صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم |
ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآَخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (107) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (108)
{ ذلك } إشارةٌ إلى الكفر بعد الإيمان أو إلى الوعيد المذكور { بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم { استحبوا الحياة الدنيا } آثروها { على الاخرة وَأَنَّ الله لاَ يَهْدِى } إلى الإيمان وإلى ما يوجب الثباتَ عليه هدايةَ قسرٍ وإلجاءٍ { القوم الكافرين } في علمه المحيطِ فلا يعصمهم عن الزيغ وما يؤدّي إليه من الغضب والعذابِ العظيم ، ولولا أحدُ الأمرين : إما إيثارُ الحياة الدنيا على الآخرة وإما عدمُ هدايةِ الله سبحانه للكافرين هدايةَ قسرٍ بأن آثروا الآخرة على الدنيا أو بأن هداهم الله تعالى هدايةَ قسرٍ ، لَما كان ذلك لكنّ الثانيَ مخالفٌ للحكمة والأولُ مما لا يدخُل تحت الوقوعِ وإليه أشير بقوله تعالى : (4/156)
{ أولئك } أي أولئك الموصوفين بما ذكر من القبائح { الذين طَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وأبصارهم } فأبت عن إدراك الحقِّ والتأمل فيه { وَأُولَئِكَ هُمُ الغافلون } أي الكاملون في الغفلة إذ لا غفلةَ أعظمُ من الغفلة عن تدبر العواقب .
لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (109) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (110) يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (111) وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آَمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (112)
{ لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الاخرة هُمُ الخاسرون } إذْ ضيّعوا أعمارَهم وصرفوها إلى ما لا يفضي إلا إلى العذاب المخلد . (4/157)
{ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجروا } إلى دار الإسلام وهم عمارٌ وأصحابُه رضي الله عنهم ، أي لهم بالولاية والنصرِ لا عليهم كما يوجبه ظاهرُ أعمالِهم السابقةِ ، فالجارُّ والمجرور خبرٌ لإن ويجوز أن يكون خبرُها محذوفاً فالدلالة الخبرِ الآتي عليه ويجوز أن يكون ذلك خبراً لها وتكون إن الثانيةُ تأكيداً للأولى ، وثم للدِلالة على تباعد رتبةِ حالهم التي يفيدها الاستثناءُ من مجرد الخروجِ عن حكم الغضب والعذابِ بطريق الإشارة ، لا عن رتبة حالِ الكفرة { مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ } أي عُذّبوا على الارتداد وتلفظوا بما يرضيهم مع اطمئنان قلوبِهم بالإيمان ، وقرىء على بناء الفاعل أي عذَّبوا المؤمنين كالحضْرمي أكره مولاه جبراً حتى ارتد ثم أسلما وهاجرا { ثُمَّ جاهدوا } في سبيل الله { وَصَبَرُواْ } على مشاقّ الجهاد { إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا } من بعد المهاجِرةَ والجهاد والصبرِ ، فهو تصريحٌ بما أشعر به بناءُ الحُكم على الموصول من علّية الصلة له أو من بعد الفتنة المذكورة فهو لبيان عدمِ إخلالِ ذلك بالحكم { لَغَفُورٌ } لما فعلوا من قبلُ { رَّحِيمٌ } يُنعم عليهم مجازاةً على ما صنعوا من بعد ، وفي الترعض لعنوان الربوبيةِ في الموضعين إيماءٌ إلى علة الحكمِ ، وفي إضافة الربِّ إلى ضميره عليه السلام مع ظهور الأثرِ في الطائفة المذكورة إظهارٌ لكمال اللطفِ به عليه السلام وإشعارٌ بأن إفاضة آثارِ الربوبيةِ عليهم من المغفرة والرحمةِ بواسطته عليه السلام ولكونهم أتباعاً له .
{ يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ } منصوب برحيم وما رُتِّب عليه ، أو باذكر وهو يوم القيامة يوم يقوم الناسُ لرب العالمين { تجادل عَن نَّفْسِهَا } عن ذاتها تسعى في خلاصها بالاعتذار لا يُهِمّها شأنُ غيرها فتقول نفسي نفسي { وتوفى كُلُّ نَفْسٍ } أي تعطى وافياً كاملاً { مَّا عَمِلَتْ } أي جزاءَ ما عملت بطريق إطلاقِ اسمِ السبب على المسبَّب إشعاراً بكمال الاتصالِ بين الأجزية والأعمال ، وإيثارُ الإظهار على الإضمار لزيادة التقريرِ وللإيذان باختلاف وقتي المجادلةِ والتوفيةِ وإن كانتا في يوم واحد { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } لا يُنقَصون أجورَهم أو لا يعاقبون بغير موجب ولا يُزاد في عقابهم على ذنوبهم .
{ وَضَرَبَ الله مَثَلاً قَرْيَةً } قيل : ضرْبُ المثل صنعُه واعتمالُه ، وقد مرَّ تحقيقُه في سورة البقرة ، ولا يتعدى إلا إلى مفعول واحدٍ وإنما عُدّيَ لاثنين لتضمينه معنى الجعْل ، وتأخيرُ قريةً مع كونها مفعولاً أولاً لئلا يحولَ المفعولُ الثاني بينها وبين صفتِها وما يترتب عليها ، إذ التأخيرُ عن الكل مُخِلٌّ بتجاذب أطرافِ النظم وتجاوبها ، ولأن تأخيرَ ما حقُّه التقديمُ مما يورث النفسَ ترقباً لوروده تشوقاً لا سيما إذا كان في المقدَّم ما يدعو إليه ، فإن المثلَ مما يدعو إلى المحافظة على تفاصيل أحوالِ ما هو مثلٌ فيتمكن المؤخرُ عند ورودِه لديها فضلَ تمكنٍ ، والقريةُ إما محققةٌ في الغابرين ، وإما مقدرةٌ أي جعلها مثلاً لأهل مكةَ خاصةً ، أو لكل قوم أنعم الله تعالى عليهم فأبطرتهم النعمةُ ففعلوا ما فعلوا فبدل الله تعالى بنعمتهم نقمةً ودخل فيهم أهلُ مكةَ دخولاً أولياً { كَانَتْ ءامِنَةً } ذاتَ أمنٍ من كل مَخُوف { مُّطْمَئِنَّةً } لا يُزعج أهلَها مزعجٌ { يَأْتِيهَا رِزْقُهَا } أقواتُ أهلها ، صفةٌ ثانية لقريةً وتغييرُ سبكها عن الصفة الأولى لما أن إتيانَ رزقِها متجددٌ وكونَها آمنةً مطمئنةً ثابتٌ مستمرٌّ { رَغَدًا } واسعاً { مّن كُلّ مَكَانٍ } من نواحيها .
{ فَكَفَرَتْ } أي كفرَ أهلُها { بِأَنْعُمِ الله } أي بنِعَمه ، جمع نعمة على ترك الاعتداد بالتاء كدِرع وأدرُع ، أو جمع نُعْم كبؤس وأبؤس ، والمراد بها نعمةُ الرزقِ والأمن المستمرِّ ، وإيثارُ جمعِ القلةِ للإيذان بأن كفرانَ نعمةٍ قليلة حيث أوجب هذا العذابَ فما ظنك بكفران نِعمٍ كثيرة { فَأَذَاقَهَا الله } أي أذاق أهلها { لِبَاسَ الجوع والخوف } شُبِّه أثرُ الجوعِ والخوف وضررُهما المحيطُ بهم باللباس الغاشي للاّبس فاستُعير له اسمُه وأُوقِع عليه الإذاقةُ المستعارة لمطلق الإيصالِ المنبئةِ عن شدة الإصابةِ بما فيها من اجتماع إدراكَيْ اللامسةِ والذائقة على نهج التحرير ، فإنها لشيوع استعمالِها في ذلك وكثرةِ جرَيانها على الألسنة جرت مجرى الحقيقةِ كقول كثيِّر (4/158)
غمْرُ الرداءِ إذا تبسم ضاحكا ... غلقت لضحكته رقابُ المال
فإن الغمْرَ مع كونه في الحقيقة من أحوال الماءِ الكثير لمّا كان كثيرَ الاستعمال في المعروف المشبَّهِ بالماء الكثير جرى مجرى الحقيقةِ فصارت إضافتُه إلى الرداء المستعارِ للمعروف تجريداً . أو شبّه أثرُهما وضررُهما من حيث الإحاطةُ بهم والكراهةُ لديهم تارة باللباس الغاشي لِلاّبس المناسبِ للخوف بجامع الإحاطةِ واللزوم تشبيهَ معقولٍ بمحسوس فاستُعير له اسمُه استعارةً تصريحيةً ، وأخرى بطعم المرِّ البشعِ الملائمِ للجوع الناشىءِ من فقد الرزق بجامع الكراهة ، فأُوميَ إليه بأن أوقع عليه الإذاقةُ المستعارة لإيصال الضارِّ المنبئةُ عن شدة الإصابة بما فيها من اجتماع إدراكَيْ اللامسة والذائقة ، وتقديمُ الجوعِ الناشىء مما ذكر من فقدان الرزقِ على الخوف المترتب على زوال الأمن المقدمِ فيما تقدم على إتيان الرزق لكونه أنسبَ بالإذاقة أو لمراعاةٍ بينها وبين إتيان الرزقِ ، وقد قرىء بتقديم الخوفِ وبنصبه أيضاً عطفاً على المضاف ، أو إقامةً له مُقامَ مضافٍ محذوف وأصله ولباسَ الخوف { بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ } فيما قبلُ أو على وجه الاستمرار وهو الكفرانُ المذكور أسند ذلك إلى أهل القريةِ تحقيقاً للأمر بعد إسنادِ الكفرانِ إليها وإيقاعِ الإذاقة عليها إرادةً للمبالغة ، وفي صيغة الصنعة إيذانٌ بأن كفرانَ النعمة صار صنعةً راسخةً لهم وسنةً مسلوكة .
وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (113) فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلَالًا طَيِّبًا وَاشْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (114)
{ وَلَقَدْ جَاءهُمْ } من تتمة المثَل ، جيء بها لبيان أن ما فعلوه من كفران النعم لم يكن مزاحمةً منهم لقضية العقلِ فقط بل كان ذلك معارضةً لحجة الله على الخلق أيضاً ، أي ولقد جاء أهلَ تلك القرية { رَسُولٌ مّنْهُمْ } أي من جنسهم يعرِفونه بأصله ونسبِه فأخبرهم بوجوب الشكرِ على النعمة وأنذرهم سوءَ عاقبة ما يأتون وما يذرون { فَكَذَّبُوهُ } في رسالته أو فيما أخبرهم به مما ذكر ، فالفاءُ فصيحةٌ وعدم ذكرِه للإيذان بمفاجأتهم بالتكذيب من غير تلعثم { فَأَخَذَهُمُ العذاب } المستأصِلُ لشأفتهم غِبَّ ما ذاقوا نُبذةً من ذلك { وَهُمْ ظالمون } أي حالَ التباسهم بما هم عليه من الظلم الذي هو كفرانُ نعمِ الله تعالى وتكذيبُ رسوله غيرَ مُقلعين عنه بما ذاقوا من مقدماته الزاجرةِ عنه ، وفيه دَلالةٌ على تماديهم في الكفر والعِناد وتجاوزِهم في ذلك كلَّ حدَ معتاد . وترتيبُ العذاب على تكذيب الرسول جرى على سنة الله تعالى حسبما يرشد إليه قولُه سبحانه : { وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } وبه يتم التمثيلُ فإن حالَ أهل مكةَ سواءٌ ضُرب المثلُ لهم خاصة أو لمن سار سيرتَهم كافةً محاذيةٌ لحال أهلِ تلك القريةِ حذوَ القذة بالقذة من غير تفاوت بينهما ولو في خصلة فَذّة ، كيف لا وقد كانوا في حرم آمنٍ ويُتخطف الناسُ من حولهم وما يمر ببالهم طيفٌ من الخوف وكانت تجبى إليه ثمراتُ كل شيء ، ولقد جاءهم رسولٌ منهم وأيُّ رسول ، يحار في إدراك سموِّ رتبتِه العقولُ صلى الله عليه وسلم ما اختلف الدبور والقبور ، فكفروا بأنعم الله وكذبوا رسوله عليه السلام فأذاقهم الله لباسَ الجوعِ والخوف حيث أصابهم بدعائه عليه السلام بقوله : « اللهمَّ أعِنِّي عليهم بسبْعٍ كسبع يوسفَ » ما أصابهم من جدب شديدٍ وأزمة خصّت كلَّ شيء حتى اضطرتهم إلى أكل الجِيف والكلابِ الميتة والعظامِ المحرقة والعلهز وهو الوبرُ المعالَجُ بالدم وقد ضاقت عليهم الأرضُ بما رحبت من سرايا رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كانوا يُغيرون على مواشيهم وعِيرهم وقوافلهم ، ثم أخذهم يومَ بدرٍ ما أخذهم من العذاب . (4/159)
هذا هو الذي يقتضيه المقام ويستدعيه حسنُ النظام ، وأما ما أجمع عليه أكثرُ أهل التفسير من أن الضمير في قوله تعالى : { وَلَقَدْ جَاءهُمْ } لأهل مكةَ قد ذُكر حالُهم صريحاً بعد ما ذكر مَثلُهم وأن المرادَ بالرسول محمدٌ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وبالعذاب ما أصابهم من وقعة بدر فبمعزل من التحقيق ، كيف لا وقوله سبحانه : { فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } مفرّعٌ على نتيجة التمثيل وصدٌّ لهم عما يؤدّي إلى مثل عاقبته ، والمعنى وإذ قد استبان لكم حالُ من كفر بأنعم الله وكذّب رسوله وما حل بهم بسبب ذلك من اللتيا والتي أولاً وآخِراً فانتهُوا عما أنتم عليه من كفران النعم وتكذيبِ الرسول عليه السلام كيلا يحِلَّ بكم مثلُ ما حل بهم واعرِفوا حقَّ نِعم الله تعالى وأطيعوا رسولَه عليه السلام في أمره ونهيه وكلوا من رزق الله حال كونه { حلالا طَيّباً } وذروا ما تفترون من تحريم البحائرِ ونحوها { واشكروا نِعْمَتَ الله } واعرِفوا حقها ولا تقابلوها بالكفران ، والفاءُ في المعنى داخلةٌ على الأمر بالشكر وإنما أُدخلت على الأمر بالأكل لكون الأكل ذريعةً إلى الشكر ، فكأنه قيل : فاشكروا نعمةَ الله غِبَّ أكلها حلالاً طيباً ، وقد أُدمج فيه النهيُ عن زعم الحرمة ، ولا ريب في أن هذا إنما يُتصوّر حين كان العذابُ المستأصِل متوقَّعاً بعدُ وقد تمهّدت مباديه ، وبعد ما وقع فمن ذا الذي يُحذَّر ومن ذا الذي يُؤمر بالأكل والشكر؟ وحمْلُ قوله تعالى : { فَأَخَذَهُمُ العذاب وَهُمْ ظالمون } على الإخبار بذلك قبل الوقوعِ يأباه التصدّي لاستصلاحهم بالأمر والنهي ، وتوجيهُ خطاب الأمرِ بالأكل إلى المؤمنين مع أن ما يتلوه من خطاب النهي متوجّهٌ إلى الكفار ، كما فعله الواحديُّ حيث قال : فكلوا أنتم يا معشر المؤمنين مما رزقكم الله من الغنائم مما لا يليق بشأن التنزيلِ الجليل { إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ } أي تطيعون أو إن صح زعمُكم أنكم تقصِدون بعبادة الآلهة عبادتَه تعالى .
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (115) وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116)
{ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الميتة والدم وَلَحْمَ الخنزير وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ } تعليلٌ لحِلّ ما أمرهم بأكله مما رزقهم ، أي إنما حرم هذه الأشياءَ دون ما تزعُمون حرمتَه من البحائر والسوائبِ ونحوِها { فَمَنِ اضطر } بما اعتراه من الضرورة فتناول شيئاً من ذلك { غَيْرَ بَاغٍ } أي على مضطر آخرَ { وَلاَ عَادٍ } أي متجاوزٍ قدرَ الضرورة { فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } أي لا يؤاخذه بذلك ، فأُقيم سببُه مُقامه ، وفي التعرض لوصف الربوبية إيماءٌ إلى علة الحكمِ وفي الإضافة إلى ضميره عليه السلام إظهارٌ لكمال اللطفِ به عليه السلام ، وتصديرُ الجملة بإنما لحصر المحرماتِ في الأجناس الأربعة إلا ما ضُمّ إليه كالسّباع والحمُر الأهلية ، ثم أكّد ذلك بالنهي عن التحريم والتحليل بأهوائهم فقال : { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ } اللامُ صلةٌ مِثلُها في قوله تعالى : { وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن يُقْتَلُ فِى سَبيلِ الله أَمْوَاتٌ } أي لا تقولوا في شأن ما تصفه ألسنتُكم من البهائم بالحل والحرمة في قولكم : { مَا فِى بُطُونِ هذه الانعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا } من غير ترتب ذلك الوصفِ على ملاحظةٍ وفكر فضلاً عن استناده إلى وحي أو قياس مبنيَ عليه { الكذب } منتصب بلا تقولوا ، وقولُه تعالى : { هذا حلال وهذا حَرَامٌ } بدلٌ منه ويجوز أن يتعلق بتصفُ على إرادة القولِ ، أي لا تقولوا لما تصف ألسنتُكم فتقولُ : هذا حلالٌ وهذا حرام ، وأن يكون مَقولُ المقدرِ حالاً من ألسنتكم ، أي قائلةً هذا حلال الخ ، ويجوز أن ينتصب الكذبَ بتصف ويتعلق هذا حلال الخ بلا تقولوا ، واللامُ للتعليل وما مصدريةٌ ، أي لا تقولوا : هذا حلالٌ وهذا حرام لوصف ألسنتِكم الكذبَ أي لا تُحِلوا ولا تحرّموا لمجرد وصفِ ألسنتكم الكذبَ وتصويرِها له بصورة مستحسنة وتزيينِها له في المسامع كأن ألسنتَكم لكونها منشأً للكذب ومنبعاً للزور شخصٌ عالمٌ بكنهه ومحيطٌ بحقيقته يصفه للناس ويعرِّفه أوضحَ وصفٍ وأبينَ تعريف ، على طريقة الاستعارة بالكناية كما يقال وجهُه يصفُ الجمالَ وعينُه تصف السحرَ ، وقرىء بالجر صفةً ( لما ) مع مدخولها كأنه قيل : لوصفها الكذبِ بمعنى الكاذبِ كقوله تعالى : { بِدَمٍ كَذِبٍ } والمرادُ بالوصف وصفُها البهائمَ بالحل والحرمة ، وقرىء الكُذُبُ جمع كَذوب بالرفع صفةٌ للألسنة وبالنصب على الشتم ، أو بمعنى الكلِمِ الكواذب ، أو هو جمعُ الكذاب من قولهم : كذب كذاباً ذكره ابن جني { لّتَفْتَرُواْ على الله الكذب } فإن مدارَ الحِلّ والحُرمة ليس إلا أمرُ الله تعالى فالحكمُ بالحل والحرمةِ إسنادٌ للتحليل والتحريم إلى الله سبحانه من غير أن يكون ذلك منه ، واللامُ لام العاقبة . (4/160)
{ إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب } في أمر من الأمور { لاَ يُفْلِحُونَ } لا يفوزون بمطالبهم التي ارتكبوا الافتراءَ للفوز بها .
مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (118) ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُوا السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (119) إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (120)
{ متاع قَلِيلٌ } خبرُ مبتدأ محذوف أي منفعتُهم فيما هم عليه من أفعال الجاهلية منفعةٌ قليلة { وَلَهُمْ } في الآخرة { عَذَابٌ أَلِيمٌ } لا يكتنه كُنهُه . (4/161)
{ وَعَلَى الذين هَادُواْ } خاصةً دون غيرِهم من الأولين والآخِرين { حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ } أي بقوله تعالى : { حَرَّمْنَا كُلَّ ذِى ظُفُرٍ وَمِنَ البقر والغنم حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا } الآية { مِن قَبْلُ } متعلقٌ بقصصنا أو بحرمنا وهو تحقيقٌ لما سلف من حصر المحرمات فيما فُصّل بإبطال ما يخالفه من فرية اليهودِ وتكذيبهم في ذلك فإنهم كانوا يقولون : لسنا أول من حُرّمت عليه وإنما كانت محرمةً على نوح وإبراهيمَ ومَنْ بعدهما حتى انتهى الأمرُ إلينا { وَمَا ظلمناهم } بذلك التحريم { ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } حيث فعلوا ما عوقبوا عليه حسبما نعى عليهم قولُه تعالى : { فَبِظُلْمٍ مّنَ الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طيبات أُحِلَّتْ لَهُمْ } الآية ، ولقد ألقمهم الحجرَ قولُه تعالى : { كُلُّ الطعام كَانَ حِلاًّ لّبَنِى إسراءيل إِلاَّ مَا حَرَّمَ إسراءيل على نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التوراة قُلْ فَأْتُواْ } روي أنه عليه الصلاة والسلام لما قال لهم ذلك بُهتوا ولم يجسَروا أن يُخرِجوا التوراةَ كيف وقد بُيّن فيها أن تحريمَ ما حُرِّم عليهم من الطيبات لظلمهم وبغيهم عقوبةً وتشديداً أوضحَ بيانٍ ، وفيه تنبيهٌ على الفرق بينهم وبين غيرهم في التحريم .
{ ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السوء بجهالة } أي بسبب جهالةٍ أو ملتبسين بها ليعُمَّ الجهلُ بالله وبعقابه ، وعدمِ التدبر في العواقب لغلبة الشهوة ، والسوءُ يعم الافتراءَ على الله تعالى وغيرَه { ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ } أي من بعد ما عملوا ما عملوا ، والتصريحُ به مع دَلالة ثم عليه للتأكيد والمبالغة { وَأَصْلَحُواْ } أي أصلحوا أعمالَهم أو دخلوا في الصلاح { إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا } من بعد التوبة { لَغَفُورٌ } لذلك السوءِ { رَّحِيمٌ } يثيب على طاعته تركاً وفعلاً ، وتكريرُ قوله تعالى : { إِنَّ رَبَّكَ } لتأكيد الوعدِ وإظهارِ كمال العناية بإنجازه ، والتعرضُ لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام مع ظهور الأثرِ في التائبين للإيماء إلى أن إفاضةَ آثارِ الربوبية من المغفرة والرحمة عليهم بتوسطه عليه السلام وكونِهم من أتباعه كما أشير إليه فيما مر .
{ إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً } على حياله لحيازته من الفضائل البشريةِ ما لا تكاد توجد إلا متفرّقةً في أمة جمّةً حسبما قيل
ليس على الله بمستَنْكَر ... أن يجمع العالَمَ في واحدِ
وهو رئيسُ أهل التوحيد وقدوةُ أصحابِ التحقيق جادل أهلَ الشرك وألقمهم الحجرَ ببينات باهرةٍ لا تُبقي ولا تذر ، وأبطل مذاهبَهم الزائفةَ بالبراهين القاطعة والحُججِ الدامغة ، أو لأنه عليه السلام كان مؤمناً وحده والناسُ كلُّهم كفارٌ . وقيل : هي فُعْلة بمعنى مفعول كالرُّحلة والنُّخبة ، من أمّه إذا قصده أو اقتدى به فإن الناسَ كانوا يقصِدونه ويقتدون بسيرته لقوله تعالى :
{ إِنّى جاعلك لِلنَّاسِ إِمَامًا } وإيرادُ ذكره عليه السلام عَقيبَ تزييفِ مذاهبِ المشركين من الشرك والطعنِ في النبوة وتحريمِ ما أحله الله تعالى للإيذان بأن حقِّيةَ دينِ الإسلام وبطلانَ الشرك وفروعِه أمرٌ ثابت لا ريب فيه { قانتا لِلَّهِ } مطيعاً له قائماً بأمره { حَنِيفاً } مائلاً عن كل دينٍ باطل إلى الدين الحقِّ غيرَ زائلٍ عنه بحال { وَلَمْ يَكُ مِنَ المشركين } في أمر من أمور دينهم أصلاً وفرعاً صرح بذلك مع ظهوره لا رداً على كفار قريشٍ فقط في قولهم : نحن على ملة أبينا إبراهيمَ بل عليهم وعلى اليهود المشركين بقولهم : { عُزَيْرٌ ابن الله } في افترائهم وادعائهم أنه عليه الصلاة والسلام كان على ما هم عليه كقوله سبحانه : { مَا كَانَ إبراهيم يَهُودِيّا وَلاَ نَصْرَانِيّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } إذ به ينتظم أمر إيراد التحريم والسبت سابقاً ولاحقاً . (4/162)
شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (121) وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآَخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (122) ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (123)
{ شَاكِراً لاّنْعُمِهِ } صفةٌ ثالثة لأُمةً ، وإنما أوثر صيغةُ جمعِ القلة للإيذان بأنه عليه السلام كان لا يُخِلُّ بشكر النعمة القليلة فكيف بالكثيرة وللتصريح بكونه عليه السلام على خلاف ما هم عليه من الكفرانَ بأنعم الله تعالى حسبما بيّن ذلك بضرب المثل { اجتباه } للنبوة { وَهَدَاهُ إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } موصلٍ إليه سبحانه وهو ملةُ الإسلامِ ، وليست نتيجةُ هذه الهدايةِ مجردَ اهتدائِه عليه السلام بل مع إرشاد الخلقِ أيضاً بمعونة قرينةِ الاجتباء . (4/163)
{ وءاتيناه فِى الدنيا حَسَنَةً } حالةً حسنةً من الذكر الجميل والثناءِ فيما بين الناس قاطبةً حتى إنه ليس من أهل دينٍ إلا وهم يتولَّوْنه ، وقيل : هي الخُلّة والنبوةُ ، وقيل : قولُ المصلِّي منا كما صليتَ على إبراهيمَ ، والالتفاتُ إلى التكلم لإظهار كمالِ الاعتناء بشأنه وتفخيمِ مكانه عليه الصلاة والسلام { وَإِنَّهُ فِى الأخرة لَمِنَ الصالحين } أصحابِ الدرجات العالية في الجنة حسبما سأله بقوله : { وَأَلْحِقْنِى بالصالحين واجعل لّى لِسَانَ صِدْقٍ فِى الأخرين واجعلنى مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النعيم . } { ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } مع طبقتك وسموِّ رتبتك { أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم } الملةُ اسمٌ لما شرعه الله تعالى لعباده على لسان الأنبياءِ عليهم السلام من أمللتُ الكتابَ إذا أمليتُه ، وهو الدينُ بعينه لكنْ باعتبار الطاعة له وتحقيقُه أن الوضع الإلهي مهما نُسب إلى من يؤدّيه عن الله تعالى يسمّى ملةً ، ومهما نُسب إلى من يُقيمه ديناً . قال الراغب : الفرقُ بينهما أن الملة لا تضاف إلا إلى النبي عليه السلام ولا تكاد توجد مضافةً إلى الله سبحانه وتعالى ولا إلى آحاد الأمة ولا تستعمل إلا في جملة الشرائعِ دون آحادها ، والمرادُ بملّته عليه السلام الإسلامُ الذي عُبّر عنه آنفاً بالصراط المستقيم { حَنِيفاً } حالٌ من المضاف إليه لما أن المضافَ لشدة اتصالِه به عليه السلام جرى منه مجرى البعضِ فقُيّد بذلك ، من قبيل : رأيتُ وجهَ هندٍ قائمةً ، والمأمورُ به الاتباع في الأصول دون الشرائعِ المتبدّلة بتبدل الأعصار ، وما في ( ثم ) من التراخي في الرتبة للإيذان بأن هذه النعمةَ من أجلّ النعم الفائضةِ عليه عليه السلام { وَمَا كَانَ مِنَ المشركين } تكريرٌ لما سبق لزيادة تأكيدٍ وتقريرٍ لنزاهته عليه السلام عما هم عليه من عقد وعمل .
إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (124)
وقوله تعالى : { إِنَّمَا جُعِلَ السبت } أي فُرض تعظيمُه والتخلي فيه للعبادة وتركُ الصيد فيه تحقيقٌ لذلك النفي الكليِّ وتوضيحٌ له بإبطال ما عسى يُتوهم كونُه قادحاً في كلّيته حسبما سلف في قوله تعالى : { وَعَلَى الذين هَادُواْ حَرَّمْنَا } الخ ، فإن اليهود كانوا يدّعون أن السبتَ من شعائر الإسلام وأن إبراهيمَ عليه السلام كان محافظاً عليه أي ليس السبتُ من شرائع إبراهيمَ وشعائرِ ملّته التي أُمرْتَ باتباعها حتى يكون بينه عليه الصلاة والسلام وبين بعض المشركين علاقةٌ في الجملة وإنما شرُع ذلك لبني إسرائيل بعد مدةٍ طويلة ، وإيرادُ الفعل مبنياً للمفعول جَرْيٌ على سنن الكبرياء وإيذانٌ بعدم الحاجة إلى التصريح بالفاعل لاستحالة الإسنادِ إلى الغير ، وقد قرىء على البناء للفاعل ، وإنما عبّر عن ذلك بالجعل موصلاً بكلمة على وعنهم بالاسم الموصول باختلافهم فقيل : إنما جُعل السبت { على الذين اختلفوا فِيهِ } للإيذان بتضمنه للتشديد والابتلاءِ المؤدّي إلى العذاب وبكونه معلَّلاً باختلافهم في شأنه قبل الوقوعِ إيثاراً له على ما أمر الله تعالى به واختياراً للعكس لكن لا باعتبار شمولِ العلّية لطرفي الاختلاف وعمومِ الغائلةِ للفريقين ، بل باعتبار حالِ منشأ الاختلافِ من الطرف المخالفِ للحق ، وذلك أن موسى عليه الصلاة والسلام أمرَ اليهودَ أن يجعلوا في الأسبوع يوماً واحداً للعبادة وأن يكون ذلك يومَ الجمعة فأبَوا عليه وقالوا : نريد اليوم الذي فرَغ الله تعالى فيه من خلق السموات والأرض وهو السبت إلا شرذمةً منهم قد رضُوا بالجمعة فأذِن الله تعالى لهم في السبت وابتلاهم بتحريم الصيد فيه فأطاع أمرَ الله تعالى الراضون بالجمعة فكانوا لا يَصيدون ، وأعقابُهم لم يصبِروا عن الصيد فمسخهم الله سبحانه قردةً دون أولئك المطيعين { وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } أي بين الفريقين المختلفَين فيه { يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } أي يفصِل ما بينهما من الخصومة والاختلاف فيجازي كلّ فريق بما يستحقه من الثواب والعقاب ، وفيه إيماءٌ إلى أن ما وقع في الدنيا من مسخ أحدِ الفريقين وإنجاءِ الآخر بالنسبة إلى ما سيقع في الآخرة شيءٌ لا يعتدّ به . هذا هو الذي يستدعيه الإعجازُ التنزيليُّ . وقيل : المعنى إينا جُعل وبالُ السبت وهو المسخُ على الذين اختلفوا فيه أي أحلوا الصيدَ فيه تارةً وحرّموه أخرى ، وكان حتماً عليهم أن يتّفقوا على تحريمه حسبما أمر الله سبحانه به ، وفسّر الحكمُ بينهم بالمجازاة باختلاف أفعالِهم بالإخلال تارةً والتحريمِ أخرى ، ووجهُ إيرادِه هاهنا بأنه أريد به إنذارُ المشركين من سخط الله تعالى على العصاة والمخالفين لأوامره ، كضرب المثلِ بالقرية التي كفرت بأنعُم الله تعالى ، ولا ريب في أن كلمة ( بينهم ) تحكم بأن المرادَ بالحكم هو فصلُ ما بين الفريقين من الاختلاف وأن توسيطَ حديث المسخِ للإنذار المذكورِ بين حكاية أمرِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم باتباع ملة إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام وبين أمرِه صلى الله عليه وسلم بالدعوة إليها من قبيل الفصل بين الشجر ولِحائِه فتأمل . (4/164)
ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (126)
{ ادع } أي مَنْ بُعثتَ إليهم من الأمة قاطبةً فحذف المفعولُ للتعميم أو افعل الدعوةَ كما في قولهم : يعطي ويمنع أي يفعل الإعطاءَ والمنع ، فحذفُه للقصد إلى إيجاد نفسِ الفعل إشعاراً بأن عموم الدعوةِ غنيٌّ عن البيان وإنما المقصودُ الأمرُ بإيجاد على وجه مخصوص { إلى سَبِيلِ رَبّكَ } إلى الإسلام الذي عبّر عنه تارةً بالصراط المستقيم وأخرى بملة إبراهيمَ عليه السلام ، وفي التعرض لعنوان الربوبية المنبئةِ عن المالكية وتبليغِ الشيء إلى كماله اللائق شيئاً فشيئاً مع إضافة الربِّ إلى ضمير النبي عليه الصلاة والسلام في مقام الأمر بدعوة الأمة على الوجه الحكيم وتكميلِهم بأحكام الشريعةِ الشريفة من الدِلالة على إظهار اللطفِ به عليه الصلاة والسلام والإيماءِ إلى وجه بناءِ الحُكم ما لا يخفى . { بالحكمة } أي بالمقالة المحكمةِ الصحيحة وهو الدليلُ الموضحُ للحق المزيحُ للشبهة { والموعظة الحسنة } أي الخطابياتِ المقنعةِ والعِبر النافعةِ على وجه لا يخفى عليهم أنك تناصحهم وتقصِد ما ينفعهم ، فالأولى لدعوة خواصِّ الأمةِ الطالبين للحقائق والثانيةُ لدعوة عوامِّهم ، ويجوز أن يكون المرادُ بهما القرآنَ المجيد فإنه جامعٌ لكلا الوصفين { وجادلهم } أي ناظِرْ معانديهم { بالتى هِىَ أَحْسَنُ } بالطريقة التي هي أحسنُ طرقِ المناظرةِ والمجادلة من الرفق واللينِ واختيار الوجهِ الأيسرِ واستعمالِ المقدّمات المشهورةِ تسكيناً لشغَبهم وإطفاءً لِلَهبهم كما فعله الخليلُ عليه السلام { إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ } الذي أمرك بدعوة الخلقِ إليه وأعرضَ عن قَبول الحق بعد ما عاين من الحِكم والمواعظ والعبر { وَهُوَ أَعْلَمُ بالمهتدين } إليه بذلك ، وهو تعليلٌ لما ذُكر من الأمرين والمعنى والله تعالى أعلم اسلُكْ في الدعوة والمناظرةِ الطريقةَ المذكورةَ فإنه تعالى هو أعلمُ بحال من لا يرعوي عن الضلال بموجب استعدادِه المكتسَب وبحال من يصير أمرُه إلى الاهتداء لما فيه من خير جليَ ، فما شرعه لك في الدعوة هو الذي تقتضيه الحكمةُ فإنه كافٍ في هداية المهتدين وإزالةِ عذر الضالّين أو ما عليك إلا ما ذكر من الدعوة والمجادلةِ بالأحسن ، وأما حصولُ الهداية أو الضلال والمجازاةُ عليهما فإلى الله سبحانه إذ هو أعلم بمن يبقى على الضلال وبمن يهتدي إليه فيجازي كلاًّ منهما بما يستحقة . وتقديمُ الضالين لما أن مساقَ الكلامِ لهم ، وإيرادُ الضلال بصيغة الفعلِ الدالِّ على الحدوث لما أنه تغييرٌ لفطرة الله التي فطر الناسَ عليها وإعراضٌ عن الدعوة وذلك أمرٌ عارضٌ بخلاف الاهتداء الذي هو عبارةٌ عن الثبات على الفطرة والجرَيانِ على موجب الدعوةِ ، ولذلك جيء به على صيغة الاسمِ المنبىءِ عن الثبات ، وتكريرُ ( هو أعلمُ ) للتأكيد والإشعارِ بتبايُنِ حالِ المعلومَين ومآلهما من العقاب والثواب . (4/165)
وبعد ما أمره عليه الصلاة والسلام فيما يختص به من شأن الدعوةِ بما أمره به من الوجه اللائق عقّبه بخطاب شاملٍ له ولمن شايعه فيما يعم الكل فقال : (4/166)
{ وَإِنْ عَاقَبْتُمْ } أي إن أردتم المعاقبةَ على طريقة قول الطبيبِ للمَحْميِّ : إن أكلتَ فكلْ قليلاً { فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } أي بمثل ما فُعل بكم ، وقد عبّر عنه بالعقاب على طريقة إطلاقِ اسمِ المسبَّبِ على السبب نحوُ كما تَدين تُدان أو على نهج المشاكلةِ ، والمقصودُ إيجابُ مراعاةِ العدل مع مَنْ يناصبُهم من غير تجاوزٍ حين ما آل الجِدالُ إلى القتال وأدّى النزاعُ إلى القِراع ، فإن الدعوةَ المأمورَ بها لا تكاد تنفك عن ذلك ، كيف لا وهي موجبةٌ لصرف الوجوهِ عن القُبل المعبودةِ وإدخالِ الأعناق في قِلادة غيرِ معهودة قاضيةٍ عليهم بفساد ما يأتون وما يذرون وبطلانِ دينٍ استمرَّ عليه آباؤهم الأولون وقد ضاقت عليهم الحيلُ وعيّت بهم العِللُ وسُدّت عليهم طرقُ المُحاجّة والمناظرة وأُرتجتْ دونهم أبوابُ المباحثةِ والمحاورة . وقيل : إنه عليه الصلاة والسلام لما رأى حمزةَ رضي الله عنه يوم أُحد قد مُثّل به قال : « لئن أظفَرني الله بهم لأمثّلنّ بسبعين مكانك » فنزلت ، فكفّر عن يمينه وكف عما أراده ، وقرىء وإن عَقّبتم فعقِّبوا أي وإن قَفَّيْتم بالانتصار فقفّوا بمثل ما فُعل بكم غيرَ متجاوزين عنه ، والأمرُ وإن دل على إباحة المماثلة في المُثْلة من غير تجاوزٍ لكن في تقييده بقوله : وإن عاقبتم حثٌّ على العفو تعريضاً ، وقد صرّح به على الوجه الآكد فقيل : { وَلَئِن صَبَرْتُمْ } أي عن المعاقبة بالمثل { لَهُوَ } أي لَصَبرُكم ذلك { خَيْرٌ } لكم من الانتصار بالمعاقبة ، وإنما قيل : { للصابرين } مدحاً لهم وثناءً عليهم بالصبر أو وصفاً لهم بصفة تحصل لهم عند تركِ المعاقبةِ ، ويجوز عَودُ الضميرِ إلى مطلق الصبرِ المدلولِ عليه بالفعل فيدخُل فيه صبرُهم كدخول أنفسِهم في جنس الصابرين دخولاً أولياً ، ثم أُمر عليه الصلاة والسلام صريحاً بما ندَب إليه غيرَه تعريضاً من الصبر لأنه أولى الناس بعزائم الأمورِ لزيادة علمِه بشؤونه سبحانه ووفورِ وثوقِه به فقيل :
وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ (127)
{ واصبر } أي على ما أصابك من جهتهم من فنون الآلامِ والأَذية وعاينتَ من إعراضهم عن الحق بالكلية { وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بالله } استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأشياء ، أي وما صبرُك ملابساً ومصحوباً بشيء من الأشياء إلا بالله أي بذكره والاستغراقِ في مراقبة شؤونه والتبتّلِ إليه بمجامع الهِمّة ، وفيه من تسليته عليه الصلاة والسلام وتهوينِ مشاقِّ الصبرِ عليه وتشريفِه ما لا مزيدَ عليه . أو إلا بمشيئته المبنيّةِ على حِكَمٍ بالغة مستتبِعةٍ لعواقبَ حميدةٍ ، فالتسليةُ من حيث اشتمالُه على غايات جميلة ، وقيل : إلا بتوفيقه ومعونتِه فهي من حيث تسهيلُه وتيسيرُه فقط { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } أي على الكافرين بوقوع اليأسِ من إيمانهم بك ومتابعتِهم لك نحو { فَلاَ تَأْسَ عَلَى القوم الكافرين } وقيل : على المؤمنين وما فُعل بهم والأولُ هو الأنسب بجزالة النظمِ الكريم { وَلاَ تَكُ فِى ضَيْقٍ } بالفتح ، وقرىء بالكسر وهما لغتان كالقَوْل والقيل ، أي لا تكن في ضيق صدرٍ وحرَج ، ويجوز أن يكون الأولُ تخفيفَ ضيِّق ، كهيْن من هيِّن ، أي في أمر ضيِّقٍ { مّمَّا يَمْكُرُونَ } أي من مكرهم بك فيما يُستقبل ، فالأولُ نهيٌ عن التألم بمطلوبٍ مِنْ قبلَهم فاتَ ، والثاني عن التألم بمحذور من جهتهم آتٍ ، والنهيُ عنهما مع أن انتفاءَهما من لوازم الصبرِ المأمورِ به لا سيما على الوجه الأولِ لزيادة التأكيدِ وإظهارِ كمالِ العنايةِ بشأن التسليةِ ، وإلا فهل يخطُر ببال من توجّه إلى الله سبحانه بشراشرِ نفسِه متنزهاً عن كل ما سواه من الشواغل شيءٌ من مطلوب فينهى عن الحزن بفواته أو محذورٍ فكيف عن الخوف من وقوعه . (4/167)
إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (128)
{ إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا } تعليلٌ بما سبق من الأمر والنهي ، والمرادُ بالمعية الولايةُ الدائمةُ التي لا تحوم حول صاحبها شائبةُ شيءٍ من الجزَع والحزنِ وضِيق الصدورِ ، وما يُشعر به دخولُ كلمة مع من متبوعيّة المتقين إنما هي من حيث إنهم المباشرون للتقوى وكذا الحالُ في قوله سبحانه : { إِنَّ الله مَعَ الصابرين } ونظائرِهما كافة ، والمرادُ بالتقوى المرتبةُ الثالثة منه الجامعة لما تحتها من مرتبة التوقي عن الشرك ومرتبةِ التجنّب عن كل ما يؤثِمُ من فعل وترك ، أعني التنزّهَ عن كل ما يشغَلُ سِرَّه عن الحق والتبتّلِ إليه بشراشر نفسِه ، وهو التقوى الحقيقيُّ المُورِث لولايته تعالى المقرونة ببشارة قوله سبحانه : { أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } والمعنى أن الله وليُّ الذين تبتلوا إليه بالكلية وتنزّهوا عن كل ما يشغل سرَّهم عنه فلم يخطُرْ ببالهم شيءٌ من مطلوب أو محذور فضلاً عن الحزن بفواته أو الخوفِ من وقوعه وهو المعنيُّ بما به الصبرُ المأمورُ به حسبما أشير إليه وبه يحصل التقريب ويتم التعليل كما في قوله تعالى : { فاصبر إِنَّ العاقبة لِلْمُتَّقِينَ } على أحد التفسيرين كما حُقق في مقامه وإلا فمجردُ التوقي عن المعاصي لا يكون مداراً لشيء من العزائم المرخصِ في تركها فكيف بالصبر المشارِ إليه ورديفيه ، وإنما مدارُه المعنى المذكورُ فكأنه قيل : إن الله مع الذين صبروا ، وإنما أوثر ما عليه النظمُ الكريم مبالغةً في الحث على الصبر بالتنبيه على أنه من خصائص أجل النعوتِ الجليلة وروادفِه كما أن قوله تعالى : { والذين هُم مُّحْسِنُونَ } للإشعار بأنه من باب الإحسانِ الذي يتنافس فيه المتنافسون على ما فُصل ذلك حيث قيل : { واصبر فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } وقد نُبّه على أن كلاًّ من الصبر والتقوى من قبيل الإحسان في قوله تعالى : { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } وحقيقةُ الإحسان الإتيانُ بالأعمال على الوجه اللائقِ الذي هو حسنُها الوصفيُّ المستلزِمُ لحسنها الذاتيِّ ، وقد فسّره عليه الصلاة والسلام بقوله : « أن تعبدَ الله كأنك تراه فإن لم تكنْ تراه فإنه يراك » وتكريرُ الموصولِ للإيذان بكفاية كلَ من الصلتين في ولايته سبحانه من غير أن تكون إحداهما تتمةً للأخرى ، وإيرادُ الأولى فعليةٌ للدِلالة على الحدوث كما أن إيرادَ الثانيةِ اسميةٌ لإفادة كونِ مضمونِها شيمةً راسخةً لهم ، وتقديمُ التقوى على الإحسان لما أن التخليةَ متقدمة على التحلية ، والمرادُ بالموصولَين إما جنسُ المتقين والمحسنين وهو عليه الصلاة والسلام داخلٌ في زمرتهم دخولاً أولياً ، وإما هو عليه الصلاة والسلام ومن شايعه ، عبّر عنهم بذلك مدحاً لهم وثناءً عليهم بالنعتين الجميلين ، وفيه رمزٌ إلى أن صنيعَه عليه الصلاة والسلام مستتبِعٌ لاهتداء الأمةِ به كقول من قال لابن عباس رضي الله عنهما عند التعزية (4/168)
اصبِرْ نكنْ بك صابرين فإنما ... صبرُ الرعية عند صبرِ الرأسِ
عن هرم بن حيان أنه قيل له حين الاحتضارِ : أوصِ ، قال : إنما الوصيةُ من المال وأوصيكم بخواتيم سورة النحل .
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قرأ سورة النحل لم يحاسبْه الله تعالى بما أنعم عليه في دار الدنيا ، وإن مات في يومِ تلاها أو ليلتَه كان له من الأجر كالذي مات وأحسن الوصية » . والحمد لله وحده والصلاة والسلام على رسوله وآله أجمعين .
سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آَيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (1)
{ سُبْحَانَ الذى أسرى بِعَبْدِهِ } سبحان علمٌ للتسبيح كعثمانَ للرجل وحيث كان المسمّى معنى لا عيناً ، وجنساً لا شخصاً لم تكن إضافتُه من قبيل ما في : زيدُ المعارك أو حاتمُ طيْءٍ ، وانتصابه بفعل متروكِ الإظهار تقديرُه أسبح الله سبحان الخ ، وفيه ما لا يخفى من الدلالة على التنزيه البليغِ من حيث الاشتقاقُ من السبْح الذي هو الذهابُ والإبعادُ في الأرض ، ومنه فرسٌ سَبوحٌ أي واسعُ الجري ، ومن جهة النقلِ إلى التفعيل ، ومن جهة العدولِ من المصدر إلى الاسم الموضوعِ له خاصة لا سيما وهو علمٌ يشير إلى الحقيقة الحاضرةِ في الذهن ومن جهة قيامِه مَقام المصدر مع الفعل ، وقيل : هو مصدرٌ كغفران بمعنى التنزه ، ففيه مبالغةٌ من حيث إضافةُ التنزه إلى ذاته المقدسةِ ومناسبةٌ تامة بين المحذوف وبين ما عُطف عليه في قوله سبحانه وتعالى ، كأنه قيل : تنزه بذاته وتعالى . والإسراءُ السيرُ بالليل خاصة كالسُّرى وقوله تعالى : { لَيْلاً } لإفادة قلةِ زمان الإسراءِ لِما فيه من التنكير الدالِّ على البعضية من حيث الأجزاءُ دَلالتَه على البعضية من حيث الأفراد ، فإن قولك : سِرت ليلاً كما يفيد بعضيةَ زمان سيرِك من الليالي يفيد بعضيتَه من فرد واحد منها بخلاف ما إذا قلت : سرتُ الليلَ فإنه يفيد استيعابَ السير له جميعاً ، فيكون معياراً للسير لا ظرفاً له ويؤيده قراءةُ ( من الليل ) أي بعضِه ، وإيثارُ لفظ العبدِ للإيذان بتمحّضه عليه الصلاة والسلام في عبادته سبحانه وبلوغِه في ذلك غايةَ الغايات القاصيةِ ونهايةَ النهاياتِ النائية حسبما يلوّح به مبدأُ الإسراء ومنتهاه ، وإضافةُ التنزيه أو التنزّه إلى الموصول المذكورِ للإشعار بعلّية ما في حيز الصلةِ للمضاف فإن ذلك من أدلة كمالِ قدرتِه وبالغِ حكمتِه ونهايةِ تنزهه عن صفات المخلوقين . (4/169)
{ مّنَ المسجد الحرام } اختُلف في مبدأ الإسراءِ فقيل : هو المسجدُ الحرام بعينه وهو الظاهرُ ، فإنه رُوي عنه عليه الصلاة والسلام أنه قال : « بينا أنا في المسجدالحرام في الحِجْر عند البيت بين النائم واليقظانِ إذْ اأتاني جبريلُ عليه الصلاة والسلام بالبُراق » وقيل : هو دارُ أم هانىءٍ بنتِ أبي طالب ، والمراد بالمسجد الحرام الحرمُ لإحاطته بالمسجد والْتباسِه به ، أو لأن الحرم كلَّه مسجد ، فإنه روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام كان نائماً في بيت أم هانىء بعد صلاة العشاءِ فكان ما كان فقصّه عليها ، فلما قام ليخرُج إلى المسجد تشبّثتْ بثوبه عليه الصلاة والسلام لتمنعه خشية أن يكذبه القومُ ، قال عليه الصلاة والسلام : « وإن كذبوني » فلما خرج جلس إليه أبو جهل فأخبره صلى الله عليه وسلم بحديث الإسراءِ فقال أبو جهل : يا معشر كعبِ بنِ لؤي بنِ غالب ، هلُمّ فحدِّثْهم فمن مصفّق وواضعٍ يدَه على رأسه تعجباً وإنكاراً وارتد ناسٌ ممن كان آمن به ، وسعى رجالٌ إلى أبي بكر فقال : إن كان قال ذلك لقد صدق ، قالوا : أتصدّقه على ذلك؟ قال : إني أصدقه على أبعدَ من ذلك ، فسُمِّيَ الصِّديقُ وكان فيهم من يعرف بيت المقدس فاستنعتوه المسجدَ فجُلِّي له بيتُ المقدس فطفِق ينظر إليه وينعته لهم ، فقالوا : أما النعتُ فقد أصابه .
فقالوا : أخبِرْنا عن عِيرنا ، فأخبرهم بعدد جمالِها وأحوالها وقال : { تقدم يوم كذا مع طلوع الشمس يقدمُها جملٌ أورَقُ } فخرجوا يشتدون ذلك اليوم نحو الثنية فقال قائل منهم : هذه والله الشمسُ قد أشرقت ، فقال آخرُ : هذه والله العِيرُ قد أقبلت يقدمها جملٌ أورقُ كما قال محمد ، ثم لم يؤمنوا قاتلهم الله أنى يؤفكون . (4/170)
واختُلف في وقته أيضاً ، فقيل : كان قبل الهجرةِ بسنة ، وعن أنس والحسنِ أنه قبل البعثة ، واختلف أيضاً أنه في اليقظة أو في المنام فعن الحسن أنه كان في المنام ، وأكثرُ الأقاويل بخلافه ، والحق أنه كان في المنام قبل البعثة وفي اليقظة بعدها ، واختُلف أيضاً أنه كان جُسمانياً أو روحانياً ، فعن عائشة رضي الله عنها أنها قالت : ما فُقِد جسدُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ولكن عُرج بروحه . وعن معاوية أنه قال : إنما عُرج بروحه ، والحقُّ أنه كان جُسمانياً على ما ينبىء عنه التصديرُ بالتنزيه وما في ضمنه من التعجب ، فإن الروحانيَّ ليس في الاستبعاد والاستنكار وخرقِ العادةِ بهذه المثابة ، ولذلك تعجبت منه قريشٌ وأحالوه ولا استحالة فيه ، فإنه قد ثبت في الهندسة أن قُطرَ الشمس ضِعفَ قطرِ الأرض مائة ونيفاً وستين مرة ، ثم إن طرفها الأسفلَ يصل إلى موضع طرفِها الأعلى بحركة الفَلك الأعظمِ مع معاوقة حركةِ فلكِها لها في أقلَّ من ثانية ، وقد تقرر أن الأجسام متساويةٌ في قَبول الأعراضِ التي من جملتها الحركةُ وأن الله سبحانه قادرٌ على كل ما يحيط به حيطة الإمكان فيقدر على أن يخلق تلك الحركةَ بل أسرعَ منها في جسد النبي صلى الله عليه وسلم أو فيما يحمِله ولو لم يكن مستبعداً لم يكن معجزة { إلى المسجد الأقصى } أي بيتِ المقدس ، سُمي به إذ لم يكن حينئذ وراءه مسجدٌ وفي ذلك من تربية معنى التنزيهِ والتعجّب ما لا يخفى { الذى بَارَكْنَا حَوْلَهُ } ببركات الدين والدنيا لأنه مهبِطُ الوحي ومتعبَّدُ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام { لِنُرِيَهُ } غايةٌ للإسراء { مِنْ ءاياتنا } العظيمةِ التي من جملتها ذهابُه في برهة من الليل مسيرةَ شهرٍ ، ولا يقدح في ذلك كونُه قبل الوصول إلى المقصِد ومشاهدةِ بيت المقدس وتمثّل الأنبياءِ له ووقوفِه على مقاماتهم العلية عليهم الصلاة والسلام ، والالتفاتُ إلى التكلم لتعظيم تلك البركاتِ والآياتِ ، وقرىء ليريَه بالياء { إِنَّهُ هُوَ السميع } لأقواله عليه الصلاة والسلام بلا أذن { البصير } بأفعاله بلا بصر حسبما يؤذِنُ به القصرُ فيكرمُه ويقرّبه بحسب ذلك ، وفيه إيماءٌ إلى أن الإسراءَ المذكورَ ليس إلا لتكرمته عليه الصلاة والسلام ورفعِ منزلتِه وإلا فالإحاطةُ بأقواله وأفعاله حاصلةٌ من غير حاجة إلى التقريب ، والالتفاتُ إلى الغَيبة لتربية المهابة .
وَآَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (2)
{ وَءاتَيْنَآ مُوسَى الكتاب } أي التوراة وفيه إيماءٌ إلى دعوته عليه الصلاة والسلام إلى الطور وما وقع فيه من المناجاة جمعاً بين الأمرين المتّحدين في المعنى ، ولم يُذكر هاهنا العروجُ بالنبي عليه السلام إلى السماء وما كان فيه مما لا يُكتنه كنهُه حسبما نطقتْ به سورةُ النجم تقريباً للإسراء إلى قَبول السامعين ، أي آتيناه التوراةَ بعد من أسرَينا إلى الطور { وجعلناه } أي ذلك الكتابَ { هُدًى لّبَنِى إسراءيل } يهتدون بما في مطاويه { أَن لا تَتَّخِذُواْ } أي لا تتخذوا نحو كتبت إليه أن افعل كذا ، وقرىء بالياء على أنّ أنْ مصدريةٌ ، والمعنى آتينا موسى الكتابَ لهداية بني إسرائيلَ لئلا يتخذوا { مِن دُونِى وَكِيلاً } أي ربًّا تكِلون إليه أمورَكم ، والإفرادُ لما أن فعيلاً مفردٌ في اللفظ جمعٌ في المعنى . (4/171)
ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا (4) فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا (5)
{ ذُرّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ } نُصب على الاختصاص أو النداءِ على قراءة النهي ، والمرادُ تأكيدُ الحملِ على التوحيد بتذكير إنعامِه تعالى عليهم في ضمن إنجاءِ آبائِهم من الغرق في سفينة نوحٍ عليه السلام ، أو على أنه أحدُ مفعولَيْ لا يتخذوا على قراءة النفي ومن دون حالٌ من وكيلاً فيكون كقوله تعالى : { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الملائكة والنبيين أَرْبَابًا } وقرى بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أو بدلٌ من واو لا تتخذوا بإبدال الظاهرِ من ضمير المخاطَب كما هو مذهبُ بعض البغادِدَة ، وقرىء ذِرّية بكسر الذال { أَنَّهُ } أي إن نوحاً عليه الصلاة والسلام { كَانَ عَبْدًا شَكُورًا } كثيرَ الشكر في مجامع حالاتِه ، وفيه إيذانٌ بأن إنجاءَ مَنْ معه كان ببركة شكرِه عليه الصلاة والسلام وحثٌّ للذرية على الاقتداء به وزجرٌ لهم عن الشرك الذي هو أعظمُ مراتبِ الكُفرانِ ، وقيل : الضمير لموسى عليه السلام . (4/172)
{ وَقَضَيْنَا } أي أتممنا وأحكمنا مُنْزلين { إلى بَنِى إسراءيل } أو موحين إليهم { فِى الكتاب } أي في التوراة فإن الإنزالَ والوحيَ إلى موسى عليه السلام إنزالٌ ووحيٌ إليهم { لَتُفْسِدُنَّ فِى الأرض } جوابُ قسمٍ محذوفٍ ، ويجوز إجراءُ القضاء المحتومِ مُجرى القسمِ كأنه قيل : وأقسمنا لتفسدن { مَّرَّتَيْنِ } مصدرٌ والعاملُ فيه من غير جنسه . أولاهما مخالفةُ حكم التوراة وقتلُ شعياءَ عليه الصلاة والسلام وحبسُ أرمياءَ حين أنذرهم سخطَ الله تعالى ، والثانية قتلُ زكريا ويحيى وقصدُ قتلِ عيسى عليهم الصلاة والسلام { وَلَتَعْلُنَّ عُلُوّاً كَبِيراً } لتستكبِرُنّ عن طاعة الله سبحانه ، أو لتغلِبُنّ الناسَ بالظلم والعدوان وتفرّطُنّ في ذلك إفراطاً مجاوزاً للحدود .
{ فَإِذَا جَآء وَعْدُ أولاهما } أي أولى كرَّتَي الإفساد ، أي حان وقتُ حلولِ العقاب الموعود { بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ } لمؤاخذتكم بجناياتكم { عِبَادًا لَّنَا } وقرىء عبيداً لنا { أُوْلِى بَأْسٍ شَدِيدٍ } ذوي قوةٍ وبطش في الحروب ، هم سنحاريبُ من أهل نينوى وجنودُه ، وقيل : بُخْتَ نَصَّرُ عامل لهراسبَ ، وقيل : جالوت { فَجَاسُواْ } أي تردّدوا لطلبكم بالفساد ، وقرىء بالحال والمعنى واحد ، وقرىء وجوسوا { خلال الديار } في أوساطها للقتل والغارة ، وقرىء خِلَلَ الديار فقتلوا علماءَهم وكبارَهم وأخرقوا التوراةَ وخربوا المسجد وسبَوْا منهم سبعين ألفاً ، وذلك من قبيل تولية بعضِ الظالمين بعضاً مما جرت به السنةُ الإلهية { وَكَانَ } ذلك { وَعْدًا مَّفْعُولاً } لا محالة بحيث لا صارفَ عنه ولا مبدِّلَ .
ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (6) إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآَخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (7) عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (8)
{ ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الكرة } أي الدولةَ والغلَبة { عَلَيْهِمْ } على الذين فعلوا بكم ما فعلوا بعد مائة سنةٍ حين تُبتم ورجعتم عما كنتم عليه من الإفساد والعلو ، قيل : هي قتلُ بُخْت نصّر واستنقاذُ بني إسرائيلَ أُساراهم وأموالَهم ورجوعُ المُلْك إليهم ، وذلك أنه لما ورِث بهمنُ بنُ إسفنديارَ المُلكَ من جدّه كشتاسفَ بنِ لهراسب ألقى الله تعالى في قلبه الشفقةَ عليهم فردّ أُساراهم إلى الشام وملّك عليهم دانيال عليه السلام فاستولَوا على من كان فيها من أتباع بُخْت نصّر ، وقيل : هي قتلُ داودَ عليه السلام لجالوت . (4/173)
{ وأمددناكم بأموال } كثيرةٍ بعدما نُهبت أموالُكم { وَبَنِينَ } بعدما سُبيَتْ أولادُكم { وجعلناكم أَكْثَرَ نَفِيرًا } مما كنتم من قبل أو من عدوكم ، والنفيرُ مَن ينفِر مع الرجل من قومه ، وقيل : جمعُ نفرٍ وهو القومُ المجتمعون للذهاب إلى العدو كالعبيد والمبين { إِنْ أَحْسَنتُمْ } أعمالكم سواءٌ كانت لازمةً لأنفسكم أو متعديةً إلى الغير ، أي عمِلتموها على الوجه اللائقِ ولا يُتصور ذلك إلا بعد أن تكون الأعمالُ حسنةً في أنفسها وإن فعلتم الأحيان { أَحْسَنتُمْ لاِنفُسِكُمْ } لأن ثوابَها لها { وَإِنْ أَسَأْتُمْ } أعمالَكم بأن عملتموها لا على الوجه اللائق ويلزمه السوءُ الذاتيُّ أو فعلتم الإساءة { فَلَهَا } إذ عليها وبالها ، وعن علي كرم الله وجهه : ما أحسنتُ إلى أحد ولا أسأت إليه وتلاها { فَإِذَا جَاء وَعْدُ الأخرة } حان وقت ما وُعد من عقوبة المرة الآخرة { لِيَسُوءواْ وُجُوهَكُمْ } متعلقٌ بفعل حُذف لدلالة ما سبق عليه ، أي بعثناهم ليسوؤا ومعنى ليسوؤا وجوهَكم ليجعلوا آثارَ المساءة والكآبةِ باديةً في وجوهكم كقوله تعالى : { سِيئَتْ وُجُوهُ الذين كَفَرُواْ } وقرىء ليَسوءَ على أن الضمير لله تعالى أو للوعد أو للبعث ، ولنسوءَ بنون العظمةِ ، وفي قراءة علي رضي الله عنه : لَنَسُوأنّ على أنه جوابُ إذا ، وقرىء لنَسوأنْ بالنون الخفيفة ولَيسوأنّ واللام في قوله عز وجل : { وَلِيَدْخُلُواْ المسجد } عطف على ليسوؤا متعلقٌ بما تعلق هو به { كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ } أي في أول مرةٍ { وَلِيُتَبّرُواْ } أي يهلكوا { مَا عَلَوْاْ } ما غلبوه واستولَوْا عليه أو مدةَ علوِّهم { تَتْبِيرًا } فظيعاً لا يوصف بأن سلط الله عز سلطانه عليهم الفرسَ فعزاهم ملكُ بابِلَ من ملوك الطوائف اسمُه جودرد ، وقيل : جردوس ، وقيل : دخل صاحبُ الجيش فذبح قرابينَهم فوجد فيه دماً يغلي فسألهم عنه ، فقالوا : دمُ قربانٍ لم يقبل منا ، فقال : لم تصْدُقوني ، فقتل على ذلك ألوفاً فلم يهدأ الدم ، ثم قال : إن لم تصْدُقوني ما تركت منكم أحد ، فقالوا : إنه دمُ يحيى بنِ زكريا عليهما الصلاة والسلام ، فقال : لمثل هذا ينتقم منكم ربُّكم ، ثم قال : يا يحيى قد علم ربي وربُّك ما أصاب قومَك من أجلك فاهدأ بإذن الله تعالى قبل أن لا أُبقيَ منهم أحداً ، فهدأ .
{ عسى رَبُّكُمْ أَن يَرْحَمَكُمْ } بعد المرة الآخرة إن تبتم توبةً أخرى وانزجرتم عما كنتم عليه من المعاصي { وَإِنْ عُدتُّمْ } إلى ما كنتم فيه من الفساد مرةً أخرى { عُدْنَا } إلى عقوبتكم ولقد عادوا فأعاد الله سبحانه عليهم النقمة بأن سلط عليهم الأكاسرةَ ففعلوا بهم ما فعلوا من ضرب الإتاوة ونحوِ ذلك . وعن الحسن عادوا فبعث الله تعالى محمداً عليه الصلاة والسلام فهم يُعطون الجزيةَ عن يد وهم صاغرون وعن قتادة مثلُه { وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ للكافرين حَصِيرًا } أي محبِساً لا يستطيعون الخروجَ منها أبد الآبدين ، وقيل : بِساطاً كما يبسط الحصيرُ ، وإنما عُدل عن أن يقال : وجعلنا جهنمَّ لكم تسجيلاً على كفرهم بالعَود وذماً لهم بذلك وإشعاراً بعلة الحكم . (4/174)
إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا (9) وَأَنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (10) وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (11)
{ إِنَّ هذا القرءان } الذي آتيناكَهُ { يَهْدِى } أي الناسَ كافةً لا فِرقةً مخصوصة منهم كدأب الكتاب الذي آتيناه موسى { لِلَّتِى } للطريقة التي { هِىَ أَقْوَمُ } أي أقومُ الطرائقِ وأسدُّها أعني ملةَ الإسلامِ والتوحيدِ ، وتركُ ذكرها ليس لقصد التعميم لها وللحالة والخَصلة ونحوِها مما يعبّر به عن المقصد المذكور بل للإيذان بالغِنى عن التصريح بها لغاية ظهورِها لا سيما بعد ذكر الهدايةِ التي هي من روادفها ، والمرادُ بهدايته لها كونُه بحيث يهتدي إليها من يتمسك به لا تحصيلُ الاهتداء بالفعل فإنه مخصوصٌ بالمؤمنين حينئذ { وَيُبَشّرُ المؤمنين } بما في تضاعيفه من الأحكام والشرائع ، وقرىء بالتخفيف { الذين يَعْمَلُونَ الصالحات } التي شرحت فيه { أَنَّ لَهُمْ } أي بأن لهم بمقابلة تلك الأعمالِ { أَجْرًا كَبِيرًا } بحسب الذات وبحسب التضعيف عشرَ مرات فصاعداً . (4/175)
{ وأَنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة } وأحكامِها المشروحة فيه من البعث والحساب والجزاءِ ، وتخصيصُها بالذكر من بين سائر ما كفروا به لكونها مُعظمَ ما أُمروا بالإيمان به ، ولمراعاة التناسبِ بين أعمالهم وجزائِها الذي أنبأ عنه قولُه عز وجل : { أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً } وهو عذابُ جهنمَ أي أعتدنا لهم فيما كفروا به وأنكروا وجودَه من الآخرة عذاباً أليماً وهو أبلغُ في الزجر لما أن إتيانَ العذابِ من حيث لا يُحتسب أفظعُ وأفجعُ ، والجملةُ معطوفة على جملة يبشّر بإضمار يُخبر ، أو على قوله تعالى : { أَنَّ لَهُمْ } داخلةٌ معه تحت التبشير المرادِ به مجازاً مطلقُ الإخبار المنتظمِ للإخبار بالخبر السارِّ وبالنبأ الضارّ فيكون ذلك بياناً لهداية القرآنِ بالترغيب والترهيب ، ويجوز كونُ التبشير بمعناه والمرادُ تبشيرُ المؤمنين ببشارتين : تولّيهم وعقابِ أعدائهم .
وقوله تعالى : { وَيَدْعُ الإنسان بالشر } بيانٌ لحال المهديِّ إثرَ بيان حالِ الهادي ، وإظهارٌ لما بينهما من التباين ، والمرادُ بالإنسان الجنسُ أسند إليه حالُ بعضِ أفراده أو حُكي عنه حالُه في بعض أحيانه فالمعنى على الأول أن القرآنَ يدعو الإنسانَ إلى الخير الذي لا خيرَ فوقه من الأجر الكبيرِ ويحذّر من الشر الذي لا شرَّ وراءه من العذاب الأليم ، وهو أي بعضٌ منه وهو الكافرُ يدعو لنفسه بما هو الشرُّ من العذاب المذكور إما بلسانه حقيقةً كدأب مَنْ قال منهم : { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } ومن قال : { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } إلى غير ذلك مما حُكي عنهم وإما بأعمالهم السيئة المُفضية إليه الموجبةِ له مجازاً كما هو ديدنُ كلِّهم { دُعَاءهُ بالخير } أي مثلَ دعائِه بالخير المذكور فرضاً لا تحقيقاً فإنه بمعزل من الدعاء به وفيه رمزٌ إلى أنه اللائقُ بحاله { وَكَانَ الإنسان } أي مَن أُسند إليه الدعاءُ المذكورُ من أفراده { عَجُولاً } يسارع إلى طلب ما يخطر بباله متعامياً عن ضرره أو مبالغاً في العجلة يستعجل العذابَ وهو آتيه لا محالة ، ففيه نوعُ تهكمٍ به ، وعلى تقدير حمل الدعاءِ على أعمالهم تُحمل العَجوليةُ على اللَّجّ والتمادي في استيجاب العذابِ بتلك الأعمال ، وعلى الثاني أن القرآنَ يدعو الإنسانَ إلى ما هو خيرٌ وهو في بعضِ أحيانه كما عند الغضبِ يدعه ويدعو الله تعالى لنفسه وأهله وماله بما هو شرٌّ ، وكان الإنسان بحسب جِبِلّته عجولاً ضجِراً لا يتأسَّى إلى أن يزول عنه ما يعتريه .
روي أنه عليه الصلاة والسلام دفع إلى سَوْدةَ أسيراً فأرخت كتافه رحمةً لأنينه بالليل من ألم القيد فهرب فلما أُخبر به النبيُّ عليه الصلاة والسلام قال : « اللهم اقطع يديها » فرفعت سودة يديها تتوقع الإجابة ، فقال عليه الصلاة السلام : « إني سألت الله تعالى أن يجعل دعائي على من لا يستحق من أهلي عذاباً رحمةً » أو يدعو بما هو شر وهو يحسبه خيراً ، وكان الإنسان عجولاً غيرَ متبصّر لا يتدبر في أموره حقَّ التدبر ليتحقق ما هو خيرٌ حقيقٌ بالدعاء به وما هو شرٌّ جديرٌ بالاستعاذة منه . (4/176)
وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آَيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آَيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آَيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (12)
{ وَجَعَلْنَا اليل والنهار ءايَتَيْنِ } شروعٌ في بيان بعضِ وجوه ما ذُكر من الهداية بالإرشاد إلى مسلك الاستدلالِ بالآيات والدلائلِ الآفاقية التي كلُّ واحدة منها برهانٌ نيِّرٌ لا ريب فيه ومنهاجٌ بيِّنٌ لا يضِلّ من ينتحيه ، فإن الجعلَ المذكورَ وما عُطف عليه من محو آيةِ الليل وجعلِ آيةِ النهار مبصرةً وإن كانت من الهدايات التكوينية لكن الإخبارَ بذلك من الهدايات القرآنية المنبّهة على تلك الهداياتِ ، وتقديمُ الليل لمراعاة الترتيبِ الوجوديِّ إذ منه ينسلخ النهارُ ، وفيه تظهرُ غُررُ الشهور ، ولو أن الليلةَ أضيفت إلى ما قبلها من النهار لكانت من شهر وصاحبُها من شهر آخرَ ، ولترتيب غايةِ آيةِ النهار عليها بلا واسطة أي جعلنا الملَوَيْن بهَيْآتهما وتعاقبُهما واختلافِهما في الطول والقِصَر على وتيرةٍ عجيبة يحار في فهمهما العقولُ آيتين تدلان على أن لهما صانعاً حكيماً قادراً عليماً وتهديان إلى ما هدى إليه القرآنُ الكريم من ملة الإسلام والتوحيد { فَمَحَوْنَا ءايَةَ اليل } الإضافةُ إما بيانيةٌ كما في إضافة العددِ إلى المعدود أي محونا الآية التي هي الليلُ وفائدتُها تحقيقُ مضمونِ الجلمة السابقةِ ، ومحوُها جعلُها ممحُوّةَ الضوءِ مطموستَه ، لكن لا بعد إن لم تكن كذلك بل إبداعُها على ذلك كما في قولهم : سبحان من صغّر البعوضَ وكبّر الفيل أي أنشأهما كذلك ، والفاءُ تفسيريةٌ لأن المحو المذكورَ وما عُطف عليه ليسا مما يحصل عَقيبَ جعل الجديدين آيتين بل هما من جملة ذلك الجعلِ ومُتمّماته { وَجَعَلْنَا ءَايَةَ النهار } أي الآية التي هي النهارُ على نحو ما مر { مُبْصِرَةً } أي مضيئةً يبصَر فيها الأشياءُ وصفاً لها بحال أهلها أو مبصرةً للناس من أبصره فبصره ، وإما حقيقية وآية الليلُ والنهار نيِّراهما ، ومحوُ القمر إما خلقُه مطموسَ النور في نفسه فالفاء كما ذُكر ، وإما نفسُ ما استفاده من الشمس شيئاً فشيئاً إلى المحاق على ما هو معنى المحو ، والفاءُ للتعقيب وجعلُ الشمس مبصرةً إبداعُها مضيئةً بالذات ذاتَ أشعة تظهر بها الأشياءُ المظلمة . (4/177)
{ لّتَبْتَغُواْ } متعلقٌ بقوله تعالى : { وَجَعَلْنَا ءَايَةَ النهار } كما أشير إليه أي وجعلناها مضيئة لتطلُبوا لأنفسكم في بياض النهار { فَضْلاً مّن رَّبّكُمْ } أي رزقاً إذ لا يتسنى ذلك في الليل ، وفي التعبير عن الرزق بالفضل وعن الكسب بالابتغاء والتعرضُ لصفة الربوبية المنبئةِ عن التبليغ إلى الكمال شيئاً فشيئاً دَلالةٌ على أن ليس في تحصيل الرزق تأثيرٌ سوى الطلبِ وإنما الإعطاءُ إلى الله سبحانه لا بطريق الوجوب عليه بل تفضلاً بحكم الربوبية { وَلِتَعْلَمُواْ } متعلقٌ بكِلا الفعلين أعني محوَ آية الليل وجعْلَ آيةِ النهار مبصرةً لا بأحدهما فقط إذ لا يكون ذلك بانفراده مداراً للعلم المذكور ، أي لتعلموا بتفاوت الجديدَين أو نيِّريْهِما ذاتاً من حيث الإظلامُ والإضاءة مع تعاقبهما أو حركاتهما وأوضاعِهما وسائرِ أحوالِهما { عَدَدَ السنين } التي يتعلق بها غرضٌ علمي لإقامة مصالحِكم الدينية والدنيوية { والحساب } أي الحسابَ المتعلقَ بما في ضمنها من الأوقات أي الأشهرَ واللياليَ والأيامَ وغير ذلك مما نيط به شيء من المصالح المذكورة ونفس السنة من حيث تحققُها مما ينتظمه الحسابُ ، وإنما الذي تعلق به العدُّ طائفةٌ منها وتعلقُه في ضمن ذلك بكل واحدة منها ليس من الحيثية المذكورة أعني حيثيةَ تحققِها وتحصُّلها من عدة أشهر قد تحصّل كل واحد منها بطائفة من الساعات مثلاً فإن ذلك وظيفةُ الحساب بل من حيث أنها فردٌ من تلك الطائفة المعدودة بعدها أي يُفنيها من غير أن يعتبر في ذلك تحصيلُ شيءٍ معين وتحقيقُه ما مر في سورة يونسَ من أن الحسابَ إحصاءُ ماله كميةٌ منفصلة بتكرير أمثالِه من حيث يتحصل بطائفة معينة منها حدٌّ معين منه له اسمٌ خاصٌّ وحكمٌ مستقل كما أشير إليه آنفاً ، والعدُّ إحصاؤُه بمجرد تكرير أمثالِه من غير أن يتصل منه شيء كذلك ، ولما أن السنين لم يعتبر فيها حدٌّ معين له اسمٌ خاصٌّ وحكم مستقلٌّ أُضيف إليها العددُ وعُلّق الحساب بما عداها مما اعتبر فيه تحصُّل مراتبَ معينةٍ لها أسامٍ خاصة وأحكامٌ مستقلة ، وتحصّلُ مراتبِ الأعداد من العشرات والمئات والألوف اعتباريٌّ لا يجدي في تحصل المعدودات ، وتقديمُ العدد على الحساب مع أن الترتيبَ بين متعلّقَيْهما وجوداً وعدماً على العكس للتنبيه من أول الأمر على أن متعلق الحساب ما في تضاعيف السنين من الأوقات أو لأن العلمَ المتعلِّق بعدد السنينَ علمٌ إجماليٌّ بما تعلق به الحساب تفصيلاً ، أو لأن العدد من حيث إنه لم يعتبر فيه تحصلُ شيءٍ آخرَ منه حسبما ذكر نازلٍ من الحساب المعتبر فيه ذلك منزلةَ البسيط من المركب ، أو لأن العلم المتعلقَ بالأول أقصى المراتب فكان جديراً بالتقديم في مقام الامتنان والله سبحانه أعلم { وَكُلَّ شىْء } تفتقرون إليه في المعاش والمعادِ سوى ما ذكر من جعل الليل والنهار آيتين وما يتبعه من المنافع الدينية والدنيوية ، وهو منصوبٌ بفعل يفسره قوله تعالى : { فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلاً } أي بيناه في القرآن الكريم بياناً بليغاً لا التباسَ معه كقوله تعالى :
{ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب تِبْيَانًا لّكُلّ شَىْء } فظهر كونُه هادياً للتي هي أقوم ظهوراً بيناً . (4/178)
وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (13) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (14) مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15)
{ وَكُلَّ إنسان } مكلف { ألزمناه طائره } أي عملَه الصادرَ عنه باختياره حسبما قُدِّر له كأنه طار إليه من عُشّ الغيب ووَكْر القدر ، أو ما وقع له في القسمة الإلية الواقعةِ حسب استحقاقِه في العلم الأزليِّ من قولهم : طار له سهمٌ كذا { فِى عُنُقِهِ } تصويرٌ لشدة اللزوم وكمالِ الارتباط أي ألزمناه عملَه بحيث لا يفارقه أبداً بل يلزمه لزومَ القِلادة أو الغُلّ للعنق لا ينفك عنه بحال ، وقرىء بسكون النون { وَنُخْرِجُ لَهُ } بنون العظمة وقد قرىء بالياء مبنياً للفاعل على أن الضمير لله عز وجل وللمفعول ، والضمير للطائر كما في قراءة يخرُج من الخروج { يَوْمُ القيامة } للحساب { كتابا } مسطوراً فيه ما ذكر من عمله نقيراً وقِطميراً وهو مفعول لنُخرجُ على القراءتين الأُوليين أو حالٌ من المفعول المحذوفِ الراجع إلى الطائر وعلى الأخرَيَين حالٌ من المستتر في الفعل من ضمير الطائر { يلقاه } الإنسان { مَنْشُوراً } وهما صفتان للكتاب أو الأول صفةٌ والثاني حالٌ منها ، وقرىء يلقاه من لقِيته كذا أي يلقى الإنسانُ إياه . قال الحسن : بُسِطت لك صحيفةٌ ووكّل بك ملكان فهما عن يمينك وعن شمالك فأما الذي عن يمينك فيحفظ سيئاتِك حتى إذا مُت طُويت صحيفتُك وجُعلت معك في قبرك حتى تخرج لك يوم القيامة . (4/179)
{ اقرأ كتابك } أي قائلين لك ذلك . عن قتادة يقرأ ذلك اليومَ من لم يكن في الدنيا قارئاً ، وقيل : المرادُ بالكتاب نفسُه المنتقشةُ بآثار أعماله فإن كل عمل يصدُر من الإنسان خيراً أو شرًّا يحدُث منه في جوهر روحِه أمرٌ مخصوصٌ إلا أنه يخفى ما دام الروحُ متعلقاً بالبدن مشتغلاً بواردات الحواسِّ والقُوى ، فإذا انقطعت علاقتُه عن البدن قامت قيامته لأن النفس كانت ساكنةً مستقرة في الجسد وعند ذلك قامت وتوجهت نحو الصعود إلى العالم العلويِّ فيزول الغطاءُ وتنكشف الأحوالُ ويظهر على لَوح النفس نقشُ كلِّ شيء عملِه في مدة عمرِه وهذا معنى الكتابة والقراءة { كفى بِنَفْسِكَ اليوم عَلَيْكَ حَسِيبًا } أي كفى نفسُك ، والباء زائدة واليومَ ظرفٌ لكفى وحسيباً تمييزٌ و ( على ) صلتُه لأنه بمعنى الحاسب كالصريم بمعنى الصارم من حسَب عليه كذا . أو بمعنى الكافي ، ووُضِع موضعَ الشهيد لأنه يكفي المدعي ما أهمه . وتذكيرُه لأن ما ذكر من الحساب والكفاية مما يتولاه الرجال أو لأنه مبنيٌّ على تأويل النفس بالشخص على أنها عبارة عن نفس المذكر كقول جَبَلةَ بن حريث
يا نفسُ إنكِ باللذات مسرور ... فهل ينفعَنْك اليوم تذكيرُ
{ مَّنِ اهتدى فَإِنَّمَا يَهْتَدى لِنَفْسِهِ } فذلكةٌ لما تقدم من بيان كونِ القرآن هادياً لأقوم الطرائقِ ولزومِ الأعمال لأصحابها ، أي من اهتدى بهدايته وعمِل بما في تضاعيفه من الأحكام وانتهى عما نهاه عنه فإنما تعود منفعةُ اهتدائِه إلى نفسه لا تتخطاه إلى غيره ممن لم يهتدِ { وَمَن ضَلَّ } عن الطريقة التي يهديه إليها { فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } أي فإنما وبالُ ضلاله عليها لا على من عداه ممّن يباشره حتى يمكن مفارقةُ العمل صاحبَه { وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى } تأكيد للجملة الثانية ، أي لا تحمل نفسٌ حاملةٌ للوزر وزرَ نفسٍ أخرى حتى يمكن تخلّصُ النفس الثانية عن وزرها ويختلَّ ما بين العامل وعملِه من التلازم ، بل إنما تحمل كلٌّ منها وزرها ، وهذا تحقيقٌ لمعنى قوله عز وجل : { وَكُلَّ إنسان ألزمناه طائره فِى عُنُقِهِ } وأما ما يدل عليه قوله تعالى :
{ مَّن يَشْفَعْ شفاعة حَسَنَةً يَكُنْ لَّهُ نَصِيبٌ مّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شفاعة سَيّئَةً يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مَّنْهَا } وقوله تعالى : { لِيَحْمِلُواْ أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ القيامة وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ } مِن حمْل الغير وانتفاعِه بحسنته وتضرره بسيئته فهو في الحقيقة انتفاعٌ بحسنة نفسِه وتضرّرٌ بسيئته فإن جزاءَ الحسنة والسيئة اللتين يعملهما العاملُ لازمٌ له . (4/180)
وإنما الذي يصل إلى مَنْ يشفع جزاءُ شفاعته لا جزاءُ أصل الحسنة والسيئة ، وكذلك جزاءُ الضلال مقصورٌ على الضالين ، وما يحمله المُضلون إنما هو جزاءُ الإضلال لا جزاءُ الضلال ، وإنما خُص التأكيدُ بالجملة الثانية قطعاً للأطماع الفارغةِ حيث كانوا يزعُمون أنهم إن لم يكونوا على الحق فالتبعةُ على أسلافهم الذين قلدوهم { وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ } بيانٌ للعناية الربانية إثرَ بيان اختصاصِ آثارِ الهداية والضلال بأصحابها وعدم حِرمان المهتدي من ثمرات هدايته وعدمِ مؤاخذة النفس بجناية غيرها ، أي وما صح وما استقام منا بل استحال في سنتنا المبنيةِ على الحِكَم البالغة أو ما كان في حكمنا الماضي وقضائِنا السابق أن نعذب أحداً من أهل الضلال والأوزارِ اكتفاءً بقضية العقل { حتى نَبْعَثَ } إليهم { رَسُولاً } يهديهم إلى الحق ويردعهم عن الضلال ويقيم الحججَ ويمهد الشرائع حسبما في تضاعيف الكتاب المنزل عليه ، والمرادُ بالعذاب المنفيّ إما عذابُ الاستئصال كما قاله الشيخ أبو منصور الماتريدي رحمه الله وهو المناسبُ لما بعده ، أو الجنسُ الشامل للدنيوي والأخروي وهو من أفراده ، وأياً ما كان فالبعثُ غايةٌ لعدم صحة وقوعِه في وقته المقدر له لا لعدم وقوعِه مطلقاً ، كيف لا والأخرويُّ لا يمكن وقوعُه عَقيبَ البعث ، والدنيويُّ أيضاً لا يحصُل إلا بعد تحقق ما يوجبه من الفسق والعصيان ، ألا يُرى إلى قوم نوحٍ كيف تأخر عنهم ما حل بهم زُهاءَ ألف سنة .
وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (16)
وقوله تعالى : { وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً } بيان لكيفية وقوع التعذيب بعد البعثة التي جعلت غاية لعدم صحته وليس المراد بالإرادة تحققها بالفعل إذ لا يتخلف عنها المراد ولا الإرادة الأزلية المتعلقة لوقوع المراد في وقته المقدر له إذ لا يقارنه الجزاء الآتي بل دنو وقتها كما في قوله تعالى أتى أمر الله أى وإذا دنا وقت تعلق إرادتنا بإهلاك قرية بأن نعذب أهلها بما ذكرنا من عذاب الاستئصال الذي بينا أنه لا يصح منا قبل البعثة أو بنوع مما ذكرنا شأنه من مطلق العذاب أعني عذاب الاستئصال لما لهم من الظلم والمعاصي دنوا تقتضيه الحكمة من غير أن يكون له حد معين { أَمَرْنَا } بواسطة الرسول المبعوث إلى أهلها { مُتْرَفِيهَا } متنعميها وجباريها وملوكها خصهم بالذكر مع توجه الأمر إلى الكل لأنهم الأصول في الخطاب والباقي أتباع لهم ولأن توجه الأمر إليهم آكدو عدم التعرض للمأمور به إما الظهور أن المراد به الحق والخير لأن الله لا يأمر بالفحشاء لا سيما بعد ذكر هداية القرآن لما يهدي إليه وإما لأن المراد وجد منا الأمر كما يقال فلان يعطي ويمنع { فَفَسَقُواْ فِيهَا } أي خرجوا عن الطاعة وتمردوا { فَحَقَّ عَلَيْهَا القول } أي ثبت وتحقق موجبه بحلول العذاب إثر ما ظهر منهم من الفسق والطغيان { فَدَمَّرْنَاهَا } بتدمير أهلها { تَدْمِيراً } لا يكتنه كنهه ولا يوصف هذا هو المناسب لما سبق وقيل الأمر مجاز عن الحمل على الفسق والتسبب له بأن صب عليهم ما أبطرهم وأفضى بهم إلى الفسوق وقيل هو بمعنى التكثير يقال أمرت الشيء فأمر أي كثرته فكثر وفي الحديث خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة أي كثيرة النتاج ويهضده قراءة آمرنا وأمرنا من الإفعال والتفعيل وقد جعلتا من الإمارة أي جعلناهما أمراء وكل ذلك لا يساعده مقام الزجر عن الضلال والحث على الاهتداء فإن مؤدى ذلك أن طغيانهم منوطاً بإرادة الله سبحانه وإنعامه عليهم بنعم وافرة أبطرتهم وحملتهم على الفسق حملا حقيقاً بأن يعبر عنه بالامر به . (4/181)
وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (17) مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (18)
{ وَكَمْ أَهْلَكْنَا } أي وكثيراً ما أهلكنا { مّنَ القرون } بيانٌ لِكَم وتمييزٌ له ، والقَرنُ مدةٌ من الزمان يُخترَم فيها القومُ وهي عشرون أو ثلاثون أو أربعون أو ثمانون أو مائة ، وقد أيِّد ذلك بأنه عليه الصلاة والسلام دعا لرجل فقال : « عِشْ قرناً » فعاش مائة سنةٍ أو مائة وعشرين { مِن بَعْدِ نُوحٍ } من بعد زمنه عليه الصلاة والسلام كعادٍ وثمودَ ومَنْ بعدهم ممن قُصّت أحوالُهم في القرآن العظيم ومَنْ لم تُقَصَّ ، وعدمُ نظمِ قومه عليه الصلاة والسلام في تلك القرون المهلَكة لظهور أمرِهم ، على أن ذكره عليه الصلاة والسلام رمزٌ إلى ذكرهم { وكفى بِرَبّكَ } أي كفى ربُّك { بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرَا بَصِيرًا } يحيط بظواهرها وبواطنها فيعاقب عليها ، وتقديمُ الخبير لتقدم متعلَّقِه من الاعتقادات والنيات التي هي مبادي الأعمالِ الظاهرةِ أو لعمومه حيث يتعلق بغير المُبصَرات أيضاً . وفيه إشارةٌ إلى أن البعثَ والأمر وما يتلوهما من فسقهم ليس لتحصيل العلمِ بما صدر عنهم من الذنوب فإن ذلك حاصلٌ قبل ذلك وإنما هو لقطع الأعذار وإلزامِ الحُجة من كل وجه . (4/182)
{ مَن كَانَ يُرِيدُ } بأعماله التي يعملها سواءٌ كان ترتُّبُ المراد عليها بطريق الجزاءِ كأعمال البِرّ أو بطريق ترتبِ المعلولات على العلل كالأسباب ، أو بأعمال الآخرة فالمرادُ بالمريد على الأول الكفرةُ وأكثرُ الفسقة ، وعلى الثاني أهلُ الرياء والنفاق والمهاجِرُ للدنيا والمجاهدُ لمحض الغنيمة { العاجلة } فقط من غير أن يريد معها الآخرةَ كما ينبىء عنها الاستمرارُ المستفادُ من زيادة كان هاهنا مع الاقتصار على مطلق الإرادةِ في قسيمه ، والمرادُ بالعاجلة الدارُ الدنيا وبإرادتها إرادةُ ما فيها من فنون مطالبِها كقوله تعالى : { وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدنيا } ويجوز أن يراد الحياةُ العاجلة كقوله عز وجل : { مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا } لكن الأولَ أنسبُ بقوله : { عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا } أي في تلك العاجلةِ فإن الحياةَ واستمرارها من جملة ما عُجِّل له ، فالأنسبُ بذلك كلمةُ من كما في قوله تعالى : { وَمَن يُرِدْ ثَوَابَ الدنيا نُؤْتِهِ مِنْهَا } { مَا نَشَاء } أي ما نشاء تعجيلَه له من نعيمها لا كلَّ ما يريد { لِمَن نُّرِيدُ } تعجيلَ ما نشاء له وهو بدلٌ من الضمير في له بإعادة الجارِّ بدلَ البعض ، فإنه راجعٌ إلى الموصول المنبىءِ عن الكثرة ، وقرىء لمن يشاء على أن الضميرَ لله سبحانه ، وقيل : هو لِمَن فيكون مخصوصاً بمن أراد به ذلك ، وهو واحدٌ من الدهماء ، وتقييدُ المعجَّل والمعجَّل له بما ذُكر من المشيئة والإرادة لما أن الحِكمةَ التي عليها يدور فلكُ التكوين لا تقتضي وصولَ كلِّ طالبٍ إلى مرامه ولا استيفاءَ كلِّ واصل لما يطلُبه بتمامه ، وأما ما يتراءى من قوله تعالى :
{ مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ } من نيل كلِّ مؤمِّلٍ لجميع آماله ووصولِ كلِّ عاملٍ إلى نتيجة أعمالِه ، فقد أُشير إلى تحقيق القولِ فيه في سورة هود بفضل الله تعالى { ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ } مكان ما عجلنا له { جَهَنَّمَ } وما فيها من أصناف العذاب { يصلاها } يدخُلها وهو حالٌ من الضمير المجرور أو من جهنم أو استئنافٌ { مَذْمُومًا مَّدْحُورًا } مطروداً من رحمة الله تعالى ، وقيل : الآية في المنافقين كانوا يُراؤون المسلمين ويغزون معهم ولم يكن غرضُهم إلا مساهمتَهم في الغنائم ونحوِها ، ويأباه ما يقال إن السورةَ مكيةٌ سوى آياتٍ معينة . (4/183)
وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (19) كُلًّا نُمِدُّ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا (20)
{ وَمَنْ أَرَادَ } بأعماله { الأخرة } الدارَ الآخرةَ وما فيها من النعيم المقيم { وسعى لَهَا سَعْيَهَا } أي السعْيَ اللائقَ بها وهو الإتيانُ بما أُمر والانتهاءُ عما نُهيَ لا التقرّبُ بما يخترعون بآرائهم ، وفائدةُ اللام اعتبارُ النيةِ والإخلاص { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } إيماناً صحيحاً لا يخالطه شيءٌ قادحٌ فيه ، وإيرادُ الإيمانِ بالجملة الحالية للدِلالة على اشتراط مقارنتِه لما ذُكر في حيِّز الصلة { فَأُوْلَئِكَ } إشارةٌ إلى الموصولِ بعنوان اتصافِه بما في حيز الصلةِ ، وما في ذلك من معنى البعدِ للإشعار بعلو درجتِهم وبُعد منزلتِهم ، والجمعيةُ لمراعاة جانب المعنى إيماءً إلى أن الإثابة المفهومةَ من الخبر تقع على وجه الاجتماعِ أي أولئك الجامعون لما مر من الخصال الحميدةِ ، أعني إرادةَ الآخرةِ والسعيَ الجميلَ لها والإيمانَ { كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا } مقبولاً عند الله تعالى أحسنَ القَبول مُثاباً عليه ، وفي تعليق المشكوريّةِ بالسعْي دون قرينَيْهِ إشعارٌ بأنه العمدةُ فيها . (4/184)
{ كَلاَّ } التنوين عوضٌ عن المضاف إليه أي كلَّ واحد من الفريقين لا الفريقِ الأخير المريد للخير الحقيقِ بالإسعاف فقط { نُّمِدُّ } أي نزيد مرة بعد مرة بحيث يكون الآنِفُ مدداً للسالف ، وما به الإمدادُ ما عُجّل لأحدهما من العطايا العاجلة وما أعد للآخر من العطايا الآجلةِ المشارِ إليها بمشكورية السعي ، وإنما لم يصرحْ به تعويلاً على ما سبق تصريحاً وتلويحاً واتكالاً على ما لحِق عبارةً وإشارة كما ستقف عليه ، وقوله تعالى : { هَؤُلاء } بدل من كلاًّ { وَهَؤُلاء } عطف عليه أي نُمد هؤلاء المعجَّلَ لهم وهؤلاءِ المشكورَ سعيُهم ، فإن الإشارةَ متعرّضةٌ لذات المشارِ إليه بما له من العنوان لا للذات فقط كالإضمار ، ففيه تذكيرٌ لما به الإمدادُ وتعيينٌ للمضاف إليه المحذوفِ دفعاً لتوهّم كونِه أفرادَ الفريقِ الأخير ، وتأكيدٌ للقصر المستفادِ من تقديم المفعول وقوله تعالى : { مِنْ عَطَاء رَبّكَ } أي من العطاء الواسعِ الذي لا تناهيَ له متعلقٌ بنُمد ، ومغْنٍ عن ذكر ما به الإمدادُ ومنبِّهٌ على أن الإمدادَ المذكورَ ليس بطريق الاستيجابِ بالسعي والعمل بل بمحض التفضل { وَمَا كَانَ عَطَاء رَبّكَ } أي دنيوياً كان أو أخروياً ، وإنما أُظهر إظهاراً لمزيد الاعتناءِ بشأنه وإشعاراً بعلّيته للحكم { مَحْظُورًا } ممنوعاً ممن يريده بل هو فائضٌ على مَن قُدّر له بموجب المشيئةِ المبنيةِ على الحكمة وإن وُجد منه ما يقتضي الحظرَ كالكافر وهو في معنى التعليل لشمول الأمدادِ للفريقين ، والتعرضُ لعنوان الربوبية في الموضعين للإشعار بمبدئيتها لما ذُكر من الإمداد وعدم الحظر .
انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآَخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (22)
{ انظر كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ على بَعْضٍ } كيف في محل النصبِ بفضّلنا على الحالية والمرادُ توضيحُ ما مر من الإمداد وعدمِ محظوريةِ العطاء بالتنبيه على استحضار مراتبِ أحد العطاءين والاستدلالِ بها على مراتب الآخر ، أي انظر بنظر الاعتبار كيف فضلنا بعضَهم على بعض فيما أمددناهم به من العطايا العاجلة ، فمِنْ وضيع ورفيع وضَالعٍ وضليع ومالكٍ ومملوكٍ ومُوسرٍ وصُعلوكٍ تعرِفْ بذلك مراتبَ العطايا الآجلةِ ودرجاتِ تفاضل أهلِها على طريقة الاستشهاد بحال الأدنى على حال الأعلى كما أفصح عنه قوله تعالى : { وَلَلأَخِرَةُ أَكْبَرُ } أي هي وما فيها أكبرُ من الدنيا ، وقرىء أكثرُ { درجات وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً } لأن التفاوتَ فيها بالجنة ودرجاتِها العالية التي لا يقادر قدرُها ولا يُكتنه كُنهُها ، كيف لا وقد عُبّر عنه بما لا عينٌ رأت ولا أذن سمعت ولا خطَر على قلب بشر . هذا ويجوز أن يراد بما به الإمدادُ العطايا العاجلةُ فقط ويُحمل القصرُ المذكورُ على دفع توهم اختصاصِها بالفريق الأول ، فإن تخصيصَ إرادتهم لها ووصولَهم إليها بالذكر من غير تعرض لبيان النسبةِ بينها وبين الفريق الثاني إرادةً ووصولاً مما يُوهم اختصاصَها بالأولين ، فالمعنى كلُّ واحد من الفريقين نُمِد بالعطايا العاجلة لا مَنْ ذكرنا إرادتَه لها فقط من الفريق الأول من عطاء ربك الواسعِ وما كان عطاؤُه الدنيويُّ محظوراً من أحد ممن يريده وممن يريد غيره ، انظر كيف فضلنا في ذلك العطاءِ بعضَ كلَ من الفريقين على بعض آخرَ منهما وللآخِرةُ . . الآية . واعتبارُ عدم المحظورية بالنسبة إلى الفريق الأولِ تحقيقاً لشمول الإمدادِ له كما فعله الجمهور حيث قالوا : لا يمنعه مِن عاصٍ لعصيانه يقتضي كونَ القصر لدفع توهم اختصاصِ الإمداد الدنيويِّ بالفريق الثاني مع أنه لم يسبِقْ في الكلام ما يوهم ثبوتَه له فضلاً عن إيهام اختصاصِه . (4/185)
{ لاَّ تَجْعَل مَعَ الله إلها } الخطابُ للرسول عليه الصلاة والسلام والمرادُ به أمتُه وهو من باب التهييجِ والإلهاب ، أو كلِّ أحد ممن يصلح للخطاب { ءاخَرَ فَتَقْعُدَ } بالنصب جواباً للنهي ، والقعودُ بمعنى الصيرورة من قولهم : شحذ الشفرةَ حتى قعَدتْ كأنها خَرِبة ، أو بمعنى العجز ، مِن قعد عنه أي عجز عنه { مَذْمُومًا مَّخْذُولاً } خبران أو حالان أي جامعاً على نفسك الذمَّ من الملائكة والمؤمنين والخِذلانَ من الله تعالى ، وفيه إشعارٌ بأن الموحِّدَ جامعٌ بين المدح والنُّصرة .
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (23) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (24)
{ وقضى رَبُّكَ } أي أمر أمراً مُبْرماً ، وقرىء وأوصى ربُّك «ووصّى ربك» { أَن لاَّ تَعْبُدُواْ } أي بأن لا تعبدوا { إِلاَّ إِيَّاهُ } على أنّ «أنْ» مصدريةٌ ولا نافيةٌ أو أي لا تعبدوا على أنها مفسرةٌ ولا ناهيةٌ لأن العبادة غايةُ التعظيمِ فلا تحِقُّ إلا لمن له غايةُ العظمة ونهايةُ الإنعام وهو كالتفصيل للسعي للآخرة { وبالوالدين } أي وبأن تُحسِنوا بهما أو وأحسنوا بهما { إحسانا } لأنهما السببُ الظاهرُ للوجود والتعيش { إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الكبر أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاَهُمَا } إما مركبةٌ من إن الشرطية وما المزيدةِ لتأكيدها ولذلك دخل الفعلَ نونُ التأكيد ، ومعنى عندك في كنفك وكفالتك وتقديمُه على المفعول مع أن حقه التأخرُ عنه للتشويق إلى وروده فإن مدارَ تضاعف الرعايةِ الإحسانُ وأحدُهما فاعل للفعل وتأخيره عن الظرف والمفعولِ لئلا يطولَ الكلامُ به وبما عُطف عليه . وقرىء يبلغان فأحدُهما بدلٌ من ضمير التثنية وكلاهما عطفٌ عليه ولا سبيل إلى جعل ( كلاهما ) تأكيداً للضمير ، وتوحيدُ ضمير الخطاب في عندك وفيما بعده مع أن ما سبق على الجمع للاحتراز عن التباس المرادِ فإن المقصودَ نهيُ كلِّ أحد عن تأفيف والديه ونهْرِهما ، ولو قوبل الجمعُ بالجمع أو بالتثنية لم يحصل هذا المرام { فَلاَ تَقُل لَّهُمَا } أي لواحد منهما حالتي الانفراد والاجتماع { أُفّ } وهو صوتٌ ينبىء عن تضجر ، أو اسمُ فعلٍ هو أتضجر ، وقرىء بالكسر بلا تنوين وبالفتح والضم منوناً وغيرَ مُنوّن أي لا تتضجرْ بهما تستقذرُ منهما وتستثقل من مُؤَنهما وبهذا النهي يُفهم النهيُ عن سائر ما يؤذيهما بدلالة النصِّ ، وقد خُص بالذكر بعضُه إظهاراً للاعتناء بشأنه فقيل : { وَلاَ تَنْهَرْهُمَا } أي لا تزجُرهما عما لا يعجبك بإغلاظ ، قيل : النهيُ والنهرُ والنهْمُ أخواتٌ { وَقُل لَّهُمَا } بدلَ التأفيف والنهر { قَوْلاً كَرِيمًا } ذا كرمِ أو هو وصفٌ له بوصف صاحبِه أي قولاً صادراً عن كرم ولطفٍ ، وهو القولُ الجميلُ الذي يقتضيه حسنُ الأدب ويستدعيه النزولُ على المروءة مثلُ أن يقول : يا أباه ويا أماه ، كدأب إبراهيمَ عليه السلام إذ قال لأبيه : يا أبتِ مع ما به من الكفر ، ولا يدعوهما بأسمائهما فإنه من الجفاء وسوءِ الأدب وديدنُ الدُعّار . وسئل الفضيلُ بنُ عياض عن بر الوالدين فقال : أن لا تقوم إلى خدمتهما عن كسل ، وقيل : أن لا ترفعَ صوتَك عليهما ولا تنظُرَ إليهما شزْراً ولا يَرَيا منك مخالفةً في ظاهر ولا باطن وأن تترحّم عليهما ما عاشا وتدعوَ لهما إذا ماتا وتقومَ بخدمة أوِدّائِهما من بعدهما ، فعن النبي عليه الصلاة والسلام : " إنَّ مِنْ أَبَرِّ البِرِّ أنْ يصلَ الرجلُ أهلَ ودِّ أبيه " . (4/186)
{ واخفض لَهُمَا جَنَاحَ الذل } عبارةٌ عن الإنة الجانبِ والتواضعِ والتذلل لهما ، فإن إعزازَهما لا يكون إلا بذلك فكأنه قيل : واخفض لهما جناحَ الذليل أو جُعل لذله جَناحٌ كما جَعل لبيدٌ في قوله (4/187)
وغداةِ ريحٍ قد كشفْت وقَرّة ... إذ أصبحت بيد الشمالِ زمامُها
للقَرة زماماً وللشمال يداً تشبيهاً له بطائر يخفض جناحَه لأفراخه تربيةً لها وشفقةً عليها ، وأما جعلُ خفض الجناحِ عبارةً عن ترك الطيران كما فعله القفالُ فلا يناسب المقام { مِنَ الرحمة } من فرْط رحمتِك وعطفِك عليهما ورِقّتك لافتقارهما اليوم إلى مَنْ كان أفقرَ خلق الله تعالى إليهما ولا تكتفِ برحمتك الفانية بل ادعُ الله لهما برحمته الواسعة الباقية { وَقُل رَّبّ ارحمهما } برحمتك الدنيوية والأخرويةِ التي من جملتها الهدايةُ إلى الإسلام فلا ينافي ذلك كفرَهما { كَمَا رَبَّيَانِى } الكاف في محل النصب على أنه نعتٌ لمصدر محذوف أي رحمةً مثلَ تربيتهما لي أو مثلَ رحمتهما لي على أن التربيةَ رحمةٌ ويجوز أن يكون لهما الرحمةُ والتربية معاً وقد ذُكر أحدُهما في أحد الجانبين والآخرُ كما يلوح به التعرّضُ لعنوان الربوبيةِ في مطلع الدعاء كأنه قيل : رب ارحمهما وربِّهما كما رحِماني وربّياني { صَغِيرًا } ويجوز أن تكون الكافُ للتعليل أي لأجل تربيتهما لي كقوله تعالى : { واذكروه كَمَا هَدَاكُمْ } ولقد بالغ عز وجل في التوصية بهما حيث افتتحها بأن شفَع الإحسانَ إليهما بتوحيده سبحانه ونظمَهما في سلك القضاءِ بهما معاً ثم ضيّق الأمرَ في باب مراعاتهما حتى لم يرخِّصْ في أدنى كلمةٍ تُفْلت من المتضجر مع ما له من موجبات الضجر ما لا يكاد يدخل تحت الحصر ، وختمَها بأن جعل رحمتَه التي وسعت كلَّ شيء مُشْبَهةٌ بتربيتهما . وعن النبي عليه الصلاة والسلام : « رِضى الله في رضى الوالدين وسخطُه في سخطهما » وروي ( يفعل البارُّ ما يشاء أن يفعل فلن يدخُل النارَ ويفعل العاقُّ ما يشاء أن يفعل فلن يدخُل الجنة ) وقال رجل لرسول الله صلى الله عليه وسلم : إن أبوَيَّ بلغا من الكِبَر أنى أَلي منهما ما وَلِيا مني في الصغر فهل قضيتُهما حقهما؟ قال : « لا فإنهما كانا يفعلان ذلك وهما يُحبّان بقاءَك وأنت تفعل ذلك وأنت تريد موتهما » وروي أن شيخاً أتى النبي عليه الصلاة والسلام فقال : إن ابني هذا له مالٌ كثير وإنه لا ينفق عليَّ من ماله ، فنزل جبريلُ عليه السلام وقال : إن هذا الشيخَ قد أنشأ في ابنه أبياتاً ما قُرع سمعٌ بمثلها فاستنشَدَها الشيخَ فقال
غذَوتُك مولوداً ومُنْتُك يافعا ... تَعُلُّ بما أَجني عليك وتنهل
إذا ليلةٌ ضافتْك بالسُّقم لم أبِت ... لسُقمك إلا باكياً أتململ
كأني أنا المطروقُ دونك بالذي ... طُرِقَتْ به دوني وعينَي تهمُل
فلما بلغتَ السنَّ والغايةَ التي ... إليها مدى ما كنتُ فيك أؤمل
جعلتَ جزائي غِلظةً وفظاظة ... كأنك أنت المنعمُ المتفضّل
فليتك إذْ لم ترْعَ حقَّ أُبوتي ... فعلتَ كما الجارُ المجاورُ يفعل
فغضب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وقال : « أنتَ ومالُكَ لأبيك » .
رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (25) وَآَتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (26)
{ رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا فِى نُفُوسِكُمْ } من البر والعقوق { إِن تَكُونُواْ صالحين } قاصدين للصلاح والبِرِّ دون العقوقِ والفساد { فَإِنَّهُ } تعالى { كَانَ لِلاْوَّابِينَ } أي الرجّاعين إليه تعالى عما فرَط منهم مما لا يكاد يخلو عنه البشر { غَفُوراً } لما وقع منهم من نوعِ تقصير أو أذيةٍ فعليةٍ أو قولية ، وفيه ما لا يخفى من التشديد في الأمر بمراعاة حقوقِهما ، ويجوز أن يكون عاماً لكل تائبٍ ويدخُل فيه الجاني على أبويه دخولاً أولياً . (4/188)
{ وَءاتِ ذَا القربى } أي ذا القرابةِ { حَقَّهُ } توصيةٌ بالأقارب إثرَ التوصية ببرّ الوالدين ، ولعل المرادَ بهم المحارمُ وبحقهم النفقةُ كما ينبىء عنه قوله تعالى : { والمساكين وابن السبيل } فإن المأمورَ به في حقهما المواساةُ الماليةُ لا محالة أي وآتِهما حقَّهما مما كان مفترَضاً بمكةَ بمنزلة الزكاة ، وكذا النهيُ عن التبذير وعن الإفراط في القبض والبسْطِ فإن الكلَّ من التصرفات المالية { وَلاَ تُبَذّرْ تَبْذِيرًا } نهيٌ عن صرف المال إلى من سواهم ممن لا يستحقه فإن التبذيرَ تفريقٌ في غير موضعه مأخوذٌ من تفريق حباتٍ وإلقائِها كيفما كان من غير تعهّدٍ لمواقعه ، لا عن الإكثار في صرفه إليهم وإلا لناسبه الإسرافُ الذي هو تجاوزُ الحدِّ في صرفه ، وقد نُهي عنه بقوله سبحانه وتعالى : { وَلاَ تَبْسُطْهَا } وكلاهما مذموم .
إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا (27) وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (28) وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (31) وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (32)
{ إِنَّ المبذرين كَانُواْ إخوان الشياطين } تعليلٌ للنهي عن التبذير ببيان أنه يجعل صاحبَه ملزوزاً في قَرن الشياطين ، والمرادُ بالأخوة المماثلةُ التامةُ في كلِّ ما لا خيرَ فيه من صفات السوءِ التي من جملتها التبذيرُ أي كانوا بما فعلوا من التبذير أمثالَ الشياطين ، أو الصداقةُ والملازمةُ أي كانوا أصدقاءَهم وأتباعَهم فيما ذُكر من التبذير والصرْفِ في المعاصي فإنهم كانوا ينحَرون الإبلَ ويتياسرون عليها ويبذّرون أموالَهم في السمعة وسائرِ ما لا خير فيه من المناهي والملاهي ، أو المقارنةُ أي قرناءَهم في النار على سبيل الوعيد { وَكَانَ الشيطان لِرَبّهِ كَفُورًا } من تتمة التعليل أي مبالِغاً في كفران نعمتِه تعالى لأن شأنه أن يصرِفَ جميع ما أعطاه الله تعالى من القُوى والقدر إلى غير ما خُلقت هي له من أنواع المعاصي والإفسادِ في الأرض وإضلالِ الناس وحملِهم على الكفر بالله وكفرانِ نِعَمه الفائضةِ عليهم وصرفِها إلى غير ما أمر الله تعالى به ، وتخصيصُ هذا الوصفِ بالذكر من بين سائر أوصافِه القبيحة للإيذان بأن التبذيرَ الذي هو عبارةٌ عن صرف نِعَم الله تعالى إلى غير مصْرِفها من باب الكفرانِ المقابلِ للشكر الذي هو عبارةٌ عن صرفها إلى ما خُلقت هي له . والتعرضُ لوصف الربوبيةِ للإشعار بكمال عُتوِّه فإن كفرانَ نعمةِ الربِّ مع كون الربوبية من أقوى الدواعي إلى شكرها غايةُ الكُفران ونهايةُ الضلال والطغيان . (4/189)
{ وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمْ } أي إن اعتراك أمرٌ اضطَرَّك إلى أن تُعرِض عن أولئك المستحقين { ابتغاء رَحْمَةٍ مّن رَّبّكَ } أي لفقد رزقٍ من ربك ، إقامةٌ للمسبّب مُقام السبب فإن الفقدَ سببٌ للابتغاء { تَرْجُوهَا } من الله تعالى لتُعطيَهم وكان عليه السلام إذا سُئل شيئاً وليس عنده أعرض عن السائل وسكت حياءً فأُمر بتعهّدهم بالقول الجميل لئلا تعتريَهم الوَحشةُ بسكوته عليه السلام ، فقيل : { فَقُل لَّهُمْ قَوْلاً مَّيْسُورًا } سهلاً ليّناً وعِدْهم وعداً جميلاً ، من يسُر الأمرُ نحوُ سعِد ، أو قل لهم رزَقنا الله وإياكم من فضله على أنه دعاءٌ لهم ييّسر عليهم فقرَهم .
{ وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط } تمثيلان لمنع الشحيحِ وإسرافِ المبذِّرِ زجراً لهما عنهما وحملاً على ما بينهما من الاقتصاد
كلا طَرَفَيْ قصدِ الأمورِ ذميمُ ... وحيث كان قبحُ الشحِّ مقارِناً له معلوماً من أول الأمر رُوعيَ ذلك في التصوير بأقبح الصور ، ولمّا كان غائلةُ الإسراف في آخره بُيِّن قبحُه في أثره فقيل : { فَتَقْعُدَ مَلُومًا } أي فتصيرَ ملوماً عند الله تعالى وعند الناسِ وعند نفسك إذا احتجتَ وندِمْت على ما فعلت { مَّحْسُوراً } نادماً أو منقطعاً بك لا شيءَ عندك من حسَره السفرُ إذا بلغ منه .
وما قيل من أنه روي عن جابر رضي الله عنه أنه قال : بينا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قاعدٌ إذ أتاه صبيٌّ فقال : إن أمي تستكْسيك دِرعاً فقال عليه السلام : « من ساعة إلى ساعة فَعُد إلينا » فذهب إلى أمه فقالت له : قل : إن أمي تستكسيك الدرعَ الذي عليك ، فدخل صلى الله عليه وسلم داره ونزَع قميصه وأعطاه وقعد عُرْياناً ، وأذّن بلالٌ ، وانتظروا فلم يخرُجْ للصلاة فنزلت . فيأباه أن السورة مكيةٌ خلا آياتٍ في آخرها ، وكذا ما قيل إنه عليه السلام أعطى الأقرعَ بنَ حابس من الإبل وكذا عُيَينةَ بنَ حصنٍ الفزاريَّ فجاء عباسُ بنُ مِرداس فأنشد يقول (4/190)
أتجعل نهبي ونهبَ العُبَي ... د بَيْنَ عُيَيْنَةَ والأَقْرَعِ
وما كان حِصْنٌ ولا حابس ... يفوقان مِرداسَ في مجمع
وما كنتُ دون امرىء منهما ... ومَنْ تَضَعِ اليومَ لا يُرفعِ
فقال عليه السلام : « يا أبا بكر اقطعْ لسانه عنّي ، أعطه مائةً من الإبل » وكانوا جميعاً من المؤلفة القلوب فنزلت .
{ إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرزق لِمَن يَشَاء وَيَقْدِرُ } تعليلٌ لما مر أي يوسّعه على بعض ويضيِّقه على آخرين حسبما تتعلق به مشيئتُه التابعةُ للحِكمة فليس ما يَرْهقُك من الإضافة التي تحوِجُك إلى الإعراض عن السائلين أو نفادُ ما في يدك إذا بسطتَها كلَّ البسْطِ إلا لمصلحتك { إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا } تعليلٌ لما سبق أي يعلم سرَّهم وعلَنَهم فيعلم من مصالحهم ما يخفى عليهم ، ويجوز أن يراد أن البسطَ والقبضَ من أمر الله العالم بالسرائر والظواهرِ الذي بيده خزائنُ السمواتِ والأرض ، وأما العبادُ فعليهم أن يقتصدوا ، وأن يراد أنه تعالى يبسُط تارةً ويقبِضُ أخرى فاستنّوا بسنته فلا تقبِضوا كلَّ القبض ولا تبسُطوا كل البسط ، وأن يراد أنه تعالى يبسُط ويقدِر حسب مشيئتِه فلا تبسُطوا على من قُدِر عليه رزقُه ، وأن يكون تمهيداً لقوله : { وَلاَ تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إملاق } أي مخافةَ فقر ، وقرىء بكسر الخاء ، كانوا يئِدون بناتِهم مخافةَ الفقر فنُهوا عن ذلك { نَّحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُم } لا أنتم فلا تخافوا الفاقةَ بناء على علمكم بعجزكم عن تحصيل رزقِهم وهو ضمانٌ لرزقهم وتعليلٌ للنهي المذكور بإبطال موجِبه في زعمهم ، وتقديمُ ضميرِ الأولاد على المخاطَبين على عكس ما وقع في سورة الأنعام للإشعار بأصالتهم في إفاضة الرزقِ أو لأن الباعثَ على القتل هناك الإملاقُ الناجزُ ولذلك قيل : من إملاق وهاهنا الإملاقُ المتوقع ، ولذلك قيل : خشيةَ إملاقٍ فكأنه قيل : نرزقُهم من غير أن ينتقص من رزقكم شيءٌ فيعتريكم ما تخشَوْنه وإياكم أيضاً رزقاً إلى رزقكم { إنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خطأ كَبِيراً } تعليلٌ آخرُ ببيان أن المنهيَّ عنه في نفسه منكرٌ عظيم ، والخِطْءُ الذنبُ والإثمُ يقال : خطِىءَ خِطْأً كأثِم إثماً ، وقرىء بالفتح والسكون وبفتحتين بمعناه كالحِذْر والحذَر ، وقيل : بمعنى ضد الصواب ، وبكسر الخاء والمد وبفتحها ممدوداً وبفتحها وحذف الهمزة وبكسرها كذلك .
{ وَلاَ تَقْرَبُواْ } بمباشرة مباديه القريبةِ أو البعيدة فضلاً عن مباشرته وإنما نهى عن قُربانه على خلاف ما سبق ولحِق من القتل للمبالغة في النهي عن نفسه لأن قربانه داعٍ إلى مباشرته . وتوسيطُ النهي عنه بين النهي عن قتل الأولادِ والنهي عن قتل النفسِ المحرمة على الإطلاق باعتبار أنه قتلٌ للأولاد لِما أنه تضييعٌ للأنساب فإن من لم يثبُتْ نسبُه ميِّتٌ حكماً { الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } فَعلةً ظاهرةَ القبح متجاوزةً عن الحد { وَسَاء سَبِيلاً } أي بئس طريقاً طريقُه ، فإن غصْبُ الأبضاعِ المؤدّي إلى اختلال أمر الأنسابِ وهيَجانِ الفتن ، كيف لا وقد قال النبي عليه السلام : « إذا زنى العبدُ خرجَ منه الإيمانُ فكانَ على رأسه كالظُّلّةِ فإذا انقطع رجعَ إليه » وقال عليه السلام : « لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن » وعن حذيفة رضي الله عنه أنه قال عليه السلام : « إياكم والزنى فإن فيه ستَّ خصال ثلاثٌ في الدنيا وثلاثٌ في الآخرة فأما التي في الدنيا فذهابُ البهاء ودوامُ الفقر وقِصَرُ العمر ، وأما التي في الآخرة فسخطُ الله تعالى وسوءُ الحساب والخلودُ في النار » . (4/191)
وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (33) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (34)
{ وَلاَ تَقْتُلُواْ النفس التى حَرَّمَ الله } قتْلَها بأن عصمها بالإسلام أو بالعهد { إِلاَّ بالحق } إلا بإحدى ثلاث : كفرٍ بعد إيمان ، وزِناً بعد إحصان ، وقتلِ نفسٍ معصومةٍ عمداً ، فالاستثناءُ مفرَّغٌ أي لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحقِّ أو ملتبسين أو ملتبسةً بشيء من الأشياء ، ويجوز أن يكون نعتاً لمصدر محذوفٍ أي لا تقتُلوها قتلاً ما إلا قتلاً متلبساً بالحق { وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا } بغير حق يوجب قتلَها أو يُبيحه للقاتل حتى إنه لا يُعتبر إباحتُه لغير القاتل فإن من عليه القصاصُ إذا قتله غيرُ من له القِصاصُ يُقتصّ له ، ولا يفيده قولُ الوليِّ : أنا أمرتُه بذلك ما لم يكن الأمرُ ظاهراً { فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيّهِ } لمن يلي أمرَه من الوارث أو السلطانِ عند عدم الوارث { سلطانا } تسلّطاً واستيلاءً على القاتل يؤاخذه بالقصاص أو بالدية حسبما تقتضيه جنايتُه ، أو حجةً غالبة { فَلاَ يُسْرِف } وقرىء لا تسرفْ { فّى القتل } أي لا يُسرف الوليُّ في أمر القتل بأن يتجاوز الحدَّ المشروعَ بأن يزيد عليه المُثْلة أو بأن يقتُل غيرَ القاتل من أقاربه ، أو بأن يقتلَ الاثنين مكانَ الواحد كما يفعله أهلُ الجاهلية أو بأن يقتل القاتلَ في مادة الدّية وقرىء بصيغة النفي مبالغةً في إفادة معنى النهي { إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } تعليلٌ للنهي والضميرُ للولي على معنى أنه تعالى نصره بأن أوجب له القِصاصَ أو الديةَ وأمَر الحكامَ بمعونته في استيفاء حقِّه فلا يبْغِ ما وارء حقِّه ولا يستزِدْ عليه ولا يخرُجْ من دائرة أمرِ الناصر . أو للمقتول ظلماً على معنى أنه تعالى نصره بما ذُكر فلا يسرف وليُّه في شأنه أو للذي يقتله الوليُّ ظلماً وإسرافاً ، ووجهُ التعليل ظاهرٌ ، وعن مجاهد أن الضميرَ في لا يسرفْ للقاتل الأول ويعضده قراءةُ فلا تسرفوا والضميران في التعليل عائدان إلى الولي أو المقتول ، فالمرادُ بالإسراف حينئذ إسرافُ القاتل على نفسه بتعريضه لها للهلاك العاجل والآجلِ لا الإسرافُ وتجاوزُ الحد في القتل أي لا يسرف على نفسه في شأن القتل كما في قوله تعالى : { قُلْ ياأهل عِبَادِى الذين أَسْرَفُواْ على أَنفُسِهِمْ } { وَلاَ تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم } نهيٌ عن قربانه لما ذكر من المبالغة في النهي عن التعرض له ومن إفضاء ذلك إليه وللتوسل إلى الاستثناء بقوله تعالى : { إِلاَّ بالتى هِىَ أَحْسَنُ } أي إلا بالخَصلة والطريقة التي هي أحسنُ الخِصال والطرائق وهي حفظُه واستثماره { حتى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ } غايةٌ لجواز التصرفِ على الوجه الأحسن المدلولِ عليه بالاستثناء لا للوجه المذكور فقط { وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ } سواءٌ جرى بينكم وبين ربِّكم أو بينكم وبين غيرِكم من الناس ، والإيفاءُ بالعهد والوفاءُ به هو القيامُ بمقتضاه والمحافظةُ عليه ولا يكاد يُستعمل إلا بالباء فرقاً بينه وبين الإيفاء الحسيِّ كإيفاء الكيل والوزن { إِنَّ العهد } أُظهر في مقام الإضمارِ إظهاراً لكم والعنايةِ بشأنه ، أو لأن المرادَ مطلقُ العهد المنتظمِ للعهد المعهود { كَانَ مَسْؤُولاً } أي مسؤولاً عنه على حذف الجارِّ وجعْلِ الضمير بعد انقلابه مرفوعاً مستكناً في اسم المفعولِ كقوله تعالى : (4/192)
{ وذلك يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } أي مشهودٌ فيه ، ونظيرُه ما في قوله تعالى : { تِلْكَ ءايات الكتاب الحكيم } على أن أصلَه الحكيمُ قائلُه فحذف المضافُ وجُعل الضمير مستكناً في الحكيم بعد انقلابه مرفوعاً ، ويجوز أن يكون تخييلاً كأنه يقال للعهد : لم نكثتَ وهلاّ وفَّى بك تبكيتاً للناكث كما يقال للموؤدة : بأي ذنبٍ قُتلت . (4/193)
وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (35) وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)
{ وَأَوْفُوا الكيل } أي أتموه ولا تُخسِروه { إِذا كِلْتُمْ } أي وقت كيلِكم للمشترين وتقييدُ الأمر بذلك لما أن التطفيفَ هناك يكون وأما وقت الاكتيالِ على الناس فلا حاجة إلى الأمر بالتعديل قال تعالى : { إِذَا اكتالوا عَلَى الناس يَسْتَوْفُونَ } الآية { وَزِنُواْ بالقسطاس } وهو القرسطون ، وقيل : كلُّ ميزان صغيراً كان أو كبيراً ، روميٌّ معرّب ولا يقدح ذلك في عربية القرآن لانتظام المعرَّبات في سلك الكلمِ العربية وقرىء بضم القاف { المستقيم } أي العدْلِ السويّ ولعل الاكتفاءَ باستقامته عن الأمر بإيفاء الوزن لما أن عند استقامتِه لا يتصور الجَوْرُ غالباً بخلاف الكيل فإنه كثيراً ما يقع التطفيفُ مع استقامة الآلة كما أن الاكتفاءَ بإيفاء الكيل عن الأمر بتعديله لما أن إيفاءَه لا يُتصوَّر بدون تعديل المكيالِ وقد أُمر بتقويمه أيضاً في قوله تعالى : { أَوْفُواْ الكيل والميزان بالقسط } { ذلك } أي إيفاءُ الكيلِ والوزن بالميزان السوي { خَيْرٌ } في الدينا إذ هو أمانةٌ توجب الرغبةَ في معاملته والذكرَ الجميلَ بين الناس { وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } عاقبةً ، تفعيلٌ من آل إذا رجع والمرادُ ما يؤول إليه . (4/194)
{ وَلاَ تَقْفُ } ولا تتبعْ من قفا أثرَه إذا تبِعه ، وقرىء ولا تقُفْ من قاف أثرَه أي قفاه ، ومنه القافةُ في جمع القائف { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } أي لا تكن في اتباع ما لا علمَ لك به من قول أو فعل كمن يتّبعُ مسلكاً لا يدري أنه يوصله إلى مقصِده ، واحتج به من منع اتباعَ الظنِّ وجوابُه أن المرادَ بالعلم هو الاعتقادُ الراجحُ المستفادُ من سند قطعياً كان أو ظنيًّا واستعمالُه بهذا المعنى مما لا يُنكَر شيوعُه ، وقيل : إنه مخصوصٌ بالعقائد ، وقيل : بالرمي وشهادةِ الزورِ ويؤيده قولُه عليه الصلاة والسلام : « مَنْ قفا مؤمناً بما ليس فيه حبَسه الله تعالى في رَدْغة الخَبال حتى يأتيَ بالمخرج » ومنه قول الكميت
ولا أرمي البريءَ بغير ذنب ... ولا أقفو الحواصِنَ إن رُمينا
{ إِنَّ السمع والبصر والفؤاد } وقرىء بفتح الفاءِ والواو المقلوبةِ من الهمزة عند ضم الفاء { كُلُّ أولئك } أي كلُّ واحد من تلك الأعضاءِ فأُجريت مُجرى العقلاءِ لما كانت مسؤولةً عن أحوالها شاهدةً على أصحابها . هذا وإن أولاء وإن غلب في العقلاء لكنه من حيث إنه اسمٌ لذا الذي يعُمّ القَبيلين جاء لغيرهم أيضاً قال
ذُمَّ المَنازِلَ بعد مَنزِلَة اللِّوى ... والعيشَ بعدَ أولئِكَ الأيامِ
{ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً } أي كان كلٌّ من تلك الأعضاء مسؤولاً عن نفسه ، على أن اسمَ كان ضميرٌ يرجِعُ إلى كلُّ وكذا الضميرُ المجرورُ ، وقد جُوّز أن يكون الاسمُ ضميرَ القافي بطريق الالتفات إذ الظاهرُ أن يقال : كنتَ عنه مسؤولاً ، وقيل : الجارُّ والمجرور في محل الرفع قد أُسند إليه مسؤولاً معللاً بأن الجارَّ والمجرور لا يلتبس بالمبتدأ وهو السببُ في منع تقديمِ الفاعلِ وما يقوم مقامَه .
ولكن النحاسَ حكى الإجماعَ على عدم جواز تقديمِ القائم مقامَ الفاعل إذا كان جاراً ومجروراً ، ويجوز أن يكون من باب الحذفِ على شريطة التفسيرِ ، ويحذف الجارّ من المفسر ويعود الضميرُ مستكناً كما ذكرنا في قوله تعالى : { يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } وجُوّز أن يكون مسؤولاً مسنداً إلى المصدر المدلولِ عليه بالفعل وأن يكون فاعلُه المصدرَ وهو السؤالُ وعنه في محل النصب . وسأل ابن جني أبا علي عن قولهم : فيك يُرغب ، وقال : لا يرتفع بما بعده ، فأين المرفوع؟ فقال : المصدرُ أي فيك يُرغب الرغبةُ بمعنى تُفعل الرغبة ، كما في قولهم : يُعطي ويمنع أي يفعل الإعطاء والمنع ، وجُوز أن يكون اسمُ كان أو فاعله ضميرَ كلُّ بحذف المضافِ أي كان صاحبه عنه مسؤولاً أو مسؤولاً صاحبُه . (4/195)
وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا (38)
{ وَلاَ تَمْشِ فِى الأرض } التقييدُ لزيادة التقرير والإشعارِ بأن المشيَ عليها مما لا يليق بالمرح { مَرَحاً } تكبراً وبطراً واختيالاً وهو مصدرٌ وقع موقعَ الحال أي ذا مرحٍ أو تمرح مرحاً أو لأجل المرح ، وقرىء بالكسر { إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ الأرض } تعليلٌ للنهي ، وفيه تهكّم بالمختال وإيذانٌ بأن ذلك مفاخرةٌ مع الأرض وتكبرٌ عليها أي لن تخرِقَ الأرض بدَوْسك وشدة وطأتك ، وقرى بضم الراء { وَلَن تَبْلُغَ الجبال } التي هي بعضُ أجزاء الأرض { طُولاً } حتى يمكن لك أن تتكبر عليها إذ التكبرُ إنما يكون بكثرة القوة وعِظَم الجثة وكلاهما مفقودٌ ، وفيه تعريضٌ بما عليه المختالُ من رفع رأسه ومشيِه على صدور قدميه . (4/196)
{ كُلُّ ذلك } إشارةٌ إلى ما علم في تضاعيف ذكر الأوامرِ والنواهي من الخِصال الخمس والعشرين { كَانَ سَيّئُهُ } الذي نُهي عنه وهي اثنتا عشرة خَصلة { عِنْدَ رَبّكَ مَكْرُوهًا } مبغَضاً غيرَ مَرْضيّ أو غيرَ مراد بالإرادة الأولية لا غيرَ مرادٍ مطلقاً لقيام الأدلةِ القاطعة على أن جميع الأشياء واقعةٌ بإرادته سبحانه وهو تتمةٌ لتعليل الأمور المنهيّ عنها جميعاً ، ووصفُ ذلك بمطلق الكراهة مع أن البعضَ من الكبائر للإيذان بأن مجردَ الكراهة عنده تعالى كافيةٌ في وجوب الانتهاءِ عن ذلك ، وتوجيهُ الإشارةِ إلى الكل ثم تعيينُ البعض دون توجيهها إليه ابتداءً لما أن البعض المذكورَ ليس بمذكور جملةً بل على وجه الاختلاطِ ، وفيه إشعارٌ بكون ما عداه مرضياً عنده تعالى وإنما لم يصرح بذلك إيذاناً بالغنى عنه ، وقيل : الإضافةُ بيانيةٌ كما في آية الليل وآية النهار ، وقرىء سيئةً على أنه خبرُ كان وذلك إشارةٌ إلى ما نُهي عنه من الأمور المذكورة ومكروهاً بدلٌ من سيئةً أو صفةٌ لها محمولةٌ على المعنى فإنه بمعنى سيئاً ، وقد قرىء به أو مُجرى على موصوف مذكر أي أمراً مكروهاً أو مُجرى مَجرى الأسماءِ زال عنه معنى الوصفية ، ويجوز كونه حالاً من المستكنّ في كان أو في الظرف على أنه صفةُ سيئه ، وقرىء سيئاته ، وقرىء شأنُه .
ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (39) أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (40)
{ ذلك } أي الذي تقدم من التكاليف المفصلة { مِمَّا أوحى إِلَيْكَ رَبُّكَ } أي بعضٌ منه أو من جنسه { مِنَ الحكمة } التي هي علمُ الشرائعِ أو معرفةُ الحق لذاته والعملُ به ، أو من الأحكام المحكمة التي لا يتطرق إليها النسخُ والفساد . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن هذه الآياتِ الثمانيَ عشرةَ كانت في ألواح موسى عليه السلام أولها : { لاَّ تَجْعَل مَعَ الله إلها ءاخَرَ } قال تعالى : { وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الالواح مِن كُلّ شَىْء مَّوْعِظَةً } وهي عشرُ آيات في التوراة . ومِنْ إما متعلقةٌ بأوحى على أنها تبعيضية أو ابتدائيةٌ ، وإما بمحذوف وقع حالاً من الموصول أو من ضميره المحذوفِ في الصلة أي كائناً من الحِكمة ، وإما بدلٌ من الموصول بإعادة الجار . (4/197)
{ وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ الله إلها ءاخَرَ } الخطابُ للرسول عليه الصلاة والسلام والمراد غيرُه ممن يتصور منه صدورُ المنهيِّ عنه ، وقد كُرر للتنبيه على أن التوحيد مبدأُ الأمرِ ومنتهاه وأنه رأسُ كل حكمةٍ وملاكُها ، ومن عدمِه لم تنفعْه علومُه وحكمته وإن بذّ فيها أساطينَ الحكماء وحكّ بيافوخه عنان السماء ، وقد رتب عليه ما هو عائدُ الإشراك أولاً حيث قيل : فتقعدَ مذموماً مخذولاً ورُتّب عليه هاهنا نتيجتُه في العقبى فقيل : { فتلقى فِى جَهَنَّمَ مَلُومًا } من جهة نفسِك ومن جهة غيرك { مَّدْحُورًا } مبعَداً من رحمة الله تعالى ، وفي إيراد الإلقاءِ مبنياً للمعفول جرْيٌ على سنن الكبرياء وازدراءٌ بالمشرك وجعلٌ له من قبيل خشبةٍ يأخذها آخذٌ بكفه فيطرحها في التنور .
{ أفأصفاكم رَبُّكُم بالبنين واتخذ مِنَ الملئكة إِنَاثًا } خطاب للقائلين بأن الملائكةَ بنات الله سبحانه ، والإصفاءُ بالشيء جعلُه خالصاً ، والهمزةُ للإنكار ، والفاء للعطف على مقدر يفسرّه المذكورُ ، أي أفَضَّلكم على جنابه فخصّكم بأفضل الأولاد على وجه الخُلوص وآثرَ لذاته أخسَّها وأدناها كما في قوله سبحانه : { أَلَكُمُ الذكر وَلَهُ الانثى } وقوله تعالى : { أَمْ لَهُ البنات وَلَكُمُ البنون } وقد قُصد هاهنا بالتعرض لعنوان الربوبية تشديدُ النكير وتأكيدُه وأشير بذكر الملائكة عليهم السلام ، وإيرادِ الإناث مكانَ البنات إلى كفْرة لهم أخرى وهي وصفُهم لهم عليهم السلام بالأنوثة التي هي أخسُّ صفات الحيوان كقوله تعالى : { وَجَعَلُواْ الملئكة الذين هُمْ عِبَادُ الرحمن إناثا } { إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ } بمقتضى مذهبِكم الباطلِ الذي هو إضافةُ الولدِ إليه سبحانه { قَوْلاً عَظِيمًا } لا يقادَر قدرُه في استتباعِ الإثمِ وخَرْقِه لقضايا العقول بحيث لا يجترىء عليه أحدٌ ، حيث يجعلونه تعالى من قبيل الأجسامِ المتجانسةِ السريعةِ الزوال وليس كمثله شيءٌ وهو الواحدُ القهارُ الباقي بذاته ، ثم تضيفون إليه ما تكرهون من أخس الأولادِ وتفضِّلون عليه أنفسَكم بالبنين ثم تصِفون الملائكةَ الذين هم من أشرف الخلائقِ بالأنوثة التي هي أخسُّ أوصاف الحيوانِ ، فيا لها من ضَلّة ما أقبحَها وكَفْرةٍ ما أشنعها وأفظعها .
وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآَنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (41) قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آَلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (42) سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (43)
{ وَلَقَدْ صَرَّفْنَا } هذا المعنى وكررناه { فِى هذا القرءان } على وجوه من التصريف في مواضعَ منه ، وإنما ترك الضميرُ تعويلاً على الظهور ، وقرىء بالتخفيف { لّيَذْكُرُواْ } ما فيه ويقفوا على بطلان ما يقولونه ، والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذان باقتضاء الحالِ أن يُعرَض عنهم ويحكى للسامعين هَناتُهم . وقرىء بالتخفيف من الذكر بمعنى التذكر ، ويجوز أن يراد بهذا القرآنِ ما نطق ببُطلان مقالتِهم المذكورةِ من الآيات الكريمةِ الواردةِ على أساليب مختلفةٍ ، ومعنى التصريفِ فيه جعلُه مكاناً له أي أوقعنا فيه التصريفَ كقوله (4/198)
يجرح في عراقيبها نَصْلي ... وقد جُوّز أن يراد به إبطالُ إضافتهم إليه تعالى البناتِ ، وأنت تعلم أن إبطالَها من آثار القرآن ونتائجها { وَمَا يَزِيدُهُمْ } أي والحال أنه ما يزيدهم ذلك التصريفُ البالغ { إِلاَّ نُفُورًا } عن الحق وإعراضاً عنه فضلاً عن التذكر المؤدِّي إلى معرفة بُطلانِ ما هم عليه من القبائح .
{ قُلْ } في إظهار بطلانِ ذلك من جهة أخرى { لَّوْ كَانَ مَعَهُ } تعالى { كَمَا يَقُولُونَ إِذًا } أي المشركون قاطبةً ، وقرىء بالتاء خطاباً لهم من قِبَل النبي عليه الصلاة والسلام ، والكافُ في محل النصب على أنها نعتٌ لمصدر محذوف أي كوناً مشابهاً لما يقولون ، والمرادُ بالمشابهة الموافقةُ والمطابقة { إِذًا لاَّبْتَغَوْاْ } جوابٌ عن مقالتهم الشنعاءِ وجزاءٌ «لِلَوْ» أي لطلبوا { إلى ذِى العرش } أي إلى من له المُلك والربوبيةُ على الإطلاق { سَبِيلاً } بالمغالبة والممانعة كما هو دَيدنُ الملوكِ بعضِهم مع بعض طريقة قوله تعالى : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا الِهَةٌ إِلاَّ الله لَفَسَدَتَا } وقيل : بالتقرب إليه تعالى كقوله تعالى : { أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة } والأولُ هو الأظهرُ الأنسبُ لقوله : { سبحانه } فإنه صريحٌ في أن المراد بيانُ أنه يلزم مما يقولونه محذورٌ عظيم من حيث لا يحتسبون ، وأما ابتغاءُ السبيل إليه تعالى بالتقرب فليس مما يختص بهذا التقرير ، ولا هو مما يلزمهم من حيث لا يشعرون بل هو أمرٌ يعتقدونه رأساً ، أي تنزّه بذاته تنزّهاً حقيقاً به { وتعالى } متباعداً { عَمَّا يَقُولُونَ } من العظيمة التي هي أن يكون معه آلهةٌ وأن يكون له بناتٌ { عَلَوْاْ } تعالياً كقوله تعالى : { والله أَنبَتَكُمْ مّنَ الارض نَبَاتاً } { كَبِيراً } لا غايةَ وراءه ، كيف لا وإنه سبحانه في أقصى غاياتِ الوجود وهو الوجوبُ الذاتيُّ ، وما يقولونه من أن له تعالى شركاءَ وأولاداً في أبعد مراتبِ العدمِ أعني الامتناعَ ، لا لأنه تعالى في أعلى مراتب الوجودِ لذاته واتخاذُ الولد من أدنى مراتبِه فإنه من خواصَّ ما يمتنع بقاؤُه كما قيل ، فإن ما يقولونه ليس مجردَ اتخاذِ الولد بل اتخاذِه تعالى له وأن يكون معه آلهةٌ ، ولا ريب في أن ذلك ليس بداخل في حد الإمكان فضلاً عن دخولِه تحت الوجود ، وكونُه من أدنى مراتب الوجودِ إنما هو بالنسبة إلى من شأنه ذلك .
تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44) وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (45) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آَذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآَنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (46)
{ تُسَبّحُ } بالفَوقانية ، وقرىء بالتَّحتانية ، وقرىء سبّحت { لَهُ السموات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ } من الملائكة والثقلين ، على أن المرادَ بالتسبيح معنًى منتظمٌ لما ينطِق به لسانُ المقال ولسانُ الحال بطريق عمومِ المجاز { وَإِن مّن شَىْء } من الأشياء حيواناً كان أو نباتاً أو جماداً { إِلاَّ يُسَبّحُ } ملتبساً { بِحَمْدِهِ } أي ينزِّهه تعالى بلسان الحالِ عما لا يليق بذاته الأقدسِ من لوازم الإمكانِ ولواحقِ الحدوثِ ، إذ ما من موجود إلا وهو بإمكانه وحدوثِه يدل دَلالةً واضحة على أن له صانعاً عليماً قادراً حكيماً واجباً لذاته قطعاً للسَّلْسلة { ولكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ } أيها المشركون لإخلالكم بالنظر الصحيحِ الذي به يفهم ذلك ، وقرىء لا يُفَقَّهون على صيغة المبني للمفعول من باب التفعيل { إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا } ولذلك لم يعاجلْكم بالعقوبة مع ما أنتم عليه من موجباتها من الإعراض عن التدبر في الدلائل الواضحةِ الدالةِ على التوحيد ، والانهماك في الكفر والإشراكِ { غَفُوراً } لمن تاب منكم . (4/199)
{ وَإِذَا قَرَأْتَ القرءان } الناطقَ بالتسبيح والتنزيهِ ودعوتَهم إلى العمل بما فيه من التوحيد ورفضِ الشرك وغيرِ ذلك من الشرائع { جَعَلْنَا } بقدرتنا ومشيئتنا المبنيةِ على دواعي الحِكَم الخفية { بَيْنَكَ وَبَيْنَ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة } أُوثر الموصولُ على الضمير ذمًّا لهم بما في حيز الصلة ، وإنما خُصَّ بالذكر كفرُهم بالآخرة من بين سائرِ ما كفروا به من التوحيد ونحوِه دَلالةً على أنها مُعظمُ ما أُمروا بالإيمان به في القرآن ، وتمهيداً لما سينقل عنهم من إنكار البعثِ واستعجالِه ونحو ذلك { حِجَاباً } يحجبهم من أن يدركوك على ما أنت عليه من النبوة ويفهموا قدرَك الجليلَ ، ولذلك اجترأوا على تفوّه العظيمة التي هي قولُهم : { إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا } وحَمْلُ الحجاب على ما روي عن أسماءَ بنت أبي بكر رضي الله عنه من أنه لما نزلت سورةُ ( تبّت ) أقبلت العوراءُ أمُّ جميل امرأةُ أبي لهبٍ وفي يدها فِهْرٌ والنبيُّ عليه الصلاة والسلام قاعد في المسجد ومعه أبو بكر رضي الله عنه ، فلما رآها قال : يا رسول الله ، لقد أقبلت هذه وأخاف أن تراك ، قال عليه الصلاة والسلام : « إنها لن تراني » وقرأ قرآناً فوقفت على أبي بكر رضي الله عنه ولم تَرَ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم مما لا يقبله الذوقُ السليم ولا يساعده النظمُ الكريم { مَّسْتُورًا } ذا سَتْرٍ كما في قولهم : سيلٌ مفعَمٌ ، أو مستوراً عن الحس بمعنى غيرَ حسيَ أو مستوراً في نفسه بحجاب آخرَ أو مستوراً كونُه حجاباً حيث لا يدرون أنهم لا يدرون .
{ وَجَعَلْنَا على قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً } أغطيةً كثيرة جمع كِنان { أَن يَفْقَهُوهُ } مفعولٌ لأجله أي كراهةَ أن يفقهوه ، أو مفعولٌ لما دل عليه الكلامُ أي منعناهم أن يقِفوا على كُنهه ويعرِفوا أنه من عند الله تعالى { وفي آذَانِهِمْ وَقْراً } صمَماً وثِقلاً مانعاً من سماعه اللائِق به ، وهذه تمثيلاتٌ مُعرِبةٌ عن كمال جهلِهم بشؤون النبيِّ عليه الصلاة والسلام وفرطِ نُبوِّ قلوبهم عن فهم القرآنِ الكريم ومجّ أسماعِهم له ، جيء بها بياناً لعدم فقهِهم لتسبيح لسانِ المقالِ إثرَ بيانِ عدمِ فقههم لتسبيح لسانِ الحال ، وإيذاناً بأن هذا التسبيحَ من الظهور بحيث لا يُتصوَّرُ عدمُ فهمِه إلا لمانع قويَ يعتري المشاعرَ فيُبطُلها ، وتنبيهاً على أن حالَهم هذا أقبحُ من حالهم السابق لا حكايةٌ لما قالوا :
{ قُلُوبُنَا فِى أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِى ءاذانِنَا وَقْرٌ وَمِن بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ } كيف لا وقصدُهم بذلك إنما هو الإخبارُ بما اعتقدوه في حق القرآنِ والنبيِّ عليه الصلاة والسلام جهلاً وكفراً من اتصافهما بأوصاف مانعةٍ من التصديق والإيمانِ ، ككون القرآنِ سحراً وشِعراً وأساطيرَ وقِسْ عليه حالَ النبي عليه الصلاة والسلام ، لا الإخبارُ بأن هناك أمراً وراء ما أدركوه قد حال بينهم وبين إدراكه حائلٌ من قِبلهم . ولا ريب في أن ذلك المعنى مما لا يكاد يلائم المقام . { وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي القرآن وَحْدَهُ } واحداً غيرَ مشفوعٍ به آلهتُهم ، وهو مصدرٌ وقع موقعَ الحال ، أصلُه يحد وحدَه { وَلَّوْاْ على أدبارهم } أي هربوا ونفروا { نُفُورًا } أو ولَّوا نافرين . (4/200)
نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (47) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (48)
{ نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ } متلبسين به من اللغو والاستخفافِ والهُزْء بك وبالقرآن ، يروى أنه كان يقوم عن يمينه عليه الصلاة والسلام رجلان من بني عبد الدار وعن يساره رجلان فيصفّقون ويصفِرون ويخلِطون عليه بالأشعار { إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } ظرفٌ لأعلمُ وفائدتُه تأكيدُ الوعيدِ بالإخبار بأنه كما يقع الاستماعُ المزبورُ منهم يتعلق به العلم ، لا أن العلمَ يستفاد هناك من أحد وكذا قوله تعالى : { وَإِذْ هُمْ نجوى } لكون لا من حيث تعلّقُه بما به الاستماعُ بل بما به التناجي المدلولُ عليه بسياق النظمِ ، والمعنى نحن أعلمُ بالذي يستمعون ملتبسين به مما لا خيرَ فيه من الأمور المذكورةِ وبالذي يتناجَوْن به فيما بينهم ، أو الأولُ ظرفٌ ليستمعون والثاني ليتناجَون والمعنى نحن أعلمُ بما به الاستماعُ وقت استماعِهم من غير تأخيرٍ وبما به التناجي وقت تناجيهم ، ونجوى مرفوعٌ على الخبرية بتقدير المضافِ أي ذوو نجوى ، أو هو جمعُ نَجيّ كقتلى جمع قتيل أي متناجُون { إِذْ يَقُولُ الظالمون } بدل من إذ هم ، وفيه دليلٌ على أن ما يتناجَون به غيرُ ما يستمعون به وإنما وُضع الظالمون موضعَ المُضمر إشعاراً بأنهم في ذلك ظالمون مجاوزون للحدّ ، أي يقول كلٌّ منهم للآخرين عند تناجيهم : { إِن تَتَّبِعُونَ } ما تتبعون إنْ وُجد منكم الاتباعُ فرضاً أو ما تتبعون باللغو والهزء { إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُورًا } أي سُحِر فجُنّ أو رجلاً ذا سَحْر أي رئةٍ يتنفس ، أي بشراً مثلَكم . (4/201)
{ انظر كَيْفَ ضَرَبُواْ لَكَ الأمثال } أي مثّلوك بالشاعر والساحر والمجنونِ { فُضّلُواْ } في جميع ذلك على منهاج المُحاجّة { فَلاَ يَسْتَطِيعْونَ سَبِيلاً } إلى طعن يمكن أن يقبله أحدٌ فيتهافتون ويخبِطون ويأتون بما لا يرتاب في بطلانه أحد ، أو إلى سبيل الحقِّ والرشاد ، وفيه من الوعيد وتسليةِ الرسول صلى الله عليه وسلم ما لا يخفى .