صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : المنتقى من فتاوى الفوزان

والواجب أن يفقه هؤلاء أن لا أحد من المخلوقين مهما ارتفع نسبه وشرف أصله لا يصلح أنه يعتقد فيه أنه ينفع أو يضر من دون الله أو أن له تأثيرًا في الكون أو جلبًا للرزق أو دفعًا للشر، فهذا كله لله عز وجل الذي بيده الملك، وهو على كل شيء قدير، أما هؤلاء فهم مخلوقون محتاجون إلى الله، وهم ضعاف ليس لهم تأثير . فالله سبحانه وتعالى يقول : { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } [ سورة الحجرات : آية 13 ] جعل التقوى هي سبب الكرامة أما النسب فإنه لا تأثير له عند الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى : { فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ } [ سورة المؤمنون : آية 101 ] ، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : ( لا فضل لعربي على أعجمي ولا أبيض على أسود إلا بالتقوى ) [ رواه أبو نعيم في " الحلية " ( 3/100 ) من حديث جابر رضي الله عنه ورواه غيره ] ، فهؤلاء مثل غيرهم ليس لهم كرامة إلا بالتقوى، أما نسبهم أو أصلهم فلا دخل له ولا ينفعون ولا يضرون، بل هم من أحقر الناس إذا لم يتقوا الله سبحانه وتعالى، أما إذا اتقوه فيكونون من أشرف الناس، ومن أرفع الناس عند الله سبحانه وتعالى، ولكن ليس لهم من الأمر شيء .
100 ـ لي زوجة ولي منها أولاد ولكنها للأسف لا تؤدي الصلاة، وقد طلبت منها ذلك مرارًا ونصحتها ولكنها لا تُطيع وتصرُّ على ترك الصلاة فهل أستمر في حياتي معها أم أفارقها ؟ أفيدونا وفقكم الله .

(39/12)


الصلاة هي الركن الثاني من أركان الإسلام بعد الشهادتين وهي الفارقة بين المسلم والكافر، قال صلى الله عليه وسلم : ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ) [ رواه الإمام أحمد في " مسنده " ( 5/346 ) ، ورواه الترمذي في " سننه " ( 7/283 ) ، ورواه النسائي في " سننه " ( 1/231، 232 ) ، ورواه ابن ماجه في " سننه " ( 1/342 ) ، كلهم من حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه ] ، وقال : ( بين العبد وبين الكفر - أو الشرك - ترك الصلاة ) [ رواه مسلم في " صحيحه " ( 1/88 ) من حديث جابر بن عبد الله بنحوه ] والأحاديث في هذا كثيرة، والصلاة هي عمود الإسلام، فمن تركها متعمدًا فإنه كفر بذلك سواء تركها جاحدًا لوجوبها أو تركها تكاسلاً على الصحيح من قول العلماء، فالذي يترك الصلاة جاحدًا لوجوبها فهو كافر بإجماع المسلمين، وهذه المرأة التي يسأل عنها السائل تركت الصلاة، وقد نصحها مرارًا، واستمرت على ترك الصلاة هذه تعتبر كافرة لا يجوز بقاء المسلم زوجًا لها قال تعالى : { وَلاَ تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ } [ سورة البقرة : آية 221 ] وقال تعالى : { وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } [ سورة الممتحنة : آية 10 ] ، وهذه كافرة يتعين عليك تركها، ويعوضك الله خيرًا منها من المسلمات الصالحات إن شاء الله تعالى . وإن تابت، وحافظت على الصلاة، فجدد العقد عليها إن كنت تريدها .
101 ـ لي بعض أقارب لا يصلون تهاونًا وكسلاً، وقد نصحتهم كثيرًا ولكن دون جدوى فهل أستمر في مواصلتهم والإحسان إليهم على أمل التأثير عليهم أم أقاطعهم وأعاملهم على أنهم كفار، وما الحكم فيمن يصوم رمضان وهو لا يصلي وهل الأفضل أن يصوم وهو لا يصلي أو يترك الصيام مادام لا يصلي ؟

(39/13)


لا شك أن الصلاة هي آكد أركان الإسلام بعد الشهادتين، وهي عمود الإسلام، وأمرها في الإسلام أمر مهم ومكانتها عظيمة، وقد أكد الله سبحانه وتعالى في شأنها في آيات كثيرة في كتابه الكريم، أمر بإقامتها، وأثنى على الذين يقيمونها، ويحافظون عليها، ووعدهم بجزيل الثواب، وتوعد الذين يتساهلون في شأنها، أو يتركونها ولا يقيمونها بأشد الوعيد مما يؤكد على المسلم أن يهتم بشأن الصلاة، وأن يحافظ عليها، ويداوم عليها، وأن ينكر على من يتخلف عنها أو يتساهل فيها أشد النكير، وأن يكون اهتمام المسلمين بوجه عام بالصلاة اهتمامًا بالغًا . يتواصون بإقامتها، ويتناصحون في شأنها ويأخذون على يد من يتهاون بها أو يتخلف عنها كما كان رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وصحابته الكرام والسلف الأول من صدر هذه الأمة .

(39/14)


أما من يترك الصلاة متعمدًا فإنه إن كان مع تركه لها جاحدًا لوجوبها ويرى أنها غير واجبة، وأنها ليست بشيء فهذا كافر بإجماع المسلمين، ليس له في الإسلام نصيب، وإن كان يقر بوجوبها ويعترف بركنيتها ومكانتها في الإسلام، ولكنه تركها تهاونًا وتكاسلاً، فإنه يكون كافرًا أيضًا على أصح قولي العلماء، لأن الله سبحانه وتعالى يقول في الكفار : { فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمْ } [ سورة التوبة : آية 5 ] ويقول في الآية الأخرى : { فَإِن تَابُواْ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ } [ سورة التوبة : آية 9 ] والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة من تركها فقد كفر ) [ رواه الإمام أحمد في " مسنده " ( 5/346 ) ، ورواه الترمذي في " سننه " ( 7/283 ) ، ورواه النسائي في " سننه " ( 1/231، 232 ) ، ورواه ابن ماجه في " سننه " ( 1/342 ) ، كلهم من حديث بريدة الأسلمي رضي الله عنه ] ، وقال عليه الصلاة والسلام : ( بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة ) [ رواه مسلم في " صحيحه " ( 1/88 ) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما بنحوه ] ، والأحاديث في هذا كثيرة جدًا .

(39/15)


وما ذكرت أيها السائل من أن لك أقارب يتركون الصلاة، وأنك تناصحهم، فهل تستمر على ذلك وتواصلهم رجاء التأثير عليهم ؟ نعم يجب عليك أن تناصحهم وأن تنكر عليهم، وأن تواصل ذلك معهم لعل الله أن يهديهم على يدك، وأن تكون سببًا في إنقاذهم من الكفر ومن النار . أما إذا كانوا لا تجدي فيهم النصيحة، ولا ينفع فيهم الوعظ والتذكير، فإنه يجب عليك أن ترفع بشأنهم لولاة الأمور وأهل الحسبة ليأخذوا على أيديهم، ولا يجوز تركهم على حالهم أبدًا إذا كان المسلم يستطيع أن ينكر عليهم، وأن يقوم عليهم ويناصحهم ويرفع بشأنهم لولاة الأمر . فإن لم يكن هناك من يلزمهم بالصلاة فاعتزلهم وابتعد عنهم وأبغضهم في الله .
أما الصيام مع ترك الصلاة فإنه لا يجدي ولا ينفع ولا يصح مع ترك الصلاة، ولو عمل الإنسان مهما عمل من الأعمال الأخرى من الطاعات فإنه لا يجديه ذلك مادام أنه لا يصلي لأن الذي لا يصلي كافر، والكافر لا يقبل منه عمل، فلا فائدة من الصيام مع ترك الصلاة .
والواجب عليهم أن يقيموا الصلاة ويقيموا أركان الإسلام كلها، لأن الإسلام بني على خمسة أركان لابد من إقامتها، ومن آكدها بعد الشهادتين الصلاة وهي عمود الإسلام فمن ترك الصلاة فإنه لا يصح منه عمل من الأعمال الأخرى، والله أعلم .
102 ـ أنا أبلغ من العمر 36 عامًا ولكن أكثر أعمالي خلال هذا العمر غير مرضية فقد ارتكبت كثيرًا من المخالفات، ولم أكن أصوم رمضان سوى من عامين فقط، وكذلك الصلوات فماذا يجب عليّ نحو الصلاة والصيام، فإني قد عقدت العزم على التوبة الصادقة إلى الله ؟ كذلك حلفت أيمانًا كثيرة وقد حنثت في الكثير منها ولكني أجهل عددها فهل عليّ كفارة وكيف تؤدى وأنا أجهل عدد الأيمان التي حنثت فيها ؟

(39/16)


أما القضية الأولى وهي تركك للصلوات سنين، وتركك للصيام فهذه الفترة التي كنت فيها على هذه الحالة لست فيها على الإسلام، لأن من ترك الصلاة متعمدًا فهو كافر سواءً كان جاحدًا لوجوبها أو يقر بوجوبها وتركها كسلاً على الصحيح، فكل هذه الفترة وأنت لست على دين لكن لما منَّ الله عليك بالتوبة، وتبت إلى الله، وحافظت على الصيام والصلاة، فإن التوبة تَجُبُّ ما قبلها ولا يلزمك قضاء ما فات قبل التوبة .
وأما من ناحية الأيمان التي حلفتها وخالفتها وأنت لا تصلي ولا تصوم حينذاك فليس عليك فيها كفارة، لأن الكفارة إنما تجب على المسلم، وتارك الصلاة متعمدًا ليس بمسلم .
103 ـ ما هو السحر وكيف يعمل المسلم لتلافي الوقوع فيه ؟ وإن وقع عليه سحر فكيف يعالجه بالطرق المشروعة ؟
السحر عمل شيطاني - وهو عبارة عن رقى شيطانية وعقد وأبخرة - والسحر يؤثر في جسم المسحور فيقتل أو يمرض، وفي قلبه فيفرق بين المرء وزوجه وبين الأحبة، وكل ذلك بقضاء الله وقدره، كما قال تعالى : { وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللّهِ } [ سورة البقرة : آية 102 ] ، أي : بقضائه وقدره وهو يوجب على المسلم اللجوء إلى الله والاستعاذة به من شر السحرة كما أمر الله نبيه وعباده المؤمنين أن يستعيذوا برب الفلق من النفاثات في العقد . ومن السحر ما هو تخييلي وليس له حقيقة وهو ما يسمى بالسحر التخييلي وبالقمرة بحيث يظهر الأشياء أمام الناظر على غير حقيقتها كما قال تعالى : { سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ } [ سورة الأعراف : آية 116 ] ، وكما في قوله تعالى : { فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى } [ سورة طه : آية 66 ] ، وهذا النوع هو الذي يستعمله المشعوذون من الصوفية ومن الذين يسمون بالبهلوانيين .

(39/17)


104 ـ ما مدى صحة الحديث القائل : ( ثلاثة لا يدخلون الجنة مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدق بالسحر ) [ رواه الإمام أحمد في " مسنده " ( 4/399 ) ، ورواه ابن حبان في " صحيحه " ، ورواه أبو يعلى في " المسند " من حديث أبي موسى رضي الله عنه ] ، وكيف يكون التصديق بالسحر ؟ أهو بقدرة الساحر أو بالتصديق بما يراه المسحور قد تغير عما كان قبل أن يسحر أرجو توضيح هذه المسألة جزاكم الله كل خير ؟
أما الحديث الذي أشار إليه السائل ( ثلاثة لا يدخلون الجنة ) فقد رواه الإمام أحمد وابن حبان في " صحيحه " وصححه الحاكم وأقره الذهبي - رحم الله الجميع - وأما معناه فهو الوعيد الشديد لمن يصدق بالسحر مطلقًا ومنه التنجيم لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من اقتبس شعب من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد ) [ رواه أبو داود في " سننه " ( 4/15 ) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ] .
والتصديق بالسحر ذنب عظيم وجرم كبير، لأن الواجب تكذيب السحرة والمنجمين ومنعهم، والأخذ على أيديهم من تعاطي هذه الأعمال الذميمة، لأنهم بذلك يضلون الخلق ويروجون على الناس ويفسدون العقائد، والسحر كفر كما دل على ذلك القرآن الكريم والسنة، والواجب قتل السحرة فإذا صدقهم فمعناه أنه وافقهم، وأنه أقرهم على مهنتهم الخبيثة، والواجب تكذيبهم ومحاربتهم ومنعهم من مزاولة ذلك .
أما تأثير السحر وما يترتب عليه من إصابات فذلك شيء واقع ويؤثر ويقتل ويمرض ويفرق بين المرء وزوجته ويفسد بين الناس فتأثيره شيء واقع، أما تصديق الساحر أو المنجم في أمور الغيب المستقبلة فهذا فيه وعيد عظيم وفيه إثم كبير .

(39/18)


وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( من أتى كاهنًا فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم ) [ رواه الإمام أحمد في " المسند " ( 2/408، 476 ) ، ورواه أبو داود في " سننه " ( 4/14 ) ، ورواه الترمذي في " سننه " ( 1/164 ) ، ورواه ابن ماجه في " سننه " ( 1/209 ) ، ورواه الدارمي في " سننه " ( 1/275، 276 ) ، ورواه البيهقي في " السنن الكبرى " ( 7/198 ) ، كلهم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وانظر " تحفة الأشراف " ( 10/123، 124 ) ] .
105 ـ هل تجوز الصلاة خلف الساحر أو المصدق بالسحر، وهل يجوز فك السحر بالسحر إذا لم توجد وسيلة أخرى ؟
السحر من أعظم كبائر الذنوب كما قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( اجتنبوا السبع الموبقات ) قالوا : وما هي يا رسول الله ؟ قال : ( الشرك بالله والسحر وقتل النفس ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 3/195، 7/29 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ] إلى آخر الحديث .

(39/19)


فعدَّ السحر من الموبقات وجاء بعد الشرك بالله عز وجل والسحر كفر، لأنّ الله سبحانه وتعالى ذكر عن اليهود أنهم استبدلوا كتاب الله بالسحر كما قال تعالى : { نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ، وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ } [ سورة البقرة : الآيتين 101، 102 ] ، السحر من فعل الشياطين، وهو كفر وفي الآية يقول سبحانه وتعالى : { وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولاَ إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ } [ سورة البقرة : آية 102 ] ، فدل على أن تعلم السحر كفر، وفي ختام الآية قال : { وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلاَقٍ } [ سورة البقرة : آية 102 ] ، يعني : من نصيب، فدل على أن الساحر إذا لم يتب إلى الله أنه ليس له نصيب في الآخرة وهذا هو الكافر، فالسحر كفر وعلى هذا لا تصح الصلاة خلف الساحر، وكذلك من يصدق بالسحر، ويعتقد أنه شيء حق، وأنه يجوز عمله فهذا مثل الساحر يأخذ حكمه .

(39/20)


أما قضية حل السحر بسحر مثله فقد نص كثير من العلماء على أن ذلك لا يجوز، لأن التداوي إنما يكون بالحلال والمباح، ولم يجعل الله شفاء المسلمين فيما حرم عليهم، وقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( تداووا ولا تداووا بحرام ) [ رواه أبو داود في " سننه " ( 4/7 ) من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه وهو جزء من حديث أوله ( إن الله أنزل الداء والدواء . . . ) ] . وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال : إن الله لم يجعل شفاءكم فيما حرم عليكم [ رواه البخاري في " صحيحه " ( 6/247، 248 ) معلقًا من كلام ابن مسعود رضي الله عنه ] ، ومن أعظم المحرمات السحر فلا يجوز التداوي به ولا حل السحر به، وإنما السحر يحل بالأدوية المباحة وبالآيات القرآنية والأدعية المأثورة هذا الذي يجوز حل السحر به .
وأما حله بسحر مثله فهذا هو النشرة التي قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( إنها من عمل الشيطان ) [ رواه الإمام أحمد في " مسنده " ( 3/294 ) ، ورواه أبو داود في " سننه " ( 4/5، 6 ) ، ورواه البيهقي في " السنن الكبرى " ( 9/351 ) كلهم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما، وانظر " مجمع الزوائد ومنبع الفوائد " ( 5/102 ) ] ، وقال الحسن : ( لا يحل السحر إلا ساحر ) [ ذكره ابن مفلح في " الآداب الشرعية " عن ابن الجوزي في " جامع المسانيد " ( 3/ 77 ) بلفظ : ( لا يطلق ) ] ، ومنع منها كثير من العلماء .
106 ـ هناك من يعمل بالسحر التخييلي من الطعن والنار والضرب بالمطارق ويظهرون في وسائل الإعلام على أنهم يأتون بمعجزات فكيف ينهى عن هذا وكيف يواجه هذا الأمر ؟
الواجب إنكار هذا ومنعه من وسائل الإعلام التي لنا عليها سلطة ولنا عليها قدرة . أما وسائل الإعلام التي ليس لنا عليها قدرة ولا سلطة فنمنعها من بلادنا . وإذا حصل شيء من ذلك فإنه يطلب من المسئولين إزالته والقضاء عليه حماية للمسلمين من شره وخطره .
107 ـ ما نصيحتكم لمن يقول : إن عصا موسى سحرية ؟

(39/21)


هذا كفر بالله - والعياذ بالله - إذا كان يعتقد أن موسى ساحر وأن عصاه أداة سحر، وما كانت عصا موسى سحرية، وإنما هي معجزة من آيات الله سبحانه وتعالى . فالذي يقول هذا الكلام يتوب إلى الله، لأن هذا كلام شنيع . وإن كان لا يقصد أن موسى ساحر وإنما قالها تقليدًا لغيره ومجاراة لكلام الناس فقد أخطأ في ذلك خطأ كبيرًا فيجب الابتعاد عن هذا التعبير .
108 ـ بعض الناس عندهم جهل بالقراءة ويستعينون بالجان ويقولون : هذا جني مسلم ويسألونه عن مكان السحر . هل من كلمة بهذا الموضوع ؟
لا يستعان بالجان وإن كان يقول : إنه مسلم فإنه يقول : إنه مسلم وهو كذاب من أجل أن يتدجّل على الإنس فيغلق هذا الباب من أصله .
ولا يجوز الاستعانة بالجن، لأن هذا يفتح باب الشر، والاستعانة بالغائب لا تجوز سواء كان جنيًّا أو غير جني سواء كان مسلمًا أو غير مسلم، فالاستعانة بالغائب لا تجوز إنما يستعان بالجن الحاضر الذي يقدر على الإعانة كما قال الله تعالى عن موسى : { فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِن شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ } [ سورة القصص : آية 15 ] هذا حاضر ويقدر على الإغاثة فلا مانع من هذا في الأمور العادية .
109 ـ ما حكم تحضير الأرواح وهل هو نوع من أنواع السحر ؟
لا شك أن تحضير الأرواح نوع من أنواع السحر أو من الكهانة وهذه الأرواح ليست أرواح الموتى، كما يقولون، وإنما هي شياطين تتمثل بالموتى وتقول : إن روح فلان أو أنا فلان وهو من الشياطين فلا يجوز هذا .
وأرواح الموتى لا يمكن تحضيرها، لأنها في قبضة الله سبحانه وتعالى : { اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى } [ سورة الزمر : آية 42 ] .

(39/22)


فالأرواح ليست كما يزعمون أنها تذهب وتجيء إلا بتدبير الله عز وجل فتحضير الأرواح باطل، وهو نوع من السحر والكهانة .
110 ـ بعض الناس إذا أراد أن يبني بيتًا ذبح في هذا البيت خروفًا أو شاة وقال : هذا من أجل أن يثبت البنيان والأصل ؟
هذا شرك بالله عز وجل وهو ذبح للجن، لأنهم يذبحون على عتبة البيت أو إذا وضعوا مشروع شركة أو مصنع يذبحون أول ما تدار الحركات ويقولون : هذا فيه مصلحة للمصنع وهو شرك بالله، لأن هذا ذبح للجن واعتقاد بالجن، وهم الذين أمروهم بهذا وأوحوا إليهم أن هذا الذبح ينفعهم . ومن ذبح لغير الله فقد أشرك .
وفي الحديث ( لعن الله من ذبح لغير الله ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 3/1567 ) من حديث علي بن أبي طالب رضي الله عنه ] ، قال الله سبحانه وتعالى : { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [ سورة الأنعام : آية 162 ] ، فالنسكُ : هي الذبح . قرنها مع الصلاة . فكما أن الإنسان لا يصلي لغير الله فكذلك لا يذبح لغير الله قال تعالى : { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } [ سورة الكوثر : آية 2 ] ، فالنحر عبادة لا تجوز إلا لله .
111 ـ هل تعتبر من التنجيم معرفة أمور حساب السنين والشهور والأيام ومعرفة توقيت المطر والزرع ونحو ذلك ؟
ليس هذا من التنجيم وإنما هو من العلم المباح، وقد خلق الله الشمس والقمر لمعرفة الحساب، قال تعالى : { هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ } [ سورة يونس : آية 5 ] وهذا ما يُسمّى بعلم التسيير .
قال الخطابي : أما علم النجوم الذي يدرك من طريق المشاهدة والخبر الذي يعرف به الزوال وتعلم جهة القبلة فإنه غير داخل فيما نُهِيَ عنه . . والله أعلم .

(39/23)


وكذلك الاستدلال بالنجوم على معرفة الجهات لا بأس به، قال تعالى : { وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } [ سورة النحل : آية 16 ] ، قال ابن رجب : وأما علم التسيير فتعلم ما يحتاج إليه للاهتداء ومعرفة القبلة والطُرق جائز عند الجمهور وما زاد عليه لا حاجة إليه لشغله عما هو أهم منه .
قال البخاري في " صحيحه " : قال قتادة : خلق الله هذه النجوم لثلاث : زينة للسماء، ورجومًا للشياطين، وعلامات يُهتدى بها، فمن تأوّل فيها غير ذلك أخطأ وأضاع نصيبه وتكلّف ما لا عِلم له به .
قال الشيخ سليمان بن عبد الله : هذا مأخوذ من القرآن في قوله تعالى : { وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِّلشَّيَاطِينِ } [ سورة الملك : آية 5 ] ، وقوله تعالى : { وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } [ سورة النحل : آية 16 ] ، وقوله : { وَعَلامَاتٍ } أي دلالات على الجهات والبلدان (2).
وأما معرفة توقيت المطر فهذا لا يمكن، لأن معرفة وقت نزول المطر من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، وربط نزول المطر بأحوال النجوم هذا هو الاستسقاء بالأنواء وهو من أمور الجاهلية .
وأما معرفة وقت بذار الزروع فهذا يرجع إلى معرفة الفصول، وهو علم يدرك بالحساب . والله أعلم .
112 ـ هل الاستدلال بالنجوم على المواقع الأرضية سحر ؟
النجوم تدل على الطريق والاتجاه للمسافر، فإذا رأى النجم عرف الاتجاه، ويعرف الطريق هذا هو المقصود { لِتَهْتَدُواْ بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } [ سورة الأنعام : آية 97 ] ، فإن كان قصد السائل بالمواقع الأرضية معرفة الاتجاه والطريق فهذا صحيح .
113 ـ فضيلة الشيخ : ما رأيكم في قراءة الفنجان وقراءة الكف وما يسمى بالأبراج التي تنشر في الجرائد ؟

(39/24)


كل هذه من الكهانة والشعوذة قراءة الفنجان والكف والأبراج التي تنشر في الجرائد كلها من ادعاء علم الغيب، فهي كهانة، والكهانة نوع من السحر، كلها أعمال باطلة : الكهانة والسحر والعيافة وطرق الحصى وضرب الودع ونثر الودع كلها من أنواع الباطل وادعاء علم الغيب والتدجيل على الناس لإفساد عقائدهم .
114 ـ نسمع من يقول : عُرف كذا أو حدث كذا، قبل مائة مليون سنة، أو مائة وخمسين مليون سنة . . هل يجوز لهم أو يمكنهم أن يقدروا حدوث بعض الأشياء ؟ ثم هل يُعد ما بيننا وبين آدم عليه السلام، هل يعد بملايين السنين ؟
قول بعضهم : حدث كذا منذ مليون سنة، أو أقل أو أكثر، هو من التخرص الذي لا دليل عليه، والغيوب الماضية لا يجوز الكلام فيها إلا بدليل صحيح من كتاب الله أو سنّة رسوله أو إخبار الثقات، ولا يعلم القرون الماضية إلا الله قال تعالى : { وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِن بَعْدِ نُوحٍ } [ سورة الإسراء : آية 17 ] ، وقال تعالى : { أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ لاَ يَعْلَمُهُمْ إِلاَّ اللَّهُ } [ سورة إبراهيم : آية 9 ] ، فما يقال في بعض وسائل الإعلام أو بعض الكتب عن بعض الآثار من تحديد ملايين السنين للأشياء هو تخرص وافتراء وقول بلا علم .

(39/25)


10 ـ الرقى
115 ـ هل ورد في الشرع المطهر ما يمنع من رقية المريض بالقرآن الكريم ؟ وهل يجوز للراقي أن يأخذ أجرًا على عمله أو هدية ؟
رقية المريض بالقرآن الكريم إذا كانت على الطريقة الواردة بأن يقرأ وينفث على المريض أو على موضع الألم أو في ماء يشربه المريض فهذا العمل جائز ومشروع؛ لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ رقى ورُقي وأمر بالرقية وأجازها (1).
قال السيوطي : وقد أجمع العلماء على جواز الرقى عند اجتماع ثلاثة شروط : أن تكون بكلام الله أو بأسمائه وصفاته . وباللسان العربي وما يعرف معناه .
وأن يعتقد أن الرقية لا تؤثر بذاتها بل بتقدير الله تعالى (2).
وقال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب : والرقى هي التي تسمى بالعزائم وخص منها الدليل ما خلا من الشرك، فقد رخص فيها رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ من العين والحمة (3) - يعني : سم العقرب إذا لسعت الإنسان، وكذا لدغ الحية . فإن الرقية من ذلك تنفع بإذن الله .
ولا بأس أن يأخذ الراقي أجرة أو هدية على عمله؛ لأن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أقر الصحابة الذين أخذوا الأجرة على رقية اللديغ وقال : ( إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله ) [ رواه البخاري في " صحيحه " ( 7/23 ) ، من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ] .
116 ـ أنا أكتب المحو للمرضى فهل يجوز أن أكتب لهم آيات من القرآن الكريم فيشربه المريض أم لا ؟

(40/1)


الوارد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الرقية على المريض بأن يقرأ عليه مباشرة وينفث على جسمه، هذه هي الرقية الواردة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (4) . وكذلك يعوذه بما عوذ به النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن يقول : ( أعيذك بكلمات الله التامات من شرِّ ما خلق، باسم الله أرقيك، من كل داء يؤذيك، ومن شرِّ كل نفس وعين حاسد الله يشفيك، ربنا الله الذي في السماء تقدس اسمك، أمرك في السماء والأرض كما رحمتك في السماء، اجعل رحمتك في الأرض، اغفر لنا جرمنا وخطايانا أنت رب الطيبين أنزل رحمة من رحمتك وشفاء من شفائك ) (5) ، ونحو ذلك من الأدعية الشرعية الواردة التي يرقى بها المريض .
أما كتاب القرآن الكريم بأوراق أو بصحون أو أواني ثم تغسل ويشرب المريض محوها، فهذا أجازه بعض أهل العلم ويعتبرونه داخلاً في الرقية .
لكن الأولى ما ذكرنا، وهو أن يرقى المريض مباشرة إما بأن يقرأ عليه، أو بأن يقرأ في ماء ويشربه المريض . كما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم . هذا هو الأولى اقتصارًا على ما ورد به الدليل . والله أعلم .
117 ـ ما رأيكم فيمن يأخذ من أحد الرجال الصالحين بعض الكتابات القرآنية للشفاء من مرض حيث يقوم هذا الرجل بكتابة الآيات على ورقة ويقول : اجعلها في ماء حتى تذوب الكتابة ثم يشرب المريض ثلاث مرات، والباقي يمسح به الجزء المراد شفاؤه كأن يكون المرض في صدره أو ظهره أو أحد أعضائه فما حكم ذلك ؟

(40/2)


الأولى أن يقرأ المسلم على أخيه بأن ينفث على جسمه بعد ما يقرأ الآيات أو على موضع الألم منه وهذه هي الرقية الشرعية (6) وإن قرأ له في ماء وشربه فكذلك أيضًا، لأن هذا ورد به الحديث (7) ، أما كتابة الآيات في ورقة ثم تمحى هذه الورقة في ماء ويشربها المريض فهذا رخص فيه كثير من العلماء (8) قياسًا على ما ورد، وأخذًا لعموم الاستشفاء بالقرآن الكريم، لأن الله أخبر أنه شفاء فلا بأس به - إن شاء الله - ولكن الأولى هو ما ذكرناه وهو الوارد عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو القراءة على المريض مباشرة أو القراءة في ماء ويشربه .
118 ـ قبل أن أهتدي وأداوم على الصلوات في أوقاتها وقراءة القرآن الكريم ذهبت إلى إحدى الساحرات وطلبت مني أن أخنق دجاجة لكي تعمل لي حجابًا تربطني بزوجي، لأنه كان يوجد دائمًا مشكلات بيني وبينه، وقد خنقت الدجاجة فعلاً بيدي فهل عليّ في فعل هذا إثم، وماذا أفعل حتى أخلص من هذا الخوف الذي يراودني والقلق ؟
أولاً : الذهاب إلى الساحرات حرام شديد التحريم، لأن السحر كفر وإضرار بعباد الله عز وجل، فالذهاب إليهم جريمة كبيرة وما ذكرت أنك خنقت الدجاجة جريمة أخرى، لأن هذا فيه تعذيب للحيوان وقتل للحيوان بغير حق، وتقرب إلى غير الله بهذا العمل فيكون شركًا، ولكن مادمت قد تبت إلى الله سبحانه وتعالى توبة صحيحة فما سبق منك يغفره الله سبحانه وتعالى ولا تعودي إليه في المستقبل، والله تعالى يغفر لمن تاب .
ولا يجوز للمسلمين أن يتركوا السحرة يزاولون سحرهم بين المسلمين بل يجب الإنكار عليهم ويجب على ولاة أمور المسلمين قتلهم وإراحة المسلمين من شرهم .
119 ـ ما حكم الشرع في كتابة آيات من القرآن أو اسم من أسماء الله الحسنى ومحوها بالماء وشربها بقصد الشفاء من مرض أو جلب منفعة ؟

(40/3)


ينبغي للذي يعالج المرضى بالقرآن أن يقرآ على المريض مباشرة بأن يرقيه بالقراءة بأن يقرأ القرآن، وينفث على المريض مباشرة، هذا أنفع وأحسن وأكمل، وهذا الذي كان يفعله الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ (9) وكان السلف يفعلونه، ويجوز أن يقرأ في ماء ويسقى للمريض أيضًا، وبذلك ورد بعض الأحاديث ويجوز، أمّا أن يكتب القرآن على شيء طاهر كصحن أو ورق بشيء طاهر ويغسل المكتوب ويسقى للمريض فقد رخص فيه بعض السلف مثل الإمام أحمد بن حنبل (10) وذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في " مجموعة الفتاوى " (11) وأنه شيء معروف عن بعض السلف، وتركه أحسن للاقتصار على ما ورد . والله أعلم .
120 ـ هل يجوز التداوي من مرض بكتابة آيات من القرآن على لوح خشبي ثم تمحى بماء يسقى به المريض ؟ وهل يجوز أخذ الأجرة عن هذا العمل ؟
يرى بعض العلماء أنه لا بأس بكتابة القرآن على شيء طاهر، ويغسل هذا المكتوب، ويشربه المريض للاستشفاء بمثل هذا، لأنه داخل في الرقية كما ذكر هذا عنهم العلماء في كتبهم وفتاويهم كشيخ الإسلام ابن تيمية في " الفتاوى " (12) وغيرهم من أهل العلم، ولكن الأولى أن تكون الرقية بالقراءة على المريض مباشرة بأن يقرأ القرآن وينفث على المريض أو على محل الإصابة هذا هو الأفضل والأكمل .
وأما أخذ الأجرة على كتابة العزائم من القرآن على الصفة المذكورة فلا بأس بذلك أيضًا . لأن أخذ الأجرة على الرقية جائز؛ لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أقر الصحابة الذين أخذوا الجعل على الرقية . . كما جاء ذلك في الحديث الصحيح في قصة اللديغ (13).
121 ـ نحن في الصعيد إذا مرض لنا طفل أو بهيمة نذهب إلى الشيخ ويكتب لنا ورقة نحرقها ثم نتبخر بها أو نقوم بشربها أو نعلقها على رقبة المريض أو البهيمة ما حكم هذا العمل بارك الله فيكم ؟

(40/4)


هذه الورقة لا ندري ماذا كتب فيها ربما يكون قد كتب فيها الشرك والكفر بالله عز وجل من هؤلاء المشعوذين، فعلى كل حال يجب عليكم تجنب مثل هذا الشيء، وعليكم بالاعتماد على الله سبحانه وتعالى كما قال تعالى : { وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ } [ سورة يونس : آية 107 ] وقال تعالى : { وَإِن يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرٍّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدُيرٌ } [ سورة الأنعام : آية 17 ] .
قال الخليل عليه السلام : { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } [ سورة الشعراء : آية 80 ] فيجب على المسلم أن يعتمد على الله في طلب الشفاء بالدعاء والعبادة والتضرع إلى الله سبحانه وتعالى فهو الذي يملك الشفاء والعافية، أما الذهاب إلى المشائخ - كما ذكرت - وأخذ الأوراق منهم وإحراقها واستنشاقها وما أشبه ذلك، فهذا يجب تركه ولا يجوز تعليق هذه الأوراق على البهائم؛ لأن هذا من تعليق التمائم، وقد نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن عليق التمائم، وأخبر أن ذلك من الشرك (14) ، وعليكم بالأخذ بما أباح الله من الأدوية، فإن الله ما أنزل داء إلا أنزل له دواء علمه من علمه، وجهله من جهله، فعليكم بتعاطي الأدوية المباحة .
122 ـ حصل وأن اشتغلت عاملاً في إحدى الكنائس بأجرٍ يومي فما حكم هذا الأجر الذي أخذته أهو حلال أم حرام ؟
لا يجوز للمسلم أن يعمل في أماكن الشرك وعبادة غير الله عز وجل من الكنائس والأضرحة وغير ذلك، لأنه بذلك يكون مقرًّا للباطل، ومعينًا لأصحابه عليه، وعمله محرم، فلا يجوز له أن يتولى هذا العمل، وما أخذته من الأجر مقابل لهذا العمل كسبٌ محرم، فعليك التوبة إلى الله سبحانه وتعالى، ولو تصدقت بهذا المبلغ الذي حصلت عليه لكان أبوأ لذنبك، ويكون دليلاً على صحة ندمك وتوبتك .

(40/5)


فالحاصل أن المسلم لا يجوز له أن يكون معينًا لأهل الباطل، ولا يكون أجيرًا في أماكن الشرك، ومواطن الوثنية كالكنائس والأضرحة وغير ذلك من أعمال الكفار والمشركين، لأنه بذلك يكون معينًا لهم على الباطل ومقرًّا لهم على المنكر، ويكون كسبه حرامًا، والعياذ بالله .
123 ـ أنا رجل متزوج وقد حصل ذات مرة سوء تفاهم بيني وبين زوجتي فضربتها ضربًا شديدًا، ومن شدة غضبها قد مزقت ثيابها التي كانت عليها، وقد سمعت أن من يشق ثوبه فإنه يخرج من الدين، ويجب عليه أن يذهب إلى شيخ ليقرأ عليه آيات من القرآن وأحاديث نبوية وهو يردد خلفه وبذلك يكون أعاده الشيخ إلى دينه، فهل هذا صحيح وهل عليَّ إثم في ضرب لها ضربًا شديدًا أم لا ؟
أولاً : أنت أخطأت في تصرفك في ضربها؛ لأنه لا يجوز للزوج أن يضرب زوجته إلا بمبرر شرعي، وبالحد الذي أذن فيه الشرع كما إذا نشزت وامتنعت من طاعته، فإن الله جل وعلا يقول : { وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ } [ سورة النساء : آية 24 ] .
أما بالنسبة لما فعلته هي من شق ثيابها فهذا خطأ منها، لأن المسلم لا يجوز له أن يشق ثيابه عند الجزع، وهذا من أفعال الجاهلية، والواجب على المسلم الصبر والاحتساب، فما عملته هذه المرأة لا يجوز، لأنه ينبئ عن الجزع، ولكن لا تخرج بذلك من الدين، ولكن هذا أمر لا يجوز وحرام عليها، وأما الذهاب إلى شيخ ليعمل كذا وكذا فهذا خطأ كبير، وهذا ليس من دين الإسلام فالمذنب إذا حصل منه ذنب فإنه يتوب إلى الله عز وجل بدون أن يذهب إلى شيخ، وإنما هذا من فعل النصارى فهم الذين يذهبون إلى رهبانهم وكنائسهم ليخلصوهم من المعصية كما يزعمون، أما المسلم فإن الله أمره بالتوبة بينه وبينه، والله جل وعلا يقبل التوبة ممن تاب ولا يحتاج أن يذهب إلى شيخ، والله أعلم .
124 ـ ما رأيكم بفتح عيادات متخصصة للقراءة ؟

(40/6)


هذا لا يجوز أن يفعل؛ لأنه يفتح باب فتنة، ويفتح باب احتيال للمحتالين، وما كان هذا من عمل السلف أنهم يفتحون دورًا أو يفتحون محلات للقراءة . والتوسع في هذا يحدث شرًّا، ويدخل فيه فساد، ويدخل فيه من لا يحسن، لأن الناس يجرون وراء الطمع، ويريدون أن يجلبوا الناس إليهم ولو بعمل أشياء محرمة، ولا يقال : هذا رجل صالح؛ لأن الإنسان يفتن والعياذ بالله، ولو كان صالحًا ففتح هذا الباب لا يجوز .
125 ـ سائل يقول : زوجتي تعاني من أمراض مختلفة وعرضت على أطباء فأفادوا بعدم وجود أي أمراض عضوية، وهي تشك أن بها سحرًا، وكثيرًا ما تطلب مني عرضها على بعض الأشخاص الذين يكشفون السحر، وأنا أرفض لما في ذلك من التحريم وأنا لا أحس بالراحة والحياة الزوجية معها . فما رأي فضيلتكم وما هو الحل . ؟
أولاً ما كل من أصيب بمرض يكون مسحورًا، فالأمراض كثيرة، فما كل مرض يكون سحرًا، فهذا من باب الظن، والواجب ترك هذا الظن وهذا الوسواس، والإلحاح على الله بالدعاء، وعمل الرقية الجائزة الشرعية بقراءة القرآن على هذه المريضة، والإكثار من ذلك، وتعويذها بالتعويذات الشرعية . وأيضًا لا بأس بالذهاب إلى الأطباء النفسانيين ربما يعرفون نوع مرضها وعندهم علاج لهذا الشيء .
وحتى لو ثبت أنه سحر، فالسر لا يحل بسحر مثله، وإنما يحل بالعلاج الشرعي، الذي هو قراءة القرآن، وإذا كان هناك أدوية مباحة معروفة لحل السحر فإنها تستعمل .

(40/7)


ولا يذهب إلى السحرة لأجل حل السحر؛ لأن هذا لا يجوز قال الحسن : لا يحل السحر إلا ساحر (15). ولما سئل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن النشرة قال : ( هي من عمل الشيطان ) [ رواه الإمام أحمد في " مسنده " ( 3/294 ) ، ورواه أبو داود في " سننه " ( 4/5، 6 ) ، ورواه البيهقي في " السنن الكبرى " ( 9/351 ) ، كلهم من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما . وانظر " مجمع الزوائد ومنبع الفوائد " ( 5/102 ) ] . والنشرة هي حل السحر عن المسحور بسحر بمثله .
126 ـ هل يجوز الذهاب بالمرأة المسحورة إلى أحد المشائخ للقراءة عليها ؟
إذا كان هذا الشيخ معروفًا بالصلاح والدين وصلاح العقيدة، ويقرأ عليها من القرآن مع التستر والاحتجاب وعدم الخلوة بها، والشيخ يكون عنده تحفظ من الفتنة فلا بأس بذلك، لعدم المحذور .
أما إذا كان هذا الشخص غير معروف لا بسلامة العقيدة فلا يذهب إليه أو كان من المتساهلين في أمور النساء ولمس النساء والنظر إلى النساء فلا يذهب إليه لوجود الفتنة في هذا .
127 ـ هناك عائلة تشكو من كثرة المشاكل بشكل ملحوظ جدًّا، وهنا خلافات بين هذه العائلة وقد كان لهم احتكاك ببعض الجنسيات التي يسهل عندهم عمل السحر وسبب شكهم في ذلك أنهم وجدوا في أحد حقائب الخادمات بعضًا من الأظافر والشعر، وسؤالهم كيف العلاج وهم لا يدرون مكان السحر وكيف يعالجون هذا . ؟
يأخذون هذا الذي وجدوه ويتلفونه ويبادرون بتسفير هذه الخادمة وإبعادها عن البلاد ولا يتركونها لا عندهم ولا عند غيرهم .
128 ـ ما حكم استعمال الحجب ؟ وهل الذي يعمل هذه الحجب يكون من الكهان والسحرة ؟
الحجب إذا كانت بغير كلام عربي أو كانت حروفًا مقطعة فإنها لا يجوز تعليقها واستعمالها بإجماع أهل العلم .

(40/8)


أما إن كانت هذه الحجب مكتوبة من القرآن أو من الأحاديث والأدعية الشرعية فهذه فيها خلاف بين أهل العلم، والصحيح أنها لا تجوز أيضًا؛ لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن تعليق التمائم . والتمائم هي ما يعلق من التعويذات سواء كانت من القرآن أو من غيره .
129 ـ ما رأي فضيلتكم في امرأة تضع المصحف بجانب طفلها الصغير بقصد حمايته من الجن . عند انشغالها وتركه وحده ؟
هذا لا يجوز لأن فيه إهانة للمصحف الشريف ولأنه عمل غير مشروع .

(40/9)


11 ـ أحكام الجنائز والقبور وبدعها
130 ـ أمرنا الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن نستغفر لصاحبنا عند القبر، وأن نسأل له التثبيت (1)رواه أبو داود في سننه ( 3/213 ) من حديث هاني مولى عثمان بن عفان رضي الله عنهما " ، ولم يحدد لنا كيفية ذلك أو يخصص الأمر بما يفيد الترجيح لأي كيفية في الدعاء سرًّا وجهرًا، فهل دعاؤنا للميت عند القبر عبادة أم من الفضائل . . ؟ وهل يستوي الدعاء سرًّا وجهرًا . . ؟ أم أن الدعاء سرًّا من السنة والدعاء جهرًا من البدعة كما يراه بعض الأخوة . . ؟ علمًا بأن الأمر بالدعاء خطاب مطلق يحتمل السر والجهر، وترجيح إحدى الكيفيتين يقتضي الدليل الترجيحي، فهل من دليل على الدعاء سرًّا والدعاء جهرًا، من الكتاب أو السنة أو الإجماع القولي أو الإجماع الفعلي من الصحابة رضي الله عنهم . . ؟
أمرنا الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالاستغفار للميت المسلم وسؤال التثبيت له بعد دفنه مباشرة، وعَلَّلَ ذلك بأن هذا الوقت وقت سؤال الملكين له، فهو بحاجة للدعاء له بالتثبيت وطلب المغفرة (2) ، ولم يرد في الحديث أنهم جهروا بالدعاء والاستغفار .
ومعلوم أن الإسرار بالدعاء والاستغفار أفضل من الجهر لأنه أقرب إلى الإخلاص، ولأن الله سبحانه يسمع الدعاء سرًّا كان أو جهرًا، فلا يشرع الجهر إلا بدليل، علاوة على أن الجهر يحصل به تشويش على الآخرين، ولم يعرف - فيما أعلم - أن السلف كانوا يجهرون بالدعاء عند القبر بعد دفنه أو يدعون بصوت جماعي، وقد روى أبو داود النهي عن اتباع الميت بصوت أو نار (3)، قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في " مجموع الفتاوى " ( 24/294 ) قال قيس بن عبَّاد - وهو من كبار التابعين من أصحاب علي بن أبي طالب رضي الله عنه - : كانوا يستحبون خفض الصوت عند الجنائز وعند الذكر وعند القتال، وقد اتفق أهل العلم بالحديث والآثار أن هذا لم يكن على عهد القرون الثلاثة المفضلة انتهى .

(41/1)


وهذا يدل على أنهم لم يكونوا يرفعون الأصوات بالدعاء للميت لا مع الجنازة ولا بعد الدفن عند القبر وهم أعلم الناس بالسنة، فيكون رفع الصوت بذلك بدعة . . والله أعلم .
131 ـ من العادات المعروفة والمشهورة عندنا تلقين الميت بعد وضعه في قبره وبعد أن يوارى عليه التراب، ونرى أن معظم العلماء على هذا وبعضهم لا يلقي له بالاً - أعني : علماء بلدنا - ويستشهدون على ذلك بأنه قد ثبت عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ حينما توفي ابنه إبراهيم أنه وقف عليه الصلاة والسلام عند قبره ولقنه فقال أحد الصحابة : يا رسول الله أنت خير الخلق وبعد وفاتك من يلقننا ؟ فقال لهم : { يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ . . . } [ سورة إبراهيم : آية 27 ] الآية .
والسؤال : ما مدى صحة هذا الخبر عن المصطفى صلى الله عليه وسلم ؟ وإذا كان التلقين مشروعًا ما هي صيغته وكيفيته ؟ ونرجو أن تقرنوا الإجابة بالأدلة المقنعة ما أمكن ذلك . وجزاكم الله خيرًا ؟
التلقين المشروع هو تلقين المحتضر عند خروج روحه بأن يلقن : لا إله إلا الله، لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لقنوا موتاكم لا إله إلا الله ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 2/631 ) من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ] يعني عند الاحتضار لتكون هذه الكلمة العظيمة آخر كلامه من الدنيا حتى يلقى الله تعالى بها، ويختم له بها، فيلقن هذه الكلمة وهو في الاحتضار برفق ولين، وإذا تلفظ بها فإنها لا تعاد عليه مرة أخرى إلا إذا تكلم بكلام آخر، فإن تكلم بكلام آخر فإنها تعاد عليه برفق ولين ليتلفظ بها، وتكون آخر كلامه، هذا هو التلقين المشروع .

(41/2)


أما بعد خروج الروح فإن الميت لا يلقن لا قبل الدفن ولا بعد الدفن، ولم يرد بذلك سنة صحيحة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فيما نعلم، وإنما استحب تلقين الميت بعد دفنه جماعة من العلماء، وليس لهم دليل ثابت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لأن الحديث الوارد في ذلك مطعون في سنده، فعلى هذا يكون التلقين بعد الدفن لا أصل له من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما قال به بعض العلماء اعتمادًا على حديث غير ثابت .
فالتلقين بعد الدفن لا أصل له في السنة، وإنما التلقين المشروع هو عند الاحتضار، لأنه هو الذي ينفع المحتضر ويعقله المحتضر لأنه مازال على قيد الحياة ويستطيع النطق بهذه الكلمة وهو لا يزال في دار العمل، أما بعد الموت فقد انتهى العمل .
132 ـ بعد دفن الميت في قبره أليس من المشروع أو من المطلوب الدعاء له وسؤال التثبيت له كما أمر بذلك الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ في بعض الأحاديث ؟
نعم الثابت عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالنسبة للميت بعد دفنه أنه كان يقف على قبره ويدعو له ويستغفر له ويقول لأصحابه : ( استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيت فإنه الآن يسأل ) [ رواه أبو داود في " سننه " ( 3/213 ) من حديث هاني مولى عثمان بن عفان رضي الله عنهما ] .
فالذي يشرع للمسلمين إذا دفنوا الميت وانتهوا من دفنه أن يقفوا على قبره، وأن يستغفروا له، وأن يسألوا الله له التثبيت؛ لأنه وقت سؤال الملكين في القبر فيقولون : اللهم اغفر له، اللهم ثبته، ويكررون هذا الدعاء المبارك، فإن الله ينفعه بذلك؛ لأن دعاء المسلمين للأموات يرجى وصوله إليهم وانتفاعهم به .

(41/3)


وأما ما يفعله الجهال والقبوريون من أنهم يطلبون من الميت أن يدعو لهم، وأن يستغفر لهم وأن يشفع لهم، فهذا عكس ما شرعه الله ورسوله، وهذا من المحادة لله ورسوله، إنما المشروع العكس أن الحي هو الذي يدعو للميت ويستغفر له، والله جل وعلا يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم : { وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } [ سورة محمد : آية 19 ] وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا مرَّ بالقبور استقبلهم بوجهه عليه الصلاة والسلام، وقال : ( السلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا ونحن في الأثر، اللهم لا تحرمنا أجرهم، ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم ) [ ورد بألفاظ . . انظر مثلاً " صحيح الإمام مسلم " ( 2/671 ) ، من حديث عائشة رضي الله عنها، وحديث سليمان بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما، وانظر " سنن النسائي " ( 4/94 ) من حديث سليمان بن بريدة عن أبيه رضي الله عنهما ] .
أما ما يفعل مع الجنائز من هذه البدع المحدثة ومن الأمور التي اعتادها الناس وهي ليس لها أصل في شريعة الإسلام، فالواجب الحذر منها والمنع منها والتحذير منها .
133 ـ هل ذبح الذبائح ليلة دخول الميت القبر جائز من الناحية الشرعية وهي ما يسميه الناس ( عشاء الميت ) حيث يدعى لها الناس ليأكلوا من هذه الذبائح ويعتبرون ذلك صدقة عن روح الميت ؟
ذبح الذبائح ليلة وفاة الميت وإطعام الناس من هذه الذبائح وهذه الوليمة هذا من البدع المحرمة؛ لأنه لم يرد في الشرع ما يدل على هذا العمل وعلى تخصيص وقت معين بالصدقة عن الميت .

(41/4)


ومن ناحية ثانية هذا إجحاف بالورثة ( ورثة الميت ) إذا كانت هذه الذبائح وهذا الطعام من تركة الميت، وربما يكون فيهم صغار وفقراء، فيكون هذا إجحافًا بهم علاوة على ما ذكرنا من أن هذه بدعة في الشرع لا يجوز عمله والاستمرار عليه، ومن أراد أن يتصدق عن الميت بطعام أو لحم أو غير ذلك فإنه يتصدق عنه من ماله الخاص وفي أوقات الحاجة دون تقيد بليلة معينة أو وقت معين . والعوائد المخالفة للشرع لا يجوز العمل بها .
134 ـ ما هي الطريقة الشرعية لعمل المآتم أو المعازي ؟ وما هي الطريقة الشرعية للقيام بالعزاء والمواساة ؟
ليس من الشرع إقامة المآتم، بل هذا مما نهى الله عنه؛ لأنه من الجزع والنياحة والابتداع الذي ليس له أصل في الشريعة .
وأما المشروع في العزاء فهو إذا لقيت المصاب أن تدعو له وتدعو للميت، فتقول : أحسن الله عزاءك، وجبر الله مصيبتك، وغفر الله لميتك، إذا كان الميت مسلمًا . هذا هو العزاء المشروع وفيه دعاء للحي المصاب ودعاء للميت المسلم . ولا بأس - بل يستحب - أيضًا أن يصنع طعام ويهدي لأهل الميت إذا كانوا قد اشتغلوا عن الطعام وعن إصلاح الطعام بالمصيبة فينبغي لجيرانهم ومن يعلم حالهم أن يصنع لهم طعامًا ويهديه إليهم .
أما إقامة المآتم وإقامة السرادقات وجمع الناس والقراء وطبخ الطعام فهذا لا أصل له في دين الإسلام .
135 ـ كيف يكون العزاء في الميت ؟ وهل هو بالاجتماع في منزل المتوفى طوال الثلاثة أيام مع ما يحصل من لهو وغيبة ويقولون : إنها تسلية لأهل الميت ؟ وكذلك الذبح للقادمين للعزاء ولأهل الميت وكذلك الذبح للمتوفى بقولهم : إنها صدقة عنه وتوزيعها على الجماعة ؟ ولأن سؤالي هذا ذو أهمية أود منكم إصدار نشرة أو كتيب . ؟

(41/5)


تعزية أهل الميت بميتهم مشروعة لأنها من باب المواساة، ولكن تكون في حدود ما ذكره أهل العلم من الدعاء للمصاب والدعاء للميت وتكون في أيام المصيبة، ومن التعزية لأهل الميت صنعة الطعام لهم وتقديمه إليهم إذا شغلتهم المصيبة عن صنعة الطعام لأنفسهم كما أمر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بأن يصنع لآل جعفر طعامًا لأنه جاءهم ما يشغلهم [ (4) ] . ويكون هذا الطعام بقدر حاجة أهل الميت .
أما التوسع في العزاء بالاجتماعات الكبيرة وعمل الولائم واستئجار المقرئين فكل هذه الأمور آصار وأغلال أو بدع ما أنزل الله بها من سلطان يجب على المسلمين تركها والتحذير منها .
وقد كتبت في هذا الموضوع رسالة في أحكام الجنائز وفي آخرها تكلمت عن هذه المسألة، وقد طبعت الرسالة ضمن مطبوعات جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وأيضًا يعاد طبعها الآن في إحدى دور النشر ونرجو أن تحصل عليها .
136 ـ إعلانات التعازي في الصحف والشكر على التعزية والإعلان عن وفاة شخص . . ما رأي الشريعة في ذلك . ؟

(41/6)


الإعلان في الصحف عن وفاة شخص إذا كان لغرض صحيح وهو أن يعلم الناس بوفاته فيحضروا للصلاة عليه وتشييعه والدعاء له، وليعلم من كان له على الميت دين أو حق حتى يطالب به أو يسامحه، فالإعلان لأجل هذه الأغراض لا بأس به، ولكن لا يبالغ في كيفية نشر الإعلان من احتجاز صفحة كاملة من الصحيفة، لأن ذلك يستنفذ مالاً كثيرًا لا داعي إليه . ولا تجوز كتابة هذه الآية التي اعتاد كثير من الناس كتابتها في الإعلان عن الوفاة وهي قوله تعالى : { يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ، ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً، فَادْخُلِي فِي عِبَادِي، وَادْخُلِي جَنَّتِي } [ سورة الفجر : الآيات 27-30 ] لأن هذا فيه تزكية للميت وحكم بأنه من أهل الجنة، وهذا لا يجوز، لأنه تقوُّل على الله سبحانه وشبه ادعاء لعلم الغيب، إذ لا يحكم لأحد معين بالجنة إلا بدليل من الكتاب والسنة، وإنما يرجى للمؤمن الخير ولا يجزم له بذلك . . والله الموفق .
137 ـ عندنا عادة : عندما يموت شخص فإنهم قبل دفنه يذهبون إلى قبرة على قبر ولي كما يزعمون ويقولون : إن الحضرة النبوية توجد عند هذه القبة، والغرض من ذلك كما يعتقدون هو أن لا يعذب في قبره بل ولا يحاسب، فما حكم هذا العمل ؟
هذا من الباطل وأعمال الجاهلية، والبناء على القبور مما نهى عنه الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ أشد النهي، قد نهى ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن يبنى على القبر (5) وأن يجصص (6)، أو يكتب عليه (7) ، أو يسرج بالمصابيح (8) ، فالبناء على القبور من أفعال الجاهلية ومن وسائل الشرك .
وكذلك الذهاب بالجنازة إلى قبر الولي لا يجوز، وإذا كان يعتقد لذلك أن الولي ينفع الميت وأنه تغفر للميت ذنوبه فهذا من الشرك الأكبر؛ لأن هذا معناه الاستغاثة بالميت صاحب القبر وطلب البركة منه والشفاعة منه، وهذا من الشرك الأكبر .

(41/7)


وأما قولهم : إن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يحضر عند هذا الضريح فهذا من الخرافات والأباطيل التي يروجها شياطين الإنس والجن ليغرروا بالجاهلين والعوام ويعلقوهم بالقبور والأضرحة، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نهى عن البناء على القبور، ونهى عن طلب الحوائج منها أو الاستشفاع بها، فكيف يحضر عليه الصلاة والسلام عندها وهو قد حرمها ونهى عنها ؟ !
138 ـ إذا مات أحد عندنا نأتي بالخطيب يقرأ القرآن لمدة خمسة أيام، وبعدها نذبح ذبيحة ونفرقها على الناس، وهذه عادة وجدناها وسرنا عليها، ما حكم هذا العمل يا فضيلة الشيخ بارك الله فيكم ؟
هذا العمل بدعة محرمة، فاستئجار المقرئ خمسة أيام يقرأ بعد وفاة المريض، لا أصل له في دين الإسلام ولا ينفع الحي ولا الميت، وديننا الحنيف وشرعنا المطهر بيَّن لنا ما يُعمل بالميت، وأنه يجهز بالتغسيل، والتكفين، ويصلى عليه، ويدفن، ويدعى له ويحج عنه ويعتمر، ويتصدق عنه، ويضحى عنه في وقت الأضحية؛ هذا ما يشرع في حق الميت .
أما أن نستأجر من يقرأ القرآن أيامًا معينة ونذبح ذبيحة في ختامها كل هذا من الآصار والأغلال ومن البدع والخرافات، وهذه لا تنفع الحي ولا الميت، وإنما هي من الأعمال الضارة والأعمال البدعية، وأي أجر يأتي من قراءة مستأجرة؛ لأن هذا القارئ لا يقرأ طمعًا في ثواب القراءة وإنما يقرأ طمعًا في الأجر الذي يدفع له، والعبادات لا يؤخذ عليها أجور .
139 ـ ما هي الأشياء التي ينتفع بها الميت من قبل الأحياء ؟ وهل هناك فرق بين العبادات البدنية وغير البدنية، نرجو أن توضحوا لنا هذه المسألة وتضعوا لنا فيها قاعدة نرجع إليها كلما أشكل علينا مثل هذه المسائل أفتونا بارك الله فيكم ؟

(41/8)


ينتفع الميت من عمل الحي بما دل عليه الدليل من الدعاء له والاستغفار له والتصدق عنه والحج عنه والعمرة عنه وقضاء الديون التي عليه وتنفيذ وصاياه الشرعية كل ذلك قد دلت الأدلة على مشروعيته . وقد ألحق بها بعض العلماء كل قربة فعلها مسلم وجعل ثوابها لمسلم حي أو ميت . والصحيح الاقتصار على ما ورد به الدليل ويكون ذلك مخصصًا لقوله تعالى : { وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى } [ سورة النجم : آية 39 ] والله أعلم .
140 ـ ما حكم الشرع في نظركم فيمن جمع قومًا ليتلوا كتاب الله بقصد أن تعود فائدة الذكر لصاحب الدعوة أو لشخص متوفى ؟
إن تلاوة القرآن من أفضل القربات، والله جل وعلا أمرنا بتلاوة كتابه وبتدبره وتأمل معانيه، أما أن يتخذ للتلاوة شكلاً خاصًا أو نظامًا خاصًا هذا يحتاج إلى دليل .
ومثل ما ذكره السائل من جمع الناس ليقرءوا القرآن لتحصل له الفائدة أو يهدى ثوابه للأموات هذا لا دليل عليه على هذه الصفة، وإنما هو بدعة من البدع، وكل بدعة ضلالة هذا من ناحية، ومن ناحية ثانية فإن هؤلاء المقرئين إذا كانوا يقرءون بالإيجار كما هو الواقع من كثير منهم، فهذه القراءة لا ثواب فيها؛ لأنهم لم يقرءوا القرآن تعبدًا لله عز وجل، وإنما قراءة من أجل الأجرة، والعبادات إذا فعلت من أجل الأجرة، فإنها لا ثواب فيها وإرادة الإنسان بعمله الدنيا . هذا مما يبطل العمل .
وإنما تنفع قراءة القرآن إذا كان القصد منها التقرب إلى الله من القارئ ومن المستمع، وأن تكون على الصفة المشروعة لا الصفة المحدثة والرسوم التي أحدثها الجهال وابتدعوها فمثل هذه القراءة على هذا الشكل وإهداء ثوابها للأموات أو الأحياء من البدع المحدثة ولا ثواب فيها .

(41/9)


فالواجب على المسلم أن يترك مثل هذا العمل، وإذا أراد أن ينفع الأموات فإنه ينفعهم بما وردت به الأدلة من الترحم عليهم والاستغفار لهم والدعاء لهم والتصدق عنهم والحج أو العمرة عن الميت، هذه هي الأمور التي وردت الأدلة بأنها تنفع المسلمين أحياء وأمواتًا، أما فعل شيء لم يقم عليه دليل من الشرع فهذا يعتبر من البدع المخالفة .
141 ـ ما هي الأعمال التي تنفع وتفيد الوالدين أحياءً وأمواتًا ؟
الأعمال هي برهما في حياتهما، والإحسان إليهما بالقول والعمل، والقيام بما يحتاجانه من النفقة والسكن وغير ذلك والأنس بهما، والكلام الطيب معهما وخدمتهما، لقوله تعالى : { وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا } [ سورة الإسراء : آية 23 ] خصوصًا في كبرهما .
أما بعد الممات فإنه يبقى من برهما أيضًا الدعاء والصدقة لهما والحج والعمرة عنهما وقضاء الديون التي في ذمتهما، وصلة الرحمن المتعلقة بهما وكذلك برُّ صديقهما وتنفيذ وصاياهما المشروعة .
142 ـ زوجي استشهد منذ سنتين وكنت أصلي قبل أن يستشهد لنفسي، وبعد أن استشهد بدأت أصلي لي وله منذ سنتين، وأنا على هذه الحالة فهل يجوز لي ذلك أم لا ؟
لا يصلي أحد عن أحد، ولكن عليك بالدعاء لزوجك والإكثار من الدعاء والاستغفار له والتصدق عنه .
أما الصلاة فإنه لا يصلي أحد عن أحد ولا يُصلى عن الميت ولا عن الحي؛ لأن الصلاة لا تدخلها النيابة لأنها عمل بدني، وقد شرع الله الدعاء للأموات والاستغفار لهم والصدقة عنهم إذا كانوا مسلمين، وفي ذلك كفاية إذا تقبله الله .
143 ـ إذا توفي شخص وهو لا يصلي في حياته بتاتًا أو كان يصلي حينًا ويتركها أحيانًا ؟ فهل يجوز أن تؤدى عنه الصلاة بعد وفاته ؟ وإذا لم يكن ذلك جائز فهل ينفع أن يتصدق عنه أو يقرأ القرآن له ؟ وما هي الأشياء التي ينتفع بها الميت بعد وفاته مما خلفه ؟

(41/10)


أولاً : الصلاة لا تفعل عن أحد، لا يصلي أحد عن أحد؛ لأن الصلاة عملٌ بدنيٌّ لا تدخله النيابة لا عن الحي ولا الميت .
ثانيًا : من ترك الصلاة متعمدًا واستمر على ذلك حتى مات فإنه كافر - والعياذ بالله - لا يجوز للمسلم أن يترحم عليه ولا يدعو له ولا يتصدق عنه، لأنه مات على الكفر .
أما بالنسبة لما يلحق الميت بعد وفاته من الأعمال فالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : ( إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 3/1255 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ] .
فهذه الأمور تلحق الميت إذا أوقف وقفًا ينتفع به في سبيل الخير، واستمر هذا الوقف يفعل بعد وفاته فإنه يلحقه الأجر ما بقي هذا الوقف، كذلك إذا علَّم علمًا ينتفع به من العلوم الشرعية النافعة فإن هؤلاء المتعلمين الذين صاروا ينفعون الناس من بعده يعود إليه الأجر وهو ميت؛ لأنه علَّم الخير، وكذلك إذا ألَّف مؤلفات ينتفع المسلمون بها، فإن هذا علمٌ ينتفع به ويعود أجره له ما انتفع بهذه المؤلفات وما بقيت .
وكذلك إذا طبع كتبًا نافعة وأوقفها على المسلمين ينتفعون بها أو مصاحف من القرآن الكريم، كل هذا من العلم الذي ينتفع به بعد موته، ويلحق من بذل فيه، الأجر والثواب عند الله سبحانه وتعالى .
وكذلك الذرية الصالحة الذين يدعون له من ذكور وإناث فإن هذا يلحقه الأجر إذا تقبل الله دعواتهم .
كذلك الصدقة عن الميت، لأنه ورد أن الميت يتصدق عنه، وأن ذلك ينفعه، وعمم بعض من أهل العلم أنه أي طاعة فعلها مسلم وجعل ثوابها لأي مسلم حي أم ميت أن ذلك ينفعه .
كذلك الحج ورد في الدليل أنه ينفع الميت وأنه يبرئ ذمته إذا كان واجبًا عليه وينفعه إذا كان تطوعًا، فالحج والصدقة والدعاء والوقف كل هذا مما يلحق الميت بعد وفاته .

(41/11)


144 ـ إذا نذر الإنسان نذرًا وقال على سبيل المثال : ( إن شفى الله مريضي لأذبحن ذبيحة لله عند قبر فلان تقربًا لله ) ، فهل يجوز مثل هذا العمل ؟ وهل هناك أماكن نهي عن الذبح فيها لله تعالى ؟
إذا نذر أن يذبح لله عند قبر من القبور، فهذا نذر معصية لا يجوز الوفاء به، والذبح عند القبور إن كان القصد منه التقرب إلى صاحب القبر فهو شرك أكبر يُخرج من الملة ولو ذكر اسم الله على الذبيحة .
وإن كان القصد منه التقرب إلى الله فهو معصية كبيرة ووسيلة من وسائل الشرك؛ لأنه لا يجوز التّعبُّد عند القبور، فلا يجوز لنا أن نصلي عند القبور ولا أن ندعو عند القبور، ولا أن نذبح عند القبور، وإن كنا لا نقصد إلا الله؛ لأن هذا مشابهة للمشركين وهو وسيلة إلى الشرك .
روى أبو داود بسنده عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه، قال : نذر رجل أن ينحر إبلاً ببوانة فسأل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فقال : ( هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يُعبد ؟ ) قالوا : لا، قال : ( فهل كان فيها عيد من أعيادهم ؟ ) ، قالوا : لا، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم ) [ رواه أبو داود في " سننه " ( 3/235 ) من حديث ثابت بن الضحاك رضي الله عنه ] ، وإسناده على شرط الشيخين .
قال في " فتح المجيد " : قلت : وفيه سد الذريعة وترك مشابهة المشركين، والمنع مما هو وسيلة إلى ذلك (9) . انتهى .
وبهذا يتبين أنه لا يجوز الذبح لله تعالى عند القبور، ولا في الأماكن التي كان فيها أوثان للمشركين ولو كانت قد أزيلت، ولا في المواطن التي يتخذها المشركون مكانًا لأعيادهم وشعائرهم .

(41/12)


145 ـ كيف تكون زيارة القبور ؟ وهل يجوز الدعاء للأموات عند القبر ؟ وهل يكون الواقف أمام القبر مستقبلاً القبلة أم مستدبرها ؟ وما أفضل الأيام لزيارة القبور إذا كان هناك فضيلة ؟ وهل يجوز وضع حجر محفور عليه حرف كرمز يدل على القبر لكي يستدل عليه الزائر ؟
زيارة القبور بقصد الدعاء للأموات المسلمين والترحم عليهم وبقصد الاعتبار والتذكر زيارة مستحبة، قال صلى الله عليه وسلم : ( زوروا القبور فإنها تذكر بالآخرة ) [ انظر " فتح المجيد " ( 1/284 ) بتحقيق الدكتور الوليد بن عبد الرحمن آل الفريان ] ، وإنما تكون مشروعة في حق الرجال، أما النساء فيحرم عليهن زيارة القبور لقوله صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 2/671 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ : ( . . فزوروا القبور؛ فإنها تذكر الموت ) ، ورواه الترمذي في " سننه " ( 4/9 ) ، ورواه أبو داود في " سننه " ( 3/216 ) من حديث بريدة رضي الله عنه بلفظ : ( . . فزوروها فإن في زيارتها تذكرة ) ] ، وهذا يدل على شدة تحريم زيارة النساء للقبور، لما فيهن من الفتنة؛ ولأن المرأة ضعيفة قد يحصل منها ما لا يجوز من الأفعال والأقوال كالجزع والنياحة .
وكذلك إذا كان القصد من زيارة القبور التبرك بها وطلب الحوائج من الأموات والاستغاثة بهم والطواف بقبورهم، كما يُفعل اليوم عند الأضرحة، فهذه زيارة شركية لا تجوز لا للرجال ولا للنساء .

(41/13)


وكذا إن كان القصد من زيارة القبور الصلاة عندها والدعاء عندها بحيث يظن أن في ذلك فضيلة، فهذه زيارة بدعية، وهي وسيلة من وسائل الشرك، وقد نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الصلاة عند القبور واتخاذها مساجد وأماكن للعبادة والدعاء، وقد لعن ـ صلى الله عليه وسلم ـ من اتخذ القبور مساجد (10) ، ونهى وشدد عن البناء عليها (11)، وعن إسراجها (12) والكتابة عليها (13) ، وعن تجصيصها (14) ، لأن هذه الأفعال من وسائل الشرك .
وإذا زار القبر الزيارة الشرعية فإنه يقف أمام وجهه ويستقبله ويستدبر القبلة ويسلم عليه، وليس للزيارة وقت محدد ولا يوم معين، ويجوز وضع حجر على القبر ليعرفه إذا زاره (15) ، ولا يجوز أن يكتب عليه شيئًا (16) ، لأن هذه وسيلة إلى تعظيمها ووقع الشرك عندها، وسواء كانت الكتابة حرفًا أو أكثر كل ذلك محرم وممنوع لما يؤول إليه من الشرك وتعظيم القبور والغلو بها .
146 ـ هل صحيح ما يقال : إن الله لعن زائرات القبور ؟ وقد سمعت بعض الناس يقولون : إن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول : ( إذا ضاقت الصدور عليكم بزيارة القبور ) ، وأنا أزور قبر زوجي كل يوم خميس وأقرأ الفاتحة على روحه وأترحم على جثمانه دون بكاء أو عويل، ثم أعود، هل عليَّ شيء في ذلك ؟
أما ما ذكرت من أن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لعن زائرات القبور، فقد ورد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بسند صحيح أنه قال : ( لعن الله زائرات القبور، والمتخذين عليها السرج ) لا يجوز للمرأة أن تزور القبور لا قبر زوجها ولا غيره؛ لأنها لو فعلت ذلك استحقت اللعنة، وما فعلتيه على قبر زوجك من زيارة وقراءة الفاتحة عليه كل هذا لا يجوز، فزيارتك القبر محرمة، وقراءة الفاتحة عند القبور بدعة، فعليك أن تتوبي إلى الله سبحانه وتعالى، وألا تستمري في زيارة قبره، وإذا كان عندك حرص على نفعه فعليك بالدعاء له والاستغفار والتصدق عنه، فإن ذلك ينفعه إن شاء الله .

(41/14)


أما ما ذكرت من أنه ورد : ( إذا ضاقت الصدور فعليكم بزيارة القبور ) ، فهذا باطل وموضوع، ولا أصل له من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما الذي صح عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ تشريع زيارة القبور للرجال خاصة دون النساء في قوله صلى الله عليه وسلم : ( كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكر بالآخرة ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 2/671 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ : ( . . فزوروا القبور فإنها تذكر بالموت ) ، ورواه الترمذي في " سننه " ( 4/9 ) ، ورواه أبو داود في " سننه " ( 3/216 ) من حديث بريدة رضي الله عنه بلفظ : ( . . فزوروها فإن في زيارتها تذكرة ) ] ، فزيارة القبور مشروعة في حق الرجال دون النساء بقصد الدعاء للأموات والاستغفار لهم والترحم عليهم إذا كانوا مسلمين، ونقصد الاتعاظ والاعتبار وتليين القلوب بمشاهدة القبور وأحوال الموتى، لا بقصد التبرك بها والتمسح بترابها تبركًا بها، وطلب الحاجات منها، كما يفعله المشركون الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، والله تعالى أعلم .
وهذا لابد أن تكون زيارة الرجال للقبور بدون سفر؛ لأن السفر لزيارة القبور بقصد العبادة فيها محرمة إلا السفر لزيارة المساجد الثلاثة، قال صلى الله عليه وسلم : ( لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد : المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 2/56 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ] .

(41/15)


147 ـ ورد في الأثر عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه دخل مقابر المدينة فنادى : السلام عليكم يا أهل القبور : أتخبرونا بأخباركم أم نخبركم بأخبارنا ؟ فسمع صوتًا يقول : عليك السلام ورحمة الله وبركاته، أخبرنا بما كان بعدنا، فقال علي : أما أزواجكم فقد تزوجت، وأما أموالكم فقد قسمت، وأما أولادكم فقد حشروا في زمرة اليتامى، وأما البناء الذي شيدتم فقد سكنه أعداؤكم، فهذه أخبار ما عندنا فما أخبار ما عندكم ؟ فسمع صوتًا يقول : قد تمزقت الأكفان، وانتثرت الشعور، وتقطعت الجلود، ما قدمناه وجدناه، وما كسبناه خسرناه، ونحن مرتهنون بالأعمال .
فهل هذا الأثر صحيح ؟ وإذا كان كذلك فكيف يكون الجمع بينه وبين قوله تعالى : { إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ } [ سورة النمل : آية 80 ] ، فإن ظاهر هذه الآية أن الموتى لا يسمعون الكلام من الأحياء، أم أن للآية تفسيرًا آخر غير المتبادر إلى الذهن ؟
الذي وقفت عليه من كلام علي رضي الله عنه كما ذكرته كتب الوعظ أنه لم يخاطب الموتى ولم يخاطبوه، وإنما تكلم يعظ أصحابه الذين معه، ثم قال موجهًا الكلام للموتى : هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم ؟ ثم قال لأصحابه : أما إنهم لا يتكلمون ولو تكلموا لقالوا كذا وكذا (17)، فأجاب على لسان الموتى .
ومن واقع أحوال الموتى وما يقولونه لو تكلموا ولو نطقوا فهذا من باب الافتراض من علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن الميت لو تكلم لقال كذا نظرًا لحالته وما لاقى، وهذا يقصد به علي رضي الله عنه موعظة الأحياء وتذكير الناس بأحوال الموتى، وليس في القصة أن أحدًا من الموتى كلمه بهذا الكلام، وإنما هو الذي قاله على لسان الأموات تذكيرًا للأحياء .

(41/16)


وأما قضية سماع أهل القبور لمن يخاطبهم فلا شك أن أحوال أهل القبور من أمور الغيب ومن أمور الآخرة، ولا يجوز لأحد أن يتكلم فيها إلا بموجب الأدلة الصحيحة، وقد ورد : ( أن الميت إذا وضع في قبره وانتهى من دفنه وتولى عنه أصحابه وإنه ليسمع قرع نعالهم، يأتيه ملكان فيجلسانه ويقولان له : من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ ) هذا الذي ورد أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين إذا أدبروا عنه، فما أثبته الدليل أثبتناه، وما لم يرد دليل فإننا نتوقف عنه .
148 ـ في بلدتنا مسجد يصلي به الناس ولكن يوجد أمامه من جهة اليسار قليلاً وعلى بعد مترين غرفة بها قبر، وكذلك أمامه من ناحية القبلة مباشرة وعلى بعد عشرة أمتار توجد مقابر، فهل يصح الصلاة في هذا المسجد ما دامت المقابر خارجًا وليست منه ؟ أم لا تصح بأي حال مادامت محيطة به ؟
إذا كانت المقابر مفصولة عن المسجد بشارع أو بسور ولم يبن هذا المسجد من أجل المقابر فلا بأس أن يكون المسجد قريبًا من المقبرة إذا لم يوجد مكان بعيد عنها، أما إذا كان وضع المسجد عند القبور مقصودًا ظنًّا أن في ذلك بركة، أو أن ذلك أفضل، فهذا لا يجوز، لأنه من وسائل الشرك .
149 ـ يوجد في قريتنا مسجد قديم تقام فيه صلاة الجمعة والجماعة علمًا بأن هذا المسجد يوجد في قبلته مقبرة قديمة وحديثة، كما أن هناك عدة قبور ملتصقة في قبلة هذا المسجد، وكما هو معلوم أن هذه المقبرة يمر في وسطها طريق للرجال والنساء، وأيضًا طريق للسيارات فما هو الحكم في هذا ؟
إذا كانت القبور مفصولة عن المسجد ولم يبن المسجد من أجلها، وإنما بني للصلاة فيه، والمقبرة في مكان منعزل عنه لم يقصد وضع المقبرة عند المسجد، ولم يقصد وضع المسجد عند المقبرة، وإنما كل منهما وضع في مكانه من غير قصد ارتباط بعضهما ببعض، وبينهما فاصل فلا مانع من الصلاة في المسجد؛ لأن هذا المسجد لم يقم على قبور .

(41/17)


أما قضية مرور الطريق في وسط المقبرة، فالواجب منع ذلك، وتسوير المقبرة وتجنيب الطريق عنها .
150 ـ في بعض بلاد المسلمين قبور لعدد من الصحابة والصالحين وغيرهم، هذه القبور يزورها بعض الناس بصفة منتظمة ويطوفون بها ويصلون عندها ويعتقدون أنها تجلب البركة، فإلى أي حد يؤثر هذا العمل على عقيدة المسلم ؟
زيارة القبور من أجل التذكر والاعتبار والدعاء لأموات المسلمين مستحبة قد أمر بها النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بقوله : ( زوروا القبور فإنها تُذكر بالآخرة ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 2/671 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه الله عنه بلفظ : ( . . فزوروا القبور، فإنها تذكر الموت ) ، ورواه الترمذي في " سننه " ( 4/9 ) ، ورواه أبو داود في " سننه " ( 3/216 ) من حديث بريدة رضي الله عنه بلفظ : ( . . فزوروها فإن في زيارتها تذكرة ) ] ، وكان ـ صلى الله عليه وسلم ـ إذا مر بقبور المسلمين سلّم عليهم ودعا لهم، فقال : ( السلام عليكم أهل الديار من المسلمين والمؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم ) (18) .
هذه هي الزيارة الشرعية التي فيها نفع للزائر بحصول الأجر والتذكر والاعتبار ونفع للميت المزور بالسلام عليه والدعاء له .
أما زيارة القبور من أجل التبرك بتربتها والتمسح بجدرانها وسؤال الموتى قضاء الحاجات وتفريج الكربات وتقديم النذور لهم والذبح لهم والطواف بقبورهم والصلاة عندها أو إليها، فهذه زيارة بدعية شركية قد حرَّمها الله ورسوله .

(41/18)


قال الله تعالى : { وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا } [ سورة الجن : آية 18 ] ، وقال تعالى : { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ } [ سورة يونس : آية 18 ] ، سمى عملهم هذا شركًا نزه نفسه عنه مع أنهم يزعمون أن هؤلاء الموتى مجرد شفعاء لهم عند الله يسألونه بحقهم وجاههم وهذا ما عليه القبوريون اليوم .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ) (19) ، ومعنى يتخذونها مساجد : يصلون عندها رجاء بركاتها وقبول دعائهم بواسطتها .
وقال صلى الله عليه وسلم : ( إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يبنون المساجد على القبور ) [ رواه الإمام أحمد في " مسنده " ( 1/405 ) من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ] ، وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ لبعض أزواجه لما ذكرن له ما رأينه بأرض الحبشة من كنائس النصارى وما فيها من التصاوير : ( أولئك شرار الخلق عند الله ) .
وهذا بعينه هو ما يفعله القبوريون اليوم : يبنون المشاهد الشركية على القبور، ويسمونها مساجد، ويغرون العامة والسُّذَّج بزيارتها وصرف الذبائح والنذور لها واعتبروها موارد مالية يستغلونها للكسب من هؤلاء الطعام وأشباه الأنعام، وهذا شرك أكبر يبطل العقيدة ويخرج من الملة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .

(41/19)


والواجب على ولاة أمور المسلمين وعلى علمائهم إنكار هذا الشرك القبيح وإزالة هذه المساجد، بل المشاهد المبنية على القبور، وتحكيم شرع الله في هؤلاء الذين أضلوا الناس، وزينوا لهم هذه الأعمال الشركية القبيحة، فقد قال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لابن عمه علي بن أبي طالب رضي الله عنه : ( لا تدع صورة إلا طمستها، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويّته ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 2/666 ) من حديث أبي الهياج الأسدي ] ، وهذا أمر لجميع الأمة .

(41/20)


12 ـ الجامع في البدع
151 ـ بعض المؤذنين عندنا قبل أذان الفجر يدعون بأدعية بصوت مرتفع كأن يقولون : يا أرحم الراحمين، وسبحان من خلق السماوات بغير عمد، ولجاه المصطفى ارحمنا، وغير ذلك من الأدعية فما حكم هذا العمل ؟
حكم هذا العمل أنه بدعة، لأنه ليس مما شرعه لنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ قبل الأذان، وإنما يقول بعد الأذان : ( اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آت محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته ) [ رواه البخاري في " صحيحه " ( 1/152 ) من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ] ، وهذا هو الوارد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقوله بلا رفع صوت .
152 ـ في بلادنا قبل صلاة الجمعة يردد المصلون الصلاة الإبراهيمية بأصوات عالية وجماعية حتى يصلي الإمام ويخطب، وكذلك إذا قال الإمام : السلام عليكم ورحمة الله وبركاته قبل الخطبة يرد عليه المصلون بأصوات عالية وجماعية أيضًا بقولهم : عليكم السلام ورحمة الله وبركاته، فما الحكم في ذلك ؟ وما هي نصيحتكم لهذه الجماعة ؟
ترديد الصلاة الإبراهيمية قبل دخول الإمام لا أصل له في الشريعة، فهو بدعة، إنما المشروع الصلاة حتى يدخل الإمام، أو الاشتغال بذكر الله وتلاوة القرآن والتسبيح والتهليل بصفة انفرادية لا صفة جماعية .
وأما ردهم السلام على الإمام إذا دخل وسلم على المنبر بصوت جماعي هذا أيضًا بدعة لم يكن من عمل المسلمين، وإنما المشروع رد السلام سرًّا وبصفة انفرادية .
153 ـ عندنا بعد صعود الإمام إلى المنبر يوم الجمعة يقوم المؤذن فيؤذن، وبعد أن يؤذن يأتي بحديث عن الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ بصوت مرتفع يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا صعد الخطيب المنبر فلا أحد يتكلم، ومن تكلم فقد لغا، ومن لغا فلا جمعة له ) ، اسمعوا وأنصتوا يرحمني ويرحمكم الله، والسؤال : ما حكم هذا العمل ؟

(42/1)


التزام هذا الشيء قبل الخطبة من البدع، لأنه عمل لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما نهى ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن الكلام وقت الخطبة، وأخبر أنه لغو بمعنى أنه يبطل ثواب الجمعة، فهذا نهى عنه النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ (1) .
154 ـ قرأت في كتاب " المجموعة المباركة في الصلوات المأثورة والأعمال المبرورة " حديثًا عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( من صلى ليلة الجمعة ركعتين يقرأ في كل ركعة فاتحة الكتاب مرة، وسورة الزلزلة خمس عشرة مرة، فإذا فرغ من صلاته يقول : يا حي يا قيوم يا ذا الجلال والإكرام مائة مرة آمنه الله من عذاب القبر وظلمته، ومن أهوال يوم القيامة ) ، فما مدى صحة هذا الحديث نصًّا ومعنى ؟
أولاً : نوجه بأن الحديث لا يؤخذ من مثل هذا الكتاب، وإنما يرجع إلى كتب الحديث الموثوقة كـ : " صحيح البخاري " ، و " صحيح مسلم " ، و " السنن " ، وغيرها من الكتب المعروفة الموثوقة .
وبالنسبة لهذا الحديث الذي ذكرت لم أجد له أصلاً فيما اطلعت عليه، ويظهر عليه أنه لا أصل له؛ لأن فضائل الجمعة التي ذكرها أهل العلم لم يكن لها الحديث من بينها ذكر، فالذي يشرع في ليلة الجمعة الإكثار من الصلاة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في ليلة الجمعة، ويوم الجمعة، وفي فجر ليلة الجمعة (2) ، يستحب أن يقرأ في صلاة الفجر في الركعة الأولى : الم السجدة، وفي الثانية : { هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ } [ سورة الإنسان : آية 1، وانظر " صحيح الإمام البخاري " ( 1/214، 215 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ] .
هذا الذي يشرع في ليلة الجمعة، وأما أن تُخصَّ بصلاة دون غيرها من الليالي فهذا لم يثبت فيه حديث، وهي كغيرها من الليالي، على المسلم أن يصلي ما تيسر من تهجد ويختم ذلك بالوتر .

(42/2)


وعليك كما ذكرنا إذا أردت أن تعمل بحديث أن تراجع كتب السُّنّة المعروفة الموثوقة، أما أن تأخذ كتابًا غريبًا أو مجهولاً وتعتمد عليه وتنقل منه الحديث فهذا يوقعك في الخطأ، والأحاديث فيها الموضوع المكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها الضعيف، ويبين هذا كتب أهل الفن المتخصصين في الحديث .
155 ـ اعتدنا أنا وبعض زملائي في هذه المدينة " لاهو " أن نصلي أسبوعيًا قيام ليل وهي عبارة عن أربع ركعات، وأربع ركعات شفعات، وثلاثة ركعات وترًا، نصليها جماعة في كل أسبوع، وفي كل أسبوع يؤم أحدنا .
حتى قبل أسبوع دعوت إمام مسجدنا - وبالطبع هو باكستاني - أن يحضر تلك المرة معنا ويقوم الليل معنا - وبالطبع يكون هو الإمام - فأجابني بقول : إن هذا عمل منكر وهذه بدعة وهي مكروهة كراهة تحريم؛ لأنها نافلة والأصل فيها الانفراد وليس الجماعة، فلم أستطع الرد عليه، لكنني قلت له : ربما هذه في مذهبك - أي المذهب الحنفي - وقد يكون هناك خلاف بين الثلاث مذاهب الأخرى ؟ فقال لي : لا؛ المذاهب الأربعة كلها متفقة على أن الأصل فيها الانفراد ولا تصلى جماعة .
فنرجو منكم أن تفتونا : هل يجب أن نصليها جماعة إطلاقًا مهما كان العذر ؟ أو أنه ليس هناك شيء في الأمر إذا صليناها جماعة بنية التربية والتدريب والتعود على أن نصرف ذلك الوقت في طاعة الله، وهل هي بدعة منكرة كما قال الشيخ الباكستاني ؟ نرجو منكم تفصيل ذلك ؟ وما تلك التي قرأناها عن بعض الصحابة كابن عباس عندما كان يأتي ويصلي خلف النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الليل ؟
ما قال هذا الإمام هو الصحيح وهو الصواب، وأن ما فعلتموه بدعة؛ لأن التزام عدد معين من صلاة الليل بدعة؛ لأنه لم يرد تحديد في هذا، بل يصلي المسلم ما تيسر له بدون تقيد بعدد محدد .

(42/3)


وأيضًا التزام الجماعة لها بدعة أخرى؛ لأن التزام الجماعة للنافلة لم يرد به دليل ، وإنما تشرع الجماعة في النافلة في أشياء مخصوصة مثل صلاة الكسوف، ومثل صلاة التراويح، وأما ما عدا ذلك فإن النافلة لا تصلى جماعة، بصفة مستمرة، وإنما تصلى فرادى كلٌّ يصلي لنفسه، وصلاتها في البيت أفضل .
أما صلاتها جماعة بغير صفة مستمرة فلا مانع من ذلك وهو الذي يحمل عليه حديث ابن عباس الذي ذكرته حينما قام النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصلي من الليل، فقام ابن عباس وصلى معه، وأقره النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على ذلك (3) ، وحينما صلى حذيفة مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من آخر الليل (4) ، فصلاتها جماعة بدون التزام وبدون اعتياد ذلك لا حرج فيه .
أما ما ذكرت من أنك أنت وزملاؤك التزمتم أن تصلوا في ليالي معينة عددًا من الركعات جماعة، فهذا كله من البدع التي ليس لها أصل في الشرع، وما ذكره لكم هذا الإمام هو عين الصواب فعليكم أن تتركوا هذا الاعتياد، وأن يصلي كل منكم من الليل ما تيسر ويختم ذلك بالوتر .
وكون ذلك في البيوت أفضل منه في المساجد لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( فإن خير صلاة المرء في بيته إلا صلاة المكتوبة ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 1/539، 540 ) من حديث زيد من ثابت رضي الله عنه، وللحديث قصة ] .
156 ـ هل ورد نص قرآني أو حديث نبوي يفيد قيام ليلة النصف من شعبان وصيام نهاره ؟ وإذا كان ذلك واردًا هل هناك كيفية معينة لقيام ليلة النصف من شعبان ؟

(42/4)


إنه لم يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بخصوص ليلة النصف من شعبان ولا صيام اليوم الخامس عشر من شعبان، لم يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ دليل يعتمد عليه، فليلة النصف من شعبان كغيرها من الليالي، من كان له عادة القيام والتهجد من الليل فإنه يقوم فيها كما يقوم في غيرها، من غير أن يكون لها ميزة، لأن تخصيص وقت بعبادة من العبادات لابد له من دليل صحيح، فإذا لم يكن هناك دليل صحيح، فتخصيص بعض الأوقات بنوع من العبادة يكون بدعة، وكل بدعة ضلالة .
وكذلك لم يرد في صيام اليوم الخامس عشر من شعبان أو يوم النصف من شعبان، لم يثبت دليل عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقتضي مشروعية صيام ذلك اليوم، ومادام أنه لم يثبت فيه شيء بخصوصه، فتخصيصه بالصيام بدعة؛ لأن البدعة هي ما لم يكن له دليل من كتاب الله ولا من سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، مما يزعم فاعله أنه يتقرب فيه إلى الله عز وجل، لأن العبادات توقيفية، لابد فيها من دليل من الشارع .
أما ما ورد من الأحاديث في هذا الموضوع فكلها ضعيفة، كما نص على ذلك أهل العلم، فلا يثبت بها تأسيس عبادة، لا بقيام تلك الليلة، ولا بصيام ذلك اليوم، لكن من كان من عادته أنه يصوم الأيام البيض، فإنه يصومها في شعبان كما يصومها في غيره، أو من كان من عادته أنه يصوم يوم الاثنين ويوم الخميس وصادف ذلك النصف من شعبان فإنه لا حرج عليه أن يصوم على عادته، لا على أنه خاص بهذا اليوم، وكذلك من كان يصوم من شعبان صيامًا كثيرًا كما كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يصوم ويكثر الصيام من هذا الشهر (5)، لكنه لم يخص هذا اليوم، الذي هو الخامس عشر، لم يخصه بصيام فإنما يدخل تبعًا .

(42/5)


الحاصل أنه لم يثبت بخصوص ليلة النصف من شعبان دليل يقتضي إحياءها بالقيام، ولم يثبت كذلك في يوم الخامس عشر من شعبان دليل يقتضي تخصيصه بالصيام، فما يفعله بعض الناس خصوصًا العوام في هذه الليلة أو في هذا اليوم هذا كله بدعة يجب النهي عنه، والتحذير منه، وفي العبادات الثابتة عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من الصلوات والصيام، ما يغني عن هذا المحدثات، والله تعالى أعلم .
157 ـ بعض الناس عند بداية الصلاة يقول : نويت أن أصلي كذا وكذا فرضًا عليَّ لله العظيم . . ما حكم هذا القول بارك الله فيكم ؟
ما سأل عنه السائل من أن بعض المصلين يتلفظ بالنية قبل الصلاة ويقول : نويت أن أصلي كذا وأصلي كذا، فهذا من البدع التي ما أنزل الله بها من سلطان، فلم يثبت عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ولا عن أصحابه وخلفائه الراشدين ولا عن القرون المفضلة ولا عن الأئمة المعتبرين أنهم كانوا يقولون في بداية الصلاة أو غيرها من العبادات : نويت كذا وكذا، وإنما ينوون في قلوبهم، والنية محلها القلب، وليس محلها اللسان، والله جل وعلا يقول : { قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ سورة الحجرات : آية 16 ] .
فهذا من البدع التي لا يجوز عملها والاستمرار عليها، بل على المسلم أن ينوي بقلبه ويقصد بقلبه أداء العبادة التي شرعها الله بدون أن يتلفظ بذلك؛ لأن التلفظ بالنية من البدع المحدثة وما نسب إلى الشافعي رحمه الله أنه يرى هذا، فهذا لم يثبت عنه، وإنما الذي ثبت عنه أنه قال : ( إن الصلاة لابد من النطق في أولها ) ، ويريد بذلك تكبيرة الإحرام وليس معناه أنها تبدأ بالتلفظ بالنية .
ذكر معنى ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله (6).
158 ـ مسجد تقام فيه بدعة في كل أسبوع، هل تجوز الصلاة فيه ؟ وإذا أوقفت هذه البدعة هل تجوز الصلاة فيه ؟

(42/6)


أنت لم تذكر نوع هذه البدعة، ولكن على أي حال : البدع محرمة، ولا سيما عملها في المساجد التي هي بيوت الله سبحانه وتعالى، ومواطن العبادة لا يجوز أن تقام فيها البدع؛ لأن البدع ضد الشريعة وضد العبادة وهي من عمل الشياطين وأتباع الشياطين، فلا يجوز أن تعمل البدعة من المسلمين مطلقًا في أي مكان، ولا سيما في المساجد .
وهذا المسجد الذي تقام فيه بدع إذا كان بإمكانك أن تزيلها إذا حضرت وأن تمنعها فإنه يجب عليك ذلك، أن تذهب إلى هذا المسجد وتمنع البدع وتصلي فيه تقيم الصلاة فيه وتعمره بطاعة الله سبحانه وتعالى وبإحياء السنة وإماتة البدعة .
أمّا إذا كانت لا تقدر على إزالة هذه البدع والمنكرات من المسجد فعليك أن تلتمس مسجدًا آخر ليس فيه شيء من البدع وتصلي فيه .
159 ـ ما حكم الصلاة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جماعة جهرًا دبر كل صلاة ؟
الصلاة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ مشروعة لقوله تعالى : { إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [ سورة الأحزاب : آية 56 ] ، ولقوله صلى الله عليه وسلم : ( . . وحيثما كنتم فصلوا عليّ فإن صلاتكم تبلغني ) [ رواه الإمام أحمد في " مسنده " ( 2/367 ) ، ورواه أبو داود في " سننه " ( 2/225 ) بنحوه، كلاهما من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ] ، وقوله صلى الله عليه وسلم : ( من صلى عليّ واحدة صلى الله عليه عشرًا ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 1/306 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ] .
فالصلاة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ من أفضل الأعمال وهي مشروعة، وفيها أجر عظيم، ولكن تخصيصها بوقت من الأوقات أو بكيفية من الكيفيات لا يجوز إلا بدليل، فالصلاة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ جماعة بعد الفريضة بصوت جماعي كما يقول السائل هذا من البدع والمحدثات التي ما أنزل الله بها من سلطان .

(42/7)


أما أن يصلي المسلم على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بنفسه بدون ارتباط بالآخرين وبدون صوت جماعي فهذا من أفضل الأعمال، ولكن لا يلتزم هذا بعد كل صلاة؛ لأنه لم يرد، وإنما ورد الصلاة على النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في التشهد الأخير أما أن يلتزم دائمًا بعد السلام فهذا لا يجوز، لكن لو صلى عليه بعض الأحيان بدون ارتباط بجماعة وبدون كيفية خاصة كما ورد في السؤال فهذا لا بأس به .
160 ـ تعودت عائلتي بين فترة وأخرى وفي كل مناسبة أن تقيم احتفالاً في البيت لمولد النبي صلى الله عليه وسلم، ويتضمن دعوة شخص مؤمن لديه كتاب اسمه " أشرف الأنام " ويتضمن الكتاب مولد النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وسيرته بعد النبوة وقبلها وأبيات شعر في مدحه صلى الله عليه وسلم، وكذلك نقوم بذبح ذبيحة، ونعمل وجبة ندعو لها جيراننا وأقرباءنا متوخين من كل هذا أن يستمع المدعوون إلى السيرة النبوية وخصال النبي الكريم وفضائله ومعجزاته ليزداد إيمانهم بالواحد الأحد، وكذلك نرجو الأجر والثواب من جراء إطعامنا لهؤلاء الناس الذين من بينهم الفقير واليتيم وغيرهم، فهل هذا العمل صحيح أم لا ؟ علمًا أن هذا الشخص الذي يقرأ المولد يتقاضى أجرًا نقديًا منا، هل يجوز ذلك أم لا ؟
أولاً : عمل المولد النبوي بدعة لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولا عن الخلفاء الراشدين وصحابته الكرام، ولا عن القرون المفضلة أنهم كانوا يقيمون هذا المولد وهم أكثر الناس محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحرص الأمة على فعل الخير، ولكنهم كانوا لا يفعلون شيئًا من الطاعات إلا ما شرعه الله ورسوله عملاً بقوله تعالى : { وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا } [ سورة الحشر : آية 7 ] ، فلما لم يفعلوا إقامة هذا المولد عُلِم أن ذلك بدعة .

(42/8)


وإنما حدثت إقامة المولد والاحتفال به بعد مضي القرون المفضلة وبعد القرن السادس من الهجرة وهو من تقليد النصارى؛ لأن النصارى يحتفلون بمولد المسيح عليه السلام، فقلدهم جهلة المسلمين ويقال : إن أول من أحدث ذلك الفاطميون يريدون من ذلك إفساد دين المسلمين واستبداله بالبدع والخرافات .
الحاصل أن إقامة المولد النبوي من البدع المحرمة التي لم يرد بها دليل من كتاب الله ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ( وشر الأمور محدثاتها، وكل بدعة ضلالة ) [ رواه النسائي في " سننه " ( 3/188، 189 ) ، ورواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 2/592 ) ، كلاهما من حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما ] ، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يقول في الحديث : ( من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 8/156 ) ] ، وفي رواية : ( من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد ) [ رواها الإمام البخاري في " صحيحه " ( 3/167 ) من حديث عائشة رضي الله عنها ] ، فهذا من الإحداث في الدين ما ليس منه فهو بدعة وضلالة، وأما قراءة السيرة النبوية للاستفادة منها فهذا يمكن في جميع أيام السنة كلها لا بأس أن نقرأ سيرة الرسول وأن نقررها في مداسنا ونتدارسها وأن نحفظها لقوله تعالى : { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } [ سورة الأحزاب : آية 21 ] ، ولكن ليس في يوم المولد خاصة وإنما نقرأها في أي يوم من أيام السنة كلها حسب ما يتيسر لنا، ولا نتقيد بيوم معين، وكذلك إطعام المساكين والأيتام، فالإطعام أصله مشروع، ولكن تقييده بهذا اليوم بدعة، فنحن نطعم المساكين ونتصدق على المحتاجين في أي يوم وفي أي فرصة سنحت، وأما الذي يقرأ المولد ويأخذ أجرة، فأخذه للأجرة محرم؛ لأن عمله الذي قام به محرم، فأخذه الأجرة عليه محرم أضف إلى ذلك أن هذه القصائد، وهذه المدائح لا تخلو من الشرك ومن أمور محرمة مثل قول صاحب البردة :

(42/9)


يا أكرم الخلق ما لي من ألوذ به ** سواك عند حلوك الحادث العمم
إن لم تكن في معادي آخذًا بيدي ** وإلا يا زلت القدم
فإن من جودك الدنيا وضرتها ** ومن علومك علم اللوح والقلم
وأشباه هذه القصيدة الشركية مما يقرأ في الموالد .
161 ـ ما حكم الشرع في نظركم بالاحتفال بعيد الأم وأعياد الميلاد وهل هي بدعة حسنة أم بدعة سيئة ؟
الاحتفال بالمواليد سواء مواليد الأنبياء أو مواليد العلماء أو مواليد الملوك والرؤساء كل هذا من البدع التي ما أنزل الله تعالى بها من سلطان وأعظم مولود هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولم يثبت عنه ولا عن خلفائه الراشدين ولا عن صحابته ولا عن التابعين لهم ولا عن القرون المفضلة أنهم أقاموا احتفالاً بمناسبة مولده صلى الله عليه وسلم، وإنما هذا من البدع المحدثة التي حدثت بعد القرون المفضلة على يد بعض الجهال، الذين قلدوا النصارى باحتفالهم بمولد المسيح عليه السلام، والنصارى قد ابتدعوا هذا المولد وغيره في دينهم، فالمسيح عليه السلام لم يشرع لهم الاحتفال بمولده وإنما هم ابتدعوه فقلدهم بعض السلمين بعد مضي القرون المفضلة .
فاحتفلوا بمولد محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ كما يحتفل النصارى بمولد المسيح، وكلا الفريقين مبتدع وضال في هذا؛ لأن الأنبياء لم يشرعوا لأممهم الاحتفال بموالدهم، وإنما شرعوا لهم الاقتداء بهم وطاعتهم واتباعهم فيما شرع الله سبحانه وتعالى، هذا هو المشروع .
أما هذه الاحتفالات بالمواليد فهذه كلها من إضاعة الوقت، ومن إضاعة المال، ومن إحياء البدع، وصرف الناس عن السنن، والله المستعان .
162 ـ في حالة تأخر نزول الأمطار يقوم بعض الناس بذبح الذبائح للاستسقاء فما حكم هذا العمل ؟ وهل يجوز الأكل من هذه الذبائح أم لا ؟

(42/10)


لا يجوز هذا العمل خصوصًا إذا كان ذبح هذه الذبائح للأموات أو للجن أو ما أشبه ذلك فإنها ذبائح شركية؛ لأنها لغير الله عز وجل، والله تعالى يقول : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ } [ سورة المائدة : آية 3 ] إلى قوله تعالى : { وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } [ سورة المائدة : آية 3 ] والذبح لغير الله شرك، لأنه عبادة والعبادة يجب إفراد الله تعالى بها، قال تعالى : { فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ } [ سورة الكوثر : آية 2 ] ، وقال تعالى : { قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [ سورة الأنعام : آية 162 ] ، والنسك هو الذبح، والاستسقاء الذي ورد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ هو صلاة الاستسقاء والخطبة والدعاء بعدها على المنبر، وكذلك الدعاء في خطبة الجمعة يدعو الإمام في خطبة الجمعة بأن يغيث الله المسلمين، وكذلك يدعو أحيانًا من غير صلاة ولا خطبة، فالاستسقاء ورد عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على صفات متعددة، أما الذبح للاستسقاء فليس له أصل في الشريعة .

(42/11)


13 ـ التصوير
163 ـ من المعلوم أن تصوير ذوات الأرواح لا يجوز، فما رأي الإسلام في تصوير الأشياء التي بغير روح كالأشجار والأحجار ؟
لا بأس بتصوير ما لا روح فيه من الأشجار والمباني والبحار والأنهار وغير ذلك كما نص على ذلك كثير من أهل العلم، لأن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال : ( من صور صورة في الدنيا كلف يوم القيامة أن ينفخ فيها الروح وليس بنافخ ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 7/67 ) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما ] ، فدلّ على أن النهي عن التصوير مختص بذوات الأرواح، وقد ذهب بعض العلماء إلى تحريم التصوير مطلقًا ما فيه روح وما ليس فيه روح لقوله صلى الله عليه وسلم : ( فليخلقوا حبة ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 7/65 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ] ، والراجح الرأي الأول، لقول ابن عباس رضي الله عنهما : ( إن أبيت إلا أن تصنع فعليك بهذا الشجر كل شيء ليس فيه روح ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 3/40، 41 ) من حديث ابن عباس رضي الله عنهما وهو جزء من حديث أوله عن سعيد بن أبي الحسن قال : كنت عند ابن عباس رضي الله عنهما إذ أتاه رجل فقال : يا ابن عباس ] .
164 ـ ما حكم الصلاة في بيت فيه صور ومجلات ؟ أفيدونا بارك الله فيكم ؟
معلوم من دين الإسلام تحريم الصور، وتحريم التصوير، وتحريم اقتناء الصور، لما جاء في ذلك من النهي الشديد في أحاديث متعددة صحيحة (1) عن النبي صلى الله عليه وسلم، وما في ذلك من الوعيد الشديد الذي يدل على أن التصوير من كبائر الذنوب، وأنه محرم شديد التحريم لما يجر إليه من محاذير خطيرة منها ما يلي :
أولاً : فيه مضاهاة لخلق الله عز وجل، وادعاء المشاركة لله في خلقه الذي اختص به، فإنه هو الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى .

(43/1)


ثانيًا : أن التصوير وسيلة من وسائل الشرك، فأول ما حدث الشرك في الأرض كان بسبب التصوير، لما صور قوم نوح رجالاً صالحين ماتوا في عام واحد، فتأسفوا عليهم، فجاء الشيطان إليهم وألقى إليهم أن يصوروا تصاويرهم وينصبوها على مجالسهم حتى يتذكروا بها العبادة، ففعلوا ذلك، ولما مات هذا الجيل جاء الشيطان إلى من بعدهم، وقال : إن آباءكم ما نصبوا هذه الصور إلا ليسقوا بها المطر وليعبدوها، فعبدوها من دون الله عز وجل (2) ، ومن ثم حدث الشرك في الأرض بسبب التصوير .
وكذلك قوم إبراهيم كانوا يعبدون التماثيل، كما قال تعالى حكاية عن إبراهيم أنه قال لقومه : { مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ، قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ } [ سورة الأنبياء : الآيتين 52، 53 ] .
وكذلك اليهود عبدوا صورة العجل الذي صنعه لهم السامري : { فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ } [ سورة طه : آية 88 ] .
وكذلك كان المشركون من العرب يستعملون الصور في دينهم، حتى إن الصور وضعت في الكعبة المشرفة إلى أن جاء النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ فأزالها .
ففتنة التصوير وفتنة التماثيل فتنة قديمة، وهي فتنة خطيرة .

(43/2)


ثالثًا : ومن محاذير التصوير أنه ربما يكون سببًا في فساد الأخلاق، وذلك إذا صورت الفتيات الجميلات والنساء العاريات في المجلات والصحف، أو صورت للذكريات أو ما أشبه ذلك، فإن هذا يجر إلى الافتتان بتلك الصور، وبالتالي يوقع في القلب المرض والشهوة، ولهذا اتخذ المفسدون التصوير مطية ووسيلة لإفساد الأخلاق بتصوير النساء الجميلات الفاتنات على المجلات وعلى غيرها وفي الأفلام وغيرها من أنواع الصور التي تعرض للفتنة، فلا يجوز للمسلم أن يقتني الصور في بيته، وألا يحتفظ إلا بالصور الضرورية التي يحتاجها الإنسان، كصورة حفيظة النفوس، وجواز السفر، وإثبات الشخصية، فهذه أصبحت ضرورية وهي لا تتخذ من باب محبة التصوير، وإنما تتخذ للضرورة والحاجة، أما ما عدا ذلك من الصور فلا يجوز الاحتفاظ به لا للذكريات ولا للاطلاع عليها وما أشبه ذلك، فيجب على الإنسان أن يتلف الصور، وأن يخلي بيته منها مهما أمكنه ذلك، وإذا كان في منزل صور معلقة على الحيطان أو منصوبة سواء كانت تماثيل أو كانت رسومًا على أوراق من صور ذوات الأرواح كالبهائم والطيور والآدميين، وكذلك كل ما فيه روح فإنه يجب إزالته، فقد غضب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ حينما رأى سترًا وضعته عائشة رضي الله عنها على الجدار وفيه تصاوير، فغضب الرسول ـ صلى الله عليه وسلم ـ وأبى أن يدخل البيت التي هي فيه حتى هُتكت وحُولت (3)، فدل هذا على أن التصاوير لا يجوز الاحتفاظ بها ونصبها أو إلصاقها على الجدران، أو وضعها في براويز، أو الاحتفاظ بها في صناديق للذكريات، كل هذا من الفتنة ومن المحرمات .

(43/3)


14 ـ من الألفاظ المنهي عنها
165 ـ بعض الناس يتشدد كثيرًا في مسائل العقيدة ويدقق في عبارات المتحدثين والكتاب بحجة الخوف من الوقوع فيما ينافي التوحيد أو كماله، فإلى أي مدى يصح هذا الموقف ؟
لا شك أن المحافظة على العقيدة وتجنب الألفاظ التي تخل بها أمر واجب ولا يعتبر ذلك تشددًا، بل يعتبر أمرًا محمودًا؛ لأنه قد ورد النهي عن ألفاظ معينة كالحلف بغير الله، وعن قول : ما شاء الله وشئت، ولولا الله وأنت، واستبدال ذلك بالحلف بالله وحده، وبقول : ما شاء الله وحده، أو ما شاء الله، ثم شئت، ولولا الله، ثم أنت، أما المنع من الألفاظ التي لم يرد النهي عنها فهذا تشدد لا يجوز، ومن منع منها فهو جاهل لا يعتد بقوله .
والمرجع في ذلك إلى الكتاب والسنة وسؤال أهل العلم وتعلم أحكام العقيدة الصحيحة ومعرفة ما يخل بها، وهذا فرض عين على كل مسلم؛ لأن العقيدة هي الأساس، قال تعالى : { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } [ سورة محمد : آية 19 ] ، فأمر بتعلم معنى : لا إله إلا الله قبل القول والعمل .
166 ـ استلمت فتاة جائزة لحفظها جزء عم، وذهبت إلى مجموعة من الزميلات فقالت إحداهن لها : أأسلمت ؟ فقالت لهن الفتاة : أسلمت رياء وسأرتد، فما حكم مثل هذا القول ؟ وماذا يكون عليها بالرغم من أنها قالت هذا الكلام مازحة ؟ علمًا أنها طالبة في المرحلة الثانوية ؟

(44/1)


هذا كلام خطير لا يجوز التلفظ به، ولو كان الإنسان مازحًا، لأن هذا لا يجوز المزح به، وعلى من قالت أن تتوب إلى الله، وتستغفره، ولا تعود لمثل هذا الكلام القبيح، فقد جاء في الحديث : ( إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين ما فيها يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 4/2290 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ] ، والله سبحانه لم يعذر المنافقين لما تكلموا بكلام اللغو وقالوا : { إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } [ سورة التوبة : آية 65 ] .
167 ـ هل يجوز للمسلم أن ينسب الخير إلى نفسه دون أن ينسبه إلى الله أولاً مثل أن يقول : حصلت على هذا المال بجهدي وتعبي، ونلت هذا المقام بذكائي وقدرتي . . إلخ ؟
لا يجوز للمسلم أن ينسب حصوله على شيء من الخير إلى نفسه؛ لأن ذلك جحود نعمة الله عليه وكفر بها، واغترار بحوله وقوته، وهذا مما يسبب إمساكه عن الإنفاق في سبيل الله، ومساعدة المحتاجين من الفقراء والمساكين .
فقد قال قارون مثل هذه المقالة، فخسف الله به وبداره الأرض لما قال : { أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي } الآية [ سورة القصص : آية 78 ] ، قيل معناه : حصلت عليه بمعرفتي بوجوه المكاسب، وقيل : على علم من الله أنني أستحقه، وقال الله تعالى منكرًا على من نسب حصول مطلوب إلى حوله وقوته أو منزلته عند لله : { وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي } [ سورة فصلت : آية 50 ] .
قال مجاهد : يقول : بعملي وأنا محقوق به (1)، والواجب على المسلم أن يشكر الله على نعمه، والشكر له ثلاثة أركان :
الأول : التحدث بالنعم ظاهرًا .
الثاني : الاعتراف بها باطنًا .
الثالث : صرفها في طاعة مسديها وموليها، والله أعلم .
168 ـ بعض الناس يقولون : اللهم لا تفتنا إلا في طاعتك، فهل هذا قول صواب ؟ أو قول : اللهم لا تبتلنا إلا في طاعتك ؟

(44/2)


الواجب تجنب هذا اللفظ، لأن الفتنة والابتداء لا يكونان في الطاعة، وإنما يكونان في الأمور التي قد تشغل عن الطاعة كالأموال والأولاد والمصائب والنعم، قال تعالى : { وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً } [ سورة الأنبياء : آية 35 ] ، والمراد بالخير هنا النعم، وقال تعالى : { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ } [ سورة التغابن : آية 15 ] ، وقال تعالى : { وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ } [ سورة البقرة : آية 155 ] ، أما الطاعة فإنها ليست فتنة، وإنما هي خير محض، فالمشروع أن يدعو الله بالسلامة من شر الفتن وشر الابتلاء والامتحان، ويسأله الصبر عند البلاء، والشكر عند الرضاء والتوفيق للطاعة، والعمل الصالح . . والله أعلم .
169 ـ ما حكم قول الشخص لشخص آخر : ( في ذمتي ) ليكون تصديقًا له، وهل يعتبر حلفًا بغير الله . . وقد يكون مقصد القائل أي : على ذمتي إذا كان هذا كذبًا ؟
حروف القسم ثلاثة وهي : الواو، والباء، والتاء، وأما ( في ) ، فليست من حروف القسم، ولكن إذا قال : ( في ذمتي ) فهذا يشبه القسم لأنه قد يكون القائل عاميًّا لا يعرف حروف القسم، والعبرة بالمقاصد، فترك هذا اللفظ أحوط .
170 ـ سمعنا البعض يقول : إنه لا يجوز قول : الله أعلم، أو الله العالم، ولكن يجب أن يقول : الله عالم، فما صحة ذلك ؟
هذا القول الذي ذكرت أيها السائل لا أصل له، بل هو باطل .
والصواب أن يقال : الله أعلم، والله العالم، والله عالم، كلها جمل صحيحة يوصف بها الرب سبحانه .
فهو سبحانه العالم بكل شيء، وهو العليم بكل شيء، وهو عالم بأحوال الخلائق كلها، وهو أعلم من خلقه بكل شيء، كما قال سبحنه : { أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ } [ سورة الأنعام : آية 53 ] .

(44/3)


وقال تعالى : { إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ سورة العنكبوت : آية 62 ] ، وقال سبحانه : { عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ } [ سورة الأنعام : آية 73 ] .
والآيات في هذا المعنى كثيرة .
171 ـ ما الحكم في قوله : ما عندي ولا شعرة الله ؟ وما الحكم في وضع الشعر وجمعه فوق الرأس على هيئة ( كعكع ) ؟ فقد استمعنا أنه يكره وضعه في الصلاة ؟
هذا اللفظ لا ينبغي التلفظ به، وإن كان المقصود به إضافة المخلوق إلى خالقه، لأن المخلوق يضاف إلى خالقه على وجه التشريف والتكريم لذلك المخلوق المضاف مثل : ناقة الله، وبيت الله، وعبد الله، وليس ما ذكر في السؤال من ذلك، وإن كانت الشعرة من خلق الله تعالى .
ولا يجوز جمع شعر رأس المرأة فوق رأسها حتى يكون له جرم بارز كأنه رأس آخر؛ لأنه يخشى أن يكون ذلك داخلاً في وصف النساء اللاتي أخبر النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنهن من أهل النار، ووصفهن بأن رءوسهن كأسنمة البخت المائلة (2) ، والبخت : جمع بخاتي وهي الإبل لها سنامان، ولا يجوز فعل هذا في شعر المرأة في الصلاة وغيرها .
172 ـ ما حكم القول للشيء : ليته لم يحصل ؟ أو ليته حصل كذا وكذا ؟
قول : ليته حصل كذا أو لم يحصل، إن كان القصد منه الندم على فوات فعل الخير، فلا بأس به، لأنه يحمل على الاستدراك لفعل الخير في المستقبل، والنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ قال لأصحابه : ( لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي معي حتى أشتريه، ثم أحل كما حلوا ) (3) ، أو كما قال عليه الصلاة والسلام .

(44/4)


أما إن كان القصد من الندم على الفائت الجزع من القدر وعدم الرضا عما قدر الله، فهو لا يجوز، وقد حث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على فعل الأسباب النافعة، ونهى عن الإهمال والكسل، ثم بعد فعل الأسباب إذا فات المقصود، فقد نهى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن قول : ( لو أني فعلت كذا وكذا لكان كذا وكذا ) ، وأمر المسلم أني يقول : ( قدر الله وما شاء فعل ) [ رواه الإمام مسلم في " صحيحه " ( 4/2052 ) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه ] .

(44/5)


15 ـ في المنهج والدعوة
1 ـ فضل العلم وطلبه .
2 ـ الدعوة إلى الله .
3 ـ الجماعات .
4 ـ الأمة .
5 ـ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر .
6 ـ معاملة :
الكفار - المبتدعة - العصاة .
1 ـ فضل العلم وطلبه
173 ـ قال تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [ سورة فاطر : آية 28 ] من هم هؤلاء العلماء ؟ وما هي الشروط ليكون الإنسان عالمًا ؟
يقول الله سبحانه وتعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [ سورة فاطر : آية 28 ] ، أخبر الله سبحانه وتعالى خبرًا مؤكدًا ومحصورًا أن هؤلاء أهل خشية الله سبحانه وتعالى، فالذين يخشون الله على الحقيقة ويخافون هم أهل العلم، وذلك لمعرفتهم بالله تعالى، ومن كان بالله أعرف كان منه أخوف .
والمراد بالعلماء هنا علماء الشريعة الذين هم ورثة الأنبياء، فإن هؤلاء هم العلماء الذين يعرفون شرع الله سبحانه وتعالى، ويعرفون عظمة الله سبحانه وتعالى بما أعطاهم الله من العلم الذي جاء به رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مبلغًا عن الله .
وليس المراد بالعلماء ما يفهمه بعض الناس أنهم أهل الاختراع وأهل الصناعات والاطلاع على أسرار الكون، هؤلاء وإن كانوا علماء في مهنتهم، لكن عملهم إضافي يخصص بتخصصاتهم، فيقال : عالم طبيعة، عالم كيميائي، عالم هندسة .
أما إذا أطلق لفظ العلماء فإنه ينصرف إلى علماء الشريعة الذين هم ورثة الأنبياء؛ وعلماء الاختراع والصناعات الغالب أنهم جهال بعلم الشرع الذي يبين عظمة الله سبحانه وتعالى وجلاله، ومعرفة أسمائه وصفاته وأحكامه الشرعية .

(45/1)


وإن كان في الاطلاع على آيات الله دلالة على عظمة الله لكنها لا توصل إلى أحكام الله وتشريعاته سبحانه وتعالى التي يعرف بها العبد كيف يعبد ربه ويتقي ربه عز وجل ويعرف الحلال والحرام، هذا من اختصاص علماء الشريعة، وهذا العلم هو الذي يولد الخشية من الله؛ لأنه جمع بين علم اللسان وعلم القلب؛ لأن العلم على نوعين : علم اللسان، وهذا حجة على الإنسان فقط، وعلم القلب وهذا الذي يورث خشية الله تعالى، وهو العلم الشرعي الذي عمل به صاحبه وأخلص عمله لله عز وجل، والعلم الشرعي يزيد صاحبه تواضعًا وذلاً لله عز وجل .
وأما علم الاختراع والصناعة فالغالب أنه يزيد صاحبه تكبرًا وعزًّا وإعجابًا كما عليه الدول الصناعية اليوم كالشيوعية وغيرها .
174 ـ ما معنى قوله تعالى : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [ سورة فاطر : آية 28 ] ؟ وهل معنى هذا أن غير العلماء لا يخشون الله ؟ وأي العلماء المقصودون في الآية ؟
يقول الله سبحانه وتعالى لما ذكر آياته الكونية في المخلوقات وتنوع ألوانها قال : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [ سورة فاطر : آية 28 ] .
والمراد بالعلماء هنا أهل العلم الشرعي الموروث عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي يُعرِّف بالله سبحانه وتعالى وبآياته وقدرته ونعمته على عباده، فأهل العلم بالله هم الذين يخشونه حق خشيته، وهذه من جملة الآيات التي فيها مدح العلماء والثناء عليهم؛ لأنهم هم الذين يخشون الله سبحانه وتعالى حق خشيته إذا كانوا يعلمون بعلمهم ويؤدون حقه عليهم بخلاف علماء الضلال فإنهم ليسوا كذلك، كعلماء اليهود المنحرفين، ومن نحا نحوهم من علماء الضلال .

(45/2)


إنما المراد هنا العلماء العاملون بعلمهم، فإن الله سبحانه وتعالى أخبر أنهم أهل خشيته، كما أنه ذكر شهادتهم مع شهادته لقوله تعالى : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ } [ سورة آل عمران : آية 18 ] ، وقال تعالى : { قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ } [ سورة الزمر : آية 19 ] ، والنصوص في هذا كثيرة، هذه الآية من جملتها .
وأما غير أهل العلم الشرعي فمنهم من يخشى الله على قدر معرفته بالله سبحانه وتعالى .
لكن أكثر الناس خشية الله وأعظمهم خشية لله هم أهل العلم الشرعي النبوي .
175 ـ بعدما ذكرت أهمية طلب العلم والتفرغ له فهل معنى ذلك أن طالب العلم ينقطع عن الناس وعن مجالات الخير الأخرى، أرجو بيان ذلك لأهمية ذلك الإشكال ؟
يجب أن يعطى العلم ما يكفيه من الوقت والجهد . بحيث يعطيه وقتًا كافيًا، وما زاد عن ذلك يصرفه في الأمور الأخرى كالالتقاء بالناس للمصلحة، ودعوة الناس إلى الخير وأموره وأعماله الأخرى، لكن بالدرجة الأولى يجعل القسم الأكبر من وقته لطلب العلم .
176 ـ هل العلماء المسلمون كعلماء الطب والعلوم والأحياء وغير ذلك من العلوم مما تدلهم على زيادة الإيمان بالله وقدرته، فهل هؤلاء يدخلون تحت الآية : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [ سورة فاطر : آية 28 ] أم لا ؟
عالم الطب وعالم الكيمياء وعالم الاختراع . . إذا كان معه علم من الشريعة فإن هذا يزيده خيرًا بلا شك، وهذا جمع بين المصلحتين : العلم الشرعي، والعلم الذي ينفع به مجتمعه .
أما إذا كان عنده العلوم الدنيوية فقط فهذا لا يستفيد منها إلا المادة، ولا تفيده خشية الله عز وجل، بل ربما تفيده غفلة عن الله، فالعلم الدنيوي لابد أن يوجه بالعلم الشرعي ليستفاد منه، وإلا أصبح ضررًا .

(45/3)


177 ـ ما هي أهم الدروس التي يبدأ بها طالب العلم ؟ وبماذا تنصحه ؟ وماذا تقول لمن يتعلل بالدراسة حينما نريد أن نصحبه إلى حضور الدروس والمحاضرات ؟
أولاً : طالب العلم في هذه البلاد يجب عليه أن ينضم إلى أحد المعاهد العلمية التابعة لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، فإن فيها المقررات الطيبة المرتبة على حسب درجات طلبة العلم شيئًا فشيئًا، السنة الأولى، ثم الثانية، ثم الثالثة، ثم الرابعة .
وهكذا، وكل سنة فيها مقررات تختلف عن مقررات السنة السابقة بالتدرج، وهي مقررات اختارها علماؤنا وأساتذتنا الذين أحسنوا في تأسيس هذه المعاهد واختيار المناهج المقررة لها .
فأوصي طالب العلم أن ينضم إلى أحد هذه المعاهد مهما أمكن ذلك، ثم يلتحق بعدها بالكليات الجامعية مثل كلية الشريعة، وكلية أصول الدين، وكلية الحديث وعلومه، وكلية اللغة العربية وهكذا، وبإمكان طالب العلم الذي لم يلتحق بهذه المعاهد وهذه الكليات أن يجد مجالاً له في دروس العلماء الذين يُدرِّسون في المساجد، وهي والحمد لله كثيرة، وهذه الدروس شاملة لجميع العلوم الشرعية .
وأوصي طالب العلم بأن يلازم هذه الدروس سواء في الكليات أو في الدروس التي تلقى في المساجد، فلا يكفي منه أن يحضر في أسبوع ويتغيب في أسابيع أو يحضر شهرًا ويتغيب شهورًا، فإن هذا لا يستفيد شيئًا؛ لأنه إذا فاته شيء من العلم يبقى فراغًا في ذاكرته ومعلوماته ويفوته خير كثير، فالشأن في الملازمة والإقبال والحرص .
178 ـ ما الأفضل لطالب العلم : التفرغ له تفرغًا كاملاً، ثم بعد ذلك يتفرغ لنشره بين الناس ويدعو من حوله من جيرانه وأهل حيه ؟ أو يطلب العلم في شهر، ثم ينقطع عن العلم بحجة الدعوة إلى الله ويفوته من العلم بقدر ما تركه ؟

(45/4)


الأفضل مواصلة طلب العلم حتى تتكون عنده حصيلة علمية وأصول يبني عليه، أما ابتداء طلب العلم، ثم الانقطاع عنه فهذا يخل بالتحصيل ويشوش الفكر، ولا يجوز له أن يدعو إلى الله إلا بعد التأهيل العلمي، وكذلك لا يشتغل بالتدريس إلا بعد أن يتم تحصيله ويتكامل علمه؛ لأن فاقد الشيء لا يعطيه . . وفي الحكمة المشهورة : ( من ضيع الأصول حرم الوصول ) .
179 ـ ما الأفضل لطالب العلم : البدء بتفسير القرآن الكريم أو حفظ المتون من الحديث والفقه وأصولهما ؟
الطريقة الصحيحة لطالب العلم المبتدئ : حفظ المتون وقراءتها على العلماء لتلقي شرحها وتوضيحها منهم، وأن يتدرج في طلب العلم شيئًا فشيئًا بحيث يبدأ بالمختصرات، ثم المتوسطات، ثم المطولات من الكتب، مع ملازمة الجلوس إلى العلماء في حلقات التدريس أو في فصول الدراسة، فالعلم يؤخذ بالتلقي وليس بالمطالعة وحدها . . والله أعلم .
180 ـ نلاحظ حاليًا انتشار الجامعات والكليات والمعاهد الشرعية وغيرها، ومع انتشارها هذا إلا أنها لم تستطع تخريج علماء مثل أولئك الذين كانوا يتخرجون في السابق من حلقات العلم في المساجد سواء كانت هذه القدرة من ناحية العلم أو الفقه . . أو القدرة على الحوار والمناقشة . . فما هي الأسباب في ذلك ؟
لا شك أن مستوى العلم في الوقت الحاضر يقل عن مستواه في الوقت السابق، ونحن لا نعمم هذا على جميع الناس بأن مستواهم العلمي ضعيف؛ لأنه يوجد ـ والحمد لله ـ أناس ممتازون في علمهم وعملهم .
أما شغف الدراسة في الوقت الحاضر فأرى أن هذا لا يرجع إلى الدراسة حيث إن الدراسة حاليًا هي على نمط الدراسة في الوقت الماضي غالبًا، فالمقررات هي نفس المقررات، لكن في نظري أن الدراسة ليست هي كل شيء، فالدراسة ما هي إلا مفتاح ومدخل إلى العلم، والعلماء فيما سبق حياتهم كلها دراسة لا يقتصرون على ما أخذوه في الحلقات، بل كانوا يواصلون المطالعة والمذاكرة .

(45/5)


والمعروف أن العلم ينمو مع المذاكرة والدراسة، عكس ما هو قائم حاليًا، فكثير من الدارسين نالوا مراتب عليا وتقديرات مرتفعة، لكنهم في الغالب انتهت علاقتهم بالكتاب والعلم بنهاية الدراسة .
فبهذا الأسلوب تموت المعلومات، لأن العلم كالغرس إذا تعهدته نما وأثمر، وإن تركته فمصيره الموت والفناء، أما من ناحية العمل : فالعلماء السابقون كانوا في الغالب العلماء العاملين والمخلصين لله تعالى يخشونه عز وجل، وهذه الصفة ربما تكون قد قلَّت في وقتنا هذا، فقليل من المتعلمين ـ وإن كنا لا نسيء الظن بكل الناس ـ غير عاملين بعلمهم ولا يزكي العلم إلا العمل، والله تعالى يقول : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [ سورة فاطر : آية 28 ] ، فالعلماء هم أهل خشية الله، وقال بعض السلف : إن العلم قسمان : علم على اللسان وهذا حجة الله على عباده، وعلم على القلب وهذا هو العلم الصحيح، العلم الذي ينمي خشية الله عز وجل، وقد استدلوا بهذه الآية : { إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } [ سورة فاطر : آية 28 ] .
181 ـ لقد ظهر بين طلاب العلم اختلاف في تعريف المبتدع . . فقال بعضهم : هو من قال أو فعل البدعة، ولو لم تقع عليه الحجة، ومنهم من قال لابد من إقامة الحجة عليه، ومنهم من فرَّق بين العالم المجتهد وغيره من الذين أصلوا أصولهم المخالفة لمنهج أهل السنة والجماعة، وظهر من بعض هذه الأقوال تبديع ابن حجر والنووي، وعدم الترحم عليهم . . نطلب من فضيلتكم تجلية هذه المسألة التي كثر الخوض فيها . . جزاكم الله خيرًا ؟
أولاً : لا ينبغي للطلبة المبتدئين وغيرهم من العامة أن يشتغلوا بالتبديع والتفسيق؛ لأن ذلك أمر خطير وهم ليس عندهم علم ودراية في هذا الموضوع، وأيضًا هذا يحدث العداوة والبغضاء بينهم، فالواجب عليهم الاشتغال بطلب العلم وكف ألسنتهم عما لا فائدة فيه، بل فيه مضرة عليهم وعلى غيرهم .

(45/6)


ثانيًا : البدعة : ما أحدث في الدين مما ليس منه لقوله صلى الله عليه وسلم : ( من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد ) [ رواه الإمام البخاري في " صحيحه " ( 3/167 ) من حديث عائشة رضي الله عنها ] ، وإذا فعل الشيء المخالف جاهلاً فإنه يعذر بجهله ولا يحكم عليه بأنه مبتدع، لكن ما عمله يعتبر بدعة .
ثالثًا : من كان عنده أخطاء اجتهادية تأوَّل فيها غيره كابن حجر والنووي، وما قد يقع منهما من تأويل بعض الصفات لا يحكم عليه بأنه مبتدع، ولكن يُقال : هذا الذي حصل منهما خطأ ويرجى لهما المغفرة بما قدماه من خدمة عظيمة لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهما إمامان جليلان موثوقان عند أهل العلم .
182 ـ أنا متخرج من كلية الشريعة، وأعمل موظفًا، ولكني أرغب في مواصلة طلب العلم وأخاف من الانقطاع عن الكتب والمذاكرة، فما هي الكتب التي ترون أن أواظب على مطالعتها في الأمور المهمة ؟
عليك بمطالعة الكتب التي تنمي معلوماتك التي درستها في كلية الشريعة مثل : كتب التفسير، وكتب العقيدة، وشروح الحديث، وكتب الفقه والأصول، وكتب النحو واللغة العربية، والكتب الثقافية العامة المفيدة .
تطالع من تلك الكتب ما تيسر لك وعلى الأخص " تفسير ابن كثير " ، وكتاب " التوحيد " للشيخ محمد بن عبد الوهاب وشروحه، وكتب شيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم، وكتاب " سبل السلام شرح بلوغ المرام " ، و " نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار " ، و " جامع العلوم والحكم شرح الأربعين حديثًا " ، و " شرح الزاد " ، و " كشاف القناع " في الفقه، وتكون القراءة بتفهم وعناية، والله الموفق .

(45/7)


وتحرص على العناية بحفظ المختصرات ومطالعة شروحها ثم الانتقال إلى المطولات بعد ذلك، واقرأ أيضًا في مجاميع الفتاوى مثل " الدرر السنية في الأجوبة النجدية " ، و " مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية " ، و " مجموع فتاوى الشيخ محمد بن إبراهيم " ، و " مجموع فتاوى الشيخ عبد الرحمن السعدي " ، و " مجموع فتاوى الشيخ عبد العزيز بن باز " .
183 ـ هل يجوز لي أن أتعلم الفقه عند من مذهبه شافعي ويقول : إنه افضل المذاهب ؟ وهل لابد من الالتزام بمذهب معين ؟
أما تعلم الفقه على من مذهبه الشافعي أو مذهبه حنبلي أو مالكي أو حنفي فلا مانع من ذلك، على أنك لست ملتزمًا أن تأخذ كل ما في المذهب من غير معرفة لدليله وسنده، فالتعلم لا بأس أن تتعلم المذهب وأحكامه، ولكنك في العمل والتطبيق تأخذ ما قام عليه الدليل إذا كنت تحسن معرفة الاستدلال، ولا يجوز لك أن تعمل بمسألة إلا إذا عرفت دليلها .
أما شق السؤال الثاني وهو هل يجوز الالتزام بمذهب معين ؟ فهذا فيه تفصيل، فبالنسبة للعامي والمبتدئ لابد أن يلتزم مذهبًا معينًا من مذاهب أهل السنة والجماعة؛ لأنه إن لم يفعل ذلك ضاع وضل، لأنه عامي لا يحسن أو متعلم مبتدئ لا يحسن، فهذا لابد له من التزام مذهب من المذاهب الأربعة التي هي من مذاهب أهل السُّنَّة والجماعة أو هي الباقية من مذاهب أهل السنة والجماعة، فإذا بلغ من العلم مرتبة تؤهله للتمييز بين الراجح والمرجوح والصحيح والضعيف من الأقوال فإنه يتعين عليه أن يأخذ من المسائل والأقوال في المذاهب وإقامة الدليل عليه أو ما ترجح بالدليل .
184 ـ ما تفضلتم بذكره حول الشخص القادر على التمييز بين القول المدعوم بدليل وغير المدعوم، معنى هذا أنه يجوز له أن يخلط بين المذاهب ما دام هناك دليل ؟

(45/8)


هو يتبع الدليل حتى ولو كانت هذه المسألة التي اختار القول بها لاستنادها لدليل لو كانت في مذهب آخر، نعم يجوز أن يأخذ مسألة من مذهب غير مذهبه إذا رأى أنها أصح دليلاً، بل يجب عليه، لأنه بذلك لا يتعصب لمذهب، وإنما يتبع الدليل سواء كان في مذهبه أو في مذهب آخر .
لا يجوز له اتباع الأسهل وما تمليه عليه النفس ترخصًا أو تشهيًا بسهولته هذا لا يجوز، لكن يجوز أن ينتقل من مذهب إلى مذهب في بعض المسائل لصحة الدليل وقيام الدليل، فهو مأمور باتباع الدليل لا باتباع المذهب، وإذا تبين له ذلك وكان ممن بلغ هذه المرتبة : مرتبة الاختيار والترجيح .
185 ـ ما هي الكتب الصحيحة بعد القرآن الكريم ؟
الكتب الصحيحة بعد القرآن الكريم - والحمد لله - كثيرة من أهملها وفي مقدمتها : " صحيح الإمام البخاري " رحمه الله، و " صحيح الإمام مسلم " ، وكذلك السنن الأربع " سنن أبي داود " ، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، فإن هذه الكتب الأربعة فيها الصحيح وفيها الضعيف وهو قليل، وقد بُيِّنت درجاتها، والحمد لله .
وهناك من كتب الحديث المتعلقة بالأحكام كتاب " المنتقى " للإمام المجد ابن تيمية، وقد جمع فيه من الأحاديث ما يتعلق بالأحكام الشرعية وبلغ مجلدين ضخمين، وهو يبين درجة الحديث ويوضحها للقارئ، حيث يكون على بصيرة من أمره، وكذلك الإمام ابن حجر رحمه الله ألّف كتابًا في أحاديث الأحكام اسمه " بلوغ المرام في أدلة الأحكام " ، وهو جزء لطيف، كذلك " العمدة " لضياء الدين المقدسي الحنبلي رحمه الله ألف كتاب الأحاديث المتفق عليها فيما يتعلق بالأحكام وسماه " عمدة الأحكام " .

(45/9)