذا كان له فما حكم بعض الجزئيات العجيبة فيه?.

الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
نعم هذا الكتاب هو للإمام ابن القيم -رحمه الله-، وقد أثبت ذلك جمع من العلماء، وقد تم دراسة الكتاب وتحقيقه في رسالة دكتوراه من جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، قام بها د. بسام علي سلامة العموش، وطبع عام 1410هـ، وأثبت أن الكتاب لابن القيم، ودرس بعض المسائل المهمة في الكتاب، كتلقين الميت وسماع الأموات،ووصول ثواب القرب إلى الميت،وعلى كل حال فإن ابن القيم -رحمه الله تعالى- أحد أئمة السنة ومن أرباب المدرسة السلفية، فهو يعتمد على الأدلة من الكتاب والسنة مقدماً لهما على غيرهما معظماً لهما على ما سواهما.
وفي هذا الكتاب ربما اعتمد في بعض المسائل على بعض الآثار والمرويات الضعيفة، وبعض الرؤى والمنامات من باب الاستشهاد والاستئناس بها، وأي كتاب أو مؤلف لا يضيره أن يكون فيه مسألة أو مسائل يخالفها الدليل ما دام صاحبه قد اجتهد في الوصول إلى الحق والعبرة بكثرة الفضائل والكمالات، والماء إذا بلغ القلتين لم يحمل الخبث
من ذا الذي ترضى سجاياه كلها *** فكى المرء نبلاً أن تعد معايبه.
وطالب العلم الباحث يقرأ بدراية وانتقاء، فما وجد في هذا الكتاب أو في غيره قضية لا توافق الدليل أو ربما خالفت نصاً أو إجماعاً فليردها ممن كانت، ويستغفر لصاحبها ويحفظ له محله ومكانته من العلم والدين، ولا عصمة إلا لكتاب الله -تعالى-، ورسله المبلغين في بلاغهم. والله الهادي إلى سواء السبيل.

(14/1)


تكفير ابن عربي
المجيب د. رشيد بن حسن الألمعي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 19/1/1425هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
هل يجوز تكفير ابن عربي والقول عنه إنه كافر مشرك؟ علماً أن هناك كفراً صراحاً في كتبه وخاصة كتاب الفصوص، أرجو تبيين الحكم -بارك الله فيكم - جزاكم الله خيراً.

الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فأقول -وبالله التوفيق-:
ابن عربي هو أبو بكر محمد بن علي بن محمد الحاتمي الطائي الأندلسي المعروف بابن عربي والملقب عند الصوفية بالشيخ الأكبر والكبريت الأحمر، صاحب كتاب الفصوص، والفتوحات المكية، هلك سنة 638هـ عداده في غلاة الصوفية من أهل وحدة الوجود الذين تقوم بدعتهم على القول بالوحدة الذاتية لجميع الأشياء مع تعدد صورها في الظاهر، فالعالم بما فيه إنما هو التجلي الإلهي الدائم الذي كان ولا يزال، فالموجود واحد وهو الله واجب الوجود الأزلي عين المخلوقات، فكل شيء هو الله، واختلاف الموجودات هو اختلاف في الصور والصفات مع توحد في الذات، ومن أخطر ما تصل إليه هذه العقيدة القول بوحدة الأديان وإسقاط التكاليف والقول بعقيدة النور المحمدي والحقيقة المحمدية والإنسان الكامل.
وحقيقة قولهم فيه مضاهاة لقول الدهرية الطبيعية الذين لا يقرون بواجب أبدع الممكن، وهو قول فرعون، ولهذا كانوا معظمين لفرعون، ثم إنهم جعلوا أهل النار يتنعمون في النار كما يتنعم أهل الجنة في الجنة، وكفروا بحقيقة اليوم الآخر ثم ادّعوا أن الولاية أفضل من النبوة وأن خاتم الأولياء - وهو شيء لا حقيقة له - زعموا أنه أفضل من خاتم الأنبياء بل ومن جميع الأنبياء، وأنهم كلهم يستفيدون من مشكاته العلم بالله.
وقد نقل غير واحد من المحققين من العلماء القول بضلال ابن عربي وفساد معتقده وإليك جملة من القول في ذلك:
قال الحافظ الذهبي رحمه الله: (من أمعن النظر في فصوص الحكم أو أمعن التأمل لاح له العجب، فإن الذكي إذا تأمل من تلك الأقوال والنظائر والأشباه فهو أحد رجلين، إما من الاتحادية في الباطن، وإما من المؤمنين بالله الذين يعدون أن هذه النحلة من أكفر الكفر، نسأل الله العفو، وأن يكتب الإيمان في قلوبنا، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، فوالله لأن يعيش المسلم جاهلاً خلف البقر لا يعرف من العلم شيئاً سوى سور من القرآن يصلي بها الصلوات ويؤمن بالله وباليوم الآخر خير له بكثير من هذا العرفان وهذه الحقائق ولو قرأ مائة كتاب أو عمل مائة خلوة)، انظر ميزان الاعتدال للذهبي (3/660).

(14/2)


وقال مفتي المالكية بمصر والشام القاضي شرف الدين عيسى بن مسعود الزوادي المالكي (ت743هـ) شارح صحيح مسلم: وأما ما تضمنه هذا التصنيف من الهذيان والكفر والبهتان فهو كله تلبيس وضلال، وتحريف وتبديل، فمن صدق بذلك واعتقد صحته كان كافراً ملحداً، صادّاً عن سبيل الله، مخالفاً لسنة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ملحداً في آيات الله مبدلاً لكلماته فإن أظهر ذلك وناظر عليه كان كافراً يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وإن أخفى ذلك وأسرّه كان زنديقاً فيقتل متى ظهر عليه، ولا تقبل توبته إن تاب؛ لأن توبته لا تعرف فقد كان قبل أن يظهر عليه يقول بخلاف ما يبطن، فعلم بالظهور عليه خبث باطنه، وهؤلاء قوم يسمون بالباطنية لم يزالوا من قديم الزمان ضلالاً في الأمة، معروفين بالخروج من الملة يقتلون من ظهر عليهم وينفون من الأرض وعادتهم التمصلح والتدين وادعاء التحقيق، وهم على أسوأ طريق، فالحذر كل الحذر منهم فإنهم أعداء الله وشر من اليهود والنصارى؛ لأنهم قوم لا دين لهم يتبعونه ولا رب يعبدونه وواجب على كل من ظهر على أحد منهم أن ينهي أمره إلى ولاة المسلمين؛ ليحكموا فيه بحكم الله تعالى، ويجب على من ولي الأمر إذا سمع بهذا التصنيف البحث عنه وجمع نسخه حيث وجدها وإحراقها، وأدب من اتهم بهذا المذهب أو نسب إليه أو عرف به على قدر قوة التهمة عليه حتى يعرفه الناس ويحذروه).
وقال ابن خلدون - رحمه الله-: (ومن هؤلاء المتصوفة ابن عربي وابن سبعين وابن برجان وأتباعهم ممن سلك سبيلهم ودان بنحلتهم، ولهم تواليف كثيرة يتداولونها مشحونة بصريح الكفر ومستهجن البدع، وتأويل الظاهر لذلك على أبعد الوجوه وأقبحها مما يستغرب الناظر فيها نسبتها إلى الملة أو عدها في الشريعة، وليس ثناء أحد على هؤلاء حجة ولو بلغ المثني ما عسى أن يبلغ من الفضل لأن الكتاب والسنة أبلغ فضلاً أو شهادة من كل أحد، وأما حكم هذه الكتب المتضمنة لتلك العقائد المضلة وما يوجد من نسخها بأيدي الناس مثل الفصوص، والفتوحات المكية لابن عربي والبد لابن سبعين، وخلع النعلين لابن قسي، وعين اليقين لابن برجان وما أجدر الكثير من شعر ابن الفارض والعفيف التلمساني وأمثالهما أن يلحق بهذه الكتب، وكذا شرح ابن الفرغاني للقصيدة التائية من نظم ابن الفارض، فالحكم في هذه الكتب وأمثالها إذهاب أعيانها متى وجدت بالتحريق بالنار والغسل بالماء حتى ينمحي أثر الكتاب لما في ذلك من المصلحة العامة في الدين بمحو العقائد المختلفة).
وقال بدر الدين بن جماعة ت733هـ: (وأما إنكاره - يعني ابن عربي - ما ورد في الكتاب والسنة من الوعيد فهو كافر به عند علماء التوحيد،وكذلك قوله في نوح وهود -عليهما السلام- قول لغو باطل مردود).

(14/3)


ونقل السخاوي عن الشيخ سراج الدين أبي حفص عمر بن رسلان البلقيني الشافعي ت805هـ قوله: (لم يكن هذا الفاجر المذكور - يعني ابن عربي- على الكتاب والسنة بل كان مخالفاً ولا يحل اعتقاد عقيدته ولا العمل بما أتى به من الباطل وليس كلامه ومعتقده الفاسد تأويلاً يقتضي موافقة الكتاب والسنة، ومن اعتقد عقد الباطل أو تمسك به فليس على طريق الحق بل هو على طريق الباطل، فيلزم من اعتقد ذلك أو تمسك به أن يتوب إلى الله -تعالى- من كفره وإلحاده وزندقته فإن تاب وإلا ضربت عنقه لزندقته، وقد كتبت على ذلك كراريس بالقاهرة ودمشق وبينت فيها أنه أتى بأنواع من الكفر والإلحاد والزندقة ولم يأت بها غيره فنعوذ بالله من طريقة هذا الشيطان ومن طريقة من اتبعه، وأن يجنبنا ما ابتدعه والحال ما ذكر والله أعلم بالصواب).
وقال الصفدي في تاريخه: (سمعت أبا الفتح ابن سيد الناس يقول سمعت ابن دقيق العيد يقول: سألت ابن عبد السلام عن ابن عربي فقال: هو شيخ سوء كذاب يقول بقدم العالم ولا يحرِّم فرجاً).
وممن كشف عواره وألف في بيان كفره وأمثاله الشيخ برهان الدين البقاعي الشافعي المحدث والمفسر والمؤرخ المتوفى سنة 885هـ بدمشق في مصنف له بعنوان: (مصرع التصوف أو تنبيه الغبي إلى تكفير ابن عربي)، انظر منه الصفحات: 150-174.
والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

(14/4)


هل يعد أبو حنيفة من التابعين؟
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 6/11/1424هـ
السؤال
لقد سمعت آراء مختلفة فيما إذا كان الإمام أبو حنيفة روى أي حديث عن صحابي، ومَن مِن الصحابة رآه أبو حنيفة فعلاً يعد تابعياً، فهل روى أبو حنيفة أي أثر مباشر عن الصحابة - رضي الله عنهم-؟ ومن رأى منهم في حياته؟ وهل كان من هؤلاء الصحابة - رضي الله عنهم- من قاتل مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ مع رجاء ذكر اسم المعركة أو المبايعة تحت الشجرة،سواء الذي رآه يعتبر تابعياً، أو روى، أو تعلَّم حديثاً منه.
الجواب
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وبعد:
أبو حنيفة هو: النعمان بن ثابت التيمي الكوفي، الإمام، فقيه الملة، عالم العراق، ولد سنة ثمانين في حياة صغار الصحابة ، حيث أدرك زمن أربعة منهم، وهم أنس بن مالك بالبصرة وعبد الله بن أبي أوفى بالكوفة. وسهل بن سعد الساعدي في المدينة، وأبو الطفيل عامر بن وائلة في مكة.
واختلف هل رأى أحداً منهم أم لا؟، فذكر الذهبي نقلاً عن الخطيب في تاريخ بغداد أنه رأى أنس بن مالك لما قدم عليهم الكوفة ، قال الذهبي : ولم يثبت له حرف عن أحد منهم - أي من الصحابة رضي الله عنهم-سير أعلام النبلاء(6 /390)، وادعى بعض أصحاب أبي حنيفة أنه لقي عدداً من الصحابة فيكون تابعياً، ولكن هذا لم يتحقق ثبوته. والراجح أنه لم يلق أحداً من الصحابة، فهو بهذا من أتباع التابعين.
هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

(14/5)


مرويّات أبي حنيفة رحمه الله؟!
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 15/11/1424هـ
السؤال
هل كان للإمام أبي حنيفة سلسلة معينة أو سلسلة رواة يأخذ عنها؟ سمعت أنه كان للإمام مالك ما يسمى (سلسلة ذهبية)، وكانت عبارة عن سلسلة من أدق الرواة، فهل كان للإمام أبي حنيفة سلسلة رواة متميزين بالصدق التام؟ وما هي؟ أرجو تقديم أمثلة.
سمعت أن الإمام استنبط أحكاماً كثيرة من أحاديث الصحابي عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه-، فمن كان من الرواة بين هذا الصحابي - رضي الله عنه- والإمام أبو حنيفة.
الجواب
الحمد لله،والصلاة والسلام على رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وبعد:
للإمام أبي حنيفة - رحمه الله - مرويات حديثية رواها عنه محمد بن الحسن في كتاب الآثار، ويوجد له مرويات أخرى مبثوثة في تصانيف محمد بن الحسن، وأبي يوسف - رحمهما الله -، وقد اعتنى بعض العلماء بجمع حديثه منهم:
(1)محمد بن محمود الخوارزمي المتوفى سنة 665هـ ، ذكر ذلك صاحب كشف الظنون، وطبع المسند الذي جمعه بمصر سنة 1326هـ.
(2)الحافظ أبو محمد الحارثي، فقد اعتنى بحديث أبي حنيفة فجمعه في مجلدة ورتبه على شيوخ أبي حنيفة. وخرج المرفوع منه الحافظ أبو بكر بن المقري، ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في مقدمة تعجيل المنفعة.
(3)الحسين بن محمد بن خسرو المتوفى سنة 522 هـ، وقال الحافظ الذهبي في ترجمته المحدث العالم جامع مسند أبي حنيفة. سير أعلام النبلاء(19 / 592)، ولا يعرف للإمام سلسلة إسنادية موصوفة بأصح الأسانيد، كما يوجد للإمام مالك - رحمه الله-
وروايته عن ابن مسعود - رضي الله عنه- هي من طريق حماد بن أبي سليمان، عن النخعي، عن ابن مسعود - رضي الله عنه- وفي بعضها عن النخعي، عن علقمة، عن ابن مسعود- رضي الله عنه-.ورواية النخعي عن ابن مسعود - رضي الله عنه-، وإن كانت مرسلة أي منقطعة، وذلك أن النخعي لا يصح له سماع عن أحدٍ من الصحابة - رضي الله عنهم- إلا أن العلماء صححوا مراسيله عن ابن مسعود- رضي الله عنه-، وقد اعتنى الحسيني بتراجم رجال أبي حنيفة ضمن كتابه: التذكرة برجال العشرة. واعتمد في رجال أبي حنيفة على المسند الذي جمعه ابن خسرو، ثم أفرد الحافظ ابن حجر رجال الأربعة ممن ليس له رواية في تهذيب الكمال في كتابه: تعجيل المنفعة. والأربعة هم: أبو حنيفة، مالك ، الشافعي ، أحمد بن حنبل. هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

(14/6)


صحة قول منسوب لرابعة العدوية
المجيب عبد الرحمن بن ناصر البراك
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 23/06/1425هـ
السؤال
قالت رابعة العدوية فيما معناه: (يا رب إذا كنت أسلمت طمعاً في جنتك فاحرمني منها، وإذا كنت أسلمت خوفاً من نارك فأدخلني فيها، وإذا أسلمت طمعاً في رؤية وجهك الكريم فلا تحرمني منه)، أريد دليلاً من الكتاب على صحة قولها هذا.
الجواب
الحمد لله.
رابعة العدوية عابدة مشهورة، وهي من أعلام الصوفية المتقدمين الذين لديهم اجتهاد في العبادة، مع جهل بحقيقة ما توجبه الشريعة في باب السلوك والسير إلى الله من أحوال القلوب وأعمال الجوارح، وقد أفضى بهم الجهل إلى الغلو والتنطع في العبادة مما انحرفوا به عن الصراط المستقيم، ومن ذلك غلوهم في المحبة، حتى زعموا أنهم لا يعبدون الله خوفاً ولا رجاءً، وإنما يعبدونه بالمحبة، وهذا مخالف لطريق الأنبياء والرسل - عليهم الصلاة والسلام- الذين يدعونه سبحانه وتعالى رغباً ورهباً مع حبهم له سبحانه، وابتغائهم إليه الوسيلة، وتقربهم إليه بمحابه ومسارعتهم في ذلك، كما قال تعالى: "إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ"[الأنبياء: من الآية90]، وقال تعالى: "أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُوراً"[الإسراء:57].
وهذه المقولة المنسوبة لرابعة مقالة منكرة تتضمن الزهد في الجنة والاستخفاف بعذاب النار، وأما رؤية الله فإنها أعلى نعيم الجنة، فمن دخل الجنة فاز بالنظر إلى وجه الله الكريم، وسماع كلامه، قال تعالى: "لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ"[يونس: من الآية26]، فالحسنى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله، ويروى معنى هذه المقولة عن رابعة أو غيرها بلفظ: إني لا أعبده خوفاً من ناره، ولا طمعاً في جنته، بل أعبده حباً له.
ولهذا قال بعض أهل العلم: من عبدَ الله بالخوف وحده فهو حروري، -أي: من الخوارج-، ومن عبده بالرجاء فهو مُرجئ، ومن عبده بالحب فهو زنديق، ومن عبده بالحب والخوف والرجاء فهو مؤمن موحد، وأسماء الله وصفاته تقتضي محبته وخوفه ورجاءه، فالله -تعالى- ذو الجمال، والجلال والإكرام، وغافر الذنب، وقابل التوب، شديد العقاب، وكل اسم من أسمائه الحسنى، وصفة من صفاته، تقتضي عبودية خاصة، فمن كان بأسمائه وصفاته أعلم كان له أعبد، وعلى صراطه أقوم.والله أعلم.

(14/7)


البربهاري
المجيب د.سعيد بن ناصر الغامدي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك عبد العزيز
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 17/1/1425هـ
السؤال
من هو الإمام البربهاري؟.
الجواب
البربهاري هو: الحسن بن علي بن خلف أبو محمد البربهاري: شيخ الحنابلة في وقته ومتقدمها في الإنكار على أهل البدع والمباينة لهم باليد واللسان،وكان له صيت عند السلطان، وقدم عند الأصحاب، وكان أحد الأئمة العارفين والحفاظ للأصول المتقنين والثقات المؤمنين، صحب جماعة من أصحاب الإمام أحمد منهم المروذي، وصحب سهل التستري، وصنَّف البربهاري مصنفات منها شرح كتاب السنة.
وكانت للبربهاري مجاهدات ومقامات في الدين كثيرة، وكان المخالفون يغيظون قلب السلطان عليه، ففي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة في خلافة القاهر ووزيره ابن مقلة تقدم بالقبض على البربهاري، فاستتر وقبض على جماعة من كبار أصحابه، وحملوا إلى البصرة وعاقب الله -تعالى- ابن مقلة على فعله ذلك بأن أسخط عليه القاهر، وهرب ابن مقلة وعزله القاهر عن وزارته، وطرح في داره النار فقبض عليه القاهر بالله يوم الأربعاء لست من شهر جمادى الآخرة سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وحبس وخلع وسملت عيناه في هذا اليوم حتى سالتا جمعاً فعمى ثم تفضل الله -تعالى- وأعاد البربهاري إلى حشمته وزادت، حتى أنه لما توفي أبو عبد الله بن عرفة المعروف بنفطويه وحضر جنازته أماثل أبناء الدنيا والدين كان المقدم على جماعتهم في الإمامة البربهاري وذلك في صفر سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة، وفي هذه السنة ازدادت حشمة البربهاري، وعلت كلمته وظهر أصحابه وانتشروا في الإنكار على المبتدعة، فاجتاز بالجانب الغربي فعطس فشمته أصحابه فارتفعت ضجتهم حتى سمعها الخليفة وهو في روشنه فسأل عن الحال فأخبر بها فاستهولها ولم تزل المبتدعة ينقلون قلب الراضي على البربهاري فتقدم الراضي إلى بدر الحرسي صاحب الشرطة بالركوب والنداء ببغداد أن لا يجتمع من أصحاب البربهاري نفسان، فاستتر وكان ينزل بالجانب الغربي بباب محول فانتقل إلى الجانب الشرقي مستتراً فتوفي في الاستتار في رجب سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
قال الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء في ترجمته للبربهاري: شيخ الحنابلة القدوة الإمام أبو محمد الحسن بن علي بن خلف البربهاري الفقيه كان قوالاً للحق، داعية إلى الأثر، لا يخاف في الله لومة لائم، صحب المروذي، وصحب ابن عبد الله التستري، فقيل إن الأشعري لما قدم بغداد جاء إلى أبي محمد البربهاري فجعل يقول: رددت على الجبائي رددت على المجوس وعلى النصارى، فقال أبو محمد: لا أدري ما تقول، ولا نعرف إلا ما قاله الإمام أحمد فخرج وصنف الإبانة فلم يقبل منه.

(14/8)


قال أبو الحسين بن الفراء كان للبربهاري مجاهدات ومقامات في الدين وكان المخالفون يغلظون قلب السلطان عليه، ففي سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة أرادوا حبسه فاختفى وأخذ كبار أصحابه وحملوا إلى البصرة فعاقب الله الوزير ابن مقلة وأعاد الله البربهاري إلى حشمته وزادت،وكثر أصحابه فبلغنا أنه اجتاز بالجانب الغربي فعطس فشمته أصحابه فارتفعت ضجتهم حتى سمعها الخليفة، فأخبر بالحال فاستهولها، ثم لم تزل المبتدعة توحش قلب الراضي حتى نودي في بغداد لا يجتمع اثنان من أصحاب البربهاري، فاختفى وتوفي مستتراً في رجب سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة، فدفن بدار أخت توزون فقيل إنه لما كفن وعنده الخادم صلى عليه وحده فنظرت هي من الروشن فرأت البيت ملآن رجالاً في ثياب بيض يصلون عليه فخافت وطلبت الخادم، فحلف أن لم يفتح وقيل إنه ترك ميراث أبيه تورعاً وكان سبعين ألفاً، في ثلاث وعشرين وثلاثمائة أوقع بأصحاب البربهاري فاستتر وتتبع أصحابه ونهبت منازلهم وعاش سبعاً وسبعين سنة، وكان في آخر عمره قد تزوج بجارية.

(14/9)


أقوال للشافعي في التصوف
المجيب د. رشيد بن حسن الألمعي
عضو هيئة التدريس بجامعة الملك خالد
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 26/1/1425هـ
السؤال
أرجو التكرم بشرح قولي الإمام الشافعي التاليين:
لا يكون أحداً صوفيًّا في الصباح حتى يصبح أخرق في الظهر.
القول الثاني المذكور في ديوانه: كن فقيهًا وصوفيًّا في نفس الوقت.
وجزاكم الله خيراً.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، أما بعد:
فأقول ومن الله أستمد العون والتوفيق:
أما القول الأول فلم أقف عليه منسوباً إلى الإمام الشافعي رحمه الله رغم بحثي عنه.
وأما الثاني فقد وقفت على الديوان المنسوب إليه إعداد وتعليق محمد إبراهيم سليم صـ (46) وفيه هذان البيتان:
فقيهًا وصوفيًّا فكن ليس واحداً *** فإني وحق الله إياك أنصح
فذلك قاسٍ لم يذق قلبه تقى *** وهذا جهول كيف ذو الجهل يصلح
وهذان البيتان في نفسي شيء من صحة نسبتهما إلى الإمام الشافعي - رحمه الله-، إذ ليس كل ما نسب إليه من الشعر ثابتاً عنه، ولما تضمنه البيت الثاني من الغلو في الحكم على الفقهاء فضلاً عن البون الظاهر بين هذين البيتين، وبين ما اشتهر نسبته إلى الإمام الشافعي من شعر رصين جزل الألفاظ عظيم الدلالات، وعلى أي حال فهذان القولان إن ثبتت نسبتهما إليه فمحمولان على أن المراد ذم ما عليه أهل التصوف في الجملة؛ لأن التصوف وإن كان في بداياته زهداً وإيثاراً للعزلة وعدم الاختلاط بالناس طلباً للسلامة في الدين إلا أنه لم يلبث أن حاد عن المنهج الحق الذي دعا إليه الإسلام من الزهد المقترن بالعلم والعمل والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونفع الأمة ونشر الدين، ثم زاد هذا الانحراف عندما اختلط التصوف بالفلسفات الهندية واليونانية والرهبانية النصرانية في العصور المتأخرة.
وقد ظهر في بعض متقدميهم الذين عاصرهم الشافعي أو سبقوه بقليل مجانبة للحق والفقه في الدين من تعذيب النفس بترك الطعام، وتحريم تناول اللحوم، والسياحة في البراري والصحاري، وترك الزواج حتى قال بعضهم: "لا يبلغ الرجل منزلة الصديقين حتى يترك زوجته كأنها أرملة ويؤي إلى مزابل الكلاب" انظر حلية الأولياء (2/359، 6/194) وسير أعلام النبلاء (8/174)، وهذا ونحوه مما يحمل الشافعي على الإنكار عليهم لعدم فقههم في الدين، إذ لو فقهوا في الدين ما فعلوا أو دعوا إلى مثل هذا وأمثاله مما يخالف منهج القرآن والسنة وهدي الصحابة - رضي الله عنهم- وسلف الأمة، ومن تأمل الكثير مما يدعونه مقامات وأحوالاً يجد عجباً من المخاريق والشطح والانحراف وعدم البصيرة في الدين يدرك ذلك من كان له أدنى تأمل وبصيرة، نسأل الله أن يعصمنا بطواعيته وطواعية رسوله - صلى الله عليه وسلم- ، كما أن الفقيه مطالب بالعمل بمقتضى الفقه في الدين من الزهد والتواضع وحسن الخلق ولين الجانب ورقة القلب والبعد عما ينافي هذه الأخلاق الحميدة ليكون جامعاً بين العلم والعمل، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

(14/10)


ابن مسعود والمذهب الحنفي
المجيب أحمد بن عبدالرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 16/05/1425هـ
السؤال
نعيش بإحباط في منطقتنا بأمريكا، فهناك بعض من يتلفظ بالسوء على ابن مسعود - رضي الله عنه- لأجل إظهار ضعف الفقه الحنفي، لأن مدرسة عبد الله بن مسعود هي مدرسة أهل الطرق فماذا نقول لهم عندما يتلفظون بذلك؟ وما هي نصيحتكم لي؛ كي تزيد ثقتي في اتباع المذهب الحنفي بينما الآخرون يهاجمونه؟.
الجواب
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
فإن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- هم خير الناس بعد الرسل والأنبياء، وبهم نصر الله دينه، وحفظ شرعه، قال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه- فيما رواه القرطبي في تفسيره(1/60) وغيره: "من كان متأسياً فليتأس بأصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوباً، وأعمقهاً علماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوا آثارهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم"، ولذلك فإن الواجب على المسلمين محبة أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وتوقيرهم، ومعرفة قدرهم، والقيام بحقهم، والترضي عنهم؛ امتثالاً لما اشتملت عليه النصوص الشرعية من الكتاب والسنة، كقوله تعالى: "والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه"[التوبة: 100]، وفي الجملة فإن عدالة الصحابة - رضي الله عنهم- ومحبتهم والترضي عنهم مما هو معلوم من الدين بالضرورة.

(14/11)


ولذلك حذر أهل العلم من انتقاص الصحابة - رضي الله عنهم- أو سبهم أو الاستهزاء بهم، وعدوا ذلك مخالفة صريحة لمعتقد أهل السنة والجماعة، وجعل العلماء سب الصحابة - رضي الله عنهم- وانتقاص قدرهم قدحاً في الشريعة؛ لأن الشريعة لم تصل إلينا إلا عن طريقهم، فهم كتبة الوحي ونقلة السنة، ومن جملة الصحابة المشهود لهم بالعدالة والفضل: عبد الله بن مسعود بن غافل بن حبيب الهذلي- رضي الله عنه- فهو من أكابر الصحابة - رضي الله عنهم- فضلاً وعلماً وعقلاً، ومن السابقين إلى الإسلام، وأول من جهر بالقرآن بمكة المكرمة، ويشهد لفضله أن الرسول - صلى الله عليه وسلم- قال عنه لما ضحك الصحابة - رضي الله عنهم- من تمايل الريح به: "لهو أثقل عند الله يوم القيامة ميزاناً من أُحد" أخرجه الإمام أحمد(920)، وابن أبي شيبة(12/114)، وقال عنه عمر -رضي الله عنه-: "وعاء مليء علماً"، كما كان ابن مسعود - رضي الله عنه- من فقهاء الصحابة - رضي الله عنهم-، ومن المشتهرين منهم باستنباط الأحكام والعمل بالرأي المحمود في المسائل التي لم يرد فيها نص، ولذلك فإن مدرسة عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه- في العراق تعد النواة الأولى لمدرسة أهل الرأي التي ينسب مذهب الإمام أبي حنيفة إليها، وغير ذلك مما ثبت لعبد الله بن مسعود - رضي الله عنه- من الفضائل، وبعد هذا كيف يجرؤ أحد على انتقاصه أو التلفظ عليه بسوء إلا من كان زائغ القلب فاسد السيرة والسريرة.
ونصيحتي لك فيما يتعلق باتباع مذهب معين: أن الواجب على المسلم عموماً التمسك بالكتاب والسنة، والعمل بما تقتضيه النصوص الشرعية، والوقوف عند حدودها؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- تعبدنا باتباع ما شرعه هو أو رسوله - صلى الله عليه وسلم-، ولم يتعبدنا باتباع الأشخاص مهما بلغوا في العلم والدين، وإنما جاز للعامي اتباع مذهب معين من المذاهب المعتبرة عند أهل العلم؛ لأنه عاجز عن النظر في الأدلة واستنباط الأحكام منها، ولكن ينبغي أن يكون هذا الاتباع متجرداً عن التعصب للمذهب والموالاة والمعاداة فيه، كما أنه لا يجوز لأحد من الناس أن ينتقص مذاهب الأئمة المعتبرة عند أهل العلم كالمذاهب الأربعة المشهود لها: (الحنفي، والمالكي، والشافعي، والحنبلي)؛ لأن هذه المذاهب اعتبرها العلماء قديماً وحديثاً وشهدوا لأئمتها بالعلم والفضل، ولا يعني هذا أن هذه المذاهب معصومة عن الخطأ أو أن كل ما فيها صحيح وحق، بل فيها الصحيح وغيره، ولكن الذي لا شك فيه أن هؤلاء الأئمة مجتهدون، فإن أصابوا فلهم أجران، وإن أخطئوا فلهم أجر واحد.
والله الموفق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

(14/12)


الشيخ محمد بن عبد الوهاب.. والموالد
المجيب د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 25/06/1425هـ
السؤال
لماذا جاز للسعودية أن تحتفل بذكر محمد بن عبد الوهاب في مؤتمر أنفقت عليه مئات الآلاف ، ولا يجوز لنا أن نحتفل بذكرى مولد رسول الله - صلى الله عليه وسلم؟ ومن أولى بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم- أم محمد بن عبد الوهاب ؟ سؤال يردده بعض أهل العلم في مدينة دمشق. نرجو منكم الإجابة عليه.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
ما كان أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب إلا مجرد مؤتمر علمي أقيم سنة 1400هـ تحت إشراف جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، حيث تضمن هذا المؤتمر جملة من الأبحاث المتعددة فيما يتعلق بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب من جهة نشأتها وآثارها، والشبهات التي أثيرت حولها مع الجواب عنها، كما قد طبعت مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب بعد جمعها وترتيبها وتحقيقها.
والفرق بين ذلك المؤتمر العلمي وبين الاحتفال بالمولد النبوي ظاهر جلي، فإن أسبوع الشيخ محمد بن عبد الوهاب على أنه عبادة بذاته إنما قصد به بيان هذه الدعوة وإنصاف مجددها، كما أن أسبوع الشيخ لا يتكرر ولا يعود، كما هو حال الذين يحتفلون بالمولد النبوي، ويتعاهدون ذلك كل عام، فهذا الأسبوع أقيم منذ ربع قرن وانتهى الأمر.

(14/13)


كتاب (شوارق الأنوار)
المجيب د. محمد بن عبدالله الخضيري
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 11/10/1425هـ
السؤال
السلام عليكم و رحمة الله وبركاته.
أرجو من فضيلتكم إفتائي بكتاب قد أحضرته لي إحدى صديقاتي اسمه: (شوارق الأنوار من أدعية السادة الأخيار). فقد رأيت في هذا الكتاب ما أرابني به، فقد شككت بأمره؛ فالكتاب كله أدعية، لكنها أدعية طويلة ولأول مرة أقرؤها. إليكم بعض ما جاء من عناوين الأدعية في الفهرس: (الورد اللطيف) للحبيب عبد الله الحداد، (العشرات والمسبعات) حزب النووي، (ورد الإمام علي بن أبي بكر السكران)، (ورد الإمام أبي بكر بن سالم العلوي)، (دعاء جامع للإمام الحسين بن الشيخ أبي بكر السالم)، (صلاة الفاتح)، (صلاة السرور). وقد لاحظت أنهم يحددون عدة مرات من القراءة، مثلاً: اقرأ دعاء البسملة (786 مرة)، وقل: يا الله 66 مرة. وقد ورد في بعض الأدعية دعاؤهم بجاه محمد صلى الله عليه وسلم: (اللهم إني أسألك بجاه نبيك محمد صلى الله عليه وسلم). أفتوني جزاكم الله خيرًا، فقد تم نشر هذا الكتاب بنسخ كثيرة.
الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
يا أختي: هذا الكتاب واحد من المؤلفات الصوفية الكثيرة التي لها طرائق متعددة كالرفاعية والأحمدية، والشاذلية، وغيرها، وقد ملؤوا كتبهم هذه بـ:
1- أدعية وأوراد مأثورة مسندة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أو إلى أحد الصحابة، رضي الله عنهم، بعضها صحيح وبعضها ضعيف أو موضوع، وهذا قليل في هذه الكتب.
2- أدعية وأوراد مبتكرة منسوبة إلى من يسمون بالأولياء والأقطاب والأوتاد من الصوفية، بل لا يكاد ولي أو صاحب طريقة، إلا وقد اخترع لله ذكرًا ووردًا ألزم به أتباعه ومريديه.
3- تحديد عدد مرات القراءة للآيات أو للأذكار بأرقام طويلة جدًّا أحيانًا تزيد على الألف وكثير منها بالمئات، وهذه كلها بدع ومحدثات ما أنزل الله بها من سلطان.
فأنصحكِ بترك هذه الكتب ومناصحة من يوزعها وينشرها، واستبدلي بذلك الأذكار الشرعية على الطريقة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، وتجدين ذلك في صحيح البخاري وصحيح مسلم، وكتب السنن، وكتب الأذكار المصنفة في هذا المجال مثل: كتاب الأذكار للنووي، والكلم الطيب لشيخ الإسلام وصحيحه للألباني، والوابل الصيب لابن القيم، وحصن المسلم، وغيرها مما هو موجود ومؤلف من علماء أهل السنة. وفق الله الجميع لرضاه.

(14/14)


خولة بنت الأزور: حقيقة أم أسطورة
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 29/08/1425هـ
السؤال
السلام عليكم ورحمة الله و بركاته.
لقد قرأت مقالة يحاول فيها الكاتب إثبات أن شخصية الصحابية خولة بنت الأزور ، شقيقة الصحابي ضرار بن الأزور- رضي الله عنه- هي شخصية خيالية وليس لها وجود، فقد قال: إن ذكرها جاء في كتاب واحد هو (فتوح الشام) المنسوب للواقدي، وبناء على ذلك نفى الكاتب حقيقة تلك الشخصية، في الحقيقة لم تتضمن المقالة أي مراجع أو توثيقات يعتمد عليها، ولم تذكر من هو القائل، فقد وصلني النص فقط، لذلك رأيت أن أسألكم حول صحة هذا الكلام، وهل شخصية الصحابية خولة بنت الأزور، شقيقة الصحابي ضرار بن الأزور، شخصية حقيقية أم خيالية؟ وجزاكم الله عنا كل الخير.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد:
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
خولة بنت الأزور : لا وجود لها في كتب معرفة الصحابة، ولا في كتب التاريخ والتراجم ، وإنما ذكرت في كتاب (فتوح الشام) المتداول بين الناس ، والمنسوب للواقدي ولا تصح نسبته للواقدي ، وهذا أمر معروف عند الباحثين ، ثم إن المعروف في حروب النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه- رضي الله عنهم- أن المرأة لا تشارك الرجال في القتال، وإنما تقوم بمداواة الجرحى وسقي الغزاة ومساعدتهم، ولم تكن تباشر القتال، ثم إن الصحابي الجليل ضرار بن الأزور -رضي الله عنه- لم يذكر في ترجمته أن له أختاً تسمى خولة، ولو كانت مشهورة معروفة لناسب ذكرها، والذي يظهر أن خولة بنت الأزور شخصية أسطورية ، لا وجود لها، والله أعلم. هذا والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.

(14/15)


هل لورقة بن نوفل صحبة؟
المجيب د. محمد بن عبد الله القناص
عضو هيئة التدريس بجامعة القصيم
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 05/01/1426هـ
السؤال
هل تصح الصحبة لورقة بن نوفل، وقد قال للنبي صلى الله عليه وسلم: (إن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا). وقال الذهبي [في السير ترجمة سعيد بن زيد]: مر ورقة بن نوفل على بلال وهو يعذَّب، يلصق ظهره بالرمضاء وهو يقول: أحد أحد. فقال ورقة: أحد أحد يا بلال، صبرًا يا بلال، لم تعذبونه؟ فوالذي نفسي بيده لئن قتلتموه لأتخذنه حنانًا- يقول: لأتمسحن به- هذا مرسل. وورقة لو أدرك هذا لعد من الصحابة، رضي الله عنهم، وإنما مات الرجل في فترة الوحي بعد النبوة وقبل الرسالة، كما في الصحيح، أرجو إفادتنا بالقول الفصل في صحبة ورقة. وجزاكم الله خيرًا.
الجواب
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وبعد:

(14/16)


ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى بن قصي القرشي الأسدي ابن عم خديجة زوج النبي صلى الله عليه وآله وسلم . ذكره الطبري وابن قانع وابن السكن، وغيرهم في الصحابة، وقال الحافظ العراقي: " ينبغي أن يقال: إن أول من آمن من الرجال ورقة بن نوفل ، لحديث الصحيحين في بدء الوحي " [ ينظر:تدريب الراوي ( 2 / 229 ) ] ، وقد ثبت في الصحيحين [ البخاري ح (4) ، ومسلم ح (160) ] من حديث عائشة - رضي الله عنها- قالت: " فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ابْنَ عَمِّ خَدِيجَةَ وَكَانَ امْرَأً قَدْ تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ يَا ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيكَ فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ يَا ابْنَ أَخِي مَاذَا تَرَى فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَبَرَ مَا رَأَى فَقَالَ لَهُ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي نَزَّلَ اللَّهُ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ قَالَ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمِثْلِ مَا جِئْتَ بِهِ إِلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا ثُمَّ لَمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أَنْ تُوُفِّيَ وَفَتَرَ الْوَحْيُ "، قال الحافظ ابن كثير: " وقوله: ثم لم ينشب ورقة أن توفي أي توفي بعد هذه القصة بقليل رحمه الله ورضي عنه فإن مثل هذا الذي صدر عنه تصديق بما وجد، وإيمان بما حصل من الوحي ونية صالحة للمستقبل " [ ينظر: البداية والنهاية ( 3/9 ) ] ، وقال ابن حجر: " فهذا ظاهره أنه أقر بنبوته ولكنه مات قبل أن يدعو رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى الإسلام " وأخرج الإمام أحمد في المسند ح ( 23231 ) من حديث عائشة - رضي الله عنها- : أَنَّ خَدِيجَةَ سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ فَقَالَ: " قَدْ رَأَيْتُهُ فِي الْمَنَامِ فَرَأَيْتُ عَلَيْهِ ثِيَابُ بَيَاضٍ فَأَحْسِبُهُ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثِيَابَ بَيَاضٍ " ، قال ابن كثير: " وهذا إسناد حسن، لكن رواه الزهري وهشام عن عروة مرسلاً "، وفي زيادات المغازي من رواية يونس بن بكير عن بن إسحاق قال يونس بن بكير عن يونس بن عمرو وهو بن أبي إسحاق السبيعي عن أبيه عن جده عن أبي ميسرة - واسمه عمرو بن شرحبيل - وهو من كبار التابعين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لخديجة إني إذا خلوت وحدي سمعت نداء فقد والله خشيت على نفسي فقالت معاذ الله ما كان الله ليفعل بك فوالله انك لتؤدي الأمانة الحديث فقال له ورقة أبشر ثم أبشر فأنا أشهد أنك الذي بشر به ابن مريم وأنك على مثل ناموس موسى وأنك نبي مرسل وانك سوف تؤمر بالجهاد بعد يومك هذا وان يدركني ذلك لأجاهدن

(14/17)


معك فلما توفي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد رأيت القس في الجنة عليه ثياب الحرير لأنه آمن بي وصدقني ، وفي هذا الإسناد انقطاع، ويعتضد بما أخرجه الزبير بن بكار عن عثمان عن الضحاك بن عثمان عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عروة بن الزبير قال: كان بلال لجارية من بني جمح وكانوا يعذبونه برمضاء مكة يلصقون ظهره بالرمضاء لكي يشرك فيقول: أحد أحد فيمر به ورقة وهو على تلك الحال فيقول أحد أحد يا بلال والله لئن قتلتموه لأتخذنه حنانا، قال الحافظ ابن حجر: " وهذا مرسل جيد يدل على أن ورقة عاش إلى أن دعا النبي صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام حتى أسلم بلال ".[ الإصابة في تمييز الصحابة (6/607) ] ويمكن أن يسلك مسلكان بين الرواية التي تدل على تأخر ورقة حتى دعا الرسول صلى الله عليه وسلم إلى الإسلام، وما جاء في الصحيح أنه توفي قبل ذلك، أحدهما: أن يرجح ما في الصحيح لأن ما في الصحيح أصح، ويقال: يكفي في إيمانه وتصديقه ما جاء في الصحيح كما تقدم عن الحافظين ابن كثير وابن حجر . ثانيهما: أن يقال بالجمع بين ما جاء في الصحيح وما ورد من تأخر ورقة، وذلك أن يقال: قوله وفتر الوحي ليست للترتيب، قال الحافظ ابن حجر: " فلعل الراوي لم يحفظ لورقة ذكراً بعد ذلك في أمر من الأمور فجعل هذه القصة انتهاء أمره بالنسبة إلى علمه لا إلى ما هو الواقع " [ ينظر: فتح الباري ( 1/27 ) ]، وقد ألف أبو الحسن برهان الدين إبراهيم البقاعي الشافعي تأليفاً في إيمان ورقة بالنبي وصحبته له، قال البغدادي في خزانة الأدب ( 3/391 ) : " ولقد أجاد في جمعه وشدد الإنكار على من أنكر صحبته ، وجمع فيه الأخبار التي نقلت عن ورقة - رضي الله عنه - بالتصريح بإيمانه بالنبي صلى الله عليه وسلم، وسروره بنبوته، والأخبار الشاهدة له بأنه في الجنة ... " ثم قال البغدادي: " وحاصل ما ذكره البقاعي في شأن ورقة بن نوفل: أنه ممن وحد الله في الجاهلية، فخالف قريشاً وسائر العرب في عبادة الأوثان وسائر أنواع الإشراك، وعرف بعقله الصحيح أنهم أخطئوا دين أبيهم إبراهيم الخليل عليه السلام، ووحد الله تعالى واجتهد في تطلب الحنيفية دين إبراهيم ليعرف أحب الوجوه إلى الله تعالى في العبادة ، فلم يكتف بما هداه إليه عقله، بل ضرب في الأرض ليأخذ عن علمه عن أهل العلم بكتب الله المنزلة من عنده، الضابطة للأديان، فأداه سؤاله أهل الذكر الذين أمر الله بسؤالهم إلى أن اتبع الدين الذي أوجبه الله في ذلك الزمان، وهو الناسخ لشريعة موسى عليه السلام: دين النصرانية، ولم يتبعهم في التبديل، بل في التوحيد، وصار يبحث عن النبي صلى الله عليه وسلم ، الذي بشر به موسى وعيسى عليهما السلام، فلما أخبرته ابنة عمه الصديقة الكبرى خديجة رضوان الله عليها بما رأت وأخبرت به في شأن النبي صلى الله عليه وسلم، من المخايل: بإضلال الغمام ونحوها ترجى أن يكون هو المبشر به، وقال في ذلك أشعاراً يتشوق فيها غاية التشوق إلى إنجاز الأمر الموعود، لينخلع من النصرانية إلى دينه، لأنه كان قال لزيد بن عمرو بن نفيل - لما قال لهم العلماء: إن أحب الدين إلى الله دين هذا المبشر به - : أنا أستمر على نصرانيتي إلى أن يأتي هذا النبي ، فلما حقق الله الأمر

(14/18)


وأوقع الأرهاصات : بالسلام من الأشجار والأحجار على النبي صلى الله عليه وسلم، وبمناداة إسرافيل عليه السلام للنبي صلى الله عليه وسلم مع الاستتار منه، وخاف النبي صلى الله عليه وسلم من ذلك فاشتد خوفه، فنقل ذلك إلى ورقة - رضي الله عنه - ، اشتد سروره بذلك وثبته ، وشد قلبه وشجعه ، فلما بدا له الأمر بفراغ نوبة إسرافيل وأتاه جبريل عليه السلام وفعل ما أمره الله به شق صدره الشريف، وغسل قلبه وإيداعه الحكمة والرحمة وما شاء الله ، وتبدى له جبريل، وأنزل عليه بعض القرآن وأخبره به، قف شعر ورقة وسبح الله وقدسه وعظم سروره بذلك ، وشهد أنه الذي أنزل عليه كلام الله ، وشهد أنه نبي هذه الأمة، وتمنى أن يعيش إلى أن يجاهد معه، هذا مع ما له بالنبي صلى الله عليه وسلم وزوجه الصديقة خديجة من عظم القرب والإنتساب الموجب للحب ، رضي الله عنه وأرضاه . " [ ينظر: خزانة الأدب للبغدادي ( 3/391 - 395 ) ].

(14/19)


إسلام عبد المطلب
المجيب عبد الرحمن بن عبدالله العجلان
المدرس بالحرم المكي
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 14/04/1426هـ
السؤال
بسم الله الرحمن الرحيم
سمعت داعية في إحدى القنوات الفضائية يقول عن عبد المطلب جد نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم-: إنه رجل مؤمن حنفي، وذلك خلال شرحه لقصة عبد المطلب مع أصحاب الفيل عندما قال: إن للبيت ربًّا يحميه. وقد قال بالضبط: إن هذا هو التوحيد بعينه. سؤالي: هل فعلاً عبد المطلب كما ذُكِر؟ وهل نعتبره مسلمًا يجوز الترحم عليه؟ وجزاكم الله خيرًا.

الجواب
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
عبد المطلب جد النبي -صلى الله عليه وسلم- مات قبل بعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- فهو من أهل الفترة، ولا يصح أن يعتبر مسلمًا، وأما قوله: أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه. فهذا اعتراف بتوحيد الربوبية، وغالب كفار قريش يعترفون بتوحيد الربوبية، ولم يدخلهم ذلك في الإسلام؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قاتل كفار قريش مطالبًا إياهم بالإيمان بتوحيد الألوهية، وهو أن يعبد الله وحده، وكذا عمه أبو طالب أدرك الإسلام، وأبى أن يسلم، ومات على ملة عبد المطلب، والدليل على أن كثيرًا من كفار قريش وغيرهم من الكفار كانوا يعترفون بتوحيد الربوبية قول الله جل وعلا: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ )[العنكبوت:61]. وقوله جل وعلا: (وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّن نَّزَّلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ) [العنكبوت:63]. والآيات في مثل هذا كثيرة في كتاب الله.
وقد قاتل النبي -صلى الله عليه وسلم- هؤلاء مريدًا منهم أن يخلصوا العبادة لله وحده، فإيمان المرء بتوحيد الربوبية لا يدخله في الإسلام، وإنما يدخله في الإسلام الإيمانُ بتوحيد الربوبية، والإيمان بتوحيد الألوهية، وهو ألا يعبد إلا الله، والإيمان بتوحيد الأسماء والصفات. والله أعلم.

(14/20)


الهجوم على المذهب الحنفي
المجيب أحمد بن عبدالرحمن الرشيد
عضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية
التصنيف الفهرسة/ السيرة والتاريخ والتراجم/التراجم والسير
التاريخ 29/06/1425هـ
السؤال
السلام عليكم.
كما تعلمون كان المذهب الحنفي مذهباً شرعياً قوياً، أخذ به أعظم السلاطين كتشريع في دولهم، وما تجرأ أحد أن يتكلم فيه منذ نشأ في سنة 95هـ، لكن الملاحظ منذ نحو عشرين سنة بدأ التهجم على هذا المذهب بأنه قائم على الرأي، ويتهمون الإمام أبا حنيفة بعدم معرفة الحديث النبوي. بماذا تعللون السبب في هذا التهجُّم الشرس الذي ظهر في هذه الأيام؟.
الجواب
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:

(14/21)