صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم |
{ وَنَادَى أصحاب الجنة } { ونادى أصحاب الأعراف } { إِنَّ الخزى } الفضيحةَ والذل والهوان { اليوم } منصوبٌ بالخزي على رأي من يرى إعمالَ المصدرِ المصدّر باللام ، أو بالاستقرار في الظرف ، وفيه فصلٌ بين العامل والمعمول بالمعطوف إلا إنه مغتفرٌ في الظروف ، وإيرادُه للإشعار بأنهم كانوا قبل ذلك في عزّة وشِقاق { والسوء } العذاب { عَلَى الكافرين } بالله تعالى وبآياته ورسله . (4/112)
الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (28) فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَلَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (29)
{ الذين تتوفاهم الملائكة } بتأنيث الفعل ، وقرىء بتذكيره وبإدغام التاء في التاء ، والعدولُ إلى صيغة المضارعِ لاستحضار صورةِ توفِّيهم إياهم لما فيها من الهول ، والموصولُ في محل الجرِّ على أنه نعتٌ للكافرين أو بدلٌ منه أو في محل النصبِ أو الرفع على الذم ، وفائدتُه تخصيصُ الخزي والسوءِ بمن استمر كفرُه إلى حينِ الموت دون مَن آمن منهم ولو في آخر عُمره ، أي على الكافرين المستمرين على الكفر إلى أن يتوفاهم الملائكة { ظَالِمِى أَنفُسِهِمْ } أي حالَ كونهم مستمرين على الكفر فإنه ظلمٌ منهم لأنفسهم وأيُّ ظلم ، حيث عرّضوها للعذاب المخلّد وبدّلوا فطرةَ الله تبديلاً { فَأَلْقَوُاْ السلم } أي فيُلقون ، والعدولُ إلى صيغة الماضي للدِلالة على تحقق الوقوعِ وهو عطفٌ على قوله تعالى : { وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَآئِىَ } وما بينهما جملةٌ اعتراضية جيء بها تحقيقاً لما حاق بهم من الخزي على رؤوس الأشهادِ ، أي فيُسالمون ويتركون المُشاقّةَ وينزِلون عما كانوا عليه في الدنيا من الكِبْر وشدةِ الشكيمة قائلين : { مَا كُنَّا نَعْمَلُ } في الدنيا { مِن سُوء } أي من شرك ، قالوه منكِرين لصدوره عنهم كقولهم : { والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } وإنما عبروا عنه بالسوء اعترافاً بكونه سيئاً لا إنكاراً لكونه كذلك مع الاعتراف بصدوره عنهم ، ويجوز أن يكون تفسيراً للسَّلَم على أن يكون المرادُ به الكلامَ الدالَّ عليه ، وعلى التقديرين فهو جوابٌ عن قوله سبحانه : { أَيْنَ شُرَكَائِىَ } كما في سورة الأنعام لا عن قول أولي العلمِ ادعاءً لعدم استحقاقهم لما دهمهم من الخزي والسوء { بلى } رد عليهم من قِبل أولي العلم وإثباتٌ لما نفَوْه أي بلى كنتم تعملون ما تعملون { إِنَّ الله عَلِيمٌ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } فهو يجازيكم عليه وهذا أوانُه . (4/113)
{ فادخلوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ } أي كلُّ صنف من بابه المعدِّ له ، وقيل : أبوابُها أصنافُ عذابها فالدخولُ عبارةٌ عن الملابسة والمقاساة { خالدين فِيهَا } إن أريد بالدخول حدوثُه فالحال مقدّرة ، وإن أريد مطلقُ الكون فيها فهي مقارِنة { فَلَبِئْسَ مَثْوَى المتكبرين } عن التوحيد كما قال تعالى : { قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } وذكرُهم بعنوان التكبر للإشعار بعلّيته لثُوائهم فيها ، والمخصوصُ بالذم محذوفٌ أي جهنم وتأويلُ قولهم : { مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِن سُوء } بأنا ما كنا عاملين ذلك في اعتقادنا رَوْماً للمحافظة على أن لا كذِبَ ثمة يرده الردُّ المذكور وما في سورة الأنعام من قوله تعالى : { انظر كَيْفَ كَذَبُواْ على أَنفُسِهِمْ . }
وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ (30) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (31) الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (32)
{ وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتقوا } أي المؤمنين ، وُصفوا بالتقوى إشعاراً بأن ما صدر عنهم من الجواب ناشىءٌ عن التقوى { مَاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ قَالُواْ خَيْرًا } سلكوا في الجواب مسلك السؤالِ من غير تلعثم ولا تغييرٍ في الصورة ، والمعنى أي أنزل خيراً فإنه جوابٌ مطابق للسؤال ولسبك الواقع في نفس الأمر مضموناً ، وأما الكفرةُ فإنهم خذلهم الله تعالى كما غيروا الجوابَ عن نهج الحق الواقعِ الذي ليس له من دافع غيّروا صورتَه وعدَلوا بها عن سَنن السؤال حيث رفعوا الأساطير رَوماً لما مر من إنكار النزول . رُوي أن أحياءَ العرب كانوا يبعثون أيام الموسم من يأتيهم بخبر النبي عليه السلام ، فإذا جاء الوافد كفّه المقتسمون وأمروه بالانصراف وقالوا : إن لم تلْقَه كان خيراً لك ، فيقول : أنا شرُّ وافد إن رجعت إلى قومي دون أن أستطلع أمرَ محمد وأراه فيلقى أصحابَ النبي صلى الله عليه وسلم ورضي عنهم فيخبرونه بحقيقة الحالِ فهم الذين قالوا خيراً { لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } أي أعمالَهم أو فعلوا الإحسانَ { فِى هذه } الدار { الدنيا حَسَنَةٌ } أي مثوبةٌ حسنةٌ مكافأة فيها { وَلَدَارُ الاخرة } أي مثوبتُهم فيها { خَيْرٌ } مما أوتوا في الدنيا من المثوبة أو خيرٌ على الإطلاق فيجوز إسنادُ الخيرية إلى نفس دارِ الآخرة { وَلَنِعْمَ دَارُ المتقين } أي دار الآخرة ، حذف لدلالة ما سبق عليه وهذا كلام مبتدأ مدَح الله تعالى به المتقين وعدّ جوابَهم المَحْكيَّ من جملة إحسانِهم ووعدهم بذلك ثوابي الدنيا والآخرة فلا محل له من الإعراب ، أو بدلٌ من خيراً أو تفسير له أي أنزل خيراً هو هذا الكلامُ الجامعُ ، قالوه ترغيباً للسائل . (4/114)
{ جنات عَدْنٍ } خبرُ مبتدإٍ محذوف أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ أي لهم جنات ، ويجوز أن يكون هو المخصوصَ بالمدح { يَدْخُلُونَهَا } صفةٌ لجناتُ على تقدير تنكيرِ عدنٍ وكذلك { تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار } أو كلاهما حال على تقدير عَلَميته { لَّهُمْ فِيهَا } في تلك الجنات { مَا يَشَاءونَ } الظرفُ الأول خبرٌ لما والثاني حالٌ منه والعاملُ ما في الأول ، أو متعلق به أي حاصلٌ لهم فيها ما يشاءون من أنواع المشتَهيات ، وتقديمُه للاحتراز عن توهم تعلّقِه بالمشيئة أو لما مر مراراً من أن تأخيرَ ما حقُّه التقديمُ يوجب ترقبَ النفسِ إليه فيتمكن عند ورودِه عليها فضلَ تمكن { كذلك } مثلَ ذلك الجزاءِ الأوفى { يَجْزِى الله المتقين } اللام للجنس أي كلَّ من يتقي من الشِرْك والمعاصي ويدخُل فيه المتقون المذكورون دخولاً أولياً ، ويكون فيه بعثٌ لغيرهم على التقوى أو للعهد فيكون فيه تحسيرٌ للكفرة .
{ الذين تتوفاهم الملائكة } نعت للمتقين وقوله تعالى : { طَيّبِينَ } أي طاهرين عن دنس الظلمِ لأنفسهم حال من الضمير ، وفائدتُه الإيذانُ بأن مَلاكَ الأمر في التقوى هو الطهارةُ عما ذكر إلى وقت توفيهم ففيه حثٌّ للمؤمنين على الاستمرار على ذلك ، ولغيرهم على تحصيله ، وقيل : فرحين طيِّبي النفوسِ ببشارة الملائكة إياهم بالجنة أو طيبين بقبض أرواحِهم لتوجه نفوسِهم بالكلية إلى جناب القُدس { يَقُولُونَ } حالٌ من الملائكة أو قائلين لهم : { سلام عَلَيْكُمُ } قال القُرَظِيّ رحمه الله : إذا استُدْعيَت نفسُ المؤمن جاءه ملكُ الموت عليه السلام ، فقال : السلام عليك يا وليَّ الله ، الله تعالى يقرأ عليك السلام ، وبشّره بالجنة .
{ ادخلوا الجنة } اللام للعهد أي جناتِ عدن الخ ، ولذلك جُرّدت عن النعت ، والمرادُ دخولُهم لها في وقته فإن ذلك بشارةٌ عظيمة وإن تراخى المبشَّرُ به لا دخولُ القبر الذي هو روضةٌ من رياضها إذ ليس في البِشارة به ما في البشارة بدخول نفسِ الجنة { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } بسبب ثباتِكم على التقوى والطاعة أو بالذي كنتم تعملونه من ذلك ، وقيل : المرادُ بالتوفّي التوفي للحشر ، لأن الأمر بالدخول حينئذ يتحقق . (4/115)
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (33) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا عَمِلُوا وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (34)
{ هَلْ يَنظُرُونَ } أي ما ينتظر كفارُ مكةَ المارُّ ذكرُهم { إِلا أَن تَأْتِيهُمُ الملائكة } لقبض أرواحِهم بالعذاب ، جُعلوا منتظرين لذلك وشتان بينهم وبين انتظارِه لا لأنه يلحقهم البتةَ لحوقُ الأمر المنتظرِ بل لمباشرتهم لأسبابه الموجبةِ له المؤديةِ إليه ، فكأنهم يقصِدون إتيانَه ويترصّدون لوروده ، وقرىء بتذكير الفعل { أَوْ يَأْتِىَ أَمْرُ رَبّكَ } التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام إشعارٌ بأن إتيانَه لطفٌ به عليه الصلاة والسلام وإن كان عذاباً عليهم ، والمرادُ بالأمر العذابُ الدنيويُّ لا القيامةُ ، لكن لا لأن انتظارَها بجامع انتظارِ إتيان الملائكةِ فلا يلائمة العطفُ بأو لأنها ليست نصًّا في العناد إذ يجوز أن يعتبر منعُ الخلوّ ويرادَ بإيرادها كفايةُ كل واحد من الأمرين في عذابهم بل لأن قوله تعالى فيما سيأتي : { ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } الآية ، صريحٌ في أن المراد به ما أصابهم من العذاب الدنيوي { كذلك } أي مثلَ فعلِ هؤلاء من الشرك والظلمِ والتكذيب والاستهزاء { فَعَلَ الذين } خلَوا { مِن قَبْلِهِمُ } من الأمم { وَمَا ظَلَمَهُمُ الله } بما سيُتلى من عذابهم { ولكن كَانُواْ } بما كانوا مستمرين عليه من القبائح الموجبةِ لذلك { أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } كان الظاهرُ أن يقال : ولكن كانوا هم الظالمين كما في سورة الزخرف لكنه أوثر ما عليه النظمُ الكريم لإفادة أن غائلةَ ظلمِهم آيلةٌ إليهم وعاقبتَه مقصورةٌ عليهم مع استلزام اقتصارِ ظلمِ كل أحد على نفسه من حيث الوقوعُ اقتصارَه عليه من حيث الصدور وقد مر تحقيقُه في سورة يونس . (4/116)
{ فَأَصَابَهُمْ } عطف على قوله تعالى : { فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } وما بينهما اعتراضٌ لبيان أن فعلَهم على ذلك ظلمٌ لأنفسهم { سَيّئَاتُ مَا عَمِلُواْ } أي أجزيةُ أعمالِهم السيئة على طريقة تسمية المسبَّب باسم سببِه إيذاناً لفظاعته لا على حذف المضاف فإنه يوهم أن لهم أعمالاً غيرَ سيئاتهم { وَحَاقَ بِهِم } أي أحاط بهم من الحَيق الذي هو إحاطةُ الشر ، وهو أبلغ من الإصابة وأفظع { مَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } من العذاب .
وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آَبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (35) وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (36)
{ وَقَالَ الذين أَشْرَكُواْ } أي أهلُ مكة ، وهو بيانٌ لفن آخرَ من كفرهم والعدولُ عن الإضمار إلى الموصول لتقريعهم بما في حيز الصلة وذمِّهم بذلك من أول الأمر { لَوْ شَآء الله مَا عَبَدْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْء } أي لو شاء عدم عبادتِنا لشيء غيرِه كما تقول لما عبدنا ذلك { نَّحْنُ وَلا ءابَاؤُنَا } الذين نقتدي بهم في ديننا { وَلاَ حَرَّمْنَا مِن دُونِهِ مِن شَىْء } من السوائب والبحائرِ وغيرِها ، وإنما قالوا ذلك تكذيباً للرسول عليه الصلاة والسلام وطعناً في الرسالة رأساً متمسكين بأن ما شاء الله تعالى يجب وما لم يشأْ يمتنع ، فلو أنه شاء أن نوحّده ولا نشرِكَ به شيئاً ولا نحرِّمَ مما حرمنا شيئاً كما يقول الرسلُ وينقُلونه من جهة الله عز وجل لكان الأمرُ كما شاء من التوحيد ونفي الإشراكِ وما يتبعهما ، وحيث لم يكن كذلك ثبت أنه لم يشأ شيئاً من ذلك ، وإنما يقوله الرسل من تلقاء أنفسهم فأجيب عنه بقوله عز وجل : { كذلك } أي مثلَ ذلك الفعلِ الشنيع { فَعَلَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } من الأمم ، أي أشركوا بالله وحرموا حِلَّه وردوا رسلَه وجادلوهم بالباطل حين نبهوهم على الخطأ وهدوهم إلى الحق . (4/117)
{ فَهَلْ عَلَى الرسل } الذين يبلغون رسالاتِ الله وعزائمَ أمره ونهيِه { إِلاَّ البلاغ المبين } أي ليست وظيفتُهم إلا تبليغَ الرسالة تبليغاً واضحاً أو موضَّحاً وإبانةً طريقَ الحق وإظهارَ أحكام الوحي التي من جملتها تحتّمُ تعلقِ مشيئةِ الله تعالى باهتداء مَنْ صَرَف قدرتَه واختيارَه إلى تحصيل الحق لقوله تعالى : { والذين جاهدوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } وأما إلجاؤهم إلى ذلك وتنفيذُ قولِهم عليهم شاءوا أو أبَوا كما هو مقتضى استدلالِهم ، فليس ذلك من وظيفتهم ولا من الحكمة التي عليها يدور أمرُ التكليفِ في شيء حتى يُستدلَّ بعدم ظهور آثارِه على عدم حقّية الرسلِ أو على عدم تعلقِ مشيئتِه تعالى بذلك ، فإن ما يترتب عليه الثوابُ والعقابُ من أفعال العباد لا بد في تعلق مشيئتِه تعالى بوقوعه من مباشرتهم الاختياريةِ له وصرفِ اختيارِهم الجزئيِّ إلى تحصيله وإلا لكان الثواب والعقاب اضطراريَّيْن ، فالفاءُ للتعليل كأنه قيل : كذلك فعل أسلافهم وذلك باطل فإن الرسلَ ليس شأنُهم إلا تبليغَ أوامرِ الله تعالى ونواهيه لا تحقيقَ مضمونِهما وإجراءَ موجبهما على الناس قسراً وإلجاءً ، وإيرادُ كلمة ( على ) للإيذان بأنهم في ذلك مأمورون أو بأن ما يبلغونه حقٌّ للناس عليهم وإيفاؤُه . بهذا ظهر أن حملَ قولِهم : { لَوْ شَاء الله } الخ ، على الاستهزاء لا يلائم الجواب والله تعالى أعلم بالصواب .
{ وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولاً } تحقيقٌ لكيفية تعلقِ مشيئتِه تعالى بأفعال العبادِ بعد بيانِ أن الإلجاءَ ليس من وظائف الرسالةِ ولا من باب المشيئةِ المتعلقةِ بما يدور عليه الثوابُ والعقاب من الأفعال الاختياريةِ لهم ، أي بعثنا في كل أمة من الأمم الخالية رسولاً خاصاً بهم { أَنِ اعبدوا الله } يجوز أن تكون ( أن ) مفسرةً لما في البعث من معنى القول وأن تكون مصدريةً ، أي بعثنا بأن اعبدوا الله وحده { واجتنبوا الطاغوت } هو الشيطانُ وكلُّ ما يدعو إلى الضلالة { فَمِنْهُمْ } أي من تلك الأمم ، والفاء فصيحة ، أي فبلَّغوا ما بُعثوا به من الأمر بعبادة الله وحده واجتنابِ الطاغوت فتفرقوا فمنهم { مَّنْ هَدَى الله } إلى الحق الذي هو عبادتُه واجتنابُ الطاغوت بعد صَرْفِ قدرتهم واختيارِهم الجزئيّ إلى تحصيله { وَمِنْهُمْ مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضلالة } أي وجبت وثبتت إلى حين الموت لعِناده وإصرارِه عليها وعدمِ صرفِ قدرته إلى تحصيل الحق ، وتغيير الأسلوبِ للإشعار بأن ذلك لسوء اختيارِهم كقوله تعالى :
{ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } فلم يكن كلٌّ من مشيئة الهدايةِ وعدمِها إلا حسبما حصل منهم من التوجهُ إلى الحق وعدمِه ، لا بطريق القسرِ والإلجاءِ حتى يُستدلَ بعدمهما على عدم تعلقِ مشيئتِه تعالى بعبادتهم له تعالى وحده { فَسِيرُواْ } يا معشرَ قريش { فِى الارض فانظروا } في أكنافها { كَيْفَ كَانَ عاقبة المكذبين } من عاد وثمودَ ومن سار سيرتَهم ممن حقت عليهم الضلالةُ لعلكم تَعتبرون حين تشاهدون في منازلهم وديارهم آثارَ الهلاك والعذابِ . وترتيبُ الأمرِ بالسير على مجرد الإخبارِ بثبوت الضلالةِ عليهم من غير إخبارٍ بحلول العذابِ للإيذان بأنه غنيٌّ عن البيان وأنْ ليس الخبرُ كالعِيان ، وترتيبُ النظر على السير لما أنه بعده وأن مَلاك الأمر في تلك العاقبة هو التكذيبُ والتعلّلُ بأنه لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء . (4/118)
إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (37) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (38)
{ إِن تَحْرِصْ } خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقرىء بفتح الراء وهي لغة { على هُدَاهُمْ } أي إن تطلب هدايتَهم بجهدك { فَإِنَّ الله لاَ يَهْدِى مَن يُضِلُّ } أي فاعلم أنه تعالى لا يخلق الهدايةَ جبراً وقسراً فيمن يخلق فيه الضلالةَ بسوء اختيارِه ، والمرادُ به قريش ، وإنما وضع الموصولُ موضعَ الضمير للتنصيص على أنهم ممن حقت عليه الضلالةُ وللإشعار بعلة الحكم ، ويجوز أن يكون المذكورُ علةً للجزاء المحذوف ، أي إن تحرص على هداهم فلست بقادر على ذلك لأن الله لا يهدي من يُضله وهؤلاء من جملتهم ، وقرىء لا يهدى على بناء المفعول أي لا يقدر أحدٌ على هداية من يضله الله تعالى ، وقرىء لا يهَدّي بفتح الهاء وإدغام تاء يهتدي في الدال ، ويجوز أن يكون يهدي بمعنى يهتدي ، وقرىء يُضل بفتح الياء ، وقرىء لا هاديَ لمن يُضِل ولمن أضل { وَمَا لَهُم مّن ناصرين } ينصرونهم في الهداية أو يدفعون العذابَ عنهم ، وصيغة الجمع في الناصرين باعتبار الجمعية في الضمير فإن مقابلةَ الجمعِ بالجمع يقتضي انقسامَ الآحادِ إلى الآحاد لا لأن المرادَ نفيُ طائفةٍ من الناصرين من كل منهم . (4/119)
{ وَأَقْسَمُواْ بالله } شروع في بيان فن آخرَ من أباطيلهم وهو إنكارُ البعث { جَهْدَ أيمانهم } مصدرٌ في موقع الحال أي جاهدين في أيمانهم { لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ } ولقد رد الله تعالى عليهم أبلغَ ردَ بقوله الحق { بلى } أي بلى يبعثهم { وَعْداً } مصدر مؤكد لما دل عليه بلى ، فإن ذلك موعدٌ من الله سبحانه ، أو المحذوفِ ، أو وعَد بذلك وعداً { عَلَيْهِ } صفة لوعداً أي وعداً ثابتاً عليه إنجازُه لامتناع الخُلفِ في وعده ، أو لأن البعثَ من مقتضيات الحِكمة { حَقّاً } صفةٌ أخرى له أو نصبٌ على المصدرية أي حقَّ حقاً { ولكن أَكْثَرَ الناس } لجهلهم بشؤون الله عز شأنه من العلم والقدرةِ والحكمة وغيرِها من صفات الكمالِ ، وبما يجوز عليه وما لا يجوز وعدمِ وقوفِهم على سرّ التكوين والغايةِ القصوى منه ، وعلى أن البعثَ مما يقتضيه الحكمةُ التي جرت عادتُه سبحانه بمراعاتها { لاَّ يَعْلَمُونَ } أنه يبعثهم فيِبْنون القولَ بعدمه أو أنه وعدٌ عليه حق فيكذبونه قائلين : { لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَءابَاؤُنَا هذا مِن قَبْلُ إِنْ هذا إِلاَّ أساطير الأولين }
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ (39) إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40)
{ لِيُبَيّنَ لَهُمُ } غايةٌ لما دل عليه بلى من البعث ، والضمير لمن يموت إذ التبيينُ يعم المؤمنين أيضاً فإنهم وإن كانوا عالمين بذلك لأنه عند معاينةِ حقيقةِ الحال يتضح الأمرُ فيصل علمُهم إلى مرتبة عينِ اليقين ، أي يبعثهم ليبينَ لهم بذلك وبما يحصُل لهم من مشاهدة الأحوالِ كما هي ومعاينتِها بصورها الحقيقيةِ الشأن { الذى يَخْتَلِفُونَ فِيهِ } من الحق المنتظمِ لجميع ما خالفوه مما جاء به الشرعُ المبين ويدخل فيه البعثُ دخولاً أولياً { وَلِيَعْلَمَ الذين كَفَرُواْ } بالله سبحانه بالإشراك وإنكارِ البعث وتكذيبِ وعده الحق { أَنَّهُمْ كَانُواْ كاذبين } في كل ما يقولون لا سيما في قولهم : لا يبعث الله من يموت ، والتعبيرُ عن الحق بالموصول للدِلالة على فخامته وللإشعار بعلية ما ذكر في حيز الصلةِ للتبيين وما عُطف عليه وما جعلهما غاية للبعث المشار إليه باعتبار ورودِه في معرِض الردّ على المخالفين ، وإبطال مقالةِ المعاندين المستدعي للتعرض لما يردعهم عن المخالفة ويُلجِئهم إلى الإذعان للحق ، فإن الكفرة إذا علِموا أن تحقيقَ البعث إذا كان لتبيين أنه حق وليعلموا أنهم كانوا كاذبين في إنكاره كان ذلك أزجرَ لهم عن إنكاره وأدعى إلى الاعتراف به ضرورة أنه يدل على صدق العزيمةِ على تحقيقه كما تقول لمن ينكر أنك تصلّي : لأصَلينّ رغماً لأنفك وإظهاراً لكذبك ، ولأن تكررَ الغايات أدلُّ على وقوع الفعل المُغيّا بها وإلا فالغايةُ الأصلية للبعث باعتباره ذاتَه إنما هو الجزاءُ الذي هو الغايةُ القصوى للخلق المُغيّا بمعرفته عز وجل وعبادته ، وإنما لم يُذكر ذلك لتكرر ذكرِه في مواضعَ أُخَرَ وشهرتِه ، وإنما لم يُدرَج علمُ الكفار بكذبهم تحت التبيين بأن يقال : وإن الذين كفروا كانوا كاذبين ، بل جيء بصيغة العلم لأن ذلك ليس مما تعلق به التبيينُ الذي هو عبارةٌ عن إظهار ما كان مُبهماً قبل ذلك بأن يخبرَ به فيُختلفَ فيه ، كالبعث الذي نطق به القرآن فاختلف فيه المختلفون ، وأما كذِبُ الكافرين فليس من هذا القبيل فما يتعلق به علمٌ ضروريٌّ حاصل هلم من قِبل أنفسِهم ، وقد مر تحقيقُه في سورة التوبة عند قوله تعالى : { حتى يَتَبَيَّنَ لَكَ الذين صَدَقُواْ } وإنما خُص الإسنادُ بهم حيث لم يقل : وليعلموا أن الكافرين الآية ، لأن علمَ المؤمنين بذلك حاصل قبل ذلك أيضاً . (4/120)
{ إِنَّمَا قَوْلُنَا } استئناف لبيان كيفية التكوينِ على الإطلاق إبداءً وإعادةً بعد التنبيهِ على آنية البعثِ ، ومنه يظهر كيفيتُه ، فما كافةٌ وقولُنا مبتدأ وقوله : { لِشَىْء } أي أيِّ شيءٍ كان مما عز وهان متعلقٌ به ، على أن اللامَ للتبليغ كهي في قولك : قلت له قم فقام ، وجعلها الزجاجُ سببيةً أي لأجل شيءٍ وليس بواضح ، والتعبيرُ عنه بذلك باعتبار وجودِه عند تعلق مشيئتِه تعالى به لا أنه كان شيئاً قبل ذلك { إِذَا أَرَدْنَاهُ } ظرفٌ لقولنا أي وقت إرادتِنا لوجوده { أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ } خبر للمبتدأ { فَيَكُونُ } إما عطفٌ على مقدر يُفصِحُ عنه الفاء وينسحب عليه الكلام ، أي فنقول ذلك فيكون كقوله تعالى :
{ فَإِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ } وإما جوابٌ لشرط محذوف أي فإذا قلنا ذلك فهو يكون ، وليس هناك قولٌ ولا مقولٌ له ولا أمرٌ ولا مأمورٌ حتى يقال إنه يلزم منه أحدُ المُحالين إما خطابُ المعدومِ أو تحصيلُ الحاصل ، أو يقال إنما يستدعيه انحصار قوله تعالى : { كُنَّ } وليس يلزم منه انحصارُ أسباب التكوين فيه كما يفيده قوله تعالى : { إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ } فإن المرادَ بالأمر هو الشأنُ الشاملُ للقول والفعل ومن ضرورة انحصارِه في كلمة كن انحصارُ أسبابه على الإطلاق فيه بل إنما هو تمثيلٌ لسهولة تأتّي المقدورات حسب تعلقِ مشيئتِه تعالى بها وتصويرٌ لسرعة حدوثِها بما هو عَلَمٌ في ذلك من طاعة المأمورِ المطيعِ لأمر الآمر المُطاع ، فالمعنى إنما إيجادُنا لشيء عند تعليق مشيئتِنا به أن نوجدَه في أسرع ما يكون ، ولمّا عنه بالأمر الذي هو قولٌ مخصوصٌ وجب أن يُعبّر عن مطلق الإيجادِ بالقول المطلقِ فتأمل ، وفي الآية الكريمة من الفخامة والجزالةِ ما يحار فيه العقولُ والألباب ، وقرىء بنصب يكون عطفاً على نقول أو تشبيهاً له بجواب الأمر . (4/121)
وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41)
{ والذين هاجروا فِى الله } أي في شأن الله تعالى ورِضاه وفي حقه ولوجهه { مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ } ولعلهم الذين ظلمهم أهلُ مكة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخرجوهم من ديارهم فهاجروا إلى الحبشة ثم بوّأهم الله تعالى المدينةَ حسبما وعد بقوله سبحانه : { لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِى الدنيا حَسَنَة } أي مَباءةً حسنةً أو تبوئةً حسنة كما قال قتادة وهو الأنسبُ بما هو المشهورُ من كون السورةِ غيرَ ثلاثِ آياتٍ من آخرها مكيةً . وأما ما نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما من أنها نزلت في صهيبٍ وبلالٍ وعمارٍ وخبابٍ وعابس وجُبير وأبي جندل بن سهيل ، أخذهم المشركون فجعلوا يعذّبونهم ليردوهم عن الإسلام ، فأما صهيبٌ فقال لهم : أنا رجلٌ كبير إن كنت معكم لم أنفعْكم وإن كنت عليكم لم أضرَّكم ، فافتدى منهم بماله وهاجر فلما رآه أبو بكر رضي الله عنه قال : ربح البيعُ يا صهيب ، وقال عمر رضي الله عنه : « نعم العبدُ صُهيب لو لم يخِفِ الله لم يَعْصِهِ » فإنما يناسب ما حُكي عن الأصم من كون كل السورةِ مدنيةً ، وما نقل عن قتادةَ من كون هذه الآية إلى آخر السورةِ مدنيةً فيُحمل ما نقلناه عنه من نزول الآيةِ في أصحاب الهجرتين على أن يكون نزولُها بالمدينة بين الهجرتين ، وأما جعلُ رسول الله صلى الله عليه وسلم من جملتهم فلا يساعده نظمُ التنزيلِ ولا شأنُه الجليل ، وقرىء لنُثْوِينّهم ومعناه إثواءةً حسنةً أو لنُنزّلنهم في الدنيا منزلة حسنة وهي الغَلبةُ على من ظلمهم من أهل مكةَ وعلى العرب قاطبةً وأهلِ الشرقِ والغربِ كافة { وَلاَجْرُ الاخرة } أي أجرُ أعمالِهم المذكورةِ في الآخرة { أَكْبَرَ } مما يعجّل لهم في الدنيا ، وعن عمر رضي الله عنه أنه كان إذا أعطى رجلاً من المهاجرين عطاءً قال له : خُذ بارك الله تعالى لك فيه ، هذا ما وعدك الله تعالى في الدنيا وما ادّخر في الآخرة أفضلُ { لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ } الضمير للكفار أي لو علموا أن الله تعالى يجمع لهؤلاء المهاجرين خيرَ الدارين لوافقوهم في الدين ، وقيل : للمهاجرين أي لو علموا ذلك لزادوا فى الاجتهاد أو لَما تألموا لما أصابهم من المهاجَرة وشدائدِها . (4/122)
الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (42) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43) بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (44)
{ الذين صَبَرُواْ } على الشدائد من أذية الكفار ومفارقةِ الأهل والوطن وغيرِ ذلك ، ومحلُّه النصبُ أو الرفع على المدح { وعلى رَبّهِمْ } خاصة { يَتَوَكَّلُونَ } منقطعين إليه تعالى معرِضين عما سواه مفوِّضين إليه الأمرَ كلَّه ، والجملةُ إما معطوفةٌ على الصلة وتقديمُ الجار والمجرور للدِلالة على قصر التوكلِ على الله تعالى وصيغةُ الاستقبال للدلالة على دوام التوكل . أو حالٌ من ضمير صبروا . (4/123)
{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً نُّوحِى إِلَيْهِمْ } وقرىء بالياء مبنياً للمفعول وهو ردٌّ لقريش حين قالوا : الله أجلُّ من أن يكون له رسولٌ من البشر ، كما هو مبنى قولِهم : { لَوْ شَآء الله مَا عَبَدْنَا } الخ ، أي جرت السنةُ الإلهية حسبما اقتضتْه الحكمةُ بأن لا يَبعَثَ للدعوة العامة إلا بشراً يوحي إليهم بواسطة الملَك أوامرَه ونواهيَه ليبلّغوها الناس . ولما كان المقصودُ من الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم تنبيهَ الكفار على مضمونه صُرف الخطاب إليهم فقيل : { فاسألوا أَهْلَ الذكر } أي أهلَ الكتاب أو علماءَ الأخبار أو كلَّ من يُذكرُ بعلم وتحقيقٍ ليعلّموكم ذلك { إِن كُنْتُم لاَ تَعْلَمُونَ } حُذف جوابُه لدِلالة ما قبله عليه ، وفيه دَلالةٌ على أنه لم يُرسِلْ للدعوة العامة ملَكاً ، وقولُه تعالى : { جَاعِلِ الملائكة رُسُلاً } معناه رسلاً إلى الملائكة أو إلى الرسل ، ولا امرأةً ولا صبياً ، ولا ينافيه نبوةُ عيسى عليه الصلاة والسلام وهو في المهْد لأنها أعمُّ من الرسالة ، وإشارةٌ إلى وجوب المراجعة إلى العلماء فيما لا يُعلم .
{ بالبينات والزبر } بالمعجزات والكتبِ ، والباءُ متعلقةٌ بمقدر وقع جواباً عن سؤال من قال : بمَ أُرسلوا؟ فقيل : أرسلوا بالبينات والزبر ، أو بما أرسلنا داخلاً تحت الاستثناء مع رجالاً عند من يجوّزه ، أي ما أرسلنا إلا رجالاً بالبينات كقولك : ما ضربت إلا زيداً بالسوط ، أو على نية التقديمِ قبل أداة الاستثناءِ أي ما أرسلنا من قبلك بالبينات والزبر إلا رجالاً عند من يجوّز تأخرَ صلةِ ما قبل إلا إلى ما بعده ، أو ما وقع صفةً للمستثنى أي إلا رجالاً ملتبسين بالبينات أو بنوحي على المفعولية أو الحالية من القائم مقامَ فاعل يوحى وهو إليهم على أن قوله تعالى : { فاسألوا } اعتراضٌ أو بقوله { لاَ تَعْلَمُونَ } على أن الشرطَ للتبكيت كقول الأجير : إن كنت عمِلْتُ لك فأعطِني حقي .
{ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذكر } أي القرآنَ ، وإنما سُمّي به لأنه تذكيرٌ وتنبيهٌ للغافلين { لِتُبَيّنَ لِلنَّاسِ } كافةً ويدخل فيهم أهلُ مكة دخولاً أولياً { مَا نُزّلَ إِلَيْهِمْ } في ذلك الذكرِ من الأحكام والشرائعِ وغير ذلك من أحوال القرونِ المهلَكة بأفانين العذابِ حسب أعمالِهم الموجبةِ لذلك على وجه التفصيلِ بياناً شافياً ، كما ينبىء عنه صيغةُ التفعيل في الفعلين لا سيما بعد ورودِ الثاني أو لا على صيغة الإفعالِ ، ولِما أن التبيينَ أعمُّ من التصريح بالمقصود ومن الإرشاد إلى ما يدل عليه دخل تحته القياسُ على الإطلاق سواءٌ كان في الأحكام الشرعية أو غيرِها ، ولعل قوله عز وجل : { وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } إشارةٌ إلى ذلك أي إرادةَ أن يتأملوا فيتنبّهوا للحقائق وما فيه من العبر ، ويحترزوا عما يؤدي إلى مثل ما أصاب الأولين من العذاب .
أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (45) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (46) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (47)
{ أَفَأَمِنَ الذين مَكَرُواْ السيئات } هم أهلُ مكةَ الذين مكروا برسول الله صلى الله عليه وسلم وراموا صدَّ أصحابِه عن الإيمان عليهم الرضوان ، لا الذين احتالوا لهلاك الأنبياءِ كما قيل ولا من يعُمّ الفريقين لِما أن المرادَ تحذيرُ هؤلاء عن إصابة مثلِ ما أصاب أولئك من فنون العذابِ المعدودة ، والسيئاتِ نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي مكروا المكَراتِ السيئاتِ التي قصت عنهم ، أو مفعولٌ به للفعل المذكور على تضمينه معنى العمل أي عمِلوا السيئاتِ ، فقوله تعالى : { أَن يَخْسِفَ الله بِهِمُ الارض } مفعولٌ لأمِن أو السيئاتِ صفةٌ لما هو المفعولُ أي أفأمن الماكرون العقوباتِ السيئةَ ، وقوله : أن يخسف الخ ، بدلٌ من ذلك وعلى كل حال فالفاءُ للعطف على مقدر ينسحب عليه النظمُ الكريم أي أنزلنا إليك الذكرَ لتبين لهم مضمونَه الذي من جملته إنباءُ الأممِ المهلَكة بفنون العذاب ويتفكروا في ذلك ، ألم يتفكروا فأمن الذين مكروا السيئاتِ أن يخسف الله بهم الأرضَ كما فعل بقارون ، على توجيه الإنكارِ إلى المعطوفين معاً ، أو أتفكروا فأمِنوا على توجيهه إلى المعطوف على أن الأمنَ بعد التفكرِ مما لا يكاد يفعله أحد ، وقيل : هو عطفٌ على مقدر ينبىء عنه الصلةُ أي أَمُكِر فأمن الذين مكروا الخ { أَوْ يَأْتِيَهُمُ العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } بإتيانه أي في حالة غفلتِهم أو من مأمنهم أو من حيث يرجون إتيانَ ما يشتهون كما حُكي فيما سلف مما نزل بالماكرين . (4/124)
{ أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِى تَقَلُّبِهِمْ } أي في حالة تقلُّبهم في مسائرهم ومتاجرهم ، { فَمَا هُم بِمُعْجِزِينَ } بممتنعين أو فائتين بالهرب والفِرار على ما يوهمه حالُ التقلب والسير ، والفاءُ إما لتعليل الأخذِ أو لترتيب عدمِ الإعجاز عليه دلالةً على شدته وفظاعته حسبما قال عليه السلام : « إن الله ليُملي للظالم حتى إذا أخذه لم يُفْلته » وإيرادُ الجملة الاسميةِ للدلالة على دوام النفي لا نفْيِ الدوام .
{ أَوْ يَأْخُذَهُمْ على تَخَوُّفٍ } أي مخافةٍ وحذرٍ عن الهلاك والعذاب بأن يُهلك قوماً قبلهم فيتخوّفوا فيأخذَهم العذابُ وهم متخوّفون ، وحيث كانت حالتا التقلّبِ والتخوّف مَظِنةً للهرب عُبّر عن إصابة العذابِ فيهما بالأخذ وعن إصابته حالةَ الغفلة المنبئةِ عن السكون بالإتيان ، وقيل : التخوّفُ التنقّص ، قال قائلهم
تخوّفَ الرحلُ منها تامكاً قردا ... كما تخوّفَ عودَ النبعة السفن
أي يأخذُهم على أن يَنْقُصَهم شيئاً بعد شيءٍ في أنفسهم وأموالِهم حتى يهلِكوا ، والمرادُ بذكر الأحوال الثلاثِ بيانُ قدرة الله سبحانه على إهلاكهم بأي وجهٍ كان لا الحصرُ فيها { فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } حيث لا يعاجلكم بالعقوبة ويحلُم عنكم مع استحقاقكم لها .
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (48) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (49)
{ أَوَلَمْ يَرَوْاْ } استفهامٌ إنكاريّ ، وقرىء على صيغة الخِطاب والواو للعطف على مقدر يقتضيه المقامُ أي ألم ينظروا ولم يرَوا متوجهين { إلى مَا خَلَقَ الله مِن شَىْء } أي من كل شيء { يَتَفَيَّأُ ظلاله } أي يرجِع شيئاً فشيئاً حسبما يقتضيه إرادةُ الخالق تعالى ، فإن التفيّؤَ مطاوِعُ الإفاءةِ ، وقرىء بتأنيث الفعل { عَنِ اليمين والشمآئل } أي ألم يرَوا الأشياءَ التي لها ظلالٌ متفيِّئةٌ عن أيْمانها وشمائلِها أي عن جانبي كل واحد منها ، استُعير لهما ذلك من يمين الإنسانِ وشمالِه { سُجَّدًا لِلَّهِ } حالٌ من الظلال كقوله تعالى : { وظلالهم بالغدو والاصال } والمرادُ بسجودها تصرّفُها على مشيئة الله وتأتّيها لإرادته تعالى في الامتداد والتقلصِ وغيرِهما غيرَ ممتنعةٍ عليه فيما سخرها له ، وقوله تعالى : { وَهُمْ داخرون } أي صاغرون منقادون ، حال من الضمير في ظلاله والجمعُ باعتبار المعنى وإيرادُ الصيغةِ الخاصة بالعقلاء لما أن الدخورَ من خصائصهم ، والمعنى ترجِع الظلالُ من جانب إلى جانب بارتفاع الشمس وانحدارِها أو باختلاف مشارقِها ومغاربها فإنها كلَّ يوم من أيام السنة تتحرك على مدار معينٍ من المدارات اليومية بتقدير العزيزِ العليم ، منقادةٌ لما قُدّر لها من التفيّؤ أو واقعةٌ على الأرض ملتصقةٌ بها على هيئة الساجد ، والحالُ أن أصحابها من الأجرام داخرةٌ منقادةٌ لحكمه تعالى ، ووصفُها بالدخور مغنٍ عن وصف ظلالِها به ، وكلاهما حالٌ من الضمير المشار إليه ، والمعنى ترجع ظلالُ تلك الأجرامِ حالَ كونها منقادةً لله تعالى داخرةً ، فوصفُها بهما مغنٍ عن وصف ظلالِها بهما ، ولعل المرادَ بالموصول الجماداتُ من الجبال والأشجارِ والأحجارِ التي لا يظهر لظلالها أثرٌ سوى التفيّؤِ بما ذُكر من ارتفاع الشمسِ وانحدارِها أو اختلافِ مشارقها ومغاربها ، وأما الحيوانُ فظلُّه يتحرك بتحركه ، وقيل : المرادُ باليمين والشمائل يمينُ الفَلكِ وهو جانبُه الشرقيُّ لأن الكواكبَ منه تظهر آخذةً في الارتفاع والسطوعِ ، وشمالُه وهو جانبُه الغربيُّ المقابل له فإن الظلال في أول النهار تبتدىء من الشرق واقعةً على الرُّبع الغربي من الأرض ، وعند الزوالِ تبتدىء من الغرب واقعةً على الربع الشرقي منها ، وبعد ما بُيّن سجودُ الظلالِ وأصحابِها من الأجرام السفلية الثابتة في أخبارها ودخورُها له سبحانه وتعالى شُرع في بيان سجودِ المخلوقات المتحركة بالإرادة سواء كانت لها ظلال أو لا فقيل : (4/125)
{ وَلِلَّهِ يَسْجُدُ } أي له تعالى وحده يخضع وينقاد لا لشيء غيرِه استقلالاً أو اشتراكاً ، فالقصرُ ينتظم القلبَ والإفراد إلا أن الأنسب بحال المخاطبين قصرُ الإفراد كما يؤذن به قوله تعالى : { وَقَالَ الله لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين } { مَا فِي السموات } قاطبة { وَمَا فِى الأرض } كائناً ما كان { مِن دَابَّةٍ } بيانٌ لما في الأرض ، وتقديمُه لقلته ولئلا يقعَ بين المبين والمبين فصلٌ ، والإفرادُ مع أن المرادَ الجمعُ لإفادة وضوحِ شمولِ السجود لكل فرد من الدواب .
قال الأخفش : هو كقولك : « ما أَتَانِي من رَجُلٍ مثلِه وما أتاني من الرجال مثلُه » { والملئكة } عطف على ما في السموات عطفَ جبريلَ على الملائكة تعظيماً وإجلالاً ، أو على أن يراد بما في السموات الخلْقُ الذي يقال له الروح ، أو يراد به ملائكةُ السموات ، وبقوله : والملائكةُ ملائكةُ الأرض من الحفَظة وغيرِهم { وَهُمْ } أي الملائكةُ مع علو شأنِهم { لاَ يَسْتَكْبِرُونَ } عن عبادته عز وجل والسجود له ، وتقديمُ الضمير ليس للقصر ، والجملةُ إما حالٌ من ضمير الفاعل في يسجد مسندٌ إلى الملائكة أو استئنافٌ أخبر عنهم بذلك . (4/126)
يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (50) وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (51) وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52)
{ يخافون رَبَّهُمْ } أي مالكَ أمرِهم وفيه تربيةٌ للمهابة وإشعارٌ بعلة الحكم { مّن فَوْقِهِمْ } أي يخافونه جل وعلا خوفَ هيبةٍ وإجلالٍ وهو فوقهم بالقهر كقوله تعالى : { وَهُوَ القاهر فَوْقَ عِبَادِهِ } أو يخافون أن يرسِل عليهم عذاباً من فوقهم ، والجملةُ حالٌ من الضمير في لا يستكبرون أو بيانٌ له وتقريرٌ لأن من يخاف الله سبحانه لا يستكبر عن عبادته { وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } أي ما يؤمرون به من الطاعات والتدبيرات ، وإيرادُ الفعل مبنياً للمفعول جرْيٌ على سَنن الجلالة وإيذانٌ بعدم الحاجةِ إلى التصريح بالفاعل لاستحالة استنادِه إلى غيره سبحانه ، وفيه أن الملائكة مكلّفون مُدارون بين الخوف والرجاء ، وبعد ما بُيّن أن جميعَ الموجودات يُخَصّون بالخضوع والانقياد أصلاً لله عز وجل أُردف ذلك بحكاية نهْيِه سبحانه وتعالى للمكلفين عن الإشراك فقيل : (4/127)
{ وَقَالَ الله } عطف على قوله : ولله يسجد ، وإظهارُ الفاعل وتخصيصُ لفظة الجلالة بالذكر للإيذان بأنه متعيِّنُ الألوهية ، وإنما المنهيُّ عنه هو الإشراكُ به لا أن المنهيَّ عنه مطلقُ اتخاذِ إلهين بحيث يتحقق الانتهاءُ عنه برفض أيِّهما كان أي قال تعالى لجميع المكلفين : { لاَ تَتَّخِذُواْ إلهين اثنين } وإنما ذُكر العددُ مع أن صيغة التثنيةِ مغنيةٌ عن ذلك دلالةً على أن مساقَ النهي هو الاثنَيْنيّة وأنها منافيةٌ للألوهية كما أن وصفَ الإله بالوَحدة في قوله تعالى : { إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } للدلالة على أن المقصودَ إثباتُ الوحدانية وأنها من لوازم الإلهية ، وأما الإلهية فأمرٌ مسلَّمُ الثبوت له سبحانه وإليه أشير حيث أُسند إليه القول ، وفيه التفاتٌ من التكلم إلى الغَيبة على رأي من اكتفى في تحقق الالتفاتِ بكون الأسلوب الملتفَتِ عنه حقَّ الكلام ولم يشترِط سبقَ الذكرِ على ذلك الوجه { فإياي فارهبون } التفاتٌ من الغيبة إلى التكلم لتربية المهابةِ وإلقاءِ الرهبة في القلوب ولذلك قدّم المفعولَ وكرر الفعلَ أي إن كنتم راهبين شيئاً فإيايَ فارهبون لا غيرُ فإني ذلك الواحدُ الذي يسجُد له ما في السموات والأرض .
{ وَلَهُ مَا فِى السموات والأرض } خلقاً ومُلكاً تقريرٌ لعلة انقيادِ ما فيها له سبحانه خاصة ، وتحقيقٌ لتخصيص الرهبة به تعالى وتقديمُ الحرفِ لتقوية ما في اللام من معنى الاختصاصِ وكذا في قوله تعالى : { وَلَهُ الدين } أي الطاعةُ والانقياد { وَاصِبًا } أي واجباً ثابتاً لا زوالَ له لِما تقرّر أنه الإله وحده الحقيقُ بأن يُرهَبَ ، وقيل : واصباً من الوصب أي وله الدين ذا كلفة ، وقيل : الدينُ الجزاءُ أي وله الجزاءُ الدائمُ بحيث لا ينقطع ثوابُه لمن آمن وعقابُه لمن كفر { أَفَغَيْرَ الله تَتَّقُونَ } الهمزة للإنكار والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه السياقُ أي أعَقيبَ تقرّرِ الشؤون المذكورةِ من تخصيص جميعِ الموجودات للسجود به تعالى وكونِ ذلك كلِّه له ، ونهيِه عن اتخاذ الأندادِ وكونِ الدين له واصباً المستدعي ذلك لتخصيص التقوى به سبحانه غيرَ الله الذين شأنُه ما ذكر تتقون فتطيعون .
وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (53) ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (54) لِيَكْفُرُوا بِمَا آَتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (55)
{ وَمَا بِكُم } أي أيُّ شيء يلابسكم ويصاحبكم { مِن نّعْمَةٍ } أية نعمةٍ كانت { فَمِنَ الله } فهي من الله ، فما شرطيةٌ أو موصولة متضمّنة لمعنى الشرط باعتبار الإخبارِ دون الحصول فإن ملابسةَ النعمةِ بهم سببٌ للإخبار بأنها منه تعالى لا لكونها منه تعالى { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضر } مِساساً يسيراً { فَإِلَيْهِ تَجْئَرُونَ } تتضرعون في كشفه لا إلى غيره ، والجُؤار رفعُ الصوت بالدعاء والاستغاثة ، قال الأعشى (4/128)
يراوِحُ من صلَواتِ الملي ... ك طوراً سجوداً وطوراً جؤارا
وقرىء تَجَرون بطرح الهمزة وإلقاءِ حركتها إلى ما قبلها ، وفي ذكر المِساس المُنْبىءِ عن أدنى إصابةٍ وإيرادِه بالجملة الفعلية المعربةِ عن الحدوث مع ثم الدالةِ على وقوعه بعد برهةٍ من الدهر وتحليةِ الضُّر بلام الجنس المفيدةِ لمساس أدنى ما ينطلق عليه اسمُ الجنس مع إيراد النعمةِ بالجملة الاسميةِ الدالةِ على الدوام والتعبير عن ملابستها للمخاطبين بباء المصاحبة وإيرادِ ( ما ) المعربةَ عن العموم ما لا يخفى من الجزالة والفخامة ، ولعل إيرادَ إذا دون إن للتوسل به إلى تحقق وقوع الجواب .
{ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضر عَنْكُمْ } وقرىء كاشَفَ الضر ، وكلمةُ ثم ليست للدلالة على تمادي زمانِ مِساس الضرّ ووقوعِ الكشفِ بعد برهة مديدةٍ بل للدلالة على تراخي رتبةِ ما يترتب عليه من مفاجأة الإشراك المدلولِ عليها بقوله سبحانه : { إِذَا فَرِيقٌ مّنْكُم بِرَبّهِمْ يُشْرِكُونَ } فإنّ ترتبها على ذلك في أبعد غايةٍ من الضلال ، ثم إن وُجّه الخطابُ إلى الناس جميعاً فمِن للتبعيض والفريقُ فريقُ الكفرة ، وإن وجه إلى الكفرة فمن للبيان ، كأنه قيل : إذا فريق كافرون أنتم . ويجوز أن يكون فيهم من اعتبر وازدجر كقوله تعالى : { فَلَمَّا نجاهم إِلَى البر فَمِنْهُمْ مُّقْتَصِدٌ } فمن تبعيضية أيضاً ، والتعرضُ لوصف الربوبية للإيذان بكمال قبحِ ما ارتكبوه من الإشراك والكفران .
{ لِيَكْفُرُواْ بِمَآ ءاتيناهم } من نعمة الكشف عنهم كأنهم جعلوا غرضَهم في الشرك كُفرانَ النعمة وإنكارَ كونها من الله عز وجل { فَتَمَتَّعُواْ } أمرُ تهديد ، والالتفاتُ إلى الخطاب للإيذان بتناهي السَّخَط ، وقرىء بالياء مبنياً للمفعول عطفاً على ليكفروا على أن يكون كفرانُ النعمة والتمتعُ غرضاً لهم من الإشراك ، ويجوز أن يكون اللامُ لامَ الأمرِ الواردِ للتهديد { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } عاقبةَ أمرِكم وما ينزل بكم من العذاب ، وفيه وعيدٌ أكيدٌ منبىءٌ عن أخذٍ شديد حيث لم يُذكر المفعولُ إشعاراً بأنه مما لا يوصف .
وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (56) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (57) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (58) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (59)
{ وَيَجْعَلُونَ } لعله عطف على ما سبق بحسب المعنى تعداداً لجناياتهم أي يفعلون ما يفعلون من الجُؤار إلى الله تعالى عند مِساس الضرر ومن الإشراك به عند كشفِه ويجعلون { لِمَا لاَ يَعْلَمُونَ } أي لما لا يعلمون حقيقتَه وقدرَه الخسيسَ من الجمادات التي يتخذونها شركاء لله سبحانه جهالةً وسَفاهةً ويزعُمون أنها تنفعهم وتشفعَ لهم ، على أن ما موصولةٌ والعائدُ إليها محذوف ، أو لما لا علم له أصلاً وليس من شأنه ذلك فما موصولةٌ أيضاً والعائدُ إليها ما في الفعل من الضمير المستكنْ ، وصيغةُ جمعِ العقلاءِ لكون ( ما ) عبارةً عن آلهتهم التي وصفوها بصفات العقلاءِ ، أو مصدريةٌ واللامُ للتعليل أي لعدم علمِهم والمجعولُ له محذوفٌ للعلم بمكانه { نَصِيبًا مّمّا رزقناهم } من الزرع والأنعام وغيرِهما تقرباً إليها { تالله لَتُسْئَلُنَّ } سؤالَ توبيخٍ وتقريع { عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ } في الدنيا بآلهة حقيقةٍ بأن يُتقرَّب إليها ، وفي تصدير الجملةِ بالقسم وصرفِ الكلامِ من الغَيبة إلى الخطاب المنبىءِ عن كمال الغضبِ من شدة الوعيد ما لا يخفى . (4/129)
{ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ البنَاتِ } هم خُزاعةُ وكِنانةُ الذين يقولون : الملائكةُ بناتُ الله { سبحانه } تنزيهٌ له عز وجل عن مضمون قولِهم ذلك أو تعجيبٌ من جراءتهم على التفوه بمثل تلك العظيمة { وَلَهُمْ مَّا يَشْتَهُونَ } من البنين ، و ( ما ) مرفوعةُ المحلِّ على أنه مبتدأٌ والظرفُ المقدمُ خبرُه ، والجملةُ حاليةٌ وسبحانه اعتراضٌ في حق موقعِه ، وجعلُها منصوبةً بالعطف على البنات أي يجعلون لأنفسهم ما يشتهون من البنين يؤدّي إلى جعل الجعْلِ بمعنى يعمّ الزعمَ والاختيارَ .
{ وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بالانثى } أي أخبر بولادتها { ظَلَّ وَجْهُهُ } أي صار أو دام النهارَ كلَّه { مُسْوَدّا } من الكآبة والحياءِ من الناس ، واسودادُ الوجه كنايةٌ عن الاغتمام والتشويش { وَهُوَ كَظِيمٌ } ممتلىءٌ حَنقاً وغيظاً .
{ يتوارى } أي يستخفي { مِنَ القوم مِن سُوء مَا بُشّرَ بِهِ } من أجل سوئِه ، والتعبيرُ عنها بما لإسقاطها عن درجة العقلاء { أَيُمْسِكُهُ } أي متردداً في أمره محدّثاً نفسَه في شأنه أيمسكه { على هُونٍ } ذل ، وقرىء هوانٍ { أَمْ يَدُسُّهُ } يُخفيه { فِى التراب } بالوأد ، والتذكيرُ باعتبار لفظ ما ، وقرىء بالتأنيث { أَلاَ سَآء مَا يَحْكُمُونَ } حيث يجعلون ما هذا شأنُه عندهم من الهُون والحقارة لله المتعالي عن الصاحبة والولد ، والحالُ أنهم يتحاشَون عنه ويختارون لأنفسهم البنين ، فمدارُ الخطأ جعلُهم ذلك لله سبحانه مع إبائهم إياه لا جعلُهم البنين لأنفسهم ولا عدمُ جعلهم له سبحانه ، ويجوز أن يكون مدارُه التعكيس لقوله تعالى : { تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضيزى . }
لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ مَثَلُ السَّوْءِ وَلِلَّهِ الْمَثَلُ الْأَعْلَى وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (60) وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (61) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (62)
{ لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بالأخرة } ممن ذكرت قبائحُهم { مَثَلُ السوء } صفةُ السَّوْء الذي هو كالمثَل في القبح وهي الحاجةُ إلى الولد ليقوم مقامَه عند موتهم ، وإيثارُ الذكور للاستظهار بهم ووأدُ البنات لدفع العار ، وخشيةُ الإملاق المنادي كلَّ ذلك بالعجز والقصورِ والشحِّ البالغ ، ووضعُ الموصول موضعَ الضمير للإشعار بأن مدارَ اتصافِهم بتلك القبائح هو الكفرُ بالآخرة { وَللَّهِ } سبحانه وتعالى { المثل الاعلى } أي الصفةُ العجيبةُ الشأنِ التي هي مثلٌ في العلو مطلقاً ، وهو الوجوبُ الذاتيُّ والغِنى المطلقُ والجودُ الواسعُ والنزاهةُ عن صفات المخلوقين ، ويدخل فيه علوُّه تعالى عما قالوه علواً كبيراً { وَهُوَ العزيز } المنفردُ بكمال القدرة لا سيما على مؤاخذتهم بذنوبهم { الحكيم } الذي يفعل كلَّ ما يفعل بمقتضى الحكمةِ البالغةِ وهذا أيضاً من جملة صفاتِه العجيبة تعالى . (4/130)
{ وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس } الكفارَ { بِظُلْمِهِمْ } بكفرهم ومعاصيهم التي من جملتها ما عُدّد من قبائحهم ، وهذا تصريحٌ بما أفاده قوله تعالى : { وَهُوَ العزيز الحكيم } وإيذانٌ بأن ما أتَوْه من القبائح قد تناهى إلى أمد لا غايةَ وراءَه { مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا } على الأرض المدلولِ عليها بالناس وبقوله تعالى : { مِن دَابَّةٍ } أي ما ترك عليها شيئاً من دابة قطُّ بل أهلكها بالمرة بشؤم ظلمِ الظالمين كقوله تعالى : { واتقوا فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الذين ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً } وعن أبي هريرة رضي الله عنه أنه سمع رجلاً يقول : إن الظالم لا يضُرُّ إلا نفسَه فقال : « بلى والله حتى إن الحُبارَى لتموت في وَكرها بظلم الظالم » . وعن ابن مسعود رضي الله عنه : « كاد الجُعَلُ يهلِك في جُحره بذنب ابن آدمَ أو من دابة ظالمة » وقيل : لم أَهْلك الآباءَ لم يكن الأبناءُ ، فيلزم أن لا يكون في الأرض دابةٌ لِما أنها مخلوقةٌ لمنافعِ البشر لقوله سبحانه : { هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعاً } { ولكن } لا يؤاخذهم بذلك بل { يُؤَخِرُهُمْ إلى أَجَلٍ مسمى } لأعمارهم أو لعذابهم كي يتوالدوا ويكثُرَ عذابُهم { فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ } المسمّى { لاَ يَسْتَأْخِرُونَ } عن ذلك الأجلِ أي لا يتأخرون ، وصيغةُ الاستفعال للإشعار بعجزهم عنه مع طلبهم له { سَاعَةِ } فذّةً ، وهي مثَلٌ في قلة المدة { وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } أي لا يتقدمون ، وإنما تعرض لذكره مع أنه لا يتصور الاستقدامُ عند مجيء الأجلِ مبالغةً في بيان عدمِ الاستئخارِ بنظمه في سلك ما يمتنع ، كما في قوله تعالى : { وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ إِنّى تُبْتُ الان وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } فإن من مات كافراً مع أنه لا توبةَ له رأساً قد نُظم في سِمْطِ من لم تُقبل توبته للإيذان بأنهما سيان في ذلك وقد مر في تفسير سورة يونس .
{ وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ } أي يُثْبتون له سبحانه وينسُبون إليه في زعمهم { مَا يَكْرَهُونَ } لأنفسهم مما ذكر ، وهو تكريرٌ لما سبق ، تثنيةً للتقريع وتوطئةً لقوله تعالى : { وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الكذب } أي يجعلون له تعالى ما يجعلون ومع ذلك تصف ألسنتهم الكذب وهو { أَنَّ لَهُمُ الحسنى } العاقبةَ الحسنى عند الله تعالى كقوله : { وَلَئِن رُّجّعْتُ إلى رَبّى إِنَّ لِى عِندَهُ للحسنى } وقرىء الكُذُبُ وهو جمع الكَذوب على أنه صفةُ الألسنة { لاَ جَرَمَ } رد لكلامهم ذلك وإثباتٌ لنقيضه أي حقاً { أَنَّ لَهُمْ } مكان ما أمّلوا من الحسنى { النار } التي ليس وراءَ عذابها عذابٌ وهي عَلَمٌ في السُّوآى { وَأَنَّهُمْ مُّفْرَطُونَ } أي مقدَّمون إليها من أفرطتُه أي قدّمتُه في طلب الماء ، وقيل : مَنْسيّون من أفرطتُ فلاناً خلفي إذا خلّفتُه ونسِيتُه ، وقرىء بالتشديد وفتح الراء من فرَّطتُه في طلب الماء ، وبكسر الراء المشددة من التفريط في الطاعات ، وبكسر المخففة من الإفراط في المعاصي فلا يكونانِ حينئذ من أحوالهم الأخروية كما عطف عليه . (4/131)
تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (63) وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (64) وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (65)
{ تالله لَقَدْ أَرْسَلْنَآ إلى أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ } تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم عما يناله من جهالات الكفرةِ ووعيدٌ لهم على ذلك ، أي أرسلنا إليهم رسلاً فدعَوْهم إلى الحق فلم يجيبوا إلى ذلك { فَزَيَّنَ لَهُمُ الشيطن أَعْمَالَهُمْ } القبيحةَ فعكفوا عليها مُصِرّين { فَهُوَ وَلِيُّهُمُ } أي قرينُهم وبئس القرينُ { اليوم } أي يوم زين لهم الشيطانُ أعمالهم فيه على طريق حكايةِ الحال الآتية وهي حالُ كونهم معذبين في النار ، والوليُّ بمعنى الناصر أي فهو ناصرهم اليوم لا ناصرَ لهم غيرُه مبالغةً في نفي الناصرِ عنهم ، ويجوز أن يكون الضميرُ عائداً إلى مشركي قريش والمعنى زيّن للأمم السالفة أعمالَهم فهو وليُّ هؤلاء لأنهم منهم وأن يكون على حذف المضافِ أي وليُّ أمثالهم { وَلَهُمْ } في الآخرة { عَذَابٌ أَلِيمٌ } هو عذابُ النار . (4/132)
{ وَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الكتاب } أي القرآن { إِلاَّ لِتُبَيّنَ } استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم العلل أي ما أنزلناه عليك لعلّةٍ من العلل إلا لتبين { لَهُمْ } أي للناس { الذى اختلفوا فِيهِ } من التوحيد والقدَر وأحكامِ الأفعال وأحوال المعاد { وَهُدًى وَرَحْمَةٌ } معطوفان على محل لتبين أي وللهداية والرحمة { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } وإنما انتصبا لكونهما أثرَيْ فاعلِ الفعل المعلَّل بخلاف التبيين حيث لم ينتصِبْ لفقدان شرطِه ، ولعل تقديمَه عليهما لتقدُّمه في الوجود ، وتخصيصُ كونهما هدًى ورحمةً بالمؤمنين لأنهم المغتنِمون آثارَه .
{ والله أَنزَلَ مِنَ السماء } من السحاب أو من جانب السماء حسبما مرّ ، وهذا تكرير لما سبق تأكيداً لمضمونه وتوطئةً لما يعقُبه من أدلة التوحيد { مَاء } نوعاً خاصاً من الماء هو المطرُ ، وتقديمُ المجرور على المنصوب لما مر مراراً من التشويق إلى المؤخر { فَأَحْيَا بِهِ الأرض } بما أنبت به فيها من أنواع النباتات { بَعْدَ مَوْتِهَا } أي بعد يُبْسها ، وما يفيده الفاءُ من التعقيب العاديّ لا ينافيه ما بين المعطوفين من المهلة { إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي في إنزال الماء من السماء وإحياءِ الأرض الميتةِ به { لآيَةً } وأيةَ آيةٍ دالةٍ على وحدته سبحانه وعلمه وقدرتِه وحكمتِه { لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } هذا التذكيرَ ونظائرَه سماعَ تفكرٍ وتدبُّر فكأن مَنْ ليس كذلك أصمُّ .
وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (66)
{ وَإِنَّ لَكُمْ فِى الأنعام لَعِبْرَةً } عظيمةً وأيَّ عبرةٍ تَحار في دركها العقولُ ويهيم في فهمها ألبابُ الفحول { نُّسْقِيكُمْ } استئنافٌ لبيان ما أُبهم أولاً من العبرة { مّمَّا فِى بُطُونِهِ } أي بطون الأنعامِ ، والتذكيرُ هنا لمراعاة جانبِ اللفظِ فإنه اسم جمع ولذلك عدّه سيبويه في المفردات المبنيّة على أفعال كأكباش وأخلاق كما أن تأنيثه في سورة المؤمنين لرعاية جانب المعنى ، ومَن جعله جمعَ نَعَمٍ جعل الضميرَ للبعض فإن اللبَن ليس لجميعها ، أو له على المعنى ، فإن المرادَ به الجنسُ وقرىء بفتح النون هاهنا وفي سورة المؤمنين { مِن بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَّبَنًا } الفرْثُ فُضالةُ ما يبقى من العلف في الكَرِش المنهضمةِ بعضَ الانهضام وكثيفُ ما يبقى في الأمعاء . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن البهيمةَ إذا اعتلفت وانطبخ العلفُ في كرشها كان أسفلُه فرثاً ، وأوسطُه لبناً ، وأعلاه دماً . ولعل المرادَ به أن أوسطَه يكون مادةَ اللبن وأعلاه مادةَ الدم الذي يغذو البدنَ لأن عدم تكونهما في الكرش مما لا ريب فيه ، بل الكبِدُ تجذب صفاوة الطعام المنهضمِ في الكرش ويبقى ثفلُه وهو الفرثُ ثم يُمسكها ريثما يهضمها فيُحدثُ أخلاطاً أربعة معها مائيةً فتُميَّز تلك المائيةُ ما زاد على قدر الحاجة من المِرَّتين الصفراءِ والسوداء وتدفعها إلى الكِلْية والمرارة والطّحال ، ثم توزِّع الباقي على الأعضاء بحسبها فتُجري على كلَ حقَّه على ما يليق به بتقدير العزيز العليم ، ثم إن كان الحيوانُ أنثى زاد أخلاطَها على قدر غذائها لاستيلاء البردِ والرطوبةِ على مزاجها فيندفع الزائدُ أو لا لأجل الجنينِ إلى الرحم فإذا انفصل انصب ذلك الزائدُ أو بعضُه إلى الضروع فيبيّض لمجاورته لحومَها الغذوية البِيضِ ويلَذّ طعمُه فيصيرُ لبناً ، ومن تدبر في بدائع صنعِ الله تعالى فيما ذكر من الأخلاط والألبانِ وإعداد مقارّها ومجاريها والأسبابِ الموَلّدة لها وتسخيرِ القُوى المتصرفة فيها كلَّ وقت على ما يليق به اضطُرّ إلى الاعتراف بكمال علمِه وقدرتِه وحكمتِه وتناهي رأفته ورحمتِه . فمِن الأولى تبعيضيةٌ لما أن اللبن بعضُ ما في بطونه لأنه مخلوقٌ من بعض أجزاءِ الدم المتولّدِ من الأجزاء اللطيفةِ التي في الفرث حسبما فصل ، والثانيةُ ابتدائية كقولك : سقَيت من الحوض لأن بين الفرث والدمِ مبدأَ الإسقاء ، وهي متعلقةٌ بنُسقيكم وتقديمه على المفعول لما مر مراراً من أن تقديم ما حقُّه التأخيرُ يبعث للنفس شوقاً إلى المؤخر موجباً لفضل تمكّنِه عند ورودِه عليها لا سيما إذا كان المقدمُ متضمناً لوصف منافٍ لوصف المؤخَّر كالذي نحن فيه ، فإن بين وصفَيْ المقدّمِ والمؤخر تنافياً وتنائياً بحيث لا يتراءى ناراهما ، فإن ذلك مما يزيد الشوقَ والاستشرافَ إلى المؤخر كما في قوله تعالى : { الذى جَعَلَ لَكُم مّنَ الشجر الأخضر نَاراً } أو حالٌ من لبناً قُدّم عليه لتنكيره والتنبيه على أنه موضعُ العبرة { خَالِصًا } عن شائبة ما في الدم والفرثِ من الأوصاف ببرزخٍ من القدرة القاهرة الحاجزةِ عن بغي أحدِهما عليه مع كونهما مكتنفين له { سَآئِغًا لِلشَّارِبِينَ } سهلَ المرور في حلقهم ، قيل : لم يغَصَّ أحدٌ باللبن ، وقرىء سيِّغاً بالتشديد وبالتخفيف مثل هيْن وهيِّن . (4/133)
وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (67) وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69)
{ وَمِن ثمرات النخيل والأعناب } متعلقٌ بما يدل عليه الإسقاء من مطلق الإطعامِ المنتظمِ لإعطاء المطعومِ والمشروبِ فإن اللبن مطعومٌ كما أنه مشروبٌ أي ونطعمكم من ثمرات النخيل ومن الأعناب أي من عصيرهما ، وقوله تعالى : { تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا } استئنافٌ لبيان كُنه الإطعامِ وكشفِه . أو بقوله : تتخذون منه ، وتكريرُ الظرفِ للتأكيد ، أو خبر لمبتدأ محذوفٍ صفتُه تتخذون أي ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمرٌ تتخذون منه ، وحَذْفُ الموصوف إذا كان في الكلام كلمةُ مِنْ سائغٌ نحو قوله تعالى : { وَمَا مِنَّا إِلاَّ لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ } وتذكيرُ الضمير على الوجهين الأولين لأنه للمضاف المحذوفِ أعني العصير أو لأن المراد هو الجنسُ والسَّكَر مصدرٌ سُمّي به الخمرُ ، وقيل : هو النبيذُ ، وقيل : هو الطعم { وَرِزْقًا حَسَنًا } كالتمر والدبس والزبيب والخلّ ، والآية إن كانت سابقةَ النزول على تحريم الخمر فدالّةٌ على كراهتها وإلا فجامعةٌ بين العتاب والمِنّة { إِنَّ فِى ذَلِكَ لأَيَةً } باهرةً { لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } يستعملون عقولَهم في الآيات بالنظر والتأمل . (4/134)
{ وأوحى رَبُّكَ إلى النحل } أي ألهمها وقذف في قلوبها وعلّمها بوجوه لا يعلمها إلا العليمُ الخبير وقرى بفتحتين { أَنِ اتخذى } أي بأن اتخذي على أنّ أنْ مصدريةٌ ويجوز أن تكون مفسرةً لما في الإيحاء من معنى القول ، وتأنيثُ الضمير مع أن النحلَ مذكر للحمل على معنى الجمع أو لأنه جمعُ نحلة ، والتأنيثُ لغة أهل الحجاز { مِنَ الجبال بُيُوتًا } أي أوكاراً مع ما فيها من الخلايا ، وقرىء بيوتاً بكسر الباء { وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ } أي يعرِشه الناسُ أي يرفعه من كرْم أو سقف ، وقيل : المرادُ به ما يرفعه الناسُ ويبنونه للنحل ، والمعنى اتخذي لنفسك بيوتاً من الجبال والشجر إذا لم يكن لك أرباب وإلا فاتخذي ما يعرِشونه لك ، وإيرادُ حرفِ التبعيض لما أنها لا تبنى في كل جبل وفي كل شجر وكل عرش ولا في كل مكان منها .
{ ثُمَّ كُلِى مِن كُلّ الثمرات } من كل ثمرة تشتهينها حُلوِها ومُرِّها { فاسلكى } ما أكلتِ منها { سُبُلَ رَبّكِ } أي مسالكَه التي برَأها بحيث يُحيل فيها بقدرته القاهرة النَّوَر المرَّ عسلاً من أجوافك أو فاسلكي الطرقَ التي ألهمك في عمل العسلِ أو فاسلكي راجعةً إلى بيوتك سبلَ ربك لا تتوعّر عليك ولا تلتبس { ذُلُلاً } جمع ذَلول وهو حال من السبل أي مذللة غيرَ متوعرة ذللها الله سبحانه وسهلها لك ، أو من الضمير في اسلكي أي اسلكي منقادةً لما أُمرتِ به { يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا } استئناف عُدل به عن خطاب النحلِ لبيان ما يظهر منها من تعاجيب صنعِ الله تعالى التي هي موضعُ العبرة بعد ما أُمِرتْ بما أمرتْ { شَرَابٌ } أي عسل لأنه مشروب ، واحتج به وبقوله تعالى : { كُلِى } من زعم أن النحلَ تأكلُ الأزهار والأوراقَ العطِرة فتستحيل في بطنها عسلاً ثم تقيءُ ادّخاراً للشتاء ، ومن زعم أنها تلتقط بأفواهها أجزاءً قليلةً حُلوة صغيرة متفرقةً على الأزهار والأوراق وتضعها في بيوتها ، فإذا اجتمع فيها شيءٌ كثيرٌ يكون عسلاً فسّر البطونَ بالأفواه { مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ } أبيضُ وأسودُ وأصفرُ وأحمرُ حسب اختلاف سنِّ النحل أو الفصلِ أو الذي أخذت منه العسل { فِيهِ شِفَآء لِلنَّاسِ } إما بنفسه كما في الأمراض البلغمية أو مع غيره كما في سائر الأمراض ، إذ قلما يكون معجونٌ لا يكون فيه عسلٌ ، مع أن التنكيرَ فيه مُشعرٌ بالتبعية ، ويجوز كونه للتفخيم ، وعن قتادةَ أن رجلاً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : إن أخي يشتكي بطنه ، فقال عليه الصلاة والسلام :
« اسقِه العسلَ » فذهب ثم رجع فقال : قد سقَيتُه فما نفع ، فقال : « اذهبْ فاسقِه عسلاً فقد صدق الله وكذب بطنُ أخيك » فسقاه فبرِىء كأنما أُنْشِط من عِقال ، وقيل : الضميرُ للقرآن أو لِما بين الله تعالى من أحوال النحل . وعن ابن مسعود رضي الله عنه : « العسلُ شفاءٌ لكل داء ، والقرآنُ شفاء لما في الصدور » « فعليكم بالشفاءَين العسلِ والقرآنِ » { إِنَّ فِى ذَلِكَ } الذي ذكر من أعاجيب آثار قدرةِ الله تعالى { لآيَةً } عظيمة { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فإن من تفكر في اختصاص النحلِ بتلك العلومِ الدقيقة والأفعالِ العجيبةِ المشتملةِ على حسن الصنعةِ وصِحة القسمة التي لا يقدر عليها حُذّاقُ المهندسين إلا بآلات دقيقةٍ وأدواتٍ أنيقة وأنظار دقيقة ، جزم قطعاً بأن له خالقاً قادراً حكيماً يلهمها ذلك ويهديها إليه جل جلاله . (4/135)
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ يَتَوَفَّاكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (70)
{ والله خَلَقَكُمْ } لما ذكر سبحانه من عجائب أحوالِ ما ذَكَر من الماء والنبات والأنعام والنحل أشار إلى بعض عجائبِ أحوالِ البشر من أول عمُره إلى آخره وتطوراتِه فيما بين ذلك وقد ضبطوا مراتبَ العمُر في أربع : الأولى سنُّ النشوء والنماء ، والثانية سنُّ الوقوف وهي سن الشباب ، والثالثة سنُّ الانحطاط القليل وهي سنُّ الكهولة ، والرابعة سنُّ الانحطاط الكبير وهي سنُّ الشيخوخة { ثُمَّ يتوفاكم } حسبما تقتضيه مشيئتُه المبنيةُ على حِكَم بالغةٍ بآجال مختلفة أطفالاً وشباباً وشيوخاً { وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ } قبل توفّيه أي يعاد { إلى أَرْذَلِ العمر } أي أخسِّه وأحقرِه وهو خمسٌ وسبعون سنة على ما روي عن علي رضي الله عنه ، وتسعون سنة على ما نقل عن قتادة رضي الله عنه ، وقيل : خمسٌ وتسعون ، وإيثارُ الردِّ على الوصول والبلوغِ ونحوهما للإيذان بأن بلوغَه والوصولَ إليه رجوعٌ في الحقيقة إلى الضُّعف بعد القوة كقوله تعالى : { وَمَن نّعَمّرْهُ نُنَكّسْهُ فِى الخلق } ولا عمُرَ أسوأُ حالاً من عمر الهرِمِ الذي يشبه الطفلَ في نقصان العقل والقوة { لِكَيْلاَ يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ } كثير { شَيْئاً } من العلم أو من المعلومات أو لكيلا يعلم شيئاً بعد علمٍ بذلك الشيء ، وقيل : لئلا يعقِلَ بعد عقله الأولِ شيئاً { إِنَّ الله عَلِيمٌ } بمقادير أعماركم { قَدِيرٌ } على كل شيء يميت الشابَّ النشيطَ ويُبقي الهرِمَ الفانيَ ، وفيه تنبيهٌ على أن تفاوتَ الآجالِ ليس إلا بتقدير قادرٍ حكيم ركب أبنيتَهم وعدّل أمزجتَهم على قدر معلوم ولو كان ذلك مقتضى الطبائع لما بلغ التفاوتُ هذا المبلغ . (4/136)
وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ هُمْ يَكْفُرُونَ (72)
{ والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ فِى الرزق } أي جعلكم متفاوتين فيه فأعطاكم منه أفضلَ مما أعطى مماليكَكم { فَمَا الذين فُضّلُواْ } فيه على غيرهم { بِرَآدّى رِزْقِهِمْ } الذي رزقهم الله { على مَا مَلَكَتْ أيمانهم } على مماليكهم الذين هم شركاؤُهم في المخلوقية والمرزوقية { فَهُمُ } أي المُلاّك والمماليك { فِيهِ } أي في الرزق { سَوَآء } أي لا يردونه عليهم بحيث يساوونهم في التصرف ويشاركونهم في التدبير ، والفاء للدِلالة على ترتيب التساوي على الرد أي لا يردونه عليهم ردًّا مستتبعاً للتساوي ، وإنما يردون عليهم منه شيئاً يسيراً فحيث لا يرضَون بمساواة مماليكِهم لأنفسهم وهم أمثالُهم في البشرية والمخلوقية لله عز سلطانُه في شيء لا يختصّ بهم بل يعُمهم وإياهم من الرزق الذي هم أُسوةٌ لهم في استحقاقه ، فما بالُهم يشركون بالله سبحانه وتعالى فيما لا يليق إلا به من الألوهية والمعبوديةِ الخاصّة بذاته تعالى لذاته بعضَ مخلوقاته الذي هو بمعزل من درجة الاعتبار وهذا كما ترى مثَلٌ ضُرب لكمال قباحةِ ما فعله المشركون تقريعاً عليهم كقوله تعالى : { هَلْ لَّكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أيمانكم مّن شُرَكَاء فِيمَا رزقناكم فَأَنتُمْ فِيهِ سَوَاء } الآية { أَفَبِنِعْمَةِ الله يَجْحَدُونَ } حيث يفعلون ما يفعلون من الإشراك فإن ذلك يقتضي أن يضيفوا نعم الله سبحانه الفائضةَ عليهم إلى شركائهم ويجحدوا كونَها من عند الله تعالى ، أو حيث أنكروا أمثالَ هذه الحجج البالغةِ بعد ما أنعم الله بها عليهم ، والباء لتضمين الجحودِ معنى الكفر نحوُ { وَجَحَدُواْ بِهَا } والفاء للعطف على مقدر وهي داخلةٌ في المعنى على الفعل أي أيشركون به فيجحدون نعمته ، وقرىء تجحدون على الخطاب ، أو ليس الموالي برادّي رزقهم على مماليكهم بل أنا الذي أرزقهم وإياهم فلا يحسبوا أنهم يعطونهم شيئاً وإنما هو رزقي أُجريه على أيديهم فهم جميعاً في ذلك سواءٌ لا مزيةَ لهم على مماليكهم ، ألا يفهمون ذلك فيجحدون نعمة الله؟ فهو ردّ على زعم المفضَّلين أو على فعلهم المؤذِن بذلك أو ما المفضَّلون برادّي بعضِ فضلهم على مماليكهم فيتساووا في ذلك جميعاً مع أن التفضيلَ ليس إلا ليبلوَهم أيشكرون أم يكفرون ، ألا يعرِفون ذلك فيجحدون نعمةَ الله تعالى؟ كأنه قيل : فلم يردوه عليهم ، والجملةُ الاسميةُ للدلالة على استمرارهم على عدم الرد . يحكى عن أبي ذر رضي الله عنه أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : " إنما هم إخوانُكم فاكسُوهم مما تلبَسون وأطعِموهم مما تَطعَمون " فما رؤيَ عبدُه بعد ذلك إلا ورداؤُه رداؤُه وإزارُه إزاره من غير تفاوت . (4/137)
{ والله جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ } أي من جنسكم { أزواجا } لتأنَسوا بها وتقيموا بذلك جميعَ مصالحِكم ويكون أولادُكم أمثالَكم ، وقيل : هو خلقُ حواءَ من ضِلْع آدمَ عليه الصلاة والسلام { وَجَعَلَ لَكُمْ مّنْ أزواجكم } وضع الظاهرُ موضعَ المضمر للإيذان بأن المرادَ جعلَ لكل منكم من زوجه لا من زوج غيره { بنيان } وبأن نتيجةَ الأزواج هو التوالد { وَحَفَدَةً } جمعُ حافد وهو الذي يسرع في الخِدمة والطاعة ، ومنه قولُ القانت : «وإليك نسعى ونحفد» أي جعل لكم خدماً يسرعون في خدمتكم وطاعتِكم .
وقيل : المرادُ بهم أولادُ الأولاد ، وقيل : البناتُ عبّر عنهن بذلك إيذاناً بوجه المنة بأنهن يخْدُمن البيوت أتمَّ خدمة ، وقيل : أولادُ المرأة من الزوج الأول ، وقيل : البنون ، والعطفُ لاختلاف الوصفين ، وقيل : الأختان على البنات ، وتأخيرُ المنصوب في الموضعين عن المجرور لما مر من التشويق وتقديمُ المجرور باللام على المجرور بمن للإيذان من أول الأمر بعَود منفعةِ الجعلِ إليهم إمداداً للتشويق وتقويةً له ، أي جعل لمصلحتكم مما يناسبكم أزواجاً وجعل لمنفعتكم من جهة مناسبةٍ لكم بنين وحفَدة { وَرَزَقَكُم مّنَ الطيبات } من اللذائذ أو من الحلالات ، ومن للتبعيض إذ المرزوقُ في الدنيا أنموذجٌ لما في الآخرة { أفبالباطل يُؤْمِنُونَ } وهو أن الأصنامَ تنفعهم وأن البحائرَ ونحوها حرامٌ والفاء في المعنى داخلةٌ على الفعل وهي للعطف على مقدر أي أيكفرون بالله الذي شأنُه هذا فيؤمنون بالباطل؟ أو أبعد تحقّقِ ما ذُكر من نعم الله تعالى بالباطل أو أبعد تحققِ ما ذكر من نعم الله تعالى بالباطل يؤمنون دون الله سبحانه { وَبِنِعْمَتِ الله } تعالى الفائضةِ عليهم مما ذكر ومما لا يحيط به دائرةُ البيان { هُمْ يَكْفُرُونَ } حيث يضيفونها إلى الأصنام ، وتقديمُ الصلة على الفعل للاهتمام أو لإيهام الاختصاص مبالغةً أو لرعاية الفواصل ، والالتفات إلى الغيبة للإيذان باستيجاب حالِهم للإعراض عنهم وصرفِ الخطاب إلى غيرهم من السامعين تعجيباً لهم مما فعلوه . (4/138)
وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (74) ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (75)
{ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } لعله عطفٌ على يكفرون داخلٌ تحت الإنكار التوبيخيّ ، أي أيكفرون بنعمة الله ويعبدون مِن دونه { مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مّنَ السموات والأرض شَيْئاً } إنْ جُعل الرزقُ مصدراً فشيئاً نُصب على المفعولية منه أي ما لا يقدر على أن يرزقَهم شيئاً لا من السموات مطراً ولا من الأرض نباتاً ، وإن جُعل اسماً للمرزوق فنصْبٌ على البدلية منه بمعنى قليلاً ، ومن السموات والأرض صفةٌ لرزقاً أي كائناً منهما ويجوز كونه تأكيداً لِلا يملك أي لا يملك رزقاً ما شيئاً من الملك { وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ } أن يملكوه إذ لا استطاعةَ لهم رأساً لأنها مَواتٌ لا حَراك بها ، فالضميرُ للآلهة ويجوز أن يكون للكفرة على معنى أنهم مع كونهم أحياءً متصرفين في الأمور لا يستطيعون من ذلك شيئاً فكيف بالجماد الذي لا حِسّ به . (4/139)
{ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلَّهِ الأمثال } التفاتٌ إلى الخطاب للإيذان بالاهتمام بشأن النهي أي لا تشركوا به شيئاً ، والتعبيرُ عن ذلك بضرب المثَل للقصد إلى النهي عن الإشراك به تعالى في شأن من الشؤون ، فإن ضربَ المثلِ مبناه تشبيهُ حالة بحالة وقصةٍ بقصة أي لا تُشَبّهوا بشأنه تعالى شأناً من الشؤون ، واللامُ مَثَلُها في قوله تعالى : { ضَرَبَ الله مَثَلاً لّلَّذِينَ كَفَرُواْ امرأت نُوحٍ } { وَضَرَبَ الله مَثَلاً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ امرأة فِرْعَوْنَ } لا مثلُها في قوله تعالى : { واضرب لَهُمْ مَّثَلاً أصحاب القرية } ونظائرِه ، والفاءُ للدلالة على ترتب النهي على ما عدّه من النعم الفائضةِ عليهم من جهته سبحانه ، وكونِ ما يشركون به تعالى بمعزل من أن يملِك لهم من إمطار السموات والأرض شيئاً من رزق ما ، فضلاً عما فُصّل من نعمة الخلق والتفضيل في الرزق ونعمةِ الأزواج والأولاد { أَنَّ الله يَعْلَمُ } تعليلٌ للنهي المذكور ووعيدٌ على المنهيّ عنه ، أي إنه تعالى يعلم كنهَ ما تأتون وما تذرون وأنه في غاية العِظم والقبح { وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ } ذلك وإلا لَما فعلتموه أو أنه تعالى يعلم كُنهَ الأشياء وأنتم لا تعلمونه فدعوا رأيَكم وقِفوا مواقفَ الامتثالِ لِما ورد عليكم من الأمر والنهي ، ويجوز أن يُراد فلا تضرِبوا لله الأمثالَ إن الله يعلم كيف تُضرب الأمثال وأنتم لا تعلمون ذلك فتقعون فيما تقعون فيه من مهاوي الردى والضلال ثم علمهم كيفيةَ ضرب الأمثال في هذا الباب فقال :
{ ضَرَبَ الله مَثَلاً } أي ذكر وأورد شيئاً يُستدل به على تباين الحالِ بين جنابه عز وجل وبين ما أشركوا به ، وعلى تباعدهما بحيث ينادى بفساد ما ارتكبوه نداء جلياً { عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ على شَىْء } بدلٌ من مثلاً وتفسيرٌ له ، والمثَلُ في الحقيقة حالتُه العارضة له من المملوكية والعجزِ التامّ ، وبحسَبها ضربُ نفسِه مثلاً ، ووصفُ العبد بالمملوكية للتمييز عن الحر لاشتراكهما في كونهما عبدين لله سبحانه وقد أُدمج فيه أن الكل عبيدٌ له تعالى ، وبعدم القدرة لتمييزه عن المكاتَب والمأذون اللَّذين لهما التصرّف في الجملة ، وفي إبهام المثلِ أولاً ثم بيانِه بما ذكر ما لا يخفى من الفخامة والجزالة { وَمَن رَّزَقْنَاهُ } مَنْ موصوفةٌ معطوفة على عبداً أي رزقناه بطريق المُلك ، والالتفاتُ إلى التكلم للإشعار باختلاف حالَيْ ضرب المثل والرزق { مِنَّا } من جنابنا الكبير المتعالي { رِزْقًا حَسَنًا } حلالاً طيباً أو مستحسَناً عند الناس مرضياً { فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ } تفضّلاً وإحساناً ، والفاءُ لترتيب الإنفاق على الرزق كأنه قيل : ومَنْ رزقناه منا رزقاً حسناً فأنفق ، وإيثارُ ما عليه النظم الكريم من الجلمة الاسميةِ الفعليةِ الخبر للدِلالة على ثبات الإنفاقِ واستمرارِه التجدديّ { سِرّا وَجَهْرًا } أي حالَ السر والجهر أو إنفاقَ سرَ وإنفاقَ جهر ، والمرادُ بيانُ عمومِ إنفاقِه للأوقات وشمولِ إنعامه لمن يجتنب عن قبوله جهراً ، والإشارةُ إلى أصناف نعمِ الله تعالى الباطنةِ والظاهرةِ وتقديمُ السر على الجهر للإيذان بفضله عليه ، والعدولُ عن تطبيق القرينيتن بأن يقال وحرًّا مالكاً للأموال مع كونه أدلَّ على تباين الحالِ بينه وبين قسميه لتوخّي تحقيقِ الحقِّ بأن الأحرارَ أيضاً تحت ربقة عبوديتِه سبحانه وتعالى وأن مالكيتَهم لما يملكونه ليست إلا بأن يرزُقَهم الله تعالى إياه من غير أن يكون لهم مدخلٌ في ذلك مع محاولة المبالغة في الدِلالة على ما قُصد بالمثل من تباين الحالِ بين الممثَّلين فإن العبدَ المملوك حيث لم يكن مثلَ العبد المالكِ فما ظنُّك بالجماد ومالكِ المُلك خلاّق العالمين .
{ هَلْ يَسْتَوُونَ } جمعُ الضمير للإيذان بأن المرادَ بما ذكر مَن اتصف بالأوصاف المذكورة من الجنسين المذكورين لا فردان معينان منهما أي يستوي العبيد والأحرار الموصوفون بما ذكر من الصفات مع أن الفريقين سيانِ في البشرية والمخلوقية لله سبحانه وأن ما ينفقه الأحرارُ ليس مما لهم دخلٌ في إيجاده ولا في تملكه بل هو مما أعطاه الله تعالى إياهم فحيث لم يستوِ الفريقان فما ظنُّكم برب العالمين حيث تشركون به ما لا ذليلَ أذلُّ منه وهو الأصنام { الحمد للَّهِ } أي كلُّه له لأنه مولى جميع النعم لا يستحقه أحدٌ غيرُه وإن ظهرت على أيدي بعض الوسايط فضلاً عن استحقاق العبادة ، وفيه إرشادٌ إلى ما هو الحقُّ من أنّ ما يظهر على يد مَنْ ينفق مما ذكر ارجعٌ إليه سبحانه كما لوح به قوله تعالى : { رَّزَقْنَاهُ } { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ما ذكر فيُضيفون نعمَه تعالى إلى غيره ويعبدونه لأجلها ، ونفيُ العلم عن أكثرهم للإشعار بأن بعضهم يعلمون ذلك وإنما لا يعملون بموجبه عناداً كقوله تعالى : { يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله ثُمَّ يُنكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون . } (4/140)
وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَم لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (76) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (77)
{ وَضَرَبَ الله مَثَلاً } أي مثلاً آخرَ يدل على ما دل عليه المثلُ السابقُ على وجه أوضحَ وأظهرَ وبعد ما أبهم ذلك لتنتظرَ النفسُ إلى وروده وتترقبه حتى يتمكّن لديها عند ورودِه ( فضل تمكن ) بيّن فقيل : { رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ } وهو من وُلد أخرسَ { لاَّ يَقْدِرُ على شَىْء } من الأشياء المتعلّقةِ بنفسه أو بغيره بحدْس أو فراسة لقِلة فهمِه وسوءِ إدراكِه { وَهُوَ كَلٌّ } ثِقَلٌ وعِيالٌ { على مَوْلاهُ } على مَن يعوله ويلي أمرَه ، وهذا بيانٌ لعدم قدرتِه على إقامة مصالحِ نفسه بعد ذكر عدم قدرتِه على شيء مطلقاً ، وقوله تعالى : { أَيْنَمَا يُوَجّههُّ } أي حيث يرسله مولاه في أمر ، بيانٌ لعدم قدرتِه على إقامة مصالحِ مولاه ولو كانت مصلحةً يسيرة ، وقرىء على البناء للمفعول وعلى صيغة الماضي من التوجه { لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ } بنُجْح وكفايةِ مُهمّ البتةَ . (4/141)
{ هَلْ يَسْتَوِى هُوَ } مع ما فيه من الأوصاف المذكورةِ { وَمَن يَأْمُرُ بالعدل } أي مَنْ هو مِنطيقٌ فهِمٌ ذو رأي وكفاية ورشد ينفع الناسَ بحثهم على العدل الجامع لمجامعِ الفضائل { وَهُوَ } في نفسه مع ما ذكر من نفعه العام للخاص والعام { على صراط مُّسْتَقِيمٍ } ومقابلةُ الصفاتِ المذكورة عدمُ استحقاقِ المأمورية ، وملخصُ هذين استحقاقُ كمالِ الآمرية المستتبِعِ لحيازة المحاسنِ بأجمعها ، وتغييرُ الأسلوب حيث لم يقل : والآخر آمرٌ بالعدل الآية ، لمراعاة الملاءمةِ بينه وبين ما هو المقصودُ من بيان التبايُنِ بين القرينتين . واعلم أن كلاًّ من الفعلين ليس المرادُ بهما حكايةَ الضربِ الماضي بل المرادُ إنشاؤُه بما ذُكر عَقيبه ، ولا يبعُد أن يقال : إن الله تعالى ضرب مثلاً بخلق الفريقين على ما هما عليه فكان خلقُهما كذلك للاستدلال بعدم تساويهما على امتناع التساوي بينه سبحانه وبين ما يشركون ، فيكون كلٌّ من الفعلين حكايةً للضرب الماضي .
{ وَللَّهِ } تعالى خاصةً لا لأحد غيرِه استقلالاً ولا اشتراكاً { غَيْبَ السموات والارض } أي الأمورُ الغائبةُ عن علوم المخلوقين قاطبةً بحيث لا سبيلَ لهم إليها لا مشاهدةً ولا استدلالاً ، ومعنى الإضافةِ إليهما التعلقُ بهما إما باعتبار الوقوعِ فيهما حالاً أو مآلاً وإما باعتبار الغَيبة عن أهلهما ، والمرادُ بيانُ الاختصاصِ به تعالى من حيث المعلوميةُ حسبما ينبىء عنه عنوانُ الغيبية لا من حيث المخلوقيةُ والمملوكيةُ وإن كان الأمر كذلك في نفس الأمر ، وفيه إشعارٌ بأن علمه سبحانه حضوريٌّ فإن تحقق الغيوبِ في أنفسها عِلمٌ بالنسبة إليه تعالى ، ولذلك لم يقل : ولله علمُ غيبِ السموات والأرض { وَمَا أَمْرُ الساعة } التي هي أعظمُ ما وقع في المماراةُ من الغيوب المتعلقة بهما من حيث غيبتُها عن أهلهما أو ظهورُ آثارها فيهما عند وقوعها ، فأن وقتَ وقوعها بعينه من الغيوب المختصة به سبحانه وإن كانت آنيّتُها من الغيوب التي نُصبت عليها الأدلة ، أي ما شأنُها في سرعة المجيء { إِلاَّ كَلَمْحِ البصر } أي كرجع الطرفِ من أعلى الحدَقة إلى أسفلها { أَوْ هُوَ } أي بل أمرُها فيما ذكر { أَقْرَبُ } من ذلك وأسرعُ زماناً بأن يقع في بعضٍ من زمانه ، فإن ذلك وإنْ قصُر حركةٌ آنيةٌ لها هُوِيةٌ اتصاليةٌ منطبقةٌ على زمان له هويةٌ كذلك قابلٌ للانقسام إلى أبعاض هي أزمنة أيضاً ، بل في آن غيرِ منقسمٍ من ذلك الزمان وهو آنُ ابتداءِ تلك الحركةِ ، أو ما أمرُها إلا كالشيء الذي يُستقرب ويقال : هو كلمح البصر ، أو هو أقرب .
وأياً ما كان فهو تمثيلٌ لسرعة مجيئها حسبما عبّر عنها في فاتحة السورة الشريفة بالإتيان . (4/142)
{ إِنَّ الله على كُلِّ شَىْء قَدِيرٌ } ومن جملة الأشياء أن يجيء بها أسرعَ ما يكون فهو قادرٌ على ذلك ، أو وما أمرُ إقامةِ الساعة التي كُنهُها وكيفيتُها من الغيوب الخاصةِ به سبحانه ، وهي إماتةُ الأحياءِ وإحياءُ الأمواتِ من الأولين والآخرين ، وتبديلُ صورِ الأكوان أجمعين ، وقد أنكرها المنكرون وجعلوها من قبيل ما لا يدخُل تحت الإمكان في سرعة الوقوعِ وسهولةِ التأتي إلا كلمح البصر أو هو أقرب على ما مر من الوجهين إن الله على كل شيء قدير فهو قادر على ذلك لا محالة ، وقيل : غيبُ السموات والأرض عبارةٌ عن يوم القيامة بعينه لما أن علمه بخصوصه غائبٌ عن أهلهما ، فوضْعُ الساعة موضعَ الضمير لتقوية مضمونِ الجملة .
وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (78)
{ والله أَخْرَجَكُم مّن بُطُونِ أمهاتكم } عطف على قوله تعالى : { والله جَعَلَ لَكُمْ مّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا } منتظمٌ معه في سلك أدلةِ التوحيد من قوله تعالى : { والله أَنزَلَ مِنَ السماء مَآء } وقولِه تعالى : { والله خَلَقَكُمْ } وقوله تعالى : { والله فَضَّلَ بَعْضَكُمْ على بَعْضٍ } والأمهات بضم الهمزة وقرىء بكسرها أيضاً جمعُ الأم زيدت الهاء فيه كما زيدت في أهراق من أراق وشذّت زيادتُها في الواحدة ، قال (4/143)
أُمهتي خِندِفُ والياسُ أبي ... { لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا } في موقع الحال أي غيرَ عالمين شيئاً أصلاً { وَجَعَلَ لَكُمُ السمع والأبصار والافئدة } عطف على ( أخرجكم ) وليس فيه دلالةٌ على تأخر الجمعِ المذكورِ عن الإخراج لما أن مدلولَ الواو هو الجمعُ مطلقاً لا الترتيبُ ، على أن أثر ذلك الجعلِ لا يظهر قبل الإخراج أي جعل لكم هذه الأشياءَ آلاتٍ تحصّلون بها العلمَ والمعرفة بأن تُحِسوا بمشاعركم جزئياتِ الأشياء وتُدركوها بأفئدتكم وتتنبهوا لما بينها من المشاركات والمباينات بتكرر الإحساسِ فيحصل لكم علومٌ بديهيةٌ تتمكنون بالنظر فيها من تحصيل العلومِ الكسبية . والأفئدة جمع فؤاد وهو وسطُ القلب وهو للقلب كالقلب من الصدر ، وهو من جموع القلة التي جرت مَجرى جموعِ الكثرة ، وتقديمُ المجرور على المنصوبات لما مر من الإيذان من أول الأمر بكون المجعول نافعاً لهم وتشويقِ النفس إلى المؤخر ليتمكن عند ورودِه عليها فضلَ تمكن { لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } كي تعرِفوا ما أنعم به عليكم طوراً غِبَّ طَورٍ فتشكروه ، وتقديمُ السمع على البصر لما أنه طريق تلقي الوحي أو لأن إدراكه أقدمُ من إدراك البصر ، وإفرادُه باعتبار كونه مصدراً في الأصل .
أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79) وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (80)
{ أَلَمْ يَرَوْاْ } وقرىء بالتاء { إِلَى الطير } جمع طائر أي ألم ينظروا إليها { مسخرات } مذلّلاتٍ للطيران بما خلق لها من الأجنحة والأسبابِ المساعدة له ، وفيه مبالغةٌ من حيث إن معنى التسخيرِ جعلُ الشيء منقاداً لآخرَ يتصرف فيه كيف يشاء كتسخير البحر والفُلك والدوابِّ للإنسان ، والواقعُ هاهنا تسخيرُ الهواء للطير لتطير فيه كيف تشاء فكان مقتضى طبيعةِ الطير السقوطَ فسخرها الله تعالى للطيران ، وفيه تنبيهٌ على أن الطيرانَ ليس بمقتضى طبعِ الطير بل ذلك بتسخير الله تعالى { فِى جَوّ السمآء } أي في الهواء المتباعدِ من الأرضَ والسكاك واللوح أبعدُ منه ، وإضافتُه إلى السماء لما أنه في جانبها من الناظر ولإظهار كمالِ أجلّ القدرة . (4/144)
{ مَا يُمْسِكُهُنَّ } في الجو حين قبْضِ أجنحتهن وبسطِها ووقوفِهن { إِلاَّ الله } عز وجل بقدرته الواسعة ، فإن ثقلَ جسدها ورِقّةَ قوامِ الهواء يقتضيان سقوطَها ولا عِلاقةَ من فوقها ولا دِعامة من تحتها ، وهو إما حالٌ من الضمير المستتر في مسخّرات أو من الطير وإما مستأنف { إِنَّ فِى ذَلِكَ } الذي ذكر من تسخير الطير للطيران بأن خلقها خِلْقةً تتمكن بها منه بأن جعل لها أجنحةً خفيفة وأذناباً كذلك وجعل أجسادها من الخِفة بحيث إذا بسطت أجنحتها وأذنابَها لا يطيق ثقلها يخرق ما تحتها من الهواء الرقيق القوام وتخرق ما بين يديها من الهواء لأنها لا تلاقيه بحجم كبير { لاَيَاتٍ } ظاهرة { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أي من شأنهم أن يؤمنوا وإنما خص ذلك بهم لأنهم المنتفعون به .
{ والله جَعَلَ لَكُمُ } معطوف على ما مر وتقديم لكم على ما سيأتي من المجرور والمنصوب لما مر من الإيذان من أول الأمر بأنه لمصلحتهم ومنفعتهم لتشويق النفسِ إلى وروده ، وقولُه تعالى : { مِن بُيُوتِكُمْ } أي المعهودة التي تبنونها من الحجر والمدَر تبيينُ ذلك المجعول المبْهمِ في الجملة وتأكيدٌ لما سبق من التشويق { سَكَناً } فَعَلٌ بمعنى مفعول أي موضعاً تسكنون فيه وقت إقامتِكم أو تسكنون إليه من غير أن ينتقل من مكانه ، أي جعل بعضَ بيوتكم بحيث تسكنون إليه وتطمئنون به { وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ الانعام بُيُوتًا } أي بيوتاً أُخَرَ مغايرةً لبيوتكم المعهودةِ هي الخيامُ والقِباب والأخبية والفساطيط .
{ تَسْتَخِفُّونَهَا } تجدونها خفيفةً سهلةَ المأخذ { يَوْمَ ظَعْنِكُمْ } وقت تَرحالِكم في النقض والحمل والنقل ، وقرىء بفتح العين { وَيَوْمَ إقامتكم } وقت نزولِكم في الضرب والبناء { وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا } عطفٌ على قوله تعالى : { مّن جُلُودِ } والضمائر للأنعام على وجه التنويع ، أي وجعل لكم من أصواف الضأن وأوبارِ الإبل وأشعار المعْزِ { أَثَاثاً } أي متاعَ البيت وأصلُه الكثرةُ والاجتماعُ ومنه شعرٌ أثيثٌ { ومتاعا } أي شيئاً يُتمتّع به بفنون التمتع { إلى حِينٍ } إلى أن تقضوا منه أوطارَكم أو إلى أن يبلى ويفنى فإنه في معرض البلى والفناء ، وقيل : إلى أن تموتوا ، والكلام في ترتيب المفاعيل مثلُ ما مر من قبل .
وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (81) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (82)
{ والله جَعَلَ لَكُمْ مّمَّا خَلَقَ } من غير صنعٍ من قِبلكم { ظلالا } أشياءَ تستظلون بها من الحر كالغمام والشجرِ والجبل وغيرها . امتنّ سبحانه بذلك لِما أن تلك الديارَ غالبةُ الحرارة { وَجَعَلَ لَكُمْ مّنَ الجبال أكنانا } مواضعَ تسكنون فيها من الكهوف والغِيران والسُّروب ، والكلام في الترتيب الواقع بين المفاعيل كالذي مرَّ غير مرة . (4/145)
{ وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ } جمع سِربال وهو كل ما يُلبس ، أي جعل لكم ثياباً من القُطن والكَتان والصوف وغيرها { تَقِيكُمُ الحر } خصّه بالذكر اكتفاءً بذكر أحد الضدّين عن ذكر الآخر أو لأن وقايتَه هي الأهم عندهم لما مر آنفاً { وسرابيل } من الدروع والجواشن { تَقِيكُم بَأْسَكُمْ } أي البأسَ الذي يصل إلى بعضكم من بعض في الحرب من الضرب والطعن ، ولقد منّ الله سبحانه علينا حيث ذكر جميعَ نعمِه الفائضةِ على جميع الطوائف فبدأ بما يخُص المقيمين حيث قال : { والله جَعَلَ لَكُمْ مّن بُيُوتِكُمْ سَكَنًا } ثم بما يخص المسافرين ممن لهم قدرةٌ على الخيام وأضرابِها حيث قال : { وَجَعَلَ لَكُمْ مّن جُلُودِ الانعام } الخ ، ثم بما يعم من لا يقدر على ذلك ولا يأويه إلا الظلالُ حيث قال : { وَجَعَلَ لَكُمُ * مّمَّا خَلَقَ ظلالا } الخ ، ثم بما لا بد منه لأحد حيث قال : { وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ } الخ ، ثم بما لا غنى عنه في الحروب حيث قال : { وسرابيل تَقِيكُم بَأْسَكُمْ } ثم قال : { كذلك } أي مثلَ ذلك الإتمامِ البالغِ { يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } أي إرادةَ أن تنظروا فيما أسبغ عليكم من النعم الظاهرةِ والباطنةِ والأنفسيةِ والآفاقية فتعرِفوا حقَّ مُنعمِها فتؤمنوا به وحده وتذروا ما كنتم به تشركون وتنقادوا لأمره ، وإفرادُ النعمة إما لأن المرادَ بها المصدرُ أو لإظهار أن ذلك بالنسبة إلى جانب الكبرياءِ شيءٌ قليل ، وقرىء تَسلمون أي تسلمون من العذاب أو من الشرك ، وقيل : من الجراح بلبس الدروع .
{ فَإِن تَوَلَّوْاْ } فعل ماض على طريقة الالتفات ، وصرفُ الخطابِ عنهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم تسليةٌ له أي فإن أعرضوا عن الإسلام ولم يقبلوا منك ما ألقيَ إليهم من البينات والعِبر والعظات { فَإِنَّمَا عَلَيْكَ البلاغ المبين } أي فلا قصور من جهتك لأن وظيفتك هي البلاغُ الموضح أو الواضح وقد فعلتَه بما لا مزيد عليه فهو من باب وضعِ السببِ موضعَ المسبب .
يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ (83) وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (84) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (85) وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُوا مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (86)
{ يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ الله } استئنافٌ لبيان أن تولّيَهم وإعراضَهم عن الإسلام ليس لعدم معرفتهم بما عُدد من نعم الله تعالى أصلاً فإنهم يعرِفونها ويعترفون أنها من الله تعالى { ثُمَّ يُنكِرُونَهَا } بأفعالهم حيث يعبدون غيرَ مُنعمها أو بقولهم : إنها بشفاعة آلهتِنا أو بسبب كذا ، وقيل : نعمةُ الله تعالى نبوةُ محمد صلى الله عليه وسلم عرفوها بالمعجزات كما يعرفون أبناءَهم ثم أنكروها عِناداً ، ومعنى ثم استبعادُ الإنكار بعد المعرفة لأن حق مَنْ عرف النعمة الاعترافُ بها لا الإنكارُ ، وإسنادُ المعرفة والإنكارِ المتفرِّعِ عليها إلى ضمير المشركين على الإطلاق من باب إسنادِ حالِ البعض إلى الكل كقولهم : بنو فلان قتلوا فلاناً وإنما القاتل واحدٌ منهم ، فإن بعضهم ليسوا كذلك لقوله سبحانه : { وَأَكْثَرُهُمُ الكافرون } أي المنكرون بقلوبهم غيرُ المعترفين بما ذكر ، والحُكم عليهم بمطلق الكفر المؤذِن بالكمال من حيث الكميةُ لا ينافي كمالَ الفِرقة الأولى من حيث الكيفية . هذا وقد قيل : ذكرُ الأكثر إما لأن بعضهم لم يَعرِفوا لنقصان العقل أو التفريطِ في النظر ، أو لم يقُم عليه الحجةُ لأنه لم يبلغ حد التكليف فتدبر . (4/146)
{ وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِن كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا } يشهد لهم بالإيمان والطاعةِ وعليهم بالكفر والعصيان وهو نبيها { ثُمَّ لاَ يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ } في الاعتذار إذ لا عذرَ لهم وثم للدَّلالة على أن ابتلأَهم بالمنع عن الاعتذار المنبىء عن الإقناط الكليِّ وهو عندما يقال لهم : { اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } أشدُّ من ابتلائهم بشهادة الأنبياء عليهم السلام عليهم وأطمُّ { وَلاَ هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ } يُسترضَون أي لا يقال لهم : ارضُوا ربكم إذ الآخرةُ دارُ الجزاء لا دارُ العمل ، وانتصابُ الظرف بمحذوف تقديرُه اذكرْ أو خوِّفْهم يوم نبعث الخ ، أو يوم نبعث بهم ما يحيق مما لا يوصف وكذا قوله تعالى : { وَإِذَا رَأى الذين ظَلَمُواْ العذاب } الذي يستوجبونه بظلمهم وهو عذابُ جهنم { فَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمُ } ذلك { وَلاَ هُمْ يُنظَرُونَ } أي يُمهلون كقوله تعالى : { بَلْ تَأْتِيهِم بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ . } { وَإِذَا رَءا الذين أَشْرَكُواْ شُرَكَآءهُمْ } الذين كانوا يدعونهم في الدنيا وهم الأوثانُ أو الشياطينُ الذين شاركوهم في الكفر بالحمل عليه وقارنوهم في الغيّ والضلال { قَالُواْ رَبَّنَا هَؤُلآء شُرَكَآؤُنَا الذين كُنَّا نَدْعُوْا مِن دُونِكَ } أي نعبدهم أو نطيعهم ولعلهم قالوا ذلك طمعاً في توزيع العذابِ بينهم كما ينبىء عنه قوله سبحانه : { فَأَلْقَوُاْ } أي شركاؤهم { إِلَيْهِمُ القول إِنَّكُمْ لكاذبون } فإن تكذيبهم إياهم فيما قالوا ليس إلا للمدافعة والتخلص عن غائلة مضمونه ، وإنما كذبوهم وقد كانوا يعبدونهم ويطيعونهم لأن الأوثانَ ما كانوا راضين بعبادتهم لهم فكأن عبادتَهم لهم كما قالت الملائكةُ عليهم السلام : { بَلْ كَانُواْ يَعْبُدُونَ الجن } يعنون أن الجنَّ هم الذين كانوا راضين بعبادتهم لا نحن أو كذبوهم في تسميتهم شركاءَ وآلهةً تنزيهاً لله سبحانه عن الشريك . والشياطينُ وإن كانوا راضين بعبادتهم لهم لكنهم لم يكونوا حاملين لهم على وجه القسر والإلجاءِ كما قال إبليسُ : { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى } فكأنهم قالوا : ما عبدتمونا حقيقة بل إنما عبدتم أهواءكم .
وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (87) الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (88) وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (89)
{ وَأَلْقَوْاْ } أي الذين أشركوا { إلى الله يَوْمَئِذٍ السلم } الاستسلامَ والانقيادَ لحُكمه العزيز الغالب بعد الاستكبار عنه في الدنيا { وَضَلَّ عَنْهُم } أي ضاع وبطل { مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من أن لله سبحانه شركاءَ وأنهم ينصُرون ويشفعون لهم وذلك حين كذبوهم وتبرؤا منهم . (4/147)
{ الذين كَفَرُواْ } في أنفسهم { وَصُدُّواْ } غيرهم { عَن سَبِيلِ الله } بالمنع عن الإسلام والحمل على الكفر { زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب } الذي كانوا يستحقونه بكفرهم ، قيل في زيادة عذابهم : حياتٌ أمثالُ البُخْت وعقاربُ أمثالُ البغال تلسَع إحداهن فيجد صاحبها حُمَتَها أربعين خريفاً ، وقيل : يُخرجون من النار إلى الزمهرير فيبادرون من شدة البرد إلى النار { بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ } متعلق بقوله : زدناهم ، أي زدنا عذابَهم بسبب استمرارِهم على الإفساد وهو الصدّ المذكور .
{ وَيَوْمَ نَبْعَثُ } تكريرٌ لما سبق تثنيةً للتهديد { فِى كُلّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ } أي نبياً { مّنْ أَنفُسِهِمْ } من جنسهم قطعاً لمعذرتهم وفي قوله تعالى : { عَلَيْهِمْ } إشعارٌ بأن شهادةَ أنبيائِهم على الأمم تكون بمحضر منهم { وَجِئْنَا بِكَ } إيثارُ لفظ المجيء على البعث لكمال العنايةِ بشأنه عليه السلام ، وصيغةُ الماضي للدِلالة على تحقق الوقوع { شَهِيدًا على هَؤُلآء } الأممِ وشهدائِهم كقوله تعالى : { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هَؤُلاء شَهِيداً } وقيل : على أمتك والعاملُ في الظرف محذوفٌ كما مر والمراد يوم القيامة { وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الكتاب } الكاملَ في الكتابية الحقيقَ بأن يُخَص باسم الجنس ، وهو إما استئنافٌ أو حال بتقدير قد { تِبْيَانًا } بياناً بليغاً { لّكُلّ شَىْء } يتعلق بأمور الدين ، ومن جملة ذلك أحوالُ الأممِ مع أنبيائهم عليهم السلام فيكون كالدليل على كونه عليه السلام شهيداً عليهم وكذا من جملته ما أخبر به هذه الآيةُ الكريمة من بعث الشهداءِ وبعثِه عليه السلام شهيداً عليهم عليهم الصلاة والسلام ، والتبيانُ كالتِلقاء في كسر أوله ، وكونُه تبياناً لكل شيء من أمور الدين باعتبار أن فيه نصاً على بعضها وإحالةً لبعضها على السنة حيث أُمر باتباع النبي عليه السلام وطاعته ، وقيل فيه : { وَمَا يَنطِقُ عَنِ الهوى } وحثًّا على الإجماع وقد رضي رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته باتباع أصحابه حيث قال : « أصحابي كالنّجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم » وقد اجتهدوا وقاموا ووطّأوا طرقَ الاجتهاد فكانت السنة والإجماعُ والقياسُ مستندةً إلى تبيان الكتاب ولم يضُرَّ ما في البعض من الخفاء في كونه تبياناً فإن المبالغةَ باعتبار الكمية دون الكيفية كما قيل في قوله تعالى : { وَمَا أَنَاْ بظلام لّلْعَبِيدِ } إنه من قولك : فلان ظالم لعبده وظلام لعبيده ومنه قوله سبحانه : { وَمَا للظالمين مِنْ أَنصَارٍ } { وَهُدًى وَرَحْمَةٌ } للعالمين فإن حرمانَ الكفرة من مغانم آثارِه من تفريطهم لا من جهة الكتاب { وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ } خاصة أو يكون كلُّ ذلك خاصاً بهم لأنهم المنتفِعون بذلك .
إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91)
{ إِنَّ الله يَأْمُرُ } أي فيما نزّله تبياناً لكل شيء وهدًى ورحمةً وبشرى للمسلمين ، وإيثارُ صيغةِ الاستقبال فيه وفيما بعده لإفادة التجددِ والاستمرار { بالعدل } بمراعاة التوسطِ بين طرفي الإفراطِ والتفريطِ وهو رأسُ الفضائل كلِّها يندرج تحته فضيلةُ القوةِ العقلية الملكية من الحِكمة المتوسطةِ بين الحُرية والبَلادة ، وفضيلةُ القوةِ الشهوية البهيمية من العِفة المتوسّطة بين الخلاعة والخمود ، وفضيلةُ القوة الغضبية السبعية من الشجاعة المتوسطة بين التهوُّرِ والجُبن ، فمن الحِكم الاعتقادية التوحيدُ المتوسطُ بين التعطيل والتشريك . نقل عن ابن عباس رضي الله عنهما : «أن العدلَ هو التوحيدُ» والقولُ بالكسب المتوسّطِ بين الجبر والقدَر ، ومن الحِكم العملية التعبدُ بأداء الواجبات المتوسطِ بين البَطالة والترهب ، ومن الحِكم الخلُقية الجودُ المتوسط بين البخل والتبذير { والإحسان } أي الإتيانِ بما أمر به على الوجه اللائقِ وهو إما بحسب الكمية كالتطوع بالنوافل أو بحسب الكيفيةِ كما يشير إليه قولُه صلى الله عليه وسلم : " الإحسانُ أن تعبدَ الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك " { وَإِيتَآء ذِى القربى } أي إعطاءِ الأقارب ما يحتاجون إليه ، وهو تخصيصٌ إثرَ تعميمٍ اهتماماً بشأنه { وينهى عَنِ الفحشاء } الإفراط في مشايعة القوةِ الشهوية كالزنى مثلاً { والمنكر } ما يُنكَر شرعاً أو عقلاً من الإفراط في إظهار آثار القوةِ الغضبية { والبغى } الاستعلاءُ والاستيلاءُ على الناس والتجبرُ عليهم وهو من آثار القوة الوهمية الشيطانيةِ التي هي حاصلةٌ من رذيلتَيْ القوتين المذكورتين الشهويةِ والغضبية ، وليس في البشر شرٌّ إلا وهو مندرجٌ في هذه الأقسام صادرٌ عنه بواسطة هذه القُوى الثلاث ، ولذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه : " هي أجمعُ آيةٍ في القرآن للخير والشر " ولو لم يكن فيه غيرُ هذه الآية الكريمة لكفَتْ في كونه تبياناً لكل شيءٍ وهدى ( ورحمة ) { يَعِظُكُمُ } بما يأمر وينهى ، وهو إما استئنافٌ وإما حالٌ من الضميرين في الفعلين { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } طلباً لأن تتعظوا بذلك . (4/148)
{ وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ الله } هو البَيعةُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإنها مبايعةٌ لله سبحانه لقوله تعالى : { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } { إِذَا عاهدتم } أي حافظوا على حدود ما عاهدتم الله عليه وبايعتم به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم { وَلاَ تَنقُضُواْ الأيمان } التي تحلِفون بها عند المعاهدة { بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } حسبما هو المعهودُ في أثناء العهودِ لا على أن يكون النهيُ مقيداً بالتوكيد مختصاً به { وَقَدْ جَعَلْتُمُ الله عَلَيْكُمْ كَفِيلاً } شاهداً رقيباً ، فإن الكفيلَ مُراعٍ لحال المكفول به محافظٌ عليه { إِنَّ الله يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ } من نقض الأيمان والعهودِ فيجازيكم على ذلك .
وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93)
{ وَلاَ تَكُونُواْ } فيما تصنعون من النقض { كالتى نَقَضَتْ غَزْلَهَا } أي ما غزلتْه ، مصدرٌ بمعنى المفعول { مِن بَعْدِ قُوَّةٍ } متعلق بنقضت أي كالمرأة التي نقضت غزلها من بعد إبرامه وإحكامِه { أنكاثا } طاقاتٍ نكثتْ فتلَها جمع نِكْث ، وانتصابه على الحالية من غزْلَها أو على أنه مفعولٌ ثانٍ لنقضت فإنه بمعنى صيّرت ، والمرادُ تقبيحُ حالِ النقض بتشبيه الناقض بمثل هذه الخرقاءِ المعتوهةِ . قيل : هي ( رَيْطةُ بنتُ سعد بن تيم ) وكانت خرقاءَ اتخذت مِغزلاً قدرَ ذراعٍ وصَنّارةً مثلَ أصبع وفلكةً عظيمةً على قدرها فكانت تغزِل هي وجواربها من الغداة إلى الظهر ثم تأمرهن فينقُضْن ما غزَلْن { تَتَّخِذُونَ أيمانكم دَخَلاً بَيْنَكُمْ } حالٌ من الضمير في لا تكونوا أو في الجار والمجرور الواقعِ موقعَ الخبر أي مشابهين لامرأة شأنُها هذا حالَ كونِكم متَّخذين أيمانَكم مفسدةً ودخَلاً بينكم ، وأصلُ الدخَل ما يدخُل الشيء ولم يكن منه { أَن تَكُونَ أُمَّةٌ } أي بأن تكون جماعة { هِىَ أَرْبَى } أي أزيد عدداً وأوفر مالاً { مِنْ أُمَّةٍ } من جماعة أخرى أي لا تغدُروا بقوم لكثرتكم وقلتهم أو لكثرة مُنابذيهم وقوتهم كقريش ، فإنهم كانوا إذا رأوا شوكةً في أعادي حلفائِهم نقضوا عهدَهم وحالفوا أعداءهم { إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ الله بِهِ } أي بأن تكون أمةٌ أربى من أمة ، أي يعاملكم بذلك معاملةَ من يختبركم لينظر أتتمسكون بحبل الوفاءِ بعهد الله وبَيعةِ رسولِه عليه السلام أم تغترّون بكثرة قريشٍ وشوكتِهم وقلةِ المؤمنين وضعفهم بحسب ظاهر الحال { وَلَيُبَيّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ القيامة مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } حين جازاكم بأعمالكم ثواباً وعقاباً . (4/149)
{ وَلَوْ شَاء الله } مشيئةَ قسرٍ وإلجاءٍ { لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحدة } متفقةً على الإسلام { ولكن } لا يشاء ذلك لكونه مزاحِماً لقضية الحِكمة بل { يُضِلُّ مَن يَشَاء } إضلالَه أي يخلق فيه الضلالَ حسبما يصرِفُ اختيارَه الجزئيَّ إليه { وَيَهْدِى مَن يَشَاء } هدايته حسبما يصرِف اختيارَه إلى تحصيلها { وَلَتُسْئَلُنَّ } جميعاً يوم القيامة { عَمَّا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا ، وهذا إشارةٌ إلى ما لُوِّح به من الكسب الذي عليه يدور أمرُ الهداية والضلال .
وَلَا تَتَّخِذُوا أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِهَا وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِمَا صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (94) وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (96)
{ وَلاَ تَتَّخِذُواْ أيمانكم دَخَلاً بَيْنَكُمْ } تصريحٌ بالنهي عنه بعد التضمين تأكيداً ومبالغةً في بيان قبحِ المنهيِّ عنه وتمهيداً لقوله سبحانه : { فَتَزِلَّ قَدَمٌ } عن مَحَجّة الحق { بَعْدَ ثُبُوتِهَا } عليها ورسوخِها فيها بالإيمان ، وإفرادُ القدم وتنكيرُها للإيذان بأن زلَلَ قدمٍ واحدة أيَّ قدمٍ كانت عزّت أو هانت محذورٌ عظيم فكيف بأقدام كثيرة { وَتَذُوقُواْ السوء } أي العذابَ الدنيوي { بِمَا صَدَدتُّمْ } بصدودكم أو بصدّكم غيرَكم { عَن سَبِيلِ الله } الذين ينتظم الوفاءَ بالعهود والأيمان ، فإن من نقض البَيعةَ وارتدّ جَعل ذلك سنةً لغيره { وَلَكُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } . (4/150)
{ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ الله } أي لا تأخذوا بمقابلة عهدِه تعالى وبَيعةِ رسوله عليه السلام أو آياتِه الناطقة بإيجاب المحافظةِ على العهود والأيمان { ثَمَناً قَلِيلاً } أي لا تستبدلوا بها عرَضاً يسيراً وهو ما كانت قريشٌ يعِدّون ضعفةَ المسلمين ويشترطون لهم على الارتداد من حُطام الدنيا { إِنَّمَا عِنْدَ الله } عز وجل من النصر والتنعيم والثوابِ الأخرويّ { هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } مما يعِدونكم { إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ } أي إن كنتم من أهل العلمِ والتمييزِ ، وهو تعليلٌ للنهي على طريقة التحقيقِ كما أن قوله تعالى : { مَا عِندَكُمْ } تعليلٌ للخيرية بطريق الاستئنافِ أي ما تتمتعون به من نعيم الدنيا وإن جل بل الدنيا وما فيها جميعاً { يَنفَدُ } وإن جمّ عددُه ، وينقضي وإن طال أمدُه { وَمَا عِندَ الله } من خزائن رحمتِه الدنيوية والأخروية { بَاقٍ } لا نفادَ له ، أما الأخرويةُ فظاهرةٌ وأما الدنيويةُ فحيث كانت موصولةً بالأخروية ومستتبِعةً لها فقد انتظمت في سِمْط الباقيات .
وفي إيثار الاسمِ على صيغة المضارعِ من الدلالة على الدوام ما لا يخفى ، وقوله تعالى : { وَلَنَجْزِيَنَّ } بنون العظمة على طريقة الالتفاتِ تكريرُ الوعد المستفادِ من قوله تعالى : { إِنَّمَا عِنْدَ الله هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ } على نهج التوكيدِ القسميِّ مبالغةٌ في الحمل على الثبات في الدين ، والالتفاتُ عما يقتضيه ظاهرُ الحال من أن يقال : ولنجزينكم أجركم بأحسن ما كنتم تعملون ، للتوسل إلى التعرض لأعمالهم والإشعارِ بعليتها للجزاء أي والله لنجزين { الذين صَبَرُواْ } على أذية المشركين ومشاقِّ الإسلام التي من جملتها الوفاءُ بالعهود والفقرُ ، وقرىء بالياء من غير التفاتٍ { أَجْرَهُمْ } مفعولٌ ثانٍ لنجزين أي لنُعطِينّهم أجرَهم الخاصَّ بهم بمقابلة صبرِهم على ما مُنوا به من الأمور المذكورة { بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي لنجزينهم بما كانوا يعملونه من الصبر المذكورِ ، وإنما أضيف إليه الأحسنُ للإشعار بكمال حسنِه كما في قوله سبحانه : { وَحُسْنَ ثَوَابِ الأخرة } لا لإفادة قصرِ الجزاءِ على الأحسن منه دون الحسَن ، فإن ذلك مما لا يخطر ببال أحد ، لا سيما بعد قوله تعالى : { أَجْرَهُمْ } و { لنجزينهم } بحسب أحسنِ أفرادِ أعمالِهم على معنى لنعطينهم بمقابلة الفردِ الأدنى من أعمالهم المذكورة ما نعطيه بمقابلة الفردِ الأعلى منها من الأجر الجزيلِ لا أنا نُعطي الأجر بحسب أفرادِها المتفاوتةِ في مراتب الحسن بأن نجزيَ الحسنَ منها بالأجر الحسَنِ والأحسنَ بالأحسن .
وفيه ما لا يخفى من العُهدة الجميلة باغتفار ما عسى يعتريهم في تضاعيف الصبر من بعض جزَعٍ ، ونظمِه في سلك الصبر الجميل ، أو لنجزينهم بجزاءٍ أحسنَ من أعمالهم . (4/151)
وأما التفسيرُ بما ترجح فعلُه من أعمالهم كالواجبات والمندوبات أو بما ترجح تركُه أيضاً كالمحرمات والمكروهات دلالةً على أن ذلك هو المدارُ للجزاء دون ما يستوي فعلُه وتركُه كالمباحات ، فلا يساعده مقامُ الحثِّ على الثبات على ما هم عليه من الأعمال الحسنةِ المخصوصة والترغيبِ في تحصيل ثمراتها ، بل التعرضُ لإخراج بعض أعمالِهم عن مدارية الجزاءِ من قبيل تحجيرِ الرحمةِ الواسعة في مقام توسيعِ حِماها .
مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (98)
{ مَّنْ عَمِلَ صالحا } أي عملاً صالحاً أيَّ عملٍ كان ، وهذا شروعٌ في تحريض كافةِ المؤمنين على كل عملٍ صالح غِبَّ ترغيبِ طائفةٍ منهم في الثبات على ما هم عليه من عمل صالحٍ مخصوصٍ دفعاً لتوهم اختصاصِ الأجر الموفورِ بهم وبعملهم المذكور وقوله تعالى : { مّن ذَكَرٍ أَوْ أنثى } مبالغةٌ في بيان شمولِه للكل { وَهُوَ مُؤْمِنٌ } قيّده به إذ لا اعتدادَ بأعمال الكفرة في استحقاق الثواب أو تخفيفِ العذاب لقوله تعالى : { وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } وإيثارُ إيرادِه بالجملة الاسميةِ الحالية على نظمه في سلك الصلةِ لإفادة وجوبِ دوامه ومقارنتِه للعمل الصالح { فَلَنُحْيِيَنَّهُ حياة طَيّبَةً } أما إن كان موسراً فظاهرٌ وأما إن كان معسِراً فيطيب عيشُه بالقناعة والرضى بالقسمة وتوقعِ الأجرِ العظيم كالصائم يطيب نهارُه بملاحظة نعيمِ ليلِه بخلاف الفاجر ، فإنه إن كان معسراً فظاهرٌ وإن كان موسراً فلا يدعه الحِرصُ وخوفُ الفوات أن يتهنأ بعيشه { وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ } في الآخرة { أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } حسبما نفعل بالصابرين فليس فيه شائبةُ تكرار ، والجمعُ في الضمائر العائدةِ إلى الموصول لمراعاة جانبِ المعنى كما أن الإفراد فيما سلف لرعاية جانب اللفظ ، وإيثار ذلك على العكس لِما أن وقوعَ الجزاءِ بطريق الاجتماعِ المناسبِ للجمعية ووقوعَ ما في حيز الصلةِ وما يترتب عليه بطريق الافتراقِ والتعاقُب الملائمِ للإفراد ، وإذ قد انتهى الأمرُ إلى أن مدار الجزاءِ المذكورِ وهو صلاحُ العمل وحسنُه رُتّب عليه بإلغاء الإرشاد إلى ما به يحسُن العمل الصالح ويخلُص عن شَوب الفساد فقيل : (4/152)
{ فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان } أي إذا أردت قراءتَه عبّر بها عن إرادتها على طريقة إطلاقِ اسم المسبّب على السبب إيذاناً بأن المرادَ هي الإرادةُ المتصلةُ بالقراءة { فاستعذ بالله } فاسأله عز جارُه أن يعيذك { مِنَ الشيطان الرجيم } من وساوسه وخطَراتِه كيلا يوسوسَك عند القراءة فإن له هَمّةً بذلك ، قال تعالى : { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِىّ إِلاَّ إِذَا تمنى أَلْقَى الشيطان فِى أُمْنِيَّتِهِ } الآية ، وتوجيهُ الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتخصيصُ قراءة القرآن من بين الأعمال الصالحة بالاستعاذة عند إرادتها للتنبيه على أنها لغيره عليه الصلاة والسلام وفي سائر الأعمال الصالحةِ أهمّ فإنه عليه السلام حيث أُمر بها عند قراءةِ القرآن الذي لا يأتيه الباطلُ من بين يديه ولا من خلفه فما ظنكم بمن عداه عليه السلام وفيما عدا القراءةَ من الأعمال والأمرُ للندب وهذا مذهبُ الجمهور ، وعند عطاءٍ للوجوب وقد أخذ بظاهر النظمِ الكريم فاستعاذ عَقيبَ القراءة أبو هريرة رضي الله عنه ومالكٌ وابنُ سيرينَ وداودُ وحمزةُ من القراء ، وعن ابن مسعودٍ رضي الله عنه : قرأتُ على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت : أعوذ بالسميع العليم من الشيطان الرجيم ، فقال عليه السلام : « قل أعوذ بالله من الشيطان الرجيم هكذا أقرأنيه جبريلُ عليه السلام عن القلم عن اللوح المحفوظ »
إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100) وَإِذَا بَدَّلْنَا آَيَةً مَكَانَ آَيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (101)
{ أَنَّهُ } الضمير للشأن أو للشيطان { لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ } تسلّطٌ وولاية { على الذين ءامَنُواْ وعلى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } أي إليه يفوضون أمورَهم وبه يعوذون في كل ما يأتون وما يذرون فإن وسوستَه لا تؤثر فيهم ودعوتَه غيرُ مستجابة عندهم ، وإيثارُ صيغةِ الماضي في الصلة الأولى للدِلالة على التحقق كما أن اختيارَ صيغةِ الاستقبالِ في الثانية لإفادة الاستمرارِ التجدّدي ، وفي التعرض لوصف الربوبية عِدَةٌ كريمةٌ بإعادة المتوكلين ، والجملة تعليلٌ للأمر بالاستعاذة أو لجوابه المنويِّ أي يُعِذْك أو نحوه . (4/153)
{ إِنَّمَا سلطانه } أي تسلّطُه وولايتُه بدعوته المستتبعةِ للاستجابة لا سلطانُه بالقسر والإلجاء فإنه مُنتفٍ عن الفريقين لقوله سبحانه حكايةً عنه : { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ فاستجبتم لِى } وقد أفصح عنه قولُه تعالى : { على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ } أي يتخذونه وليًّا ويستجيبون دعوتَه ويُطيعونه فإن المقسورَ بمعزل من ذلك { والذين هُم بِهِ } سبحانه وتعالى { مُّشْرِكُونَ } أو بسبب الشيطانِ مشركون إذ هو الذي حملهم على الإشراك بالله سبحانه ، وقصُر سلطانه عليهم غِبَّ نفيه عن المؤمنين المتوكلين دليلٌ على أنْ لا واسطة في الخارج بين التوكل على الله تعالى وبين تولي الشيطان وإن كان بينهما واسطةٌ في المفهوم وأن من لم يتوكل عليه تعالى ينتظمُ في سلك مَنْ يتولّى الشيطانَ من حيث لا يحتسب إذ به يتم التعليلُ ففيه مبالغةٌ في الحمل على التوكل والتحذيرِ عن مقابله ، وإيثارُ الجملة الفعليةِ الاستقبالية في الصلة الأولى لما مر من إفادة الاستمرارِ التجدّدي كما أن اختيارَ الجملةِ الاسميةِ في الثانية للدلالة على الثبات ، وتكريرُ الموصولِ للاحتراز عن توهم كونِ الصلةِ الثانية حاليةً مفيدةً لعدم دخول غيرِ المشركين من أولياء الشيطانِ تحت سلطانِه ، وتقديمُ الأولى على الثانية التي هي بمقابلة الصلة الأولى فيما سلف لرعاية المقارَنةِ بينها وبين ما يقابلها من التوكل على الله تعالى ، ولو رُوعيَ الترتيبُ السابق لانفصل كلٌّ من القرينتين عما يقابلها .
{ وَإِذَا بَدَّلْنَآ ءايَةً مَّكَانَ ءايَةٍ } أي إذا أنزلنا آيةً من القرآن مكان آية منه وجعلناها بدلاً منها بأن نسخناها بها { والله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزّلُ } أولاً وآخِراً وبأن كلاًّ من ذلك ما نزلت حيثما نزلت إلا حسبما تقتضيه الحِكمةُ والمصلحة ، فإن كل وقت له مقتضًى غيرُ مقتضى الآخَر ، فكم من مصلحة في وقت تنقلب في وقت آخرَ مفسدةً وبالعكس ، لانقلاب الأمورِ الداعية إلى ذلك وما الشرائعُ إلا مصالحُ للعباد في المعاش والمعاد ، تدور حسبما تدور المصالحُ ، والجملةُ إما معترضةٌ لتوبيخ الكفرةِ والتنبيهِ على فساد رأيهم ، وفي الالتفات إلى الغَيبة مع إسناد الخبرِ إلى الاسم الجليلِ المستجمِع للصفات ما لا يخفى من تربية المهابةِ وتحقيقِ معنى الاعتراض أو حالية وقرىء بالتخفيف من الإنزال { قَالُواْ } أي الكفرة الجاهلون بحكمة النسخ { إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ } أي متقوّلٌ على الله تعالى تأمر بشيء ثم يبدو لك فتنهى عنه ، وحكايةُ هذا القول عنهم هاهنا للإيذان بأن ذلك كَفْرةٌ ناشئةٌ من نزغات الشيطان وأنه وليُّهم { بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } أي لا يعلمون شيئاً أصلاً أو لا يعلمون أن في النسخ حِكَماً بالغةً ، وإسنادُ هذا الحكمِ إلى الأكثر لما أن منهم مَنْ يعلم ذلك وإنما ينكره عِناداً .
قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (102) وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (103)
{ قُلْ نَزَّلَهُ } أي القرآنَ المدولَ عليه بالآية { رُوحُ القدس } يعني جبريلُ عليه السلام أي الروحُ المطهّر من الأدناس البشرية ، وإضافةُ الروحِ إلى القدس وهو الطُهْرُ كإضافة حاتم إلى الجود حيث قيل : حاتمُ الجودِ للمبالغة في ذلك الوصفِ كأنه طبعٌ منه ، وفي صيغة التفعيلِ في الموضعين إشعارٌ بأن التدريجَ في الإنزال مما تقتضيه الحِكَمُ البالغة { مِن رَبّكَ } في إضافة الربِّ إلى ضميره صلى الله عليه وسلم من الدلالة على تحقيق إفاضةِ آثارِ الربوبية عليه صلى الله عليه وسلم ما ليس في إضافته إلى ياء المتكلم المبنيةِ على التلقين المحض { بالحق } أي ملتبساً بالحق الثابتِ الموافقِ للحكمة المقتضيةِ له بحيث لا يفارقها إنشاءً ونسخاً ، وفيه دَلالةٌ على أن النسخ حق { لِيُثَبّتَ الذين ءامَنُواْ } على الإيمان بأنه كلامُه تعالى فإنهم إذا سمعوا الناسخَ وتدبّروا ما فيه من رعاية المصالحِ اللائقة بالحال رسَخت عقائدُهم واطمأنت قلوبُهم ، وقرىء ليُثبت من الإفعال { وَهُدًى وبشرى لِلْمُسْلِمِينَ } المنقادين لحُكمه تعالى وهما معطوفان على محل ليثبت أي تثبيتاً وهدايةً وبشارةً ، وفيه تعريضٌ بحصول أضدادِ الأمورِ المذكورة لمن سواهم من الكفار . (4/154)
{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ } غيرَ ما نقل عنهم من المقالة الشنعاء { إِنَّمَا يُعَلّمُهُ } أي القرآنَ { بُشّرَ } على طريق البتّ مع ظهور أنه نزّله روحُ القدس عليه الصلاة والسلام ، وتحليةُ الجملةِ بفنون التأكيدِ لتحقيق ما تتضمنه من الوعيد ، وصيغةُ الاستقبال لإفادة استمرارِ العلم بحسب الاستمرارِ التجدّدي في متعلَّقه فإنهم مستمرون على تفوّه تلك العظيمةِ ، يعنون بذلك جبراً الروميَّ غلامَ عامر بنِ الحضرمي ، وقيل : جبراً ويساراً كانا يصنعان السيفَ بمكة ويقرآن التوارةَ والإنجيلَ وكان الرسولُ عليه الصلاة والسلام يمرّ عليهما ويسمع ما يقرآنه ، وقيل : عابساً غلامَ حويطِب بنِ عبدِ العزى ( كان ) قد أسلم وكان صاحبَ كتب ، وقيل : سلمانَ الفارسي ، وإنما لم يصرَّح باسم من زعموا أنه يعلمه مع كونه أدخلَ في ظهور كذبِهم للإيذان بأن مدار خطابهم ليس نسبتَه عليه السلام إلى التعلم من شخص معينٍ بل من البشر كائناً مَنْ كان مع كونه عليه السلام معدِناً لعلوم الأولين والآخرين { لّسَانُ الذى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ } الإلحادُ الإمالةُ ، مِنْ ألحد القبرَ إذا أمال حفرَه عن الاستقامة فحفر في شق منه ثم استُعير لكل إمالةٍ عن الاستقامة فقالوا : ألحد فلانٌ في قوله وألحد في دينه ، أي لغةُ الرجلِ الذي يُميلون إليه القول عن الاستقامة أعجميةٌ غيرُ بيِّنةٍ ، وقرىء بفتح الياء والحاء وبتعريف اللسان { وهذا } أي القرآنُ الكريم { لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ } ذو بيان وفصاحةٍ ، والجملتان مستأنَفتان لإبطال طعنهم ، وتقريرُه أن القرآن معجزٌ بنظمه كما أنه معجزٌ بمعناه فإن زعمتم أن بشراً يعلّمه معناه فكيف يعلّمه هذا النظمَ الذي أعجز جميعَ أهل الدنيا والتشبثُ في أثناء الطعن بأذيال أمثالِ هذه الخرافاتِ الركيكة دليلٌ على كمال عجزهم .
إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ لَا يَهْدِيهِمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (104) إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ (105) مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (106)
{ إِنَّ الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله } أي لا يصدّقون أنها من عند الله بل يقولون فيها ما يقولون ، يسمّونها تارة افتراءً وأخرى أساطيرَ معلَّمةً من البشر { لاَ يَهْدِيهِمُ الله } إلى الحق أو إلى سبيل النجاةِ هدايةً موصلة إلى المطلوب لما عليم أنهم لا يستحقون ذلك لسوء حالهم { وَلَهُمْ } في الآخرة { عَذَابٌ أَلِيمٌ } وهذا تهديدٌ لهم ووعيدٌ على ما هم عليه من الكفر بآياتِ الله تعالى ونسبة رسولِ الله صلى الله عليه وسلم إلى الافتراء والتعلم من البشر بعد إماطةِ شبُهتِهم وردّ طعنهم . (4/155)
وقوله تعالى : { إِنَّمَا يَفْتَرِى الكذب الذين لاَ يُؤْمِنُونَ بآيات الله } ردٌّ لقولهم : إنما أنت مفترٍ ، وقلبٌ للأمر عليهم ببيان أنهم هم المفترون بعد رده بتحقيق أنه منزلٌ من عند الله بواسطة روحِ القدس ، وإنما وُسّط بينهما قوله تعالى : { وَلَقَدْ نَعْلَمُ } الآية ، لما لا يخفى من شدة اتصالِه بالرد الأول ، والمعنى والله تعالى أعلم أن المفتريَ هو الذي يكذّب بآيات الله ويقول إنه افتراءٌ ومعلَّمٌ من البشر أي تكذيبُها على الوجه المذكور هو الافتراءُ على الحقيقة لأن حقيقتَه الكذبُ ، والحكم بأن ما هو كلامُه تعالى ليس بكلامه تعالى في كونه كذباً وافتراءً كالحكم بأن ما ليس بكلامه تعالى كلامُه تعالى ، والتصريحُ بالكذب للمبالغة في بيان قُبحِه ، وصيغةُ المضارع لرعاية المطابقة بينه وبين ما هو عبارةٌ عنه أعني قوله : لا يؤمنون ، وقيل : المعنى إنما يفتري الكذبَ ويليق ويليق ذلك بمن لا يؤمن بآيات الله لأنه لا يترقب عقاباً عليه ليرتدعَ عنه ، وأما من يؤمن بها ويخاف ما نطقت به من العقاب فلا يمكن أن يصدر عنه افتراءٌ البتةَ { وَأُوْلئِكَ } الموصوفون بما ذكر من عدم الإيمانِ بآيات الله { هُمُ الكاذبون } على الحقيقة أو الكاملون في الكذب إذ لا كذِبَ أعظمُ من تكذيب آياتِه تعالى والطعنِ فيها بأمثال هاتيك الأباطيلِ ، والسرُّ في ذلك أن الكذِبَ الساذَجَ الذي هو عبارةٌ عن الإخبار بعدم وقوعِ ما هو واقعٌ في نفس الأمرِ بخلق الله تعالى أو بوقوعِ ما لم يقعْ كذلك مدافعةٌ لله تعالى في فعله فقط ، والتكذيبُ مدافعةٌ له سبحانه في فعله وقولِه المنبىءِ عنه معاً ، أو الذين عادتُهم الكذبُ لا يزَعُهم عنه وازعٌ من دين أو مروءةٍ ، وقيل : الكاذبون في قولهم : إنما أنت مفتر .
{ مَن كَفَرَ بالله } أي تلفظ بكلمة الكفر { مِن بَعْدِ إيمانه } به تعالى ، وهو ابتداءُ كلامٍ لبيان حالِ من كفر بآيات الله بعدما آمن بها بعد بيان حالِ من لم يؤمن بها رأساً ، ومَنْ موصولةٌ ومحلُّها الرفعُ على الابتداء ، والخبرُ محذوفٌ لدِلالة الخبرِ الآتي عليه أو هو خبرٌ لهما معاً ، أو النصبُ على الذم { إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ } على ذلك بأمر يخاف على نفسه أو على عضو من أعضائه ، وهو استثناءٌ متّصلٌ من حكم الغضبِ والعذاب أو الذمّ لأن الكفرَ لغةٌ تتم بالقول كما أشير إليه قوله تعالى : { وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بالإيمان } حالٌ من المستثنى والعاملُ هو الكفرُ الواقع بالإكراه ، لأن مقارنةَ اطمئنان القلبِ بالإيمان للإكراه لا تجدي نفعاً ، وإنما المجدي مقارنتُه للكفر الواقعِ به أي إلا مَنْ كفر بإكراه وإلا من أُكره فكفر ، والحالُ أن قلبه مطمئنٌّ بالإيمان لم تتغير عقيدتُه ، وإنما لم يصرَّح به إيماءً إلى أنه ليس بكفر حقيقة ، وفيه دليلٌ على أن الإيمانَ هو التصديقُ بالقلب { ولكن مَّن } لم يكن كذلك بل { شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا } أي اعتقده وطاب به نفساً { فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ } عظيم لا يُكتنه كُنهه { مِنَ الله } إظهارُ الاسم الجليلِ لتربية المهابة وتقويةٌ لعظيم العذاب { وَلَهُمْ عَذَابٌ عظِيمٌ } إذ لا جُرم أعظمُ من جرمهم ، والجمعُ في الضميرين المجرورين لمراعاة جانبِ المعنى كما أن الإفراد في المستكنّ في الصلة لرعاية جانبِ اللفظ .