صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


المصدر : موقع وزارة الأوقاف المصرية
http://www.islamic-council.com

أخذ الفأل من المصحف

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز أخذ الفأل من المصحف ؟

الجواب
الفأل -كما يقول الماوردى فى كتابه " أدب الدنيا والدين " فيه تقوية للعزم وباعث على الخير ، ومعونة على الظفر . وقد جاء فى السنن والآثار أن النبى صلى الله عليه وسلم كان يحب الفأل الحسن ، ويسأل عن اسم الرجل والبلد ، فإن كان حسنا استبشر وفرح ، وإلا رؤيت الكراهة فى وجهه . وحوادثه فى ذلك كثيرة ، فقد تفاءل عندما جاءه سهيل بن عمرو فى الحديبية وقال " سهل لكم من أمركم " وتفاءل يوم خيبر لما رأى مكاتلهم فى مساحيهم ، كما ذكره ابن القيم فى " زاد المعاد " وحسَّنه ، ويمكن الاطلاع على كتاب " مفتاح دار السعادة " لابن القيم ففيه معلومات كثيرة 0 وإذا كان النبى صلى الله عليه وسلم يرتاح للاسم الحسن فليس معنى ذلك أنه يربط هذا السبب بنتيجة محققة دون تدخل لإرادة الله سبحانه ، فقد نهى عن ذلك فيما كان عليه العرب من التطير والرقى والتمائم والعدوى وغيرها ولهذا روى عنه أن الذى يتطير أو يتشاءم يُسَنُّ له أن يقول : اللهم لا طير إلا طيرك ، ولا خير إلا خيرك ، ولا إله غيرك ، اللهم لا يأتى بالحسنات إلا أنت ، ولا يذهب بالسيئات إلا أنت ، ولا حول ولا قوة إلا بك . ثم يذهب لحاجته فلن يضره شىء .
وذلك تذكير للإنسان بوحدانية الله سبحانه ، وأنه هو وحده الذى يملك الخير والشر، ولا تأثير لهذه الأمور بذاتها . ومن هنا حرم الإسلام محاولة معرفة المستقبل عن طريق الكهانة والعرافة والتنجيم وضرب الرمل والورق وغيرها .
ووردت فى ذلك أحاديث كثيرة وقال العلماء : لا يجوز أخذ الفأل من المصحف مع هذا الاعتقاد ، وجاء فى كتاب "أدب الدنيا والدين " للماوردى أن الوليد ابن يزيد بن عبد الملك تفاءل يوما فى المصحف ، فخرج قوله تعالى { واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد } إبراهيم : 51 ، فمزق المصحف وأنشأ يقول :
أتوعدنى بجبار عنيد * فها أنذاك جبار عنيد .
إذا ما جئت ربك يوم حشر * فقل : يا رب مزقنى الوليد .
فلم يلبث أياما حتى قتل شر قتلة ، وصلب رأسه على قصره ثم على سور بلده .
هذا ، وقد يحدث أن بعض الناس يعملون استخارة بالمصحف ، بأن يربطوه على مسمار ، ثم يحمله المسمار على أحدى الأصابع ، ويقولوا كلاما فيتحرك المصحف ويدور يمينا أو يسارا ، ومن هنا يعرفون إن كان الموضوع الذىَ عملت له الاستخارة خيرا أو شرا .
وهذا كله لم يأت خبر صحيح بجوازه ، والاستخارة الشرعية معروفة وهى صلاة ركعتين ، ثم الدعاء بعدهما بالدعاء المعروف الوارد عن النبى صلى الله عليه وسلم وسنفصلها فى موضع آخر إن شاء الله

(7/463)


الطهارة لحمل المصحف

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نريد تفسير قوله تعللى{إنه لقرآن كريم . فى كتاب مكنون .لا يمسه إلا المطهرون } ؟

الجواب
اتفق الأئمة على حرمة حمل المصحف ومسه للحائض و النفساء والجنب ، ولم يخالف فى ذلك واحد من الصحابة ، لكن جوزه داود وابن حزم الظاهرى .
ومما استدل به الأئمة قول الله تعالى { إنه لقرآن كريم * فى كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون } الواقعة : 77-79 ، بناء على أن المراد بالكتاب هو المصحف ، وأن المس هو اللمس الحسى المعروف .
وقد نوقش هذا الدليل بأن الكتاب المكنون فسره بعضهم باللوح المحفوظ ، والمطهرون هم الملائكة . أو أن الكتاب لو أريد به المصحف فالمطهرون هم المطهرون من الشرك ، لأن المشركين نجس وصحح ابن القيم فى كتابه " التبيان فى أقسام القرآن ص 141 " أن المراد بالكتاب هو الذى بأيدى الملائكة ، وأورد فى ذلك عشرة وجوه ذكرتها فى الجزء الثانى من موسوعة الأسرة .
كما استدل الأئمة بحديث عمرو بن حزم فى الكتاب الذى أرسله النبى معه إلى اليمن وفيه " لا يمس القرآن إلا طاهر " رواه النسائى والدارقطنى ، وقال ابن عبد البر : إنه أشبه بالمتواتر ، لتلقى الناس له بالقبول ، وقال بعض العلماء : إن إسناده حسن ، لكن النووى حكم بضعفه ، لأن فى إسناده راويا ضعيفا .
واستدلوا أيضا بحديث ابن عمر مرفوعا " لا تمسَّ القرآن إلا وأنت طاهر " ذكره الهيثمى فى " مجمع الزوائد " وقال : رجاله موثقون .
وقال الحافظ : إسناده لا بأس به لكن فيه راو مختلف فيه . ودليل داود وابن حزم على عدم حرمة حمله ومسه ما ثبت فى الصحيحين أن النبى صلى الله عليه وسلم بعث كتابا إلى هرقل فيه آية { قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء ... } وهو وغيره ممن أرسلت إليهم الكتب لا يتطهرون من الجنابة ، وأجاب الأئمة على ذلك بأن الرسالة لا تسمى مصحفا ولا مانع من ذلك مثل حمل كتب الدين التى فيها قرآن . من هنا نرى أن حمل المصحف أو مسه للحائض والجنب أدلة تحريمه لم تسلم من المناقشة ، واحتراما للمصحف يكون حمله أو مسه لغير المتطهر مكروها على الأقل ، هذا فى حال الجنابة ، أما إذا كان هناك حدث أصغر فالحكم كما يلى :
1 - جمهور العلماء على حرمة مس المصحف وحمله ، وذهب إليه مالك والشافعى وأبو حنيفة فى إحدى الروايتين عنه ، وأدلتهم هى الأدلة السابقة بالنسبة للجنب .
2 - جوز بعض العلماء ذلك ، وذهب إليه أبو حنيفة فى إحدى الروايتين عنه ، كما جوزه داود بن على .
وقد استشنى بعض المحرمين لحمل المصحف ومسه مع الحدث الأصغر- الصبيان الذين لم يبلغوا الحلم ، لحاجتهم إلى حفظ القرآن وتيسيره عليهم ، على أن الصبى لو تطهر فطهارته ناقضة لعدم صحة النية منه ، ويقاس عليهم الكبار المحتاجون لحفظ القرآن ، أما من أجل التعبد فلا بد من الطهارة .
هذا ، وقراءة القرآن بدون مس للمصحف أو حمله جائزة لمن عليه حدث أصغر ، وذلك باتفاق الفقهاء ، وإن كان الأفضل الطهارة ، وبخاصة إذا كان يقصد التعبد ، فالعبادة مع الطهارة أكمل وأرجى للقبول . "راجع الجز الثانى من كتابى : موسوعة الأسرة تحت رعاية الإسلام " ففيها توضيح أكبر

(7/464)


البكاء عند تلاوة القرآن

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
رأت حديثا يقول "إذا قرأتم القرآن فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا ، فإن لم تتباكوا فتغنوا به ، فمن لم يتغن به فليس منا "فهل هذا حديث صحيح ؟

الجواب
هذا الحديث في سنن ابن ماجه ، وهو مروى عن سعد بن أبي وقاص عن النبي صلى الله عليه وسلم ذكره الحافظ المنذرى في كتابه "الترغيب والترهيب " بصيغة "رُوى" مما يدل على أنه غير صحيح ، وإن كان بعض أجزائه صحيحًا، فقد روى مسلم "من لم يتغن بالقرآن فليس منا" والمراد بالتغنى والتحزن والخشوع ، لا التطريب المعروف الذى يخرج اللفظ عن قواعد النطق الصحيح ، قال الحافظ العراقي في تخريج أحاديث " الإحياء" حديث "اقرءوا القرآن فابكوا فان لم تبكوا فتباكوا" إسناده جيد .
والخلاصة أنه إن لم يكن صحيحًا فهو حسن يقبل في فضائل الأعمال

(7/465)


الإسرائيليات فى الكتب الدينية

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هى الإسرائيات التي وضعت في الكتب الدينية، وهل يجوز الاستشهاد بها، وهل هناك كتب مليئة بها يجب تجنب الاطلاع عليها ؟

الجواب
الإسرائيليات منسوبة إلى بني إسرائيل ، وهم اليهود . وكانت لهم مكائدهم وطرقهم في معارضة الإسلام ، ولبس بعضهم مسوح المسلمين ومارسوا نشاطهم الكيدي كعبد اللَّه بن سبأ. وانخدع بهم بعض المسلمين فساروا في هذا الطريق ، ومنهم أبو عصمه نوح ابن مريم الذي وضع أحاديث في فضل سور القرآن لا أصل لها بالمرة ، وبرر عمله هذا بأنه رأى الناس أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبي حنيفة ومغازى ابن إسحاق ، فوضع الأحاديث حسبة لترغيب الناس في القرآن .
واقترح مجمع البحوث الإسلامية في يناير 1968 م تقديم بحوث تسهم في إحياء ذكرى مرور أربعة عشر قرنًا على القراَن ، فوضع المرحوم الشيخ محمد الذهبي كتابًا عن الإسرائيليات في التفسير والحديث . وذكر حكم روايتها وأشهر رواتها ، وذكر أن لليهود ضلعًا كبيرًا فيها ، لأنهم حرفوا التوراة وحاولوا أن يحرفوا القراَن في لفظه أو معناه ، وأن العرب تأثروا بثقافة أهل الكتاب ، ودخلت الإسرائيليات إلى التفسير والحديث عند ما بدئ تدوينهما ، فملئت الكتب بالغرائب والأكاذيب .
وقد حذرنا الرسول صلى الله عليه وسلم من الاعتماد على أكاذيبهم ، ففي البخاري حديث " لا تصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم ... " وأخرج أحمد وغيره أن عمر رضي اللَّه عنه أتى الرسول صلى الله عليه وسلم بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب ، فغضب الرسول وقال " أمتهوكون - شاكون متحيرون - فيها يا ابن الخطاب ؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به ، أو بباطل فتسقوه ، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعنى" وروى البخاري نهى ابن عباس عن سؤال أهل الكتاب فالقرآن فيه الكفاية ، ولا يجوز أخذ شيء عنهم إلا ما كان موافقا للدين ، كما تدل عليه النصوص بالآخذ عنهم مثل ، {فاسأل الذين يقرءون الكتاب من قبلك } يونس : 94 ، ومثل " حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ، ومن كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار" رواه البخاري .
والوصية قوية بالحذر عند الرواية عن كعب الأحبار ووهب بن منبه ومحمد بن السائب الكلبي ومقاتل بن سليمان وغيرهم ، وكذلك الكتب التى تنقل الإسرائيليات ولا تبين صدقها أو كذبها ، كتفسير الثعلبي ، وكتابه "العرائس " وتفسير الخازن

(7/466)


زينة السماء

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما تفسير قوله تعالى :{ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح وجعلناها رجوما للشياطين } الملك : 5 ، وبأى شكل ثبت الله الكواكب في السماء وهي جرم غير قابل للخرق والالتئام ، وكيف أمكن وصول الإنسان إلى القمر وهو في السماء ذات الجرم الصلب كما وصفها حكماء اليونان ؟

الجواب
ورد هذا السؤال من طالب من البلاد الإسلامية مقيم في مدينة البعوث بالأزهر سنة 1972 م وكانت الإجابة : إن الآية واضحة المعنى، فاللَّه سبحانه قد جعل في السماء الدنيا نجومًا مضيئة وكواكب سيارة تزينها ، وجعلها رجوما للشياطين إذا حاولوا أن يسترقوا السمع ، على ما جاء في قوله تعالى{وأنا لمسنا السماء فوجدناها ملئت حرسا شديدًا وشهبا . وأنا كنا نقعد منها مقاعد للسمع فمن يستمع الآن يجد له شهابًا رصدًا} الجن : 8 ، 9 ، .
والسماء الدنيا إحدى السموات السبع التي قال اللّه فيها {ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سموات } البقرة : 29 ، وقال تعالى {اللَّه الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن } الطلاق : 12 ، وإذا كانت السماء سقفًا للأرض كما قال تعالى{وجعلنا السماء سقفا محفوظا} الأنبياء : 32 ، وإذا كانت الأرض كروية فالسموات أيضًا كروية والسماء الدنيا أي القريبة من الأرض أصغرها ، وما بعدها أكبر منها وهكذا .
وكل هذه المصابيح الإلهية في السماء الدنيا أي الأولى ، ووجودها محفوظ بقدرة اللَّه كما رفع السماء بغير عمد، فللّه تعالى قوانين ، بها وضع كلا في موضعه ، وجعل له مدارا معينا لا يتعداه : {كل في فلك يسبحون } الأنبياء : 33 ، وتثبيت هذه المصابيح في أماكنها لا يلزم أن يكون بحبل أو سلاسل مادية ، فقدرة اللَّه أكبر من ذلك ، فلا تتصور تثبيتها كما تتصور ثريات المنازل وهي معلقة في السقف ، ولا تنزل عمل اللّه وقدرته على ما تعهده في عالمك الناقص العاجز، وحقيقة السموات ومادتها لا يعلمها إلا اللّه سبحانه ، وكل ما قاله الباحثون ظنون لا تعتمد على دليل صحيح ، وقد آمن كثير من الباحثين المتعمقين بوجود اللَّه عندما عجزوا عن متابعة الكشف عن هذا الكون الواسع ذي الأبعاد التي تعجز عن تحديدها أساليب العلم البشري الحديث .
ومهما يكن من شيء أيها الطالب العزيز فإن اللَّه لم يكلفنا بمعرفة كيفية تثبيت الكواكب والنجوم ولا بمادة السماء، وهي ليست من العقائد التي تسأل عنها . والبحث فيها متروك لكل إنسان حسب طاقته واستعداده وسيصل عند تعميق النظر إلى الإيمان الراسخ بوجود اللّه وقدرته ، وكل حقيقة ثابتة فالقرآن متفق معها ، ولا يجوز أن نقارن بين ما في القرآن وبين الظنون والافتراضات والنظريات التي لم يثبتها الدليل الصحيح

(7/467)


الأمانة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما معنى قوله { إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض} الأحزاب :
72 ، وهل كان العرضى تخييرًا أو إلزامًا وكيف كان الإنسان ظلومًا جهولاً ؟

الجواب
في تفسير الأمانة في هذه الآية أقوال كثيرة، وأرجح منها أنها هي التكاليف الإلهية التي لا تؤدي إلا عن إيمان باللّه الذي أمر بها ويجازي عليها ثوابًا وعقابًا ، ويقرب من هذا أنها هي الإيمان الذي يدفع إلى أداء التكاليف الإلهية . ولعل مما يؤيد هذا القول حديث حذيفة بن اليمان ، قال : حدثنا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم حديثين ، قد رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر... حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال ، ثم نزل القراَن فعلموا من القرآن وعلموا من السنة، ثم حدثنا عن رفع الأمانة" رواه البخاري ومسلم وكما يؤيده حديث "الصلاة أمانة والوضوء أمانة والوزن أمانة" رواه أحمد والبيهقى موقوفًا على ابن مسعود .
وعرض اللّه الأمانة على السموات والأرض والجبال : إن أدوها أثابهم ، وإن ضيعوها عذبهم ، فكرهوا ذلك وأشفقوا من غير معصية، ولكن تعظيمًا لدين اللّه عز وجل ألا يقوموا به . ثم عرضها على آدم فقبلها بما فيها ، قال النحاس : وهذا القول هو الذي عليه أهل التفسير .
ولعل إباء السموات والأرض والجبال للأمانة أساسه - كما قال ابن عباس - خشية التقصير فيها ، لأنها مفطورة على الطاعة ، راضية بما هيئت له من رسالة في الحياة ويوضحه قوله تعالى{ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين } فصلت : 11 ، وهذا يلتقى مع الرأى القائل بأن العرض معناه مقايسة التكاليف بجهد السموات والأرض والجبال وطبيعتها ، فلم يكن هناك تناسب . أما الإنسان ففي طبيعته تناسب لحمل الأمانة مع ما بلزمها من ثواب على الطاعة وعتاب على المعصية .
وقد قبل الإنسان هذه الأمانة دون أن تعرض عليه ، فلم يصرح القرآن بذلك كما قاله بعض المفسرين ، ولعل مبادرته للقبول كانت تفاؤلا بالتوفيق لأدائها وأملا في عدم التقصير فيها ، ولأن طبيعته التي خلقه اللَّه عليها تتناسب مع قبول هذه التكاليف .
ثم قال العلماء : إن عرض الأمانة على السموات والأرض والجبال كان عرض تخيير أما عرضها على الإنسان فكان عرض إلزام ، وعبرت الآية عن الإنسان الذي حمل الأمانة بأنه ظلوم جهول ، لأنه كان ظلومًا لنفسه بالتقصير الذي آل إليه أمر الكثيرين ، وجهول حين خاطر بحمل الأمانة ولم يدر ما سيكون عليه مستقبل حاله من التقصير الذي يعرض له كل إنسان بدافع من الغرائز التي فطر عليها

(7/468)


تنزلات القرآن

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
كيف ينزل القرآن فى رمضان وفى ليلة القدر، مع أنه نزل على فترات طوال حياة النبى صلى الله عليه وسلم ؟

الجواب
للعلماء فى كيفية نزول القرآن الكريم من اللوح المحفوظ أقوال :
1 -أنه نزل إلى السماء الدنيا ليلة القدر جملة واحدة، ثم نزل بعد ذلك منجما طوال حياة النبى صلى الله عليه وسلم بعد بعثته فى مكة والمدينة، وقال الكثيرون إن هذا القول هو أصح الأقوال ، واستندوا فى ذلك إلى ما ورد بسند صحيح عن ابن عباس رضى اللّه عنهما ، فقد أخرج عنه الحاكم والبيهقى وغيرهما أنه قال : أنزل القرآن فى ليلة القدر جملة واحدة إلى سماء الدنيا، وكان بمواقع النجوم ، وكان اللّه ينزله على رسوله صلى الله عليه وسلم بعضه فى إثربعض . وأخرجا عنه أيضا وكذلك النسائى أنه قال : أنزل القرآن فى ليلة واحدة إلى السماء الدنيا ليلة القدر، ثم أنزل بعد ذلك فى عشرين سنة ثم قرأ : { ولا يأتونك بمثل إلا جئناك بالحق وأحسن تفسيرا} الفرقان : 33 ، { وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا} الإسراء : 106 .
وأخرج الحاكم وابن أبي شيبة عنه أيضا : قال فصل القرآن من الذكر فوضع في بيت العزة من السماء الدنيا، فجعل جبريل ينزل به على النبى صلى الله عليه وسلم .
كما جاءت رايات أخرى عن ابن عباس بأسانيد لا بأس بها تؤكد هذا المعنى ومعنى : " مواقع النجوم " أنه نزل على مثل مساقطها ، مفرقا يتلو بعضه بعضا على تؤدة ورفق .
2 -أنه نزل إلى السماء الدنيا فى عشرين ليلة قدر، أو ثلاث وعشرين أو خمس وعشرين -حسب الاختلاف فى مدة مكث النبى صلى الله عليه وسلم بمكة بعد البعثة-فى كل ليلة قدر ينزل ما يقدر اللّه إنزاله فى كل السنة، ثم نزل بعد ذلك منجما فى جميع السنة، وقد حكى الفخر الرازى هذا القول ، وتوقف فى الأخذ به ، هل هو أولى أو القول الأول .
3-أنه ابتدئ نزوله فى ليلة القدر، ثم نزل بعد ذلك منجما فى أوقات مختلفة .
وهذا القول مروى عن الشعبى .
4 - حكى الماوردى قولا مؤداه : أنه أنزل من اللوح المحفوظ جمله واحدة، وأن الحفظة نجمته على جبريل فى عشرين ليلة ، وأن جبريل نجمه على النبى صلى الله عليه وسلم فى عشرين سنة . وهذا القول غريب ، والمعتمد أن جبريل كان يعارضه فى رمضان بما ينزل به عليه طوال السنة، وهو مروى عن ابن عباس .
هذه جملة من الأقوال صحح ابن حجر فى " فتح البارى " أولها وقال : إنه المعتمد، ثم قال ابن حجر: أخرج أحمد والبيهقى فى الشعب عن واثلة بن الأسقع أن النبى صلى الله عليه وسلم قال : ( أنزلت التوراة لست مضين من رمضان ، والإنجيل لثلاث عشرة خلت منه ، والزبور لثمان عشرة خلت منه ، والقرآن لأربع وعشرين خلت منه ) وفى رواية "وصحف إبراهيم لأول ليلة " قال : وهذا الحديث مطابق لقوله تعالى : { شهر رمضان الذى أنزل فيه القرآن } وقوله : { إنا أنزلناه فى ليلة القدر } فيحتمل أن تكون ليلة القدر فى تلك السنة كانت تلك الليلة، فأنزل فيها جملة إلى سماء الدنيا : ثم أنزل فى اليوم الرابع والعشرين إلى الأرض أول : { اقرأ باسم ربك الذى خلق } .
بعد سرد هذه الأقوال التى روى أكثرها عن ابن عباس يمكن فهم الآيات التى تتحدث عن نزول القرآن أو عن تنزيله ، ويهمنا من كل ذلك أن نقبل على القرآن حفظا وتدبرا، ثم عملا وتطبيقا . وأن يطل متوارثا بيننا بأخذه جيل عن جيل تحقيقا لقوله تعالى ع : { إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون } الحجر: 9

(7/469)


سر نزول القرآن منجما

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
لما أنزل القرآن مجزأ على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم ينزل جملة واحدة ؟

الجواب
نزل القرآن على الرسول صلى الله عليه وسلم منجما أى مجزأ أو مفرقا على مدى ثلاث وعشرين سنة لحكمة جاءت فى قوله تعالى { وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القراَن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا} الفرقان : 32 ، وفى قوله { وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث ونزلناه تنزيلا} الإسراء : 106 .
فالحكمة فى نزوله منجما هى تثبيت قلب النبى صلى الله عليه وسلم على المضى في تبليغ الدعوة وعدم اليأس من تأييد اللّه له ونصره عندما يواجهه المشركون بأنواع العنف . وفى كل وقت كان يتعرض لمثل هذه الأزمة فيفرج اللَّه عنه بجرعة من القرآن الكريم ، فيها التأسى بأولى العزم من الرسل والوعد بالمثوبة والنصر المؤزر، وكذلك لقاؤه مع جبريل يعطيه قوة وطمأنينة .
ومن الحكمة تيسير حفظ القراَن على الرسول والمؤمنين ، لأنهم أميون لا يقرءون ولا يكتبون ، وكل اعتمادهم أو أكثره على الحفظ والرواية ، فإذا نزل على فترات كان ذلك أيسر عليهم فى حفظه واستيعابه ، وفى تدبره أيضا .
وفى تفريقه إعطاء فرصة للكفار أن يتدبروا كل جملة تنزل من آياته ، لعلهم يؤمنون بأنه معجزة، ومن عند اللَّه وحده . فكل مجموعة تنزل بمثابة دليل جديد على صدق الرسالة .
ومن الحكم ملاحقة الأحداث الجارية والإجابة على الأسئلة المتنوعة والطارئة .
وكذلك من الحكم التدرج فى التشريع والتربية ، صح فى البخاري عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : إنما أنزل أول ما أنزل من القرآن سور من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام ، ولو نزل أول ما نزل { لا تشربوا الخمر } لقالوا : لا ندع الخمر أبدا ، ولو نزل " لا تزنوا " لقالوا : لا ندع الزنا أبدا

(7/470)


أحاديث فى فضل سور القرآن

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل من الحديث ما يقال : من قرأ سورة الواقعة فى كل ليلة، لم تصبه فاقة أبدا ؟

الجواب
ذكر القرطبى هذا الحديث فى أول تفسير سورة الواقعة، نقلا عن الثعلبى وغيره ، ولم يحكم عليه بصحة ولا حسن ولا ضعف ، ولم أجده فى الكتب التى تعنى بتخريج الأحاديث .
ومهما يكن من شيء فقراءة سورة الواقعة أو أية سورة لها ثواب عظيم نترك تقديره للَّه سبحانه وتعالى، وقد جاء التصريح ببعض ذلك فى فضل آية الكرسى وأواخر البقرة ، وسورة الكهف وقل هو اللَّه أحد وغيرها، وتقدير الثواب على القراءة من أى موضع من القراَن جاء فى حديث رواه الترمذى عن عبد اللّه بن مسعود " من قرأ حرفا من كتاب اللَّه فله به حسنة والحسنة بعشر أمثالها ، لا أقول : " ألم " حرف ولكن ألف حرف ولام حرف وميم حرف " قال الترمذى : حديث حسن صحيح غريب ، أى رواه راو واحد فقط .
غير أن هناك أخبارا ليست صحيحة النسبة إلى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ، منها ما هو ضعيف ومنها ما هو موضوع مكذوب ، على الرغم من قول الرسول صلى الله عليه وسلم " من كذب على متعمدا فليتبوأ مقعده من النار " رواه البخاري ومسلم .
وقام بوضع هذه الأحاديث جماعة منهم أبو عصمة نوح بن أبى مريم المروزى ومحمد بن عكاشة الكرمانى وأحمد بن عبد اللَّه الجو يبارى .
قيل لأبى عصمة: من أين لك عن عكرمة عن ابن عباس فى فضل سور القراَن سورة سورة؟ فقال : إنى رأيت الناس قد أعرضوا عن القرآن واشتغلوا بفقه أبى حنيفة ومغازى محمد بن إسحاق ، فوضعت الحديث حسبة ، أى أرجو بذلك الثواب من اللّه على سبيل التطوع .
يقول ابن الصلاح فى كتابه " علوم الحديث " : إن من ذلك الحديث الطويل الذى يروى عن كعب عن النبى صلى الله عليه وسلم فى فضل سور القرآن سورة سورة . وقد أخطأ الواحدى المفسر ومن ذكره من المفسرين فى إيداعهم تفاسيرهم

(7/471)


قراءة القرآن بدون تجويد

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
لم أتعلم أحكام قراءة القرآن ، فأنا أقرأ مع مراعاة ضبط الحروف كما هى فى المصحف ، ولكنى لا أعرف القواعد الأخرى لقراءته فما حكم ذلك ؟

الجواب
قال علماء التجويد ، تجويد القرآن الكريم واجب وجوبا شرعيا يثاب القارئ على فعله ويعاقب على تركه ، وهو فرض عين على من يريد قراءة القراَن ، لأنه نزل على نبينا صلى الله عليه وسلم مجودا ، ووصل إلينا كذلك بالتواتر. وقد أخرج ابن خزيمة فى صحيحه عن زيد بن ثابت قال : قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم " إن اللَّه يحب أن يقرأ القرآن كما أنزل " .
قال تعالى { ورتل القرآن ترتيلا} المزمل : 4 ، وقال {ورتلناه ترتيلا} الفرقان : 32 ، والترتيل مأخوذ من قولهم : رتل فلان كلامه إذا أتبع بعضه بعضا على مكث وتفهم من غير عجلة، وقد سئل الإمام على رضى اللّه عنه عن معنى الترتيل فقال : هو تجويد الحروف ومعرفة الوقوف . وقال ابن عباس فى تفسير الآية الأولى : معنى ( رتل القرآن ) بينه . وقال مجاهد تأن فيه .
وقال الضحاك : انبذه حرفا حرفا وتلبث فى قراءته وتمهل فيها وافصل الحرف من الحرف الذى بعده . وقال الإمام الغزالى فى كتابه " الإحياء " : تلاوة القرآن حق تلاوته هو أن يشترك فيه اللسان والعقل والقلب . فحظ اللسان تصحيح الحروف بالترتيل ، وحظ العقل تفسير المعانى ، وحظ القلب الاتعاظ والتأثر. وقال ابن الجزرى :
والأخذ بالتجويد حتم لازم * من لم يجود القرآن آثم لأنه به الإله أنزلا * وهكذا منه إلينا وصلا قال صاحب النشر فى تفسير ما قاله الإمام على فى معنى الترتيل : التجويد هو حلية القراءة، ويكون بإعطاء كل حرف من حروف الهجاء حقه ومستحقه ، أى أنه يجب أن تكون حروفه مرتبة ، ويرد كل حرف إلى مخرجه وأصله ، ويلطف النطق على كمال هيئته من غير إسراف ولا تعسف ، ولا إفراط ولا تكلف . والوقف : هو قطع الصوت على آخر كلمة زمنا يتنفس فيه القارئ أنتهى .
وهذا التجويد يتنافى مع اللحن ، الذى هو الميل عن الصواب ، وهو قسمان :
لحن جلى واضح إذا كان فيه إبدال ، حرف بحرف أو حركة بحركة بحيث يكون هناك إخلال بالمعنى، كالذى ينطق التاء فى (يقنت ) طاء ( يقنط ) وكالذى يضم تاء ( أنعمت عليهم ) .
والقسم الثانى من اللحن لحن خفى لا يدركه إلا المختصون من العارفين بأحكام القراءة، وهو يخل بالأداء ولا يخل بالمعنى، كقصر الممدود وإظهار المدغم وتفخيم المرقق وهكذا .
والتجويد الذى يحفظ من هذا اللحن الخفى مستحب ، ولا يأثم تاركه ، وقيل يأثم عند تعمد هذا اللحن .
والتجويد وبخاصة ما يراعى فيه إعطاء المدود والغنات حقها وما يماثل ذلك يصعب أو يتعذر الاستقلال بمعرفته من الكتب ، بل لابد له من التلقى والمشافهة عن العارفين به

(7/472)


مد الظل

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
قال تعالى { ألم تر إلى ربك كيف مد الظل ولو شاء لجعله ساكنا ثم جعلنا الشمس عليه دليلا . ثم قبضناه إلينا قبضا يسيرا } الفرقان : 45 ، 46، نريد توضيحا لذلك على ضوء العلم الحديث ؟

الجواب
المراد بالظل هو الجزء من الليل من طلوع الفجر إلى شروق الشمس على أصح الأقوال عند المفسرين كما قال القرطبى ، وذلك نعمة من اللَّه سبحانه ، لأنها ساعة طيبة كما قالوا .
ولو شاء اللَّه لأبقى هذه المدة ومنع الشمس من الطلوع ، لكنه سبحانه أذن للشمس أن تنسخ هذا الظل ، ونستدل بها على أنها نعمة ، فبضدها تتميز الأشياء ، ثم قبض اللَّه هذا الظل بسهولة ، لأن كل أمر سهل ويسير على اللّه .
يقول القرطبى : فإذا طلعت الشمس صار الظل مقبوضا وخلفه فى هذا الجو شعاع الشمس فأشرق على الأرض وعلى الأشياء إلى وقت غروبها .
واتجاه المفسرين فى ذلك اتجاه امتنان من اللَّه بالنعمة على عباده ، واتجه بعض المحدثين من العلماء فى ذلك اتجاها يبين قدرة اللَّه سبحانه وسيطرته على الوجود كله يخلق الليل والنهار، ويسير الكواكب والشموس والأقمار بنظام بديع لا يقدر عليه غيره سبحانه وتعالى .
والآيتان تحتملان كل ذلك ، فكل ما فى الكون دليل على قدرة اللَّه ، وكل ما نتمتع به هو نعمة منه سبحانه ، يشدنا هذا كله إلى الإيمان به وإلى شكره وطاعته .
يقول الخبراء المشرفون على " منتخب التفسير" الذى نشره المجلس الأعلى للشئون الإسلامية : هذه الآية تظهر عناية الخالق وقدرته . فمد الظل يدل على دوران الأرض وعلى ميل محور دورانها ، ولو أن الأرض سكنت بحيث إنها ظلت غير متحركة حول الشمس وكذلك انعدم دورانها حول محورها لسكن الظل ولظلت أشعة الشمس مسلطة على نصف الأرض ، بينما يظل النصف الآخر ليلا، مما يحدث اختلاف التوازن الحرارى ، ويؤدى إلى انعدام الحياة على الأرض ، وكذلك إذا كان هذا هو حال الأرض فإن الظل يظل ساكنا . وهذا يحدث إذا كانت فترة دورن الأرض حول محورها هى نفسها فترة دورانها من حول الشمس ، أى أن اليوم يصبح سنة كاملة ولكن لا يمكن أن يفعل ذلك غير اللّه . هذا فضلا عن أن الظل ذاته نعمة من نعم اللَّه ، ولو أن اللّه خلق الأشياء كلها شفافة لما وجد الظل ولا نعدمت فرص الحياة أمام الكائنات التى تحتاج إليه انتهى

(7/473)


نقصان أطراف الأرض

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
أرجو تفسير قوله تعالا: { أولم يروا أنا نأتى الأرض ننقصها من أطرافها } وكيف يكون هذا النقص ؟

الجواب
هذه الآية من سورة الرعد : 41 وقيل فى تفسيرها : إن المراد بالنقص من أطرافها هو موت العلماء والصالحين ، فالأطراف هم الأشراف ، كما قال ابن عباس والقشيرى .
وقيل المراد ما يغلب عليه المسلمون مما فى أيدى المشركين كما فى رواية عن ابن عباس ، وعنه أيضا هو خراب الأرض حتى يكون العمران فى ناحية منها .
وقال عطاء بن أبى رباح : المراد ذهاب الفقهاء وخيار أهلها، وهو موافق لرأى لابن عباس . وارتضاه كثير من المفسرين .
ومعنى الآية : أو لم تر قريش هلاك من قبلهم وخراب أرضهم بعدهم ، أفلا يخافون أن يحل بهم مثل ذلك . وقيل المراد نقص بركات الأرض وثمارها ، وذلك بجور أهلها ، والقرطبى صحح هذا القول ، لأن الظلم يخرب البلاد بقتل أهلها وانجلائهم عنها ورفع البركة من الأرض .
وما يقال الآن : إنه دليل على أن كروية الأرض لست تامة، بل هى مفرطحة من الجانبين فهو غير قطعى. وليس مناسبا للمقام حيث تتحدث الآيات عن وعيد اللّه للكافرين ، وعما حدث للماكرين الكافرين من قبلهم فأولى أن يفسر النقص من أطراف الأرض بإهلاك الكفار والجبابرة فى أية بقعة من بقاع الأرض

(7/474)


الصلب والترائب

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يقول الله تعالى فى سورة الطارق { فلينظر الإنسان مم خلق ، خلق من ماء دافق يخرج من بين الصلب والترائب } فكيف يتفق هذا مع ما هو معروف إن الماء الدافق هو ذا الخصية ؟

الجواب
هذه الآية من الآيات العلمية التى ما كان العرب يعرفون عنها شيئا ، وبالتالى لم يكن النبى صلى الله عليه وسلم " ليعلم عنها شيئا لولا نزول القراَن عليه من اللّه " واللَّه يعلم وأنتم لا تعلمون " وذلك من أدلة صدق النبى صلى الله عليه وسلم فى دعواه الرسالة .
وقد ظل الناس قرونا طويلة يجهلون كيف يتخلق الجنين فى بطن أمه حتى نزل القرآن فبين ذلك بدقة فى سورة " المؤمنون " ووضحه النبى صلى الله عليه وسلم فى حديثه ، وهو لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحى يوحى .
وبين أن الإنسان يجمع خلقه فى بطن أمه أربعين يوما نطفة ثم أربعين يوما علقة ثم أربعين يوما مضغة .
والمفسرون للقرآن والشارحون للأحاديث كانوا يوضحون ذلك حسب المعلومات التى كانت عندهم مع استعانتهم بمعانى الألفاظ العربية التى نزل بها القرآن والترائب هى عظام الصدر، وهل المراد صدر الرجل ، أو صدر المرأة الذى يقابله الصلب فى الرجل ؟ رأيان وإليك نموذجا من التفاسير :
(أ) جاء فى تفسير القرطبى أن الإنسان يخلق من ماء الرجل الذى يخرج من صلبه العظم والعصب ، ومن ماء المرأة الذى يخرج من ترائبها اللحم والدم ، وقيل من صلب الرجل وترائبه ، ومن صلب المرأة وترائبها . ولم يوضح كيف تم الخلق بهذه الصورة .
(ب ) جاء فى تفسير الجواهر للشيخ طنطاوى جوهرى معتمدا فيه على ما فى تفسير الفخر الرازى : أن الدماغ مركز الإدراك وخليفته فى الجسم النخاع الشوكى المخزون فى الصلب ، والنخاع له شعب كثيرة تصل إلى جميع أجزاء الجسم . ولن يتم اجتماع الرجل بالمرأة إلا بقوة الحس عن طريق الدماغ والنخاع الذى فى الصلب ، وكذلك بوجود زينة المرأة التى يغلب أن تكون على ترائبها ، أى على صدرها ، ولذا عبر عن الرجل بالصلب وعن المرأة بالترائب وهذا فحوى كلام الرازى وجوهرى ، وهو تفسير سطحى لعملية تكوين الجنين .
(ج ) وجاء فى تفسير القاسمى : أن المنى باعتبار أصله وهو الدم يخرج من شىء ممتد بين الصلب -فقرات الظهر فى الرجل -والترائب أى عظام صدره ، وذلك الشىء الممتد بينهما هو الأبهر " الأورطى " وهو أكبر شريان فى الجسم يخرج من القلب خلف الترائب ويمتد إلى آخر الصلب تقريبا . ومنه تخرج عدة شرايين عظيمة ، ومنها شريانان طويلان يخرجان منه بعد شريانى الكليتين وينزلان إلى أسفل البطن حتى يصلا إلى الخصيتين فيغذيانهما ، ومن دمهما يتكون المنى فى الخصيتين ويسميان بشريانى الخصيتين أو الشريانين المنويين ، فلذا قال تعالى عن المنى { يخرج من بين الصلب والترائب } لأنه يخرج من مكان بينهما وهو الأورطى أو الأبهر .
(د) هذا بعض ما جاء فى كتب التفسير، وهى محاولات لتقريب المعنى إلى المعهود الآن مما وصل إليه العلم ، ولا شك أن الكشوف العلمية تتقدم يوما بعد يوم ، ثم رأينا فى أبحاث للمتخصصين أن الغدد التناسلية فى الجنين تكون أصلا فى المنطقة الواقعة بين عصام الظهر "الصلب " وعظام الصدر " الترائب " وهذا ما يدل عليه قوله تعالى {يخرج من بين الصلب والترائب } سواء منه الذكر والأنثى، فهى تخلق فى نفس المكان ، ولعل مما يؤكد ذلك قوله تعالى { واذ أخذ ربك من بنى آدم من ظهورهم ذريتهم } فكلمة " بنى آدم " تشمل الذكر والأنثى، وتفصيل ذلك يرجع فيه إلى المختصين ، وبخاصة فى علم الأجنة

(7/475)


رسم المصحف

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نجد فى القرآن الكريم كلمات مكتوبة على خلاف الرسم الإملائى ويصعب علينا قراءتها بالرسم الحالى، فهل تجوز كتابته بالرسم الإملائى لتيسير قراءتها وفهمها؟ وهل تجوز كتابة القرآن بغير الحروف العربية؟

الجواب
عقد الإمام السيوطى فصلا فى الجزء الثانى "ص 166 " من كتابه "الإتقان " خاصا برسم الخط وآداب كتابته ، وذكر بعض من أفردوا ذلك بالتصنيف ، منهم أبو عمرو لدانى وأبو عباس المراكشى واستطرد فذكر أول من وضع الكتاب العربى ثم قال :
القاعدة العربية أن اللفظ يكتب بحروف هجائية مع مراعاة الابتداء به والوقف عليه .
وقد مهد النحاة له أصولا وقواعد، وخالفها فى بعض الحروف خط المصحف الإمام ، وقال أشهب : سئل مالك : هل يكتب المصحف على ما أحدثه الناس من الهجاء؟ فقال : لا، إلا على الكتبة الأولى ، رواه الدانى فى المقنع ، ثم قال : ولا مخالف له من علماء الأمة وقال أبو عمرو الدانى موضحا ذلك : يعنى الواو والألف المزيدتين ، فى الرسم المعدومتين فى اللفظ نحو أولوا وقال الإمام أحمد : تحرم مخالفة خط مصحف عثمان فى واو أو ياء أو ألف أو غير ذلك ، ورأى البيهقى فى " شعب الإيمان " هذا الرأى لأن الذين كتبوا المصحف كانوا أكثر علما وأصدق قلبا ولسانا وأعظم أمانة منا ، فلا ينبغى أن نظن بأنفسنا استدراكا عليهم .
ثم ذكر السيوطى أن أمر الرسم ينحصر فى ست قواعد، الحذف والزيادة والهمز والبدل والوصل والفصل وما فيه قراءات ، ومثل لذلك باستفاضة ، وذكر السر فى حذف الحرف الأخير من بعض الكلمات مثل "يوم يدع الداع " "سندع الزبانية " أن المراكشى قال : السر فى حذفها : التنبيه على سرعة وقوع الفعل وسهولته على الفاعل وشدة قبول المتأثر به فى الوجود . وهكذا ذكر مبررات لكل قواعد الرسم وقد سئلت لجنة الفتوى بالأزهر سنة 1355 و(1936 م ) فأجابت بما ملخصه ، أن عثمان بن عفان رضى اللّه عنه أمر بأن تنسخ عدة نسخ من المصحف الذى كان موجودا عند السيدة حفصة بنت عمر أم المؤمنين رضى اللّه عنها وعن أبيها . وكان هذا المصحف عند عمر ومن قبله كان عند أبى بكر الصديق رضى اللَّه عنهما . وكان المصحف مأخوذا من القطع المتعددة التى كان مكتوبا عليها قى زمن النبى @ ووزع عثمان هذه النسخ على الأمصار واستبقى واحدة منها بالمدينة . وكل مصحف من هذه المصاحف يسمى "المصحف الإمام " وقد رسمت بعض الكلمات فيها رسما يخالف قواعد الإملاء المعروفة الآن . وجرى المسلمون من عهد عثمان إلى الآن على اتباع العثمانى .
ثم قالت اللجنة : إن الجمهور من العلماء على التزام . الرسم العثمانى وحرمة مخالفته واستدلوا على ذلك بإجماع الصحابة على الصفة التى كتب عليها عثمان ولم يرو عن واحد منهم أنه كتب القرآن على غير هذه الصفة . وذكرت اللجنة ما نقل عن مالك وأحمد والبيهقى مما سبق ذكره هنا نقلا عن السيوطى فى "الإتقان " .
ثم قالت اللجنة : إن بعض العلماء ذهبوا إلى جواز كتابته بأى رسم كان ولو خالف الرسم العثمانى ، فكل رسم حصلت به الدلالة فهو جائز، ، ولم يتعرض للكيفية التى كتب بها، وإجماع الصحابة لا يدل على أكثر من جواز رسمه على نحو ما كتب الصحابة، أما رسمه على غير هذه الطريقة فلم تتعرض له الصحابة لا بحظر ولا بإباحة وذكرت ما قاله القاضى أبو بكر الباقلانى فى كتابه "الانتصار" موضحا لهذا الرأى الذى لا يحتم التزام الرسم العثمانى . ولكن اللجنة اختارت بقاء المصحف على الرسم الذى كان عليه فى عهد عثمان رضى اللّه عنه .
وعدم كتابته على الرسم الإملائى الحديث ، فإن الرسم الحديث ما يزال موضع الشكوى لعدم تيسر القراءة به ، حيث توجد به أحرف لا تنطق ، وتنقص منه حروف تنطق ، ولا تتيسر القراءة والفهم إلا بعد التمرن الطويل والإتقان لمعرفة قواعد الإملاء . ثم من قواعد الإملاء عرضة للتعديل ، فهل يكتب القرآن على القواعد الإملائية المعدلة أو القديمة؟ وقد توجد عدة نسخ مختلفة الرسم ، وهنا تكون البلبلة والتعرض لتحريف القرآن وضعف الثقة فيه .
ثم قالت اللجنة : إن تلاوة القرآن لا تؤخذ أبدا من الرسم ، بل من التلقى لأن هناك أحكاما لتجويد القرآن وإخراج الحروف من مخارجها الحقيقية لا يمكن للشكل الإملائى أن يدل عليها ، ولذلك أرسل عثمان مع المصاحف قراء ، فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدينة ، والمغيرة بن شهاب أن يقرئ بالشام ، وعامر بن عبد قيس أن يقرئ بالبصرة، وأبا عبد الرحمن السلمى أن يقرئ بالكوفة فاللائق بقدسية القرآن بقاء كتابته على الرسم العثمانى . انتهى تلخيص الفتوى .
وعلى ضوء ما جاء عن السيوطى فى "الإتقان " وما اختارته لجنة الفتوى عملت بحوث ونشرت مقالات وصدرت فتوى من دار الإفتاء المصرية سنة 1956 م وقرر مجمع البحوث الإسلامية فى دور انعقاده الرابع 1968 م الالتزام بالرسم العثمانى ومنها البحث الذى قدمه الدكتور محمد محمد أبو شهبة ، مشيرا إلى بعض التآليف فى ذلك .
كالمقنع لأبى عمرو الدانى، عنوان الدليل فى مرسوم خط التنزيل لأبى العباس المراكشى المتوفى سنة 721هـ والمعروف بابن البناء والأرجوزة للشيخ محمد بن أحمد المتولى، وشرحها للشيخ محمد على خلف الحسينى شيخ المقارئ المصرية فى عهده ، مع تذيل الشرح بكتاب سماه "مرشد الحيران إلى معرفة ما يجب اتباعه فى رسم القرآن " وإيقاظ الأعلام إلى اتباع رسم المصحف الإمام للشيخ محمد حبيب اللَّه بن عبد اللّه بن أحمد بن مايابى الجكنى الشنقيطى ومناهل العرفان للشيخ الزرقانى ، المدخل لدراسة القرآن الكريم لأبى شهبة ، وهذا الحكم موجود فى كتب الأئمة وعلماء التفسير ، وجاء فى الشفا للقاضى عياض : من غير حرفا بزيادة أو نقص أو بدَّله بحرف غيره فهو كافر، ووافقه على ذلك شارحه الخفاجى وشارحه ملاَّ على القارى . "منبر الإسلام - ذو الحجة 1402 هـ " .
2- وأما كتابة المصحف بغير الحروف العربية . فقد ذكر السيوطى فى " الإتقان "ج 2 ص 171 ما نصه : وهل تجوز كتابته بقلم غير العربى؟ قال الزركشى : لم لأجد فيه كلاما لأحد من العلماء . قال :
ويحتمل الجواز لأنه قد يحسنه من يقرؤه بالعربية والأقرب المنع كما تحرم قراءته بغير لسان العرب ، ولقولهم : القلم أحد اللسانين ، والعرب لا تعرف قلما غير العربى، وقد قال اللّه تعالى {بلسان عربى مبين } الشعراء :195، .
وقال الشيخ محمود أبو دقيقة من كبار علماء الأزهر: أجمع الأئمة الأربعة على أنه لا يجوز كتابة القرن بغير اللغة العربية، لأن كتابته بغيرها تخرجه عن الرسم الوارد الذى قام الإجماع على أنه يجب التزامه ، بل قد تؤدى كتابته بغير العربية إلى التغيير فى اللفظ لأن بعض الحروف العربية لا نظير له فى بعض اللغات الأخرى، والتغيير فى اللفظ يؤدى إلى التغيير فى المعنى ، وحيث كانت الكتابة بغير العربية تؤدى إلى هذا فلا يجوز . وقال بعض علماء الحنفية : إن من تعمد كتابة القرآن بغير العربية يكون مجنونا أو زنديقا ، فالمجنون يداوى والزنديق يقتل "مجلة الأزهر-المجلد الثالث ص 31 -34 "

(7/476)


وضع المصحف تحت الوسادة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
عندما أنام أضع المصحف تحت الوسادة لمنع الشياطين والأحلام المفزعة ، فما رأى الدين فى ذلك ؟

الجواب
قال اللّه تعالى {إنه لقرآن كريم . فى كتاب مكنون . لا يمسه إلا المطهرون } الواقعة : 77 - 79 .
تحدث العلماء عن مظاهر تكريم القرآن والمصحف الذى يحويه فأمروا بالطهارة عند مسه وحمله ، وذلك له موضع لتفصيله ، ومن مظاهر التكريم عدم وضعه تحت الوسادة عند النوم ، أو وضع أمتعة أو كتب فوقه ، أو عمل أى شيء يعتبر عرفا إهانة له ، بل جاء فى كتاب "المصاحف " لابن أبى داود أن وضع المصحف على الأرض غير لائق ، وأورد فى ذلك أثرًا لم يبين درجته من القبول والرفض ، أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال فيمن وضع كتابا من ذكر اللَّه فى الأرض "لعن اللَّه من فعل هذا، لا تضعوا ذكر اللَّه فى غير موضعه " .
وهذا فى وضع المصحف بغير نية الاحتقار والإهانة ، أما عند هذه النية فهو محرم بالإجماع بل قال أكثر العلماء : : إن من احتقر أو استهزأ بكتاب اللَّه فهو كافر .
وقد تكون لغير ذلك ، ولا نستطيع أن نجزم برأى فيه .
جاء فى "الإتقان " للسيوطى ج 2 ص 172 ما نصه : يستحب تطييب المصحف وجعله على كرسى، ويحرم توسده ، لأن فيه إذلالاً له وامتهانا ، كذا مد الرجلين إليه .
وقد يصور التوسد بالاتكاء عليه كالوسادة وبجعله وسادة للنوم كالمخدة ، وكلاهما ممنوع

(7/477)


القرآن كتاب علمى

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل القرآن كتاب علمى ، أو كتاب يقوم على العلم ولا يتناقض معه عبر العصور ؟

الجواب
التعبير بكتاب علمى أو كتاب يقوم على العلم من التعبيرات الاصطلاحية التى يفسرها واضعوها حسب ما يتفقون عليه ، وبعيدا عن ذلك أقول :
القرآن كتاب علمى بمعنى أنه يعلم الناس ما يهمهم من أمور دينهم ودنياهم ، وذلك معنى الهداية التى جاءت فى قوله تعالى{إن هذا القرآن يهدى للتى هى أقوم } الإسراء : 9، وقوله {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين ! يهدى به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ويخرجهم من الظلمات إلى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم } المائدة : 15 ، 16 ، .
أما أن يكون القرآن كتابا علميا بمعنى أنه يعلم الناس العلوم كالطب والهندسة والرياضة والجغرافيا والطبيعة والكيمياء ، فليس ذلك من مهمته ، وإنما مهمته فى هذه الناحية أن يأمر بالتعلم والتعليم لكل ما يمكن أن يستفيد منه الناس فى أمور الدين والدنيا ، وأن يضع الآداب ، التى تجعل العلم يستخدم فى المصلحة . والقرآن ملىء بالآيات التى تدعو إلى العلم وترفع شأن العلماء الذين يبتغون الخير من علمهم ، بصرف النظر عن مادة العلم ما دام الهدف خيرا .
ومن الآيات التى تبين ذلك قوله تعالى{ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود . ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ} فاطر: 27 ، 28 ، .
فهذا رفع لقدر العلماء فى كل المجالات المتقدمة فى الآيتين ، علماء الفلك والطبيعة الكيمياء والنبات وطبقات الأرض والحيوان والطب والهندسة والاجتماع والتاريخ. .. . . . لأنهم عند إنصافهم وتعمقهم فى هذه العلوم سيدركون أن وراء هذا الخلق البديع سرا كبيرا، وأن قوة أخرى فوق المادة هى التى صنعت هذا الكون وسيَّرته حسب النواميس الثابتة . وتلك هى قوة الله تعالى، وكم من علماء فى هذه المجالات آمنوا بوجود الله بعد كفرهم به [اقرأ كتاب : ( الله يتجلى فى عصر العلم ) ، الذى ألفه الباحث الدينى الاجتماعى "جون كلوفر مونسما"] .
وأما كون القرآن يقوم على العلم ولا يتناقض معه فى كل العصور والأزمان فتلك حقيقة لا شك فيها، بمعنى أن كل ما جاء فيه من أمور يقال عنها إنها علمية فهى صادقة ، لأنها من صنع الله ، والحقائق العلمية من صنع الله ، أما النظريات التى لا ترتقى إلى درجة الحقيقة فهى من صنع البشر، قد تصدق فتكون مطابقة لما عند الله ، وقد تكذب فتخالفه ، وهنا لا يجوز مطلقا أن نفسر القرآن بالنظريات ، وإنما نفسره بالحقائق لتوضيح ما فيه ، والموضوع طويل لا يتسع المجال لشرحه ، يمكن الرجوع إليه فى كتابنا "دراسات إسلامية لأهم القضايا المعاصرة "

(7/478)


الحروف المقطعة فى أوائل السور

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هو سر الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور ، وهل هناك علاقة بينها وبين عددها فى السور ؟

الجواب
الحروف المقطعة فى أوائل بعض السور للعلماء فيها موقفان ، الموقف الأول أنها من المتشابه الذى يجب أن يوكل علمه إلى الله تعالى ، والثانى أن لها معانى ، واختلفوا فى هذه المعانى ، وكلها آراء اجتهادية . ولكنها على كل حال تبين للكفار-وهم أرباب الفصاحة والبلاغة - أن القرآن كلام مركب من الحروف التى يتركب منها كلامهم ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثله .
وقد قام بعض الناس بحصر الحروف الموجودة فى آيات السورة التى بدئت بالحروف المقطعة فوجدوا أنها أكثر من الحروف الأخرى .
وهذا يزيد التأكيد أن حروف القرآن هى حروف كلام العرب ، ومع ذلك عجزوا عن الإتيان بمثله ، وأوجه الإعجاز غير اللغوى كثيرة ، أفردت لها مؤلفات خاصة

(7/479)


نطق الضاد

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز تبديل حرف الضاد بحرف الظاء فى القرآن الكريم ، وهل يجوز إقتداء المصلى بمن يقرأ فى الفاتحة " ولا الظالين " بدل من " الضالين " ؟

الجواب
النطق الصحيح للضاد غير النطق الصحيح للظاء ، وإن اشتركا فى أكثر الصفات ، إلا أن الضاد تمتاز عن الظاء مخرجا واستطالة .
فمخرج الضاد إحدى حافتى اللسان مع ما يليها من الأضراس حتى تجد بينها منفذا لا ينضغط فيها الصوت ضغط الطاء فيظهر معها صوت خروج الريح . وحينئذ تكون مشتبهة فى السمع بالظاء كما هو المنصوص عليه فى جميع كتب القراءة والتجويد .
وهذا الوصف للنطق بالكتابة لا يعرف إلا بالتلفظ وسماع نطقها الصحيح من العالم بها والمتمرن عليها ، وقد يتهاون بعض الناس فينطقها كالدال ، أو ينطقها كالظاء ، فهى وسط بينهما ولها نطقها الخاص بها .
وأما حكم من بدَّل حرفا بحرف فى القرآن وهو يصلى، فقد قال العلماء : إذا كان متعمدا لهذا الإبدال وهو يعرف الفرق بينهما حرم عليه ذلك ، بل قال بعضهم بكفره ، لأنه تغيير للقرآن الكريم ، وبالتالى تكون صلاته باطلة ولا تصح إمامته . أما إن كان غير متعمد فيجب عليه أن يجتهد لمعرفة النطق الصحيح للحرف ، فإن قصر مع قدرته على ذلك بطلت صلاته وإمامته . فإن عجز ولم يستطع إصلاح نطقه صحت صلاته وإمامته كما قال جمهور الفقهاء .
والمالكية قالوا : الألثغ - وهو من يبدل السين ثاء ، أو الزاى ذالا - وكذلك التمتام الذى يكرر التاء فى كلامه ، والفأفاء الذى يكرر الفاء ، والأرت الذى يأتى بإدغام فى غير موضعه ، كأن يقول "المتقيم" بدل "المستقيم " ونحوهم من كل من لا يستطيع النطق ببعض الحروف أو يدغم حرفا فى غيره إمامته وصلاته صحيحتان حتى لو كان المقتدى به سالما من هذا النقص ولو وجد من يعلمه وقبل التعليم ولم يستعص عليه واتسع الوقت له ، ولا يجب عليه الاجتهاد فى إصلاح لسانه على الراجح "كتاب الفقه على المذاهب الأربعة نشر أوقاف مصر"

(7/480)


الرحمن علم القرآن

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
لماذا جاء تعليم القرآن قبل خلق الإنسان فى سورة الرحمن ؟

الجواب
قال بعض المفسرين : لما ذكر الله "الرحمن " ذكر صفة من صفاته لها فضل كبير على المسلمين وهى القرآن ، ثم ذكر بعد ذلك مظاهر قدرته العامة للمسلمين وغيرهم ، فبدأ بخلق الإنسان وتعليمه النطق والإفصاح عما يريد ، ونصب الدلائل التى يستدل بها على وجود الله ووجوب عبادته وحده . وعند معرفة سبب النزول نعرف لماذا قرن الله تعليم القرآن باسمه الرحمن ، فالسورة نزلت جوابا لأهل مكة حين قالوا : وما الرحمن ؟ وحكى القرآن ذلك فى قوله تعالى{وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا} الفرقان : 60، وحين قالوا : إنما يعلمه بشر، وكانوا يؤمنون برحمن اليمامة وهو مسيلمة الكذاب ، فذكر أن الذى أنزل القرآن على محمد هو الرحمن المعبود بحق "راجع تفسير القرطبى"

(7/481)


فصل لربك وانحر

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما المراد بالصلاة والنحر فى قوله تعالى{فصل لربك وانحر} الكوثر : 2 ؟

الجواب
اختلف العلماء فى نزول سورة الكوثر، هل كان بمكة أو بالمدينة. فعلى القول الأول بنزولها فى مكة يكون المراد بالصلاة الصلاة المفروضة ، سواء منها ما كان قبل ليلة الإسراء حيث قيل :
إن الصلاة كانت ركعتين أول النهار وركعتين آخره ، وما كان بعد ليلة الإسراء ، وهى الصلوات الخمس . والمراد بالنحر هو الذبح ، بذكر اسم الله أو التقرب إليه . والمعنى : اجعل صلاتك ونحرك يا محمد لله لا لغيره كما يفعل المشركون ولا يصح أن يراد بالصلاة هنا صلاة العيد ولا بالنحر تقديم الأضاحى أو الهدى ، فذلك لم يشرع إلا فى المدينة بالإجماع كما حكاه ابن عمر .
وعلى القول الثانى بنزولها فى المدينة ، يحتمل رأى غير الرأى الذى سبق ، وهو أن المراد بالصلاة صلاة العيد وبالنحر ذبح الأضحية ، كما رآه قتادة وعطاء وعكرمة .
قال أنس : كان النبى صلى الله عليه وسلم ينحر ثم يصلى ، فأمره الله أن يصلى ثم ينحر، وقال سعيد بن جبير: المراد بالصلاة صلاة الصبح المفروضة بالمزدلفة والنحر يكون بمنى، وجاء عنه أنها نزلت فى الحديبية للتحلل من الإحصار .
والقول الأول هو الراجح ، لأن أقوى الروايات فى سبب النزول تدل على أنها نزلت بمكة، حين عاب المشركون موت ولد النبى صلى الله عليه وسلم وقالوا : صار أبتر، على ما كان من عادتهم فيمن يموت وليس له ولد-وما قيل من أن ذلك كان بالمدينة عند موت ولده إبراهيم ضعيف - فالله سبحانه يسلِّى نبيه صلى الله عليه وسلم بأنه أعطاه الكوثر، أى الخير الكثير، وهذا الخير الكثير على أرجح الأقوال هو نهر فى الجنة كما جاء فى رواية البخارى ، أو الحوض الذى يكون فى الموقف قبل دخول الجنة كما جاء فى رواية مسلم ، أو هو النبوة .
وفى مقابل هذا الخير الكثير يجب أن يشكر النبى صلى الله عليه وسلم ربه عليه بأن تكون صلاته كلها ونحره كله لله وحده وليس لغيره ، والمراد أن يستمر فى دعوته ويثبت على عقيدته وسلوكه غير عابئ بما يقوله المشركون ، فالأبتر فى الحقيقة هم هؤلاء الذين قطع الله عنهم الخير بسبب كفرهم .
ومن البعيد أن يكون الشكر على الكوثر صلاة العيد ونحر الأضحية أو الهدْى . قال ابن العربى : والذى عندى أنه أراد : اعبد ربك وانحر له ، فلا يكن عملك إلا لمن خصك بالكوثر. وبالحرى أن يكون جميع العمل يوازى هذه الخصوصية من الكوثر وهو الخير الكثير الذى أعطاكه الله ، أو النهر الذى طينه من مسك ، وعدد آنيته نجوم السماء، أما أن يوازى هذا صلاة يوم النحر وذبح كبش أو بقرة أو بدنة فذلك يبعد فى التقدير والتدبير وموازنة الثواب للعبادة "تفسير القرطبى ج 20 ص 220" .. ،

(7/482)


قاب قوسين

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما معنى قوله تعالى {فكان قاب قوسين أو أدنى} النجم : 9 ؟

الجواب
معنى "قاب " قدر أو مقدار، والقوس قيل : هو آلة الصيد والحرب المعروفة عند العرب ، وقيل : المراد به الذراع التى يقاس بها ، وهى لغة بعض الحجازيين وقيل : هى لغة أزد شنوءة أيضا، والمراد بالقوسين الاثنان ، وقيل المراد، قوس واحد كما قال الكسائى ، يقال بين الشيئين قاب قوس أى قدره ، وفى الحديث الصحيح "ولقاب قوس أحدكم فى الجنة خير من الدنيا وما فيها" .
والآية تتحدث إما عن قرب الله سبحانه من النبى صلى الله عليه وسلم والمراد قرب المكانة لا المكان ، فهو قرب عطف ولطف وإيناس ، وإما عن قرب جبريل من الله ، وهو قرب منزلة أيضا كما روى فى الحديث "إن أقرب الملائكة من الله جبريل عليه السلام " وإما عن قرب جبريل من النبى صلى الله عليه وسلم عند نزوله بالوحى عليه .
والسورة فى أولها تؤكد صدق النبى صلى الله عليه وسلم فى نزول الوحى عليه من الله .
فهو ما ينطق عن الهوى ، نزل به جبريل شديد القوى، من الأفق الأعلى، ودنا وتدلى فكان قريبا جدا من الرسول عليه الصلاة والسلام ، حتى بلغه ما أوحى به ، فما يقوله من عند الله حق {ما كذب الفؤاد ما رأى} ثم تتحدث الآية عن رؤية النبى صلى الله عليه وسلم لجبريل مرة أخرى ، غير التى جاءه فيها فى الغار، وعلى أثرها كذب المشركون ما ادعاه من رؤيته . وهذه المرة عند سدرة المنتهى عندها جنة المأوى . ويقول المفسرون : إن ذلك كان ليلة المعراج وكلامهم هناك كثير يمكن الرجوع إليه ، وفيما ذكرته كفاية

(7/483)


غلام الخضر عليه السلام

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل صحيح أن الله عوض والد الغلام الذي قتله الخضر فتاة تزوجت نبيا وولدت نبيا ومن هما هذان النبيان ؟

الجواب
جاء فى تفسير القرطبى ما نصه : وعن ابن جبير وابن جريج أنهما بدِّلا جارية. قال الكلبى : فتزوجها نبى من الأنبياء ، فولدت له نبيا ، فهدى الله على يديه أمة من الأمم .
وقال قتادة : ولدت اثنى عشر نبيا ، وعن ابن جريج أيضا أن أم الغلام يوم قتل كانت حاملا بغلام مسلم وكان المقتول كافرا .
وعن ابن عباس : فولدت جارية ولدت نبيا، وفى رواية : أبدلهما الله به جارية ولدت سبعين نبيا ، وقال جعفر بن محمد عن أبيه ، قال علماؤنا : وهذا بعيد جدا، ولا تعرف كثرة الأنبياء إلا فى بنى إسرائيل ، وهذه المرأة لم تكن منهم . انتهى .
يؤخذ من هذا الكلام أن هناك رأيين فى بدل الغلام المقتول ، رأيا يقول بأنه غلام مسلم كما قال ابن جريج ، ورأيا يقول بأنه جارية أى بنت ، وهذه البنت قيل : إنها ولدت نبيا كما قال الكلبى وابن عباس وقيل : ولدت اثنى عشر نبيا كما قال قتادة، وقيل : سبعين كما فى رواية عن ابن عباس . وذكر الخازن فى تفسيره ذلك أيضا . وتضارب هذه الأقوال فى نوع البدل وفى عدد الأنبياء المولودين منه يدل على أنه ليس هناك دليل صحيح يعتمد عليه القائلون بذلك ، وبصرف النظر عن صحة هذه الأقوال وعدم صحتها فإن الجدل فى ترجيح أحدها جدل عقيم لا يجوز فيه التعصب ، مع العلم بأن الجهل بذلك لا يضر، والعلم به لا يفيد فائدة تذكر ، وينبغى الاهتمام بغير هذه المسائل التى لا تعدو أن تكون ترفا ذهنيا . وأحداث الحياة بإيقاعها الشديد أولى بالاهتمام

(7/484)


أية الشعراء

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يقول الله تعالى {والشعراء يتبعهم الغاوون . ألم تر أنهم فى كل واد يهيمون . وأنهم يقولون ما لا يفعلون } الشعراء : 224 - 226 ، نريد شرح الآية مع ملاحظة أن الرسول كان له شاعر يمدحه هو حسان بن ثابت ؟

الجواب
هذه الآية نزلت كما يقول المفسرون فى عبد الله بن الزِّبعرَى ونافع بن عبد مناف وأمية بن أبى الصلت ، وقيل نزلت فى أبى عزة الجمحى . والذين استثناهم الله بعد هاتين الآيتين فى قوله {إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وذكروا الله كثيرا وانتصروا من بعد ما ظلموا وسيعلم الذين ظلموا أى منقلب ينقلبون } هم حسان بن ثابت وعبد الله ابن رواحة وكعب بن مالك وكعب بن زهير ومن على شاكلتهم ممن يقولون الحق ، وجاء فى كتب التفسير أن حسان بن ثابت لما نزلت هذه الآية أذن له النبى صلى الله عليه وسلم بالرد على المشركين فقال " انتصروا ولا تقولوا إلا حقا، ولا تذكروا الآباء والأمهات " كما أذن لكعب فيه وقال "إن المؤمن يجاهد بنفسه وسيفه ولسانه ، والذى نفسى بيده لكأن ما ترمونهم به نضح النبل " .
إن الشعر كلام حسنه حسن وقبيحه قبيح ، والحسن والقبح يتبعان الغرض من إنشاده ، والمعانى التى يحتويها ، والملابسات التى تحوطه والآثار التى تترتب عليه . فالآيات ذمت عدم ثبات الشعراء على مبدأ واحد، وتكسُّبهم بالشعر دون اهتمام بصدق ما يقولون وكذبه ، ومدحت الآية الأخيرة من يتقون الله فى أقوالهم واستهدفوا الدفاع عن الحق والتبرئة مما ينسب إليهم من باطل .
وثبت فى صحيح مسلم أن النبى صلى الله عليه وسلم سمع أبياتا كثيرة من شعر أمية ابن أبى الصلت ، وقال "كاد أمية بن أبى الصلت أن يسلم " وروى البغوى فى معجم الصحابة وابن عبد البر فى الاستيعاب بإسناد ضعيف من حديث النابغة ، واسمه قيس بن عبد الله . أنه أنشد الرسول صلى الله عليه وسلم شعرا فدعا له بقوله "لا يفضض الله فاك " وروى الحاكم أنه قال ذلك للعباس عندما استأذنه فى مدحه .
وكان الرسول إلى جانب سماع الشعر والثناء على قائله يثيب عليه ويجازى عند الاقتضاء . فقد روى مسلم أنه صلى الله عليه وسلم لما قسم الغنائم يوم حنين ، ولم يعط العباس بن مرداس مثل ما أعطى أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وعيينة بن حصن -قال شعرا يمدح به نفسه ويبين استحقاقه كغيره ، أتم له الرسول مائة من الإبل ، وقال العراقى فى تخريج أحاديث الإحياء : إن زيادة "اقطعوا عنى لسانه " ليست فى شىء من الكتب المشهورة . وذكر السفارينى فى كتابه "غذاء الألباب "ج ا ص ا15 هدية الرسول إلى كعب بن زهير على قصيدته "بانت سعاد" عندما سمع قوله :
إن الرسول لسيف يستضاء به * مهند من سيوف الهند مسلول وهى بردة لم يستطع معاوية أن يشتريها منه ، فاشتراها من ورثته ، ثم قال : وأما خبر "الشعر مزامير الشيطان " وخبر "إنه جعل له كالقرآن " فواهيان . وعلى فرض ثبوت ذلك فالمراد به الشعر المحرم . . . وأن عائشة رضى الله عنها كانت أعلم بالشعر والفريضة من غيرها ، وأن النبى صلى الله عليه وسلم قال فى حسان "والله لشعرك عليهم أشد من وقع السهام فى غلس الظلام وتحفظ بيتى فيهم " فقال : والذى بعثك بالحق نبيا لأسلنك منهم كما تسل الشعرة من العجين ، ثم أخرج لسانه فضرب به أرنبة أنفه وقال والله يا رسول الله إنه ليتخيل لى أنه لو وضعته على حجر لفلقته ، أو على شعر لحلقته فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم " أيد الله حسانا بروح القدس "سمع النبى صلى الله عليه وسلم الشعر من وفد بنى تميم ورد حسان عليهم .
ويمكن الرجوع إلى إجابتين سابقتين عن الشعر وعن شعر الغزل لتكمل الصورة عن الشعر

(7/485)


سورة التوبة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما سبب عدم بدء سورة التوبة بالبسملة ؟

الجواب
السبب فى ذلك مختلف فيه ، فقيل لأنها سورة نزلت بالحرب والقتال وفضح أحوال المنافقين ، ولا يناسبها البدء بالبسملة التى تشتمل على الرحمة ، كعادة العرب عندما يوجهون كلاما إلى الغير تكون مقدمته مناسبة لموضوعه وقيل لأن عثمان رضى الله عنه لما أمر الكتَّاب بنسخ صور من القرآن ، وترتيب سوره التى لم يثبت فى ترتيبها نص من النبى صلى الله عليه وسلم حيث جعل السور الطوال بجوار بعضها - رأى أن سورة الأنفال متناسبة مع سورة التوبة فى الموضوع ، فأمر بجعلهما بجوار بعضهما بدون البسملة ، مع أن سورة الأنفال من أوائل ما نزل بالمدينة، وسورة براءة من أواخر ما نزل ، لكنهما متناسبتان من جهة الموضوع ، وقيل غير ذلك ، وفى كتب التفسير متسع لمن أراد الاستزادة

(7/486)


الأرضون السبع

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يوجد سبع أرضين كما توجد سبع سماوات ، وما الدليل على ذلك ؟

الجواب
قال الله تعالى {الله الذى خلق سبع سماوات ومن الأرض مثلهن} الطلاق : 12 ، وجاء فى الأحاديث " اللهم رب السماوات السبع وما أظللن ، ورب الأرضين السبع وما أقللن ... " كما جاءت أحاديث أخرى تذكر أن الأرض سبع أرضين ، وللمفسرين فى ذلك أقوال ثلاثة :
ا - أن الأرض سبع طبقات بعضها فوق بعض، وبين كل أرض وأرض مسافة كما بين السماء والسماء . وفى كل أرض سكان من خلق الله ، وهذا قول الجمهور كما ذكر القرطبى "ج 18 ص 174 " .
2-أنها سبع طبقات بعضها فوق بعض ، من غير فتوق ومسافات ، بخلاف السماوات ، وهذا قول الضحاك .
3-أنها سبع أرضين منبسطة، يعنى ليس بعضها فوق بعض ، وإنما تفرق بينها البحار وتظلها سماء واحدة، وقد تكون هى الأرض التى نعيش عليها مقسمة إلى قارات ، أى كتل منفصلة بالبحار والمحيطات ، يعرف منها آسيا وأوروبا "أوراسيا" وأفريقيا وأمريكا الشمالية وأمريكا الجنوبية ، واستراليا والقارة القطبية الشمالية ، والقارة القطبية الجنوبية .
هذا ، وقد روى الحاكم فى المستدرك وقال صحيح الإسناد ، وروى البيهقى فى شعب الإيمان وقال : إسناده صحيح عن أبى الضحى عن ابن عباس رضى الله عنهما أنه قال فى معنى الآية :هناك سبع أرضين ، فى كل أرض نبى كنبيكم وآدم كآدمكم ونوح كنوحكم ، وإبراهيم كإبراهيمكم وعيسى كعيساكم ، قال البيهقى : إسناد هذا الحديث إلى ابن عباس صحيح ، إلا أنى لا أعلم لأبى الضحى متابعا ، فهو شاذ ، وقد تكون مثلية الأرضين للسماوات مثلية كمٍّ أو كيف ، أى مثلية فى العدد، أو مثلية فى إبداع الخلق ودقة الصنع والاحتواء على الآيات والدلائل الشاهدة على عظمة الخلق والخالق .
وكل الأقوال اجتهادات فى التفسير ليس على أحدها دليل قاطع ، وذلك إذا أردنا بالرقم "7" حقيقته العددية ، بخلاف ما لو أردنا التعبير عن الكثرة بصرف النظر عن حدودها . ولعلماء اليوم اجتهادات قائمة على ظنون وافتراضات ، والقدر الواجب علينا معرفته هو أن الأرض سبع لا يعلم حقيقتها إلا الله سبحانه ، وقد ذكر القرآن عددها كما ذكر عدد السماوات لبيان قدرة الله وسعة كونه ، وإحاطة علمه بكل شيء ، وهذا القدر كاف فى صحة الإيمان بما فى القرآن مع تشجيع العلم على مواصلة البحث للوصول إلى حقائق تؤكد أن القرآن حق كما قال سبحانه {سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد} فصلت : 53،

(7/487)


قراءات القرآن

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
كم قراءة وردت لقراءة القرآن الكريم بها ؟ وهل هناك قراءات شاذة ؟ وما أهمية تعدد القراءات ؟

الجواب
ثبت فى الأحاديث أن القرآن أنزل على سبعة أحرف واختلف العلماء فى بيان المراد بالأحرف السبعة على أقوال كثيرة بلغت أربعين قولا من أحسنها أنها الأوجه السبعة التى تختلف بها القراءة، باختلاف الأسماء من إفراد وتثنية وغيرهما وباختلاف تصريف الأفعال من ماض ومضارع وأمر، وباختلاف التقديم والتأخير، وباختلاف الإبدال وباختلاف اللهجات . .
والصحابة اختلف أخذهم عن الرسول فى هذه الوجوه ، واشتهر منها ما يعرف بالقراءات السبع والقراءات العشر والقراءات الأربع عشرة، وأقواها هى السبع المنسوبة إلى الأئمة السبعة وهم : نافع وعاصم وحمزة وعبد الله بن عامر وعبد الله بن كثير وأبو عمرو بن العلاء ، وعلى الكسائى . والقراءات العشر تزيد على ما سبق قراءه أبى جعفر ويعقوب وخلف والقراءات الأربع عشرة تزيد قراءة الحسن البصرى، وابن مُحَيْصِن ، ويحيى اليزيدى ، والشنبوذى .
والقراءات السبع متواترة ، والمكملة للعشر قيل بتواترها وقيل بغير التواتر، وما بعدها فهى شاذة .
وضابط القراءات المقبولة : كل قراءة وافقت أحد المصاحف العثمانية ولو تقديرا ووافقت اللغة العربية ولو بوجه وصح إسنادها ولو كان عمن فوق العشرة من القراء-فهى القراءة الصحيحة التى لا يجوز ردها ولا يحل إنكارها .
وفائدة تعدد القراءات تظهر فى التيسير من أجل القراءة والحفظ وذلك لاختلاف لهجات العرب وجاء ذلك مصرحا به فى الأحاديث مثل "أسأل الله معافاته ومغفرته وإن أمتى لا تطيق ذلك " ومثل "إنى أرسلت إلى أمة أمية فيهم الرجل والمرأة والغلام والجارية والشيخ الفانى الذى لم يقرأ كتابا قط . . . " .
ومن الفوائد جمع الأمة على لسان واحد هو لسان قريش ، وقد يكون فيها بيان حكم من الأحكام مثل {وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس } النساء : 12 ، فجاء فى قراءة زيادة (من أم ) بعد "أخ أو أخت " ومثل الكفارة بتحرير رقبة جاء فى قراءة تقييدها بمؤمنة ومنها بيان لفظ مبهم مثل {كالعهن المنفوش } قرئت كالصوف المنفوش .
إلى غير ذلك من وجوه التيسير والإفادة ، والموضوع ألفت فيه كتب كثيرة، وعولج فى مؤلفات "علوم القرآن " للسيوطى وغيره فليرجع إليها لمن أراد الاستزادة

(7/488)


القراءة والسماع

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
أيهما أكثر ثوابا للمرء قراءة القرآن أم الاستماع إليه ؟

الجواب
أكثر الأحاديث جاءت ترغب فى القراءة، وتجعل ثواب الحرف الواحد عشر حسنات ، والماهر بالقراءة مع السفرة الكرام البررة والذى يتتعتع فيه له أجران ، ويأتى القرآن شفيعا لأصحابه ، ويلبسه الله تاج الكرامة وحلة الكرامة ، ويرتقى فى درجات الجنة بقدر ما يقرأ، والملائكة تتنزل لسماعه من القارئ ، وكل ذلك وغيره وردت به النصوص الصحيحة والحسنة .
أما استماع القرآن فالنصوص فى الترغيب فيه قليلة جدا ، قال تعالى {وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } الأعراف : 254 .
وفى الحديث "من استمع إلى آية من كتاب الله كتبت له حسنة مضاعفة، ومن تلاها كانت له نورا يوم القيامة" رواه أحمد عن عبادة بن ميسرة، واختلف فى توثيقه عن الحسن عن أبى هريرة، والجمهور على أن الحسن لم يسمع من أبى هريرة .
وقد حمل بعض المفسرين الآية على خطبة الجمعة فأوجبوا الإنصات إليها لاشتمالها على القرآن ، ومع ذلك فالحديث المروى فى الاستماع ذكر فيه ثواب التلاوة بأكثر من ثواب الاستماع ، والحديث على كل حال ضعيف .
ومن هنا يمكن أن نقول : إن قراءة القرآن أكثر ثوابا من الاستماع إليه ، وهى وسيلة لتعليم الكتابة ليستطيع القراءة، فالذى يسمعه ربما لا يكون قارئا أو عارفا بالكتابة، والقراءة أقرب من الاستماع لحفظ القرآن .
ومهما يكن من شيء فالانشغال بالقرآن بأية كيفية من الكيفيات فضيلة من كبريات الفضائل . والله أعلم

(7/489)


أوجه الإعجاز القرآنى

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما أوجه الإعجاز فى القرآن الكريم ؟

الجواب
أوجه الإعجاز فى القرآن كثيرة، وقد ألفت فيها كتب قديمة وحديثة ، وأشار إليها السيوطى فى "الإتقان " وابن القيم فى "الفوائد المشوقة إلى علوم القرآن " والبيضاوى فى "إعجاز القرآن " وأخيرا الرافعى فى كتابه " إعجاز القرآن والبلاغة النبوية " .
وأحسن الأوجه بأن الإعجاز فى بلاغته التى تحدى بها العرب والإنس والجن ، ودائما تكون المعجزة من جنس ما برع فيه القوم ، كعصا موسى بالنسبة للسحر، وزعم النَّظَّام من المعتزلة أن الإعجاز هو صرف الناس وعجزهم بقدرة الله عن محاكاته ، ورد عليه كثيرون ومنهم الجاحظ المعتزلى فى كتابه "نظم القرآن " وأبو الحسن على بن عيسى الرمانى المعتزلى المتوفى . سنة 384 هـ أو 386 هـ ، فى كتابه "النُّكت فى إعجاز القرآن " ومنهم أحمد بن محمد بن إبراهيم الخطابى المتوفى سنة 388 هـ فى كتابه " البيان فى إعجاز القرآن " والباقلانى المتوفى سنة 403 هـ فى كتابه "إعجاز القرآن " كما رد عليه السيوطى فى كتابه " الإتقان " .
ومن وجوه الإعجاز-لأنه كتاب ليس للعرب فقط ولا لعصر النبوة بل للعالم ولجميع العصور-إخباره بالغيب عن الأمور المستقبلة بوجه خاص ، وإن كان أخبر عن الماضين دون الرجوع إلى كتب كما قال الله تعالى عن نوح وقومه :
{تلك من أنباء الغيب نوحيها إِليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر إن العاقبة للمتقين } هود : 49 .
ومن الغيوب المستقبلة ما تدل عليه الآيات : {كتب الله لأغلبن أنا ورسلى} المجادلة : 21 .
{لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين } الفتح : 27 .
{غلبت الروم . فى أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون . فى بضع سنين } الروم : 2-4 .
{ وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم فى الأرض } النور: 55 .
ومن وجوه الإعجاز احتواؤه على علوم لم تكن معروفة للبشر ثم عرفت بعد .
{سنريهم آياتنا فى الآفاق وفى أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } فصلت : 153 .
وألفت فى ذلك كتب حديثة مثل "رسالة عن مقارنة بعض العلل بالوارد فى النصوص الشرعية" لعبد الله فكرى باشا، و "دروس سنن الكائنات " للدكتور محمد توفيق صدقى و "الجواهر" للشيخ طنطاوى جوهرى و "الإعجاز العلمى للقرآن " للدكتور محمد الغمراوى ، و "التوراة والإنجيل والقرآن والعلم " للكاتب الفرنسى المسلم "موريس بوكاى" و "الإسلام يتحدى" لوحيد الدين خان .
ومن وجوه الإعجاز : التشريع الحكيم الذى عنى ببيانه الشيخ محمد أبو زهرة والمستشار على منصور وغيرهما .
هذه نبذة بسيطة ، والكتب كثيرة لمن أراد المزيد

(7/490)


خواتيم سورة الحشر

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هى خواتيم الحشر وما ثواب قراءتها ؟

الجواب
خواتيم الحشر الواردة فى الحديث "من قرأ خواتيم الحشر فى ليل أو نهار فمات فى ذلك اليوم أو الليلة فقد ضمن الله له الجنة" والمراد بها الآيات التى فى آخر سورة الحشر المبدوءة بقوله تعالى {هو الله الذى لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة هو الرحمن الرحيم . . . } الآية : 22 .
وقد ذكر القرطبى فى تفسيره هذا الحديث ولم يذكر درجته . وجاء فى حاشية الجمل على الجلالين حديث أخرجه الترمذى وقال : إنه حسن غريب "من قال حين يصبح ثلاث مرات : أعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم وقرأ ثلاث آيات من آخر سورة الحشر وكَّل الله به سبعين ألف ملك يصلون عليه حتى يُمسى، وإن مات من يومه مات شهيدا، ومن قرأها حتى يمسى فكذلك " .
ومهما يكن من شيء فإن هذه الآيات فيها بعض أسماء الله الحسنى التى أمرنا أن ندعوه بها فى قوله تعالى {ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها} الأعراف : 180 ، وقراءتها لها ثوابها إن شاء الله ، بكل حرف عشر حسنات كما صحت بذلك الأحاديث

(7/491)


بلعام بن عوراء

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يقول الله سبحانه {واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين . ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث } الأعراف :
175 ، 176، فيمن نزلت ، وما كيفية الانسلاخ ، ولماذا شبه بالكلب دون غيره ، وفى أى عصر كان يعيش هذا الرجل ؟

الجواب
اختلف فى تعيين الرجل المذكور ، فقال ابن مسعود وابن عباس : هو بلعام بن باعوراء ، وقيل تاعم ، وهو من بنى إسرائيل ، عاش فى زمن موسى عليه السلام وكان بحيث إذا نظر رأى العرش ، وهو المعنىُّ بقوله تعالى {واتل عليهم نبأ الذى آتيناه آياتنا} ولم يقل آية ، وكان فى مجلسه اثنتا عشرة ألف محبرة للمتعلمين الذين يكتبون عنه ثم صار بحيث إنه كان أول من صنف كتابا فى أنه ليس للعالم صانع .
معنى هذا أنه كان صالحا ثم ضل ، وهو معنى الانسلاخ ، أى نزع الله منه العلم الذى كان يعلمه والإيمان الذى كان يلبس ثوبه .
وقيل : نزلت فى أمية بن أبى الصلت الثقفى، وكان قد قرأ الكتب وعلم أن الله مرسل رسولا فى ذلك الوقت ، وتمنى أن يكون هو ذلك الرسول ، فلما أرسل الله النبى صلى الله عليه وسلم حسده وكفر به ، وهو الذى قال فيه الرسول "آمن شعره وكفر قلبه " وهناك أقوال أخرى ذكرها القرطبى فى تفسيره ، وليس لواحد منها سند صحيح يوثق به ، وقال : إن القول الأول أشهر وعليه أكثر المفسرين .
ولو أن هذا الرجل بقى على الهدى لأماته الله مؤمنا ورفع شأنه ، ولكنه اتبع هواه وسار مع الشيطان ورغب فى الدنيا فكانت خاتمته سيئة ، وقد شبه الرجل بالكلب يلهث دائما على كل حال ، إن طردته أو لم تطرده ، يقول ابن جريج : الكلب منقطع الفؤاد ، لا فؤاد له (كذا) إن تحمل عليه يلهث أو تتركه يلهث ، كذلك الذى يترك الهدى لا فؤاد له ، وإنما فؤاده منقطع ، وقال القتيبى : كل شيء يلهث فإنما يلهث عن إعياء أو عطش ، إلا الكلب فانه يلهث فى حال الكلال وحال الراحة وحال المرض وحال الصحة ، وحال الرى وحال العطش ، فضربه الله مثلا لمن كذب بآياته ، فقال : إن وعظته ضل وإن تركته ضل ، كقوله تعالى{وإن تدعوهم إلى الهدى لا يتبعوكم سواء عليكم أدعوتموهم أم أنتم صامتون } الأعراف : 193 .
وهذا المثل فى قول كثير من أهل العلم بالتأويل عام فى كل من أوتى القرآن فلم يعمل به . هذا من أحسن ما قيل فى تفسير هذه الآية، والأقوال كثيرة فى كتب التفسير وهى اجتهادية ليست قاطعة، وتكفينا العبرة من المثل

(7/492)


كتابة المصحف بالرسم الإملائى

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
قراءة القرآن فى رمضان مستحبة ، ولكننا نجد صعوبة فى القراءة فى المصاحف الموجودة الآن ، لأن رسمها مخالف لقواعد الإملاء التى تعلمناها فهل تدلونا على مصحف يسهل علينا القراءة ؟

الجواب
هذا السؤال يجرنا إلى بيان الحكم فى كتابة المصحف بالرسم الإملائى ، وقد عرض هذا السؤال قديما على لجنة الفتوى بالأزهر الشريف فأجابت بما ملخصه :
إن عثمان رضى الله عنه أمر بأن تنسخ عدة نسخ من المصحف الذى كان موجودا عند السيدة حفصة بنت عمر أم المؤمنين رضى الله عنها وعن أبيها ، وكان هذا المصحف عند عمر ومن قبله أبو بكر الصديق رضى الله عنهما .
وكان المصحف مأخوذا من القطع المتعددة التى كان مكتوبا عليها فى زمن النبى صلى الله عليه وسلم .
ووزع عثمان هذه النسخ على الأمصار واستبقى واحدة منها بالمدينة وكل مصحف من هذه المصاحف يسمى "المصحف الإمام " وقد رسمت بعض الكلمات فى هذه المصاحف رسما يخالف قواعد الإملاء المعروفة الآن . وجرى المسلمون من عهد عثمان إلى الآن على اتباع الرسم العثمانى .
فهل يلتزم هذا الرسم أو يجوز العدول عنه إلى رسم آخر يلائم العصر الحديث ؟ ذهب جمهور الأئمة إلى التزام الرسم - العثمانى وحرمة مخالفته ، واستدلوا على ذلك بإجماع الصحابة على الصفة التى كتب بها عثمان المصاحف ، ولم يُرْوَ عن واحد منهم أنه كتب القرآن على غير هذه الصفة .
وذهب بعض العلماء إلى جواز كتابته بأى رسم كان . فكل رسم حصلت به الدلالة فهو جائز ، ولم يثبت أن النبى صلى الله عليه وسلم أمر بهذا الرسم ، بل الثابت أنه كان يأمر بكتابة ما نزل ولم يتعرض للكيفية التى كتب بها .
وإجماع الصحابة لا يدل على أكثر من جواز رسمه على نحو ما كتب الصحابة بحظر ولا إباحة ، وقد وضح ذلك أبو بكر الباقلانى فى كتابه " الانتصار" .
ولكن لجنة الفتوى بالأزهر الشريف اختارت بقاء المصحف على الرسم الذى كان عليه فى عهد عثمان رضى اللّه عنه . وعدم كتابته على الرسم الإملائى الحديث ، فإن الرسم الحديث ما يزال موضع الشكوى لعدم تيسير القراءة به ، حيث توجد به أحرف لا تنطق وتنقص منه حروف تنطق ، ولا تتيسر القراءة والفهم إلا بعد التمرن الطويل والإتقان لمعرفة قواعد الإملاء .
ثم إن قواعد الإملاء عرضة للتعديل ، فهل يكتب القرآن على القواعد الإملائية أو المعدلة أو القديمة ، وقد توجد عدة نسخ مختلفة الرسم ، وهنا تكون البلبلة والتعرض لتحريف القرآن وضعف الثقة فيه ثم أن تلاوة القرآن لا تؤخذ أبدا من الرسم ، بل من التلقى ، لأن هناك أحكاما لتجويد القرآن وإخراج الحروف من مخارجها الحقيقية لا يمكن للشكل الإملائى أن يدل عليها ولذلك أرسل عثمان مع المصاحف قراءً، فأمر زيد بن ثابت أن يقرئ بالمدينة والمغيرة بن شهاب أن يقرئ بالشام وعامر بن عبد قيس أن يقرئ بالبصرة وأبا عبد الرحمن السُّلَمى أن يقرئ بالكوفة فاللائق بقدسية القرآن بقاء كتابته على الرسم العثمانى اهـ .
بناء على هذه الفتوى لا تطبع المصاحف الآن على القواعد الإملائية المعروفة ، فإذا أردت أن تقرأ القرآن . فليكن أولا على عالم به مجيد له ، والقليل المجوَّد أفضل من الكثير الملحون أو غير السليم

(7/493)


قراءة القرآن فى المواصلات العامة

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما حكم الدين فى قراءة القرآن فى المواصلات العامة ؟

الجواب
قراءة القرآن فى أى مكان طاهر محترم لا حرج فيها مطلقا، إذا قصد بها ذكر الله والتعبد ورجاء الثواب من الله سبحانه ، أو التعليم للغير كيفية التلاوة أو أحكام القرآن وهدايته ، ويدل على ذلك إطلاق قوله تعالى :
{الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم} آل عمران : 191 .
وإطلاق قوله : { يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرًا كثيرًا "وسبحوه بُكرة وأصيلاً} الأحزاب : 41 ، 42 .
والقرآن أشرف الذكر، وذلك إلى جانب ما ورد من الحث على قراءة القرآن .
وإنما الممنوع أن يُتخذ القرآن وسيلة للاستجداء واستدرار عطف الناس ، وبخاصة ما يكون عليه المستجدى من هيئة مبتذلة كأنها عنوان للقراء أو المشتغلين بالدين عامة .
وعلى هذا يحمل قول النبى صلى الله عليه وسلم فيما رواه أحمد " اقرؤوا القرآن واعملوا به ولا تجفوا عنه ولا تغلوا فيه ولا تأكلوا به ولا تستكثروا به " قال الهيثمى : رجاله ثقات ، وقال ابن حجر فى الفتح : سنده قوى . كما رواه الطبرانى والبيهقى أيضا ، وفسر الأكل به بأخذ الأجرة عليه ، كما فُسر بالاستجداء به والتسول .
ويجب العمل على إزالة هذه المظاهر وغيرها من مظاهر التسول ، فهى صورة سيئة للإسلام ، وإغراء بالكسل وعدم البحث عن العمل الجاد الشريف .
أما العاجزون فتجب رعايتهم بما يكفل لهم العيش الكريم ، وتلك مسئولية المجتمع كله والأجهزة المخصصة لذلك

(7/494)


التغنى بالقرآن

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل من الحديث ما يقال " اقرؤوا القرآن بلحون العرب وأصواتها ، وإياكم ولحون أهل الفسق والكبائر، فانه سيجىء أقوام من بعدى يرجعون القرآن ترجيع الغناء والرهبانية والنوح ، لا يجاوز حناجرهم ، مفتونة قلوبهم وقلوب من يعجبهم شأنهم "

الجواب
هذا الحديث موجود فى مقدمة تفسير القرطبى "ج 1 ص 17 " ذكره الحافظ أبو الحسن رزين وأبو عبد اللّه الترمذى الحكيم فى " نوادر الأصول " ولم يذكر درجته من الصحة وغيرها ، وهو على كل حال ينهى عن التغنى بالقرآن بما يخرجه عن أصول التلاوة الصحيحة ، ويجعله كالأغانى التى يرددها المغنون والتى فيها ترجيع وتطريب يهمز فيه ما لا يهمز، ويمد ما لا يمد ، وتصير الألف الواحدة ألفات ، والواو الواحدة واوات ، كما وضحه القرطبى، ونعى على كثير من قراء اليوم الذين يخرجون بالقرآن عن أصول القراءة العربية المتلقاة عن النبى صلى الله عليه وسلم

(7/495)


حمل المصحف المسجل

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
عندى شرائط مسجلة عليها سور من القرآن الكريم ، هل يجوز لى أن أحملها أو أمسها وأنا غير متطهر ؟

الجواب
اتفق جمهور الفقهاء على عدم جواز حمل المصحف ومسه بدون طهارة من الحدثين الأكبر والأصغر، استنادا إلى قوله تعالى { لا يمسه إلا المطهرون } الواقعة : 79 ، وقول النبى صلى الله عليه وسلم " لا يمس القرآن إلا طاهر " رواه النسائى وغيره ، وقال ابن عبد البر: إنه أشبه بالمتواتر لتلقى الناس له بالقبول .
وهذا فى القرآن المكتوب ، أما المسجل على أشرطة أو أسطوانات فإنه مكتوب بطريقة حديثة لم تكن معروفة من قبل ، فهو يسمع ولا يقرأ، لأنه ليس بحروف يمكن أن ترى ويفطن لها ليعلم ما تدل عليه إلا بإعادة سماعها ، وإذا كان القرآن الذى يسمع من الأشرطة له الحكم فى الإنصات له وتدبره ، غير أن الشريط نفسه لا يطلق عليه عرفا أنه كتاب ولم يكن العرب يعرفونه حتى يدخلوه تحت اسم الكتاب ، ولهذا أرجح أنه لا يحرم مسه ولا حمله بدون طهارة ، وإن كانت الطهارة أكمل ، واحترام الشريط فى حد ذاته راجع إلى نية الإنسان وتحديد موقفه منه وعلى كل حال فالاحتياط أفضل

(7/496)


النظر فى المصحف

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل صحيح أن النظر فى المصحف عبادة ؟

الجواب
روى أبو داود فى ضمن حديث عن النبى صلى الله عليه وسلم " النظر فى المصحف عبادة ، والنظر إلى الكعبة عبادة ، والنظر إلى وجه الوالدين عبادة " وروى الطبرانى والبيهقى حديثا فيه " قراءة الرجل فى غير المصحف ألف درجة، وقراءته فى المصحف تضاعف ذلك إلى ألفى درجة" وروى أبو عبيد القاسم بن سلام فى كتابه فضائل القرآن " فضل القرآن نظرا على من قرأه ظاهرا كفضل الفريضة على النافلة" .
وعن ابن عباس: كان عمر إذا دخل البيت نشر المصحف يقرأ فيه .
وعن الشعبى أنه كان يصلى العتمة-العشاء-ويضع المصحف فى يديه فما يطبقه حتى الصبح . وقال أحمد بن حنبل ، كان أبى يقرأ فى كل يوم شيئا من القرآن فى المصحف لا يتركه نظرا .
هذه أحاديث وآثار لا أعرف لها سندا صحيحا ، وكيف نفهم أن عمر كان ينشر المصحف يقرأ فيه ، هل له مصحف خاص ، وكيف كتبه ؟ مع أن المصحف المعتمد الوحيد كان عند حفصة بنته ، ومنه عملت نسخ فى عهد عثمان .
المهم أن هذه الآثار ترغب فى تلاوة القرآن ، وتبين فضل النظر فى المصحف ، ولكن الفضل ليس لمجرد النظر، بل للقراءة. ومن هنا اختلف العلماء : هل القراءة من الحفظ أفضل أم من النظر فى المصحف ؟ قال النووى فى كتابه " الأذكار ص 111 " : قراءة القرآن فى المصحف أفضل من حفظه ، هكذا قال أصحابنا ، وهو مشهور عن السلف رضى الله عنهم . وهذا ليس على إطلاقه ، بل إن كان القارئ من حفظه يحصل له من التدبر والتفكر وجمع القلب والبصر أكثر مما يحصل من المصحف فالقراءة من الحفظ أفضل ، وإن استويا فمن المصحف أفضل ، وهذا مراد السلف ، انتهى .
ولم يستند النووى إلى حديث مروى عن النبى صلى الله عليه وسلم فى ذلك ، وهذا يدل على أن الوارد لا يعتمد عليه فى حكم النظر إلى المصحف

(7/497)


تبديل الأرض والسماء

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
أرجو تفسير قوله تعالى { يوم تبدل الأرض غير الأرض والسماوات وبرزوا لله الواحد القهار } إبراهيم : 48

الجواب
تبديل الأرض والسماوات يكون يوم القيامة، وقيل : إن المراد تبديل الصفات لا تبديل الذوات ، بمعنى أن تبديل الأرض يكون بمدها أو بسطها كالأديم . وتبديل السماوات يكون بتكوير شمسها وقمرها وتناثر نجومها .
وقيل : يكون التبديل بتبديل ذواتها أى إزالتها ، وصححه القرطبى فى تفسيره ، حيث يخلق الله أرضا أخرى ليحشر عليها الناس . ففى صحيح مسلم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " ويحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفراء كقرصة النَّقِىِّ، ليس فيها عَلَم لأحد" والنقى هو الدقيق الأبيض كما فى نهاية ابن الأثير .
وقال ابن مسعود : تبدل بأرض غيرها بيضاء كالفضة لم يعمل عليها خطيئة، وقال على رضى الله عنه : تبدل الأرض فضة والسماء ذهبا .
هذه بعض أقوال المفسرين ، وفى الكتب متسع لمن أراد ، وما جاء فى الأحاديث الصحيحة أفضل فى التفسير

(7/498)


تفسير " إنا عرضنا الأمانة "

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
نرجو تفسير قوله تعالى { إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا } الأحزاب : 72

الجواب
فى تفسير هذه الآية كلام كثير، وبخاصة فى بيان المقصود من الأمانة ، لكن الجمهور على أن الأمانة تعم جميع التكاليف الشرعية، عرضها اللّه على السماوات والأرض والجبال : إن أدوها أثابهم ، وإن ضيعوها عذبهم ، فكرهوا ذلك وأشفقوا ، ليس معصية للّه ولكن تعظيما لدين الله ألا يقوموا به .
ويروى فى ذلك أثر عن الترمذى الحكيم عن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما عن النبى صلى الله عليه وسلم قال : " قال الله تعالى لآدم : يا آدم إنى عرضت الأمانة على السماوات والأرض والجبال فلم تطقها، فهل أنت حاملها بما فيها؟ فقال : وما فيها يا رب العالمين ؟ قال : إن حملتها أُجرت ، وإن ضيعتها عُذِّبت . فاحتملها بما فيها، فلم يلبث فى الجنة إلا قدر ما بين صلاة الأولى إلى العصر حتى أخرجه الشيطان منها" .
فالأمانة هى التكاليف ، وترتب الثواب على أدائها والعقاب على تضييعها لا بد له من حرية واختيار والمخلوقات غير الإنسان ليست لها هذه الحرية، فهى مسيرة بقوانين ثابتة لا تملك الخروج عليها، ولا تتحقق بها الطاعة والمعصية . ومن هنا كان الإنسان أصلح المخلوقات للعيش على الأرض ، ومتناسبا مع ما فيها من ماديات ومعنويات متقابلة بالتضاد أو التناقض . وهذا تكريم من الله للإنسان حيث اختاره لحمل هذه الأمانة .
وليس قوله { إنه كان ظلوما جهولا } نقضا لهذا التكريم ، فإن مجرد استعداده لتلقى التكاليف دون غيره من المخلوقات هو مناط التكريم ، وكونه يفى بالعهد أو ينقض هو مظهر من مظاهر الاستعداد الذى ليس لغيره . فهو ظلوم إن تعدى حدود التكليف وهو يعلم بها ، وجهول إن كان لا يعلمها وعنده أمانة العقل الذى يهديه إلى علمها ، وليس هناك كائن غير الإنسان يوصف بالظلم والجهل ، لأنه لا يعرف حدا يقف عنده . وما وصف الإنسان بالظلم والجهل إلا لأنه يصح أن يوصف بضدهما من العدل والعلم كما قال المحققون . هذا بعض ما قيل فى تفسير الآية ، ولعل فيه الكفاية .
"انظر صفحة 539 من المجلد"

(7/499)


يا أخت هارون

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما المقصود بقوله تعالى { يا أخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيَّا} مريم : 28

الجواب
السيدة مريم عليها السلام لما حملت بأمر ربها بعيسى عليه السلام وولدت اتهمها الناس بالفاحشة ، وتعجبوا كيف تقع فيها وهى من نسل طاهر من جهة الأب والأم ، وقولهم لها " يا أخت هارون " معناه يا شبيهة الرجل الصالح المعروف فى زمانهم بالطهر والعفاف ، واسمه هارون .
وكانوا يسمون بأسماء الأنبياء والصالحين .
والأقوال فى ذلك كثيرة ذكرها المفسرون ، ولكن أقربها إلى الصحة هو ما ذكرته . فقد روى مسلم عن المغيرة بن شعبة قال : لما قدمت نجران سألونى، فقالوا : إنكم تقرؤون { يا أخت هارون } وموسى قبل عيسى بكذا وكذا، فلما قدمت على النبى صلى الله عليه وسلم سألته عن ذلك فقال : "إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم "

(7/500)


تفسير " ما منعك ألا تسجد "

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يقول الله تعالى لإبليس حين امتنع عن السجود لآدم {قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك } المعنى الظاهر من هذا التعبير أن إبليس سجد ، والله يسأله عن السبب فى عدم السجود . نريد توضيح المعنى ؟

الجواب
قال المفسرون إن لفظ "لا" زائد، والمعنى ما منعك أن تسجد، كما جاء فى موضع آخر{ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدى } ص :75 ، واستشهد القرطبى على زيادة "لا" بقول الشاعر :
أبَى جوده لا البخل فاستعجلت به نَعَمْ من فتى لا يمنع الجود نائله والمعنى أبى جوده البخل . فزاد "لا" . وقيل : ليست زائدة، فإن المنع فيه طرف من القول والدعاء ، فكأنه قال : من قال لك ألا تسجد؟ أو من دعاك إلى ألا تسجد؟ كما تقول : قد قلت لك ألا تفعل كذا . وقيل :
فى الكلام حذف ، والتقدير : ما منعك من الطاعة وأحوجك إلى ألا تسجد . انتهى .
هكذا خرجوا اللفظ على المعنى الصحيح ، ولو حذفت "لا" لكان المعنى واضحا كما حذفت فى سورة "ص "لكن تواتر القرآن بالتلقى عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه "لا" فى هذه الآية. ولو كان القرآن عرضة لحذف شىء من نص ليلتئم ويتفق مع نص آخر لحذفوا هذا الحرف الزائد، ولكن أبقوا عليه كما أُنزل وحاولوا -على قواعد اللغة العربية التى نزل بها - أن يوفقوا بينه -. وبين النصوص الأخرى ، وهو دليل على حرص الصحابة والتابعين ومن بعدهم على نقل القرآن الكريم كما تلقوه عن الرسول صلى الله عليه وسلم

(8/1)


ومن لم يحكم بما أنزل الله

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يقول الله تعالى { ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون } المائدة : 44 ، وفى الآية التى بعدها { فأولئك هم الظالمون } و فى الآية رقم 47 { فأولئك هم الفاسقون } فهل تصدق هذه الآيات على الذين يحكمون بقوانين وضعية ؟

الجواب
هذا الموضوع مستوفى فى الجزء الأول من كتاب " بيان للناس من الأزهر الشريف " والحكم بغير ما أنزل اللّه ليس قاصرا على الحكام والقضاة، وإنما هو شامل لكل إنسان يعطى حكما لأى شىء غير حكم اللّه ، سواء فى فتوى أو قضاء أو غير ذلك ، كالذى يشرب الخمر ويقول إنها حلال ، ويتعامل بالربا ويقول إنه حلال وهكذا .
وإذا كان الحكم على من لم يحكم بما أنزل اللّه بأنه كافر أو ظالم أو فاسق ، فهو حكم صادق ، لأن الفسق خروج عن المشروع ، وكذلك الظلم تجاوز للحد المشروع ، والكفر تجاوز الإيمان إلى غير الإيمان . وإن رأى بعض المفسرين أن الحكم بالكفر يكون على من أنكر حكم اللّه أو استهزأ به ، وهو مناسب فى الآية الأولى لرفض اليهود حكم الله فى التوراة ، وأن الحكم بالظلم يكون على من تجاوز القصاص فى الأمور التى ذكرتها الآية { النفس بالنفس والعين بالعين} إلى آخره ، والظلم واضح فى ذلك . وأن الحكم بالفسق على أهل الإنجيل يشمل الكفر عند إنكار حكم الله ويشمل الظلم عند تجاوز الحد .
ومهما يكن من شىء فإن كلام المفسرين فى هذه الآيات كثير ، ويلتقى كله على أن إنكار حكم الله أو الاستهزاء به كفر، وأن عدم الإنكار وعدم الاستهزاء مع تجاوز الحد فى التطبيق أو التقصير ليس كفرا وإنما يكون ظلما ويكون فسقا .
وعليه فإنه لا يصح أن يتعجل بالحكم بالكفر على من لم يحكم بشريعة اللّه فردا أو جماعة أو دولة إلا بعد التأكد من أن ترك حكم الله كان عن إنكار له أو استهزاء به ، وذلك أمر باطنى لا يصرح به غالبا، فإن صرح به دون تأويل جاز الحكم بالكفر، وإن لم يعلم ذلك على وجه اليقين فالواجب هو عدم الحكم بالكفر، والحديث يقول : " من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما إن كان كما قال وإلا رجعت عليه " رواه مسلم بعبارات متقاربة .
وإليك نماذج من أقوال المفسرين القدامى والمحدثين ، وتتفق كلها مع ما تقدم ، ومع ما هو مسطر فى " بيان للناس " .
ذكر الفخر الرازى المتوفى سنة 606 خمسة أجوبة ارتضى منها ما قاله عكرمة من أن الحكم بالكفر يكون عند الجحد والإنكار، أما المؤمن بحكم الله لكنه خالفه فهو عاص ، وقال : إن الكفر يكون بالتقصير فى حق الله ، أما الظلم فهو تقصير فى حق النفس . وذكر البيضاوى المتوفى سنة685 هـ ما نصه : فكفرهم لإنكاره ، وظلمهم بالحكم على خلافه ، وفسقهم بالخروج عنه .
وقال الزمخشرى المتوفى سنة 528 هـ : من جحد حكم الله كفر، ومن لم يحكم به وهو مقر-يعنى به -فهو ظالم فاسق .
وقال الآلوسى المتوفى سنة 1270 هـ : ولعل وصفهم بالأوصاف الثلاثة باعتبارات مختلفة ، فلإنكارهم ذلك وُصِفُوا بالكافرين ، ولوضعهم الحكم فى غير موضعه وُصِفوا بالظالمين ، ولخروجهم عن الحق وصفوا بالفاسقين

(8/2)


ضلال الآخرين

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
أرجو تفسير قوله تعالى : { يأيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } ؟ .
وهل من الحديث ما يقال : " من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم " وهل تناقض بين الآية والحديث ؟

الجواب
هذه الآية تنص على أن الإنسان لا يتحمل وزر غيره إذا كان هو مهتديا لكن الاهتداء لا يكون إلا بالقيام بالواجبات ومنها الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فالسكوت على المنكر ممنوع ولابد من تغييره بإحدى الوسائل الممكنة ، ففى الحديث الشريف " من رأى منكم منكرا فليغيره بيده ، فإن لم يستطع فبلسانه ، فإن لم يستطع فبقلبه ، وذلك أضعف الإيمان " فمن لم ينكر المنكر لا يكون مهتديا ، والإنكار يتفق مع الحديث " من لم يهتم بأمر المسلمين فليس منهم " . فلا يوجد تناقض بين الآية والحديث ، ويوضح هذا ما رواه أبو داود والترمذى وغيرهما عن قيس قال : خطبنا أبو بكر الصديق رضى الله عنه فقال : إنكم تقرؤون هذه الآية وتتأولونها على غير تأويلها :
{ يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفُسكُم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } المائدة : 155 وإنى سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعذاب من عنده " وهو حديث حسن صحيح .
وروى أبو داود والترمذى وغيرهما عن أبى أمية الشعبانى قال : أتيت أبا ثعلبة الخشنى فقلت له : كيف تصنع بهذه الآية ؟ فقال : أية آية؟ قلت :
قوله تعالى : { يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } قال : أما واللّه لقد سألت عنها خبيرا ، سألت عنها رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقال : " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر ، حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة، وإعجاب كل ذى رأى برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العامة ، فإن من ورائكم أياما الصبر فيهن مثل القبض على الجمر، للعامل فيهن مثل أجر خمسين رجلا يعملون مثل عملكم " .
والكلام كثير فى هذا الموضوع .
وخلاصته : أنه لابد من الاهتمام بأمر المسلمين ، ومنه الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، فإذا فعل ذلك فقد اهتدى ، وبالتالى لا يقع عليه وزر من ضلوا الطريق

(8/3)


الفتح والذنب

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
أرجو تفسير قوله تعالى { إنا فتحنا لك فتحا مبينا . ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر } الفتح : 1 .
وماذا كان هذا الفتح ، والذنب الذى تأخر وتقدم للرسول صلى الله عليه وسلم ؟

الجواب
الفتح المذكور فى الآية هو صلح الحديبية فى السنة السادسة من الهجرة لأنه كان مقدمة لفتح مكة فى السنة الثامنة من الهجرة ، وهو قول كثير من المفسرين .
والذنب الذى غفره الله للرسول مختلف فيه كثيرا ، فالمتقدم منه ما كان قبل الرسالة ، والمتأخر ما كان بعدها ، أو المتقدم ما كان قبل الفتح والمتأخر ما كان بعده .
والكلام كثير فى وقوع الذنب من الرسول .
فالإجماع على أن الكبائر لم تقع منه أو من الرسل الآخرين بعد تشريفهم بالرسالة ، أما الصغائر فقيل تقع منهم بشرط ألا تكون فيها خسة لا تليق بمقامهم .
وقيل : إن ما يقع منهم هو صورة الذنب وليس ذنبا، بل هو من باب :
حسنات الأبرار سيئات المقربين .
والمهم هو بيان الربط بين الفتح والمغفرة للذنوب وأثرها فى نفس الرسول .
وقد ثبت أن الرسول فرح بنزول هذه الآية ، كما رواه الترمذى بسند حسن صحيح عن أنس قال : أنزلت على النبى-صلى الله عليه وسلم- {ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر}. مرجعه من الحديبية فقال : " لقد أُنزلت علىَّ آية أحب إلىَّ مما على وجه الأرض " ثم قرأها .
وفى الربط بين الفتح والمغفرة قال الزمخشرى : لم يجعل الفتح علة للمغفرة، ولكن لاجتماع ما عدَّد من الأمور الأربعة وهى : المغفرة، وإتمام النعمة ، وهداية الصراط المستقيم ، والنصر العزيز، كأنه قال :
يَسَّرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوك ليجمع لك عز الدارين وأعراض العاجل والآجل .
ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدو سببًا للغفران والثواب .
ويكفى هذا القدر، ومن أراد الزيادة فعليه بكتب التفسير

(8/4)


حياة أهل الكهف

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل كان أصحاب الكهف فى حالة نوم أو حالة موت ؟

الجواب
أصحاب الكهف كانوا فى حالة نوم ، وليسوا فى حالة موت ، بدليل قوله تعالى { ونقلبهم ذات اليمين وذات الشمال } الكهف : 18 والتقليب لا يكون للميت بل للحى . وقوله تعالى : {لو اطَّلعت عليهم لوليت منهم فرارا ولَمُلئت منهم رُعبا} الكهف : 18 والعادة أن الإنسان لا يخاف ولا يفر إذا رأى أمواتا ، بل ذلك يكون عند تغير هيئتهم المعتادة، بمثل طول شعورهم وأظفارهم ، وهذا من علامات الحياة لا الموت .
وقد قال الله تعالى فى أول قصتهم { فضربنا على آذانهم فى الكهف سنين عددا} الكهف : 11 .
يقول القرطبى : عبارة عن إلقاء الله تعالى النوم عليهم ، وهذه من فصيحات القرآن التى أقرَّ العرب بالقصور عن الإتيان بمثله . قال الزجاج : أى منعناهم من أن يسمعوا ، فإن ، النائم إذا سمع انتبه ، وقوله تعالى {ثم بعثناهم } لا يلزم منه أن يكون البعث بعد موت ، فقد يكون من نوم ، وهو أشبه بالموت ، وجاء ذلك فى مثل قوله تعالى : { وهو الذى يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار ثم يبعثكم فيه ليُقْضَى أجلٌ مسمى} الأنعام : 60

(8/5)


وضع المصحف مع الميت فى القبر

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
يرى بعض الناس أن وضع المصحف مع الميت فى القبر يشفع له ، فهل هذا صحيح ؟

الجواب
ليس صحيحا أن مجرد وضع المصحف مع الميت يشفع له ، فإن وضعه ليس من عمله وإنما هو من عمل غيره ، والميت ينفعه عمله هو ويشفع له عند الله ، وكذلك ينفعه عمل غيره مما نص عليه الدين ، وهو الدعاء له ، والصدقة عليه ، وهبة القربات من الصلاة النافلة والصيام وقراءة القرآن والحج والعمرة .
وأما وضع المصحف معه فلن يشفع له ، وهو غير جائز، لأن المصحف متعرض للتلوث ، وذلك لا يجوز

(8/6)


الباقيات الصالحات

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما هى الباقيات الصالحات الواردة فى قوله تعالى {والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا } الكهف : 46 ؟

الجواب
الباقيات الصالحات هى الأعمال الصالحة التى يكون لها ثواب فى الآخرة، فهى كالشجرة المثمرة التى تبقى ثمرتها بعد انتهاء هذه الدنيا .
جاء فى تفسير القرطبى أن العلماء اختلفوا فى المراد بهذه الأعمال الصالحة على أقوال كثيرة ، فقيل هى الصلوات الخمس ، وقيل : كل عمل صالح من قول أو فعل يبقى للآخرة، وهو الصحيح . وقال الجمهور: هى سبحان اللّه والحمد لله ولا إله إلا الله واللّه أكبر ولا حول ولا قوة إلا باللّه العلى العظيم ، كما أخرجه مالك فى الموطأ، ووردت فى هذا الذكر آثار كثيرة تؤكد أنها المراد من الباقيات الصالحات منها حديث "استكثروا من الباقيات الصالحات " قيل : وما هن يا رسول اللّه ؟ قال "التكبير والتهليل والتسبيح والحمد لله ولا حول ولا قوة إلا بالله " رواه أحمد وأبو يعلى والنسائى واللفظ له ، وابن حبان فى صحيحه ، والحاكم وصححه . وحديث "خذوا جُنَّتكم " قالوا : يا رسول اللّه : عَدوٌّ حضر؟ قال " لا ، ولكن جُنتكم من النار، قولوا سبحان الله والحمد للّه ولا إله إلا الله والله أكبر، فإنهن يأتين يوم القيامة مجنَّبات ومعقبات ، وهن الباقيات الصالحات " رواه النسائى والحاكم والبيهقى ، والجُنَّة ما يستر ويقى ، ومعنى المجنَّبات : المتقدمات أمامكم ، وفى رواية منْجيات ، وفى رواية للطبرانى بإسناد جيد الجمع بين اللفظين "مجنبات ومنجيات" ومعنى معقبات تأتى من ورائكم . والمراد أن هذه الكلمات تكون حارسة يوم القيامة للإنسان من خلفه ومن أمامه .
وجاءت أحاديث كثيرة فى فضل هذا الذكر أو بعضه يرجع إليه فى "الترغيب والترهيب " للحافظ المنذرى ج 2 ص 165 وما بعدها

(8/7)


الطيبات للطيبين

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
ما المراد بقوله تعالى {الخبيثات للخبيثين والخبيثون للخبيثات والطيبات للطيبين والطيبون للطيبات } النور: 26 ؟

الجواب
هذه الآية مختلف فى تفسيرها، فقيل : المعنى أن الكلمات الخبيثة تكون للخبيثين من الرجال ، والخبيثون من الرجال يستحقون الخبيثات من الكلام .
وكذلك يقال فى الطيبين والطيبات .
وقيل فى معناها أن النساء الخبيثات لائقات للخبيثين من الرجال ، أى يملن إلى الزواج منهم أو مصاحبتهم ، وكذلك الخبيثون من الرجال لائقون للخبيثات من النساء أى يميلون إلى الزواج منهن أو مصاحبتهن ، وكذلك يقال فى الطيبين والطيبات .
على حد المثل القائل : إن الطيور على أشكالها تقع .
وهذه الآية جاءت إثر الحديث عن اتهام بعض الناس للسيدة عائشة رضى الله عنها بالإفك ، فهى طيبة لا يليق وصفها إلا بالطيب من الأوصاف ، وكذلك لا يبحث عنها ويتزوجها إلا الطيبون من الرجال .
فالآية إما حديث عن طبائع الناس ، وإما تشريع فى صيانة الألسنة عن الاتهامات الكاذبة ، والبحث فى الزواج عن الدين والخلق

(8/8)


حياتان وموتتان

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
أرجو تفسير قوله تعالى {قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحببتنا اثنتين } غافر : 11 ؟

الجواب
قال المفسرون : الموتتان هما :
الأولى : ما قبل خلقهم وتكوينهم فى بطون أمهاتهم .
والثانية : خروج الروح بعد الحياة .
أما الحياتان :
فالأولى : بنفخ الروح فى الجنين .
والثانية : بالبعث يوم القيامة ، وقيل غير ذلك . وكله اجتهاد .
وفى كتب التفسير متسع لمن أراد أن يستزيد

(8/9)


كتابة القرآن للشفاء

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
هل يجوز أن تكتب بعض آيات القرآن يعلقها المريض أو يمحوها بالماء من أجل الشفاء ؟

الجواب
أما أن القرآن شفاء فذلك أمر لا شك فيه ، قال تعالى {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين } الإسراء : 82 ، وقال {يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما فى الصدور } يونس : 57 .
وقد حمل كثير من العلماء الشفاء على ما يعم الشفاء من الأمراض العقلية والنفسية والخلقية والجسمية، حيث لا يوجد ما يمنع ذلك .
فهو يصحح الفكر والعقيدة ، ويهذب النفس ويمنحها الأمن والطمأنينة ، ويقوم السلوك بالأخلاق الحميدة ، ويزيل العلل والأمراض التى تعترى الأجساد .
وقد روى البخارى ومسلم حكاية سيد الحى الذى لُدغ ، ورقاه المسلمون بفاتحة الكتاب فشفاه اللّه ، وأخذوا على ذلك أجرا أقرهم عليه النبى صلى الله عليه وسلم وقال "إن أحق ما أخذتم عليه أجرا كتاب الله تعالى " والحديث بطوله موجود فى زاد المعاد لابن القيم "ج 3 ص 121 " وذكر أن ابن ماجه روى فى سننه من حديث على قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم "خير الدواء القرآن " ووضح تأثير العلاج بالقرآن توضيحا كبيرا يمكن الرجوع إليه .
وقال بعض العلماء : إن المراد بشفاء القرآن هو ما عدا شفاء الأجسام ، بدليل أن النبى صلى الله عليه وسلم أخبر أن لكل داء دواء إلا الموت أو إلا الهرم ، وأمر بالتداوى ، عند المختصين كالحارث بن كلدة ، وعالج بالفصد والحجامة وشرب العسل وبغير ذلك مما وضحه ابن القيم فى كتاب الطب النبوى .
والحق أن علاج الأمراض البدنية مطلوب عند المختصين ، والقرآن هو الذى أرشد إلى ذلك بسؤال أهل الذكر، وبالأمر بالتعلم والإفادة . مع الإيمان بفاعليته فى العلاج الفكرى والنفسى ، وقد ذكر السيوطى فى "الإتقان "ج 2 ص 163 طرفا من خواص القرآن فى العلاج العام ، وأورد حديث ابن ماجه عن ابن مسعود "عليكم بالشفاءين العسل والقرآن " وحديث اللديغ سيد الحى وعلاجه بفاتحة الكتاب الذى رواه البخارى ومسلم ، وذكر حديث الطبرانى عن على قال : لَدَغَتْ النبىَّ صلى الله عليه وسلم عقربٌ ، فدعا بماء وملح وجعل يمسح عليها ويقرأ : قل يا أيها الكافرون والمعوذتين .
ثم ذكر السيوطى أن النووى قال فى شرح المهذب : لو كتب القرآن فى إناء ثم غسله وسقاه المريض فقال الحسن البصرى ومجاهد وأبو قلابة والأوزاعى :
لا بأس به ، وكرهه النخعى، قال : ومقتضى مذهبنا - الشافعية - أنه لا بأس به . قال الزركشى : وممن صرح بالجواز فى مسألة الإناء العماد النيهى، مع تصريحه بأنه لا يجوز ابتلاع ورقة فيها آية ، لكن أفتى ابن عبد السلام بالمنع من الشرب أيضا ، لأنه يلاقى نجاسة الباطن . وفيه نظر .
هذا ما نقل عن العلماء فى جواز العلاج بالقرآن قراءة من الجواز، فهو نافع إن شاء اللّه وبخاصة إذا كان القارئ صالحا ترجى بركته ، أو دعا اللّه بعد قراءة القرآن فقد يستجيب الله الدعاء، وقد رأينا أن النبى صلى الله عليه وسلم فى علاج لدغة العقرب أخذ بالوسائل المادية مع قراءة القرآن .
ورأينا اختلاف العلماء فى كتابة القرآن ومحوه بالماء وشربه للاستشفاء ما بين مجيز ومانع ، مع تحرزهم من تعرض القرآن للنجاسة أو الإهانة

(8/10)


الشيعة والقرآن

المفتي
عطية صقر .
مايو 1997

المبادئ
القرآن والسنة

السؤال
قرأنا أن من فرق الشيعة من تدعى أن القرآن الموجود الآن فى المصاحف ناقص ، حذف منه ما يخص عليّا وذريته ، نريد توضيحا لذلك ؟

الجواب
نزل القرآن على النبى صلى الله عليه وسلم ، وكان يأمر كتَّابه بتدوين ما ينزل ، على مدى ثلاثة وعشرين عاما ، وحُفظ هذا المكتوب ونسخت منه عدة نسخ فى أيام عثمان بن عفان ، رضى اللّه عنه ، ثم طبعت المصاحف المنتشرة فى العالم كله طبق المصحف الإمام الذى كان عند عثمان والنسخ التى أخذت منه .
والشيعة يزعمون أن أبا بكر وعمر بالذات حذفا من المصحف آيات كثيرة، منها عدد كبير يتصل بخلافة على رضى اللّه عنه ، ويزعمون أن المصحف الكامل كتبه على بعد انتقال النبى صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى .
جاء فى كتاب "الأنوار النعمانية " لمحدثهم وفقيههم الكبير "نعمة الله الموسوى الجزائرى "ما نصه : إنه قد استفاض فى الأخبار أن القرآن كما أنزل لم يؤلفه إلا أمير المؤمنين عليه السلام ، بوصية من النبى صلى الله عليه وعلى آله وسلم ، فبقى بعد موته ستة أشهر مشتغلا بجمعه ، فلما جمعه كما أنزل أتى به إلى المتخلفين بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله فقال : هذا كتاب الله كما أنزل . فقال له عمر بن الخطاب : لا حاجة بنا إليك ولا إلى قرآنك .
فقال لهم على عليه السلام : لن تروه بعد هذا اليوم ، ولا يراه أحد حتى يظهر ولدى المهدى عليه السلام ... وفى ذلك القرآن زيادات كثيرة ، وهو خال من التحريف .
ولكثير من علمائهم تآليف تثبت أن القرآن الموجود بيننا ناقص ومحرف، وأن المصحف الصحيح الكامل سيظهر آخر الزمان مع المهدى المنتظر، ولم يتح لنا الاطلاع على هذا المصحف ، وينقلون هم أشياء يدَّعون أنها فيه . وأكثرها خاص بآل البيت وإمامة على .
ومن أمثلة التحريف فى زعمهم أن آية {وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله } البقرة : 23 ، نزل بها جبريل على محمد هكذا "وإن كنتم فى ريب مما نزلنا على عبدنا فى على فأتوا بسورة من مثله " .
ونقل فى "أصول الكافى" عن إمامهم جعفر الصادق أنه أقسم بالله أن آية {ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسى ولم نجد له عزما} طه : 115 ، نزلت هكذا "ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فى محمد وعلى وفاطمة والحسن والحسين والأئمة من ذريتهم فنسى " .
وجاء فى كتاب "أصول الكافى" وهو أصح الكتب عند الشيعة أن القرآن الذى جاء به جبريل سبعة عشر ألف آية . وقال القزوينى شارح كتاب أصول الكافى الذى نسب هذا الكلام لجعفر الصادق : إن الغرض بيان أنه حذف من أصل القرآن شىء كثير، الذى لا يوجد فى نسخ القرآن المشهورة .
وفى كتاب "الاحتجاج " المعتمد عند الشيعة ، لفقيههم أحمد بن على بن أبى طالب الطبرسى فى القرن الخامس : أن آية سورة النساء "رقم 3" {وإن خفتم ألا تقسطوا فى اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء ...} لا يوجد الربط فيها بين الشرط والجزاء، فقد أسقط المنافقون "هكذا" أكثر من ثلث القرآن .
هذا ، وقد رأيت فى رسالة للسيد/ محب الدين الخطيب ، عنوانها "الخطوط العريضة للأسس التى قام عليها دين الشيعة الإمامية الاثنى عشرية" التى طبعت أكثر من مرة منذ سنة 1380 هـ : أن الأستاذ محمد على سعودى الذى كان كبير خبراء وزارة العدل بمصر، ومن خواص الشيخ محمد عبده -اطلع على مصحف إيرانى مخطوط عند المستشرق "برامين" فنقل منه سورة بعنوان "سورة الولاية " مذكور فيها ولاية على، ونص صفحتها الأولى "يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالنبى وبالولى اللذين بعثناهم يهديانكما إلى صراط مستقيم . نبى وولى بعضهما من بعض وأنا العليم الخبير. إن الذين يوفون بعهد اللّه لهم جنات النعيم ... والذين إذا تليت عليهم آياتنا كانوا بآياتنا مكذبين . فإن لهم فى جهنم مقاما عظيما إذا نودى لهم يوم القيامة : أين الظالمون المكذبون للمرسلين . ما خالفتم المرسلين إلا بالحق وما كان اللّه ليظهرهم إلى أجل قريب وسبح بحمد ربك ، وعلىٌّ من الشاهدين " .
وهذه السورة أثبتها الطبرسى فى كتابه "فصل الخطاب فى إثبات تحريف كتاب رب الأرباب " وثابتة أيضا فى كتابهم "دبستان مذاهب" باللغة الإيرانية ، لمؤلفه "محسن فانى الكشميرى " ونقل عنه هذه السورة المكذوبة المستشرق "نولدكه " فى كتابه "تاريخ المصاحف " ج 2 ص 102 ، ونشرتها الجريدة الأسيوية الفرنسية سنة 1842 م "ص 431 - 439 " .
وبعد ، فالموضوع واسع يحتاج إلى الاطلاع على كتبهم ، وحسبنا أن نقرر أن علماء السنة ردوا على مزاعمهم ، والمقام لا يتسع لأكثر من هذا ، ويمكن الرجوع إلى كتاب "الوشيعة فى نقد عقائد الشيعة" ورسالة رئيس أهل السنة بباكستان "محمد عبد الستار التونسى " المطبوعة بالقاهرة بمطبعة دار العلوم ، شارع حسين حجازى " قصر العينى" على نفقة مجلس علماء باكستان بلاهور، ونشرة بعنوان : موقف العلماء المسلمين من الخمينى والاثنى عشرية .
تأليف الشيخ محمد منظور النعمانى ، من "لكهنو" بالهند

(8/11)