صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


المصدر : موقع وزارة الأوقاف المصرية
http://www.islamic-council.com

بيع العربون

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
اتفقت مع شخص على شراء شىء وأعطيته عربونا ، ثم رجعت فى هذا البيع ، فهل لى الحق فى استرداد العربون ؟

الجواب
إن العربون الذى يُدفع تمهيدا لشراء شىء أو استئجاره يرجع فيه إلى اتفاق الطرفين ، أو إلى العرف الجارى فى الوسط الذى يتعاقد فيه المتعاقدان . فلو كان هناك اتفاق على إرجاعه إن لم يتم العقد ، أو كان العرف يقضى بذلك وجب إرجاعه لمن دفعه ، ولو كان هناك اتفاق على سقوط حق المشترى أو المستأجر فيه إن لم يتم العقد أصلا، أو لم يتم فى مدة معينة، أو كان العرف يقتضى ذلك سقط حقه فيه ، فالأصل هو الاتفاق ، فإن لم يوجد فالعرف . ولا يوجد نص يمنع ذلك ، وما رواه ابن ماجه أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن بيع العربون ضعفه الإمام أحمد وأجاز بيع العربون ، لما رواه عن نافع بن عبد الحارث أنه اشترى لعمر دارا للسجن من صفوان بن أمية بأربعة آلاف درهم ، فإن رضى عمر كان البيع نافذا ، وإن لم يرض فلصفوان أربعمائة درهم . وقال ابن سيرين وسعيد بن المسيب : لا بأس إذا كره السلعة أن يردها ويرد معها شيئا، وأجازه أيضا ابن عمر، لكن كل ذلك فى عقد تمت فيه الصفقة مع الخيار، أما إن لم يتم العقد فالأمر متروك للاتفاق والعرف .
هذا ، وقد ذكر الشوكانى فى "نيل الأوطار ج 5 ص 163 " أن حديث النهى عن بيع العربون وإن كان ضعيفا فله طرق يقوى بعضها بعضا ، وأخذ به أبو حنيفة ومالك والشافعى ، وعلل حرمته عند هؤلاء الأئمة بأن فيه شرطين فاسدين ، أحدهما شرط كون ما دفعه إليه يكون مجانا بلا مقابل إن لم يتم العقد -وذلك إذا كان الشرط أن يأخذ البائع العربون إذا لم يتم العقد- والشرط الثانى الرد على البائع إذا لم يقع منه الرضا بالبيع ، وقال : إذا دار الأمر بين الحظر والإباحة ترجح الحظر .
وأرى الأخذ بمقتضى الشرط إن وجد فالمؤمنون عند شروطهم ، ومثله العرف إن لم يوجد شرط ، وما دام الأمر خلافيا ، فلا مانع من الأخذ بأى رأى

(9/398)


بيع العينة وبيع ما لم يقبض

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هو المقصود ببيع العينة وما حكمه ؟

الجواب
بيع العينة -بكسر العين أى السلف- أن يشترى شخص سلعة من شخص آخر بثمن فى الذمة، ثم يبيعها المشترى إلى البائع بثمن أقل يأخذه نقدا ، وهو ممنوع شرعا ، لأن فيه حيلة الربا، وقد ورد فيها من حديث عائشة الذى رواه الدارقطنى وابن عمر الذى رواه أحمد وأبو داود منعها، وهى تفارق صورة أخرى أن يشترى شخص سلعة بثمن آجل ثم يبيعها من شخص آخر غير البائع بثمن أقل نقدا، وهذه جائزة لأن المشترى غير البائع ، والأولى من حيل الربا .
ومن المحرم بيع ما لم يقبضه المشترى ، كأن يشترى سلعة بثمن ثم يبيعها لشخص آخر قبل أن يقبضها . لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال لحكيم بن حزام " لاتبع ما ليس عندك " وقال :
"لا يحل سلف وبيع ، ولا بيع ما ليس عندك " وقال "من اشترى طعاما فلا يبعه حتى يستوفيَه " قال ابن عمر: كنا نشترى الطعام جزافا، فيبعث رسول اللّه صلى الله عليه وسلم من ينهانا أن نبيعه حتى ننقله إلى رحالنا ، وثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه نهى أن تباع السلع حيث تبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم .
والطرق التى روى بها النهى عن بيع العينة ضعيفة وإن كان يقوى بعضها ببعضا ، وقال بحرمة هذا البيع مالك وأبو حنيفة وأحمد، وأجازه الشافعى وأصحابه ، ناظرين إلى صحة صورة البيع ، أما النية فلا شأن لها بذلك ، والآخرون نظروا إلى القصد من هذا البيع والتحايل به على الربا فحرموه "نيل الأوطار للشوكانى ج 5 ص 220"

(9/399)


بيع الوفاء

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نسمع أن هناك بيعا اسمه ببع الوفاء ، فما المقصود منه وما حكمه ؟

الجواب
صورة بيع الوفاء أن يقترض المحتاج مبلغا من المال من شخص ، ثم يبيع له فى نظير ذلك جزءا معينا من الأرض تزيد قيمته على قيمة القرض ، ويكون البيع لمدة معينة ينتفع فى أثنائها الدائن بالأرض انتفاع المالك لها ، وفى نهاية المدة إذا لم يسدد المقترض المبلغ تصير الأرض ملكا تاما للدائن فى مقابل القرض .
قال بعض العلماء : إن صورة العقد أنها بيع ولكن لأجل يفسد بعد انتهائه ، وهذا يبطل العقد ، لأن طبيعة البيع أنها للتمليك الدائم لا المؤقت ، وما تزال الأرض ملكا لصاحبها الذى باعها .
وقال بعضهم : إنها رهن فى صورة عقد بيع ، وحكم الرهن أن الأرض ما تزال مملوكة لصاحبها الذى رهنها ، ولا يتصرف فيها المرتهن إلا بإذن الراهن ، وعند سداد الدين ترد الأرض لمالكها ، وعند عدم السداد يمكن بيع الأرض ليستوفي الدائن منها حقه وما بقى من ثمنها لمالكها .
قال البدر العينى شارح البخارى فى كتابه "المسائل البدرية" : بيع الوفاء أن يقول البائع للمشترى : بعت منك هذا بما لك علىَّ من الدين ، على أنى متى وفيت الدين فهو لى . فهو فى الحقيقة رهن ، والمبيع فى يد المشترى كالرهن فى يد المرتهن لا يملكه ، ولا يباح له الانتفاع به إلا بإذن المالك ، وهو ضامن لما أكل من ثمره واستهلك من عينه ، والدين ساقط بهلاكه فى يده إذا كان فيه وفاء بالدين .
قال المصنف : والصحيح أن العقد الذى جرى بينهما إن كان بلفظ البيع لا يكون رهنا ، فإن ذكرا شرط الفسخ فى البيع فسد البيع ، وإلا فإن تلفظا بلفظ البيع بشرط الوفاء على وجه النفاذ ، أو تلفظا بالبيع الجائز جاز البيع ، ويلزم الوفاء بالميعاد، لأن المواعيد قد تكون لازمة فيجعل الميعاد لازما لحاجة الناس . انتهى "مجلة الإسلام -المجلد الرابع- العدد 12 "

(9/400)


القرض الذى جر نفعا

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يقول بعض الناس أن القرض الذى جر نفعا ليس ربا، لأنه لم يرد حديث صحيح عن النبى صلى الله عليه وسلم بهذا المعنى ، فهل هذا صحيح ؟

الجواب
القرض إعطاء شىء للغير يستفيد به ليرده أو يرد مثله إليه ، وهو أمر مشروع داخل فى مضمون التعاون على البر، بل مندوب إليه ومرغب فيه ، لأن الغالب فيه أن يكون من حاجة ، وحديث مسلم يقول "من نفَّس عن مؤمن كربة من كرب الدنيا نفس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة ، ومن يسر على معسر يسر الله عليه فى الدنيا والآخرة، واللّه فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه " وفى حديث يقبل فى فضائل الأعمال رواه ابن ماجه عن أنس "الصدقة بعشر أمثالها ، والقرض بثمانية عشر والله سبحانه يقول {من ذا الذى يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة} البقرة : 245 .
وقال ابن مسعود : ما من مسلم يقرض مسلما قرضا مرتين إلا كان كصدقتها مرة . رواه ابن ماجه مرفوعا إلى النبى صلى الله عليه وسلم ، والصواب أنه موقوف على ابن مسعود "نيل الأوطار ج 5 ص 243" .
والقرض يكون من النقود ومن الأطعمة وكل ما له مثل ، كما يكون من الحيوانات ، على رأى الجمهور، فقد استقرض رسول الله صلى الله عليه وسلم جملا، وأعطى صاحبه أحسن منه كما رواه مسلم وغيره وقال "خيركم أحسنكم قضاء" ومنع أبو حنيفة قرض الحيوان .
والواجب على المقترض رد القرض بدون زيادة عليه ، فقد أجمع المسلمون نقلا عن نبيهم صلى الله عليه وسلم أن اشتراط الزيادة فى السلف ربا ولو كانت قبضة من علف -كما قال ابن مسعود- أو حبة واحدة ، ويجوز أن يرد أفضل مما يستلف إذا لم يشترط ذلك عليه كما فعل النبى صلى الله عليه وسلم وكما قال : كما رواه البخارى ومسلم " إن خيركم أحسنكم قضاء" .
وإهداء المقترض إلى المقرض ورد فيه حديث ابن ماجه "إذا أقرض أحدكم أخاه قرضا فأهدى له أو حمله على دابته فلا يقبلها ولا يركبها ، إلا أن يكون جرى بينه وبينه قبل ذلك " وهو حديث ضعيف ، وورد فى تاريخ البخارى حديث "إذا أقرض فلا يأخذ هدية" وجاء فى صحيح البخارى أن عبد اللّه بن سلام قال لأبى بردة بن أبى موسى لما قدم المدينة : إنك بأرض فيها الربا فاش ، فإن كان لك على رجل حق فأهدى إليك حمل تبن أو حمل شعير أو حمل قت فلا تأخذه فإنه ربا . والقت هو الدريس أو البرسيم المجفف .
إزاء هذه المأثورات قال جمهور العلماء : يجوز رد القرض بما هو أفضل منه إذا لم يكن ذلك مشروطا فى العقد ، وقال المالكية : إذا كانت الزيادة بالعدد لم يجز، كرد الواحد اثنين ، وإن كانت بالوصف جازت ، كرد الحيوان الكبير بدل الصغير .
ولا يلزم من جواز الزيادة فى القضاء على مقدار الدين أن تجوز الهدية ونحوها قبل القضاء ، لأنها بمنزلة الرشوة . يقول الشوكانى "نيل الأوطار ج 5 ص 246 " : والحاصل أن الهدية والعارية ونحوهما إذا كانت لأجل التنفيس فى أجل الدين ، أو لأجل رشوة صاحب الدين ، أو لأجل أن يكون لصاحب الدين منفعة فى مقابل دينه فذلك محرم ، لأنه نوع من الربا أو الرشوة ، وإن كان ذلك لأجل عادة جارية بين المقرض والمستقرض قبل التداين فلا بأس . وإن لم يكن ذلك لغرض أصلا فالظاهر المنع ، لإطلاق النهى عن ذلك . وأما الزيادة على مقدار الدين عند القضاء بغير شرط ولا إضمار فالظاهر الجواز من غير فرق بين الزيادة فى الصفة والمقدار والقليل والكثير، بل هو مستحب كما قال الشافعية لحديث "إن خيركم أحسنكم قضاء" .
ثم يقول الشوكانى بعد ذلك وهو إجابة عما ورد فى السؤال : مما يدل على عدم حل القرض الذى يجر إلى المقرض نفعا ما أخرجه البيهقى فى المعرفة عن فضالة بن عبيد موقوفا بلفظ "كل قرض جر منفعة فهو وجه من وجوه الربا" ورواه فى السنن الكبرى عن ابن مسعود وأبى بن كعب وعبد الله بن سلام وابن عباس موقوفا عليهم ، ورواه الحارث بن أبى أسامة من حديث على عليه السلام بلفظ : إن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عن قرض جر منفعة وفى رواية : كل قرض جرمنفعة فهو ربا . وفى إسناده سوار بن مصعب ، وهو متروك قال عمر بن زيد فى المغنى : لم يصح فيه شىء ، ووهم إمام الحرمين والغزالى فقالا: إنه صح ، ولا خبرة لهما بهذا الفن . انتهى .
يؤخذ من هذا أن "كل قرض جر نفعا فهو ربا" ليس حديثا مرفوعا إلى النبى صلى الله عليه وسلم ولا مانع من الأخذ به ما دامت تتفق دلالته مع ما ورد من القرآن فى تحريم الربا ، وعمل الصحابة وفتوى الفقهاء تؤيده .
وأما الحكم فخلاصته : إن كان النفع مشروطا فهو ربا ، وإلا فهو جائز، ومثل الشرط العرف ، لقاعدة : المعروف عرفا كالمشروط شرطا .
والهدايا إن كانت من أجل القرض فهى حرام ، وإلا فهى جائزة

(9/401)


القرض الحسن والقرض بفائدة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما الفرق بين القرض الحسن ، والقرض من البنك لقاء زيادة، وذلك للحاجة إليه ، للاستهلاك أو للإنتاج ؟

الجواب
القرض هو إعطاء المال على سبيل استرداده بعد فترة معينة، والمال قد يكون نقدا وقد يكون عينا كالبر والشعير، وقد يكون حيوانا، وذلك عند جمهور الفقهاء ، ومنع الحنفية قرض الحيوان .
والقرض الحسن هو الذى لا تشترط فيه زيادة عند رده ، وثوابه عظيم عند الله سبحانه ، لأنه من باب التيسير على المعسر، والتعاون على الخير، وقيل إن ثوابه أفضل من ثواب الصدقة ، لأن القرض يكون من حاجة ، بخلاف الصدقة ، وروى فى ذلك حديث مقبول "الصدقة بعشر أمثالها ، والقرض بثمانية عشر" .
وكان القرض فى الجاهلية مشروطا بزيادة فى نظير تأجيل الدين ، وتتكرر الزيادة بتكرار الأجل ، ويطلق عليه لفظ "الربا" .
ومن صوره كما قال ابن حجر : أن يدفع الواحد ماله إلى غيره إلى أجل مسمى ، على أن يأخذ منه كل شهر قدرا معينا ، ورأس المال باق بحاله ، فإذا حل طلبه ، فإن تعذر الأداء زاد فى الحق والأجل .
والقرض من البنك بفائدة حرام ، بناء على القول المأثور الذى تدعمه النصوص الصحيحة "كل قرض جر نفعا فهو ربا" .
وقد يقال : إن الفائدة على القرض هى لتغطية نفقات البنك والعاملين فيه ، وتقاس على نفقة القرض المنقول إلى مكان غير مكان التعاقد عليه ، فعن مالك أنه بلغه أن عمر رضى الله عنه سئل فى رجل أسلف طعاما على أن يعطيه إياه فى بلد آخر، فكره عمر وقال : أين كراء الجمل ؟ فالمقرض طلب من المقترض نفقة نقل القرض إلى البلد الآخر، ولكن عمر كره أن يتحملها المقترض ، لأنه مقتضى العقد، والكراهة بمعنى التحريم .
وجاء فى فقه الشافعية أن من اقترض من إنسان شيئا وجب عليه أن يرده إلى المقرض فى محل الإقراض إذا كان القرض يحتاج نقله إلى نفقة فإذا لم يتحمل المقترض تلك النفقة لا يجبر المقرض على القبول ، وإنما يجبر المقترض على دفعها أو تسليم القرض فى محل الإقراض . وورد مثله عن المالكية والأحناف . "الأعمال المصرفية والإسلام " ص 83 ، 84 .
وجاء أيضا جواز احتساب الأجر على العمل عامة ، كأجر السمسرة وأجر كتابة الوثائق والسجلات والخطابات .
والبنوك الحالية تحتاج فى نشاطها إلى تغطية نفقات العاملين بها ، فلتكن من الفائدة التى تفرض على القرض .
لكن رد ذلك بأن الفائدة لو كانت فى مقابل النفقات لكانت موحدة فى كل البنوك . لكنها تختلف باختلاف مركز المقترض والضمان المتقدم ومدة القرض ، كما أنها تتكرر كل عام طيلة مدة القرض ، مع أنها لو أريد إلحاقها بالنفقة فلا بد من أخذها من أول العام فقط ، وعلى ذلك فقياس الفائدة على أجرة السمسار ونفقة القرض غير جائز .
وقد يقال أيضا : إن الفائده على القرض جزء من ربح مضاربة لأن القرض الذى يقدمه البنك إما استهلاكى وإما إنتاجى ، والإنتاجى يستثمر عن طريق المضاربة ، التى يكون فيها المال من جهة البنك والعمل من جهة المقترض ، على أن يقسم الربح بينهما بنسبة معلومة شائعة .
ورد عليه بأن المضاربة لا يجوز فيها اشتراط ضمان المال على المضارب عند الخسارة ولا يجوز تحديد الربح كخمسة أو عشرة لأحد المتعاقدين ، ونشاط القرض من البنك يتحمله المقترض وحده ، والربح محدد وليس نسبيا .
وقد نازع بعض فقهاء العصر فى ذلك فأجازوا تحديد الربح ، لأنه لا يشبه الربا المخرب للبيوت ، والتراضى على ذلك موجود بين الطرفين ، ولا دليل على جعل الربح بالنسبة ، والفائدة المحرمة ما كانت مضاعفة ومركبة .
ورد ذلك بنفى عدم الدليل على المضاربة بشروطها المعروفة، فالإجماع منعقد عليها وأن تحديد نسبة الربح مأخوذ عن على رضى الله عنه ، وأجمع فقهاء السلف عليه دون مخالف لهم فإقرار الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة أن يكون الربح مشاعا لا محددا أمر مجمع عليه توارثه الخلف عن السلف .
هذا . وقد قيل : إنه يشك فى صدور هذه الآراء المحللة للفائدة على القرض إلى أصحابها، وأن بعضهم رجع عنها ، "يراجع فى توضيح ذلك الكتاب المذكور"

(9/402)


حلف التجار لترويج السلع

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين فيمن يحلف بالطلاق ثلاثا ليسهل عمليات البيع والشراء، وما حكم الدين فى الأرباح التى يحققها بهذا الأسلوب ؟

الجواب
معلوم أن أبغض الحلال إلى الله الطلاق ، ومعلوم أن الإسلام نهى عن الحلف بغير الله ، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليسكت ، حتى الحلف بالله لا يلجأ إليه إلا عند الحاجة الملحة، كما قال تعالى { ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم ان تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس } البقرة : 224 على ما فسره البعض بالنهى عن الحلف للحمل على البر والتقوى والإصلاح ، والتأكيد على عمل الخير .
والذى يحلف بالطلاق من أجل ترويج بضاعته إن كان كاذبا فزوجته طالق على رأى جمهور الفقهاء ، ورأى بعضهم أن الحلف به معلق إن لم يقصد طلاق زوجته فلا يقع طلاق ، وعليه كفارة يمين إن كان كاذبا .
ونحذر التجار من الحلف مطلقا لترويج البضاعة ، وبخاصة إذا كان الحلف كذبا ، فالكسب الذى يأتى من هذا الطريق الكاذب حرام ، وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به ، وقد جاء الحديث ناهيا عن مثل هذا الحلف فقال صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد بإسناد جيد والحاكم وصححه "إن التجار هم الفجار" قالوا : يا رسول الله أليس قد أحل الله البيع ؟ قال "بلى ولكنهم يحلفون فيأثمون ، ويحدثون فيكذبون " وفيما رواه البخارى ومسلم "ثلاثة لا يكلمهم اللّه يوم القيامة ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم ، رجل على فضل ماء بفلاة يمنعه ابن السبيل ، ورجل بايع رجلا بسلعته بعد العصر فحلف بالله لأخذها بكذا وكذا ، فصدقه فأخذها وهو على غير ذلك ، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها ما يريد وفَّى له ، وإن لم يعطه لم يوف " وفيما رواه مسلم "إياكم وكثرة الحلف في البيع ، فإنه ينفق -أى يروج السلعة- ثم يمحق " أى يذهب البركة

(9/403)


التوارث بين المسلم وغيره

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يحدث أن بعض الأشخاص يدخلون فى الإسلام وتنقطع صلتهم بأهليهم ثم يموت هو، أو يموت قريبه غير المسلم فهل يكون بينهما توارث وإذا كان الإسلام قد أحل زواج الكتابية، فهل لو مات أحد الزوجن يرثه الآخر؟

الجواب
لا خلاف بين أحد من العلماء فى أن الكافر لا يرث من تركة المسلم شيئا إذا كانت بينهما صلة زواج أو قرابة ، كأن تزوج المسلم كتابية ومات عنها ، أو أسلم كافر ومات والورثة ما زالوا مصرين على الكفر حتى قسمت التركة وذلك لحديث الصحيحين .
واختلفوا فيما إذا مات المسلم ثم أسلمت زوجته أو أحد أقاربه قبل توزيع التركة فذهب أبو حنيفة ومالك والشافعى وأصحابهم إلى أن الكافر لا يرث من تركة المسلم شيئا بأى سبب من أسباب الميراث ، لا فرق بين أن يسلم الكافر قبل تقسيم التركة أو لا يسلم ، وذهب أحمد بن حنبل إلى أن الزوجة الكتابية ترث من تركة زوجها المسلم ، وأن القريب الكافر يرث من قريبه المسلم إذا أسلم كل واحد منهما قبل أن تقسم التركة .
أما ميراث المسلم من الكافر، فى مثل الزوج يرث زوجته الكتابية ، والمسلم يرث قريبه الكافر، فقد اتفق الأئمة الأربعة أيضا على أن المسلم لا يرث من الكافر شيئا بسبب الزوجية أو القرابة .
وكان معاذ بن جبل ومعاوية بن أبى سفيان وسعيد بن المسيب ومسروق والنخعى ومحمد ابن الحنفية وإسحاق بن راهويه يرون أن المسلم يرث من الكافر بسبب الزوجية أو القرابة ، وهو رأى ضعيف ، وما جاءوا به لا ينهض دليلا لصحة الرأى .
هذا ، وأما المرتد عن الإسلام فذهب الشافعية والماليكة إلى أنه لا يرث أحدا من المسلمين أو من غيرهم بأى سبب من أسباب الميراث ، ولا يرثه أحد من المسلمين أو من غيرهم كذلك ، حتى لو ارتد أخوان عن الإسلام إلى النصرانية أو غيرها لا يرث أحدهما الآخر .
وذهب أبو حنيفة إلى أن المرتد لو كان رجلا وبقى على ردته حتى مات فماله الذى كسبه قبل الردة تركة تقسم بين الورثة المسلمين ، أما ماله الذى كسبه فى حال ردته فيكون فيئا للمسلمين ، وإن كان المرتد امرأة فجميع ما تتركه يكون تركة تقسم بين ورثتها المسلمين ، سواء كسبته قبل الردة أم بعدها ، "محمد محيى الدين على شرح الرحبية"

(9/404)


الميراث والتحول الجنسى

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يحدث تعديل فى الميراث إذا تغير جنس الوارث بعد توزيع الميراث ؟

الجواب
عمليات التحول الجنسى ظهرت حديثا ، وبينا حكم الشرع فيها ، ومن تطبيقاتها هذه المسألة ، وقد جاء فى المادة 46 من قانون الميراث المعمول به فى مصر أن الخنثى المشكل الذى لا يعرف كونه ذكرا أو أنثى له أقل النصيبين ، وما بقى من التركة يعطى لباقى الورثة ، أما إذا لم يكن مشكلا بأن ولد ذكرا بين الذكورة ، أو أنثى بَيِّن الأنوثة عومل بحاله الذى هو عليه عند موت مورثه ، ولا يضر بعد ذلك تحوله إلى جنس آخر

(9/405)


بيع الثمر على الشجر

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين فى بيع الثمار وهى على الأشجار لم تنضج بعد؟

الجواب
الثمار قبل أن تنضج لها حالتان ، الحالة الأولى لا تكون صالحة ، والحالة الثانية يبدو صلاحها .
فبيعها قبل صلاحها جاء النهى عنه فى رواية لأحمد وأصحاب السنن إلا النسائى، فعن أنس رضى الله عنه قال : نهى النبى صلى الله عليه وسلم عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد .
وعلى هذا الرأى جماعة من العلماء ، ورأى آخرون أن البيع يصح ، تمسكا بعموم قوله تعالى{وأحل الله البيع} البقرة :275 قال أبو حنيفة : ويؤمر بالقطع وهو المشهور من مذهب الشافعى .
فأما البيع بعد الصلاح التام فيصح مع شرط القطع إجماعا ، ويفسد البيع مع شرط البقاء إجماعا إن جهلت المدة ، فإن علمت صح عند بعضهم .
أما بيعها قبل بدو صلاحها فقد جاء النهى عنه فى قوله صلى الله عليه وسلم "لا تبيعوا الثمار حتى يبدو صلاحها" رواه مسلم وغيره .
وعليه فقد حكم ببطلانه قلة من العلماء ، وقال الجمهور بصحته إذا شرط قطع الثمار، وقال أكثر الحنفية ، يصح إن لم يشترط التبقية على الشجر .
فالموضوع فيه خلاف ، ويجوز اتباع أى رأى . ولزيادة المعرفة يراجع "نيل الأوطار للشوكانى" ج 5 ص 185

(9/406)


التهرب من الضرائب

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز التهرب من الضرائب ؟

الجواب
الضرائب فريضة مالية قررها ولى الأمر لتغطية النفقات والحاجات اللازمة للأمة إذا لم تف أموال الزكاة بذلك . وهى مشروعة إذا كانت عادلة فى تقديرها وفى جبايتها ، ولا يجوز التهرب منها ، لأن الله أمرنا بطاعة أولى الأمر فيما فيه مصلحة كما قال سبحانه {يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم } النساء : 59 .
وقد تعرض القرطبى فى تفسيره "ج 16 ص 42 " إلى هذه المسألة فقال : اختلف علماؤنا فى السلطان يضع على أهل بلد مالا معلوما يأخذهم ويؤدونه على قدر أموالهم ، هل لمن قدر على الخلاص من ذلك أن يفعل ، وهو إذا تخلص أخذ سائر أهل البلد بتمام ما جعل عليهم ، فقيل : لا، وهو قول سحنون من علمائنا -المالكية- وقيل :
نعم ، له ذلك إن قدر على الخلاص ، وإليه ذهب أبو جعفر أحمد بن نصر الداودى ثم المالكى، قال : ويدل عليه قول مالك فى الساعى يأخذ من غنم أحد الخلفاء شاة وليس فى جميعها نصاب : إنها مظلمة على من أخذت له ، لا يرجع على أصحابه بشىء ، قال : ولست آخذ بما روى عن سحنون ، لأن الظلم لا أسوة فيه ، ولا يلزم أحد أن يولج نفسه فى ظلم مخافة أن يضاعف الظلم على غيره ، والله سبحانه يقول "إنما السبيل على الذين يظلمون الناس " . الشورى : 42

(9/407)


الحلف على ترويج التجارة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ساومت تاجرا عل ثمن سلعة فحلف لى أنه دفع فيها أكثر مما دفعته له ، ثم سألت عنها عند تاجر آخر فرأيت ثمنها أقل من ذلك بكثير، فما رأى الدين فى هذا الحلف ؟

الجواب
لقد حذرنا الإسلام من الفتنة بالدنيا فمتاعها قليل والآخرة خير وأبقى ، ومن أكثر الناس افتتانا بها من يعملون فى ميدان التجارة لذلك وضع الإسلام لها آدابا تحقق الربح فى الدنيا والآخرة ، ففى حديث حسن رواه الترمذى وابن ماجه "التاجر الصدوق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء" وفى حديث رواه البيهقى "أن أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدَّثوا لم يكذبوا وإذا ائتمنوا لم يخونوا -وإذا وعدوا لم يخلفوا ، وإذا اشتروا لم يذموا ، وإذا باعوا لم يمدحوا ، وإذا كان عليهم لم يمطلوا ، وإذا كان لهم لم يعسروا" فمن الآداب إذا اشتروا سلعة لا يذمونها ويبخسونها حقها، وإذا باعوها لم يمدحوا فيها مدحا مبالغا فيه ، وإذا كان عليهم حق لغيرهم لا يماطلون فى دفعه ما داموا قادرين ، وإذا كان لهم حق على غيرهم لا يطلبونه وهم معسرون ، بل يؤجلونه إلى ميسرة .
ومما يتورط فيه التجار بغية الكسب والكسب الكثير، الحلف بالله أنه اشترى السلعة بثمن غال حتى يأخذ ممن يبتاعها منه ثمنا أغلى ولو فرض أنه صادق فى حلفه فإن الحلف بالله حتى فى فعل الخير مذموم لقوله تعالى : {ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم أن تبروا وتتقوا وتصلحوا بين الناس } البقرة : 224 وهو أشد ذمًّا إذا حلف ألا يفعل الخير وأفحش ما يكون الحلف ذما إذا كان كاذبا فيه ، وبخاصة إذا توصل به إلى مغنم دنيوى لا يدفع عنه غضب اللّه وقد جاء فى ذلك حديث البخارى ومسلم وأصحاب السنن "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم " ومنهم : "رجل بايع رجلا بسلعته بعد العصر فحلف بالله أنه اشتراها بكذا وكذا فصدَّقه فأخذها وهى على غير ذلك" روى البخارى ومسلم "الحلف منفقة للسلعة ممحقة للكسب " إن الذي يحلف كذبا غاش والحديث الذى رواه مسلم يقول "من غشنا فليس منا" وعليه أن يكفِّر عن يمينه ويتوب إلى اللّه برد المظالم إلى أهلها ، والذى يقتطع مال امرئ مسلم بغير حق حتى لو لم يكن هناك حلف بالله حرم الله عليه الجنة كما رواه مسلم وأى لحم نبت من سحت فالنار أولى به كما رواه الطبرانى واللقمة من الحرام فى جوف الإنسان تحول دون استجابة الدعاء ، بل تمنع قبول عمله أربعين يوما كما رواه الطبرانى ولكثرة ما يقع فيه التجار الحريصون على الدنيا من أخطاء جاء الحديث الذى رواه أحمد بإسناد جيد "إن التجار هم الفجار" قالوا : يا رسول الله أليس الله قد أحل البيع ؟ قال "بلى ولكنهم يحلفون فيأثمون ويحدثون فيكذبون" فلنضع أمام أعيننا جميعا قول النبى صلى الله عليه وسلم فيما رواه ابن حبان "لا تستبطئوا الرزق فإنه لم يكن عبد ليموت حتى يبلغ آخر رزق هو له ، فأجملوا فى الطلب " وقوله "من كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه ، وشتت عليه شمله ، ولم يأته منها إلا ما كتب له " رواه ابن ماجه

(9/408)


الرجوع فى الهبة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
أهدى رجل بنته حليا من الذهب ثم أعطته له ليحفظه أمانة يردها عند الطلب ، فلما طلبته رفض، فهل الحلى من حق الأب أو من حق البنت ؟

الجواب
الهبة فى الشرع هى تمليك الإنسان شيئا من ماله لغيره فى حياته بلا عوض ، فإذا كان التمليك بعد الوفاة كان وصية ، وإذا كان بعوض كان هدية أو بيعا .
والهبة فى الحياة بدون عوض مشروعة بل مندوبة لما فيها من تأليف القلوب ، وقد جاء فى الحديث الحسن "تهادوا تحابوا" وكما حث الرسول صلى الله عليه وسلم على تقديمها حث على قبولها ، ففى حديث أحمد "من جاءه من أخيه معروف من غير إشراف -أى تطلع- ولا مسألة فليقبله ولا يرده ، فإنما هو رزق ساقه اللّه إليه " وكان عليه الصلاة والسلام يقبل الهدية، فقد جاء فى رواية أحمد "لو أهدى إلىَّ كراع لقبلت" والكراع من عظام الأطراف .
والهبة تستحق للموهوب له بمجرد العقد حتى لو لم يقبضها، كما قال مالك وأحمد، لكن أبا حنيفة والشافعى شرطا القبض حتى تكون لازمة ، والرجوع فى الهبة حرام عند جمهور العلماء ، إلا إذا كانت من الوالد لولده ، فإن له أن يرجع فيها ، لما رواه أصحاب السنن أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "لا يحل لرجل أن يعطى عطية أو يهب هبة فيرجع فيها ، إلا الوالد فيما يعطى ولده" وحكم الوالد حكم الوالدة، ويستوى فى الولد أن يكون كبيرا أو صغيرا ، ذكرا أو أنثى .
وقال أبو حنيفة : ليس له الرجوع فيما وهب لابنه ولكل ذى رحم من الأرحام ، وهو رأى غير قوى لمعارضته للحديث . وجاء فى النهى عن الرجوع فى الهبة حديث الترمذى وغيره وهو حسن صحيح "مثل الذى يعطى العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يأكل ،فإذا شبع قاء ثم عاد فى قيئه" وفى إحدى الروايات "ليس لنا مثل السوء، الذى يعود فى هبته كالكلب يرجع فى قيئه" .
وبخصوص السؤال نقول : إن هذا الحلى صار من حق البنت عندما قبضته من والدها ، لكن يجوز لوالدها أن يرجع فى هذه الهبة ، ويصير الحلى من حقه بناء على رأى جمهور الفقهاء المستند إلى الحديث ، وأبو حنيفة يقول إنه من حقها هى، وإن كان رأى الجمهور، أقوى لكنى أقول للوالد : إن كنت محتاجا إلى هذا الحلى فهو حلال لك ، وإن كنت غير محتاج فأولى أن تكرم به بنتك يعطيك الله على ذلك ثوابا عظيما ، اللهم إلا إذا كانت هناك ظروف يقدرها الوالد لمصلحة البنت ، والأعمال بالنيات

(9/409)


خيار العيب

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
جاءنا السؤال الآتى قمت بعملية مقايضة على سلعة معينة مع شخص آخر وقرأنا الفاتحة على عدم الرجوع ، ولكن ظهر لى بعد ذلك أن فى السلعة عيبا لم يكن ظاهرا لى، وبذلك رجعت فى المقايضة، فهل لقراءة الفاتحة كفارة وما رأى الدين فى ذلك ؟

الجواب
من أخلاق الإسلام النصح وعدم الغش ، ومحبة الخير للغير كما يحب الإنسان لنفسه ، وبخصوص البيع صح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لمن يبيع طعاما أخفى تحته طعاما مبلولا "من غشنا فليس منا" رواه مسلم وقال "لا يحل لمسلم باع من أخيه بيعا وفيه عيب إلا بينه له " رواه الحاكم والبيهقى وأحمد وابن ماجه بألفاظ متقاربة فالبائع فى هذه المسألة مذنب ما دام لم يبين للمشترى العيب الذى فى سلعته وهو يعلم به ، وقد أثبت الفقهاء خيار الرد بالعيب بعد إتمام التعاقد، بناء على أحاديث صحيحة فى المصراة ، وهى الدابة التى يجمع لبنها فى ضرعها وتباع ، فيتوهم المشترى أنها كثيرة اللبن ثم يتبين غير ذلك ، ومن هذا يتبين أن رد السلعة المعيبة لصاحبها أمر مشروع ، وأما قراءة الفاتحة إن اعتبرناها عقدا أو مكملة للعقد فليس لها كفارة ، لأنها ليست يمينا باللِّه ، وعلى البائع أن يتوب من ذنبه ويعزم أكيدا على ألا يعود إلى الغش مرة أخرى ، والحديث الصحيح يقول فى المتبايعين "فإن صدقا وبينا بورك لهما فى بيعهما ، وإن كتما وكذبا محقت بركة بيعهما" رواه البخارى ومسلم

(9/410)


النهى عن أكل حق الغير

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
التقيت فى الخارج بشخص من قريتى وآخر من محافظة بعيدة ، وجرى التعامل بيننا، ولما عدت إلى بلدى كان للرجل البعيد دين علىَّ، فقلت لابن قريتى، سدد هذا الدين ، من الدين الذى لى عليك ولكنه لم يفعل ، وأنا أعرف عنوان هذا الشخص ولا يعرفه أحد، فماذا أفعل ؟

الجواب
نشكر للسائل أمانته وخوفه من أكل حق الغير، ونوجه كل من وكِّل إليه أمر أن ينفذه إذا قبله أو يعفيه من قبول هذه الوكالة فإن الإهمال أوقع السائل فى حرج ، ونقول للسائل :
عليك أن تبحث عن عنوان صاحب الحق الذى له عليك ، ولا تيأس ولا تتعجل بأى تصرف ، وبخاصة إذا كان المبلغ كبيرا لا يسكت الطالب عن البحث عنه وقد يكون من الخير أن تحتفظ به وتوصى من معك أن يؤدوه لصاحبه إن طلبه ولو بعد حين فقد يكون فى حاجة إليه ولا تمل من السؤال عنه ليأخذه ، ولو حدث أنك استثمرت هذا المبلغ لمصلحتك ، فإن لصاحبه إن ظهر ، نصيبا فى الربح إن جعلنا ذلك مضاربة ، وله الربح كله إن كان الاستثمار تصرفا بغير إذن صاحبه ، ولك أجر مادى على هذا الاستثمار، يتفق عليه فإذا عجزت تماما من معرفة هذا الشخص بعد طول المحاولة فتصدق به على نية أن الثواب له وبالله التوفيق

(9/411)


شركة المواشى

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما رأى الدين فى رجل تعاقد مع رجل على شركة مواش بينهما، على أن يكون الأول هو صاحبها عند شرائها، والثانى هو الذى يقوم برعايتها، ونتيجة لإهمال الثانى لم يغلق الحظيرة على المواشى فسرقت ، فكيف يفصل بين الطرفين فى هذا الموضوع ؟

الجواب
التعاون بين المسلمين مطلوب فى كل ما يعود عليهم بالخير، كما قال تعالى {وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان } المائدة : 2 وكما قال النبى صلى الله عليه وسلم "والله فى عون العبد ما كان العبد فى عون أخيه " رواه مسلم ومن مقتضى هذا التعاون أو من دواعيه ، الرحمة والإحساس بحاجة الغير إلى المعونة ، وحتى يكون هذا التعاون الرحيم مثمرا يجب أن يوجد تبادل بين الطرفين المعطى والآخذ ، فى مشاعر الود وحب المصلحة للجميع ، والصدق والأمانة والصراحة في المعاملة . وبدون هذه المشاعر الطيبة والأخلاق الفاضلة لن يثمر التعاون ثمرته المرجوة، حيث يكون التعامل فى جو من النفاق والخداع وفى الحديث الصحيح "آية المنافق ثلاث : إذا حدَّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا أؤتمن خان" رواه البخارى ومسلم ومن أنواع التعاون الجارى فى الريف بالذات أن يشترى إنسان قادر، ماشية ثم يسلمها إلى آخر يجيد مهنة الزراعة وتربية المواشى لأنه فى حاجة إلى هذه الماشية التى لا يمللك ثمنها ، ويقوم هو برعايتها فى مقابل استخدامه لها فى الحرث والرى ، وانتفاعه بما تدره من لبن ، وأحيانا يشترط الطرفان أن يكون الناتج بالولادة مناصفة بينهما .
وإذا كان العقد شريعة المتعاقدين ، والمسلمون عند شروطهم إلا شرطا أحل حراما أو حرم حلالا، فإن هذا التعاقد يختلف عن عقد الشركة التى تحدث عنها الفقهاء ، والتى يكون الربح والخسارة فيها بين الشركاء بقدر أنصبتهم فى الشركة ، وهنا لم يدفع الطرف الثانى شيئا من الثمن ، وهو ليس من المضاربة عند بعض الفقهاء .
ومن أجل أن المسألة التى معنا فيها منفعة لكلا الطرفين فيمكن تخريجها على أنها من باب الوديعة ، فالماشية وديعة وأمانة عند الطرف الثانى الذى لا يملكها ، يحرسها ويرعاها بأجر أو بمقابل هو منافعها التى يحصل عليها منها ، والمودع عنده يجب أن يحافظ على هذه الأمانة بما يقضى به العرف الجارى ، فإذا قصر لزمه العوض . وعلى هذا يجب على الطرف الثانى أن يدفع للأول ثمن الماشية التى سرقت بسبب إهماله .
وحديث "لا ضمان على مؤتمن " ضعيف ، ومع ذلك جاء برواية أخرى للدارقطنى تقيده وهى "ليس على المستعير غير المُغل ضمان ، ولا على المستودع غير المغل ضمان " والمغل هو الخائن فالوديع لا يضمن إلا لجناية منه على العين ، وإهمال رعاية الماشية بعدم إحكام إغلاق الحظيرة عليها يعد جناية ، وبخاصة إذا كان متعمدا لذلك فهو خيانة ولابد من الضمان

(9/412)


رواتب موظفى الضرائب

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين فى الراتب الذى يتقاضاه الموظف من مصلحة الضرائب ؟

الجواب
معلوم أن العلماء قالوا : يجوز للإمام أن يفرض ضرائب على القادرين إذا لم توُفِ الزكاة بسداد حاجات المحتاجين وإصلاح أحوال الأمة ، ومعلوم أن ميزانيات الدول الإسلامية الآن لا تقوم فقط على الزكاة والموارد الأساسية الأولى ، بل لها موارد متعددة منها الضرائب والرسوم وغيرها .
وإذا كان فى هذه الموارد شىء حرام فانه لا يميز وحده بعيدا عن الحلال ، وإنما يختلط الحلال بالحرام ، ويصعب فصل أحدهما عن الآخر، وهنا قال العلماء -كما فى كتاب : إحياء علوم الدين للإمام الغزالى ج 2 ص 115 .
لو اختلط حرام لا يحصر بحلال لا يحصر كحكم الأموال فى زماننا هذا لا يحرم تناول شىء منه ما دام محتملا الحلال والحرام ، إلا أن يقترن بتلك العين علامة تدل على أنه من الحرام ، والدليل على ذلك ما يأتى :
1 - أن أثمان الخمور ودراهم الربا من أيدى أهل الذمة مختلطة بالأموال ، وكذلك غلول الأموال وغلول الغنيمة ، ومن يوم أن نهى الرسول صلى الله عليه وسلم عن الربا فى حجة الوداع ما ترك الناس الربا بأجمعهم ، كما لم يتركوا شرب الخمور، ولا تركوا المعاصى ، وأدرك أصحاب الرسول الأمراء الظلمة ولم يمتنع أحد منهم عن الشراء والبيع فى السوق بسبب نهب المدينة وقد نهبها أصحاب "يزيد" ثلاثة أيام ، والأكثرون لم يمتنعوا عن تلك الأموال مع الاختلاط وكثرة الأموال المنهوبة فى أيام الظلمة .
2 - لو فتح هذا الباب لانسدَّ باب جميع التصرفات وخرب العالم ، إذ الفسق يغلب على الناس ، ويتساهلون بسببه فى شروط البيع فى العقود ، ويؤدى ذلك إلى الاختلاط ، ولو قيل : إن الحرام كثر عن أيام السلف فيجب ترك المختلط الآن - أقول ليس حراما وإنما الورع تركه . وقال القرطبى فى تفسيره "ج 2 ص 109 " ما نصه .
قال ابن خويز منداد : وأما أخذ الأرزاق - المرتبات - من الأئمة الظلمة فلذلك ثلاثة أحوال :
ا- إن كان جميع ما فى أيديهم مأخوذا على موجب الشريعة فجائز أخذه ، وقد أخذت الصحابة والتابعون من يد الحجاج وغيره .
ب- وإن كان مختلطا حلالا وظلما كما فى أيدى الأمراء اليوم فالورع تركه ، ويجوز للمحتاج أخذه .
ج- وإن كان ما فى أيديهم ظلما صراحا فلا يجوز أن يؤخذ من أيديهم ... ولو كان ما فى أيديهم من المال مغصوبا غير أنه لا يعرف له صاحب ولا مطالب فهو كما لو وجد فى أيدى اللصوص وقطاع الطرق ، ويجعل فى بيت المال وينتظر طالبه بقدر الاجتهاد فإذا لم يعرف صرفه الإمام فى مصالح المسلمين .
من هذا وغيره نعرف أن أموال الضرائب التى تقوم مالية الدولة عليها وعلى غيرها ولا يتميز فيها الحلال من الحرام يجوز الأخذ منها والانتفاع بها، كما هو حادث فى هذه الأيام من توجيه الميزانية بما فيها لأجل مصالح الشعب من أجور وغيرها ولا حرج فى ذلك

(9/413)


رواتب الأئمة والمؤذنين

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يقول بعض الناس : إن الأئمة والمؤذنين يقومون بواجبهم الذى فرضه اللّه عليهم ، فلا يستحقون أجرا عليه فى الدنيا، فما رأى الدين فى ذلك ؟

الجواب
سبق فى حكم الأجر على قراءة القرآن "ص 458 من المجلد الثانى" ما نقل عن القرطبى فى حكم المصلى بأجرة ، وأن الإمام مالكا كره ذلك ، والشافعى أجازه وأن أبا حنيفة كرهه .
وذكر الماوردى فى كتابه "الأحكام السلطانية" ص 102 أنه يجوز أن يأخذ الإمام ومأذونه رزقا على الإمامة والأذان من بيت المال من سهم المصالح ، ومنع أبو حنيفة من ذلك .
والحق أن الطاعات لا يأخذ الإنسان عليها أجرا ، لأنها واجبة عليه سيؤديها حتما إن أخذ أجرا أو لم يأخذ ، لكن الطاعات المندوبة كالإمامة والأذان يجوز أخذ الأجر عليها حيث لم تتعين ، وبخاصة إذا شغل عنها بتدبير عيشه قد تهمل فيخص ولى الأمر لها ما يغنى القائم بها عن تحصيل رزقه ، كما جعل عمر لأبى بكر فى بيت المال ما يغنيه عن التجارة من أجل الإنفاق على نفسه وأهله ، وذلك ليتفرغ لمصالح المسلمين

(9/414)


الوصية الواجبة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
مات رجل عن أولاده الصغار قبل وفاة أبيه - فهل يحق لأولاده أن يأخذوا ميراث أبيهم أم لا ؟

الجواب
إذا مات رجل فى حياة والده ، وكان لهذا الرجل أولاد، ثم مات جدهم ، فهل يرثون فى جدهم النصيب الذى كان يستحقه أبوهم ؟ قال تعالى {كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين} البقرة : 180 وقال أيضا {يوصيكم اللّه فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين} النساء : 11 وقال صلى الله عليه وسلم "لا وصية لوارث " رواه أحمد وأبو داود والترمذى وقال : حديث حسن .
تحدث العلماء عن الآية الأولى : هل نسخت بالآية الثانية، بناء على إحدى روايات الحديث المذكور وهى "إن الله أعطى كل ذى حق حقه ، ألا لا وصية لوارث " أو هى باقية لم تنسخ . ثم قالوا فى نظام الميراث :
الابن يحجب أولاد الابن ، لكن البنت لا تحجب أولاد الابن ، فلو مات رجل وترك أبناء وأولاد ابن مات قبله حُرِم هؤلاء الأولاد من الميراث من جدهم ، وتعرضوا للضياع ، لكن لو مات وترك بنتا وأولاد ابن مات قبله فإن هؤلاء الأولاد يرثون فى تركة جدهم كعصبة ، لهم الباقى بعد أصحاب الفروض .
وتلافيا لضياع أولاد الابن المحجوبين عن الميراث وجد أن بعض العلماء قالوا بوجوب الوصية -حسب الآية الأولى- لمن لم يكن لهم ميراث ، وبناء عليه وضع القانون رقم 71 لسنة 1946 م وعمل به فى مصر، من أول أغسطس من العام المذكور ، وجاء فى المادة 76 منه :
إذا لم يوص الميت لفرع ولده الذى مات فى حياته أو مات معه ولو حكما -بمثل ما كان يستحقه هذا الولد ميراثا فى تركته لو كان حيا عند موته - وجبت للفرع فى التركة وصية بقدر هذا النصيب فى حدود الثلث ، بشرط أن يكون غير وارث وألا يكون الميت قد أعطاه بغير عوض عن طريق تصرف آخر قدر ما يجب له ، وإن كان ما أعطاه أقل منه وجبت له وصية بقدر ما يكمله .
وتكون هذه الوصية لأهل الطبقة الأولى من أولاد البنات ولأولاد الأبناء من أولاد الظهور وإن نزلوا .
وعلى هذا يكون لأولاد الابن المتوفى فى حياة أبيه وصية واجبة فى تركة جدهم بمقدار ما كان يستحقه أبوهم لو كان حيًّا ، وذلك بشروط هى :
1- أن يكون هذا الفرع غير وارث ، وهو لا يرث إذا كان هناك عمّ له وهو أخو أبيه .
2- أن يكون الفرع موجودا على قيد الحياة عند موت جده .
3- أن يكون من أولاد الظهور- الأبناء - أو الطبقة الأولى من أولاد البنات .
4- ألا يكون الفرع ممنوعا من ميراث أصله ولا محجوبا به ، كأن يكون قاتلا له أو مرتدا .
5- ألا يكون له نصيب فى الميراث من التركة التى وجبت فيها الوصية ، كما لو استغرقتها الفروض .
6- ألا يكون المتوفى-الجد- قد أعطى فرعه المستحق للوصية الواجبة ما يساوى نصيب أصله بطريق التبرع . فإن كان قد أعطاه بلا مقابل فلا حقَّ له بطريق الوصية ، إلا إذا كان ما أخذه أنقص من استحقاقه ، فيستكمل له .
هذا ، والمادة 37 من القانون المذكور تقول : تصح الوصية بالثلث للوارث وغيره ، وتنفذ من غير إجازة الورثة ، وتصح بما زاد على الثلث ولا تنفذ في الزيادة إلا إذا أجازها الورثة بعد وفاة الموصى وكانوا من أهل التبرع عالمين بما يجيزونه

(9/415)


التجارة فى النجاسات

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يشاهد فى بعض القرى أناس يجمعون مخلفات الحيوانات ويبيعونها كسماد للزرع أو وقود للأفران ، فهل التجارة فى هذه النجاسات حلال ؟

الجواب
فى حديث رواه جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم "إن اللّه حرَّم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام" فقيل : يا رسول الله ، أرأيت شحوم الميتة، فإنه يطلى بها السفن ويدهن بها الجلود ، ويستصبح بها الناس؟ فقال "لا، هو حرام ، قاتل الله اليهود ، إن الله لمَّا حرم شحومها جملوه - أذابوه- ثم باعوه وأكلوا ثمنه" رواه الجماعة .
وروى البيهقى بسند صحيح أن ابن عمر رضى اللّه عنهما سئل عن زيت وقعت فيه فأرة فقال : استصبحوا به ، وادهنوا به أدمكم ، ومر رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على شاة لميمونة فوجدها ميتة ملقاة فقال : "هلاَّ أخذتم إهابها فدبغتموه وانتفعتم به" فقالوا : يا رسول الله إنها ميتة فقال "إنما حرَّم أكلها" رواه الجماعة إلا ابن ماجه .
قال جمهور العلماء : إن بيع النجس والتجارة فيه حرام والعقد عليه باطل ، بناء على الحديث الأول الذى نص على الحرمة وعلى لعن اليهود الذين تاجروا فيه ، أما استعمال النجس فهو حلال لغير الأكل بدليل الحديث الثانى وقول ابن عمر .
هذا ، واستثنى الأحناف من حرمة البيع والتجارة فى النجس كل ما فيه منفعة ، وتبعهم الظاهرية فقالوا : يجوز بيع الأرواث والأزبال النجسة التى تستخدم فى الزراعة والوقود ، وكذلك الزيت النجس والأصباغ المتنجسة ما دام الانتفاع بها فى غير الأكل ، وحجتهم فى ذلك أن الانتفاع ما دام حلالا فالبيع حلال ما دام يقصد به هذا ، وفى غير الأكل ، وأجابوا عن حديث جابر بأن حرمة البيع كانت فى أول الأمر عندما كان المسلمون قريبى العهد باستباحة أكلها ، فلما تمكن الإسلام من نفوسهم أبيح لهم الانتفاع بغير الأكل

(9/416)


المضاربة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
فى البنوك الإسلامية نظام للاستثمار يطلق عليه اسم المضاربة ، فما هى الصورة الحقيقية لهذه المعاملة وما وجه إباحتها؟

الجواب
المضاربة مأخوذة من الضرب فى الأرض وهو السفر للتجارة كما قالى تعالى {وآخرون يضربون فى الأرض يبتغون من فضل الله} المزمل : 20 ويطلق عليها اسم القراض ، وهو مأخوذ من القرض أى القطع ، لأن المالك يقطع جزءا من ماله للتجارة وقطعة من ربحه ، وهى عقد بين طرفين ، يدفع أحدهما نقدا إلى الآخر ليتجر فيه على أن يكون الربح بينهما بنسبة يتفقان عليها .
وهى معاملة جائزة بإجماع الفقهاء ، وكانت موجودة قبل الإسلام حيث ضارب النبى صلى الله عليه وسلم لخديجة رضى الله عنها بمالها ، وسافر به إلى الشام ، ولما جاء الإسلام أقرها، يقول الحافظ ابن حجر: والذى نقطع به أنها كانت ثابتة فى عصر النبى صلى الله عليه وسلم يعلم بها وأقرها ، ولولا ذلك ما جازت ألبتة .
ومن حوادثها أن عبد الله وعبيد الله ابني عمر بن الخطاب ، رضى الله عنهم خرجا فى جيش العراق ، فلما رجعا مرَّا على أبى موسى الأشعرى أمير البصرة فرحب بهما وأبدى استعداده لخدمتهما ، فأعطاهما مالا من مال الله ليوصلاه إلى أمير المؤمنين فى المدينة وأرشدهما إلى استغلاله كسلفة يتجران فيها بشراء سلع من العراق وبيعها فى المدينة يستفيدان من الربح فيها فقبلا منه هذا العرض ، وكتب إلى عمر أن يتسلم منهما المال الذى أرسله ، فلما قدما وباعا وربحا ، قال لهما عمر: أكلَّ الجيش قد أسلف كما أسلفكما؟ فقالا: لا ، فقال عمر: أديا المال وربحه ، فأما عبد الله فسكت وأما عبيد الله فقال : لو هلك المال ضمنَّاه ، فأصر عمر على أن يؤدياه ، وفى النهاية قال رجل لعمر: لو جعلته قراضا؟ يعنى لو عملت فيه بحكم المضاربة وجعلت لهما نصف الربح ؟ فرضى عمر بذلك .
والإسلام أقر هذه المعاملة للحاجة إليها ، فقد يكون هناك مالك لمال لا يحسن استغلاله فيعطيه رجلا لا مال له يحسن استغلاله ، لتكون الثمرة بينهما، يفيد كل منهما وينشط الاقتصاد، ولا ينقص المال المعطل بإخراج زكاته كل عام ، ويجد الفقير عملا حلالا لا يحول دون تعطله والتجائه إلى وسيلة للعيش قد تكون محرمة، كالتسول والسرقة، ففيها تعاون على الخير، واشترط الفقهاء لصحتها أن يكون رأس المال نقدا معلوما ، وأن يكون الربح بين العامل وصاحب رأس المال معلوما بالنسبة لا بالقدر المعين ، كالنصف والثلث والربع مثلا، وهذا ما عامل عليه النبى صلى الله عليه وسلم أهل خيبر بشطر ما يخرج منها ، يقول ابن المنذر: اجمع كل من نحفظ عنه على إبطال القراض -المضاربة- إذا جعل أحدهما أو كلاهما لنفسه دراهم معلومة .
وقالوا فى تعليل ذلك : إنه لو اشتُرط قدر معين لأحدهما فربما لا يكون الربح إلا هذا القدر، فيستفيد به طرف دون الآخر، وهو مناف لحكمة المشروعية فى نفع كل من المتعاقدين .
وهناك شرط اختلف الفقهاء فيه وهو إطلاق النشاط وتقييده ، فقال مالك والشافعى : لا يجوز تقييد المضاربة بالإتجار فى سلعة معينة أو فى بلد معين ، أو فى زمن معين ، أو مع شخص معين ، لأن التقييد قد يضيع فرصا للربح ، لكن أبا حنيفة وأحمد قالا: تصح المضاربة بالإطلاق والتقييد، وفى حالة التقييد لا يجوز للعامل المخالفة، وإلا ضمن ، كما شرط حكيم بن حزام مع من يتاجرفى ماله : ألا يجعله فى كبدٍ رطبة أى حيوان ولا يحمله فى بحر، ولا ينزل به فى بطن مسيل ، وإلا كان ضامنا لما يتلف منه .
والمفروض فى العامل أن يكون أمينا على المال ، فلا يضمن إلا بالتعدى ، فإذا تلف شىء منه فلا شىء عليه ، ويصدق فى قوله مع اليمين إن ادعى ضياعه أو هلاكه .
ثم قال العلماء : لو أعطى العامل هذا المال أو بعضه لشخص آخر يضارب فيه كان متعديا ويكون ضامنا إن كان فيه خسران ، وقال بعضهم : إن كان هناك ربح فهو لصاحب المال ، وقال آخرون : الربح للمضارب ويتصدق به .
والعامل الذى يباشر النشاط تكون نفقته فى ماله هو إذا كان مقيما ، أو سافر من أجل المضاربة ولا يتحملها صاحب المال، فقد تستغرق الربح كله ، والعامل له نصيب فليكن تصرفه فى حدوده ، لكن لو أذن رب المال له فى ذلك فلا مانع ، فالمؤمنون عند شروطهم والعقد شريعة المتعاقدين .
هذا ، وكما يجوز أن يكون المضارب العامل شخصا يجوز أن يكون جماعة أو هيئة أو مؤسسة تقوم بالنشاط التجارى الحلال لا الحرام ، ولا تفرض لصاحب المال قدرا معينا بالنسبة لرأس ماله ولا تتحمل هى الخسارة، بل يتحملها رب المال ما دام لا يوجد تقصير منها ، فلو ضمنت له قدرا معينا لا يتأثر بخسارتها هى ولا بمقدار ما تربحه بطلت المضاربة ، ولو ضاربت هى فى هذا المال بإعطائه لغيرها ضمنت الخسارة ، وإن كان هناك ربح فالربح كله لصاحب المال ، ولها فى نشاطها أجر المثل ، وإن كان أهل الرأى يقولون : إن الربح من حق هذه الجماعة وعليها أن تصرفه فى الخير ولا تتملكه .
ومن هنا يعلم أن البنوك والمؤسسات الأخرى التى تأخذ أموالا من الناس لقاء فائدة محددة بالنسبة لرأس المال لا يصدق عليها أنها تتعامل بنظام المضاربة لأمرين هامين ، هما تحديد الربح وتحمل الخسارة ، ونظام البنوك يمنع أى نشاط تحتمل فيه الخسارة . ولو قيل إنها وكيلة أو نائبة عن أصحاب الأموال ، فإن كل ربح أو خسارة يكون لهم ، ولهذه المؤسسات أجر الوكالة فقط ، وهذا يتنافى مع الواقع فى نشاطهم الذى نصت القوانين على أن الأموال التى يتلقونها هى من باب القرض الذى يجب رده لصاحبه بعينه أو مثله ، فإن شرطت عليه زيادة فهى ربا كما تقدم توضيحه فى ص 74- 82 س من المجلد الأول من هذه الفتاوى

(9/417)


الشركات

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نقرأ فى بعض كتب الفقه كلاما عن أنواع من الشركات كالعنان والمفاوضة والوجوه ، فما هى الفروق بينها وما حكم الشرع فيها؟

الجواب
الشركة كما يقول الأحناف : عقد بين المتشاركين فى رأس المال والربح ، والمشاركة فى الخير مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع ، قال تعالى فى الميراث :{فهم شركاء فى الثلث} النساء : 12 ، وقال صلى الله عليه وسلم قال تعالى: "أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه ، فإن خان أحدهما صاحبه خرجت من بينهما" رواه أبو داود وذكر ابن المنذر أن العلماء أجمعوا على مشروعيتها .
وقسم العلماء الشركة إلى قسمين أساسيين : أحدهما شركة أملاك وهى التى لا يكون فيها عقد ، كالمال الموهوب لأكثر من شخص فيقبلانه ، وكالمال الموروث لأكثر من شخص ، والحكم فيها أنه لا يجوز لأى شريك التصرف فى نصيب الآخر إلا بإذنه .
والقسم الثانى شركة عقود ، وهى أنواع :
أ-شركة العنان ، أن يشترك اثنان فى مال لهما على أن يتجرا فيه والربح بينهما ، ولا يشترط فيها المساواة فى رأس المال ولا فى التصرف ولا فى الربح ، فذلك بحسب الاتفاق وعند الخسارة يتحملانها بنسبة رأس المال .
ب- شركة المفاوضة أن يتعاقد اثنان أو أكثر على الاشتراك فى عمل بشرط التساوى فى المال والتصرف والدين ، وأن يكون كل واحد كفيلا عن الآخر فيما يجب عليه من شراء وبيع كما أنه وكيل عنه . وقد أجازها الحنفية والمالكية ولم يجزها الشافعى لعسر المساواة فيها بسبب الغرر والجهالة ، ولم يصح فى إجازتها حديث ، وصورتها عند المالكية أن يفوض كل شريك إلى الآخر التصرف مع حضوره وغيبته وتكون يده كيده ، ولا يكون شريكه إلا فيما يعقدان الشركة عليه ، ولا يشترط فيها المساواة فى المال .
ج- شركة الوجوه ، أن يشترك اثنان فأكثر من الناس دون أن يكون لهم رأس مال وذلك اعتمادا على جاههم وثقة التجار بهم ، على أن تكون الشركة بينهم فى الربح ، فهى شركة على الذمم من غير صنعة ولا مال ، وأجازها الأحناف والحنابلة ، وأبطلها الشافعية والمالكية لعدم المال والعمل .
د- شركة الأبدان ، أن يتفق اثنان على أن يتقبلا عملا من الأعمال ، على أن تكون الأجرة بينهما حسب الاتفاق ، كالنجارين والحدادين والحمالين وغيرهم من الحرفيين وهى جائزة عند الجمهور، وأبطلها الشافعى، لأن الشركة عنده تختص بالأموال لا بالأعمال .
إن هذه الشركات بتلك الأسماء لا يعرفها تمام المعرفة إلا المتخصصون فى علم الشريعة، لأن هذه الأسماء حادثة بالاصطلاح ليست شرعية ولا لغوية، كما يقول صاحب كتاب "الروضة الندية" ولذلك هو يرى صحة هذه الشركة بأى اصطلاح يكون ما دام لا يوجد فيها شرط فاسد أو عمل محرم ،ورضى الشركاء بها . هذا وقد ذكر ابن قدامة فى كتابه المغنى بعض شركات جائزة منها أن يدفع رجل دابته إلى آخر ليعمل عليها وما يرزقه اللّه منها فهو بينهما حسب الاتفاق ، والشافعى وأصحاب الرأى لا يجيزون ذلك وجعلوا الربح كله لصاحب الدابة ، وللعامل أجرة المثل ، لأن هذه الصورة ليست من صور الشركات وليست مضاربة لأنها لا تكون فى العُروض بل بالتجارة فيها ، وهذه لا يجوز بيعها ولا إخراجها عن ملك صاحبها ، أما الحنابلة فيجوِّزون ذلك لأنها عين تنمى بالعمل عليها ، ولو دفع شبكة إلى الصياد ليصيد بها السمك على أن يكون لكل منهما النصف يصح عند أحمد ولا يصح عند الآخرين فالصيد كله للصياد ولصاحب الشبكة أجر المثل .
ويقول ابن القيم فى "إعلام الموقعين " : لو دفع الشخص بقره ، أو غنمه أو إبله إلى آخر يرعاها والدر والنسل بينهما جاز، وكذلك لو دفع إليه دابته يعمل عليها والأجرة بينهما جاز، ولا يوجد كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس يحرم ذلك

(9/418)


كتابة الوصية قبل النوم

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل ورد حديث يأمر الإنسان بكتابة وصيته قبل أن ينام ؟

الجواب
روى البخارى ومسلم عن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "ما حق امرئ مسلم له شىء يوصى فيه ، يبيت ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده" .
الوصية فى الشرع تصرف مضاف لما بعد الموت ، وهى تكون بالعين وبالدين وبالمنفعة ، وتكون بطريق التبرع دون مقابل ، ويفرق بينها وبين الهبة بأن الهبة تمليك فى حال الحياة ، وهى لا تكون إلا بالعين ، لا بالدين ولا بالمنفعة .
والوصية مشروعة بالكتاب كما قال تعالى{كتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين والأقربين بالمعروف حقا على المتقين} البقرة : 18 وكما قال {يا أيها الذين آمنوا شهاده بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم} المائدة :
106 ومشروعة بالسنة للحديث الذى سبق ذكره ، ولما رواه ابن ماجه مرفوعا "من مات على وصية مات على سبيل وسنة ومات على تقى وشهادة ومات مغفورا له" وقد أجمعت الأمة على مشروعيتها . ولكن ما هو مدى مشروعيتها؟ هناك ثلاثة آراء :
الرأى الأول : أنها واجبة على كل من ترك مالا، قليلا كان أو كثيرا ، وهو مروى عن ابن عمر وطلحة والزبير وبعض التابعين ، بدليل آية البقرة المذكورة آنفا .
والرأى الثانى : أنها تجب للوالدين والأقربين الذين لا يرثون الميت ، بدليل الآية نفسها ، وهو رأى مسروق وابن جرير .
والرأى الثالث : وهو رأى الأئمة الأربعة- أنها ليست فرضا على الوجه المذكور فى الرأيين الأولين بل تعتريها الأحكام الخمسة .
1- فقد تكون واجبة إذا كان على الإنسان حق شرعى يخشى أن يضيع إن لم يوص به كوديعة ودين لله أو لآدمى .
2- وقد تكون مستحبة ، وذلك فى الطاعات وللأقارب والصالحين .
3- وقد تكون محرمة ، إذا كان فيها إضرار بالورثة ، لحديث رواه النسائى مرفوعا برجال ثقات "الإضرار فى الوصية من الكبائر" كما تحرم إذا أوصى بمحرم كالخمر .
4- وتكون مكروهة إذا كان الموصى قليل المال وله وارث أو ورثة يحتاجون إليه ، كما تكره لأهل الفسق إن غلب على الظن أنهم يستعينون بها عليه .
5- وتكون مباحة إذا كانت لغنى سواء أكان الموصى له قريبا، أم بعيدا والوصية-كما قال العلماء -من العقود التى يجوز تغييرها والرجوع فيها من الموصى سواء أكان الرجوع بالقول أم بالفعل كالتصرف فيها بما يزيل ملكه عنها بمثل البيع .
هذا ، وجمهور العلماء على عدم جواز الوصية بما يزيد على الثلث إن لم يكن له وارث وأجازها أبو حنيفة "نيل الأوطار للشوكانى ج 6 ص 42 " .
ويمكن الرجوع إلى ص 389 من المجلد الثانى من هذه الفتاوى لمعرفة حكم الوصية للوارث وما أخذ به قانون الأحوال الشخصية فى مصر

(9/419)


من أعمال البنوك

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الشرع فى أخذ البنك فائدة على فتح الاعتماد المستندي ؟

الجواب
سبق القول في المجلد الأول من هذه الفتاوى أن أخذ البنك أجرا في مقابل الاعتمادات المستندية جائز، ولتوضيح ذلك تقول :
في المؤتمر الثاني لمجمع البحوث الإسلامية سنة 1965 م قُدِّم بحثان للدكتور محمد عبد الله العربي ، أحدهما بعنوان :
المعاملات المصرفية ، وثانيهما بعنوان : طرق استثمار الأموال وموقف الإسلام منها ، ويقعان فى ست وأربعين صفحة من القطع الكبير .
وبعد المناقشة قرر المؤتمر في ضمن قراراته : أن خطابات الاعتمادات من المعاملات المصرفية الجائزة ، وما يؤخذ فى نظير ذلك ليس من الربا .
وفى كتاب : الأعمال المصرفية والإسلام الذى ألفه الأستاذ مصطفى عبد الله الهمشرى والواقع فى مائتين وخمسين صفحة من القطع الكبير، ونشره مجمع البحوث الإسلامية- تحدث عن الاعتمادات المستندية ، وعن خطابات الضمان قال :
إن الاعتمادات المستندية التى يتعهد فيها البنك للمصدِّر بدفع المستحقات له على المستورد جائزة، والأجر الذى يؤخذ فى مقابلها جائز، وخرَّج الجواز على أن طبيعة هذا التعامل تدور بين الوكالة والحوالة والضمان ، والوكالة بأجر لا حرمة فيها ، وكذلك الحوالة بأجر، ، والضمان بأجر خرَّجه على ثمن الجاه الذى قيل فيه بالحرمة وبالكراهة وقال بجوازه الشافعية ، كما خرجه على الجعالة التى أجازها الشافعية أيضا .
وتحدث عن خطابات الضمان وأنواعها ، وهى التى يتعهد فيها البنك بمكتوب يرسله -بناء على طلب عميله- إلى دائن العميل يضمن فيه تنفيذ العميل لالتزاماته ، وقال إنها جائزة ، وخرَّج ذلك على أنها وكالة أو كفالة، وهما جائزتان ، والعمولة عليهما لا حرمة فيها . واعتمد فى دراسته على المراجع والمصادر الاقتصادية وعلى كتب الفقه فى المذاهب المختلفة .
هذا ، وقرارات المؤتمر الثانى لمجمع البحوث الإسلامية انتهت إلى أن أعمال البنوك من الحسابات الجارية وصرف الشيكات وخطابات الاعتمادات والكمبيالات الداخلية التى يقوم عليها العمل بين التجار والبنوك فى الداخل -كل ذلك من المعاملات المصرفية الجائزة ، وما يؤخذ فى نظير هذه الأعمال ليس من الربا ، وأن الحسابات ذات الأجل وفتح الاعتماد بفائدة وسائر أنواع الإقراض نظير فائدة -كلها من المعاملات الربوية وهى محرمة .
ودراسة هذا الموضوع لا تعدو أن تكون نقلا لما كتبه الدكتور العربى والأستاذ الهمشرى وهى دراسة جمعت بين النشاط الاقتصادى وحكم الشرع فى ذلك ، والمراجع مذكورة فيها بما يضع الثقة فى هذه الدراسة التى مر عليها عشرات السنين دون اعتراض عليها

(9/420)


نشأة البنوك الربوية

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
كيف نشأ نظام البنوك وهل صحيح أن اليهود لهم دور كبير فى ذلك ؟

الجواب
إن الربا محرم فى جميع الشرائع السماوية ، ومن المعروف أن اليهود يحبون المال حبا جما ، لدرجة طغت على الإيمان باليوم الآخر، وجاء عنهم أن جنة الإنسان هى غناه وأن ناره هى فقره ، أو من مات غنيا دخل الجنة ومن مات فقيرا دخل النار، وقد جاء فى القرآن الكريم ذمهم لأسباب كثيرة منها الربا الذى جاء فيه قوله تعالى {وأخذهم الربا وقد نهوا منه وأكلهم أموال الناس بالباطل} النساء : 161 وما يزال نشاطهم فى هذه الناحية معروفا إلى الآن .
والتاريخ يتحدث أن البنوك التى ولدت حديثا فى الغرب كان للثورة الصناعية دور كبير فيها ، فقد كانت العملة المتداولة هى النقود الذهبية، وكان الأغنياء يودعون أموالهم عند من يشتغلون بصناعة الذهب لحفظها وعدم السطو عليها ، ويأخذون منها القدر الذى يحتاجون إليه فى مقابل يُدفع إلى من أودعت عنده ، وإذا أراد الغنى الانتقال إلى بلد آخر يستثقل أن يحمل معه ذهبه أو يخشى عليه الضياع ، فيأخذ أمرا ممن هى عنده إلى زميل له فى ذلك البلد ليتسلم ما يريد من المال وصارت السندات هى المستعملة بدل حمل النقود لخفتها وضمانها .
ولما كثرت الودائع الذهبية عند "الصيارفة" استغلوها فى الإقراض بفائدة يحددونها على حسب ما يرون من حاجة المقترض ، وعند رد القرض بفائدته يستغل مرة ومرات أخرى هكذا .
ومن أجل هذا الحرص على الفائدة كره الناس هؤلاء الصيارفة مع اضطرارهم إليهم - ولما جاءت الثورة الصناعية كثر الإقراض الإنتاجى بعد أن كان للاستهلاك . ومن أجل الحاجة إلى ما عند الصيارفة ومع تحريم الكنيسة للربا - حللته القوانين الوضعية، فتطور مركز الصيرفى وأصبح كل صاحب بنك له احترامه ، ونشأت البنوك فى صورة شركات مساهمة ، وانهالت الودائع عليها بفائدة ضئيلة تضمن لأصحابها الربح الثابت بدل المخاطرة بها فى المشروعات ، وفى الوقت نفسه تقرض البنوك هذه الودائع بفائدة مرتفعة تكسب الفرق بين فائدة الإيداع وفائدة الإقراض ومن هنا انتزعت السيطرة على اقتصاديات العالم فى العصر الحاضر .
ويقول المختصون : إن النظام الربوى فى البنوك جعل أصحابها مسيطرين على اقتصاديات المجتمع بل على سياسته الداخلية والخارجية وتشريعاته وسلوكياته وثقافته وفكره ، يمتصون دماءه وهم آمنون ، والناس من حولهم كادحون مغلوبون .
وهذا النظام فى الإقراض الإنتاجى دفع المنتج إلى غلاء الأسعار ليسدد القرض وفائدته ، وإذا غلت الأسعار انحسر الاستهلاك وتضخم الفائض ، ولو أراد المنتج تخفيض السعر ليصرف ما عنده كان ذلك على حساب العمال ، إما بتخفيض أجورهم وإما بالاستغناء عن بعضهم ، ولذلك عواقبه فى نقص القوة الشرائية وفى خلق البطالة وزيادة انحسار الاستهلاك ، وفائض الإنتاج يزداد ، ولتصريف الفائض يجئ التفكير فى خلق أسواق غير منتجة ، وهى فى البلاد النامية، وهو طريق إلى السيطرة عليها واستعمارها ، وذلك يخلق تحكما فى أسعار المواد الخام التى لم تصنعها تلك البلاد غير الصناعية ، فتقل أثمانها ، ولا تجنى من تصديرها إلا القليل .
إن خير ما يواجه به النظام الربوى لأصحاب البنوك ، هو نظام المضاربة بشروطها الشرعية المعروفة التى لا تثرى فيه طائفة على حساب الأخرى ، ويسود فيها التشاور والاشتراك الفعلى فى النشاط الذى يحقق الربح للطرفين ، "مقتطف من مقال السيد / أحمد عزت الصياد بمجلة الهداية الصادرة فى البحرين - عدد جمادى الآخرة 1415 هـ ديسمبر 1994 م "

(9/421)


علم الفرائض والمواريث

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل عرف نظام التوريث قبل الإسلام ، وما هى القواعد التى نظم الإسلام عليها الميراث ؟

الجواب
كان الميراث معروفا قبل الإسلام فى الشرائع الوضعية والأديان السماوية ، فقد عرفه اليونان والرومان ، وكان يعطى لمن يصلح لرعاية الأسرة وللحروب ، وكان للمورث أن يختار قبل موته من يقوم مقامه فى هذه المهمة ، سواء أكان من أبنائه أم من اقاربه أم من الأجانب ، و قبيل ظهور الإسلام أشركوا المرأة مع الرجل على التساوى فى الميراث .
والأمم الشرقية كان الميراث فيها لأرشد الذكور من الأولاد ، ثم الإخوة ثم الأعمام ، وليس للمرأة نصيب فيه .
والمصريون القدماء كانوا يورثونها على التساوى مع الرجل ، واليهود كانوا يخصون الولد الذكر بالميراث ويحرمون الأنثى ، وإن تعدد الأولاد الذكور ورث أكبرهم فقط . جاء فى سفر التكوين " إصحاح 21 :15 - 18" أن الابن البكر له نصيب اثنين ، فإن لم يكن هناك ذكر فالميراث لابن ابنه ، وليس لبنته شىء ، ويبدو أن ذلك نسخ ، ففى سفر العدد "إصحاح 27 : 1 - 11 " أن بنات صلحفاد بن حافر طالبن موسى و العازار والكاهن أن يكون لهن نصيب فى ملك أبيهن ، فقدم موسى دعواهن أمام الرب ، وانتهى الأمر إلى إعطائهن من الميراث .
والعرب فى الجاهلية كانوا يورثون الذكور فقط ، فعندما توفى أوس ابن ثابت وترك امرأته ام كُجَّة وثلاث بنات ـ وفى رواية بنتين ـ وأخاه ، قام رجلان هما ابنا عمه ووصيان ـ قتادة وعرفجة ، أو قتادة وعرفطة ـ فأخذا المال وحدهما ، فشكت الأم إلى النبىٍ صلى الله عليه و سلم فى مسجد الفضيخ ، فقالا: أولادها لا يركبن فرسا ولا يحملن كلا ولا ينكين عدوا ، فنزلت الآية {يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين } وقيل نزلت فى بنات عبد الرحمن بن ثابت أخى حسان بن ثابت .
وعلم الفرائض والمواريث فى الإسلام يتناول الحديث عنه الأمور الآتية :
1ـ المعنى والتسمية : الفرائض جمع فريضة بمعنى مفروضة، أى مقدرة ، لما فيها من السهام المقدرة والفرض فى اللغة مصدر فرض أى قدر، قال تعالى { وإن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن وقد فرضتم لهن فريضة ـ أى قدرتم ـ فنصف ما فرضتم } وفى الشرع : نصيب مقدر شرعا للوارث .
2ـ فضل هذا العلم .
1ـ روى الحاكم وغيره عن ابن مسعود مرفوعا " تعلَّموا الفرائض وعلموها الناس ، فإنى امرؤ مقبوض ، وإن هذا العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الرجلان فى الفريضة فلا يجدان من يفصل بينهما"صححه الحاكم وحسَّنه الآخرون .
2ـ روى ابن ماجه بسند حسن مرفوعا " تعلموا الفرائض فإنها من دينكم ، وإنها نصف العلم ، وإنه أول علم ينزع من أمتى "نبغ فيه زيد ابن ثابت ، كان سنه يوم مقدم النبى إلى المدينة15 سنة ، وتوفى سنة45 ، أو 54 أو 55 هـ وقال عمر : من يسأل عن الفرائض فليأت زيد ابن ثابت .[ ابن خلدون لا يحمل هذه النصوص على علم الميراث ، فالفرائض اصطلاح للفقهاء ] ومن المؤلفين فيه : الماردينى فى شرح الرحبية ، وابن ثابت ومختصر القاضى أبى القاسم الحوفى ثم الجعدى من متأخرى الأندلس عند المالكية .
3ـ تاريخه وتدرج تشريعه :
أـ كان الميراث فى الجاهلية أساسه القدرة على رعاية الأسرة ، فحصروه فى الرجال دون النساء ، وفى الكبار دون الصغار. ولهم فى ترتيب هؤلاء نظام يقدم فيه الأولى على غيره كالأبناء على الاباء و الإخوة والأعمام . ويدخل فى الأبناء المتبنون . وكان التبنى معروفا عندهم إذا عدم الرجلُ الأبناء أو أراد الاستكثار منهم .
ب -فى الإسلام كانت هناك خطوات :
فى الابتداء كان أساسه الحلف والنصرة [ حتى مع اختلاف ا الدين ] ولذلك دخل مع الأهل من كان لهم موالاة، حيث كان الرجل يقول للآخر ، أنت وليى ترثنى وأرثك ، وجاء فيه قوله تعالى {ولكلٍّ جعلنا موالى مما ترك والدان و الأقربون والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم }[ النساء : 33 ] .
ثم نسخ فكان بالإسلام والهجرة ، {والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شىء حتى يهاجروا }[ الأنفال : 72 ] فانقطعت الولاية بين المؤمن المهاجر وغيره ، ممن لم يؤمن ، أو آمن ولم يهاجر، ثم نسخ ذلك فجعلت الولاية للأقرب { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض فى كتاب الله} [ الأنفال :75 ] ولم يكن للتوارث نظام مقدر فترك للرجل أن يوزع ماله قبل موته كما يشاء ، قال تعالى { كُتب عليكم إذا حضر أحدكم الموت إن ترك خيرا الوصية للوالدين و الأقربين بالمعروف حقا على المتقين } [البقرة :185]لكنهم كانوا يخصون بعضا دون بعض ، فيخصون الرجال دون النساء ، فقال تعالى : { للرجال نصيب مما ترك الوالدان و الأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان و الأقربون مما قَلَّ منه أو كثر نصيبا مفروضا}[ النساء: 7]. لكن لم يبين نصيب كل وارث ، فتولى الله بنفسه توزيع التركة بقوله تعالى { يوصيكم الله فى أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين ...}{ ولكم نصف ماترك أزواجكم ...} {يستفتونك قل الله يفتيكم فى الكلالة ... }[ النساء: 11 ،12 ، 176 ]فبيَّن نصيب الأصول والفروع ، ثم نصيب الزوجين ، ثم نصيب الإخوة والأخوات .
وراعى فى التوزيع جعل حظ الذكر مثل حظ الأنثيين إذا كانت هناك مساواة فى الدرجة ، ومشاركة فى سبب الإرث ، لأن الأنثى نفقتها فى الأعم الأغلب على غيرها، إن كانت بنتا أو أما أو زوجة . . . وقد يزيد نصيبها على الذكر أو يتساوى عند اختلاف الدرجة ، واختلاف سبب الإرث ، كالبنت الواحدة مع الإخوة ، لها النصف ، والنصف الباقى يوزع عليهم ، ينال كلاًّ أقلُّ من .
نصيبها وحدها وهو النصف ، والتساوى بينهما مع التساوى فى الدرجة لا يوجد إلا فى الإخوة لأم فهم جميعا شركاء في الثلث بالتساوى وإن كانت الآية لا تنص على هذه المساواة فى الظاهر، لكن الإجماع عليها .
وبعد أن نزلت آيه المواريث ، قال النبى صلى الله عليه و سلم " إن الله أعطى كل ذى حق حقه ألا لا وصية لوارث " رواه أحمد وأبو داود والترمذى وحسنه وقال " ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقى فلأولى رجل ذكر" رواه البخارى ومسلم ، والنص على الذكر مع إمكان الاستغناء عنه بكلمة رجل ، لمنعهم من إعطاء الكبار دون الصغار، فالذكر يطلق على الكبير والصغير، بخلاف الرجل فإنه يطلق على الكبير فقط .
وقضى الرسول للجدة بالسدس كما رواه المغيرة بن شعبة ومحمد ابن مسلمة ، وحكم أبو بكر بذلك ، وأكده عمر، [ تاريخ التشريع للخضرى ص 123 ] .
4ـ الفروض مقدَّرة : قال العلماء دلالة الألفاظ ظنية إلا فى العقائد والحدود والفرائض أى المواريث واصول الإسلام كالفرائض الخمس ، فالربع هو الربع والنصف هو النصف لا يراد به غير ذلك . وكذلك الوارثون محدودون ، نصيب كل منهم محدد لا يجوز الخروج عليه بعد عصر الخلفاء بالذات الذين امر الرسول بالأخذ عنهم "فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء للراشدين " .
وإذا كان للشيعة رأى فى المواريث فإنه بالنسبة لفاطمة حيث لم يورثها أبو بكر من والدها، لأن الأنبياء لا يورثون ، وما تركوه فهو صدقة، ولذلك هم يحكمون بخطأ أبى بكر فى ذلك ، ويجعلون ميراث البنت كميراث الابن ، فكل منهما داخل تحت لفظ " ولد" لأن كل مولود ولد .
ومن الغريب أن عليًّا رضى الله عنه سلم بحكم أبى بكر، ولم يشأ أن يخرج عليه وهو مستطيع لذلك حيث كان خليفة يطاع أمره ، لكن التشيع المتعصب لعب دوره حتى فى أحقية العلويين فى الخلافة بدل العباسيين فالعباس عم النبى صلى الله عليه وسلم وعلىٌّ ابن عمه ، فهو مقدم عليه فى الميراث " إن كان " وأولاد على هم بالنسبة للنبى صلى الله عليه و سلم أولاد ابن عمه ، والعم مقدَّم على أولاد العم ، وكذلك أولاد على من فاطمة هم بالنسبة إلى النبى أولاد بنته ، وهم من الأرحام لا نصيب لهم فى الميراث ما دام يوجد عاصب .
ولذلك قال الشيعة :لا نسلم بالعصبة ومرتبتها ، فالأقرب هو الذى يرث ، وأولاد بنت النبى أقرب إليه من الأعمام ، فالميراث فيهم " الحسين والحسن وذريتهما " ليس للعباس وذريته . والحسن والحسين علويان لأنهما أولاد على .
ولذلك قامت حرب فكرية بين العباسيين والعلويين حين استولى العباسيون على الحكم بعد الأمويين . إلى جانب الحرب بالسلاح ، وتبلورت هذه الفكرة فى القرن الثانى والثالث الهجرى ، ولذلك هجر الشيعة الأحاديث الصحيحة واعتمدوا على أقوال الأئمة المعصومين فى رأيهم ، ليطرحوا فكرة العصبة ويقدموا القرابة .
وما يقال اليوم :إن البنت أصبحت كالولد فى عصرنا الحاضر من حيث التعليم والتمتع بالحقوق الأخرى واحترام ملكيتها وتصرفاتها ومسئولياتها ، فيجب التساوى بينهما وتقليد مذهب الشيعة فيه ـ لا أصل له فى الدين بعد انتهاء الوحى وإجماع الصحابة وعلى رأسهم الخلفاء الراشدون ، على أن البنت سيتولى الإنفاق عليها ابوها او زوجها أو ولدها ، والابن هو الذى سينفق على زوجته وأولاده ووالديه ، فحكم الله حكيم {آباؤكم و أبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله }[ النساء : 11] .
5ـ الإرث له أسباب : وهى القرابة، كالأبوة والبنوة والأخوة، والمصاهرة بين الزوجين ، والولاء عند عتق السيد للعبد، فهو يرثه إن لم تكن هناك قرابة من عصبة أو رحم . وكذلك الإسلام .
والإرث له مو انع : هى 1 ـ الرق .
2ـ القتل . لحديث " ليس للقاتل من تركة المقتول شئ " صححه ابن عبد البر وغيره .
3ـ واختلاف الدين لحديث الصحيحين فيه ، وقد أجازه بعض للصحابة والتابعين ، ومن للموانع الردة، فالمرتد لا يرث أحدا من المسلمين ولا من غيرهم ، ولا يرثه أحد عند الشافعية والمالكية ، وذهب أبو حنيفة إلى أن ماله الذى كسبه قبل الردة يورث ، وما كسبه بعدها يعد فيئا للمسلمين ، أما للمرأة المرتدة فكل ماتركته يورث ، سواء كسبته قبل للردة أو بعدها .
والدور الحكمى أن يلزم من توريث شخص عدم توريثه ، فيما إذا أقر أخ بابن للميت ، فيثبت نسب الابن ولا يرث الأخ لحجبه بالابن .
والإرث له شروط : تحقق موت المورث أو الحكم به عند القضاء لغيابه مثلا ، وتحقق حياة الوارث حال موت المورث ، ومعرفة إدلائه للميت بقرابة أو نكاح أو ولاء ، ومعرفة الجهة المقتضية له تفصيلا .
6ـ ترتيب الوارثين : يقدم أصحاب الفروض ، ثم العصبة، ثم مولى العتاقة، ثم عصبة مولى العتاقة إذا كان المعتق رجلا . ثم الرد على ذوى الفروض إلا الزوجين إذا انحصر الميراث فيهم ولم يستغرقوا التركة ، ثم ذوو الأرحام ، ثم مولى الموالاة [ أنت مولاى ترثنى إذا مت وتعقل عنى إن قتلت ، فيقول :
قبلت ] وأجازه أبو حنيفة ، ويثبت لقابل الولاء دون العكس ، بشرط أن يكون طالب الولاء حرا، لا وارث له بنوع من أنواع القرابة . . . قال تعالى :{ والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم }[ النساء : 33 ] ولحديث البخارى فى ذلك . ومنع ذلك الباقون وهو مذهب زيد .
ثم المقر له بنسب محمول على الغير،ثم الموصى بما زاد على الثلث ، ثم بيت المال .
7ـ مما يتعلق بالتركة : الذى يتعلق بها خمسة حقوق مرتبة على الوجه ا لآتى :
1ـ كل دين متعلق بعين من أعيان المال ، مثل العين المرهونة من ماله ، فإن حق المرتهن فيها مقدم على تجهيز الميت وتكفينه .
2ـ تكفينه وتجهيزه إلى أن يدفن .
3ـ كل دين لا يتعلق بعين من أعيان التركة .
4ـ تنفيذ الوصايا الشرعية ، فإن كانت لبعض الورثة لا تنفذ إلا بموافقة بقية الورثة، وإن كانت لغيره جازت فى حدود الثلث [بعد كل ديونه ] بغير حاجة إلى إجازتهم ، وإن زادت نفذت قهرا فى الثلث وتوقفت فيما زاد على إجازة الورثة .
5ـ تقسيم التركة [ فى قانون المواريث : أولا مؤن التجهيز وثانيا ديون الميت ] .
قدَّم الدين على الوصية مع أن القرآن قدمها ، لأن النص ورد بذلك فى حديث على : رأيت رسول الله صلى الله عليه و سلم بدأ بالدين قبل الوصية، ولأن الدين فرض يجبر المدين عليه ويحبس من أجله ، والوصية تبرع وتطوع وهو متأخر عن الفرض وقدمها للحث عليها . والوصية الواجبة مقدَّمة على تقسيم التركة [ وقانونها فى مصر رقم 71 فى 6 من أغسطس 1946]وقال به جابر بن زيد وقتادة وابن حزم "انظر الأولويات فى فتاوى الشيخ جاد الحق ج 5ص 296 "

(9/422)


رجوع الأب فى الهبة لوالده

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز للأب أن يسترد ما أهداه لابنه بعد خمسة عشر عاما ليعطى منه بعض إخوته ؟

الجواب
إذا كان ما أعطاه الأب لابنه بيعا بمقابل ولو كان بسيطا فلا يجوز له استعادته إذا تسلمه الولد ، لأنه بالبيع خرج عن ملكه نهائيا وصار ملكا تاما لولده ؟ .
أما إن كان الإعطاء هبة بدون مقابل فهى حق للموهوب له بمجرد العقد حتى لو لم يقبضها كما قال مالك وأحمد، لكن أبا حنيفة والشافعى شرطا القبض حتى تكون لازمة .
والرجوع فى الهبة حرام عند جمهور الفقهاء إلا إذا كانت من الوالد لولده فإن له أن يرجع فيها ، فقد روى أصحاب السنن - الترمذى وأبو داود والنسائى وابن ماجه - عن ابن عباس وابن عمر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "لا يحل لرجل أن يعطى عطية أو يهب هبة فيرجع فيها ، إلا الوالد فيما يعطى ولده " وحكم الوالد حكم الوالدة ويستوى فى الولد أن يكون كبيرا أو صغيرا .
هذا هو رأى الجمهور فى حرمة الرجوع فى الهبة، لكن مالكا قالا : يجوز الرجوع فى الهبة إن بقيت على حالها، فإن تغيرت فلا رجوع ، وقال أبوحنيفة : ليس له الرجوع فيما وهب لابنه ولكل ذى رحم من الأرحام ، وله الرجوع فيما وهبه للأجانب ، ولكن رأيه غير قوى لمعارضته للحديث .
وجاء فى النهى عن الرجوع فى الهبة حديث "مثل الذى يعطى العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب الذى يأكل ، فإذا شبع قاء ، ثم عاد فى قيئه " رواه الترمذى وغيره . وقال : حديث حسن صحيح .
ومن هنا نقول للسائل : إن كان الأب أعطى ممتلكاته أو بعضها لولد على سبيل الهبة بدون مقابل فله الرجوع عند جمهور الفقهاء ، وليس له الرجوع عند أبى حنيفة ، ورأى الجمهور أقوى

(9/423)


النسب والتوارث فى نكاح المتعة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل نكاح المتعة يثبت به النسب للمولود ، وهل فيه توارث ، وهل يحتاج إلى طلاق ؟

الجواب
زواج المتعة هو زواج مؤقت لمدة معينة، وقد أبيح فى أيام النبى صلى الله عليه وسلم وقتا ما لحاجة الغزاة إليه ثم حرم بعد ذلك -ولم يخالف فى تحريمه إلا بعض الشيعة ، مدَّعين أن حله لم ينسخ بالتحريم ، وتوضيح ذلك موجود فى الجزء الأول من موسوعة "الأسرة تحت رعاية الإسلام " .
وأكثر المسلمين على حرمة هذا الزواج ورأى ابن مسعود وابن عباس أن الحرمة مشروطة بعدم الاضطرار ، فذلك كأكل الميتة يباح للمضطر فقط ، ولكن أدلتهم فى ذلك غير سليمة وجاء فى كتاب النهاية، والفتاوى لأبى جعفر محمد بن الحسن أبى على الطوسى المتوفى سنة 460 هجرية ، وهو من كُتَاب الشيعة، ونشر كتابه فى طهران سنة 1342 هجرية ما يأتى :
"وليس فى نكاح المتعة توارث ، شرط نفى الميراث أو لم يشترط ، اللهم إلا إن شرط أن بينهما التوارث ، فإن شرط ذلك ثبتت بينهما الموارثة . . .
ويجوز للرجل العزل -لمنع الحمل -وإن لم يكن شرط ، ومتى جاءت بولد كان لاحقا به ، سواء عزل أولم يعزل .
وجاء فى هذا الكتاب أيضا : وعدة المتمتعة إذا انقض أجلها أو وهب لها زوجها أيامها حيضتان أو خمسة وأربعون يوما إذا كانت لا تحيض وفى سنها من تحيض "من ص 497 - 502 " .
كما جاء فى "ص 182 " من كتاب المختصر النافع لأبى القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلى المتوفى سنة 676 هـ والذى طبعته وزارة الأوقاف المصرية سنة 1376 هـ عند الحديث عن أحكام النكاح المنقطع "نكاح المتعة" ما يلى :
يجوز العزل من دون إذنها ، ويلحق الولد وإن عزل ، ولكن لو نفاه لم يحتج إلى اللعان ولا يقع بالمتعة طلاق إجماعا ولا لعان على الأظهر، ولا يثبت بالمتعة ميراث بين الزوجين .
وقال المرتضى : يثبت ما لم يشترط ، السقوط نعم لو شرط الميراث لزم ، وإذا انقضى أجلها فالعدة حيضتان على الأشهر، وإن كانت ممن تحيض ولم تحض فخمسة وأربعون يوما .
وزواج المتعة يترفع عنه كبار القوم الذين يرون حله ، ولا يرغبون بديلا عن الزواج الدائم ، لأنه الجدير بقيام الأسرة المستقرة ، ولا عبرة بما يقال من أن الأطفال يوضعون تحت رعاية المسئولين ، فإن الأسرة المستقرة لا ينكر أثرها فى تنشئة الجيل الصالح

(9/424)


حرمان الابن العاق من الميراث

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين فى أب يريد أن يحرم ابنه من الميراث نظرا لأنه عاق ، وكثيرا ما يتعدى على والديه بالإهانة؟

الجواب
إذا مات الإنسان وقد أوصى بحرمان ابنه أو بعض ورثته من الميراث فلا أثر لهذه الوصية ، لأن توزيع الميراث شرع الله ، لا يجوز لأحد أن يتدخل فيه ، وقد تكون الصورة التى وردت فى السؤال هى عن بيع أو هبة الشخص ما يملكه فى حال حياته إلى بعض الأولاد وحرمان البعض الآخر .
وكلنا أو أكثرنا يعرف حديث النعمان بن بُشير الذى جاء فيه النهى عن تفضيل بعض الأولاد على بعض بهدية من غير مقابل ، ولم يشهد النبى صلى الله عليه وسلم على ذلك وقال "إنه جور" ونصح الآباء أن يسووا بين الأولاد ليكونوا له فى البر سواء .
إن علماء الحديث والفقه نظروا إلى هذا الحديث واختلفت أحكامهم على هذا التصرف فقال جمهورهم -وهم أبو حنيفة ومالك والشافعى-إنه مكروه وليس حراما لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال لبشير والد النعمان "أشهد على هذا غيرى" ولو كان حراما ما أجاز أن يشهد عليه أحد ، وأما أحمد بن خبل فقال : إن هذا التفضيل حرام ، لأن النبى صلى الله عليه وسلم قال له "لا أشهد على جور" أى ظلم .
لكنهم جميعا قالوا : محل الكراهة أو الحرمة فى التفضيل إذا لم يكن هناك سبب مشروع ، فلو كان أحدهم مريضا أو مدينا دينا كبيرا لا يستطيع كسبه الوفاء به ، أو كان صغيرا يحتاج فى مستقبل حياته إلى رعاية . فلا مانع من أن أباه يساعده بشىء مراعاةً لحاله ، واستدلوا على ذلك بما حدث من الصحابة ، فقد فضل أبو بكر رضى الله عنه عائشة على غيرها من أولاده ، وفضل عمر رضى الله عنه ولده عاصما بشىء كما فضل عبد الله بن عمر رضى الله عنهما بعض أولاده على بعض ، نصت على ذلك كتب الفقه كالإقناع للخطيب فى فقه الشافعية والمغنى لابن قدامة فى فقه الحنابلة، وقد تقدم القول فى ذلك بإسهاب .
هذا واضح فى المفاضلة فى العطية ، أما حرمان بعضهم فإن الحديث وإن كان يدل عليه فقد نص عليه الحنابلة بما جاء فى "المغنى" لابن قدامة "المعجم طبعة الكويت ص 720" من قوله : وإن خص بعض أولاده بعطية لمعنى يقتض التخصيص كزمانة أو كثرة عائلته أو انشغاله بعلم . أو صرف عطيته عن بعضهم لفسقه أو بدعته .
أو لاستعانته بذلك على معصية جاز ذلك ، وقيل : لابد من التسوية ويمنع التفاضيل والأول أصح .
هذا نص المغنى ، وبناء عليه فلا مانع من حرمان الولد العاق من البيع أو الهبة له كباقى إخوته - وإن كنت أخشى أن يزيد عقوق الولد أو يعامل إخوته معاملة قاسية ، وأرجو أن يُبحث عن وسيلة أخرى لتقويم سلوك هذا الولد العاق

(9/425)


حرمان بعض الورثة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز للرجل توزيع تركته على البنات إذا لم يوجد أولاد ذكور، وذلك حتى لا يدخل أحد من الأقارب فى الميراث ؟

الجواب
يقول الله تعالى {للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا} النساء : 7 ، نزلت هذه الآية فى أوس بن ثابت الأنصارى ، حين توفى وترك امرأة يقال لها "أم كُجة" وثلاث بنات له منها، فقام رجلان هما ابنا عم الميت يقال لهما : سويد وعرفجة ، فأخذا كل ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا ، وكانوا فى الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغير وإن كان ذكرا فذكرت أم كجة ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله هذه الآية وكان الناس يورثون من يشاءون ويحرمون من يشاءون ويفاضلون كما يشاءون . فنظم الله الميراث وأنزل هذه الآية {يوصيكم الله فى أولاكم . . . } فبينت الفرائض وحددتها ، وجاء فيها ما يوجب الالتزام بها، فهى للمصلحة التى يعلمها الله سبحانه {آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعا فريضة من الله } النساء : 11 .
بل إن هناك آية تدعو إلى إعطاء بعض الأقارب الذين حرموا من الميراث شيئا من تركة المتوفى عند تقسيمها ، وهى قوله تعالى{وإذا حضر القسمة أولو القربى واليتامى والمساكين فارزقوهم منه وقولوا لهم قولا معروفا} النساء : 8 ، بناء على أنها محكمة وليست منسوخة كما هو الأصح رواه البخارى عن ابن عباس ، وهذا الإعطاء سنة كما قال أبو جعفر النحاس وقال جماعة بالوجوب . ذلك أن للأقارب تطلعا وأملا فى أن ينالهم نصيب مما تركه المتوفى ، وبخاصة إذا كانوا فقراء وهو غنى، لكن هذه الآية تخاطب الورثة وهم يقتسمون الميراث ، وقيل إنها تخاطب من أشرف على الموت وهو يوصى بتوزيع التركة ألا ينسى أقاربه المحتاجين .
إن الصورة الواردة هى تقسيم الرجل تركته على بناته فقط قاصدا بذلك أن يحرم بعض الورثة مما بقى من ميراث البنات لأنه ليس له ولد ذكر يحجبهم ، إذا كان الآية السابقة توصى بإعطاء الأقارب المحرومين من الميراث بعض التركة فما بالكم بمن لهم حق الميراث ؟ .
ولئن كان الإنسان حرا فى حال حياته أن يتصرف فى ماله تصرفا حلالا ، يعطى من يشاء ويترك من يشاء، سواء كانوا من الأقارب أم من غيرهم ، وارثين أم غير وارثين .
ما دام لا يوجد مانع شرعى من التصرف . فإن المندوب إليه أن يترك لورثته شيئا يرثونه من بعده إذا كانوا فى حاجة إليه ، كما يدل عليه حديث سعد بن أبى وقاص الذى رواه البخارى ومسلم حيث ذكر للنبى صلى الله عليه وسلم وهو يعوده فى مرضه أنه ذو مال كثير ولا يرثه إلا ابنة واحدة وهو يريد أن يتصدق بماله كله فقال "لا " قال :
فالشطر أى النصف ؟ قال "لا " قال فالثلث ؟ قال : "الثلث والثلث كثير إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس. . . " .
والرجل -كما فى السؤال -ترك لورثته ما يملك وحبسه على بناته ، لكن حرم منه بعض أقاربه المستحقين ، فما الذى حمله على ذلك ؟ الأمر يرجع فيه إلى رعاية المصلحة ، فإن كان يرى أن بناته فى حاجة إلى الرعاية وأن أقاربه فى غير حاجة إلى شىء من الميراث ويخشى عليهن عدم عطف الأقارب عليهن فلا مانع من ذلك ، أما إذا كان نصيبهم وهو الثلثان يكفى لعيش كريم وأقاربه فى حاجة ماسة إلى نصيبهم فى الميراث فإن هذا التصرف يكون مكروها ، لأنه يورث عداوة بينهم وبين بناته ، والكل تجمعهم أسرة واحدة يراد لها أن تسود فيها روح المحبة والتعاون .
ومهما يكن من شى فإن تصرفه فى حياته بالبيع أو الهبة لبناته نافذ . ومنع وارث من حقه لا يكون إلا بعد الموت ، وذلك قياسا على تفضيل بعض الأولاد على بعض فإن جميع الفقهاء قالوا : إذا كان هناك مبرر معقول يقره الشرع فلا مانع منه ، أما إذا لم يوجد هذا المبرر فإن التفضيل يكون مكروها غير حرام عند الأئمة الثلاثة ، ويكون حراما عند الإمام أحمد ، ويمكن اعتبار النية فى هذا الموضوع ، فالأعمال بالنبات ، ولكل أمرى ما نوى كما صح فى الحديث

(9/426)


زكاة التجارة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يقول بعض الناس إن التجارة لا تجب فيها الزكاة لعدم ذكرها فى القرآن الكريم ، فهل هذا صحيح ؟

الجواب
التجارة هي تقليب المال بالمعاوضة لغرض الربح ، والزكاة فيها واجبة ، لحديث رواه الحاكم وصححه على شرط الشيخين ، ورواه الدارقطنى والبيهقي عن أبي ذر " فى الإِبل صدقتها ، وفى الغنم صدقتها ، وفي البزِّ صدقته " والبز هو الثياب المعدة للبيع ، يعنى أن عينها لا زكاة فيها فوجبت الزكاة في قيمتها التجارية، وهناك دليل ذكره الرملى بقوله : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا أن نخرج الزكاة على الذى يُعَدُ للبيع " حاشية الشرقاوى على التحرير ج 1 ص 354" رواه أبو داود والبيهقى عن سمرة بن جندب .
وروى الشافعى وأحمد والدارقطنى والبيهقى وعبد الرزاق عن أبى عمرو عن أبيه قال : كنت أبيع الأدم -جمع أديم وهو الجلد- والجِعَاب -جمع جعبة وهى كيس النبال- فمر بى عمر بن الخطاب فقال : أد صدقة مالك ، فقلت : يا أمير المؤمنين إنما هو الأدم ، قال : قوِّمه ثم أخرج صدقته ، قال ابن قدامة فى المغنى : وهذه قصة يشتهر مثلها ولم تنكر، فيكون إجماعا . وقالت الظاهرية : لا زكاة فى مال التجارة . ودليل الجمهور القياس ، لأن العروض المتخذة للتجارة مال مقصود به التنمية ، فأشبه الزروع والحيوان والذهب والفضة [ يعنى لو لم يكن هناك نص مقبول فى وجوب الزكاة فى التجارة فالدليل هو القياس ، مع الإجماع على قصة عمر مع صاحب الأدم ] .
ولا تجب الزكاة إلا إذا بلغت قيمة السلع نصاب الذهب أو الفضة ، وحال عليها الحول ، وكانت مملوكة بقصد التجارة لا القنية والإِمساك للانتفاع بها ، كما تضم الأرباح الناتجة عن ذلك إليها ، ومقدار الزكاة هو ربع العشر، وتخرج من القيمة لا من عُروض التجارة ، وأجاز أبو حنيفة إخراج الزكاة من عين السلع كسائر الأموال ، وقد مر ذلك فى صفحة 123 من المجلد الثانى وص 505 من المجلد الرابع من هذه الفتاوى

(9/427)


نقل الزكاة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
أنا أعيش فى بلد مستوى المعيشة فيه مرتفع ، ويقل أو يندر أن يكون فيه فقير يستحق الزكاة، فهل يجوز أن أدفعها إلى أقاربى المحتاجين في بلد آخر؟

الجواب
روى الجماعة أن النبى صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذ بن جبل رضى الله عنه إلى اليمن قال فيما قال له " فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن اللّه تعالى افترض عليهم صدقة فى أموالهم ، تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم " وروى أبو داود وابن ماجه عن عمران بن حُصين أنه استُعمل على الصدقة فلما رجع قيل له : أين المال ؟ قال : وللمال أرسلتنى؟ أخذناه من حيث كنا نأخذه على عهد رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، ووضعناه حيث كنا نضعه . وروى الترمذى وحسَّنه أن أبا جُحيفة قال : قدم علينا مصدِّق رسول الله صلى الله عليه وسلم أى عامله على الصدقة ، فاخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها فى فقرائنا .
استدل الفقهاء بهذه المرويات على أنه يشرع صرف زكاة كل بلد في فقراء أهله ، واختلفوا في نقلها إلى بلد آخر، بعد إجماعهم على أنه يجوز نقلها إلى من يستحقها إذا استغنى أهل بلد الزكاة عنها .
فقال الحنفية : يكره نقلها ، إلا إذا كان النقل إلى قرابة محتاجين ، لأن فى ذلك صلة رحم ، أو إلى جماعة هم أشد حاجة من فقراء البلد، أو كان النقل أصلح للمسلمين ، أو كان من دار حرب إلى دار إسلام ، أو كان النقل إلى طالب علم ، أو كانت الزكاة معجلة قبل أوان وجوبها وهو تمام الحول ، ففى جميع هذه الصور لا يكره النقل .
والشافعية قالوا : لا يجوز نقل الزكاة من بلد فيه مستحقون إلى بلد آخر، بل يجب صرفها فى البلد الذى وجبت فيه على المزكى بتمام الحول ، فإذا لم يوجد مستحقون نقلت إلى بلد فيه مستحقون .
وحجتهم فى ذلك حديث معاذ المذكور، والذى ذكره أبو عبيد أن معاذا قدم من اليمن بعد موت النبى صلى الله عليه وسلم فرده عمر، ولما بعث إليه بجزء من مال الزكاة لم يقبله ورده أكثر من مرة مع بيان معاذ أنه لا يوجد عنده من يأخذها .
والمالكية لا يجيزون نقلها إلى بلد آخر إلا إذا وقعت به حاجة فيأخذها الإمام ويدفعها إلى المحتاجين ، وذلك على سبيل النظر والاجتهاد كما يعبِّرون .
والحنابلة لا يجيزون نقلها إلى بلد يبعد مسافة القصر، بل تصرف في البلد الذى وجبت فيه وما يجاوره فيما دون مسافة القصر .
يقول ابن قدامة الحنبلى : إن خالف ونقلها أجزأته في قول أكثر أهل العلم ، وإذا كان الشخص في بلد وماله في بلد آخر صرفت في بلد المال لامتداد نظر المستحقين إليه ، ولو تفرق ماله فى عدة بلاد أدى زكاة كل مال في بلده . وهذا الحكم فى زكاة المال ، أما فى زكاة الفطر فتوزع فى البلد الذى وجد فيه المزكى حين وجبت عليه ، لأنها زكاة عن شخصه لا عن ماله .
ومن هنا أقول لصاحب السؤال : إذا وجد مستحق للزكاة فى البلد الذى يعيش فيه صرفت إليه على رأى جمهور الفقهاء، ولا يجوز نقلها إلى أقاربه المحتاجين ، أما أبو حنيفة فيجيز النقل للمبررات المذكورة ومنها صلة الرحم ، أو شدة الحاجة ، ولا مانع من الأخذ برأيه ، فهو ينظر إلى المصلحة الراجحة " المغنى لابن قدامة ج 2 - ص 531 ، 532 ، نيل الأوطار للشوكانى ج 4 ص 161 "

(9/428)


إشهار الزواج

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
جاء فى بعض الأحاديث الأمر بإعلان الزواج وضرب الدفوف ، فهل معنى ذلك أن الزوج لو لم يكن قادرا على الإعلان واكتفى بالعقد الشرعى الموثق والمشهود عليه لا يصح زواجه ؟

الجواب
المطلوب فى عقد الزواج هو الأشهاد عليه بشاهدين عدلين ، وذلك عند سماع الإيجاب والقبول من الزوج والزوجة أو من ينوب عنهما، وهذا الأشهاد كاف فى صحة العقد، واقتضت النظم العصرية أن يوثق ذلك رسميا حتى لا يكون هناك إنكار، وحتى تضمن حقوق الزوجين والأولاد ، وبخاصة عند ضعف روح التدين وطهارة ا لذمم .
أما الإعلان والإشهار، بحضور عدد كبير أو بعمل وليمة أو حفل أو إعلان فى وسائل الإعلام فذلك سنة ، ليشيع العلم بهذا الزواج بين كثير من الناس ، ولا يشكوا فى علاقة الرجل بالمرأة ولا بالنسل المتولد منهما ، والحديث الشريف يقول " أعلنوا هذا النكاح واضربوا عليه بالدفوف واجعلوه فى المساجد " رواه الترمذى وحسنه ، لكن ضعفه البيهقى ، وهو وإن كان ضعيفا ، فهو يدعو إلى الإشهار بالوسائل المتاحة .
ومنها الضرب بالدفوف واجتماع كثير من الناس فى مسجد أو نادٍ أو أى مكان آخر مع الحفاظ على كل الآداب .
ولم يشترط لصحة العقد الإشهار والإعلان إلا الإمام مالك ، الذى قال : إن العقد بدون الشاهدين صحيح ، فهما شرط لصحة الدخول فى أحد قولين له ، والإعلان كاف عنهما ، على أن يكون الإعلان وقت العقد ولا يجوز تأخيره وإن أجازه البعض .
يراجع تفصيل ذلك فى الجزء الأول من موسوعة : الأسرة تحت رعاية الإسلام ص 341 "

(9/429)


قائمة الجهاز

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين فى تحرير ما يسمى بقائمة أثاث وأجهزة منزل الزوجية عند الزواج ؟

الجواب
لا مانع من تحرير قائمة الأثاث عند الزواج ضمانا لحق الزوجة ، والمؤمنون عند شروطهم ، فقد يكون الأثاث هو مقدم المهر وهو ملك لها ، وقد يكون من مالها أو مال أبيها أو غيره فهو ملك لها أيضا .
وأرجو ألا يكون هناك شطط أو مغالاة فى التقدير، وأن يكون الاتفاق على ذلك عند بدء الخطبة حتى تترك الفرصة للخاطب أن يفكر فى ذلك فلعله لا يوافق .
أما أن يكون الكلام عن القائمة عند العقد فغير لائق ، فقد يفشل الموضوع وتكون التعليقات اللاذعة .
وهناك تقليد فى بعض الأرياف يأبى أن يأخذ ولى الزوجة قائمة بعفشها ، مرددا هذا القول الجميل : أؤمنك على عرضى ولا أؤمنك على عفش ؟ .
يعنى أن ولى الزوجة جعلها أمانة عند زوجها يرعاها ويصونها ويكرمها ولا يعمل ما يؤذيها ولا يؤذى أهلها ماديا أو أدبيا ، وهذا شىء كبير وحمل ثقيل لا ينبغى أن ينظر بعده إلى متاع مهما كانت قيمته ، فهو أمانة صغيرة جدا بالنسبة إلى الأمانة الكبيرة على الزوجة ماديا وأدبيا .
فهل تعود هذه القيم الرفيعة مرة ثانية ؟ ذلك شىء يحتاج إلى تربية دينية صحيحة ، وحفاظ على التقاليد الأصيلة المشروعة

(9/430)


الرضاع باللبن المجفف وبنك اللبن

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل لبن الأمهات إذا جفف يحرم به ما يحرم بالرضاع من اللبن السائل ؟

الجواب
ثبت التحريم بالرضاع فى القرآن والسنة ، إذا كان فى مدة الحولين ، مع الاختلاف بين الفقهاء فى عدد الرضعات التى يثبت بها التحريم .
واللبن إذا كان سائلا وأخذ من امرأة معلومة ورضعه طفل معلوم ثبت به التحريم أما إذا جهلت المرضع أو جهل الرضيع فلا يثبت التحريم ، وكذلك الشك لا يؤثر فى ذلك ، لأن الأصل عدمه .
وعليه إذا خلط لبن من نساء متعددات غير متعينات ، ورضع منه طفل :
هل يثبت به التحريم أو لا ؟ لقد أنشئ فى بعض البلاد ما يسمى ببنك اللبن كما أنشئ بنك الدم ، وكان العلماء فى حكمه فريقين ، الفريق الأول أخذ بالاحتياط والورع وقال : لا يجوز إرضاع الأطفال منه ، لأنه قد يترتب عليه أن يتزوج الولد من أخته أو من صاحبة اللبن وهو لا يدرى ، والفريق الثانى لم يجد سببا للمنع و الحكم بالحرمة ، لأنها لا تثبت إلا إذا عرفت الأم التى كان منها اللبن على اليقين ، وعند الجهل لا تثبت الحرمة ، وإن كان من الورع الابتعاد عنه .
هذا ، وقد أفتى الشيخ أحمد هريدى مفتى مصر سنة 1963 م بأن التغذية بهذا اللبن المجموع فى " بنك اللبن " لا يثبت بها تحريم ، وجاء فى هذه الفتوى ما نصه : إن اللبن المجفف بطريقة التبخير والذى صار مسحوقا جافا لا يعود سائلا بحيث يتيسر للأطفال تناوله إلا بعد خلطه بمقدار من الماء يكفى لإذابته ، وهو مقدار يزيد على حجم اللبن ويغير من أوصافه ويعتبر غالبا عليه ، وبالتطبيق على ما ذكرنا من الأحكام لا يثبت التحريم شرعا بتناوله فى هذه الحالة .
وقد انتهى إلى هذا الحكم بعد نقل كثير من أقوال الفقهاء فى مذهب الأحناف ، تخريجا على قواعدهم وتوضيح ذلك فى الجز الأول من موسوعة " الأسرة تحت رعاية الإسلام ص 370 "

(9/431)


أمهات المؤمنين

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
لماذا جعل الله زوجات النبى صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين فى قوله { وأزواجه أمهاتهم } ولم يجعل النبى أباهم فى قوله { ما كان محمد أبا أحد من رجالكم } ؟

الجواب
جعل الله سبحانه زوجات الرسول أمهات المؤمنين بقوله { وأزواجه أمهاتهم } الأحزاب : 6 ، ولا يقال لهن : أمهات المؤمنات كما روى البيهقى فى سننه عن عائشة رضى الله عنها ، وذلك فى نطاق خاص وليس فى كل الأحوال ، فيحرم التزوج منهن بقوله تعالى { ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا إن ذلكم كان عند الله عظيما } الأحزاب : 53 .
فالعلة هنا هى الزوجية للرسول وليست الأمومة، ولسن كالأمهات فى النظر إليهن والخلوة معهن ونقض الوضوء باللمس والتوارث وفى زواج بناتهن ، فقد تزوج على فاطمة وعثمان من رقية ثم من أم كلثوم ، وهن بنات السيدة خديجة أم المؤمنين .
والرسول صلى الله عليه وسلم ليس أبا لأحد من رجال المؤمنين ، فقد مات أولاده الذكور منها قبل التكليف بأوامر الرسالة ، والآية نصت على أنه ليس أبا من النسب لأى رجل من المؤمنين وإن كان أبا روحيا بالرسالة والتعليم كما جاء فى الحديث " إنما أنا لكم مثل الوالد لولده " رواه أبو داود والنسائى وابن ماجه وابن حبان عن أبى هريرة ، ورواه أبو يعلى عن عائشة ، وفى سنده مصعب بن ثابت ، وثقه ابن حبان وضعفه جماعة .
وسبب نزول هذه الآية أن الإسلام أبطل التبنى، وكان الرسول متبنيا زيد بن حارثة من قبل ، ولما بطل التبنى وتزوج مطلقته زينب بنت جحش أرجف الكفار وقالوا : محمد تزوج امرأة ابنه ، فبيَّن الله أن محمدا ليس أبا من النسب لزيد ولا لأحد من رجال المؤمنين ، ومن هنا يصح له أن يتزوج مطلقة من تبناه ، فهو ليس ابنا له من النسب

(9/432)


الخروج من الصلاة لدعوة الوالدين

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز للإنسان أن يقطع صلاته إذا ناداه أبوه أو أمه لأمر هام ، أو هل أرد عليه أثناء الصلاة بأننى أصلى ؟

الجواب
لا يجوز عند جمهور الفقهاء قطع الصلاة المفروضة لإجابة أحد والدى المصلى ، أما صلاة النافلة فيجوز قطعها لإجابة الأم ، اعتمادا على حديث جريج العابد الذى نادته أمه فى الصلاةْ فلم يجبها فدعت عليه ، والأب كذلك إذا نادى ولده وهو فى الصلاة ، بل قال إمام الحرمين : يجيبهما حتى لو كان فى الفريضة ما دام فى الوقت متسع لها .
ولا يجوز الرد عليه أثناء الصلاة بقوله : أنا أصلى، وإلا بطلت صلاته .
والدليل عليه حديث مسلم " إن هذه الصلاة لا يصح فيها شىء من كلام الناس ، إنما هى التسبيح والتكبير وقراءة القرآن " .
الموضوع(6) قضية الذكر والأنثى .
المفتى : فضيلة الشيخ عطية صقر .
مايو 1997 المبدأ : القرآن والسنة .
سئل :
هل يمكن التحكم فى جنس المولود وهل تمكن معرفته قبل ولادته ؟ .
أجاب :
قضية الذكورة والأنوثة فى المولود شغلت العالم من قديم الزمان ، وحكيت فيها أمور هى أقرب إلى الخيال ، ولكن شُغِلَ بها العلماء حديثا ، فأصدر العالم " بروك كوبو " فى القرن الثانى عشر كتابين ، أحدهما يحلل فن إنجاب الذكور، والثانى يبين كيف تنجب الإناث ، وحول هذا الموضوع انعقد فى مدريد خلال شهر إبريل سنة 1976 المؤتمر الطبى الأوربى السادس ، وكان الاتجاه إلى أن الرجل هو المسئول بطبيعته عن إنجاب الذكور والإناث ، لأنه هو الذى يملك الحيوان المنوى الذى ينقسم إلى نوعين أطلق عليهما العلماء اسم " الكروموسوم س والكروموسوم ص " ورمز إليهن بالحرفين و(x ، y ) وأما الأنثى فلا تملك فى البويضة سوى ص "X " فإذا تقابل س مع ص ، تكون هناك فرصة لإنجاب الذكور. وقد حدد الأطباء نسبة قليلة جدا من الرجال لا تتعدى 9 % لا تملك سوى س فقط أو ص فقط . وهذه النسبة هى التى تنتج نوعا واحدا .
وبناء على ذلك قام العلماء بتطبيقات للفصل بين خلايا الذكورة والأنوثة، ولهم فى ذلك عدة طرق ، بعضها يقوم على التغذية كما فعل الدكتور " جوزيف ستولكو ويسكى " أستاذ الفيزيولوجيا بكلية العلوم بباريس ، والدكتور " لورين " بمستشفى القلب المقدس فى مونتريال بكندا (روز اليوسف 26/11/1979 ، الأهرام 4/4/1976 ) وبعضها يقوم على عامل الزمن كما جاء فى كتاب العالم النمسوى " د .
أوجسمت بوروسينى " ( أهرام 7/7/972 1 ، مجلة النهضة بالكويت 21/8/1976) وبعضها يقوم على فصل الخلايا ، إما بالدش المهبلى أو التيار الكهربائى أو باستعمال أقراص تؤدى هذا الغرض ( أهرام 7/7/ 1972 مجلة الرائد الكويتية 15/8/1974 ). وعلمنا من هذه المحاولات للتحكم فى نوع الجنين أن نسبة النجاح فيها كانت حوالى 80 % وأن للعوامل النفسية والعقلية دخلا كبيرا فى صلتها بالأجهزة التى تفرز مادة الجنس ، وللظروف المحلية فى الزوجين وغيرهما كذلك دخل كبير فى تكوين الجنين وتحديد نوعه ، بل فى أصل الحمل .
وهذا يدل على أن جهود العلماء فى هذا المجال ليست صحيحة 100 % مما يؤكد أن قدرة الله هى المؤثر الأول والمتحكم بثقة فى نوعية الجنين ، لأنه هو المالك لكل هذه العوامل ، والأسباب ، مصداقا لقوله تعالى{ للَّه ملك السموات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور . أو يزوجهم ذكرانا وإناثا و يجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير} الشورى : 49 ، 50 ، وعلى الرغم من تقرير الإِسلام لذلك فإن هناك تطلعات بين المسلمين تحاول معها أن يرزقهم الله نوعا من المواليد، وهو الذكور غالبا ، وأكثر هذه المحاولات أدعية وأذكار فى أوقات معينة ، مما يدل على أن الأمر كله بيد الله سبحانه ، ونحن لا نشك فى أن الدعاء من وسائل تحقيق الرغبات إذا تمت شروطه المعروفة ، ولكن بعض الأدعية الخاصة بإنجاب الذكور موضوعة لا أصل لها من قرآن أو حديث ، ومنها ما هو موجود فى الكتب الطبية أو كتب الخواص ونحوها، مثل ما جاء فى كتاب "مفيد العلوم ومبيد الهموم للخوارزمى ص 85 " أن من أراد الولد فليقرأ عند الجماع { قل هو الله أحد . . . } ثم يقول : اللهم ارزقنى من هذا الجماع ولدا أسميه محمد أو أحمد ، يرزقه الله الولد، وقد جرب ذلك كثيرون فرزقهم الله أولادا .
انتهى .
هذا، وقد ورد فى صحيح مسلم عن ثوبان أن يهوديا جاء يسأل النبى صلى الله عليه وسلم عن الولد، فقال له " ماء الرجل أبيض وماء المرأة أصفر، فإذا اجتمعا فَعَلاَ مَنى الرجل مَنِىَّ المرأة أذْكَرا بإذن الله ، وإذا عَلا منى المرأة منى الرجل أنْثَى بإذن الله " فقال اليهودى : صدقت وإنك نبى .
وقد بيَّن ابن القيم فى كتابه " أقسام القرآن " ص 205 - 215 كيفية تخلق الجنين من ماء الرجل والمرأة، واستشكل فى كتابه "تحفة الودود" الإذكار والإِيناث لمن علا ماؤه ، لأن ذلك ليس له سبب طبيعى، بل هو مستند إلى مشيئة الله . ولهذا قال فى الحديث الصحيح فيقول الملك :
يا رب ذكر ؟ يا رب أنثى . . ؟ ويقول : وأما حديث ثوبان فانفرد به مسلَّم . وهو صحيح ، لكن فى القلب من ذِكْرِ الإيناث والاذكار فيه شىء ، هل حفظت هذه اللفظة أو هى غير محفوظة، والمذكور إنما هو الشبه كما ذكر فى سائر الأحاديث المتفق عليها "ثلاثيات أحمد ج 2 ص 73 ، 4 7 " . انتهى .
وأقول : على ضوء ما ذكر من احتواء نطفة الرجل على عناصر التذكير والتأنيث ، و اقتصار بويضة الأنثى على عنصر التأنيث بأَلاَ يمكن أن يفسَّر عُلُوُّ ماء أحدهما على الآخر بِسَبْقِ حامل ، عنصر التذكير فى النطفة إلى تلقيح البويضة ، فيمكن أن يكون المولود ذكرا ، وبغَلَبَة عنصر الأنوثة فى المرأة إذا لقحت بويضتها بعنصر الأنوثة فى منى الرجل ؟ وعلى كل حال فإن الحديث لم ينس أن يذكر مع ذلك كلمة " بإذن الله " للدلالة على أن المتحكم الحقيقى هو الله سبحانه .
هذا، وأما معرفة نوع الجنين قبل ولادته فقد بذلت لها محاولات كثيرة قديمة وحديثة لا مجال لذكرها ، ولكن كل المحاولات ظنية وليست يقينية، ولئن عرف نوع الجنين فلا يعرف كل ما كتب له من عمر ورزق وشقاء أو سعادة كما صح فى حديث البخارى ومسلم ، والمعرفة الظنية أو الناقصة غير الشاملة لا تتعارض مع علم الله اليقينى والشامل لكل أحوال الجنين ، كما يدل عليه قوله تعالى { هو الذى يصوركم فى الأرحام كيف يشاء } آل عمران : 6 ، وقوله { الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شىء عنده بمقدار } الرعد : 8 .
ويذكرنى ما قاله العلماء من أن الرجل عليه الدور الأكبر فى تحديد نوع الجنين بما يحمل من الكروموسومات ، ما جاء فى أشعار العرب مشيرا إلى ذلك ، بصرف النظر عن مصدر علمهم به ، فقد جاء فى العقد الفريد لابن عبد ربه "ج 2 ص 87" أن أبا حمزة الضَبىّ تزوج امرأة يبتغى من ورائها ولدا تلده ، فولدت له إناثا فى عدة مرات ، فهجر فراشها، ، ثم سمعها مرة تقول وهى ترقص بنتها وكان يأوى إلى بيت جيرانها :
ما لأبى حمزة لا يأتينا * يظل فى البيت الذى يلينا غضبان ألا نلد البنينا * تالله ما ذلك فى أيدينا فنحن كالأرض لزارعينا * تُنْبِتُ ما قدر زرعوه فينا فأحس أن امرأته لا ذنب لها فى ذلك فرضى عنها

(9/433)


الزواج بين الإنس والجن

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يمكن أن يحدث زواج بين الإنس والجن ؟

الجواب
الكلام فى هذا الموضوع فى مقامين ، الأول إمكان حدوثه والثانى مشروعيته . وقد فصل هذين المقامين المحدث الشبلى الحنفى المتوفى سنة 769 هـ فى كتابه " آكام المرجان " كما تحدث عن ذلك الدميرى فى كتابه " حياة الحيوان الكبرى " .
أولا - إمكان التزاوج بين الإنس والجن ، قد أثبته الجمهور مستدلين بقوله تعالى لإبليس { وشاركهم فى الأموال والأولاد} الإسراء : 64 ، ويوضح هذه المشاركة ما ذكره ابن جرير فى " تهذيب الآثار " أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " إذا جامع الرجل امرأته ولم يسم انطوى الشيطان إلى إحليله فيجامع معه " .
ويقول الشبلى : إن المنكرين لإمكان المناكحة اعترضوا بأن الجن خلقوا من نار ، والإنس من العناصر الأربعة . وهذا يمنع وجود النطفة الإنسانية فى رحم الجنية - ثم يرد عليهم بأن الجن وإن كانوا خلقوا من نار إلا أنهم لم يبقوا على عنصريتهم النارية ، بل استحالوا عنها بالأكل والشرب والتوالد ، كما استحال بنو آدم من عنصرهم الترابى بذلك .
ويقول أيضا : إن الذى خلق من نار هو أبو الجن ، كما خلق آدم أبو الإنس من تراب وأما ذرية كل منهما فليست مخلوقة مما خلق منه أبوهما ، وقد أخبر النبى صلى الله عليه وسلم بأنه وجد برد لسان الشيطان الذى عرض له فى صلاته على يده لما خنقه . وفى رواية قال النبى صلى الله عليه وسلم " فما زلت أخنقه حتى برد لعابه " فبرد لسان الشيطان ولعابه دليل على أنه انتقل عن العنصر النارى .
ثم يقول الشبلى أيضا فى رده على المنكرين : لو سلمنا عدم إمكان العلوق -أى وجود نطفة الإنس فى رحم الجنية - فلا يلزم منه عدم إمكان الوطء فى نفس الأمر، كذلك لا يلزم من عدم إمكان العلوق عدم جواز النكاح شرعا ، لان الصغيرة والآيسة والعقيم اللاتى لا يمكن العلوق معهن يجوز نكاحهن شرعا .
هذه هى أدلته النظرية ، ويورد أدلة واقعية فينقل أخبارا عمن يثق بهم ، أن هذه المناكحات حدثت بالفعل .
ثانيا - أما مشروعية النكاح بين الجنسين فيذكر الشبلى عنها أن للعلماء فى ذلك رأيين :
الأول : المنع ، ونص عليه جماعة من أئمة الحنابلة . وينقل عن الفتاوى السراجية النهى عنه ، واستدلوا بقوله تعالى : { والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا} النحل : 72 ، وقوله تعالى : { ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة} الروم : 21 ، موجهين استدلالهم باختلاف الجنسين ، وتفسير المودة بالجماع ، والرحمة بالولد . كما يستدلون بما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم نهى عنه .
والرأى الثانى الجواز، ونقل عن الحسن البصرى وقتادة وغيرهما .
وشهد الأعمش نكاحا للجن بجهة " كوثى " كما ذكره أبو بكر الخرائطى، وسيأتى ما نسب إلى مالك فى ذلك . وحجة هؤلاء فى عدم المنع أن الأصل فى التكليف أنه يعم الفريقين الإنس والجن ، وليس هناك ما يخصص هذا التعميم بالنسبة للمناكحة بينهما كما قالوا : إن فى أدلة المانعين نظرا ، لأن الآيتين المذكورتين لا تنصان على التحريم . فاختلاف الجنس لا نص على منعه من النكاح ، والمودة والرحمة لا يتعين تفسيرهما بالجماع والولد . وحديث النهى عنه مردود بأنه مرسل ومن طريق ابن لهيعة، وهو مطعون فيه ، وإن صح فيجوز حمله على الكراهه لا التحريم .
وأصحاب الرأى القائل بالجواز يكرهون هذا النكاح ، لأنه لا يحدث به تمام المودة والرحمة ، لاختلاف الجنس ، ولعدم الاطمئنان على حل المشكلات التى تحدث بين الزوجين ، من لعان وإيلاء وطلاق وتحصيل نفقة، وما إلى ذلك من الأمور التى ذكرها الفقهاء فى هذا الصدد .
كما أن الإمام مالكا أورد وجهة نظر فى الكراهة لها قيمتها ، فقد قيل له : إن ها هنا رجلا من الجن يخطب إلينا جارية يزعم أنه يريد الحلال ، فقال : ما أرى بذلك بأسا فى الدين ، ولكن أكره إذا وجدت امرأة حامل قيل لها : من زوجك ؟ قالت : من الجن ، فيكثر الفساد فى الإسلام بذلك ، يريد أن الزانية قد تبرر حملها بزواجها من جنى وقد أورد ذلك أبو عثمان سعيد بن العباس الرازى فى كتاب " الإلهام والوسوسة" فى باب نكاح الجن .
وهذا فى تزوج الجنى من الإنسية ، أما العكس فظاهر كلامه عدم الكراهة انتهى .
بعد هذا أرى أن الأصل فى نكاح الجن هو الحل ، لعدم ورود ما يمنعه ، ولكنه مكروه طبعا . . وفى الإنس متسع لمن يريد المودة والرحمة واستقرار الحياة الزوجية وخدمة المجتمع البشرى " انظر الجزء الأول من موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام "

(9/434)


الدخول بالمرأة والخلوة بها

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
لو عقد شخص على امرأة ثم قبَّلها أو سافر بها فى مكان بعيد عن أهلها ولم يتصل بها جنسيا ثم طلقها، هل يعتبر طلاقا قبل الدخول أو بعده ؟

الجواب
الدخول الحقيقى الذى تترتب عليه أحكامه يحصل باللقاء الجنسى المعروف ، وذلك عند جمهور الفقهاء ، فالتقبيل أو الخلوة الخالية من ذلك لا تترتب عليه أحكام الدخول ، لكن الإمام أبا حنيفة جعل للخلوة أحكاما تشترك فيها مع الدخول ، واشترط أن تكون الخلوة صحيحة ، وتكون صحيحة إذا كان الزوج مع الزوجة فى مكان يأمنان فيه من دخول أحد عليهما أو إطلاعه على سرهما ، وألا يكون هناك ما يمنع من الاختلاط ، مستدلا بما رواه الدارقطنى " من كشف خمار امرأته ونظر إليها وجب الصداق ، دخل بها أو لم يدخل " وبما روى عن زرارة بن أبى أوفى أنه قال : قضى الخلفاء الراشدون المهديون أنه إذا أرخى عليها الستور وأغلق الباب فلها الصداق كاملا وعليها العدة ، دخل بها أم لم يدخل . وحكى الطحاوى من أئمة الحنفية أن على هذا إجماع الصحابة من الخلفاء الراشدين وغيرهم .
فإذا لم تكن الخلوة صحيحة فلا تكون فى الحكم كالدخول . كأن كانا فى مكان لا يأمنان فيه من دخول أحد أو إطلاعه عليهما ، أو كان معهما شخص ثالث يعقل ، أو كان هناك مانع من الاختلاط .
والمانع إما حسى كالمرض أو صغر السن ، أو كانت الزوجة بها مانع خلقى لا يمكن معه الاختلاط ، وإما مانع شرعى كالحيضى أو صيام رمضان أو إحرام بالحج أو العمرة .
والخلوة الصحيحة تشارك الدخول الحقيقى عند الأحناف فى أحكام وتخالفه فى أحكام ، فالمشاركة فى خمسة :
ا -تأكد المهر كله للزوجة .
2-وجوب العدة عليها إذا وقعت فرقة بعد الخلوة بها .
3- وجوب نفقة العدة على المطلق .
4 -ثبوت نسب الولد منه .
5 - حرمة التزوج بامرأة أخرى محرم لها كالأخت وتزوج خامسة وذلك فى أثناء العدة .
6 -وقوع الطلاق عليها ما دامت فى العدة .
والمخالفة فى سبعة :
ا - لا يثبت بها إحصان فلا ترجم إن زنت .
2 - حرمة الربيبة فإن الشرط الدخول بأمها دخولا حقيقيا .
3- حل المطلقة ثلاثا لا يكون إلا بالدخول .
4 - الرجعة فلا تحصل عنده إلا بالاتصال الجنسى .
5 -إرجاعها بدون عقد فلا يجوز إلا بعد الدخول الحقيقى .
6 -الميراث فلا يرث أحدهما الآخر قبل الدخول الحقيقى لو طلقها ومات فى العدة .
7 - لا تعامل معاملة الثيب لو طلقها قبل الدخول الحقيقى وأرادت أن تتزوج . بل تعامل كالبكر. [ ملخص من كلام الشيخ عبد الرحمن تاج فى كتابه " أحكام الأحوال الشخصية ص 131 - 1136 ] .
ثم تحدث عن المذاهب بخصوص المهر ، فقال : إن الخلوة الصحيحة توجب المهر كله عند الحنفية والحنابلة، ولا توجبه عند الشافعية، وأما المالكية فقالوا : إن اختلى بها مدة طويلة كسنة مع عدم الموانع من المخالطة ، كانت الخلوة كالدخول فى تأكد المهر كله حتى لو اعترف الطرفان بعدم المخالطة . ويراجع الكتاب لاستكمال رأى المالكية انظر تفسير القرطبى فى سورة النساء "وقد أفضى بعضكم إلى بعض "ج 3 ص ه . 2 ، ج ه ص 102

(9/435)