صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم |
وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (49) قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا (50) أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُءُوسَهُمْ وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا (51)
{ وَقَالُواْ أَءذَا كُنَّا عظاما ورفاتا } استفهامٌ إنكاريٌّ مفيدٌ لكمال الاستبعادِ والاستنكارِ للبعث بعد ما آل الحالُ إلى هذا المآل لِما بين غضاضةِ الحيِّ ويُبوسة الرميم من التنافي ، كأن استحالةَ الأمر من الظهور بحيث لا يقدر المخاطبُ على التكلم به ، والرفاتُ ما بولغ في دقِّه وتفتيته ، وقال الفرَّاء : هو التراب ، وهو قولُ مجاهدٍ ، وقيل : هو الحُطامُ وإذا متمحّضةٌ للظرفية وهو الأظهرُ والعاملُ فيها ما دل عليه قوله تعالى : { أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ } لا نفسُه ، لأن ما بعد إن والهمزةِ واللام لا يعمل فيما قبلها وهو نبعث أو نعاد وهو المرجِعُ للإنكار وتقييدُه بالوقت المذكور ليس لتخصيصه به فإنهم منكرِون للإحياء بعد الموت وإن كان البدنُ على حاله ، بل لتقوية الإنكارِ للبعث بتوجيهه إليه في حالة منافيةٍ له ، وتكريرُ الهمزة في قولهم : { أئنا } لتأكيد النكيرِ ، وتحليةُ الجملة بأن واللامِ لتأكيد الإنكارِ لا لإنكار التأكيد كما عسى يُتوَّهم من ظاهر النظمِ ، فإن تقديمَ الهمزة لاقتضائها الصدارةَ كما في مثل قوله تعالى : { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } ونظائرِه على رأي الجمهور فإن المعنى عندهم تعقيبُ الإنكارِ لا إنكارُ التعقيب كما هو المشهور ، وليس مدارُ إنكارِهم كونَهم ثابتين في المبعوثية بالفعل في حال كونِهم عظاماً ورفاتاً كما يتراءى من ظاهر الجملةِ الاسمية بل كونِهم بعَرَضية ذلك واستعدادِهم له ، ومرجعُه إلى إنكار البعثِ بعد تلك الحالةِ وفيه من الدِلالة على غلوّهم في الكفر وتماديهم في الضلال ما لا يزيد عليه { خَلْقاً جَدِيداً } نصْبٌ على المصدر من غير لفظه ، أو الحاليةِ على أن الخلق بمعنى المخلوق . (4/202)
{ قُلْ } جواباً لهم وتقريباً لما استبعدوه { كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً } { أَوْ خَلْقًا } آخرَ { مّمَّا يَكْبُرُ فِى صُدُورِكُمْ } أي يعظُم عندكم عن قبول الحياة لكمال المباينةِ والمنافاةِ بينها وبينه ، فإنكم مبعوثون ومُعادون لا محالة { فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَا } مع ما بيننا وبين الإعادةِ من مثل هذه المباعدةِ والمباينة { قُلْ } لهم تحقيقاً للحق وإزاحةً للاستبعاد وإرشاداً لهم إلى طريقة الاستدلال { الذى } أي يعيدكم القادرُ العظيم الذي { فَطَرَكُمْ } اخترعكم { أَوَّلَ مَرَّةٍ } من غير مثالِ يحتذيه ولا أسلوبٍ ينتحيه وكنتم تراباً ما شمّ رائحةَ الحياة ، أليس الذي يقدِر على ذلك بقادر على أن يعيدَ العظامَ الباليةَ إلى حالتها المعهودة؟ بلى إنه على كل شيء قدير { فَسَيُنْغِضُونَ إِلَيْكَ رُؤُوسَهُمْ } أي سيحركونها نحوَك تعجباً وإنكاراً { وَيَقُولُونَ } استهزاءً { متى هُوَ } أي ما ذكرتَه من الإعادة { قُلْ } لهم { عسى أَن يَكُونَ } ذلك { قَرِيبًا } نُصب على أنه خبرٌ ليكون أو ظرفٌ على أن كان تامةٌ أي أن يقعَ في زمان قريب ، ومحلُّ أن مع ما في حيزها إما نصبٌ على أنه خبرٌ لعسى وهي ناقصة واسمُها ضميرٌ عائد إلى ما عاد إليه هو أي عسى كونُه قريباً ، أو وقوعُه في زمان قريب .
يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ وَتَظُنُّونَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (52) وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِينًا (53) رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِنْ يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ أَوْ إِنْ يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلًا (54) وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآَتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (55)
{ يَوْمَ يَدْعُوكُمْ } منصوب بفعل مضمر أي اذكروا ، أو على أنه بدلٌ من قريباً على أنه ظرفٌ أو نُصب بيكونَ تامةً بالاتفاق ، أو ناقصةً عند من يجوّز إعمالَ الناقصة في الظروف ، أو بضمير المصدرِ المستكنِّ في عسى أو يكون ، أعني البعث عند من يجوز إعمالَ ضمير المصدر كما في قول زهير (4/203)
وما الحربُ إلا ما علمتمْ وذُقتم ... وما هو عنها بالحديث المُرجّمِ
فهو ضميرُ المصدر وقد تعلق به ما بعده من الجار { فَتَسْتَجِيبُونَ } أي يوم يبعثكم فتُبعثون ، وقد استُعير لهما الدعاءُ والإجابة إيذاناً بكمال سهولةِ التأتّي وبأن المقصودَ منهما الإحضارُ للمحاسبة والجواب { بِحَمْدِهِ } حال من ضمير تستجيبون أي منقادين له حامدين لما فَعل بكم غيرَ مستعصين ، أو حامدين له تعالى على كمال قدرتِه عند مشاهدة آثارها ومعاينةِ أحكامها { وَتَظُنُّونَ } عطف على تستجيبون أي تظنون عندما ترَوْن من الأمور الهائلة { إِن لَّبِثْتُمْ } أي ما لبثتم في القبور { إِلاَّ قَلِيلاً } كالذي مر على قرية أو ما لبثتم في الدنيا .
{ وَقُل لّعِبَادِى } أي المؤمنين { يَقُولُواْ } عند محاورتِهم مع المشركين { التى } أي الكلمةَ التي { هِىَ أَحْسَنُ } ولا يخاشنوهم كقوله تعالى : { وَلاَ تجادلوا أَهْلَ الكتاب إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ } { إِنَّ الشيطان يَنزَغُ بَيْنَهُمْ } أي يُفسد ويَهيج الشر والمِراء ويُغري بعضَهم على بعض لتقع بينهم المشاقّةُ والمشارّة والمُعازّة والمضارّة ، فلعل ذلك يؤدي إلى تأكد العِناد وتمادي الفساد ، فهو تعليلٌ للأمر السابق وقرىء بكسر الزاي { إِنَّ الشيطان كَانَ } قدماً { للإنسان عَدُوّا مُّبِينًا } ظاهرَ العداوة ، وهو تعليلٌ لما سبق من أن الشيطان ينزَغ بينهم .
{ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ } بالتوفيق للإيمان { أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذّبْكُمْ } بالإماتة على الكفر ، وهذا تفسيرُ التي هي أحسنُ وما بينهما اعتراضٌ ، أي قولوا لهم هذه الكلمةَ وما يشاكلها ولا تصرحوا بأنهم من أهل النار فإنه مما يَهيجهم على الشر ، مع أن العاقبَة مما لا يعلمه إلا الله سبحانه فعسى يهديهم إلى الإيمان { وَمَا أرسلناك عَلَيْهِمْ وَكِيلاً } موكولاً إليك أمورُهم تقسِرهم على الإيمان وإنما أرسلناك بشيراً ونذيراً فدارِهم ومُرْ أصحابَك بالمداراة والاحتمال وترك المُحاقّة والمشاقّة وذلك قبل نزول آيةِ السيف ، وقيل : نزلت في عمر رضي الله عنه ، شتمه رجلٌ فأُمر بالعفو ، وقيل : أفرط أذيةُ المشركين بالمؤمنين فشكَوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فنزلت ، وقيل : الكلمة التي هي أحسنُ أن يقولوا : يهديكم الله ويرحمكم الله .
{ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِى السموات والأرض } وبتفاصيلِ أحوالِهم الظاهرة والكامنة التي بها يستأهلون الاصطفاءَ والاجتباءَ فيختار منهم لنبوته وولايتِه من يشاء ممن يشاء ممن يستحقه ، وهو ردٌّ عليهم إذ قالوا : بعيدٌ أن يكون يتيمُ أبي طالبٍ نبياً وأن يكون العُراةُ الجوعى أصحابَه دون أن يكون ذلك من الأكابر والصناديدِ ، وذكرُ من في السموات لإبطال قولِهم : لولا أُنزل علينا الملائكةُ ، وذكرُ مَن في الأرض لرد قولِهم :
{ لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ } { وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النبيين على بَعْضٍ } بالفضائل النفسانيةِ والتنّزهِ عن العلائق الجُسمانية لا بكثرة الأموالِ والأتباع { وَءاتَيْنَا دَاوُودُ زَبُوراً } بيانٌ لحيثية تفضيلِه عليه الصلاة والسلام فإن ذلك إيتاءُ الزبور لا إيتاءُ الملك والسلطنةِ ، وفيه إيذانٌ بتفضيل النبي عليه الصلاة والسلام فإن نعوتَه الجليلةَ وكونَه خاتمَ النبيين مسطورةٌ في الزبور ، وأن المرادَ بعباد الله الصالحين في قوله تعالى : { أَنَّ الأرض يَرِثُهَا عِبَادِىَ الصالحون } هو النبيُّ عليه الصلاة والسلام وأمته ، وتعريفُ الزبور تارة وتنكيرُه أخرى إما لأنه في الأصل فَعولٌ بمعنى المفعول كالحَلوب أو مصدر بمعناه كالقول ، وإما لأن المرادَ آتينا داودَ زبوراً من الزُّبُر ، أو بعضاً من الزبور فيه ذكرُه عليه الصلاة والسلام ، وقرىء بضم الزاي على أنه جمع زِبْر بمعنى مزبور . (4/204)
قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (56) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (57) وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (58)
{ قُلِ ادعوا الذين زَعَمْتُم } أنها آلهةٌ { مِن دُونِهِ } تعالى من الملائكة والمسيحِ وعُزيرٍ { فَلاَ يَمْلِكُونَ } فلا يستطيعون { كَشَفَ الضر عَنْكُمْ } بالمرة كالمرض والفقر والقَحطِ ونحو ذلك { وَلاَ تَحْوِيلاً } أي ولا تحويلَه إلى غيركم { أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ } أي أولئك الآلهةُ الذين يدعوهم المشركون من المذكورين { يَبْتَغُونَ } يطلبون لأنفسهم { إلى رَبّهِمُ } ومالكِ أمورِهم { الوسيلة } القربةَ بالطاعة والعبادة { أَيُّهُمْ أَقْرَبُ } بدلٌ من فعل يبتغون وأيُّ موصولةٌ ، أي يبتغي مَنْ هو أقرب إليه تعالى الوسيلةَ فكيف بمن دونه؟ أو ضُمّن الابتغاءُ معنى الحِرص فكأنه قيل : يحرِصون أيُّهم أقربَ إليه تعالى بالطاعة والعبادة { وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ } بها { ويخافون عَذَابَهُ } بتركها كدأب سائرِ العباد فأين هم من كشف الضرِّ فضلاً عن الإلهية { إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا } حقيقاً بأن يحذرَه كلُّ أحدٍ حتى الملائكةُ والرسلُ عليهم الصلاة والسلام ، وهو تعليلٌ لقوله تعالى : { ويخافون عَذَابَهُ } وتخصيصُه بالتعليل لما أن المقامَ مقامُ التحذيرِ من العذاب وأن بينهم وبين العذاب بَوناً بعيداً . (4/205)
{ وَإِن مّن قَرْيَةٍ } بيانٌ لتحتم حلول عذابِه تعالى بمن لا يحذره إثرَ بيانِ أنه حقيقٌ بالحذر وأن أساطينَ الخلق من الملائكة والنبيين عليهم الصلاة والسلام على حذر من ذلك ، وكلمةُ إنْ نافيةٌ ومِنْ استغراقيةٌ ، والمرادُ بالقرية القريةُ الكافرةُ أي ما من قرية من قرى الكفار { إِلاَّ نَحْنُ مُهْلِكُوهَا } أي مُخْرِبوها البتةَ بالخسف بها أو بإهلاك أهلِها بالمرة لما ارتكبوا من عظائمِ المُوبقات المستوجبةِ لذلك ، وفي صيغة الفاعلِ وإن كانت بمعنى المستقبَل ما ليس فيه من الدِلالة على التحقق والتقرّرِ وإنما قيل : { قَبْلَ يَوْمِ القيامة } لأن الإهلاكَ يومئذ غيرُ مختصَ بالقرى الكافرة ولا هو بطريق العقوبةِ وإنما هو لانقضاء عمرِ الدنيا { أَوْ مُعَذّبُوهَا } أي معذبو أهلِها على الإسنادِ المجازيِّ { عَذَاباً شَدِيداً } لا بالقتل والسبْي ونحوِهما من البلايا الدنيويةِ فقط ، بل بما لا يُكتَنه كُنهُه من فنون العقوبات الأخرويةِ أيضاً حسبما يُفصح عنه إطلاقُ التعذيبِ عما قُيد به الإهلاكُ من قَبْلية يومِ القيامة ، كيف لا وكثيرٌ من القرى العاتية العاصيةِ قد أُخّرت عقوباتُها إلى يوم القيامة { كَانَ ذَلِكَ } الذي ذكر من الإهلاك والتعذيب { فِى الكتاب } أي اللوح المحفوظ { مَسْطُورًا } مكتوباً لم يغادَرْ منه شيءٌ إلا بُيِّن فيه بكيفياته وأسبابِه الموجبةِ له ووقتِه المضروبِ له . هذا وقد قيل : الهلاكُ للقُرى الصالحة والعذابُ للطالحة ، وعن مقاتل : «وجدتُ في كتاب الضحاك بن مزاحم في تفسيرها أما مكةُ فُيْخرِبها الحبشةُ وتهلِك المدينةُ بالجوع والبصرةُ بالغرق والكوفةُ بالتُّرك والجبالُ بالصواعق والرواجف ، وأما خراسانُ فهلاكُها ضُروبٌ ثم ذكرها بلداً بلداً ، وقال الحافظ أبو عمْرو الداني في كتاب الفتن : أنه رُوي عن وهْب بن منبّه أن الجزيرةَ آمنةٌ من الخراب حتى تخرَبَ أرمينيةُ ، وأرمينيةُ آمنةٌ حتى تخرَب مصرُ ، ومصرُ آمنةٌ حتى تخرَبَ الكوفةُ ولا تكون الملحمةُ الكبرى حتى تخرَب الكوفةُ ، فإذا كانت الملحمةُ الكبرى فُتحت قُسطنطينةُ على يَديْ رجلٍ من بني هاشم ، وخرابُ الأندلس من قِبَل الزَّنْج ، وخرابُ إفريقيةَ من قِبَل الأندلس ، وخرابُ مصرَ من انقطاع النيلِ واختلافِ الجيوش فيها ، وخرابُ العراقِ من الجوع ، وخرابُ الكوفة من قِبل عدوَ من ورائهم يحصُرهم حتى لا يستطيعون أن يشربوا من الفرات قطرةً ، وخرابُ البصرة من قِبل الغرق ، وخرابُ الأَيْلة من قبل عدوَ يحصُرهم برًّا وبحراً ، وخرابُ الرّيّ من الديلم ، وخرابُ خراسانَ من قبل التّبْت ، وخرابُ التبت من قبل الصّين ، وخرابُ الهندِ واليمن من قبل الجرَاد والسلطان ، وخرابُ مكةَ من الحبشة ، وخرابُ المدينة من الجوع» .
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : « آخرُ قريةٍ من قرى الإسلام خراباً المدينةُ » وقد أخرجه العمري من هذا الوجه . وأنت خبيرٌ بأن تعميمَ القريةِ لا يساعده السباقُ ولا السياق . (4/206)
وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآَتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآَيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (59)
{ وَمَا مَنَعَنَا أَن نُّرْسِلَ بالأيات } أي الآياتِ التي اقترحتها قريشٌ من إحياء الموتى وقلبِ الصَّفا ذهباً ونحوِ ذلك { إِلاَّ أَن كَذَّبَ بِهَا الأولون } استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأشياء أي وما منعنا من إرسالها شيءٌ من الأشياء إلا تكذيبُ الأولين بها حين جاءتهم باقتراحهم ، وعدمُ إرساله تعالى بها وإن كان بمشيئته المبنيةِ على الحِكَم البالغةِ لا لمنع مانعٍ عن ذلك من التكذيب أو غيرِه لاستحالة العجزِ عليه تعالى ، لكنّ تكذيبَهم المذكورَ بواسطة استتباعِه لاستئصالِهم بحُكم السنة الإلهية واستلزامِه لتكذيب الآخرين بحكم الاشتراكِ في العتوّ والعناد وإفضائِه إلى أن يحِل بهم مثلُ ما حل بهم بحكم الشِرْكة في الجريرة ، لمّا كان منافياً لإرسال ما اقترحوه من الآيات لتعين التكذيبِ المستدعي للاستئصال المخالفِ لما جرى به قلمُ القضاءِ من تأخير عقوباتِ هذه الأمةِ إلى الآخرة لحِكَمٍ باهرة من جملتها ما يُتوَّهم من إيمان بعض أعقابِهم ، عَبّر عن تلك المنافاةِ بالمنع على نهج الاستعارةِ إيذاناً بتعاضد مبادي الإرسالِ لا كما زعَموا من عدم إرادتِه تعالى لتأييده عليه الصلاة والسلام بالمعجزات ، وهو السرُّ في إيثار الإرسالِ على الإيتاء لما فيه من الإشعار بتداعي الآياتِ إلى النزول لولا أن تُمسْكَها يدُ التقدير ، وإسنادُ هذا المنعِ إلى تكذيب الأولين لا إلى عمله تعالى بما سيكون من الآخرين كما في قوله تعالى : { وَلَوْ عَلِمَ الله فِيهِمْ خَيْرًا لاسْمَعَهُمْ وَلَوْ أَسْمَعَهُمْ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ } لإقامة الحجةِ عليهم بإبراز الأُنموذج وللإيذان بأن مدارَ عدم الإجابةِ إلى إيتاء مقترحِهم ليس إلا صنيعَهم { وَآتَيْنَا ثَمُودَ الناقة } عطفٌ على ما يُفصح عنه النظمُ الكريمُ كأنه قيل : وما منعنا أن نُرسِلَ بالآيات إلا أن كذّب بها الأولون حيث آتيناهم ما اقترحوا من الآيات الباهرةِ فكذبوها ، وآتينا باقتراحهم ثمودَ الناقةَ { مُبْصِرَةً } على صيغة الفاعل ، أي بَيّنةً ذاتَ إبصارٍ ، أو بصائرَ يدركها الناسُ أو أُسند إليها حالُ من يشاهدها مجازاً ، أو جاعلتَهم ذوي بصائرَ من أبصره جعله بصيراً ، وقرىء على صيغة المفعول وبفتح الميم والصاد وهي نصبٌ على الحالية ، وقرىء بالرفع على أنها خبرُ مبتدأ محذوف . (4/207)
{ فَظَلَمُواْ بِهَا } فكفروا بها ظالمين أي لم يكتفوا بمجرد الكفرِ بها بل فعلوا بها ما فعلوا من العقْر ، أو ظلموا أنفسَهم وعرّضوها للهلاك بسبب عقرِها ، ولعل تخصيصَها بالذكر لما أن ثمودَ عربٌ مثلُهم وأن لهم من العلم بحالهم ما لا مزيدَ عليه من حيث يشاهدون آثارَ هلاكِهم وروداً وصُدوراً ، أو لأنها من جهة إنها حيوانٌ أُخرج من الحجر أوضحُ دليلٍ على تحقق مضمونِ قوله تعالى : { قُلْ كُونُواْ حِجَارَةً أَوْ حَدِيداً } { وَمَا نُرْسِلُ بالأيات } المقترَحة { إِلاَّ تَخْوِيفًا } لمن أُرسلت هي عليهم مما يعقُبها من العذاب المستأصِل كالطليعة له ، وحيث لم يخافوا ذلك فُعل بهم ما فعل فلا محل للجملة حينئذ من الإعراب ، ويجوز أن تكون حالاً من ضمير ظلموا أي فظلموا بها ولم يخافوا عاقبتَه والحالُ أنا ما نُرسل بالآيات التي هي من جملتها إلا تخويفاً من العذاب الذي يعقُبها فنزل بهم ما نزل .
وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآَنِ وَنُخَوِّفُهُمْ فَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا طُغْيَانًا كَبِيرًا (60)
{ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس } أي علماً كما نقله الإمامُ الثعلبيُّ عن ابن عباس رضي الله عنهما فلا يخفى عليه شيءٌ من أفعالهم الماضيةِ والمستقبلة من الكفر والتكذيبِ ، وفي قوله تعالى : { وَمَا جَعَلْنَا الرءيا التى أريناك إِلاَّ فِتْنَةً لّلنَّاسِ } إلى آخر الآية تنبيهٌ على تحققها بالاستدلال عليها بما صدَر عنهم عند مجيءِ بعض الآياتِ لاشتراك الكلِّ في كونها أموراً خارقةً للعادات منزّلةً من جانب الله على النبي عليه الصلاة والسلام ، فتكذيبُهم لبعضها مستلزمٌ لتكذيب الباقي كما أن تكذيبَ الآخرين بغير المقترَحة يدل على تكذيبهم بالآيات المقترَحة ، والمرادُ بالرؤيا ما عاينه عليه الصلاة والسلام ليلةَ المِعراج من عجائب الأرضِ والسماءِ حسبما ذُكر في فاتحة السورةِ الكريمة ، والتعبيرُ عن ذلك بالرؤيا إما لأنه لا فرقَ بينها وبين الرؤيةِ ، أو لأنها وقعت بالليل ، أو لأن الكفرةَ قالوا : لعلها رؤيا ، أي وما جعلنا الرؤيا التي أريناكها عِياناً مع كونها آيةً عظيمةً وأيةَ آيةٍ حقيقةٍ بأن لا يتلعثم في تصديقها أحدٌ ممن له أدنى بصيرةٍ إلا فتنةً افتُتن بها الناسُ حتى ارتد بعضهم { والشجرة الملعونة فِى القرءان } عطف على الرؤيا ، والمرادُ بلعنها فيه لعنُ طاعمِها على الإسناد المجازيِّ أو إبعادُها عن الرحمة فإنها تنبُت في أصل الجحيم في أبعدِ مكان من الرحمة ، أي وما جعلناها إلا فتنةً لهم حيث أنكروا ذلك وقالوا : إن محمداً يزعُم أن الجحيمَ يحرُق الحجارةَ ، ثم يقول : « ينبُت فيها الشجرُ » ولقد ضلوا في ذلك ضلالاً بعيداً حيث كابروا قضيةَ عقولهم فإنهم يرَوْن النعامةَ تبتلع الجمْرَ وقِطعَ الحديد المحمّاةَ فلا تضرّها ، ويشاهدون المناديلَ المتخَذةَ من وبْر السمندر تُلقى في النار فلا تؤثر فيها ويرَون أن في كل شجر ناراً ، وقرىء بالرفع على حذف الخبر كأنه قيل : والشجرةُ الملعونةُ في القرآن كذلك . (4/208)
{ وَنُخَوّفُهُمْ } بذلك وبنظائرها من الآيات فإن الكلَّ للتخويف ، وإيثارُ صيغةِ الاستقبال للدِلالة على التجدد والاستمرارِ فما يزيدهم التخويفُ { إِلاَّ طُغْيَانًا كَبِيرًا } متجاوزاً عن الحد فلو أُرسلنا بما اقترحوه من الآيات لفعلوا بها ما فعلوا بنظائرها ، وفُعل بهم ما فعل بأشياعهم وقد قضينا بتأخير العقوبةِ العامة لهذه الأمةِ إلى الطامة الكبرى . هذا هو الذي يستدعيه النظمُ الكريمُ وقد حمل أكثرُ المفسرين الإحاطةَ على الإحاطة بالقدرة تسليةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما عسى يعتريه من عدم الإجابةِ إلى إنزال الآياتِ التي اقترحوها لأن إنزالها ليس بمصلحة من نوع حزنٍ من طعْن الكفرةِ حيث كانوا يقولون : لو كنتَ رسولاً حقاً لأتيت بهذه المعجزات كما أتى بها موسى وغيرُه من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، فكأنه قيل : اذكر وقتَ قولِنا لك : إن ربك اللطيفَ بك قد أحاط بالناس فهم في قبضة قدرتِه لا يقدرون على الخروج من مشيئته فهو يحفَظُك منهم فلا تهتمَّ بهم وامضِ لما أمرتُك به من تبليغ الرسالةِ ، ألا ترى أن الرؤيا التي أريناك من قبلُ جعلناها فتنةً للناس مُورثةً للشبهة مع أنها ما أورثت ضَعفاً لأمرك وفتوراً في حالك ، وقد فُسر الإحاطةُ بإهلاك قريشٍ يوم بدر ، وإنما عبر عنه بالماضي مع كونه منتظَراً حسبما ينبىء عنه قوله تعالى :
{ سَيُهْزَمُ الجمع وَيُوَلُّونَ الدبر } وقوله تعالى : { قُلْ لّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إلى جَهَنَّمَ } وغيرُ ذلك جرياً على عادته سبحانه في أخباره ، وأُوّلت الرؤيا بما رآه عليه الصلاة والسلام في المنام من مصارعهم . لما رُوي أنه عليه الصلاة والسلام لما ورد ماءَ بدرٍ قال : « والله لكأني أنظرُ إلى مصارع القوم وهو يومىء إلى الأرض هذا مصرَعُ فلان وهذا مصرعُ فلان » فتسامعت به قريش فاستسخروا منه ، وبما رآه عليه الصلاة والسلام أنه سيدخل مكةَ وأخبر به أصحابَه فتوجه إليها فصده المشركون عامَ الحديبية واعتذر عن كون ما ذكر مدنياً بأنه يجوز أن يكون الوحيُ بإهلاكهم ، وكذا الرؤيا واقعاً بمكة وذكرُ الرؤيا وتعيينُ المَصارعِ واقعَين بعد الهجرة . وأنت خبيرٌ بأنه يلزم منه أن يكون افتتانُ الناسِ بذلك واقعاً بعد الهجرة وأن يكون ازديادُهم طغياناً متوقعاً غيرَ واقعٍ عند نزول الآية ، وقد قيل : الرؤيا ما رآه عليه الصلاة والسلام في وقعة بدر من مضمون قوله تعالى : { إِذْ يُرِيكَهُمُ الله فِى مَنَامِكَ قَلِيلاً وَلَوْ أَرَاكَهُمْ كَثِيراً لَّفَشِلْتُمْ } ولا ريب في أن تلك الرؤيا مع وقوعها في المدينة ما جُعلت فتنة للناس . (4/209)
وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (61)
{ وَإِذْ قُلْنَا للملائكة } تذكيرٌ لما جرى منه تعالى من الأمر ومن الملائكة من الامتثال والطاعةِ من غير تردد وتحقيقٍ لمضمون ما سبق من قوله تعالى : { أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ ويخافون عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبّكَ كَانَ مَحْذُورًا } ويُعلم من حال الملائكةِ وحالِ غيرهم من عيسى وعُزيرٍ عليهما السلام في الطاعة وابتغاءِ الوسيلة ورجاءِ الرحمة ومخافةِ العذاب ، ومن حال إبليسَ حالُ من يعاند الحقَّ ويخالف الأمرَ ، أي واذكر وقت قولِنا لهم : { اسجدوا لاِدَمَ } تحيةً وتكريماً لما قاله من الفضائل المستوجِبة لذلك { فَسَجَدُواْ } له من غير تلعثم امتثالاً للأمر وأداءً لحقه عليه الصلاة والسلام { إِلاَّ إِبْلِيسَ } وكان داخلاً في زُمرتهم مندرجاً تحت الأمرِ بالسجود { قَالَ } أي عندما وُبِّخ بقوله عز سلطانه : { الساجدين قَالَ يإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلاَّ تَكُونَ مَعَ الساجدين } وقولِه : { مَا مَنَعَكَ أَن لاَ تَسْجُد إِذْ أَمَرْتُكَ } وقوله : { مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ } كما أشير إليه في سورة الحِجر { أَءسْجُدُ } وأنا مخلوقٌ من العنصر العالي { لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا } نُصب على نزعِ الخافضِ أي من طين ، أو حالٌ من الراجع إلى الموصول أي خلقتَه وهو طينٌ ، أو من نفس الموصول أي أأسجُد له وأصلُه طينٌ؟ والتعبيرُ عنه عليه الصلاة والسلام بالموصول لتعليل إنكارِه بما في حيز الصلة . (4/210)
قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62) قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (63)
{ قَالَ } أي إبليسُ لكن لا عَقيبَ كلامِه المحكي بل بعد الإنظارِ المترتب على استنظاره المتفرِّع على الأمر بخروجه من بين الملأ الأعلى باللعن المؤبّدِ ، وإنما لم يصرّح بذلك اكتفاءً بما ذكر في مواضعَ أُخَرَ ، فإن توسيطَ ( قال ) بين كلامَيْ اللعين للإيذان بعدمِ اتصالِ الثاني بالأول وعدمِ ابتنائِه عليه بل على غيره كما في قوله تعالى : { قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضآلون } { أَرَءيْتَكَ هذا الذى كَرَّمْتَ عَلَىَّ } الكافُ لتأكيد الخطابِ لا محل لها من الإعراب وهذا مفعولٌ أولٌ والموصولُ صفتُه ، والثاني محذوفٌ لدِلالة الصلةِ عليه أي أخبِرني عن هذا الذي كرّمته عليّ بأن أمرْتَني بالسجود له لِمَ كَرَّمْتَه عليّ؟ وقيل : هذا مبتدأٌ حُذف عنه حرفُ الاستفهام والموصولُ مع صلته خبرُه ومقصودُه الاستصغارُ والاستحقارُ ، أي أخبرْني أهذا مَنْ كرَّمته عليّ؟ وقيل : معنى أرأيتَك أتأمّلت كأن المتكلّم ينبّه المخاطَب على استحضار ما يخاطبه به عَقيبه { لَئِنْ أَخَّرْتَنِ } حياً { إلى يَوْمِ القيامة } كلامٌ مبتدأٌ واللامُ موطِّئةٌ للقسم وجوابُه قوله : { لاحْتَنِكَنَّ ذُرّيَّتَهُ } أي لأستأصِلَنّهم ، من قولهم : احتنَك الجرادُ الأرضَ إذا جرَد ما عليها أكلاً ، أو لأقودنّهم حيث ما شئتُ ولأستولِينّ عليهم استيلاءً قوياً ، من قولهم : حنكْتَ الدابةَ واحتنكتَها إذا جعلتَ في حنَكها الأسفلِ حبلاً تقودُها به ، وهذا كقوله : { لازَيّنَنَّ لَهُمْ فِى الأرض وَلاغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } وإنما عَلِم تسنِّي ذلك المطلبِ له تلقّياً من جهة الملائكةِ عليهم الصلاة والسلام أو استنباطاً من قولهم : { أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدماء } أو توسّماً من خَلْقه { إِلاَّ قَلِيلاً } منهم وهم المخْلَصون الذين عصمهم الله تعالى . (4/211)
{ قَالَ اذهب } أي امضِ لشأنك الذي اخترتَه وهو طردٌ له وتخليةٌ بينه وبين ما سوّلت له نفسه { فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ } أي جزاؤُك وجزاؤهم فغُلّب المخاطَبُ على الغائب رعايةً لحق المتبوعية { جَزَاء مَّوفُورًا } أي جزاءً مكملاً من قولهم : فِرْ لصاحبك عِرضَه فِرَةً ، أي وفّر ، وهو نصب على أنه مصدرٌ مؤكّدٌ لما في قوله : { جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ } من معنى تجازون أو الفعلِ المقدّر أو حالٌ موطئةٌ لقوله موفوراً .
وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (64) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65) رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الْفُلْكَ فِي الْبَحْرِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (66)
{ واستفزز } أي استخفَّ { مَنِ استطعت مِنْهُمْ } أن تستفِزَّه { بِصَوْتِكَ } بدعائك إلى الفساد { وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم } أي صِحْ عليهم من الجَلَبة وهي الصياح { بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ } أي بأعوانك وأنصارِك من راكب وراجل من أهل العبث والفساد . قال ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهدٌ وقتادةُ : إن له خيلاً ورَجِلاً من الجن والإنس فما كان من راكب يقاتل في معصية الله تعالى فهو من خيل إبليسَ ، وما كان من راجل يقاتل في معصية الله تعالى فهو من رَجِل إبليس . والخيلُ الخيّالةُ ومنه قوله عليه الصلاة والسلام : « يا خيلَ الله اركبي » والرّجْلُ اسمُ جمعٍ للراجل كالصحْب والركْب ، وقرىء بكسر الجيم وهي قراءةُ حفصٍ على أنه فَعِلٌ بمعنى فاعل كتعِب وتاعب ، وبضمة مثلُ حدِثٌ وحدُثٌ وندِسٌ وندُسٌ ونظائرِهما أي جمع الراجل ليطابق الخيل ، وقرىء رجالِك ورجالك ويجوز أن يكون استفزازُه بصوته وإجلابه بخيله ورَجْلِه تمثيلاً لتسلّطه على من يُغويه فكأنه مِغوارٌ أوقع على قوم فصوّت بهم صوتاً يزعجهم من أماكنهم ويقلقهم عن مراكزهم وأجْلَبَ عليهم بجُنده من خيّالة ورَجّالَة حتى استأصلهم { وَشَارِكْهُمْ فِى الأموال } بحملهم على كسبها وجمعِها من الحرام والتصرفِ فيها على ما لا ينبغي { والأولاد } بالحث على التوصل إليهم بالأسباب المحرمة والإشراكِ كتسميتهم بعبد العزّى والتضليلِ بالحمل على الأديان الزائغةِ والحِرَف الذميمة والأفعالِ القبيحة { وَعَدَّهُمْ } المواعيدَ الباطلةَ كشفاعة الآلهة والاتكالِ على كرامة الآباءِ وتأخيرِ التوبةِ بتطويل الأمل { وَمَا يَعِدُهُمْ الشيطان إِلاَّ غُرُوراً } اعتراضٌ لبيان شأنِ مواعيدِه ، والالتفاتُ إلى الغَيبة لتقوية معنى الاعتراضِ مع ما فيه من صرفِ الكلامِ عن خطابه وبيانِ شأنه للناس ، ومن الإشعار بعلية شيطنتِه للغرور وهو تزيينُ الخطأ بما يوهم أنه صواب . (4/212)
{ إِنَّ عِبَادِى } الإضافةُ للتشريف وهم المخلَصون وفيه أن مَنْ تبعه ليس منهم وأن الإضافةَ لثبوت الحكم في قوله تعالى : { لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان } أي تسلّطٌ وقدرةٌ على إغوائهم كقوله تعالى : { إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ على الذين ءامَنُواْ وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } { وكفى بِرَبّكَ وَكِيلاً } لهم يتوكلون عليه ويستمدون به في الخلاص عن إغوائك . والتعرضُ لوصف الربوبيةِ المنبئةِ عن المالكية المطلقةِ والتصرّفِ الكليِّ مع الإضافة إلى ضمير إبليسَ للإشعار بكيفية كفايتِه تعالى لهم ، أعني سلْبَ قدرتِه على إغوائهم .
{ رَّبُّكُمُ الذى يُزْجِى لَكُمُ الفلك فِى البحر } متبدأ وخبر والإزجاءُ السوقُ حالاً بعد حال ، أي هو القادرُ الحكيمُ الذي يسوق لمنافعكم الفُلك ويُجريها في البحر { لِتَبْتَغُواْ مِن فَضْلِهِ } من رزقه الذي هو فضلٌ من قِبَله أو من الربح الذي هو مُعطيه ، ومن مزيدةٌ أو تبعيضةٌ ، وهذا تذكير لبعض النعم التي هي دلائلُ التوحيد وتمهيدٌ لذكر توحيدِهم عند مِساسِ الضرِّ تكملةً لما مر من قوله تعالى : { فَلاَ يَمْلِكُونَ } الآية { إِنَّهُ كَانَ بِكُمْ } أزلاً وأبداً { رَّحِيماً } حيث هيأ لكم ما تحتاجون إليه وسهّل عليكم ما يعسُر من مباديه ، وهذا تذييلٌ فيه تعليلٌ لما سبق من الإزجاء لابتغاء الفضلِ ، وصيغةُ الرحيم للدِلالة على أن المرادَ بالرحمة الرحمةُ الدنيويةُ والنعمةُ العاجلة المنقسمة إلى الجليلة والحقيرة .
وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (67) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (68) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (69)
{ وَإِذَا مَسَّكُمُ الضر فِى البحر } خوفَ الغرقِ فيه { ضَلَّ مَن تَدْعُونَ } أي ذهب عن خواطركم ما كنتم تدعون من دون الله من الملائكة أو المسيحِ أو غيرهم { إِلاَّ إِيَّاهُ } وحده من غير أن يخطُر ببالكم أحدٌ منهم وتدعوه لكشفه استقلالاً أو اشتراكاً ، أو ضل كلُّ مَنْ تدعونه عن إغاثتكم وإنقاذِكم ولم يقدِر على ذلك إلا الله ، على الاستثناء المنقطع { فَلَمَّا نجاكم } من الغرق وأوصلكم { إِلَى البر أَعْرَضْتُمْ } عن التوحيد أو اتسعتم في كُفران النعمة { وَكَانَ الإنسان كَفُورًا } تعليلٌ لما سبق من الإعراض . (4/213)
{ أَفَأَمِنتُمْ } الهمزة للإنكار والفاء للعطف على محذوف تقديره أنجوتم فأمنتم { أَن يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ البر } الذي هو مأمنُكم أي يقلِبه ملتبساً بكم أو بسبب كونِكم فيه ، وفي زيادة الجانبِ تنبيهٌ على تساوي الجوانب والجهاتِ بالنسبة إلى قدرته سبحانه وتعالى وقهرِه وسلطانِه ، وقرىء بنون العظمة { أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ } من فوقكم وقرىء بالنون { حاصبا } ريحاً ترمي بالحصباء { ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ وَكِيلاً } يحفظكم من ذلك أو يصرِفه عنكم فإنه لا رادَّ لأمره الغالب .
{ أَمْ أَمِنتُمْ أَن يُعِيدَكُمْ فِيهِ } في البحر ، أُوثرت كلمةُ في على كلمة إلى المنبئةِ عن مجرد الانتهاء للدِلالة على استقرارهم فيه { تَارَةً أخرى } إسنادُ الإعادة إليه تعالى مع أن العَوْدَ إليه باختيارهم باعتبار خلقِ الدواعي الملجئةِ لهم إلى ذلك ، وفيه إيماءٌ إلى كمال شدةِ هولِ ما لاقَوْه في التارة الأولى بحيث لولا الإعادةُ لما عادوا { فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ } وأنتم في البحر وقرىء بالنون { قَاصِفًا مّنَ الريح } وهي التي لا تمر بشيء إلا كسرَتْه وجعلتْه كالرميم ، أو التي لها قصيفٌ وهو الصوتُ الشديد كأنها تتقصّف أي تتكسر { فَيُغْرِقَكُم } بعد كسر فُلْكِكم كما ينبىء عنه عنوانُ القصفِ ، وقرىء بالنون وبالتاء على الإسناد إلى ضمير الريح { بِمَا كَفَرْتُمْ } بسبب إشراكِكم أو كفرانِكم لنعمة الإنجاء { ثُمَّ لاَ تَجِدُواْ لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا } أي ثائراً يطالبنا بما فعلنا انتصاراً منا ودَرْكاً للثأر من جهتنا كقوله سبحانه : { وَلاَ يَخَافُ عقباها }
وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آَدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا (70) يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتَابَهُمْ وَلَا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا (71)
{ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِى ءادَمَ } قاطبةً تكريماً شاملاً لبَرّهم وفاجرِهم أي كرمناهم بالصورة والقامةِ المعتدلةِ والتسلط على ما في الأرض والتمنُّعِ به والتمكُّنِ من الصناعات وغير ذلك مما لا يكاد يُحيط به نِطاقُ العبارة ، ومن جملته ما ذكره ابن عباس رضي الله عنهما من أن كلَّ حيوانٍ يتناول طعامَه بفيه إلا الإنسانَ فإنه يرفعه إليه بيده ، وما قيل من شِرْكة القرد له في ذلك مبنيٌّ على عدم الفرقِ بين اليد والرجل فإنه متناولٌ له برجله التي يطأ بها القاذورات لا بيده { وحملناهم فِى البر والبحر } على الدوابّ والسفن ، من حملْتَه إذا جعلتَ له ما يركبه وليس من المخلوقات شيءٌ كذلك ، وقيل : حملناهم فيهما حيث لم نخسِفْ بهم الأرضَ ولم نُغرِقْهم بالماء ، وأنت خبيرٌ بأن الأول هو الأنسبُ بالتكريم إذ جميعُ الحيواناتِ كذلك { وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطيبات } أي فنون النعمِ وضُروب المستلذات مما يحصل بصنعهم وبغير صُنعِهم . (4/214)
{ وفضلناهم } في العلوم والإدراكاتِ بما ركّبنا فيهم من القُوى المدرِكةِ التي بها يتميز الحقُّ من الباطل والحسَنُ من القبيح { على كَثِيرٍ مّمَّنْ خَلَقْنَا } وهم من عدا الملائكةِ عليهم الصلاة والسلام { تَفْضِيلاً } عظيماً فحق عليهم أن يشكروا هذه النعمَ ولا يكفروها ويستعملوا قُواهم في تحصيل العقائدِ الحقّةِ ويرفضوا ما هم عليه من الشرك الذي لا يقبله أحدٌ ممن له أدنى تمييزٍ فضلاً عمن فضل على من عدا الملأ الأعلى الذين هم العقولُ المحضةُ ، وإنما استُثنيَ جنسُ الملائكة من هذا التفضيلِ لأن علومَهم دائمةٌ عاريةٌ عن الخطأ والخلل ، وليس فيه دَلالةٌ على أفضليتهم بالمعنى المتنازَعِ فيه فإن المراد هنا بيانُ التفضيل في أمر مشتركٍ بين جميع أفرادِ البشر صالحِها وطالحِها ولا يمكن أن يكون ذلك هو الفضلَ في عِظم الدرجةِ وزيادةِ القُربةِ عند الله سبحانه . إن قيل : أيُّ حاجةٍ إلى تعيين ما فيه التفضيلُ بعد بيانِ ما هو المرادُ بالمفضّلين فإن استثناءَ الملائكةِ عليهم الصلاة والسلام من تفضيل جميع أفرادِ البشرِ عليهم لا يستلزم استثناءَهم من تفضيل بعضِ أفرادِه عليهم قلنا : لا بد من تعيينه البتةَ ، إذ ليس من الأفراد الفاجرةِ للبشر أحدٌ يفضُل على أحد من المخلوقات فيما هو المتنازَعُ فيه أصلاً بل هم أدنى من كل دنيءٍ حسبما يُنبىء عنه قوله تعالى : { أُوْلَئِكَ كالأنعام بَلْ هُمْ أَضَلُّ } وقولُه تعالى : { إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ } { يَوْمَ نَدْعُواْ } نُصب على المفعولية بإضمار اذكر أو ظرفٌ لما دل عليه قولُه تعالى : { وَلاَ يُظْلَمُونَ } وقرىء بالياء على البناء للفاعل والمفعول ويدعو بقلب الألف واواً على لغة من يقول في أفعى أفعو ، وقد جوّز كونُ الواو علامةَ الجمعِ كما في قوله تعالى :
{ وَأَسَرُّواْ النجوى } أو ضميرَه وكلَّ بدلاً منه ، والنونُ محذوفةٌ لقلة المبالاةِ بها فإنها ليست إلا علامةَ الرفع وقد يكتفى بتقديره كما في يدعى { كُلَّ أُنَاسٍ } من بني آدم الذين فعلنا بهم في الدنيا ما فعلنا من التكريم والتفضيلِ ، وهذا شروعٌ في بيان تفاوتِ أحوالِهم في الآخرة بحسب أحوالِهم وأعمالهم في الدنيا { بإمامهم } أي بمن ائتمّوا به من نبي أو مقدّم في الدين أو كتاب أو دين وقيل : بكتاب أعمالِهم التي قدموها فيقال : يا أصحابَ كتابِ الخيرِ يا أصحابَ كتابِ الشر ، أو يا أهلَ دينِ كذا يا أهلَ كتابِ كذا ، وقيل : الإمامُ جمعُ أم كُخف وخِفاف ، والحكمةُ في دعوتهم بأمهاتهم إجلالُ عيسى عليه السلام وتشريفُ الحسنين رضي الله عنهما والسترُ على أولاد الزنا { فَمَنْ أُوتِىَ } يومئذ من ألئك المدعوّين { كتابه } صحيفةَ أعماله { بِيَمِينِهِ } إبانةٌ لخطر الكتابِ المؤتى وتشريفاً لصاحبه وتبشيراً له من أول الأمرِ بما في مطاويه { فَأُوْلَئِكَ } إشارةٌ إلى مَنْ باعتبار معناه إيذاناً بأنهم حزبٌ مجتمعون على شأن جليلٍ ، أو إشعاراً بأن قراءتَهم لكتبهم تكون على وجه الاجتماعِ لا على وجه الانفرادِ كما في حال الإيتاءِ ، وما فيه من الدِلالة على البعد للإشعار برفعة درجاتِهم أي أولئك المختصون بتلك الكرامةِ التي يُشعِر بها الإيتاءُ المزبور { يَقْرَءونَ كتابهم } الذي أوتوه على الوجه المبين تبجّحاً بما سُطّر فيه من الحسنات المستتبِعةِ لفنون الكراماتِ { وَلاَ يُظْلَمُونَ } أي لا يُنقصون من أجور أعمالِهم المرتسمةِ في كتبهم بل يؤتَوْنها مضاعَفةً { فَتِيلاً } أي قدْرَ فتيلٍ وهو القِشرةُ التي في شق النواة أو أدنى شيءٍ فإن الفتيلَ مثلٌ في القِلة والحقارة . (4/215)
وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآَخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (72) وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (73)
{ وَمَن كَانَ } من المدعوّين المذكورين { فِى هذه } الدنيا التي فُعل بهم فيها ما فعل من فنون التكريمِ والتفضيل { أعمى } فاقدَ البصيرة لا يهتدي إلى رُشده ولا يعرِف ما أوليناه من نعمة التكْرِمةِ والتفضيلِ فضلاً عن شكرها والقيامِ بحقوقها ، ولا يستعمل ما أودعناه فيه من العقول والقُوى فيما خُلِقْن له من العلوم والمعارِف الحَقّة { فَهُوَ فِى الأخرة } التي عُبّر عنها بيومَ ندعو { أعمى } كذلك أي لا يهتدي إلى ما ينجيّه ولا يظفَر بما يُجديه لأن العمَى الأولَ موجبٌ للثاني ، وقد جُوّز كونُ الثاني بمعنى التفضيل على أن عماه في الدنيا ، ولذلك قرأ أبو عمرو الأولَ مُمالاً والثاني مفخماً { وَأَضَلُّ سَبِيلاً } أي من الأعمى لزوال الاستعدادِ المُمْكنِ وتعطلِ الآلاتِ بالكلية ، وهذا بعينه هو الذي أوتي كتابَه بشماله بدِلالة حال ما سبق من الفريق القابلِ له ، ولعل العدولَ عن ذكره بذلك العنوانِ مع أنه الذي يستدعيه حسنُ المقابلة حسبما هو الواقعُ في سورة الحاقة وسورةِ الانشقاق للإيذان بالعلة الموجبةِ له كما في قوله تعالى : { وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ المكذبين الضالين } بعد قوله تعالى : { فَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ اليمين } وللرمز إلى علة حالِ الفريقِ الأول ، وقد ذكر في أحد الجانبين المسبّبُ وفي الآخر السببُ ، ودل بالمذكور في كل منهما على المتروك في الآخر تعويلاً على شهادة العقلِ كما في قوله عز وعلا : { وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ . } { وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ } نزلت في ثقيفٍ إذ قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : لا ندخُل في أمرك حتى تعطيَنا خِصالاً نفتخر بها على العرب لا نُعشر ولا نُحشر ولا نجبى في صلاتنا ، وكلُّ رِباً لنا فهو لنا وكلُّ رباً علينا فهو موضوعٌ عنا ، وأن تُمتّعنا باللات سنةً وأن تحرِّم واديَنا وَجّ كما حرّمت مكة ، فإذا قالت العربُ : لم فعلتَ؟ فقل : إن الله أمرني بذلك ، وقيل : في قريش حيث قالوا : اجعل لنا آيةَ عذابٍ آيةَ رحمةٍ وآيةَ رحمةٍ آيةَ عذابٍ ، أو قالوا : لا نُمكّنك من استلام الحجرِ حتى تُلمّ بآلهتنا ، فإنْ مخففةٌ من المشددة وضميرُ الشأنِ الذي هو اسمُها محذوفٌ واللامُ هي الفارقة بينها وبين النافية ، أي إن الشأنَ قاربوا أن يفتنوك أي يخدعوك فاتنين { عَنِ الذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } من أوامرنا ونواهينا ووعْدِنا ووعيدِنا { لِتفْتَرِىَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ } لتتقول علينا غيرَ الذي أوحينا إليك مما اقترحَتْه ثقيفٌ أو قريشٌ حسبما نقل { وَأَذّاً لآَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً } أي لو اتبعت أهواءَهم لكنتَ لهم وليًّا ولخرجتَ من ولايتي . (4/216)
وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (75) وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (76) سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا (77)
{ وَلَوْلاَ أَن ثبتناك } على ما أنت عليه من الحق بعِصمتنا لك { لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلاً } من الركون الذي هو أدنى ميلٍ أي لولا تثبيتنا لك لقاربت أن تميلَ إليهم شيئاً يسيراً من الميل اليسيرِ لقوة خَدعِهم وشدة احتيالِهم ، لكن أدركتْك العصمةُ فمنعَتْك من أن تقرَبَ من أدنى مراتبِ الركونِ إليهم فضلاً عن نفس الركونِ ، وهذا صريحٌ في أنه عليه الصلاة والسلام ما همّ بإجابتهم مع قوة الداعي إليها ، ودليلٌ على أن العصمةَ بتوفيق الله تعالى وعنايتِه . (4/217)
{ أَذِاً } لو قاربت أن تركنَ إليهم أدنى رَكْنة { إِذًا لأذقناك ضِعْفَ الحياة وَضِعْفَ } أي عذابَ الدنيا وعذابَ الآخرة ضعفَ ما يُعذَّب به في الدارين بمثل هذا الفعلِ غيرُك لأن خطأَ الخطيرِ خطيرٌ ، وكان أصلُ الكلامِ عذاباً ضِعفاً في الممات بمعنى مضاعفاً ثم حُذف الموصوفُ وأُقيمت الصفةُ مُقامَه ثم أضيفت إضافةَ موصوفِها ، وقيل : الضِعف من أسماء العذاب ، وقيل : المرادُ بضِعف الحياة عذابُ الآخرة وبضِعف المماتِ عذابُ القبر { ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا } يدفع عنك العذابَ .
{ وَإِن كَادُواْ } الكلامُ فيه كما في الأول أي كاد أهلُ مكة { لَيَسْتَفِزُّونَكَ } أي ليُزعِجونك بعداوتهم ومكرِهم { مّنَ الأرض } أي الأرضِ التي أنت فيها وهي أرضُ مكة { لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَأَذّاً لاَّ يَلْبَثُونَ } بالرفع عطفاً على خبر كاد ، وقرىء لا يلبثوا بالنصب بإعمال إذن على أن الجملةَ معطوفةٌ على جملة وإن كادوا ليستفزونك { خلافك } أي بعدك قال
خلت الديارُ خِلافَهم فكأنما ... بسَطَ الشواطِبُ بينهن حصيراً
أي لو خرجتَ لا يبقَون بعد خروجِك وقرىء خلفك { إِلاَّ قَلِيلاً } إلا زماناً قليلاً وقد كان كذلك فإنهم أُهلكوا ببدر بعد هجرتِه عليه الصلاة والسلام ، وقيل : نزلت الآيةُ في اليهود حيث حسدوا مقامَ النبي عليه الصلاة والسلام بالمدينة ، فقالوا : الشامُ مقامُ الأنبياءِ عليهم السلام فإن كنت نبياً فالحَقْ بها حتى نؤمِنَ بك ، فوقع ذلك في قلبه عليه الصلاة والسلام فخرج مرحلةً فنزلت فرجع ثم قُتل منهم بنو قريظة وأُجليَ بنو النضير ( بعدهم ) بقليل .
{ سُنَّةَ مَن قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِن رُّسُلِنَا } نُصب على المصدرية أي سنّ الله تعالى سُنةً وهي أن يُهلك كلَّ أمة أَخرجت رسولَهم من بين أظهرِهم ، فالسنةُ لله تعالى وإضافتُها إلى الرسل لأنها سُنّتْ لأجلهم على ما ينطِق به قوله عز وجل : { وَلاَ تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلاً } أي تغيّراً .
أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآَنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآَنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا (78) وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79)
{ أَقِمِ الصلاة لِدُلُوكِ الشمس } لزوالها كما ينبىء عنه قولُه عليه الصلاة والسلام : « أتاني جبريلُ عليه السلام لدُلوك الشمس حين زالت فصلّى بي الظهرَ » . واشتقاقُه من الدّلْك لأن من نظر إليها حينئذ يدُلك عينه ، وقيل : لغروبها من دلَكَت الشمس أي غربت ، وقيل : أصلُ الدلوك الميلُ فينتظم كِلا المعنيين ، واللامُ للتأقيت مِثلُها في قولك : لثلاثٍ خلَوْن { إِلَى غَسَقِ اليل } إلى اجتماع ظلمتِه وهو وقتُ صلاةِ العِشاء ، وليس المرادُ إقامتَها فيما بين الوقتين على وجه الاستمرارِ بل إقامةَ كل صلاةٍ في وقتها الذي عُيِّن لها ببيان جبريلَ عليه السلام ، كما أن أعدادَ ركعاتِ كل صلاةٍ موكولةٍ إلى بيانه عليه السلام ، ولعل الاكتفاءَ ببيان المبدأ والمنتهى في أوقات الصلواتِ من غير فصل بينها لما أن الإنسانَ فيما بين هذه الأوقاتِ على اليقظة فبعضُها متصلٌ ببعض بخلاف أولِ وقتِ العشاءِ والفجرِ ، فإنه باشتغاله فيما بينهما بالنوم ينقطع أحدُهما عن الآخر ولذلك فُصل وقتُ الفجر عن سائر الأوقات ، وقيل : المرادُ بالصلاة صلاةُ المغرب ، والتحديدُ المذكور بيانٌ لمبدئه ومنتهاه واستُدِل به على امتداد وقتِه إلى غروب الشفق ، وقوله تعالى : { وَقُرْءَانَ الفجر } أي صلاةَ الفجر نُصب عطفاً على مفعول أقم أو على الإغراء قاله الزجّاج ، وإنما سُمِّيت قرآنا لأن رُكنُها كما تُسمّى ركوعاً وسجوداً واستُدل به على الركنية ، ولكن لا دِلالةَ له على ذلك لجواز كونِ مدارِ التجوز كونَ القراءة مندوبةً فيها . نعم لو فُسّر بالقراءة في صلاة الفجر لدل الأمرُ بإقامتها على الوجوب فيها نصاً وفيما عداها دِلالةً ، ويجوز أن يكون ( وقرآنَ الفجر ) حثًّا على تطويل القراءةِ في صلاة الفجر { إِنَّ قُرْءَانَ الفجر } أظهر في مقام الإضمارِ إبانةً لمزيد الاهتمامِ به { كَانَ مَشْهُودًا } يشهده ملائكةُ الليل وملائكةُ النهار أو شواهدُ القدرة من تبدُّل الضياء بالظلمة والانتباهِ بالنوم الذي هو أخو الموتِ ، أو يشهده كثيرٌ من المصلين أو من حقه أن يشهَده الجمُّ الغفيرُ فالآيةُ على تفسير الدُّلوك بالزوال جامعةٌ للصلوات الخمس ، وعلى تفسيره بالغروب لِما عدا الظهرَ والعصر . (4/218)
{ وَمِنَ اليل } قيل : هو نصبٌ على الإغراء أي الزمْ بعضَ الليل ، وقيل : لا يكون المغرى به حرفاً ولا يجدي نفعاً كونُ معناها التبعيضَ ، فإن واو مع ليست اسماً بالإجماعِ وإن كانت بمعنى الاسمِ الصريحِ بل هو منصوبٌ على الظرفية بمضمر أي قم بعضَ الليل { فَتَهَجَّدْ بِهِ } أي أزِلْ وألقِ الهجودَ أي النوم فإن صيغةَ التفعّل تجيء للإزالة كالتحرّج والتحنّث والتأثّم ونظائرِها ، والضميرُ المجرورُ للقرآن من حيث هو لا بقيد إضافتِه إلى الفجر أو البعضِ المفهوم من قوله تعالى : { وَمِنَ اليل } ، أي تهجد في ذلك البعضِ على أن الباء بمعنى في ، وقيل : منصوبٌ بتهجد أي تهجدْ بالقرآن بعضَ الليل على طريقة وإياي فارهبون { نَافِلَةً لَّكَ } فريضةً زائدةً على الصلوات الخمسِ المفروضةِ خاصةً بك دون الأمة ولعله هو الوجهُ في تأخير ذكرِها عن ذكر صلاةِ الفجر مع تقدم وقتها على وقتها أو تطوعاً ، لكن لا لكونها زيادةً على الفرائض بل لكونها زيادةً له صلى الله عليه وسلم في الدرجات على ما قال مجاهد والسدي ، فإنه عليه السلام مغفورٌ له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فيكون تطوعُه زيادةً في درجاته بخلاف من عداه من الأمة فإن تطوعَهم لتكفير ذنوبهم وتدارُكِ الخللِ الواقعِ في فرائضهم ، وانتصابُها إما على المصدرية بتقدير تنفّلْ أو بجعل تهجدْ بمعناه أو بجعل نافلةً بمعنى تهجداً فإن ذلك عبادةٌ زائدةٌ ، وإما على الحالية من الضمير الراجعِ إلى القرآن أي حالَ كونها صلاةً نافلةً ، وإما على المفعولية لتهجّدْ إذا جُعل بمعنى صلِّ وجعل الضميرُ المجرور للبعض ، أي فصلِّ في ذلك البعضِ نافلةً لك .
{ عسى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ } الذي يبلّغك إلى كمالك اللائقِ بك من بعد الموت الأكبرِ كما انبعثْتَ من النوم الذي هو الموتُ الأصغرُ بالصلاة والعبادة { مَقَاماً } نُصب على الظرفية على إضمار فيقيمَك ، أو تضمين البعثِ معنى الإقامة إذ لا بد من أن يكون العاملُ في مثل هذا الظرفِ فعلاً فيه معنى الاستقرارِ ، ويجوز أن يكون حالاً بتقدير مضافٍ أي يبعثك ذا مَقام { مَّحْمُودًا } عندك وعند جميعِ الناس ، وفيه تهوينٌ لمشقة قيامِ الليل . وروى أبو هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « المقامُ المحمودُ هو المقامُ الذي أشفع فيه لأمتي » وعن ابن عباس رضي الله عنهما : مقاماً يحمَدُك فيه الأولون والآخرون وتُشرف فيه على جميع الخلائق تسأل فتعطى وتشفع فتُشفّع ليس أحدٌ إلا تحت لوائِك . وعن حذيفةَ رضي الله عنه : « يُجْمَعُ الناسُ في صَعيدٍ واحد فلا تتكلم فيه نفسٌ ، فَأَوَّلُ مَدْعُوَ محمدٌ صلى الله عليه وسلم فيقولُ : » لبّيكَ وسَعْدَيْكَ والشرُّ ليسَ إليكَ والمَهْديُّ من هَدَيْتَ وعبدُكَ بين يديك وبك وإليك لا ملجأ ولا منجا منكَ إلا إليكَ تباركتَ وتعاليتَ سبحانك ربَّ البيت « . (4/219)
وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا (80) وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (81)
{ وَقُل رَّبّ أَدْخِلْنِى } أي القبرَ { مُدْخَلَ صِدْقٍ } أي إدخالاً مرضياً { وَأَخْرِجْنِى } أي منه عند البعثِ { مُخْرَجَ صِدْقٍ } أي إخراجاً مَرْضياً مَلْقيًّا بالكرامة ، فهو تلقينٌ للدعاء بما وعده من البعث المقرونِ بالإقامة المعهودةِ التي لا كرامةَ فوقها ، وقيل : المرادُ إدخالُ المدينةِ والإخراجُ من مكةَ ، وتغييرُ ترتيبِ الوجودِ لكون الإدخالِ هو المقصدُ ، وقيل : إدخالُه عليه السلام مكةَ ظاهراً عليها وإخراجُه منها آمناً من المشركين ، وقيل : إدخالُه الغارَ وإخراجُه منه سالماً ، وقيل : إدخالُه فيما حمله من أعباء الرسالةِ وإخراجُه منه مؤدياً حقَّه ، وقيل : إدخالُه في كل ما يلابسه من مكان أو أمرٍ وإخراجُه منه ، وقرىء مَدخل ومَخرج بالفتح على معنى أدخلني فأدخُلَ دخولاً وأخرجني فأخرُجَ خروجاً كقوله (4/220)
وعضةُ دهرٍ يا ابنَ مروانَ لم تدَع ... من المال إلا مُسحَتٌ أو مجلِّفُ
أي لم تدَع فلم يبْقَ { واجعل لّى مِن لَّدُنْكَ سلطانا نَّصِيرًا } حجةً تنصُرني على من يخالفني أو مُلكاً وعزاً ناصراً للإسلام مظهِراً له على الكفر ، فأجيبت دعوتُه عليه السلام بقوله عز وعلا : { والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } { أَلاَ إِنَّ حِزْبَ الله هُمُ المفلحون } { لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدين كُلّهِ } { لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِى الأرض } { وَقُلْ جَاء الحق } أي الإسلامُ والوحيُ الثابتُ الراسخ { وَزَهَقَ الباطل } أي ذهب وهلك الشركُ والكفرُ وتسويلاتُ الشيطان ، من زهَق روحُه إذا خرج { إِنَّ الباطل } كائناً ما كان { كَانَ زَهُوقًا } أي شأنُه أن يكون مضمحلاً غيرَ ثابتٍ وهو عِدةٌ كريمةٌ بإجابة الدعاءِ بالسلطان النصيرِ الذي لُقِّنه . عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه عليه السلام دخل مكةَ يوم الفتح وحول البيت ثلاثُمائةٍ وستون صنماً فجعل ينكُت بمِخْصَرة كانت بيده في أعينها واحداً واحداً ويقول : جاء الحقُ وزهق الباطلُ فينكبّ لوجهه حتى أَلقْى جميعَها ، وبقيَ صنمُ خُزاعةَ فوق الكعبة وكان من صُفْر فقال : « يا عليُّ ارمِ به » فصعِد فرمى به فكسره .
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (83)
{ وَنُنَزّلُ مِنَ القرءان } وقرىء نُنْزل من الإنزال { مَا هُوَ شِفَاء } لِما في الصدور من أدواء الرَّيْب وأسقامِ الأوهام { وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ } به العالِمين بما في تضاعيفه ، أي ما هو في تقويم دينِهم واستصلاحِ نفوسِهم كالدواء الشافي للمرضى ، ومن بيانيةٌ قُدِّمت على المبيَّن اعتناءً فإن كلَّ القرآنِ كذلك ، وعن النبي عليه السلام : « مَنْ لَمْ يَسْتَشْفِ بالقرآن فلا شفاه الله » أو تبعيضةٌ لكن لا بمعنى أن بعضَه ليس كذلك بل بمعنى إنا ننزل منه في كل نَوْبةٍ ما تستدعي الحكمةُ نزولَه حينئذ ، فيقع ذلك ممن نزل عليهم بسبب موافقتِه لأحوالهم الداعيةِ إلى نزوله موقعَ الدواءِ الشافي المصادفِ لا بأنه من المرضى المحتاجين إليه بحسب الحالِ من غير تقديمٍ ولا تأخير ، فكلُّ بعضٍ منه متصفٌ بالشفاء لكن لا في كل حينٍ بل عند تنزيلِه ، وتحقيقُ التبعيضِ باعتبار الشفاءِ الجُسماني كما في الفاتحة وآياتِ الشفاء لا يساعده قوله سبحانه : { وَلاَ يَزِيدُ الظالمين إَلاَّ خَسَارًا } أي لا يزيد القرآنُ كلُّه أو كلُّ بعضٍ منه الكافرين المكذبين به الواضعين للأشياء في غير مواضعِها مع كونه في نفسه شفاءً من الأسقام إلا خَساراً أي هلاكاً بكفرهم وتكذيبِهم لا نقصاناً كما قيل ، فإن ما بهم من داء الكفرِ والضلالِ حقيقٌ بأن يعبّر عنه بالهلاك لا بالنقصان المنبىءِ عن حصول بعضِ مبادي الأسقامِ فيهم وزيادتِهم في مراتب الهلاك من حيث أنهم كلما جددوا الكفرَ والتكذيبَ بالآيات النازلةِ تدريجاً ازدادوا بذلك هلاكاً ، وفيه إيماءٌ إلى أن ما بالمؤمنين من الشُّبَه والشكوك المعتريةِ لهم في أثناء الاهتداءِ والاسترشادِ بمنزلة الأمراضِ ، وما بالكفرة من الجهل العنادِ بمنزلة الموتِ والهلاك ، وإسنادُ الزيادة المذكورةِ إلى القرآن مع أنهم هم المُزْدادون في ذلك بسوء صُنعِهم باعتبار كونِه سبباً لذلك ، وفيه تعجيبٌ من أمره حيث يكون مداراً للشفاء والهلاك . (4/221)
{ وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الإنسان } بالصحة والنعمة { أَعْرَضَ } عن ذكرنا فضلاً عن القيام بموجب الشكر { وَنَأَى } تباعدَ عن طاعتنا { بِجَانِبِهِ } النأيُ بالجانب أن يَلْويَ عن الشيء عِطفَه ويُولِيَه عُرضَ وجهِه ، فهو تأكيدٌ للإعراض أو عبارةٌ عن الاستكبار لأنه من ديدن المستكبرين { وَإِذَا مَسَّهُ الشر } من فقر أو مرض أو نازلةٍ من النوازل ، وفي إسناد المِساسِ إلى الشر بعد إسنادِ الإنعامِ إلى ضمير الجلالةِ إيذانٌ بأن الخيرَ مرادٌ بالذات والشرَّ ليس كذلك { كَانَ يَئُوساً } شديدَ اليأس من رَوْحنا ، وهذا وصفُ للجنس باعتبار بعضِ أفرادِه ممن هو على هذه الصفةِ ، ولا ينافيه قوله تعالى : { وَإِذَا مَسَّهُ الشر فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ } ونظائرُه ، فإن ذلك شأنُ بعضٍ آخرين منهم ، وقيل : أريد به الوليدُ بنُ المغيرة وقرىء ( ناء ) إما على القلب كما يقال : راءَ في رأي وإما على أنه بمعنى نهض .
قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (84) وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (85)
{ قُلْ كُلٌّ } أي كلُّ أحدٍ منكم وممن هو على خلافكم { يَعْمَلُ } عمله { على شَاكِلَتِهِ } طريقتِه التي تشاكل حالَه في الهدى والضلالة أو جوهرِ روحِه وأحوالِه التابعة لمزاج بدنِه { فَرَبُّكُمْ } الذي برأكم على هذه الطبائِع المتخالفة { أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أهدى سَبِيلاً } أي أسدُّ طريقاً وأبينُ مِنهاجاً وقد فُسِّرت الشاكلةُ بالطبيعة والعادةِ والدين . (4/222)
{ وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الروح } الظاهرُ أن السؤالَ كان عن حقيقة الروح الذي هو مدبّرُ البدنِ الإنساني ومبدأُ حياتِه ، روي ( أن اليهودَ قالوا لقريش : سلوه عن أصحاب الكهفِ وعن ذي القَرنين وعن الرّوح ، فإن أجاب عنها جميعاً أو سكت فليس بنبي ، وإن أجاب عن بعض وسكت عن بعض فهو نبيٌّ ، فبيّن لهم القصتين وأبْهم أمرَ الروح ) وهو مُبْهمٌ في التوراة { قُلِ الروح } أُظهر في مقام الإضمارِ إظهاراً لكمال الاعتناءِ بشأنه { مِنْ أَمْرِ رَبّى } كلمةُ من بيانيةٌ والأمرُ بمعنى الشأنِ والإضافةُ للاختصاص العِلْميِّ لا الإيجاديّ لاشتراك الكلِّ فيه وفيها من تشريف المضافِ ما لا يخفى كما في الإضافة الثانيةِ من تشريف المضافِ إليه ، أي هو من جنس ما استأثر الله تعالى بعلمه من الأسرار الخفيةِ التي لا يكاد يحوم حولها عقولُ البشر .
{ وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً } لا يمكن تعلّقُه بأمثال ذلك ، روي أنه صلى الله عليه وسلم لما قال لهم ذلك . قالوا : نحن مختصّون بهذا الخطابِ قال عليه الصلاة والسلام : « بل نحن وأنتم » . فقالوا : ما أعجبَ شأنَك ، ساعةً تقول : { وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِىَ خَيْرًا كَثِيرًا } وساعةً تقول هذا ، فنزلت : { وَلَوْ أَنَّ مَّا فِى الأرض مِن شَجَرَةٍ أَقْلاَمٌ } الآية ، وإنما قالوا ذلك لركاكة عقولِهم فإن الحكمةَ الإنسانيةَ أن يعلم من الخير ما تسعه الطاقةُ البشريةُ بل ما نيط به المعاشُ والمعادُ وذلك بالإضافة إلى ما لا نهايةَ له من معلوماته سبحانه قليلٌ يُنال به خيرٌ كثيرٌ في نفسه أو بالنسبة إلى الإنسان أو هو من الإبداعيات الكائنةِ بمحض الأمرِ التكوينيِّ من غير تحصّلٍ من مادة وتولُّدٍ من أصل كأعضاء الجسدِ حتى يمكن تعريفُه ببعض مباديه ، ومآلُه أنه من عالم الأمرِ لا من عالم الخَلق وليس هذا من قَبيل قوله سبحانه : { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فإن ذلك عبارةٌ عن سرعة التكوينِ سواءٌ كان الكائنُ من عالم الأمرِ أو من عالم الخلقِ ، وفيه تنبيهٌ على أنه مما لا يحيط بكنهه دائرةُ إدراكِ البشر وإنما الممكن هذا القدرُ الإجماليُّ المندرجُ تحت ما استُثني بقوله تعالى : { وَمَا أُوتِيتُم مّن العلم إِلاَّ قَلِيلاً } أي إلا علماً قليلاً تستفيدونه من طرُق الحواسِّ فإن تعقّلَ المعارفِ النظرية إنما هو من إحساس الجزئياتِ ، ولذلك قيل : من فقد حِسًّا فقد علماً ، ولعل أكثر الأشياءِ لا يدركه الحسُّ ولا شيءٌ من أحواله التي يدور عليها معرفةُ ذاتِه ، وأما حملُ ما ذكر على السؤال عن قِدَمه وحدوثه وجعلُ الجوابِ إخباراً بحدوثه أي كائنٌ بتكوينه حادثٌ بإحداثه بالأمر التكويني ، فمع عدم ملاءمتِه لحال السائلين لا يساعده التعرّضُ لبيان قلةِ علمِهم ، فإن ما سألوا عنه مما يفي به علمُهم حينئذ وقد أُخبر عنه ، وقيل : المرادُ بالروح خلقٌ عظيم رُوحاني أعظمُ من المَلَك ، وقيل : جبريلُ عليه السلام ، وقيل : القرآنُ ، ومعنى من أمر ربي من وحيه وكلامِه لا من كلامِ البشر .
وَلَئِنْ شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلًا (86) إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (87) قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآَنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88)
{ وَلَئِن شِئْنَا لَنَذْهَبَنَّ بالذى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } من القرآن الذي هو شفاءٌ ورحمةٌ للمؤمنين ومنبَعٌ للعلوم التي أوتيتَها وثبتّناك عليه حين كادوا يفتنونك عنه ولولاه لكدتَ تركن إليهم شيئاً قليلاً ، وإنما عبّر عنه بالموصول تفخيماً لشأنه ووصفاً له لما بما في حيز الصلة ابتداءً وإعلاماً بحاله من أول الأمرِ وبأنه ليس من قبيل كلامِ المخلوقِ ، واللامُ موطئةٌ للقسم ولنذهبن جوابُه النائبُ منابَ جزاءِ الشرطِ ، وبذلك حسُنَ حذفُ مفعولِ المشيئةِ ، والمرادُ من الذهاب به المحوُ من المصاحف والصدورِ وهو أبلغُ من الإذهاب . عن ابن مسعود رضي الله عنه : « أن أولَ ما تفقِدون من دينكم الأمانةُ وآخرَ ما تفقِدون الصلاةُ وليُصَلّين قومٌ ولا دينَ لهم ، وأن هذا القرآنَ تُصبحون يوماً وما فيكم منه شيءٌ ، فقال رجلٌ : كيف ذلك وقد أثبتناه في قلوبنا وأثبتْناه في مصاحفنا نعلّمه أبناءَنا ويعلمه أبناؤُنا أبناءَهم؟ فقال : يسرى عليه ليلاً فيصبح الناسُ منه فقراءَ تُرفع المصاحفُ وينزَعُ ما في القلوب » { ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ } أي بالقرآن { عَلَيْنَا وَكِيلاً } من يتوكل علينا استردادَه مسطوراً محفوظاً . (4/223)
{ إِلاَّ رَحْمَةً مّن رَّبّكَ } فإنها إن نالتْك لعلها تستردّه عليك ، ويجوز أن يكون الاستثناءُ منقطِعاً بمعنى ولكنْ رحمةٌ من ربك تركَتْه غيرَ مذهوبٍ به ، فيكون امتناناً بإبقائه بعد المنة بتنزيله وترغيباً في المحافظه على أداء حقوقِه وتحذيراً من أن لا يُقدرَ قدرُه الجليلُ ويفرَّط في القيام بشكره وهو أجلُّ النعم وأعظمُها { إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا } كإرسالك وإنزالِ الكتابِ عليك وإبقائِه في حفظك وغير ذلك .
{ قُلْ } للذين لا يعرِفون جلالةَ قدرِ التنزيل ولا يفهمون فخامةَ شأنه الجليل ، بل يزعُمون أنه من كلام البشر { لَّئِنِ اجتمعت الإنس والجن } أي اتفقوا { على أَن يَأْتُواْ بِمِثْلِ هذا القرءان } المنعوتِ بما لا تدركه العقولُ من النعوت الجليلةِ في البلاغة وحسنِ النظم وكمالِ المعنى . وتخصيصُ الثقلين بالذكر لأن المنكِرَ لكونه من عند الله تعالى منهما لا من غيرهما لا لأن غيرَهما قادرٌ على المعارضة { لاَ يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ } أوثر الإظهارُ على إيراد الضميرِ الراجع إلى المِثْل المذكورِ احترازاً عن أن يُتوَّهم أن له مِثْلاً معيناً وإيذاناً بأن المرادَ نفيُ الإتيانِ بمثْلٍ ما ، أي لا يأتون بكلام مماثلٍ له فيما ذكر من الصفات البديعةِ وفيهم العربُ العاربة أربابُ البراعةِ والبيانِ ، وهو جوابٌ للقسم الذي ينبىء عنه اللامُ الموطئةُ وسادٌّ مسدَّ جزاءِ الشرطِ ولولاها لكان جواباً له بغير جزمٍ لكون الشرط ماضياً كما في قول زهير
وإنْ أتاه خليلٌ يومَ مسألة ... يقول لا غائبٌ مالي ولا حرِمُ
وحيث كان المرادُ بالاجتماع على الإتيان بمثل القرآنِ مطلقَ الاتفاقِ على ذلك سواءٌ كان التصدِّي للمعارضة من كل واحدٍ منهم على الانفراد ، أو من المجموع بأن يتألّبوا على تلفيق كلامٍ واحد بتلاحق الأفكارِ وتعاضُدِ الأنظار قيل : { وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا } أي في تحقيق ما يتوخَّوْنه من الإتيان بمثله وهو عطفٌ على مقدّر ، أي لا يأتون بمثله لو لم يكن بعضُهم ظهيراً لبعض ولو كان الخ ، وقد حُذف المعطوفُ عليه حذفاً مطّرداً لدِلالة المعطوفِ عليه دِلالةً واضحةً فإن الإتيانَ بمثله انتفى عند التظاهرِ فلأَنْ ينتفيَ عند عدِمه أولى ، وعلى هذه النكتةِ يدور ما في إن ولو الوصليتين من التأكيد كما مر غيرَ مرة ، ومحلُّه النصبُ على الحالية حسبما عُطف عليه ، أي لا يأتون بمثله على كل حال مفروضٍ ولو في هذه الحال المنافيةِ لعدم الإتيانِ به فضلاً عن غيرها وفيه حسمٌ لأطماعهم الفارغةِ في رَوْم تبديل بعض آياتِه ببعض ، ولا مساغَ لكون الآية تقريراً لما قبلها من قوله تعالى :
{ ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنَا وَكِيلاً } كما قيل ، لكن لا لِما قيل من أن الإتيانَ بمثله أصعبُ من استرداد عينِه ، ونفيُ الشيء إنما يقرره نفيُ ما دونه لا نفيُ ما فوقه فإن أصعبيةَ الاستردادِ بغير أمرِه تعالى من الإتيان بمثله مما لا شُبهةَ فيه بل لأن الجملةَ القسميةَ ليست مَسوقةً إلى النبي صلى الله عليه وسلم بل إلى المكابرين من قِبَله عليه السلام . (4/224)
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (89) وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (90) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (91) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (92)
{ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا } كررنا وردّدنا على أنحاءٍ مختلفةٍ توجب زيادةَ تقريرٍ وبيان ووَكادةِ رسوخٍ واطمئنان { لِلنَّاسِ فِى هذا القرءان } المنعوتِ بما ذكر من النعوت الفاضلة { مِن كُلّ مَثَلٍ } من كل معنى بديعٍ هو الحسنُ والغرابةُ واستجلابُ النفسِ كالمَثَل ليتلقَّوْه بالقبول { فأبى أَكْثَرُ الناس } أوثر الإظهارُ على الإضمار تأكيداً وتوضيحاً { إِلاَّ كُفُورًا } أي إلا جُحوداً ، وإنما صح الاستثناءُ من الموجبُ مع أنه لا يصِح ضربتُ إلا زيداً لأنه متأوّل بالنفي كأنه قيل : ما قَبِل أكثرُهم إلا كفوراً ، وفيه من المبالغة ما ليس في أبَوْا الإيمانَ لأن فيه دِلالةً على أنهم لم يرضَوا بخَصلة سوى الكفورِ من الإيمان والتوقفِ في الأمر ونحو ذلك وأنهم بالغوا في عدم الرضا حتى بلغوا مرتبةَ الإباءِ . (4/225)
{ وَقَالُواْ } عند ظهور عجزهم ووضوحِ مغلوبيّتِهم بالإعجاز التنزيليّ وغيرِه من المعجزات الباهرةِ متعللين بما لا يمكن في العادة وجودُه ولا تقتضي الحكمةُ وقوعَه من الأمور كما هو دَيدَنُ المبهوتِ المحجوج { لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حتى تَفْجُرَ } وقرىء بالتشديد { لَنَا مِنَ الأرض } أرضِ مكة { يَنْبُوعًا } عيناً لا ينضُب ماؤُها ، يفعولٌ من نبع الماءُ كيعْبوب من عبّ الماءَ إذا زحَر .
{ أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ } أي بستانٌ تسترُ أشجارُه ما تحتها من العَرْصة { مّن نَّخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجّرَ الأنهار } أي تجريها بقوة { خلالها تَفْجِيرًا } كثيراً ، والمرادُ إما إجراءُ الأنهارِ خلالها عند سقْيها أو إدامةُ إجرائِها كما ينبىء عنه الفاءُ لا ابتداؤه { أَوْ تُسْقِطَ السماء كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا } جمع كِسْفة كقطعة وقِطَع لفظاً ومعنى ، وقرىء بالسكون كسِدْرة وسِدْر وهي حالٌ من السماء والكاف في كما في محل النصبِ على أنه صفةُ مصدرٍ محذوف أي إسقاطاً مماثلاً لما زعمتَ يعنُون بذلك قولَه تعالى : { أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفاً مّنَ السماء } .
{ أَوْ تَأْتِىَ بالله والملئكة قَبِيلاً } أي مقابلاً كالعشير والمعاشِر أو كفيلاً يشهد بصِحة ما تدعيه ، وهو حالٌ من الجلالة وحالُ الملائكةِ محذوفةٌ لدِلالتها عليها أي والملائكةِ قُبَلأَ كما حذف الخبرُ في قوله
فإني وقيّارٌ بها لغريب ... أو جماعةً فيكون حالاً من الملائكة .
أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (93) وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (94)
{ أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مّن زُخْرُفٍ } من ذهب وقد قرىء به وأصلُه الزينة { أَوْ ترقى فِى السماء } أي في معارجها فحُذف المضافُ ، يقال : رقيَ في السُّلّم وفي الدرجة { وَلَن نُّؤْمِنَ لِرُقِيّكَ } أي لأجل رُقيِّك فيها وحده أو لن نصدق رقيَّك فيها { حَتَّى تُنَزّلَ } منها { عَلَيْنَا كِتَابًا } فيه تصديقُك { نَّقْرَءهُ } نحن من غير أن يُتلقّى من قِبلك . عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال عبدُ اللَّه بنُ أمية : لن نؤمن لك حتى تتخذ إلى السماء سُلّماً ثم ترقى فيه وأنا أنظُر حتى تأتيَها وتأتَي معك بصك منشورٍ معه أربعةٌ من الملائكة يشهدون أنك كما تقول ، وما كانوا يقصِدون بهاتيك الاقتراحاتِ الباطلة إلا العنادَ واللَّجاجَ ولو أنهم أُوتوا أضعافَ ما اقترحوا من الآيات ما زادهم ذلك إلا مكابرةً وإلا فقد كان يكفيهم بعضُ ما شاهدوا من المعجزات التي تخِرُّ لها صُمُّ الجبال . (4/226)
{ قُلْ } تعجباً من شدة شكيمتِهم وتنزيهاً لساحة السُّبحات عما لا يكاد يليق بها من مثل هذه الاقتراحاتِ الشنيعة التي تكاد السمواتُ يتفطّرن منها أو عن طلبك ذلك وتنبيهاً على بطلان ما قالوه { سبحان رَبّى } وقرىء قال : سبحان ربي { هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا } لا ملَكاً حتى يُتصور مني الرقيُّ في السماء ونحوُه { رَسُولاً } مأموراً من قبل ربي بتبليغ الرسالةِ من غير أن يكون لي خِيَرةٌ في الأمر كسائر الرسلِ وكانوا لا يأتون قومَهم إلا بما يظهره الله على أيديهم حسبما يلائم حالَ قومِهم ولم يكن أمرُ الآياتِ إليهم ولا لهم أن يتحكموا على الله سبحانه بشيء منها ، وقولُه بشراً خبرٌ لكنت ورسولاً صفتُه .
{ وَمَا مَنَعَ الناس } أي الذين حُكيت أباطيلُهم { أَن يُؤْمِنُواْ } مفعولٌ ثانٍ لمنع وقوله : { إِذْ جَاءهُمُ الهدى } أي الوحيُ ظرفٌ لمنع أو يؤمنوا أي وما منعهم وقت مجيءِ الوحي المقرونِ بالمعجزاتِ المستدعيةِ للإيمان أن يؤمنوا بالقرآن وبنبوّتك أو ما منعهم أن يؤمنوا بذلك وقت مجيءِ ما ذكر { إِلاَّ أَن قَالُواْ } في محل الرفعِ على أنه فاعلُ منع أي إلا قولُهم : { أَبَعَثَ الله بَشَرًا رَّسُولاً } منكِرين أن يكون رسولُ الله تعالى من جنس البشرِ ، وليس المرادُ أن هذا القولَ صدر عن بعضهم فمنع بعضاً آخرَ منهم ، بل المانعُ هو الاعتقادُ الشاملُ للكل المستتبعُ لهذا القول منهم ، وإنما عبرّ عنه بالقول إيذاناً بأنه مجردُ قولٍ يقولونه بأفواههم من غير أن يكون له مفهومٌ ومِصْداقٌ ، وحصرُ المانعِ من الإيمان فيما ذكر مع أن لهم موانعَ شتّى لِما أنه معظمُها أو لأنه هو المانعُ بحسب الحال ، أعني عند سماعِ الجواب بقوله تعالى : { هَلْ كُنتُ إَلاَّ بَشَرًا رَّسُولاً } إذ هو الذي يتشبّثون به حينئذ من غير أن يخرِمَ ببالهم شبهةً أخرى من شبههم الواهيةِ ، وفيه إيذانٌ بكمال عنادِهم حيث يشير إلى أن الجوابَ المذكورَ مع كونه حاسماً لموادّ شُبَهِهم ملجئاً إلى الإيمان يعكُسون الأمرَ ويجعلونه مانعاً منه .
قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (95) قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (96) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (97) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِنَا وَقَالُوا أَئِذَا كُنَّا عِظَامًا وَرُفَاتًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقًا جَدِيدًا (98) أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلًا لَا رَيْبَ فِيهِ فَأَبَى الظَّالِمُونَ إِلَّا كُفُورًا (99) قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (100)
{ قُلْ } لهم أولاً من قِبلنا تبييناً للحكمة وتحقيقاً للحق المُزيحِ للرَّيب { لَّوْ كَانَ } أي لو وجد واستقر { فِى الأرض } بدل البشر { ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ } قارّين فيها من غير أن يعرُجوا في السماء ويعلموا ما يجب أن يُعلم { لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ السماء مَلَكًا رَّسُولاً } يهديهم إلى الحق ويُرشِدُهم إلى الخير لتمَكُّنهم من الاجتماع والتلقي منه ، وأما عامةُ البشر فهم بمعزل من استحقاق المفاوضةِ الملكية فكيف لا وهي منوطةٌ بالتناسب والتجانس ، فبعثُ الملكِ إليهم مزاحِمٌ للحكمة التي عليها مبنى التكوينِ والتشريع ، وإنما يُبعث الملَك من بينهم إلى الخواصّ المختصين بالنفوس الزكية المؤيَّدين بالقوة القُدسية المتعلقين بكِلا العالَمَين الروحاني والجُسماني ليتلقَّوا من جانب ويُلْقوا إلى جانب ، وقوله تعالى : { مَلَكًا } يحتمل أن يكون حالاً من رسولاً وأن يكون موصوفاً به وكذلك بشراً في قوله تعالى : { أَبَعَثَ الله بَشَرًا رَّسُولاً } والأولُ أولى . (4/227)
{ قُلْ } لهم ثانياً من جهتك بعد ما قلت لهم من قِبلنا ما قلتَ وبينتَ لهم ما تقضيه الحكمةُ في البعثة ولم يرفعوا إليه رأساً { كفى بالله } وحده { شَهِيداً } على أني أدّيتُ ما عليّ من مواجب الرسالةِ أكملَ أداءٍ وأنكم فعلتم ما فعلتم من التكذيب والعِناد ، وتوجيهُ الشهادةِ إلى كونه عليه السلام رسولاً بإظهار المعجزةِ على وفق دعواه كما اختير لا يساعده قوله تعالى : { بَيْنِى وَبَيْنَكُمْ } وما بعده من التعليل ، وإنما لم يقل : بيننا تحقيقاً للمفارقة وإبانةً للمباينة ، وشهيداً إما حالٌ أو تمييزٌ { إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ } من الرسل والمرسَلِ إليهم { خَبِيرَا بَصِيرًا } محيطاً بظواهر أحوالِهم وبواطنها فيجازيهم على ذلك وهو تعليلٌ للكفاية ، وفيه تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتهديدٌ للكفار .
{ وَمَن يَهْدِ الله } كلامٌ مبتدأٌ يفصل ما أشار إليه الكلامُ السابق من مجازاة العبادِ إشارةً إجماليةً ، أي من يهدِه الله إلى الحق بما جاء من قبله من الهدى { فَهُوَ المهتد } إليه وإلى ما يؤدّي إليه من الثواب أو المهتدِ إلى كل مطلوب { وَمَن يُضْلِلِ } أي يخلُقْ فيه الضلالَ بسوء اختيارِه كهؤلاء المعاندين { فَلَن تَجِدَ لَهُمْ } أوثر ضميرُ الجماعة اعتباراً لمعنى ( مَنْ ) غِبّ ما أوثر في مقابله الإفرادُ نظراً إلى لفظها تلويحاً بوَحدة طريقِ الحقِّ وقلةِ سالكيه وتعددِ سبلِ الضلال وكثرةِ الضلال { أَوْلِيَاء مِن دُونِهِ } من دون الله تعالى أي أنصاراً يهدونهم إلى طريق الحقِّ أو إلى طريق يوصلهم إلى مطالبهم الدنيويةِ والأخروية ، أو إلى طريق النجاةِ من العذاب الذي يستدعيه ضلالُهم ، على معنى لن تجدَ لأحد منهم وليًّا على ما تقتضيه قضيةُ مقابلةِ الجمعِ بالجمع من انقسام الآحادِ إلى الآحاد { وَنَحْشُرُهُمْ } التفاتٌ من الغَيبة إلى التكلم إيذاناً بكمال الاعتناءِ بأمر الحشرِ { يَوْمُ القيامة عَلَى وُجُهِهِمْ } على وجوههم أو مشياً ، فقد روي أنه قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : كيف يمشون على وجوههم؟ قال :
« إن الذي أمشاهم على أقدامهم قادرٌ على أن يُمشِيَهم على وجوههم » { عُمْيًا } حال من الضمير المجرورِ في الحال السابقة { وَبُكْمًا وَصُمّا } لا يُبصِرون ما يُقِرّ أعينَهم ولا ينطِقون ما يُقبل منهم ولا يسمعون ما يُلذّ مسامعَهم لما قد كانوا في الدنيا لا يستبصرون بالآيات والعبرِ ولا ينطِقون بالحق ولا يستمعونه ، ويجوز أن يُحشَروا بعد الحسابِ من الموقف إلى النار مُوفَيْ القُوى والحواسّ وأن يحشروا كذلك ثم يعاد إليهم قواهم وحواسُّهم ، فإن إدراكاتِهم بهذه المشاعرِ في بعض المواطنِ مما لا ريب فيه { مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } إما حالٌ أو استئنافً وكذا قوله تعالى : { كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا } أي كلما سكن لهبُها بأن أكلت جلودَهم ولحومَهم ولم يبق فيهم ما تتعلق به النارُ وتحرِقه زدناهم توقداً بأن بدّلناهم جلوداً غيرَها فعادت ملتهبةً ومستعرةً ، ولعل ذلك عقوبةٌ لهم على إنكارهم الإعادةَ بعد الفناءِ بتكريرها مرةً بعد أخرى ليرَوها عِياناً حيث لم يعلموها برهاناً كما يفصح عنه قوله تعالى : { ذلك } أي ذلك العذابُ { جَزَاؤُهُم بِأَنَّهُمْ } أي بسبب أنهم { كَفَرُواْ بئاياتنا } العقليةِ والنقليةِ الدالةِ على صحة الإعادةِ دَلالةً واضحةً ، فذلك مبتدأٌ وجزاؤُهم خبرُه ويجوز أن يكون مبتدأً ثانياً وبأنهم خبرُه ، والجملةُ خبراً لذلك وأن يكون جزاؤهم بدلاً من ذلك أو بياناً له والخبرُ هو الظرف { وَقَالُواْ } منكرِين أشدَّ الإنكار { أَءذَا كُنَّا عظاما ورفاتا أَءنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً } إما مصدرٌ مؤكدٌ من غير لفظِه أي لمبعوثون بعثاً جديداً وإما حالٌ أي مخلوقين مستأنَفين . (4/228)
{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ } أي ألم يتفكروا ولم يعلموا { أَنَّ الله خَلَقَ السموات والأرض } من غير مادةٍ مع عظمهما { قَادِرٌ على أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ } في الصغر على أن المِثْلَ مقحَمٌ والمرادُ بالخلق الإعادةُ كما عبر عنها بذلك حيث قيل : خلقاً جديداً { وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ } عطف على أولم يروا فإنه في قوة قد رأوا ، والمعنى قد علموا أن من قدَر على خلق السموات والأرضِ فهو قادرٌ على خلق أمثالِهم من الإنس وجعل لهم ولبعثهم أجلاً محققاً لا ريب فيه هو يومُ القيامة { فأبى الظالمون } وُضع موضعَ الضميرِ تسجيلاً عليهم بالظلم وتجاوزِ الحدّ بالمرة { إِلاَّ كُفُورًا } أي جحوداً .
{ قُل لَّوْ أَنتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبّى } خزائنَ رزقِه التي أفاضها على كافة الموجوداتِ ، وأنتم مرتفعٌ بفعل يفسّره المذكورُ كقول حاتم
لو ذاتُ سِوارٍ لَطَمتْني ... وفائدة ذلك المبالغةُ والدلالةُ على الاختصاص .
{ أَذِاً لأمْسَكْتُمْ } لبخِلتم { خَشْيَةَ الإنفاق } إذ ليس في الدنيا أحدٌ إلا وهو يختار النفعَ لنفسه ، ولو آثر غيرَه بشيء فإنما يُؤثره لِعَوض يفوقه ، فإذن هو بخيلٌ بالإضافة إلى جودِ الله سبحانه { وَكَانَ الإنسان قَتُورًا } مبالغاً في البخل لأن مبْنى أمرِه على الحاجة والضِّنّة بما يحتاج إليه وملاحظةِ العِوضِ بما يبذُله .
وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آَيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَاءَهُمْ فَقَالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا مُوسَى مَسْحُورًا (101) قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَا فِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (102)
{ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى تِسْعَ ءايات بَيّنَاتٍ } واضحاتِ الدِلالة على نبوته وصِحّةِ ما جاء به من عند الله وهي العَصا واليدُ والجَرادُ والقُمّل والضفادعُ والدمُ والطوفانُ والسّنونَ ونقصُ الثمرات ، وقيل : انفجارُ الماء من الحجر ونتْقُ الطورِ على بني إسرائيلَ وانفلاقُ البحرِ بدل الثلاث الأخيرة ، ويأباه أن هذه الثلاثَ لم تكن منزلةً إذ ذاك وأن الأولَين لا تعلقَ لهما بفرعون وإنما أوتيهما بنو إسرائيلَ ، وعن صفوانَ بن عسّال أن يهودياً سألَ النبي عليه الصلاة والسلام عنها فقال : « ألا تشركوا به شيئاً ولا تسرِقوا ولا تزنوا ، ولا تقتُلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ، ولا تسحرَوا ولا تأكُلوا الربا ، ولا تمشوا ببريءٍ إلى ذي سلطان ليقتُله ولا تقذِفوا مُحصنةً ولا تفِرّوا من الزحف ، وعليكم خاصّةَ اليهودِ أن لا تعْدوا في السبت » فقبّل اليهوديُّ يدَه ورجلَه عليه السلام ، ولا يساعده أيضاً ما ذكر ولعل جوابَه عليه السلام بذلك لما أنه المُهم للسائل وقبولُه لما أنه كان في التوراة مسطوراً ، وقد علِم أنه ما علمه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم إلا من جهة الوحي . (4/229)
{ فاسأل بَنِى إسراءيل } وقرىء فسَلْ أي فقلنا له : سلْهم من فرعون ، وقل له : أرسلْ معيَ بني إسرائيلَ أو سلهم عن إيمانهم أو عن حال دينِهم أو سلْهم أن يعاضدوك ، ويؤيده قراءةُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم على صيغة الماضي ، وقيل : الخطابُ للنبي عليه الصلاة والسلام أي فاسألهم عن تلك الآياتِ لتزدادَ يقيناً وطُمَأْنينةً أو ليظهر صِدقُك { إِذْ جَاءهُمُ } متعلق بقلنا وبسأل على القراءة المذكورةِ وبآتينا أو بمضمر هم يخبروك أو اذكر على تقدير كونِ الخطابِ للرسول عليه الصلاة والسلام { فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ } الفاءُ فصيحةٌ أي فأظهرَ عند فرعون ما آتيناه من الآيات البيناتِ وبلّغه ما أُرسل به ، فقال له فرعونُ : { إِنّى لاظُنُّكَ ياموسى مَّسْحُورًا } سُحرْت فتخبّط عقلك .
{ قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء } يعني الآياتِ التي أظهرها { إِلاَّ رَبُّ السموات والأرض } خالقُهما ومدبرُهما ، والتعرّضُ لربوبيته تعالى لهما للإيذان بأنه لا يقدِر على إيتاء مثلِ هاتيك الآياتِ العظامِ إلا خالقُهما ومدبّرهما { بَصَائِرَ } حالٌ من الآيات أي بيناتٍ مكشوفاتٍ تُبصّرك صدقي ولكنك تعاند وتكابر ، نحوُ : { وَجَحَدُواْ بِهَا واستيقنتها أَنفُسُهُمْ } ومن ضرورة ذلك العلمِ العلمُ بأنه عليه الصلاة والسلام على كمال رصانةِ العقلِ فضلاً عن توهم المسحورية ، وقرىء علمتُ على صيغة التكلمِ أي لقد علمتُ بيقين أن هذه الآياتِ الباهرةَ أنزلها الله عز سلطانه فكيف يُتوهم أن يحومَ حولي سحر { وَإِنّى لاظُنُّكَ يافرعون مَثْبُورًا } مصروفاً عن الخير مطبوعاً على الشر ، من قولهم : ما ثبَرك عن هذا أي ما صرفك ، أو هالكاً ولقد قارع عليه السلام ظنَّه بظنه وشتان بينهما ، كيف لا وظنُّ فرعونَ إفكٌ مُبينٌ وظنُّه عليه الصلاة والسلام يتاخم اليقين .
فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَفِزَّهُمْ مِنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ جَمِيعًا (103) وَقُلْنَا مِنْ بَعْدِهِ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ اسْكُنُوا الْأَرْضَ فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا (104) وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (105) وَقُرْآَنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا (106) قُلْ آَمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107)
{ فَأَرَادَ } أي فرعون { أَن يَسْتَفِزَّهُم } أي يستخِفَّهم ويُزعجَهم { مّنَ الأرض } أرضِ مصرَ أو من الأرض مطلقاً بالقتل كقوله : { سَنُقَتّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِى نِسَاءهُمْ } { فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا } فعكسنا عليه مكرَه واستفززناه وقومَه بالإغراق . (4/230)
{ وَقُلْنَا مِن بَعْدِهِ } من بعد إغراقِهم { لِبَنِى إسراءيل اسكنوا الأرض } التي أراد أن يستفزّكم منها { فَإِذَا جَاء وَعْدُ الأخرة } الكرةُ الآخرةُ أو الحياةُ أو الساعةُ والدارُ الآخرة أي قيامُ القيامة { جِئْنَا بِكُمْ لَفِيفًا } مختلطين إياكم وإياهم ثم نحكُم بينكم ونميز سعداءَكم من أشقيائكم واللفيفُ الجماعاتُ من قبائلَ شتى .
{ وبالحق أَنْزَلْنَاهُ وبالحق نَزَلَ } أي وما أنزلنا القرآنَ إلا ملتبساً بالحق المقتضي لإنزاله وما نزل إلا ملتبساً بالحق الذي اشتمل عليه ، أو ما أنزلناه من السماء إلا محفوظاً وما نزل على الرسول إلا محفوظاً من تخليط الشياطينِ ، ولعل المرادَ بيانُ عدم اعتراءِ البطلان له أولَ الأمرَ وآخرَه { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ مُبَشّرًا } للمطيع بالثواب { وَنَذِيرًا } للعاصي من العقاب ، وهو تحقيقٌ لحقية بعثتِه عليه الصلاة والسلام إثرَ تحقيقِ حقية إنزالِ القرآن .
{ وَقُرْءانًا } منصوب بمضمر يفسّره قوله تعالى : { فَرَقْنَاهُ } وقرىء بالتشديد دَلالةً على كثرة نجومِه { لِتَقْرَأَهُ عَلَى الناس على مُكْثٍ } على مَهل وتثبُّتٍ فإنه أيسرُ للحفظ وأعونُ على الفهم ، وقرىء بالفتح وهو لغة فيه { ونزلناه تَنْزِيلاً } حسبما تقتضيه الحكمةُ والمصلحة ويقع من الحوادث والواقعات .
{ قُلْ } للذين كفروا { ءَامِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ } فإن إيمانَكم به لا يزيده كمالاً وامتناعَكم لا يورثه نقصاً { إِنَّ الذين أُوتُواْ العلم مِن قَبْلِهِ } أي العلماءَ الذين قرأوا الكتبَ السالفةَ من قبل تنزيلِه وعرَفوا حقيقةَ الوحي وأماراتِ النبوةِ وتمكّنوا من التمييز بين الحقِّ والباطلِ والمُحقِّ والمبطلِ ورأوا فيها نعتَك ونعتَ ما أنزل إليك { إِذَا يتلى } أي القرآنُ { عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ } أي يسقطون على وجوههم { سُجَّدًا } تعظيماً لأمر الله تعالى أو شكراً لإنجاز ما وعد به في تلك الكتبِ من بعثتك ، وتخصيصُ الأذقانِ بالذكر للدِلالة على كمال التذللِ إذ حينئذ يتحقق الخُرور عليها ، وإيثارُ اللام للدِلالة على اختصاص الخُرور بها كما في قوله
فخرَّ صريعاً لليدين وللفمِ ... وهو تعليلٌ لما يفهم من قوله تعالى : { ءَامِنُواْ بِهِ أَوْ لاَ تُؤْمِنُواْ } من عدم المبالاة بذلك أي إن لم تؤمنوا به فقد آمن به أحسنَ إيمانٍ مَنْ هو خيرٌ منكم ، ويجوز أن يكون تعليلاً لقُلْ على سبيل التسليةِ لرسول الله صلى الله عليه وسلم كأنه قيل : تسلَّ بإيمان العلماءِ عن إيمان الجهلةِ ولا تكترث بإيمانهم وإعراضِهم .
وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (109) قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (110)
{ وَيَقُولُونَ } في سجودهم { سُبْحَانَ رَبّنَا } عما يفعل الكفرةُ من التكذيب أو عن خُلْف وعده { إِن كَانَ وَعْدُ رَبّنَا لَمَفْعُولاً } إن مخففةٌ من المثقّلة ، واللامُ فارقةٌ أي إن الشأن هذا . (4/231)
{ وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ } كرر الخُرورَ للأذقان لاختلاف السبب فإن ( الأولَ ) لتعظيم أمر الله تعالى أو الشكرِ لإنجاز الوعدِ ( والثاني ) لِما أثّر فيهم من مواعظ القرآنِ حالَ كونِهم باكين من خشية الله { وَيَزِيدُهُمْ } أي القرآنُ بسماعهم { خُشُوعًا } كما يزيدهم علماً ويقيناً بالله تعالى .
{ قُلِ ادعوا الله أَوِ ادعوا الرحمن } نزل حين سمع المشركون رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول : « يا ألله يا رحمن » فقالوا : إنه ينهانا عن عبادة إلهين وهو يدعو إلها آخرَ . وقالت اليهود : إنك لتُقِلّ ذكرَ الرحمن وقد أكثره الله تعالى في التوراة . والمرادُ على الأول هو التسويةُ بين اللفظين بأنهما عبارتان عن ذات واحدةٍ وإن اختلف الاعتبارُ والتوحيدُ إنما هو للذات الذي هو المعبودُ ، وعلى الثاني أنهما سيّان في حسن الإطلاقِ والإفضاء إلى المقصود وهو أوفق لقوله تعالى : { أَيّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأسماء الحسنى } والدعاءُ بمعنى التسمية وهو يتعدى إلى مفعولين حُذف أولُهما استغناءً عنه ، وأو للتخيير والتنوينُ في أياً عوضٌ عن المضاف إليه وما مزيدةٌ لتأكيد ما في أي من الإبهام ، والضميرُ في له للمسمّى لأن التسميةَ له لا للاسم وكان أصلُ الكلامِ أياً ما تدعوا فهو حسنٌ فوضع موضعَه فله الأسماءُ الحسْنى للمبالغة والدِلالة على ما هو الدليلُ عليه ، إذ حسنُ جميعِ أسمائِه يستدعي حسنَ ذينك الاسمين وكونُها حُسنى لدلالتها على صفات الكمالِ من الجلال والجمال والإكرام .
{ وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ } أي بقراءة صلاتِك بحيث تُسمع المشركين فإن ذلك يحملهم على السب واللغوِ فيها { وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا } أي بقراءتها بحيث لا تُسمع من خلفك من المؤمنين { وابتغ بَيْنَ ذلك } أي بين الجهرِ والمخافتة على الوجه المذكور { سَبِيلاً } أمراً وسَطاً قصْداً فإن خيرَ الأمور أوساطُها ، والتعبيرُ عن ذلك بالسبيل باعتبار أنه أمرٌ يتوجه إليه المتوجهون ويؤُمّه المقتدون ويوصلُهم إلى المطلوب ، وروي أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه كان يخفِت ويقول : أناجي ربي وقد علم حاجتي ، وعمر رضي الله عنه كان يجهر بها ويقول : أطرُد الشيطان وأوقظ الوسْنان ، فلما نزلت أمرَ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن يرفعَ قليلاً وعمرَ أن يخفِض قليلاً ، وقيل : المعنى لا تجهَرْ بصلاتك كلِّها ولا تخافت بها بأسرها وابتغِ بين ذلك سبيلاً بالمخافتة نهاراً والجهرِ ليلاً ، وقيل : بصلاتك بدعائك وذهب قوم إلى أنها منسوخةٌ بقوله تعالى : { ادعوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً . }
وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (111)
{ وَقُلِ الحمد لِلَّهِ الذى لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا } كما يزعم اليهودُ والنصارى وبنو مليح ، حيث قالوا : عزيرٌ ابنُ الله والمسيحُ ابنُ الله والملائكةُ بناتُ الله تعالى عن ذلك علواً كبيراً { وَلَم يَكُنْ لَّهُ شَرِيكٌ فِى الملك } أي الألوهيةِ كما يقوله الثنويةُ القائلون بتعدد الآلهة { وَلَمْ يَكُنْ لَّهُ وَلِىٌّ مَّنَ الذل } ناصرٌ ومانعٌ منه لاعتزازه ، أو لم يوالِ أحداً من أجل مذلةٍ ليدفعها به ، وفي التعرض في أثناء الحمدِ لهذه الصفاتِ الجليلة إيذانٌ بأن المستحقَّ للحمد مَنْ هذه نعوتُه دون غيره ، إذ بذلك يتم الكمالُ والقُدرةُ التامةُ على الإيجاد ، وما يتفرّع عليه من إفاضة أنواعِ النعم وما عداه ناقصٌ مملوكٌ نعمةٌ أو منقماً عليه ، ولذلك عُطف عليه قولُه تعالى : { وَكَبّرْهُ تَكْبِيرًا } وفيه تنبيهٌ على أن العبدَ وإن بالغ في التنزيه والتمجّد واجتهد في الطاعة والتحميد ينبغي أن يعترِف بالقصور في ذلك . رُوي أنه صلى الله عليه وسلم كان إذا أفصح الغلامُ من بني عبد المطلب علّمه هذه الآية الكريمة . (4/232)
وعنه عليه الصلاة والسلام : « من قرأ سورةَ بني إسرائيلَ فرقّ قلبُه عند ذكرِ الوالدَين كان له قنطارٌ في الجنة » والقنطارُ ألفُ أوقية ومائتا أوقية والحمد لله سبحانه وله الكبرياء والعظمة والجبروت .
الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (1) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (2)
{ الحمد لِلَّهِ الذى أَنْزَلَ على عَبْدِهِ } محمد صلى الله عليه وسلم { الكتاب } أي الكتابَ الكاملَ الغنيَّ عن الوصف بالكمال المعروفِ بذلك من بين الكتبِ ، الحقيقَ باختصاص اسمِ الكتابِ به ، وهو عبارةٌ عن جميع القرآنِ أو عن جميع المُنْزَل حينئذ كما مر مراراً ، وفي وصفه تعالى بالموصول إشعارٌ بعلّية ما في حيز الصلةِ لاستحقاق الحمدِ وإيذانٌ بعِظم شأنِ التنزيلِ الجليلِ ، كيف لا وعليه يدور فَلكُ سعادةِ الدارين ، وفي التعبير عن الرسول عليه الصلاة والسلام بالعبد مضافاً إلى ضمير الجلالةِ تنبيهٌ على بلوغه عليه الصلاة والسلام إلى أعلى معارجِ العبادةِ وتشريفٌ وإشعارٌ بأن شأنَ الرسولِ أن يكون عبداً للمرسِل لا كما زعمت النصارى في حق عيسى عليه السلام ، وتأخيرُ المفعول الصريح عن الجار والمجرور مع أن حقه التقديمُ عليه ليتصل به قوله تعالى : { وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا } أي شيئاً من العِوَج بنوع اختلالٍ في النظم وتَنافٍ في المعنى أو انحرافٍ عن الدعوة إلى الحق وهو في المعاني كالعِوَج في الأعيان ، وأما قوله تعالى : { لاَّ ترى فِيهَا عِوَجاً وَلا أَمْتاً } مع كون الجبالِ من الأعيان فللدِلالة على انتفاء ما لا يُدرك من العوج بحاسة البصر ، بل إنما يوقف عليه بالبصيرة بواسطة استعمالِ المقاييسِ الهندسيةِ ولمّا كان ذلك مما لا يُشعَر به بالمشاعر الظاهرةِ عُدّ من قبيل ما في المعاني ، وقيل : الفتحُ في اعوجاج المنتصِبِ كالعُود والحائِط ، والكسرُ في اعوجاج غيرِه عيناً كان أو معنى . (4/233)
{ قَيِّماً } بالمصالح الدينيةِ والدنيويةِ للعباد على ما ينبىء عنه ما بعده من الإنذار والتبشيرِ فيكون وصفاً له بالتكميل بعد وصفِه بالكمال ، أو على ما قبله من الكتب السماويةِ شاهداً بصِحتها ومهيمناً عليها أو متناهياً في الاستقامة ، فيكون تأكيداً لما دل عليه نفيُ العِوج مع إفادة كونِ ذلك من صفاته الذاتيةِ اللازمةِ له حسبما تنبىء عنه الصيغةُ لا أنه نُفي عنه العوجُ مع كونه من شأنه ، وانتصابُه على تقديرِ كونِ الجملةِ المتقدمةِ معطوفةً على الصلة بمضمر ينبىء عنه نفيُ العِوَج تقديرُه جعلَه قيماً ، وأما على تقدير كونها حاليةً فهو على الحالية من الكتاب إذ لا فصلَ حينئذ بين أبعاضِ المعطوفِ عليه بالمعطوف وقرىء قيماً { لّيُنذِرَ } متعلقٌ بأنزل والفاعلُ ضميرُ الجلالة كما في الفعلين المعطوفين عليه ، والإطلاقُ عن ذكر المفعولِ الأول للإيذان بأن ما سيق له الكلامُ هو المفعولُ الثاني وأن الأولَ ظاهرٌ لا حاجةَ إلى ذكره ، أي أنزل الكتابَ لينذر بما فيه الذين كفروا به { بَأْسًا } أي عذاباً { شَدِيدًا مّن لَّدُنْهُ } أي صادراً من عنده نازلاً من قِبله بمقابلة كفرِهم وتكذيبهم ، وقرىء من لدْنِه بسكون الدال مع إشمام الضمةِ وكسر النونِ لالتقاء السَاكنين وكسر الهاءِ للإتباع { وَيُبَشّرُ } بالتشديد وقرىء بالتخفيف { المؤمنين } أي المصدقين به { الذين يَعْمَلُونَ الصالحات } الأعمالَ الصالحةَ التي بيّنت في تضاعيفه ، وإيثارُ صيغةِ الاستقبال في الصلة للإشعار بتجدد الأعمالِ الصالحة واستمرارِها ، وإجراءُ الموصولِ على موصوفه المذكورِ لما أن مدارَ قَبولِ الأعمالِ هو الإيمان { أَنَّ لَهُمْ } أي بأن لهم بمقابلة إيمانِهم وأعمالِهم المذكورة { أَجْرًا حَسَنًا } هو الجنةُ وما فيها من المثوبات الحُسنى .
مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (3) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (4) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآَبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (5)
{ مَّاكِثِينَ } حال من الضمير المجرور في لهم { فِيهِ } أي في ذلك الأجر { أَبَدًا } من غير انتهاء أي خالدين فيه ، وهو نصبٌ على الظرفية لماكثين ، وتقديمُ الإنذار على التبشير لإظهار كمال العنايةِ بزجر الكفّارِ عما هم عليه مع مراعاة تقديمِ التخليةِ على التحلية ، وتكريرُ الإنذار بقوله تعالى : { وَيُنْذِرَ الذين قَالُواْ اتخذ الله وَلَدًا } متعلقاً بفِرْقة خاصة ممن عمّه الإنذارُ السابقُ من مستحقي البأسِ الشديدِ للإيذان بكمال فظاعةِ حالِهم لغاية شناعةِ كفرِهم وضلالِهم ، أي وينذرَ من بين سائر الكفرةِ هؤلاء المتفوّهين بمثل هاتيك العظيمةِ خاصة وهم كفارُ العرب الذين يقولون : الملائكةُ بناتُ الله تعالى ، واليهودُ القائلون : عزيرٌ ابنُ الله ، والنصارى القائلون : المسيحُ ابن الله ، وتركُ إجراءِ الموصولِ على الموصوف كما فُعل في قوله تعالى : { وَيُبَشّرُ المؤمنين } للإيذان بكفاية ما في حيز الصلةِ في الكفر على أقبح الوجوه ، وإيثارُ صيغةِ الماضي في الصلة للدِلالة على تحقق صدورِ تلك الكلمةِ القبيحة عنهم فيما سبق . وجعلُ المفعولِ المحذوفِ فيما سلف عبارةً عن هذه الطائفة يؤدي إلى خروج سائرِ أصنافِ الكفرة عن الإنذار والوعيدِ ، وتعميمُ الإنذارِ هناك للمؤمنين أيضاً بحمله على معنى مجردِ الإخبارِ بالخبر الضارِّ من غير اعتبار حُلول المنذَرِ به على المنذَر كما في قوله تعالى : { أَنْ أَنْذِر الناس وَبَشر الذين ءَامَنُواْ } يُفضي إلى خلوّ النظمِ الكريم عن الدلالة على حلول البأسِ الشديدِ على مَنْ عدا هذه الفرقةِ ، ويجوز أن يكون الفاعلُ في الأفعال الثلاثة ضميرَ الكتاب أو ضميرَ الرسول عليه الصلاة والسلام . (4/234)
{ مَا لَهُمْ بِهِ } أي باتخاذه سبحانه وتعالى ولداً { مِنْ عِلْمٍ } مرفوعٌ على الابتداء أو الفاعلية لاعتماد الظرفِ ، ومِن مزيدةٌ لتأكيد النفي والجملةُ حاليةٌ أو مستأنَفةٌ لبيان حالِهم في مقالهم ، أي ما لهم بذلك شيءٌ من علم أصلاً لا لإخلالهم بطريقه مع تحقيق المعلومِ أو إمكانِه بل لاستحالته في نفسه { وَلاَ لأََبَائِهِمْ } الذين قلدوهم فتاهوا جميعاً في تيه الجهالةِ والضلالةِ أو ما لهم علمٌ بما قالوه أهو صوابٌ أم خطأٌ ، بل إنما قالوه رمياً عن عمًى وجهالةٍ من غير فكر ورويّةٍ كما في قوله تعالى : { وَخَرَقُواْ لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ } أو بحقيقة ما قالوه وبعظم رُتبتِه في الشناعة كما في قوله تعالى : { وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدَا تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ } الآيات وهو الأنسب بقوله تعالى : { كَبُرَتْ كَلِمَةً } أي عظُمت مقالتُهم هذه في الكفر والافتراءِ لما فيها من نسبته سبحانه إلى ما لا يكاد يليق بجناب كبريائِه ، والفاعلُ في كبُرت إما ضميرُ المقالةِ المدلولِ عليها بقالوا وكلمةً نُصبَ على التمييز أو ضميرٌ مبهمٌ مفسَّرٌ بما بعده من النكرة المنصوبةِ تمييزاً كبئس رجلاً ، والمخصوصُ بالذم محذوفٌ تقديرُه كبُرت هي كلمةً خارجةً من أفواههم ، وقرىء كبْرتْ بإسكان الباء مع إشمام الضم ، وقرىء كلمةٌ بالرفع { تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ } صفةٌ للكلمة مفيدةٌ لاستعظام اجترائِهم على التفوه بها ، وإسنادُ الخروجِ إليها مع أن الخارجَ هو الهواءُ المتكيفُ بكيفية الصوتِ لملابسته بها { إِن يَقُولُونَ } ما يقولون في ذلك الشأنِ { إِلاَّ كَذِبًا } أي إلا قولاً كذباً لا يكاد يدخُل تحت إمكانِ الصدق أصلاً ، والضميران لهم ولآبائهم .
مُثّل حالُه عليه الصلاة والسلام في شدة الوجدِ على إعراض القومِ وتولّيهم عن الإيمان بالقرآن وكمالِ التحسّر عليهم بحال من يُتوقع منه إهلاكُ نفسِه إثرَ فواتِ ما يُحِبّه عند مفارقة أحبّتِه تأسفاً على مفارقتهم وتلهفاً على مهاجَرتهم ، فقيل على طريقة التمثيلِ حملاً له عليه الصلاة والسلام على الحذر والإشفاق من ذلك : (4/235)
فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آَثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (6) إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7)
{ فَلَعَلَّكَ باخع } أي مُهلكٌ { نَّفْسَكَ على ءاثارهم } غماً ووجداً على فراقهم وقرىء بالإضافة { إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بهذا الحديث } أي القرآنِ الذي عبّر عنه في صدر السورةِ بالكتاب ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ ثقةً بدلالة ما سبق عليه ، وقرىء بأنْ المفتوحةِ أي لأن لم يؤمنوا ، فإعمالُ باخعٌ بحمله على حكاية حالٍ ماضيةٍ لاستحضار الصورةِ كما في قوله عز وجل : { باسط } { الحديث أَسَفاً } مفعولٌ له لباخعٌ أي لِفَرْط الحزنِ والغضبِ أو حالٌ مما فيه الضمير أن متأسفاً عليهم ، ويجوز حملُ النظمِ الكريم على الاستعارة التبعيةِ بجعل التشبيهِ بين أجزاءِ الطرفين لا بين الهيئتين المنتزَعتين منهما كما في التمثيل ، وقد مر تحقيقُه في تفسير قوله تعالى : { خَتَمَ الله على قُلُوبِهِمْ } { إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض } استئنافٌ وتعليلٌ لما في لعل من معنى الإشفاقِ ، أي إنا جعلنا ما عليها ممن عدا مَنْ وُجّه إليه التكليفُ من الزخارف حيواناً كان أو نباتاً أو معدِناً كقوله تعالى : { هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعاً } { زِينَةُ } مفعولٌ ثانٍ للجعل إن حُمل على معنى التصييرِ أو حالٌ إن حمل على معنى الإبداعِ ، واللام في { لَهَا } إما متعلقةٌ بزينةً أو بمحذوف هو صفةٌ لها أي كائنةً لها أي ليتمتع بها الناظرون من المكلفين وينتفعوا بها نظراً واستدلالاً ، فإن الحياتِ والعقاربَ من حيث تذكيرُهما لعذاب الآخرة من قبيل المنافِع بل كلُّ حادثٍ داخلٌ تحت الزينة من حيث دَلالتُه على وجود الصانعِ ووَحدتِه فإن الأزواجَ والأولادَ أيضاً من زينة الحياةِ الدنيا بل أعظمُها ولا يمنع ذلك كونُهم من جملة المكلفين فإنهم من جهة انتسابهم إلى أصحابهم داخلون تحت الزينةِ ومن جهة كونهم مكلفين داخلون تحت الابتلاء . (4/236)
{ لِنَبْلُوَهُمْ } متعلقٌ بجعلنا أي جعلنا ما جعلنا لنعاملَهم معاملةَ من يختبرهم { أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } فنجازيهم بالثواب والعقابِ حسبما تبين المحسنُ من المسيء وامتازت طبقاتُ أفرادِ كلَ من الفريقين حسب امتيازِ مراتبِ علومِهم المرتبة على أنظارهم وتفاوتِ درجاتِ أعمالِهم المتفرّعةِ على ذلك كما قررناه في مطلع سورة هود ، وأيُّ إما استفهاميةٌ مرفوعةٌ بالابتداء وأحسنُ خبرُها والجملةُ في محل النصبِ معلِّقةٌ لفعل البلوى لما فيه من معنى العلمِ باعتبار عاقبتِه كالسؤال والنظرِ ، ولذلك أجريَ مَجراه بطريق التمثيلِ أو الاستعارةِ التبعية ، وإما موصولةٌ بمعنى الذي وأحسنُ خبرٌ لمبتدأ مضمر ، والجملةُ صلةٌ لها وهي في حيز النصبِ بدلٌ من مفعول لنبلوَهم والتقديرُ لنبلوَ الذي هو أحسنُ عملاً فحينئذ يحتمل أن تكون الضمةُ في أيُّهم للبناء كما في قوله عز وجل : { ثُمَّ لَنَنزِعَنَّ مِن كُلّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرحمن عِتِيّاً } على أحد الأقوالِ لتحقق شرط البناءِ الذي هو الإضافةُ لفظاً وحذفُ صدرِ الصلةِ وأن تكون للإعراب لأن ما ذكر شرطٌ لجواز البناءِ لا لوجوبه ، وحُسنُ العملِ الزهدُ فيها وعدمُ الاغترار بها والقناعةُ باليسير منها وصرفُها على ما ينبغي والتأملُ في شأنها وجعلُها ذريعةً إلى معرفة خالقِها والتمتعُ بها حسبما أذِن له الشرعُ وأداءُ حقوقها والشكرُ لها ، لا اتخاذُها وسيلةً إلى الشهوات والأغراضِ الفاسدة كما يفعله الكفرةُ وأصحابُ الأهواء .
وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (8) أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آَيَاتِنَا عَجَبًا (9)
{ وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ } فيما سيأتي عند تناهي عُمرِ الدنيا { مَا عَلَيْهَا } من المخلوقات قاطبةً بإفنائها بالكلية وإنما أُظهر في مقام الإضمارِ لزيادة التقريرِ أو لإدراج المكلفين فيه { صَعِيداً } مفعولٌ ثانٍ للجعل ، والصعيدُ الترابُ أو وجهُ الأرضِ ، قال أبو عبيدةَ : هو المستوي من الأرض ، وقال الزجاجُ : هو الطريقُ الذي لا نبات فيه { جُرُزاً } تراباً لا نباتَ فيه بعد ما كان يَتعجَّب من بهجته النُّظارُ وتتشرف بمشاهدته الأبصارُ ، يقال : أرضٌ جرُزٌ لا نباتَ فيها وسَنةٌ جرُزٌ لا مطر فيها . قال الفراء : جُرِزَت الأرضُ فهي مجرُوزة أي ذهب نباتُها بقحط أو جراد ، ويقال : جرَزها الجرادُ والشاةُ والإبلُ إذا أكلت ما عليها ، وهذه الجملةُ لتكميل ما في السابقة من التعليل ، والمعنى لا تحزنْ بما عاينْتَ من القوم من تكذيب ما أنزلنا عليك من الكتاب فإنا قد جعلنا ما على الأرض من فنون الأشياءِ زينةً لها لنختبرَ أعمالَهم فنجازِيَهم بحسبها وإنا لَمُفْنون جميعَ ذلك عن قريب ومجازون لهم بحسب أعمالهم . (4/237)
{ أَمْ حَسِبْتَ } الخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمرادُ إنكارُ حُسبانِ أمّته ، وأم منقطعةٌ مقدّرة ببل التي هي للانتقال من حديث إلى حديث لا للإبطال ، وبهمزة الاستئنافِ عند الجمهور وببل وحدها عند غيرِهم أي بل أحسبت { أَنَّ أصحاب الكهف والرقيم كَانُواْ } في بقائهم على الحياة مدةً طويلةً من الدهر { مِنْ ءاياتنا } من بين آياتِنا التي من جملتها ما ذكرناه مِنْ جعْل ما على الأرض زينةً لها للحكمة المشارِ إليها ثم جعلِ ذلك كلِّه صعيداً جرُزاً كأن لم تغْنَ بالأمس { عَجَبًا } أي آيةً ذاتَ عجَبٍ وضْعاً له موضعَ المضاف أو وصفاً لذلك بالمصدر مبالغةً ، وهو خبرٌ لكانوا ومن آياتنا حالٌ منه ، والمعنى أن قصّتَهم وإن كانت خارقةً للعادات ليست بعجيبة بالنسبة إلى سائر الآياتِ التي من جملتها ما ذكر من تعاجيب خلق الله تعالى بل هي عندها كالنزْر الحقير ، والكهفُ الغارُ الواسعُ في الجبل والرقيمُ كلبُهم ، قال أمية بن أبي الصَّلت
وليس بها إلا الرقيمُ مجاورا ... وصيدُهمُ والقومُ في الكهف هُمَّدُ
وقيل : هو لوحٌ رصاصيٌّ أو حجَري رُقمت فيه أسماؤُهم وجُعل على باب الكهفِ ، وقيل : هو الوادي الذي فيه الكهفُ فهو من رَقْمة الوادي أي جانبِه ، وقيل : الجبلُ ، وقيل : قريتُهم ، وقيل : مكانُهم بين غضبانَ وأيْلةَ دون فلسطين ، وقيل : أصحابُ الرقيم آخرون وكانوا ثلاثةً انطبق عليهم الغارُ فنجَوْا بذكر كلَ منهم أحسنَ عمله على ما فُضِّل في الصحيحين .
إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آَتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (10) فَضَرَبْنَا عَلَى آَذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (11)
{ إِذْ أَوَى } ظرفٌ لعجباً لا لحسِبتَ أو مفعولٌ لاذكرُ أي حين التجأ { الفتية } أي أصحابُ الكهف ، أوثر الإظهارُ على الإضمار لتحقيق ما كانوا عليه في أنفسهم من حال الفتوةِ فإنهم كانوا فتيةً من أشراف الرومِ أرادهم دقيانوسُ على الشرك فهربوا منه بدينهم ولأن صاحبيّةَ الكهف من فروع التجائِهم إلى الكهف فلا يناسب اعتبارُها معهم قبل بيانه { إِلَى الكهف } بجلبهم للجلوس واتخذوه مأوى { فَقَالُواْ رَبَّنَا ءاتِنَا مِن لَّدُنكَ } من خزائن رحمتِك الخاصةِ المكنونةِ عن عيون أهلِ العادات ، فمن ابتدائيةٌ متعلقةٌ بآتنا أو بمحذوف وقع حالاً من مفعوله الثاني قُدّمت عليه لكونه نكرةً ، ولو تأخّرت لكانت صفةً له أي آتنا كائنةً من لدنك { رَحْمَةً } خاصةً تستوجب المغفرةَ والرزقَ والأمنَ من الأعداء { وَهَيّىء لَنَا مِنْ أَمْرِنَا } الذي نحن عليه من مهاجَرة الكفارِ والمثابرة على طاعتك ، وأصلُ التهيئةِ إحداثُ هيئةِ الشيء ، أي أصلحْ ورتِّب وأتممْ لنا من أمرنا { رَشَدًا } إصابةً للطريق الموصلِ إلى المطلوب واهتداءً إليه ، وكِلا الجارّين متعلقٌ بهيِّىءْ لاختلافهما في المعنى ، وتقديمُ المجرورَين على المعفول الصريحِ لإظهار الاعتناءِ بهما وإبرازِ الرغبةِ في المؤخر بتقديم أحوالِه فإن تأخيرَ ما حقُّه التقديمُ عما هو من أحواله المرغّبة فيه كما يورث شوقَ السامعِ إلى وروده ينبىء عن كمال رغبةِ المتكلّم واعتنائِه بحصوله لا محالة ، وكذا الكلامُ في تقديم قوله تعالى : { مِن لَّدُنْكَ } على تقدير تعلّقِه بآتنا ، وتقديمُ لنا على ( من أمرنا ) للإيذان من أول الأمرِ بكون المسؤول مرغوباً فيه لديهم ، أو اجعل أمرَنا راشداً كلَّه على أن من تجريديةٌ مثلُها في قولك : رأيتُ منك أسداً . (4/238)
{ فَضَرَبْنَا على ءاذَانِهِمْ } أي أَنَمناهم على طريقة التمثيل المبنيِّ على تشبيه الإنامةِ الثقيلةِ المانعةِ عن وصول الأصواتِ إلى الآذان بضرب الحجابِ عليها ، وتخصيصُ الآذان بالذكر مع اشتراك سائرِ المشاعرِ لها في الحجْب عن الشعور عند النومِ لما أنها المحتاجُ إلى الحجب عادة ، إذ هي الطريقةُ للتيقظ غالباً لا سيما عند انفرادِ النائم واعتزالِه عن الخلق ، وقيل : الضربُ على الآذان كنايةٌ عن الإنامة الثقيلةِ ، وحملُه على تعطيلها كما في قولهم : ضرب الأميرُ على يد الرعيةِ أي منعهم من التصرف مع عدم ملاءمتِه لما سيأتي من البعث لا يدل على النوع مع أنه المرادُ قطعاً ، والفاء في فضربنا كما في قوله عز وجل : { فاستجبنا لَهُ } بعد قوله تعالى : { إِذْ نادى } فإن الضربَ المذكور وما ترتب عليه من التقليب ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال والبعثِ وغيرِ ذلك إيتاءُ رحمةً لدنيّةٍ خافيةٍ عن أبصار المتمسكين بالأسباب العادية استجابةً لدعوتهم { فِى الكهف } ظرف مكان لضربنا { سِنِينَ } ظرفُ زمان له باعتبار بقائِه لا ابتدائِه { عَدَدًا } أي ذواتَ عدد أو تُعدّ عدداً على أنه مصدرٌ أو معدودةً على أنه بمعنى المفعول ، ووصفُ السنين بذلك إما للتكثير وهو الأنسبُ بإظهار كمالِ القدرةِ أو للتقليل وهو الأليقُ بمقام إنكارِ كون القصةِ عجباً من بين سائر الآياتِ العجيبة فإن مدة لُبثهم كبعض يومٍ عنده عز وجل .
ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (12)
{ ثُمَّ بعثناهم } أي أيقظناهم من تلك النومةِ الثقيلة الشبيهة بالموت { لَنَعْلَمُ } بنون العظمة ، وقرىء بالياء مبنياً للفاعل بطريق الالتفاتِ ، وأياً ما كان فهو غايةٌ للبعث لكن لا بجعل العلمِ مجازاً من الإظهار والتمييز ، أو بحمله على ما يصِح وقوعُه غايةً للبعث الحادثِ من العلم الحالي الذي يتعلق به الجزاءُ كما في قوله تعالى : { إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرسول مِمَّن يَنقَلِبُ على عَقِبَيْهِ } وقوله تعالى : { وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ } ونظائِرهما التي يتحقق فيها العلمُ بتحقق متعلقِه قطعاً ، فإن تحويلَ القِبلة قد ترتب عليه تحزّبُ الناس إلى متّبعٍ ومنقلب ، وكذا مداولةُ الأيامِ بين الناس ترتب عليه تحزّبُهم إلى الثابت على الإيمان والمتزلزلِ فيه وتعلق بكل من الفريقين العلمُ الحالي والإظهارُ والتمييزُ ، وأما بعثُ هؤلاء فلم يترتب عليه تفرقُهم إلى المَحْصيِّ وغيره حتى يتعلق بهما العلم أو الإظهارُ والتمييزُ ويتسنى نظمُ شيء من ذلك في سلك الغاية ، وإنما الذي ترتب عليه تفرقُهم إلى مقدِّر تقديراً غيرَ مصيب ومفوِّض إلى العلم الرباني وليس شيءٌ منهما من الإحصاء في شيء بل بحمل النظمِ الكريم على التمثيل المبنيِّ على جعل العلمِ عبارةً عن الاختبار مجازاً بطريق إطلاقِ اسمِ المسبَّب على السبب ، وليس من ضرورة الاختبارِ صدورُ الفعل المختبَرِ به عن المختبَرِ قطعاً ، بل قد يكون لإظهار عجزِه عنه على سنن التكاليفِ التعجيزيةِ كقوله تعالى : { فَأْتِ بِهَا مِنَ المغرب } وهو المرادُ هاهنا فالمعنى بعثناهم لنعاملهم معاملةَ من يختبرهم . (4/239)
{ أَيُّ الحِزْبَيْنِ } أي الفريقين المختلفَين في مدة لُبثهم بالتقدير والتفويض كما سيأتي { أحصى } أي أضبط { لِمَا لَبِثُواْ } أي للبثهم { أَمَدًا } أي غايةً فيظهر لهم عجزُهم ويفوضوا ذلك إلى العليم الخبير ويتعرفوا حالَهم وما صنع الله تعالى بهم من حفظ أبدانِهم وأديانِهم فيزدادوا يقيناً بكمال قدرتِه وعلمِه ويستبصروا به أمرَ البعث ويكون ذلك لطفاً لمؤمني زمانِهم وآيةً بينة لكفارهم ، وقد اقتُصر هاهنا من تلك الغايات الجليلةِ على ذكر مبدئِها الصادرِ عنه عز وجل وفيما سيأتي على ما صدر عنهم من التساؤل المؤدّي إليها ، وهذا أولى من تصوير التمثيلِ بأن يقال : بعثناهم بعْثَ من يريد أن يعلم الخ حسبما وقع في تفسير قوله تعالى : { وَلِيَعْلَمَ الله الذين ءامَنُواْ } على أحد الوجوهِ حيث حُمل على معنى فعلنا ذلك فِعْلَ مَن يريد أن يعلم مَن الثابتُ على الإيمان من غير الثابت ، إذ ربما يتوهم منه استلزامُ الإرادةِ لتحقق المراد ، فيعود المحذورُ فيصار إلى جعل إرادةِ العلم عبارةً عن الاختبار فاختبر واختر .
هذا وقد قرىء ليُعْلِمَ مبنياً للمفعول ومبنياً للفاعل من الإعلام على أن المفعولَ الأولَ محذوفٌ والجملة المصدرةُ بأي في موقع المفعولِ الثاني فقط إن جعل العلمُ عِرفانياً ، وفي موقع المفعولين إن جعل يقينياً أي ليُعلِمَ الله الناسَ أيَّ الحزبين أحصى الخ ، وروى عطاء عن ابن عباس رضي الله عنهما أن أحدَ الحزبين الفتيةُ والآخرَ الملوكُ الذين تداولوا المدينةَ مُلكاً بعد ملك ، وقيل : كلاهما من غيرهم والأولُ هو الأظهر ، فإن اللامَ للعهد ولا عهدَ لغيرهم والأمدُ بمعنى المدى كالغاية في قولهم : ابتداءُ الغاية وانتهاءُ الغاية وهو مفعولٌ لأحصي ، والجارُّ والمجرور حالٌ منه قدمت عليه لكونه نكرةً .
وليس معنى إحصاءِ تلك المدةِ ضبطَها من حيث كميتُها المتصلةُ الذاتيةُ فإنه لا يسمى إحصاءً بل ضبطَها من حيث كميتُها المنفصلةُ العارضةُ لها باعتبار قسمتِها إلى السنينَ وبلوغها من تلك الحيثيةِ إلى مراتبِ الأعداد على ما يرشدك إليه كونُ تلك المدة عبارةً عما سبق من السنين . (4/240)
ويجوز أن يراد بالأمد معناه الوضعيُّ بتقدير المضافِ أي لزمان لُبثِهم وبدونه أيضاً فإن الُلبثَ عبارةٌ عن الكون المستمرِّ المنطبق على الزمان المذكورِ فباعتبار الامتدادِ العارضِ له بسببه يكون له أمدٌ لا محالة ، لكن ليس المرادُ به ما يقع عليهم غايةً ومنتهًى لذلك الكونِ المستمرِّ باعتبار كميتِه المتصلةِ العارضةِ له بسبب انطباقِه على الزمان الممتدِّ بالذات وهو آنُ انبعاثِهم من نومهم فإن معرفتَه من تلك الحيثيةِ لا تخفى على أحد ولا تسمّى إحصاءً كما مر ، بل باعتبار كميّتِه المنفصلةِ معارضةً له بسبب عروضِها لزمانه المنطبقِ هو عليه باعتبار انقسامِه إلى السنين ووصولِه إلى مرتبة معينةٍ من مراتب العددِ كما حقق في الصورة الأولى ، والفرقُ بين الاعتبارين أن ما تعلق به الإحصاءُ في الصورة السابقةِ نفسُ المدة المنقسمةِ إلى السنين فهو مجموعُ ثلاثِمائةٍ وتسعِ سنين ، وفي الصورة الأخيرةِ منتهى تلك المدةِ المنقسمةِ إليها أعني السنةَ التاسعةَ بعد الثلاثِمائةِ ، وتعلقُ الإحصاءِ بالأمد بالمعنى الأول ظاهرٌ ، وأما تعلقُه به بالمعنى الثاني فباعتبار انتظامِه لما تحته من مراتب العددِ واشتمالِه عليها . هذا تقديرُ كون «ما» في قوله تعالى : { لِمَا لَبِثُواْ } مصدريةً ويجوز أن تكون موصولةً حُذف عائدُها من الصلة أي للذي لبثوا فيه من الزمان الذي عبّر عنه فيما قبل بسنينَ عدداً ، فالأمدُ بمعناه الوضعيِّ على ما تحققْتَه ، وقيل : اللامُ مزيدةٌ والموصولُ مفعولٌ وأمداً نصبٌ على التمييز ، وأما ما قيل من أنّ أحصى اسمُ تفضيل لأنه الموافقُ لما وقع في سائر الآيات الكريمةِ نحوُ : { أَيُّهُم أَحْسَنُ عَمَلاً } { أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً } إلى غير ذلك مما لا يحصى ولأن كونَه فعلاً ماضياً يُشعر بأن غايةَ البعث هو العلمُ بالإحصاء المتقدمِ على البعث لا بالإحصاء المتأخرِ عنه وليس كذلك ، وادعاءُ أن مجيءَ أفعلِ التفضيلِ من المزيد عليه غيرُ قياسي مدفوعٌ بأنه عند سيبويهِ قياسٌ مطلقاً ، وعند ابن عصفورٍ فيما ليست همزتُه للنقل ولا ريب في أن ما نحن فيه من ذلك القبيلِ ، وامتناعُ عمله إنما هو في غير التمييز من المعمولات ، وأما أن التمييزَ يجب كونُه فاعلاً في المعنى فلمانعٍ أن يمنعَه بصحة أن يقال : أيُّهم أحفظُ لهذا الشعر وزناً أو تقطيعاً ، أو يقالَ : إن العاملَ في أمداً فعلٌ محذوفٌ يدل عليه المذكورُ أي يُحصي لما لبثوا أمداً كما في قوله
وأضرَبُ منا بالسيوف القوانسا ... وحديثُ الوقوع في المحذور بلا فائدة مدفوعٌ بما أشير إليه من فائدة الموافقةِ للنظائر ، فمع ما فيه من الاعتسافِ والخللِ بمعزل من السَّداد لأن مؤداه أن يكون المقصودُ بالاختبار إظهارَ أفضلِ الحزبين وتمييزَه عن الأدنى مع تحقق أصلِ الإحصاء فيهما ، ومن البيّن أن لا تحقُّقَ له أصلاً وأن المقصودَ بالاختبار إظهارُ عجزِ الكلِّ عنه رأساً فهو فعل ماضٍ قطعاً ، وتوهُم إيذانِه بأن غايةَ البعثِ هو العلمُ بالإحصاء المتقدمِ عليه مردودٌ بأن صيغةَ الماضي باعتبار حالِ الحكايةِ والله تعالى أعلم . (4/241)
نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آَمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (13)
{ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ } شروعٌ في تفصيل ما أُجمل فيما سلف من قوله تعالى : { إِذْ أَوَى الفتية } الخ ، أي نحن نخبرك بتفاصيل أخبارِهم وقد مر بيانُ اشتقاقِه في مطلع سورة يوسفَ عليه السلام { نبَأَهُم } النبأُ الخبرُ الذي له شأنٌ وخطرٌ { بالحق } إما صفةٌ لمصدر محذوف أو حالٌ من صمير نقصّ أو من ( نبأَهم ) أو صفةٌ له على رأي من يرى حذفَ الموصولِ مع بعض صلتِه ، أي نقصّ قَصصاً ملتبساً بالحق أو نقصّه ملتبسين به أو نقص نبأهم ملتبساً به أو نبأهم الملتبسَ به ، ونبأهم حسبما ذكره محمدُ بن إسحاقَ بنِ يسارَ أنه مرَج أهلُ الإنجيل وعظُمت فيهم الخطايا وطغت ملوكُهم فعبدوا الأصنامَ وذبحوا للطواغيت ، وكان ممن بالغ في ذلك وعتا عتوًّا كبيراً دقيانوس فإنه غلا فيه غلوًّا شديداً فجاس خلالَ الديار والبلاد بالعبث والفسادِ وقتل مَنْ خالفه من المتمسكين بدين المسيحِ عليه السلام ، وكان يتبع الناسَ فيخيّرهم بين القتل وعبادةِ الأوثانِ فمن رغِب في الحياة الدنيا الدنية يصنع ما يصنع ومن آثر عليها الحياةَ الأبديةَ قتله وقطع آرابه وعلقها في سور المدينةِ وأبوابِها ، فلما رأى الفتيةُ ذلك وكانوا عظماءَ أهلِ مدينتهم ، وقيل : كانوا من خواصّ الملك ، قاموا فتضرعوا إلى الله عز وجل واشتغلوا بالصلاة والدعاء . (4/242)
فبينما هم كذلك إذ دخل عليهم أعوانُ الجبار فأحضروهم بين يديه فقال لهم ما قال وخيّرهم بين القتل وبين عبادةِ الأوثان ، فقالوا : إن لنا إلها ملأ السمواتِ والأرضَ عظمتُه وجبروتُه لن ندعوَ من دونه أحداً ، ولن نُقِرّ بما تدعونا إليه إبداً فاقضِ ما أنت قاضٍ ، فأمر بنزع ما عليهم من الثياب الفاخرةِ وأخرجهم من عنده وخرج هو إلى مدينة نينوى لبعض شأنِه وأمهلهم إلى رجوعه ليتأملوا في أمرهم فإن تبِعوه وإلا فعل بهم ما فعل بسائر المسلمين ، فأزمعت الفتيةُ على الفرار بالدين والالتجاء إلى الكهف الحصين ، فأخذ كل منهم من بيت أبيه شيئاً فتصدّقوا ببعضه وتزوّدوا بالباقي فأوَوا إلى الكهف فجعلوا يصلّون فيه آناءَ الليل وأطرافَ النهار ويبتهلون إلى الله سبحانه بالأنين والجُؤار وفوّضوا أمرَ نفقتِهم إلى يمليخا ، فكان إذا أصبح يضع عنه ثيابَه الحِسانَ ويلبس لباس المساكين ويدخُل المدينة ويشتري ما يُهمّهم ويتحسس ما فيها من الأخبار ويعود إلى أصحابه ، فلبِثوا على ذلك إلى أن قدم الجبارُ المدينةَ فطلبهم وأحضر آباءَهم فاعتذروا بأنهم عصَوْهم ونبهوا أموالَهم وبذروها في الأسواق وفرّوا إلى الجبل ، فلما رأى يمليخا ما رأى من الشر رجع إلى أصحابه وهو يبكي ومعه قليلٌ من الزاد فأخبرهم بما شهده من الهول ففزِعوا إلى الله عز وجل وخرّوا له سُجّداً ثم رفعوا رؤوسهم وجلسوا يتحدثون في أمرهم ، فبينما هم كذلك إذ ضرب الله تعالى على آذانهم فناموا ونفقتُهم عند رؤوسهم ، فخرج دقيانوس في طلبهم بخيله ورَجِلِه فوجدوهم قد دخلوا الكهفَ فأمر بإخراجهم فلم يُطِق أحدٌ أن يدخله فلما ضاق بهم ذرعاً قال قائل منهم : أليس لو كنتَ قدَرتَ عليهم قتلتَهم؟ قال : بلى ، قال : فابْنِ عليهم باب الكهف ودعهم يموتوا جوعاً وعطشاً وليكن كهفُهم قبراً لهم ، ففعل ثم كان من شأنهم ما قص الله عز وجل عنهم { إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ } استئنافٌ تحقيقيٌّ مبني على تقدير السؤالِ من قبل المخاطَب ، والفتيةُ جمعُ قلة للفتى كالصبية للصبى { ءَامَنُواْ بِرَبّهِمْ } أوثر الالتفاتُ للإشعار بعلّية وصفِ الربوبية لإيمانهم ولمراعاة ما صدر عنهم من المقالة حسبما سيُحكى عنهم { وزدناهم هُدًى } بأن ثبتناهم على ما كانوا عليه من الدين وأظهرنا لهم مكنوناتِ محاسنِه ، وفيه التفاتٌ من الغيبة إلى ما عليه سبكُ النظمِ سباقاً وسياقاً من التكلم .
وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (14) هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آَلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (15)
{ وَرَبَطْنَا على قُلُوبِهِمْ } أي قويناها حتى اقتحموا مضايقَ الصبر على هجر الأهلِ والأوطانِ والنعيم والإخوانِ ، واجترأوا على الصدْع بالحق من غير خوف ، وحذِروا الردَّ على دقيانوسَ الجبار { إِذْ قَامُواْ } منصوبٌ بربطنا والمرادُ بقيامهم انتصابُهم لإظهار شعارِ الدين ، قال مجاهد : خرجوا من المدينة فاجتمعوا على غير ميعادٍ ، فقال أكبرُهم : إني لأجد في نفسي شيئاً أن ربي ربُّ السمواتِ والأرض ، فقالوا : نحن أيضاً كذلك فقاموا جميعاً { فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ السموات والأرض } ضمّنوا دعواهم ما يحقق فحواها ويقضي بمقتضاها فإن ربوبيتَه عز وجل لهما تقتضي ربوبيتَه لما فيهما أيَّ اقتضاءٍ ، وقيل : المراد قيامُهم بين يدي الجبارِ من غير مبالاةٍ به حين عاتبهم على ترك عبادةِ الأصنام ، فحينئذ يكون ما سيأتي من قوله تعالى : { هَؤُلاء } الخ ، منقطعاً عما قبله صادراً عنهم بعد خروجِهم من عنده { لَن نَّدْعُوَاْ } لن نعبدَ أبداً { مِن دُونِهِ إلها } معبوداً آخرَ لا استقلالاً ولا اشتراكاً ، والعدولُ عن أن يقال : ربًّا للتنصيص على رد المخالفين حيث كانوا يسمون أصنامَهم آلهةً وللإشعار بأن مدارَ العبادة وصفُ الألوهية وللإيذان بأن ربوبيتَه تعالى بطريق الألوهيةِ لا بطريق المالكية المجازية { لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا } أي قولاً ذا شططٍ أي تجاوزَ عن الحد أو قولاً هو عينُ الشطط ، على أنه وُصفَ بالمصدر مبالغةً ثم اقتُصر على الوصف مبالغةً على مبالغة ، وحيث كانت العبادةُ مستلزِمةً للقول لما أنها لا تَعرَى عن الاعتراف بألوهية المعبودِ والتضرّعِ إليه قيل : لقد قلنا ، وإذاً جوابٌ وجزاءٌ أي لو دعَونا من دونه إلها والله لقد قلنا قولاً خارجاً عن حد العقولِ مُفْرِطاً في الظلم . (4/243)
{ هَؤُلاء } هو مبتدأ وفي اسم الإشارةِ تحقيرٌ لهم { قَوْمُنَا } عطفُ بيانٍ له { اتخذوا مِن دُونِهِ ءالِهَةً } خبرُه وفيه معنى الإنكار { لَّوْلاَ يَأْتُونَ } تخصيصٌ فيه معنى الإنكارِ والتعجيزِ أي هلا يأتون { عَلَيْهِمْ } على ألوهيتهم أو على صحة اتخاذِهم لها آلهةً { بسلطان بَيّنٍ } بحجة ظاهرةِ الدلالةِ على مُدّعاهم وهو تبكيتٌ لهم وإلقامُ حجرٍ { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا } بنسبة الشريكِ إليه تعالى عن ذلك علواً كبيراً ، والمعنى أنه أظلمُ من كل ظالمٍ ، وإن كان سبكُ النظمِ على إنكار الأظلميةِ من غير تعرضٍ لإنكار المساواة كما مر تحقيقه في سورة هود .