صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : المنتقى من فتاوى الفوزان

فالحديث يدل على جواز خروجها للمسجد بالشرط المذكور، وهو أن تكون ملازمة للحياء والستر، تاركة للزينة والطيب، وأن تصف خلف الرجال؛ فمع التزامها بهذه الشرط؛ فصلاتها في بيتها خير لها؛ لما في ذلك من صيانتها وعدم افتتانها والافتتان بها، أما إذا لم تلتزم بهذا الشرط؛ فإن خروجها حرام عليها، تأثم به، ولو كان قصدها الصلاة .
448 ـ إذا كان سيترتب على خروج المرأة لصلاة التراويح تضييع جزء ولو قليل من حقوق البيت؛ فما حكم خروجها ؟
إذا كان يترتب على خروج المرأة لصلاة التراويح تضييع بعض أعمال البيت المطلوب منها القيام بها؛ فإنها لا تخرج، بل تبقى وتقوم بعمل بيتها؛ لأن بإمكانها أن تصلي في بيتها وأيسر لها، ولأن قيامها بعمل البيت واجب على الصحيح، وخروجها إلى المسجد مباح إذا لم يترتب عليه مضرة .
449 ـ ماذا عن ظهور كف المرأة وقدميها أثناء الصلاة ؟
المرأة في الصلاة كلها عورة، فيجب عليها ستر جميع بدنها؛ إلا وجهها إذا لم يكن عندها رجال غير محارم لها، فإذا كانت خالية أو عندها رجال من محارمها؛ فإنها تكشف وجهها في الصلاة، وأما إذا كانت بحضرة رجال غير محارم؛ فإنها تغطي وجهها في الصلاة وفي غيرها؛ لأن الوجه عورة، وأما الكفان والقدمان؛ فيجب سترهما على كل حال في الصلاة، ولو لم يكن عندها رجال؛ لأن المرأة كلها عورة في الصلاة؛ إلا وجهها إذا لم تكن بحضرة رجال غير محارم .
450 ـ هل يجوز مصافحة أم الزوجة والسفر معها ؟

(60/12)


نعم؛ لا بأس بذلك؛ لأنها من محارمه؛ لأن الله جل وعلا حرّم أم الزوجة على زوج ابنتها تحريمًا مؤبدًا؛ فهي من محارمك، لا بأس أن تصافحها وأن تسافر بها وتكون محرمًا بها؛ إلا إذا خشيت من الفتنة؛ فإنك لا تصافحها؛ كما إذا خشيت من المصافحة وجود فتنة أو ثوران شهوة؛ فلا تصافحها، أما ما لم يكن هناك محذور؛ فلا بأس بذلك أن تصافحها وأن تسافر بها وتكون محرمًا لها؛ لأنها أصبحت من محارمك بموجب العقد على ابنتها، وقال تعالى في تعداد المحرمات من النساء : { وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ } [ سورة النساء : آية 22 ] ؛ أي : حرمت عليكم أمهات نسائكم .
451 ـ أنا موظف في المملكة العربية السعودية ونظرًا لصلة الرحم؛ فقد كنت أنا وعائلتي نزور أقاربنا في بلدنا، وعند زيارة ابن عم زوجتي؛ قام بتقبيلها على خديها، فغضبت، ونهرت زوجتي وأمرتها بأن لا تفعل هذا مرة أخرى، وإلا فالفراق نصيبها، فكان ردها هو أن ابن عمها هذا كبير في السن، وهي تعتبر مثل أبيها، ولا زالت تصر على رأيها . أفتونا في هذا الأمر، وماذا يجب عليَّ أن أفعل ؟
لا يجوز للمرأة المسلمة أن تكشف وجهها لابن عمها؛ لأنه غير محرم لها، وكذا سائر أقاربها من الرجال لا تكشف لهم وجهها؛ إلا إذا كانوا من محارمها؛ كأبيها وابنها وأخيها وابن أخيها وعمها وخالها من نسب أو رضاعة وأبي زوجها وابن زوجها من امرأة أخرى، وما عدا هؤلاء من أقاربها؛ كابن عمها وابن خالها وأخي زوجها؛ فإنهم أجانب، يجب عليها أن تحتجب منهم، ولا تصافحهم، ومن باب أولى لا يجوز لها أن تقبل أحدًا منهم، وإنما تسلم عليهم بمجرد الكلام، ويجب على زوجها منعها من مصافحة أحد منهم أو تقبيله؛ إذ ذلك حرام شديد التحريم، ولو كان أحدهم كبير السن؛ فإن ذلك من أمور الجاهلية ومن العادات المحرمة المخالفة لشرع الله .
452 ـ متى يجيز الشرع استعمال حبوب منع الحمل للمرأة بغرض الحفاظ على تربية الأبناء الصغار ؟

(60/13)


لا يجوز استعمال حبوب منع الحمل؛ إلا في حالة الضرورة، وذلك إذا قرر الأطباء أن الحمل يسبب موت المرأة، أما استعمال حبوب تأخير الحمل؛ فلا بأس به إذا احتاجت المرأة إليه، إذا كانت صحتها لا تتحمل توالي الحمل المتقارب، أو كان الحمل يضر بطفلها الذي ترضعه، وكانت الحبوب لا تقطع الحمل وإنما تؤخره؛ فلا بأس بذلك بقدر الحاجة، ويكون ذلك بعد مراجعة الطبيب المختص .

(60/14)


كتاب اللباس والزينة
453 ـ كثير من النساء يذكرن أن عورة المرأة من المرأة هي من السرة إلى الركبة، فبعضهن لا يترددن في ارتداء الملابس الضيقة جدًّا أو المفتوحة لتظهر أجزاء كبيرة من الصدر واليدين؛ فما تعليقكم ؟
مطلوب من المسلمة الاحتشام والحياء، وأن تكون قدوة حسنة لأخواتها من النساء، وأن لا تكشف عند النساء إلا ما جرت عادة المسلمات الملتزمات بكشفه فيما بينهن، هذا هو الأولى والأحوط؛ لأن التساهل في كشف ما لا داعي لكشفه قد يبعث على التساهل ويجر إلى السفور المحرم . والله أعلم .
454 ـ هل لبس الملابس الضيقة للنساء أمام النساء تدخل في حديث الرسول صلى الله عليه وسلم الذي يقول فيه : ( نساء كاسيات عاريات . . . إلى آخر الحديث ) [ رواه مسلم في صحيحه ( 3/1680 ) ] ؟
لا شك أن لبس المرأة للشيء الضيق الذي يبين مفتن جسمها لا يجوز، لا يجوز إلا عند زوجها فقط، أما عند غير زوجها؛ فلا يجوز، حتى ولو كان بحضرة نساء؛ لأنها تكون قدوة سيئة لغيرها، إذا رأينها تلبس هذا؛ يقتدين بها، وأيضًا؛ هي مأمورة بستر عورتها بالضافي والساتر عن كل أحد؛ إلا عن زوجها، تستر عورتها عن النساء كما تسترها عن الرجال؛ إلا ما جرت العادة بكشفه عن النساء؛ كالوجه واليدين والقدمين؛ مما تدعو الحاجة إلى كشفه .
455 ـ لدي أربعة أولاد وأنا ألبس أمامهم القصير . . . فما حكم ذلك ؟
لا يجوز للمرأة أن تلبس القصير من الثياب أمام أولادها ومحارمها، ولا تكشف عندهم إلا ما جرت العادة بكشفه مما ليس فيه فتنة، وإنما تلبس القصير عند زوجها فقط .
456 ـ هل يجوز الصلاة بالبنطلون بالنسبة للمرأة وبالنسبة للرجل، وأيضًا إذا لبست المرأة ثوبًا خفيفًا ليس مبينًا لعورتها؛ فما حكم الشرع في ذلك ؟

(61/1)


الثياب الضيقة التي تصف أعضاء الجسم وتصف جسم المرأة وعجيزتها وتقاطيع أعضائها لا يجوز لبسها، والثياب الضيقة لا يجوز لبسها للرجال ولا للنساء، ولكن النساء أشدّ؛ لأن الفتنة بهن أشدّ .
أما الصلاة في حد ذاتها؛ إذا صلى الإنسان وعورته مستورة بهذا اللباس؛ فصلاته في حد ذاتها صحيحة؛ لوجود ستر العورة، لكن يأثم من صلى بلباس ضيق؛ لأنه قد يخل بشيء من شرائع الصلاة لضيق اللباس، هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية يكون مدعاة للافتتان وصرف الأنظار إليه، ولا سيما المرأة .
فيجب عليها أن تستتر بثوب وافٍ واسعٍ؛ يسترها، ولا يصف شيئًا من أعضاء جسمها، ولا يلفت الأنظار إليها، ولا يكون ثوبًا خفيفًا أو شفافًا، وإنما يكون ثوبًا ساترًا يستر المرأة سترًا كاملاً؛ لا يرى شيء من جسمها، لا يكون قصيرًا حاسرًا عن ساقيها، أو ذراعيها، وكفيها، ولا تكون أيضًا سافرة بوجهها عند الرجال غير المحارم، وإنما تكون ساترة لجميع جسمها، ولا يكون شفافًا؛ بحيث يرى من ورائه جسمها أو لونها؛ فإن هذا لا يعتبر ثوبًا ساترًا .
وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، فقال : ( صنفان من أهل النار لم أرهما : رجال معهم سياط كأذناب البقر يضربون بها الناس، ونساء كاسيات عاريات مائلات مميلات رؤوسهن كأسنمة البخت لا يجدن رائحة الجنة ) [ رواه مسلم في صحيحه ( 3/1680 ) ] .
فمعنى ( كاسيات ) : أنهن لابسات شيئًا من الملابس، ولكنهن في الحقيقة عاريات؛ لأن هذه الثياب لا تستر؛ فهي ثياب شكلية فقط، لكنها لا تستر ما وراءها : إما لشفافيتها، وإما لقصرها، أو لعدم إضفائها على الجسم .
فيجب على المسلمات أن يتنبهن لذلك .
457 ـ ظهرت موضة لدى النساء بعد ظهورها في الغرب، وهي لبس البناطيل الضيقة، وقد وجدت منهن القبول والترحيب؛ فما حكم ذلك ؟

(61/2)


لا يجوز للمرأة أن تلبس ما فيه تشبه بالرجال أو تشبه بالكافرات، وكذلك لا يجوز لها أن تلبس اللباس الضيق الذي يبيِّن تقاطيع بدنها ويسبب الافتتان بها، والبناطيل فيها كل هذه المحاذير؛ فلا يجوز لها لبسها .
458 ـ ما حكم الشرع في نظركم في النقاب؛ فأنا امرأة ملتزمة بالشرع ومحافظة على صلواتي وواجباتي الزوجية؛ إلا أنني عند خروجي من المنزل أخرج عيني فقط من الشيلة للنظر بهما، مع أن باقي جسمي مغطى، ومنه الوجه ببشت أسود فضفاض، وألبس قفازين لليدين، والسبب في ذلك أنني أعاني من ضعف في البصر ؟
لا بأس بستر الوجه بالنقاب أو البرقع الذي فيه فتحتان للعينين فقط؛ لأن هذا كان معروفًا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم (1) ، ومن أجل الحاجة؛ فإذا كان لا يبدو إلا العينان؛ فلا بأس بذلك، خصوصًا إذا كان من عادة المرأة لبسه في مجتمعها .
459 ـ هل الحجاب بالنسبة للمرأة مختص بالكلام، أم مختص بحجب جسمها وبدنها، حيث إن كثيرًا من النساء احتجبن عن الكلام ورد السلام، وما هي حقيقة الحجاب الشرعي ؟
الحجاب الشرعي : أن تستر المرأة جميع جسمها عن الرجال غير المحارم بلباس غير شفاف وغير ضيق .
قال الله تعالى : { فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ } [ سورة الأحزاب : آية 53 ] .
فإن قال قائل : المراد بهذا نساء النبي صلى الله عليه وسلم . قلنا : إذا أمرت نساء النبي صلى الله عليه وسلم بالحجاب مع طهرهن وورعهن؛ فغيرهن من باب أولى، وأيضًا الله سبحانه علل ذلك بقوله : { مِن وَرَاءِ حِجَابٍ } [ سورة الأحزاب : آية 53 ] ؛ أي : من وراء ساتر من جدار، أو باب أو ثياب تغيب جميع جسم المرأة عن مرأى الرجال حفاظًا عليهم وعليها من الفتنة .
وكذلك قوله تعالى : { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } [ سورة النور : آية 31 ] ، والخمار غطاء رأس المرأة، أمر الله أن تضفيه على وجهها ونحرها بعد تغطية جميع رأسها .

(61/3)


وكذلك قوله تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ } [ سورة الأحزاب : آية 59 ] ، والجلباب : هو الثوب الكبير الذي تغطي به المرأة جسمها، أمر الله أن يضفى على الوجه الذي هو أعظم مفاتن المرأة؛ لتسلم من أذى نظر الرجال إليها والافتتان بها .
وأما تكليم المرأة للرجل؛ فلا بأس به إذا أمنت الفتنة وكان للحاجة، ويكون صوتها عاديًّا، ليس فيه ترخيم يفتن السامع؛ كما قال تعالى : { فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي في قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلاً مَّعْرُوفًا } [ سورة الأحزاب : 32 ] ؛ فلا ترفع صوتها وترققه، ولا تتكلم مع الرجل إلا بقدر الحاجة وبصوت عادي لا فتنة فيه . والله أعلم .
460 ـ تقوم بعض النساء بالكشف عن وجهها، وتتستر كليًّا؛ بأن تغطي شعرها ويديها خلاف ذلك، ولا تتزين إطلاقًا؛ فهل يجوز ذلك ؟
يجب على المرأة أن تغطي وجهها في أصح قولي العلماء؛ لأن الوجه أعظم زينة في المرأة، وإليه تتجه الأنظار، وبه كان يتغزل الشعراء، والأدلة على وجوب ستره كثيرة من الكتاب والسنة منها :
قوله تعالى : { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } [ سورة النور : آية 31 ] .
أمر الله النساء أن يسدلن الخمر – وهي أغطية الرؤوس – على فتحات الجيوب؛ ليسترن بذلك ما يظهر من نحورهن، ويلزم من ذلك ستر الوجه؛ لأن الخمار إذا أسدل من على الرأس ليستر النحر؛ لزم أن يمر بالوجه ويضفى عليه .
وقال تعالى : { وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ } [ سورة الأحزاب : آية 53 ] .

(61/4)


والحجاب يراد به ما يستر المرأة عن الرجل الذي ليس محرمًا لها، سواء كان هذا الساتر جدارًا أو بابًا أو لباسًا، وهذا يدل على ستر الحجاب لجميع بدن المرأة، ومنه الوجه، وعلّله بأنه أطهر لقلوب الرجال والنساء، والطهارة مطلوبة، والفتنة محذورة ومتوقعة إذا ترك الحجاب .
وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ } [ سورة الأحزاب : آية 59 ] ، والجلباب هو الكساء .
أما الأدلة من السنة : فمنها حديث عائشة رضي الله عنها قالت : كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم محرمات، فكنا إذا مر بنا الرجل، سدلت إحدانا خمارها من على رأسها على وجهها، فإذا جاوزنا، كشفناه [ رواه أبو داود في سننه ( 2/173 ) ، ورواه أيضًا ابن ماجه في سننه ( 2/979 ) ] .
461 ـ هل يجوز أن تكشف المرأة للمدرسين كفيفي البصر ؟
في وجوب احتجاب المرأة من الرجل الكفيف خلاف بين أهل العلم؛ لاختلاف الأحاديث في ذلك؛ ففي حديث أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالاحتجاب منه، وفي حديث آخر ما يدل على عدم وجوب الاحتجاب منه :
ففي حديث أم سلمة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أزواجه بالاحتجاب من ابن أم مكتوم، فقلن : يا رسول الله ! أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : ( أفعمياوان أنتما ؟ ! ألستما تبصرانه ؟ ! ) [ رواه أبو داود في سننه ( 4/62، 63 ) ، ورواه الترمذي في سننه ( 8/19 ) ] .
فهذا الحديث يدل على وجوب احتجاب المرأة من الرجل الكفيف .
بينما في حديث فاطمة بنت قيس : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمرها أن تعتد في بيت ابن أم مكتوم، وقال : ( إنه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده ) [ رواه مسلم في صحيحه ( 2/1115 ) ] .
والراجح والله أعلم أنها لا يجب عليها الاحتجاب من الكفيف؛ أي : تغطية وجهها بحضرته، لكن لا يجوز لها النظر إليه .

(61/5)


قال الإمام الشوكاني لما ذكر الحديثين : " ويجاب بأنه يمكن ذلك مع غض البصر منها، ولا ملازمة بين الاجتماع في البيت والنظر " .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : " وقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الأجانب من الرجال بشهوة ولا بغير شهوة أصلاً " انتهى .
وذلك لقوله تعالى : { وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ } [ سورة النور : آية 31 ] .
462 ـ هل يجوز للمرأة إذا خرجت لصلاة التراويح أن تتبخَّر فقط بالبخور دون استخدام العطور ؟
لا يجوز للمرأة إذا خرجت إلى السوق أو لصلاة التراويح أو غيرها أن تتطيَّب، لا ببخور، ولا بدهن، ولا بغيرهما .
وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم : أنه قال : ( أيما امرأة أصابت بخورًا؛ فلا تشهد معنا صلاة العشاء ) [ رواه مسلم ( 1/328 ) ؛ بلفظ : ( . . . العشاء الآخر ) بدل صلاة العشاء ] .
وبهذه المناسبة أود أن أنبّه لأمر يتعلق ببعض النساء اللاتي يحضرن إلى المسجد خلال شهر رمضان؛ يحضرن معهن مبخرة وعودًا، ويتبخرن بها وهن في المسجد، فتعلق الرائحة بهن؛ فإذا خرجن للسوق؛ وجد بهن أثر الطيب، وهذا خلاف المشروع في حقهن .
نعم؛ لا بأس أن تأتي المرأة بمبخرة وتبخر المسجد، فقط دون أن تتبخر النساء بها، وأما أن تتبخر النساء بها؛ فلا .
463 ـ هل يجوز للمرأة إذا أرادت أن تذهب إلى العمل أو للأقارب أن تتطيب وتخرج ؟
لا يجوز للمرأة إذا أرادت الخروج من بيتها للصلاة في المسجد، أو لزيارة أقاربها، أو للعمل المناسب لها والذي يجوز لها أن تزاوله؛ لا يجوز لها أن تخرج متطيبة؛ لأن ذلك مدعاة للفتنة، كما لا يجوز لها أن تخرج بثياب زينة، وإنما تخرج متسترة محتشمة غير متطيبة .
قال صلى الله عليه وسلم : ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وليخرجن تفلات ) ، رواه أحمد وأبو داود [ رواه الإمام أحمد في مسنده ( 2/475 ) ، ورواه أبو داود في سننه ( 1/152 ) ] .

(61/6)


ومعنى ( تفلات ) : غير متطيبات .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( أيما امرأة أصابت بخورًا؛ فلا تشهد معنا العشاء الآخرة ) ، رواه مسلم وأبو داود والنسائي [ رواه مسلم في صحيحه ( 1/328 ) ] .
464 ـ بعض النساء يذهبن إلى المسجد وهن في كامل زينتهن؛ بحجة أنهن سيزرن بعد انتهاء الصلاة قريباتهن أو صديقاتهن، وبعضهن يخرجن منتعطرات متطيبات، وبعضهن يذهبن بالبخور إلى المسجد؛ فما حكم ذلك ؟
لا يجوز للمرأة أن تخرج من بيتها متزينة أو متطيبة، سواء كان خروجها للصلاة في المسجد أو لزيارة قريباتها؛ لما في ذلك من الفتنة، وإنما تخرج في ثياب ساترة لا زينة فيها ولا طيب .
أما الإتيان بالبخور للمسجد؛ فلا بأس به؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن تنظف المساجد وتطيب (2) ، لكن النساء لا تتطيب بالبخور في المسجد؛ لأنهن منهيات عن التطيب عند خروجهن، وسواء تطيبن في بيوتهن قبل الخروج أو في الطريق أو في المسجد . والله أعلم، لكن لا بأس أن يطيب المكان الذي يصلين فيه من المسجد بالبخور وغيره .
465 ـ ما حكم خروج يدي المرأة في السوق خاصة ؟ وهل يفضل لبس قفاز أسود لليدين أو الأبيض ؟ علمًا بأن البعض قال : لا حرج في ظهورها، وأن لبس القفاز ادعاء للتدين؛ ما رأي فضيلتكم بذلك ؟
يجب على المرأة أن تستر وجهها وكفيها وسائر بدنها عن الرجال الذين هم ليسو محارم لها، فإذا خرجت إلى السوق؛ فإنه يتأكد عليها ذلك، وكذلك أمرت بأن ترخي ثيابها، وأن تزيد فيها؛ لتستر عقبيها، فستر الكفين من باب أولى؛ لأن ظهور الكفين فيه فتنة، ويجب على المرأة أن تسترهما عن الرجال الذين ليسوا محارم لها، وسواء سترتهما في ثوبها أو في عباءتها و في القفازين .
466 ـ بحجة أن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده؛ فإن البعض من النساء ينفقن الأموال الكثيرة على ملابسهن وأمور زينتهن؛ فما تعليقكم ؟

(61/7)


من رزقه الله مالاً حلالاً؛ فقد أنعم الله عليه نعمة يجب عليه شكرها، وذلك بالتصدق منها والأكل واللبس من غير سرف ولا مخيلة، وما تفعله بعض النساء من المغالاة في اشتراء الأقمشة والإكثار منها من غير حاجة؛ إلا مجرد المباهاة ومسايرة معارض الأقمشة في دعاياتها؛ كل ذلك من الإسراف والتبذير المنهي عنه وإضاعة المال، والواجب على المسلمة الاعتدال في ذلك، والابتعاد عن التبرج والمبالغة في التجمل، خصوصًا عند الخروج من بيوتهن .
قال تعالى : { وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى } [ سورة الأحزاب : آية 33 ] .
وقال تعالى : { وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا . . . } إلى قوله تعالى : { وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ } [ سورة النور آية : 31 ] .
وهذه الأموال سنسأل عنها يوم القيامة : من أين اكتسبناها ؟ وفيم أنفقناها ؟
467 ـ إطالة المرأة لثوبها؛ هل هو على سبيل الاستحباب أم الوجوب ؟ وهل وضع الجوارب على القدمين يكفي مع قصر الثوب؛ بحيث لا يظهر شيء من الساق ؟ وكيف تطيل المرأة ثوبها ذراعًا تحت الكعب أم تحت الركبة ؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا .
مطلوب من المرأة المسلمة ستر جميع جسمها عن الرجال، ولذلك رخص لها في إرخاء ثوبها قدر ذراع من أجل ستر قدميها، بينما نهى الرجال عن إسبال الثياب تحت الكعبين، مما يدل على أنه مطلوب من المرأة ستر جسمها سترًا كاملاً، وإذا لبست الشراب؛ كان ذلك من باب زيادة الاحتياط في الستر، وهو أمر مستحسن، ويكون ذلك مع إرخاء الثوب؛ كما ورد في الحديث . والله الموفق .
468 ـ ما حكم لبس العدسات الملونة بحجة الزينة واتباع الموضة؛ علمًا بأن قيمتها لا تقل عن 700 ريال ؟

(61/8)


لبس العدسات من أجل الحاجة لا بأس به، أما إذا كان من غير حاجة؛ فإن تركه أحسن، خصوصًا إذا كان غالي الثمن؛ فإنه يعد من الإسراف المحرم؛ علاوة على ما فيه من التدليس والغش؛ لأنه يظهر العين بغير مظهرها الحقيقي من غير حاجة إليه .
469 ـ تظهر بين الحين والآخر تسريحات خاصة بالشعر فيقتدي بها العديد من النساء، حتى يصبح كشعر الرجال، أو صبغة بألوان متعددة، أو جعله منفوشًا منكوشًا يضطرها غالبًا للذهاب للكوافير ودفع مال يتراوح قيمته ( 100-1000 ) ريال وربما تجاوز ذلك ؟
شعر رأس المرأة جمال لها مطلوب منها العناية به وإصلاحه بما يحتاج إليه من رعاية وتجميل في حدود المباح، ومطلوب منها توفيره وستره عن الرجال غير المحارم، وستره أيضًا في الصلاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يقبل الله صلاة حائض بغير خمار ) [ رواه الإمام أحمد في مسنده ( 6/218 ) ، ورواه ابن ماجه في سننه ( 1/215 ) ، ورواه غيرهما ] ، والمراد بالحائض هنا من بلغت سن الحيض، وأما العبث به بالقص، أو بجعله مشابهًا لرأس الرجل، أو بتشويه صورته، أو تغير لونه من غير حاجة؛ فكل ذلك لا يجوز؛ إلا صبغ الشيب بغير السواد؛ فإنه مطلوب، وكذا لا يجوز المغالاة بتكاليف تسريحه، والذهاب إلى الكوافير التي ربما يكون العاملون فيها من الرجال أو النساء الكافرات، وإنما تصلح المرأة شعرها في بيتها؛ لأن ذلك أستر لها وأيسر تكلفة .
470 ـ ما حكم قص الشعر على هيئة مأخوذة من مجلات غربية أو قصات معروفة بأسماء معينة منتشرة بين الناس وهي مستوردة من الغرب أيضًا ؟
471 ـ إذا انتشرت هذه القصات بين نساء المسلمين بشكل كبير؛ هل تعتبر أيضًا تشبهًا أم لا ؟ ( نرجو إيضاح هذا إيضاحًا شافيًا ) ، وما هو الضابط في هذا بارك الله فيكم؛ لأن هذه مشكلة تواجه الجميع ؟

(61/9)


نقول : خلق الله سبحانه شعر رأس المرأة جمالاً وزينة لها، وحرم عليها حلقه؛ إلا لضرورة، بل شرع لها في الحج أو العمرة أن تقص من رؤوسه قدر أنملة، في حين إنه شرع للرجل حلقه في هذين النسكين، مما يدل على أنه مطلوب من المرأة توفير شعرها وعدم قصه؛ إلا لحاجة غير الزينة، كأن يكون بها مرض تحتاج معه إلى القص، أو تعجز عن مؤنته لفقرها، فتخفف منه بالقص؛ كما فعل بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم بعد موته (3) .
أما إذا قصته من باب التشبه بالكافرات والفاسقات؛ فلا شك في تحريم ذلك، ولو كثر ذلك بين نساء المسلمين، مادام أن أصله التشبه؛ فإنه حرام، وكثرته لا تبيحه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من تشبه بقوم؛ فهو منهم ) [ رواه الإمام أحمد في مسنده ( 2/50 ) ، ورواه أبو داود في سننه ( 4/43 ) ] ، وقوله : ( ليس منا من تشبه بغيرنا ) [ رواه الترمذي في سننه ( 7/335 ) ] .
والضابط في ذلك أن ما كان من عادات الكفار الخاصة بهم؛ فإنه لا يجوز لنا فعله تشبهًا بهم؛ لأن التشبه بهم في الظاهر يدل على محبتهم في الباطن، وقد قال الله تعالى : { وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [ سورة المائدة : آية 51 ] ، وتوليهم محبتهم، ومن مظاهر المحبة لهم التشبه بهم .
472 ـ ما حكم تجعيد الشعر ( والتجعيد : هو جعل الشعر مجعدًا مدرجًا، بدل أن يكون سائحًا، إما تجعيده فترة بسيطة، وهناك البعض من النساء تذهب إلى الكوفيرات وتجعلها تضع عليه مواد حتى يصبح مجعدًا لمدة ستة أشهر ) ؟ !

(61/10)


يباح للمرأة تجعيد شعرها على وجه ليس فيه تشبه بالكافرات، ولا تظهره للرجال غير المحارم، وتتولى هي تجعيده، أن تتولاه امرأة من نسائها، سواء كان تجعيدًا لفترة يسيرة أو طويلة، وسواء كان بوضع مادة مباحة عليه أو بغير ذلك، ولا تذهب إلى الكوفيرات لفعل ذلك؛ لأن في خروجها من منزلها تعريضًا للفتنة والوقوع في المحذور؛ ولأن القائمات على هذه المحلات إما نساء غير ملتزمات أو رجال يحرم عليها أن تظهر شعرها لهم .
473 ـ ما حكم صبغ الشعر كاملاً بأي لون من الألوان ( أحمر، أصفر، أبيض، ذهبي ) ؟
474 ـ ما حكم تمييش الشعر ( والميش هو موضة أتت من الغرب وتقبلها نساؤنا، وهي صبغ خُصل متفرقة من الشعر بلون مختلف للون الشعر إما أبيض أو أحمر أو ذهبي، حتى يصبح الشعر ملونًا أجزاء طبيعية وأجزاء مصبوغة ) ؟ !
صبغ الشعر فيه تفصيل على النحو التالي :
الشيب يستحب صبغه بغير السواد من الحناء والوسمة والكتم والصفرة، أما صبغه بالسواد؛ فلا يجوز؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( غيروا هذا الشيب (4) وجنبوه السواد ) (5) ، وهذا عام للرجال والنساء .
أما غير الشيب؛ فيبقى على وضعه وخلقته ولا يغير، إلا إذا كان لونه مشوهًا؛ فإنه يصبغ بما يزيل تشويهه إلى اللون المناسب، أما الشعر الطبيعي الذي ليس فيه تشويه؛ فإنه يترك على طبيعته؛ لأنه لا داعي لتغييره .
وإذا كان صبغه على شكل فيه تشبه بالكافرات والعادات المستوردة؛ فلا شك في تحريمه؛ سواء كان صبغه على شكل واحد أو على أشكال، وهو ما يسمى بالتمييش .
475 ـ ما حكم وضع شرائط في الشعر، أو بكلات، تزيد من حجم الرأس وتكبره، وتزيد في طول الشعر ؟ !
476 ـ ما حكم لبس بكلات أو شرائط فيها صور حيوانات أو آلات موسيقية ؟ !

(61/11)


تكبير حجم الرأس بجمع الشعر بشرائط أو بكلات لا يجوز، سواء جمع الشعر أعلى الرأس أو بجانبه؛ بحيث يصبح كأنه رأسان، وقد جاء الوعيد الشديد في حق من يفعلن ذلك حتى تصبح رؤوسهن كأسنمة البخت المائلة، والبخت نوع من الإبل له سنامان .
أما الشرائط التي لا تكبر حكم الرأس، ويحتاج إليها لإصلاح الشعر؛ فلا بأس بها عند بعض العلماء .
قال في شرح " الزاد " : " ولا بأس بوصله بقرامل " .
أقول : والقرامل هي ما تشده المرأة في شعرها من حرير أو غيره من غير الشعر، وترك ذلك أفضل؛ خروجًا من الخلاف؛ لأن بعض العلماء يمنع من ذلك كله .
وأما إذا كانت الشرائط أو البكلات على صور حيوانات أو آلات موسيقية؛ فإنها لا تجوز؛ لأن الصور يحرم استعمالها في لباس وغيره؛ ما عدا الصور التي تداس وتمتهن في الفرش والبسط، وآلات اللهو يجب إتلافها، وفي استعمال الشرائط والبكلات التي على صور آلات اللهو ترويج لآلات اللهو ودعوة إلى استعمالها وتذكير بها .
477 ـ ما حكم فرق شعر الرأس من الجانب وليس من الوسط ؟ !
لا يجوز للمرأة أن تفرق رأسها من الجانب .
قال الشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله : " وأما ما يفعله بعض نساء المسلمين في هذا الزمن من فرق شعر الرأس من جانب وجمعه من ناحية القفا، أو جله فوق الرأس كما تفعله نساء الإفرنج؛ فهذا لا يجوز؛ لما فيه من التشبه بنساء الكفار . . . " انتهى من " مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم " ( 1/47 ) .
478 ـ ما حكم قص الشعر من الخلف بحيث يكون فوق الرقبة وترك جوانب الشعر أطول قليلاً من الخلف ؟ !
479 ـ ما حكم قص شعر الرأس على أسماء منها : قصة ( ديانا ) وهي كافرة معروفة، وقصة ( الأسد ) ، وقصة ( الفأر ) . . . وهكذا، وهي أشكال مختلفة : إما بقص الشعر على شكل رأس الأسد، والأخرى هي الصفة الواردة في السؤال السابق ؟ !

(61/12)


لا يجوز للمرأة أن تقص شعر رأسها من الخلف وتترك جوانبه أطول؛ لأن هذا فيه تشويه وعبث بشعرها الذي هو من جمالها، وفيه أيضًا تشبه بالكافرات، وكذا قصه على أشكال مختلفة وبأسماء كافرات أو حيوانات؛ كقصة ( ديانا ) اسم لامرأة كافرة، أو قصة ( الأسد ) ، أو ( الفأر ) ؛ لأنه يحرم التشبه بالكفار والتشبه بالحيوانات، ولما في ذلك من العبث بشعر المرأة الذي هو من جمالها .
480 ـ ما حكم العمل في محلات الكوفيرات والأكل من ثمنه ؟ !
لا يجوز العمل في محلات الكوفيرات، ولا الأكل من كسب تلك المحلات؛ لما في ذلك العمل في الفتنة، ولما فيه من ترويج عادات الكفار، ولما فيه من تدريب النساء على قلة الحياء، وقد يتولى العمل في تلك المحلات رجال يطلعون على عورات النساء، وقد تستخدم تلك المحلات للفساد والقيادة لفعل الفواحش؛ فالواجب على ولاة المسلمين منع فتح تلك المحلات في بلاد المسلمين .
481 ـ ما حكم إزالة شعر الحواجب أو تخفيفه أو إزالة ما بين الحاجبين ؟ !
لا تجوز إزالة شعر الحواجب، وهو النمص الذي لعن النبي صلى الله عليه وسلم من فعلته، وهو من تغيير خلق الله تعالى الذي تعهد الشيطان في إغراء بني آدم به حين قال : { وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ } [ سورة النساء : آية 119 ] ، وكذا لا يجوز تخفيف الحواجب؛ لأنه نمص محرم . والله أعلم .
482 ـ ما حكم نتف الشعر ما بين الحاجبين والشعر الذي يوجد في الوجه ؟
أما الشعر من الحاجبين؛ فلا يجوز إزالته بأي وسيلة؛ لا بنتف، ولا بقص، ولا بإزالة؛ بأي وسيلة؛ لأن هذا هو النمص الذي لعن النبي صلى الله عليه وسلم من فعلته؛ فقد لعن صلى الله عليه وسلم النامصة والمتنمصة (6) .
( النامصة ) : التي تقص الشعر من نفسها أو من غيرها .
و ( المتنمصة ) : التي تطلب من غيرها أن يزيله من حاجبها .

(61/13)


فهذا من الكبائر؛ لأن المعصية إذا لعن عليها؛ صارت من الكبائر، ولأن هذا من تغيير خلق الله سبحانه وتعالى الذي أخبر الله تعالى أنه من أمر الشيطان : { وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ } [ سورة النساء : آية 119 ] .
وأما إزالة الشعر من بقية الوجه؛ فهذا ما يسمى عند العلماء بالحف، فهذا إذا كان مشوّهًا للوجه، لا بأس بإزالته، أما إذا كان عاديًّا لا يلفت النظر؛ فهذا قد اختلف أهل العلم في حكم إزالته؛ فمنهم من منع منه، واعتبره داخلاً في النمص، ومنهم من رخص فيه، والأحوط والأبرأ للذمة أنه إذا لم يكن مشوهًا للوجه؛ فإنه لا يؤخذ، بل يترك؛ لأنه ليس في أخذه فائدة، وليس في بقائه مضرة .
483 ـ هل يجوز للمرأة مع النساء في صلاة التراويح أن تصلي في ثوب قصير يبدي بعض ساقيها أو لا يستر كامل يديها ؟
لا تصح صلاة المرأة تراويح أو غيرها إلا بثوب ساتر لجميع بدنها ما عدا وجهها، إذا كانت وحدها أبو بحضرة نساء أو رجال من محارمها؛ فإنها تكشفه في الصلاة، وإن كانت بحضرة رجال غير محارم؛ فإنها تغطي وجهها؛ فهذه المرأة التي تصلي في ثوب يبدي بعض ساقيها؛ لا تصح صلاتها، بل لابد أن يكون الثوب ضافيًا يستر قدميها .
484 ـ هل يجوز تقويم الأسنان وتقريب الأسنان من بعضها البعض حتى لا تكون متفرقة ؟
إذا احتيج إلى هذا؛ كأن يكون في الأسنان تشويه، واحتيج إلى إصلاحها؛ فهذا لا بأس به .
أما إذا لم يحتج إلى هذا؛ فهو لا يجوز، بل جاء النهي عن وشر الأسنان وتفليجها للحسن، وجاء الوعيد على ذلك (7)؛ لأن هذا من العبث ومن تغيير خلق الله .
أما إذا كان هذا للعلاج مثلاً أو لإزالة تشويه أو لحاجة لذلك، كأن لا يتمكن الإنسان من الأكل إلا بإصلاح الأسنان وتعديلها؛ فلا بأس بذلك .

(61/14)


485 ـ قرأت في أحد الكتب للإمام الغزالي أن تثقيب أذان البنات لأجل تعليق الذهب لا يجوز، وحسبما يقول صاحب الكتاب : " إن هذا الجرح مؤلم، ومثله موجب للقصاص " ، أفيدونا ما حكم الشرع في هذا ؟ وخاصة أن لدينا الكثير من البنات وكثير من الناس يستعملون هذه الطريقة ؟
لا بأس بثقب أذن الجارية لوضع الحلي في أذنها، ومازال هذا العمل يفعله الكثير من الناس، حتى كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النساء كن يلبسن الحلي في آذانهن وغيرها (8) من غير نكير .
وأما كونه يؤلم الجارية؛ فالمقصود بهذا مصلحتها؛ لأنها بحاجة إلى الحلي، وبحاجة إلى التزين؛ فثقب الأذن لهذا الغرض مباح ومرخص فيه لأجل الحاجة، كما أنه يجوز جراحتها للحاجة وكيها للحاجة والتداوي، كذلك يجوز خرق أو ثقب أذنها لوضع الحلي فيه؛ لأنه من حاجتها، مع أنه شيء لا يؤلم كثيرًا، ولا يؤثر عليها كثيرًا . والله أعلم .
486 ـ هناك حديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما معناه : ( إزار المسلم من نصف الساقين إلى الكعبين ) ؛ فإذا كان إزار المسلم إلى الكعبين، ولكنه يغطي الكعبين من الأسفل دون جر؛ فهل يجوز ؟
لا يجوز أن يتجاوز الكعبين؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( ما كان أسفل الكعبين فهو في النار ) [ رواه البخاري في صحيحه ( 7/43 ) . بزيادة : من الإزار . . ] ، فإذا تجاوز الكعبين؛ فإنه يكون إسبالاً للثوب أو الإزار أو البشت، والإسبال محرم، وهو من كبائر الذنوب، سواء قصده أو لم يكن قصده، إذا تركه يستمر، أما لو نزل اللباس عن الكعبين من غير قصد، ثم رفعه ولم يستمر؛ فلا إثم عليه في ذلك .

(61/15)


487 ـ قال لي المدير بصوت واضح : لابدّ أن تحلق لحيتك وشاربك، وذلك شرط في قبولك في فنقد شهير وبراتب مغر جدًّا، وإنني فقير لا أملك شيئًا ولا أجد ما أعول به نفيس، وإنني أبحث عن عمل منذ مدة طويلة؛ ما رأي فضيلتكم ؟ هل أعمل بالفندق وأحلق لحيتي وشاربي؛ فوالله إنني محتاج جدًّا لهذه الوظيفة ؟
قص الشارب مشروع، ولا يجوز تركه يطول، وأما حلق اللحية؛ فهو حرام؛ لأمر النبي صلى الله عليه وسلم بإعفاء اللحية وإرخائها وإكرامها وإرسالها (9) ، ونهيه عن التعرض لها بحلق أو قص أو نتف أو إزالة بأي وسيلة، ولما في ذلك من مشابهة المجوس والمشركين والفسقة والمجرمين .
وتحصيل الوظيفة ليس عذرًا في حلق اللحية؛ لأنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، والواجب الإنكار على من يشترط ذلك في بلاد المسلمين، ورفع أمره إلى ولاة الأمور وهيئات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر؛ لردعه عن ذلك وتأديبه .
وعلى كل حال؛ فالوظائف والأعمال ولله الحمد كثيرة، وطلب الرزق ميسر بدون معصية الله ورسوله، { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } [ سورة الطلاق : آية 2، 3 ] .

(61/16)


كتاب البر والصلة
488 ـ حق الابن على أبيه في إيوائه وإسكانه ينتهي بمجرد بلوغه أم بزواجه ؟
حق الابن على أبيه ينتهي بمجرد استغنائه عنه، إذا كبر واستطاع أن يكتسب لنفسه وأن يستغني بكسبه؛ فإنه ينتهي حقه على والده في الإنفاق، أما مادام أنه صغير أو كبير، ولكنه لم يستغن، ولم يقدر على الاكتساب؛ فإنه يبقى على والده حق الإنفاق عليه، حتى يستغني وذلك بموجب القرابة .
489 ـ لقد حدث خلاف بين زوجي وأهلي على أمر من أمور الدنيا، ولقد أردت أن أقف إلى جانب أهلي؛ لأن طاعة الوالدين والإحسان إليهما فيه امتثال لأمر الله، ولكن منعني من ذلك ما سمعت من أحاديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم لا أعلم عن مدى صحتها؛ فمنها قوله ما معناه : ( لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لغير الله؛ لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها ) [ رواه الترمذي في سننه ( 4/133 ) ] ، وحديث آخر يقول : ( لن يرضى الله عن المرأة حتى يرضى عنها زوجها ) (1) ، وقد حاولت الإصلاح بين الطرفين؛ فلم أفلح بأي شكل، أرجو أن ترشدوني بجانب من أقف؛ فأنا أخاف أن أغضب والدي، وأن أغضب الله، وأن أغضب زوجي، وأن لا أكون الزوجة المؤمنة الموفية بحقِّ الزوج كما يجب؛ كما أرجو أن توجهوا لهم النصيحة لعل الله ينفعهم بها ؟
أما حق الوالد؛ فلا شك أنه واجب، وهو حق متأكد، وطاعته بالمعروف والإحسان إليه قد أمر الله بها في آيات كثيرة، وكذلك حق الزوج حق واجب على زوجته ومتأكد؛ فلوالدك عليك حق، ولزوجك عليك حق، والواجب عليك إعطاء كل ذي حق حقه .
لكن ما ذكرت من وجود النزاع بينهما، ولا تدرين مع أيهما تقفين؛ فالواجب عليك أن تقفي مع الحق؛ فإذا كان زوجك محقًا وأبوك مخطئًا؛ فالواجب أن تقفي مع الزوج وأن تناصحي أباك، وإن كان العكس، وكان أبوك محقًّا وزوجك مخطئًا؛ فالواجب عليك أن تقفي مع أبيك وأن تناصحي زوجك؛ فالواجب أن تقفي مع الحق، وأن تناصحي المخطئ منهما .

(62/1)


هذا ما يتعلق في موقفك مع أبيك أو مع زوجك في النزاع الذي بينهما، وحاولي الإصلاح بينهما قدر استطاعتك؛ لتكوني مفتاحًا للخير، ويزول على يدك هذا الشقاق وهذا الفساد، وتؤجري على ذلك؛ فإن الإصلاح بين الناس، ولا سيما الأقارب، من أعظم الطاعات .
قال تعالى : { لاَّ خَيْرَ في كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ } [ سورة النساء : آية 114 ] .
وأما النصيحة التي نوجهها للطرفين؛ فالواجب عليهما تقوى الله عز وجل، والتعامل بالأخوة الإسلامية، وبحق القرابة والصهر الذي بينهما، وأن يتناسوا ما بينهما من النزاع، وأن يسمح كل واحد منهما للآخر؛ فإن هذا هو شأن المسلمين، وأن لا ينساقوا مع الهوى أو مع الشيطان، وأن يستعيذوا بالله من نزغات الشيطان .
490 ـ معلوم أن الزوجة مجبرة على طاعة زوجها كما في الحديث، ومأمورة أيضًا بطاعة والديها في غير معصية الله؛ فما الحكم إذا تعارضت الطاعتان؛ فأيهما تقدم ؟
لا شك أن المرأة مأمورة بطاعة الله سبحانه وتعالى ومأمورة بطاعة زوجها وبطاعة والديها ضمن طاعة الله عز وجل، أما إذا كان في طاعة المخلوق من والد أو زوج معصية للخالق؛ فهذا لا يجوز؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الطاعة بالمعروف ) [ رواه البخاري في صحيحه ( 8/106 ) بلفظ : في المعروف ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا طاعة لمخلوق (2) في معصية للخالق ) [ رواه الإمام أحمد في مسنده ( 5/66 ) بلفظ : الله تبارك وتعالى . بدل . . . للخالق، ورواه الخطيب التبريزي في المشكاة ( 2/1092 ) ، ورواه غيرهم ] .
ولا شك أن حق الوالدين مقدم، وهو يأتي بعد حق الله سبحانه وتعالى، قال تعالى : { وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } [ سورة النساء : آية 36 ] ؛ فحق الوالدين متأكد .

(62/2)


فإذا كان الزوج سيحملها على معصية والديها وعلى عقوق والديها؛ فهي لا تطيعه في هذا؛ لأن حق الوالدين أسبق من حق الزوج، فإذا طلب منها أن تعتق والديها؛ فإنها لا تطيعه في ذلك؛ لأن العقوق معصية، ومن أكبر الكبائر بعد الشرك .
491 ـ رجل تزوج امرأة وخلفت له أولادًا، ثم توفيت قبل والدها، وبعد ذلك قام والدها وتصدق بثلث ماله على أولاد ابنته، وبعد أن تمَّ هذا توفي أحد الأولاد المتصدِّق عليهم، فبعض الناس يقولون : إن هذا الولد المتوفى ليس له نصي من صدقة جده؛ علمًا بأن ولده موجود، وكذلك والدته وإخوته؛ فهل يأخذون نصيبه على أنهم من الوارثين له أم لا ؟
هذا بسب نوعية الصدقة التي تصدق بها جدهم عليهم :
إذا كانت من باب التبرع لهم والتمليك لهم؛ فإنها تكون ملكهم ويكون ملك الابن المتوفى لورثته من بعده .
أما إذا كانت هذه الصدقة من باب الوقت على أولاد ابنته؛ فهذه يجري فيها على حسب شرط الواقف بالترتيب وعدم الترتيب بين المستحقين والبطون، وهذا يدخل في نظام الأوقاف، وترتيب البطون وعدم ترتيبها بحسب نص الواقف؛ فلابد فيها من الرجوع إلى المحكمة الشرعية . والله أعلم .
492 ـ هناك امرأة لها أبناء وبنت، وابنتها متزوجة، ولكن هذه الأم تركت العيش مع أبنائها وذهبت إلى زوج ابنتها لتسكن معه، على الرغم من قدرة أبنائها على إعالتها؛ فهل يجوز لها ذلك ؟ وهل على أولادها إثم في تركها تعيش مع زوج أختهم ؟ علمًا بأنها تتقاضى راتبًا من مصلحة الضمان الاجتماعي، وربما كانت تدفع منه شيئًا لزوج ابنتها مقابل مصروفها، أو هي تشتري منه ما يعادل مصاريف الإنفاق عليها، وإن لم يكن؛ فهل على زوج ابنتها مسؤولية الإنفاق عليها أم لا ؟
السكن مع ابنتها لابد له من سبب؛ فإما أن ابنتها بحاجة إلى سكناها معها، أو قد أغضبتموها حتى تركت السكن معكم، أو لستم على حالة مرضية في أخلاقكم وفي دينكم وذهبت من أجل ذلك .

(62/3)


الحاصل أنه لابد من سبب لتركها السكن مع أبنائها وذهابها مع ابنتها .
وعلى كل حال؛ ينبغي لكم أو يجب عليكم أن ترضوا والدتكم، وأن تحرصوا على مجيئها إليكم، وسكناها معكم، والبر بها، والإحسان إليها؛ متى أمكنكم ذلك . وإن كانت سكناها عند غيركم بدون سبب فلا إثم عليكم .
أما كونها تنفق من مخصصها من الضمان الاجتماعي على نفسها؛ فهذا شيء لا بأس به .
وأما زوج ابنتها؛ فلا يلزمه أن ينفق عليها، ولكن إذا تبرع بذلك؛ فهذا شيء طيب، أما الوجوب؛ فلا يجب عليه .
ولكن أنتم ذكرتم أنها ليست بحاجة إلى نفقة زوج ابنتها؛ لأن لها مخصصًا من الضمان الاجتماعي، وأنها تدفع ما يقابل نفقتها؛ فهذا إغناء لنفسها، وفيه أيضًا استغناء عن الناس بما أغناها الله .
493 ـ أقمت أنا وزوجتي في بيت مستقل عن بيت أهلي، وذلك لكثرة المشاكل، وعاهدت زوجتي على عدم فراقها، وبعد مدة طلب مني والدي أن أرجع إلى البيت لأعيش معه أنا وزوجتي، ولكن زوجتي رفضت؛ فماذا أفعل ؟ هل أطيع والدي وأنقض العهد الذي بيننا ؟ وهل أدخل تحت قوله تعالى : { وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً } [ سورة الإسراء : آية 34 ] ؟
لاشك أن حق الوالد على الولد عظيم، ومادام أن زوجتك لا ترغب في السكن في بيته؛ فإنك لا تلزمها، وبإمكانك أن تقنع والدك في ذلك، وتجعلها في بيت مستقل، مع اتصالك بوالدك وبره وإرضائه والإحسان إليه بما تستطيع .
وأما الطلاق؛ فيباح لك إذا احتجت إليه وتكفر عن يمينك، ولا يخالف قوله تعالى : { وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً } [ سورة الإسراء : آية 34 ] لأن المراد به العهد الذي لا يحرم حلالاً .

(62/4)


494 ـ نحن خمسة إخوة ذكور، ولنا أخت واحدة، وقد حصل بين والدنا ووالدتنا خلاف، ثم طلقها أبونا بعد ذلك، فتزوجت من رجل آخر، ولكن لم يكونا متفقين، بل كثيرًا ما تحدث مشكلات بينهما، فتأتي إلينا لتبقى عندنا بضعة أيام، ثم تعود إلى بيت زوجها، فكان أبونا كلما يراها تأتي إلينا؛ يغضب من ذلك، ولا يريد منا إيواءها ولا صلتها، وقد طلقها زوجها الآخر، ومع ذلك لا يريد والدنا أن تعيش معنا، بينما نحن فرحنا بسكناها معنا، لعلنا نقوم بشيء من الإحسان إليها والبر بها؛ امتثالاً لأمر الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، ولكنه يمانع في ذلك؛ فما الحكم في موقف والدنا هذا ؟ وهل نطيع أمره ونترك والدتنا دون رعاية ودون مساعدة، أم نخالف أمره ونسعى في البر بها والعطف عليها ومكافأتها على ما قدمته لنا في صغرنا، ولو كان في هذا عصيانًا لوالدنا، ولا نأثم في ذلك ؟ أفيدونا بارك الله فيكم .
نشكر السائل على عنايته بوالدته، وشعوره بحقها وبرها .
أما ما سأل عنه من كون أبيهم لا يرضى بإيواء والدتهم وصلتهم؛ فإن ذلك لا يسوغ ولا يسقط عنكم حق والدتكم، ولا تطيعوه في هذا؛ لأن هذا معصية، ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق؛ فآووا والدتكم، وصلوها، وأنفقوا عليها .
أما في خصوص السكن معكم أو عدم سكنها : فإن كان المسكن للوالد؛ فإنه لا يجوز أن تسكن معكم؛ إلا برضاه وإذنه، مع تسترها وتحفظها منه وابتعادها عنه، فإن لم يرض بذلك؛ فبإمكانكم أن تهيئوا لها مسكنًا آخر غير المسكن الذي يملكه والدكم ويسكنه، أما إذا كان المسكن لكم أنتم، ووالدكم يسكن معكم؛ فإنه لا حق له في منع الوالدة من سكنها في بيتكم وملككم، ولا حق له في منعكم من برها والإحسان إليها، ولا سيما وأنها محتاجة، وهي غير ذات زوج، وأنتم أولادها .
495 ـ سمعت من بعض النساء بأن للأم أن تسبي ابنها سبع سبيات؛ أي : تأخذ من ماله بدون علمه؛ فما مدى صحة هذا القول ؟

(62/5)


للوالد أن يأخذ من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم ) [ رواه الإمام أحمد في مسنده ( 2/179، 204، 214 ) ، كلها نحو بعضها البعض . ورواه أبو داود في سننه ( 3/287 ) ، ورواه ابن ماجه في سننه ( 2/769 ) ] ، وقوله : ( أنت ومالك لأبيك ) [ رواه الإمام أحمد في مسنده ( 2/179، 204، 214 ) ، كلها نحو بعضها البعض . ورواه أبو داود في سننه ( 3/287 ) ، ورواه ابن ماجه في سننه ( 2/769 ) ] ، وهذا في حق الأب لا شك فيه، وكذلك في حقّ الأم؛ لأنها كالأب على الصحيح؛ تأخذ من مال ولدها ما تنتفع به، وتسد به حاجتها؛ ما لم يكن بذلك إضرار على الولد، أو أن تتعلق به حاجة الولد . والله تعالى أعلم .
496 ـ لدي أولاد وبنات؛ فهل يجوز لي أن أعطي النبات دون الأولاد، مع أن الأولاد في وظائف، ويعطونني، لكنني أرفض، والبنات متزوجات ؟
النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالعدل في العطية بين الأولاد، قال صلى الله عليه وسلم : ( اتقوا الله واعدلوا بين أولادكم ) [ رواه البخاري في صحيحه ( 3/134 ) ] ؛ فلا يجوز للوالد أن يخصص بعض أولاده بعطية ويترك الباقين، بل عليه أن يسوي بينهم في العطية، ويعدل بينهم؛ كما أمر الله تعالى بذلك، ولو كان بعضهم في وظائف وبعضهم ليسوا موظفين؛ فالعدل واجب .
497 ـ إذا كان والد شخص ما مريضًا، وذهب به إلى إحدى المستشفيات، وقرروا إجراء عملية له، ولكن الوالد رفض إجراء هذه العملية؛ خوفًا على حياته، ورغبة من ابنه في شفاء والده من هذا المرض؛ أجبر والده على الموافقة، أو احتال عليه حتى أجريت تلك العملية دون علمه ودون موافقته؛ فهل يعتبر هذا عقوقًا لوالده يأثم عليه؛ علمًا أن الدافع له محبته لوالده وطمعه في شفائه مما يعاني من مرض، ولو فرضنا وحصلت الوفاة نتيجة هذه العملية التي تسبب فيها ابنه؛ فهل يلحقه إثم بذلك أم لا ؟

(62/6)


تذكر أيها السائل أن والدك أصيب بمرض، وهو يحتاج إلى عملية جراحية، ولكنه لا يرغب في ذلك، وأنك ألححت عليه أو احتلت عليه حتى أجريت له؛ فهل عليك في ذلك إثم ؟
لا حرج عليك في ذلك إن شاء الله؛ لأنك تريد له المصلحة، ولم ترد به الضرر؛ فأنت محسن، ويرجى لك الأجر إن شاء الله، وحتى لو توفي من أثر هذه العملية، مادامت أنها عملية جارية مجراها الطبي ولم يحصل فيها تفريط، والطبيب من أهل الخبرة، وتوافرت الشروط؛ فلا حرج عليك في ذلك؛ لأنك محسن، والله تعالى يقول : { مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِن سَبِيلٍ } [ سورة التوبة : آية 91 ] ، والله تعالى أعلم .
498 ـ أنا رجل متزوج من إحدى الدول العربية، ولقد أرسلت زوجتي لوالديها لزيارتها، ولكن والدها يشرب الدخان ويحلق لحيته وكان لا يصلي، ولكنه الآن ولله الحمد يؤدي جميع الفرائض في المسجد، وكذلك أم زوجتي تجلس معنا متبرجة، ولقد نبهناها إلى الصلاة، وهي تصلي الآن؛ فما حكم ذلك ؟
الواجب عليك الاستمرار في مناصحة والد زوجتك في ترك حلق اللحية وشرب الدخان لأنهما محرمان ومعصية لله عز وجل ومنكر ظاهر، لكن عليك في مناصحتك له في تركهما باستعمال الحكمة والموعظة الحسنة، وكذلك والدة زوجتك، عليك بتعليمها الحجاب الشرعي، ونهيها عن السفور، لعل الله يهدي الجميع على يديك، ويكون لك في ذلك الأجر العظيم من الله تعالى .

(62/7)


الجامع للأحكام
499 ـ أنا شاب والحمد لله، تبت إلى الله تعالى، وتركت جميع المعاصي التي كنت أرتكبها، وأصبحت شابًّا ملتزمًا، ولكن هناك مشكلة تعذّبني لم أتركها، وقد عجزت عنها، وهي العادة السرية، قد يكون الجواب بأن أتزوج، فأنا فكرت في هذا، ولكن أهلي لا يوافقونني، ورفضوا زواجي، مع أنني أستطيع الصرف على الزواج؛ فما الحل جزاكم الله خيرًا ؟
الحل بأن تتزوج، مادام أنك تستطيع النفقة على الزواج؛ فتزوج، وليس لأهلك الحق بأن يمنعوك من الزواج؛ كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث : ( يا معشر الشباب ! من استطاع منكم الباءة؛ فليتزوج، ومن لم يستطع؛ فعليه بالصوم . . . ) [ رواه البخاري في صحيحه ( 2/228، 229 ) ] .
فإذا كان بمقدورك القدوم على الزواج من ناحية المال، وأنت تريد المحافظة على عرضك؛ فالواجب عليك أن تتزوج، ولا يجوز لأحد، لا لوالديك أو غيرهما، أن يمنعوك ويعترضوا عليك على هذا الأمر .
500 ـ أنا شاب أعيش بمفردي، وفي سن يسمح لي بالزواج، ولكن إمكانياتي المادية لا تسمح بالإنفاق على الزواج، وأمارس العادة السرية كثيرًا؛ فما هو حكم الشرع في ذلك ؟
لا تجوز ممارسة العادة السرية؛ لقوله تعالى : { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ، إِلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ، فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاء ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ } [ سورة المؤمنون : آية 5-7 ] ؛ فلم يبح سبحانه ممارسة هذه الشهوة إلا في الزوجة أو ملك اليمين، وجعل ممارستها في غير ذلك من العدوان، ومن ذلك العادة السرية .
وقد أرشد النبي صلى الله عليه وسلم من يخاف على نفسه من الشهوة وهو لا يستطيع الزواج إلى الصوم .

(63/1)


قال صلى الله عليه وسلم : ( يا معشر الشباب ! من استطاع منكم الباءة؛ فليتزوج؛ فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج، ومن لم يستطع؛ فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء ) [ رواه البخاري في صحيحه ( 2/228، 229 ) ] .
هذا هو الحل الوحيد الذي أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم؛ فعليك به أيها السائل، وعليك بالصبر وانتظار الفرج .
قال تعالى : { وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمْ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ } [ سورة النور آية : 33 ] . والله أعلم .
501 ـ كان لي عم ليس له زوجة ولا أولاد، ويملك قطعة أرض زراعية، وكنت أنا الذي أعوله، وأقدم كل ما يحتاجه؛ من مسكن وطعام وشراب وكساء دون أجر، وأعامله معاملة والدي، ووالدي متوفى، وله أخو آخر، فأردت أن أشتري قطعة الأرض التي يملكها عمي؛ حيث إنه عاجز عن العمل، وأردت أيضًا أن أحرم عمي الآخر من قطعة الأرض، الذي هو أخوه، فاشتريتها بموافقة عمي وإرادته، دون إكراه على ذلك، وأشهدت ثلاثة شهود على عقد البيع، ثم أخذت المبلغ منه سلفًا، وتوفي بعده، فقمت بتكاليف الوفاة، ومن ثم اشتريت له بقرة كأضحية له؛ فهل هذه البقرة التي ذبحتها أضحية له تعتبر من ثمن الأرض؛ لأن له وريثًا آخر هو أخوه ؟ وهل المبلغ المتبقي لي حق به أم كله لعمي أم ليس لنا جميعًا حق به ؟ وماذا أفعل به في هذه الحالة ؟
أما مسألة شرائك الأرض من عمك؛ إذا كان القصد من ذلك حرمان الورثة وحيازة الأرض لك؛ فهذا بيع باطل، إذا كان يقصد به الإلجاء أو التلجئة وحرمان الورثة والمحاباة منه لك؛ فهذا بيع باطل، والأرض تكون تركة للميت لورثته .
وأما قضية البقرة التي ذبحتها لعمك بعد وفاته، فإن كان عملك أوصى بذلك؛ فلا حرج في ذلك، تعتبر أضحية إذا كانت في وقت الأضحية أو صدقة، أما إذا لم يكن عمك أوصى بها؛ فإنها تكون من مالك أنت لا من تركته؛ لأنه لا يجوز لك التصرف بعد وفاته في شيء من ماله؛ لأنه أصبح حقًّا للورثة .

(63/2)


أما قضية الإرث؛ فلا حق لك فيه مادام عمك موجودًا إذا كان أخًا شقيقًا للميت أو أخًا لأب وإن كان أخًا له من أمه فله السدس ويكون الباقي لك إن لم يخلف غيرك .
502 ـ تجري عادة عند بعض الأشخاص المشتغلين بتربية المواشي، وهي إجراء عملية الخصي للذكور منها؛ رغبة في تسمينها؛ فهل هذا جائز أم لا ؟ كذلك عملية الوسم؛ أي : وضع علامة على أذن الحيوان؛ بكيها بالنار، أو قطعها، ونحو ذلك؛ مما يسبب ألمًا شديدًا له؛ فهل في ذلك إثم على فاعله أم لا ؟
يجب الإحسان بالحيوانات، وعدم إلحاق الضرر بها من غير مصلحة شرعية، ويجب الرفق بها .
أما مسألة خصي الحيوان لأجل تسمينه، أو وسمه لأجل أن يعرف إما بقطع أذنه أو كيه أو ما أشبه ذلك؛ فلا بأس بذلك؛ لأن هذا لمصلحة، لكن يجب أن يستعمل مع الحيوان في إجراء هذه العملية الأسهل، وألا يستعمل في طريقة الخصي أو طريقة الوسم الطريقة المؤلمة التي تؤذي الحيوان بدون فائدة .
على أنه يحرم أن يحصل الوسم في الوجه، فيتجنب وجه الحيوان؛ فلا يؤذيه بكي ولا بقطع ولا بضرب ولا بغير ذلك؛ لأنه منهي عن ضرب الوجه والوسم بالوجه، أما الوسم في الأذن؛ فلا بأس بذلك، سواء كان بقطع طرف منها أو خرقها أو كيها بنار؛ لأنه لمصلحة، لكن عليه أن يستعمل الطريقة المريحة في هذا .
503 ـ أحيانًا وأنا أقود سيارتي بسرعة تتعرض لي بعض القطط أو الكلاب؛ فلا أستطيع السيطرة على السيارة، فأدهسها على الرغم مني؛ فهل عليَّ إثم في هذا أم لا ؟

(63/3)


الحيوانات لها حرمة، لا يجوز الاعتداء عليها وقتلها؛ إلا إذا كانت مؤذية؛ كالسباع والحيات والأشياء المؤذية، أما الحيوانات غير المؤذية؛ فهذه لا يجوز قتلها، وإذا كانت عرضت لك في طريق وأنت في السيارة؛ فعليك أن تحافظ على حياتها، وأن تترك لها فرصة المرور، أما إذا لم تتمكن من ذلك، ودهستها من غير قصد، ولم تتمكن من الامتناع عنها؛ فلا حرج عليك من ذلك، إنما تأثم لو تعمدت قتلها بدون مبرر؛ لأنها حيوانات لها حرمة وليست مؤذية .
504 ـ لقد تعددت الأقوال والفتاوى حول لعب الأطفال؛ فما الحكم في العرايس والحيوانات المجسمة ؟ هناك من أجاز اقتنائها شرط إهانتها وعدم الاهتمام بها، وهناك من حرمها كلية؛ فما هو الحكم الصحيح ؟ وما هو حكم استخدام البطاقات التي عليها صور لتعليم الأطفال الحروف والأرقام وكيفية الوضوء والصلاة؛ أخبروني ما حكم الله ؟ !
لا يجوز اقتناء الصور لذوات الأرواح؛ إلا الصور الضرورية؛ كصور حفيظة النفوس، والبطاقة الشخصية، ورخصة القيادة . . . وما عداها من الصور؛ فلا يجوز اقتناؤه للعب الأطفال أو لأجل تعليمهم؛ لعمومات النهي عن التصوير واستعماله .
وهناك لعب للأطفال كثيرة من غير الصور، وهناك وسائل لتعليمهم غير الصور، ومن أجاز اقتناء الصور للعب الأطفال؛ فقوله مرجوح؛ لأنه يعتمد على حديث لعب عائشة رضي الله عنها يوم أن كانت صغيرة (3) ، وحديث عائشة قيل : إنه منسوخ بالأحاديث التي تحرم التصوير، وقيل : إن الصور المذكورة فيه ليست على شكل الصور الموجودة الآن، وإنما كانت من الخرق والعيدان المعروفة في وقتهم، ولا تمثل شكل الحيوان كما تمثله الصور المعروفة الآن، وهذا هو الراجح، والله أعلم، والصورة المعروفة الآن تمثل الحيوان بدقة، بل منها ما هو متحرك كحركة الحيوان .
505 ـ ما حكم الصور والرسوم الموجودة بملابس الأطفال؛ حيث إنه لا يخلو لبس من هذه الملابس من هذه الصور ؟

(63/4)


لا يجوز شراء الملابس التي فيها صور ورسوم ذوات الأرواح من الآدميين أو البهائم أو الطيور؛ لأنه يحرم التصوير واستعماله؛ للأحاديث الصحيحة التي تنهى عن ذلك وتتوعد عليه بأشد الوعيد؛ فقد لعن صلى الله عليه وسلم المصورين (4) ، وأخبر أنهم أشد الناس عذابًا يوم القيامة (5) ؛ فلا يجوز لبس الثوب الذي فيه صورة، ولا يجوز إلباسه الصبي الصغير، والواجب شراء الملابس الخالية من الصور، وهي كثيرة ولله الحمد .
506 ـ ما حكم لعبة الشطرنج ولعب الورق من غير دراهم ؟
المسلم يترفع عن الدنايا وعن السفاسف، ويلازم الأمور النافعة والجادة والمفيدة، ويحفظ وقته عما لا فائدة فيه .
أما لعب الشطرنج؛ فإنه حرام بقول جماهير أهل العلم، سواء كان بعوض أو بغير عوض، وقد كان السلف يحذرون منه غاية التحذير، وينهون عنه أشد النهي، وهو قريب من النرد؛ فلا يجوز لعب الشطرنج .
وقد كتب أهل العلم في التحذير منه كتابة واضحة وصريحة بتحريمه؛ مثل شيخ الإسلام ابن تيمية في " مجموعة الفتاوى الكبرى " ، وكذلك الإمام ابن القيم في كتاب " الفروسية " ، وكذلك الإمام الآجري؛ فإن هؤلاء العلماء والأئمة الكبار كتبوا في تحريم الشطرنج كتابات واضحة ومفيدة .
فيجب على المسلم أن يبتعد عنه، ولا خير فيه، وهو لعبة محرمة، سواء أخذ عليه عوضًا أم لم يأخذ، وإذا أخذ عليه العوض؛ فإنه أشد، ويكون من أكل المال بالباطل والعياذ بالله، ومن الكسب الحرام؛ فهو الميسر والقمار المحرم بنص القرآن الكريم، وهو قرين الخمر .
وكذلك لعب الورق – ورق البالوت -؛ هذا أيضًا : إذا كان بعوض؛ فهو الميسر والقمار الذي جعله الله قرينًا للخمر وأخبر أنه رجس من عمل الشيطان وأخبر أنه يوقع العداوة والبغضاء؛ فهو حرام شديد التحريم .

(63/5)


أما إذا كان بدون عوض؛ فإنه يحرم أيضًا؛ لأنه يضيع الوقت على الإنسان، وربما يسهر في هذه اللعبة ويترك صلاة الفجر مع الجماعة أو في الوقت، وأيضًا يختلط الإنسان بأشكال من الناس غير مرغوب فيها، ويحصل في أثناء اللعب من الكلام البذيء والشتم وغير ذلك ما لا يخفى .
فعلى المسلم أن يبتعد عن هذه الألعاب الدنيئة التي تضيع عليه وقته في غير فائدة .
507 ـ قرأت في إحدى الصحف عن شيخ قوله : إنه لا يوجد حديث يدل على تحريم الغناء، وإنما التحريم للمعازف، وهي ما تسمى الموسيقى ؟
الأدلة على تحريم الإغاني كثيرة :
منها قوله تعالى : { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ . . . } [ سورة لقمان : آية 6 ] الآية؛ فقد فسر لهو الحديث بأنه الغناء أكابر الصحابة، ومنهم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه (6).
وفي صحيح البخاري عن قوم في آخر الزمان يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف (7) .
ومن أراد المزيد؛ فليراجع كتاب " الكلام على مسألة السماع " للإمام ابن القيم، وكتاب " إغاثة اللهفان من مصائد الشيطان " له أيضًا، وغيرهما مما كتب في هذا الموضوع .
508 ـ أنا شاب يوسوس لي الشيطان أحيانًا؛ ماذا أعمل لرد وسوسته ؟
وسوسة الشيطان ترد بالاستعاذة بالله من الشطيان، وعدم الالتفات إلى وسوسته، والوسوسة لا تضر ما لم يتكلم الإنسان؛ فعلى المسلم أن يرفضها ويتركها ولا يلتفت إليها، وأن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم .
509 ـ أنا فتاة في العشرين من العمر، مؤمنة ولله الحمد، أعاني من مشكلة الوساوس، وعلى وشك الجنون من هذا المرض النفسي الذي عانيت منه ثلاث أو أربع سنوات، ولم أفلح أن أدفعه عني، أريد أن أعرف : هل يسلط الله على عباده هذا الشيطان الرجيم امتحانًا لهم أم ماذا ؟ والذي لا يستطيع دفعه؛ ماذا عليه أن يفعل ؟ نرجو النصيحة .

(63/6)


في الحقيقة أن الوسوسة مرض خطير، وهي من كيد الشيطان لبني آدم، يريد بذلك مضايقتهم وتضليلهم وإشغالهم عن طاعة ربهم، ولهذا أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يستعيذ من هذه الوسوسة، وأنزل في ذلك سورة كاملة .
قال تعالى : { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ، مَلِكِ النَّاسِ، إِلَهِ النَّاسِ، مِن شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ، الَّذِي يُوَسْوِسُ في صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَ النَّاسِ } [ سورة الناس : آية 1 إلى آخرها ] .
فهذا الشيطان له وسوسة مع بني آدم، ويشتد ذلك في حق المؤمنين، ولكن يعالج بأمرين :
1ـ أن المؤمن لا يلتفت لهذه الوسوسة، بل يرفضها رفضًا تامًّ؛ لأنها من الشيطان ولا تضره .
2ـ أن يشتغل بذكر الله سبحانه وتعالى؛ لأن المؤمن إذا اشتغل بذكر الله؛ ابتعد عنه الشيطان، ولهذا قال سبحانه وتعالى في حقه : { الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ } [ سورة الناس : آية 4 ] ؛ أي أنه يوسوس للعبد مع غفلته عن ذكر الله، ويخنس – أي : يبتعد – عنه عندما يذكر العبد ربه عزّ وجلّ، ولهذا وصفه أنه وسواس خناس .
والذي أنصح به للسائلة ولأمثالها أن تعمل بهاتين الخصلتين، وهما :
أولاً : عدم الالتفات لهذه الوسوسة، وعدم الاكتراث بها والانفعال معها، ثم تزول بإذن الله؛ لأن الإنسان إذا أعطاها اهتمامًا والتفت إليها؛ زادت وتمكن منه الشيطان .
الثاني : الإكثار من ذكر الله سبحانه وتعالى، وتلاوة القرآن، والاستعاذة بالله من الشيطان، وقراءة آية الكرسي والمعوذتين، وتكرار ذلك، وبهذا يزول بإذن الله .
510 ـ هل يجوز دخول دورات المياه بالكتب الإسلامية والأشرطة النافعة من القرآن والمحاضرات ؟

(63/7)


الأصل كما ذكر أهل العلم : لا يجوز دخول الحمام – وهو محل قضاء الحاجة – بشيء فيه ذكر الله عزّ وجلّ، لا المصحف، ولا الأحاديث المكتوبة، ولا شيء فيه اسم الله عز وجل؛ إلا إذا خاف عليه من السرقة أو الضياع؛ فلا بأس أن يدخل به، مع الاحتفاظ به، وجعله في داخل جيبه، أو في مكان مغطى داخل ثيابه .
أما الأشرطة؛ فلم يتبين لي فيها شيء؛ فهي ليس مثل المصحف والكتاب؛ لأنه لا يوجد بها كتاب، وإنما هي عبارة عن صوت مخزون .
511 ـ إذا سلَّم المذيع في الرائي أو الإذاعة أو سلَّم الكاتب في المجلة؛ فهل يجب رد السلام والحالة هذه ؟
يجب رد السلام؛ إذا سمعه الإنسان مباشرة، أو بواسطة كتاب موجه إليه، أو بواسطة وسائل الإعلام الموجهة إلى المستمعين؛ لعموم الأدلة في وجوب رد السلام .
قال تعالى : { وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } [ سورة النساء : آية 86 ] .
512 ـ هل يُسنُّ لمن دخل مسجدًا أن يسلم؛ سواء كان فيه أحد أم لا؛ لأننا سمعنا أن من دخل المسجد لابدّ له من السلام على الملائكة ؟
داخل المسجد إذا وجد فيه أحدًا؛ فإنه يستحب له أن يسلم عليه، وإن لم يجد فيه أحدًا؛ فلا يسلم؛ لأنه لا يجد من يرد عليه السلام، ولا يجلس حتى يصلي ركعتين تحية المسجد، هذا هو المشروع في حق من دخل المسجد يريد الجلوس فيه .
513 ـ ما حكم استخدام الوسائل التعليمية من فيديو وسينما وغيرهما في تدريس المواد الشرعية كالفقه والتفسير وغيرها من المواد الشرعية ؟ وهل في ذلك محذور شرعي ؟ أفتونا مأجورين .
الذي أراه أن ذلك لا يجوز؛ لأنه لابدّ أن يكون مصحوبًا بالتصوير، والتصوير حرام، وليس هناك ضرورة تدعو إليه . والله أعلم .

(63/8)


514 ـ ما معنى الحديثين : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) [ رواه البخاري في صحيحه ( 1/2 ) ] ، والآخر : ( عفي لأمتي الخطأ والنسيان وما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به ) [ رواه الدارقطني في سننه ( 4/171 ) ، ورواه الحاكم في مستدركه ( 2/198 ) كلاهما بنحوه ] ؟
معنى الحديث الأول : أن المعتبر في أعمال العبادات نية صاحبها، لا صورها الظاهرة؛ فمن كان يقصد بعمله وجه الله وثوابه؛ فعبادته صحيحة؛ بشرط أن تكون موافقة لما شرعه الله ورسوله، ويرجى له فيها الثواب، ومن كان يقصد بعمله رثاء الناس ومدحهم له، أو يقصد به طمعًا من مطامع الدنيا؛ فعمله باطل، لا ثواب له عليه .
قال تعالى : { فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ، الَّذِينَ هُمْ عَن صَلاتِهِمْ سَاهُونَ، الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ، وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ } [ سورة الماعون : آية 4- إلى آخر السورة ] .
وقال تعالى : { مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ، أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ في الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [ سورة هود : آية 15، 16 ] .
وكذلك؛ من أراد نافلة؛ لم تجز عن فريضة . . . إلى غير ذلك . والله أعلم .
وأما قوله صلى الله عليه وسلم : ( عفي لأمتي الخطأ والنسيان . . . " الحديث؛ فمعناه : أن الله سبحانه لا يؤاخذ المخطئ والناسي؛ لأنهما لا قصد لهما، فمن أكل أو شرب ناسيًا في نهار رمضان وهو صائم؛ فإن ذلك لا يؤثر على صيامه . . . ونحو ذلك .
وكذلك لا يؤاخذ الله من فكر في نفسه بعمل معصية قولية أو فعلية، لكنه لم ينفذ ما فكر فيه، مع تمكنه منه؛ فإنه لا يأثم على مجرد نيته، وهذا من فضل الله على عباده، وحثهم على فعل الطاعات وترك المعاصي والمحرمات .

(63/9)


515 ـ والدي وإخواني مدمنون على مشاهدة التلفاز، وقد قمت بإحراقه دون علمهم؛ ليتركوه، ولكنهم اشتروا غيره . . . فماذا تنصحهم وتنصحني ؟
الواجب عليك نهي والدك وإخوانك عن مشاهدة أو استماع ما فيه فتنة مما يعرض في التلفاز أو الفيديو، والواجب عليهم هم أن يقبلوا النصيحة؛ لأن ذلك من مصلحتهم، والحق ضالة المؤمن، والرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل، والواجب عليك الاستمرار في مناصحتهم، لعل الله يهديهم، أو على الأقل تبرأ ذمتك بإقامة الحجة عليهم .
516 ـ ما حكم مشاهدة المسلسلات التي تذاع بالتلفزيون ؟
على المسلم أن يحفظ وقته فيما يفيده وينفعه في دنياه وآخرته؛ لأنه مسؤول عن هذا الوقت الذي يقضيه؛ بماذا استغله ؟
قال تعالى : { أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ } [ سورة فاطر : آية 37 ] .
وفي الحديث : أن المرء يسأل عن عمره فيما أفناه . . . (8).
ومشاهدة المسلسلات ضياع للوقت؛ فلا ينبغي للمسلم الانشغال بها، وإذا كانت المسلسلات تشتمل على منكرات؛ فمشاهدتها حرام، وذلك مثل النساء السافرات والمتبرجات، ومثل الموسيقى والأغاني، ومثل المسلسلات التي تحمل أفكارًا فاسدة تخل بالدين والأخلاق، ومثل المسلسلات التي تشتمل على مشاهد ماجنة تفسد الأخلاق؛ فهذه الأنواع من المسلسلات لا تجوز مشاهدتها .
517 ـ هل في هذه الأسماء محذور شرعي من تزكية النفس ونحوه : إيمان، أبرار، زكية، غفران ؟ !
لا تحرم التسمية بهذه الأسماء، ولكن الأولى ترك التسمية بها؛ لما في ذلك من التزكية، ولأنه قد يقال : هل هنا إيمان ( ونحو ذلك ) ؟ فيقال : لا . فيحدث شيء من الكراهية النفسية؛ كما جاء في الحديث النهي عن مثل هذه التسمية لهذه العلة (9) . والله أعلم .
518 ـ أعمل بشركة تجارية وهي تقوم بين الحين والآخر بإقامة حفلات تشتمل على عرض مبيعاتها وتكريم عملائها، وتطلب مني قراءة القرآن؛ كافتتاح للحفل؛ فهل هذا جائز ؟

(63/10)


إذا كانت هذه الشركة تبيع شيئًا من المحرمات؛ كالدخان، وآلات اللهو، أو الصور؛ فلا تجوز قراءة القرآن في الاحتفالات التي تقيمها؛ لأن القرآن العظيم يصان ويعظم عن مثل هذا، أما إذا كانت معروضاتها سلعًا مباحة؛ فلا بأس بقراءة القرآن في احتفالاتها، إذا لم تشتمل هذه الاحتفالات على شيء من هذه المنكرات؛ كالأغاني، والموسيقى، أو اختلاط النساء بالرجال، أو حضور نساء غير محجبات . . . أو غير ذلك من المنكرات .
519 ـ اشتريت مجموعة كبيرة من الأسماك الحية من أطفال بمكة، وبعد مدة من الزمن؛ علمت أن مصدر هذه الأسماك هو منطقة في مكة يوجد فيها الماء الجاري دائمًا، وتعيش هذه الأسماك فيها؛ فهل يلحق بي الإثم في تربية أو أكل ما اشتريت من هذه الأسماك ؟
لا يجوز اصطياد الصيد في الحرم؛ لا السمك ولا غيره .
قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في " مجموع الفتاوى " ( 26/117 ) : " ولا يصطاد به صيد، وإن كان من الماء؛ كالسمك على الصحيح " . انتهى .
وقال في " الزاد وشرحه " ( 4/26 ) : " ولا يحرم صيد البحر إن لم يكن بالحرم " .
قال ابن قاسم في " الحاشية " : " فإن كان بالحرم؛ حرم صيده، جزم به غير واحد، وصححه في التصحيح وغيره والشارح والشيخ وغيرهما؛ لأن التحريم فيه للمكان " انتهى .
فعليه؛ لا يحل للسائل صيد هذه الأسماك التي تعيش في ماء بالحرم، ولا أكلها؛ لعموم قوله صلى الله عليه وسلم في الحرم : ( ولا يُنفر صيده ) [ رواه البخاري في صحيحه ( 3/94 ) ] . والله أعلم .
520 ـ هل في إلقاء بقايا الأكل من الإدام والخضار في دورات المياه ذنب أو حرمة خاصة، وخاصة بأنه لا يوجد مكان لإلقاء تلك الفضلات ؟
لا يجوز إلقاء شيء من الطعام في المحلات القذرة والمحلات النجسة كالحمامات؛ لأن هذا فيه إهدار وإساءة إلى النعمة وعدم شكر الله .

(63/11)


وقد وجد النبي صلى الله عليه وسلم تمرة في الطريق، وقال : ( لولا إني أخشى أن تكون من الصدقة؛ لأكلتها ) [ رواه البخاري في صحيحه ( 3/5 ) بلفظ : لولا أن تكون صدقة . . ] ، وأمر صلى الله عليه وسلم الآكل بلعق أصابعه قبل أن يغسلها أو يمسحها بالمنديل (10)، وأمر بأخذ اللقمة إذا سقطت وإماطة ما عليها وأكلها (11).
فدل هذا على أنه لا يجوز إلقاء شيء من الطعام أو من التمر أو من المأكولات في المحلات القذرة والنجسة، بل النعم تصان وتحترم ويحتفظ بها؛ لأن ذلك من شكرها؛ ولأن هذه النعم ربما يأتي من يحتاجها ويأكلها، ولو من البهائم؛ فإلقاؤها في المزابل لا يجوز .
وبهذا نعلم خطورة ما يرتكبه بعض المسرفين الذين يعملون الأطعمة الكثيرة التي تزيد عن الحاجة، ثم يلقونها في القمامات، وفي صناديق القمامة، أو في القاذورات . هذا من الاستهانة بنعم الله، ومن الإسراف الذي حرمه الله؛ فيجب على المسلمين أن ينتبهوا لذلك . والله أعلم .
521 ـ هل يحل لنا أكل الأطعمة التي تأتي معلبة من دول غير أهل الكتاب، وبالذات اللحوم التي يكتب أحيانًا عليها ذبح على الشريعة الإسلامية، وغالبًا تكون مكتوبة باللغة الإنجليزية ؟
أما المعلبات من الأطعمة غير اللحوم من الأجبان ومن الخضراوات ومن الأشربة الغازية وغير ذلك؛ فلا حرج في أكلها وشربها؛ لأن الأصل في الأطعمة والأشربة الحل؛ إلا ما دل الدليل على تحريمه؛ كالمسكرات والأشياء المشتملة على مواد محرمة؛ فإن كانت ليس فيها شيء من الكحول، وليس فيها شيء من شحم الخنزير ومشتقاته؛ فإن الأصل فيها الحل .
أما إذا علمنا أن هذه المعلبات تشتمل على شيء محرم من الكحول أو من لحم الخنزير ومشتقاته؛ فإنه يحرم علينا استعماله؛ لأنها أصبحت مخلوطة بمادة محرمة .
أما إذا لم نعلم عنها شيئًا؛ فالأصل الحل .
أما إذا كانت هذه المعلبات من اللحوم؛ فهذا فيه تفصيل :

(63/12)


إذا كانت هذه اللحوم مستوردة من دولة غير كتابية؛ فإنها لا تحل؛ كالمستوردة من الشيوعيين والوثنيين وسائر الكفرة؛ لأن ذبائح الكفار غير الكتابيين لا تحل، وهي ميتة .
أما إذا كانت مستوردة من بلاد كتابية، وهي بلاد النصارى أو بلاد اليهود؛ فإن الله سبحانه وتعالى أباح لنا أكل ذبائحهم إذا ذبحوها على الطريقة الشرعية، قال تعالى : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ } [ سورة المائدة : آية 5 ] .
522 ـ ما حكم الامتناع عن الطعام لمدة محدودة أو غير محدودة؛ خاصة في السجن؛ حيث إن الامتناع عن الطعام هو الوسيلة الوحيدة أمام السجين للمناداة بحقوقه الإنسانية داخل السجن ؟
الامتناع عن الطعام من أجل الاحتجاج إذا كان يضره أو يتسبب في هلاكه؛ فإنه لا يجوز؛ لقوله تعالى : { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ } [ سورة البقرة : آية 195 ] ، وقوله تعالى : { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } [ سورة النساء : آية 29 ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا ضرر ولا ضرار ) [ رواه الإمام أحمد في مسنده ( 5/327 ) ، ورواه الإمام مالك في الموطأ ( 2/745 ) ، ورواه ابن ماجه في سننه ( 2/784 ) ، ورواه الدارقطني في سننه ( 4/227 ) ، ورواه الحاكم في مستدركه ( 2/57، 58 ) ، ورواه غيرهم ] .
أما إذا كان الامتناع عن الطعام لا يضره، وهو يؤدي إلى غرض مباح؛ فلا بأس به؛ إذا كان مظلومًا ويريد أن يتخلص به من الظلم .
523 ـ ما رأي فضيلتكم فيمن يتعلم من المسلمين الطب والمخترعات الحديثة بقصد إغناء المسلمين عن الحاجة إلى الكفار والمشركين ؟
لا بأس في ذلك، ويؤجر عليه، لكن بشرط أن يكون قد تعلم من دينه ما يحتاج إليه؛ فلابد أن يتعلم أولاً أمور الدين الضرورية التي لا يعذر أحد بتركها، ثم يتعلم بعد ذلك أمور الطب وغيرها من العلوم، أما أن يقبل على أمور الطب والعلوم الأخرى؛ وهو يجهل أمر دينه؛ فهذا لا يجوز .

(63/13)


524 ـ ما حكم من يأكل على الصحف والجرائد ويجلس عليها ؟
لا يجوز الأكل والجلوس على الصحف والجرائد التي تشتمل على شيء من ذكر الله أو شيء من الآيات أو الأحاديث النبوية أو تتضمن شيئًا من الفتاوى والأحكام الشرعية؛ لأن هذا العمل يعتبر امتهانًا لذكر الله وآياته وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وللأحكام الشرعية، والواجب أن ترفع هذه الصحف والجرائد المتضمنة لشيء مما ذكر، أو يؤخذ الجزء المشتمل منها على شيء مما ذكر ويستعمل الباقي الخالي من ذلك .
أما الصحف والجرائد التي لا تشتمل على شيء من ذكر الله أو شيء من القرآن أو الأحاديث؛ فلا بأس في استعمالها؛ لعدم المحذور في ذلك . والله أعلم .
ويجب على المسؤولين عن إصدار الصحف والمجلات التي تشتمل على ذكر الله أو على شيء من الآيات والأحاديث أن ينبهوا القراء على وجوب احترامها والعناية بها، وذلك بكتابة تنبيه يوضع في أول الصحيفة أو على غلاف المجلة .
525 ـ هناك أيتام يأتيهم مال ونفقة لهم؛ فهل يجوز لوالد أمهم أن يأكل معهم من مالهم؛ سواء زيارة أو دائمًا ؟
إذا كان في زيارة؛ فلا بأس أن يأكل معهم في بعض الأوقات، أما أن يأكل معهم دائمًا، ولا ينفق من ماله؛ فهذا لا يجوز له، لكن يجوز أن يخلط طعامه معه طعامهم ويأكل معهم، أما أن يعتمد على طعامهم دائمًا؛ فهذا لا يجوز؛ لأنه يوفر ماله ويأكل مال الأيتام .
قال تعالى : { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاَحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ } [ سورة البقرة : آية 220 ] ، ومعنى الآية الكريمة : أنه لا بأس أن يخلط طعامه مع طعامهم، ولا يأكل منفردًا؛ لما في ذلك من الحرج .
526 ـ نسمع كثيرًا كلمات لا نعرف مدلولها؛ مثل : ( لا ينبغي ) وكلمة ( مكروه كراهة التنزيه ) . . . إلى غير ذلك من العبارات؛ فما معناها ؟

(63/14)


كلمة ( لا ينبغي ) : قد يراد بها التحريم، وقد يراد بها كراهة التنزيه، والقرينة هي التي تعين المراد بها .
وقولهم : ( مكروه كراهة تنزيه ) : المراد به ما يثاب تاركه ولا يعاقب فاعله مما جاء النهي عنه نهيًا غير جازم؛ لمجيء ما يصرفه عن التحريم؛ بخلاف المكروه كراهة التحريم؛ فهذا يثاب تاركه ويعاقب فاعله، وهو ما جاء النهي عنه جازمًا، ولم يصرف صارف عن التحريم .
527 ـ ما هو التعزير؛ فكثيرًا ما أسمع هذه الكلمة وأجهل معناها ؟
التعزير : لغة : التأديب، وشرعًا : هو التأديب في كل معصية ليس فيها حد ولا كفارة .

(63/15)


المجلد الرابع

(/)


كتاب الطهارة
1 ـ إذا أصاب الثوب بول أي أصابته نجاسة فهل يكفي أن نرش على موضع النجاسة ماء حتى يبتل المكان بالماء أم لابد من غسل المكان الذي أصابه البول وليس رشه بالماء فقط ؟
فأجاب فضيلة الشيخ بقوله :
إذا أصاب الثوب نجاسة من البول أو دم الحيض أو عذرة أو غير ذلك من النجاسات يجب غسله غسلاً كاملاً، بأن يغسل حتى تزول النجاسة، وحتى يتيقن زوال النجاسة لقوله صلى الله عليه وسلم للحائض لما سألته عن دم الحيض يصيب الثوب قال : ( تحته ثم تقرصه ثم تنضحه بالماء ) [ رواه الإمام مسلم في صحيحه ج1 ص240 من حديث أسماء رضي الله عنها بنحوه ] فأمر بِحَتّه أولاً " أي يحك " ثم تقرصه بالماء " أي تفركه بالماء " حتى يتحلل ما بداخل الثوب من الدم ثم تنضحه بالماء بعد قرصه لأجل أن يزول أثر النجاسة .
ذلك يدل على أنه لابد من المبالغة في غسل النجاسة حتى تزول سواء كانت بولاً أو عذرة أو دماً أو غير ذلك ولا يكفي نضحها إلا ما ورد في مسألتين وهما :
مسألة بول الغلام الذي لم يأكل الطعام فإنه يكفي نضحه بالماء " أي رشه بالماء " لقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( يغسل من بول الجارية ويرش من بول الغلام ) [ رواه الإمام أحمد في مسنده ج1 ص76، 97، 137 . ورواه أبو داود في سننه ج1 ص101 . ورواه ابن ماجه في سننه ج1 ص 174، 175 . ورواه الدارقطني في سننه ج1 ص 129 . ورواه الحاكم في مستدركه ج1 ص165، 166 . كلهم من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه بنحوه ] . والمسألة الثانية مسألة المذي إذا أصاب الثوب فإنه يكفي نضحه لأن نجاسته مخففة مثل بول الغلام نجاسة مخففة أما النجاسة المغلظة فلا يكفي فيها النضح ولا الرش بل لابد من غسلها ثلاث مرات فأكثر حتى تزول النجاسة .
2 ـ بعد البول يخرج مني سائل لا أدي هل هو مذي أم مني ثم أستنجي وأصلي . هل صلاتي صحيحة ؟

(64/1)


إذا استنجيت الاستنجاء المنقي وتوضأت بعده وصليت فصلاتك صحيحة، لأنك فعلت ما يجب عليك . أما إن استنجيت وخرج بعد الاستنجاء شيء فلا بد أن تعيد الاستنجاء حتى يطهر المحل بعد انقطاع الخارج نهائياً . ولابد أن يكون الوضوء بعد الاستنجاء من الخارج . وليس المراد ما يفهم بعض العوام أن الاستنجاء يلزم عند كل وضوء . وإنما يلزم إذا خرج من السبيلين شيء غير الريح .
3 ـ إني أعاني من سلسل دائم متى أتوضأ للصلوات الخمس وكذلك متى أتوضأ ليوم الجمعة ؟
من به سلس بول دائم النزول فإنه يتوضأ عندما يريد الصلاة ويصلي في الحال ولو خرج منه شيء في الصلاة فصلاته صحيحة لقوله تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [ سورة التغابن : آية 16 ] . وكذلك في يوم الجمعة يتوضأ عند الصلاة ويصلي مع الإمام . لكن يجب عليه أن يضع شيئاً على ذكره يحفظ نزول البول على ثيابه وبدنه ومصلاه والله أعلم .
4 ـ في الوضوء هل إنه لابد أن أغسل السبيلين مع أني لست بحاجة إلى قضاء حاجة ؟
غسل السبيلين وهو ما يسمى بالاستنجاء إنما يجب بعد قضاء الحاجة من أجل إزالة أثر الخارج ويكفي عن الاستنجاء الاستجمار بالحجارة ونحوها مما ينقي المخرج من أثر الخارج وإذا استنجى الإنسان أو استجمر ولم يخرج منه شيء بعد ذلك فإنه لا يعيد الاستنجاء عند كل وضوء إلا إذا خرج منه شيء من البول أو الغائط . فالاستنجاء إزالة نجاسة وليس هو من الوضوء .
5 ـ إني فتاة أضع على وجهي دهانات وصفها لي الطبيب وقال يجب علي ألا يمسها الماء لمدة تقدر بـ12 ساعة على الأقل وإني ولله الحمد مسلمة وعلي أن أتوضأ فأخشى أن يلامس الماء الدهان على وجهي فهل أمسح الأجزاء التي لا يوجد بها دهان أم ماذا ؟ أفيدونا جزاكم الله خيرًا ؟

(64/2)


إذا كان في الوجه مرض جلدي وقد وصف له الطبيب دهاناً يوضع عليه وقال لا يمسه الماء لعدة ساعات من أجل بقاء الدهان للعلاج ففي هذه الحالة يجنب موضعه الماء في الوضوء ويغسل الباقي مع بقية الأعضاء ويتيمم بدل غسل الوجه إلى أن تنتهي الحاجة إلى وضع الدهان والله أعلم .
سائلة تقول :
6 ـ ذات يوم سقطت على الأرض فأصيبت بكسر في إحدى رجليها مما جعل الأطباء يعملون لها عملية جراحية تم تجبير الرجل على عظام اصطناعية أو قطع حديدية ولهذا فإنه يصعب عليها الوضوء فلذلك فهي تتيمم لكل صلاة ولا تتوضأ فهل فعلها هذا صحيح وإلا فماذا يجب عليها مستقبلاً وعما مضى من الصلوات بالتيمم فقط ؟
يجب عليها أن تغسل الأعضاء الصحيحة وأن تتيمم عن العضو الذي يتعذر غسله وإن كان عليه جبيرة أو شيء تمسح عليه ويكفي المسح عن غسله أما إذا لم يكن عليه حائل ولا تقدر على غسله فإنها تتيمم عنه بعد أن تغسل الأعضاء الصحيحة أما الصلوات التي صلتها بالتيمم إذا كانت تعرف عددها يجب أن تعيدها لأن التيمم لا يجزي وحده لابد من غسل الأعضاء الصحيحة .
7 ـ إذا كانت تمسح عليها مسحاً فقط - فهل هذا يجزي عن التيمم أم لابد من التيمم مع المسح .
يجزئ المسح إذا كان عليها حائل كما ذكرنا .
8 ـ هل يؤثر طلاء الأظافر المستعمل للزينة على صحة الوضوء للصلاة أم لا ؟
الطلاء له حالتان :
الحالة الأولى : أن لا يكون له جرم يتجمد على الظفر يمنع وصول الماء إلى البشرة فلا مانع منه ولا يؤثر على الوضوء . أما إذا كان هذا الطلاء يتجمد وله جرم كما ذكر عن طلاء " المنكير " وغيرها فهذا لا يجوز لأنه يحول بين الماء وبين البشرة ولا يصح معه وضوء ولا اغتسال حتى يزال .
9 ـ هل يجوز للمسلم أن يتوضأ لصلاة العصر مثلاً ويبقى على هذا الوضوء حتى صلاة العشاء أم هذا غير جائز . أفيدونا أفادكم الله ؟

(64/3)


إذا توضأ الإنسان وضوءاً كاملاً وتطهر طهارة كاملة فإنه يجوز له أن يبقى على الوضوء وعلى هذه الطهارة ما شاء وأن يصلي بها ما شاء من الفرائض والنوافل مادام لم ينتقض وضوءه . إلا أنه يستحب له تجديد الوضوء لكل صلاة .
10 ـ أنا طالب بكلية الطب وأثناء الدراسة نضطر إلى أن نمسك بعض الجثث ونشرحها بأيدينا وغالباً ما تكون جثث مسلمين وأيضاً نضطر إلى أن نحتفظ بعظام الموتى في بيوتنا فهل تشريح هذه الجثث أو لمس هذه العظام يوجب إعادة الوضوء وما حكم تشريح جثث المسلمين لغرض التعلم الطبي ؟
الإجابة : الله سبحانه وتعالى شرع لبني آدم الدفن بأن تدفن جنائزهم بعد موتهم قال الله تعالى : { ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ } [ سورة عبس : آية 21 ] . وقال تعالى : { أَلَمْ نَجْعَلِ الأَرْضَ كِفَاتًا، أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا } [ سورة المرسلات : الآيتين 25، 26 ] . أي تعيشون على ظهرها وتدفنون بعد موتكم في بطنها قال تعالى : { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى } [ سورة طه : آية 55 ] . فالذي يشرع نحو الميت أن يدفن في قبره ولا يتصرف في جثته وأعضائه . وأما بالنسبة لتشريح الجثة لقصد التعليم كما ورد في السؤال وكما يقال أنه أصبح الآن ضرورة لتعلم الطب ونفع الأحياء بذلك فهذا إن أمكن الاستغناء عنه فإنه لا يجوز بحال من الأحوال وإذا لم يمكن وتوقف الأمر عليه فإن جثة المسلم لا يجوز أن تشرح أبداً لأجل الطب لقوله صلى الله عليه وسلم : ( حرمة المسلم ميتاً كحرمته حياً ) [ لم أجده بهذا اللفظ ] . فالمسلم لا يجوز أن يتلاعب بجثته ولا أن تشرح بل يجب دفنه واحترامه كما يحترم حياً .

(64/4)


أما بالنسبة لجثة الكافر فقد رخص بعض العلماء المعاصرين بتشريح جثته لأجل الطب والله أعلم . أما لمس الجثة ولمس الميت غير فرجه فهذا لا ينقض الوضوء إما الذي ذكره بعض أهل العلم أنه ينقض الوضوء تغسيل الميت وفيه نظر، أما لمس جثته من غير التغسيل فهذا لا ينقض الوضوء .
11 ـ لو شخص احتلم ثم قام ليؤدي الصلاة ولم يكن عنده ماء يكفي للاغتسال ولا يمكن الحصول على ماء قبل أن يخرج الوقت والماء الذي عنده قد يكفيه للوضوء فقط فهل يتوضأ به أم يتيمم عن الاغتسال وعن الوضوء مع وجود الماء الكافي عن الوضوء وما الحكم لو كان المانع من الاغتسال شدة البرودة ؟

(64/5)


الجواب : إذا احتلم الإنسان وقام ليصلي وليس عنده ماء إلا ماء قليل فإنه يتيمم بعدما يستعمل هذا الماء القليل يتوضأ به إذا كان يكفي للوضوء وإن كان لا يكفي لكل الوضوء فيتوضأ منه بحسب ما يكفيه لو مثلاً يتمضمض ويستنشق ويغسل وجهه ويغسل يديه ثم ينفد الماء فإنه يتيمم عن باقي الوضوء وعن الاغتسال الحاصل أنه يستعمل الماء بقدر ما يتسع من أعضاء الوضوء ثم يتيمم عن الباقي ولو كان الماء يكفي للوضوء كاملاً يتوضأ به وضوءاً كاملاً، ويتيمم عن الحدث الأكبر والتيمم لابد منه إما عن الحدثين أو عن الحدث الأكبر ويصلي لقوله تعالى : { وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ } [ سورة النساء : آية 43 ] . وهذا لم يجد ماء أو وجد ماء لا يكفيه للطهارة كلها فيستعمله فيما يتسع له ويتيمم عن الباقي أما إذا كان العذر هو شدة البرودة وليس عنده ما يسخن به هذا الماء فإنه يتيمم فشدة البرد التي يخشى منها على نفسه لو اغتسل بأن يخشى على نفسه من المرض أو من الموت فإنه لا يجوز له أن يستعمل ما فيه خطر والدليل على ذلك قصة عمرو بن العاص رضي الله عنه حينما كان في بعض أسفاره في سرية بعثه النبي صلى الله عليه وسلم بها ثم احتلم ولما أراد أن يصلي وإذا الماء بارد شديد البرودة فذكر قوله تعالى : { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } [ سورة النساء : آية 29 ] . فتيمم فصلى بأصحابه فلما قدم على النبي صلى الله عليه وسلم وذكر له ذلك أقره على هذا (1). فدل على أنه إذا كان الماء بارداً شديد البرودة ويخشى باستعماله ضرراً على نفسه فإنه يتيمم إذا لم يجد ما يسخنه به .

(64/6)


12 ـ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته . . . فضيلة الشيخ هل يجزئ الغسل للجمعة عن الوضوء لصلاة الجمعة، كذلك هل يجزئ الغسل عن الجنابة عن الوضوء لصلاة الفجر إذا اغتسل قبل صلاة الفجر ؟
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين . الأفضل أن الإنسان يتوضأ وضوءاً كاملاً قبل الغسل ما عدا غسل الرجلين فإنه يؤخره إلى بعد نهاية الغسل، هذا هو الأفضل والأكمل .
أما لو نوى دخول الوضوء في الاغتسال فإنه يجزئ هذا لأن الطهارة الصغرى تدخل في الكبرى فإذا نوى الوضوء مع الاغتسال سواء كان هذا الاغتسال مستحباً كغسل الجمعة أو كان واجباً كغسل الجنابة فإنه يجزئه ذلك لأن الطهارة الصغرى تدخل في الطهارة الكبرى ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) [ رواه الإمام البخاري في صحيحه ج1 ص2 . من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ] . فيجوز أن ينوي دخول الوضوء مع الاغتسال المستحب أو الاغتسال الواجب ولكن الأفضل كما ذكرنا في أول الجواب أن يتوضأ أولاً ثم يغتسل بعد ذلك، هذا هو الأكمل .
13 ـ هل الاستحمام يغني عن الوضوء ؟ أم لابد من الوضوء بعد الاستحمام ؟
إذا نوى الجنب أو الحائض والنفساء دخول الوضوء في الاغتسال وعمم الماء على جسمه ناوياً الطهارة من الحدثين أجزأه ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) [ رواه الإمام البخاري في صحيحه ج1 ص2 من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه ] .
سائلة تقول :

(64/7)


14 ـ ما حكم قراءة القرآن من المصحف للحائض أو قراءته عن غيب كذلك للحائض وتقول أيضاً بأنني معتادة على قراءة بعض من الآيات دائماً فهل علي ذنب إذا قرأت وأنا كذلك وأحياناً أسهو وأقرأ القرآن وبعد أن أتذكر أقطع الآية . كذلك ما الحكم في قراءته في الامتحان بالنسبة للحائض أو قراءة جزء من الآيات في بعض المواد كالتوحيد والفقه وغيرها إذا تطلب الأمر قراءة آيات للإعراب أو الشرح ونحو ذلك .
الذي عليه حدث أكبر من جنابة أو حيض ممنوع من قراءة القرآن لا عن ظهر قلب ولا من مصحف بل مس المصحف وإن لم يقرأ فيه من المحدث لا يجوز لقوله صلى الله عليه وسلم كما في حديث عمرو بن حزم (لا يمس القرآن إلا طاهر ) [ رواه الحاكم في مستدركه ج1 ص397 . ورواه الإمام مالك في الموطأ ج1 ص199 كلاهما من حديث عبد الله بن أبي بكر بن حزم عن أبيه عن جده ] . فمس المصحف لمن عليه حدث أصغر أو أكبر لا يجوز لهذا الحديث وذلك باتفاق الأئمة الأربعة . أن المحدث لا يجوز له أن يمس المصحف من غير حائل وأما القراءة عن ظهر قلب فالذي عليه حدث أصغر لا بأس أن يقرأ القرآن وأما الذي عليه حدث أكبر لا يقرأ القرآن لا من المصحف ولا عن ظهر قلب إلا الحائض في حالة الضرورة كحالة الامتحانات إذا خشيت أن يفوت عليها الامتحان فلا بأس أن تقرأ القرآن لأداء الامتحان بقدر الضرورة وكذلك إذا كانت تحفظ من القرآن آيات أو سوراً وتخشى من نسيانها لأن فترة الحيض أو النفاس تطول فإنها تقرأ القرآن لاستذكاره وعدم نسيانه في هاتين الحالتين لا بأس أن تقرأ الحائض والنفساء القرآن للضرورة إما لأجل الامتحان وإما خوف النسيان وأما فيما عدا هذا فالمسألة خلافية والجمهور على المنع والأحوط لها أن تتجنب قراءة القرآن لأنه لا داعي ولا ضرورة لذلك . أما إذا قرأت شيئاً من القرآن لا بقصد التلاوة إنما بقصد الذكر كأنما تقرأ آية أو بعض آية بقصد الذكر فهذا لا بأس به لأنها لم تقصد التلاوة وإنما تقصد

(64/8)


الذكر بذلك أو الدعاء وكذلك إعراب النحو إذا أعربت فهذا أيضاً لا يدخل في حكم التلاوة فلا بأس بذلك والله أعلم .
15 ـ ما الحكم إذا أتت المرأة الدورة الشهرية عند دخول وقت صلاة مفروضة فهل عليها قضاء ذلك الفرض بعد انتهاء الدورة ؟
إذا دخل عليها وقت الفريضة ثم طرأ عليها حدوث العادة فإنها إذا انقطعت العادة واغتسلت يجب عليها قضاء هذه الصلاة التي أدركت وقتها لأنها وجبت عليها بدخول وقتها ولم تتمكن من أدائها حين ذاك فإذا زال المانع واغتسلت من الحيض فإنها يجب عليها أن تقضي هذه الصلاة الفائتة على الفور لأن قضاء الصلوات الفائتة يكون على الفور في أي وقت تمكن الإنسان فإنه يقضي الصلاة الفائتة ولا يتقيد هذا بوقت دون وقت .
16 ـ هل تستمر الفتاة في قراءة القرآن وقراءة الأوراد والأدعية المأثورة عن النبي صلى الله عليه وسلم أثناء الدور الشهرية أم تمتنع عن ذلك ؟
قراءة الحائض في أثناء الدورة للأذكار والأحاديث والأدعية لا خلاف بين العلماء في جوازها وأما قراءتها للقرآن فهي موضع خلاف بين العلماء . والراجح أنها لا تجوز إلا عند الضرورة كخوف النسيان أو فوات الامتحان الدراسي ونحو ذلك .
17 ـ هل ختان البنات حرام . . ولماذا ؟
ختان البنات مستحب وليس بواجب - لما فيه من مصلحة البنت وحظوتها عند زوجها .

(64/9)


الصلاة
18 ـ أنا رجل أصلي وأصوم ولله الحمد وعندما أتوجه إلى القبلة أقول : وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين فهل قول هذا من السنة أم لا ؟
هذا الذكر لا يقال عند توجهك إلى القبلة وإنما يستحب أن يقال بعد تكبيرة الإحرام لأن هذا من الاستفتاح الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم فقد ثبت أنه كان أحياناً إذا كبر تكبيرة الإحرام يقول مستفتحاً ( وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفاً وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين ) [ رواه الإمام مسلم في صحيحه ج1 ص534، 535 . من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه والحديث له تتمة ] . فهذا من جملة الاستفتاحات التي كان يستفتح بها رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته بعد تكبيرة الإحرام فمحل هذا بعد تكبيرة الإحرام لا عند التوجه إلى القبلة وقبل تكبيرة الإحرام .
19 ـ إذا نام الإنسان ثم استيقظ وقت صلاة فريضة فتوضأ وصلى وبعد الصلاة اكتشف آثار احتلام في ملابسه فماذا يفعل وهل عليه إعادة الصلاة تلك أم لا ؟
إذا استيقظ وصلى ثم بعد ذلك أدرك في ثيابه أو على بدنه أثر احتلام أي وجد أثر الخارج بالاحتلام فإنه يجب عليه أن يغتسل وأن يعيد الصلاة لأنه تبين أنه صلى وعليه جنابة ولو طال الزمن فلو فرضنا أنه صلى عدة صلوات وأنه وجد هذا الأثر فأنه يعيد الصلوات التي صلاها بدون اغتسال .
20 ـ ما سبب صلاة الظهر والعصر سراً في القراءة وباقي الصلوات الفجر والمغرب والعشاء جهراً ؟

(65/1)


أولاً : الواجب على المسلم أن يعمل ما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم وإن لم يعرف الحكمة لأن الواجب الامتثال سواء عرفنا الحكمة أو لم نعرفها . فمعرفة الحكمة أمر ثانوي وزيادة فائدة وإلا فالواجب الامتثال ومن ذلك الإسرار في صلاة النهار والجهر في صلاة الليل في القراءة . الله أعلم ما الحكمة في ذلك . ولكن ربما يكون من الحكمة والله أعلم أن صلاة الليل يجهر فيها لأن هذا أدعى إلى الخشوع ولأن قراءة صلاة الليل أقرب إلى التدبر لهدوء الأصوات في الليل وانقطاع الشواغل . فإذا جهر بالقراءة كان ذلك أدعى للتدبر والخشوع كما قال تعالى : { إِنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْءًا وَأَقْوَمُ قِيلاً } [ سورة المزمل : آية 6 ] . فالصلاة بالليل لها مزية والجهر فيها بالقرآن له مزية لأنه وقت تنقطع فيه الشواغل ويهدأ فيه البال ويتفرغ الإنسان للتدبر بخلاف النهار . فإنه وقت الاشتغال ووقت الأصوات فيكون الإنسان مشغولاً عن التدبر في الغالب .
21 ـ أنا رجل ساكن في الخلاء ومتزوج ويوجد لدي أولاد وبيني الجار حوالي 50 متراً وأسمع الأذان وعندما أريد أن أذهب إلى المسجد تخاف زوجتي وتريد أن لا أخرج من البيت لخوفها فماذا أفعل . هل تصح الصلاة في البيت ؟

(65/2)


لا شك أن من سمع النداء وجب عليه أن يذهب إلى المسجد ويصلي مع المسلمين صلاة الجماعة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال للأعمى الذي جاء يستأذنه أن يصلي في بيته لما يجد من المشقة في إتيانه للمسجد قال له النبي صلى الله عليه وسلم : (هل تسمع النداء ؟ قال نعم . قال : فأجب فإني لا أجد لك رخصة) [ رواه الإمام مسلم في صحيحه ج1 ص452 . من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه ] . وقال عليه الصلاة والسلام لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد ويروى هذا موقوفاً عن علي بن أبي طالب (2) يروى مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم (3) وهو يدل على أن جار المسجد يجب عليه أن يصلي في المسجد . وجار المسجد كما ذكروا من بينه وبين المسجد أربعين بيتاً . يعني الجوار يمتد إلى أربعون بيتاً والضابط في هذا سماع النداء فإذا كنت تسمع النداء بالأذان المعتاد من غير مكبر أي إذا أذن مؤذن من غير مكبر الصوت تسمعه وجب عليك أن تصلي في المسجد وأن تجيب الداعي إلا إذا حال دون ذلك عذر شرعي كالمرض مثلاً . أو ما ذكرت مثلاً من أن زوجتك تستوحش وتخاف في الليل إذا ذهبت للصلاة في المسجد فهذا عذر شرعي يبيح لك الصلاة في البيت لأن زوجتك تستوحش وتخاف وتحتاج إلى بقائك عندها فهذا يعتبر عذرًا شرعيًا .
22 ـ إن جدتي لوالدي تصلي الصلوات الخمس المفروضة عليها كاملة ولكن للأسف إن صلاتها خاطئة من أولها إلى آخرها حيث أنها لا تركع بعض الأحيان ولا تقرأ التحيات وتقرأ الفاتحة بدل التحيات بالإضافة أنها تسلم بعد كل ركعة وهذا شيء مما تفعله ولم نرض بما تفعل حيث قام أخي الكبير بتوضيح أن صلاتها خاطئة وكان رد الفعل أن شتمتنا وفضحتنا وأخذت تبكي وحتى لو علمناها الصلاة الصحيحة لا تستطيع أن تتعلمها لأنها تعودت على صلاتها . فهل عليها إثم في ذلك وهل يجب علينا شيء وماذا نفعل ؟

(65/3)


هذه المرأة لا تخلو من إحدى الحالتين : الأولى : أن تكون حالتها العقلية مختلة ولا تفهم ما يقال لها فهذه لا حرج عليها لقوله تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [ سورة التغابن : آية 16 ] . فلا حرج عليها مادام أنكم بينتم لها الخطأ ولم تستطع أن تفهم فلا حرج عليها إن شاء الله لأن هذا هو منتهى قدرتها أما إذا كانت عقليتها سليمة وإنما فعلت هذا عن جهل فهذه لا عذر لها لأن الجاهل إذا وجد من يفهمه ويعلمه زال عذره ووجب عليه أن يأخذ طريق الصواب فالواجب عليكم أن تكرروا طريق التفهيم وأن تخوفوها بالله وأن هذا لا يبري ذمتها هذا ما يسعكم فإن استقامت فالحمد لله وإلا فقد أديتم الواجب واسألوا الله لها الهداية .
23 ـ هل يجوز الجمع بين الصلوات من غير عذر . وما صحة الحديث القائل [ بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم جمع في الصلاة بدون خوف ولا مرض ] أفيدوني في ذلك بارك الله فيكم ؟ .
الجمع بين الصلوات من غير عذر لا يجوز ولا تصح به الصلاة لأنه صلاها في غير وقتها من غير عذر شرعي والله تعالى يقول : { إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا } [ سورة النساء : آية 103 ] . والجمع إنما يباح للعذر الشرعي كالمرض والسفر وكذلك بين العشائين في المطر والوحل، هذه الأعذار التي تبيح الجمع بين الصلاتين أما أن يجمع من غير عذر فهذا لا يجوز ولا تصح صلاته إذا فعل ذلك . أما الحديث فلفظه ورد بروايتين عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه جمع من غير خوف ولا سفر ) [ رواه الإمام مسلم في صحيحه ج1 ص489، 490 من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ] .

(65/4)


وفي رواية (من غير خوف ولا مطر ) [ رواه الإمام مسلم في صحيحه ج1 ص491 . من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ] . وأما اللفظ الذي ذكر السائل فهذا غير وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه جمع من غير خوف ولا مرض لم يرد ذكر المرض في الحديث وإنما ورد (من غير خوف ولا سفر ) [ رواه الإمام مسلم في صحيحه ج1 ص489، 490 من حديث ابن عباس رضي الله عنه ] . وفي رواية (من غير خوف ولا مطر ) [ رواه الإمام مسلم في صحيحه ج1 ص491 . من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ] .
وللعلماء عن هذا الحديث عدة أجوبة :
ـ منهم من توقف في معناه وقال إنه لا يظهر له معناه .
ـ ومن العلماء من حمله على الجمع الصوري وهذا الذي أيده الشوكاني في نيل الأوطار (4) والجمع الصوري معناه أن يؤخر الصلاة الأولى إلى آخر وقتها ويقدم الصلاة الثانية في أول وقتها ثم يصليهما جميعًا هذه في آخر وقتها وهذه في أول وقتها هذا جمع صوري .
وهذا معنى صحيح وأيده الشوكاني وأيده غيره في معنى الحديث أن المراد به الجمع الصوري .
ـ ومن العلماء من حمل الحديث وهو قوله (من غير خوف ولا سفر ) [ رواه الإمام مسلم في صحيحه ج1 ص489، 490 من حديث ابن عباس رضي الله عنه ] . أو (من غير خوف ولا مطر ) [ رواه الإمام مسلم في صحيحه ج1 ص491 . من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ] . بأن معنى ذلك أنه جمع للمرض لأن الأعذار التي تبيح الجمع أربعة :
ـ إما الخوف وإما المرض وإما السفر وإما المطر .
فإذا كان ذكر أنه (من غير خوف ولا سفر ) [ رواه الإمام مسلم في صحيحه ج1 ص489، 490 من حديث ابن عباس رضي الله عنه ] . أو (من غير خوف ولا مطر ) [ رواه الإمام مسلم في صحيحه ج1 ص491 . من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ] . فلم يبق إذن إلا المرض فيكون صلى الله عليه وسلم جمع من أجل المرض فيباح للمريض أيضًا أن يجمع إذا كان يلحقه بترك الجمع مشقة .

(65/5)


24 ـ أصابه مرض نفسي كاد يودي بعقله وقد ذهب إلى طبيب للعلاج متخصص في الأمراض النفيسة وبعد الكشف عليه وصف علاجًا منه حبوب يتناولها ولكنها منومة فبعد تناولها ينام طويلاً وقد تفوته بعض الصلوات في وقتها حتى إذا أفاق من نومه صلاها مع الفرض الحالي فما الحكم في هذه الحالة . وما الحكم في تناول مثل هذا العلاج مع أنه لا يستطيع تركه لشعوره بتحسن في حالته بسببه ؟
من المعلوم أنه يجب على المسلم المحافظة على الصلوات في مواقيتها ومع الجماعة حسب الإمكان لقوله تعالى : { حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلاَةِ الْوُسْطَى } [ سورة البقرة آية : 238 ] . وقوله تعالى : { إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا } [ سورة النساء آية : 103 ] . وهي عمود الإسلام فلا يجوز التساهل في شأنها وهذا الذي ذكره السائل من أنه مصاب بخلل عقلي يستدعي أن يتناول حبوبًا تهدئ ذلك عنه وأنها تنومه وربما يفوت هذا عليه بعض أوقات الصلاة والجواب أن الله جل وعلا يقول : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [ سورة التغابن آية : 16 ] . والنبي صلى الله عليه وسلم يقول : ( إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ) [ رواه الإمام مسلم في صحيحه ج2 ص975 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بنحوه . وهو جزء من حديث أوله : ( أيها الناس : قد فرض الله عليكم الحج فحجوا ) ] . فإذا كان باستطاعته أن يؤجل تناول هذه الحبوب إلى أن يصلي فإنه يؤجلها ولا يأخذها قرب دخول الوقت فإذا صلى فإنه يتناولها . وبين الصلاتين وقت طويل في الغالب بحيث يتمكن من تناول الحبوب فيه فمثلاً بعد صلاة الفجر إلى الظهر وقت طويل ومن بعد العصر إلى الليل وقت طويل وبعد العشاء إلى الفجر وقت طويل فهو يتحين الأوقات التي لا يمر فيها فريضة ويتناول هذه الحبوب .

(65/6)


أما إذا لم يكن هناك مناص من أخذها في مواعيد محددة فإنه يأخذها ويصلي على حسب حاله ولو اقتضى الأمر أن يجمع بين الصلاتين جاز له ذلك لأنه مريض . والمريض إذا احتاج إلى الجمع فإنه يجمع .
25 ـ إذا كانت المرأة خارج منزلها من الصباح إلى المساء في عمل تقضيه . فما حكم تأخيرها للصلاة حتى تعود إلى منزلها لعدم توفر المكان المناسب لأدائها الصلاة ؟
أولاً : عمل المرأة يجب أن يكون في حدود المشروع وأن يكون بعيدًا عن الفتنة وبعيدًا عن الاختلاط بالرجال غير المحارم فلا يكون كما عليه النساء الكافرات والمشتبهات بهن من نساء المسلمين فيجب الابتعاد عن هذا العمل الذي يجر إلى الفتنة ويوقع في المحذور .
تعمل المرأة ما يليق بها في غير فتنة ومع التحفظ والاحتشام .
ثانيًا : أما الصلاة فإنها تجب في مواقيتها فيجب على المسلمة أن تصلي الصلاة في وقتها وأن تحسب للصلاة حسابها وذلك بأن يهيئ مكان لصلاة النساء أو تعود إلى بيتها وتصلي ثم تذهب إلى العمل . فالحاصل أنه لابد أن تصلي المسلمة كل صلاة في وقتها ثم تواصل العمل المناسب بها أما أن تقدم العمل على الصلاة فهذا لا يجوز .
26 ـ نحن مجموعة من الفتيات طالبات في جامعة عدن ومواظبات على أداء الصلاة في أوقاتها ولكن أثناء الدراسة وخاصة عندما تكون الدراسة بعد الظهر قد تفوت علينا صلاة العصر والمغرب لأننا لا نستطيع أن نؤديها في الجامعة مهما حاولنا ذلك ولأسباب كثيرة ولهذا نحن نسأل هل يجوز أن نؤدي صلاة العصر مع الظهر جمع تقديم ونؤدي المغرب مع العشاء جمع تأخير وبذلك نسلم من ترك هذين الفرضين كليًّا أو نسلم من تأديتها قضاء كما يفعل بعضنا أحيانًا .

(65/7)


أولاً : إذا أمكن أن تؤدينّ الصلاة في وقتها وفي أثناء الدراسة فهذا أمر واجب وذلك بمراجعة المسؤولين في الجامعة لأن يتيحوا لكنّ وقتًا للصلاة تصلينّ فيه وترجعن إلى العمل وهذا أمر سهل لا يكلف شيئًا ولا يأخذ كثيرًا من الوقت وهو أمر ميسور فإذا أمكن أن تحصلن على فرصة لأداء الصلاة في وقتها في أثناء الدراسة فهذا أمر واجب ومتعين . أما إذا لم يمكن هذا وحاولتنّ الحصول عليه ولم يتحقق فهنا إن كانت الدراسة ضرورية وفي تركها ضرر عليكنّ فلا أرى مانعًا من الجمع بين الصلاتين على الصفة التي وردت في السؤال بأن تصلي العصر مع الظهر جمع تقديم وتصلي المغرب مع العشاء جمع تأخير لأن هذا يعتبر من الأعذار المبيحة للجمع لأن الفقهاء ذكروا أن من الأعذار المبيحة للجمع أن يتضرر بترك معيشة يحتاجها فإذا كان ترك الدراسة فيه ضرر عليكن ولم تحصلن على فرصة من المسؤولين لأداء الصلاة في أثناء العمل فالذي أراه جواز الجمع في هذه الحالة أما أن تصلى الصلاة قضاء كما ورد في السؤال فهذا لا يجوز أن تصلى بعد خروج وقتها .
27 ـ لي والد مريض مصاب بشلل في الجهة اليسرى من جسمه حيث أصبحت عاطلة تمامًا عن الحركة فلذلك لا يستطيع المشي ولا الحركة ولا قضاء الحاجة في الأماكن المخصصة لذلك بنفسه وهذا منذ عشر سنوات ولكنه قبل ثلاثة أو أربعة أشهر اشتد عليه هذا المرض أكثر فهل يجوز له ترك الصلاة لهذا السبب الذي به لا يستطيع التطهر للصلاة . أم لا . فإن كان لا يجوز له ذلك فكيف العمل في طهارته وفي صلاته، وماذا يعمل بما تركه من صلوات فيما مضى في فترة مرضه لاعتقاده أنه مادام كذلك فهو معفى من الصلاة ؟

(65/8)


المسلم لا تسقط عنه الصلاة مادام عقله ثابتًا ولكنه يصلي على حسب حاله لقوله تعالى : { فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ } [ سورة التغابن : آية16 ] . ولقول النبي صلى الله عليه وسلم للمريض : ( صلي قائمًا فإن لم تستطع فقاعدًا فإن لم تستطع فعلى جنب ) [ رواه الإمام البخاري في صحيحه ج2 ص41 من حديث عمران بن حصين رضي الله عنه ] . فيجب على والدك الذي أصيب بهذا الشلل الذي عطل حركته ولو يستطع مع القيام والذهاب إلى أماكن قضاء الحاجة والوضوء بنفسه فهذا يجب عليه أن يصلي ولا تسقط الصلاة عنه ولكنه يصلي على حسب حاله . فإذا كان يستطيع الوضوء بأن يوضئ نفسه بيده الصحيحة أو يوضئه غيره ممن يعينه على الوضوء فإنه يجب عليه ذلك وإذا كان لا يستطيع الوضوء بالماء فإنه يتيمم بالتراب بأن يضرب على التراب بيده الصحيحة ويمسح وجهه ويمسح على كفيه ولو بيد واحدة ويصلي لقوله تعالى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُواْ مَاءً فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِّنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ سورة المائدة : آية 6 ] . وإذا كان لا يستطيع أن يتيمم بنفسه فيُيمّمه غيره بأن يضرب أحد أوليائه أو الحاضرين عنده بيديه على التراب ويمسح بهما وجهه ويديه وينوي هو الطهارة بذلك ويصلي على حسب حاله جالسًا أو على جنبه ويومئ برأسه للركوع والسجود حسب الاستطاعة، فإذا

(65/9)


كان لا يستطيع الإيماء برأسه لأجل الشلل الذي فيه فإنه يومئ بطرفه بالركوع والسجود .
وهكذا فالدين يسر ولله الحمد لكن ليس معنى هذا أن يترك الصلاة نهائيًّا وإنما يصليها على حسب حاله كما ذكرنا ويجب عليه أن يقضي الصلوات التي تركها بحسب استطاعته .
28 ـ ما حكم من نسي صلاة العشاء ولم يتذكر إلا وقت صلاة الصبح أفيدوني في ذلك بارك الله فيكم ؟
أولاً يجب على المسلم الاهتمام بصلاته وأدائها في وقتها مع الجماعة وأن لا يتكاسل عنها أو يتأخر لأن هذا مدعاة لإضاعتها ونسيانها أما إذا حصل أن الإنسان طرأ عليه نسيان أو نوم فلم يؤد الصلاة في وقتها بسبب ذلك فإنه حين يتذكر يجب عليه المبادرة بالصلاة التي نسيها أو نام عنها لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ) [ رواه الإمام مسلم في صحيحه ج1 ص477 . من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه بنحوه ] .
وقال الله تعالى : { وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي } [ سورة طه : آية 14 ] . فإذا استيقظ الإنسان أو تذكر فإنه يبادر بأداء الصلاة الفائتة في أي وقت حصل ذلك ففي هذه الصورة يصلي صلاة العشاء أولاً ثم يصلي الصلاة الحاضرة وهي صلاة الفجر ولا يصلي الحاضرة قبل الفائتة لأن الترتيب واجب ولابد منه .
29 ـ هل يجوز للمرأة المسلمة أن تصلي وهي تضع عقدًا في رقبتها أو خاتم أو تصلي وأمامها صورة أو مرآة أفيدونا بارك الله فيكم ؟

(65/10)


يجب على المسلم أن يبتعد عن كل ما يشغله عن صلاته ويشوش عليه فلا ينبغي أن يصلي إلى مرآة أو إلى باب مفتوح أو غير ذلك مما يشغله أو يشوش عليه صلاته وكذلك لا ينبغي للإنسان أن يصلي في مكان فيه صور معلقة أو منصوبة . لأن في هذا تشبهًا بالذين يعبدون الصور هذا من ناحية ومن ناحية ثانية أن هذه الصور إذا كانت أمامه تشوش عليه صلاته وينشغل بالنظر إليها . أما قضية لبس المرأة للحلي وهي في الصلاة فهذا أيضًا من الشواغل التي تشغل المصلية فلا ينبغي أن تعمل في صلاتها عملاً يشغلها عنها بل تؤخر لبس الحلي أو لبس المصاغ إلى أن تفرغ من الصلاة لكن لو فعلت هذا ولبسته ولم يستهلك وقتًا طويلاً ولم يستهلك عملاً كثيرًا فإن صلاتها صحيحة، لأن العمل اليسير لا يؤثر على الصلاة كتعديل الثوب والعمامة ولبس الساعة وما أشبه ذلك .
30 ـ ما هو الحكم الشرعي في بعض الناس الذين لا يحافظون على الصلوات حتى إذا دخل شهر رمضان المبارك حافظوا عليها مع الجماعة في المساجد وبعد ما ينتهي يعودون لما كانوا عليه من قبل من الإهمال فهل صلاتهم في رمضان وصومهم مقبولان أم لا ؟ وما هي نصيحتكم لهؤلاء الناس ؟
هذه ظاهرة سيئة وهي أن بعض الناس يهمل الصلاة في سائر السنة وإذا جاء رمضان فإنه يرتاد المساجد ويكثر من تلاوة القرآن فإذا خرج رمضان عاد إلى حالته الأولى من الإهمال والكسل وإضاعته الصلاة فهذا أمره خطير ولا ينفعه اجتهاده في رمضان لأنه لم يبن على أساس لأن المسلم المؤمن يعرف الله جل وعلا في كل عمره وفي كل شهوره ويطيع الله عز وجل في كل لحظاته ويجتنب ما حرم الله عليه ويؤدي ما فرض الله عليه في كل الشهور فهو دائمًا مع الله سبحانه وتعالى لا يكون مضيعًا في أحد عشر شهرًا من السنة ويتوب ويقبل في شهر واحد فهذه توبة مؤقتة لا تجزئ ولا تنفع لأن التوبة من شروطها الاستمرار على العمل الصالح والإقلاع عن الذنب والعزم على أن لا يعود إليه مرة أخرى .

(65/11)


وهذه الشروط منتفية في حق هذا الشخص الذي لا يعرف الله إلا في رمضان فهو لم يندم على ما فات ولم يعزم على الصلاح في المستقبل ولم يقلع عن الذنوب التي هو عليها وإنما تاب توبة مؤقتة تنتهي بشهر ولا ينفعه ولا تفيده فعلى المسلمين أن ينتبهوا لذلك وعلى العصاة والمذنبين أن يتوبوا إلى الله توبة نصوحًا وأن يكون رمضان إنما هو مزيد من الطاعة والخير وليس هو محل الطاعة فقط وما عداه يكون محل الإهمال وإنما رمضان زيادة في عمر المسلم يتزود من الخير على ما سبق من أيام عمره . هذه صفة المؤمنين ولهذا كان السلف الصالح إذا جاء رمضان لا يزيد من اجتهادهم وإذا خرج رمضان لا ينقص من اجتهادهم فهم دائمًا في معاملة حسنة مع الله طول أعمارهم لا يزيد رمضان من اجتهادهم شيئًا ولا ينقص خروجه من اجتهادهم شيئًا هذه صفة المؤمنين لأنهم يعبدون الله عز وجل ولا يعبدون رمضان ويعرفون الله عز وجل دائمًا ولا يعرفونه معرفة مؤقتة برمضان وإنما هذه ظاهرة سيئة يجب على المسلم أن يتجنبها وأن يحذر منها ويجب على هؤلاء أن يتوبوا إلى الله سبحانه وتعالى .
31 ـ هل يجب على المأموم في الصلاة الجهرية أن يقرأ الفاتحة ومتى يقرأها وما مدى صحة هذا الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم ( أنه لما سمع بعض المأمومين خلفه يقرؤون فلما سلم قال لهم معاتبًا ما لي أنازع في القرآن) [ رواه الإمام أحمد في مسنده ج2 ص240 . ورواه أبو داود في سننه ج1 ص215، 216 . ورواه الترمذي في سننه ج1 ص419، 420 . ورواه النسائي في سننه ج2 ص 140، 141 . كلهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ] ". ثم قال (إمامكم ضمين على صلاتكم ) أو كما قال صلى الله عليه وسلم، فإن كان هذا صحيحًا فهل المراد به قراءة الفاتحة أم ماذا ثم كيف نجمع بين هذا وبين قوله في حديث آخر ( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) ؟ [ رواه الإمام البخاري في صحيحه ج1 ص184 . من حديث عبادة ابن الصامت ] .

(65/12)


اختلف العلماء رحمهم الله في حكم قراءة الفاتحة في حق المأموم فمنهم من يرى أنها واجبة وأنه لا يجوز له تركها ومنهم من يرى أن الإمام يتحمل قراءة الفاتحة عن المأموم ويستحب له قراءتها في سكتات الإمام وفي الصلاة السرية ومنهم من أوجب قراءة الفاتحة على المأموم في الصلاة السرية دون الجهرية لقوله تعالى : { وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ سورة الأعراف : آية 204 ] .
وهذا القول في نظري أرجح لأنه به تجتمع الأدلة فتحمل الأحاديث التي توجب القراءة على المأموم في حالة " الصلاة السرية " وتحمل الأحاديث التي تسقط وجوب قراءة الفاتحة عن المأموم في حالة الصلاة الجهرية لقوله تعالى : { وَإِذَا قُرِىءَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [ سورة الأعراف : آية 204 ] . ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( من كان له إمام فقراءته له قراءة ) [ رواه الإمام أحمد في مسنده ج3 ص330 ورواه ابن ماجه في سننه ج1 ص277 كلاهما من حديث جابر رضي الله عنه ] . وأحاديث وردت في هذا المعنى على كل حال فإن الذي ينبغي للمأموم أنه إذا تمكن من قراءة الفاتحة في سكتات إمامه فإنه يقرأها وأما درجة حديث (ما لي أنازع القرآن ) [ رواه الإمام أحمد في مسنده ج2 ص240 . ورواه أبو داود في سننه ج1 ص215، 216 . ورواه الترمذي في سننه ج1 ص419، 420 . ورواه النسائي في سننه ج2 ص 140، 141 . كلهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ] . فقد رواه أحمد وأهل السنة وحسنه الترمذي وصححه أبو حاتم وأما لفظة ( الإمام ضمين ) فهذه لم ترد في هذا الحديث وإنما وردت في حديث آخر بلفظ ( الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن ) [ رواه الإمام أحمد في مسنده ج2 ص232 . ورواه الترمذي في سننه ج1 ص269 كلاهما حديث أبي هريرة ] .
32 ـ ما هي الأوقات التي تكره الصلاة فيها وما هو أفضل صيام بعد صيام شهر رمضان ؟

(65/13)


الأوقات التي تكره الصلاة فيها هي المواقيت التي بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم (5) وذلك من طلوع الفجر إلى أن ترتفع الشمس فهنا إذا طلع الفجر لا يصلي نافلة إلا ركعتي الفجر أي الراتبة القبلية التي قبل الفجر تصلي بعد طلوع الفجر ولا يصلى نافلة غيرها إلى أن ترتفع الشمس والوقت الثاني حين تتوسط الشمس على الرؤوس في كبد السماء إلى أن تزول والوقت الثالث من صلاة العصر إلى غروب الشمس هذه ثلاثة مواقيت من صلاة الفجر إلى طلوع الشمس ومن طلوع الشمس إلى ارتفاعها قيد رمح وحين تتوسط في كبد السماء إلى أن تزول ومن بعد صلاة العصر إلى أن تقرب من الغروب ومن قربها من الغروب إلى أن تغرب وبعضهم يضيف وقتًا سادسًا وهو ما بين طلوع الفجر إلى صلاة الفجر .
والفريضة تقضى فور تمكن الإنسان من ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ) [ رواه الإمام مسلم في صحيحه ج1 ص477 من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه بنحوه ] . فالفريضة تقضى في أي وقت وليس لها وقت نهي بخلاف النافلة وكذلك ركعتا الطواف تصليان بعد الفراغ من الطواف في أي وقت لورود الحديث بذلك (6) وفي صلاة الكسوف وتحية المسجد وغيرهما من ذوات الأسباب خلاف بين العلماء في فعلهما في هذه الأوقات .
وأما أفضل الصيام يعني صيام التطوع فقد قال صلى الله عليه وسلم : ( أفضل الصيام صيام داود عليه السلام ) [ رواه الترمذي في سننه ج3 ص114 . ورواه النسائي في سننه ج4 ص209 . كلاهما من حديث عبد الله بن عمرو ] . وكان يصوم يومًا ويفطر يومًا وبعد ذلك أفضل صيام التطوع ما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله :

(65/14)


( أفضل الصيام بعد شهر رمضان شهر الله الذي تدعونه المحرم ) [ رواه الإمام مسلم في صحيحه ج2 ص821 . من حديث أبي هريرة رضي الله عنه " بدون ذكر الذي تدعونه . " ] . وكذلك صيام يوم الاثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر وصيام يوم عرفة ويوم عاشوراء مع صيام يوم قبله أو بعده .
33 ـ هل يجوز للمرأة أن تواظب على صلاة الجماعة في المسجد وهل يحق لزوجها منعها من ذلك ؟
يباح لها الخروج للصلاة في المسجد ولكن صلاتها في بيتها أفضل لها لأن في صلاتها في بيتها سترًا لها وأمانة لها من التعرض للفتنة منها أو بها كما قال صلى الله عليه وسلم : ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله وبيوتهن خير لهن ) [ رواه الإمام البخاري في صحيحه ج1 ص216 . من حديث ابن عمر رضي الله عنه . بدون ذكر ( وبيوتهن خير لهن ) . ورواه الإمام أحمد في مسنده ج2 ص76 . ورواه الحاكم في مستدركه ج1 ص209 . ورواه أبو داود في سننه ج1 ص152 . كلهم من حديث ابن عمر رضي الله عنه ] . فلا يحق لزوجها منعها إلا إذا ترتب على خروجها ضرر على زوجها أو على أولادها أو لم تلتزم بالآداب الشرعية فإنه لابد من الالتزام بالآداب الشرعية بأن تجتنب الطيب وتجتنب لباس الزينة وتجتنب إظهار الحلي وتجتنب إبداء شيء من جسمها بأن تغطي وجهها وكفيها وقدميها وتستر نفسها عن الرجال وإذا التزمت بهذا فإنها يباح لها الخروج للصلاة في المسجد وأن تكون في المسجد منعزلة عن الرجال فلا تكون في صف الرجال أو تخالط الرجال وإنما تكون متأخرة عن الرجال إن كان معها نساء يصلين جميعًا أو تصف وحدها خلف الرجال .
34 ـ بالنسبة للصلاة فنحن نجهل أوقات الصلاة هنا فكيف نعمل أو نقدر أوقات الصلوات لكي نؤدي فروضنا في أوقاتها وربما يكون حدث منا أن صلينا بعض الصلوات في غير أوقاتها فما الحكم في هذا ؟ (7)

(65/15)


الله سبحانه وتعالى حدد مواقيت الصلاة وبينها رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله وبفعله وهي حدود واضحة يعرفها العامي والمتعلم والحضري والأعرابي وكل مسلم ذلك بأن وقت صلاة الفجر إذا طلع الفجر ووقت الظهر إذا زالت الشمس عن وسط السماء إلى جهة الغرب ووقت العصر إذا صار ظل الشيء مثله ووقت المغرب بغروب الشمس ووقت العشاء الآخر بمغيب الشفق الأحمر فهي مواقيت واضحة تعرف والواجب على المسلم أن يتقيد بها لقوله تعالى : { أَقِمِ الصَّلاَةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } [ سورة الإسراء : آية 78 ] . ولقوله تعالى : { فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ } [ سورة الروم : آية 17 ] . إلى قوله تعالى : { وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ } [ سورة الروم : آية 18 ] . والنبي صلى الله عليه وسلم بيَّن هذه المواقيت للمسلمين بقوله وبفعله وقال : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) [ رواه الإمام البخاري في صحيحه ج1 ص155 . من حديث مالك بن الحويرث رضي الله عنه ] . فعليكم أن تجتهدوا في معرفة هذه المواقيت بأي وسيلة ممكنة في البلد الذي أنتم فيه وتصلوا حسب ذلك .
35 ـ هل يجب على المعتدة أن تصلي الصلاة بعد الأذان مباشرة أم لا بأس من تأخيرها ؟
المعتدة وغيرها من النساء لا يجب عليها أن تصلي بعد الأذان مباشرة - ولكن كلما بادرت بأداء الصلاة في أول وقتها فهو أفضل ويجوز لها التأخير في الوقت . لكن لا يجوز لها أن تخرج الصلاة عن وقتها لقوله تعالى : { إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا } [ سورة النساء : آية 103 ] . وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( صل الصلاة لوقتها ) [ رواه الإمام مسلم في صحيحه ج1 ص448 . من حديث أبي ذرٍّ رضي الله عنه ] .

(65/16)


36 ـ أنا إمام وأصلي بالجماعة وعندما ركعت دخل رجل وقال إن الله مع الصابرين فماذا أفعل هل أنتظره حتى يركع أم لا ؟
قول الداخل والناس في الركوع : ( إن الله مع الصابرين) . قول لا أصل له ولا يجوز فعله والواجب على الداخل العمل بقول الرسول صلى الله عليه وسلم : ( إذا أقيمت الصلاة فامشوا وعليكم السكينة فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فاقضوا ) [ رواه الإمام أحمد من مسنده ج2 ص238 . ورواه النسائي في سننه ج2 ص114، 115 كلاهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ] . - وفي رواية - ( فأتموا ) [ رواه الإمام البخاري في صحيحه ج1 ص156 من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ] . وللإمام أن ينتظر الداخل ما لم يشق على المأمومين لفعله صلى الله عليه وسلم .
37 ـ هل كل الأوقات تجوز فيها إعادة الصلاة لمن فاتته الصلاة في وقتها ؟
من فاتته الصلاة في وقتها فإنه يصليها في أي وقت تمكن من ذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من نسي صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك ) [ رواه الإمام مسلم في صحيحه ج1 ص477 من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه بنحوه ] . فالصلاة الفائتة تقضى في أي وقت ليس لها وقت نهي ولفظ السائل فيه إجمال يقول إعادة الصلاة والمفروض أن يقول قضاء الصلاة الفائتة . فالقضاء يجب في أي وقت تمكن ويجب عليه المبادرة لقضاء الصلاة .
38 ـ هل يجوز المرور أمام المصلي وما هو الفرق بين التوكل والتواكل ؟

(65/17)


المرور بين يدي المصلي لا يجوز لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك : وبين ما فيه من الوعيد لقوله عليه الصلاة والسلام : ( لو يعلم المار بين يدي المصلي لكان أن يقف أربعين خير له من أن يمر بين يديه ) [ رواه الإمام البخاري في صحيحه ج1 ص 129 . من حديث أبي جهم رضي الله عنه ] . أو كما قال عليه الصلاة والسلام فلا يجوز المرور بين يدي المصلي قريبًا منه إذا لم يكن له سترة أو المرور بينه وبين سترته . أما إذا مرَّ من وراء السترة فلا حرج في ذلك لأنه لو كان أمام المصلي سترة قدر مؤخرة الرجل فلا بأس بالمرور من وراء السترة . وإنما يحرم المرور بين يديه إن لم يكن له سترة ومر قريبًا منه أو إذا مر بينه وبين سترته إلا في حالة الضرورة كما لو كان المكان مزدحمًا وليس هناك طريق يمر منه إلا من أمام المصلي فلا حرج كذلك في مواطن الزحام الشديد كالمسجد الحرام فالإنسان يضطر إلى المرور لأن المصلين كثير ولو توقف الإنسان لتعطل عن حاجته ففي حالة الزحام الشديد وفي حالة الحاجة إلى المرور لا بأس في ذلك والله أعلم .
39 ـ هل تصح الصلاة بدون إقامة ؟
الإقامة للصلاة سنة وليست شرطًا لصحتها فلو صلى بدون إقامة فصلاته صحيحة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما بين للمسيء في صلاته كيف يصلي لم يأمره بالإقامة (8) فدل على أنها ليست شرطًا وإنما هي مستحبة . والله أعلم .
40 ـ صليت العصر وجلست في المسجد وبعد ذلك جاء رجل وطلب مني أن أصلي معه وأنا قد صليت فهل أصلي معه أم لا وما دليل ذلك ؟

(65/18)