صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
المؤلف : أبو السعود ، محمد بن محمد بن مصطفى العمادي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

{ وَإنَّا لَنَحْنُ نُحْىِ } بإيجاد الحياةِ في بعض الأجسام القابلةِ لها { وَنُمِيتُ } بإزالتها عنها ، وقد يُعمِّم الإحياءُ والإماتة لما يشمل الحيوانَ والنباتَ ، وتقديمُ الضميرِ للحصر ، وهو إما تأكيدٌ للأول أو مبتدأٌ خبرُه الفعلُ ، والجملةُ خبرٌ لإنا ، ولا يجوز كونُه ضميرَ الفصل لا لأن اللام مانعةٌ من ذلك كما قيل ، فإن النحاة جوزوا دخولَ لام التأكيدِ على ضمير الفصل كما في قوله تعالى : { إِنَّ هذا لَهُوَ القصص الحق } بل لأنه لم يقع بين اسمين { وَنَحْنُ الوارثون } أي الباقون بعد فناءِ الخلقِ قاطبةً ، المالكون للملك عند انقضاءِ زمان المُلك المجازيِّ ، الحاكمون الكلَّ أولاً وآخراً ، وليس لهم إلا التصرفُ الصُّوريُّ والملكُ المجازي ، وفيه تنبيهٌ على أن المتأخّرَ ليس بوارث للمتقدم كما يتراءى من ظاهر الحال .

(4/70)


وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَقْدِمِينَ مِنْكُمْ وَلَقَدْ عَلِمْنَا الْمُسْتَأْخِرِينَ (24) وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ إِنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (25) وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26)

{ وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستقدمين مِنكُمْ } مَنْ تقدّم منكم ولادةً وموتاً { وَلَقَدْ عَلِمْنَا المستخرين } من تأخر ولادةً وموتاً أو من خرج من أصلاب الآباءِ ومن لم يخرُجْ بعدُ ، أو مَنْ تقدم في الإسلام والجهاد وسبق إلى الطاعة ومن تأخر في ذلك ، لا يخفى علينا شيء من أحوالكم ، وهو بيانٌ لكمال علمِه بعد الاحتجاج على كمال قدرتِه ، فإن ما يدل عليها دليلٌ عليه ، وفي تكرير قوله تعالى : { وَلَقَدْ عَلِمْنَا } ما لا يخفى من الدلالة على كمال التأكيدِ ، وقيل : رغّب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصف الأول فازدحموا عليه فنزلت ، وقيل : إن امرأةً حسناءَ كانت تصلي خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم فتقدم بعضُ الناس لئلا يراها وتأخر آخرون ليرَوْها فنزلت ، والأول هو المناسب لما سبق وما لحق من قوله تعالى :
{ وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحْشُرُهُمْ } أي للجزاء ، وتوسيطُ ضميرِ العظمةِ للدلالة على أنه هو القادرُ على حشرهم والمتولِّي له لا غيرُ ، لأنهم كانوا يستبعدون ذلك ويستنكرونه ويقولون : مَنْ يحيي العظامَ وهي رميم ، أي هو يحشرهم لا غير ، وفي الالتفات والتعرض لعنوان الربوبيةِ إشعارٌ بعلة الحكم ، وفي الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام دَلالةٌ على اللطف به عليه الصلاة والسلام { إِنَّهُ حَكِيمٌ } بالغُ الحكمة متقِنٌ في أفعاله ، فإنها عبارةٌ عن العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه ، والإتيانِ بالأفعال على ما ينبغي { عَلِيمٌ } وسِع علمُه كل شيء ، ولعل تقديمَ صفةِ الحكمة للإيذان باقتضائها للحشر والجزاء .
{ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان } أي هذا النوع بأن خلقناأصله وأول فرد من أفراده خلقاً بديعاً منطوياً على خلق اسئر أفراد انطواء اجمالياً كما مر تحقيقه في سورة الأنعام { مِن صَلْصَالٍ } من طين يابس غير مطبوخ يصلصل أي يصوت عند نقرة قبل اذا توهمت في صوته مدا فهو صليل وإن توهمت فيه ترجيعاً فهو صلصلة وقيل هو تضعيف صل إذانتين { مِّنْ حَمَإٍ } من طين تغير وأسود بطول مجاورة الماء وهو صفة لصلصال أي من صلصال كائن من حم{ مَّسْنُونٍ } أي مصور من سنة الوجه وهي صورته أو مصبوب من سن الماء صبه أي مفرغ على هيئة الآنسان كما يفرغ الصور من الجواهر المذابة في القوالب وقيل منتن فهو صفة لحما و على الأولين حقه أن يكون صفة لصلصال وإنما أخر عن حمنتبيها على أن ابتداء مسنونيته ليس في حال كونه صلصالاً بل في حال كونه حمكأنه سبحانه أفرغ الحمأ فصور من ذلك تمثال انسانا أجوف فيبس حتى اذا نقر صوت ثم غيره الى جوهر آخر فتبارك الله أحسن الخالقين .

(4/71)


وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29)

{ والجآن } أبا الجن وقيل ابليس ويجوز أ ، يراد به الجنس كما هو الظاهر من الانسان لأن تشغب الجنس لما كان من فردواحد مخلوق من مادة واجدة كان الجنس بأسره مخلوقاً منها وقرئ بالهمزة وانتصابه بفعل يفسره { خَلَقْنَاهُ } وهو أقوى من الرفع للعطف على الجملة الفعلية { مِن قَبْلُ } من قبل خلق الانسان ومن هذا يظهر جواز كون المراد بالمستقدمين أحد الثقلين وبالمستأخرين الآخر والخطاب بقوله منكم للكل { مِن نَّارِ السموم } من نار الجر الشديد النافذ في المسام ولا امتناع من خلق الحياة في الأجرام البسيطة كما لا امتناع من خلقها في الجواهر المجردة فضلاً عن الأجسام المؤلفة التي غالب أجزائها الجزء الناري فانها أقبل لها من التي غالب أجزائها الجزء الأرضي وقوله تعالى من نار باعتبار الغالب كقوله تعالى خلقكم من تراب ومساق الآية الكريمة كما هو للدلالة على كمال قدرة الله تعالى وبيان بدء خلق الثقلين فهو للتنبيه على المقدمة الثانية التي يتوقف عليها إمكان الحشر وهو قبول المواد للجميع والاحياء .
{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ } نصب بإضمار ذكر وتذكير الوقت لما مر مراراً من أنه أدخل في تذكير ما وقع فيه من الحوادث وفي التعرض لوصف الربوبية المنبئة عن تبليغ الشيء إلى كماله اللائق به شيئاً فشيئاً مع الاضافة الى ضميره عليه الصلاة والسلام اشعار بعلة الحكم وتشريف له عليه الصلاة والسلام أي اذكر وقت قوله تعالى { لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ } فيما سيأتي وفيه ما ليس في صيغة الماضرع من الدلالة على أنه تعالى فاعل له البتة من غير صارف يثنيه ولا عاطف يلونه { بَشَراً } أي انساناً قيل ليس هذا عين العبارة الجارية وقت الخطاب بل الظاهر أن يكون قد قيل لهم اني خالق خلقاً من صفته كيت وكيت ولكن اقتصر عند الحكاية على الاسم وقيل حسماً كثيفاً يلاقي ويباشر وقيل خلقاً بادى البشر بلا صوف ولا شعرة { مِّن صَلْصَالٍ } متعلق بخالق أو بمحذوف وقع صفة لمفعوله أي بشراً كائناً من صلصال كائن { مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } تقدم تفسيره ولا ينافي هذا ما في قوله تعالى في سورة ص من قوله بشراً من طين فإن عدم التعرض عند الحكاية لوصف الطين من التغير والأسود ولما ورد عليه من آثار التكوين لا يستلزم عدم التعرض لذلك عند وقوع المحكى غايته أنه لم يتعرض له هناك اكتفاء بما شرح ههنا .
{ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ } أي صورته بالصورة الانسانية والخلقة البشرية أو سويت أجزاء بدنه بتعديل طبائعه { وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِى } النفخ اجراء الريح الى تجويف جسم صالح لامساكها والامتلاء بها وليس ثمة نفخ ولا منفوخ وانما هو تمثيل لافاضة ما به الحياة بالفعل على المادة القابلة لها أي فاذا كملت استعداده وأفضت عليه ما يحيا به من الروح التي هي من أمري { فَقَعُواْ لَهُ } أمر من وقع يقع وفيه دليل على أن ليس المأمور به مجرد الانحناء كما قيل أي اسقطوا له { سَاجِدِينَ } تحية له وتعظيماً أو اسجدوا لله تعالى على أنه عليه الصلاة والسلام بمنزلة القبلة حيث ظهر فيه تعاجيب آثار قدرته تعالى حكمته كقول حسان رضي الله تعالى عنه
أليس اول من صلى لقبلتكم ... وأعلم الناس بالقرآن والسنن

(4/72)


فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32)

{ فَسَجَدَ الملائكة } أي فخلقه فسواه فنفخ فيه الروح فسجد الملائكة { كُلُّهُمْ } بحيث لم يشذ منهم أحد { أَجْمَعُونَ } بحيث لم يتأخر في ذلك أحد منهم عن أحد ولا اختصاص لافادة هذا المعنى بالحالية بل يفيده التأكيد أيضاً فإن الاشتقاق الواضح يرشد الى أن فيه معنى الجمع والمعية بحسب الوضع والأصل في الخطاب التنزيل على أكمل أحوال الشيء ولا ريب في أن السجود معاً أكمل أصناف السجود لكن شاع استعماله تأكيداً وأقيم مقام كل في افادة معنى الاحاطة من غير نظر الى الكمال فإذا فهمت الاحاطة من لفظ آخر لم يكن بد من مراعاة الأصل صونا للكلام عن الالغاء وقيل أكد بتأكيدين مبالغة في التعميم هذا وأما ان سجودهم هذا هل ترتب على ما حكى من الأمر التعليقي كما تقتضيه هذه الآية الكريمة والتي في سورة ص أو على الأمر التنجيزي كما يستدعيه ما في غيرهمافقد خرجنا بفضل الله عز وجل عن عهدة تحقيقه في تفسير سورة البقرة .
{ إِلاَّ إِبْلِيسَ } استثناء متصل إما لأنه كان جنياً مفرداً مغموراً بألوف من الملائكة فعد منهم تغليباً واما لأن من الملائكة جنساً يتوالدون وهو منهم وقوله تعالى { أبى أَن يَكُونَ مَعَ الساجدين } استئناف مبين لكيفية عدم السجود المفهوم من الاستثناء فإن مطلق عدم السجود قد يكون مع النردد به علم أنه مع الاباء والاستكبار أو منقطع فيتصل به ما بعده أي لكن ابليس أبى ان يكون معهم وفيه دلالة على كمال ركاكة رأيه حيث أدمج في معصية واحدة ثلاث معاص مخالفة الأمر والاستكبار مع تحقير آدم عليه الصلاة والسلام ومفارقة الجماعة والاباء عن الانتظام في سلك أولئك المقربين الكرام { قَالَ } استئناف مبنى على سؤال من قال فماذا قال الله تعالى عند ذلك فقيل قال { ياإبليس مَا لَكَ } اي أي سبب لك لاأي غرض لك كما قيل لقوله تعالى ما منعك { أَلاَّ تَكُونَ } في أن لا تكون { مَعَ الساجدين } لآدم مع أنهم هم ومنزلتهم في الشرف منزلتهم وما كان التوبيخ عند وقوعه لمجرد تخلفه عنهم بل لكل من المعاصي الثلاث المذكورة قال تعالى في سورة الأعراف قال ما منعك أن لا تسجد اذ أمرتك وفي سورة ص قال يا ابليس ما منعك أن تسجد ملا خلقت بيدي ولكن اقتصر عند الحكاية في كل موطن على ما ذكر فيه اجتراء بما ذكر في مواطن آخر واشعار بأن كل واحدة من تلك المعاصي الثلاث كافية في التوبيخ واظهار بطلان ما ارتكبته وقد تركت حكاية التوبيخ رأساً في سورة البقرة وسورة بني اسارئيل وسورة الكهف وسورة طه .

(4/73)


قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36)

{ قَالَ } أي ابليس وهو أيضاً استئناف مبنى على السؤال الذي ينساق اليه الكلام { لَمْ أَكُن لأَسْجُدَ } اللام لتأكيد النفي أي ينافي حالي ولا يستقيم مني لأني مخلوق من أشرف العناصر وأعلاها أن اسجد { لِبَشَرٍ } أي جسم كثيف { خَلَقْتَهُ مِن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ } اقتصر ههنا على الاشارة الاجمالية الى ادعاء الخيرية وشرف المادة اكتفاء بما صرح به حين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين ولم يكتف اللعين بمجرد ذكر كونه عليه الصلاة والسلام من التراب الذي هو أخس العناصر وأسفلها بل تعرض لكونه مخلوقاً منه في أخس أحواله من كونه طينا متغيرا وقد اكتفى في سورة الاعراف وسورة ص بما حكى عنه ههنا فاقتصر على حكاية تعرضه لخلقه عليه الصلاة والسلام من طين وكذا في سورة بنى اسرائيل حيث قيل أأسجد لمن خلقت طيناً وفي جوابه دليل على أن قوله تعالى مالك ليس استفسارا عن المناقشة وأنى له ذلك كأنه قال لم أمتنع عن امتثال الأمر ولا عن الانتظام في سلك الملائكة بل عما لا يليق بشأنى من الخضوع للمفضول ولقد جرى خذله الله تعالى على سنن قياس عقيم وزل عنه أن ما يدور عليه فلك الفضل والكمال هو التحلي بالمعارف الربانية والتخلي عن الملكات الردية التي أقبحها التكبر والاستعصاء على أمر رب العالمين جلا جلاله .
{ قَالَ فاخرج مِنْهَا } أي من زُمرة الملائكةِ المعزّزين لا من السماء ، فإن وسوسته لآدمَ عليه الصلاة والسلام في الجنة إنما كانت بعد هذا الطرد ، وقوله تعالى : { فاهبط مِنْهَا } ليس نصًّا في ذلك ، فإن الخروجَ من بين الملإ الأعلى هبوطٌ وأيُّ هبوط ، أو من الجنة على أن وسوستَه كانت بطريق النداءِ من بابها كما رُوي عن الحسن البصْري ، أو بطريق المشافهة بعد أن احتال في دخولها وتوسّل إليه بالحيّة كما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ولا ينافي هذا طردَه على رؤوس الأشهاد لما يقتضيه من الحِكَم البالغة { فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } مطرودٌ من كل خير وكرامةٍ ، فإن من يُطرَدْ يُرجَمْ بالحجارة ، أو شيطان يُرجَمُ بالشهب وهو وعيدٌ يتضمن الجوابَ عن شبهته ، فإن مَن عارض النصَّ بالقياس فهو رجيم ملعون .
{ وَإِنَّ عَلَيْكَ اللعنة } الإبعادَ عن الرحمة ، وحيث كان ذلك من جهة الله سبحانه وإن كان جارياً على ألسنة العبادِ ، قيل : في سورة ص { وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِى } { إلى يَوْمِ الدين } إلى يوم الجزاء والعقوبةِ ، وفيه إشعارٌ بتأخير عقابِه وجزائِه إليه ، وأن اللعنة مع كمال فظاعتِها ليست جزاءً لفعله وإنما يتحقق ذلك يومئذ ، وفيه من التهويل ما لا يوصف ، وجعلُ ذلك أقصى أمدِ اللعنة ليس لأنها تنقطع هنالك ، بل لأنه عند ذلك يعذَّب بما يَنسى به اللعنة من أفانين العذابِ ، فتصير هي كالزائل .

(4/74)


وقيل : إنما حدت به لأنه أبعدُ غاية يُضَرّ بها الناسُ كقوله تعالى : { خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والأرض } وحيث أمكن كونُ تأخير العقوبةِ مع الموت كسائر من أُخِّرت عقوباتُهم إلى الآخرة من الكفرة ، طلب اللعينُ تأخيرَ موتِه كما حُكي عنه بقوله تعالى : { قَالَ رَبّ فَأَنظِرْنِى } أي أمهلني وأخِّرْني ولا تُمِتْني ، والفاء متعلقٌ بمحذوف ينسحب عليه الكلام ، أي إذْ جعلتني رجيماً فأمهلني { إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أي آدمُ وذريتُه للجزاء بعد فنائِهم ، وأراد بذلك أن يجد فُسحة لإغوائهم ويأخذَ منهم ثأرَه وينجوَ من الموت لاستحالته بعد يوم البعث .

(4/75)


قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38)

{ قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين } ورودُ الجوابِ بالجملة الاسمية مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين على وجه يُؤذِنُ بكون السائلِ تبعاً لهم في ذلك ، دليلٌ على أنه إخبارٌ بالإنظار المقدر لهم أزلاً ، لا إنشاءٌ لإنظار خاصَ به وقع إجابةً لدعائه ، أي إنك من جملة الذين أُخّرت آجالُهم أزلاً حسبما تقتضيه حكمةُ التكوين ، فالفاءُ ليست لربط نفس الإنظار بالاستنظار بل لربط الإخبارِ المذكور به ، كما في قوله
فإن ترحم فأنت لذاك أهل ... فإنه لا إمكان لجعل الفاءِ فيه لربط ما فيه تعالى من الأهلية القديمةِ للرحمة بوقوع الرحمةِ الحادثة ، بل هي لربط الإخبار بتلك الأهليةِ للرحمة بوقوعها ، وأن استنظاره كان طلباً لتأخير الموتِ إذ به يتحقق كونُه من جملتهم ، لا لتأخير العقوبه كما قيل ، ونظمه في ذلك في سلك من أُخِّرت عقوبتُهم إلى الآخرة في علم الله تعالى ممن سبق من الجن ولحِق من الثقلين لا يلائم مقامَ الاستنظار مع الحياة ، ولأن ذلك التأخيرَ معلومٌ من إضافة اليوم إلى الدين مع إضافته في السؤال إلى البعث كما عرفته ، وفي سورة الأعراف : { قَالَ أَنظِرْنِى إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ المنظرين } بترك التوقيتِ والنداءِ ، والفاء في الاستنظار والإنظارِ تعويلاً على ما ذكر هاهنا ، وفي سورة ص ، فإن إيراد كلامٍ واحد على أساليبَ متعددةٍ غيرُ عزيزٍ في الكتاب العزيز ، وأما أن كل أسلوب من أساليب النظم الكريمِ لا بد أن يكون له مقامٌ يقتضيه مغايرٌ لمقام غيره ، وأن ما حُكي من اللعين إنما صدر عنه مرة وكذا جوابُه لم يقع إلا دَفعةً ، فمقامُ المجاورة إن اقتضى أحدَ الأساليبِ المذكورة فهو المطابقُ لمقتضى الحال والبالغُ إلى طبقة الإعجاز وما عداه قاصرٌ عن رتبة البلاغة فضلاً عن الارتقاء إلى معالم الإعجازِ ، فقد مر تحقيقه بتوفيق الله تعالى في سورة الأعراف .
{ إلى يَوْمِ الوقت المعلوم } وهو وقتُ النفخة الأولى التي علم أنه يَصْعَق عندها من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله تعالى ، ويجوز أن يكون المرادُ بالأيام واحداً ، والاختلافُ في العبارات لاختلاف الاعتباراتِ ، فالتعبيرُ بيوم البعث لأن غرض اللعين يتحقق ، وبيوم الدين لما ذُكر من الجزاء ، وبيوم الوقت المعلومِ لما ذُكر أو لاستئثاره تعالى بعلمه فلعل كلاًّ من هلاك الخلق جميعاً وبعثهم وجزائِهم في يوم واحد ، يموت اللعينُ في أوله ويُبعث في أواسطه ويعاقب في بقيته . يُروى أن بين موتِه وبعثه أربعين سنةً من سِني الدنيا مقدارَ ما بين النفختين ، ونقل عن الأحنف بن قيس رحمه الله تعالى أنه قال : قدِمتُ المدينة أريد أميرَ المؤمنين عمرَ رضي الله تعالى عنه ، فإذا أنا بحلقة عظيمة وكعبُ الأحبار فيها يحدث الناس وهو يقول : لما حضر آدمَ عليه الصلاة والسلام الوفاةُ قال : يا رب سيشمت بي عدوي إبليسُ إذا رآني ميتاً وهو مُنْظَرٌ إلى يوم القيامة ، فأجيب أنْ يا آدمُ إنك سترِد إلى الجنة ويؤخَّر اللعينُ إلى النظرة ليذوقَ ألمَ الموتِ بعدد الأولين والآخِرين ، ثم قال لملك الموت : صِفْ كيف تذيقه الموتَ ، فلما وصفه قال : يا رب حسبي .

(4/76)


فضجّ الناسُ وقالوا : يا أبا إسحاقَ كيف ذلك؟ فأبى ، فألحّوا فقال : يقول الله سبحانه لملك الموت عقِبَ النفخةِ الأولى : « قد جعلت فيك قوةَ أهلِ السموات السبع ، وأهلِ الأرضينَ السبعِ ، وإني ألبستُك اليوم أثوابَ السخط والغضب كلَّها ، فانزِلْ بغضبي وسطوتي على رجيمي إبليسَ فأذِقْه الموتَ واحمِلْ عليه فيه مرارةَ الأولين والأخِرين من الثقلين أضعافاً مضاعفةً ، وليكن معك من الزبانية سبعون ألفاً قد امتلأوا غيظاً وغضباً ، وليكن مع كل منهم سلسلةٌ من سلاسل جهنم وغُلٌّ من أغلالها ، وأنزل روحَه المُنتنَ بسبعين ألفَ كلاب من كلاليبها ، ونادِ مالكاً ليفتح أبواب النيران » فينزل ملكُ الموت بصورة لو نظر إليها أهلُ السموات والأرضين لماتوا بغتةً من هولها ، فينتهي إلى إبليس فيقول : قف لي يا خبيثُ لأُذيقنّك الموت كم من عمر أدركتَ وقرونٍ أضللتَ وهذا هو الوقتُ المعلوم ، قال : فيهرُب اللعين إلى المشرِق فإذا هو بملك الموت بين عينيه ، فيهرُب إلى المغرِب فإذا هو به بين عينيه ، فيغوص البحارَ فتنز منه البحارُ فلا تقبله ، فلا يزال يهرُب في الأرض ولا محيصَ له ولا ملاذ ، ثم يقوم في وسط الدنيا عند قبر آدمَ ويتمرغ في التراب من المشرق إلى المغرب ومن المغرب إلى المشرق ، حتى إذا كان في الموضع الذي أهبط في آدمُ عليه الصلاة والسلام ، وقد نَصبت له الزبانية الكلاليبَ وصارت الأرض كالجمرة احتوشته الزبانية وطعنوه بالكلاليب ، ويبقى في النزع والعذاب إلى حيث يشاء الله تعالى ، ويقال لآدمَ وحواءَ : اطَّلِعا اليوم إلى عدوكما كيف يذوق الموت ، فيطّلعان فينظران إلى ما هو فيه من شدة العذاب فيقولان : ربنا أتممتَ علينا نعمتك .

(4/77)


قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40)

{ قَالَ رَبّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِى } الباء للقسم وما مصدريةٌ والجواب { لأزَيّنَنَّ لَهُمْ } أي أقسم بإغوائك إيايَ لأزينن لهم المعاصيَ { فِى الأرض } أي في الدنيا التي هي دارُ الغرور كقوله تعالى : { أَخْلَدَ إِلَى الأرض } وإقسامُه بعزة الله المفسَّرةِ بسلطانه وقهره لا ينافي إقسامَه بهذا ، فإنه فرْعٌ من فروعها وأثرٌ من آثارها ، فلعله أقسم بهما جميعاً فحُكي تارة قسمُه بهذا وأخرى بذاك ، أو للسببية ، وقوله : لأزينن ، جوابُ قسمٍ محذوف ، والمعنى بسبب تسبُّبِك لإغوائي أقسم لأفعلن بهم مثلَ ما فعلت بي من التسبيب لإغوائهم بتزيين المعاصي وتسويلِ الأباطيل ، والمعتزلةُ أوّلوا الإغواءَ بالنسبة إلى الغيّ أو التسببب له لأمره إياه بالسجود لآدم عليه الصلاة والسلام ، واعتذروا عن إمهال الله تعالى وتسليطِه له على إغواء بني آدم بأنه تعالى قد علِم منه وممن تبِعه أنهم يموتون على الكفر ويصيرون إلى النار ، أُمهل أم لم يُمهَل ، وأن في إمهاله تعويضاً لمن خالفه لاستحقاق مزيدِ الثواب { وَلأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } لأحمِلنّهم على الغواية .
{ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين } الذين أخلصتَهم لطاعتك وطهَّرتَهم من الشوائب ، فلا يعملُ فيهم كيدي ، وقرىء بكسر اللام ، أي الذين أخلصوا نفوسَهم لله تعالى .

(4/78)


قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (43) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (44) إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45)

{ قَالَ هَذَا صراط } أي حقٌّ { عَلَىَّ } أن أراعيَه { مُّسْتَقِيمٍ } لا عوجَ فيه ، والإشارةُ إلى ما تضمّنه الاستثناءُ وهو تخلّصُ المخْلَصين من إغوائه ، أو الإخلاصُ على معنى أنه طريقٌ يؤدي إلى الوصول من غير اعوجاج وضلالٍ ، والأظهرُ أن ذلك لِما وقع في عبارة إبليسَ حيث قال : { لاقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ } الآية ، وقرىء على من علو الشرف .
{ إِنَّ عِبَادِى } وهم المشار إليهم بالمخلَصين { لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سلطان } تسلطٌ وتصرفٌ بالإغواء { إِلاَّ مَنِ اتبعك مِنَ الغاوين } وفيه ، مع كونه تحقيقاً لما قاله اللعين ، تفخيمٌ لشأن المخلَصين وبيانٌ لمنزلتهم ولانقطاع مخالبِ الإغواء عنهم وأن إغواءَه للغاوين ليس بطريق السلطانِ بل بطريق اتباعِهم له بسوء اختيارِهم .
{ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ } أي موعدُ المتبعين أو الغاوين ، والأولُ أنسبُ وأدخلُ في الزجر عن اتباعه ، وفيه دلالةٌ على أن جهنم مكانُ الوعد وأن الموعودَ مما لا يوصف في الفظاعة { أَجْمَعِينَ } تأكيدٌ للضمير أو حالٌ ، والعامل فيها الموعِدُ إن جعل مصدراً على تقدير المضاف ، أو معنى الإضافة إن جعل اسم مكان .
{ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ } يدخلونها لكثرتهم ، أو سبعُ طبقات ينزلونها بحسب مراتبهم في الغَواية والمتابعة ، وهي : جهنم ثم لظَى ثم الحُطمة ثم السعير ثم سقرُ ثم الجحيمُ ثم الهاوية { لِكُلّ بَابٍ مّنْهُمْ } من الأتباع أو الغواة { جُزْء مَّقْسُومٌ } حزبٌ معينٌ مُفرَزٌ من غيره حسبما يقتضيه استعدادُه ، فأعلاها للموحدين ، والثانية لليهود ، والثالثة للنصارى ، والرابعة للصابئين ، والخامسة للمجوس ، والسادسة للمشركين ، والسابعة للمنافقين . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : إن جهنم لمن ادعى الربوبية ولظى لعبدة النار ، والحُطَمةُ لعبدة الأصنام ، وسقَرُ لليهود ، والسعير للنصارى ، والجحيم للصابئين ، والهاوية للموحّدين ، ولعل حصرها في السبع لانحصار المهلِكات في المحسوسات بالحواس الخمس ومقتضياتِ القوة الشهوية والغضبية ، وقرىء بضم الزاي وبحذف الهمزة وإلقاءِ حركتها إلى ما قبلها مع تشديدها في الوقف والوصل ، ومنهم حال ، من جزء أو من ضميره في الظرف لا في مقسوم ، لأن الصفة لا تعمل فيما تقدم موصوفَها .
{ إِنَّ المتقين } من اتباعه في الكفر والفواحش فإن غيرها مكفر { فِى جنات وَعُيُونٍ } أي مستقرون فيها خالدين ، لكل واحد منهم جنةٌ وعينٌ ، أو لكل منهم عدةٌ منهما كقوله تعالى : { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ جَنَّتَانِ } وقرىء بكسر العين حيث وقع في القرآن العظيم .

(4/79)


ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آَمِنِينَ (46) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (47) لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (48) نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50) وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (51)

{ ادخلوها } على إرادة القول أمراً من الله تعالى لهم بالدخول ، وقرىء أدخِلوها أمراً منه تعالى للملائكة بإدخالهم ، وقرأ الحسن : أُدخِلوها مبنياً للمفعول على صيغة الماضي من الإدخال { بِسَلامٍ } ملتبسين بسلام أي سالمين أو مسلَّماً عليكم { ءامِنِينَ } من الآفات والزوال .
{ وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ } أي حقدٍ كان في الدنيا ، وعن علي رضي الله تعالى عنه : أرجو أن أكونَ أنا وعثمانُ وطلحةُ والزبيرُ منهم رضوان الله تعالى عليهم أجمعين { إِخْوَانًا } حال من الضمير في قوله تعالى : { فِي جنات } ، أو من فاعل ادخلوها ، أو من الضمير في آمنين ، أو الضمير المضاف إليه والعامل فيه معنى الإضافةِ ، وكذلك قوله تعالى : { على سُرُرٍ متقابلين } ويجوز كونُهما صفتين لإخواناً أو حالين من ضميره ، لأنه بمعنى متصافِّين ، وكونُ الثاني حالاً من المستكنّ في الأول . وعن مجاهد : تدور بهم الأسرّةُ حيثما داروا فهم متقابلون في جميع أحوالهم .
{ لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ } أي تعب بألا يكونَ لهم فيها ما يوجبه من الكدّ في تحصيل ما لا بُدّ لهم منه ، لحصول كل ما يريدونه من غير مزاولةِ عملٍ أصلاً ، أو بأن لا يعتريَهم ذلك وإن باشروا الحركاتِ العنيفة لكمال قوتِهم ، وهو استئنافٌ أو حالٌ بعد حال من الضمير في متقابلين { وَمَا هُمْ مّنْهَا بِمُخْرَجِينَ } أبدَ الآباد لأن تمام النعمة بالخلود .
{ نَبّىء عِبَادِى } وهم الذين عبر عنهم بالمتقين { أَنّى أَنَا الغفور الرحيم * وَأَنَّ عَذَابِى هُوَ العذاب الأليم } فذلكةٌ لما سلف من الوعد والوعيد وتقريرٌ له ، وفي ذكر المغفرةِ إشعارٌ بأن ليس المرادُ بالمتقين مَن يتقي جميعَ الذنوب كبيرَها وصغيرَها ، وفي وصف ذاتِه تعالى بها وبالرحمة على وجه القصر دون التعذيب إيذانٌ بأنهما مما يقتضيهما الذاتُ وأن العذاب إنما يتحقق بما يوجبه من خارج .
{ وَنَبّئْهُمْ } عطفٌ على نبىءْ عبادي ، والمقصود اعتبارُهم بما جرى على إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام مع أهله من البشرى في تضاعيف الخوفِ ، وبما حل بقوم لوطٍ من العذاب ونجاتِه عليه الصلاة والسلام مع أهله التابعين له في ضمن الخوف ، وتنبيهُهم بحلول انتقامِه تعالى من المجرمين وعلمُهم بأن عذاب الله هو العذاب الأليم { عَن ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : « أنهم جبريلُ عليه الصلاة والسلام وملكانِ معه » وقال محمد بن كعبٍ : « وسبعةٌ معه » وقيل : « جبريلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ عليهم الصلاة والسلام » وقال الضحاك : « كانوا تسعةً » وعن السدي : « كانوا أحدَ عشرَ على صور الغلمان الوِضاءِ وجوهُهم » وعن مقاتلٍ : « أنهم كانوا اثنيْ عشَرَ ملَكاً » وإنما لم يتعرض لعنوان رسالتِهم لأنهم لم يكونوا مرسَلين إلى إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام بل إلى قوم لوطٍ حسبما يأتي ذكرُه .

(4/80)


إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (52) قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (53) قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (54) قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (55)

{ إِذْ دَخَلُواْ عَلَيْهِ } نُصب بفعلٍ مضمر معطوفٍ على نبىء ، أي واذكر وقت دخولِهم عليه ، أو خبر مقدر مضاف إلى ضيف ، أي خبر ضيف إبراهيمَ حين دخولهم عليه ، أو بنفس ضيف على أنه مصدرٌ في الأصل { فَقَالُواْ } عند ذلك { سَلاَماً } أي نسلّم سلاماً أو سلّمنا أو سَلِمْتَ سلاماً .
{ قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } أي خائفون ، فإن الوجلَ اضطرابُ النفس لتوقع مكروهٍ ، قاله عليه الصلاة والسلام حين امتنعوا من أكل ما قرّبه إليهم من العجل الحنيذ ، لِما أن المعتاد عندهم أنه إذا نزل بهم ضيفٌ فلم يأكلْ من طعامهم ظنوا أنه لم يجىء بخير ، لا عند ابتداء دخولهم لقوله تعالى : { فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً } فلا مجال لكون خوفه عليه الصلاة والسلام بسبب دخولِهم بغير إذن ولا بغير وقت ، إذ لو كان كذلك لأجابوا حينئذ بما أجابوا ، ولم يتصدَّ عليه الصلاة والسلام لتقريب الطعام إليهم ، وإنما لم يذكر هاهنا اكتفاءً بما بيّن في غير هذا الموضع ، ألا يرى إلى أنه لم يُذكر هاهنا ردُّه عليه الصلاة والسلام لسلامهم .
{ قَالُواْ لاَ تَوْجَلْ } لا تخف ، وقرىء لا تاجل ولا تُوجِلْ من أوجله أي أخافه ، ولا تُواجِلْ من واجله بمعنى أوجله { إِنَّا نُبَشّرُكَ } استئنافٌ لتعليل النهي عن الوجل ، فإن المبشَّر به لا يكاد يحوم حول ساحته خوفٌ ولا حزن ، كيف لا وهو بشارةٌ ببقائه وبقاءِ أهله في عافية وسلامة زماناً طويلاً { بغلام } هو إسحاقُ عليه الصلاة والسلام لقوله تعالى : { فبشرناها بإسحاق } ولم يتعرض هاهنا لبشارة يعقوبَ عليه الصلاة والسلام اكتفاءً بما ذكر في سورة هود { عَلِيمٌ } إذا بلغ ، وفي موضع آخرَ بغلام حليم .
{ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِى } بذلك { على أَن مَّسَّنِىَ الكبر } وأثر في تعجبه عليه الصلاة والسلام من بشارتهم بالولد في حالة مباينة للولادة ، وزاد في ذلك فقال : { فَبِمَ تُبَشّرُونَ } أي بأي أعجوبةٍ تبشرونني ، فإن البشارة بما لا يُتصور وقوعُه عادة بشارةٌ بغير شيء ، أو بأي طريقةٍ تبشرونني ، وقرىء بتشديد النون المكسورة على إدغام نون الجمع في نون الوقاية .
{ قَالُواْ بشرناك بالحق } أي بما يكون لا محالة ، أو باليقين الذي لا لَبْسَ فيه ، أو بطريقة هي حقٌّ وهو أمرُ الله تعالى ، وقوله : { فَلاَ تَكُن مّنَ القانطين } من الآيسين من ذلك ، فإن الله قادر على أن يخلق بشراً بغير أبوين ، فكيف من شيخ فانٍ وعجوز عاقر ، وقرىء من القَنِطين ، وكان مقصِدُه عليه الصلاة والسلام استعظامَ نعمتِه تعالى عليه في ضمن التعجب العادي المبنيِّ على سنة الله تعالى المسلوكةِ فيما بين عباده ، لا استبعادَ ذلك بالنسبة إلى قدرته سبحانه كما ينبىء عنه قولُ الملائكة : فلا تكن من القانطين ، دون أن يقولوا : من الممترين أو نحوه .

(4/81)


قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (56) قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (57) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (58) إِلَّا آَلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (59) إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (60)

{ قَالَ وَمَن يَقْنَطُ } استفهامٌ إنكاريٌّ أي لا يقنط { مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضآلون } المخطِئون طريقَ المعرفة والصوابِ ، فلا يعرِفون سعةَ رحمتِه وكمالَ علمه وقدرتِه كما قال يعقوب عليه الصلاة والسلام : { لاَ يَايْئَسُ مِن رَّوْحِ الله إِلاَّ القوم الكافرون } ومرادُه نفيُ القنوط عن نفسه على أبلغ وجهٍ ، أي ليس بي قنوطٌ من رحمته تعالى ، وإنما الذي أقول لبيان منافاةِ حالي لفيضان تلك النعمةِ الجليلة عليّ ، وفي التعرض لوصف الربوبيةِ والرحمةِ ما لا يخفى من الجزالة ، وقرىء بضم النون ، وبكسرها من قنَط بالفتح ولم تكن هذه المفاوضةُ من الملائكة مع إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام خاصة ، بل مع سارَةَ أيضاً حسبما شُرح في سورة هود ، ولم يُذكر ذلك هاهنا اكتفاءً بما ذكر هناك كما أنه لم يُذكر هذه هناك اكتفاء بما ذكر هاهنا .
{ قَالَ } أي إبراهيم عليه الصلاة والسلام ، وتوسيطُه بين قوله السابقِ وبين قوله : { فَمَا خَطْبُكُمْ } أي أمرُكم وشأنكم الخطيرُ الذي لأجله أُرسلتم سوى البشارةِ { أَيُّهَا المرسلون } صريحٌ في أن بينهما مقالةً مطويةً لهم أشير به إلى مكانها كما في قوله تعالى : { قَالَ أَءسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا * قَالَ أَرَءيْتَكَ هذا الذى كَرَّمْتَ عَلَىَّ } الآية ، فإن قوله الأخيرَ ليس موصولاً بقوله الأول ، بل هو مبنيٌّ على قوله تعالى : { فاخرج مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ } فإن توسيطَ قال بين قوليه للإيذان بعدم اتصالِ الثاني بالأول وعدم ابتنائِه عليه بل على غيره ، ثم خطابُه لهم عليهم الصلاة والسلام بعنوان الرسالةِ بعد ما كان خطابُه السابقُ مجرداً عن ذلك مع تصديره بالفاء ، دليلٌ على أن مقالتهم المطويةَ كانت متضمنةً لبيان أن مجيئَهم ليس لمجرد البشارةِ ، بل لهم شأنٌ آخَرُ لأجله أُرسلوا فكأنه قال عليه الصلاة والسلام : وإن لم يكن شأنُكم مجردَ البشارة فماذا هو؟ فلا حاجة إلى الالتجاء إلى أن علمَه عليه الصلاة والسلام بأن كلَّ المقصود ليس البشارةَ بسبب أنهم كانوا ذوي عدد ، والبِشارةُ لا تحتاج إلى عدد ولذلك اكتُفي بالواحد في زكريا عليه الصلاة والسلام ومريم ، ولا إلى أنهم بشروه في تضاعيف الحالِ لإزالة الوجل ولو كانت تمامَ المقصود لابتدأوا بها فتأمل .
{ قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } هو قومُ لوط ، وُصفوا بالإجرام وجيء بهم بطريق التنكيرِ ذمًّا لهم واستهانةً بهم .
{ إِلا ءالَ لُوطٍ } استثناءٌ متصلٌ من الضمير في مجرمين ، أي إلى قوم أَجرموا جميعاً إلا آلَ لوط ، فالقومُ والإرسالُ شاملان للمجرمين وغيرِهم ، والمعنى إنا أرسلنا إلى قوم أجرَم كلُّهم إلا آلَ لوط لنُهلِك الأولين وننجِّيَ الآخرين ، ويدل عليه قوله تعالى : { إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ } أي لوطاً وآلَه { أَجْمَعِينَ } أي مما يصيب القومَ ، فإنه استئنافٌ للإخبار بنجاتهم لعدم إجرامِهم ، أو لبيان ما فُهم من الاستثناء من مطلق عدمِ شمولِ العذاب لهم ، فإن ذلك قد يكون بكون حالهم بين بين ، أو لتعليله ، فإن مَنْ تعلّق بهم التنجيةُ بمنْجى من شمول العذاب .

(4/82)


أو منقطعٌ من قوم وقوله تعالى : { إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ } متصلٌ بآلَ لوطٍ جارٍ مَجرى خبر لكنّ ، وعلى هذا فقوله تعالى : { إِلاَّ امرأته } استثناءٌ من آلَ لوط أو من ضميرهم ، وعلى الأول من الضمير خاصة لاختلاف الحكمين اللهم إلا أن يُجعل إنا لمنجوهم اعتراضاً ، وقرىء بالتخفيف { قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين } الباقين مع الكفرة لتُهلَك معهم ، وقرىء قدَرْنا بالتخفيف ، وإنما عُلّق فعلُ التقدير مع اختصاص ذلك بأفعال القلوبِ لتضمُّنه معنى العلم ، ويجوز حملُه على معنى قلنا لأنه بمعنى القضاء قولٌ وأصلُه جعلُ الشيء على مقدار غيرِه ، وإسنادُهم له إلى أنفسهم وهو فعلَ الله سبحانه لِما لهم من الزلفى والاختصاص .

(4/83)


فَلَمَّا جَاءَ آَلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (61) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (62) قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (63)

{ فَلَمَّا جَآء ءالَ لُوطٍ المرسلون } شروع في بيان كيفيةِ إهلاكِ المجرمين وتنجيةِ آل لوط حسبما أُجمل في الاستثناء ثم فُصّل في التعليل نوعَ تفصيل ، ووضعُ المظهرِ موضعَ المضمر للإيذان بأن مجيئهم لتحقيق ما أرسلوا به من الإهلاك والتنجية ، وليس المرادُ به ابتداءَ مجيئهم بل مطلقُ كينونتهم عند آل لوط ، فإن ما حُكي عنه عليه الصلاة والسلام بقوله تعالى : { قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } إنما قاله عليه الصلاة والسلام بعد اللتيا والتي حين ضاقت عليه الحيلُ وعيَّتْ به العللُ لمّا لم يشاهِدْ من المرسلين عند مقاساته الشدائدَ ومعاناته المكايدَ من قومه الذين يريدون بهم ما يريدون ما هو المعهودُ والمعتاد من الإعانة والإمداد فيما يأتي ويذر عند تجشّمِه في تخليصهم إنكاراً لخذلانهم له ، وتركِ نصرته في مثل تلك المضايقة المعترية له بسببهم حيث لم يكونوا مباشرين معه لأسباب المدافعةِ والممانعة حتى ألجأتْه إلى أن قال : { لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً أَوْ اوِى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ } حسبما فصل في سورة هود ، لا أنه قاله عند ابتداء ورودِهم له خوفاً أن يطرُقوه بشرَ كما قيل ، كيف لا وهم بجوابهم المحكيّ بقوله تعالى :
{ قَالُواْ بَلْ جئناك بِمَا كَانُواْ فِيهِ يَمْتَرُونَ } أي بالعذاب الذي كنت تتوعدهم به فيمترون به ويكذبونك ، قد قشَروا العصا وبيّنوا له عليه الصلاة والسلام جليةَ الأمر ، فأنى يمكن أن يعتريَه بعد ذلك المساءةُ وضيقُ الذَّرْع ، وليست كلمةُ بل إضراباً عن موجب الخوفِ المذكور على معنى ما جئناك بما تُنكِرنا لأجله بل بما يسرك وتقَرّ به عينُك ، بل هي إضرابٌ عما فهمه عليه الصلاة والسلام من ترك النصرةِ له ، والمعنى ما خذلناك وما خلّينا بينك وبينهم بل جئناك بما يدمّرهم من العذاب الذي كانوا يكذبونك حين كنت تتوعدهم به ، ولعل تقديمَ هذه المقاولة على ما جرى بينه وبين أهلِ المدينة من المجادلة للمسارعة إلى ذكر بشارةِ لوطٍ عليه الصلاة والسلام بإهلاك قومِه وتنجيةِ آله عَقيبَ ذكر بشارةِ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام بهما ، وحيث كان ذلك مستدعياً لبيان كيفية النجاةِ وترتيبِ مباديها أُشير إلى ذلك إجمالاً ، ثم ذُكر ما فَعل القوم وما فُعل بهم ولم يُبالَ بتغيير الترتيب الوقوعيّ ثقةً بمراعاته في مواقعَ أُخَرَ ونسبةُ المجيء بالعذاب إليه عليه الصلاة والسلام مع أنه نازلٌ بالقوم بطريق تفويض أمرِه إليه لا بطريق نزوله عليه ، كأنهم جاءوه به وفوّضوا أمره إليه ليرسله عليهم حسبما كان يتوعّدهم به .

(4/84)


وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (64) فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (65) وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (66)

{ واتيناك بالحق } أي باليقين الذي لا مجال فيه للامتراء والشك وهو عذابُهم ، عبر عنه بذلك تنصيصاً على نفي الامتراءِ عنه ، أو المرادُ بالحق الإخبارُ بمجيء العذابِ المذكور ، وقوله تعالى : { وِإِنَّا لصادقون } تأكيدٌ له ، أي أتيناك فيما قلنا بالخير الحقِّ أي المطابق للواقعِ ، وإنا لصادقون في ذلك الخبرِ أو في كل كلام فيكون كالدليل على صدقهم فيه ، وعلى الأول تأكيدٌ إثرَ تأكيدٍ .
وقوله تعالى : { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ } شروعٌ في ترتيب مبادي النجاةِ ، أي اذهبْ بهم في الليل ، وقرىء بالوصل وكلاهما من السرى وهو السيرُ في الليل ، وقرىء فسِرْ من السير { بِقِطْعٍ مّنَ اليل } بطائفة منه أو من آخره قال
افتحي الباب وانظُري في النجوم ... كم علينا من قِطْع ليلٍ بهيم
وقيل : هو بعد ما مضى منه شيءٌ صالح { واتبع أدبارهم } وكن على أثرهم تذودُهم وتسرع بهم وتطّلع على أحوالهم ، ولعل إيثارَ الاتباعِ على السَّوْق مع أنه المقصودُ بالأمر للمبالغة في ذلك ، إذ السَّوْقُ ربما يكون بالتقدم على بعض مع التأخر عن بعض ويلزَمه عادةً الغفلةُ عن حال المتأخر ، والالتفاتُ المنهيُّ عنه بقوله تعالى : { وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ } أي منك ومنهم { أَحَدٌ } فيرى ما وراءه من الهول فلا يطيقه ، أو يصيبه ما أصابهم ، أو ولا ينصرفْ منكم أحدٌ ولا يتخلفْ لغرض فيصيبه العذاب ، وقيل : نُهوا عن ذلك ليوطنوا أنفسهم على المهاجرة ، أو هو نهي عن ربط القلب بما خلّفوه ، أو هو للإسراع في السير فإن الملتفتَ قلما يخلو عن أدنى وقفة ، وعدمُ ذكر استثناء المرأةِ من الإسراء والالتفات لا يستدعي عدم وقوعِه ، فإن ذلك لما عرفت مراراً للاكتفاء بما ذكر في مواضعَ أخَرَ { وامضوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ } إلى حيث أمركم الله تعالى بالمُضيّ إليه وهو الشام أو مصر ، وحذفُ الصلتين على الاتساع المشهور ، وإيثارُ المضيِّ إلى ما ذكر على الوصول إليه واللُّحوق به للإيذان بأهمية النجاةِ ولمراعاة المناسبةِ بينه وبين ما سلف من الغابرين .
{ وَقَضَيْنَا } أي أوحينا { إِلَيْهِ } مقْضيًّا ولذلك عُدِّيَ بإلى { ذَلِكَ الامر } مبهمٌ يفسره { أَنَّ دَابِرَ هَؤُلآْء مَقْطُوعٌ } على أنه بدلٌ منه ، وإيثار اسم الإشارة على الضمير للدلالة على اتصافهم بصفاتهم القبيحةِ التي هي مدارُ ثبوت الحكم ، أي دابرَ هؤلاء المجرمين ، وإيرادُ صيغة المفعول بدلَ صيغة المضارع لكونها أدخلَ في الدلالة على الوقوعِ ، وفي لفظ القضاءِ والتعبيرِ عن العذاب بالأمر والإشارةِ إليه بذلك وتأخيرِه عن الجار والمجرور وإبهامِه أولاً ثم تفسيره ثانياً من الدلالة على فخامة الأمر وفظاعتِه ما لا يخفى . وقرىء بالكسر على الاستئناف ، والمعنى أنهم يُستأصَلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحدٌ { مُّصْبِحِينَ } داخِلين في الصُّبح ، وهو حال من هؤلاء أو من الضمير في مقطوعٌ وجمعه للحمل على المعنى فإن دابر هؤلاء بمعنى مدبري هؤلاء .

(4/85)


وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (67) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (68) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (69) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ (70)

{ وَجَآء أَهْلُ المدينة } شروعٌ في حكاية ما صدر عن القوم عند وقوفِهم على مكان الأضيافِ من الفعل والقول وما ترتب عليه بعدما أشير إلى ذلك إجمالاً حسبما نبه عليه ، أي جاء أهلُ سدومَ منزلَ لوط عليه الصلاة والسلام { يَسْتَبْشِرُونَ } أي مستبشرين بأضيافه عليه الصلاة والسلام طمعاً فيهم .
{ قَالَ إِنَّ هَؤُلآء ضَيْفِى } الضيفُ حيث كان مصدراً في الأصل أُطلق على الواحد والمتعددِ والمذكرِ والمؤنث ، وإطلاقُه على الملائكة بحسب اعتقادِه عليه الصلاة والسلام لكونهم في زِيّ الضيف ، والتأكيدُ ليس لإنكارهم بذلك بل لتحقيق اتِّصافِهم به وإظهارِ اعتنائه بشأنهم وتشمُّره لمراعاة حقوقِهم وحمايتهم من السوء ، ولذلك قال : { فَلاَ تَفْضَحُونِ } أي عندكم بأن تتعرضوا لهم بسوء فيعلموا أنه ليس لي عندكم قدْرٌ وحرمة ، أو لا تفضحونِ بفضيحة ضيفي فإن من أُسيء إلى ضيفه فقد أُسيءَ إليه ، يقال : فضحَه فضحاً وفضيحةً إذا أظهر من أمره ما يلزمه العار .
{ واتقوا الله } في مباشرتكم لما يسؤوني { وَلاَ تُخْزُونِ } أي لا تُذِلوني ولا تُهينوني بالتعرض لمن أجَرْتُهم بمثل تلك الفَعْلةِ الخبيثة ، وحيث كان التعرضُ لهم بعد أن نهاهم عليه الصلاة والسلام عن ذلك بقوله : فلا تفضحونِ أكثرَ تأثيراً في جانبه عليه الصلاة والسلام وأجلبَ للعار إليه ، إذِ التعرّضُ للجار قبل شعورِ المُجير بذلك ربما يُتسامَح فيه ، وأما بعد الشعورِ به والمناصبةِ لحمايته والذبِّ عنه فذاك أعظمُ العار ، عبّر عليه الصلاة والسلام عما يعتريه من جهتهم بعد النهي المذكورِ بسبب لَجاجِهم ومُجاهرتِهم بمخالفته بالخِزي وأمرَهم بتقوى الله تعالى في ذلك ، وإنما لم يصرَّحْ بالنهي عن نفس تلك الفاحشةِ لأنه كان يعرِف أنه لا يفيدهم ذلك ، وقيل : المرادُ تقوى الله تعالى في ركوب الفاحشةِ ، ولا يساعده توسيطُه بين النهيَيْن عن أمرين متعلقين بنفسه عليه الصلاة والسلام .
وكذلك قوله تعالى : { قَالُواْ أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ العالمين } أي عن التعرض لهم بمنعهم عنا وضيافتِهم ، والهمزةُ للإنكار والواو للعطف على مقدر ، أي ألم نتقدمْ إليك ولم ننْهَكَ عن ذلك فإنهم كانوا يتعرضون لكل أحدٍ من الغرباء بالسوء ، وكان عليه الصلاة والسلام ينهاهم عن ذلك بقدر وُسعِه وكانوا قد نهَوْه عليه الصلاة والسلام عن أن يُجير أحداً ، فكأنهم قالوا : ما ذكرتَ من الفضيحة والخِزي إنما جاءك من قِبَلك لا من قِبَلنا إذ لولا تعرضُك لما نتصدَّى له لَما اعتراك تلك الحالةُ . ولمّا رآهم لا يُقلِعون عما هم عليه .

(4/86)


قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (71) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (72) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (73) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (74) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (75) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (76) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ (77)

{ قَالَ هؤلاءآء بَنَاتِى } يعني نساءَ القومِ ، فإن نبيَّ كلِّ أمةٍ بمنزلة أبيهم أو بناتِه حقيقةً أي فتزوجوهن ، وقد كانوا من قبلُ يطلبُونهن ولا يجيبهم لخبثهم وعدمِ كفاءتِهم ، لا لعدم مشروعية المُناكحةِ بين المسلمات والكفار وقد فُصّل ذلك في سورة هود . { إِن كُنتُمْ فاعلين } أي قضاءَ الوطر أو ما أقول لكم .
{ لَعَمْرُكَ } قسمٌ من الله تعالى بحياة النبي عليه الصلاة والسلام أو من الملائكة بحياة لوطٍ عليه الصلاة والسلام والتقديرُ لعَمرُك قسمي ، وهي لغة في العُمُر يختص به القسم إيثاراً للخِفة لكثرة دورَانِه على الألسنة { إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَتِهِمْ } غَوايتهم أو شدة غُلْمتهم التي أزالت عقولَهم وتمييزَهم بين الخطإ والصواب { يَعْمَهُونَ } يتحيّرون ويتمادَوْن فكيف يسمعون النصح؟ وقيل : الضميرُ لقريش والجملةُ اعتراض .
{ فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة } أي الصيحةُ العظيمة الهائلة ، وقيل : صيحةُ جبريلَ عليه الصلاة والسلام { مُشْرِقِينَ } داخلين في وقت شروق الشمس .
{ فَجَعَلْنَا عاليها } عاليَ المدينة أو عاليَ قُراهم ، وهو المفعولُ الأول لجعلنا وقوله تعالى : { سَافِلَهَا } مفعول ثانٍ له وهو أدخلُ في الهول والفظاعة من العكس كما مر { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ } في تضاعيف ذلك قبل تمام الانقلابِ { حِجَارَةً } كائنة { مّن سِجّيلٍ } من طين متحجّر أو طينٍ عليه كتاب ، وقد فصل ذلك في سورة هود .
{ إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي فيما ذكر من القصة { لاَيَاتٍ } لعلاماتٍ يُستدل بها على حقيقة الحق { لِلْمُتَوَسّمِينَ } أي المتفكّرين المتفرّسين الذين يتثبتون في نظرهم حتى يعرِفوا حقيقة الشيء بسَمْته .
{ وَإِنَّهَا } أي المدينة أو القرى { لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ } أي طريق ثابتٍ يسلُكه الناس ويرَوْن آثارها .
{ إِنَّ فِى ذَلِكَ } فيما ذكر من المدينة أو القرى أو في كونها بمرآى من الناس يشاهدونها في ذهابهم وإيابهم { لآيَةً } عظيمةً { لِلْمُؤْمِنِينَ } بالله ورسولِه ، فإنهم الذين يعرِفون أن ما حاق بهم ( من ) العذاب الذي ترك ديارَهم بلاقعَ إنما حاق بهم لسوء صنيعهم ، وأما غيرُهم فيحمِلون ذلك على الاتفاق أو الأوضاع الفلَكية ، وإفرادُ الآية بعد جمعها فيما سبق لما أن المشاهدَ هاهنا بقيةُ الآثارِ لا كلُّ القصة كما فيما سلف .

(4/87)


وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (78) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (79) وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) وَآَتَيْنَاهُمْ آَيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (81) وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آَمِنِينَ (82) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (83)

{ وَإِن كَانَ } إنْ مخففةٌ من إنّ ، وضميرُ الشأن الذي هو اسمُها محذوفٌ واللام هي الفارقةُ أي وإن الشأن كان { أصحاب الأيكة } وهم قومُ شعيب عليه الصلاة والسلام ، والأيكةُ والليكة الشجرةُ الملتفةُ المتكاثِفة ، وكان عامة شجرِهم المقل وكانوا يسكنونها فبعثه الله تعالى إليهم { لظالمين } متجاوزين عن الحد .
{ فانتقمنا مِنْهُمْ } بالعذاب . روي أن الله تعالى سلط عليهم الحرَّ سبعة أيام ، ثم بعث سحابة فالتجأوا إليها يلتمسون الرَّوْحَ ، فبعث الله تعالى عليهم منها ناراً فأحرقتهم ، فهو عذابُ يوم الظلة { وَإِنَّهُمَا } يعني سدوم والأيكة ، وقيل : والأيكة ومدينَ ، فإنه عليه الصلاة والسلام كان مبعوثاً إليهما فذِكرُ أحدهما منبّهٌ على الآخر { لَبِإِمَامٍ مُّبِينٍ } لبطريق واضحٍ ، والإمام اسمُ ما يؤتمُّ به سُمِّيَ به الطريقُ ومطمر البناء واللوحُ الذي يكتب فيه لأنها مما يؤتم به .
{ وَلَقَدْ كَذَّبَ أصحاب الحجر } يعني ثمود { المرسلين } أي صالحاً ، فإن مَنْ كذب واحداً من الأنبياء عليهم السلام فقد كذب الجميعَ لاتفاقهم على التوحيد والأصولِ التي لا تختلف باختلاف الأممِ والأعصار ، وقيل : المراد صالحٌ ومن معه من المؤمنين ، كما قيل : الخُبيبون لخبيب بن عبدِ اللَّه بن الزبير وأصحابه ، وادٍ بين المدينة والشام كانوا يسكنونه .
{ وءاتيناهم ءاياتنا } وهي الآياتُ المنزلة على نبيهم ، أو المعجزاتُ من الناقة وسَقْيها وشِرْبها ودرّها ، أو الأدلةُ المنصوبة لهم { فَكَانُواْ عَنْهَا مُعْرِضِينَ } إعراضاً كليًّا ، بل كانوا معارضين لها حيث فعلوا بالناقة ما فعلوا .
{ وَكَانُواْ يَنْحِتُونَ مِنَ الجبال بُيُوتًا ءامِنِينَ } من الانهدام ونقْب اللصوص وتخريبِ الأعداء لوثاقتها ، أو من العذاب لحُسبانهم أن ذلك يحميهم منه . عن جابر رضي الله تعالى عنه أنه قال : مررنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحِجْر فقال : « لا تدخُلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين حذراً أن يصيبَكم مثلُ ما أصاب هؤلاء » ثم زجر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم راحلته فأسرع حتى خلّفها .
{ فَأَخَذَتْهُمُ الصيحة مُصْبِحِينَ } وهكذا وقع في سورة هود ، قيل : صاح بهم جبريلُ عليه الصلاة والسلام ، وقيل : أتتهم من السماء صيحةٌ فيها صوتُ كلِّ صاعقةٍ وصوتُ كل شيء في الأرض فتقطعت قلوبهم في صدورهم ، وفي سورة الأعراف { فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة } أي الزلزلةُ ولعلها من روادف الصيحة المستتبِعةِ لتموّج الهواء تموجاً شديداً يفضي إليها كما مر في سورة هود .

(4/88)


فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (84) وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآَتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (85) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (86) وَلَقَدْ آَتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآَنَ الْعَظِيمَ (87)

{ فَمَا أغنى عَنْهُمْ } ولم يدفع عنهم ما نزل بهم { مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من بناء البيوتِ الوثيقة والأموالِ الوافرة والعُدد المتكاثرة ، وفيه تهكمٌ بهم ، والفاء لترتيب عدمِ الإغناء الخاصِّ بوقت نزول العذابِ حسبما كانوا يرجونه لا عدمِ الإغناءِ المطلق فإنه أمرٌ مستمر .
{ وَمَا خَلَقْنَا السموات والأض وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بالحق } أي إلا خلقاً ملتبساً بالحق والحكمةِ والمصلحةِ بحيث لا يلائم استمرارَ الفساد واستقرارَ الشرور ، ولذلك اقتضت الحكمةُ إهلاكَ أمثال هؤلاء دفعاً لفسادهم وإرشاداً لمن بقيَ إلى الصلاح ، أو إلا بسبب العدل والإنصافِ يوم الجزاءِ على الأعمال كما ينبىء عنه قوله تعالى : { وَإِنَّ الساعة لآتِيَةٌ } فينتقم الله تعالى لك فيها ممن كذبك { فاصفح } أي أعرض عنهم { الصفح الجميل } إعراضاً جميلاً وتحمَّلْ أذِيَّتهم ولا تعجَلْ بالانتقام منهم ، وعامِلْهم معاملةَ الصَّفوح الحليم ، وقيل : هي منسوخةٌ بآية السيف .
{ إِنَّ رَبَّكَ } الذي يبلّغك إلى غاية الكمال { هُوَ الخلاق } لك ولهم ولسائر الموجوداتِ على الإطلاق { العليم } بأحوالك وأحوالِهم بتفاصيلها فلا يخفى عليه شيءٌ مما جرى بينك وبينهم ، فهو حقيقٌ بأن تكِل جميع الأمورِ إليه ليحكُم بينكم ، أو هو الذي خلقكم وعلِم تفاصيلَ أحوالِكم وقد علم أن الصفحَ اليوم أصلحُ إلى أن يكون السيفُ أصلحَ ، فهو تعليلٌ للأمر بالصفح على التقديرين ، وفي مصحف عثمانَ وأُبيّ رضي الله تعالى عنهما ( هو الخالق ) وهو صالح للقليل والكثير والخلاقُ مختصٌّ بالكثير .
{ وَلَقَدْ ءاتيناك سَبْعًا } آياتٍ وهي الفاتحةُ ، وعليه عمرُ وعليٌّ وابنُ مسعود وأبو هريرة رضي الله تعالى عنهم ، والحسنُ وأبو العالية ومجاهدٌ والضحاكُ وسعيدُ بن جبير وقَتادة رحمهم الله تعالى . وقيل : سبعُ سورٍ وهي الطوالُ التي سابعتُها الأنفالُ والتوبة فإنهما في حكم سورةٍ واحدة ، ولذلك لم يُفصَلْ بينهما بالتسمية . وقيل : يونسُ أو الحواميم السبعُ . وقيل : الصحائفُ السبعُ وهي الأسباع . { مّنَ المثانى } بيانٌ للسبع من التثنية وهي التكريرُ ، فإن كان المرادُ الفاتحةَ وهو الظاهرُ ، فتسميتُها المثاني لتكرر قراءتِها في الصلاة ، وأما تكررُ قراءتها في غير الصلاة كما قيل فليس بحيث يكون مداراً للتسمية ولأنها تثنى بما يقرأ بعدها في الصلاة ، وأما تكررُ نزولها فلا يكون وجهاً للتسمية لأنها كانت مسماةً بهذا الاسمِ قبل نزولها الثاني إذ السورةُ مكيةٌ بالاتفاق ، وإن كان المرادُ غيرَها من السور فوجهُ كونِها من المثاني أن كلاًّ من ذلك تُكرّر قراءتُه وألفاظُه أو قصصه ومواعظُه ، أو من الثناء لاشتماله على ما هو ثناءٌ على الله واحدتها مَثْناةٌ أو مَثْنيةٌ صفة للآية ، وأما الصحائفُ وهي الأسباع فلما وقع فيها من تكرير القِصص والمواعظ والوعدِ والوعيد وغيرِ ذلك ، ولما فيها من الثناء على الله تعالى كأنها تُثْني عليه سبحانه بأفعاله وصفاتِه الحسنى ، ويجوز أن يراد بالمثاني القرآنُ لما ذكر أو لأنه مُثْنَى عليه بالإعجاز ، أو كتبُ الله تعالى كلُّها فمن للتبعيض ، وعلى الأول للبيان { والقرآن العظيم } إن أريد بالسبع الآياتُ أو السورُ فمِنْ عطف الكلِّ على البعض أو العام على الخاص ، وإن أريد به الأسباعُ أو كلُّ القرآن فهو عطفُ أحدِ الوصفين على الآخر كما في قوله
إلى الملكِ القَرْم وابنِ الهُمام ... وليثِ الكتائبِ في المزدَحَمْ
أي ولقد أتيناك ما يقال له السبعُ المثاني والقرآنَ العظيم .

(4/89)


لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (88) وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (89) كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (90) الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآَنَ عِضِينَ (91)

{ لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } لا تطمَحْ ببصرك طُموحَ راغب ولا تُدِمْ نظرك { إلى مَا مَتَّعْنَا بِهِ } من زخارفِ الدنيا وزينتها ومحاسنِها وزَهْرتِها { أزواجا مّنْهُمْ } أصنافاً من الكفرة فإن ما في الدنيا من أصناف الأموالِ والذخائر بالنسبة إلى ما أوتيتَه مستحقَرٌ لا يُعبأ به أصلاً ، وفي حديث أبي بكر رضي الله تعالى عنه : « مَنْ أوتيَ القرآنَ فرآى أن أحداً أوتيَ أفضل مما أوتي فقد صغّر عظيماً وعظّم صغيراً » وروي ( أنه وافَتْ من بصرى وأذْرِعاتَ سبعُ قوافلَ ليهود بني قُريظةَ والنّضِير فيها أنواعُ البَزِّ والطيب والجواهر وسائرُ الأمتعة فقال المسلمون : لو كانت هذه الأموالُ لنا لتقوَّيْنا بها وأنفقناها في سبيل الله ، فقيل لهم : قد أُعطِيتم سبعَ آياتٍ وهي خير من هذه القوافل السبْع ) { وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ } حيث لم يؤمنوا ولم ينتظِموا أتباعك في سلك ليتقوى بهم ضعفاءُ المسلمين ، وقيل : أو أنهم المتمتعون به ويأباه كلمة على فإن تمتّعهم به لا يكون مداراً للحزن عليهم { واخفض جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ } أي تواضَعْ لهم وارفُق بهم وألِنْ جانبك لهم وطِبْ نفساً من إيمان الأغنياء .
{ وَقُلْ إِنّى أَنَا النذير المبين } أي المنذِرُ المُظْهِر لنزول عذاب الله وحلولِه { كَمَآ أَنْزَلْنَا عَلَى المقتسمين } قيل : إنه متعلق بقوله تعالى : { وَلَقَدْ ءاتيناك } الخ ، أي أنزلنا عليك كما أنزلنا على أهل الكتاب .
{ الذين جَعَلُواْ القرءان عِضِينَ } أي قسَموه إلى حق وباطل ، حيث قالوا عِناداً وعدواناً : بعضُه حقٌّ موافقٌ للتوراة والإنجيل ، وبعضُه باطلٌ مخالفٌ لهما ، أو اقتسموه لأنفسهم استهزاءً حيث كان يقول بعضُهم : سورةُ البقرة لي ، وبعضُهم : سورةُ آلِ عمران لي وهكذا ، أو قسموا ما قرأوا من كتبهم وحرّفوه فأقرّوا ببعضه وكذبوا ببعضه ، وحُمل توسيطُ قوله تعالى : { لاَ تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ } على إمداد ما هو المرادُ بالكلام من التسلية ، وعُقّب ذلك بأنه جلّ المقامُ عن التشبيه ، ولقد أوتيَ عليه الصلاة والسلام ما لم يؤتَ أحدٌ قبله ولا بعده مثلَه ، وقيل : إنه متعلق بقوله : { إِنّى أَنَا النذير المبين } فإنه في قوة الأمرِ بالإنذار ، كأنه قيل : أنذِرْ قريشاً مثلَ ما أنزلنا على المقتسمين ، يعني اليهودَ ، وهو ما جرى على بني قريظةَ والنضير بأن جُعل المتوقَّعُ كالواقع وقد وقع كذلك ، وأنت خبيرٌ بأن ما يُشبَّه به العذابُ المنذَرُ لا بد أن يكون محققَ الوقوعِ معلومَ الحالِ عند المنذَرين إذ به تتحققُ فائدةُ التشبيهِ ، وهي تأكيدُ الإنذار وتشديدُه ، وعذابُ بني قريظةَ والنضير مع عدم وقوعِه إذ ذاك لم يسبِقْ به وعدٌ ووعيد فهم منه في غفلة محضةٍ وشك مُريب ، وتنزيلُ المتوقَّع منزلةَ الواقع له موقعٌ جليلٌ من الإعجاز لكن إذا صادف مقاماً يقتضيه كما في قوله تعالى :

(4/90)


{ إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحاً مُّبِيناً } ونظائرِه . على أن تخصيصَ الاقتسام باليهود بمجرد اختصاصِ العذاب المذكور بهم مع شِرْكتهم للنصارى في الاقتسام المتفرِّع على الموافقة والمخالفة ، وفي الاقتسام بمعنى التحريف الشاملِ للكتابين بل تخصيصُ العذاب المذكور بهم مع كونه من نتائج الاقتسامِ تخصيصٌ من غير مخصِّص ، وقد جُعل الموصولُ مفعولاً أولَ لأنذر أي أنذر المُعَضِّين الذين يجزّئون القرآن إلى سحر وشعر وأساطيرَ ، مثلَ ما أنزلنا على المقتسمين وهم الاثنا عشرَ الذين اقتسموا مداخلَ مكة أيام الموسم فقعد كل منهم في مدخل لينفروا الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بعضُهم : لا تغترّوا بالخارج منا فإنه ساحرٌ ، ويقول الآخر : كذابٌ ، فأهلكهم الله تعالى يوم بدر ، وقبله بآفات وفيه مع ما فيه من الاشتراك لما سبق في عدم كون العذابِ الذي شُبه به العذابُ المنذَرُ واقعاً ولا معلوماً للمنذَرين ولا موعودَ الوقوع أنه لا داعيَ إلى تخصيص وصفِ التعضِيةِ بهم وإخراجِ المقتسمين من بينهم مع كونهم أسوةً لهم في ذلك ، فإن وصفهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم بما وصفوا من السحر والشعر والكذب متفرعٌ على وصفهم للقرآن بذلك ، وهل هو إلا نفسُ التعضيةِ ، ولا إلى إخراجهم من حكم الإنذارِ على ما نزل بهم من العذاب لم يكن من الشدة بحيث يُشبه به عذابُ غيرِهم ولا مخصوصاً بهم ، بل عامًّا لكلا الفريقين وغيرِهم مع أن بعضَ المنذَرين كالوليد بنِ المغيرةَ والعاصِ بن وائل والأسودِ بن المطلب قد هلكوا قبل مهلِك أكثرِ المقتسمين يوم بدر ، ولا إلى تقديم المفعول الثاني على الأول كما ترى ، وقيل : إنه وصفٌ لمفعول النذيرِ أقيمَ مُقامه والمقتسمون هم القاعدون في مداخل مكة كما حرر .
وفيه مع ما مر أن قوله تعالى : { كَمَآ أَنْزَلْنَا } صريحٌ في أنه من قول الله تعالى لا من قول الرسول عليه الصلاة والسلام ، والاعتذارُ بأن ذلك من باب ما يقوله بعضُ خواصِّ المَلِك أُمرْنا بكذا وإن كان الأمرُ هو الملكَ حسبما سلف في قوله تعالى : { قَدَّرْنَآ إِنَّهَا لَمِنَ الغابرين } تعسُّفٌ لا يخفى ، وأن إعمالَ الوصفِ الموصوف مما لم يجوِّزْه البصريون فلا بد من الهرب إلى مسلك الكوفيين ، أو المصير إلى جعله مفعولاً غيرَ صريح أي أنا النذيرُ المبين بعذاب مثلِ عذاب المقتسمين ، وقيل : المراد بالمقتسمين الرهطُ الذين تقاسموا على أن يبيّتوا صالحاً عليه الصلاة والسلام فأهلكهم الله تعالى ، وأنت تدري أن عذابَهم حيث كان متحققاً ومعلوماً للمنذرين حسبما نطق به القرآنُ العظيم صالحٌ لأن يقعَ مشبَّهاً به العذابُ المنذَر ، لكن الموصولَ المذكورَ عَقيبَه حيث لم يمكن كونُه صفةً للمقتسمين حينئذ ، فسواءٌ جعلناه مفعولاً أول للنذير أو لما دل هو عليه من أنذر لا يكون للتعرض لعنوان التعضية في حيز الصلة ولا لعنوان الاقتسام بالمعنى المزبور في حيز المفعول الثاني فائدة ، لما أن ذلك إنما يكون للإشعار بعلّية الصلة والصفةِ للحكم الثابتِ للموصول والموصوف ، فلا يكون هناك وجهُ شبَهٍ يدور عليه تشبيهُ عذابهم بعذابهم خاصة لعدم اشتراكِهم في السبب فإن المُعَضّين بمعزل من التقاسم على التبييت الذي هو السبب لهلاك أولئك ، كما أن أولئك بمعزل من التعضية التي هي السبب لهلاك هؤلاء ، ولا علاقة بين السببين مفهوماً ولا وجوداً تصحّح وقوعَ أحدِهما في جانب والآخرِ في جانب ، واتفاقُ الفريقين على مطلق الاتفاقِ على الشر المفهوم من الاتفاق على الشر المخصوص الذي هو التبييتُ المدلولُ المدلولُ عليه بالتقاسم غيرُ مفيد إذ لا دِلالةَ لعنوان التعضيةِ على ذلك وإنما يدل عليه اقتسامُ المداخِلِ ، وجعلُ الموصولِ مبتدأً على أن خبرَه الجملةُ القسَميةُ لا يليق بجزالة التنزيلِ وجلالة شأنِه الجليل .

(4/91)


إذا عرفت هذا فاعلم أن الأقربَ من الأقوال المذكورةِ أنه متعلِّق بالأول ، وأن المرادَ بالمقتسمين أهلُ الكتابين ، وأن الموصولَ مع صلته صفةٌ مبينة لكيفية اقتسامِهم ، ومحلُّ الكاف النصبُ على المصدرية ، وحديثُ جلالة المقام عن التشبيه من لوائح النظرِ الجليل ، والمعنى لقد آتيناك سبعاً من المثاني والقرآنَ العظيم إيتاءً مماثلاً لإنزال الكتابين على أهلهما ، وعدمُ التعرض لذكر ما أنزل عليهم من الكتابين لأن الغرضَ بيانُ المماثلة بين الإيتاءين لا بين متعلَّقَيهما ، والعدولُ عن تطبيق ما في جانب المشبَّه به على ما في جانب المشبَّه بأن يقال : كما آتينا المقتسِمين حسبما وقع في قوله تعالى : { الذين ءاتيناهم الكتاب } الخ ، للتنبيه على ما بين الإيتاءين من التنائي فإن الأول على وجه التكرِمة والامتنان وشتان بينه وبن الثاني .
ولا يقدح ذلك في وقوعه مشبَّهاً به ، فإن ذلك إنما هو لمُسلَّميته عندهم وتقدمِ وجودُه على المشبه زماناً لا لمزيةٍ تعود إلى ذاته كما في الصلاة الخليلية ، فإن التشبيه فيها ليس لكون رحمة الله تعالى الفائضةِ على إبراهيم عليه الصلاة والسلام وآله أتمَّ وأكملَ مما فاض على النبي عليه الصلاة والسلام ، وإنما ذلك للتقدم في الوجود والتنصيصِ عليه في القرآن العظيم ، فليس في التشبيه شائبةُ إشعار بأفضلية المشبَّه به من المشبه ، فضلاً عن إيهام أفضليةِ ما تعلق به الأولُ مما تعلق به الثاني ، وإنما ذُكروا بعنوان الاقتسام إنكاراً لاتصافهم به مع تحقق ما ينفيه من الإنزال المذكورِ ، وإيذاناً بأنه كان من حقهم أن يؤمنوا بكله حسب إيمانِهم بما أنزل عليهم بحكم الاشتراكِ في العلة والاتحادِ في الحقيقة التي هي مطلقُ الوحي ، وتوسيطُ قوله تعالى : { لاَ تَمُدَّنَّ } الخ ، لكمال اتصالِه بما هو المقصودُ من بيان حالِ ما أوتيَ النبي عليه الصلاة والسلام ، ولقد بُيِّن أولاً علوُّ شأنِه ورفعة مكانِه بحيث يستوجب اغتباطَه عليه الصلاة والسلام بمكانه واستغناءَه به عما سواه ، ثم نُهي عن الالتفات إلى زَهرة الدنيا ، وعُبّر عن إيتائها لأهلها بالتمتيع المنْبىءِ عن وشك زوالِها عنهم ثم عن الحزَن بعدم إيمانِ المنهمكين فيها ، وأُمر بمراعاة المؤمنين والاكتفاءِ بهم عن غيرهم وبإظهار قيامِه بمواجب الرسالة ومراسمِ النذارة حسبما فُصّل في تضاعيف ما أوتي من القرآن العظيم ، ثم رُجِع إلى كيفية إيتائه على وجه أُدمج فيه ما يُزيح شُبَهَ المنكِرين ويستنزِلهم عن العِناد من بيان مشاركتِه لما لا ريب لهم في كونه وحياً صادقاً فتأمل ، والله عنده علم الكتاب ، هذا وقد قيل : المعنى وقل إني أنا النذير المبين كما قد أنزلنا في الكتب أنك ستأتي نذيراً ، على أن المقتسِمين أهلُ الكتاب انتهى .

(4/92)


يريد أن ما في ( كما ) موصولةٌ ، والمراد بالمشابهة المستفادة من الكاف الموافقةُ وهي مع ما في حيزها في محل النصبِ على الحالية من مفعول قل ، أي قل هذا القولَ حالَ كونِه كما أنزلنا على أهل الكتابين أي موافقاً لذلك ، فالأنسبُ حينئذ حملُ الاقتسام على التحريف ليكون وصفُهم بذلك تعريضاً بما فعلوا من تحريفهم وكِتمانهم لنعت النبيِّ صلى الله عليه وسلم ، وقوله تعالى : { عِضِينَ } جمعُ عِضة وهي الفِرقة ، أصلها عِضْوَةٌ ، فِعْلة من عضَّى الشاةَ تعضيةً إذا جعلها أعضاءَ ، وإنما جُمعت جمع السلامةِ جبراً للمحذوف كسنينَ وعِزينَ ، والتعبيرُ عن تجزئة القرآن بالتعضية التي هي تفريقُ الأعضاء من ذي الروح المستلزمُ لإزالة حياتِه وإبطالِ اسمِه دون مطلق التجزئةِ والتفريق اللذَيْن ربما يوجدان فيما لا يضره التبعيضُ من المِثليات ، للتنصيص على كمال قبحِ ما فعلوه بالقرآن العظيم ، وقيل : هي فِعلة من عضهتُه إذا بهتُّه . وعن عكرِمةَ : العضه السحرُ بلسان قريشٍ ، فنقصانها على الأول واو وعلى الثاني هاء .

(4/93)


فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (92) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (93) فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (94) إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (95) الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آَخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (96)

{ فَوَرَبّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } أي لنسألن يوم القيامة أصنافَ الكفرة من المقتسمين وغيرهم سؤالَ توبيخٍ وتقريع .
{ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ } في الدنيا من قول وفعل وترْكٍ ، فيدخُل فيه ما ذكر من الاقتسام والتعضيةِ دخولاً أولياً ، ولنجزيّنهم بذلك جزاءاً موفوراً ، وفيه من التشديد وتأكيدِ الوعيدِ ما لا يخفى ، والفاءُ لترتيب الوعيدِ على أعمالهم التي ذكر بعضها ، وفي التعرض لوصف الربوبيةِ مضافاً إليه عليه الصلاة والسلام إظهارُ اللطف به عليه الصلاة والسلام .
{ فاصدع بِمَا تُؤْمَرُ } فاجهر به ، من صَدَع بالحجة إذا تكلم بها جِهاراً ، أو افرُق بين الحق والباطل ، وأصلُه الإبانةُ والتمييزُ ، وما مصدرية أو موصولةٌ والعائدُ محذوفٌ ، أي ما تؤمر به من الشرائع المودعة في تضاعيف ما أوتيتَه من المثاني السبعِ والقرآنِ العظيم { وَأَعْرِضْ عَنِ المشركين } أي لا تلتفت إلى ما يقولون ولا تبالِ بهم ولا تتصدَّ للانتقام منهم .
{ إِنَّا كفيناك المستهزءين } بقمعهم وتدميرهم ، قيل : ( كانوا خمسةً من أشراف قريش : الوليدُ بن المغيرة ، والعاصِ بنُ وائل ، والحارثُ بن قيس بن الطَلاطِلةَ ، والأسودُ بنُ عبدِ يغوثَ ، والأسودُ بنُ المطلب ، يبالغون في إيذاءِ النبي صلى الله عليه وسلم والاستهزاء به ، فنزل جبريلُ عليه الصلاة والسلام فقال : قد أُمرت أن أكفيكَهم ، فأومأ إلى ساق الوليد ، فمرَّ بنِبال ، فتعلق بثوبه سهمٌ ، فلم ينعطف تعظماً لأخذه ، فأصاب عِرقاً في عَقِبه ، فقطعه ، فمات ، وأومأ إلى أخمَص العاص ، فدخلت فيه شوكةٌ ، فقال : لُدغتُ ، وانتفخت رجلُه حتى صارت كالرّحى ، فمات ، وأشار إلى عيني الأسودِ بن المطلب ، فعمِيَ ، وإلى أنف الحارث ، فامتخط قيحاً ، فمات ، وإلى الأسود بن عبد يغوثَ وهو قاعدٌ في أصل شجرةٍ ، فجعل ينطح برأسه الشجرةَ ويضرب وجهه بالشوك حتى مات ) .
{ الذين يَجْعَلُونَ مَعَ الله إلها ءاخَرَ } وصفهم بذلك تسليةً لرسوله صلى الله عليه وسلم وتهويناً للخطب عليه بإعلام أنهم لم يقتصروا على الاستهزاء به عليه الصلاة والسلام ، بل اجترأوا على العظيمة التي هي الإشراك بالله سبحانه { فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } عاقبةَ ما يأتون ويذرون .

(4/94)


وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (97) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (98) وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (99)

{ وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ } من كلمات الشِّرك والطعنِ في القرآن والاستهزاء به وبك ، وتحليةُ الجملة بالتأكيد لإفادة تحقيقِ ما تتضمنه من التسلية ، وصيغةُ الاستقبال لإفادة استمرارِ العلم حسب استمرارِ متعلَّقه باستمرار ما يوجبه من أقوال الكفرة .
{ فَسَبّحْ بِحَمْدِ رَبّكَ } فافزَع إلى الله تعالى فيما نابك من ضيق الصدرِ والحرَج بالتسبيح والتقديس ملتبساً بحمده ، وفي التعرض لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام ما لا يخفى من إظهار اللطفِ به عليه الصلاة والسلام والإشعارِ بعلة الحُكم ، أعني الأمرَ بالتسبيح والحمد { وَكُنْ مّنَ الساجدين } أي المصلّين يكفِك ويكشِفِ الغمَّ عنك ، أو فنزِّهْه عما يقولون ملتبساً بحمده على أنْ هداك للحق المبين ، وعنه عليه الصلاة والسلام أنه إذا حزَبه أمرٌ فزِع إلى الصلاة
{ واعبد رَبَّكَ } دُمْ على ما أنت عليه من عبادته تعالى ، وإيثارُ الإظهار بالعنوان السالف آنفاً لتأكيد ما سبق من إظهار اللطفِ به عليه الصلاة والسلام والإشعارِ بعلة الأمرِ بالعبادة . { حتى يَأْتِيَكَ اليقين } أي الموتُ ، فإنه مُتيقَّنُ اللحوق بكل حي مخلوق ، وإسنادُ الإتيان إليه للإيذان بأنه متوجِّهٌ إلى الحيّ طالبٌ إليه ، والمعنى دم على العبادة ما دمت حيًّا من غير إخلالٍ بها لحظة .
عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قرأ سورةَ الحِجْر كان له من الأجر عشرُ حسنات بعدد المهاجِرين والأنصارِ والمستهزئين بمحمد صلى الله عليه وسلم » .

(4/95)


أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (1)

{ أتى أَمْرُ الله } أي الساعةُ أو ما يعُمها وغيرَها من العذاب الموعود للكفرة ، عبّر عن ذلك بأمر الله للتفخيم والتهويل وللإيذان بأن تحققَه في نفسه وإتيانِه منوطٌ بحكمه النافذِ وقضائِه الغالب ، وإتيانُه عبارةٌ عن دنوّه واقترابِه على طريقة نظمِ المتوقَّعِ في سلك الواقع ، أو عن إتيان مباديه القريبةِ على نهج إسنادِ حال الأسبابِ إلى المسبَّبات . وأياً ما كان ففيه تنبيهٌ على كمال قربِه من الوقوع واتصالِه وتكميلٌ لحسن موقع التفريعِ في قوله عز وجل : { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } فإن النهيَ عن استعجال الشيءِ وإن صح تفريعُه على قرب وقوعِه أو على وقوع أسبابه القريبة لكنه ليس بمثابة تفريعِه على وقوعه ، إذ بالوقوع يستحيل الاستعجالُ رأساً لا بما ذكر من قرب وقوعِه ووقوعِ مباديه ، والخطابُ للكفرة خاصة كما يدل عليه القراءةُ على صيغة نهي الغائبِ ، واستعجالُهم وإن كان بطريق الاستهزاءِ ، لكنه حُمل على الحقيقة ونُهوا عنه بضرب من التهكم لا مع المؤمنين ، سواءٌ أريد بأمر الله ما ذُكر أو العذابُ الموعود للكفرة خاصة ، أما الأولُ فلأنه يتصور من المؤمنين استعجالُ الساعة أو ما يعمها وغيرَها من العذاب حتى يعمهم النهيُ عنه ، وأما الثاني فلأن استعجالَهم له بطريق الحقيقةِ واستعجالَ الكفرة بطريق الاستهزاءِ كما عرَفْته فلا ينتظمُهما صيغةٌ واحدة ، والالتجاءُ إلى إرادة معنىً مجازيَ يعمهما معاً من غير أن يكون هناك رعايةُ نكتة سرّية تعسفٌ لا يليق بشأن التنزيلِ الجليلِ ، وما روي من أنه لما نزلت { اقتربت الساعة } قال الكفار فيما بينهم : إن هذا يزعُم أن القيامة قد قرُبت ، فأمسِكوا عن بعض ما تعملون حتى ننظر ما هو كائنٌ ، فلما تأخّرت قالوا : ما نرى شيئاً فنزلت { اقترب لِلنَّاسِ حسابهم } فأشفقوا وانتظروا قُربها ، فلما امتدت الأيامُ قالوا : يا محمد ما نرى شيئاً مما تخوفنا به فنزلت { أتى أَمْرُ الله } فوثب رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فرفع الناسُ رؤوسَهم فلما نزل { فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } اطمأنوا ، فليس فيه دِلالةٌ على عموم الخطاب كما قيل لا لما تُوهم من أن التصديرَ بالفاء يأباه ، فإنه بمعزل عن إبائه حسبما تحققْتَه بل لأن مناطَ اطمئنانِهم إنما هو وقوفُهم ، على أن المرادَ بالإتيان هو الإتيانُ الادّعائي لا الحقيقيُّ الموجبُ لاستحالة الاستعجالِ المستلزِمةِ لامتناع النهي عنه ، لِما أن النهيَ عن الشيء يقتضي إمكانَه في الجملة ، ومدار ذلك الوقوف إنما هو النهي عن الاستعجال المستلزمِ لإمكانه المقتضي لعدم وقوعِ المستعجَل بعدُ ، ولا يختلف ذلك باختلاف المستعجِل كائناً مَنْ كان بل فيه دَلالةٌ واضحة على عدم العمومِ لأن المراد بأمر الله إنما هو الساعةُ ، وقد عرفت استحالةَ صدور استعجالِها عن المؤمنين ، نعم يجوز تخصيصُ الخطاب بهم على تقدير كونِ أمر الله عبارةً عن العذاب الموعودِ للكفرة خاصة ، لكن الذي يقضي به الإعجازُ التنزيليُّ أنه خاصٌّ بالكفرة كما ستقف عليه ، ولمّا كان استعجالُهم ذلك من نتائج إشراكِهم المستتبعِ لنسبة الله عز وجل إلى ما لا يليق به من العجز والاحتياج إلى الغير ، واعتقادِ أن أحداً يحجُزه عن إنجاز وعدِه وإمضاء وعيدِه ، وقد قالوا في تضاعيفه : إن صح مجيءُ العذاب فالأصنامُ تخلّصنا عنه بشفاعتها ، رُدَّ ذلك فقيل بطريق الاستئناف : { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } أي تنزه وتقدّس بذاته وجل عن إشراكهم المؤدِّي إلى صدور أمثالِ هذه الأباطيلِ عنهم ، أو عن أن يكون له شريكٌ فيدفعَ ما أراد بهم بوجه من الوجوه ، وصيغةُ الاستقبالِ للدلالة على تجدد إشراكِهم واستمرارِه ، والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذان باقتضاء ذكرِ قبائحِهم للإعراض عنهم وطرحِهم عن رتبة الخطاب ، وحكايةِ شنائعهم لغيرهم ، وعلى تقدير تخصيصِ الخطابِ بالمؤمنين تفوت هذه النُّكتةُ كما يفوت ارتباطُ المنهيِّ عنه ، وقُرىء على صيغة الخطاب .

(4/96)


يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (2) خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (3) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (4) وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (5)

{ يُنَزّلُ الملائكة } بيانٌ لتحتم التوحيدِ حسبما نُبّه عليه تنبيهاً إجمالياً ببيان تقدّس جنابِ الكبرياءِ وتعاليه عن أن يحوم حوله شائبةُ أن يشاركه شيءٌ في شيء ، وإيذانٌ بأنه دينٌ أجمع عليه جمهورُ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام وأُمروا بدعوة الناسِ إليه مع الإشارة إلى سر البعثةِ والتشريعِ وكيفية إلقاءِ الوحي ، والتنبيهِ على طريق علمِ الرسول عليه الصلاة والسلام بإتيان ما أوعدهم به وباقترابه إزاحةً لاستبعادهم اختصاصَه عليه الصلاة والسلام بذلك ، وإظهاراً لبُطلان رأيهم في الاستعجال والتكذيب ، وإيثارُ صيغةِ الاستقبال للإشعار بأن ذلك عادةٌ مستمرةٌ له سبحانه ، والمرادُ بالملائكة إما جبريلُ عليه السلام ، قال الواحدي : يسمَّى الواحدُ بالجمع إذا كان رئيساً أو هو ومَنْ معه من حفَظَة الوحي بأمر الله تعالى ، وقرىء يُنْزِل من الإنزال وتَنَزَّلُ بحذف إحدى التاءين وعلى صيغة المبني للمفعول من التنزيل { بالروح } أي بالوحي الذي من جملته القرآنُ على نهج الاستعارةِ ، فإنه يحيي القلوبَ الميتة بالجهل ، أو يقوم في الدين مقامَ الروح في الجسد ، والباء متعلقةٌ بالفعل أو بما هو حالٌ من مفعوله أي ملتبسين بالروح { مِنْ أَمْرِهِ } بيان للروح الذي أريد به الوحي ، فإنه أمرٌ بالخير أو حال منه أي حالَ كونِه ناشئاً ومبتدأً منه ، أو صفةٌ له على رأي من جوّز حذفَ الموصول مع بعضِ صلته أي بالروح الكائن من أمره الناشىءِ منه ، أو متعلقٌ بينزّل ومِنْ للسببية كالباء مثلُ ( ما ) في قوله تعالى : { مّمَّا خطيئاتهم } أي ينزلهم بأمره { على مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } أي ينزِّلَهم به عليهم لاختصاصهم بصفات تؤهّلهم لذلك { أَنْ أَنْذِرُواْ } بدلٌ من الروح ، أي ينزّلهم ملتبسين بأن أنذِروا أي بهذا القول ، والمخاطَبون به الأنبياءُ الذين نزلت الملائكةُ عليهم ، والآمرُ هو الله سبحانه والملائكةُ نَقَلةٌ للأمر كما يُشعر به الباء في المبدَل منه ، و ( أنْ ) إما مخففةٌ من أنّ وضميرُ الشأن الذي هو اسمُها محذوفٌ ، أي ينزلهم ملتبسين بأن الشأنَ أقول لكم : أنذِروا ، أو مفسّرةٌ على أن تنزيلَ الملائكة بالوحي فيه معنى القولِ ، كأنه قيل : يقول بواسطة الملائكةِ لمن يشاء من عباده : أنذروا فلا محل لها من الإعراب ، أو مصدريةٌ لجواز كون صلتِها إنشائيةً كما في قوله تعالى : { وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ } حسبما ذكر في أوائل سورة هودٍ فمحلُّها الجرُّ على البدلية أيضاً ، والإنذارُ الإعلام خلا أنه مختصٌّ بإعلام المحذورِ من نذر بالشيء إذا علمه فحذِرَه ، وأنذره بالأمر إنذاراً أي أعلمه وحذره وخوفه في إبلاغه كذا في القاموس أي أعلِموا الناس { أَنَّهُ لا إله إِلا أَنَاْ } فالضمير للشأن ، ومدارُ وضعِه موضعَه ادعاءُ شهرتِه المغنيةِ عن التصريح به ، وفائدةُ تصديرِ الجملة به الإيذانُ من أول الأمر بفخامة مضمونِها مع ما فيه من زيادة تقريرٍ له في الذهن ، فإن الضميرَ لا يفهم منه ابتداءً إلا شأنٌ مبهمٌ له خطر ، فيبقى الذهنُ مترقباً لما يعقُبه مترقباً فيتمكن لديه عند وروده فضلُ تمكن ، كأنه قيل : أنذروا أن الشأنَ الخطير هذا ، وإنباءُ مضمونِه عن المحذور ليس لذاته بل من حيث اتصافُ المنذَرين بما يضادُّه من الإشراك وذلك كافٍ في كون إعلامِه إنذاراً ، وقوله سبحانه : { فاتقون } خطابٌ للمستعجِلين على طريقة الالتفاتِ ، والفاءُ فصيحةٌ أي إذا كان الأمر كما ذكر من جريان عادتِه تعالى بتنزيل الملائكةِ على الأنبياء عليهم السلام وأمرِهم بأن ينذِروا الناسِ أنه لا شريك له في الألوهية ، فاتقون في الإخلال بمضمونه ومباشرةِ ما ينافيه من الإشراك وفروعِه التي من جملتها الاستعجالُ والاستهزاءُ .

(4/97)


وبعد تمهيدِ الدليل السمعيِّ للتوحيد شُرِع في تحرير الأدلة العقلية فقيل :
{ خُلِقَ السموات والأرض بالحق } أي أوجدهما على ما هما عليه من الوجه الفائق والنمطِ اللائق { تَعَالَى } وتقدّس بذاته لا سيما بأفعاله التي من جملتها إبداعُ هذين المخلوقين { عَمَّا يُشْرِكُونَ } عن إشراكهم المعهودِ أو عن شركة ما يشركونه به من الباطل الذي لا يُبدىء ولا يعيد ، وبعد ما نبّه على صنعه الكليِّ المنطوي على تفاصيل مخلوقاتِه شرَع في تعداد ما فيه من خلائقه فبدأ بفعله المتعلق بالأنفس فقال : { خَلَقَ الإنسان } أي هذا النوعَ غيرَ الفرد الأول منه { مِن نُّطْفَةٍ } جماد لا حسَّ له ولا حَراكَ ، سيالٍ لا يحفظ شكلاً ولا وضعاً { فَإِذَا هُوَ } بعد الخلق { خَصِيمٌ } مِنطيقٌ مجادِلٌ عن نفسه مكافِحٌ للخصوم { مُّبِينٌ } لحجته لقِنٌ بها ، وهذا أنسبُ بمقام الامتنانِ بإعطاء القدرة على الاستدلال بذلك على قدرته تعالى ووحدتِه ، أو مخاصمٌ لخالقه منكِرٌ له قائلٌ : { مَن يُحىِ العظام وَهِىَ رَمِيمٌ } وهذا أنسبُ بمقام تعداد هَناتِ الكفرة . روي أن أُبيَّ بنَ خلفٍ الجُمَحي أتى النبيَّ عليه السلام بعظم رميم فقال : يا محمد أترى الله تعالى يحيي هذا بعد ما قد رمّ فنزلت { والانعام } وهي الأزواجُ الثمانية من الإبل والبقر والضأن والمعَزِ ، وانتصابُها بمضمر يفسره قوله تعالى : { خَلَقَهَا } أو بالعطف على الإنسان ، وما بعده بيانُ ما خُلق لأجله والذي بعده تفصيلٌ لذلك ، وقوله تعالى : { لَكُمْ } إما متعلقٌ بخلَقها ، وقوله : { فِيهَا } خبرٌ مقدم ، وقوله : { دِفْء } مبتدأٌ وهو ما يُدفأ به فيقي من البرد ، والجملةُ حالٌ من المفعول أو الظرفُ الأول خبرٌ للمبتدأ المذكور ، وفيها حال من دفء إذ لو تأخر لكان صفة { ومنافع } هي دَرّها ورُكوبها وحملُها والحِراثة بها وغيرُ ذلك ، وإنما عبّر عنها بها ليتناول الكل مع أنه الأنسب بمقام الامتنان بالنعم ، وتقديمُ الدفء على المنافع لرعاية أسلوب الترقي إلى الأعلى { وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ } أي تأكُلون ما يؤكل منها من اللحوم والشحوم وغيرِ ذلك ، وتغييرُ النظم للإيماء إلى أنها لا تبقى عند الأكل كما في السابق واللاحقِ ، فإن الدفءَ والمنافعَ والجَمال يحصل منها وهي باقيةٌ على حالها ، ولذلك جُعلت محالَّ لها بخلاف الأكل ، وتقديمُ الظرف للإيذان بأن الأكلَ منها هو المعتادُ المعتمدُ في المعاش لأن الأكلَ مما عداها من الدجاج والبط وصيد البرِّ والبحرِ من قبيل التفكّه مع أن فيه مراعاةً للفواصل ، ويحتمل أن يكون معنى الأكلِ منها أكلَ ما يحصل بسببها فإن الحبوبَ والثمارَ المأكولة تُكتسب بإكراء الإبلِ وبإثمار نِتاجها وألبانها وجلودها .

(4/98)


وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (6) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (7)

{ وَلَكُمْ فِيهَا } مع ما فصل من أنواع المنافع الضرورية { جَمَالٌ } أي زينةٌ في أعين الناس ووَجاهةٌ عندهم { حِينَ تُرِيحُونَ } ترُدّونها من مراعيها إلى مراحها بالعشي { وَحِينَ تَسْرَحُونَ } تخرِجونها بالغداة من حظائرها إلى مسارحها ، فالمفعول محذوفٌ من كلا الفعلين لرعاية الفواصل ، وتعيينُ الوقتين لأن ما يدور عليه أمرُ الجمال من تزين الأفنية والأكنافِ بها وبتجاوب ثُغائها ورُغائها إنما هو عند ورودِها وخطورها في ذينك الوقتين ، وأما عند كونِها في المراعي فينقطع إضافتُها الحسية إلى أربابها ، وعند كونِها في الحظائر لا يراها راءٍ ولا ينظر إليها ناظرٌ ، وتقديمُ الإراحةِ على السَّرْح لتقدم الورودِ على الصدور ولكونها أظهرَ منه في استتباع ما ذُكر من الجمال وأتمَّ في استجلاب الأنسِ والبهجة إذ فيها حضورٌ بعد غَيبة وإقبالٌ بعد إدبار على أحسن ما يكون ملأى البطونِ مرتفعةَ الضلوع حافلةَ الضروع ، وقرىء حيناً تريحون وحيناً تسرحون على أن كِلا الفعلين وصفٌ لحيناً ، بمعنى تريحون فيه وتسرحون فيه .
{ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ } جمع ثقل وهو متاعُ المسافر ، وقيل : أثقالكم أجرامكم { إلى بَلَدٍ } قال ابن عباس رضي الله عنهما : أريد به اليمنُ ومصرُ والشامُ ، ولعله نظر إلى أنها متاجرُ أهل مكة ، وقال عكرمةَ : أريد به مكةُ ، ولعله نظر إلى أن أثقالَهم وأحمالهم عند القُفول من متاجرهم أكثرُ ، وحاجتُهم إلى الحمولة أمسُّ ، والظاهرُ أنه عام لكل بلد سحيق { لَّمْ تَكُونُواْ بالغيه } واصلين إليه بأنفسكم مجردين عن الأثقال لولا الإبل { إِلاَّ بِشِقّ الأنفس } فضلاً عن استصحابها معكم ، وقرىء بفتح الشين وهما لغتان بمعنى الكُلفة والمشقة ، وقيل : المفتوحُ مصدرٌ من شق الأمرُ عليه شقاً ، وحقيقتُه راجعة إلى الشِق الذي هو الصَّدْع والمكسورُ النصفِ كأنه يُذهب نصفَ القوة لما يناله من الجهد ، فالإضافة إلى الأنفس مجازيةٌ ، أو على تقدير مضاف أي إلا بشق قُوى الأنفس ، وهو استثناءٌ مفرّغٌ من أعم الأشياء أي لم تكونوا بالغيه بشيء من الأشياء إلا بشق الأنفس ، ولعل تغييرَ النظم الكريم السابقِ الدال على كون الأنعامِ مدار للنعم السابقة إلى الجملة الفعلية المفيدة لمجرد الحدوث للإشعار بأن هذه النعمةَ ليست في العموم بحسب المنشأ وبحسب المتعلق ، وفي الشمول للأوقات والاطّراد في الأحيان المعهودة بمثابة النعمِ السالفة فإنها بحسب المنشأ وخاصةٌ بالإبل وبحسب المتعلق بالضاربين في الأرض المتقلبين فيها للتجارة وغيرِها في أحايينَ غيرِ مطّردة ، وأما سائرُ النعم المعدودةِ فموجودةٌ في جميع أصناف الأنعامِ وعامةٌ لكافة المخاطبين دائماً ، أو في عامة الأوقات { إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ } ولذلك أسبغ عليكم هذه النعمَ الجليلةَ ويسّر لكم الأمورَ الشاقة .

(4/99)


وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (8) وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (9) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (10) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (11)

{ والخيل } هو اسمُ جنس للفرس لا واحد له من لفظه ، كالإبل وهو عطفٌ على الأنعام أي خلق الخيل { والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا } تعليلٌ بمعظم منافعها وإلا فالانتفاعُ بها بالحمل أيضاً مما لا ريب في تحققه { وَزِينَةٌ } عطفٌ على محل لتركبوها ، وتجريدُه عن اللام لكونه فعلاً لفاعل الفعل المعلل دون الأولِ ، وتأخيرُه لكون الركوبِ أهمَّ منه ، أو مصدرٌ لفعل محذوفٍ ، أي وتتزيّنوا بها زينةً ، وقرىء بغير واو أي خلقها زينةً لتركبوها ، ويجوز أن يكون مصدراً واقعاً موقعَ الحال من فاعل تركبوها أو مفعولِه أي متزيّنين بها { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } أي يخلق في الدنيا غيرَ ما عُدد من أصناف النعم فيكم ولكم ما لا تعلمون كنهَه وكيفيةَ خلقِه ، فالعدولُ إلى صيغة الاستقبال للدِلالة على الاستمرار والتجددِ أو لاستحضار الصورة ، أو يخلق لكم في الجنة غيرَ ما ذكر من النعم الدنيوية ما لا تعلمون أي ما ليس من شأنكم أن تعلموه ، وهو ما أشير إليه بقوله عليه الصلاة والسلام حكاية عن الله تعالى : « أعددتُ لعبادي الصالحين ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمِعت ولا خطَر على قلب بشر » ويجوز أن يكون هذا إخباراً بأنه سبحانه يخلق من الخلائق ما لا علمَ لنا به دَلالةً على قدرته الباهرة الموجبةِ للتوحيد كنعمته الباطنة والظاهرة .
عن ابن عباس رضي الله عنهما : أن عن يمين العرش نهراً من نور مثلَ السمواتِ السبع والأرضين السبع والبحارِ السبعة ، يدخل فيه جبريلُ عليه السلام كل سَحَر فيغتسل فيزداد نوراً إلى نور وجمالاً إلى جمال وعِظماً إلى عظم ، ثم ينتفض فيخلق الله تعالى من كل قطرة تقع من ريشه كذا وكذا ألفَ ملَك ، فيدخل منهم كل يوم سبعون ألفَ ملكٍ البيتَ المعمور وسبعون ألف ملك الكعبة لا يعودون إليه إلا يوم القيامة .
{ وَعَلَى الله قَصْدُ السبيل } القصدُ مصدر بمعنى الفاعل ، يقال : سبيلٌ قصْدٌ وقاصدٌ ، أي مستقيم على طريقة الاستعارة أو على نهج إسنادِ حال سالكِه إليه ، كأنه يقصِد الوجهَ الذي يؤمه السالكُ لا يعدِل عنه ، أي حقٌّ عليه سبحانه وتعالى بموجب رحمته ووعدِه المحتوم بيانُ الطريق المستقيمِ الموصلِ لمن يسلكه إلى الحق الذي هو التوحيدُ بنصب الأدلةِ وإرسالِ الرسل وإنزال الكتبِ لدعوة الناس إليه ، أو مصدرٌ بمعنى الإقامة والتعديل كذا قاله أبو البقاء ، أي عليه عز وجل تقويمُها وتعديلها أي جعلُها بحيث يصل سالكُها إلى الحق ، لكن لا بعد ما كانت في نفسها منحرفةً عنه بل إبداعُها ابتداءً كذلك على نهج قوله : سبحان من صغّر البعوضَ وكبّر الفيل ، وحقيقتُه راجعةٌ إلى ما ذكر من نصب الأدلةِ ، وقد فعَل ذلك حيث أبدع هذه البدائعَ التي كلُّ واحد منها لاحبٌّ يهتدى بمناره وعلَمٌ يُستضاء بناره ، وأَرسل رسلاً مبشرين ومنذرين وأَنزل عليهم كتباً من جملتها هذا الوحيُ الناطقُ بحقيقة الحقِّ الفاحصِ عن كل ما جلّ من الأسرار ودقّ ، الهادي إلى سبيل الاستدلال بتلك الأدلةِ المفضية إلى معالم الهدى ، المنْجية عن فيافي الضلالة ومهاوي الردى ، ألا يُرى كيف بيّن أولاً تنزُّهَ جنابِ الكبرياء وتعالِيَه بحسب الذات عن أن يحوم حوله شائبةُ توهمِ الإشراك ، ثم أوضح سرَّ إلقاءِ الوحي على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكيفيةَ أمرِهم بإنذار الناس ودعوتِهم إلى التوحيد ونهيِهم عن الإشراك ، ثم كرّ على بيان تعاليه عن ذلك بحسب الأفعالِ مرشداً إلى طريقة الاستدلالِ فبدأ بفعله المتعلق بمحيط العالم الجُسماني ومركزِه بقوله تعالى :

(4/100)


{ خُلِقَ السموات والأرض بالحق تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } ثم فصّل أفعالَه المتعلقةَ بما بينهما فبدأ بفعله المتعلّق بأنفس المخاطَبين ، ثم ذكر ما يتعلق بما لا بد لهم منه في معايشهم ، ثم بين قدرتَه على خلق ما لا يحيط به علمُ البشر بقوله : { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } وكلُّ ذلك كما ترى بيانٌ لسبيل التوحيد غِبَّ بيانٍ وتعديلٌ له أيُّما تعديلٍ ، فالمرادُ بالسبيل على الأول الجنسُ بدليل إضافة القصدِ إليه وقوله تعالى : { وَمِنْهَا } في محل الرفع على الابتداء ، إما باعتبار مضمونِه وإما بتقدير الموصوف كما في قوله تعالى : { وَمِنَّا دُونَ ذَلِكَ } وقد مر في قوله تعالى : { وَمِنَ الناس مَن يَقُولُ ءامَنَّا بالله وباليوم الأخر } الخ ، أي بعضُ السبيل أو بعضٌ من السبيل فإنها تؤنث وتذكر { جَائِرٌ } أي مائلٌ عن الحق منحرفٌ عنه لا يوصِل سالكَه إليه ، وهو طرقُ الضلال التي لا يكاد يحصى عددُها المندرجُ كلُّها تحت الجائر ، وعلى الثاني نفسُ السبيل المستقيم والضميرُ في منها راجع إليها بتقدير المضاف أي ومن جنسها لما عرفتَ من أن تعديلَ السبيل وتقويمَه إبداعُه ابتداءً على وجه الاستقامةِ والعدالةِ لا تقويمُه بعد انحرافِه . وأياً ما كان فليس في النظم الكريم تغييرُ الأسلوب رعايةً لأمر مطلوب كما قيل ، فإن ذلك إنما يكون فيما اقتضى للظاهرُ سبكاً معيناً ولكن يُعدل عن ذلك لنُكتة أهمَّ منه كما في قوله سبحانه : { الذى يُطْعِمُنِى وَيَسْقِينِ وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } فإن مقتضى الظاهرِ أن يقال : والذي يُسقِمني ويشفينِ ، ولكن غُيِّر إلى ما عليه النظم الكريم تفادياً عن إسناد ما تكرهه النفسُ إليه سبحانه ، وليس المرادُ ببيان قصدِ السبيل مجردَ إعلامِ أنه مستقيمٌ حتى يصِحّ إسنادُ أنه جائرٌ إليه تعالى فيُحتاجَ إلى الاعتذار عن عدم ذلك ، على أنه لو أريد ذلك لم يوجد لتغيير الأسلوبِ نكتةٌ ، وقد بُين ذلك في مواضعَ غير معدودةٍ ، بل المرادُ ما مر من نصب الأدلةِ لهداية الناسِ إليه ولا إمكانَ لإسناد مثلِه إليه تعالى بالنسبة إلى الطريق الجائر بأن يقالَ : وجائرُها حتى يصرفَ ذلك الإسنادُ منه تعالى إلى غيره لنكتة تستدعيه ، ولا يتوهمه متوهمٌ حتى يقتضيَ الحالُ دفعَ ذلك بأن يقال : لا جائرُها ، ثم يُغير سبكُ النظم عن ذلك لداعية أقوى منه بل الجملةُ الظرفيةُ اعتراضيةٌ جيء بها لبيان الحاجةِ إلى البيان والتعديل وإظهارِ جلالة قدرِ النعمة في ذلك ، والمعنى : على الله تعالى بيانُ الطريق المستقيم الموصلِ إلى الحق وتعديلُه بما ذكر من نصب الأدلةِ ليسلُكَه الناس باختيارهم ويصلوا إلى المقصِد ، وهذا هو الهدايةُ المفسرة بالدلالة على ما يوصل إلى المطلوب لا الهدايةُ المستلزمةُ للاهتداء البتةَ ، فإن ذلك مما ليس بحق على الله تعالى لا بحسب ذاته ولا بحسب رحمته ، بل هو مُخلٌّ بحكمته حيث يستدعي تسويةَ المحسِن والمسيء والمطيعِ والعاصي بحسب الاستعدادِ وإليه أشير بقوله تعالى : { وَلَوْ شَآء لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } أي لو شاء أن يهديَكم إلى ما ذكر من التوحيد هدايةً موصلةً إليه البتةَ مستلزِمةً لاهتدائكم أجمعين لفعل ذلك ، ولكن لم يشأه لأن مشيئتَه تابعةٌ للحكمة الداعيةِ إليها ، ولا حكمةَ في تلك المشيئةِ لِما أن الذي عليه يدور فلَكُ التكليفِ وإليه ينسحب الثوابُ والعقابُ إنما هو الاختيارُ الجُزئي الذي عليه يترتب الأعمالُ التي بها نيط الجزاءُ .

(4/101)


هذا هو الذي يقتضيه المقامُ ويستدعيه حسنُ الانتظام ، وقد فُسّر كونُ قصدِ السبيل عليه تعالى بانتهائه إليه على نهج الاستقامةِ ، وإيثارُ حرفِ الاستعلاءِ على أداة الانتهاءِ لتأكيد الاستقامةِ على وجه تمثيليَ من غير أن يكون هناك استعلاءٌ لشيء عليه سبحانه وتعالى عنه علواً كبيراً كما في قوله تعالى : { هَذَا صراط عَلَىَّ مُسْتَقِيمٌ } فالقصدُ مصدرٌ بمعنى الفاعل ، والمرادُ بالسبيل الجنسُ كما مر في قوله تعالى : { وَمِنْهَا جَائِرٌ } معطوفٌ على الجملة الأولى والمعنى أن قصدَ السبيلِ واصلٌ إليه تعالى بالاستقامة وبعضُها منحرفٌ عنه ولو شاء لهداكم جميعاً إلى الأول ، وأنت خبيرٌ بأن هذا حقٌّ في نفسه ولكنه بمعزل عن نكتة موجبةٍ لتوسيطه بين ما سبق من أدلة التوحيدِ وبين ما لحِق ، ولمّا بُيِّن الطريقُ السمعيُّ للتوحيد على وجه إجماليَ وفصِّلَ بعضُ أدلتِه المتعلقة بأحوال الحيواناتِ ، وعُقب ذلك ببيان السرِّ الداعي إليه بعثاً للمخاطبين على التأمل فيما سبق وحثًّا على حسن التلقي لما لحِق أُتبِع ذلك ذِكرَ ما يدل عليه من أحوال النبات فقيل :
{ هُوَ الذى أَنَزلَ } بقدرته القاهرة { مّنَ السماء } أي من السحاب أو من جانب السماء { مَاء } أي نوعاً منه وهو المطرُ ، وتأخرُه عن المجرور لِما مر مراراً من أن المقصودَ هو الإخبارُ بأنه أنزل من السماء شيئاً هو الماء لا أنه أنزله من السماء ، والسرُّ فيما سلف من أن عند تأخيرِ ما حقُّه التقديمُ يبقى الذهنُ مترقباً له مشتاقاً إليه فيتمكّن لديه عند وروده عليه فضلُ تمكن { لَّكُم مَّنْهُ شَرَابٌ } أي ما تشربونه ، وهو إما مرتفعٌ بالظرف الأول أو مبتدأٌ وهو خبرُه والجملةُ صفة لماءً ، والظرفُ الثاني نصبَ على الحالية من شراب ومن تبعيضيةٌ وليس في تقديمه إيهامُ حصر المشروب فيه حتى يفتقر إلى الاعتذار بأنه لا بأس به لأن مياهَ العيون والأبيارِ منه لقوله تعالى :

(4/102)


{ فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِى الأرض } وقوله تعالى : { فَأَسْكَنَّاهُ فِى الأرض } وقيل : الظرفُ الأولُ متعلقٌ بأنزل والثاني خبرٌ لشرابٌ والجملةُ صفةٌ لماءً ، وأنت خبير بأن ما فيه من توسيط المنصوبِ بين المجرورين وتوسيطِ الثاني منهما بين الماء وصفتِه مما لا يليق بجزالة نظمِ التنزيلِ الجليل { وَمِنْهُ شَجَرٌ } من ابتدائيةٌ أي ومنه يحصل شجرٌ ترعاه المواشي ، والمرادُ به ما ينبُت من الأرض سواءٌ كان له ساق أو لا ، أو تبعيضيةٌ مجازاً لأنه لما كان سقيُه من الماء جعل كأنه كقوله
أسنمةُ الآبالِ في ربابه ... يعني به المطرَ الذي ينبت به الكلأُ الذي تأكله الإبلُ فتسمَن أسنمتُها ، وفي حديث عكرِمة : ( لا تأكُلوا ثمنَ الشجر فإنه سُحْت ) يعني الكلأ { فِيهِ تُسِيمُونَ } ترون من سامت الماشيةُ وأسامها صاحبها ، وأصلُها السُّومة وهي العلامةُ لأنها تؤثر بالرعي علاماتٍ في الأرض .
{ يُنبِتُ } أي الله عز وجل ، وقرى بالنون { لَكُمْ بِهِ } بما أنزل من السماء { الزرع والزيتون والنخيل والاعناب } بيان للنعم الفائضة عليهم من الأرض بطريق الاستئنافِ ، وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ للدلالة على التجدد والاستمرار وأنها سنتُه الجاريةُ على مر الدهور ، أو لاستحضار صورةِ الإنبات ، وتقديمُ الظرفين على المفعول الصريحِ لما مر آنفاً مع ما في تقديم أولهما من الاهتمام به لإدخال المسرّةِ ابتداءً ، وتقديمُ الزرعِ على ما عداه لأنه أصلُ الأغذية وعَمودُ المعاش ، وتقديمُ الزيتون لما فيه من الشرف من حيث إنه إذام من وجه وفاكهة من وجه ، وتقديم النخيل على الأعناب لظهور أصالتِها وبقائها ، وجمع الأعناب للإشارة إلى ما فيها من الاشتمال على الأصناف المختلفةِ ، وتخصيصُ الأنواعِ المعدودة بالذكر مع اندراجها تحت قولِه تعالى : { وَمِن كُلّ الثمرات } للإشعار بفضلها وتقديمُ الشجر عليها مع كونه غذاءً للأنعام لحصوله بغير صنعٍ من البشر ، أو للإرشاد إلى مكارم الأخلاقِ فإن مقتضاها أن يكون اهتمامُ الإنسان بأمر ما تحت يده أكملَ من اهتمامه بأمر نفسه ، أو لأن أكثرَ المخاطَبين من أصحاب المواشي ليس لهم زرعٌ ولا ثمرٌ ، وقيل : المراد تقديمُ ما يسام لا تقديمُ غذائه فإنه غذاءٌ حيوانيّ للإنسان وهو أشرف الأغذية ، وقرىء يَنبُت من الثلاثي مسنداً إلى الزرع وما عُطف عليه .
{ إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي في إنزال الماءِ وإنباتِ ما فُصّل { لآيَةً } عظيمةً دالةً على تفرده تعالى بالألوهية لاشتماله على كمال العلمِ والقدرةِ والحكمة { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فإن من تفكر في أن الحبةَ أو النواة تقع في الأرض وتصِل إليها نداوةٌ تنفُذ فيها فينشق أسفلُها فيخرُج منه عروق تنبسط في أعماق الأرضِ ، وينشق أعلاها وإن كانت منتكِسةً في الوقوع ويخرج منه ساقٌ فينمو ويخرج منه الأوراقُ والأزهارُ والحبوبُ والثمار المشتملةُ على أجسام مختلفةِ الأشكال والألوان والخواصِّ والطبائع ، وعلى نواة قابلةٍ لتوليد الأمثالِ على النمط المحرر لا إلى نهاية مع اتحاد الموادِّ واستواءِ نسبة الطبائعِ السفلية والتأثيراتِ العلوية بالنسبة إلى الكل ، علم أن مَنْ هذه أفعالُه وآثارُه لا يمكن أن يشبهه شيءٌ في شيء من صفات الكمال فضلاً عن أن يشاركه أخسُّ الأشياء في أخص صفاتِه التي هي الألوهيةُ واستحقاقُ العبادة تعالى عن ذلك علواً كبيراً ، وحيث افتقر سلوكُ هذه الطريقةِ إلى ترتيب المقدّماتِ الفكرية قطَع الآيةَ الكريمةَ بالتفكر .

(4/103)


وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (12)

{ وَسَخَّر لَكُمُ اليل والنهار } يتعاقبان خِلْفةً لمنامكم ومعاشِكم ولعقد الثمار وإنضاجها { والشمس والقمر } يدأبان في سيرهما وإنارتهما أصالةً وخلافةً وإصلاحِهما لما نيط بهما صلاحُه من المكونات التي من جملتها ما فُصّل وأُجْمل ، كلُّ ذلك لمصالحكم ومنافعكم ، وليس المرادُ بتسخيرها لهم تمكينَهم من تصريفها كيف شاءوا كما في قوله تعالى : { سبحان الذى سَخَّرَ لَنَا هذا } ونظائرِه ، بل هو تصريفُه تعالى لها حسبما يترتب عليه منافعُهم ومصالحُهم كأن ذلك تسخيرٌ لهم وتصرفٌ من قبلهم حسب إرادتِهم ، وفي التعبير عن ذلك التصريف بالتسخير إيماءٌ إلى ما في المسخَّرات من صعوبة المأخذ بالنسبة إلى المخاطبين ، وإيثارُ صيغةِ الماضي للدلالة على أن ذلك أمرٌ واحدٌ مستمر وإن تجددت آثارُه .
{ والنجوم مسخرات بِأَمْرِهِ } مبتدأٌ وخبرٌ ، أي سائرُ النجومِ في حركاتها وأوضاعها من التثليث والتربيع ونحوهما مسخراتٌ لله تعالى أو لما خُلقن له بإرادته ومشيئتِه ، وحيث لم يكن عَودُ منافعِ النجوم إليهم في الظهور بمثابة ما قبلها من المَلَوَين والقمَرَين لم يُنسَبْ تسخيرُها إليهم بأداة الاختصاص بل ذُكر على وجه يفيد كونَها تحت ملكوتِه تعالى من غير دِلالةٍ على شيء آخرَ ولذلك عُدِل عن الجملة الفعليةِ الدالة على الحدوث إلى الاسمية المفيدة للدوام والاستمرار .
وقرىء برفع الشمسَ والقمرَ أيضاً ، وقرىء بنصب النجوم على أنه مفعولٌ أولٌ لفعل مقدر ينبىء عنه الفعلُ المذكور ، ومسخراتٌ حالٌ من الكل والعامل ما في ( سخّر ) من معنى نفعَ أي نفعكم بها حالَ كونها مسخراتٍ لله الذي خلقها ودبرها كيف شاء ، أو لما خُلقن له بإيجاده وتقديرِه أو لحكمه ، أو مصدرٌ ميميّ جُمع لاختلاف الأنواعِ أي أنواعاً من التسخير ، وما قيل من أن فيه إيذاناً بالجواب عما عسى يقال أن المؤثرَ في تكوين النباتِ حركاتُ الكواكب وأوضاعُها بأن ذلك إنْ سَلِم فلا ريب في أنها أيضاً أمورٌ ممكنةُ الذات والصفات ، واقعةٌ على بعض الوجوه الممْكِنة فلا بد لها من موجد مخصّصٍ مختار واجبِ الوجود دفعاً للدَّوْر والتسَلْسُل ، فمبناه حسبانُ ما ذُكر أدلةً على وجود الصانع تعالى وقدرته واختيارِه ، وأنت تدري أنْ ليس الأمرُ كذلك فإنه ليس مما ينازَع فيه الخصمُ ولا يتلعثم في قبوله ، قال تعالى : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّنْ خَلَقَ السموات والأرض وَسَخَّرَ الشمس والقمر لَيَقُولُنَّ الله فأنى يُؤْفَكُونَ } وقال تعالى : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ مَّن نَّزَّلَ مِنَ السماء مَاء فَأَحْيَا بِهِ الأرض مِن بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ الله } الآية ، وإنما ذلك أدلةُ التوحيد من حيث إن مَنْ هذا شأنُه لا يتوهم أن يشاركه شيءٌ في شيء فضلاً عن أن يشاركه الجمادُ في الألوهية .
{ إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي فيما ذكر من التسخير المتعلّق بما ذكر مُجملاً ومفصلاً { لاَيَاتٍ } باهرةً متكاثرة { لّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ } وحيث كانت هذه الآثارُ العلويةُ متعددةً ودلالةُ ما فيها من عظيم القدرة والعلم والحكمةِ على الوحدانية أظهرَ جُمع الآياتُ وعُلّقت بمجرد العقلِ من غير حاجةٍ إلى التأمل والتفكر ، ويجوز أن يكون المرادُ لقوم يعقلون ذلك ، فالمشار إليه حينئذ تعاجيبُ الدقائق المُودعةِ في العلويات المدلولِ عليها بالتسخير التي لا يتصدَّى لمعرفتها إلا المهَرةُ من أساطين علماءِ الحكمة ، ولا ريب في أن احتياجَها إلى التفكر أكثرُ .

(4/104)


وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (13)

{ وَمَا ذَرَأَ } عطفٌ على قوله تعالى : { والنجوم } رفعاً ونصباً على أنه مفعولٌ لجعل أي وما خلق { لَكُمْ فِى الأرض } من حيوان ونبات حالِ كونه { مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ } أي أصنافُه ، فإن اختلافها غالباً يكون باختلاف اللون مسخرٌ لله تعالى أو لما خُلق له من الخواصّ والأحوال والكيفياتِ ، أو جُعل ذلك مختلفَ الألوان أي الأصنافِ لتتمتعوا من ذلك بأي صنف شئتم ، وقد عُطف على ما قبله من المنصوبات ، وعُقِّب بأن ذكرَ الخلق لهم مغنٍ عن ذكر التسخير ، واعتُذر بأن الأولَ يستلزم الثانيَ لزوماً عقلياً لجواز كونِ ما خُلق لهم عزيزَ المرام صعبَ المنال ، وقيل : هو منصوبٌ بفعل مقدر أي خلق وأنبت على أن قوله : ( مختلفاً ألوانه ) حالٌ من مفعوله { إِنَّ فِى ذَلِكَ } الذي ذكر من التسخيرات ونحوها { لآيَةً } بينةَ الدِلالةِ على أن مَنْ هذا شأنُه واحد لا نِدَّ له ولا ضِدّ { لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ } فإن ذلك غيرُ محتاج إلا إلى تذكرِ ما عسى يُغفَل عنه من العلوم الضرورية ، وأما ما يقال من أن اختلافها في الطباع والهيئات والمناظر ليس إلا بصنع صانعٍ حكيم ، فمدارُه ما لوّحنا به من حسبان ما ذُكر دليلاً على إثبات الصانعِ تعالى ، وقد عرفتَ حقيقةَ الحال فإن إيراد ما يدل على اتصافه سبحانه بما ذكر من صفات الكمالِ ليس بطريق الاستدلالِ عليه ، بل من حيث إن ذلك من المقدِّمات المسلَّمةِ جيء به للاستدلال به على ما يقتضيه ضرورةُ وحدانيته تعالى واستحالةُ أن يشاركَه شيء في الألوهية .

(4/105)


وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (14) وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (15)

{ وَهُوَ الذى سَخَّرَ البحر } شروعٌ في تعداد النعمِ المتعلقة بالبحر إثرَ تفصيل النعمِ المتعلقة بالبر حيواناً ونباتاً ، أي جعله بحيث تتمكنون من الانتفاع به للركوب والغَوْص والاصطياد { لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْمًا طَرِيّا } هو السمك ، والتعبيرُ عنه باللحم مع كونه حيواناً للتلويح بانحصار الانتفاعِ به في الأكل ، ووصفُه بالطراوة للإشعار بلطافته والتنبيهِ على وجوب المسارعةِ إلى أكله كيلا يتسارع إليه الفسادُ كما ينبىء عنه جعلُ البحر مبتدأَ أكلِه ، وللإيذان بكمال قدرتِه تعالى في خلقه عذباً طرياً في ماء زعاق ، ومن إطلاق اللحمِ عليه ذهب مالكٌ والثوري أن مَنْ حلف لا يأكلُ اللحم حنِث بأكله ، والجوابُ أن مبنى الأيمان العُرفُ ، ولا ريب في أنه لا يُفهم من اللحم عند الإطلاق ، ولذلك لو أمر خادمه بشراء اللحمِ فجاء بالسمك لم يكن ممتثلاً بالأمر ، ألا يرى إلى أن الله تعالى سمّى الكافرَ دابة حيث قال : { إِنَّ شَرَّ الدواب عِندَ الله الذين كَفَرُواْ } ولا يحنَث بركوبه من حلَف لا يركب دابة { وَتَسْتَخْرِجُواْ مِنْهُ حِلْيَةً } كاللؤلؤ والمَرْجان { تَلْبَسُونَهَا } عبر في مقام الامتنان عن لُبس نسائِهم بلبسهم لكونهن منهم أو لكون لُبسِهن لأجلهم { وَتَرَى الفلك } السفن { مَوَاخِرَ فِيهِ } جواريَ فيه مُقبلةً ومدبرة ومعترضة بريح واحدة تشقه بحَيزومها ، من المخْر وهو شقُّ الماء ، وقيل : هو صوتُ جَرْي الفلك { وَلِتَبْتَغُواْ } عطف على تستخرجوا وما عُطف هو عليه ، وما بينهما اعتراضٌ لتمهيد مبادي الابتغاءِ ودفعِ توهم كونِه باستخراج الحِلية ، أو على علة محذوفة أي لتنتفعوا بذلك ولتبتغوا ، ذكره ابن الأنباري أو متعلقة بفعل محذوفٍ أي وفعَل ذلك لتبتغوا { مِن فَضْلِهِ } من سَعة رزقِه بركوبها للتجارة { وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } أي تعرِفون حقوقَ نعمِه الجليلةِ فتقومون بأدائها بالطاعة والتوحيد ، ولعل تخصيصَ هذه النعمةِ بالتعقيب بالشكر من حيث إن فيها قطعاً لمسافة طويلة مع أحمال ثقيلةٍ في مدة قليلة من غير مزاولةِ أسبابِ السفر ، بل من غير حركة أصلاً مع أنها في تضاعيف المهالكِ وعدمُ توسيط الفوزِ بالمطلوب بين الابتغاء والشكر للإيذان باستغنائه عن التصريح به وبحصولهما معاً .
{ وألقى فِى الأرض رَوَاسِىَ } أي جبالاً ثوابتَ ، وقد مر تحقيقُه في أول سورة الرعد { أَن تَمِيدَ بِكُمْ } كراهةَ أن تميل بكم وتضطربَ ، أو لئلا تميدَ بكم فإن الأرضَ قبل أن تُخلقَ فيها الجبالُ كانت كرةً خفيفةً بسيطةَ الطبع ، وكان من حقها أن تتحرك بالاستدارة كالأفلاك أو تتحركَ بأدنى سبب محرِّك ، فلما خُلقت الجبال تفاوتت حافّاتُها وتوجهت الجبالُ بثقلها نحو المركز فصارت كالأوتاد ، وقيل : لما خلق الله تعالى الأرض جعلت تمورُ فقالت الملائكة : ما هي بمقر أحدٍ على ظهرها فأصبحت وقد أرسيت بالجبال { وأنهارا } أي وجعل فيه أنهاراً لأن في ألقى معنى الجعل { وَسُبُلاً لَّعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } بها إلى مقاصدكم .

(4/106)


وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (16) أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (17)

{ وعلامات } معالمَ يَستدِلّ بها السابلةُ بالنهار من جبل وسهلٍ وريح ، وقد نُقل أن جماعة يشمّون الترابَ ويتعرفون به الطرقات { وبالنجم هُمْ يَهْتَدُونَ } بالليل في البراري والبحارِ حيث لا علامة غيرُه ، والمرادُ بالنجم الجنسُ ، وقيل : هو الثريا والفَرْقدان وبناتُ نعش والجدي ، وقرىء بضمتين وبضمة وسكون وهو جمع كرُهْن ورُهُن ، وقيل : الأول بطريق حذف الواو من النجوم للتخفيف ولعل الضميرَ لقريش فإنهم كانوا كثيري الترددِ للتجارة مشهورين بالاهتداء بالنجوم في أسفارهم ، وصرفُ النظمِ عن سنن الخطاب وتقديمُ النجم وإقحامُ الضمير للتخصيص ، كأنه قيل : وبالنجم خصوصاً هؤلاء خصوصاً يهتدون فالاعتبار بذلك والشكر عليه ألزم لهم وأوجب عليهم .
{ أَفَمَن يَخْلُقُ } هذه المصنوعاتِ العظيمةَ ويفعل هاتيك الأفاعيلَ البديعة ، أو يخلق كلَّ شيء { كَمَن لاَّ يَخْلُقُ } شيئاً أصلاً وهو تبكيتٌ للكفرة وإبطالٌ لإشراكهم وعبادتِهم للأصنام بإنكار ما يستلزمه ذلك من المشابهة بينها وبينه سبحانه وتعالى بعد تعدادِ ما يقتضي ذلك اقتضاء ظاهراً ، وتعقيبُ الهمزة بالفاء لتوجيه الإنكارِ إلى توهم المشابهةِ المذكورة على ما فصل من الأمور العظيمة الظاهرةِ الاختصاصِ به تعالى المعلومة كذلك فيما بينهم حسبما يُؤذِن به ما تلوناه من قوله تعالى : { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } الآيتين ، والاقتصارُ على ذكر الخلقِ من بينها لكونه أعظمَها وأظهرَها واستتباعِه إياها ، أو لكون كلَ منها خلقاً مخصوصاً أي أبعدَ ظهورِ اختصاصِه تعالى بمبدئية هذه الشؤونِ الواضحةِ الدَّلالةِ على وحدانيته تعالى وتفرّدِه بالألوهية واستبدادِه باستحقاق العبادةِ ، يُتصوّر المشابهةُ بينه وبين ما هو بمعزل من ذلك بالمرة كما هو قضيةُ إشراكِكم ومدارها وإن كان على نسبةٍ تقوم بالمنتسبين ، اختير ما عليه النظمُ الكريم مراعاةً لحقّ سبْقِ الملَكةِ على العدم وتفادياً عن توسيط عدمِها بينها وبين جزئياتها المفصّلة قبلها وتنبيهاً على كمال قبحِ ما فعلوه من حيث إن ذلك ليس مجردَ رفعِ الأصنام عن محلها بل هو حطٌّ لمنزلة الربوبيةِ إلى مرتبة الجماداتِ ، ولا ريب في أنه أقبحُ من الأول ، والمرادُ بمن لا يخلق كلُّ ما هذا شأنُه كائناً ما كان ، والتعبير عنه بما يختص بالعقلاء للمشاكلة ، أو العقلاءِ خاصة ، ويُعرف منه حالُ غيرهم لدِلالة النص فإن من يخلق حيث لم يكن كمن لا يخلق وهو من جملة العقلاءِ ، فما ظنُّك بالجماد وأياً ما كان فدخولُ الأصنام في حكم عدمِ المماثلة والمشابهةِ إما بطريق الاندراجِ تحت الموصولِ العام وإما بطريق الانفهام بدلالة النص على الطريقة البرهانية ، لا بأنها هي المرادةُ بالموصول خاصة { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أي ألا تلاحظون فلا تتذكرون ذلك فإنه لوضوحه بحيث لا يفتقر إلى شيء سوى التذكر .

(4/107)


وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (18) وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (19) وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (20) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (21) إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآَخِرَةِ قُلُوبُهُمْ مُنْكِرَةٌ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (22) لَا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (23)

{ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله } تذكيرٌ إجمالي لنعمه تعالى بعد تعدادِ طائفة منها ، وكان الظاهرُ إيرادَه عقيبَها تكملةً لها على طريقة قوله تعالى : { وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ } ولعل فصلَ ما بينهما بقوله تعالى : { أَفَمَن يَخْلُقُ كَمَن لاَّ يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ } للمبادرة إلى إلزام الحجةِ وإلقامِ الحجر إثرَ تفصيلِ ما فُصل من الأفاعيل التي هي أدلةُ الوحدانية مع ما فيه من سر ستقف عليه إن شاء الله ، ودَلالتُها عليها وإن لم تكن مقصورةً على حيثية الخلق ضرورةَ ظهور دلالتِها عليها من حيثية الإنعام أيضاً لكنها حيث كانت مستتبعاتِ الحيثيةِ الأولى ، استُغنيَ عن التصريح بها ثم بُين حالها بطريق الإجمال أي إن تعدوا نعمته الفائضةَ عليكم مما ذكر وما لم يذكر حسبما يُعرب عنه قوله تعالى : { هُوَ الذى خَلَقَ لَكُم مَّا فِى الأرض جَمِيعاً } { لاَ تُحْصُوهَا } أي لا تطيقوا حصرَها وضبطَ عددِها ولو إجمالاً ، فضلاً عن القيام بشكرها وقد خرجنا عن عُهدة تحقيقه في سورة إبراهيمَ بفضل الله سبحانه { إِنَّ الله لَغَفُورٌ } حيث يستُر ما فرَط منكم من كفرانها والإخلالِ بالقيام بحقوقها ، ولا يعاجلُكم بالعقوبة على ذلك { رَّحِيمٌ } حيث يُفيضها عليكم مع استحقاقكم للقطع والحِرمان بما تأتون وتذرون من أصناف الكفرِ التي من جملتها عدمُ الفرق بين الخالقِ وغيرِه ، وكلٌّ من ذلك نعمةٌ وأيُّما نعمة ، فالجملة تعليلٌ للحكم بعدم الإحصاءِ وتقديمُ وصفِ المغفرة على نعت الرحمةِ لتقدم التخلية على التحلية .
{ والله يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ } تُضمرونه من العقائد والأعمال { وَمَا تُعْلِنُونَ } أي تظهرونه منهما ، وحُذف العائد لمراعاة الفواصلِ أي يستوي بالنسبة إلى علمه المحيطِ سرُّكم وعلنُكم ، وفيه من الوعيد والدِلالة على اختصاصه سبحانه بنعوت الإلهية ما لا يخفى ، وتقديمُ السرِّ على العلن لما ذكرناه في سورة البقرة وسورة هودٍ من تحقيق المساواة بين عِلْميه المتعلِّقَين بهما على أبلغ وجهٍ كأن عِلمَه تعالى بالسرّ أقدمُ منه بالعلن ، أو لأن كلَّ شيء يعلن فهو قبل ذلك مضمرٌ في القلب ، فتعلّقُ علمه تعالى بحالته الأولى أقدمُ من تعلقه بحالته الثانية .
{ والذين يَدْعُونَ } شروع في تحقيق كونِ الأصنام بمعزل من استحقاق العبادةِ وتوضيحُه بحيث لا يبقى فيه شائبةُ ريب بتعديد أوصافِها وأحوالِها المنافية لذلك منافاةً ظاهرةً ، وتلك الأحوالُ وإن كانت غنيةً عن البيان لكنها شُرحت للتنبيه على كمال حماقةِ عبدَتِها وأنهم لا يعرفون ذلك إلا بالتصريح ، أي والآلهةُ الذين يعبدهم الكفار { مِن دُونِ الله } سبحانه ، وقرىء على صيغة المبني للمفعول وعلى الخطاب { لاَ يَخْلُقُونَ شَيْئًا } من الأشياء أصلاً أي ليس من شأنهم ذلك ، ولما لم يكن بين نفي الخالقية وبين المخلوقية تلازمٌ بحسب المفهومِ وإن تلازما في الصدق أُثبت لهم ذلك صريحاً فقيل : { وَهُمْ يُخْلَقُونَ } أي شأنُهم ومقتضى ذاتِهم المخلوقيةُ لأنها ذواتٌ ممكنةٌ مفتقرةٌ في ماهياتها ووجوداتها إلى الموجد ، وبناء الفعل للمفعول لتحقيق التضادّ والمقابلة بين ما أثبت لهم وبين ما نُفي عنهم من وصفي المخلوقية والخالقية ، وللإيذان بعدم الافتقار إلى بيان الفاعلِ لظهور اختصاصِ الفعل بفاعله جل جلاله ، ويجوز أن يُجعل الخلقُ الثاني عبارةً عن النحت والتصوير رعايةً للمشاكلة بينه وبين الأول ومبالغةً في كونهم مصنوعين لعبدتهم وأعجز عنهم وإيذاناً بكمال ركاكةِ عقولهم حيث أشركوا بخالقهم مخلوقَهم ، وأما جعلُ الأول أيضاً عبارةً عن ذلك كما فعل فلا وجه له ، إذ القدرةُ على مثل ذلك الخلقِ ليست مما يدور عليه استحقاقُ العبادة أصلاً ، ولِما أن إثباتَ المخلوقية لهم غيرُ مستدعٍ لنفي الحياة عنهم لِما أن بعض المخلوقين أحياءٌ صرح بذلك فقيل : { أَمْوَاتٌ } وهو خبرٌ ثان للموصول لا للضمير كما قيل ، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ .

(4/108)


وحيث كان بعضُ الأموات مما يعتريه الحياة سابقاً أو لاحقاً كأجساد الحيوان والنطفِ متى يُنشِئها الله تعالى حيواناً احتُرز عن ذلك فقيل : { غَيْرُ أَحْيَاء } أي لا يعتريها الحياة أصلاً فهي أمواتٌ على الإطلاق وأما قوله تعالى : { وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } أي ما يشعر أولئك الآلهةُ أيان يُبعث عَبَدتُهم فعلى طريقة التهكمِ بهم لأن شعورَ الجماد بالأمور الظاهرة بديهيُّ الاستحالة عند كل أحد فكيف بما لا يعلمه إلا العليم الخبير وفيه إيذانٌ بأن البعث من لوازم التكليفِ وأن معرفةَ وقته مما لا بد منه في الألوهية .
{ إلهكم إله واحد } لا يشاركه شيءٌ في شيء ، وهو تصريحٌ بالمدعى وتمحيضٌ للنتيجة غِبَّ إقامةِ الحجة { فالذين لاَ يُؤْمِنُونَ بالاخرة } وأحوالِها التي من جملتها ما ذكر من البعث وما يعقُبه من الجزاء المستلزِمِ لعقوبتهم وذِلتهم { قُلُوبُهُم مُّنكِرَةٌ } للوَحدانية جاحدةٌ لها أو للآيات الدالة عليها { وَهُم مُّسْتَكْبِرُونَ } عن الاعتراف بها ، أو عن الآيات الدالة عليها ، والفاء للإيذان بأن إصرارَهم على الإنكار واستمرارَهم على الاستكبار وقعَ موقع النتيجة للدلائل الظاهرةِ والبراهينِ الباهرة ، والمعنى أنه قد ثبت بما قُرّر من الحجج والبينات اختصاصُ الإلهية به سبحانه فكان من نتيجة ذلك إصرارُهم على ما ذكر من الإنكار والاستكبار ، وبناءُ الحكم المذكورِ على الموصول للإشعار بكونه معللاً بما في حيّز الصلة ، فإن الكفرَ بالآخرة وبما فيها من البعث والجزاءِ المتنوِّع إلى الثواب على الطاعة والعقابِ على المعصية يؤدِّي إلى قصر النظر على العاجل ، والإعراضِ عن الدلائل السمعية والعقليةِ الموجبِ لإنكارها وإنكارِ مؤدّاها ، والاستكبارِ عن اتباع الرسول عليه الصلاة والسلام وتصديقِه ، وأما الإيمانُ بها وبما فيها فيدعو لا محالة إلى التأمل في الآيات والدلائلِ رغبةً ورهبة فيورث ذلك يقيناً بالوحدانية وخضوعاً لأمر الله تعالى .
{ لاَ جَرَمَ } أي حقاً وقد مر تحقيقُه في سورة هود { أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ } من إنكار قلوبِهم { وَمَا يُعْلِنُونَ } من استكبارهم وقولِهم للقرآن أساطيرُ الأولين وغيرِ ذلك من قبائحهم فيجازيهم بذلك { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المستكبرين } تعليلٌ لما تضمنه الكلامُ من الوعيد ، أي لا يحب المستكبرين عن التوحيد أو عن الآيات الدالةِ عليها أو لا يحب جنسَ المستكبرين ، فكيف بمن استكبر عما ذكر .

(4/109)


وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (24) لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (25) قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (26) ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ قَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ إِنَّ الْخِزْيَ الْيَوْمَ وَالسُّوءَ عَلَى الْكَافِرِينَ (27)

{ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ } أي لأولئك المنكِرين المستكبرين ، وهو بيانٌ لإضلالهم غِبَّ بيانِ ضلالهم { مَّاذَا أَنزَلَ رَبُّكُمْ } القائلُ : الوافدون عليهم أو المسلمون أو بعضٌ منهم على طريق التهكم ، وماذا منصوبٌ بما بعده أو مرفوع ، أي أيَّ شيءٍ أنزل أو ما الذي أنزله { قَالُواْ أساطير الأولين } أي ما تدّعون نزوله ، والمنزلُ بطريق السخرية أحاديثُ الأولين وأباطيلهم وليس من الإنزال في شيء ، قيل : هؤلاء القائلون هم المقتسمون الذين اقتسموا مداخلَ مكةَ ينفِّرون عن رسول الله صلى الله عليه وسلم عند سؤال وفودِ الحاجِّ عما نزل عليه عليه السلام .
{ لِيَحْمِلُواْ } متعلق بقالوا أي قالوا ما قالوا ليحملوا { أَوْزَارَهُمْ } الخاصةَ بهم وهي أوزارُ ضلالهم { كَامِلَةٌ } لم يكفَّرْ منها شيءٌ بنكبة أصابتهم في الدنيا كما يكفّر بها أوزارُ المؤمنين { يَوْمُ القيامة } ظرفٌ ليحمِلوا { وَمِنْ أَوْزَارِ الذين يُضِلُّونَهُمْ } وبعضِ أوزارِ مَنْ ضل بإضلالهم وهو وِزرُ الإضلال لأنهما شريكان ، هذا يُضله وهذا يطاوعه ، فيتحاملان الوزر ، واللام للتعليل في نفس الأمر من غير أن يكون غرضاً ، وصيغةُ الاستقبال للدلالة على استمرار الإضلالِ أو باعتبار حال قولِهم لا حالِ الحمل { بِغَيْرِ عِلْمٍ } حال من الفاعل أي يضلونهم غيرَ عالمين بأن ما يدْعون إليه طريقٌ للضلال ، وأما حملُه على معنى غيرَ عالمين بأنهم يحمِلون يوم القيامة أوزارَ الضلال والإضلال على أن يكون العاملُ في الحال قالوا وتأييدُه بما سيأتي من قوله تعالى : { وأتاهم العذاب مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } من حيث إن حملِ ما ذكر من أوزار الضلالِ والإضلال من قبيل إتيانِ العذاب من حيث لا يشعرون فيردُّه أن الحملَ المذكورَ إنما هو يوم القيامة والعذابَ المذكور إنما هو العذابُ الدنيوي ، كما ستقف عليه ، أو حال من المفعول أي يضلون من لا يعلم أنهم ضُلاّلٌ ، وفائدةُ التقييد بها الإشعارُ بأن مكرهم لا يرُوج عند ذي لُب ، وإنما يتبعهم الأغبياءُ والجهلة ، والتنبيهُ على أن جهلَهم ذلك لا يكون عذراً إذ كان يجب عليهم أن يبحثوا ويميزوا بين الحقِّ الحقيقِ بالاتباع وبين المُبطل { أَلاَ سَاء مَا يَزِرُونَ } أي بئس شيئاً يزِرونه ما ذكر .
{ قَدْ مَكَرَ الذين مِنْ قَبْلِهِمْ } وعيدٌ لهم برجوع غائلة مكرِهم إلى أنفسهم كدأب مَنْ قبلهم من الأمم الخاليةِ الذين أصابهم ما أصابهم من العذاب العاجلِ ، أي قد سوَّوا منصوباتٍ ليمكروا بها رسلَ الله تعالى { فَأَتَى الله } أي أمرُه وحكمُه { بُنْيَانُهُمُ } وقرىء بيتهم وبيوتهم { مّنَ القواعد } وهي الأساطينُ التي تعمِده أو أساسُه فضعضَعَتْ أركانَه { فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السقف مِن فَوْقِهِمْ } أي سقط عليهم سقفُ بنيانهم إذ لا يتصور له القيامُ بعد تهدّم القواعدِ ، شُبّهت حالُ أولئك الماكرين في تسويتهم المكايدَ والمنصوباتِ التي أرادوا بها الإيقاعَ برسل الله سبحانه ، وفي إبطاله تعالى تلك الحيلَ والمكايدَ وجعلِه إياها أسباباً لهلاكهم بحال قومٍ بنَوا بنياناً وعمَدوه بالأساطين فأُتيَ ذلك من قِبل أساطينِه بأن ضعضعت فسقط عليهم السقف فهلكوا ، وقرىء فخر عليهم السُّقُفُ بضمتين { وأتاهم العذاب } أي الهلاك والدمار { مِنْ حَيْثُ لاَ يَشْعُرُونَ } بإتيانه منه بل يتوقعون إتيانَ مقابلِه مما يريدون ويشتهون ، والمعنى أن هؤلاء الماكرين القائلين للقرآن العظيم أساطيرُ الأولين سيأتيهم من العذاب مثلُ ما أتاهم وهم لا يحتسبون ، والمرادُ به العذابُ العاجل لقوله سبحانه : { ثُمَّ يَوْمَ القيامة يُخْزِيهِمْ } فإنه عطفٌ على مقدر ينسحب عليه الكلام ، أي هذا الذي فُهم من التمثيل من عذاب هؤلاءِ أو ما هو أعمُّ منه ومما ذكر من عذاب أولئك جزاؤُهم في الدنيا ويوم القيامة يُخزيهم أي يُذِلهم بعذاب الخِزْي على رؤوس الأشهادِ ، وأصلُ الخزي ذُلٌّ يستحيى منه ، وثم للإيماء إلى ما بين الجزاءين من التفاوت مع ما يدل عليه من التراخي الزماني ، وتغييرُ السبك بتقديم الظرف ليس لقصر الخزي على يوم القيامة كما هو المتبادرُ من تقديم الظرف على الفعل بل لأن الإخبارَ بجزائهم في الدنيا مؤذِنٌ بأن لهم جزاءً أخروياً فتبقى النفسُ مترقبة إلى وروده سائلةً عنه بأنه ماذا ، مع تيقنها بأنه في الآخرة فسيق الكلامُ على وجه يُؤذِن بأن المقصود بالذكر إخزاؤهم لا كونُه يوم القيامة ، والضمير إما للمفترين في حق القرآنِ الكريم أو لهم ولمن مُثّلوا بهم من الماكرين كما أشير إليه وتخصيصُه بهم يأباه السِّباقُ والسياق كما ستقف عليه .

(4/110)


{ وَيَقُولُ } لهم تفضيحاً وتوبيخاً فهو الخ ، بيان للإخزاء { أَيْنَ شُرَكَائِىَ } أضافهم إليه سبحانه حكاية لإضافتهم الكاذبة ، ففيه توبيخٌ مع الاستهزاء بهم { الذين كُنتُمْ تشاقون فِيهِمْ } أي تخاصمون الأنبياءَ والمؤمنين في شأنهم بأنهم شركاءُ حقاً حين بينوا لكم بطلانَها؟ والمرادُ بالاستفهام استحضارُهم للشفاعة أو المدافعةُ على طريقة الاستهزاء والتبكيتِ ، والاستفسارُ عن مكانهم لا يوجب غَيبتَهم حقيقةً حتى يُعتذَرَ بأنهم يجوز أن يُحال بينهم وبين عبدَتِهم حينئذ ليتفقدوها في ساعة علقوا بها الرجاءَ فيها ، أو بأنهم لما لم ينفعوهم فكأنهم غُيّب ، بل يكفي في ذلك عدمُ حضورهم بالعنوان الذي كانوا يزعُمون أنهم متصفون من عنوان الإلهية ، فليس هناك شركاءُ ولا أماكنُها ، على أن قوله ليتفقدوا ليس بسديد فإنه قد تبين عندهم الأمرُ حينئذ فرجعوا عن ذلك الزعم الباطلِ فكيف يتصور منهم التفقد وقرىء بكسر النون أي تشاقّونني على أن مشاقّةَ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام والمؤمنين لا سيما في شأن متعلق به سبحانه مشاقةٌ له عز وجل { قَالَ الذين أُوتُواْ العلم } من أهل الموقفِ وهم الأنبياءُ والمؤمنون الذين أوتوا علماً بدلائل التوحيدِ وكانوا يدْعونهم في الدنيا إلى التوحيد فيجادلونهم ويتكبرون عليهم ، أي يقولون توبيخاً فهو وإظهاراً للشماتة بهم وتقريراً لما كانوا يعِظونهم وتحقيقاً لما أوعدوهم به ، وإيثارُ صيغةِ الماضي للدلالة على تحققه وتحتّم وقوعِه حسبما هو المعتادُ في إخباره سبحانه وتعالى كقوله :

(4/111)