صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


المصدر : موقع وزارة الأوقاف المصرية
http://www.islamic-council.com

المعتدة والحج

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
أثناء استعدادى للسفر لأداء فريضة الحج توفى زوجى ، فتابعت الإجراءات وسافرت ، ولكن قيل لى: إن حجك غير صحيح ، فما رأى الدين فى ذلك ؟

الجواب
الكلام هنا فى نقطتين ، الأولى فى شرط المحرم ، والثانية فى حق الزوج ، أما شرط المحرم مع المرأة فقد أجيب عنه ، وقلنا : إذا كان الحج لأول مرة يمكن أن يكون معها زوج أو محرم أو رفقة مأمونة كما ذهب إليه الشافعية .
وأما حق الزوج فإن التى توفى زوجها يجب عليها أن تعتد، فإن انتهت عدتها بوضع الحمل أو بأربعة أشهر وعشرة أيام كان لها السفر دون حرج ، أما إن تقرر سفرها قبل انتهاء العدة فقد تعلق بها واجبان ، واجب الحج وواجب العدة، والآراء فى حل هذه المشكلة مختلفة ، فالأئمة الأربعة قالوا : لا تخرج من عدتها ولا تسافر، فهى تعتبر غير مستطيعة، ولا يجب الحج على غير المستطيع ، ويمكنها أن تحج فى عام آخر، حتى قال بعضهم : لو سافرت بالفعل ثم جاءها خبر وفاة زوجها عادت من سفرها إن لم تصل إلى الميقات ، بدليل الحديث الذى رواه أصحاب السنن عن الفريعة بنت مالك أن أخت أبى سعيد الخدرى سألت النبى صلى الله عليه وسلم أن تترك بيت زوجها الذى مات فى سفر لتذهب إلى بيت أهلها فلم يأذن لها ، وهو حديث صحيح قضى به عمر وعثمان والأكثرون .
وأجاز داود الظاهرى سفرها وهى فى العدة ، وذلك لحديث عائشة رضى اللّه عنها أنها خرجت بأختها أم كلثوم لما قتل زوجها طلحة ، خرجت بها إلى مكة لعمل عمرة ، وقال داود : المأمورة به هو الاعتداد ، وليس المكث فى البيت ، وسار عليه بعض التابعين .
ويمكن الأخذ برأى عائشة هذا فى الحج الواجب لأول مرة، وذلك لعدم تكرار الفرصة عند تعقد الأمور وتنظيم سفر الحجاج وتقييده ، أما الحج المندوب - وهو ما كان غير المرة الأولى-فلا تخرج ما دامت فى العدة

(9/314)


متى يذبح هدى التمتع وأين ؟

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
أحرمت فى موسم الحج بالعمرة أولا، ولما انتهيت منها ذبحت الهدى قبل أن نقف بعرفة فهل الذبح صحيح أم لابد أن يكون بعد الإحرام بالحج وأن يكون فى منى ؟

الجواب
قال الله تعالى {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجعتم تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام } البقرة : 196 ، يعنى من أدى العمرة وانتهى منها وتحلل واستباح ما كان محرما عليه بسبب الإحرام ، وظل متمتعا إلى وقت الحج فعليه فى مقابل هذا التمتع أن يذبح شاة، فإن لم يجدها أو لم يجد ثمنها فعليه أن يصوم عشرة أيام كاملة، ثلاثة منها فى الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله كما نص عليه القرآن الكريم .
لكن هل هناك مكان أو وقت معين للذبح ؟ أما مكان الذبح فهو الحرم المكى ومنه منى، ولا يجوز عند جمهور العلماء ذبحه خارج الحرم المكى، ومن نسى أن يذبح وعاد إلى بلده فعليه أن يذبح فى الحرم بنفسه أو بتوكيل غيره من الحجاج أو الزوار أو غيرهم ، ولا يجوِّز الذبح فى البلد إلا قليل ، وهو مروى عن مجاهد من التابعين ، لكن رأى الجمهور هو الصحيح لتحقيق الحكمة الشرعية للذبح لمنفعة أهل مكة كما تنص عليه الآيات .
أما وقت الذبح ففيه ثلاثة آراء للعلماء .
رأى يقول : لا يصح الذبح إلا بعد الإحرام بالحج ، كما دل عليه ظاهر الآية {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج } أى الدخول فيه بالإحرام ، وعلى هذا الرأى يكون الذبح فى منى أو فى مكة بعد العودة من منى، لأنه المكان الميسر للذبح ، وهو المتفق عليه فى مذهب المالكية .
ورأى ثان يقول : يصح الذبح بعد الفراغ من أعمال العمرة وقبل أن يحرم بالحج ، وذلك قياسا على تقديم كفارة اليمين على الحنث وتقديم الزكاة على الحول "الإقناع فى حل ألفاظ أبى شجاع فى فقه الشافعية ج ا ص 226 ) يقول الأُبِّى فى شرح صحيح مسلم : إنه محكى عن عياض ، وقال المازرى هو الصحيح ، وهو الذى عليه الجمهور، وهو وجه عند بعض أصحاب الشافعى .
ورأى ثالث حكاه المازرى : يجوِّز الذبح بعد الإحرام بالعمرة .
وذكر النووى فى المجموع أن الذبح الواجب بالتمتع قبل الإحرام بالحج فيه خلاف ، وجاء فى الأم للشافعى استحباب الذبح لهدى التمتع بعد الفراغ من السعى بين الصفا والمروة قبل أن يحلق أو يقصر .
وما دامت المسألة خلافية فالأيسر هو العمل بجواز الذبح بعد الانتهاء من العمرة ، ولا داعى لتأخيره إلى الإحرام بالحج ليذبح فى منى ، والدين يسر .
أما إن عجز عن الهدى فيجب عليه أن يصوم ثلاثة أيام فى الحج كما نصت عليه الآية، وقد نقل عن أحمد بن حنبل أنه يجوز الصوم قبل أن يحرم بالحج ، وقال الثورى والأوزاعى : يصومهن من أول أيام العشر، وبه قال عطاء ، وقال عروة : يصومها ما دام بمكة فى أيام منى وقاله أيضا مالك وجماعة من أهل المدينة "تفسير القرطبى ج 2 ص 399" وفى ص 403 : يصوم السبعة بعد الرجوع من الحج ولو لم يذهب إلى بلده ، فيصوم فى الطريق ويصوم فى مكة . وقال جماعة :
يصوم الثلاثة وهو محرم بالحج قبل يوم عرفة .
وقال بعض آخر: يصوم قبل يوم التروية ويوم التروية ويوم عرفة، وكانت عائشة تصومها فى أيام التشريق وهى الثلاثة بعد العيد كما رواه البخارى عنها وقال ابن عمر وعائشة فى أيام التشريق ألا يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد الهدى رواه الدارقطنى بإسناد صحيح وإذا فاته صيام الأيام الثلاثة فى الحج لزمه قضاؤها ، إما قبل أن يعود إلى بلده وإما بعد أن يعود ولا يشترط التتابع فى صيام هذه الأيام

(9/315)


تكرار العمرة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز تكرار العمرة فى موسم الحج أو غير موسمه ، وهل لهذا التكرار حد ؟

الجواب
يجوز تكرار العمرة أكثر من مرة فى العمر أو فى السنة أو فى الشهر أو فى اليوم ،حيث لا يوجد نص يمنع ذلك ، قال نافع : اعتمر عبد الله بن عمر رضى الله عنهما أعواما فى عهد ابن الزبير، عمرتين فى كل عام ، وقال القاسم : إن عائشة رضى الله عنها اعتمرت فى سنة ثلاث مرات ، فسئل : هل عاب ذلك عليها أحد؟ فقال : سبحان الله ، أم المؤمنين ؟ وإلى هذا ذهب أكثر أهل العلم ، وكره مالك تكرارها فى العام أكثر من مرة، إلا لمن كان داخلا مكة قبل أشهر الحج وكان ممن يحرم عليه مجاوزة الميقات حلالا فلا يكره له تكرارها بل يحرم بعمرة حين دخوله ولو كان قد تقدمت له عمرة فى هذا العام

(9/316)


متى فرض الحج

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هى السنة التى فرض فيها الحج إلى بيت الله الحرام ؟

الجواب
الحج إلى مكان مقدس أمر معروف عند الأمم منذ القدم كما قال سبحانه {لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه } الحج : 67 ، وكما قال {ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام } الحج : 34 .
والحج فى جزيرة العرب عبادة قديمة ترجع إلى عهد بناء البيت الذى جعله الله أول بيت وضع للناس ، والذى رفع قواعده أبو الأنبياء إبراهيم عليه السلام ، وأمره الله أن يسكِّن أسرته الصغيرة عنده ، وأن يؤذن فى الناس بالحج استجابة لدعاء ربه أن يجعل أفئدة من الناس تهوى إليه ويرزق أهله من الثمرات ، وبهذا أصبح الحج شريعة متبعة وموسما حرص العرب عليه ليشهدوا منافع لهم .
وجاء الإسلام وما يزال الحج تمارس شعائره القديمة ، وكان النبى صلى الله عليه وسلم يشهد الموسم كعادة العرب ، وبعد البعثة عرض نفسه على القبائل الوافدة إلى مكة يبلغهم الدعوة وكانت قلة من المسلمين تمارس الحج كميراث قديم ولم يكن فُرِض عليهم كما فرضت الصلاة فى مكة حتى هاجروا إلى المدينة وكانت الحروب هى التى حالت دون زيارتهم للبيت الحرام .
لقد قال بعض المؤرخين للتشريع : إن الحج الذى فرض بقوله تعالى{ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} آل عمران : 97 ، كان فى السنة السادسة للهجرة ، وعلى أثره قام النبى صلى الله عليه وسلم وجماعة معه بالسفر إلى مكة لأداء العمرة، فصدهم المشركون وكان صلح الحديبية، وقضى الرسول هذه العمرة فى السنة التالية .
وقاله جماعة : إن الحج لم يفرض إلا بعد السنة الثامنة حيث فتحت مكة وأمن الطريق الذى لم يكن آمنا قبل ذلك ، وإنما كان فرضه فى السنة التاسعة حيث أوفد النبى صلى الله عليه وسلم بعثة الحج على رأسها أبو بكر رضى الله عنه ، ليؤذن فى الناس يوم النحر ألا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ، وكانت هذه البعثة تمهيدا لحجة النبى صلى الله عليه وسلم حجة الوداع فى السنة العاشرة وهى الحجة الوحيدة التى حجها كما رواه مسلم وفيها نزلت آية{اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا} المائدة : 3 ، وأشهد الناس على أنه بلغ الرسالة ، وأمرهم أن يبلغوها للعالم كله

(9/317)


النظافة فى الحج

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل صحيح أن الحاج ممنوع من الاستحمام والتطيب حتى لو تغيرت رائحته بالعرق ونحوه ، مع أن الإسلام دين النظافة ؟

الجواب
روى البزار بسند صحيح أن عمر رضى الله عنه وجد ريح طيب من معاوية وهو مُحرم ، فقال له . ارجع فاغسله ، فإنى سمعت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم يقول : "الحاج الشعث التفل " . والشعث من عليه أثر التراب من السفر، والتفل البعيد العهد بالماء ، وقال النبى صلى الله عليه وسلم "أما الطيب الذى بك فاغسله عنك ثلاث مرات " .
وقال فيمن مات وهو محرم "لا تخمروا رأسه ولا تمسوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا" .
نعم الإسلام دين النظافة، سواء أكانت تخلية أم تحلية، تخلية بالغسل وإزالة الزوائد التى تتجمع معها الأوساخ ، وتحلية بالطيب وسائر الروائح الزكية ونحوها .
ولكن الحاج فى أثناء إحرامه ، وقد تكون مدته قصيرة جدا، ممنوع من التحلية بالروائح الطيبة لأنها من باب الكماليات .
والحج يقوم على التجرد منها والوقوف أمام اللّه بأقل ما يستر العورة، تشبها بما سيكون الناس عليه يوم يحشرون إلى ربهم {ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم } الأنعام : 94 .
وقد جاء فى الأحاديث أن الله يباهى الملائكة بالواقفين على عرفة ويقول "انظروا إلى عبادى أتونى شعثا غبرا ضاحين من كل فج عميق ... " .
أما التخلية عن الأمور التى تضر الجسم وتضر بالرفاق والمجتمع الكبير فإن الإسلام أباح الاغتسال والتطهر أثناء الإحرام ، ومنع العطور التى هى زائدة على النظافة العادية .
وقد ورد أن ابن عباس رضى الله عنهما دخل حمام الجحفة وهو محرم ، فقيل له : أتدخل الحمام وأنت محرم ... ؟ فقال : إن اللّه ما يعبأ بأوساخنا شيئا .
وأخرج الجماعة إلا الترمذى أن أبا أيوب الأنصارى كان يغتسل بصب الماء عليه والتدليك . وقال هكذا رأيته صلى الله عليه وسلم يفعل .
على أن الاغتسال والتطهر بوجه عام مشروط أو مندوب لعدة أعمال فى الحج .
فعن ابن عمر أنه قال : من السنة أن يغتسل إذا أراد الإحرام ، وإذا أراد دخول مكة . رواه البزار والدارقطنى والحاكم وصححه . وكذلك يسن الغسل للوقوف بعرفة .
والطيب جائز قبل الإحرام حتى لو امتد أثره إلى ما بعد الإحرام ، ففى البخارى ومسلم عن عائشة رضى اللّه عنها قالت : كأنى أنظر إلى وبيص الطيب -أى بريقه -فى مفرق رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وهو محرم .
وعنها أيضا قالت : كنا نخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة ، فننضح جباهنا بالمسك عند الإحرام ، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها فيراه النبى صلى الله عليه وسلم فلا ينهانا . رواه أحمد وأبو داود .
وجوز الفقهاء استعمال الصابون وغيره من كل ما يزيل الأوساخ أثناء الإحرام .
وعند الشافعية والحنابلة يجوز أن يغتسل بصابون له رائحة ، لأن المقصود به النظافة لا التطيب .
هذا ، وكثير من الناس الذين فهموا النصوص خطأ يمتنعون عن الاغتسال وتغيير الملابس ويؤثرون البقاء على ما هم عليه حتى بعد انتهاء أعمال الحج وانتظار العودة إلى البلاد ، ويظنون أن ذلك من الدين ، مع ما قد يفوح منهم من رائحة كريهة ، وبخاصة فى أيام الحر، وهم بذلك يخلقون مجالا لبعض الأمراض ، إلى جانب إيذاء الغير بروائحهم الكريهة

(9/318)


لقطة الحرم

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
أثناء وجودى فى منى وجدت مبلغا من النقود نحو ثلاثين دينارا فأخذتها وقررت التصدق بها بعد عودتى لبلدى على أن أهب ثوابها لصاحبها فهل يجوز ذلك ؟

الجواب
لقطة الحرم يحرم أخذها إلا لتعريفها فقد صح فى الحديث "إن هذا البلد حرمه الله تعالى، لا يلتقط لقطته إلا من عرفها" وجاء أيضا "لا يرفع لقطتها إلا منشدها" أى المعرف بها ، قال العلماء فى بيان حكمة ذلك : إن حرم مكة مثابة للناس يعودون إليه المرة بعد المرة ، فربما يعود مالكها من أجلها أو يبعث فى طلبها، فكأنه جعل ما له محفوظا عليه ، كما غلظت الدية فيه . وقالوا :
من التقطها يلزمه الإقامة وعدم السفر وذلك للتعريف بها أو يدفعها إلى الحاكم إذا كان أمينا ليقوم بالتعريف عنها، ويوجد الآن جهاز خاص فى الحرم للأشياء المفقودة فيجب تسليمها إليه ، ثم قال العلماء إن لم يسلمها إلى الحكومة لا يجب بعد معرفة علاماتها أن يحفظها، سواء أكانت حقيرة أم خطيرة ، وتبقى وديعة عنده لا يضمنها إذا تلفت إلا بالتعدى، ثم ينشر خبرها فى مجتمع الناس بكل وسيلة، فإن جاء صاحبها وعرفها دفعت إليه ، وإن لم يجيء عرفها الملتقط لمدة سنة، فإن لم يظهر صاحبها بعد سنة حل له أن يتصدق بها أو الانتفاع بها ، هذا هو حكم المسألة ولك الخيار فى إرسالها إلى حكومة السعودية لتتولى التعريف عنها ، أو التصرف فيها على ضوء ما علمت

(9/319)


أنواع الإحرام

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
أريد أن أؤدى الحج والعمرة معا فى سفرة واحدة فكيف أقوم بهما ؟

الجواب
قال تعالى { وأتموا الحج والعمرة لله } البقرة : 196 ، فالحج واجب على كل مستطيع فى العمر مرة واحدة ، كما أن العمرة واجبة عند الشافعى وأحمد وسنة عند أبى حنيفة ومالك .
وأعمال العمرة تؤدى داخل مكة ، فهى طواف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة ، ثم تحلل منها بحلق الشعر أو تقصيره ، أما أعمال الحج فتؤدى فى مكة بالطواف والسعى والحلق ، وخارج مكة بالوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة وبمنى ورمى الجمرات فيها .
والذى يقصد بيت اللّه فى أشهر الحج - شوال وذى القعدة وذى الحجة - ويريد أن يؤدى الحج والعمرة له أن يختار فى إحرامه إحدى الكيفيات التالية :
الأولى : أن ينوى أداء العمرة فقط ، بعد أن يلبس ملابس الإحرام وقبل أن يصل إلى الميقات ، فإذا وصل مكة طاف سبعا بالبيت ثم سعى سبعا بين الصفا والمروة، ثم حلق بعض شعره أو قصره .
وبهذا تمت عمرته ، ويخلع ملابس الإحرام ويلبس ملابسه العادية ويتمتع بما كان محظورا عليه أثناء الإحرام ، من مثل الطيب وقص الشعر والأظافر والاتصال الجنسى .
وعليه مقابل ذلك أن يذبح شاة، لقوله تعالى { فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى } البقرة : 196 .
وعندما يحين الخروج إلى عرفات يحرم بالحج من المكان الذى هو فيه بعد أن يلبس ملابس الإحرام ، ثم يقف بعرفة ويفيض منها إلى المزدلفة بعد المغرب ، ويمكث بها مدة بعد منتصف الليل ، ثم يصبح يوم العيد فى منى ويرمى جمرة العقبة وهى الكبرى ثم يقص بعض شعره ، وهنا يجوز له أن يخلع ملابس الإحرام ويلبس الملابس العادية ويمكث فى منى ثلاثة أيام لرمى الجمار، أو يذهب إلى مكة ليطوف طواف الإفاضة ، ويسعى بين الصفا والمروة يوم العيد ، ثم يعود إلى منى ليبيت فيها ويرمى الجمرات وهذه الكيفية وهى تقديم العمرة على الحج فى أشهره تسمى بالتمتع .
الثانية : أن ينوى قبل الوصول إلى الميقات الإحرام بالحج فقط ، وعند وصوله مكة يطوف طواف القدوم -وهو سنة-ويسعى بين الصفا والمروة إن أراد ، ويمكث ملتزما للإحرام حتى يقف بعرفة ويتمم أعمال الحج بالمبيت بمزدلفة ورمى الجمرات والمبيت بمنى والطواف ، والسعى إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم ، وبالحلق أو التقصير .
وهذه الكيفية من الإحرام تسمى الإفراد .
وبعد أن ينتهى من الحج يمكن أن يحرم بالعمرة من مسجد عائشة بالتنعيم ، ويؤدى أعمالها المعروفة وليس عليه فى هذه الكيفية هدى .
الثالثة : أن ينوى الحج والعمرة معا فى إحرام واحد قبل الميقات ، فإذا وصل مكة طاف طواف القدوم وسعى ووقف بعرفة وبات بالمزدلفة ورمى جمرة العقبة صباح يوم العيد ثم حلق -ثم طاف طواف الإفاضة وسعى إن لم يكن سعى بعد طواف القدوم ، ثم كمل أعمال الحج برمى الجمرات والمبيت بمنى، وهذه الكيفية من الإحرام تسمى "القران " . وفيها هدى كهدى التمتع ، لأنه طاف طوافا واحدا - سبعة أشواط - وسعى سعيا واحدا-سبعة أشواط -عن الحج والعمرة معا . ففى مقابل راحته بعدم تكرر الطواف والسعى يلزمه الهدى .
والإنسان حُرّ فى أن يختار أية كيفية من هذه الكيفيات ، حسب ظروفه وحالته الصحية أو المالية أو غيرها ، والمهم أنه أدى النسكين فى رحلة واحدة، وبرئت ذمته من أداء الواجب وإن كان الفقهاء اختلفوا فى أيها أفضل بناء على اختلافهم فى حج الرسول وإن صحح بعضهم أنه كان قارنا لأنه ساق الهدى فذهبت الشافعية إلى أن الإفراد والتمتع أفضل من القران ، لأن المفرد والمتمتع يأتى بكل من النسكين بكمال أفعاله ، أما القارن فيقتصر على عمل الحج وحده . وفى التفاضل بين التمتع والإفراد قولان .
والحنفية قالوا : القرآن أفضل من التمتع والإفراد ، والتمتع أفضل من الإفراد .
والمالكية قالوا : الإفراد أفضل من التمتع والقران .
والحنابلة قالوا : التمتع أفضل من القران ومن الإفراد ، لأنه الأيسر، وقد تمناه النبى صلى الله عليه وسلم لما رواه مسلم عن جابر أن أصحاب النبى فى حجهم معه أحرموا بالحج وحده ، أى مفردين ، فلما كان صبح الليلة الرابعة من ذى الحجة أمرهم أن يحلوا من الإحرام وأباح لهم أن يأتوا نساءهم قبيل الوقوف بعرفة، ثم خطب فيهم فقال : " قد علمتم أنى أتقاكم وأصدقكم وأبركم ، ولولا هديى لحللت كما تحلون ، ولو استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أَسُقِ الهدى ، فحلوا " فحللنا وسمعنا وأطعنا

(9/320)


خطبة الوداع

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هى خطبة الوداع ، وهل كانت فى عرفة أم فى منى ؟

الجواب
النبى صلى الله عليه وسلم كان له أكثر من خطبة فى حجة الوداع ، فقد خطب فى مكة وفى عرفة وفى منى، بيَّن فيها مناسك الحج كما بيَّن الأصول العامة للدين ، ونبَّه على التمسك بالشريعة كآخر وصية له فى هذا الجمع الحاشد . وفى يوم عرفة خطب فى وادى عرنة وكان فيما قال :
إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا فى شهركم هذا فى بلدكم هذا، ألا إن كل شىء من أمر الجاهلية تحت قدمى موضوع ، ودماء الجاهلية موضوعة ، وأول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، وأول ربا أضع من ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع ... فاتقوا الله فى النساء فإنهن عوان عندكم ، أخذتموهن بأمانة الله ، واستحللتم فروجهن بكلمة الله ، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدا تكرهونه ، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مبرح ، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف ، وقد تركت فيكم ما لن تضلوا بعدى إن اعتصمتم به ، كتاب اللّه ، وأنتم تسألون عنى فماذا أنتم قائلون ؟ قالوا :
نشهد أنك قد بلَّغت وأدَّيت ونصحت : فأشار بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس - أى يرددها ويقلبها ، وهو يقول : اللهم اشهد ، اللهم اشهد ، اللهم اشهد .
وخطب فى منى يوم النحر خطبة أكَّد فيها ما خطبه فى عرفة، وبيَّن أن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض ، فالسنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حرم .. . وقال فيها " ألا لا ترجعوا بعدى كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض ، ألا فليبلّغ الشاهدُ منكم الغائبَ ، فَرُبَّ مبلغ أوعى من سامع " .
هذا ما ورد من الخطبة فى الأحاديث الصحيحة، وقد عنى بدراستها علماء الدين ، ومن أراد الاستزادة فعليه بكتب الحديث

(9/321)


كم حج النبى صلى الله عليه وسلم واعتمر

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل حج النبى صلى الله عليه وسلم قبل حجة الوداع ؟

الجواب
الحج كان معروفا عند العرب من أيام إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام ، واستمروا يحجون حتى جاء الإسلام ، والرسول صلى الله عليه وسلم - وهو المولود فى مكة والناشىء فيها إلى أن بعث وهاجر كان يمارس ما تمارسه العرب من الشعائر الباقية من دين إبراهيم ، على الرغم مما حدث فى بعضها من تغيير، كوقوف جماعة منهم يوم عرفة فى الحرم وليس فى عرفة لأنها فى الحل ، والنسىء الذى أخروا به الحج عن موعده الحقيقى ، ولما جاء الإسلام كان الرسول صلى الله عليه وسلم يجتمع بالناس فى موسم الحج ليبلغهم الدعوة فى منى ثلاث سنين متوالية "الزرقانى على المواهب ج 3 ص 105 " .
يقول القرطبى فى تفسيره "ج 4 ص 143 " : كان الحج معلوما عند العرب مشهورا لديهم ، وكان مما يرغب فيه لأسواقها وتبررها وتحنفها- أى الطاعة والعبادة-فلما جاء الإسلام خوطبوا بما علموا ، وألزموا بما عرفوا . وقد حج النبى صلى الله عليه وسلم قبل حج الفرض ، وقد وقف بعرفة ولم ينير من شرع إبراهيم ما غيروا . حين كانت قريش تقف بالمشعر الحرام ويقولون :
نحن أهل الحرم فلا نخرج منه ، ونحن الحمس -المتشددون فى الدين .
ولكن الحج فرض فى الإسلام بقوله تعالى { ولله على للناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} آل عمران : 97، وكان ذلك فى السنة السادسة أو التاسعة للهجرة ، ولم يحج الرسول عليه الصلاة والسلام بعد فرض الحج إلا حجة واحدة هى حجة الوداع . يقول القرطبى : من أغرب ما رأيته أن النبى صلى الله عليه وسلم حج قبل الهجرة مرتين ، وأن الفرض سقط عنه بذلك لأنه قد أجاب نداء إبراهيم حين قيل له { واذن فى الناس بالحج } الحج : 27، وهذا بعيد .
وفى شرح الزرقانى على المواهب للقسطلانى "ج 3 ص 105" أن ابن سعد قال : إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يحج غير حجة الوداع منذ تنبأ إلى أن توفاه الله تعالى، ولكن ابن حجر فى "الفتح " قال : إنه حج قبل أن يهاجر مرارا ، بل الذى لا ارتياب فيه أنه لم يترك الحج وهو بمكة قط وأخرج الترمذى عن جابر أنه حج بمكة حجتين قبل الهجرة ، وأخرج ابن ماجه والحاكم أنه حج قبل أن يهاجر ثلاث مرات ، وهو مبنى-كما يقول ابن حجر- على مقابلته للأنصار بالعقبة ، وهذا بعد النبوة ، أما قبل النبوة فلا يعلم عدد حجه إلا الله . وكل ذلك استصحاب للأصل الذى درج عليه العرب من أيام إبراهيم عليه السلام .
وأما عدد عُمره صلى الله عليه وسلم فيعلم من الكلام عن عدد حججه ، وهى من اليسر بحيث يحرص عليها ، فهى طواف وسعى وحلق ، دون حاجة إلى أماكن أخرى ومشاعر خارج مكة ، والذى وردت به الروايات كان بعد الإسلام وبعد الهجرة ، فقد روى أحمد وأبو داود وابن ماجه بسند رجاله ثقات عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم اعتمر أربع عمر، عمرة الحديبية- التى أحصر فيها - وعمرة القضاء - لعمرة الحديبية-والثالثة عمرة من الجعرانة والرابعة مع حجته

(9/322)


الميقات الزمانى للحج والعمرة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هو الميقات الذى يمكن للإنسان فيه أن يحرم بالحج ؟

الجواب
قال تعالى : { يسألونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس والحج } البقرة :
189 ، {الحج أشهر معلومات } البقرة 197 ، الحج عبادة كالصلاة والصوم ، له ميقات يؤدى فيه ، ولا يصح قبله ولا بعده . وقد أجمع العلماء على أن المراد بأشهر الحج : شوال وذو القعدة ، واختلفوا فى ذى الحجة هل هو بكماله من أشهر الحج ، أو عشرة منه فقط ، والصحيح أن الشهر كله من أشهر الحج ، لأن رمى الجمرات فى منى يكون بعد العشر، وكذلك طواف الإفاضة يمكن أن يؤدى فى الشهر كله بلا خلاف .
ولو أحرم الإنسان بالحج قبل دخول شهر شوال ، لا يصح حجه ، قال بذلك ابن عباس وابن عمر وجابر، وذهب إليه الشافعى ، ورأى أبو حنيفة ومالك وأحمد صحة الإحرام مع الكراهة ، ورجح الشوكانى الرأى الأول التزاما بالميقات كالصلاة .
هذا فى الحج أما العمرة فليس لها ميقات زمنى معين ، فكل أشهر السنة ميقات لها

(9/323)


الميقات المكانى للحج والعمرة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هى المواقيت التى لا يمر عليها الإنسان الذى يقصد الحرم المكى للنسك إلا وهو محرم ؟

الجواب
لقد بين الرسول صلى الله عليه وسلم هذه المواقيت ، فجعل لأهل المدينة ومن يمر عليها "ذا الحليفة" وهو موضع بينه وبين مكة 450 كيلو متر، ويعرف بأبيار على ، وجعل لأهل الشام ومن فى طريقهم "الجحفة" وهى فى الشمال الغربى من مكة، بينه وبينها 187 كيلو متر، وهى قريبة من "رابغ " بينها وبين مكة 204 كيلو متر. وقد صارت ميقات أهل مصر والشام ومن يمر عليها بعد ذهاب معالم الجحفة .
وجعل ميقات أهل نجد "قرن المنازل " وهو جبل شرقى مكة يطل على عرفات ، بينه وبين مكة 94 كيلو متر. وجعل ميقات أهل اليمن "يلملم " وهو جبل جنوبى مكة بينه وبينها 54كيلو متر. وجعل ميقات أهل العراق "ذات عرق " وهى موضع فى الشمال الشرقى لمكة بينه وبينها 94 كيلو مترا .
هذه هى المواقيت التى عينها الرسول صلى الله عليه وسلم وقال فيها "هن لهن ولمن أتى عليهن من غيرهن لمن أراد الحج أو العمرة" أى أن هذه المواقيت هى لأمل هذه البلاد ولمن مر بها ، ومن كان بمكة وأراد الحج فميقاته منزله ، ومن كان فى مكان لا يمر بهذه المواقيت ، أى بين مكة 366 والمواقيت فميقاته من مكانه ، ومن كان فى جهة غير جهة هذه المواقيت كأهل السودان مثلا الذين يمرون بجدة فهو حر يحرم فى أى ميقات ، أو من حيث شاء برا وبحرا وجوا كما قال ابن حزم ، ومن أحرم قبل مروره بهذه المواقيت صح إحرامه .
وهى أيضا مواقيت لمن يريد العمرة ، إلا أهل مكة فميقاتهم أدنى الحل ، يخرج من مكة ويحرم من هناك ، وأقربه هو "التنعيم " أو مسجد السيدة عائشة .
ومن تجاوز الميقات دون إحرام وجب عليه أن يعود ليحرم منه وإلا وجب عليه دم ، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله .
هذا ، وفى فقه الشافعية أن من سلك طريقا لا تنتهى إلى ميقات أحرم من محاذاته ، فإن حاذى ميقاتين أحرم من محاذاة أقربهما إليه ، فإن استويا فى القرب إليه أحرم من محاذاة أبعدهما من مكة .
وإن لم يحاذ ميقاتا أحرم على مرحلتين من مكة، أى مسافة قصر "حوالى 80 ك . م "- الخطيب على أبى شجاع ج 1 ص 220

(9/324)


الحج على الفور أو التراخى

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
فى أحد الأعوام كان عندى ما يكفينى للحج زائدا على كل ما أحتاجه ، ولكن شغلت ببعض الأعمال فأخرت الحج ثلاث سنوات ثم حججت .
فهل علىَّ إثم فى التأخير ؟

الجواب
ذهب بعض العلماء إلى أن الحج واجب على الفور، وذهب بعضهم إلى أن وجوبه على التراخى، ومن القائلين بالفورية : أبو حنيفة ومالك وأحمد وبعض أصحاب الشافعى ، وأبو يوسف من أصحاب أبى حنيفة فى رواية عنه ، ومن القائلين بالتراخى الإمام الشافعى ، ومحمد بن الحسن من أصحاب أبى حنيفة ، وهو تحصيل مذهب مالك فيما ذكر ابن خويز منداد- كما فى تفسير القرطبى "ج 4 ص 144 " أدلة الفورية قوله صلى الله عليه وسلم "من أراد الحج فليعجِّل ، فإنه قد يمرض المريض وتضل الراحلة وتكون الحاجة" أى الفقر، رواه أحمد والبيهقى وابن ماجه . وقوله "تعجلوا الحج ، فإن أحدكم لا يدرى ما يعرض له " رواه أحمد والبيهقى وقال "ما يعرض له من مرض أو حاجة" وأدلة التراخى أن الحج فرض فى السنة الثالثة التى نزلت فيها سورة آل عمران وبها آية وجوب الحج أو فى السنة السادسة ولم يحج النبى صلى الله عليه وسلم إلا فى السنة العاشرة . يقول الشافعى : فاستدللنا على أن الحج فرضه مرة فى العمر، أوله البلوغ وآخره أن يأتى به قبل موته وكذلك من الأدلة حديث ضمام بن ثعلبة السعدى الذى قدم على النبى صلى الله عليه وسلم وسأله عن الإسلام فذكر فيه الحج ، وكان قدومه سنه خمس أو سبع أو تسع .
ورد القائلون بالفورية على ذلك بأن من شروط وجوب الحج الأمن ، ولم يتوافر الأمن للرسول وأصحابه بعد صلح الحديبية فى السنة السادسة إلا فى السنة العاشرة ، فبمقتضى الصلح لم يسمح بزيارة البيت إلا فى السنة السابعة لقضاء العمرة التى لم يتمكن منها فى السنة السادسة ، وفى السنة الثامنة كان الفتح فى رمضان وشغل الرسول بحرب من هم قريبون من مكة، وفى السنة التاسعة أرسل أبا بكر على الحج لتهيئة البيت بإعلان منع المشركين من الحج بعد هذا العام ليحج الرسول فى السنة العاشرة ويخطب خطبة الوداع ، مع اصطحاب زوجاته معه .
كما رد القائلون بالتراخى على أدلة الآخرين بأنها تحتمل الترغيب فى المبادرة لا تحريم التأخير، ويظهر أثر الرأيين فى أن من قدر على الحج ولم يحج كان آثما على القول بالفورية لو مات قبل أن يحج ، وليس آثما على القول بالتراخى ، مع الاتفاق بين الرأيين على أن من مات ولم يحج مع قدرته على الحج وجب أن يحج عنه غيره . ومع الاتفاق على أن من حج بعد التأخير لا يكون قاضيا لما فاته بل مؤديا

(9/325)


الحج المشروط

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
عزمت على الحج وأحرمت به ،وفى أثناء الطريق عرض لى عارض يحول دون إتمام الإحرام ، فهل يلزمنى الاستمرار على الرغم من ذلك ، أو يجوز لى التحلل من الإحرام ؟

الجواب
جاءت فى كتب الفقه صورة من الإحرام تفيد فى مثل العوارض التى تعترض الحاج ولا تمكنه من إتمام حجه ، وهى الإحرام مع الشرط ، بمعنى أن يقول :
أحرمت لله بالحج وإذا مرضت تحللت منه ، أو إذا فقدت النفقة أو حدث حادث معين ، فهنا يجوز له التحلل من الإحرام عند وجود هذا الشرط ، وإذا لم يشترط فى التحلل أن يكون بهدى فلا يلزمه الهدى .
وهذا التحلل يجوز قبل الوقوف بعرفة وبعده ، ويكون التحلل بحلق شعره أو تقصيره مع نية التحلل ، والدليل على ذلك ما رواه الشيخان عن عائشة رضى الله عنها قالت : دخل رسول اللّه صلى الله عليه وسلم على ضباعة بنت الزبير- بضم الضاد وفتح الزاى-وهى بنت عمه . فقال لها "أردت الحج " ؟ فقالت : والله ما أجدنى إلا وجعة ، فقال "حجى واشترطى وقولى : اللهم محلى حيث حبستنى" والمرض حبس عن إتمام النسك . ولو قال الإنسان : أحرمت بالحج فإذا مرضت فأنا حلال صار حلالا بنفس المرض من غير نية تحلل ولا هدى .
هذه الصورة فيما إذا شرط التحلل عند الإحرام ، أما من طرأ عليه عذر ومنعه من إتمام الحج ولم يكن قد شرط ذلك فله موضع آخر فى الحديث عنه ، والعمرة فى هذا كالحج .
وهذا الحكم قال به الإمام أحمد والشافعى ، ولم يقل أبوحنيفة ومالك بجواز الاشتراط فى الإحرام ، بناء على قول عبد الله بن عمر، لكن البيهقى قال :
لو بلغ ابن عمر حديث ضباعة لقال به ولم ينكر الاشتراط كما ينكره أبوه .
وقال المانعون : حديث ضباعة قصة عين مخصوصة بها ، لكن أين الدليل على الاختصاص ؟ "نيل الأوطار للشوكانى ج 4 ص 324"

(9/326)


الموالاة فى الطواف

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
بعد ثلاثة أشواط فى الطواف تعبت فجلست للراحة ثم كملت الطواف .
فهل يصح ذلك أو لا بد من استئنافه من الأول .
وما الحكم إذا انتقضى الوضوء أثناء الطواف ، هل يبطل ما فات ، أم يجوز أن يبنى عليه لو تطهر ؟

الجواب
موالاة السعى بين الأشواط فى الطواف شرط لصحته عند مالك وأحمد، فإذا كان هناك فاصل يسير لغير عذر فلا يضر، وإن كان كبيرا فإن كان بعذر فلا يضر، أما إن كان بغير عذر بطل الطواف .
أما الموالاة عند الحنفية والشافعية فهى سنة ، فلو كان هناك فاصل طويل بغير عذر لا يبطل الطواف ، ويبنى على ما فات . ويدل عليه ما رواه سعيد بن منصور عن حميد بن زيد قال : رأيت عبد الله بن عمر رضى الله عنهما طاف بالبيت ثلاثة أطواف أو أربعة ، ثم جلس يستريح ، وغلام له يروح عليه ، فقام فبنى على ما مضى من طوافه .
هذا ، وإذا كان من شروط صحة الطواف الطهارة فلو أحدث فى أثناء الطواف خرج وتوضأ ثم يدخل المطاف ويبنى على ما فات ليكمل الطواف ، ولا يجب عليه الاستئناف وإن طال الفصل . وهذا ما رآه الشافعية والحنفية .
ومما يؤكد أن الفصل بين أشواط الطواف لا يضر أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما كان يطوف بالبيت فأقيمت الصلاة فصلى مع القوم ، ثم قام فبنى على ما مض من طوافه وعطاء بن أبى رباح كان يقول -فى الرجل يطوف بعض طوافه ثم تحضر صلاة الجنازة-يخرج ليصلى عليها ثم يرجع فيقضى ما بقى من طوافه .
يرى الحنفية أن الطهارة من الحدث ليست شرطا لصحة الطواف ، وإنما هى واجب يجبر بدم لو طاف محدثا ، ولو كان جنبا أو حائضا صح الطواف ووجب دم هو بدنة، وعليه الإعادة ما دام بمكة . وقال بعض أصحابه :
الطهارة سنة ، والصحيح أنها شرط لحديث : مسلم : أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لعائشة لما حاضت "افعلى ما يفعل الحاج غير ألا تطوفى بالبيت " أما الطهارة من النجاسة فى الثوب والبدن فهى سنة عندهم أيضا ، ويصح الطواف مع النجاسة ولا حاجة إلى ذبح شاة

(9/327)


الموالاة فى السعى

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
سعيت بين الصفا والمروة أربع مرات ثم شعرت بالتعب فجلست للاستراحة فهل يجب علىَّ أن أبدأ السعى من الأول ، أو يجوز أن اكمل ما بقى علىَّ ؟ . ولو حدث أن انتقض وضوئى أثناء السعى، هل بطل ما فعلته ، ويجب علىّ السعى من جديد بعد الطهارة ؟

الجواب
الموالاة بين أشواط السعى بين الصفا والمروة سنة عند جمهور الفقهاء ، وليست شرطا لصحة السعى، فلا مانع من الاستراحة بين الأشواط ، والإتيان بما بقى بعد ذلك . والإمام مالك فقط هو الذى قال : إن الموالاة فى السعى شرط لصحته ، ويعفى عن الفاصل القصير، أما الطويل فيضر وبخاصة إذا لم يكن عذر، وعند العذر لا يضر كالطواف . روى سعيد بن منصور أن سودة بنت عبد اللّه بن عمر زوج عروة بن الزبير سعت بين الصفا والمروة فقضت طوافها فى ثلاثة أيام ، وكانت ضخمة .
وإذا انتقض الوضوء أثناء السعى فلا يضر ، لأن الطهارة ليست شرطا لصحة السعى، لأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يمنع عائشة حين حاضت إلا من الطواف كما رواه مسلم . وروى سعيد بن منصور أن عائشة وأم سلمة - من أمهات المؤمنين - قالتا : إذا طافت المرأة بالبيت وصلت ركعتين ثم حاضت فلتطف بالصفا والمروة . فالطهارة سنة وليست واجبة .
وروى سعيد بن منصور أن عبد الله بن عمر رضى الله عنهما كان يطوف بين الصفا والمروة، فأعجله البول ، فتنحى ودعا بماء فتوضأ، ثم قام فأتم على ما مض .
لا تشترط الموالاة بين الطواف وبين السعى بين الصفا والمروة جاء فى فقه السنة ج 1 ص 713 : قال فى المغنى قال أحمد : لا بأس أن يؤخر السعى حتى يستريح ، أو إلى العشى . وكان عطاء بن أبى رباح والحسن البصرى لا يريان بأسا لمن طاف بالبيت أول النهار أن يؤخر السعى بين الصفا والمروة إلى العشى، وفعله القاسم وسعيد بن جبير ، لأن الموالاة إذا لم تجب فى السعى نفسه ففيما بينه وبين الطواف أولى

(9/328)


الجهل والنسيان فى محظورات الإحرام

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم من ارتكب شيئا من محظورات الإحرام جهلا أو نسيانا ؟

الجواب
جاء فى كتاب الإقناع للخطيب شرح متن أبى شجاع فقه الشافعية "ج 1 ص 233 " قاعدة بخصوص ارتكاب محظور من محظورات الإحرام فى حالة الجهل والنسيان ، تقول : ما كان إتلافا محضا كالصيد وجبت الفدية فيه مع الجهل والنسيان .
وما كان استمتاعا أو ترفها كالطيب واللبس فلا فدية فيه مع الجهل والنسيان ، وما كان فيه شائبة من الجانبين كالجماع والحلق والقلم ففيه خلاف ، والأصح فى الجماع عدم وجوب الفدية مع الجهل والنسيان ، وفى الحلق والقلم الوجوب معهما .
وسيأتى توضيح لذلك إن شاء الله

(9/329)


نقل تراب من الحرم

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
تقول سيدة : أتيحت لى الفرصة فحصلت على جزء من التراب الموجود داخل المقصورة التى حول قبر النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه ، وأنا محتفظة به ، فقيل لى إنه حرام فماذا أفعل ؟

الجواب
جاء فى "كفاية الأخبار ج 1 ص 211 " فى فقه الشافعية أنه يحرم نقل تراب الحرم وأحجاره إلى الحل - أى خارج الحرم - وكذا حرم المدينة ، قاله النووى فى شرح المهذب فى أواخر صفة الحج وجزم به ، إلا أنه نقل عن الأكثرين فى محظورات الإحرام أنه يكره ، يعنى تراب المدينة وأحجارها ، قال الإسنائى : نص الشافعى فى "الأم " على المسألة وقال : إنه يحرم ، فالفتوى عليه .
وجاء مثل ذلك فى الإقناع للخطيب "ج 1 ص 232" وأوجب رده إلى الحرم ، بخلاف ماء زمزم فإنه يجوز نقله وذكر الشيخ عوض فى الحاشية أن أبا حنيفة أجاز نقل التراب للتبرك فينبغى تقليده .
ونقول للسائلة : لا بأس بالأخذ بالقول بالكراهة، ولا حرمة فى الاحتفاظ بهذا التراب ولا بأس أيضا بالأخذ برأى أبى حنيفة فى الجواز

(9/330)


باب الكعبة مرتفع

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل هناك سر فى أن باب الكعبة يكون مرتفعا عن الأرض ؟

الجواب
جاء فى الأحكام السلطانية-للماوردى "ص 165 " أن باب الكعبة كان فى الأرض فلما رأت قريش تجديد بنائها قال أبو حذيفة بن المغيرة : يا قوم ارفعوا باب الكعبة حتى لا تُدْخَل إلا بسلم ، فإنه لا يدخلها حينئذ إلا من أردتم ، فإن جاء أحد ممن تكرهون رميتم به فيسقط ، فكان نكالا لمن رآه ، ففعلت قريش ذلك . وجاء فى صحيح مسلم بشرح النووى"ج 9 ص 96 " أن عائشة رضى الله عنها سألت النبى صلى الله عليه وسلم عن سبب ارتفاع باب الكعبة فقال "فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا ولولا أن قومك حديث عهدهم فى الجاهلية فأخاف أن تنكر قلوبهم لنظرت أن أدخل الجدر - حجر إسماعيل - فى البيت وأن ألزق بابه بالأرض " وفى بعض الروايات "ولجعلت لها بابين موضوعين فى الأرض شرقيا وغربيا ، وهل تدرين : لم كان قومك رفعوا بابها ؟" قالت : قلت : لا، قال "تعززا ألا يدخلها إلا من أرادوا ، فكان الرجل إذا هو أراد أن يدخلها يدعونه يرتقى ، حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه فسقط "

(9/331)


العمرة فى رمضان

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
أتيحت لى الفرصة فقمت بعمل عمرة فى شهر رمضان ، هل صحيح أنها تغنى عن الحج ؟

الجواب
روى مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "عمرة فى رمضان تعدل حجة " وفى رواية "تعدل حجة معى" . ولا يسأل عن حكمة هذا الثواب فذلك فضل من الله ، والله واسع عليم ، وهو سبحانه يرغِّب فى أداء العبادات من صلاة وصوم وزكاة وحج فى الحرم الشريف ، فثواب الطاعة فيه مضاعف .
ومثل ذلك ما ورد من أن الصلاة الواحدة فى المسجد الحرام بمكة تعدل مائة ألف صلاة فيما سواه ، فلا يجوز أن يتبادر إلى الذهن أن صلاة يوم فيه تغنى عن صلاة مائة ألف يوم ، ولا داعى للصلاة بعد ذلك ، فالعدل أو المساواة هنا هى فى الثواب فقط . فلا تغنى العمرة عن الحج أبدا .
ومثل ثواب العمرة فى رمضان ما رواه الترمذى وقال : حديث حسن غريب ، عن أنس رضى الله عنه أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "من صلى الصبح فى جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس ، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة" قال أنس : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "تامة تامة" وروى الطبرانى مثله عن أبى أمامة ، وقال المنذرى : إسناده جيد . ورواه عن ابن عمر بروات ثقات الا واحدا ففيه كلام ، وللحديث شواهد كثيرة "الترغيب والترهيب ج 1 ص 125 ، 126 " .
فالمراد من هذه الأحاديث الترغيب فى الثواب ، وليس جواز الاكتفاء بفريضة عن فريضة

(9/332)


نفقات حج الزوجة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل الزوج ملزم بأن يدفع تكاليف أداء زوجته لفريضة الحج ، ولمن تكون الأولوية إذا توفر مع الزوج مال يكفى لقيام فرد واحد بأداء الفريضة، وهل له أن يأخذ من مالها ليؤدى فريضة الحج ؟

الجواب
1- لا يلزم الزوج لزوجته إلا بنفقتها الممثلة فى الطعام والكسوة والمسكن ، مع اختلاف العلماء فى نفقة العلاج وفى توفير خادم وتجهيز الموت ، أما أن يدفع تكاليف حجها فليس بواجب عليه ، فالحج فرض على القادر المستطيع ، فإن كانت تملك مالا يكفى للحج وجب عليها الحج من مالها هى، ولا يلزم الزوج بدفع أى شىء لها ، ولا يعاقب على التقصير، أما إن تبرع بذلك فهو خير، وله ثواب إن شاء الله ، وهو من المعاشرة بالمعروف والتعاون على الخير .
2- إذا لم يوجد مع الزوج إلا مال يكفى أن يحج به فرد واحد فهو المقدم طبعا ، ويجب عليه الحج لأول مرة ، وكذلك إذا احتاجه لنفقته هو وحده ، والحديث واضح فى ذلك "ابدأ بنفسك ثم بمن تعول " رواه البخارى ومسلم . وفى صحيح مسلم عن حديث جابر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال لرجل "ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن فضل شىء فلأهلك ، فإن فضل شىء فلذى قرابتك " .
3- إذا كان للزوجة مال خاص ورثته عن أهلها أو ملكته من أية جهة كانت فهو حق خالص لها، ويجب عليها الحج منه لأول مرة، ولا يجوز للزوج أن يأخذ شيئا منه ليحج إلا بإذنها ورضاها ، قال تعالى {وآتوا النساء صدقاتهن نحلة، فإن طبن لكم عن شىء منه نفسا فكلوه هنيئا مريئا} النساء : 4 وقال {وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا ، أتأخذونه بهتانا وإثما مبينا} النساء : 120 وإذا كان هذا فى الصداق الذى دفعه لها فبالأولى لا يجوز أن يأخذ منها شيئا لم يأت عن طريقه هو لكن لو استعان بمال الزوجة على سبيل الهبة أو القرض ليحج فلا مانع منه ولها ثواب مساعدتها لزوجها على الحج

(9/333)


بيع الأرض للحج

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
رجل له أرض مملوكة تكفى غلتها حاجته وحاجة من تلزمه نفقته ولا يفضل منها شىء وإذا باعها يمكنه الحج بثمنها ويكفى الباقى حاجة عياله مدة ذهابه إلى الحج وعودته ، فهل يجب عليه أن يبيعها ليحج ؟

الجواب
أجاب النووى فى فتاويه "المسألة 110 " أن الأصح فى مذهب الشافعى رضى الله عنه وجوب الحج عليه والحالة هذه ومثله من له رأس مال يتجر فيه .
لكن هل يعود الرجل من الحج ليتسول ؟ لقد رأى كثير من العلماء أن رأس المال الذى يكفيه حاجته وحاجة من تلزمه نفقته لا يجوز إنفاقه كله لأداء فريضة الحج ، فإن ذلك سيترتب عليه ضرر كبير له ولمن يعوله ، فمثل هذه الحالة تدخل فى عدم الاستطاعة فهو مسئول عن نفسه ، وأهله ، والتقصير فى ذلك منهى عنه أشد النهى . لقد قال الحنفية والمالكية مثل ما قال الشافعية ولكن أحمد اشترط أن يكون الفاضل عن نفقة الحج يكفى عياله على الدوام ، "الفقه على المذاهب الأربعة" وإن كان "المغنى" فيه ما يفيد أن رأيه كرأى الأئمة الثلاثة وعليه فلا يجوز له أن يبيع أرضه التى هى المصدر الوحيد لرزقه ليحج ، لأنه سيعود معدما . هو رأى أميل إليه لأنه يتفق مع روح الشريعة الإسلامية التى لا تحب لأهلها أن يعيشوا فقراء ضعافا، وقد شرطت فيها الاستطاعة التى يجب أن تفسر بما يتفق والشريعة ، وأين هذا من قول النبى صلى الله عليه وسلم "إن لربك عليك حقا ولبدنك عليك حقا ولأهلك عليك حقا فأعط كل ذى حق حقه " وقوله "إن الله سائل كل راع عما استرعاه حفظ أم ضيع حتى يسأل الرجل عن أهل بيته " رواه ابن حبان فى صحيحه .
وقوله "كفى بالمرء إثما أن يضيع من يقوت " رواه أبو داود وغيره وصححه

(9/334)


تكرار العمرة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز للحاج أن يؤدى أكثر من عمرة وهو فى الموسم ؟

الجواب
روى الترمذى وغيره أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "تابعوا بين الحج والعمرة" قال بعض شراح الحديث : فيه دلالة على الاستكثار من الاعتمار خلافا لقول من قال : يكره أن يعتمر فى السنة أكثر من مرة كالمالكية ولمن قال : يكره أكثر من مرة فى الشهر .
واستدل المالكية على كراهة التكرار فى العام بأن النبى صلى الله عليه وسلم لم يفعلها إلا من سنة إلى سنة . لكن يرد عليه بأن النبى صلى الله عليه وسلم كان يترك الشىء وهو يستحب فعله ، وذلك لدفع المشقة عن أمته . وقال القاسم : إن عائشة اعتمرت فى سنة ثلاث مرات . فسئل هل عاب ذلك عليها أحد؟ فقال : سبحان الله أم المؤمنين ؟يعنى : هل يعيب عليها أحد ذلك ، وهذا مذهب جمهور الفقهاء فى عدم الكراهة .
وهذا ظاهر فى تكرار العمرة لنفسه ، ولو أراد أن يهب ثواب العمرة للأموات فلا مانع من ذلك أبدا ، وكل قربة يهب الإنسان ثوابها إلى الميت يرجى انتفاعه بها ، ولم يرد ما يمنعه

(9/335)


تأجير بيوت مكة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
قرأنا فى بعض الكتب أن بيوت مكة لا يجوز بيعها ولا تأجيرها فهل هذا صحيح ؟

الجواب
اختلف الفقهاء فى بيع دور مكة وإجارتها، فمنع أبو حنيفة بيعها وأجاز إجارتها فى غير أيام الحج ، ومنع البيع والإجارة فى أيام الحج ، محتجا بما رواه الأعمش عن مجاهد أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "مكة حرام ، لا يحل بيع رباعها ولا أجور بيوتها" .
وذهب الشافعى إلى جواز بيعها وإجارتها ، وحجته أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقر أهل مكة عليها بعد الإسلام ، ولم يغنمها ولم يعارضهم فيها، وقد كانوا يتبايعونها قبل الإسلام وكذلك بعده ، فدار الندوة وهى أول دار بنيت بمكة صارت بعد قصى لعبد الدار بن قصى، وابتاعها معاوية فى الإسلام من عكرمة بن عامر بن هشام بن عبد الدار بن قصى، وجعلها دار الإمارة وكانت من أشهر الدور فما أنكر بيعها أحد من الصحابة ، وابتاع عمر وعثمان رضى الله عنهما الزيادات التى ضماها إلى المسجد وتملَّك أهلها أثمانها ، ولو حرم ذلك لما بذلاه من أموال المسلمين ، ثم جرى العمل به فكان إجماعا .
ورواية مجاهد مع أنها مرسلة -سقط منها الصحابى- تحمل على أنه لا يحل بيع رباعها على أهلها، تنبيها على أنها لم تغنم فتملك عليهم ، فلذلك لم تبع ، وكذلك حكم الإجارة .
من هذا نعلم أن جواز بيع دور مكة وإجارتها أمر مجمع عليه ، والعمل عليه إلى الآن "الأحكام السلطانية للماوردى ص 164 "

(9/336)


الإنابة فى الطواف

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
أصابنى مرض بعد الوقوف بعرفة لم أستطع معه أن أطوف طواف الإفاضة ، فهل يمكن أن ينوب عنى أحد فيطوف بدلى؟

الجواب
طواف الإفاضة الذى يكون بعد الوقوف بعرفة هو ركن أساسى لا يصح الحج بدونه ، ولا يجزئ عنه دم ولا غيره ، ووقته ممتد فيمكن للإنسان أن يأتى به حتى لو انتهى شهر ذى الحجة، ولا يلزم بتأخيره دم ولا غيره كما قال بعض الفقهاء . وجعل الله أداءه ميسورا حتى على ذوى الأعذار غير القادرين على المشى ، فيجوز الطواف من ركوب ، كما يشاهد الآن فيمن يطاف بهم راكبين على "محفات " وعلى هذا فلا يجوز للمريض أن ينيب عنه غيره ليطوف ما دام يستطيع أن يطاف به محمولا ودليله أن أم المؤمنين أم سلمة رضى اللّه عنها لما قدمت مكة مرضت ، فذكرت ذلك للنبى صلى الله عليه وسلم فقال لها - كما رواه الجماعة إلا الترمذى-"طوفى من وراء الناس وأنت راكبة" وورد فى البخارى ومسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم طاف فى حجة الوداع على بعير، يستلم الركن بمحجن -عود معقوف الرأس- ولم أجد نصًّا صريحا يجيز للمريض أن ينيب عنه غيره للطواف ، مثل ذلك مثل الوقوف بعرفة، لا يوجد عذر يبيح الإنابة فيه . فهو مستطاع على أية حال ، كالصلاة تؤدى من قيام أو قعود أو اضطجاع أو إيماء ، لا ينوب فيها أحد عن أحد .
ولا يصح أن يقاس الطواف على رمى الجمار، لأن هذا واجب يجبر بدم ولو ترك فالحج صحيح ، فالنيابة فيه جائزة، لوجود نص فى ذلك وهو حديث جابر: حججنا مع النبى صلى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان ، فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم رواه أحمد وابن ماجه .
هذا، وهناك قول لعطاء بن أبى رباح يجيز النيابة فى الطواف قياسا على الإنابة فى الحج كله ، فالإنابة فى بعض أركانه وواجباته جائزة من باب أولى .
لكن القياس مردود ما دام هناك نص لا يجيز الإنابة حيث كانت أم سلمة محتاجة إليها لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يبحها لها وأمرها أن تطوف راكبة . والنيابة فى الحج كله هى للعاجز عنه لمرض يمنعه من السفر، أما من حضر فلابد من طوافه ولو محمولا

(9/337)


جبل الرحمة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يتزاحم الواقفون بعرفة من أجل الصعود على جبل الرحمة فهل هذا الصعود من متممات الوقوف ، وهل له أصل من السنة؟

الجواب
الوقوف بعرفة هو الركن الأكبر فى الحج وجاء التعبير عن ذلك فى الحديث الشريف "الحج عرفة" رواه أحمد وأبو داود والترمذى وقال : حسن صحيح وقد صح أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "وعرفة كلها موقف" كما رواه مسلم .
أكد الرسول بقوله هذا أن الحج لا يصح بدون الوقوف بعرفة ، وأن أى موضع منها يمكن الوقوف به ، فقد كان الحمس المتشددون فى دينهم من قريش ومن تابعها يقفون بالمزدلفة لأنها فى الحرم ويتركون الوقوف بعرفة لعامة الناس لأنها فى الحل ، فنزل فى ذلك قوله تعالى{ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} البقرة : 199 أى من عرفة إلى المزدلفة ، ولما حج الرسول حجة الوداع وخطب الناس فى نَمِرَة توجه الى جبل عرفة ووقف على الصخرات واستقبل القبلة وأخذ يدعو ربه .
وكثير من المسلمين يحاول تتبع آثار النبى صلى الله عليه وسلم ليقول مثل قوله ويعمل مثل عمله ، ويحرص على الاقتداء به فى كل صغيرة وكبيرة، بناء على عموم قوله تعالى{لقد كان لكم فى رسول الله أسوة حسنة} الأحزاب : 21 وهذا أمر طيب لكى ينبغى الفرق بين الاقتداء فى الواجبات والاقتداء فى المندوبات فالواجبات لابد من القدوة بها ، أما المندوبات فتستحب القدوة إن أمكنت دون تكلف ومشقة ودون إضرار بالغير، فالله لا يكلف نفسا إلا وسعها والإسلام لا ضرر فيه ولا ضرار .
والوقوف بعرفة عند الصخرات كما وقف النبى صلى الله عليه وسلم ليس واجبا وكذلك الصعود على جبل الرحمة فالوقوف يتم بدون ذلك ، ولو وجب لكانت فيه مشقة فوق المشقة الأخرى فى التنقل بين المشاعر. يقول النووى : وما اشتهر بين العوام من الاعتناء بصعود الجبل وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فغلط ، بل الصواب جواز الوقوف فى كل جزء من أرض عرفات ، وأن الفضيلة فى موقفه صلى الله عليه وسلم عند الصخرات ، فإن عجز عنه فليقرب منه بحسب الإمكان . [الزرقانى ج 8 ص 179 ]

(9/338)


كسوة الكعبة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
عندما بنى سيدنا إبراهيم عليه السلام الكعبة هل تركها مكشوفة أو كساها وما حكم شراء أو حيازة قطعة من كسوة الكعبة؟

الجواب
أما كسوة الكعبة فقد قال ابن حجر فى "فتح البارى" إن هناك روايات فى تعيين أول من كساها ، وتحصل من هذه الروايات ثلاثة أقوال ، أنه إسماعيل بن إبراهيم عليه السلام أو أنه عدنان أحد أجداد الرسول ، أو تُبَّع وهو أسعد اليمنى المذكور فى بعض الروايات ، وحاول أن يجمع بينها فقال : إن إسماعيل أول من كساها مطلقا بأى كساء ، وإن عدنان أول من كساها بعده ، وإن تبعا هو أول من كساها الوصائل وهى ثياب حبرة من عصب اليمن .
هذا فى الجاهلية قبل الإسلام ، أما فى الإسلام فقال ابن حجر بناء على رواية الواقدى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كساها بالثياب اليمانية ، ثم كساها عمر وعثمان بالقباطى المصرية ثم كساها الحجاج بالديباج ، ثم تحدث حسين عبد اللّه باسلامة فى كتابه "تاريخ الكعبة المعظمة" عمن تولوا كسوتها بعد ذلك حتى الحرب العالمية 1914 م ودور مصر فيها حتى أنشئ لها معمل خاص فى السعودية "ص 229- 244" .
وأما حكم بيع الكسوة أو اقتناء شىء منها فقد تحدث عنه الكتاب المذكور، وذكر أن البخارى ترجم فى صحيحه لكسوة الكعبة ولم يذكر إلا رأى عمر فى قسمة ما يتعلق بالكعبة ، وأن الحافظ ابن حجر ذكر من رواية الفاكهى فى كتاب مكة أن شيبة الحَجْبى قال للسيدة عائشة رضى اللّه عنها : إن ثياب الكعبة تجتمع عندنا فتكثر فننزعها ونحفر أبيارا فنعمقها وندفنها لكيلا تلبسها الحائض والجنب ، فقالت : بئسما صنعت ، ولكن بعها فاجعل منها فى سبيل اللّه وفى المساكين ، فإنها إذا نزعت عنها لم يضرمن لبسها من حائض أو جنب ، فكان شيبة يبعث بها إلى اليمن فتباع له فيضعها حيث أمرته .
فيؤخذ من ذلك جواز بيع كسوة الكعبة واقتناء أجزاء منها، ما دام ثمنها يصرف لصالح الكعبة والأمر فى ذلك لولى الأمر، وهذا رأى جمهور الفقهاء "تاريخ الكعبة المعظمة ص 374-377 "

(9/339)


دخول الكعبة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
بعض الحجاج يخافون من دخول الكعبة بل يتشاءمون من ذلك فهل هذا صحيح ؟

الجواب
ثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة وصلى فيها ، وكذلك أجلاء الصحابة وروى البخارى ومسلم عدة أحاديث فى ذلك ، وقال النووى فى "الإيضاح" : ويستحب دخول البيت حافيا وأن يصلى فيه ، والأفضل أن يقصد مصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا دخل البيت مشى حتى يكون بينه وبين الجدار الذى قبل وجهه قريبا من ثلاثة أذرع فيصلى ، ثبت ذلك فى صحيح البخارى ، وهذا بحيث لا يؤذى أحدا ولا يتأذى هو، فإن آذى أو تأذى لم يدخل .
وأما ثواب دخولها ففيه روايات مرفوعة وموقوفة ، منها حديث "من دخل البيت فصلى فيه دخل فى حسنة وخرج من سيئة مغفورا له" وقد اتفق الأئمة الأربعة على استحباب دخول البيت واستحسن مالك كثرة دخوله .
يعرف من هذا أنه لا حرج ولا تشاؤم من دخول الكعبة، وقد كان الناس يتزاحمون على الدخول قبل أن يرتفع الباب عن مستوى الأرض ، ثم قل ذلك ونُظِّم ، منعا للإيذاء واحتياطا لعدم وقوع ما يخل بحرمة الكعبة "تاريخ الكعبة المعظمة" ص 346- 361 .
هذا ومن لم يستطع أن يدخل الكعبة للصلاة فيها صلى فى حجر إسماعيل ، فقد روى أحمد بسند جيد أن عائشة رضي الله عنها قالت :
يا رسول الله ، كل أهلك دخل البيت غيري ، فقال "أرسلى إلى شيبة وهو ابن عثمان بن طلحة سادن الكعبة ومعه مفتاحها- فيفتح لك الباب" فأرسلت إليه فقال شيبة : ما استطعنا فتحه فى جاهلية ولا إسلام بليل ، فقال النبى صلى الله عليه وسلم "صلى فى الحجر فإن قومك استقصروا عن بناء البيت حين بنوه " أى تركوا منه جزءا وهو الحجر، فالصلاة فيه صلاة فى البيت

(9/340)


حدود الحرم

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل المواقيت المكانية للحج غير حدود الحرم ، وما الذى يجب على من يدخل الحرم دون أن يكون مريدا للحج أو العمرة؟ وهل الحرم المدنى كالحرم المكى؟

الجواب
سبق فى ص 131 من المجلد الثانى حكم من يريد دخول الحرم المكى، هل يجب أن يدخل بإحرام أو لا يجب ، كما سبق فى ص 266 من المجلد الرابع من هذه الفتاوى بيان المواقيت المكانية التى لا يجوز للمحرم أن يتعداها بدون إحرام ، إلا وجب عليه دم . وحدود الحرم المكى غير المواقيت ، فله حدود تحيط بمكة على مسافات غير متساوية ، وقد نصبت عليها أعلام لمعرفتها ، فحده من جهة الشمال "التنعيم" وبينه وبين مكة حوالى 6 كيلومترات ، وحده من جهة الجنوب "أضاه" وبينها وبين مكة حوالى 12 كيلومترا ، وحده من جهة الشرق "الجِعِرَّانة" بينها وبين مكة حوالى 16 كيلومترا ، وحده من جهة الشمال الشرقى "وادى نخلة" وبينه وبين مكة حوالى 14 كيلومترا ، وحده من جهة الغرب "الشفيسى" - الحديبية سابقا- وبينه وبين مكة حوالى15 كيلومترا .
قال محب الدين الطبرى : عن الزهرى عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة قال : نصب إبراهيم عليه السلام أنصاب -علامات- الحرم ، يريه جبريل عليه السلام ، أى أن الحدود توقيف من الله تعالى ، ثم لم تحرك حتى كان " قُصىّ " أحد أجداد النبى صلى الله عليه وسلم فجددها ، ثم لم تحرك حتى كان النبى صلى الله عليه وسلم فبعث عام الفتح تميم بن أُسيد الخزاعى فجددها ، ثم لم تحرك حتى كان عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه فبعث أربعة من قريش هم : مخرمة بن نوفل ، وسعيد بن يربوع ، وحويطب بن عبدالعزى، وأزهر بن عوف ، فجددوها ، ثم جددها معاوية ، ثم أمر عبد الملك بن مروان بتجديدها .
والحرم المكى له أحكام ، منها ما جاء فى حديث متفق عليه بين البخارى ومسلم عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة "إن هذا البلد حرام ، ولا يعضد شوكه -وفى رواية "شجره" -أى لا يقطع- ولا يختلى خلاه -والاختلاء هو القطع ، والخلا هو الرَّطب من النبات- ولا ينفَّر صيده ، ولا تلتقط لقطته إلا لمعرِّف واستثنى الإِذخر، وهو زرع كالحشيش له رائحة طيبة .
قال القرطبى : خص الفقهاء الشجر المنهى عنه بما ينبته الله تعالى من غير صنيع آدمى، فأما ما ينبت بمعالجة آدمى فاختلف فيه الجمهور على الجواز، وقال الشافعى : فى الجميع الجزاء ، ورجحه ابن قدامة، واختلفوا فى جزاء ما قطع من النوع الأول ، فقال مالك : لا جزاء فيه بل يأثم ، وقال عطاء: يستغفر، وقال أبوحنيفة: يؤخذ بقيمته هدى، وقال الشافعى : فى العظيمة بقرة ، وفيما دونها شاة . قال ابن العربى : اتفقوا على تحريم قطع شجر الحرم ، إلا أن الشافعى أجاز قطع السواك من فروع الشجرة ، وأجاز أيضا أخذ الورق والثمر إذا كان لا يضرها ولا يهلكها .
وأجازوا قطع الشوك لكونه يؤذى بطبعه ، فأشبه الفواسق . ومنعه الجمهور، لنهيه صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، والقياس مصادم لهذا النص فهو فاسد الاعتبار، وهو قياس مع الفارق ، فإن الفواسق المذكورة تقصد بالأذى بخلاف الشجر .
والفواسق المذكورة جاءت فى حديث رواه البخارى ومسلم عن عائشة رضى الله عنها قالت : " أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل خمس فواسق فى الحل والحرم : الغراب والحدأة والعقرب ، والفأرة ، والكلب العقور" وجاء فى رواية مسلم عن عبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر أنه صلى الله عليه وسلم أمر بقتل الحية .
وأما حرم المدينة فجاء فيه حديث متفق عليه رواه البخارى ومسلم "المدينة حرم ما بين عِير إلى ثور" ورويا أيضا عن أبى هريرة قال : حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بين لابتى المدينة، وجعل اثنى عشر ميلا حول المدينة حمى كما رويا أيضا حديث " إن إبراهيم حرَّم مكة ودعا لها ، وإنى حرمت المدينة كما حرَّم إبراهيم مكة " كما رويا أيضا أنه أشرف على المدينة فقال " اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم إبراهيم مكة ، اللهم بارك لهم في مدِّهم وصاعهم " .
وفى مظاهر هذا التحريم جاء حديث البخارى " لا يُقطع شجرها ولا يُحدث فيها حدث ، من أحدث فيها حدثا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين" وفى حديث مسلم "ولا يختلى خلاها، ولا يراق فيها دم ، ولا يحمل فيها سلاح ، ولا يصاد صيدها، ولا يقطع عضاهها" .
واللابتان هما الجبلان ، وعير اسم لحدهما ، وثور قيل هو أحد أو جبل صغير بجواره ، والعضاة كل شجر فيه شوك واحدها عضاهة وعضهة ، وفى هذه المظاهر أو الأحكام قال الشافعى ومالك وأحمد وجمهور أهل العلم : إن للمدينة حرمًا كحرم مكة يحرم صيده وشجره ، قال الشافعى ومالك : فإن قتل صيدا أو قطع شجرا فلا ضمان ، لأنه ليس بمحل نسك -أى حج وعمرة- فأشبه الحِمَى ، وقال ابن أبى ذئب وابن أبى ليلى : يجب فيه الجزاء كحرم مكة وبه قال بعض المالكية . وذهب أبو حنيفة وزيد بن على إلى أن حرم المدينة ليس بحرم على الحقيقة، ولا تثبت له الأحكام من تحريم قطع الشجر وقتل الصيد، والأحاديث ترد على هذا الرأى، ودليله حديث قول النبى صلى الله عليه وسلم لأبي عمير" ما فعل النُّغَنر يا أبا عمير" وأجيب عنه بأنه كان قبل تحريم المدينة أو أنه من صيد الحل .
هذان الحرمان وهما حرم مكة والمدينة ، هما اللذان صحت فيهما الأحاديث ، ويقال : إن هناك حرما ثالثا له هذه الأحكام وهو " وَجٌّ" بالطائف ، وفيه خلاف يرجع إليه فى " نيل الأوطار ج 5 ص 37"

(9/341)


فضل مكة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
اشتد الخلاف بين بعض من أهل العلم كانوا يعملون بالحجاز، في بيان الأفضل عند الله هل هو مكة أو المدينة، فهل من دليل يبين الحق فى ذلك ؟

الجواب
إن المفاضلة بين شيئين تهمنا معرفتها إذا كنا سنستفيد منها فى ديننا أو دنيانا، وإلا كانت ضياعا للوقت والجهد نحن أحوج إليهما فى ظروفنا الحاضرة ، والكتب القديمة تعرضت لذلك إما للترف الذهنى وإما للإِفادة فى العمل بناء على نصوص وردت ، منها ما رواه أحمد وابن ماجه والترمذى وصححه عن عبد الله بن عَدِىِّ بن الحمراء أنه سمع النبى صلى الله عليه وسلم يقول وهو واقف بالحزوَّرة فى سوق مكة "والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أنى أُخرجت منك ما خرجت" وروى مثله أو قريبا منه الترمذى عن ابن عباس، والحزورة بتشديد الواو المفتوحة أو بإسكان الزاى هى الرابية الصغيرة .
يقول الشوكانى " نيل الأوطار ج 5 ص 31" فيه دليل على أن مكة خير أرض الله على الإطلاق وأحبها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبذلك استدل من قال : إنها أفضل من المدينة ، قال القاضى عياض ، إن موضع قبره صلى الله عليه وسلم أفضل بقاع الأرض ، وإن مكة والمدينة أفضل بقاع الأرض ، واختلقوا فى أفضلهما ما عدا موضع قبره صلى الله عليه وسلم . فقال أهل مكة والكوفة والشافعى وابن وهب وابن حبيب المالكيان ، إن مكة أفضل ، وإليه مال الجمهور، وذهب عمر وبعض الصحابة ومالك وأكثر المدنيين إلى أن المدينة أفضل .
ودليل الأولين هو الحديث المذكور، ودليل الآخرين حديث البخارى "ما بين قبرى ومنبرى روضة من رياض الجنة " مع حديث "موضع سوط فى الجنة خير من الدنيا وما فيها " وليس المراد أن هذا المكان من الجنة فعلا وإنما المراد أن الصلاة فيه تؤدى إلى الجنة، وذلك كحديث "الجنة تحت ظلال السيوف" أى أن الجهاد يوصل إلى الجنة .
ومما يرجح قول الجمهور فى فضل مكة حديث رواه أحمد وابن خزيمة والطبرانى والبيهقى وابن حبان فى صحيحه " صلاة فى مسجدى هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام ، وصلاة فى المسجد الحرام أفضل من صلاة فى مسجدى بمائة صلاة" وقد روى من طريق خمسة عشر صحابيا، فأفضلية المسجد لأفضلية المحل الذى هو فيه .
هذا ، ويعجبنى فى هذا المقام ما ختم به الشوكانى الكلام عن هذا الموضوع حيث قال : واعلم أن الاشتغال ببيان الفاضل من هذين الموضعين الشريفين كالاشتغال ببيان الأفضل من القرآن والنبى صلى الله عليه وسلم ، والكل من فضول الكلام الذى لا تتعلق به فائدة غير الجدال والخصام ، وقد أفضى النزاع فى ذلك وأشباهه إلى فتن وتلفيق حجج واهية ، كاستدلال المهلب بن أبى صفرة على أفضلية المدينة بأنها هى التى أدخلت مكة وغيرها من القرى فى الإِسلام ، فصار الجميع فى صحائف أهلها ، وبأنها تنفى الخبث كما ثبت فى الحديث الصحيح ، وأجيب عن الأول بأن أهل المدينة الذين فتحوا مكة معظمهم من أهل مكة ، فالفضل ثابت للفريقين ، ولا يلزم من ذلك تفضيل إحدى البقعتين ، وعن الثانى بأن ذلك إنما هو فى خاصٍّ من الناس ومن الزمان ، بدليل قوله تعالى { ومن أهل المدينة مَردوا على النفاق} التوبة: 101 والمنافق خبيث بلا شك ، وقد خرج من المدينة بعد النبى صلى الله عليه وسلم معاذ وأبو عبيدة وابن مسعود وطائفة، ثم على وطلحة، والزبير وعمار وآخرون ، وهم من أطيب الخلق ، فدل ذلك على أن المراد بالحديث ناس دون ناس ، ووقت دون وقت ، على أنه إنما يدل ذلك على أنها فضيلة، لا أنها فاضلة . انتهى .
وأؤكد كما بدأت الإجابة على عدم الإغراق فى الجدال فى مثل هذه الأمور التى لا تعود بفائدة واضحة على الفرد والمجتمع ، وبخاصة فى مثل الظروف التى يعيشها المسلمون الآن ومن أراد الاستزادة فليرجع إلى "الزرقانى على المواهب ج 1 ص 328" .
إن التمادى فى الخلاف حول تفضيل شخص على شخص وأولويته بالتكريم خلق فى الأمة الإسلامية جماعة كبيرة لها حكمها القاسى على الكثرة الكاثرة من المسلمين ، وتتعايش معها كما يتعايش أهل الأديان التى قال الله فيها {وقالت اليهود ليست النصارى على شىء وقالت النصارى ليست اليهود على شىء وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون} البقرة : 113 .
إن الماضى بما فيه من خلاف يجب أن ننساه ونتوحد لمواجهة التحديات التى تكتلت الأعداء لضرب المسلمين بها بكل الأسلحة التى لم يفطن إلى الكثير منها كثيرون من المتخالفين الذين يدعى كل فريق منهم أنه هو الناجى من النار لأنه فى رأيه يسير على ما كان النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه .
أرجو الله للأمة الإِسلامية أن تعود إلى رشدها بترك الخلافات التى لا تجنى من ورائها إلا الضعف والإِساءة إلى سمعة الإسلام ، وهو الدين الخاتم الذى جاء ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، واختار له رسولا قال فيه : {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} الأنبياء : 106

(9/342)


العطور فى الإحرام

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
عندما يكون الحج فى زمن الصيف يكثر العرق وتتغير رائحة الجسم فهل من الممكن الاغتسال والتطيب فى مدة الإحرام ؟

الجواب
معلوم أن من مظاهر الإِحرام بالنسك تجرد الإنسان من كل زينة والظهور بمظهره عندما يحشر إلى ربه كما قال تعالى { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خوَّلناكم وراء ظهوركم } الأنعام : 94 وكذلك تحقيق معنى المساواة بالبعد عن المظاهر التى يحرص عليها بعض الناس ابتغاء وضع معين ، كما يشير إليه الحديث الشريف " الحاج الشعث التفل " رواه البزار بسند صحيح . والشعث من عليه أثر التراب من السفر، والتفل البعيد العهد بالماء .
ويظهر تغير الرائحة إذا طالت مدة الإِحرام ، كالذى يحرم بالحج مُفرِدًا أو قارنا عند مروره بالميقات قبل يوم عرفة بوقت طويل فى موسم الحر حيث لا يحل من إحرامه إلا يوم العيد أو بعده ، أما المحرم بالعمرة أوَّلا فمدة إحرامه قصيرة لا تتغير رائحته إلا إذا كانت وسيلة المواصلات بطيئة كالجمال التى كانت سائدة قبل الاختراعات الحديثة فى وسائل النقل .
وفى مواجهة تغير الرائحة شرع الغسل والتطيب قبل الإِحرام حتى لو بقيت آثار الطيب بعد الإِحرام ، كما أبيح الغسل المجرد عن الطيب بل استحب أثناء الإِحرام فى عدة مواطن ، وقد مر ذلك بوضوح فى ص 411 من المجلد الثالث من هذه الفتاوى .
أما التطيب بعد الإحرام فممنوع للحديث السابق الذى رواه البزار، ولأمر الرسول صلى الله عليه وسلم من وضعه بغسله وإزالته ، ولنهيه فيمن مات محرما أن يمس طيبا عند غسله وتكفينه ، ولا بأس عند الاغتسال باستعمال الصابون الذى له رائحة بقصد النظافة لا بقصد التطيب ، وكذلك يباح شم الفواكه ذات الرائحة الطيبة كالتفاح فإنه لا يقصد للطيب ولا يتخذ منه ،أما شم الورد والريحان والنعناع متعمدا فممنوع وما جاء من الروائح عفوا بدون قصد فلا ضرر فيه كالمرور بحديقة فيها أزهار أو بدكان من يبيع العطر، لمشقة التحرز من ذلك وانتفاء القصد والتعمد . ووضع الطيب في المطبوخ أو المشروب بحيث لم يبق له طعم ولا لون ولا ريح إذا تناوله المحرم لا فدية عليه ، وإن بقيت رائحته وجبت عليه الفدية بأكله عند الشافعية وقال الحنفية: لا فدية عليه ، لأنه لم يقصد به الترفه بالطيب .
ويلاحظ أن استعمال المحرم للطيب تلزمه الفدية إذا كان عالما بالحكم غير جاهل ، وكان متعمدا غير ناس أنه محرم ، وعند الجهل والنسيان لا فدية ، فقد روى الجماعة إلا ابن ماجه أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجعرانة وعليه جبة وهو مصفِّر لحيته ورأسه -أى متطيب- وقال : يا رسول اللّه أحرمت بعمرة وأنا كما ترى، فقال له "اغسل عنك الصفرة وانزع عنك الجبة، وما كنت صانعا في حجك فاصنع فى عمرتك" ولم يأمره بفدية ، لأنه كان جاهلا بالحكم ، وقال عطاء بن أبي رباح : إذا تطيب المحرم أو لبس -جاهلا أو ناسيا- فلا كفارة عليه . رواه البخاري .
والفدية عند تعمد التطيب والعلم بحرمته هى ذبح شاة أو إطعام ستة مساكين ، لكل مسكين صاع ، أو صيام ثلاثة أيام ، كما قال تعالى فيمن حلق شعره {فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } البقرة : 196 والنسك أى الذبح . وروى البخارى ومسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمن آذته هوام رأسه "احلق ، ثم اذبح شاة نسكا ، أو صم ثلاثة أيام ، أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين" .
والإمام الشافعي قاس غير المعذور على المعذور فى وجوب الفدية ، وأوجب أبو حنيفة الدم على المعذور إن قدر عليه .
وربما تعرضنا لذلك مرة أخرى إن شاء الله

(9/343)


تأخير الحج

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما رأى الدين فى شخص أتيحت له الفرصة أكثر من مرة ليحج ولكنه لم يحج ، هل يعاقب على هذا التأخير؟

الجواب
الحج مفروض على المستطيع كما قال اللّه تعالى وكما قال النبى صلى الله عليه وسلم وهو واجب فى العمر كله مرة واحدة بإجماع العلماء ، ولحديث البخارى ومسلم وغيرهما أن النبى صلى الله عليه وسلم لما أمر الناس بالحج سئل أفى كل عام فقال " لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم " ولكن هل إذا توافرت أسباب الاستطاعة وجب على الفور أداء الحج أو يجوز تأجيله إلى عام آخر؟ قال جمهور العلماء : الوجوب على الفور، ويأثم من أخره إلى عام آخر، بحيث إذا مات حوسب عليه إن لم يغفر الله له ، ودليلهم فى ذلك حديث أحمد وابن ماجه والبيهقى " من أراد الحج فليعجل فإنه قد يمرض المريض وتضل الراحلة وتكون الحاجة " وفى رواية " تعجلوا الحج فإن أحدكم لا يدرى ما يعرض له " لكن الإمام الشافعى قال : إن وجوب الحج على التراخى، بمعنى أنه لو أخره مع الاستطاعة لا يأثم بالتأخير متى أداه قبل الوفاة ودليله أن الرسول صلى الله عليه وسلم أخر الحج إلى السنة العاشرة وكان معه أزواجه وكثير من أصحابه ، مع أنه فرض فى السنة السادسة من الهجرة ، فلو كان واجبا على الفور ما أخره . وقال الشافعى : ومع ذلك فالأفضل التعجيل بناء على الأحاديث المذكورة التى حملها على الندب لا على الوجوب ، ويضم إليها حديث رواه ابن حبان فى صحيحه والبيهقى ، أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " يقول الله عز وجل : إن عبدا صححت له جسمه ووسعت عليه فى المعيشة تمضى عليه خمسة أعوام لا يفد إلىَّ لمحروم " .
وعندما قال الله تعالى {ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} قال بعد ذلك {ومن كفر فإن الله غنى عن العالمين} قال الحسن البصرى : المراد بالكفر هو الترك أى عدم الحج .
كالحديث الذى رواه مسلم وينص على أن من ترك الصلاة فهو كافر، لكن ابن عباس ومعه المحققون من العلماء قالوا : إن الكفر لا يكون إلا بإنكار الفريضة وجحود أن الحج واجب ، لكن لو آمن الإنسان بأنه مفروض وواجب ولكنه تكاسل فى الأداء فهو ليس بكافر بل هو مؤمن عاصٍ ، لو لم يحج مع الاستطاعة يحاسبه الله بعد موته ويدخله النار إن لم يغفر له ، ويكون مصيره النهائى هو الجنة، ويحمل على هذا حديث "من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا " رواه الترمذى وقال حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه ، وروى مثله البيهقى، فالحديث لا يدل قطعا على الكفر، ولئن صح فالمراد به الجاحد المنكر، ويحمل على الترغيب فى التعجيل فقط

(9/344)


الطواف مع لبس الحذاء

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل الطواف حول الكعبة والإنسان لابسُ الحذاء حلال أو حرام ؟

الجواب
روى البخارى ومسلم أن أول شىء بدأ به النبى صلى الله عليه وسلم ، حين قدم مكة ، أنه توضأ ثم طاف بالبيت . وروى مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم قال للسيدة عائشة رضى الله عنها عندما جاءتها الحيضة فى مكة "إن هذا شىء كتبه الله على بنات آدم ، فاقض ما يقض الحاج غير ألا تطوفى بالبيت حتى تغتسلى" وروى الترمذى والدارقطنى وصححه الحاكم وابن خزيمة أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " الطواف صلاة، إلا أن الله تعالى أحل فيه الكلام ، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير .
ويوخذ من هذه الأحاديث أن الطواف يشترط له ما يشترط للصلاة ، ومن ذلك الطهارة من للحدث الأكبر والأصغر وطهارة الثوب وطهارة المكان .
فإن كان الحذاء الذى يلبسه الطائف طاهرا صح طوافه بدون خلاف ، ولا يعتبر لبسه للحذاء ذنبا أو احتقاراً لحرمة البيت ، فذلك راجع إلى نيته .
أما إذا كان الحذاء نجسا ، فلا يجوز ولا يصح الطواف به ، وذلك عند جمهور الفقهاء ، لكن الحنفية قالوا : إن الطهارة من النجاسة فى الثوب أو البدن سنة فقط ، وعلى ذلك يجوز الطواف بالحذاء النجس وبالثياب النجسة . ولا شىء على الإنسان .
وقالوا : إن الطهارة من الحدث الأصغر عند الطواف واجبة ، لو تركها وطاف بدون وضوء صح طوافه ولزمته شاة، وكذلك لو كان محدثا حدثا أكبر صح طوافه ولزمته بدنة ، ويعيده ما دام فى مكة .
والأولى اتباع رأى الجمهور، والتأكد من الطهارة عند الطواف ، سواء فى ذلك طهارة البدن والثوب والطهارة من الحدثين ، ولا مانع من لبس النعل إذا كان طاهرا يتقى به حرارة الأرض أو خشونتها مثلا

(9/345)


العشر الأوائل من ذى الحجة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هى الليالى العشر التى أقسم الله بها فى قوله تعالى { والفجر وليال عشر} ولماذا أقسم الله بها ؟

الجواب
الليالى العشر التى أقسم الله بها فى أول سورة الفجر، قيل إنها العشر الأول من شهر الله المحرم ونسب هذا إلى ابن عباس ، وقيل :إنها عشر ذى الحجة ، ونسب هذا إلى مجاهد والسدى والكلبى ، بل نسب إلى الرسول من رواية أبى الزبير عن جابر ، وإن لم تثبت هذه الرواية ، وهذا القول رجَّحه الكثيرون ، وبخاصة أن الليالى العشر ذكرت مع الفجر، وكثيرون من المفسرين قالوا : إنه فجر يوم النحر. وهى كما قالوا : ليالى أيام عشر .
ويؤكد هذا القول أحاديث وردت فى فضلها ، فقد روى البخارى وغيره عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "ما من أيام العمل الصالح فيها أحب إلى الله من هذه الأيام " يعنى أيام العشر، قالوا : يا رسول الله ولا الجهاد فى سبيل الله ؟ قال "ولا الجهاد فى سبيل الله ، إلا رجل خرج بنفسه وماله ثم لم يرجع من ذلك شىء " .
هذا أصح ما ورد فى فضل هذه الأيام . ولكن ما هو العمل الصالح ، هل هو نوع معين من العمل ، أو هو كل قربة يتقرب بها إلىالله ؟ جاء فى بعض الأحاديث النص على بعض القرب ، ففى رواية الطبرانى بإسناد جيد " ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إلىَّ العمل فيهن من أيام العشر، فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير" فالعمل هو الذكر لكن جاء فى حديث غريب -أى رواه راو واحد فقط -للترمذى قوله "يعدل صيام كل يوم بصيام سنة . وقيام كل ليلة منها بقيام ليلة القدر" فالعمل هو الصيام والقيام ، وجاء فى فضل هذه الأيام أيضا بوجه عام كلام رواه البيهقى بإسناد لا بأس به عن أنس ابن مالك قال :
كان يقال فى أيام العشر: بكل يوم ألف يوم ، ويوم عرفة بعشرة آلاف يوم .
إن النص على عمل فى هذه الأيام لا يلغى عملا آخر، لهذا أرى أن أى عمل صالح له ثوابه المضاعف ، وبخاصة ما نص عليه فى بعض الروايات ، من الذكر والصيام والقيام ، وكان سعيد بن جبير يجتهد فيها اجتهادا شديدا حتى ما كَان يقدر عليه .
ولعل الفضل سببه أن هذه الأيام هى التى يكثف فيها الذهاب إلى المسجد الحرام لأداء فريضة الحج والعمرة ، ويعيش الناس فيها فى ظلال الروحانية والشوق إلى الأماكن المقدسة ، سواء منهم من سافر ليحج ومن لم يسافر، والعمل الصالح إذا وقع فى ظل هذه الروحانية كان أرجى للقبول ومضاعفة الثواب ، وبخاصة أن هذه الأيام فيها يوم عرفة الذى جاء فيه حديث رواه ابن خزيمة وابن حبان "ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة " وفيها العيد والحج الأكبر، وهى أيام يتوفر فيها الأمن فى البلاد الإسلامية لتهيئة الجو للمسافرين للحج ولمن خلفوهم وراءهم وذلك بالانشغال بالعبادة والذكر .
ويقول ابن جحر فى فتح البارى ج 2 ص 234 : والذى يظهر أن السبب فى امتياز عشر ذى الحجة ، لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه وهى الصلاة والصيام والصدقة والحج ولا يتأتى ذلك فى غيره ، وعلى هذا هل يختص الفضل بالحاج أو يعم المقيم ؟ فيه احتمال . انتهى

(9/346)


نقص أشواط الطواف

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
تقول سيدة : طفت أربعة أشواط ثم أغمى علىَّ ونقلت إلى المستشفى وبعد العلاج سافرت ولم اكمل الطواف . فهل حجى صحيح ؟

الجواب
جمهور الفقهاء على أن الطواف حول البيت يكون سبعة أشواط وذلك لفعل النبى صلى الله عليه وسلم ولقوله "خذوا عنى مناسككم " فمن ترك شوطا منه بطل ، كمن يترك ركعة من إحدى الصلوات المفروضة . والنبى صلى الله عليه وسلم يقول "الطواف حول البيت صلاة، إلا أنكم تتكلمون فيه ، فمن تكلم فلا يتكلم إلا بخير رواه الترمذى وابن حبان فى صحيحه .
ولا يجبر ما ترك من الأشواط بدم ، كما لا يجبر ترك الركعة من الصلاة بشىء آخر .
غير أن الإمام أبا حنيفة قال : إن ركن الطواف هو أربعة أشواط ، من نقص عنها بطل الطواف وبطل الحج ، أما الاشواط الثلاثة الباقية فهى من الواجبات التى لو تركت صح الطواف ووجب تقديم الهدى . وعلى هذا المذهب يكون طواف صاحبة السؤال صحيحا وبالتالى يكون الحج صحيحا وعليها تقديم الهدى

(9/347)


الإنابة فى رمى الجمرات

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
مرضت يوم العيد فى مِنى ولم استطع أن أرمى الجمرات . ووكلت شخصا بالرمى ، فهل يكفى ذلك عنى ؟

الجواب
رمى الجمار فى مِنى من الواجبات فى الحج ، إن تركت كان الحج صحيحا ولكن يجب تقديم الهدى ، ويجوز للإنسان أن ينيب عنه غيره ليرمى الجمرات إن كان عنده عذر يمنعه من ذلك كمرض أو شدة الزحام وبخاصة بالنسبة للنساء ، ويدل عليه حديث رواه ابن ماجه عن جابر رضى الله عنه قال : حججنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعنا النساء والصبيان ، فلبينا عن الصبيان ورمينا عنهم

(9/348)


الجماع فى الحج

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم من جامع زوجته فى أثناء تأدية فريضة الحج ؟

الجواب
معلوم أن الجماع ممنوع ما دام الإنسان محرما بالحج أو العمرة ، قال تعالى {الحج أشهر معلومات فمن فرض فيهن الحج فلا رفث ولا فسوق ولا جدال فى الحج } البقرة : 197 .
على أن المراد بالرفث هو الجماع : وهناك ممنوعات أخرى فى الإحرام كالتطيب وقص الشعر . وقال العلماء : هناك فى الحج تحللان ، تحلل أصغر وتحلل أكبر، أو تحلل أول وتحلل ثان ، والتحلل الأصغر أو الأول يحصل بفعل اثنين من ثلاثة هى: رمى جمرة العقبة وحلق الشعر أو تقصيره وطواف الإفاضة . وبهذا التحلل حل له كل ما كان محرما عليه وقت الإحرام ما عدا الجماع ، فإن فعل الثالث كان التحلل الأكبر أو الثانى وحل له الجماع أيضا .
فإن جامع قبل الوقوف بعرفة فسد حجه وتمم المناسك ووجب ذبح جمل أو ناقة ، وعليه قضاء الحج فى أول فرصة أما إن جامع بعد الوقوف بعرفة وقبل التحلل الأول فقد فسد حجة أيضا ، وعليه أن يستمر فى أداء المناسك مع وجوب الهدى وهو الجمل أو الناقة ومع وجوب القضاء أيضا ، وهذا هو رأى جمهور الفقهاء ، أما أصحاب الرأى - أبو حنيفة وأصحابه - فيقولون : لو جامع قبل الوقوف بعرفة فسد حجة .
وعليه شاة أو سُبْعُ بقرة، وإن جامع بعده لم يفسد حجة وعليه بدنة - جمل أو ناقة .
أما الجماع بعد التحلل الأول وقبل التحلل الثانى فلا يفسد الحج بالاتفاق وتجب فيه بدنة عند بعض الفقهاء ، وعند بعضهم الأخر تجب شاة وهو مذهب الإمام مالك

(9/349)


تكرار الحج

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
أديت الحج مرة واحدة، ولى رغبة فى تكرار أدائه ، إلا أن هناك بعض الأمور التى تستلزم الإنفاق فيها فأيهما أفضل : الحج أو الإنفاق ؟

الجواب
من المعلوم أن الحج فرض على المستطيع مرة واحدة فى العمر، وذلك لحديث البخارى ومسلم عن أبى هريرة رضى الله عنه قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال "أيها الناس ، إن الله كتب عليكم الحج فحجوا" فقال رجل : أكل عام يا رسول الله ؟ فسكت حتى قالها ثلاثا ثم قال صلى الله عليه وسلم "لو قلت نعم لوجبت ولما استطعتم " وفى رواية لأحمد وأبى داود والنسائى والحاكم عن ابن عباس رضى اللّه عنهما أن السائل هو الأقرع بن حابس ، وأن الرسول رد عليه بقوله "الحج مرة، فمن زاد فهو تطوع " .
يعرف من هذا أن تكرار الحج ليس واجبا ، وإنما هو تطوع والتطوع فى كل شىء ينبغى أن يراعى فيه تقديم الأهم على المهم ، وقد تكون هناك حالات فى أشد الحاجة إلى المعونة لإنقاذ الحياة أو تخفيف الويلات ، وهنا يكون الإنفاق فيها أولى ، وبخاصة بعد أن متَّع الله سكان الحرم بنعم زادت على ما كان يصبو إليه سيدنا إبراهيم عليه السلام حين دعا ربه أن يجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم ويرزقهم من الثمرات ، كما هو فى الآية 37 من سورة إبراهيم .
والشخص الذى يحب أن يتردد على بيت الله بالحج أو العمرة ورأى أن هناك أمرا هاما قعد به عن السفر للزيارة سيعطيه الله ثوابا على نيته .
وهناك مأثورات فى هذا المقام -وإن كانت لا تعد تشريعا -جاء فيها أن اللّه كتب ثواب الحج لمن صادف فى طريقه فقراء ألجأتهم الضرورة إلى أكل الميتة ، فدفع إليهم ما معه ورجع إلى بلده دون أن يحج ، فأعطاه اللّه ثواب الحج وإذا لم يكن هناك نص فى هذه المسألة فإن التشريع بروحه وأهدافه لا يقر أن توجه أموال طائلة فى مندوب من المندوبات ، فى الوقت الذى فيه واجبات تحتاج إلى هذه الأموال .
هذا وما يروى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال "من حج حجة أدى فرضه ، ومن حج ثانية داين ربه ، ومن حج ثلاث حجج حرَّم الله شعره وبشره على النار" فليس بصحيح

(9/350)


حكمة مشروعية الحج

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نريد توضيح الحكمة فى مشروعية الحج ، الواردة فى بعض آيات الذكر الحكيم ؟

الجواب
من أهم الآيات التى ذكرت فيها حكمة مشروعية الحج قوله تعالى عن دعاء إبراهيم عليه السلام {ربنا إنى أسكنت من ذريتى بواد غير ذى زرع عند بيتك المحرَّم ربنا ليقيموا الصلاة فاجعل أفئدة من الناس تهوى إليهم وارزقهم من الثمرات لعلهم يشكرون } إبراهيم : 38 ، وقوله {وأذِّن فى الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق .
ليشهدوا منافع لهم } الحج : 27 ، 28 ، ففى الحج فائدة لأهل مكة تشمل كل منفعة دينية ودنيوية ، مادية ومعنوية سياسية وثقافية واجتماعية وغيرها، يفيد منها الحجاج ومن يسكنون مكة ويفيد المسلمون بوجه عام .
وعلى ضوء ما ذكرناه من حكمة التشريع عامة نوضح حكمة الحج على الوجه التالى :
1- صلة العبد بربه فى الحج تظهر عندما يحرم الحاج ملبيًا، يقر بوحدانية الله ويشكره ، ويرجع كل الفضل والنعمة إليه "لبيك اللهم لبيك ، لبيك لا شريك لك لبيك ، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك " وحين يطوف بالبيت سائلا متضرعا يستمنح الله جوده وبره وعفوه ، وحين يقبل الحجر أو يستلمه ، كأنه يعاهد ربه على الطاعة ، على حد ما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال عنه " إنه يمين الله يصافح بها خلقه " . رواه أحمد وابن خزيمة فى صحيحه. وفى سعيه بين الصفا والمروة كالمتردد قلقا على مصيره : هل تفضل الله عليه عند طوافه ببيته أو لم يتفضل ، وفى وقوفه متجردا من كل زينة، ملغيا لقبه ومظاهر ترفه وراء ظهره خاشعا داعيا .
وفى هذه الهيئة المتواضعة مع الذلة والانكسار يقول الرسول صلى الله عليه وسلم " إن الله يباهى بأهل عرفات الملائكة فيقول : انظروا إلى عبادى أتونى شعثًا غبرًا ضاحين من كل فج عميق ، أشهدكم أنى قد غفرت لهم " رواه أحمد والحاكم وابن حبان والبيهقى . وفى رميه للجمرات تشبه بحربه للشيطان ومقاطعة لما يغرى به من فساد، كما تظهر العبودية له بتحمل مشقة السفر، ومخالطة ذوى الطباع المختلفة والتعرض للاجواء الغريبة، مؤثرا رضاء الله على رضاء نفسه وفى الهدى والفداء رمز للتضحية بالدم وبأغلى ما يملك الإنسان إيثار لما عند الله وجهادا فى سبيله .
وفى الحج ارتباط بمهد النبوة وإحياء لبيت الله ، وتذكر لحوادث ماضية كانت سببا فى قداسة هذا المكان ، من وجود هاجر وابنها إسماعيل وحيدين فى هذا الوادى، ولطف الله بهما فنبعت لهما زمزم وعَمُرَ المكان وبنى أول بيت وضع للناس مباركا وهدى للعالمين .
هذا ، وفى الذكر والتكبير والتلبية عند المشاعر صلة قوية بالله ، قال تعالى{فإذا أفضتم من عرفات فاذكروا الله عند المشعر الحرام واذكروه كما هداكم وإن كنتم من قبله لمن الضالين .
ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس واستغفروا الله إن الله غفور رحيم . فإذا قضيتم مناسككم فاذكروا الله كذكركم اَباءكم أو أشد ذكرا} البقرة : 198 - 200 ، وقال {واذكروا الله فى أيام معدودات } البقرة : 203 ، وقال {والبدن جعلناها لكم من شعائر الله لكم فيها خير فاذكروا اسم الله عليها صواف } الحج : 36 .
هذا الذكر كله يدل عليه فى حكمة الحج قول النبى صلى الله عليه وسلم "إنما فرضت الصلاة وأمر بالحج وأشعرت المناسك لإقامة ذكر الله " رواه أبو داود والترمذى وقال : حسن صحيح .
2- الإحرام بالحج فى ملابس متواضعة وبعدٍ عن مظاهر الترف درس عملى فى التواضع وعدم الغرور بزخارف الدنيا وفيه نكران للذات وتركيز على التقرب إلى الله بقلب خالص وعمل طيب ينال به الكرامة عنده . وقد حج النبى صلى الله عليه وسلم على رحلٍ رث وقطيفة خلقة وقال "اللهم حجًّا لا رياء فيه ولا سمعة" رواه الترمذى وعن ابن عمر رضى الله عنهما أن رجلا سأل النبى صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله من الحاج ؟ قال " الشعث التفل " رواه ابن ماجه بإسناد حسن . والشعث هو البعيد العهد بتسريح شعره وغسله ، والتفل هو من ترك الطيب والتنظف حتى تغيرت رائحته .
وفى الحج تمرين على الأسفار والترحال وتحمل المضايقات وضبط النفس عن السباب والفسوق وإمساك عن المغريات ، وفى الحديث الشريف "من حج فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه " رواه البخارى ومسلم وفيه إلى جانب ذلك ثقافة واطلاع وتفكر واعتبار ودراسة عملية على الطبيعة-إلى حد ما - لفترة من حياة النبى صلى الله عليه وسلم ولتاريخ العرب وذكرياتهم الدينية ، مع منافع مادية تجارية وغيرها فى الموسم .
3- لا ينكر أحد أن الحج فرصة لعقد مؤتمر إسلامى يتخطى حدود البيئة والجنس واللغة ، ويعلو على الفوارق والعصبيات ، ينبغى أن تناقش فيه المشكلات وتوضع فيه الحلول ، وأن تتلاقى الأفكار وتتلاقح الثقافات ، توكيدا للوحدة الجامعة التى يحبها الله لهذه الأمة {إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون } الأنبياء : 92 ، لتنهض سويا بواجباتها الدينية والإنسانية العامة ، ولتقف صفا واحدا أمام العدو المتربص .
إن للمسلمين فى هذا الموسم من عوامل الوحدة ما يعلو على كل العوامل ، فربهم جميعا واحد، ودينهم واحد ، وقبلتهم واحدة ، وغايتهم واحده ، وزيهم واحد ، وهم بهذه العوامل كأنهم شخص واحد ينبغى أن يكونوا كما قال النبى صلى الله عليه وسلم " مثل المؤمنين فى تراحمهم وتوادهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى"رواه البخارى ومسلم .
هذه بعض حكم تلتمس للحج ، وإذا كان فى بعض شعائره ما تخفى الحكمة فيه كرمى الجمار فإن أداءها لمجرد أنها مشروعة من الله دليل على قوة الإيمان وعلى الثقة البالغة فى حكمة الله كما قدمنا .
ولعل الرسول صلى الله عليه وسلم كان يحس أن فى بعض النفوس خواطر تحوم حول بعض هذه الشعائر فنبَّة إلى جانب التعبد والتسليم المطلق فيها قائلا وهو يلبِّى " لبيك بحجة حقًّا ، تعبدا ورقًّا" رواه البزار والدار قطنى ، ويوضحه قول عمر رضى الله عنه حين قبَّل الحجر الأسود : والله إنى لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع وله لولا أنى رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبتك . رواه البخارى ومسلم

(9/351)


صوم التمتع

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
إذا أردت الحج متمتعا، ولزمنا الهدى ولم أقدر عليه ، ووجب علىَّ الصيام بدل الهدى، فمتى أصوم ؟

الجواب
قال تعالى {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدى فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام فى الحج وسبعة إذا رجعتم . تلك عشرة كاملة ذلك لمن لم يكن أهله حاضرى المسجد الحرام } البقرة : 196 .
تدل الآية على أن من وجب عليه الصوم من أجل التمتع ، وهو الإحرام بالعمرة فى موسم الحج قبل الحج ، كان الصوم على فترتين ،فتره فى أثناء الحج ، وفترة عندما يعود إلى وطنه .
فما دام فى الحج يصوم ثلاثة أيام ، ولكن متى؟ هناك أقوال أهمها :
1 - أن يكون البدء بالصيام بعد الإحرام بالحج ، والغالب فيمن يتمتعون لعمل العمرة أولا أنهم لا يتحملون الالتزام بواجبات الإحرام مدة طويلة ، مثل عدم التطيب ، وعدم قص الشعر والظفر، وعدم قربان النساء . فهو يحرم بالحج قبل يوم عرفة بقليل ، فإذا أحرم يوم السابع من ذى الحجة أمكنه أن يصوم السابع والثامن والتاسع الذى هو يوم عرفة ، وعليه جمهور الفقهاء ، ويجوز له أن يصوم قبل السابع إذا أحرم بالحج قبل ذلك .
2- يصومها ما دام بمكة فى أيام مِنى، وهى أيام التشريق . قاله مالك وجماعة من أهل المدينة .
فقد روى مالك فى الموطأ عن عائشة أم المؤمنين أنها كانت تقول : الصيام لمن تمتع بالعمرة إلى الحج لمن لم يجد هديًا ما بين أن يهل بالحج إلى يوم عرفة ، فإن لم يصم صام أيام منى . وهذا الصيام قيل أداء وقيل قضاء، لأن وقت الأداء هو قبل يوم النحر. والأظهر أنه على وجه الأداء .
قال القرطبى فى تفسيره "ج 2 ص 400 " إن قيل إن صوم أيام التشريق منهى عنه ، كما عليه الشافعى فى قوله الجديد وعليه أكثر أصحابه ، قيل إن ثبت النهى فهو عام يخصص منه المتمتع . بما ثبت فى البخارى ان عائشة كانت تصومها ، وعن ابن عمر وعائشة قالا: لم يرخص فى أيام التشريق أن يُصَمْنَ إلا لمن لم يجد الهدى ، وقال الدار قطنى : إسناده صحيح .
وهو حديث موقوف عليهما ، وروى مرفوعا إلى النبى صلى الله عليه وسلم عنهما ولكن طرقه ضعيفة .
3- أن يكون صوم الأيام الثلاثة بعد أيام التشريق ، قال ابن المنذر : رويناه عن على بن أبى طالب وقاله الحسن وعطاء وكذلك نقول .
4- أن يكون الصوم فى إحرامه بالعمرة - وذلك قبل الإحرام بالحج - فما دام من يريد الصيام محرما جاز له ذلك ، لأن إحرامه بالعمرة كاحرامه بالحج ، وحكى عن أبى حنيفة .
5- هناك قول لأحمد بن حنل بجواز الصيام قبل الإحرام . وذلك من أول أيام العشر، وقال به عطاء وتتلخص الأقوال فى قولين أساسيين الأول جواز الصوم قبل الإحرام ، وهو المذكور تحت رقم 5 والثانى اشتراط أن يكون الصوم بعد الإحرام ، والإحرام إما أن يكون بالعمرة وهو المذكور تحت رقم 4 وإما أن يكون الإحرام بالحج ، والقائلون بذلك رأوا أن يكون الصيام قبل يوم النحر، وهم الجمهور وهو المذكور تحت رقم 1 ، وأجاز بعضهم أن يكون بعد يوم النحر، إما فى أيام التشريق - للضرورة أو الحاجة وهو المذكور تحت رقم 2 ، وإما بعد أيام التشريق وهو المذكور تحت رقم 3 .
ورأى الجمهور أقوى ، ولا مانع من الأخذ بغيره عند الضرورة أو الحاجة "راجع تفسير القرطبى ج 2 ص 399 "

(9/352)


الحج وتزويج الولد

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
معى مبلغ من المال أستطيع أن أحج به ، ولكن عندى ولد يستحق الزواج ، فهل يمكن أن أعطيه هذا المبلغ للزواج ويسقط عنى الحج ؟

الجواب
من المعلوم أن الله سبحانه فرض الحج على المستطيع ، وحذر من قصَّر فيه كما يدل عليه قوله تعالى{ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلا} آل عمران : 97 ، وقال جمهور الفقهاء : إن الحج واجب على الفور، يأثم الإنسان بتأخيره ، وقال الشافعى :
واجب على التراخى ، لو أخره لا حرمة عليه ولكن يكون عالقًا بذمته لا يبرأ حتى يؤديه ، وإن مات وجب الحج عنه ، أما مساعدة الولد أو البنت على الزوج فهى سنة ليست واجبة ، وإذا تعارض الواجب مع السنة قدم الواجب ، وهذا محل اتفاق بين الجميع

(9/353)


الحج عن الغير أو للغير

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
والدى عنده مبلغ من المال يكفيه للحج ولكنه عاجز عن أداء الفريضة صحيًّا ، فهل يصح ان أحج عنه ، ولو دعانى ابنى الذى يعمل فى السعودية للحج على نفقته ، فهل يصح ان أجعل هذه الحجة لوالدتى مع أنها ليست من مالى؟

الجواب
من عجز عن أداء الحج بنفسه لمرض أو شيخوخة أو غيرهما وعنده القدرة المالية يجب عليه أن ينيب غيره ليحج عنه ، بدليل الحديث الذى رواه الترمذى بسند صحيح عن الفضل بن عباس رضى الله عنهما أن امرأة من خثعم قالت : يا رسول الله إن فريضة الله على عباده فى الحج أدركت أبى شيخا كبيرا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة ، أفأحج عنه ؟ قال "نعم " .
وكذلك إذا مات من استطاع أن يحج ولم يحج يجب أن يحج عنه غيره حتى لو لم يوص بذلك على ما رآه جمهور الفقهاء، وتخرج النفقات من التركة وتقدم على الميراث لأنها دين . روى البخارى عن ابن عباس رضى الله عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبى صلى الله عليه وسلم فقالت : إن أمى نذرت أن تحج ولم تحج حتى ماتت ، أفأحج عنها؟ قال "نعم ، حجى عنها ، أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيته ؟ اقضوا فالله أحق بالوفاء " .
هذا عن الحج عن الغير، أو الحج الواجب ، أما الحج للغير وهو الحج المندوب الذى يريد الحاج أن يهدى ثوابه لأحد أقاربه أو لغيره ممن ماتوا ولم يكن الحج واجبا عليهم -فيجوز أيضا، ويستوى فى ذلك أن تكون نفقات الحج من الشخص نفسه أو من شخص اخر أو جهة أخرى ، وإن كان للمتبرع بهذه النفقات ثواب أيضا .
ويشترط فى كلا الأمرين -الحج عن الغير والحج للغير-أن يكون القائم به قد سبق له الحج عن نفسه وسقطت عنه الفريضة ، فإن لم يكن قد أداها حسبت الحجة له هو، على ما رآه جمهور الفقهاء وليس للغير فيها نصيب من سقوط الحج عنه أو وصول الثواب إليه ، والدليل على ذلك ما رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقى وصححه عن ابن عباس رضى الله عنهما أن الرسول صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول : لبيك عن شبرمة ، فقال له "من شبرمة"؟ قال : أخ أو قريب لى ، قال " أحججت عن نفسك "؟ قال لا، قال "فحج عن نفسك ثم حج عن شبرمة " هذا، والحج الواجب عن الغير إن كان ميتا لا يشترط فيه أن يكون قد أوصى به لأن الدَّين يجب قضاؤه مطلقا ، وكذلك سائر الحقوق المالية من كفارة أو زكاة أو نذر فالظاهر أن دين الحج مقدَّم على دين الآدمى إذا كانت التركة لا تتسع للحج والدين ، لقول النبى صلى الله عليه وسلم فى حديث الجهنية السابق "فالله أحق بالوفاء" والإمام مالك لا يوجب الحج عن الغير من تركته إلا إذا أوصى، أما إذا لم يوص فلا يحج عنه ، وحجته أن الحج عبادة غلب فيها جانب البدنية فلا يقبل النيابة كالصلاة وإذا أوصى كان الحج من الثلث .
ومما سبق يعلم أن المرأة يجوز أن تحج عن الرجل ، وأن الرجل يجوز أن يحج عن المرأة ، حيث لا يوجد نص يخالف ذلك

(9/354)


المبيت بالمزدلفة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
قد يحدث ارتباك عند الإفاضة من عرفة فلا يتمكن بعض الحجاج من مغادرتها إلى مزدلفة حتى يطلع الفجر بل حتى تشرق الشمس ، وبهذا لا يبيتون بالمزدلفة ليلة العيد، فماذا يفعلون ؟

الجواب
المزدلفة موضع بين عرفة ومِنى، وهى اَخر حدود الحرم المكى ، وكان الحُمْسُ أى المتشددون فى الدين من العرب وهم قريش ومن أخذ مأخذها من القبائل كالأوس والخزرج وخزاعة وثقيف ، يقفون بها ولا يقفون بعرفة كبقية الناس ، قائلين نحن قطين الله اى جيران بيته فلا نخرج من حرمه ، فأمرهم الله أن يقفوا ويفيضوا من عرفة كما قال تعالى{ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس } البقرة : 199 ، ولما أفاض النبى صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع من عرفة ووصل إلى شعب الأذاخر قبل المزدلفة نزل وتوضأ وضوءا خفيفا ، فذكَّره أسامة الصلاة فقال "الصلاة أمامك " حتى أتى مزدلفة ، وهى المسماة بجمع ، قيل لأن آدم وحواء اجتمعا فيها فأزلف إليها، أى قرب منها، وقيل : لأنه يجمع فيها بين صلاتى المغرب والعشاء ، وقيل : لأن الناس يجتمعون فيها ويزدلفون إلى الله أى يتقربون إليه بالوقوف بها ، فصلى بها الرسول صلى الله عليه وسلم المغرب والعشاء قصرا ورقد بقبة ليلته متعبا، ولما طلع الفجر صلى ثم أتى المشعر الحرام وظل واقفا حتى أسفر الفجر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس .
وكان صلى الله عليه وسلم قد أذن لبعض النساء بالذهاب إلى مِنى قبل الزحام ورمين جمرة العقبة قبل الفجر، يقول القسطلانى والزرقانى : اختلف السلف فى ترك المبيت بالمزدلفة، فقال علقمة والنخعى والزهرى والشعبى - وهم من التابعين -من تركه فاته الحج ويجعل إحرامه عمرة . وقال عطاء والزهرى وقتادة - من التابعين أيضا - والشافعى والكوفيون - أبو حنيفة وأصحابه -وإسحاق بن راهويه : عليه دم ، ومن بات بها لم يجز له الدفع قبل مضى النصف الأول من الليل ، وقال مالك البيات بها مستحب . إن مر بها فلم ينزل فعليه دم ، وإن نزل ولو بقدر حط الرحل فلا دم عليه متى دفع "ج 8 ص 188 " .
والنووى صحح فى زيادة الروضة وشرح المهذَّب أن المبيت بمزدلفة واجب ، لو فات وجب فيه دم ، وفقه كلام الرافعى والمنهاج أنه سنة لا شىء فى فواته ، وكل ذلك إذا لم يكن عذر، ومنه تأخر المواصلات قياسا على ما قاله صاحب "كفاية الأخبار " فى فقه الشافعية فيمن وصل إلى عرفة ليلة النحر واشتغل بالوقوف عن المبيت بمزدلفة فلا شىء عليه .
من هذا نعلم أن هناك خلافا بين الفقهاء فيمن فاته المبيت بمزدلفة ، فبعض التابعين تشدد وقال : فاته الحج وأتمه عمرة ، وقال بعض الأئمة : من فاته فقد فاته واجب يجبر بدم ، وحجه صحيح ، وقال مالك : المبيت مستحب ، ومن مر لم ينزل فعليه د م .
وقال بعض الفقهاء : إن المبيت سنة وليس بواجب ولا شىء فى فواته حتى لو لم يكن عذر، وعند العذر لا يجب بتركه شىء

(9/355)


الحج بدون الزيارة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
لم أتمكن بعد الحج من زيارة الرسول صلى الله عليه وسلم فهل يعتبر حجى ناقصا وهل يعتبر ذلك جفوة للنبى صلى الله عليه وسلم ؟

الجواب
أما الحج فهو صحيح بدون زيارة النبى صلى الله عليه وسلم وزيارته إما زيارة لمسجده ، وإما زيارة لقبره ، وزيارة مسجده سنة ، لأنه من المساجد التى تشد إليها الرحال ، حيث يضاعف الله فيه ثواب الصلاة فيكون بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام كما ثبت الحديث الصحيح الذى رواه مسلم .
وأما زيارة قبره فهى سنة، لأن زيارة القبور بوجه عام مندوبة للعبرة والموعظة ، وزيارة قبره اَكد وأعظم ، فقد وردت فيها أحاديث كثيرة وإن كانت ضعيفة، فكثرتها تعطيها قوة ومن هذه الأحاديث المتصلة بالحج " من حج ولم يزرنى فقد جفانى" جاء فى شرح الزرقانى للمواهب "ج 8 ص 298" أن هذا الحديث ذكره ابن عدى فى " الكامل " وابن حبان فى " الضعفاء " والدارقطنى فى "العلل ، غرائب الرواة " عن مالك وآخرين ، كلهم عن ابن عمر مرفوعا - أى مسندا إلى النبى صلى الله عليه وسلم - ولا يصح إسناده .
ثم قال : وعلى فرض ثبوته فإن عبارة " فقد جفانى" توهم فى ظاهرها وجوب الزيارة ، لأن الجفوة إيذاء وإزالته واجبة ، فتكون الزيارة لإزالة الأذى واجبة ، لكن لم يقل أحد بوجوبها إلا الظاهرية .
فالخلاصة أن الحج بدون زيارة النبى صلى الله عليه وسلم صحيح ، والزيارة سنة ، والحديث ضعيف

(9/356)


الأضحية

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل صحيح أنه يجب على من يريد أن يذبح أضحية أن يمتنع عن الأمور المحرمة على الحاج من قص الشعر والظفر ونحوه ؟

الجواب
لقد مر الحديث عن الأضحية باستفاضة فى المجلد الأول من هذه الفتاوى وبخصوص ما ورد فى السؤال روى الجماعة إلا البخارى عن أم سلمة رضى الله عنها أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " إذا رأيتم هلال ذى الحجة وأراد أحدكم أن يضحى فليمسك عن شعره وأظفاره " وفى رواية لمسلم " من كان له ذبح - بكسر الذال - يذبحه فإذا أهلَّ هلال ذى الحجة فلا يأخذن من شعره وأظفاره حتى يضحى " .
تتلخص أقوال العلماء فى قص الشعر والظفر لمن أراد أن يضحى فيما يأتى :
1- قال الشافعى : إنه مكروه كراهة تنزيه ، أى لا عقاب فيه ، وذلك بناء على الحديث المذكور، حيث حمل النهى فيه على الكراهة لا على الحرمة ، ويؤكده حديث عائشة الذى رواه الجماعة أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يبعث بهدية من المدينة ولا يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم .
2- وقال أحمد بن حنبل وبعض أصحاب الشافعى : إنه حرام ، حيث حملوا النهى فى الحديث على التحريم . لكن ماذا يفعلون بحديث عائشة المذكور؟ 3- وقال أبو حنيفة : لا يكره الحلق والتقصير ، لكن الحديث يرد عليه .
4- أما الإمام مالك : فروى عنه القول بعدم الكراهة كما قال أبو حنيفة ، وروى عنه قول بالحرمة فى التطوع دون الواجب .
يؤخذ من مجموع هذه الأقوال أن قَصَّ الشعر أو الظفر لمن يريد أن يضحى ليس حراما عند جمهور الفقهاء ، فهو إما مباح وإما مكروه عندهم ، ولا يجوز التعصيب لرأي فقهى وبخاصة إذا كان الجمهور لا يقول به

(9/357)


محظورات الإحرام وجزاؤها

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هى الأمور الممنوعة على المحرم بالحج أو العمرة ؟ وما جزاء من ارتكب شيئا منها؟

الجواب
المحظورات فى الإحرام جاء بعضها فى القرآن وجاء كثير منها فى السنة النبوية ، وإليك هذه المحظورات التى فيها جزاء دنيوى :
1-الجماع ، وقد مر حكمه .
2- لبس المخيط أو المحيط ، كالقميص والسروال والقباء والجبة والبرنس ، وكذلك الخف والحذاء ، روى البخارى ومسلم عن ابن عمر رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " لا يلبس المحرم القميص ولا العمامة ولا البرنس -كل ثوب رأسه منه - ولا السراويل ، ولا ثوبا مسه ورس - نبت أصفر طيب الرائحة يصبغ به - ولا زعفران ، ولا الخفين ، إلا أن يجد نعلين فليقطعهما حتى يكون أسفل من الكعبين " .
والإجماع أن هذا خاص بالرجل ، أما المرأة فتلبس كل ذلك ما عدا ما مسه طيب ، وما عدا النقاب والقفازين . لقول ابن عمر رضى الله عنهما : نهى النبى صلى الله عليه وسلم النساء فى إحرامهن عن القفازين والنقاب ، وما مس الورس والزعفران من الثياب ، ولتلبس بعد ذلك ما أحبت من ألوان الثياب ، من معصفر أو خز - حرير - أو حلى ، أو سراويل أو قميص أو خف رواه أبو داود والبيهقى والحاكم وصححه - قال البخارى : ولبست عائشة الثياب المعصفرة وهى محرمة وقالت :
لا تتلثم ، ولا تتبرقع ، ولا تلبس ثوبا بورس ولا زعفران . وعند البخارى وأحمد أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " لا تنتقب المرأة المحرمة ولاتلبس القفازين " ومعنى ذلك أن إحرامها فى وجهها وكفيها ، قال العلماء ، إن سترت وجهها بشىء فلا بأس ، على ألا يكون. نقابا مفصلا كالمعتاد .
وبخاصة عند الرجال الأجانب . فقد روى ابو داود وابن ماجه أن عائشة رضى الله عنها قالت : كان الركبان يمرون بنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم محرمات ، فإذا حاذوا بنا سدلت إحدانا جلبابها - أى الملحفة - على وجهها، فإذا جازوا بنا كشفناه .
وممن قال بجواز سدل الثوب مالك والشافعى وأحمد .
وإذا لم يجد الرجل الإزار والرداء أو النعلين لبس ما وجده للضرورة، فقد روى البخارى ومسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم خطب بعرفات وقال " إذا لم يجد المسلم إزارا فليلبس السراويل ، وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين " وجاء فى رواية لأحمد أن النبى صلى الله عليه وسلم لم يقل عن الخفين " وليقطعهما" ومن هنا قال أحمد :يجوز للمحرم لبس الخف والسراويل إذا لم يجد النعلين والإزار بدون قطع النعلين ولا فدية عليه . لكن جمهور الفقهاء اشترط قطع الخف ليكون كالنعل بناء على حديث ابن عمر المتقدم رواه البخارى ومسلم . والحنفية يوجبون شق السراويل إذا لم يجد الإزار ، فإن لبسها دون شق لزمته الفدية . والشافعى ومالك لا يريان وجوب شقها، لأن النص كان على قطع الخفين وبناء على رواية جابر بن زيد عن ابن عباس أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " إذا لم يجد إزارا فليلبس السراويل ، وإذا لم يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين " رواه النسائى بسند صحيح ، فإذا لبس السراويل ووجد الإزار لزمه خلع السراويل [ الإزار هو الثوب الذى يستر أسفل الجسم والرداء هو الثوب الذى يستر أعلى الجسم ] وإذا لم يجد رداء لم يلبس القميص ، بل يظل عاريا ، فليس أعلى الجسم عورة .
3- عقد النكاح لنفسه أو لغيره بأى وجه من الوجوه ، ويقع العقد باطلا لا تترتب عليه اَثاره الشرعية، ودليله حديث رواه مسلم وغيره عن عثمان بن عفان رضى الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم " قال " لا يَنكح المحرم ولا يُنكح ولا يخطب " ولم يجىء فى رواية الترمذى " ولا يخطب " وهو حديث حسن صحيح . وقال بهذا الحكم جمهور الفقهاء : مالك والشافعى وأحمد ، ولا يعترض عليه بما روى أن النبى صلى الله عليه وسلم تزوج ميمونة وهو محرم ، فإن الرواية الصحيحة عن مسلم أنه تزوجها وهو حلال .
قال الترمذى : اختلفوا فى تزوج النبى صلى الله عليه وسلم ميمونة حيث تزوجها فى طريق مكة، فقال بعضهم : تزوجها وهو حلال ، وظهر أمر تزويجها وهو محرم ، ثم بنى بها وهو حلال فى"سرف "فى طريق مكة .
والحنفية خالفوا الجمهور وأجازوا عقد النكاح للمحرم ، وليس لهم دليل على ذلك وقالوا :
الممنوع هو الجماع وليس العقد .
4 ، 5 - تقليم الأظفار وإزالة الشعر بالحلق أو القص أو بأية طريقة أخرى ، سواء كان الشعر فى الرأس أم فى أى موضع آخر من الجسد، قال تعالى { ولا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله } البقرة : 196 ، هذا دليل حلق الشعر أما دليل تقليم الظفر فهو الإجماع ، فيحرم من غير عذر، فإن انكسر فله إزالته من غير فدية ، وكذلك لو كان يتأذى بشعره فله إزالته ، لكن فى الإزالة فدية للنص عليه ، قال تعالى { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نسك } البقرة : 196 ، وهذا الحكم للرجل والمرأة . واستثنى من الفدية شعر العين إذا تأذى به كما قال الجمهور، وأوجبها مالك .
6- الطيب فى الثوب أو البدن ، ودليله ما رواه البزار بسند صحيح أن عمر رضى اللّه عنه وجد ريح طيب من معاوية وهو محرم ، فقال له :
ارجع فاغسله ، فإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول " الحاج الشعث التفل " والشعث هو البعيد العهد بتسريح شعره وغسله ، والتفل هو، الذى ترك الطيب والتنظيف ، وقال صلى الله عليه وسلم " أما الطيب الذى بك فاغسله عنك ثلاث مرات " رواه البخارى ومسلم .
وإذا مات المحرم لا يوضع الطيب فى غسله ولا فى كفنه كما قال الجمهور ، وأجازه أبو حنيفة ، ودليل الجمهور قوله صلى الله عليه وسلم فيمن مات محرما " لا تخمروا رأسه ولا تمسوه طيبا، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيا " هذا فى الطيب الذى يوضع بعد الإحرام ، أما وضعه قبله فلا بأس به حتى لو بقى أثره بعد الإحرام . ففى حديث متفق عليه عن عائشة :
كأنى أنظر إلى وبيص الطيب فى مفرق رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أيام وهو محرم .
وهذا الحكم هو فى وضع الطيب فى البدن أو الثوب ومثل ذلك لبس ثوب مصبوغ بما له رائحة طيبة، إلا أن يغسل وتزول رائحته ، وكذلك وضعه فى مطبوخ أو مشروب يحرم وفيه الفدية إن بقيت رائحته كما قال الشافعية ، وخالفهم الحنفية لأنه لم يقصد به الترفه بالطيب ، "راجع ص 539من المجلد الخامس من هذه الفتاوى " .
7- التعرض للصيد البرى بقتل أو تنفير أو دلالة عليه إن كان غير مرئى ، وكذلك إفساد بيض الحيوان البرى وبيعه وشراؤه وحلب لبنه .
أما صيد البحر فلا حرمة فيه ، قال تعالى { أحل لكم صيد البحر وطعامه متاعا لكم وللسيارة وحرَّم عليكم صيد البر ما دمتم حرما } المائدة : 96 ، وكذلك يحرم الأكل من هذا الصيد الذى صاده أو صيد له أو بمعونته ، فقد روى البخارى ومسلم عن أبى قتادة أنه كان مع جماعة محرمين فاصطاد حمار وحش ، وأكلوا منه ولما أخبروا الرسول بذلك أجاز أكلهم حيث لم يأمروا الصائد بذلك وروى أحمد والترمذى عن جابر أن النبى صلى الله عليه وسلم قال " صيد البر لكم حلال وانتم حرم ما لم تصيدوه أو يصد لكم " . وهذا هو رأى جمهور الفقهاء .
8- ومن ارتكب شيئا من هذه المحظورات فجزاؤه كما يأتى :
صيد الحرم وقطع شجره -إن الصيد المذكور من قبل هو الصيد الواقع من المحرم ويستوى فيه ما صيد فى الحل وما صيد فى الحرم .
أما صيد الحرم وقطع شجره فيستوى فيه المحرم وغير المحرم ، والممنوع بالنسبة للشجر هو الشجر الذى لم يستنبته الآدميون عاده .
ومثله قطع الرطب من النبات حتى الشوك ، إلا الإذخر والسنا فلا مانع من التعرض لهما .
ودليله ما رواه البخارى أن النبى صلى الله عليه وسلم قال يوم فتح مكة " إن هذا البلد حرام ، لا يعضد شوكه ، ولا يختلى خلاه ، ولا ينفر صيده ، ولا تلتقط لقطته إلا لمعرِّف " واستثنى الإذخر كطلب العباس .
وما استنبته الآدميون يجوز قطعه على رأى الجمهور، وتفصيل الجزاء يرجع فيه إلى كتب الفقة على رأى من يقول بالجزاء ، أما من لا يقول به فأوجب الاستغفار . راجع ص 357 من المجلد الخامس من هذه الفتاوى .
أما الجماع فقد مر حكمه ؟ وأما لبس المخيط وتقليم الأظفار وإزالة الشعر والتطيب ففيه فدية جاءت فى قوله تعالى { فمن كان منكم مريضا أو به أذى من رأسه ففدية من صيام أو صدقة أو نُسك } البقرة : 196 ، والنسك هو الذبح ، والفدية على التخيير بين هذه الأمور الثلاثة : ذبح شاة ، أو إطعام ستة مساكين ، كل مسكين نصف صاع ، أو صيام ثلاثة أيام . روى البخارى ومسلم عن كعب بن عُجرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر به زمن الحديبية ، فقال " قد آذاك هوام رأسك " ؟ قال : نعم ، فقال " احلق ثم اذبح شاة أو صم ثلاثة أيام ، أو أطعم ثلاثة آصع من تمر على ستة مساكين " وجاء فى رواية لأبى داود أن الآية نزلت فيه ، والإطعام فيها هو فرق من زبيب ، والفرق مكيال يسع ستة عشر رطلا عراقيا .
وإذا كان هذا الحكم فى المعذور فقد قاس الشافعى عليه غير المعذور . وأبو حنيفة أوجب الدم على غير المعذور إن قدر عليه .
هذا ، ويلاحظ فى الشعر أن يكون المزال ثلاث شعرات فأكثر حتى تجب فيه الفدية المذكورة ، أما إزالة شعرة واحدة ففيها مُد كما قال الشافعى ، وفى الشعرتين مُدان ، وفى الثلاثة فصاعدا دم . ووضع الدهن فى الشعر إن كان بزيت خالص أو خل خالص يجب فيه الدم ، أما وضعه فى غير شعر الرأس واللحية فلا شىء فيه عند الشافعية وفيه الدم عند الحنفية .
كما يلاحظ أن لبس المخيط والتطيب لاشىء فيه عند الجهل بالتحريم أو عند نسيان الإحرام فقد روى الجماعة إلا ابن ماجه أن رجلا أحرم بالعمرة وعليه جبة وهو مصفر لحيته ورأسه ، فسأل الرسول صلى الله عليه وسلم بالجعرانة عن ذلك فقال " اغسل عنك الصفرة وانزع عنك الجبة، وما كنت صانعا فى حجك فاصنع فى عمرتك " وقال عطاء :
إذا تطيب أو لبس -جاهلا أو ناسيا-فلا كفارة عليه . رواه البخارى .
وهذا بخلاف قتل الصيد مع الجهل أو النسيان ففيه الجزاء ، لأن ضمانه ضمان مال فيستوى فيه العلم والجهل ، والعمد والنسيان كضمان مال الآدميين .
أما الصيد فقد جاء فى جزائه قوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حُرم ومن قتله منكم متعمدا فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديا بالغ الكعبة أو كفارة طعام مساكين أو عدل ذلك صياما ليذوق وبال أمره عفا الله عما سلف ومن عاد فينتقم الله منه واللّه عزيز ذو انتقام } المائدة : 95 .
قال ابن كثير : الذى عليه الجمهور أن العامد والناسى سواء فى وجوب الجزاء عليه ، والآية تدل على أن الجزاء على المتعمد ، والسنة من أحكام النبى صلى الله عليه وسلم وأصحابه بوجوب الجزاء فى الخطأ .
وقتل الصيد إتلاف ، والإتلاف مضمون فى العمد والنسيان ، لكن الفرق بينهما أن التعمد فيه إثم دون النسيان ، وتفصيل الجزاء وبيان المثلية من النعم يرجع فيه إلى كتب الفقه

(9/358)