صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم |
وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرفَقًا (16) وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (17)
{ وَإِذِ اعتزلتموهم } أي فارقتموهم في الاعتقاد أو أردتم الاعتزالَ الجُسمانيَّ { وَمَا يَعْبُدُونَ إَلاَّ الله } عطفٌ على الضمير المنصوبِ وما موصولةٌ أو مصدريةٌ ، أي إذِ اعتزلتموهم ومعبودِيهم إلا الله أو وعبادتَهم إلا عبادةَ الله وعلى التقديرين فالاستثناءُ متصلٌ على تقدير كونِهم مشركين كأهل مكةَ ، ومنقطعٌ على تقدير تمحضهم في عبادة الأوثان ، ويجوز كونُ ما نافيةً على أنه إخبارٌ من الله تعالى عن الفتية بالتوحيد معترضٌ بين إذْ وجوابِه { فَأْوُواْ } أي التجِئوا { إِلَى الكهف } قال الفراء : هو جوابُ إذ ، كما تقول : إذْ فعلتَ فافعل كذا ، وقيل : هو دليلٌ على جوابه أي إذ اعتزلتموهم اعتزالاً اعتقادياً فاعتزلوهم اعتزالاً جُسمانياً ، أو إذا أردتم اعتزالَهم فافعلوا ذلك بالالتجاء إلى الكهف { يَنْشُرْ لَكُمْ } يبسُطْ لكم ويوسِّعْ عليكم { رَبُّكُمْ } مالكُ أمرِكم { مّن رَّحْمَتِهِ } في الدارين { وَيُهَيّىء لَكُمْ } يسهلْ لكم { مّنْ أَمْرِكُمْ } الذي أنتم بصدده من الفرار بالدين { مّرْفَقًا } ما ترتفقون وتنتفعون به ، وقرىء بفتح الميم وكسر الفاء مصدراً كالمرِجع ، وتقديمُ لكم في الموضعين لما مر مراراً من الإيذان من أول الأمر بكون المؤخر من منافعهم والتشويقِ إلى وروده . (4/244)
{ وَتَرَى الشمس } بيانٌ لحالهم بعد ما أَوَوا إلى الكهف ، ولم يصرح به إيذاناً بعدم الحاجةِ إليه لظهور جرَيانِهم على موجب الأمرِ به لكونه صادراً عن رأي صائبٍ وتعويلاً على ما سلف من قوله سبحانه : { إِذْ أَوَى الفتية إِلَى الكهف } وما لحق من إضافة الكهفِ إليهم وكونِهم في فجوة منه ، والخطابُ للرسول عليه الصلاة والسلام أو لكل أحد ممن يصلُح للخطاب ، وليس المرادُ به الإخبارَ بوقوع الرؤيةِ تحقيقاً بل الإنباءُ بكون الكهفِ بحيث لو رأيته ترى الشمس { إِذَا طَلَعَت تَّزَاوَرُ } أي تتزاوَر وتتنحّى بحذف إحدى التاءين ، وقرىء بإدغام التاء في الزاي ، وتزورّ كتحمرّ ، وتزْوارّ كتحمار وتزوتر ، وكلها من الزَّوَر وهو الميل { عَن كَهْفِهِمْ } الذي أووا إليه فالإفاضة لأدنى ملابسة { ذَاتَ اليمين } أي جهةَ ذاتِ يمين الكهفِ عند توجه الداخلِ إلى قعره أي جانبه الذي يلي المغرِبَ فلا يقع عليهم شعاعُها فيؤذيهم { وَإِذَا غَرَبَت } أي تراها عند غروبها { تَّقْرِضُهُمْ } أي تقطَعهم من القطيعة والصَّرْم ولا تقربهم { ذَاتَ الشمال } أي جهةَ ذاتِ شمال الكهف أي جانبه الذي يلي المشرِق ، وكان ذلك بتصريف الله سبحانه على منهاج خرقِ العادةِ كرامةً لهم ، وقوله تعالى : { وَهُمْ فِى فَجْوَةٍ مّنْهُ } جملةٌ حالية مبينةٌ لكون ذلك أمراً بديعاً أي تراها تميل عنهم يميناً وشمالاً ولا تحوم حولهم مع أنهم في متّسع من الكهف معرَّضٍ لإصابتها لولا أن صرفتْها عنهم يدُ التقدير .
{ ذلك } أي ما صنع الله بهم من تزاوُر الشمسِ وقَرْضِها حالتي الطلوعِ والغروب مع كونهم في موقع شعاعِها { مِنْ آيات الله } العجيبةِ الدالةِ على كمال علمِه وقدرتِه وحقية التوحيدِ وكرامةِ أهله عنده سبحانه وتعالى .
وهذا قبل أن سد دقيانوسُ بابَ الكهف شمالياً مستقبلَ بناتِ نْعشٍ ، وأقربُ المشارقِ والمغاربِ إلى محاذاته رأسُ مشرِق السرَطان ومغربِه ، والشمسُ إذا كان مدارُها مدارَه تطلُع مائلةً عنه مقابلةً لجانبه الأيمنِ وهو الذي يلي المغربَ ، وتغرُب محاذيةً لجانبه الأيسرِ فيقع شعاعُها على جنبيه وتحلّل عفونتَه وتعدّل هواءه ولا يقع عليهم فيؤذي أجسادَهم ويُبْلي ثيابَهم ، ولعل ميلَ الباب إلى جانب الغرب كان أكثر ولذلك أوقع التزاورَ على كهفهم والقرضَ على أنفسهم ، فذلك حينئذ إشارةٌ إلى إيوائهم إلى كهف هذا شأنُه ، وأما جعلُه إشارةً إلى حفظ الله سبحانه إياهم في ذلك الكهفِ تلك المدةَ الطويلةَ أو إلى إطلاعه سبحانه لرسوله صلى الله عليه وسلم على أخبارهم فلا يساعده إيرادُه في تضاعيف القصة { مَن يَهْدِ الله } إلى الحق بالتوفيق له { فَهُوَ المهتد } الذي أصاب الفلاحَ ، والمرادُ إما الثناءُ عليهم والشهادةُ لهم بإصابة المطلوبِ والإخبارُ بتحقيق ما أمّلوه من نشر الرحمةِ وتهيئةِ المرافق ، أو التنبيهُ على أن أمثالَ هذه الآيةِ كثيرةٌ ولكن المنتفعَ بها من وفقه الله تعالى للاستبصار بها { وَمَن يُضْلِلِ } أي يخلق فيه الضلالَ لصرف اختيارِه إليه { فَلَن تَجِدَ لَهُ } أبداً وإن بالغتَ في التتبع والاستقصاء { وَلِيّاً } ناصراً { مُّرْشِدًا } يهديه إلى ما ذكر من الفلاح لاستحالة وجودِه في نفسه ، لا لأنك لا تجده مع وجوده أو إمكانه . (4/245)
وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا (18)
{ وَتَحْسَبُهُمْ } بفتح السين وقرىء بكسرها أيضاً ، والخطابُ فيه كما سبق { أَيْقَاظًا } جمع يَقظ بكسر القاف وفتحها وهو اليقظانُ ، ومدارُ الحسبانِ انفتاحُ عيونِهم على هيئة الناظرِ ، وقيل : كثرةُ تقلّبهم ، ولا يلائمه قوله تعالى : { وَنُقَلّبُهُمْ } { وَهُمْ رُقُودٌ } أي نيام ، وهو تقريرٌ لما لم يُذْكَر فيما سلف اعتماداً على ذكره السابقِ من الضرب على آذانهم { وَنُقَلّبُهُمْ } في رقدتهم { ذَاتَ اليمين } نصبٌ على الظرفية أي جهةً تلي أَيمانهم { وَذَاتَ الشمال } أي جهةً تلي شمالَهم كيلا تأكلَ الأرضُ ما يليها من أبدانهم . قال ابن عباس رضي الله عنهما : لو لم يقلّبوا لأكلتْهم الأرضُ ، قيل : لهم تقليبتان في السنة . وقيل : تقليبةٌ واحدةٌ يوم عاشوراءَ ، وقيل : في كل تسع سنين ، وقرىء يقلبهم على الإسناد إلى ضمير الجلالة ، وتقَلُّبَهم على المصدر منصوباً بمضمر ينبىء عنه وتحسبهم أي وترى تقلّبَهم { وَكَلْبُهُمْ } قيل : هو كلبٌ مروا به فتبعهم فطردوه مراراً فلم يرجِع فأنطقه الله تعالى فقال : لا تخشَوا جانبي فإني أحب أحباءَ الله تعالى فناموا حتى أحرُسَكم ، وقيل : هو كلبُ راعٍ قد تبعهم على دينهم ويؤيده قراءة كالبُهم إذ الظاهرُ لحوقُه بهم ، وقيل : هو كلبُ صيد أحدِهم أو زرعِه أو غنمِه ، واختلف في لونه فقيل : كان أنمرَ ، وقيل : أصفرَ ، وقيل : أصهبَ ، وقيل : غير ذلك ، وقيل : كان اسمُه قطمير ، وقيل : ريان ، وقيل : تتوه ، وقيل : قطمور ، وقيل : ثور . قال خالدُ بنُ مَعْدان : ليس في الجنة من الدواب إلا كلبُ أصحابِ الكهف وحمارُ بلعم ، وقيل : لم يكن ذلك من جنس الكلاب بل كان أسداً { باسط ذِرَاعَيْهِ } حكايةُ حالٍ ماضية ولذلك أُعمل اسمُ الفاعل وعند الكسائي ، وهشام ، وأبي جعفر ، من البصريين يجوز إعمالُه مطلقاً ، والذراعُ من المرفق إلى رأس الأُصبَعِ الوسطى { بالوصيد } أي بموضع الباب من الكهف { لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ } أي لو عاينتَهم وشاهدتَهم ، وأصلُ الاطّلاع الإشرافُ على الشيء بالمعاينة والمشاهدة ، وقرىء بضم الواو . (4/246)
{ لَوْلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا } هرباً مما شاهدتَ منهم ، وهو إما نصبٌ على المصدرية من معنى ما قبله إذ التوليةُ والفِرارُ من واد واحدٍ وإما على الحالية بجعل المصدرِ بمعنى الفاعل أي فارًّا ، أو بجعل الفاعلِ مصدراً مبالغة كما في قوله
فإنما هيَ إقبالٌ وإدبارُ ... وإما على أنه مفعولٌ له { وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا } وقرىء بضم العين أي خوفاً يملأ الصدرَ ويُرعِبه ، وهو إما مفعولٌ ثانٍ أو تمييز ، ذلك لما ألبسهم الله عز وجل من الهيبة والهيئةِ كانت أعينُهم مفتّحةً كالمستيقظ الذي يريد أن يتكلم ، وقيل : لطول أظفارِهم وشعورِهم ولا يساعده قولُهم : { لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } وقوله : { وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا } فإن الظاهرَ من ذلك عدمُ اختلافِ أحوالِهم في أنفسهم ، وقيل : لعِظم أجرامِهم ، ولعل تأخيرَ هذا عن ذكر التوليةِ للإيذان باستقلال كلَ منهما في الترتب على الاطلاع ، إذ لو رُوعيَ ترتيبُ الوجودِ لتبادر إلى الفهم ترتبُ المجموعِ من حيث هو عليه وللإشعار بعدم زوالِ الرعبِ بالفرار كما هو المعتادُ .
وعن معاوية ( لما غزا الروم فمرّ بالكهف ، قال : لو كشفتَ لنا عن هؤلاء فنظرنا إليهم ، فقال له ابن عباس رضي الله عنهما : ليس لك ذلك قد منع الله تعالى من هو خيرٌ منك حيث قال : { لَوِ اطلعت عَلَيْهِمْ } الآية ، قال معاوية : لا أنتهي حتى أعلمَ علمَهم ، فبعث ناساً وقال لهم : اذهبوا فانظُروا ، ففعلوا فلما دخلوا الكهفَ بعث الله تعالى ريحاً فأحرقتْهم ) . وقرىء بتشديد اللام على التكثير وبإبدال الهمزةِ ياءً مع التخفيف والتشديد . (4/247)
وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا (19)
{ وكذلك بعثناهم } أي كما أنمناهم وحفِظنا أجسادَهم من البِلى والتحلّل آيةً دالةً على كمال قدرتِنا بعثناهم من النوم { لِيَتَسَاءلُوا بَيْنَهُمْ } أي ليسأل بعضُهم بعضاً فيترتب عليه ما فُصّل من الحِكَم البالغةِ ، وجعلُه غايةً للبعث المعلّل فيما سبق بالاختبار من حيث إنه من أحكامه المترتبةِ عليه والاقتصارُ على ذكره لاستتباعه لسائر آثارِه { قَالَ } استئنافٌ لبيان تساؤلِهم { قَائِلٌ مّنْهُمْ } هو رئيسُهم واسمُه مكسلمينا { كَمْ لَبِثْتُمْ } في منامكم ، لعله قاله لِما رأى من مخالفة حالِهم لما هو المعتادُ في الجملة { قَالُواْ } أي بعضُهم { لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ } قيل : إنما قالوه لأنهم دخلوا الكهفَ غُدوةً وكان انتباهُهم آخرَ النهار ، فقالوا : لبثنا يوماً ، فلما رأَوا أن الشمسَ لم تغرُبْ بعْدُ ، قالوا : أو بعضَ يوم ، وكان ذلك بناءً على الظن الغالب فلم يُعْزوا إلى الكذب { قَالُواْ } أي بعضٌ آخرُ منهم بما سنح لهم من الأدلة أو بإلهام من الله سبحانه { رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ } أي أنتم لا تعلمون مدة لبثِكم وإنما يعلمها الله سبحانه ، وهذا ردٌّ منهم على الأولين بأجملِ ما يكون من مراعاة حسنِ الأدب وبه يتحقق التحزبُ إلى الحزبين المعهودين فيما سبق ، وقد قيل : القائلون جميعُهم ولكن في حالتين ، ولا يساعده النظمُ الكريم فإن الاستئنافَ في الحكاية والخطابَ في المحكيّ يقضي بأن الكلامَ جارٍ على منهاج المحاورةِ والمجاوبةِ ، وإلا لقيل : ثم قالوا : ربنا أعلمُ بما لبثنا . (4/248)
{ فابعثوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هذه إلى المدينة } قالوه إعراضاً عن التعمق في البحث وإقبالاً على ما يُهمّهم بحسب الحالِ كما ينبىء عنه الفاءُ والورِقُ الفضةُ مضروبةً أو غيرَ مضروبة ، ووصفُها باسم الإشارةِ يُشعر بأن القائلَ ناولها بعضَ أصحابه ليشتريَ بها قوتَ يومِهم ذلك ، وقرىء بسكون الراء وبإدغام القافِ في الكاف وبكسر الواو وبسكون الراء مع الإدغام ، وحملُهم لها دليلٌ على أن التزودَ لا ينافي التوكلَ على الله تعالى { فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا } أي أهلِها { أزكى } أحلُّ وأطيبُ أو أكثرُ وأرخصُ { طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مّنْهُ } أي من ذلك الأزكى طعاماً { وَلْيَتَلَطَّفْ } وليتكلّف اللُّطفَ في المعاملة كيلا يُغبَنَ أو في الاستخفاء لئلا يُعرَف { وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا } من أهل المدينةِ فإنه يستدعي شيوعَ أخبارِكم أي لا يفعلنّ ما يؤدّي إلى ذلك ، فالنهيُ على الأول تأسيسٌ وعلى الثاني تأكيدٌ للأمر بالتلطف .
إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (20) وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (21)
{ إِنَّهُمْ } تعليلٌ لما سبق من الأمر والنهي أي لِيبالِغْ في التلطف وعدمِ الإشعار لأنهم { إِن يَظْهَرُواْ عَلَيْكُمْ } أي يطّلعوا عليكم أو يظفَروا بكم ، والضميرُ للأهل المقدّر في أيُّها { يَرْجُمُوكُمْ } إن ثبتُّم على ما أنتم عليه . (4/249)
{ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِى مِلَّتِهِمْ } أي يصيِّروكم إليها ويُدخلوكم فيها كُرهاً ، من العَوْد بمعنى الصيْرورة كقوله تعالى : { أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا } وقيل : كانوا أولاً على دينهم ، وإيثارُ كلمةِ في بدل إلى للدِلالة على الاستقرار الذي هو أشدُّ شيءٍ عندهم كراهةً ، وتقديمُ احتمال الإعادةِ لأن الظاهرَ من حالهم هو الثباتُ على الدين المؤدي إليه ، وضميرُ الخطاب في المواضع الأربعةِ للمبالغة في حمل المبعوثِ على الاستخفاء وحثِّ الباقين على الاهتمام بالتوصية ، فإن إمحاضَ النُّصحِ أدخلُ في القَبول واهتمامُ الإنسان بشأن نفسِه أكثرُ وأوفر { وَلَن تُفْلِحُواْ إِذًا } أي إن دخلتم فيها ولو بالكرُه والإلجاء لن تفوزوا بخير { أَبَدًا } لا في الدنيا ولا الآخرة ، وفيه من التشديد في التحذير ما لا يخفى .
{ وكذلك } أي وكما أَنَمناهم وبعثناهم لما مرّ من ازديادهم في مراتب اليقينِ { أَعْثَرْنَا } أي أطلعْنا الناسَ { عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُواْ } أي الذين أعثرناهم عليهم بما عاينوا من أحوالهم العجيبة { إِنَّ وَعْدَ الله } أي وعدَه بالبعث أو موعودَه الذي هو البعثُ أو أن كلَّ وعدِه أوكُلَّ موعودِه فيدخُل فيه وعدُه بالبعث أو مبعثُ الموعودِ دخولاً أولياً { حَقّ } صادقٌ لا خُلْف فيه أو ثابتٌ لا مردَّ له لأن نومَهم وانتباهَهم كحال من يموت ثم يُبعث { وَأَنَّ الساعة } أي القيامةَ التي هي عبارةٌ عن وقت بعثِ الخلائقِ جميعاً للحساب والجزاء { لاَ رَيْبَ فِيهَا } لا شك في قيامها فإن من شاهد أنه جل وعلا توفى نفوسَهم وأمسكها ثلاثُمائة سنة وأكثرَ حافظاً أبدانَها من التحلل والتفتّت ثم أرسلها إليها لا يبقى له شائبةُ شك في أن وعدَه تعالى حقٌّ وأنه يبعث مَنْ في القبور فيرد إليهم أرواحَهم فيحاسبهم ويجزيهم بحسب أعمالِهم { إِذْ يتنازعون } ظرف لقوله : أعثرنا قُدّم عليه الغايةُ إظهاراً لكمال العنايةِ بذكرها ، لا لقوله : ليعلموا كما قيل لدِلالته على أن التنازعَ يحدُث بعد الإعثار وليس كذلك أي أعثرناهم عليهم حين يتنازعون { بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ } ليرتفع الخلافُ ويتبينَ الحقُّ ، قيل : المتنازعُ فيه أمرُ دينهم حيث كانوا مختلفين في البعث فمِن مُقِرّ له وجاحدٍ به وقائلٍ يقول ببعث الأرواحِ دون الأجساد وآخرَ يقول ببعثهما معاً . قيل : كان ملكُ المدينة حينئذ رجلاً صالحاً مؤمناً وقد اختلف أهلُ مملكته في البعث حسبما فُصّل فدخل الملكُ بيتَه وأغلق بابه ولبس مِسْحاً وجلس على رماد وسأل ربه أن يظهر الحقَّ فألقى الله عز وجل في نفس رجل من رعيانهم فهدَم ما سد به دقيانوسُ بابَ الكهف ليتخذه حظيرةً لغنمه فعند ذلك بعثهم الله تعالى فجرى بينهم من التقاول ما جرى .
روي أن المبعوثَ لما دخل المدينة أخرج الدرهمَ ليشتريَ به الطعامَ وكان على ضرب دقيانوس ، فاتهموه بأنه وجد كنزاً فذهبوا به إلى الملكِ فقصّ عليه القِصة ، فقال بعضُهم : إن آباءَنا أخبرونا بأن فتيةً فرّوا بدينهم من دقيانوس فلعلهم هؤلاءِ ، فانطلق الملكُ وأهلُ المدينة من مسلم وكافر وأبصروهم وكلّموهم ثم قالت الفتيةُ للملك : نستودعك الله ونعيذك به من شر الإنسِ والجنّ ثم رجعوا إلى مضاجعهم فماتوا ، فألقى الملكُ عليهم ثيابَه وجعل لكل منهم تابوتاً من ذهب ، فرآهم في المنام كارهين الذهب فجعلها من الساج وبنى على باب الكهف مسجداً ، وقيل : لما انتهَوْا إلى الكهف قال لهم الفتى : مكانَكم حتى أدخُل أولاً لئلا يفزَعوا ، فدخل فعمِيَ عليهم المدخلُ فبنَوا ثمةَ مسجداً . وقيل : المتنازعَ فيه أمرُ الفتية قبل بعثهم أي أعثرنا عليهم حين يتذاكرون بينهم أمرَهم وما جرى بينهم وبين دقيانوسَ من الأحوال والأهوالِ ويتلقَّوْن ذلك من الأساطير وأفواهِ الرجال ، وعلى التقديرين فالفاء في قوله عز وجل : { فَقَالُواْ } فصيحةٌ أي أعثرناهم عليهم فرَأَوا فماتوا فقالوا أي قال بعضهم : { ابنوا عَلَيْهِمْ } أي على باب كهفِهم { بنيانا } لئلا يتطرقَ إليهم الناسُ ضنًّا بتربتهم ومحافظةً عليها وقوله تعالى : { رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ } من كلام المتنازِعين كأنهم لما رأَوا عدم اهتدائِهم إلى حقيقة حالِهم من حيث النسبُ ومن حيث اللُّبثُ في الكهف قالوا ذلك تفويضاً للأمر إلى علاّم الغيوب ، أو من كلام الله تعالى ردًّا لقول الخائضين في حديثهم من أولئك المتنازِعين ، وقيل : هو أمرُهم وتدبيرُهم عند وفاتِهم أو شأنُهم في الموت والنومِ حيث اختلفوا في أنهم ماتوا أو ناموا كما في أول مرةٍ فإذْ حينئذ متعلق بقوله تعالى : { قَالَ الذين غَلَبُواْ على أَمْرِهِمْ } وهم الملِكُ والمسلمون { لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِدًا } وقوله تعالى : { فَقَالُواْ } معطوفٌ على يتنازعون ، وإيثارُ صيغةِ الماضي للدِلالة على أن هذا القولَ ليس مما يستمر ويتجدد كالتنازُع ، وقيل : متعلقٌ باذكر مضمَراً ، وأما تعلقُه بأعثرنا فيأباه أن إعثارِهم ليس في زمان تنازُعِهم فيما ذكر بل قبلَه ، وجعلُ وقتِ التنازع ممتداً يقع في بعضه الإعثارُ وفي بعضه التنازعُ تعسفٌ لا يخفى مع أنه لا مخصَّصَ لإضافته إلى التنازُع وهو مؤخرٌ في الوقوع . (4/250)
سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا (22)
{ سَيَقُولُونَ } الضميرُ في الأفعال الثلاثة للخائضين في قصتهم في عهد النبيِّ عليه الصلاة والسلام من أهل الكتابِ والمسلمين لكن لا على وجه إسنادِ كلَ منها إلى كلهم بل إلى بعضهم { ثلاثة رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ } أي هم ثلاثةُ أشخاص رابعُهم أي جاعلُهم أربعةً بانضمامه إليهم كلبُهم ، قيل : قالته اليهودُ ، وقيل : قاله السيد من نصارى نَجرانَ وكان يعقوبياً ، وقرىء ثلاةٌ بإدغام الثاء في التاء { وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ } قيل : قالتْه النصارى أو العاقبُ منهم وكان نِسْطورياً { رَجْماً بالغيب } رمياً بالخبر الخفيِّ الذي لا مُطَّلَعَ عليه أو ظنًّا بالغيب من قولهم : رجَمَ بالظن إذا ظن ، وانتصابُه على الحالية من الضمير في الفعلين جميعاً أي راجمين أو على المصدرية منهما فإن الرجْمَ والقولَ واحد ، أو من محذوف مستأنَفٍ واقعٍ موقعَ الحال من الضمير في الفعلين معاً أي يرجُمون رجماً ، وعدم إيرادِ السينِ للاكتفاء بعطفه على ما فيه ذلك . (4/251)
{ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ } هو ما يقوله المسلمون بطريق التلقي من هذا الوحي وما فيه مما يرشدهم إلى ذلك من عدم نظمِه في سلك الرجْمِ بالغيب ، وتغييرُ سبكه بزيادة الواو المفيدةِ لزيادة وكادةِ النسبة فيما بين طرفيها لا بوحي آخرَ كما قيل { قُلْ } تحقيقاً للحق وردًّا على الأولين { رَّبّى أَعْلَمُ } أي أقوى علماً { بِعِدَّتِهِم } بعددهم { مَّا يَعْلَمُهُمْ } أي ما يعلم عِدّتهم أو ما يعلمهم فضلاً عن العلم بعِدتهم { إِلاَّ قَلِيلٌ } من الناس قد وفقهم الله تعالى للاستشهاد بتلك الشواهد . قال ابن عباس رضي الله عنهما : حين وقعت الواوُ انقطعت العِدّةُ وعليه مدارُ قوله رضي الله عنه : أنا من ذلك القليل ولو كان في ذلك وحيٌ آخرُ لما خفيَ عليه ولما احتاج إلى الاستشهاد بالواو ولكان المسلمون أسوةً له في العلم بذلك . وعن علي كرم الله وجهه أنهم سبعةُ نفرٍ أسماؤُهم : يمليخا ومكشليبنا ومشليبنا ، هؤلاء أصحابُ يمينِ الملكِ وكان عن يساره مرنوش ودبرنوش وشاذنوش وكان يستشير هؤلاء الستةَ في أمره ، والسابعُ الراعي الذي رافقهم حين هربوا من ملكهم دقيانوسَ واسمه كفيشيططيوش { فَلاَ تُمَارِ } الفاءُ لتفريع النهي على ما قبله أي إذ قد عرفتَ جهلَ أصحابِ القولين فلا تجادلهم { فِيهِمْ } في شأن الفتية { إِلاَّ مِرَآء ظاهرا } قدرَ ما تعرّض له الوحيُ من وصفهم بالرجم بالغيب وعدمِ العلم على الوجه الإجمالي وتفويضِ العلم إلى الله سبحانه من غير تصريحٍ بجهلهم وتفضيحٍ لهم فإنه يُخِلُّ بمكارم الأخلاق .
{ وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ } في شأنهم { مِنْهُمْ } من الخائضين { أَحَدًا } فإن فيما قُص عليك لمندوحةً عن ذلك مع أنه لا علمَ لهم بذلك .
وقال عطاء : إلا قليلٌ من أهل الكتابِ فالضمائرُ الثلاثة في الأفعال الثلاثةِ لهم وما ذكر من الشواهد لإرشاد المؤمنين إلى صحة القولِ الثالثِ وفيه محيصٌ عما في الأول من التكلف في جعل أحدِ الأقوالِ المحكية المنظومةِ في سِمْط واحدٍ ناشئاً عن الحكاية مع كون الأخيرين بخلافه ووضوحٌ في سبب حذف المفعولِ في لا تُمار ، والمعنى حينئذ : وإذ قد وقفتَ على أن كلَّهم ليسوا على خطأ في ذلك فلا تجادِلْهم إلا جدالاً ظاهراً نطَق به الوحيُ المبين من غير تجهيل لجميعهم فإن فيهم مُصيباً وإن قل ، والنهيُ عن الاستفتاء لدفع ما عسى يُتوهم من احتمال جوازِه أو احتمالِ وقوعِه بناءً على إصابة بعضهم ، فالمعنى لا ترجِعْ إليهم في شأن الفتيةِ ولا تصدّق القولَ الثالثَ من حيث صدورُه عنهم ، بل من حيث التلقّي من الوحي . (4/252)
وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (23)
{ وَلاَ تَقْولَنَّ لِشَىْء } أي لأجل شيءٍ تعزم عليه { إِنّى فَاعِلٌ ذلك } الشيءَ { غَداً } أي فيما يُستقبل من الزمان مطلقاً فيدخُل فيه الغدُ دخولاً أولياً ( فإنه نزل حين قالت اليهودُ لقريش : سلُوه عن الروح وعن أصحاب الكهفِ وذي القرنين ، فسألوه عليه الصلاة والسلام فقال : « ائتوني غداً أُخبرْكم » ولم يستثنِ فأبطأ عليه الوحيُ حتى شق عليه وكذّبته قريشٌ ) . وما قيل من أن المدلولَ بالعبارة هو الغدُ وما بعد ذلك مفهومٌ بطريق دِلالة النصِّ يرده أن ما بعده ليس بمعناه في مناط النهي ، فإن وسعةَ المجالِ دليلُ القدرة فليتأمل . (4/253)
إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِ رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا (24) وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِئَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (25)
{ إِلاَّ أَن يَشَاء الله } استثناءٌ مفرَّغ من النهي أي لا تقولن ذلك في حال من الأحوال إلا حالَ ملابستِه بمشيئته تعالى على الوجه المعتادِ وهو أن يقال : إن شاء الله أو في وقت من الأوقات إلا وقتَ أن يشاء الله أن تقوله لا مطلقاً بل مشيئةً إذن ، فإن النسيانَ أيضاً بمشيئته تعالى ، ولا مساغَ لتعليقه بفاعل لعدم سِدادِ استثناءِ اقترانِ المشيئة بالفعل ومنافاةِ استثناءِ اعتراضها النهي ، وقيل : الاستثناءُ جارٍ مَجرى التأبيدِ ، كأنه قيل : لا تقولنّه أبداً كقوله تعالى : { وَمَا يَكُونُ لَنَا أَن نَّعُودَ فِيهَا إِلا أَن يَشَاء الله } { واذكر رَّبَّكَ } بقولك : إن شاء الله متدارِكاً له { إِذَا نَسِيتَ } إذا فرَطَ منك نسيانٌ ثم ذكرتَه ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما : ولو بعد سنةٍ ما لم يحنَثْ ، ولذلك جوّز تأخيرُ الاستثناءِ ، وعامةُ الفقهاء على خلافه إذ لو صح ذلك لما تقرر إقرارٌ ولا طلاقٌ ولا عَتاقٌ ولم يُعلم صِدقٌ ولا كذِبٌ . قال القرطبيُّ : هذا في تدارُك التَّرْك والتخلف عن الإثم ، وأما الاستثناءُ مبالغةٌ في الحث عليه ، أو اذكر ربَّك وعقابَه إذا تركت بعضَ ما أمرك به ليبعثك ذلك على التدارُك ، أو اذكره إذا اعتراك النسيانُ ليذكِّرك المنسيَّ ، وقد حُمل على أداء الصلاةِ المنْسية عند ذكرِها { وَقُلْ عسى أَن يَهْدِيَنِى رَبّى } أي يوفقني { لاِقْرَبَ مِنْ هذا } أي لشيء أقربَ وأظهرَ من نبأ أصحابِ الكهفِ من الآيات والدلائل الدالةِ على نبوتي { رَشَدًا } أي إرشاداً للناس ودلالةً على ذلك ، وقد فعل عز وجل ذلك حيث آتاه من البينات ما هو أعظمُ من ذلك وأبينُ كقصص الأنبياءِ المتباعدِ أيامُهم والحوادثِ النازلة في الأعصار المستقبلةِ إلى قيام الساعةِ أو لأقربَ رشداً وأدنى خبراً من المنسيّ . (4/254)
{ وَلَبِثُواْ فِى كَهْفِهِمْ } أحياءً مضروباً على آذانهم { ثلاث مِئَةٍ سِنِينَ وازدادوا تِسْعًا } وهي جملةٌ مستأنَفةٌ مبيّنةٌ لما أُجمل فيما سلف وأُشير إلى عزة منالِه ، وقيل : إنه حكايةُ كلامِ أهلِ الكتابِ فإنهم اختلفوا في مدة لُبثِهم كما اختلفوا في عِدّتهم فقال بعضهم هكذا وبعضُهم ثلاثمائة .
وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال : عند أهلِ الكتابِ أنهم لبِثوا ثلاثَمائةِ سنةٍ شمسيةٍ والله تعالى ذكر السنةَ القمريةَ والتفاوتَ بينهما في كل مائة سنةٍ ثلاث سنين فيكون ثلاثَمائةٍ وتسعَ سنين ، وسنينَ عطفُ بيانٍ لثلاثمائة ، وقيل : بدلٌ وقرىء على الإضافة وضعاً للجمع موضعَ المفردِ ومما يحسّنه هاهنا أن علامةَ الجمعِ فيه جبرٌ لما حُذف في الواحد وأن الأصلَ في العدد إضافتُه إلى الجمع .
قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِع مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (26) وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (27) وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (28)
{ قُلِ الله أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُواْ } أي بالزمان الذي لبثوا فيه . { لَهُ غَيْبُ السموات والأرض } أي ما غاب فيهما وخفيَ من أحوال أهلِهما ، واللامُ للاختصاص العلميِّ دون التكوينيِّ فإنه غيرُ مختص بالغيب { أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ } دلّ بصيغة التعجبِ على أن شأنَ علمِه سبحانه بالمبصَرات والمسموعاتِ خارجٌ عما عليه إدراكُ المدرِكين لا يحجُبه شيءٌ ولا يحول دونه حائلٌ ولا يتفاوت بالنسبة إليه اللطيفُ والكثيفُ والصغيرُ والكبيرُ والخفيُّ والجليُّ ، والهاءُ ضميرُ الجلالة ، ومحلُّه الرفعُ على الفاعلية والباء مَزيدةٌ عند سيبويهِ وكان أصله أبصَرَ أي صار ذا بَصَر ، ثم نقل إلى صيغة الأمرِ للإنشاء فبرز الضميرُ لعدم لياقةِ الضيغة له أو لزيادة الباء كما في كفى به ، والنصبُ على المفعولية عند الأخفشِ والفاعلُ ضميرُ المأمورِ وهو كلُّ أحد ، والباءُ مزيدة إن كانت الهمزةُ للتعدية ، ومتعدّية إن كانت للصيرورة ، ولعل تقديمَ أمرِ إبصارِه تعالى لما أن الذي نحن بصدده من قبيل المبصَرات { مَّا لَهُم } لأهل السمواتِ والأرض { مِن دُونِهِ } تعالى { مِن وَلِىّ } يتولى أمورَهم وينصُرهم استقلالاً { وَلاَ يُشْرِكُ فِى حُكْمِهِ } في قضائه أو في علم الغيب { أَحَدًا } منهم ولا يُجعل له فيه مدخلاً وهو كما ترى أبلغُ في نفي الشريكِ من أن يقال : من ولي ولا شريكٍ ، وقرىء على صيغة نهي الحاضرِ على أن الخطابَ لكل أحدٍ . (4/255)
ولما دل انتظامُ القرآنِ الكريم لقصة أصحابِ الكهف من حيث إنهم بالنسبة إلى النبي صلى الله عليه وسلم من المغيبات على أنه وحيٌ معجزٌ أمره عليه السلام بالمداومة على دراسته فقال : { واتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِن كتاب رَبّكَ } ولا تسمَعْ لقولهم : ائتِ بقرآن غيرِ هذا أو بدِّلْه { لاَ مُبَدّلَ لكلماته } لا قادرَ على تبديله وتغييره غيرُه { وَلَن تَجِدَ } أبدَ الدهر وإن بالغتَ في الطلب { مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا } ملجأً تعدل إليه عند إلمام مُلِمّة .
{ واصبر نَفْسَكَ } احبِسها وثبِّتها مصاحِبةً { مَعَ الذين يَدْعُونَ رَبَّهُم بالغداة والعشى } أي دائبين على الدعاء في جميع الأوقاتِ ، وقيل : في طرفي النهار ، وقرىء بالغُدوة على أن إدخال اللام عليها وهي علمٌ في الأغلب على تأويل التنكيرِ بهم ، والمرادُ بهم فقراءُ المؤمنين مثلُ صُهيبٍ وعمارٍ وخبابٍ ونحوِهم رضي الله عنهم ، وقيل : أصحابُ الصُّفَّة وكانوا نحو سبعِمائة رجل ، قيل : إنه قال قومٌ من رؤساء الكفرة لرسول الله صلى الله عليه وسلم : نحِّ هؤلاء المواليَ الذين كأن ريحَهم ريحُ الضأن حتى نجالسَك كما قال قومُ نوحٍ عليه السلام : { أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الأرذلون } فنزلت . والتعبيرُ عنهم بالموصول لتعليل الأمر بما في حيز الصلة من الخَصلة الداعيةِ إلى إدامة الصحبة { يُرِيدُونَ } بدعائهم ذلك { وَجْهَهُ } حالٌ من المستكنِّ في يدْعون أي مريدين لرضاه تعالى وطاعته .
{ وَلاَ تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ } أي لا يجاوِزْهم نظرُك إلى غيرهم ، مِن عدَاه أي جاوزه ، واستعمالُه بعن لتضمينه معنى النبوِّ أو لا تصرِفْ عيناك النظرَ عنهم إلى غيرهم ، من عدَوتُه عن الأمر أي صرفتُه عنه على أن المفعولَ محذوفٌ لظهوره ، وقرىء ولا تُعْدِ عينيك من الإعداء والتعدية ، والمرادُ نهيُه عليه السلام عن الازدراء بهم لرثاثة زِيِّهم طموحاً إلى زِيّ الأغنياء { تُرِيدُ زِينَةَ الحياة الدنيا } أي تطلب مجالسةَ الأشراف والأغنياءِ وأصحابِ الدنيا ، وهي حالٌ من الكاف على الوجه الأولِ من القراءة المشهورة ومن الفاعل على الوجه الثاني منها ، وضمير تريد للعينين وإسنادُ الإرادةِ إليه مجازٌ وتوحيدُه للتلازم كما في قوله (4/256)
لمن زُحْلوفةٌ زُل ... بها العينان تنهلُّ
ومن المستكنّ في الفعل على القراءتين الأخيرتين { وَلاَ تُطِعِ } في تنحية الفقراءِ عن مجالسك { مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ } أي جعلناه غافلاً لبطلان استعدادِه للذكر بالمرة أو وجدناه غافلاً ، كقولك : أجبَنْتُه وأبخلتُه إذا وجدتُه كذلك أو هو مِنْ أَغفلَ إبِلَه أي لم نسمِّه بالذكر { عَن ذِكْرِنَا } كأولئك الذين يدعونك إلى طرد الفقراءِ عن مجلسك فإنهم غافلون عن ذكرنا على خلاف ما عليه المؤمنون من الدعاء في مجامع الأوقاتِ ، وفيه تنبيهٌ على أن الباعثَ له على ذلك الدعاءِ غفلةُ قلبه عن جناب الله سبحانه وجهته وانهماكُه في الحسيات حتى خفيَ عليه أن الشرفَ بحِلْية النفس لا بزينة الجسد ، وقرىء أغفلَنا قلبُه ، على إسناد الفعل إلى القلب أي حسِبَنا غافلين عن ذكرنا إياه بالمؤاخذة ، من أغفلتُه إذا وجدتُه غافلاً { واتبع هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } ضيَاعاً وهلاكاً أو متقدماً للحق والصواب نابذاً له وراءَ ظهره ، من قولهم : فرسٌ فرُطٌ أي متقدِّمٌ للخيل أو هو بمعنى الإفراط والتفريطِ فإن الغفلةَ عن ذكره سبحانه تؤدّي إلى اتباع الهوى المؤدِّي إلى التجاوز والتباعُدِ عن الحق والصواب ، والتعبيرُ عنهم بالموصول للإيذان بعلية ما في حيز الصلة للنهي عن الإطاعة .
وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (29)
{ وَقُلْ } لأولئك الغافلين المتبعين هواهم { الحق مِن رَّبّكُمْ } أي ما أوحيَ إليَّ الحقُّ لا غيرُ كائناً من ربكم أو الحقُّ المعهودُ من جهة ربكم لا من جهتي حتى يُتصور فيه التبديلُ أو يُمكنَ الترددُ في اتباعه وقوله تعالى : { فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ } إما من تمام القولِ المأمورِ به والفاءُ لترتيب ما بعدها على ما قبلها بطريق التهديد لا لتفريعه عليه كما في قوله تعالى : { هذا عَطَاؤُنَا فامنن أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } وقوله تعالى : { الحق مِن رَّبّكَ فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } أي عَقيبَ تحقق أن ما أوحي إليَّ حقٌّ لا ريب فيه وأن ذلك الحقَّ من جهة ربكم فمن شاء أن يؤمنَ كسائر المؤمنين ولا يتعللَ بما لا يكاد يصلُح للتعلل ومن شاء أن يكفرَ به فليفعلْ ، وفيه من التهديد وإظهارِ الاستغناءِ عن متابعتهم وعدمِ المبالاةِ بهم وبإيمانهم وجوداً وعدماً ما لا يخفى ، وإما تهديدٌ من جهة الله تعالى والفاء لترتيب ما بعدها من التهديد على الأمر لا على مضمون المأمورِ به ، والمعنى قل لهم ذلك ، وبعد ذلك من شاء أن يؤمن به أو أن يصدِّقَك فيه فليؤمن ومن شاء أن يكفُر به أو يكذِّبَك فيه فليفعل ، فقوله تعالى : { إِنَّا أَعْتَدْنَا } وعيدٌ شديدٌ وتأكيدٌ للتهديد وتعليلٌ لما يفيده من الزجر عن الكفر أو لما يُفْهم من ظاهر التخييرِ من عدم المبالاةِ بكفرهم وقلةِ الاهتمامِ بزجرهم عنه ، فإن إعدادَ جزائِه من دواعي الإملاءِ والأمهالِ ، وعلى الوجه الأول هو تعليلٌ للأمر بما ذكر من التخيير التهديديِّ أي قل لهم ذلك إنا أعتدنا { للظالمين } أي هيأنا للكافرين بالحق بعد ما جاء من الله سبحانه ، والتعبيرُ عنهم بالظالمين للتنبيه على أن مشيئةَ الكفر واختيارَه تجاوزٌ عن الحد ووضعٌ للشيء في غير موضعه { نَارًا } عظيمةً عجيبة { أَحَاطَ بِهِمْ } أي يحيط بهم ، وإيثارُ صيغةِ الماضي للدِلالة على التحقق { سُرَادِقُهَا } أي فُسطاسُها شُبّه به ما يحيط بهم من النار ، وقيل : السرادِقُ الحجرةُ التي تكون حول الفُسطاطِ ، وقيل : سرادِقُها دُخانُها ، وقيل : حائط من نار { وَإِن يَسْتَغِيثُواْ } من العطش { يُغَاثُواْ بِمَاء كالمهل } كالحديد المذاب ، وقيل : كدُرْدِيِّ الزيت وهو على طريقة قوله : فاعتُبوا بالصَّيْلم { يَشْوِى الوجوه } إذا قدم ليُشرَب انشوى الوجهُ لحرارته . عن النبي عليه الصلاة والسلام : « هو كعَكَر الزيت فإذا قُرب إليه سقطت فروةُ وجهه » { بِئْسَ الشراب } ذلك { وَسَاءتْ } النار { مُرْتَفَقًا } متكأً ، وأصل الارتفاقِ نصبُ المِرْفقِ تحت الخد وأنى ذلك في النار ، وإنما هو بمقابلة قوله تعالى : { حَسُنَتْ مُرْتَفَقًا . } (4/257)
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (30) أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (31)
{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ } في محل التعليلِ للحث على الإيمان المنفهِم من التخيير ، كأنه قيل : وللذين آمنوا ، ولعل تغييرَ سبكه للإيذان بكمال تنافي مآليْ الفريقين أي إن الذين آمنوا بالحق الذي أوحيَ إليك { وَعَمِلُواْ الصالحات } حسبما بين في تضاعيفه { إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلاً } خبرُ إن الأولى هي الثانيةُ مع ما في حيزها والراجعُ محذوفٌ أي من أحسنَ منهم عملاً أو مستغنًى عنه كما في قولك : نعم الرجلُ زيدٌ أو واقعٌ موقعَه الظاهرَ فإن من أحسن عملاً في الحقيقة هو الذي آمن وعمِل الصالحات . (4/258)
{ أولئك } المنعوتون بالنعوت الجليلة { لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الأنهار } استئنافٌ لبيان الأجر ، أو هو الخبرُ وما بينهما اعتراضٌ أو هو خبرٌ بعد خبر { يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ } من الأولى ابتدائيةٌ والثانيةُ صفةٌ لأساور والتنكيرُ للتفخيم وهو جمعُ أَسوِرة أو إسْوار جمع سِوار { وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا } خُصت الخُضرة بثيابهم لأنها أحسنُ الألوان وأكثرُها طراوة { مِن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ } أي مما رقّ من الديباج وغلُظ ، جمعَ بين النوعين للدِلالة على أن فيها ما تشتهي الأنفسُ وتلَذّ الأعين { مُّتَّكِئِينَ فِيهَا على الأرائك } على السرُر على ما هو شأن المتنعمين { نِعْمَ الثواب } ذلك { وَحَسُنَتْ } أي الأرائك { مُرْتَفَقًا } أي متكأ .
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا (32) كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آَتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا (33) وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (34)
{ واضرب لَهُم } أي للفريقين الكافر والمؤمن { مَثَلاً رَّجُلَيْنِ } مفعولان لاضربْ أولُهما ثانيهما لأنه المحتاجُ إلى التفصيل والبيان أي اضرب للكافرين والمؤمنين لا من حيث أحوالُهما المستفادةُ مما ذكر آنفاً من أن للأولين في الآخرة كذا بل من حيث عصيانُ الأولين مع تقلبهم في نعم الله تعالى وطاعةِ الآخرين مع مكابدتهم مشاقَّ الفقر مثلاً حالَ رجلين مقدرَين أو محققَين هما أخوان من بني إسرائيلَ أو شريكان : كافرٌ اسمُه قطروس ومؤمنٌ اسمه يهوذا اقتسما ثمانيةَ آلافِ دينار فاشترى الكافرُ بنصيبه ضِياعاً وعَقاراً وصرف المؤمن نصيبه إلى وجوه المبارِّ فآل أمرُهما إلى ما حكاه الله تعالى ، وقيل : هما أخوان من بني مخزومٍ كافرٌ هو الأسودُ بن عبد اللَّه بن عبد الأسد زوجُ أم سلمة رضي الله عنها أولاً { جَعَلْنَا لاِحَدِهِمَا } وهو الكافر { جَنَّتَيْنِ } بساتين { مّنْ أعناب } من كروم متنوعة والجملة بتمامها بيانٌ للتمثيل أو صفةٌ لرجلين { وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ } أي جعلنا النخل محيطةً بهما مؤزَّراً بها كرومُهما ، يقال : حفّه القومُ إذا طافوا به وحففتُه بهم جعلتُهم حافّين حوله فيزيده الباء مفعولاً آخر كقولك : غشَّيتُه به { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا } وسطهما { زَرْعًا } ليكون كلٌّ منهما جامعاً للأقوات والفواكهِ متواصلَ العِمارة على الهيئة الرائقةِ والوضعِ الأنيق . (4/259)
{ كِلْتَا الجنتين اتَتْ أُكُلَهَا } ثمرَها وبلغت مبلغاً صالحاً للأكل ، وقرىء بسكون الكاف ، وقرىء كلُّ الجنتين آتى أكُلَه { وَلَمْ تَظْلِمِ مّنْهُ } لم تنقُص من أُكُلها { شَيْئاً } كما يعهد ذلك في سائر البساتينِ فإن الثمارَ غالباً تكثُر في عام وتقِلُّ في آخر ، وكذا بعضُ الأشجارِ يأتي بالثمر في بعض الأعوامِ دون بعض { وَفَجَّرْنَا خلالهما } فيما بين كلَ من الجنتين { نَهَراً } على حِدَة ليدوم شربُهما ويزيد بهاؤهما ، وقرىء بالتخفيف ولعل تأخير ذكر تفجيرِ النهر عن ذكر إيتاءِ الأكلِ مع أن الترتيب الخارجيَّ على العكس للإيذان باستقلال كلَ من إيتاء الأكل وتفجيرِ النهر في تكميل محاسنِ الجنتين كما في قصة البقرة ونحوها ، ولو عُكس لانفهم أن المجموعَ خَصلةٌ واحدة بعضُها مترتبٌ على بعض فإن إيتاءَ الأكلِ متفرِّعٌ على السقْي عادةً ، وفيه إيماءٌ إلى أن إيتاء الأكلِ لا يتوقف على السقى كقوله تعالى : { يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِىء وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } { وَكَانَ لَهُ } لصاحب الجنتين { ثَمَرٌ } أنواعٌ من المال غيرُ الجنتين ، من ثمر مالَه إذا كثّره ، قال ابن عباس رضي الله عنهما : هو جميعُ المال من الذهب والفضة والحيوانِ وغير ذلك ، وقال مجاهد : هو الذهبُ والفضة خاصة { فَقَالَ لصاحبه } المؤمن { وَهُوَ } أي القائلُ { يحاوره } أي صاحبَه المؤمنَ وإن جاز العكسُ أي يراجعه في الكلام من حار إذا رجع { أَنَاْ أَكْثَرُ مِنكَ مَالاً وَأَعَزُّ نَفَراً } حشَماً وأعواناً أو أولاداً ذُكوراً لأنهم الذين ينفِرون معه .
وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (35) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (36) قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (37) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (38)
{ وَدَخَلَ جَنَّتَهُ } التي شُرحت أحوالُها وعَدَدُها وصفاتُها وهيآتُها ، وتوحيدها إما لعدم تعلق الغرَضِ بتعددها ، وإما لاتصال إحداهما بالأخرى ، وإما لأن الدخولَ يكون في واحدة فواحدة { وَهُوَ ظَالِمٌ لّنَفْسِهِ } ضارٌّ لها بعُجبه وكفره { قَالَ } استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من ذكر دخولِ جنته حالَ ظلمِه لنفسه ، كأنه قيل : فماذا قال إذ ذاك؟ فقيل قال : { مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هذه } الجنةُ أي تفنى { أَبَدًا } لطول أملِه وتمادي غفلتِه واغترارِه بمُهلته ، ولعله إنما قاله بمقابلة موعظةِ صاحبِه وتذكيرِه بفناء جنّتيه ونهيِه عن الاغترار بهما وأمره بتحصيل الباقيات الصالحات . (4/260)
{ وَمَا أَظُنُّ الساعة قَائِمَةً } كائنةً فيما سيأتي { وَلَئِن رُّدِدتُّ } بالبعث عند قيامها كما تقول { إلى رَبّى لاجِدَنَّ } يومئذ { خَيْراً مّنْهَا } أي من هذه الجنةِ ، وقرىء منهما أي من الجنتين { مُنْقَلَباً } مرجعاً وعاقبةً ، ومدارُ هذا الطمعِ واليمينِ الفاجرةِ اعتقادٌ أنه تعالى إنما أولاه ما أولاه في الدنيا لاستحقاقه الذاتي وكرامتِه عليه سبحانه ولم يدرِ أن ذلك استدراجٌ .
{ قَالَ لَهُ صاحبه } استئناف كما سيق { وَهُوَ يحاوره } جملةٌ حاليةٌ كما مر فائدتُها التنبيهُ من أول الأمرِ على أن ما يتلوه كلامٌ معتنًى بشأنه مسوقٌ للمحاورة { أَكَفَرْتَ } حيث قلت : ما أظن الساعةَ قائمةً { بالذى خَلَقَكَ } أي في ضمن خلقِ أصلِك { مّن تُرَابٍ } فإن خلْقَ آدمَ عليه السلام منه متضمّنٌ لخلقه منه لِما أن خلقَ كل فردٍ من أفراد البشر له حظٌّ من خلقه عليه السلام إذ لم تكن فطرتُه الشريفةُ مقصورةً على نفسه ، بل كانت أُنموذجاً منطوياً على فطرة سائرِ أفرادِ الجنسِ انطواءً إجمالياً مستتبِعاً لجريان آثارِها على الكل ، فكان خلْقُه عليه السلام من التراب خَلْقاً للكل منه ، وقيل : خلقَك منه لأنه أصلُ مادتِك إذ به يحصُل الغذاءُ الذي منه تحصل النطفةُ فتدبر { ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ } هي مادتُك القريبة فالمخلوقُ واحدٌ والمبدأُ متعددٌ { ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلاً } أي عَدلك وكمّلك إنساناً ذكراً أو صيّرك رجلاً ، والتعبيرُ عنه تعالى بالموصول للإشعار بعلية ما حيز الصلة لإنكار الكفرِ والتلويحِ بدليل البعثِ الذي نطق به قولُه عز من قائل : { السعير ياأيها الناس إِن كُنتُمْ فِى رَيْبٍ مّنَ البعث فَإِنَّا خلقناكم مّن تُرَابٍ } الخ .
{ لَكُنَّا هُوَ الله رَبّى } أصله لكنْ أنا وقد قرىء كذلك فحُذفت الهمزةُ فتلاقت النونان فكان الإدغامُ ، و ( هو ) ضميرُ الشأن وهو مبتدأٌ خبرُه الله ربي وتلك الجملةُ خبرُ أنا والعائدُ منها إليه الضميرُ ، وقرىء بإثبات ألفِ أنا في الوصل والوقف جميعاً وفي الوقف خاصة ، وقرىء لكنه بالهاء ولكن بطرح أنا ولكن أنا لا إله إلا هو ربي ، ومدارُ الاستدراك قوله تعالى : { أَكَفَرْتَ } كأنه قال : أنت كافرٌ لكني مؤمنٌ موحّد { وَلاَ أُشْرِكُ بِرَبّى أَحَدًا } فيه إيذانٌ بأن كفرَه كان بطريق الإشراك .
وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا (39) فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (41) وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا (42)
{ وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ } أي هلاّ قلت عندما دخلتَها ، وتقديمُ الظرف على المحضَّض عليه للإيذان بتحتّم القولِ في آن الدخولِ من غير ريث لا للقصر { مَا شَاء الله } أي الأمرُ ما شاء الله أو ما شاء الله كائنٌ على أن ما موصولةٌ مرفوعةُ المحلِّ ، أو أيَّ شيء شاء الله كان على أنها شرطيةٌ منصوبةٌ والجوابُ محذوفٌ ، والمرادُ تحضيضُه على الاعتراف بأنها وما فيها بمشيئة الله تعالى إن شاء أبقاها وإن شاء أفناها { لاَ قُوَّةَ إِلاَّ بالله } أي هلا قلت ذلك اعترافاً بعجزك وبأن ما تيسر لك من عِمارتها وتدبيرِ أمرِها إنما هو بمعونته تعالى وإقداره عن النبي صلى الله عليه وسلم : « من رأى شيئاً فأعجبه فقال : ما شاء الله لا قوةَ إلا بالله لم يضُرَّه » { إِن تَرَنِ أَنَاْ أَقَلَّ مِنكَ مَالاً وَوَلَدًا } أنا إما مؤكدٌ لياء المتكلمِ أو ضميرُ فصْلٍ بين مفعولي الرؤيةِ إن جُعلت عِلْميةً ، وأقلَّ ثانيهما ، وحالٌ إن جُعلت بصَريةً فيكون أنا حينئذ تأكيداً لا غيرُ لأن شرطَ كونِه ضميرَ فصلٍ توسطُه بين المبتدأ والخبر أو ما أصلُه المبتدأُ والخبر ، وقرىء أقلُّ بالرفع خبراً لأنا والجملةُ مفعولٌ ثانٍ للرؤية أو حالٌ وفي قوله تعالى : { وَوَلَدًا } نُصرةٌ لمن فسر النفرَ بالولد . (4/261)
{ فعسى رَبّى أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مّن جَنَّتِكَ } هو جوابُ الشرط والمعنى إن ترنِ أفقرَ منك فأنا أتوقع من صنع الله سبحانه أن يقلِبَ ما بي وما بك من الفقر والغنى فيرزُقني لإيماني جنةً خيراً من جنتك ويسلُبَك لكفرك نعمتَه ويُخْرِب جنتك { وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا } هو مصدرٌ بمعنى الحِساب كالبُطلان والغفران أي مقداراً قدره تعالى وحسَبه ، وهو الحكمُ بتخريبها ، وقيل : عذابَ حُسبانٍ وهو حسابُ ما كسبت يداه ، وقيل : مَراميَ جمعُ حُسبانة وهي الصواعقُ . ومساعدة النظمِ الكريم فيما سيأتي للأولين أكثر { مِّنَ السماء فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا } مصدر أريد به المفعولُ مبالغةً أي أرضاً ملساء يُزْلَق عليها لاستئصال ما عليها من البناء والشجر والنبات .
{ أَوْ يُصْبِحَ } عطف على قوله تعالى : { فَتُصْبِحُ } ، وعلى الوجه الثالث على يرسلَ { مَاؤُهَا غَوْرًا } أي غائراً في الأرض أُطلق عليه المصدرُ مبالغة { فَلَن تَسْتَطِيعَ } أبداً { لَهُ } أي للماء الغائرِ { طَلَبًا } فضلاً عن وجدانه وردِّه .
{ وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } أُهلك أموالُه المعهودةُ من جنتيه وما فيهما ، وأصلُه من إحاطة العدوِّ ، وهو عطفٌ على مقدر ، كأنه قيل : فوقع بعضُ ما توقع من المحذور وأُهلك أمواله ، وإنما حُذف لدِلالة السباقِ والسياقِ عليه كما في المعطوف عليه بالفاء الفصيحة { فَأَصْبَحَ يُقَلّبُ كَفَّيْهِ } ظهراً لبطن وهو كنايةٌ عن الندم ، كأنه قيل : فأصبح يندم { عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا } أي في عِمارتها من المال ، ولعل تخصيصَ الندم به دون ما هلك الآن من الجنة لما أنه إنما يكون على الأفعال الاختياريةِ ولأن ما أنفق في عِمارتها كان مما يمكن صيانتُه عن طوارق الحدَثانِ وقد صرفه إلى مصالحها رجاءَ أن يتمتعَ به ، وكان يرى أنه لا تنالها أيدي الردَى ، ولذلك قال : ما أظن أن تبيدَ هذه أبداً ، فلما ظهر له أنها مما يعتريه الهلاكُ ندم على ما صنع بناءً على الزعم الفاسدِ من إنفاق ما يمكن ادخارُه في مثل هذا الشيءِ السريع الزوال .
{ وَهِىَ } أي الجنةُ من الأعناب المحفوفةِ بنخل { خَاوِيَةٍ } ساقطةٌ { على عُرُوشِهَا } أي دعائمها المصنوعةِ للكروم لسقوطها قبل سقوطِها ، وتخصيصُ حالها بالذكر دون النخل والزرعِ إما لأنها العُمدةُ وهما من متمماتها ، وإما لأن ذكرَ هلاكِها مغنٍ عن ذكر هلاك الباقي لأنها حيث هلكت وهي مُشيَّدةٌ بعروشها فهلاكُ ما عداها بالطريق الأولى ، وإما لأن الإنفاقَ في عمارتها أكثرُ ، وقيل : أرسل الله تعالى عليها ناراً فأحرقها وغار ماؤُها { وَيَقُولُ } عطف على يقلّب أو حالٌ من ضميره أي وهو يقول : { ياليتنى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبّى أَحَدًا } كأنه تذكر موعظةَ أخيه وعلم أنه إنما أُتيَ من قِبل شِرْكِه فتمنى لو لم يكن مشركاً فلم يُصبْه ما أصابه . قيل : ويحتمل أن يكون ذلك توبةً من الشرك وندَماً على ما فرَط منه . (4/262)
وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (43) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا (44) وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (45)
{ وَلَمْ تَكُنْ لَّهُ } وقرىء بالياء التحتانية { فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ } يقدِرون على نصره بدفع الإهلاكِ أو على رد المهلِك أو الإتيانِ بمثله ، وجمعُ الضميرِ باعتبار المعنى كما في قوله عز وعلا : { يَرَوْنَهُمْ مّثْلَيْهِمْ } { مِن دُونِ الله } فإنه القادرُ على ذلك وحده { وَمَا كَانَ } في نفسه { مُنْتَصِراً } ممتنعاً بقوته عن انتقامه سبحانه . (4/263)
{ هُنَالِكَ } في ذلك المقامِ وفي تلك الحال { الولاية لِلَّهِ الحق } أي النُصرة له وحده لا يقدِر عليها أحدٌ فهو تقريرٌ لما قبله ، أو ينصُر فيها أولياءَه من المؤمنين على الكفرة كما نصر بما فعل بالكافر أخاه المؤمنَ ، ويعضُده قوله تعالى : { هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا } أي لأوليائه ، وقرىء الوِلاية بكسر الواو ومعناها الملكُ والسلطانُ له عز وجل لا يُغلَب ولا يُمتَنع منه أو لا يُعبد غيرُه كقوله تعالى : { وَإِذَا رَكِبُواْ فِى الفلك دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } فيكون تنبيهاً على أن قوله : يا ليتني لم أشرِك الخ ، كان عن اضطرار وجزَعٍ عمّا دهاه على أسلوب قوله تعالى : { ءالئَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المفسدين } وقيل : هنالك إشارةٌ إلى الآخرة كقوله تعالى : { لّمَنِ الملك اليوم لِلَّهِ الواحد القهار } وقرىء برفع الحقِّ على أنه صفةٌ للولاية وبنصبه على أنه مصدرٌ مؤكد ، وقرىء عقُباً بضم القاف وعُقْبى كرُجعى والكلُّ بمعنى العاقبة .
{ واضرب لَهُم مَّثَلَ الحياة الدنيا } أي واذكر لهم ما يُشبهها في زَهْرتها ونَضارتها وسرعةِ زوالها لئلا يطمئنوا بها ولا يعكُفوا عليها ولا يَضرِبوا عن الآخرة صفحاً بالمرة ، أو بيِّنْ لهم صفتَها العجيبة التي هي في الغرابة كالمثَل { كَمَاء } استئنافٌ لبيان المثَل أي هي كماء { أَنزَلْنَاهُ مِنَ السماء } ويجوز كونُه مفعولاً ثانياً لاضْربْ على أنه بمعنى صيّر { فاختلط بِهِ } اشتبك بسببه { نَبَاتُ الارض } فالتفّ وخالط بعضه بعضاً من كثرته وتكاثفه ، أو نجَع الماءُ في النبات حتى روِيَ ورفّ ، فمقتضى الظاهرِ حينئذ فاختلط بنبات الأرض ، وإيثارُ ما عليه النظمُ الكريمُ عليه للمبالغة في الكثرة فإن كلاًّ من المختلِطَين موصوفٌ بصفة صاحبِه { فَأَصْبَحَ } ذلك النباتُ الملتفُّ إثرَ بهجتها ورفيفِها { هَشِيمًا } مهشوماً مكسوراً { تَذْرُوهُ الرياح } تفرّقه ، وقرىء تُذْريه من أذراه وتذروه الريحُ ، وليس المشبَّهُ به نفسَ الماء بل هو الهيئةُ المنتزَعةُ من الجملة ، وهي حالُ النبات المُنبَتِ بالماء ، يكون أخضرَ وارفاً ثم هشيماً تطيِّره الرياحُ كأن لم يغْنَ بالأمس { وَكَانَ الله على كُلّ شَىْء } من الأشياء التي من جملتها الإنشاءُ والإفناءُ { مُّقْتَدِرًا } قادراً على الكمال .
الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46)
{ المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا } بيانٌ لشأن ما كانوا يفتخِرون به من محسّنات الحياة الدنيا ، كما قال الأخُ الكافرُ : أنا أكثرُ منك مالاً وأعزُّ نفراً إثرَ بيانِ شأن نفسها بما مر من المثَل . وتقديمُ المال على البنين مع كونهم أعزَّ منه كما في الآية المحكية آنفاً وقولِه تعالى : { وأمددناكم بأموال وَبَنِينَ } وغيرِ ذلك من الآيات الكريمة لعراقته فيما نيط به من الزينة والإمدادِ وغيرِ ذلك وعمومِه بالنسبة إلى الأفراد والأوقات ، فإنه زينةٌ ومُمِدٌّ لكل أحد من الآباء والبنين في كل وقت وحين ، وأما البنون فزينتُهم وإمدادُهم إنما يكون بالنسبة إلى من بلغ مبلغَ الأبوّة ، ولأن المالَ مناطٌ لبقاء النفس والبنين لبقاء النوع ، ولأن الحاجةَ إليه أمسُّ من الحاجة إليهم ، ولأنه أقدرُ منهم في الوجود ، ولأنه زينةٌ بدونهم من غير عكس فإن من له بنونَ بلا مال فهو في ضيقِ حالٍ ونكال . وإفرادُ الزينة مع أنها مسنَدةٌ إلى الإثنين لما أنها مصدرٌ في الأصل أطلق على المفعول مبالغةً كأنهما نفسُ الزينة ، والمعنى أن ما يفتخرون به من المال والبنين شيءٌ يُتزيّن به في الحياة الدنيا وقد عُلم شأنُها في سرعة الزوالِ وقُربِ الاضمحلال فكيف بما هو من أوصافها التي شأنُها أن تزول قبل زوالِها . { والباقيات الصالحات } هي أعمالُ الخير ، وقيل : هي الصلواتُ الخمسُ ، وقيل : سبحان الله والحمدُ لله ولا إله إلا الله والله أكبرُ ، وقيل : كلُّ ما أريد به وجهُ الله تعالى ، وعلى كل تقدير يدخُل فيها أعمالُ فقراءِ المؤمنين الذين يدعون ربهم بالغداة والعشى يريدون وجهَه دخولاً أولياً ، أما صلاحُها فظاهرٌ وأما بقاءُ عوائدِها عند فناءِ كلِّ ما تطمح إليه النفسُ من حظوظ الدنيا { خَيْرٌ } أي مما نُعت شأنُه من المال والبنين ، وإخراجُ بقاءِ تلك الأعمالِ وصلاحِها مُخرَجَ الصفات المفروغِ عنها مع أن حقَّهما أن يكونا مقصودَي الإفادةِ لا سيما في مقابلة إثباتِ الفناء لما يقابلها من المال والبنين على طريقة قوله تعالى : { مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ وَمَا عِندَ الله بَاقٍ } للإيذان بأن بقاءَها أمرٌ محقّقٌ لا حاجة إلى بيانه بل لفظُ الباقياتِ اسمٌ لها وصفٌ ، ولذلك لم يُذكر الموصوفُ وإنما الذي يُحتاج إلى التعرض له خيريتُها { عِندَ رَبّكَ } أي في الآخرة وهو بيانٌ لما يظهر فيه آثارُ خيريّتها بمنزلة إضافة الزينةِ إلى الحياة الدنيا لا لأفضليتها فيها من المال والبنين مع مشاركة الكلِّ في الأصل إذ لا مشاركةَ لهما في الخيرية في الآخرة { ثَوَاباً } عائدةً تعود إلى صاحبها { وَخَيْرٌ أَمَلاً } حيث ينال بها صاحبُها في الآخرة كلَّ ما كان يؤمله في الدنيا ، وأما ما مر من المال والبنين فليس لصاحبه أملٌ يناله ، وتكريرُ خيرٌ للإشعار باختلاف حيثيَّتي الخيرية والمبالغةِ فيها . (4/264)
وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (47) وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (48)
{ وَيَوْمَ نُسَيّرُ الجبال } منصوبٌ بمضمر أي اذكرْ حين نقلَعُها من أماكنها ونسيّرها في الجو على هيئاتها كما ينبىء عنه قوله تعالى : { وَتَرَى الجبال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِىَ تَمُرُّ مَرَّ السحاب } أو نسير أجزاءَها بعد أن نجعلها هباءً مُنْبَثّاً ، والمرادُ بتذكيره تحذيرُ المشركين مما فيه من الدواهي ، وقيل : هو معطوفٌ على ما قبله من قوله تعالى : { عِندَ رَبّكَ } أي الباقياتُ الصالحات خيرٌ عند الله ويومَ القيامة . وقرىء تُسيَّر على صيغة البناء للمفعول من التفعيل جرياً على سنن الكِبرياءِ وإيذاناً بالاستغناء عن الإسناد إلى الفاعل لتعيُّنه ، وقرىء تَسِير { وَتَرَى الأرض } أي جميعَ جوانبها والخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحدٍ ممن يتأتّى منه الرؤيةُ ، وقرىء تُرَى على صيغة البناء للمفعول { بَارِزَةً } أما بروزُ ما تحت الجبال فظاهرٌ ، وأما ما عداه فكانت الجبالُ تحول بينه وبين الناظرِ قبل ذلك ، فالآن أضحى قاعاً صفْصِفاً لا ترى فيها عِوَجاً أمْتاً { وحشرناهم } جمعناهم إلى الموقف من كل أَوْب . وإيثارُ صيغةِ الماضي بعد نسيّر وتَرى للدِلالة على تحقق الحشْرِ المتفرِّع على البعث الذي يُنكره المنكرون ، وعليه يدورُ أمرُ الجزاءِ وكذا الكلام فيما عطف عليه منفياً وموجَباً ، وقيل : هو للدَّلالة على أن حشْرهم قبل التسيير والبروزِ ليعاينوا تلك الأهوالَ ، كأنه قيل : وحشرناهم قبل ذلك { فَلَمْ نُغَادِرْ } أي لم نترُك { مّنْهُمْ أَحَداً } يقال : غادره إذا تركه ومنه الغدْرُ الذي هو تركُ الوفاءِ والغديرُ الذي هو ماءٌ يتركه السيلُ في الأرض الغائرةِ ، وقرىء بالياء وبالفوقانية على إسناد الفعل إلى ضمير الأرض كما في قوله تعالى : { وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ } { وَعُرِضُواْ على رَبّكَ } شُبّهت حالُهم بحال جندٍ عُرضوا على السلطان ليأمُر فيهم بما يأمُر ، وفي الالتفات إلى الغَيبة وبناءِ الفعل للمفعول مع التعرض لعنوان الربوبية والإضافةِ إلى ضميره عليه السلام من تربية المهابةِ والجَرْي على سَنن الكبرياءِ وإظهار اللطفِ به عليه السلام ما لا يخفى { صَفَّا } أي غيرَ متفرِّقين ولا مختلِطين فلا تعرّض فيه لوَحدة الصفِّ وتعدّدِه ، وقد ورد في الحديث الصحيح : « يجمع الله الأولين والآخِرين في صعيد واحد صُفوفاً » { لَّقَدْ جِئْتُمُونَا } على إضمار القولِ على وجه يكون حالاً من ضمير عُرضوا أي مقولاً لهم أو وقلنا لهم ، وأما كونُه عاملاً في يومَ نسيّر كما قيل فبعيدٌ من جزالة التنزيل الجليلِ ، كيف لا ويلزم منه أن هذا القولَ هو المقصودُ بالأصالة دون سائر القوارعِ مع أنه خاصُّ التعلق بما قبله من العَرض والحشر دون تسييرِ الجبال وبروزِ الأرض { كَمَا خلقناكم } نعتٌ لمصدر مقدّرٍ أي مجيئاً كائناً كمجيئكم عند خلْقِنا لكم { أَوَّلَ مَرَّةٍ } أو حال من ضمير جئتمونا أي كائنين كما خلقناكم أولَ مرة حُفاةً عُراة غُرْلاً أو ما معكم شيءٌ مما تفتخرون به من الأموال والأنصار كقوله تعالى : (4/265)
{ وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم وَرَاء ظُهُورِكُمْ } { بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِدًا } إضرابٌ وانتقالٌ من كلام إلى كلام كِلاهما للتوبيخ والتقريعِ ، أي زعمتم في الدنيا أنه لن نجعلَ لكم أبداً وقتاً نُنْجز فيه ما وعدناه من البعث وما يتبعه ، وأنْ مخففةٌ من المثقلة فُصِل بحرف النفي بينها وبين خبرِها لكونه جملةً فعليةً متصرِّفةً غيرَ دعاءٍ ، والظرفُ إما مفعولٌ ثانٍ للجعل وهو بمعنى التصييرِ والأولُ هو موعداً ، أو حال من موعداً وهو بمعنى الخلق والإبداعِ . (4/266)
وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (49) وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (50)
{ وَوُضِعَ الكتاب } عطف على عُرضوا داخلٌ تحت الأمورِ الهائلة التي أريد تذكيرُها بتذكير وقتِها أُورد فيه ما أورد في أمثاله من صيغة الماضي دَلالةً على التقرر أيضاً ، أي وُضع صحائفُ الأعمالِ ، وإيثارُ الإفرادِ للاكتفاء بالجنس ، والمرادُ بوضعها إما وضعُها في أيدي أصحابِها يميناً وشمالاً وإما في الميزان { فَتَرَى المجرمين } قاطبةً فيدخل فيهم الكفرةُ المنكِرون للبعث دخولاً أولياً { مُشْفِقِينَ } خائفين { مِمَّا فِيهِ } من الجرائم والذنوب { وَيَقُولُونَ } عند وقوفِهم على ما في تضاعيفه نقيراً وقِطْميراً { ياويلتنا } منادين لهِلَكتهم التي هلكوها من بين الهلَكات مستدْعين لها ليهلِكوا ولا يرَوا هولَ ما لاقَوه ، أي يا ويلتَنا احضُري فهذا أوانُ حضورِك { مَا لهذا الكتاب } أي أيُّ شيء له ، وقولُه تعالى : { لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا } أي حواها وضبطَها ، جملةٌ حاليةٌ محقِّقةٌ لما في الجملة الاستفهاميةِ من التعجب ، أو استئنافيةٌ مبنيةٌ على سؤال نشأ من التعجب ، كأنه قيل : ما شأنُه حتى يُتعجَّب منه؟ فقيل : لا يغادر سيئةً صغيرةً ولا كبيرة إلا أحصاها { وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ } في الدنيا من السيئات ، أو جزاءَ ما عملوا { حَاضِرًا } مسطوراً عتيداً { وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } فيكتب ما لم يُعمَل من السيئات أو يزيد في عقابه المستحَّقِ فيكون إظهاراً لِمَعْدلة القلمِ الأزلي . (4/267)
{ وَإِذَا قُلْنَا للملائكة } أي اذكر وقتَ قولنا لهم : { اسجدوا لاِدَمَ } سجودَ تحيةٍ وتكريم وقد مر تفصيلُه { فَسَجَدُواْ } جميعاً امتثالاً بالأمر { إِلاَّ إِبْلِيسَ } فإنه لم يسجُد بل أبى واستكبر وقوله تعالى : { كَانَ مِنَ الجن } كلامٌ مستأنفٌ سيق مساقَ التعليلِ لما يفيده استثناءُ اللعين من الساجدين ، كأنه قيل : ما له لم يسجُد؟ فقيل : كان أصلُه جنيًّا { فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبّهِ } أي خرج عن طاعته كما ينبىء عنه الفاءُ ، أو صار فاسقاً كافراً بسبب أمرِ الله تعالى إذ لولاه لما أبى . والتعرضُ لوصف الربوبيةِ المنافية للفسق لبيان كمالِ قبحِ ما فعله ، والمرادُ بتذكير قصّتِه تشديدُ النكيرِ على المتكبرين المفتخرين بأنسابهم وأموالِهم المستنكفين عن الانتظام في سلك فقراءِ المؤمنين ببيان أن ذلك من صنيع إبليسَ وأنهم في ذلك تابعون لتسويله كما ينبىء عنه قوله تعالى : { أَفَتَتَّخِذُونَهُ } الخ ، فإن الهمزةَ للإنكار والتعجبِ والفاءَ للتعقيب أي أعَقيبَ علمِكم بصدور تلك القبائحِ عنه تتخذونه { وَذُرّيَّتَهُ } أي أولادَه وأتباعَه ، جعلوا ذريتَه مجازاً . قال قتادة : يتوالدون كما يتوالد بنو آدمَ ، وقيل : يُدخل ذنبَه في دُبُره فيبيض فتنفلق البيضةُ عن جماعة من الشياطين { أَوْلِيَاء مِن دُونِى } فتستبدلونهم بي فتطيعونهم بدَل طاعتي { وَهُمْ } أي والحال أن إبليسَ وذريته { لَكُمْ عَدُوٌّ } أي أعداءٌ كما في قوله تعالى : { فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِى إِلاَّ رَبَّ العالمين } وقوله تعالى : { هُمُ العدو } وإنما فُعل به ذلك تشبيهاً له بالمصادر نحو القَبول والوُلوع وتقييد الاتخاذِ بالجملة الحالية لتأكيد الإنكارِ وتشديدِه ، فإن مضمونَها مانعٌ من وقوع الاتخاذِ ومنافٍ له قطعاً { بِئْسَ للظالمين } أي الواضعين للشيء في غير موضعِه { بَدَلاً } من الله سبحانه إبليسُ وذريتُه ، وفي الالتفات إلى الغَيبة مع وضع الظالمين موضعَ الضمير من الإيذان بكمال السُخطِ والإشارة إلى أن ما فعلوه ظلمٌ قبيح ما لا يخفى .
مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (51)
{ مَّا أَشْهَدتُّهُمْ } استئنافٌ مَسوق لبيان عدمِ استحقاقِهم للاتخاذ المذكورِ في أنفسهم بعد بيانِ الصوارفِ عن ذلك من خباثة المَحتِد والفسق والعداوة ، أي ما أحضَرْتُ إبليسَ وذريتَه { خُلِقَ السموات والأرض } حيث خلقتُهما قبل خلقِهم { وَلاَ خَلْقَ أَنفُسِهِمْ } أي ولا أشهدتُ بعضَهم خلقَ بعض كقوله تعالى : { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } هذا ما أجمع عليه الجمهورُ حِذاراً من تفكيك الضميرين ومحافظةً على ظاهر لفظ الأنفس ، ولك أن تُرجع الضميرَ الثانيَ إلى الظالمين وتلتزمَ التفكيكَ بناءً على قَوْد المعنى إليه ، فإن نفيَ إشهادِ الشياطين خلقَ الذين يتولَّونهم هو الذي يدور عليه إنكارُ اتخاذهم أولياءَ بناء على أن أدنى ما يصحح التوليَ حضورُ الوليِّ خلقَ المتولى ، وحيث لا حضورَ لا مصحِّحَ للتولي قطعاً ، وأما نفيُ وإشهادِ بعضِ الشياطينِ خلقَ بعض منهم فليس من مدارية الإنكارِ المذكور في شيء ، على أن إشهادَ بعضهم خلقَ بعض إن كان مصحِّحاً لتولي الشاهدِ بناءً على دِلالته على كماله باعتبار أن له مدخلاً في خلق المشهودِ في الجملة فهو مُخِلٌّ بتولي المشهودِ بناء على قصوره عمّن شهِد خلقَه فلا يكون نفيُ الإشهادِ المذكورِ متمحّضاً في نفي الكمالِ المصحِّح للتولي عن الكل وهو المناطُ للإنكاء المذكور { وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ المضلين } أي متّخذَهم ، وإنما وُضع موضعَه المظهُر ذماً لهم وتسجيلاً عليهم بالإضلال وتأكيداً لما سبق من إنكار اتخاذِهم أولياءَ { عَضُداً } أعواناً في شأن الخلقِ أو في شأن من شؤوني حتى يُتوهّم شِرْكتُهم في التولي بناء على الشركة في بعض أحكامِ الربوبية ، وفيه تهكمٌ بهم وإيذانٌ بكمال ركاكةِ عقولِهم وسخافةِ آرائِهم حيث لا يفهمون هذا الأمرَ الجليَّ الذي لا يكاد يشتبه على البُلْه والصبيان فيحتاجون إلى التصريح به ، وإيثارُ نفي الإشهاد على نفي شهودِهم ونفي اتخاذِهم أعواناً على نفي كونهم كذلك للإشعار بأنهم مقهورون تحت قدرتِه تعالى تابعون لمشيئته وإرادتِه فيهم ، وأنهم بمعزل من استحقاق الشهودِ والمعونة من تلقاء أنفسِهم من غير إحضارٍ واتخاذ وإنما قُصارى ما يتوهم في شأنهم أن يبلُغوا ذلك المبلغَ بأمر الله عز وجل ولم يكد ذلك يكون ، وقيل : الضميرُ للمشركين والمعنى ما أشهدتُهم خلقَ ذلك وما أطلعتُهم على أسرار التكوينِ وما خصَصْتُهم بفضائلَ لا يَحويها غيرُهم حتى يكونوا قدوةً للناس فيؤمنوا بإيمانهم كما يزعُمون فلا يُلتفت إلى قولهم طمعاً في نُصرتهم للدين فإنه لا ينبغي لي أن أعتضِدَ بالمُضِلّين ، ويعضُده القراءةُ بفتح التاءِ خطاباً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، والمعنى ما صح لك الاعتضادُ بهم . ووصفُهم بالإضلال لتعليل نفي الاتخاذِ ، وقرىء متّخِذاً المُضلّين على الأصل ، وقرىء عُضْداً بضم العين وسكون الضاد وبفتح وسكون بالتخفيف وبضمتين بالاتباع وبفتحتين على أنه جمع عاضد كرَصَد وراصد . (4/268)
وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا (52) وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (53) وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا (54) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (55)
{ وَيَوْمَ يَقُولُ } أي الله عز وجل للكافرين توبيخاً وتعجيزاً ، وقرىء بنون العظمة { نَادُواْ شُرَكَائِىَ الذين زَعَمْتُمْ } أنهم شفعاؤُكم ليشفعوا لكم ، والمرادُ بهم كلُّ ما عُبد من دونه تعالى ، وقيل : إبليسُ وذرِّيتُه { فَدَعَوْهُمْ } أي نادَوهم للإغاثة ، وفيه بيانٌ لكمال اعتنائِهم بإعانتهم على طريقة الشفاعةِ إذ معلومٌ أن لا طريقَ إلى المدافعة { فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ لَهُمْ } فلم يُغيثوهم إذ لا إمكان لذلك وفي إيراده مع ظهوره تهكمٌ بهم وإيذانٌ بأنهم في الحماقه بحيث لا يفهمونه إلا بالتصريح به { وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم } بين الداعين والمدعوّين { مَّوْبِقاً } اسمُ مكانٍ أو مصدرٌ من وبَق وُبوقاً كوثب وثوباً وبِق وبَقاً كفرح فرحاً إذا هلَك أي مهلِكاً يشتركون فيه وهو النارُ ، أو عداوةً وهي في الشدة نفسُ الهلاك كقول عمر رضي الله عنه : « لا يكن حبُّك كلَفاً ولا بغضُك تلَفاً » وقيل : البينُ الوصلُ أي وجعلنا تواصلَهم في الدنيا هلاكاً في الآخرة ، ويجوز أن يكون المرادُ بالشركاء الملائكةَ وعزيراً وعيسى عليهم السلام ومريمَ ، وبالمَوْبق البرزخَ البعيدَ أي جعلنا بينهم أمداً بعيداً يُهلِك فيه الأشواطُ لفرْط بُعده لأنهم في قعر جهنمَ وهم في أعلى الجنان . (4/269)
{ وَرَأَى المجرمون النار } وُضع المظهرُ مقام المُضمر تصريحاً بإجرامهم وذماً لهم بذلك { فَظَنُّواْ } أي فأيقنوا { أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا } مخالطوها واقعون فيها أو ظنوا إذ رأوها من مكان بعيد أنهم مواقعوها الساعةَ { وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفًا } انصرافاً أو معدِلاً ينصرفون إليه .
{ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا } أي كررنا وأوردنا على وجوه كثيرةٍ من النظم { فِى هذا القرءان لِلنَّاسِ } لمصلحتهم ومنفعتِهم { مِن كُلّ مَثَلٍ } من جملته ما مر مِن مَثَل الرجلين ومثَل الحياةِ الدنيا أو من كل نوعٍ من أنواع المعاني البديعةِ الداعيةِ إلى الإيمان التي هي في الغرابة والحسنِ واستجلاب النفس كالمثل ليتلقَّوْه بالقَبول فلم يفعلوا { وَكَانَ الإنسان } بحسب جِبلَّته { أَكْثَرَ شَىء جَدَلاً } أي أكثرَ الأشياءِ التي يتأتى منها الجدلُ وهو هاهنا شدةُ الخُصومةِ بالباطل والمماراةِ ، من الجدْل الذي هو الفتْلُ ، والمجادلةُ الملاواةُ لأن كلاًّ من المجادِلَين يلتوي على صاحبه ، وانتصابُه على التمييز والمعنى أن جدَله أكثرُ من جدَل كلِّ مجادل .
{ وَمَا مَنَعَ الناس } أي أهلَ مكةَ الذين حُكيت أباطيلُهم { أَن يُؤْمِنُواْ } من أن يؤمنوا بالله تعالى ويتركوا ما هم فيه من الإشراك { إِذْ جَاءهُمُ الهدى } أي القرآنُ العظيم الهادي إلى الإيمان بما فيه من فنون المعاني الموجبةِ له { وَيَسْتَغْفِرُواْ رَبَّهُمْ } عما فرَط منهم من أنواع الذنوبِ التي من جملتها مجادلتُهم للحق بالباطل { إِلاَّ أَن تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الأولين } أي إلا طلبُ إتيانِ سُنّتهم أو إلا انتظارُ إتيانِها ، أو إلا تقديرُه فحذُف المضافُ وأقيم المضافُ إليه مُقامَه وسنتُهم الاستئصالُ { أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب } أي عذابُ الآخرة { قُبُلاً } أي أنواعاً ، جمعُ قَبيل أو عِياناً كما في قراءة قِبَلاً بكسر القاف وفتحِ الباء ، وقرىء بفتحتين أي مستقبَلاً ، يقال : لقِيتُه قُبُلاً وقَبَلاً وقِبَلاً ، وانتصابُه على الحالية من الضمير أو العذاب والمعنى أن ما تضمنه القرآنُ الكريم من الأمور المستوجبةِ للإيمان بحيث لو لم يكن مثلَ هذه الحكمةِ القوية لما امتنع الناسُ من الإيمان وإن كانوا مجبولين على الجدَل المفْرِط .
وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آَيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (56) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآَيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (57)
{ وَمَا نُرْسِلُ المرسلين } إلى الأمم ملتبسين بحال من الأحوال { إِلا } حالَ كونهم { مُبَشّرِينَ } للمؤمنين بالثواب { وَمُنذِرِينَ } للكفرة والعصاة بالعقاب { ويجادل الذين كَفَرُواْ بالباطل } باقتراح الآياتِ بعد ظهور المعجزاتِ والسؤالِ عن قصة أصحاب الكهفِ ونحوها تعنّتاً { لِيُدْحِضُواْ بِهِ } أي بالجدال { الحق } أي يُزيلوه عن مركزه ويُبْطلوه من إدحاض القدمِ وهو إزلاقُها ، وهو قولهم للرسل عليهم الصلاة والسلام : { مَا أَنتُمْ إِلاَّ بَشَرٌ مّثْلُنَا } { وَلَوْ شَاء الله لاَنزَلَ ملائكة } ونحوُهما { واتخذوا ءاياتى } التي تخِرُّ لها صمُّ الجبال { وَمَا أُنْذِرُواْ } أي أُنذروه من القوارع الناعيةِ عليهم العقابَ والعذابَ أو إنذارهم { هُزُواً } استهزاءً ، وقرىء بسكون الزاي وهو ما يستهزأ به . (4/270)
{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكّرَ بئايات رَبّهِ } وهو القرآنُ العظيم { فَأَعْرَضَ عَنْهَا } ولم يتدبرها ولم يتذكرْ بها ، وهذا السبكُ وإن كان مدلولُه الوضعيُّ نفيَ الأظلمية من غير تعرّضٍ لنفي المساواة في الظلم إلا أن مفهومَه العُرْفيَّ أنه أظلمُ من كل ظالم ، وبناءُ الأظلمية على ما في حيز الصلة من الإعراض عن القرآن للإشعار بأن ظلمَ من يجادل فيه ويتخذُه هزواً خارجٌ عن الحد { وَنَسِىَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ } أي عملَه من الكفر والمعاصي التي من جملتها ما ذكر من المجادلة بالباطل والاستهزاءِ بالحق ولم يتفكر في عاقبتها { إِنَّا جَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } أغطيةً كثيرة جمع كِنان ، وهو تعليلٌ لإعراضهم ونسيانهم بأنهم مطبوعٌ على قلوبهم { أَن يَفْقَهُوهُ } مفعولٌ لما دل عليه الكلام أي منعناهم أن يقفوا على كُنهه ، أو مفعولٌ له أي كراهةَ أن يفقهوه { وَجَعَلْنَا على } أي جعلنا فيها { وِقْراً } ثِقَلاً يمنعهم من استماعه { وَإِن تَدْعُهُمْ إلى الهدى فَلَنْ يَهْتَدُواْ إِذاً أَبَداً } أي فلن يكون منهم اهتداءٌ البتةَ مدةَ التكليف ، وإذن جزاءٌ للشرط وجوابٌ عن سؤال النبي عليه الصلاة والسلام المدلولِ عليه بكمال عنايتِه بإسلامهم ، كأنه قال عليه الصلاة والسلام : « مالي لا أدعوهم؟ » فقيل : إن تدعهم الخ ، وجمعُ الضميرِ الراجع إلى الموصول في هذه المواضع الخمسة باعتبار معناه كما أن إفراده في المواطن الخمسة المتقدمة باعتبار لفظِه .
وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (58) وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (59) وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا (60)
{ وَرَبُّكَ } مبتدأ وقوله تعالى : { الغفور } خبرُه وقوله تعالى : { ذُو الرحمة } أي الموصوفُ بها ، خبرٌ بعد خبرٍ ، وإيرادُ المغفرة على صيغة المبالغة دون الرحمة للتنبيه على كثرة الذنوب ، ولأن المغفرةَ تركُ المضارّ وهو سبحانه قادرٌ على ترك ما لا يتناهى من العذاب ، وأما الرحمةُ فهي فعل وإيجادٌ ولا يدخل تحت الوجود إلا ما يتناهى ، وتقديمُ الوصف الأولِ لأن التخليةَ قبل التحلية أو لأنه أهمُّ بحسب الحال إذ المقامُ مقامُ بيانِ العقوبة عنهم بعد استيجابهم لها كما يُعرب عنه قوله عز وجل : { لَوْ يُؤَاخِذُهُم } أي لو يريد مؤاخذتهم { بِمَا كَسَبُواْ } من المعاصي التي من جملتها ما حُكي عنهم من مجادلتهم بالباطل وإعراضِهم عن آيات ربهم وعدمِ المبالاة بما اجترحوا من المُوبقات { لَعَجَّلَ لَهُمُ العذاب } لاستيجاب أعمالِهم لذلك ، وإيثارُ المؤاخذةِ المنبئة عن شدة الأخذِ بسرعة على التعذيب والعقوبةِ ونحوهما للإيذان بأن النفيَ المستفادَ من مقدَّم الشرطية متعلقٌ بوصف السرعة كما ينبىء عنه تاليها ، وإيثارُ صيغة الاستقبال وإن كان المعنى على المضيّ لإفادة أن انتفاءَ تعجيلِ العذاب لهم بسبب استمرار عدمِ إرادة المؤاخذة فإن المضارعَ الواقعَ موقعَ الماضي يفيد استمرارَ انتفاءِ الفعل فيما مضى كما حُقق في موضعه { بَل لَّهُم مَّوْعِدٌ } اسمُ زمان هو يومُ القيامة ، والمجلةُ معطوفةٌ على مقدر كأنه قيل : لكنهم ليسوا بمؤاخذين بغتةً { لَّن يَجِدُواْ } البتةَ { مِن دُونِهِ مَوْئِلاً } منْجى أو ملجأً ، يقال : وأل أي نجا ووأل إليه أي لجأ إليه . (4/271)
{ وَتِلْكَ القرى } أي قرى عاد وثمودَ وأضرابِها ، وهي مبتدأٌ على تقدير المضافِ أي وأهلُ تلك القرى خبرُه قوله تعالى : { أهلكناهم } أو مفعولٌ مضمرٌ مفسر به { لَمَّا ظَلَمُواْ } أي وقت ظلمِهم كما فعلت قريشٌ بما حُكي عنهم من القبائح ، وتركُ المفعول إما لتعميم الظلم أو لتنزيله منزلةَ اللازم أي لما فعلوا الظلم ، ولمّا إما حرفٌ كما قال ابنُ عصفور ، وإما ظرفٌ استعمل للتعليل وليس المرادُ به الوقتَ المعين الذي عملوا فيه الظلم بل زمانٌ ممتدٌ من ابتداء الظلم إلى آخره { وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِم } أي عيّنّا لهلاكهم { مَّوْعِدًا } أي وقتاً معيناً لا محيدَ لهم عن ذلك ، وهذا اسشهاد على ما فُعل بقريش من تعيين الموعد ليتنبهوا لذلك ولا يغتروا بتأخر العذاب ، وقرىء بضم الميم وفتح اللام أي إهلاكهم وبفتحهما .
{ وَإِذْ قَالَ موسى } نصب بإضمار فعل ، أي اذكر وقت قوله عليه السلام { لفتاه } وهو يوشعُ بن نونٍ بنِ أفرايمَ بنِ يوسفَ عليه السلام ، سُمّي فتاه إذ كان يخدُمه ويتبعه ، وقيل : كان يتعلم منه ويسمى التلميذُ فتًى وإن كان شيخاً ، ولعل المرادَ بتذكيره عَقيب بيانِ أن لكل أمة موعداً تذكيرُ ما في القصة من موعد الملاقاة مع ما فيها من سائر المنافعِ الجليلة { لا أَبْرَحُ } من برِح الناقصِ كزال يزال ، أي لا أزال أسير فحُذف الخبر اعتماداً على قرينة الحالِ إذْ كان ذلك عند التوجه إلى السفر واتكالاً على ما يعقُبه من قوله : { حتى أَبْلُغَ } فإن ذلك غايةٌ تستدعي ذا غايةً يؤدّي إليها ، ويجوز أن يكون أصلُ الكلام لا يبرَح مسيري حاصلاً حتى أبلُغ فيُحذف المضافُ ويقام المضافُ إليه مُقامَه فينقلب الضمير البارزُ المجرورُ المحلِّ مرفوعاً مستكنًّا ، والفعلُ من صيغة الغَيبة إلى التكلم .
ويجوز أن يكون من برح التامِّ كزال يزول أي لا أفارق ما أنا بصدده حتى أبلغ { مَجْمَعَ البحرين } هو ملتقى بحرِ فارسَ والروم مما يلي المشرِق ، وقيل : طَنْجَةُ ، وقيل : هما الكر والرس بإرْمِيْنِيةَ ، وقيل : إِفْرِيقِيَّة ، وقرىء بكسر الميم كمشرق { أَوْ أَمْضِىَ حُقُباً } أسير زماناً طويلاً أتيقن معه فواتَ المطلب والحُقب الدهرُ أو ثمانون سنة ، وكان منشأُ هذه العزيمة أن موسى عليه السلام لما ظهر على مصر مع بني إسرائيلَ واستقروا بها بعد هلاكِ القِبْط أمره الله عز وجل أن يذكّر قومَه النعمةَ فقام فيهم خطيباً بخطبة بديعةٍ رقت بها القلوبُ وذرَفت العيون ، فقالوا له : مَنْ أعلمُ الناس؟ قال : أنا . فعتب الله تعالى عليه إذ لم يردّ العلم إليه عز وجل فأوحى إليه : « بل أعلمُ منك عبدٌ لي عند مجمع البحرين وهو الخِضْرُ عليه السلام » . وكان في أيام أفريذون قبل موسى عليه السلام وكان على مقدّمة ذي القرنين وبقي إلى أيام موسى . وقيل : ( إن موسى عليه السلام سأل ربه : أيُّ عبادِك أحبُّ إليك؟ قال : « الذي يذكرُني ولا ينساني » قال : فأيُّ عبادك أقضى؟ قال : « الذي يقضي بالحق ولا يتبع الهوى » قال : فأيُّ عبادك أعلمُ؟ قال : « الذي يبتغي علمَ الناس إلى علمه عسى أن يصيب كلمةً تدله على هدى ، أو تردّه عن ردَى » فقال : إن كان في عبادك من هو أعلمُ مني فدلَّني عليه ، قال : « أعلمُ منك الخِضْرُ » قال : أين أطلبه؟ قال : « على ساحل البحر عند الصخرة » قال : يا رب كيف لي به؟ قال : « تأخذ حوتاً في مِكْتل فحيثما فقَدته فهو هناك » . فأخذ حوتاً فجعله في مِكتل ، فقال لفتاه : إذا فقدتَ الحوتَ فأخبرني فذهبا يمشيان ) . (4/272)
فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا (61) فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آَتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (62)
{ فَلَمَّا بَلَغَا } الفاءُ فصيحة كما أشير إليه { مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا } أي مجمعَ البحرين ، وبينِهما ظرفٌ أضيف إليه اتساعاً أو بمعنى الوصل { نَسِيَا حُوتَهُمَا } الذي جُعل فقدانُه أمارةَ وُجدانِ المطلوب أي نسيا تفقّد أمره وما يكون منه ، وقيل : نسي يوشع أن يقدّمه وموسى عليه السلام أن يأمره فيه بشيء ، روي أنهما لما بلغا مجمع البحرين وفيه الصخرةُ وعينُ الحياة التي لا يصيب ماؤها ميْتاً إلا حيِيَ وضعا رؤوسَهما على الصخرة فناما فلما أصاب الحوتَ بردُ الماء ورَوحُه عاش ، وقد كانا أكلا منه وكان ذلك بعد ما استيقظ يوشع عليه السلام ، وقيل : توضأ عليه السلام من تلك العينِ فانتضح الماءُ على الحوت فعاش فوقع في الماء { فاتخذ سَبِيلَهُ فِى البحر سَرَباً } مسلَكاً كالسرب وهو النفق ، قيل : أمسك الله عز وجل جريةَ الماء على الحوت فصار كالطاق عليه معجزةً لموسى أو للخضر عليهما السلام ، وانتصابُ سَرباً على أنه مفعولٌ ثانٍ لاتخذ وفي البحر حال منه أو من السبيل ويجوز أن يتعلق باتخذ . (4/273)
{ فَلَمَّا جَاوَزَا } أي مجمعَ البحرين الذي جُعل موعداً للملاقاة ، قيل : أدلجا وسارا الليلةَ والغدَ إلى الظهر وأُلقي على موسى عليه السلام الجوعُ فعند ذلك { قَالَ لفتاه ءاتِنَا غَدَاءنَا } أي ما نتغدى به وهو الحوتُ كما ينبىء عنه الجواب { لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هذا } إشارةٌ إلى ما سارا بعد مجاوزةِ الموعد { نَصَباً } تعباً وإعياءً ، قيل : لم ينصَبْ ولم يجُعْ قبل ذلك ، والجملةُ في محل التعليل للأمر بإيتاء الغداء إما باعتبار أن النصَبَ إنما يعتري بسبب الضعفِ الناشىء عن الجوع وإما باعتبار ما في أثناء التغدي من استراحة ما .
قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا (63) قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آَثَارِهِمَا قَصَصًا (64)
{ قَالَ } أي فتاه عليه السلام : { أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصخرة } أي التجأنا إليها وأقمنا عندها . وذكرُ الإِواءِ إليها مع أن المذكور فيما سبق مرتين بلوغُ مجمعِ البحرين لزيادة تعيينِ محلِّ الحادثة ، فإن المجمَع محلٌ متسعٌ لا يمكن تحقيقُ المراد المذكور بنسبة الحادثةِ إليه ولتمهيد العذر فإن الإِواءَ إليها والنومَ عندها مما يؤدي إلى النسيان عادة ، والرؤيةُ مستعارةٌ للمعرفة التامة والمشاهدة الكاملةِ ، ومرادُه بالاستفهام تعجيبُ موسى عليه السلام مما اعتراه هناك من النسيان مع كون ما شاهده من العظائم التي لا تكاد تنسى ، وقد جُعل فقدانُه فقدانُه علامةً لوجدان المطلوب وهذا أسلوبٌ معتادٌ فيما بين الناس ، يقول أحدهم لصاحبه إذا نابه خطب : أرأيتَ ما نابني؟ يريد بذلك تهويلَه وتعجيبَ صاحبه منه وأنه مما لا يعهد وقوعُه لا استخبارُه عن ذلك كما قيل ، والمفعولُ محذوفٌ اعتماداً على ما يدل عليه من قوله عز وجل : { فَإِنّى نَسِيتُ الحوت } وفيه تأكيدٌ للتعجيب وتربيةٌ لاستعظام المنسيِّ ، وإيقاعُ النسيان على اسم الحوتِ دون ضمير الغَداءِ مع أنه المأمورُ بإتيانه للتنبيه من أول الأمر على أنه ليس من قبيل نِسيان المسافرِ زادَه في المنزل وأن ما شاهده ليس من قبيل الأحوالِ المتعلقة بالغداء من حيث هو غَداءٌ وطعامٌ ، بل من حيث هو حوتٌ كسائر الحِيتان مع زيادة أي نسِيتُ أن أذكر لك أمرَه وما شاهدتُ منه من الأمور العجيبة { وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلاَّ الشيطان } بوسوسته الشاغلةِ عن ذلك وقوله تعالى : { أَنْ أَذْكُرَهُ } بدلُ اشتمال من الضمير أي ما أنساني أن أذكرَه لك ، وفي تعليق الإنساء بضمير الحوتِ أولاً وبذكره له ثانياً على طريق الإبدالِ المنبىء عن تنحية المبدَل منه إشارةٌ إلى أن متعلَّقَ النسيان أيضاً ليس نفسَ الحوتِ بل ذكرُ أمره ، وقرىء أن أذكّره ، وإيثارُ أن أذكُرَه على المصدر للمبالغة فإن مدلوله نفسُ الحدث عند وقوعه ، والحالُ وإن كانت غريبةً لا يُعهد نسيانُها لكنه لما تعوّد بمشاهدة أمثالِها عند موسى عليه السلام وألِفَها قل اهتمامه بالمحافظة عليها { واتخذ سَبِيلَهُ فِى البحر عَجَبًا } بيانٌ لطرف من أمر الحوتِ منبىءٌ عن طرف آخرَ منه ، وما بينهما اعتراضٌ قُدم عليه للاعتناء بالاعتذار ، كأنه قيل : حَيِيَ واضطرب ووقع في البحر واتخذ سبيله فيه سبيلاً عجباً ، فعجباً ثاني مفعولَي اتخَذ والظرفُ حالٌ من أولهما أو ثانيهما ، أو هو المفعولُ الثاني وعجباً صفةُ مصدرٍ محذوفٍ أي اتخاذاً عحباً وهو كونُ مسلَكه كالطاق والسرَب ، أو مصدرُ فعلٍ محذوف أي أتعجب منه عجباً ، وقد قيل : إنه من كلام موسى عليه الصلاة والسلام وليس بذاك . (4/274)
{ قَالَ } أي موسى عليه السلام { ذلك } الذي ذكرتَ من أمر الحوت { مَا كُنَّا نَبْغِ } وقرىء بإثبات الياء ، والضميرُ العائد إلى الموصول محذوفٌ ، أصلُه نبغيه أي نطلبه لكونه أَمارةً للفوز بالمرام { فارتدا } أي رجعا { على ءاثَارِهِمَا } طريقِهما الذي جاءا منه { قَصَصًا } يقُصان قَصصاً أي يتّبعان آثارَهما اتباعاً أو مقتصّين حتى أتيا الصخرة .
فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (65) قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (66) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (67) وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (68) قَالَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (69)
{ فَوَجَدَا عَبْدًا مّنْ عِبَادِنَا } التنكيرُ للتفخيم والإضافةُ للتشريف والجمهور على أنه الخِضْرُ واسُمه بَلْيَا بنُ مَلْكَان ، وقيل : اليسع ، وقيل : إلياس عليهم الصلاة والسلام { رَحْمَةً مّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ } هي الوحيُ والنبوةُ كما يُشعِرُ به تنكيرُ الرحمة واختصاصُها بجناب الكبرياء { وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا } خاصاً لا يُكتنه كُنهُه ولا يقادر قدرُه وهو علمُ الغيوب . (4/275)
{ قَالَ لَهُ موسى } استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من السباق ، كأنه قيل : فماذا جرى بينهما من الكلام؟ فقيل : قال له موسى : { هَلْ أَتَّبِعُكَ على أَن تُعَلّمَنِ } استئذاناً منه في اتّباعه له على وجه التعلم { مِمَّا عُلّمْتَ رُشْداً } أي علماً ذا رُشدٍ أرشُد به في ديني ، والرشدُ إصابةُ الخير ، وقرىء بفتحتين وهو مفعولُ تعلّمنِ ومفعول عُلّمت محذوفٌ وكلاهما منقولٌ من عِلم المتعدي إلى مفعول واحد ، ويجوز كونُه علةً لأتبعُك أو مصدراً بإضمار فعله ، ولا ينافي نبوتَه وكونَه صاحبَ شريعةٍ أن يتعلم من نبي آخرَ ما لا تعلقَ له بأحكام شريعتِه من أسرار العلومِ الخفية ، ولقد راعى في سَوق الكلام غايةَ التواضع معه عليهما السلام .
{ قَالَ } أي الخِضْر : { إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً } نفى عنه استطاعةَ الصبر معه على وجه التأكيد كأنه مما لا يصِحّ ولا يستقيم وعلله بقوله : { وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً } إيذاناً بأنه يتولى أموراً خفيةَ المدارِ مُنْكَرةَ الظواهرِ ، والرجلُ الصالح لا سيما صاحبِ الشريعة لا يتمالك أن يشمئز عند مشاهدتها . وفي صحيح البخاري قال : « يا موسى إنى على علمٍ من علم الله تعالى علَّمنيه لا تعلَمُه وأنت على علمٍ من علم الله علّمكه الله لا أعلمه » وخبراً تمييز أي لم يحط به خبرك .
{ قَالَ } موسى عليه الصلاة والسلام : { سَتَجِدُنِى إِن شَاء الله صَابِرًا } معك غيرَ معترضٍ عليك ، وتوسيطُ الاستثناء بين مفعولَي الوُجدان لكمال الاعتناءِ بالتيمّن ولئلا يُتوهّم بالصبر { وَلاَ أَعْصِى لَكَ أمْراً } عطف على صابراً أي ستجدني صابراً وغيرَ عاصٍ ، وفي وعد هذا الوُجدان من المبالغة ما ليس في الوعد بنفس الصبرِ وتركِ العصيان ، أو على ستجدني فلا محلَّ له من الإعراب والأولُ هو الأولى لما عرفته ولظهور تعلقِه بالاستثناء حينئذ ، وفيه دليلٌ على أن أفعالَ العبادِ بمشيئة الله سبحانه وتعالى .
قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا (70) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (71) قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (72) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا (73) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (74)
{ قَالَ فَإِنِ اتبعتنى } أذِن له في الاتّباع بعد اللتيا والتي ، والفاءُ لتفريع الشرطيةِ على ما مر من التزام موسى عليه الصلاة والسلام للصبر والطاعة { فَلاَ تَسْأَلْنى عَن شَىء } تشاهده من أفعالي أي لا تفاتحْني بالسؤال عن حكمته فضلاً عن المناقشة والاعتراض { حتى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً } أي حتى أبتدىء ببيانه ، وفيه إيذانٌ بأن كلَّ ما صدر عنه فله حكمةٌ وغايةٌ حميدةٌ البتةَ ، وهذا من أدب المتعلم مع العالم والتابعِ مع المتبوع ، وقرىء فلا تسألَنّي بالنون المثقلة . (4/276)
{ فانطلقا } أي موسى والخضِرُ عليهما الصلاة والسلام على الساحل يطلبان السفينةَ ، وأما يوشعُ فقد صرفه موسى عليه الصلاة والسلام إلى بني إسرائيلَ ، قيل : إنهما مرا بسفينة فكلّما أهلها فعرفوا الخضِرَ فحملوهما بغير نَول { حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى السفينة } استعمالُ الركوب في أمثال هذه المواقع بكلمة في مع تجريده عنها في مثل قوله عز وجل : { لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً } على ما يقتضيه تعديتُه بنفسه لِما أشرنا إليه في قوله تعالى : { وَقَالَ اركبوا فِيهَا } لا لما قيل : من أن في ركوبها معنى الدخول { خَرَقَهَا } قيل : خرقها بعد ما لججوا حيث أخذ فأساً فقلع من ألواحها لوحين مما يلي الماء ، فعند ذلك { قَالَ } موسى عليه السلام { أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا } من الإغراق ، وقرىء بالتشديد من التغريق وليغرَقَ أهلُها من الثلاثي { لَقَدْ جِئْتَ } أتيت وفعلت { شَيْئًا إِمْرًا } أي عظيماً هائلاً من أمرِ الأمرُ إذا عظُم ، قيل : الأصل أَمِراً فخفف .
{ قَالَ } أي الخضِرُ عليه السلام : { أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً } تذكيرٌ لما قاله من قبلُ وتحقيقٌ لمضمونه متضمنٌ للإنكار على عدم الوفاء بوعده { قَالَ لاَ تُؤَاخِذْنِى بِمَا نَسِيتُ } بنيساني أو بالذي نسِيتُه أي بشيء نسيتُه وهو وصيتُه بأن لا يسألَه عن حكمة ما صدر عنه من الأفعال الخفيةِ الأسبابِ قبلَ بيانه ، أراد أنه نسِيَ وصيته ولا مؤاخذةَ على الناسي كما ورد في صحيح البخاريّ من أن الأولَ كان من موسى نسياناً ، أو أَخْرج الكلامَ في معرِض النهي عن المؤاخذة بالنسيان يوهمه أنه قد نسِيَ ليبسُطَ عذرَه في الإنكار ، وهو من معاريض الكلام التي يتقى بها الكذبُ مع التوصل إلى الغرض ، أو أراد بالنسيان التركَ أي لا تؤاخذني بما تركت من وصيتك أول مرة { وَلاَ تُرْهِقْنِى } أي لا تُغشِّني ولا تحمّلني { مِنْ أَمْرِى } وهو اتباعه إياه { عُسْراً } أي لا تعسِّرْ عليّ متابعتك ويسِّرها عليّ بالإغضاء وتركِ المناقشة ، وقرىء عُسُراً بضمتين .
{ فانطلقا } الفاءُ فصيحةٌ أي فقِبل عذرَه فخرجا من السفينة فانطلقا { حتى إِذَا لَقِيَا غُلاَمًا فَقَتَلَهُ } قيل : كان الغلامُ يلعب مع الغلمان ففتل عُنقَه ، وقيل : ضرب برأسه الحائطَ ، وقيل : أضجعه فذبحه بالسكين { قَالَ } أي موسى عليه الصلاة والسلام : { أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً } طاهرةً من الذنوب ، وقرىء زاكيةً { بِغَيْرِ نَفْسٍ } أي بغير قتلِ نفسٍ محرمة؟ وتخصيصُ نفْي هذا المبيحِ بالذكر من بين سائرِ المبيحات من الكفر بعد الإيمان والزنا بعد الإحصانِ لأنه الأقربُ إلى الوقوع نظراً إلى حال الغلام ، ولعل تغييرَ النظمِ الكريم بجعل ما صدر عن الخضِر عليه الصلاة والسلام هاهنا من جملة الشرطِ ، وإبرازِ ما صدر عن موسى عليه الصلاة والسلام في معرض الجزاءِ المقصودِ إفادتُه مع أن الحقيقَ بذلك إنما هو ما صدر عن الخضر عليه الصلاة والسلام من الخوارق البديعة لاستشراف النفسِ إلى ورود خبرِها لقلة وقوعِها في نفس الأمر ونُدرة وصولِ خبرها إلى الأذهان ، ولذلك روعيت تلك النكتةُ في الشرطية الأولى لما أن صدورَ الخوارقِ منه عليه الصلاة والسلام خرج بوقوعه مرة مَخرجَ العادة ، فانصرفت النفسُ عن ترقبّه إلى ترقب أحوالِ موسى عليه الصلاة والسلام هل يحافظ على مراعاة شرطِه بموجب وعدِه الأكيدِ عند مشاهدةِ خارقٍ آخرَ ، أو يسارع إلى المناقشة كما مر في المرة الأولى؟ فكان المقصودُ إفادةَ ما صدر عنه عليه الصلاة والسلام ففعل ما فعل ولله درُّ شأنِ التنزيل .
وأما ما قيل من أن القتلَ أقبحُ والاعتراضَ عليه أدخلُ فكان جديراً بأن يُجعل عمدةً في الكلام فليس من دفع الشبهةِ في شيء بل هو مؤيدٌ لها ، فإن كونَ القتل أقبحَ من مبادي قلة صدورِه عن المؤمن العاقلِ ونُدرةِ وصولِ خبره إلى الأسماع ، وذلك مما يستدعي جعلَه مقصوداً بالذات وكونَ الاعتراضِ عليه أدخلَ من موجبات كثرة صدورِه عن كل عاقل وذلك مما لا يقتضي جعله كذلك { لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُّكْراً } قيل : معناه أنكرُ من الأول إذا لا يمكن تدارُكه كما يمكن تداركُ الأول بالسدّ ونحوِه ، وقيل : الأمرُ أعظمُ من النُّكر لأن قتلَ نفس واحدةٍ أهونُ من إغراق أهلِ السفينة . (4/277)
قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (75) قَالَ إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا (76) فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (77)
{ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِىَ صَبْراً } زيد ( لك ) لزيادة المكافحةِ بالعتاب على رفض الوصيةِ وقلة التثبّتِ والصبرِ لمّا تكرر منه الاشمئزازُ والاستنكار ولم يَرعَوِ بالتذكير حتى زاد النكير في المرة الثانية { قَالَ } أي موسى عليه الصلاة والسلام : { إِن سَأَلْتُكَ عَن شَىْء بَعْدَهَا } أي بعد هذه المرة { فَلاَ تُصَاحِبْنِى } وقرىء من الإفعال أي لا تجعلني صاحبك { قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنّى عُذْراً } أي قد أعذرتَ ووجدتَ من قِبلي عُذراً حيث خالفتُك ثلاثَ مرات . عن النبي صلى الله عليه وسلم : « رحم الله أخي موسى استحْيى فقال ذلك ، لو لبث مع صاحبه لأبصرَ أعجبَ الأعاجيب » وقرىء لدُني بتخفيف النون ، وقرىء بسكون الدال كعضْد في عضُد . (4/278)
{ فانطلقا حتى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ } هي أنطاكيةُ ، وقيل : أَيْلةُ وهي أبعدُ أرض الله من السماء ، وقيل : هي برقة ، وقيل : بلدة بأندلس . عن النبي صلى الله عليه وسلم : « كانوا أهلَ قرية لئاما » وقيل : شرُّ القرى التي لا يضاف فيها الضيفُ ولا يُعرف لابن السبيل حقُّه ، وقوله تعالى : { استطعما أَهْلَهَا } في محل الجرِّ على أنه صفةٌ لقرية ، ولعل العدولَ عن استطعامهم على أن يكون صفةً للأهل لزيادة تشنيعهم على سوء صنيعِهم فإن الإباءَ من الضيافة وهم أهلُها قاطنون بها أقبحُ وأشنع . روي أنهما طافا في القرية فاستطعماهم فلم يطعموهما واستضافاهم { فَأَبَوْاْ أَن يُضَيّفُوهُمَا } بالتشديد ، وقرىء بالتخفيف من الإضافة ، يقال : ضافه إذا كان له ضيفاً وأضافه وضيّفه أنزله وجعله ضيفاً له ، وحقيقةُ ضاف مال إليه من ضاف السهمُ عن الغرَض ونظيرُه زاره من الازورار .
{ فَوَجَدَا فِيهَا جِدَاراً يُرِيدُ أَن يَنقَضَّ } أي يداني أن يسقُط فاستعيرت الإرادةُ للمشارفة للدِلالة على المبالغة في ذلك ، والانقضاضُ الإسراعُ في السقوط وهو انفعالٌ من القضّ ، يقال : قتُه فانقضّ ، ومنه انقضاضُ الطير والكوكبِ لسقوطه بسرعة ، وقيل : هو افْعِلالٌ من النقض كاحمرّ من الحُمرة ، وقرىء أن ينقُض من النقْض وأن ينقاض من انقاضّت السن إذا انشقت طولاً { فَأَقَامَهُ } قيل : مسحه بيده فقام ، وقيل : نقضه وبناه ، وقيل : أقامه بعمود عمَده به ، قيل : كان سَمكُه مائةَ ذراع { قَالَ لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْراً } تحريضاً له على أخذ الجُعْل لينتعشا به أو تعريضاً بأنه فضولٌ لما في لو من النفي ، كأنه لما رأى الحِرمانَ ومِساسَ الحاجة واشتغالَه بما لا يعنيه لم يتمالك الصبرَ ، واتخذ افتعل من تخِذ بمعنى أخذ كاتبع من تبع وليس من الأخذ عند البصريين ، وقرىء لتَخِذْتَ أي لأخذت ، وقرىء بإدغام الذال في التاء .
قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (78) أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (79)
{ قَالَ } أي الخَضِر عليه الصلاة والسلام : { هذا فِرَاقُ بَيْنِى وَبَيْنِكَ } على إضافة المصدرِ إلى الظرف اتساعاً وقد قرىء على الأصل ، والمشارُ إليه إما نفسُ الفِراق كما في هذا أخوك ، أو الوقتُ الحاضرُ أي هذا الوقتُ وقتُ فراق بيني وبينِك ، أو السؤالُ الثالث ، أي هذا سببُ ذلك الفراقِ حسبما هو الموعودُ { سَأُنَبّئُكَ } السين للتأكيد لعدم تراخي التنبئة { بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْراً } التأويلُ رجْعُ الشيءِ إلى مآله والمرادُ به هاهنا المآلُ والعاقبةُ إذ هو المنبَّأُ به دون التأويل وهو خلاصُ السفينة من اليد العادِيَة ، وخلاصُ أبوَي الغلام من شره مع الفوز بالبدل الأحسنِ واستخراجُ اليتيمين للكنز ، وفي جعل صلةِ الموصول عدمَ استطاعةِ موسى عليه الصلاة والسلام للصبر دون أن يقال : بتأويل ما فعلتُ أو بتأويل ما رأيتَ ونحوِهما نوعُ تعريضٍ به عليه الصلاة والسلام وعتاب . (4/279)
{ أَمَّا السفينة } التي خرقتُها { فَكَانَتْ لمساكين } لضعفاءَ لا يقدرون على مدافعة الظَّلَمة ، وقيل : كانت لعشرة إخوةٍ خمسةٌ زمنى وخمسة { يَعْمَلُونَ فِى البحر } وإسنادُ العمل إلى الكل حينئذ إنما هو بطريق التغليب أو لأن عملَ الوكلاءِ عمل الموكِّلين { فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا } أي أجعلها ذاتَ عيب { وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ } أي أمامَهم وقد قرىء به أو خلفَهم وكان رجوعُهم عليه لا محالة واسمه جَلَندَي بنُ كركر ، وقيل : منولة بن جلندي الأزْدي { يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ } أي صالحةٍ وقد قرىء كذلك { غَصْباً } من أصحابها وانتصابُه على أنه مصدرٌ مبينٌ لنوع الأخذ ، ولعل تفريعَ إرادةِ تعييب السفينةِ على مسكنة أصحابِها قبل بيان خوفِ الغصْب مع أن مدارَها كلا الأمرين ، للاعتناء بشأنها إذ هي المحتاجةُ إلى التأويل ، وللإيذان بأن الأقوى في المدارية هو الأمرُ الأولُ ولذلك لا يبالي بتخليص سفنِ سائرِ الناس مع تحقق خوفِ الغصبِ في حقهم أيضاً ، ولأن في التأخير فصلاً بين السفينة وضميرِها مع توهم رجوعِه إلى الأقرب .
وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا (80) فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (81) وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا (82)
{ وَأَمَّا الغلام } الذي قتلتُه { فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ } لم يصرح بكفرانه أو بكفره إشعاراً بعدم الحاجة إلى الذكر لظهوره { فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا } فخِفنا أن يغْشَى الوالدَين المؤمنَين { طُغْيَانًا } عليهما { وَكُفْراً } لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعِه ويُلحق بهما شراً وبلاءً ، أو يُقرَنَ بإيمانهما طغيانُه وكفره فيجتمَع في بيت واحد مؤمنان وطاغٍ كافرٌ ، أو يُعدِيَهما بدائه ويُضلّهما بضلاله فيرتدّا بسببه ، وإنما خشِيَ الخَضِر عليه الصلاة والسلام منه ذلك لأن الله سبحانه أعلمه بحاله وأطلعه على سر أمرِه ، وقرىء فخاف ربك أي كره سبحانه كراهةَ مَن خاف سوء عاقبة الأمر فغيّره ، ويجوز أن تكون القراءةُ المشهورة على الحكاية بمعنى فكرِهنا كقوله تعالى : { لاِهَبَ لَكِ } { فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْراً } منه بأن يرزُقهما بدلَه ولداً خيراً { مِنْهُ } وفي التعرض لعنوان الربوبيةِ والإضافةِ إليهما ما لا يخفى من الدِلالة على إرادة وصولِ الخير إليهما { زكواة } طهارةً من الذنوب والأخلاق الرديئة { وَأَقْرَبَ رُحْماً } أي رحمةً وعطفاً ، قيل : وُلدت لهما جاريةٌ تزوجها نبي فولدت نبياً هدى أي تعالى على يده أمةً من الأمم ، وقيل : ولدت سبعين نبياً ، وقيل : أبدلهما ابناً مؤمناً مثلَهما ، وقرىء رُحُماً بضم الحاء أيضاً وانتصابُه على التمييز مثلُ زكوة . (4/280)
{ وَأَمَّا الجدار } المعهودُ { فَكَانَ لغلامين يَتِيمَيْنِ فِى المدينة } هي القريةُ المذكورة فيما سبق ، ولعل التعبيرَ عنها بالمدينة لإظهار نوعِ اعتدادٍ بها باعتداد ما فيها من اليتيمين وأبيهما الصالحِ ، قيل : اسماهما أصرم وصريم واسمُ المقتول جيسور { وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا } من فضة وذهب كما رُوي مرفوعاً . والذمُّ على كنزهما في قوله عز وجل : { والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة } لمن لا يؤدي زكاتَهما وسائرَ حقوقهما . وقيل : كان لوحاً من ذهب مكتوباً فيه : ( عجبْتُ لمن يؤمن بالقدر كيف يحزَن ، وعجبتُ لمن يؤمن بالرزق كيف يتعَب ، وعجبت لمن يؤمن بالموت كيف يفرح ، وعجبت لمن يؤمن بالحساب كيف يغفُل ، وعجبت لمن يعرِف الدنيا وتقلُّبَها بأهلها كيف يطمئن إليها ، لا إله إلا الله محمد رسول الله ) . وقيل : صحفٌ فيها علم . { وَكَانَ أَبُوهُمَا صالحا } تنبيهٌ على أن سعيَه في ذلك كان لصلاحه ، قيل : كان بينهما وبين الأب الذي حُفظا فيه سبعةُ آباء { فَأَرَادَ رَبُّكَ } أي مالكُك ومدبرُ أمورك ، ففي إضافة الربِّ إلى ضمير موسى عليه الصلاة والسلام دون ضميرهما تنبيهٌ له عليه الصلاة والسلام على تحتم كمالِ الانقيادِ والاستسلامِ لإرادته سبحانه ووجوبِ الاحترازِ عن المناقشة فيما وقع بحسبها من الأمور المذكورة { أَن يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا } أي حُلُمَهما وكمالَ رأيهما { وَيَسْتَخْرِجَا } بالكلية { كَنزَهُمَا } من تحت الجدار ولولا أني أقمتُه لانقضّ وخرج الكنزُ من تحته قبل اقتدارهما على حفظ المال وتنميتِه وضاع { رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } مصدرٌ في موقع الحال أي مرحومَين منه عز وجل ، أو مفعولٌ له أو مصدرٌ مؤكدٌ لأراد فإن إرادةَ الخير رحمةٌ ، وقيل : متعلقٌ بمضمر أي فعلتُ ما فعلتُ من الأمور التي شاهدتَها رحمةً من ربك ، ويعضُده إضافةُ الرب إلى ضمير المخاطبِ دون ضميرهما فيكون قوله عز وعلا : { وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِى } أي عن رأيي واجتهادي تأكيداً لذلك { ذلك } إشارة إلى العواقب المنظومةِ في سلك البيان ، وما فيه معنى البُعد للإيذان ببُعد درجتِها في الفخامة { تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع } أي لم تستطع فحُذف التاء للتخفيف { عَّلَيْهِ صَبْراً } من الأمور التي رابتْه أي مآلُه وعاقبتُه فيكون إنجازاً للتنبئة الموعودةِ ، أو إلى البيان نفسه فيكون التأويلُ بمعناه ، وعلى كل حالٍ فهو فذلكةٌ لما تقدم ، وفي جعل الصلة عينَ ما مر تكريرٌ للنكير وتشديدٌ للعتاب .
وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83)
تنبيه : اختلفوا في حياة الخضر عليه الصلاة والسلام ، فقيل : إنه حيٌّ وسببُه أنه كان على مقدمة ذي القرنين فلما دخل الظلماتِ أصاب الخضرُ عينَ الحياة فنزل واغتسل منها وشرب من مائها وأخطأ ذو القرنين الطريقَ فعاد ، قالوا : وإلياسُ أيضاً في الحياة يلتقيان كلَّ سنة بالموسم ، وقيل : إنه ميتٌ لما رُوي أن النبي عليه الصلاة والسلام صلى العشاءَ ذاتَ ليلة ، ثم قال : " أرأيتَكم ليلتَكم هذه فإن رأسَ مائةِ سنة منها لا يبقي ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحدٌ ولو كان الخضرُ حينئذ حيًّا لما عاش بعد مائة عام " . رُوي أن موسى عليه الصلاة والسلام لما أراد أن يفارقه ، قال له : أوصِني ، قال : لا تطلب العلمَ لتحدّث به واطلبُه لتعمل به . (4/281)
{ وَيَسْأَلُونَكَ عَن ذِى القرنين } هم اليهودُ سألوه على وجه الامتحانِ ، أو سألتْه قريشٌ بتلقينهم ، وصيغةُ الاستقبال للدِلالة على استمرارهم على ذلك إلى ورود الجوابِ وهو ذو القرنين الأكبرُ واسمه ( الإسكندرُ بنُ فيلفوس اليوناني ) ، وقال ابن إسحاق : اسمُه ( مَرزُبانُ بنُ مردبةَ ) من ولد يافثَ بنِ نوح عليه الصلاة والسلام وكان أسودَ ، وقيل : اسمُه ( عبد اللَّه بن الضحاك ) ، وقيل : ( مصعبُ بنُ عبد اللَّه بنِ فينانَ بنِ منصور بنِ عبد اللَّه بن الآزَرِ بن عون بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يعرُبَ بن قحطانَ ) . وقال السهيلي : قيل : إن اسمه ( مَرْزُبانُ بنُ مُدرِكةَ ) ذكره ابن هشام وهو أول التبابِعة . وقيل : إنه أفريذون بنُ النعمانِ الذي قتل الضحاك . وذكر أبو الريحان البيروني في كتابه المسمى ب«الآثار الباقية عن القرون الخالية» أن ذا القرنين هو أبو كرب سميّ بن عيرين بن أفريقيس الحِمْيري وأن مُلكَه بلغ مشارقَ الأرض ومغاربَها وهو الذي افتخر به التبّعُ اليماني حيث قال
قد كان المشارقَ جدّي مسلما ... ملِكاً علا في الأرض غيرَ مفنَّد
بلغ المشارقَ والمغاربَ يبتغي ... أسبابَ أمرٍ من حكيم مُرشد
وجعلَ هذا القولَ أقربَ لأن الأذواءَ كانوا من اليمن كذي المنار وذي نواس وذي النون وذي رُعَين وذي يزَن وذي جَدَن . قال الإمام الرازي : والأولُ هو الأظهرُ لأن من بلغ ملكَه من السعة والقوة إلى الغاية التي نطق بها التنزيلُ الجليلُ إنما هو الإسكندر اليونانيُّ كما تشهد به كتبُ التواريخ . يروى أنه لما مات أبوه جَمع مُلكَ الروم بعد أن كان طوائفَ ، ثم قصد ملوكَ العرب وقهرَهم ، ثم أمعن حتى انتهى إلى البحر الأخضر ، ثم عاد إلى مصرَ فبنى الاسكندرية وسماها باسمه ، ثم دخل الشام وقصد بني إسرائيلَ وورد بيتَ المقدس وذبح في مذبحه ، ثم انعطف إلى أرمينيةَ وبابِ الأبواب ودان له العراقيون والقِبطُ والبربرُ ، ثم توجه نحو دارا بنِ دارا وهزمه مراراً إلى أن قتله صاحبُ حرسِه ، واستولى على ممالك الفرسِ وقصدَ الهند وفتحه وبنى مدينة سرنديبَ وغيرَها من المدن العظامِ ، ثم قصد الصينَ وغزا الأمم البعيدةَ ورجع إلى خراسانَ وبنى بها مدائنَ كثيرة ، ورجع إلى العراق ومرض بشهرزورَ ومات ، انتهى كلام الإمام .
وروي أن أهلَ النجوم قالوا له : إنك لا تموت إلا على أرض من حديد وتحت سماء من خشب ، وكان يدفِن كنزَ كل بلدةٍ فيها ويكتب ذلك بصفته وموضعِه ، فبلغ بابل فرعَف وسقط عن دابته ، فبُسطت له دروعٌ فنام عليها ، فآذته الشمس فأظلوه بترس ، فنظر فقال : هذه أرض من حديد وسماءٌ من خشب ، فأيقن بالموت فمات وهو ابنُ ألفٍ وستمائة سنة ، وقيل : ثلاثةِ آلافِ سنة . قال ابن كثير : وهذا غريب . وأغربُ منه : ما قاله ابنُ عساكر من أنه بلغني أنه عاش ستاً وثلاثين سنة أو ثنتين وثلاثين سنة ، وأنه كان بعد داود وسليمان عليهما السلام فإن ذلك لا ينطبق إلا على ذي القرنين الثاني كما سنذكره . قلت : وكذا ما ذكره الإمام من قصد بني إسرائيلَ وورودِ بيت المقدس والذبحِ في مذبحه ، فإنه مما لا يكاد يتأتى نسبتُه إلى الأول . (4/282)
واختُلف في نبوته بعد الاتفاق على إسلامه وولايتِه ، فقيل : كان نبياً لقوله تعالى : { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الأرض } وظاهر أنه متناولٌ للتمكين في الدين وكمالُه بالنبوة ، ولقوله تعالى : { واتيناه مِن كُلّ شَىْء سَبَباً } ومن جملة الأشياء النبوةُ ، ولقوله تعالى : { قُلْنَا ياذا القرنين } ونحوِ ذلك ، وقيل : كان ملكاً لما رُوي أن عمرَ رضي الله عنه سمع رجلاً يقول لآخر : يا ذا القرنين ، فقال : اللهم غفراً أما رضِيتم أن تتسموا بأسماء الملائكة .
قال ابن كثير : والصحيحُ أنه ما كان نبياً ولا ملكاً وإنما كان ملكاً صالحاً عادلاً ملَك الأقاليَم وقهر أهَلها من الملوك وغيرَهم ودانتْ له البلادُ ، وأنه كان داعياً إلى الله تعالى سائراً في الخلق بالمَعْدلة التامة والسلطانِ المؤيَّدِ المنصورِ ، وكان الخضر على مقدمة جيشِه بمنزلة المستشار الذي هو من الملك بمنزلة الوزير ، وقد ذكر الأزرقي وغيرُه أنه أسلم على يدَيْ إبراهيمَ الخليلِ عليه الصلاة والسلام فطاف معه بالكعبة هو وإسماعيلُ عليهم السلام . ورُوي أنه حج ماشياً فلما سمع إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام بقدومه تلقاه ودعا له وأوصاه بوصايا ، ويقال : إنه أُتيَ بفرس ليركب فقال : لا أركب في بلد فيه الخليل ، فعند ذلك سُخّر له السحاب وطُويَ له الأسباب وبشره إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام بذلك فكانت السحابُ تحمله وعساكرَه وجميعَ آلاتِهم إذا أرادوا غزوةَ قومٍ ، وقال أبو الطفيل : سُئل عنه عليٌّ كرم الله وجهه أكان نبياً أم ملِكاً؟ فقال : لم يكن نبياً ولا ملكاً لكن كان عبداً أحب الله فأحبه وناصح الله فناصحه سُخر له السحابُ ومُدّ له الأسباب .
واختلف في وجه تسميته بذي القرنين ، فقيل : لأنه بلغ قَرني الشمس مشرِقَها ومغربَها ، وقيل : لأنه ملَك الرومَ وفارسَ ، وقيل : الرومَ والتركَ ، وقيل : لأنه كان في رأسه أو في تاجه ما يشبه القرنين ، وقيل : كان له ذؤابتان ، وقيل : لأنه كانت صفحتا رأسِه من النحاس ، وقيل : لأنه دعا الناس إلى الله عز وجل فضَرب بقرنه الأيمنِ فمات ثم بعثه الله تعالى فضَرب بقرنه الأيسرِ فمات ثم بعثه الله تعالى ، وقيل : لأنه رأى في منامه أنه صعِد الفَلكَ فأخذ بقرني الشمس ، وقيل : لأنه انقرض في عهده قَرنان ، وقيل : لأنه سُخّر له النورُ والظلمة فإذا سرَى يهديه النورُ من أمامه وتحوطه الظلمةُ ورائه ، وقيل : لُقّب به لشجاعته .
هذا وأما ذو القرنين الثاني فقد قال ابن كثير : إنه الإسكندر بنُ فيلبسَ بنِ مصريمَ بنِ هُرمُسَ بنِ ميطونَ بنِ رومي بن ليطى بن يونان بن يافثَ بن نونه بن شرخونَ بن روميةَ بن ثونط بن نوفيلَ بن رومي بن الأصفرِ بن العنرِ بن العيصِ بن إسحاقَ بنِ إبراهيمَ الخليلِ عليهما الصلاة والسلام ، كذا نسبه ابنُ عساكرَ المقدونيُّ اليوناني المصريُّ باني الإسكندريةِ الذي يؤرِّخ بأيامه الرومُ ، وكان متأخراً عن الأول بدهر طويلٍ أكثرَ من ألفي سنة ، كان هذا قبل المسيح عليه السلام بنحو من ثلثمائة سنة وكان وزيرُه أرسطاطاليس الفيلسوفَ وهو الذي قتل دارا بنَ دارا وأذلّ ملوكَ الفرس ووطِىء أرضهم . ثم قال ابن كثير : وإنما بيّنا هذا لأن كثيراً من الناس يعتقد أنهما واحدٌ ، وأن المذكورَ في القرآن العظيم هو هذا المتأخرُ فيقع بذلك خطأ كبير وفساد كثيرٌ ، كيف لا والأولُ كان عبداً صالحاً مؤمناً وملكاً عادلاً وزيرُه الخضرُ عليه الصلاة والسلام ، وقد قيل : إنه كان نبياً . وأما الثاني فقد كان كافراً وزيرُه أرسطاطاليس الفيلسوفُ وقد كان ما بينهما من الزمان أكثرَ من ألفي سنة فأين هذا من ذلك؟ انتهى . (4/283)
قلت : المقدوني نسبةً إلى بلدة من بلاد الروم غربيَّ دارِ السلطنة السنية قُسطنطينيةَ المحمية لا زالت مشحونةً بالشعائر الدينية ، بينهما من المسافة مسيرةُ خمسةَ عشر يوماً أو نحوِ ذلك عند مدينة سَيروزَ اسمُها بلغة اليونانيين مقدونيا ، كانت سريرَ مُلك هذا الإسكندرِ وهي اليوم بلقَعٌ لا يقيم بها أحد ، ولكن فيها علائمُ تحكي كمالَ عِظَمها في عهد عُمرانها ونهايةِ شوكةِ واليها وسلطانِها ، ولقد مررتُ بها عند القُفول من بعض المغازي السُّلطانية فعاينتُ فيها من تعاجيب الآثارِ ما فيه عبرةٌ لأولي الأبصار .
{ قُلْ } لهم في الجواب { يَتْلُو عَلَيْكُمْ } أي سأذكر لكم { مِنْهُ } أي من ذي القرنين { ذِكْراً } أي نبأ مذكوراً ، وحيث كان ذلك بطريق الوحي المتلوِّ حكايةً عن الله عز وجل ، قيل : سأتلو أو سأتلو في شأنه من جهته تعالى ذكراً أي قرآناً ، والسينُ للتأكيد والدِلالة على التحقيق المناسبِ لمقام تأييدِه عليه الصلاة والسلام وتصديقِه بإنجاز وعدِه ، أي لا أترك التلاوةَ البتةَ كما في قوله من قال
سأشكر عَمْراً إن تراخت منيّتي ... أياديَ لك تُمنَنْ وإن هي جلَّتِ
لا للدلالة على أن التلاوة ستقع فيما يستقبل كما قيل ، لأن هذه الآيةَ ما نزلت بإنفرادها قبل الوحي بتمام القصة ، بل موصولةٌ بما بعدها ريثما سألوه عليه الصلاة والسلام عنه وعن الروح وعن أصحاب الكهفِ ، فقال لهم عليه الصلاة والسلام : « ائتوني غداً أخبرْكم » فأبطأ عليه الوحيُ خمسة عشر يوماً أو أربعين كما ذكر فيما سلف .
إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84)
وقوله عز وجل : { إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِى الأرض } شروعٌ في تلاوة الذكر المعهودِ حسبما هو الموعودُ ، والتمكينُ هاهنا الإقدارُ وتمهيدُ الأسباب ، يقال : مكّنه ومكّن له ومعنى الأولِ جعله قادراً وقوياً ، ومعنى الثاني جعل له قدرةً وقوةً ، ولتلازمهما في الوجود وتقاربهما في المعنى يُستعمل كلٌّ منهما في محل الآخر كما في قوله عز وعلا : { مكناهم فِى الارض مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ } أي جعلناهم قادرين من حيث القُوى والأسبابُ والآلاتُ على أنواع التصرفاتِ فيها ، ما لم نجعلْه لكم من القوة والسَّعة في المال والاستظهارِ بالعَدد والأسباب ، فكأنه قيل : ما لم نمكنْكم فيها أي ما لم نجعلْكم قادرين على ذلك فيها أو مكنّا لهم في الأرض ما لم نمكنْ لكم ، وهكذا إذا كان التمكينُ مأخوذاً من المكان بناءً على توهّم ميمِه أصليةً كما أشير إليه في سورة يوسفَ عليه الصلاة والسلام ، والمعنى إنا جعلنا له مَكِنةً وقدرةً على التصرف في الأرض من حيث التدبيرُ والرأيُ والأسبابُ ، حيث سُخّر له السحابُ ، ومُدّ له في الأسباب ، وبُسط له النورُ ، وكان الليلُ والنهار عليه سواءً ، وسُهِّل عليه السيرُ في الأرض ، وذُلّلت له طرقها { واتيناه مِن كُلّ شَىْء } أراده من مُهمّات مُلكه ومقاصدِه المتعلقة بسلطانه { سَبَباً } أي طريقاً يوصله إليه وهو كلُّ ما يتوصل به إلى المقصود من علم أو قدرة أو آلة . (4/284)
فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86)
{ فَأَتْبَعَ } بالقطع ، أي فأراد بلوغَ المغرب فأتبع { سَبَباً } يوصله إليه ، ولعل قصدَ بلوغِ المغرب ابتداءً لمراعاة الحركةِ الشمسية ، وقرىء فاتّبع من الافتعال والفرق أن الأولَ فيه معنى الإدراك والإسراعِ دون الثاني . (4/285)
{ حتى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشمس } أي منتهى الأرضِ من جهة المغرب بحيث لا يتمكن أحدٌ من مجاوزته ، ووقف على حافة البحر المحيطِ الغربي الذي يقال له أوقيانوس الذي فيه الجزائرُ المسماة بالخالدات التي هي مبدأُ الأطوال على أحد القولين { وَجَدَهَا } أي الشمس { تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍ } أي ذاتِ حَمأة وهي الطينُ الأسود من حمِئت البئرُ إذا كثرت حَمأتُها ، وقرىء حامية أي حارّة . روي أن معاوية رضي الله عنه قرأ ( حامية ) وعنده ابن عباس رضي الله عنهما فقال : ( حَمِئة ) ، فقال معاوية لعبد اللَّه بن عمرو بن العاص : كيف تقرأ؟ قال : كما يقرأ أمير المؤمنين ، ثم وجه إلى كعب الأحبار : كيف تجد الشمسَ تغرب؟ قال : في ماء وطين . وروي في ثَأْط فوافق قول ابن عباس رضي الله عنهما ، وليس بينهما منافاةٌ قطعية لجواز كون العينِ جامعةً بين الوصفين وكونِ الياء في الثانية منقلبةً عن الهمزة لانكسار ما قبلها . وأما رجوعُ معاوية إلى قول ابن عباس رضي الله عنهم بما سمعه من كعب مع أن قراءته أيضاً مسموعةٌ قطعاً ، فلكون قراءةِ ابن عباس رضي الله عنهما قطعيةً في مدلولها وقراءتهِ محتمَلةً . ولعله لما بلغ ساحلَ المحيط رآها كذلك إذ ليس في مطمح بصره غيرُ الماء كما يلوح به قوله تعالى : { وَجَدَهَا تَغْرُبُ } { وَوَجَدَ عِندَهَا } عند تلك العين { قَوْماً } قيل : كان لباسُهم جلودَ الوحوش وطعامُهم ما لفَظه البحر ، وكانوا كفاراً فخيّره الله جل ذكره بين أن يعذبهم بالقتل وأن يدعوَهم إلى الإيمان وذلك قوله تعالى : { قُلْنَا ياذا القرنين إِمَّا أَن تُعَذّبَ } بالقتل من أول الأمر { وَإِمَّا أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً } أي أمراً ذا حُسْن على حذف المضافِ أو على طريقةِ إطلاقِ المصدر على موصوفه مبالغةً ، وذلك بالدعوة إلى الإسلام والإرشاد إلى الشرائع ، ومحلُّ أن مع صلته إما الرفعُ على الابتداء أو الخبرية وإما النصبُ على المفعولية ، أي إما تعذيبُك واقعٌ أو إما تفعلُ تعذيبَك وهكذا الحال في الاتخاذ ، ومن لم يقل بنبوته قال : كان ذلك الخطابُ بواسطة نبيَ في ذلك العصر أو كان ذلك إلهاماً لا وحياً بعد أن كان ذلك التخييرُ موافقاً لشريعة ذلك النبي .
قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90)
{ قَالَ } أي ذو القرنين لذلك النبيِّ أو لمن عنده من خواصّه بعد ما تلقّى أمرَه تعالى مختاراً للشق الأخير { أَمَّا مَن ظَلَمَ } أي نفسَه ولم يقبل دعوتي وأصرّ على ما كان عليه من الظلم العظيم الذي هو الشركُ { فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ } بالقتل . وعن قتادة أنه كان يطبُخ مَنْ كفر في القدور ومن آمن أعطاه وكساه { ثُمَّ يُرَدُّ إلى رَبّهِ } في الآخرة { فَيْعَذّبُهُ } فيها { عَذَاباً نُّكْراً } أي منكراً فظيعاً وهو عذابُ النار ، وفيه دِلالةٌ ظاهرةٌ على أن الخطابَ لم يكن بطريق الوحي إليه وأن مقاولتَه كانت مع النبي أو مع من عنده من أهل مشورتِه . (4/286)
{ وَأَمَّا مَنْ امَنَ } بموجب دعوتي { وَعَمِلَ } عملاً { صالحا } حسبما يقتضيه الإيمان { فَلَهُ } في الدارين { جَزَاء الحسنى } أي فله المثوبةُ الحسنى أو الفِعلةُ الحسنى أو الجنةُ جزاءً ، على أنه مصدرٌ مؤكدٌ لمضمون الجملةِ قُدّم على المبتدأ اعتناءً به ، أو منصوب بمضمر أي نجزي بها جزاء ، والجملةُ حالية أو معترضة بين المبتدأ والخبرِ المتقدمِ عليه أو حال أي مجزياً بها أو تمييز ، وقرىء منصوباً غيرَ منوّن على أنه سقط تنوينُه لالتقاء الساكنين ومرفوعاً منوّناً على أنه المبتدأُ والحسنى بدلُه والخبرُ الجارُّ والمجرور . وقيل : خُيّر بين القتل والأسرِ والجوابُ من باب الأسلوبِ الحكيم لأن الظاهرَ التخييرُ بينهما وهم كفار ، فقال : أما الكافرُ فيراعى في حقه قوةُ الإسلام وأما المؤمنُ قلا يُتعرَّض له إلا بما يحب ، ويجوز أن تكون إما وأما للتوزيع دون التخيير أي وليكن شأنُك معهم إما التعذيبَ وإما الإحسانَ فالأول لمن بقيَ على حاله والثاني لمن تاب { وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا } أي مما نأمر به { يُسْراً } أي سهلاً متيسراً غيرَ شاقَ وتقديرُه ذا يُسر ، أو أُطلق عليه المصدرُ مبالغةً ، وقرىء بضمتين .
{ ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَباً } أي طريقاً راجعاً من مغرب الشمس موصلاً إلى مشرقها { حتى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشمس } يعني الموضِعَ الذي تطلع عليه الشمسُ أولاً من معمورة الأرض ، وقرىء بفتح اللام على تقدير مضاف أي مكان طلوعِ الشمس فإنه مصدر ، قيل : بلغه في اثنتي عشرة سنة ، وقيل : في أقلَّ من ذلك بناء على ما ذكر من أنه سُخّر له السحابُ وطُويَ له الأسباب { وَجَدَهَا تَطْلُعُ على قَوْمٍ لَّمْ نَجْعَل لَّهُمْ مّن دُونِهَا سِتْراً } من اللباس والبناء ، قيل : هم الزَّنْج . وعن كعب : أن أرضَهم لا تُمسك الأبنية وبها أسرابٌ ، فإذا طلعت الشمسُ دخلوا الأسرابَ أو البحر ، فإذا ارتفع النهارُ خرجوا إلى معايشهم ، وعن بعضهم : خرجتُ حتى جاوزت الصينَ فسألت عن هؤلاء فقالوا : بينك وبينهم مسيرةُ يومٍ وليلةٍ ، فبلغتُهم فإذا أحدُهم يفرُش أُذنه ويلبَس الأخرى ومعي صاحبٌ يعرِف لسانهم ، فقالوا له : جئتنا تنظرُ كيف تطلُع الشمس ، قال : فبينما نحن كذلك إذ سمعنا كهيئة الصلصلة فغُشيَ عليّ ثم أفقتُ وهم يمسحونني بالدُّهن ، فلما طلعت الشمسُ على الماء إذا هو فوق الماء كهيئة الزيت فأدخلونا سرَباً لهم ، فلما ارتفع النهارُ خرجوا إلى البحر يصطادون السمك ويطرحونه في الشمس فينضَج لهم ، وعن مجاهد : من لا يلبَس الثيابَ من السودان عن مطلع الشمس أكثرُ من جميع أهلِ الأرض .