صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم |
وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (15) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (16) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (17)
{ واستفتحوا } أي استنصروا الله على أعدائهم كقوله تعالى : { إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الفتح } أو استحكموا وسألوه القضاءَ بينهم من الفتاحة وهي الحكومةُ كقوله تعالى : { رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق } فالضميرُ للرسل ، وقيل : للفريقين فإنهم سألوا أن يُنصَر المحِقُّ ويهلَك المبطل ، وهو معطوفٌ على أوحى إليهم وقرىء بلفظ الأمرِ عطفاً على لنهلكن الظالمين ، أي أوحى إليهم ربهم لنُهلِكَنّ ، وقال لهم : استفتِحوا { وَخَابَ } أي خسِر وهلك { كُلّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } متّصفٍ بضد ما اتصف به المتقون ، أي فنُصروا عنداستفتاحِهم وظفِروا بما سألوا وأفلحوا وخاب كلُّ جبارٍ عنيد ، وهم قومُهم المعاندون فالخيبةُ بمعنى مطلقِ الحِرمان عن المطلوب ، أو ذلك باعتبار أنهم كانوا يزعُمون أنهم على الحق ، أو استفتح الكفارُ على الرسل وخابوا ولم يُفلحوا ، وإنما قيل : وخاب كلُّ جبار عنيد ذماً لهم وتسجيلاً عليهم بالتجبّر والعِناد لا أن بعضَهم ليسوا كذلك وأنه لم يُصبْهم الخيبةُ ، أو استفتحوا جميعاً فنُصر الرسلُ وأُنجِز لهم الوعدُ وخاب كلّ عاتٍ متمردٍ ، فالخيبةُ بمعنى الحرمان غِبَّ الطلب ، وفي إسناد الخيبةِ إلى كل منهم ما لا يخفى من المبالغة . (4/26)
{ مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ } أي بين يديه فإنه مُرصَدٌ لها واقفٌ على شفيرها في الدنيا مبعوثٌ إليها في الآخرة ، وقيل : من وراء حياتِه وحقيقتِه ما توارى عنك { ويسقى } معطوف على مقدر جواباً عن سؤال سائلٍ ، كأنه قيل : فماذا يكون إذن؟ فقيل : يلقى فيها ويُسقى { مِن مَّاء } مخصوصٍ لا كالمياه المعهودة { صَدِيدٍ } وهو قيحٌ أو دمٌ مختلط بمِدّة يسيل من الجرح ، قال مجاهد وغيره : هو ما يسيل من أجساد أهلِ النار ، وهو عطفُ بيانٍ لما أُبهم أولاً ثم بُيّن بالصديد تهويلاً لأمره وتخصيصُه بالذكر من بين عذابِها يدور على أنه من أشدّ أنواعِه .
{ يَتَجَرَّعُهُ } قيل : هو صفةٌ لماءٍ أو حالٌ منه والأظهر أنه استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال ، كأنه قيل : فماذا يفعل به؟ فقيل : يتجرعه ، أي يتكلف جَرْعه مرة بعد أخرى لغلبة العطشِ واستيلاء الحرارة عليه { وَلاَ يَكَادُ يُسِيغُهُ } أي لا يقارب أن يسيغه فضلاً عن الإساغة بل يغَصّ به فيشربُه بعد اللتيا والتي جرعةً فيطول عذابُه تارةً بالحرارة والعطش وأخرى بشربه على تلك الحالِ ، فإن السَّوغَ انحدارُ الشراب في الحلق بسهولة وقَبولِ نفس ، ونفيُه لا يوجب نفيَ ما ذكر جميعاً ، وقيل : لا يكاد يدخُله في جوفه ، وعبّر عنه بالإساغة لما أنها المعهودةُ في الأشربة وهو حالٌ من فاعل يتجرّعه أو من مفعوله أو منهما جميعاً { وَيَأْتِيهِ الموت } أي أسبابُه من الشدائد { مّن كُلّ مَكَانٍ } ويُحيط به من جميع الجهات أو من كل مكان من جسده حتى من أصول شعرِه وإبهامِ رجله { وَمَا هُوَ بِمَيّتٍ } أي والحالُ أنه ليس بميت كما هو الظاهرُ من مجيء أسبابِه لا سيما من جميع الجهاتِ حتى لا يتألمُ بما غشِيه من أصناف المُوبقات { وَمِن وَرَائِهِ } من بين يديه { عَذَابٍ غَلِيظٍ } يستقبل كلَّ وقت عذاباً أشدَّ وأشق مما كان قبله ، ففيه دفعُ ما يُتوهم من الخِفّة بحسب الاعتيادِ كما في عذاب الدنيا ، وقيل : هو الخلودُ في النار ، وقيل : هو حبسُ الأنفاس ، وقيل : المرادُ بالاستفتاح والخيبةِ استسقاءُ أهلِ مكةَ في سِنيهم التي أرسلها الله تعالى عليهم بدعوته عليه الصلاة والسلام وخيبتهم في ذلك ، وقد وعَد لهم بدلَ ذلك صديدَ أهل النار .
مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (18) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (19) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20) وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (21)
{ مَّثَلُ الذين كَفَرُواْ بِرَبّهِمْ } أي صفتُهم وحالُهم العجيبةُ الشأنِ التي هي كالمثل في الغرابة ، وهو مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى : { أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ } كقولك : صفةُ زيدٍ عرضُه مهتوكٌ ومالُه منهوب ، وهو استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال من قال : ما بالُ أعمالِهم التي عمِلوها في وجوه البرِّ من صلة الأرحامِ ، وإعتاقِ الرقاب ، وفداءِ الأسارى ، وإغاثةِ الملهوفين ، وقرى الأضياف ، وغير ذلك مما هو من باب المكارم حتى آل أمرُهم إلى هذا المآل؟ فأجيب بأن ذلك كرماد { اشتدت بِهِ الريح } حملتْه وأسرعتْ الذهاب به { فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ } العصْفُ اشتدادُ الريحِ وصف به زمانُها مبالغةً ، كقولك : ليلةٌ ساكرةٌ وإنما السكورُ لريحها شُبّهت صنائعُهم المعدودةُ لابتنائها على غير أساسٍ من معرفة الله تعالى والإيمان به والتوجّه بها إليه تعالى برماد طيّرته الريحُ العاصفةُ ، أو استئنافٌ مسوقٌ لبيان أعمالِهم للأصنام ، أو مبتدأٌ خبرُه محذوفٌ كما هو رأيُ سيبويه أي فيما يتلى عليك مَثلُهم ، وقوله : أعمالُهم بدلٌ من مَثَلُ الذين ، وقوله : كرماد خبرُه { لاَّ يَقْدِرُونَ } أي يوم القيامة { مِمَّا كَسَبُواْ } من تلك الأعمال { على شَىْء } ما ، أي لا يرَوْن له أثراً من ثواب أو تخفيفِ عذابٍ كدأب الرماد المذكور ، وهو فذلكةُ التمثيل ، والاكتفاءُ ببيان عدمِ رؤيةِ الأثر لأعمالهم للأصنام مع أن لها عقوباتٍ هائلةً للتصريح ببطلان اعتقادِهم وزعمِهم أنها شفعاءُ لهم عند الله تعالى وفيه تهكّمٌ بهم { ذلك } أي ما دل عليه التمثيلُ دَلالةً واضحةً من ضلالهم مع حُسبانهم أنهم على شيء { هُوَ الضلال البعيد } عن طريق الصواب أو عن نيل الثواب . (4/27)
{ أَلَمْ تَرَ } خطابٌ للرسول صلى الله عليه وسلم والمرادُ به أمتُه ، وقيل : لكل أحد من الكفرة لقوله تعالى : { يُذْهِبْكُمْ } والرؤيةُ رؤيةُ القلب وقوله تعالى : { أَنَّ الله خَلَقَ السموات والأرض } سادٌّ مسدَّ مفعوليها ، أي ألم تعلمْ أنه تعالى خلقهما { بالحق } ملتبسةً بالحكمة والوجهِ الصحيح الذي يحِق أن تخلَقَ عليه ، وقرىء خالقُ السموات والأرض { إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ } يُعدمْكم بالمرة { وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ } أي يخلُق بدلكم خلقاً آخرَ مستأنَفاً لا علاقة بينكم وبينهم ، رتب قدرتَه تعالى على ذلك على قدرته تعالى على خلق السموات والأرض على هذا النمط البديعِ إرشاداً إلى طريق الاستدلالِ فإن من قدَر على خلق مثلِ هاتيك الأجرامِ العظيمةِ كان على تبديل خلق آخرَ بهم أقدر ولذلك قال : { وَمَا ذلك } أي إذهابُكم والإتيانُ بخلق جديد مكانكم { عَلَى الله بِعَزِيزٍ } بمتعذر أم متعسر فإنه قادرٌ بذاته على الممكِنات لا اختصاصَ له بمقدور دون مقدورٍ ، ومَنْ هذا شأنُه حقيقٌ بأن يؤمَنَ به ويرجى ثوابُه ويُخشى عقابه .
{ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعًا } أي يبرُزون يوم القيامة ، وإيثارُ صيغة الماضي للدَّلالة على تحقق وقوعِه كما في قوله سبحانه : { وَنَادَى أصحاب الجنة أصحاب النار } أو لأنه لا مُضِيَّ ولا استقبالَ بالنسبة إليه سبحانه ، والمرادُ بروزُهم من قبورهم لأمر الله تعالى ومحاسبته ، أو لله على ظنهم فإنهم كانوا يظنون عند ارتكابِهم الفواحشَ سراً أنها تخفى على الله سبحانه ، فإذا كان يومُ القيامة انكشفوا لله عند أنفسِهم { فَقَالَ الضعفاء } الأتباعُ جمع ضعيف ، والمرادُ ضعفُ الرأي ، وإنما كتب بالواو على لفظ من يفخم الألف قبل الهمزة { لِلَّذِينَ استكبروا } لرؤسائهم الذين استتبعوهم واستغوَوْهم { إِنَّا كُنَّا } في الدنيا { لَكُمْ تَبَعًا } في تكذيب الرسل عليهم السلام والإعراضِ عن نصائحهم ، وهو جمعُ تابع كغيب في جمع غائب ، أو مصدر نُعت به مبالغةً ، أو على إضمار أي ذوي تبع { فَهَلْ أَنتُمْ مُّغْنُونَ } دافعون { عَنَّا } والفاء للدِلالة على سببية الاتباعِ للإغناء ، والمرادُ التوبيخُ والعتابُ والتقريعُ والتبكيت { مِنْ عَذَابِ الله مِن شَىْء } من الأولى للبيان واقعةٌ موقعَ الحال ، والثانية للتبعيض واقعةٌ موقعَ المفعول ، أي بعضُ الشيء الذي هو عذابُ الله تعالى ويجوز كونُهما للتبعيض أي بعضَ شيءٍ هو بعضُ عذاب الله والإعراب كما سبق ويجوز أن تكون الأولى مفعولاً والثانية مصدراً أي فهل أنتم مغنون عنا بعضَ العذاب بعضَ الإغناء ، ويعضُد الأولَ قوله تعالى : { فَهَلْ أَنتُم مُّغْنُونَ عَنَّا نَصِيباً مّنَ النار } . (4/28)
{ قَالُواْ } أي المستكبرون جواباً عن معاتبة الأتباعِ واعتذاراً عما فعلوا بهم { لَوْ هَدَانَا الله } أي للإيمان ووفّقنا له { لَهَدَيْنَاكُمْ } ولكن ضَلَلْنا فأضللناكم أي اخترنا لكم ما اخترناه لأنفسنا ، أو لو هدانا الله طريقَ النجاة من العذاب لهديناكم وأغنينا عنكم كما عرّضناكم له ، ولكن سُدّ دوننا طريقُ الخلاص ولاتَ حينَ مناص { سَوَاء عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا } مما لقِينا { أَمْ صَبَرْنَا } على ذلك أي مستوٍ علينا الجزَعُ والصبرُ في عدم الإنجاء ، والهمزةُ وأم لتأكيد التسويةِ كما في قوله تعالى : { سَوَاء عَلَيْهِمْ ءأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ } وإنما أسندوهما ونسبوا استواءَهما إلى ضمير المتكلم المنتظِمِ للمخاطبين أيضاً مبالغةً في النهي عن التوبيخ بإعلام أنهم شركاءُ لهم فيها ابتُلوا به وتسليةً لهم ، ويجوز أن يكون قوله : { سَوَاء عَلَيْنَا } الخ ، من كلام الفريقين على مِنوال قوله تعالى : { ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ } ويؤيده ما روي ( أنهم يقولون : تعالَوا نجزَعْ فيجزعون خمسَمائة عام فلا ينفعهم ، فيقولون : تعالَوا نصبِرْ فيصبِرون كذلك فلا ينفعهم فعند ذلك يقولون ذلك ) ، ولما كان عتابُ الأتباع من باب الجزَعِ ذيّلوا جوابَهم ببيان أن لا جدوى في ذلك فقالوا : { مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ } من منجى ومهربٍ من العذاب ، من حاص الحمارُ إذا عدل بالفرار ، وهو إما اسمُ مكان كالمبيت والمَصيف ، أو مصدرٌ كالمغيب والمشيب وهي جملةٌ مفسِّرة لإجمال ما فيه الاستواءُ فلا محل لها من الإعراب ، أو حالٌ مؤكدة ، أو بدلٌ منه .
وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)
{ وَقَالَ الشيطان } الذي أضل كِلا الفريقين واستتْبعَهما عندما عتَباه بما قاله الأتباعُ للمستكبرين { لَمَّا قُضِىَ الأمر } أي أُحكم وفُرغ منه ، وهو الحسابُ ودخل أهلُ الجنة الجنةَ وأهلُ النار النارَ خطيباً في محفِل الأشقياء من الثقلين { إِنَّ الله وَعَدَكُمْ وَعْدَ الحق } أي وعداً من حقه أن يُنجَز فأنجزه ، أو وعداً أنجزه وهو الوعدُ بالبعث والجزاء { وَوَعَدتُّكُمْ } أي وعْدَ الباطلِ وهو أن لا بعثَ ولا جزاء ، ولئن كان فالأصنامُ شفعاؤُكم ولم يصرِّح ببطلانه لما دل عليه قولُه : { فَأَخْلَفْتُكُمْ } أي موعدي على حذف المفعولِ الثاني أي نقضتُه ، جَعل خُلفَ وعده كالإخلاف منه كأنه كان قادراً على إنجازه وأنى له ذلك { وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُمْ مّن سلطان } أي تسلّطٍ أو حجةٍ تدل على صدقي { إِلاَّ أَن دَعَوْتُكُمْ } إلا دعائي إياكم إليه وتسويلُه ، وهو وإن لم يكن من باب السلطان لكنه أبرزه في مبروزه على طريقة (4/29)
تحيةٌ بينِهم ضربٌ وجيع ... مبالغةً في نفي السلطان عن نفسه كأنه قال : إنما يكون لي عليكم سلطانٌ إذا كان مجردُ الدعاء من بابه ، ويجوز كونُ الاستثناء منقطعاً { فاستجبتم لِى } فأسرعتم إجابتي { فَلاَ تَلُومُونِى } بوعدي إياكم حيث لم يكن ذلك على طريقة القسر والإلجاءِ كما يدل عليه الفاء ، وقرىء بالياء على وجه الالتفاتِ كما في قوله تعالى : { حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك وَجَرَيْنَ بِهِم } { وَلُومُواْ أَنفُسَكُمْ } حيث استجبتم لي باختياركم حين دعوتُكم بلا حجةٍ ولا دليل بمجرد تزيينٍ وتسويل ولم تستجيبوا ربكم إذْ دعاكم دعوةَ الحق المقرونةَ بالبينات والحجج ، وليس مرادُه التنصّلَ عن توجه اللائمةِ إليه بالمرة بل بيانُ أنهم أحقُّ بها منه وليس فيه دَلالةٌ على استقلال العبدِ في أفعاله كما زعمت المعتزلة ، بل يكفي في ذلك أن يكون لقدرته الكاسبةِ التي عليها يدور فلكُ التكليف مدخلٌ فيه ، فإنه سبحانه إنما يخلُق أفعالَه حسبما يختاره وعليه تترتب السعادةُ والشقاوة ، وما قيل من أنه يستدعي أن يقال : فلا تلوموني ولا أنفسَكم فإن الله قضى عليكم الكفرَ وأجبركم عليه مبنيٌّ على عدم الفرق بين مذهب أهلِ الحقِّ وبين مسلك الجبرية { مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ } أي بمُغيثكم مما أنتم فيه من العذاب { وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِىَّ } مما أنا فيه ، وإنما تعرّض لذلك مع أنه لم يكن في حيز الاحتمالِ مبالغةً في بيان عدم إصراخِه إياهم وإيذاناً بأنه أيضاً مبتلىً بما ابتُلوا به ومحتاجٌ إلى الإصراخ فكيف من إصراخِ الغير ، ولذلك آثرَ الجملةَ الاسميةَ فكأن ما مضى كان جواباً منه عن توبيخهم وتقريعِهم ، وهذا جوابٌ عن استغاثتهم واستعانِتهم به في استدفاع ما دهِمهم من العذاب وقرىء بكسر الياء .
{ إِنّى كَفَرْتُ } اليوم { بِمَا أشْرَكتمون مِن قَبْلُ } أي بإشراككم إياي بمعنى تبرأتُ منه واستنكرتُه كقوله تعالى :
{ وَيَوْمَ القيامة يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ } يعني أن إشراكَكم لي بالله سبحانه هو الذي يَطمِعكم في نُصرتي لكم بأن كان لكم عليّ حقٌّ حيث جعلتموني معبوداً وكنت أوَد ذلك وأرغب فيه ، فاليوم كفرتُ بذلك ولم أحمَدُه ولم أقبله منكم بل تبرأتُ منه ومنكم فلم يبقَ بيني وبينكم علاقةٌ ، أو كفرتُ من قبل حين أبيتُ السجودَ لآدمَ بالذي أشركتمونيه وهو الله تعالى كما في قوله : سبحان ما سخرّكن لنا ، فيكون تعليلاً لعدم إصراخِه فإن الكافرَ بالله سبحانه بمعزل من الإغاثة والإعانة سواءٌ كان ذلك بالمدافعة أو الشفاعة ، وأما جعلُه تعليلاً لعدم إصراخِهم إياه فلا وجهَ له إذ لا احتمالَ له حتى يُحتاج إلى التعليل ، ولأن تعليلَ عدم إصراخِهم بكفره يوهم أنهم بسبيل من ذلك لولا المانعُ من جهته . (4/30)
{ إِنَّ الظالمين لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } تتمةُ كلامِه ، أو ابتدءُ كلامٍ من جهة الله عز وجل وفي حكاية أمثالِه لطفٌ للسامعين وإيقاظٌ لهم حتى يحاسبوا أنفسهم ويتدبّروا عواقبَهم .
وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (23) أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24)
{ وَأُدْخِلَ الذين ءامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا بِإِذْنِ رَبّهِمْ } أي بأمره أو بتوفيقه وهدايته ، وفي التعرض لوصف الربوبية مع الإضافة إلى ضميرهم إظهارُ مزيدِ اللطفِ بهم والمُدْخِلون هم الملائكةُ عليهم السلام ، وقرىء على صيغة المتكلم فيكون قوله تعالى : { بِإِذْنِ رَبّهِمْ } متعلقاً بقوله تعالى : { تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سلام } أي يحيّيهم الملائكةُ بالسلام بإذن ربهم . (4/31)
{ أَلَمْ تَرَ } الخطابُ للرسول صلى الله عليه وسلم وقد عُلّق بما بعده من قوله تعالى : { كَيْفَ ضَرَبَ الله مَثَلاً } أي كيف اعتمده ووضعه في موضعه اللائق به { كَلِمَةً طَيّبَةً } منصوبٌ بمضمر أي جعل كلمةً طيبة هي كلمةُ التوحيد أو كلَّ كلمة حسنةٍ كالتسبيحة والتحميدة والاستغفارِ والتوبة والدعوة { كَشَجَرةٍ طَيّبَةٍ } أي حكَم بأنها مثلُها لا أنه تعالى صيّرها مثلَها في الخارج وهو تفسير لقوله : { ضَرَبَ الله مَثَلاً } كقولك : شرّف الأميرُ زيداً كساه حُلةً وحمله على فرس ، ويجوز أن يكون ( كلمة ) بدلاً من مثلاً وكشجرة صفتُها ، أو خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي هي كشجرة وأن يكون أولَ مفعوليْ ضرب إجراءً له مُجرى جعل قد أُخّر عن ثانيهما ، أعني مثلاً لئلا يبعُد عن صفته التي هي كشجرة ، وقد قرئت بالرفع على الابتداء { أَصْلُهَا ثَابِتٌ } أي ضارب بعُروقه في الأرض ، وقرأ أنسُ بنُ مالك رضي الله عنه كشجرة طيبة ثابتٍ أصلُها ، وقراءةُ الجماعة أقوى سبكاً وأنسبُ بقرينته أعني قوله تعالى : { وَفَرْعُهَا } أي أعلاها { فِى السماء } في جهة العلو ويجوز أن يراد وفروعُها على الاكتفاء بلفظ الجنس عن الجمع .
تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (27)
{ تُؤْتِى أُكُلَهَا } تعطي ثمرَها { كُلَّ حِينٍ } وقّته الله تعالى لإثمارها { بِإِذْنِ رَبّهَا } بإرادة خالقِها ، والمرادُ بالشجرة المنعوتةِ إما النخلةُ كما روي مرفوعاً أو شجرة في الجنة { وَيَضْرِبُ الله الامثال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ } لأن في ضربها زيادةَ إفهامٍ وتذكير ، فإنه تصويرٌ للمعاني بصور المحسوسات . (4/32)
{ وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ } هي كلمةُ الكفر والدعاءِ إليه ، أو تكذيبُ الحق ، أو ما يعم الكل ، أو كلُّ كلمةٍ قبيحة { كَشَجَرَةٍ } أي كمثل شجرة خبيثةٍ ، قيل : هي كلُّ شجرةٍ لا يطيب ثمرُها كالحنظل والكشوث ونحوهما ، وتغييرُ الأسلوب للإيذان بأن ذلك غيرُ مقصود الضرب والبيان وإنما ذلك أمرٌ ظاهرٌ يعرفه كل أحد { خَبِيثَةٍ اجتثت } استُؤصِلت وأُخذت جثّتُها بالكلية { مِن فَوْقِ الأرض } لكون عروقها قريبةً منه { مَا لَهَا مِن قَرَارٍ } استقرارٍ عليها .
{ يُثَبّتُ الله الذين ءامَنُواْ بالقول الثابت } الذي ثبت بالحجة عندهم وتمكّن في قلوبهم وهو الكلمةُ الطيبةُ التي ذُكرت صفتُها العجيبة { فِى الْحَياة الدُنيا } فلا يُزالون عنه إذا افتُتِنوا في دينهم كزكريا ويحيى وجرجيس وشمسون والذين فتنهم أصحابُ الأخدود { وَفِي الأخرة } فلا يتلعثمون إذا سُئلوا عن معتقدهم في الموقف ولا تُدهشُهم أهوالُ القيامة أو عند سؤال القبر . روي أنه عليه الصلاة والسلام ذكَر قبضَ روحِ المؤمن فقال : « ثم يُعاد روحُه في جسده فيأتيه ملكان فيُجلسانه في قبره ، فيقولان : مَنْ ربك وما دينُك ومن نبيُّك؟ فيقول : ربي الله وديني الإسلامُ ونبيّي محمد عليه الصلاة والسلام ، فينادي منادٍ من السماء أنه صدق عبدي » فذلك قوله تعالى : { يُثَبّتُ الله الذين ءامَنُواْ بالقول الثابت } وهذا مثالُ إيتاءِ الشجرةِ المذكورة أُكُلَها كل حين . قال الثعلبي في تفسيره : أخبرني أبو القاسم بن حبيب في سنة ستٍ وثمانين وثلاثمائة ، قال : سمعت أبا الطيب محمدَ بنَ علي الخياطَ يقول : سمعت ( سهلَ بنَ عمار العملي ) يقول : رأيت ( يزيدَ بن هارون ) في منامي بعد موته فقلت : ما فعل الله بك؟ قال : أتاني في قبري ملكان فظّان فقالا : من ربك وما دينك ومن نبيك؟ فأخذتُ بلحيتي البيضاءِ ، فقلت لهما : ألمِثلي يقال هذا ، وقد علّمتُ الناسَ جوابَكما ثمانين سنة؟ فدهبا .
{ وَيُضِلُّ الله الظالمين } أي يخلق فيهما الضلالَ عن الحق الذي ثبّت المؤمنين عليه حسب إرادتهم واختيارِهم ، والمرادُ بهم الكفرةُ بدليل ما يقابله ووصفُهم بالظلم إما باعتبار وضعهم للشيء في غير موضعِه وإما باعتبار ظلِمهم لأنفسهم حيث بدلوا فطرةَ الله التي فطر الناسَ عليها فلم يهتدوا إلى القول الثابتِ ، أو كلُ من ظلم نفسه بالاقتصار على التقليد والإعراضِ عن البينات الواضحة فلا يتثبّت في مواقف الفتن ولا يهتدي إلى الحق ، فالمرادُ بالذين آمنوا حينئذ المخلصون في الإيمان والراسخون في الإيقان كما ينبىء عنه التثبيتُ لكنه يوهم كونَ كلمة التوحيد إذا كانت لا عن إيقان داخلةً تحت ما لا قرارَ له من الشجرة المضروبة مثلاً { وَيَفْعَلُ الله مَا يَشَاء } من تثبيت بعضٍ وإضلالِ آخرين حسبما توجبه مشيئتُه التابعةُ للحِكم البالغة المقتضيةِ لذلك ، وفي إظهار الاسمِ الجليل في الموضعين من الفخامة وتربيةِ المهابة ما لا يخفى ، مع ما فيه من الإيذان بالتفاوت في مبدأ التثبيتِ والإضلال فإن مبدأ صدورِ كلَ منهما عنه سبحانه وتعالى من صفاته العُلا غيرُ ما هو مبدإ صدور الآخر .
أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (28) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (29) وَجَعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (30)
{ أَلَمْ تَرَ } تعجيبٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد مما صنع الكفرةُ من الأباطيل التي لا تكاد تصدُر عمن له أدنى إدراك ، أي ألم تنظُر { أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين بَدَّلُواْ } أي شكرَ نعمته تعالى بأن وضعوا موضعَه { كُفْراً } عظيماً وغمْطاً لها أو بدلوا نفسَ النعمة كفراً ، فإنهم لما كفروها سُلبوها فصاروا مستبدلين بها كفراً كأهل مكةَ حيث خلقهم الله سبحانه وأسكنهم حرمَه الآمنَ الذي يجبى إليه ثمراتُ كل شيء وجعلهم قِوامَ بيته وشرّفهم بمحمد عليه الصلاة والسلام فكفروا ذلك ، فقُحطوا سبع سنين وقُتلوا وأُسروا يوم بدر ، فصاروا أذلأَ مسلوبي النعمة باقين بالكفر بدلها . عن عمر وعلي رضي الله عنهما ( هم الأفجران من قريش : بنو المغيرةِ وبنو أمية أما بنو المغيرة فكُفيتموهم يوم بدر وأما بنو أمية فَمُتِّعوا إلى حين ) . كأنهما يتأولان ما سيتلى من قوله عز وجل : { قُلْ تَمَتَّعُواْ } الآية { وَأَحَلُّواْ } أي أنزلوا { قَوْمَهُمْ } بإرشادهم إياهم إلى طريقة الشرك والضلالِ ، وعدمُ التعرض لحلولهم لدلالة الإحلالِ عليه إذ هو فرْعُ الحلول كقوله تعالى : { يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ القيامة فَأَوْرَدَهُمُ النار } { دَارَ البوار } دارَ الهلاك الذي لا هلاكَ وراءه . (4/33)
{ جَهَنَّمَ } عطفُ بيان لها ، وفي الإبهام ثم البيان ما لا يخفى من التهويل { يَصْلَوْنَهَا } حال منها أو من قومهم أي داخلين فيها مُقاسِين لحرّها ، أو استئنافٌ لبيان كيفيةِ الحلولِ أو مفسر لفعل يقدر ناصباً لجهنم ، فالمرادُ بالإحلال المذكورِ حينئذ تعريضُهم للهلاك بالقتل والأسرِ لكن قوله تعالى : { قُلْ تَمَتَّعُواْ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار } أنسبُ بالتفسير الأول { وَبِئْسَ القرار } على حذف المخصوصِ بالذم أي بئس المقرُّ جهنمُّ أو بئس القرار قرارُهم فيها ، وفيه بيان أن حلولهم وصِلِيَّهم على وجه الدوام والاستمرار .
{ وَجَعَلُواْ } عطفٌ على أحلوا وما عطف عليه داخلٌ معهما في حيز الصلة وحكمِ التعجيب أي جعلوا في اعتقادهم وحكمِهم { لِلَّهِ } الفردِ الصمدِ الذي ليس كمثله شيءٌ وهو الواحد القهار { أَندَاداً } أشباهاً في التسمية أو في العبادة { لِيُضِلُّواْ } قومَهم الذين يشايعونهم حسبما ضلوا { عَن سَبِيلِهِ } القويمِ الذي هو التوحيدُ ويوقعوهم في ورطة الكفرِ والضلال ، ولعل تغييرَ الترتيب مع أن مقتضى ظاهرِ النظمِ أن يُذكر كفرانُهم نعمةَ الله تعالى ، ثم كفرُهم بذاته تعالى باتخاذ الأنداد ثم إضلالهم لقومهم المؤدي إلى إحلالهم دار البوار ، لتثنية التعجيبِ وتكريرِه والإيذانِ بأن كل واحد من وضع الكفر موضعَ الشكر وإحلالِ القوم دارَ البوار ، واتخاذِ الأنداد للإضلال أمرٌ يقضي منه العجبَ ، ولو سيق النظمُ على نسق الوجود لربما فُهم التعجيب من مجموع الهَنات الثلاثِ كما في قصة البقرة ، وقرىء ليَضلوا بالفتح ، وأياً ما كان فليس ذلك غرضاً حقيقياً لهم من اتخاذ الأندادِ لكن لما كان ذلك نتيجةً له شُبّه بالغرض وأدخل عليه اللام بطريق الاستعارة التبعية .
{ قُلْ } تهديداً لأولئك الضالين المُضلين ونعياً عليهم وإيذاناً بأنهم لشدة إبائِهم قبولَ الحق وفرْطِ إنهماكِهم في الباطل وعدمِ ارعوائهم عن ذلك بحال أحقاءُ بأن يُضرب عنهم صفحاً ويُعطَفَ عنهم عِنانُ العِظة ويُخَلّوا وشأنَهم ولا يُنهَوْا عنه بل يؤمَروا بمباشرته مبالغةً في التخلية والخِذلان ومسارعةً إلى بيان عاقبته الوخيمة ويقال لهم : { تَمَتَّعُواْ } بما أنتم عليه من الشهوات التي جملتها كفرانُ النعم العظامِ واستتباعُ الناسِ في عبادة الأصنام { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار } ليس إلا ، فلا بد لكم من تعاطي ما يوجب ذلك ويقتضيه من أحوالكم بل هي في الحقيقة صورةٌ لدخولها ومثالٌ له حسبما يلوح به قولُه سبحانه : { وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ البوار } الخ ، فهو تعليلٌ للأمر المأمورِ ، وفيه من التهديد الشديدِ والوعيدِ الأكيد ما لا يوصف ، أو قل لهم تصويراً لحالهم وتعبيراً عما يُلجئهم إلى ذلك : تمتعوا ، إيذاناً بأنهم لفرْط انغماسِهم في التمتع بما هم فيه من غير صارفٍ يَلويهم ولا عاطفٍ يَثنيهم مأمورون بذلك من قِبل آمر الشهوة مذعِنون لحكمه منقادون لأمره كدأب مأمورٍ ساعٍ في خدمة آمرٍ مُطاع ، فليس قوله تعالى : { فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النار } حينئذٍ تعليلاً للأمر بل هو جوابُ شرطٍ ينسحب عليه الكلام ، كأنه قيل : هذه حالُكم فإن دمتم عليه فإن مصيركم إلى النار وفيه التهديدُ والوعيد لا في الأمر . (4/34)
قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (31)
{ قُل لّعِبَادِىَ الذين ءامَنُواْ } خصهم بالإضافة إليه تنويهاً لهم وتنبيهاً على أنهم المقيمون لوظائفِ العبودية الموفون بحقوقها ، وتركُ العاطف بين الأمرين للإيذان بتباين حالِهما باعتبار المقول تهديداً وتشريفاً ، والمقولُ هاهنا محذوفٌ دل عليه الجوابُ أي قل لهم أقيموا وأنفقوا { يُقِيمُواْ الصلاة وَيُنْفِقُواْ مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ } أي يداوموا على ذلك ، وفيه إيذانٌ بكمال مطاوعتِهم الرسولَ صلى الله عليه وسلم وغايةِ مسارعتِهم إلى الامتثال بأوامره ، وقد جوّزوا أن يكون المقولُ يقيموا وينفقوا بحذف لام الأمرِ عنهما ، وإنما حسُن ذلك دون الحذف في قوله (4/35)
محمدُ تَفدِ نفسَك كلُّ نفس ... إذا ما خِلفْتَ من أمر تَبالا
لدلالة قل عليه ، وقيل : هما جوابا أقيموا وأنفقوا قد أقيما مُقامهما وليس بذاك { سِرّا وَعَلاَنِيَةً } منتصبان على المصدرية من الأمر المقدرِ لا من جواب الأمر المذكور أي أنفقوا إنفاق سرَ وعلانية ، والأحبُّ في الإنفاق إخفاءُ المتطوَّع به وإعلانُ الواجب ، والمرادُ حث المؤمنين على الشكر لنعم الله سبحانه بالعبادة البدنية والماليةِ وتركِ التمتعِ بمتاع الدنيا والركونِ إليها كما هو صنيعُ الكفرة { مّن قَبْلِ أَن يَأْتِىَ يَوْمٌ لاَّ بَيْعٌ فِيهِ } فيبتاعَ المقصِّر ما يتلافى به تقصيرَه أو يفتدي به نفسَه ، والمقصودُ نفيُ عقدِ المعارضة بالمرة ، وتخصيصُ البيعِ بالذكر للإيجاز مع المبالغة في نفي العقدِ إذ انتفاءُ البيع يستلزم انتفاءَ الشراء على أبلغ وجهٍ ، وانتفاؤُه ربما يتصور مع تحقق الإيجابِ من قبل البائع { وَلاَ خلال } ولا مخالّةٌ فيشفعَ له خليلٌ أو يسامحَه بمال يفتدي به نفسه أو من قبل أن يأتي يومٌ لا أثرَ فيه لما لهَجوا بتعاطيه من البيع والمخالّة ولا انتفاعَ بذلك ، وإنما الانتفاعُ والارتفاقُ فيه بالإنفاق لوجه الله سبحانه ، والظاهرُ أن من متعلقة بأنفِقوا وتذكيرُ إتيانِ ذلك اليوم لتأكيد مضمونِه كما في سورة البقرة من حيث إن كلاًّ من فقدان الشفاعةِ وما يُتدارك به التقصير معاوضةً وتبرعاً ، وانقطاعُ آثار البيع والخِلالِ الواقعَيْن في الدنيا وعدمُ الانتفاع بهما من أقوى الدواعي إلى الإتيان بما تبقى عوائدُه وتدوم فوائدُه من الإنفاق في سبيل الله عز وجل ، أو من حيث أن ادخارَ المال وتركَ إنفاقِه إنما يقع غالباً للتجارات والمُهاداة فحيث لا يمكن ذلك في الآخرة فلا وجهَ لادّخاره إلى وقت الموت ، وتخصيصُ التأكيد بذلك لميل الطباعِ إلى المال وكونها مجبولةً على حبه والضَّنةِ به ، ولا يبعُد أن يكون تأكيداً لمضمون الأمرِ بإقامة الصلاة أيضاً من حيث إن تركَها كثيراً ما يكون بالاشتغال بالبياعات والمُخالاّت كما في قوله تعالى : { وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا } وقرىء بالفتح فيهما على إرادة النفي العام ودَلالةِ الرفعِ على ذلك باعتبار خطابيَ هو وقوعُه في جواب هل فيه بيعٌ أو خلال؟
اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (32)
{ الله } مبتدأٌ خبرُه { الذى خَلَقَ السموات } وما فيها من الأجرام العلوية { والأرض } وما فيها من أنواع المخلوقاتِ . لمّا ذكر أحوالَ الكافرين لنعم الله تعالى وأمرَ المؤمنين بإقامة مراسم الطاعةِ شكراً لنعمه شرَع في تفصيل ما يستوجب على كافة الأنامِ ، والمثابرةِ على الشكر والطاعة من النعم العِظام والمنن الجِسام حثاً للمؤمنين عليها وتقريعاً للكفرة المُخلّين بها الواضعين موضعَها الكفرَ والمعاصيَ ، وفي جعل المبتدإ الاسمَ الجليلَ والخبرَ الاسمَ الموصولَ بتلك الأفاعيلِ العظيمة من خلق هذه الأجرامِ العظام وإنزال الأمطارِ وإخراجِ الثمرات وما يتلوها من الآثار العجيبةِ ما لا يخفى من تربية المهابةِ والدِلالة على قوة السلطان { وَأَنزَلَ مِنَ السماء } أي السحابِ فإن كلَّ ما علاك سماءٌ ، أو من الفَلَك فإن المطر منه يبتدىء إلى السحاب ومنه إلى الأرضِ على ما دلت عليه ظواهرُ النصوص أو من أسباب سماويةٍ تثير الأجزاءَ الرطبةَ من أعماق الأرض إلى الجو فينعقد سحاباً ماطراً ، وأياً ما كان فمن ابتدائيةٌ { مَاء } أي نوعاً منه هو المطرُ ، وتقديمُ المجرورِ على المنصوب إما باعتبار كونِه مبدأ لنزوله أو لتشريفه كما في قولك : أعطاه السلطانُ من خزانته مالاً ، أو لما مرّ مراراً من التشويق إلى المؤخّر { فَأَخْرَجَ بِهِ } بذلك الماء { مِنَ الثمرات } الفائتة للحصر ، إما لأن صيغَ الجموعِ يتعاور بعضُها موضعَ بعض ، وإما لأنه أريد بمفردها جماعةُ الثمرة التي في قولك : أدركت ثمرةُ بستانِ فلان { رِزْقاً لَّكُمْ } تعيشون به وهو بمعنى المرزوق شاملٌ للمطعوم والملبوس مفعولٌ لأخرج ومن للتبيين كقولك : أنفقت من الدراهم ألفاً ، ويجوز أن يكون من الثمرات مفعولاً ورزقاً حالاً منه ، أو مصدراً من أخرج بمعنى رزَق ، أو للتبعيض بدليل قوله تعالى : { فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ } كأنه قيل : أنزل من السماء بعضَ الماء فأخرج به بعضَ الثمرات ليكون بعضَ رزقكم إذ لم ينزل من السماء كلُّ الماء ولا أخرج بالمطر كلَّ الثمار ولا جعل كلَّ الرزق ثمراً ، وخروجُ الثمرات وإن كان بمشيئته عز وجل وقدرتِه لكن جرت عادتُه تعالى بإفاضة صورِها وكيفياتها على المواد الممتزجةِ من الماء والتراب وأودع في الماء قوةً فاعلةً وفي الأرض قوةً قابلةً يتولد من اجتماعهما أنواعُ الثمار ، وهو قادرٌ على إيجاد الأشياء بلا أسباب ( ولا ) موادَّ كما أبدع نفوسَ الأسباب كذلك لما أن له تعالى في إنشائها مدرّجاً من طَور إلى طور صنائعَ وحِكماً يجدّد فيها لأولي الأبصار عِبَراً وسكوناً إلى عظيم قدرتِه ليس ذلك في إبداعها دفعةً ، وقوله : لكم ، صفةٌ لقوله : رزقاً ، إن أريد به المرزوقُ ، ومفعولٌ به إن أريد به المصدرُ كأنه قيل : رزقاٍ إياكم . { وَسَخَّرَ لَكُمُ الفلك } بأن أقدركم على صنعتها واستعمالِها بما ألهمكم كيفيةَ ذلك { لِتَجْرِىَ فِى البحر } جرياً تابعاً لإرادتكم { بِأَمْرِهِ } بمشيئته التي نيط بها كلُّ شيء ، وتخصيصُه بالذكر للتنصيص على أن ذلك ليس بمزاولة الأعمالِ واستعمالِ الآلاتِ كما يتراءى من ظاهر الحال { وَسَخَّرَ لَكُمُ الانهار } إن أريد بها المياهُ العظيمة الجاريةُ في الأنهار العظامِ كما يومىء إليه ذكرُها عند البحر فتسخيرُها جعلُها مُعدّةً لانتفاع الناس حيث يتخذون منها جداولَ يسقوُن منها زروعَهم وجِنانَهم وما أشبه ذلك ، وإن أريد بها نفسُ الأنهار فتسخيرُها تيسيرُها لهم . (4/36)
وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (33) وَآَتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)
{ وَسَخَّر لَكُمُ الشمس والقمر دَائِبَينَ } يدأبان في سيرهما وإنارتهما أصالةً وخلافةً وإصلاحِهما لما نيط بهما صلاحُه من المكوّنات { وَسَخَّر لَكُمُ اليل والنهار } يتعاقبان خِلْفةً لمنامكم ومعاشِكم ولعقد الثمار وإنضاجِها ، ذكر سبحانه وتعالى أنواعَ النعم الفائضةِ عليهم وأبرز كلَّ واحدة منها في جملة مستقلةٍ تنويهاً لشأنها وتنبيهاً على رفعة مكانِها وتنصيصاً على كون كل منها نعمةً جليلةً مستوجبةً للشكر ، وفي التعبير عن التصريف المتعلّق بما ذُكر من الفلك والأنهارِ والشمسِ والقمر والليل والنهار بالتسخير من الإشعار بما فيها من صعوبة المأخذ وعزةِ المنال والدِلالة على عِظَم السلطان وشدّة المِحال ما لا يخفى ، وتأخيرُ تسخيرِ الشمس والقمرِ عن تسخير ما تقدمه من الأمور المعدودةِ مع ما بينه وبين خلقِ السموات من المناسبة الظاهرةِ لاستتباع ذكرِها لذكر الأرض المستدعي لذكر إنزالِ الماءِ منها إليها الموجبِ لذكر إخراجِ الرزقِ الذي من جملته ما يحصُل بواسطة الفَلَك والأنهار أو للتفادي عن توهم كون الكل أعني خلقَ السمواتِ والأرض وتسخيرَ الشمس والقمر نعمةً واحدةً كما مر في سورة البقرة . (4/37)
{ وَاتَاكُم مّن كُلّ مَا سَأَلْتُمُوهُ } أي أعطاكم بعضَ جميع ما سألتموه حسبما تقتضيه مشيئتُه التابعةُ للحكمة والمصلحة كقوله سبحانه : { مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ } أو آتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه ونيط به انتظامُ أحوالِكم على الوجه المقدّرِ فكأنكم سألتموه ، أو كلَّ ما طلبتموه بلسان الاستعدادِ أو كلَّ ما سألتموه ، على أن ( من ) للبيان وكلمةُ كل للتكثير ، كقولك : فلان يعلم كلَّ شيء وأتاه كلُّ الناس وعليه قوله عز وجل : { فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلّ شَىْء } وقيل : الأصلُ وآتاكم من كل ما سألتموه وما لم تسألوه فحُذف الثاني لِدلالة ما أُبقيَ على ما أُلقيَ ، وقرىء بتنوين ( كلِّ ) على أن ما نافيه ومحل سألتموه النصبُ على الحالية أي آتاكم من كلَ غيرَ سائليه .
{ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله } التي أنعم بها عليكم { لاَ تُحْصُوهَا } لا تُطيقوا بحصرها ولو إجمالاً فإنها غيرُ متناهيةٍ ، وأصل الإحصاءِ أن الحاسبَ إذا بلغ عَقداً معيناً من عقود الأعدادِ وضع حصاةً ليحفظ بها ، إيذانٌ بعدم بلوغِ مرتبةٍ معتدَ بها من مراتبها فضلاً عن بلوغ غايتِها ، كيف لا وما من فرد من أفراد الناسِ وإن كان في أقصى مراتبِ الفقرِ والإفلاس مَمنوًّا بأصناف العنايا مبتلىً بأنواع الرزايا فهو بحيث لو تأملتَه ألفيتَه متقلّباً في نِعمَ لا تحدّ ومننٍ لا تحصى ولا تعدّ كأنه قد أعطيَ كلَّ ساعة وآنٍ من النعماء ما حواه حِيطةُ الإمكان ، وإن كنت في ريب من ذلك فقدِّرْ أنه ملَك مِلكٌ أقطارَ العالم ، ودانت له كافةُ الأمم ، وأذعنت لطاعته السَّراةُ ، وخضعت لهيبته رُقابُ العُتاة ، وفاز بكل مرام ، ونال كل منالٍ ، وحاز جميع ما في الدنيا من أصناف الأموالِ من غير نِدّ يزاحمه ، ولا شريك يساهمُه ، بل قدِّرْ أن جميع ما فيها من حجر ومدَرٍ يواقيتُ غاليةٌ ونفائسُ دُررٍ ، ثم قدِّر أنه قد وقع مِنْ فقْد مشروبٍ أو مطعوم في حالة بلغت نفسُه الحلقومَ ، فهل يشتري وهو في تلك الحال بجميع مالِه من الملك والمال لُقمةً تنجّيه عن رِواه ، أو شربةً ترويه من ظَماه ، أم يختار الهلاك فتذهبَ الأموالُ والأملاك بغير بذل يبقى عليه ولا نفعٍ يعود إليه؟ كلا ، بل يبذُل لذلك كلَّ ما تحويه اليدان كائناً ما كان وليس في صفقته شائبةُ الخُسران ، فإذن تلك اللقمةُ والشَّرْبةُ خيرٌ مما في الدنيا بألف رتبةٍ مع أنهما في طرف الثمام ينالهما متى شاء من الليالي والأيام ، أو قدّر أنه قد احتبس عليه النفَسُ فلا دخلَ منه ما خرَج ولا خرَج منه ما ولَج ، والحينُ قد حان وأتاه الموتُ من كل مكان أما يعطي ذلك كلَّه بمقابلة نفس واحد بل يعطيه وهو لرأيه حامدٌ ، فإذن هو خير من أموال الدنيا بجملتها ومطالبها برُمّتها مع أنه قد أبيح له كل آنٍ من آنات الليالي والأيام حالَ اليقظة والمنام هذا من الظهور والجلاء بحيث لا يكاد يخفى على أحد من العقلاء ، وإن رمت العثورَ على حقيقة الحقِّ والوقوفَ على كل ما جل من السرِّ ودق فاعلم أن الإنسانَ بمقتضى حقيقتِه الممكنةِ بمعزل عن استحقاق الوجودِ وما يتبعه من الكمالات اللائقةِ والملكاتِ الرائقةِ بحيث لو انقطع ما بينه وبين العنايةِ الإلهية من العلاقة لما استقر له القَرار ولا اطمأنت به الدار إلا في مطمورة العدم والبوار ، ومهاوي الهلاك والدمار لكن يَفيض عليه من الجناب الأقدس تعالى شأنه وتقدّس في كل زمان يمضي وكل آن يمرّ وينقضي من أنواع الفيوضِ المتعلقة بذاته ووجودِه وسائرِ صفاتِه الروحانيةِ والنفسانية والجُسمانية ما لا يحيط به نطاقُ التعبير ولا يعلمه إلا العليم الخبير ، وتوضيحه أنه كما لا يستحق الوجودَ ابتداءً لا يستحقه بقاءً وإنما ذلك من جانب المبدأ الأول عز وجل ، فكما لا يتصور وجودُه ابتداءً ما لم ينسدَّ عليه جميع أنحاءِ عدمِه الأصلي لا يتصور بقاؤه على الوجود بعد تحققِه بعلّته ما لم ينسدَّ عليه جميعُ أنحاءِ عدمه الطارىء لأن الاستمرار والدوامَ من خصائص الوجود الواجبي .
وأنت خبير بأن ما يتوقف عليه وجودُه من الأمور الوجودية التي هي عللُه وشرائطُه وإن وجب كونُها متناهيةً لوجوب تناهي ما دخل تحت الوجود لكن الأمور العدميةَ التي لها دخلٌ في وجوده ليست كذلك إذ لا استحالةَ في أن يكون لشيء واحد موانعُ غيرُ متناهية ، وإنما الاستحالة في دخولها تحت الوجود فارتفاعُ تلك الموانع التي لا تتناهى أعني بقاءَها على العدم مع إمكان وجودِها في أنفسها في كل آن من آنات وجودِه نعمٌ غيرُ متناهية حقيقة لا ادعاءً وكذا الحال في وجودات علله وشرائطِه القريبة والبعيدة ابتداءً وبقاءً وكذا في كمالاته التابعةِ لوجوده فاتضح أنه يَفيض عليه كلَّ آن نعمٌ لا تتناهى من وجوه شتى ، فسبحانك سبحانك ما أعظمَ سلطانَك لا تلاحظك العيونُ بأنظارها ولا تطالعك العقولُ بأفكارها شأنُك لا يضاهى وإحسانُك لا يتناهى ونحن في معرفتك حائرون وفي إقامة مراسمِ شكرِك قاصرون نسألك الهدايةَ إلى مناهج معرفتِك والتوفيقَ لأداء حقوقِ نعمتك لا نحصي ثناءً عليك لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك { إِنَّ الإنسان لَظَلُومٌ } يظلِم النعمةَ بإغفال شكرِها أو بوضعه إياها في غير موضعِها أو يظلم نفسَه بتعريضها للحرمان { كَفَّارٌ } شديدُ الكفران ، وقيل : ظلومٌ في الشدة يشكو ويجزع ، كفّارٌ في النعمة يجمع ويمنع ، واللام في الإنسان للجنس ومصداقُ الحكمِ بالظلم والكفران بعضُ مَنْ وُجد فيه من أفراده ويدخُل في ذلك الذين بدلوا نعمة الله كفراً الخ دخولاً أولياً . (4/38)
وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آَمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (35)
{ وَإِذْ قَالَ إبراهيم } أي واذكر وقتَ قوله عليه الصلاة والسلام ، والمقصودُ من تذكيره تذكيرُ ما وقع فيه من مقالاته عليه السلام على نهج التفصيل ، والمرادُ به تأكيدُ ما سلف من تعجيبه عليه السلام ببيان فنٍ آخرَ من جناياتهم حيث كفروا بالنعم العامة وعصَوا أباهم إبراهيمَ عليه السلام حيث أسكنهم بمكة شرفها الله تعالى لإقامة الصلاةِ والاجتنابِ عن عبادة الأصنام والشكر لنعم الله تعالى ، وسأله تعالى أن يجعله بلداً آمناً ويرزقَهم من الثمرات وتهويَ قلوبُ الناس إليهم من كل أَوب سحيقٍ فاستجاب الله تعالى دعاءَه وجعله حرماً آمناً تجبى إليه ثمراتُ كل شيء فكفروا بتلك النعم العظامِ واستبدلوا بالبلد الحرام دار البوار وجعلوا لله أنداداً وفعلوا ما فعلوا { رَبّ اجعل هذا البلد } يعني مكةَ شرفها الله سبحانه { مِنَ } أي ذا أمْنٍ أو آمناً أهلُه بحيث لا يُخاف فيه ، على ما مر في سورة البقرة والفرق بينه وبين ما فيها من قوله : { رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا } أن المسؤولَ هناك البلديةُ والأمنُ معها ، وهاهنا الأمنُ فقط حيث جُعل هو المفعولَ الثانيَ للجعل وجُعل البلدَ صفةً للمفعول الأول ، فإن حُمل على تعدد السؤال فلعله عليه السلام سأل أولاً كِلا الأمرين فاستُجيب له في أحدهما وتأخر الآخرُ إلى وقته المقدّر لما يقتضيه من الحكمة الداعيةِ إليه ، ثم كَرّر السؤالَ كما هو المعتاد في الدعاء والابتهالِ ، أو كان المسؤولُ أولاً مجردَ الأمنِ المصحِّح للسكن كما في سائر البلاد وقد أجيب إليه ، وثانياً الأمنَ المعهودَ أو كان هو المسؤولَ فيهما وقد أجيب إليه أيضاً لكن السؤالَ الثانيَ للاستدامة ، والاقتصارُ على ذلك لأنه المقصودُ الأصلي أو لأن المعتادَ في البلدية الاستمرارُ بعد التحقق بخلاف الأمن ، وإن حمل على وحدة السؤال وتكرر الحكاية كما هو المتبادرُ فالظاهرُ أن المسؤول كِلا الأمرين ، وقد حكي أولاً واقتُصر هاهنا على حكاية سؤال الأمنِ لا لمجرد أن نعمةَ الأمن أدخلُ في استيجاب الشكر فذِكرُه أنسبُ بمقام تقريعِ الكفرة على إغفاله كما قيل بل لأن سؤال البلدية قد حكي بقوله تعالى : { فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس تَهْوِى إِلَيْهِمْ } إذ المسؤولُ هُوِيّتُها إليهم للمساكنة معهم لا للحج فقط وهو عينُ سؤال البلدية قد حكي بعبارة أخرى وكان ذلك أولَ ما قدِم عليه السلام مكةَ ، كما روى سعيدُ بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه عليه الصلاة والسلام لما أسكن إسماعيلَ وهاجرَ هناك وعاد متوجهاً إلى الشام تبِعتْه هاجرُ وجعلت تقول : إلى من تكِلُنا في هذا البلقع؟ وهو لا يرد عليها جواباً حتى قالت : آلله أمرك بهذا؟ فقال : نعم ، قالت : إذاً لا يضيّعنا فرضِيَت ، ومضى حتى إذا استوى على ثنية كَداء أقبل على الوادي فقال : (4/39)
{ رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ } الآية ، وإنما فصل ما بينهما تثنية للامتنان وإيذاناً بأن كلاًّ منهما نعمةٌ جليلةٌ مستتبعة لشكر كثير في قصة البقرة . (4/40)
{ واجنبنى وَبَنِىَّ } بعِّدني وإياهم { أَن نَّعْبُدَ الأصنام } واجعلنا منها في جانب بعيد أي ثبتنا على ما كنا عليه من التوحيد وملة الإسلام والبعد عن عبادة الأصنام ، وقرىء وأجنبْني من الإفعال ، وهما لغةُ أهلِ نجد ، يقولون : جنّبني شرَّه وأجنبْني شرَّه ، وأما أهلُ الحجاز فيقولون : جنّبني شره وفيه دليل على أن عصمةَ الأنبياء عليهم السلام بتوفيق الله تعالى ، والظاهرُ أن المراد ببنيه أولادُ الصلبية فلا احتجاجَ به لابن عيينة رضي الله عنه على أن أحداً من أولاد إسماعيلَ عليه السلام لم يعبُد الصنم وإنما كان لكل قومٍ حجرٌ نصبوه ، وقالوا : هو حجرٌ والبيتُ حجر ، فكانوا يدورون به ويسمونه الدوار ، فاستُحب أن يقال : طاف بالبيت ولا يقال دار بالبيت ، وليت شعري كيف ذهب عليه ما في القرآن العظيم من قوارعَ تنعي على قريش عبادةَ الأصنام على أن فيما ذكره كرٌّ على ما فر منه .
رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (36) رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (37)
{ رَبّ إِنَّهُنَّ } أي الأصنامَ { أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مّنَ الناس } أي تسبّبن له كقوله تعالى : { وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا } وهو تعليلٌ لدعائه وإنما صدّره بالنداء إظهاراً لاعتنائه به ورغبةً في استجابته { فَمَن تَبِعَنِى } منهم فيما أدعو إليه من التوحيد وملةِ الإسلام { فَإِنَّهُ مِنّى } أي بعضي قاله عليه السلام مبالغةً في بيان اختصاصِه به ، أو متصلٌ بي لا ينفك عني في أمر الدين { وَمَنْ عَصَانِى } أي لم يتبعْني ، والتعبيرُ عنه بالعصيان للإيذان بأن عليه السلام مستمرُّ الدعوة وأن عدم اتباعِ من لم يتبعْه إنما هو لعصيانه لا لأنه لم يبلُغْه الدعوة { فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } قادر على أن تغفِرَ له وترحَمه ابتداءً أو بعد توبتِه ، وفيه أن كل ذنبٍ فلَّله تعالى أن يغفرَه حتى الشركُ خلا أن الوعيدَ قضى بالفرق بينه وبين غيره . (4/41)
{ رَبَّنَا } آثر عليه السلام ضمير الجماعةِ لا لما قيل من تقدم ذكرِه وذكرِ بنيه وإلا لراعاه في قوله : ربَّ إنهن الخ ، لأن الدعاء المصدّرَ به وما أورده بصدد تمهيدِ مبادي إجابتهِ من قوله : { إِنَّى أَسْكَنتُ } الآية ، متعلقٌ بذريته فالتعرضُ لوصف ربوبيته تعالى لهم أدخلُ في القبول وإجابةِ المسؤول { مِن ذُرّيَّتِى } أي بعضهم أو ذريةً من ذريتي فحُذف المفعولُ وهو إسماعيلُ عليه السلام وما سيولد له فإن إسكانَه حيث كان على وجه الاطمئنانِ متضمِّنٌ لإسكانهم . روي أن هاجرَ أمَّ إسماعيلَ عليه السلام كانت لسارة فوهبتْها من إبراهيمَ عليه السلام فلما ولدت له إسماعيلَ عليه السلام غارت عليهما فناشدته أن يُخرجَهما من عندها فأخرجهما إلى أرض مكةَ فأظهر الله تعالى عينَ زمزم { بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ } لا يكون فيه زرعُ أصلاً وهو وادي مكةَ شرفها الله تعالى { عِندَ بَيْتِكَ } ظرف لأسكنتُ ، كقولك : صليت بمكةَ عند الركنِ ، لا أنه صفةٌ لوادٍ أو بدل منه ، إذ المقصودُ إظهارُ كونِ ذلك الإسكان مع فقدان مباديه بالمرة لمحض التقربِ إلى الله تعالى والالتجاءِ إلى جواره الكريم كما ينبىء عنه التعرّضُ لعنوان الحرمةِ المؤذِنِ بعزة الملتجأ وعصمتِه عن المكاره في قوله تعالى : { المحرم } حيث حُرّم التعرضُ له والتهاونُ به أو لم يزل معظّماً ممنّعاً يهابه الجبابرةُ في كل عصر ، أو مُنع منه الطوفان فلم يستولِ عليه ولذلك سميَ عتيقاً ، وتسميتُه إذ ذاك بيتاً ولم يكن له بناءٌ وإنما كان نشْزاً مثلَ الرَّابية تأتيه السيول فتأخد ذاتَ اليمين وذات الشمال ليست باعتبار ما سيؤول إليه الأمرُ من بنائه عليه السلام فإنه ينزِع إلى اعتبار عنوانِ الحرمة أيضاً كذلك بل إنما هي باعتبار ما كان من قبل فإن تعدد بناءِ الكعبةِ المعظمةِ مما لا ريب فيه وإنما الاختلافُ في كمية عددِه وقد ذكرناها في سورة البقرة بفضل الله تعالى .
{ رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ } متوجّهين إليه متبرّكين به ، وهو متعلقٌ بأسكنتُ وتخصيصُها بالذكر من بين سائر شعائرِ الدينِ لفضلها ، وتكريرُ النداءِ وتوسيطُه لإظهار كمالِ العنايةِ بإقامة الصلاةِ والاهتمامِ بعرضِ أن الغرضَ من إسكانهم بذلك الوادي البلقعِ ذلك المقصدُ الأقصى والمطلب الأسنى ، وكلُّ ذلك لتمهيد مبادىء إجابة دعائِه وإعطاء مسؤولِه الذين لا يتسنى ذلك المرامُ إلا به ، ولذلك أُدخل عليه الفاء فقال : { فاجعل أَفْئِدَةً مّنَ الناس } أي أفئدةً من أفئدتهم ، فمن للتبعيض ، ولذلك قيل : لو قال : أفئدةَ الناسِ لازدحمت عليهم فارسُ والروم ، وأما ما زيد عليه من قولهم : ولَحجّت اليهودُ والنصارى فغيرُ مناسب للمقام إذ المسؤولُ توجيهُ القلوب إليهم للمساكنة معهم لا توجيهُها إلى البيت للحج ، وإلا لقيل : تهوي إليه ، فإنه عينُ الدعاء بالبلدية قد حكي بعبارة أخرى كما مر ، أو لابتداء الغاية كقولك : القلبُ منّي سقيمٌ أي أفئدةَ ناسٍ ، وقرىء آفدةً على القلب كآدر في أدؤر أو على أنه اسم فاعل من أفدت الرحلة أي عجِلت أي جماعةً من الناس وأفِدَةً بطرح الهمزة من الأفئدة أو على النعت من أفد { تَهْوِى إِلَيْهِمْ } تسرع إليهم شوقاً ووِداداً ، وقرىء على البناء للمفعول من أهواه غيرُه وتهوى من باب علم أي تحبّ ، وتعديته بإلى لتضمُّنه معنى الشوقِ والنزوعِ وأولُ آثارِ هذه الدعوة ما روي أنه مرت رِفقةٌ من جُرهُم تريد الشامَ فرأوا الطيرَ تحوم على الجبل فقالوا : إن هذا الطائر لعائف على الماء فأشرفوا فإذا هم بهاجرَ ، فقالوا لها : إن شئت كنا معك وآنسناك والماءُ ماؤك فأذِنت لهم وكانوا معها إلى أن شبّ إسماعيلُ عليه السلام وماتت هاجرُ فتزوج إسماعيلُ منهم كما هو المشهور . (4/42)
{ وارزقهم } أي ذريتي الذين أسكنتُهم هناك أو مع من ينحاز إليهم من الناس . وإنما لم يخصَّ الدعاء بالمؤمنين منهم كما في قوله : { وارزق أَهْلَهُ مِنَ الثمرات مَنْ ءامَنَ مِنْهُم بالله واليوم الأخر } اكتفاءً بذكر إقامة الصلاة { مِنَ الثمرات } من أنواعها بأن يَجعلَ بقرب منه قُرىً يحصُل فيها ذلك أو يجبى إليه من الأقطار الشاسعةِ وقد حصل كلاهما حتى إنه يجتمع فيه الفواكهُ الربيعيةُ والصيفيةُ والخريفيةُ في يوم واحد ، روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن الطائفَ كانت من أرض فلسطين فلما دعا إبراهيمُ عليه السلام بهذه الدعوة رفعها الله تعالى ووضعها حيث وضعها رزقاً للحرَم . وعن الزهري رضي الله عنه أنه تعالى نقل قرية من قرى الشامِ فوضعها بالطائف لدعوة إبراهيمَ عليه السلام { لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ } تلك النعمةَ بإقامة الصلاةِ وأداءِ سائر مراسمِ العبودية ، وقيل : اللامُ في ليقيموا لامُ الأمرِ والمرادُ أمرُهم بإقامة الصلاة والدعاء من الله تعالى بتوفيقهم لها ولا يناسبه الفاء في قوله تعالى : { فاجعل } الخ ، وفي دعائه عليه السلام من مراعاة حسنِ الأدبِ والمحافظة على قوانين الضَّراعةِ وعرضِ الحاجة واستنزالِ الرحمةِ واستجلابِ الرأفة ما لا يخفى ، فإنه عليه السلام بذكر كونِ الوادي غيرَ ذي زرعٍ بيّن كمالَ افتقارِهم إلى المسؤول ، وبذكر كونِ إسكانِهم عند البيت المحرم أشار إلى أن جِوارَ الكريم يستوجب إفاضةَ النعيم ، وبعرض كونِ ذلك الإسكانِ مع كمال إعوازِ مرافقِ المعاش لمحض إقامةِ الصلاةِ وأداء حقوقِ البيت مهّد جميعَ مبادي إجابةِ السؤال ، ولذلك قُرنت دعوتُه عليه السلام بحُسنِ القبول .
رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (38) الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (39)
{ رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِى وَمَا نُعْلِنُ } من الحاجات وغيرِها ، والمرادُ بما نُخفي ما يقابل ما نعلن سواءٌ تعلق به الإخفاءُ أو لا ، أي تعلم ما نظهره وما لا نظهره فإن علمَه تعالى متعلّقٌ بما لا يخطُر بباله مما فيه من الأحوال الخفية فضلاً عن إخفائه ، وتقديمُ ما نخفي على ما نعلن لتحقيق المساواةِ بينهما في تعلق العلم بهما على أبلغ وجهٍ فكأن تعلقه بما يخفى أقدمُ منه بما يُعلن ، أو لأن مرتبة السرِّ والخفاءِ متقدمةٌ على مرتبة العلن إذ ما من شيء يُعلن إلا وهو قبل ذلك خفيٌّ فتعلقُ علمِه سبحانه بحالته الأولى أقدمُ من تعلقه بحالته الثانية ، وقصدُه عليه السلام أن إظهارَ هذه الحاجات وما هو من مباديها وتتماتها ليس لكونها غيرَ معلومةٍ لك ، بل إنما هو لإظهار العبوديةِ والتخشّعِ لعظمتك ، والتذلّل لعزتك ، وعرضِ الافتقارِ إلى ما عندك ، والاستعجالِ لنيل أياديك . وتكريرُ النداءِ للمبالغة في الضراعة والابتهال ، وضميرُ الجماعة لأن المرادَ ليس مجردَ علمِه تعالى بسرِّه وعلنه بل بجميع خفايا المُلك والملَكوت وقد حققه بقوله على وجه الاعتراض : { وَمَا يخفى عَلَى الله مِن شَىْء فَى الأرض وَلاَ فِى السماء } لما أنه العالمُ بالذات فما من أمر يدخُل تحت الوجود كائناً ما كان في زمان من الأزمان إلا ووجودُه في ذاته علمٌ بالنسبة إليه سبحانه ، وإنما قال : وما يخفي على الله الخ ، دون أن يقول : ويعلم ما في السموات والأرض تحقيقاً لما عناه بقوله : تعلم ما نخفي من أن علمَه تعالى بذلك ليس على وجه يكون فيه شائبةُ خفاءٍ بالنسبة إلى علمه تعالى كما يكون ذلك بالنسبة إلى علوم المخلوقاتِ ، وكلمةُ في متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لشيءٍ ، أي من شيء كائنٍ فيهما ، أعمُّ من أن يكون ذلك على وجه الاستقرار فيهما ، أو على وجه الجزئيةِ منهما أو بيخفى ، وتقديمُ الأرض على السماء مع توسيط لا بينهما باعتبار القربِ والبعدِ منا المستدعِيَين للتفاوت بالنسبة إلى علومنا ، والالتفاتُ من الخطاب إلى اسم الذاتِ المستجمعةِ للصفات لتربية المهابةِ والإشعارِ بعلة الحُكمِ على نهج قوله تعالى : { أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير } والإيذانِ بعمومه لأنه ليس بشأن يُختص به أو بمن يتعلق به ، بل شاملٌ لجميع الأشياء فالمناسبُ ذكرُه تعالى بعنوان مصحِّحٍ لمبدإ الكلّ ، وقيل : هو من كلام الله عز وجل وارد بطريق الاعتراض لتصديقه عليه السلام كقوله سبحانه : { وكذلك يَفْعَلُونَ } ومن للاستغراق على الوجهين . (4/43)
{ الحمد للَّهِ الذى وَهَبَ لِى عَلَى الكبر } أي مع كِبَري ويأسي عن الولد ، قيّد الهبةَ به استعظاماً للنعمة وإظهاراً لشكرها { إسماعيل وإسحاق } رُوي أنه وُلد له إسماعيلُ وهو ابنُ تسعٍ وتسعين سنة ، وولد له إسحاقُ وهو ابن مائةٍ واثنتي عشرة سنة أو مائة وسبعَ عشرة سنة .
{ إِنَّ رَبّى } ومالكَ أمري { لَسَمِيعُ الدعاء } لمجيبُه ، من قولهم : سمِع الملكُ كلامَه إذا اعتدّ به ، وهي من أبنية المبالغةِ العاملة عمَلَ الفعل أُضيف إلى مفعولِه أو فاعلِه بإسناد السماعِ إلى دعاء الله تعالى مجازاً ، وهو مع كونه من تتمة الحمدِ والشكر إذ هو وصفٌ له تعالى بأن ذلك الجميلَ سنّته المستمرّةُ تعليلٌ على طريقة التذييل للهبة المذكورة ، وفيه إيذانٌ بتضاعف النعمة فيها حيث وقعت بعد الدعاءِ بقوله : { رَبّ هَبْ لِى مِنَ الصالحين } فاقترنت الهبةُ بقبول الدعوةِ ، وتوحيدُ ضمير المتكلم وإن كان عَقيبَ ذكرِ هبتهما لما أن نعمةَ الهبةِ فائضةٌ عليه خاصة وهما من النعم لا من المنعَم عليهم . (4/44)
رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ (40) رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (41) وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (42)
{ رَبّ اجعلنى مُقِيمَ الصلاة } مثابراً عليها معدّلاً لها ، وتوحيدُ ضمير المتكلم مع شمول دعوتِه لذريتِه أيضاً حيث قال : { وَمِن ذُرّيَتِى } أي بعضِهم من المذكورين ومن يسير سيرتَهما من أولادهما للإشعار بأنه المقتدى في ذلك وذرّيتُه أتباعٌ له وإن ذكَرهم بطريق الاستطراد ، لا كما في قوله : { رَّبَّنَا إِنَّى أَسْكَنتُ } الخ ، فإن إسكانَه مع عدم تحققِه بلا ملابسةٍ لمن أسكنه إنما هو مذكورٌ بطريق التمهيد للدعاء الذي هو مخصوصٌ بذريته وإنما خَصّ هذا الدعاءَ ببعض ذريته لعلمه من جهة الله تعالى أن بعضاً منهم لا يكون مقيمَ الصلاة كقوله تعالى : { رَبَّنَا واجعلنا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ } { رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاء } أي دعائيَ هذا المتعلِّقَ بجعلي وجعلِ بعض ذرّيتي مقيمي الصلاةِ ثابتين على ذلك مجتنبين عن عبادة الأصنامِ ، ولذلك جيء بضمير الجماعة . (4/45)
{ رَبَّنَا اغفر لِى } أي ما فرَطَ مني من ترك الأَولى في باب الدين وغيرَ ذلك مما لا يسلم منه البشر { وَلِوَالِدَىَّ } وقرىء بالتوحيد ولأبوي ، وهذا الاستغفارُ منه عليه السلام إنما كان قبل تبيّن الأمرِ له عليه السلام ، وقيل : أراد بوالديه آدمَ وحواءَ ، وقيل : بشرط الإسلام ويردّه قوله تعالى : { إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم } الآية ، وقد مر في سورة التوبة نوعُ تحقيقٍ للمقام سيأتي تمامه في سورة مريم بفضل الله تعالى { وَلِلْمُؤْمِنِينَ } كافة من ذريته وغيرهم وللإيذان باشتراك الكلِّ في الدعاء بالمغفرة جيء بضمير الجماعة { يَوْمَ يَقُومُ الحساب } أي يثبُت ويتحقق محاسبةُ أعمالِ المكلفين على وجه العدل ، استُعير له من ثبوت القائمِ على الرجل بالاستقامة ، ومنه قامت الحربُ على ساق ، والمرادُ تهويلُه ، وقيل : أسند إليه قيامُ أهلِه مجازاً أو حذف المضاف كما في { واسئل القرية } واعلم أن ما حكي عنه عليه السلام من الأدعية والأذكار وما يتعلق بها ليس بصادر عنه على الترتيب المَحْكيِّ ولا على وجه المعيّة ، بل صدر عنه في أزمنة متفرّقةٍ حُكي مرتباً للدِلالة على سوء حال الكفرةِ بعد ظهور أمرِه في الملة وإرشادِ الناس إليها والتضرّعِ إلى الله تعالى لمصالحهم الدينية والدنيوية .
{ وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غافلا عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون } خطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمرادُ تثبيتُه على ما كان عليه من عدم حسبانه عز وجل كذلك ، نحو قوله : { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } ونظائرِه ، مع ما فيه من الإيذان بكونه واجبَ الاحتراز عنه في الغاية حتى نُهي عنه من لا يمكن تعاطيه ، أو نهيُه عليه السلام عن حُسبانه تعالى تاركاً لعقابهم على طريقة العفو ، والتعبيرُ عنه بذلك للمبالغة في النهي والإيذان بأن ذلك الحسبانَ بمنزلة حسبانِه تعالى غافلاً عن أعمالهم إذ العلمُ بذلك مستوجبٌ لعقابهم لا محالة فتركُه لو كان لكان للغفلة عما يوجبه من أعمالهم الخبيثة ، وفيه تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم ووعدٌ له أكيدٌ ووعيد للكفرة وسائرِ الظالمين شديدٌ ، أو لكل أحدٍ ممن يستعجل عذابَهم أو يتوهّم إهمالَهم للجهل بصفاته تعالى والاغترارِ بإمهاله ، وقيل : معناه لا تحسبنّه تعالى يعاملهم معاملةَ الغافل عما عمِلوا بل معاملةَ من يحافظ على أعمالهم ويجازيهم بذلك نقيراً وقِطْميراً ، والمرادُ بالظالمين أهلُ مكةَ ممن عُدّت مساويهم من تبديل نعمةِ الله تعالى كفراً وإحلالِ قومهم دارَ البوار واتخاذِ الأندادِ كما يؤذن به التعرّضُ لحكمة التأخيرِ المنبىء عنه قوله تعالى :
{ قُلْ تَمَتَّعُواْ } الآية ، أو جنسُ الظالمين وهم داخلون في الحكم دخولاً أولياً . (4/46)
{ إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ } يمهلهم متمتعين بالحظوظ الدنيوية ولا يعجل عقوبتهم حسبما يشاهد ، وهو استئنافٌ وقع تعليلاً للنهي السابق أي دُم على ما كنت عليه من عدم حُسبانه تعالى غافلاً عن أعمالهم ولا تحزَنْ بتأخير ما تستوجبه من العذاب الأليم ، إذ تأخيرُه للتشديد والتغليظ ، أو لا تحسبنّه تعالى تاركاً لعقوبتهم لما ترى من تأخيرها إنما ذلك لأجل هذا ، أو لا تحسبنّه تعالى يعاملهم معاملةَ الغافل ولا يؤاخذُهم بما عملوا لما ترى من التأخير ، إنما هو لهذه الحكمة وقرىء بالنون ، وإيقاعُ التأخيرِ عليهم مع أن المؤخرَ إنما هو عذابُهم لتهويل الخطْب وتفظيعِ الحال ببيان أنهم متوجهون إلى العذاب مُرصَدون لأمر ما لا أنهم باقون باختيارهم ، وللدَّلالة على أن حقَّهم من العذاب هو الاستئصالُ بالمرة وألا يبقى منهم في الوجود عينٌ ولا أثرٌ ، وللإيذان بأن المؤخرَ له من جملة العذاب وعنوانُه ، ولو قيل : إنما يؤخر عذابَهم الخ لما فهم ذلك { لِيَوْمِ } هائل { تَشْخَصُ فِيهِ الأبصار } ترتفع أبصارُ أهلِ الموقف فيدخل في زمرتهم الكفرةُ المعهودون دخولاً أولياً ، أي تبقى مفتوحةً لا تتحرك أجفانُهم من هول ما يرَونه ، واعتبارُ عدم قرارِها في أماكنها إما باعتبار الارتفاعِ الحسيِّ في جِرْم العين وإما بجعل الصيغةِ مِنْ شخَص من بلد إلى بلد وسار في ارتفاع .
مُهْطِعِينَ مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (43)
{ مُهْطِعِينَ } مسرعين إلى الداعي مُقبلين عليه بالخوف والذل والخشوعِ أو مقبلين بأبصارهم عليه لا يُقلعون عنه ولا يطرِفون هيبة وخوفاً ، وحيث كان إدامةُ النظر هاهنا بالنظر إلى الداعي قيل : { مُقْنِعِى رُؤُوسَهُمْ } أي رافعيها مع إدامة النظر من غير التفاتٍ إلى شيء كذا قاله العتبي وابن عرفة ، أو ناكسيها ويقال : أقنع رأسَه أي طأطأها ونكَسها فهو من الأضداد وهما حالان مما دل عليه الأبصارُ من أصحابها ، أو الثاني حالٌ متداخلةٌ من الضمير في الأول ، وإضافتُه غير حقيقية فلا ينافي الحالية { لاَ يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ } أي لا يرجِع إليهم تحريكُ أجفانِهم حسبما كان يرجِع إليهم كلّ لحظة بل تبقى أعينُهم مفتوحةً لا تطرِف أو لا ترجع إليهم أجفانُهم التي هي آلةُ الطرْفِ ، فيكون إسنادُ الرجوعِ إلى الطرف مجازياً أو هو نفسُ الجفن . قال الفيروز آبادي : الطرفُ العينُ لا يجمع لأنه مصدر في الأصل أو اسمٌ جامع للعين . أو لا يرجع نظرُهم إلى أنفسهم فضلاً عن أن يرجِع إلى شيء آخر فيبقَون مبهوتين ، وهو أيضاً حالٌ أو بدلٌ من مقنعي الخ ، أو استئناف والمعنى لا يزول ما اعتراهم من شخوص الأبصار ، وتأخيرُه عما هو تتمته من الإهطاع والإقناع مع ما بينه وبين الشخوص المذكورِ من المناسبة لتربية هذا المعنى { وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاء } خاليةٌ من العقل والفهم لفرْط الحَيرة والدهَش ، كأنها نفسُ الهواءِ الخالي من كل شاغلٍ ، ومنه قيل للجبان والأحمق : قلبُه هواءٌ أي لا قوة ولا رأيَ فيه ، واعتبارُ خلوِّها عن كل خير لا يناسب المقام وهو إما حالٌ عاملُها لا يرتد مفيدةٌ لكون شخوص أبصارِهم وعدم ارتدادِ طرفِهم بلا فهمٍ ولا اختيار أو جملةٌ مستقلةٌ . (4/47)
وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (44)
{ وَأَنذِرِ الناس } خطابٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد إعلامِه أن تأخيرَهم لماذا ، وأمرٌ له بإنذارهم وتخويفِهم منه ، والمرادُ بالناس الكفارُ المعبّرُ عنهم بالظالمين كما يقتضيه ظاهرُ إتيانِ العذاب ، والعدولُ إليه من الإضمار للإشعار بأن المرادَ بالإنذار هو الزجرُ عما هم عليه من الظلم شفقةً عليهم لا التخويفُ للانزعاج والإيذاء ، فالمناسبُ عدمُ ذكرِهم بعنوان الظلمِ ، أو الناسُ جميعاً فإن الإنذارَ عام للفريقين كقوله تعالى : { إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتبع الذكر } والإتيانُ يُعمّهما من حيث كونُهما في الموقف وإن كان لحوقُه بالكفار خاصةً ، أي أنذِرهم وخوِّفهم { يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب } المعهودُ وهو اليوم الذي وُصف بما لا يوصف من الأوصاف الهائلةِ أعني يومَ القيامة ، وقيل : هو يومُ موتِهم معذَّبين بالسكَرات ولقاءِ الملائكة بلا بشرى ، أو يومُ هلاكِهم بالعذاب العاجلِ ، ويأباه القصرُ السابق { فَيَقُولُ الذين ظَلَمُواْ } أي فيقولون ، والعدولُ عنه إلى ما عليه النظمُ الكريم للتسجيل عليهم بالظلم وللإشعار بأن ما لقُوه من الشدة إنما هو لظلمهم ، وإيثارُه على صيغة الفاعل حسبما ذكر ، أو لا للإيذان بأن الظلمَ في الجملة كافٍ في الإفضاء إلى ما ذكر من الأهوال من غير حاجةٍ إلى الاستمرار عليه كما ينبىء عنه صيغةُ الفاعلِ ، وعلى تقدير كونِ المرادِ بالناس مَنْ يعمّ المسلمين أيضاً فالمعنى الذين ظلموا منهم وهم الكفارُ ، أو يقول : كلُّ من ظلم بالشرك والتكذيب من المنذَرين وغيرِهم من الأمم الخاليةِ فإن إتيانَ العذاب يعُمهم كما يشعر بذلك وعدُهم باتباع الرسل . (4/48)
{ رَبَّنَا أَخّرْنَا } رُدَّنا إلى الدنيا وأمهلنا { إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ } إلى أمد وحدَ من الزمان قريب { نُّجِبْ دَعْوَتَكَ } أي الدعوةَ إليك وإلى توحيدك أو دعوتَك لنا على ألسنة الرسلِ ، ففيه إيماءٌ إلى أنه صدّقوهم في أنهم مرسَلون من عند الله تعالى { وَنَتَّبِعِ الرسل } فيما جاءونا به أي نتدارك ما فرّطنا فيه من إجابة الدعوةِ واتّباع الرسل ، والجمعُ إما باعتبار اتفاقِ الجميعِ على التوحيد وكونِ عصيانهم للرسول صلى الله عليه وسلم عصيانا لهم جميعاً ، وإما باعتبار أن المحْكيَّ ظالمو الأمم جميعاً والمقصودُ بيانُ وعدِ كل أمة باتباع رسولِها ، { أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ } على إضمار القولِ معطوفاً على ( فيقول ) أي فيقال لهم توبيخاً وتبكيتاً : ألم تؤخَّروا في الدنيا ولم تكونوا أقسمتم إذ ذاك بألسنتكم بطراً وأشرَاً وجهلاً وسفهاً { مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ } مما أنتم عليه من التمتع بالحظوظ الدنيوية أو بألسنة الحال حيث بنيتم مَشيداً وأمّلتم بعيداً ولم تحدّثوا أنفسكم بالانتقال منها إلى هذه الحالة ، وفيه إشعارٌ بامتداد زمانِ التأخير وبُعد مداه أو ما لكم من زوال من هذه الدار إلى دار أخرى للجزاء كقوله تعالى :
{ وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أيمانهم لاَ يَبْعَثُ الله مَن يَمُوتُ } وصيغةُ الخطاب في جواب القسم لمراعاة حالِ الخطاب في أقسمتم كما في قوله : حلف بالله ليخرُجَن ، وهو أدخلُ في التوبيخ من أن يقال : ما لنا مراعاةً لحال المُقسِم . ذكر البيهقيُّ عن محمد بن كعب القرظي أنه قال : لأهل النار خمسُ دعَوات يجيبهم الله تعالى في أربع منها فإذا كانت الخامسةُ لم يتكلموا بعدها أبداً يقولون : { رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثنتين وَأَحْيَيْتَنَا اثنتين فاعترفنا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إلى خُرُوجٍ مّن سَبِيلٍ } فيجيبهم الله تعالى : { ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِىَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ فالحكم للَّهِ العلى الكبير } ثم يقولون : { رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فارجعنا نَعْمَلْ صالحا إِنَّا مُوقِنُونَ } فيجيبهم الله تعالى : { فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاء يَوْمِكُمْ هذا } الآية ، ثم يقولون : { رَبَّنَا أَخّرْنَا إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُّجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرسل } فيجيبهم الله تعالى : { أَوَلَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ } الآية ، ثم يقولون : { رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صالحا غَيْرَ الذى كُنَّا نَعْمَلُ } فيجيبهم الله تعالى : { أَوَلَمْ نُعَمّرْكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النذير فَذُوقُواْ فَمَا للظالمين مِن نَّصِيرٍ } فيقولون : { رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالّينَ } فيجيبهم الله تعالى : { اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } فلا يتكلمون بعدها أبداً ، إن هو إلا زفيرٌ وشهيق وعند ذلك انقطع رجاؤُهم وأقبل بعضهم ينبَح في وجه بعض وأطبقت عليهم جهنمُ ، اللهم إنا بك نعوذ وبكنفك نلوذ عز جارُك وجل ثناؤُك ولا إله غيرُك . (4/49)
وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (45)
{ وَسَكَنتُمْ } من السُّكنى بمعنى التبوّؤ والإيطان ، وإنما استُعمل بكلمة في حيث قيل : { فِى مساكن الذين ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } جرياً على الأصل لأنه منقولٌ عن مطلق السكون الذي حقُّه التعديةُ بها أو من السكون واللُّبث ، أي قرِرْتم في مساكنهم مطمئنين سائرين سيرتَهم في الظلم بالكفر والمعاصي غيرَ محدّثين لأنفسكم بما لقُوا بسبب ما اجترحوا من الموبقات ، وفي إيقاع الظلم على أنفسهم بعد إطلاقِه فيما سلفه إيذانٌ بأن غائلةَ الظلم آئلةٌ إلى صاحبه ، والمرادُ بهم إما جميعُ مَنْ تقدّم من الأمم المهلَكة عن تقدير اختصاصِ الاستمهال ، والخطابُ السابقُ بالمنذرين ، وإما أوائلُهم من قوم نوحٍ وهود على تقدير عمومِهما للكل ، وهذا الخطابُ وما يتلوه باعتبار حالِ أواخرهم { وَتَبَيَّنَ لَكُمْ } بمشاهدة الآثار وتواترِ الأخبار { كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ } من الإهلاك والعقوبة بما فعلوا من الظلم والفساد ، وكيف منصوبٌ بما بعده من الفعل وليس الجملةُ فاعلاً لتبيّن كما قاله بعضُ الكوفيين ، بل فاعله ما دلت هي عليه دَلالةً واضحةً أي فعلنا العجيبَ بهم ، وفيه من المبالغة ما ليس في أن يقال : ما فعلنا بهم كما مر في قوله تعالى : { لَيَسْجُنُنَّهُ } وقرىء وبُيِّن { وَضَرَبْنَا لَكُمُ الامثال } أي بينا لكم في القرآن العظيم على تقدير اختصاصِ الخطاب بالمنذَرين أو على ألسنة الأنبياءِ عليهم السلام على تقدير عمومِه لجميع الظالمين صفاتِ ما فعلوا وما فُعل بهم من الأمور التي هي في الغرابة كالأمثال المضروبةِ لكل ظالم ، لتعتبروا بها وتقيسوا أعمالَكم على أعمالهم ومآلَكم على مآلهم وتنتقلوا من حلول العذاب العاجلِ إلى حلول العذابِ الآجل فترتدعوا عما كنتم فيه من الكفر والمعاصي ، أو بيّنا لكم أنكم مثلُهم في الكفر واستحقاقِ العذاب ، والجملُ الثلاثُ في موقع الحال من ضمير أقسمتم ، أي أقسمتم بالخلود والحالُ أنكم سكنتم في مساكن المهلَكين بظلمهم وتبين لكم فعلُنا العجيبُ بهم ونبهناكم على جلية الحال بضرب الأمثالِ . (4/50)
وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (46)
وقوله عز وجل : (4/51)
{ وَقَدْ مَكَرُواْ مَكْرَهُمْ } حال من الضمير الأول في فعلنا بهم أو من الثاني أو منهما جميعاً ، وإنما قُدّم عليه قوله تعالى : { وَضَرَبْنَا لَكُمُ الامثال } لشدة ارتباطِه بما قبله أي فعلنا ، والحالُ أنهم قد مكروا في إبطال الحقِّ وتقديرِ الباطل مكرَهم العظيمَ الذي استفرغوا في عمله المجهودَ وجاوزوا فيه كل حد معهود ، بحيث لا يقدِر عليه غيرُهم ، فالمرادُ بيانُ تناهيهم في استحقاق ما فُعل بهم أو قد مكروا مكرَهم المذكورَ في ترتيب مبادىءِ البقاءِ ومدافعةِ أسبابِ الزوالِ ، فالمقصودُ إظهارُ عجزهم واضمحلالُ قدرتِهم وحقارتُها عند قدرة الله تعالى { وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ } أي جزاءُ مكرِهم الذي فعلوه ، على أن المكرَ مضافٌ إلى فاعله ، أو أخذُه تعالى بهم على أنه مضاف إلى مفعوله ، وتسميتُه مكراً لكونه بمقابلة مكرِهم وجوداً وذِكراً أو لكونه في صورة المكرِ في الإتيان من حيث لا يشعرون ، وعلى التقديرين فالمرادُ به ما أفاده قوله عز وجل : { كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ } لا أنه وعيدٌ مستأنفٌ ، والجملةُ حالٌ من الضمير في مكروا أي مكروا مكرَهم وعند الله جزاؤه أو ما هو أعظمُ منه ، والمقصودُ بيانُ فسادِ رأيِهم حيث باشروا فعلاً مع تحقق ما يوجب تركَه { وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ } في العِظَم والشدة { لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال } أي وإن كان مكرُهم في غاية المتانةِ والشدةِ ، وعبّر عن ذلك بكونه مسوًّى ومُعدًّا لإزالة الجبال عن مقارّها لكونه مثلاً في ذلك ، والجملةُ المصدرةُ بأن الوصليةِ معطوفةٌ على جملة مقدرة والمعنى وعند الله جزاءُ مكرهم أو المكرُ الذي يحيق بهم إن لم يكن مكرُهم لتزولَ منه الجبال وإن كان الخ ، وقد حُذف ذلك حذفاً مطرداً لدِلالة المذكور عليه دَلالةً واضحةً فإن الشيء إذا تحقق عند وجودِ المانعِ القويِّ فلأن يتحققَ عند عدمِه أولى ، وعلى هذه النُكتة يدور ما في أن الوصليةِ من التأكيد المعنوي ، والجواب محذوفٌ دل عليه ما سبق وهو قوله تعالى : { وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ } وقيل : إنْ نافية واللامُ لتأكيدها كما في قوله تعالى : { وَمَا كَانَ الله لِيُعَذّبَهُمْ } وينصره قراءة ابن مسعود رضي الله عنه وما كان مكرُهم ، فالجملة حينئذ حالٌ من الضمير في مكروا لا من قوله تعالى : { وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ } أي مكروا مكرَهم والحالُ أن مكرهم لم يكن لتزولَ منه الجبال على أنها عبارةٌ عن آيات الله تعالى وشرائعِه ومعجزاتِه الظاهرة على أيدي الرسلِ السالفةِ عليهم السلام التي هي بمنزلة الجبالِ الراسياتِ في الرسوخ ، وأما كونُها عبارةً عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم وأمرِ القرآن العظيم كما قيل فلا مجال له إذ الماكرون هم المهلَكون لا الساكنون في مساكنهم من المخاطبين وإن خُصّ الخطاب بالمنذرين ، وقيل : هي مخففةٌ من إنّ ، والمعنى إنه كان مكرُهم ليزول منه ما هو كالجبال في الثبات مما ذكر في الآيات والشرائعِ والمعجزات والجملةُ كما هي حال من ضمير مكروا أي مكروا مكرَهم المعهودَ وإنّ الشأنَ كان مكرُهم لإزالة الآياتِ والشرائعِ على أنه لم يكن يصحّ أن يكون منهم مكرٌ كذلك ، وكان شأنُ الآياتِ والشرائعِ مانعاً من مباشرة المكرِ لإزالته ، وقد قرأ الكسائي لَتزولُ بفتح اللام على أنها الفارقة ، والمعنى تعظيمُ مكرِهم فالجملةُ حالٌ من قوله تعالى : { وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ } أي عنده تعالى جزاءُ مكرهم أو المكرُ بهم والحال أن مكرهم بحيث تزول منه الجبالُ أي في غاية الشدة ، وقرىء بالفتح والنصب على لغة من يفتح لام كي وقرىء ( وإن كاد مكرهم ) هذا هو الذي يقتضيه النظمُ الكريم وينساق إليه الطبعُ السليم .
وقد قيل إن الضمير في مكروا للمنذَرين والمرادُ بمكرهم ما أفاده قوله عز وجل : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الذين كَفَرُواْ لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ } الآية ، وغيرُه من أنواع مكرهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولعل الوجهَ حينئذ أن يكون قوله تعالى : { وَقَدْ مَكَرُواْ } الخ ، حالاً من القول المقدر أي فيقال لهم ما يقال والحالُ أنهم مع ما فعلوا من الإقسام المذكورِ ، مع ما ينافيه من السكون في مساكن المهلَكين وتبيّن أحوالُهم وضرْبُ الأمثال قد مكروا مكرَهم العظيم أي لم يكن الصادر عنهم مجردَ الإقسام الذي وُبِّخوا به بل اجترؤا على مثل هذه العظيمة ، وقوله تعالى : { وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ } حالٌ من ضمير مكروا حسبما ذكرنا من قبل ، وقوله تعالى : { وَإِن كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الجبال } مسوقٌ لبيان عدم تفاوتِ الحال في تحقيق الجزاءِ بين كون مكرِهم قوياً أو ضعيفاً كما مر هناك وعلى تقدير كون إنْ نافيةً فهو حال من ضمير مكروا ، والجبالُ عبارةٌ عن أمر النبي صلى الله عليه وسلم أي وقد مكروا ، والحالُ أن مكرهم ما كان لتزول منه هاتيك الشرائعُ والآياتُ التي هي في القوة كالجبال ، وعلى تقدير كونها مخففةً من الثقيلة واللامُ مكسورةٌ يكون حالاً منه أيضاً على معنى أن ذلك المكرَ العظيم منهم كان لهذا الغرض ، على معنى أنه لم يكن يصح أن يكون منهم مكرٌ كذلك المكر لِما أن شأنَ الشرائعِ أعظم من أن يمكُرَ بها ماكرٌ ، وعلى تقدير فتح اللام فهو حالٌ من قوله تعالى : { وَعِندَ الله مَكْرُهُمْ } كما ذكرنا من قبل فليُتأمل . (4/52)
فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (47)
{ فَلاَ تَحْسَبَنَّ الله مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ } لم يرَدْ به والله سبحانه أعلم ما وعده بقوله تعالى : { إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا } الآية ، وقولِه : { كَتَبَ الله لاَغْلِبَنَّ أَنَاْ وَرُسُلِى } كما قيل فإنه لا اختصاصَ له بالتعذيب لا سيما الأخرويُّ ، بل ما سلف آنفاً من وعده بتعذيب الظالمين بقوله تعالى : { إِنَّمَا يُؤَخّرُهُمْ } الآية ، كما يُفصح عنه الفاءُ الداخلة على النهي الذي أريد به تثبيتُه عليه الصلاة والسلام على ما كان عليه من الثقة بالله تعالى والتيقّن بإنجاز وعدِه المذكور المقرونِ بالأمر بإنذارهم يوم إتيانِ العذاب المتضمِّنِ لذكر تعذيبِ الأممِ السالفة ، بسبب كفرِهم وعصيانِهم رسلَهم بعد ما وعدهم بذلك كما فُصّلت قصةُ كل منهم في القرآن العظيم ، فكأنه قيل : وإذ قد وعدناك بعذاب الظالمين يوم القيامة ، وأخبرناك بما يلقَوْنه من الشدائد ، وبما يسألونه من الرد إلى الدنيا ، وبما أجَبْناهم به وقرَعناهم بعدم تأملِهم في أحوال من سبَقهم من الأمم الذين أهلكناهم بظلمهم بعد ما وعدنا رسلَهم بإهلاكهم ، فدُمْ على ما كنت عليه من اليقين بعدم إخلافِنا رسلَنا وعدَنا { أَنَّ الله عَزِيزٌ } غالبٌ لا يماكَر وقادرٌ لا يقادَر { ذُو انتقام } لأوليائه من أعدائه ، والجملةُ تعليلٌ للنهي المذكور وتذييلٌ له ، وحيث كان الوعدُ عبارةً عما ذكرنا من تعذيبهم خاصة لم يذيَّل بأن يقال : إن الله لا يخلف الميعاد ، بل تعرض لوصف العزة والانتقامِ المُشعِرَين بذلك ، والمرادُ بالانتقام ما أشير إليه بالفعل وعبّر عنه بالمكر . (4/53)
يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (48) وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (49)
{ يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرض غَيْرَ الأرض } ظرفٌ لمضمر مستأنفٌ ينسحب عليه النهيُ المذكور أي ينجزه يوم الخ ، أو معطوفٌ عليه نحوُ وارتقب يومَ تبدّل الأرض غيرَ الأرض ، أو الانتقام وهو يوم يأتيهم العذابُ بعينه ولكن له أحوالٌ جمّة يُذكر كلَّ مرة بعنوان مخصوص ، والتقييدُ به مع عموم انتقامِه للأوقات كلها للإفصاح عما هو المقصودُ من تعذيب الكفرة المؤخرِ إلى ذلك اليوم بموجب الحكمةِ الداعيةِ إليه ، وقيل : بدلٌ من { يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العذاب } أو نُصب باذكرْ أو إضمارِ لا يخلف وعده يوم تبدل الخ ، وفيه أيضاً ما في الوجه الثالث من الحاجة إلى الاعتذار ، ولا يجوز أن ينتصب بقوله : مخلَف وعدِه لأن ما قبل إنّ لا يعمل فيما بعده ، وقيل : هو غيرُ مانع لأن قوله تعالى : { إِنَّ الله عَزِيزٌ ذُو انتقام } جملةٌ اعتراضية فلا يبالى بها فاصلاً . (4/54)
واعلم أن التبديلَ قد يكون في الذات كما في : بدلتُ الدراهمَ دنانيرَ وعليه قوله عز وجل : { بدلناهم جُلُوداً غَيْرَهَا } وقد يكون في الصفات كما في قولك : بدلتُ الحلْقةَ خاتماً إذا غيّرتَ شكلها ومنه قوله تعالى : { يُبَدّلُ الله سَيّئَاتِهِمْ حسنات } على بعض الأقوال ، والآية الكريمة ليست بنص في أحد الوجهين . فعن علي رضي الله عنه : « تبدل أرضاً من فضة وسمواتٍ من ذهب » وعن ابن مسعود رضي الله عنه : « تبدل الأرض بأرض كالفضة بيضاءَ نقيةٍ لم يُسفك فيها دمٌ ولم يعمَلْ عليها خطيئة » وعن ابن عباس رضي الله عنهما : « هي تلك الأرضُ وإنما تُغيّر صفاتُها » وأنشد
وما الناسُ بالناس الذين عهِدتهم ... وما الدارُ بالدار التي كنت تعلمُ
وتبدّلُ السموات بانتثار كواكبها وكسوفِ شمسِها وخسوفِ قمرِها وانشقاقها وكونها أبواباً ، ويدل عليه ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال : « تبدل الأرضُ غيرَ الأرض فتبسطُ وتمد مدَّ الأديمِ العُكَاظِيِّ لا ترى فيها عِوجاً ولا أمْتاً » { والسماوات } أي وتبدل السمواتُ غيرَ السموات حسبما مر من التفصيل ، وتقديمُ تبديلِ الأرض لقربها منا ولكون تبديلها أعظمَ أثراً بالنسبة إلينا .
{ وَبَرَزُواْ } أي الخلائق أو الظالمون المدلولُ عليهم بمعونة السباق ، والمرادُ بروزُهم من أجداثهم التي في بطون الأرضِ أو ظهورُهم بأعمالهم التي كانوا يعملونها سرًّا ويزعُمون أنها لا تظهر ، أو يعملون عمل من يزعمُ ذلك ، ولعل إسنادَ البروز إليهم مع أنه لأعمالهم للإيذان بتشكّلهم بأشكال تناسبها ، وهو معطوفٌ على تبدل ، والعدولُ إلى صيغة الماضي للدِلالة على تحقق وقوعِه ، أو حالٌ من الأرض بتقدير قد والرابطُ بينها وبين صاحبِها الواو { للَّهِ الواحد الْقَهَّارِ } للحساب والجزاء ، والتعرُّضُ للوصفين لتهويل الخطبِ وتربيةِ المهابة وإظهار بطلانِ الشركِ ، وتحقيقُ الانتقامِ في ذلك اليوم على تقدير كونِه ظرفاً له ، وتحقيقُ إتيان العذاب الموعودِ على تقدير كونِه بدلاً من يوم يأتيهم العذاب فإن الأمرَ إذا كان لواحد غلاّبٍ لا يعار وقادر لا يُضارّ ولا يغار كان في غاية ما يكون من الشدة والصعوبة .
{ وَتَرَى المجرمين } عطف على برزوا ، والعدولُ إلى صيغة المضارع لاستحضار الصورةِ أو للدلالة على الاستمرار ، وأما البروزُ فهو دفعيٌّ لا استمرار فيه وعلى تقدير حاليةِ برزوا فهو معطوفٌ على تبدل ويجوز عطفُه على عامل الظرف المقدم على تقدير كونِه ينجزه { يَوْمَئِذٍ } يومَ إذ برزوا له عز وجل أو يوم إذ تبدل الأرضُ أو يوم يُنجِز وعدَه { مُقْرِنِينَ } قُرن بعضهم مع بعض حسب اقترانهم في الجرائم والجرائر ، أو قُرنوا مع الشياطين الذين أغوَوْهم أو قرنوا مع ما اقترفوا من العقائد الزائغة والملَكات الردِيّة والأعمال السيئة غِبَّ تصور كلَ منها وتشكلهما بما يناسبهما من الصور الموحشة والأشكال الهائلة ، أو قرنت أيديهم وأرجلُهم إلى رقابهم وهو حال من المجرمين { فِى الأصفاد } في القيود أو الأغلال ، وهو إما متعلقٌ بقوله تعالى : { مُقْرِنِينَ } أو حال من ضميره أي مصفّدين . (4/55)
سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (50) لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (51)
{ سَرَابِيلُهُم } أي قُمصانهم { مّن قَطِرَانٍ } جملةٌ من مبتدإٍ وخبر محلُّها النصبُ على الحالية من المجرمين أو من ضميرهم في مقرنين رابطتها الضمير فقط كما في كلمتُه فوه إلى فيَّ ، أو مستأنفة ، والقطران ما ينحلب من الأيهل فيطبخ فتُهنَأُ به الإبلُ الجربى فيحرق الجرَبَ بما فيه من الحِدّة الشديدة ، وقد تصل حرارتُه إلى الجوف وهو أسودُ منتِنٌ يسرع فيه اشتعالُ النار يطلى به جلودُ أهل النار حتى يعودَ طلاؤُه لهم كالسراويل ليجتمع عليهم الألوانُ الأربعة من العذاب لذعُه وحرقتُه وإسراعُ النار في جلودهم واللونُ الموحش والنتَنُ على أن التفاوت بينه وبين ما نشاهده وبين النارين لا يكاد يقادَر قدرُه فكأن ما نشاهده منهما أسماءُ مسمَّياتِها في الآخرة ، فبِكَرمه العميمِ نعوذ وبكنفه الواسع نلوذ ويحتمل أن يكون ذلك تمثيلاً لما يحيط بجوهر النفس من الملكات الرديةِ والهَنات الوحشية فتجلُب إليها الآلام والغموم بل وأن يكون القطِرانُ المذكور عينَ ما لابسوه في هذه النشأة وجعلوا شعاراً لهم من العقائد الباطلة والأعمال السيئة المستجلبة لفنون العذاب قد تجسّدت في النشأة الآخرة بتلك الصورة المستتبعةِ لاشتداد العذاب عصَمنا الله سبحانه عن ذلك بمنه ولُطفه ، وقرىء قطرآنٍ أي نحاس مُذابٍ مُتناهٍ حرُّه . (4/56)
{ وتغشى وُجُوهَهُمْ النار } أي تعلوها وتحيط بها النارُ التي تمس جسدَهم المسَرْبلَ بالقطِران ، وتخصيصُ الوجوه بالحكم المذكورِ مع عمومه لسائر أعضائِهم لكونها أعزَّ الأعضاء الظاهرةِ وأشرفَها كقوله تعالى : { أَفَمَن يَتَّقِى بِوَجْهِهِ سُوء العذاب } الخ ، ولكونها مجمعَ المشاعرِ والحواسّ التي خُلقت لإدراك الحق وقد أعرضوا عنه ولم يستعملوها في تدبره ، كما أن الفؤادَ أشرفُ الأعضاء الباطنةِ ومحلُّ المعرفة وقد ملؤوها بالجهالات ، ولذلك قيل : { تَطَّلِعُ عَلَى الافئدة } أو لخلوّها عن القطِران المغني عن ذكر غشيانِ النار لها ، ولعل تخليتَها عنه ليتعارفوا عند انكشافِ اللهب أحياناً ويتضاعف عذابُهم بالخزي على رؤوس الأشهاد ، وقرىء تَغَشَّى أي تتغشى بحذف إحدى التاءين ، والجملةُ نصبٌ على الحالية لا على أن الواو حاليةٌ لأنه مضارعٌ مثبَتٌ بل على أنها معطوفةٌ على الحال قاله أبو البقاء .
{ لّيَجْزِىَ الله } متعلقٌ بمضمر أي يفعل بهم ذلك ليجزِيَ { كُلُّ نَفْسٍ } مجرمةٍ { مَّا كَسَبَتْ } من أنواع الكفرِ والمعاصي جزاءً موافقاً لعملها ، وفيه إيذانٌ بأن جزاءَهم مناسبٌ لأعمالهم ، أو بقوله : برزوا على تقدير كونِه معطوفاً على تُبدّل ، والضمير للخلق ، وقوله : وترى المجرمين الخ ، اعتراضٌ بين المتعلِّق والمتعلَّق به أي برزوا للحساب ليجزيَ الله كلَّ نفس مطيعةٍ أو عاصية ما كسبت من خير أو شر ، وقد اكتُفي بذكر عقاب العُصاة تعويلاً على شهادة الحال لا سيما مع ملاحظة سبق الرحمةِ الواسعة { إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب } إذ لا يشغَله شأنٌ عن شأن فيُتمُّه في أعجل ما يكون من الزمان فيوفّي الجزاءَ بحسبه ، أو سريعُ المجيء يأتي عن قريب ، أو سريعُ الانتقام كما قال ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى : { وَهُوَ سَرِيعُ الحساب . }
هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (52)
{ هذا } أي ما ذكر من قوله سبحانه : { وَلاَ تَحْسَبَنَّ الله غافلا } إلى قوله : { سَرِيعُ الحساب } { بَلاَغٌ } كفايةٌ في العظة والتذكيرِ من غير حاجة إلى ما انطوى عليه السورةُ الكريمة أو كلُّ القرآن المجيدِ من فنون العظات والقوارعِ { لِلنَّاسِ } للكفار خاصةً على تقدير اختصاصِ الإنذار بهم في قوله تعالى : { وَأَنذِرِ الناس } أو لهم وللمؤمنين كافةً على تقدير شمولِه لهم أيضاً وإن كان ما شرح مختصاً بالظالمين { وَلِيُنذَرُواْ بِهِ } عطفٌ على مقدر واللامُ متعلقةٌ بالبلاغ أي كفاية لهم في أن يُنصَحوا أو ينذَروا به ، أو هذا بلاغٌ لهم ليفهموه ولينذَروا به ، على أن البلاغَ بمعنى الإبلاغ كما في قوله تعالى : { وَمَا عَلَى الرسول إِلاَّ البلاغ } أو متعلقة بمحذوف أي ولينذَروا به أُنزل أو تُليَ ، وقرىء لينذروا به من نذر بالشيء إذا علِمه وحذِره واستعدّ له . (4/57)
{ وَلِيَعْلَمُواْ } بالتأمل فيما فيه من الدلائل الواضحةِ هي إهلاكُ الأمم وإسكانُ آخرين ( في ) مساكنهم ، وغيرُهما مما سبق ولحِق { إِنَّمَا هُوَ إله وَاحِدٌ } لا شريكَ له ، وتقديمُ الإنذار لأنه الداعي إلى التأمل المؤدِّي إلى ما هو غايةٌ له من العلم المذكور والتذكر في قوله تعالى : { وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ الألباب } أي ليتذكروا ما كانوا يعملونه من قبلُ من التوحيد وغيرِه من شؤون الله عز وجل ومعاملتِه مع عباده فيرتدعوا عما يُرديهم من الصفات التي يتصف بها الكفارُ ويتدرعوا بما يُحظيهم من العقائد الحقةِ والأعمال الصالحةِ ، وفي تخصيص التذكرِ بأولي الألباب تلويحٌ باختصاص العلمِ بالكفار ودَلالةٌ على أن المشارَ إليه بهذا ما ذكرنا من القوارع المَسوقةِ لشأنهم لا كلُّ السورةِ المشتملةِ عليها على ما سيق للمؤمنين أيضاً ، فإن فيه ما يفيدهم فائدةً جديدةً ، وحيث كان ما يفيده البلاغُ من التوحيد وما يترتب عليه من الأحكام بالنسبة إلى الكفرة أمراً حادثاً وبالنسبة إلى أولي الألباب الثباتَ على ذلك حسبما أُشير إليه عن الأول بالعلم وعن الثاني بالتذكر ، ورُوعيَ ترتيبُ الوجودِ مع ما فيه من الختم بالحسنى والله سبحانه أعلم . . ختم الله لنا بالسعادة والحسنى ورزقنا الفوز بمرضاته في الأولى والعقبى آمين .
عن النبي صلى الله عليه وسلم : « من قرأ سورةَ إبراهيمَ أعطيَ من الأجر عشرَ حسناتٍ بعدد مَنْ عبدَ الأصنامَ ومن لم يعبُدْ » والحمد لله وحده .
الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآَنٍ مُبِينٍ (1) رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (2)
{ الر } قد مر الكلام فيه وفي محله في مطلع سورة الرعدِ وأخواتِها { تِلْكَ } إشارةٌ إليه أي تلك السورةُ العظيمةُ الشأن { الكتاب الحكيم } الكاملِ المعهود الغنيِّ عن الوصف به المشهورُ بذلك من بين الكتب الحقيقُ باختصاص اسمِ الكتاب به على الإطلاق ، أي بعضٌ منه مترجمٌ مستقلٌّ باسم خاصَ فهو عبارةٌ عن جميع القرآن أو عن الجميع المنزَلِ إذ ذاك إذ هو المتسارِعُ إلى الفهم حينئذ عند الإطلاق وعليه يترتب فائدةُ وصف الآياتِ بنعت ما أضيفت إليه من نعوت الكمالِ لا على جعله عبارةً عن السورة ، إذ هي في الاتصاف بذلك ليست بتلك المرتبةِ من الشهرة حتى يستغنى عن التصريح بالوصف على أنها عبارةٌ عن جميع آياتها ، فلا بد من جعل ( تلك ) إشارةٌ إلى كل واحد منها ، وفيه من التكلف ما لا يخفى كما ذكر في سورة الرعد { وَقُرْءانَ } أي قرآنٍ عظيمِ الشأن { مُّبِينٌ } مظهر لما في تضاعيفه من الحِكَم والأحكام أو لسبيل الرشدِ والغيِّ أو فارقٍ بين الحق والباطل والحلالِ والحرام ، ولقد فُخّم شأنه العظيم مع ما جُمع فيه من وصفي الكتابية والقرآنية على الطريقتين ، إحداهما اشتمالُه على صفات كمالِ جنس الكتبِ الإلهية فكأنه كلُّها ، والثانيةُ طريقةُ كونِه ممتازاً عن غيره نسيجَ وحدِه بديعاً في بابه خارجاً عن دائرة البيانِ ، وأُخّرت الثانية لما أن الإشارةَ إلى امتيازه عن سائر الكتبِ بعد التنبيه على انطوائه على كمالات غيرِه من الكتب أدخلُ في المدح كيلا يُتوَهّم من أول الأمرِ أن امتيازَه عن غيره لاستقلاله بأوصاف خاصةٍ به من غير اشتمالٍ على نعوت كمالِ سائرِ الكتب الكريمة ، وهكذا الكلامُ في فاتحة سورةِ النمل خلا أنه قُدّم فيها القرآنُ على الكتاب لما سيذكر هناك . ولمّا بيِّن كونُ السورة الكريمةِ بعضاً من الكتاب والقرآنِ لتوجيه المخاطَبين إلى حُسن تلقّي ما فيها من الأحكام والقِصص والمواعظ شُرع في بيان ما تتضمّنه فقيل : (4/58)
{ رُّبَمَا } بضم الراء وتخفيف الباء المفتوحةِ ، وقرىء بالتشديد وبفتح الراء مخففاً وبزيادة التاء مشدداً ، وفيه ثماني لغات : فتح الراء وضمها مشدداً ومخففاً وبزيادة التاء أيضاً مشدداً ومخففاً ، ورُبّ حرفُ جر لا يدخُل إلا على الاسم ، وما كافةٌ مصحّحةٌ لدخوله على الفعل وحقُّه الدخولُ على الماضي ، ودخولُه على قوله تعالى : { يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ } لما أن المترقَّب في أخباره تعالى كالماضي المقطوعِ في تحقيق الوقوع ، فكأنه قيل : ربما وَد الذين كفروا ، والمرادُ كفرُهم بالكتاب والقرآن وبكونه من عند الله تعالى { لَوْ كَانُواْ مُسْلِمِينَ } منقادين لحكمه ومذعِنين لأمره ، وفيه إيذانٌ بأن كفرَهم إنما كان بالجحود بعد ما علموا كونَه من عند الله تعالى ، وتلك الوَدادةُ يومَ القيامة أو عند موتهم أو عند معاينةِ حالِهم وحال المسلمين ، أو عند رؤيتهم خروجَ عصاةِ المسلمين من النار .
روى أبو موسى الأشعريُّ رضي الله عنه أنه قال النبي صلى الله عليه وسلم : « إذا كان يوم القيامة واجتمع أهلُ النار في النار ومعهم مَنْ شاء الله تعالى من أهل القِبلة قال لهم الكفارُ : ألستم مسلمين؟ قالوا : بلى ، قالوا : فما أغنى عنكم إسلامُكم وقد صِرتم معنا إلى النار؟ قالوا : كانت لنا ذنوبٌ فأُخِذْنا بها ، فيغضب الله سبحانه لهم بفضل رحمته فيأمُر بكل من كان من أهل القِبلة في النار فيخرجون منها فحينئذ يوَدّ الذين كفروا لو كانوا مسلمين » وروى مجاهد عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : لا يزال الربُّ يرحم ويُشفع إليه حتى يقول مَنْ كان من المسلمين فليدخُل الجنة ، فعند ذلك يتمنَّوْن الإسلام . والحقُّ أن ذلك محمولٌ على شدة وَدادتِهم وأما نفسُ الودادةِ فليست بمختصة بوقت دون وقت بل هي مقرَّرة مستمرّةٌ في كل آن يمر عليهم ، وأن المراد بيانُ ذلك على ما هو عليه من الكثرة وإنما جيء بصيغة التقليلِ جرياً على سنن العرب فيما يقصِدون به الإفراط فيما يعكسون عنه ، تقول لبعض قوادِ العساكر : كم عندك من الفرسان؟ فيقول : ربَّ فارسٍ عندي ، أو لا تعدمُ عندي فارساً وعنده مناقبُ جمّةٌ من الكتائب ، وقصدُه في ذلك التماري في تكثير فرسانه ولكنه يريد إظهارَ براءته من التزيد وإبرازَ أنه ممن يقلل لعلو الهمة كثيرَ ما عنده فضلاً عن تكثير القليل ، وهذه طريقةٌ إنما تسلك إذا كان الأمر من الوضوح بحيث لا يحوم حوله شائبةُ ريب فيُصار إليه هضماً للحق ، فدل النظمُ الكريم على وَدادةِ الكافرين للإسلام في كل آن من آنات اليومِ الآخر ، وأن ذلك من الظهور بحيث لا يشتبه على أحد ولو جيء بكلام يدل على ضده وعلى أن تلك الودادةَ مع كثرتها في نفسها مما يُستقل بالنسبة إلى جناب الكبرياءِ ، وهذا هو الموافقُ لمقام بيانِ حقارةِ شأنِ الكفارِ وعدمِ الاعتدادِ بما هم فيه من الكفر والتكذيب كما ينطق به قوله تعالى : { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ } الآية ، أو ذهاباً إلى الإشعار بأن من شأن العاقلِ إذا عنّ له أمرٌ يكون مظنونَ الحمد ، أو قليلاً ما يكون كذلك أن لا يفارقَه ولا يقارِفَ ضدّه ، فكيف إذا كان متيقن الحمد؟ كما في قولهم : لعلك ستندم على ما فعلت ، وربما ندِم الإنسان على ما فعل ، فإن المقصودَ ليس بيانَ كونِ الندم مرجوَّ الوجود بلا تيقن به ، أو قليلَ الوقوع بل التنبيهُ على أن العاقلَ لا يباشر ما يرجى فيه الندم أو يقِلّ وقوعُه فيه ، فكيف بقطعيّ الوقوع؟ وأنه يكفي قليلُ الندم في كونه حاجزاً عن ذلك الفعلِ ، فكيف كثيرُه؟ والمقصودُ من سلوك هذه الطريقة إظهارُ الترفع والاستغناءِ عن التصريح بالغرض بناءً على ادعاء ظهورِه فالمعنى لو كانوا يودون الإسلامَ مرة واحدة لوجب عليهم أن يفارقوه ، فكيف وهم يودّونه كل آن؟ وهذا أوفقُ بمقام استنزالِهم عما هم عليه من الكفر ، وهذان طريقان متمايزانِ ذاتاً ومقاماً فمن ظنَّهما واحداً فقد نأى عن توفية المقام حقَّه . (4/59)
ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (3)
{ ذَرْهُمْ } دعْهم عن النهي عما هم عليه بالتذكرة والنصيحة إذ لا سبيل إلى ارعوائهم عن ذلك ، وبالِغْ في تخليتهم وشأنَهم بل مُرْهم بتعاطي ما يتعاطَوْنه { يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ } بدنياهم ، وفي تقديم الأكل إيذانٌ بأن تمتعَهم إنما هو من قبيل تمتعِ البهائم بالمآكل والمشارب ، والمرادُ دوامُهم على ذلك لا إحداثُه ، فإنهم كانوا كذلك ، أو تمتعُهم بلا استماعِ ما ينغص عيشَهم من القوارع والزواجر ، فإن التمتعَ على ذلك الوجه أمرٌ حادث يصلُح أن يكون مترتباً على تخليتهم وشأنَهم { وَيُلْهِهِمُ } ويَشْغَلْهم عن اتباعك أو عن التفكر فيما هم يصيرون إليه أو عن الإيمان والطاعة ، فإن الأكلَ والتمتعُ يفضيان إلى ذلك { الأمل } والتوقعُ لطول الأعمارِ وبلوغِ الأوطار واستقامةِ الأحوال وألا يَلْقَوا في العاقبة والمآل إلا خيراً ، فالأفعالُ الثلاثة مجزومةٌ على الجوابية للأمر حسبما عرفتَ من تضمن الأمرِ بالترك للأمر بها على طريقة المجاز ، أو على أن يكون المرادُ بالأفعال المرقومة مباشرَتهم لها غافلين عن وخامة عاقبتها غيرَ سامعين لسوء مَغَبَّتها أصلاً ولا ريب في ترتب ذلك على الأمر بالترك فإن النهيَ عما هم عليه من ارتكاب القبائحِ مما يشوّش عليهم تمتعَهم وينغّص عليهم عيشَهم فأُمر عليه السلام بتركه ليتمرّغوا فيما هم فيه من حظوظهم فيدهَمَهم وهم عنه غافلون { فَسَوفَ يَعْلَمُونَ } سوءَ صنيعهم أو وخامةَ عاقبته أو حقيقةَ الحال التي ألجأتْهم إلى التمني المذكور حيث لم يعلموا ذلك من جهتك ، وهو مع كونه وعيداً أيَّما وعيدٍ وتهديداً غِبَّ تهديدٍ ، تعليلٌ للأمر بالترك فإن علمَهم ذلك علةٌ لترك النهي والنصيحةِ لهم ، وفيه إلزامٌ للحجة ومبالغةٌ في الإنذار إذ لا يتحقق الأمرُ بالصد إلا بعد تكررِ الإنذارِ وتقرّرِ الجحود والإنكار ، وكذلك ما ترتب عليه من الأكل والتمتع والإلهاء . (4/60)
وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا وَلَهَا كِتَابٌ مَعْلُومٌ (4) مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (5) وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (6)
{ وَمَآ أَهْلَكْنَا } شروعٌ في بيان سرِّ تأخيرِ عذابهم إلى يوم القيامة وعدمِ نظمِهم في سلك الأمم الدارجةِ في تمحيل العذاب أي ما أهلكنا { مِن قَرْيَةٍ } من القرى بالخَسف بها وبأهلها كما فُعل ببعضها أو بإخلائها عن أهلها غِبَّ إهلاكِهم كما فُعل بآخرين { إِلاَّ وَلَهَا } في ذلك الشأن { كِتَابٌ } أي أجلٌ مقدرٌ مكتوبٌ في اللوح واجبُ المراعاة بحيث لا يمكن تبديلُه لوقوعه حسب الحكمةِ المقتضيةِ له { مَّعْلُومٌ } لا يُنسى ولا يُغفل عنه حتى يُتصورَ التخلفُ عنه بالتقدم والتأخر ، فكتابٌ مبتدأٌ خبرُه الظرفُ ، والجملةُ حالٌ من ( قرية ) فإنها لعمومها لا سيما بعد تأكّدِه بكلمة مِنْ في حكم الموصوفة كما أشير إليه ، والمعنى ما أهلكنا قريةً من القرى في حال من الأحوال إلا حالَ أن يكون لها كتابٌ أي أجلٌ موقتٌ لمهلِكها قد كتبناه لا نُهلكها قبل بلوغِه ، معلومٌ لا يُغفل عنه حتى يمكنَ مخالفتُه بالتقدم والتأخر ، أو مرتفعٌ بالظرف والجملةُ كما هي حال ، أي ما أهلكنا قريةً من القرى في حال من الأحوال إلا وقد كان لها في حق هلاكِها كتابٌ أي أجلٌ مقدّرٌ مكتوبٌ في اللوح معلومٌ لا يُغفل عنه ، أو صفة لكن لا للقرية المذكورة بل للمقدرة التي هي بدلٌ من المذكورة على المختار فيكون بمنزلة كونِه صفةً للمذكورة ، أي ما أهلكنا قريةً من القرى إلا قريةً لها كتابٌ معلوم كما في قوله تعالى : { لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلاَّ مِن ضَرِيعٍ * لاَّ يُسْمِنُ } فإن قوله تعالى : { لاَّ يُسْمِنُ } صفةٌ لكن لا للطعام المذكورِ لأنه إنما يدلّ على انحصار طعامِهم الذي لا يُسمن في الضريع ، وليس المرادُ ذلك بل للطعام المقدر بعد إلا ، أي ليس لهم طعامٌ من شيء من الأشياء إلا طعامٌ لا يُسمن ، فليس فيه فصلٌ بين الموصوف والصفة بكلمة إلا كما تُوُهم ، وأما توسيطُ الواو بينهما وإن كان القياسُ عدمَه فللإيذان بكمال الالتصاقِ بينهما من حيث إن الواوَ شأنُها الجمعُ والربطُ ، فإن ما نحن فيه من الصفة أقوى لُصوقاً بالموصوف منها به في قوله تعالى : { وَمَا أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ إِلاَّ لَهَا مُنذِرُونَ } فإن امتناعَ الانفكاك والإهلاكِ عن الأجل المقدرِ عقليٌّ ، وعن الإنذار عاديٌّ ، جرى عليه السنةُ الإلهية . (4/61)
ولما بيّن أن الأممَ المهلَكة كان لكل منهم وقتٌ معين لهلاكهم وأن هلاكَهم لم يكن إلا حسبما كان مكتوباً في اللوح ، بيّن أن كلَّ أمةٍ من الأمم منهم ومن غيرهم لها كتابٌ لا يمكن التقدمُ عليه ولا التأخر عنه فقيل :
{ مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ } من الأمم المهلَكة وغيرِهم { أَجَلُهَا } المكتوبَ في كتابها ، أي لا يجيء هلاكُها قبل مجيءِ كتابِها ، أو لا تمضي أمةٌ قبل مُضيِّ أجلها ، فإن السبْقَ إذا كان واقعاً على زمانيّ فمعناه المجاوزةُ والتخليف ، فإذا قلت : سبق زيدٌ عمْراً ، فمعناه أنه جاوزه وخلّفه وراءه ، وإذا كان واقعاً على زمان كان الأمرُ بالعكس ، والسرُّ في ذلك أن الزمانَ يعتبر فيه الحركةُ والتوجّه إلى المتكلم فما سبَقه يتحقق قبل تحققِه ، وأما الزمانيُّ فإنما يعتبر فيه الحركةُ والتوجّه إلى ما سيأتي من الزمان ، فالسابقُ ما تقدم إلى المقصِد ، وإيرادُه بعنوان الأجل باعتبار ما يقتضيه من السبق كما أن إيرادَه بعنوان الكتابِ المعلوم باعتبار ما يوجبه من الإهلاك { وَمَا يَسْتَئْخِرُونَ } أي وما يتأخرون ، وصيغةُ الاستفعال للإشعار بعجزهم عن ذلك مع طلبهم له ، وإيثارُ صيغةِ المضارع في الفعلين بعد ما ذُكر نفيُ الإهلاكِ بصيغة الماضي ، لأن المقصودَ بيانُ دوامِهما واستمرارِهما فيما بين الأمم الماضية والباقية ، وإسنادُهما إلى الأمة بعد إسنادِ الإهلاكِ إلى القرية لما أن السبقَ والاستئخارَ حالُ الأمةِ دون القرية مع ما في الأمة من العموم لأهل تلك القرى وغيرِهم ممن أُخِّرت عقوباتُهم إلى الآخرة ، وتأخيرُ ذكر عدمِ سبقِهم مع كون المقام مقامَ المبالغةِ في بيان تحققِ عذابِهم ، إما باعتبار تقدّمِ السبقِ في الوجود وإما باعتبار أن المرادَ بيانُ سرِّ تأخيرِ عذابِهم مع استحقاقهم لذلك ، وإيرادُ الفعل على صيغة جمع المذكرِ للحمل على المعنى مع التغليب ولرعاية الفواصلِ ، ولذلك حُذف الجار والمجرور ، والجملةُ مبينة لما سبق والمعنى أن تأخيرَ عذابِهم إلى يوم القيامة حسبما أشير إليه ببيان وَدادتِهم للإسلام إذ ذاك ، وبالأمر بتركهم وشأنَهم إلى أن يعلموا حقيقةَ الحال إنما هو لتأخّر أجلِهم المقدرِ لما يقتضيه من الحِكَم البالغةِ ، ومن جملتها ما علم الله تعالى من إيمان بعضِ من يخرُجُ منهم إلى يوم القيامة .
{ وَقَالُواْ } شروعٌ في بيان كفرِهم بمن أنزل عليه الكتابُ بعد بيانِ كفرهم بالكتاب وما يؤول إليه حالُهم ، والقائلون مشركو مكةَ لغاية تماديهم في العتوّ والغي { يأَيُّهَا الذى نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر } خاطبوا به رسولَ الله صلى الله عليه وسلم لا تسليماً لذلك واعتقاداً له ، بل استهزاءً به عليه الصلاة والسلام وإشعاراً بعلة حكمِهم الباطل في قولهم : { إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ } كدأب فرعونَ إذ قال : { إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ } يعنون يا من يدّعي مثل هذا الأمر البديعِ الخارقِ للعادات ، إنك بسبب تلك الدعوى أو بشهادة ما يعتريك عندما تدّعي أنه ينزل عليك لمجنون ، وتقديمُ الجارِّ والمجرور على القائم مَقامَ الفاعل لأن إنكارهم متوجِّهٌ إلى كون النازل ذِكْراً من الله تعالى ، لا إلى كون المنزَّلِ عليه رسولَ الله بعد تسليم كون النازلِ منه تعالى كما في قوله تعالى : { لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ } فإن الإنكارَ هناك متوجهٌ إلى كون المنزَّلِ عليه رسولَ الله تعالى ، وإيرادُ الفعل على صيغة المجهولِ لإيهام أن ذلك ليس بفعل له فاعلٌ أو لتوجيه الإنكارِ إلى كون التنزيلِ عليه لا إلى استناده إلى الفاعل . (4/62)
لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (7) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (8)
{ لوْ مَا تَأْتِينَا } كلمة لو عند تركّبها مع ( ما ) تفيد ما تفيده عند تركبها مع ( لا ) من معنى امتناعِ الشيء لوجود غيرِه ومعنى التحضيض ، خلا أنه عند إرادتِه لا يليها إلا فعلٌ ظاهرٌ أو مضمرٌ ، وعند إرادةِ المعنى الأول لا يليها إلا اسمٌ ظاهرٌ أو مقدر عند البصريين ، والمرادُ هاهنا هو الثاني أي هلا تأتينا { بالملئكة } يشهدون بصحة نبوتِك ويعضدونك في الإنذار كقوله تعالى : { لَوْلا أُنزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ * فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً } أو يعاقبونا على التكذيب كما تأتي الأممُ المكذّبة لرسلهم { إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } في دعواك ، فإن قدرةَ الله تعالى على ذلك مما لا ريب فيه ، وكذا احتياجُك إليه في تمشية أمرِك فإنا لا نصدقك بدون ذلك ، أو كنت من جملة تلك الرسلِ الصادقين الذين عُذّبت أممهم المكذبة لهم . (4/63)
{ مَا نُنَزّلُ الملائكة } بالنون على بناء الفعل لضمير الجلالة من التنزيل ، وقرىء من الإنزال ، وقرىء تُنَزّل مضارعاً من التنزيل على صيغة البناء للمفعول ، ومن التنزّل بحذف إحدى التاءين ، وماضياً منه ومن التنزيل ومن الثلاثي ، وهو كلامٌ مسوق إلى النبي صلى الله عليه وسلم جواباً لهم عن مقالتهم المَحْكية ورداً لاقتراحهم الباطلِ ، ولشدة استدعاءِ ذلك للجواب قُدّم ردُّه على ما هو جوابٌ عن أولها أعني قوله : { إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر } الآية ، كما فُعل في قوله تعالى : { قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله } فإنه مع كونه جواباً عن قولهم : { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } قُدّم على قوله : { وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى } الآية ، مع كونه جواباً عن أول كلامِهم الذي هو قولُهم : { قَالُواْ يانوح قَدْ جَادَلْتَنَا } لِما ذُكر من شدة اقتضائِه للجواب وليكونَ أحدُ الجوابين متصلاً بالسؤال ، وفي العكس يلزَم انفصالُ كلَ من الجوابين عن سؤاله ، والعدولُ عن تطبيقه لظاهر كلامِهم بصدد الاقتراحِ وهو أن يقال : ما تأتيهم بهم للإيذان بأنهم قد أخطأوا في التعبير حسبما أخطأوا في الاقتراح ، وأن الملائكةَ لعلوّ رتبتهم أعلى من أن يُنسَبَ إليهم مطلقُ الإتيان الشاملِ للانتقال من أحد الأمكنة المتساوية إلى الآخر منها ، بل من الأسفل إلى الأعلى وأن يكون مقصِدُ حركاتهم أولئك الكفرةَ وأن يدخلوا تحت ملكوتِ أحدٍ من البشر ، وإنما الذي يليق بشأنهم النزولُ من مقامهم العالي وكونُ ذلك بطريق التنزيل من جناب الرب الجليل { إِلاَّ بالحق } أي ملتبساً بالوجه الذي يحِق ملابسةُ التنزيل به مما تقتضيه الحكمةُ وتجري به السنةُ الإلهية كقوله سبحانه : { وَمَا خَلَقْنَا السموات والأرض وَمَا بَيْنَهُمَا إِلاَّ بالحق } والذي اقترحوه من التنزيل لأجل الشهادة لديهم وهم هُمْ ومنزلتُهم في الحقارة والهوانِ منزلتُهم ، مما لا يكاد يدخل تحت الصِّحة والحِكمة أصلاً ، فإن ذلك من باب التنزيلِ بالوحي الذي لا يكاد يُفتح على غير الأنبياء الكرام من أفراد كُمَّلِ المؤمنين ، فكيف على أمثال أولئك الكفرة اللئامِ؟ وإنما الذي يدخُل في حقهم تحت الحكمةِ في الجملة هو التنزيلُ للتعذيب والاستئصالِ كما فُعل بأضرابهم من الأمم السالفة ولو فعل ذلك لاستؤصلوا بالمرة .
{ وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ } جزاءُ الشرط مقدّرٌ وفيه إيذانٌ بإنتاج مقدِّماتهم لنقيض مطلوبِهم كما في قوله تعالى : { وَأَذّن لاَّ يَلْبَثُونَ خلافك إِلاَّ قَلِيلاً } قال صاحب النظم : لفظةُ إذن مركبةٌ من إذ وهو اسمٌ بمعنى الحين ، تقول : أتيتُك إذ جئتني أي حين جئتني ثم ضُمّ إليه أنْ فصار إذْ أن ثم استثقلوا الهمزةَ فحذفوها ، فمجيءُ لفظة أن دليلٌ على إضمار فعلٍ بعدها والتقدير وما كانوا إذ أَنْ كان ما طلبوه منظَرين ، والمعنى لو نزّلناهم ما كانوا مؤخَّرين كدأب سائرِ الأممِ المكذبة المستهزِئة ، ومع استحقاقهم لذلك قد جرى قلمُ القضاء بتأخير عذابِهم إلى يوم القيامة حسبما أُجمل في قوله تعالى : { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الأمل } الخ ، وحال حائلُ الحكمةِ بينهم وبين استئصالِهم لتعلق العلمِ والإرادة بازديادهم عذاباً بإيمان بعضِ ذراريهم ، وأما نظمُ إيمانِ بعضهم في سِمْط الحكمةِ فيأباه مقامُ بيانِ تماديهم في الكفر والفساد ولَجاجِهم في المكابرة والعِناد ، هذا هو الذي يستدعيه إعجازُ التنزيلِ الجليل ، وأما ما قيل في تعليل عدمِ موافقةِ التنزيل للحكمة من أنهم حينئذ يكونون مصدّقين عن اضطرار ، أو أنه لا حكمةَ في أن تأتيَكم بصور تشاهدونها فإنه لا يزيدكم إلا لَبساً ، أو أن إنزالَ الملائكة لا يكون إلا بالحق وحصولِ الفائدةِ بإنزالهم ، وقد علم الله تعالى من حال هؤلاء الكفارِ أنه لو أَنزل إليهم الملائكةَ لبقُوا مُصرّين على كفرهم فيصير إنزالُهم عبثاً باطلاً ولا يكون حقًّا ، فمع إخلال كلَ من ذلك بقطعية الباقي لا يلزَم من فرض وقوعِ شيءٍ من ذلك تعجيلُ العذاب الذي يفيده قوله تعالى : { وَمَا كَانُواْ إِذًا مُّنظَرِينَ } هذا على تقدير كونِ اقتراحِهم لإتيان الملائكة لأجل الشهادة ، أما على تقدير كون ذلك لتعذيبهم فالمعنى إنا ما نُنزل الملائكةَ للتعذيب إلا تنزيلاً ملتبساً بالحق الذي تقتضيه الحِكمةُ وتستدعيه المصلحة حتماً ، بحيث لا محيد عنه ، ولو نزلناهم حسبما اقترحوا ما كان ذلك التنزيلُ ملتبساً بمقتضى الحِكمة الموجبةِ لتأخير عذابِهم إلى يوم القيامة ، لا رفقاً بهم بل تشديداً عليهم كما مر من قبل ، وحيث كان في نسبة تنزيلِهم للتعذيب إلى عدم موافقتِه الحكمةَ نوعُ إيهامٍ لعدم استحقاقِهم التعذيب عُدِل عما يقتضيه الظاهرُ إلى ما عليه النظم الكريم ، فكأنه قيل : لو نزلناهم ما كانوا منظَرين وذلك غيرُ موافقٍ للحكمة الموجِّهة لتأخير عذابِهم لتشديد عقابِهم ، وقيل : المرادُ بالحق الوحيُ ، وقيل : العذاب فتدبر . (4/64)
إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (9) وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي شِيَعِ الْأَوَّلِينَ (10) وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (11) كَذَلِكَ نَسْلُكُهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (12)
{ إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذكر } ردٌّ لإنكارهم التنزيلَ واستهزائِهم برسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك وتسليةٌ له ، أي نحن بعِظَم شأنِنا وعلوِّ جنابنا نزلنا ذلك الذكرَ الذي أنكروه وأنكروا نزولَه عليك ونسبوك بذلك إلى الجنون وعَمَّوا مُنزِّله ، حيث بنوَا الفعلَ للمفعول إيماءً إلى أنه أمرٌ لا مصدرَ له وفعلٌ لا فاعلَ له { وَإِنَّا لَهُ لحافظون } من كل ما لا يليق به ، فيدخل فيه تكذيبُهم له واستهزاؤُهم به دخولاً أولياً فيكون وعيداً للمستهزئين ، وأما الحفظُ عن مجرد التحريفِ والزيادة والنقصِ وأمثالِها فليس بمقتضى المقام ، فالوجهُ الحملُ على الحفظ من جميع ما يقدح فيه من الطعن فيه والمجادلةِ في حقّيته ، ويجوزُ أن يراد حفظُه بالإعجاز دليلاً على التنزيل من عنده تعالى إذ لو كان من عند غير الله لتطرّق عليه الزيادةُ والنقصُ والاختلاف ، وفي سبك الجملتين من الدلالة على كمال الكبرياءِ والجلالة وعلى فخامة شأنِ التنزيل ما لا يخفى ، وفي إيراد الثانيةِ بالجملة الاسمية دلالةٌ على دوام الحفظِ والله سبحانه أعلم ، وقيل : الضمير المجرورُ للرسول صلى الله عليه وسلم كقوله تعالى : { والله يَعْصِمُكَ مِنَ الناس } وتأخيرُ هذا الكلام وإن كان جواباً عن أول كلامِهم الباطلِ ، ورداً له لما ذكر آنفاً ولارتباطه بما يعقُبه من قوله تعالى : (4/65)
{ وَلَقَدْ أَرْسَلنَا } أي رسلاً ، وإنما لم يُذكر لدلالة ما بعده عليه { مِن قَبْلِكَ } متعلقٌ بأرسلنا أو بمحذوف هو نعتٌ للمفعول المحذوفِ أي رسلاً كائنةً من قبلك { فِى شِيَعِ الأولين } أي فِرَقِهم وأحزابهم جمع شيعة ، وهي الفِرقةُ المتّفقة على طريقة ومذهب ، من شاعه إذا تبِعه ، وإضافتُه إلى الأولين من إضافة الموصوفِ إلى صفته عند الفرّاء ، ومن حذف الموصوف عند البصريين أي شيعِ الأممِ الأولين ، ومعنى إرسالِهم فيهم جعلُ كل منهم رسولاً فيما بين طائفةٍ منهم ليتابعوه في كل ما يأتي ويذر من أمور الدين .
{ وَمَا يَأْتِيهِم مّن رَّسُولٍ } المرادُ نفيُ إتيانِ كل رسولٍ لشيعته الخاصة به لا نفيُ إتيان كل رسول لكل واحدة من تلك الشيعِ جميعاً ، أو على سبيل البدلِ ، وصيغةُ الاستقبال لاستحضار الصورةِ على طريقة حكايةِ الحالِ الماضية ، فإن ( ما ) لا تدخل في الأغلب على مضارع إلا وهو في معنى الحال ، ولا على ماض إلا وهو قريب من الحال ، أي ما أتى شيعةً من تلك الشيعِ رسولٌ خاصٌّ بها { إِلاَّ كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِؤون } كما يفعله هؤلاء الكفرةُ ، والجملة في محل النصب على أنها حال مقدّرة من ضمير المفعول في يأتيهم إذا كان المرادُ بالإتيان حدوثَه ، أو في محل الرفع على أنها صفةُ رسول فإنه محلَّه الرفعُ على الفاعلية ، أي إلا رسولٌ كانوا به يستهزؤون ، وأما الجرُّ على أنها صفةٌ باعتبار لفظِه فيُفضي إلى زيادة ( من ) الاستغراقيةِ في الإثبات ويجوز أن يكون منصوباً على الوصفية بأن يقدَّر الموصوفُ منصوباً على الاستثناء وإن كان المختارُ الرفعَ على البدلية .
وهذا كما ترى تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم بأن هذه عادةُ الجهال مع الأنبياء عليهم السلام ، وحيث كان الرسولُ مصحوباً بكتاب من عند الله تعالى تضمّن ذكرُ استهزائِهم بالرسول استهزاءَهم بالكتاب ولذلك قيل : { كذلك } إشارةٌ إلى ما دل عليه الكلام السابقُ من إلقاء الوحي مقروناً بالاستهزاء ، أي مثلَ ذلك السَّلْكِ الذي سلكناه في قلوب أولئك المستهزئين برسلهم وبما جاءوا به من الكتب { نَسْلُكُهُ } أي الذكرَ { فِى قُلُوبِ المجرمين } أي أهل مكةَ أو جنسُ المجرمين ، فيدخلون فيه دخولاً أولياً ، ومحلُّه النصبُ على أنه نعتٌ لمصدر محذوف أو حالٌ منه ، أي نسلكه سَلْكاً مثلَ السلك أو نسلك السَّلكَ حال كونِه مثلَه أي مقروناً بالاستهزاء ، غيرَ مقبول لما تقتضيه الحكمةُ فإنهم من أهل الخِذلان ليس لهم استحقاقٌ لقبول الحقِّ ، وصيغةُ المضارع لكون المشبَّه به مقدماً في الوجود وهو السِّلك الواقعُ في الأمم السالفة ، أو للدِلالة على استحضار الصورةِ ، والسَّلْكُ إدخالُ الشيء في آخرَ ، يقال : سَلكتُ الخيطَ في الإبرة والرمحَ في المطعون . (4/66)
لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (13) وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (14) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (15) وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17)
{ لاَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } أي بالذكر ، حالٌ من ضمير نسلكه أي غيرَ مؤمَنٍ به ، أو بيانٌ للجملة السابقة فلا محل لها ، وقد جُعل الضميرُ للاستهزاء فيتعين البيانيةُ إلا أن يُجعل الضميرُ المجرورُ أيضاً له ، على أن الباء للملابسة أي نسلك الاستهزاءَ في قلوبهم حالَ كونِهم غيرَ مؤمنين بملابسته ، والحالُ إما مقدّرةٌ أو مقارنة للإيذان بأن كفرَهم مقارِنٌ للإلقاء كما في قوله تعالى : { فَلَمَّا جَاءهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ } { وَقَدْ خَلَتْ سُنَّةُ الأولين } أي قد مضت طريقتهم التي سنها الله تعالى في إهلاكهم حين فعلوا ما فعلوا من التكذيب والاستهزاءِ ، وهو استئنافٌ جيء به تكملةً للتسلية وتصريحاً بالوعيد والتهديد . (4/67)
{ وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِم } أي على هؤلاء المقترِحين المعاندين { بَاباً مِنَ السماء } أي باباً ما ، لا باباً من أبوابها المعهودة كما قيل ، ويسرنا لهم الرُّقيَّ والصعودَ إليه { فَظَلُّواْ فِيهِ } في ذلك الباب { يَعْرُجُونَ } بآلة أو بغيرها ويرون ما فيها من العجائب عِياناً كما يفيده الظلول ، أو فظل الملائكةُ الذين اقترحوا إتيانَهم يعرُجون في ذلك الباب وهم يرَونه عياناً مستوضحين طولَ نهارهم .
{ لَقَالُواْ } لفرط عنادِهم وغلوِّهم في المكابرة وتفاديهم عن قَبول الحق { إِنَّمَا سُكّرَتْ أبصارنا } أي سُدّت من الإحساس من السُكر كما يدل عليه القراءةُ بالتخفيف ، أو حُيِّرت كما يعضُده قراءة من قرأ سكرت أي حارت .
{ بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ } قد سحَرنا محمد صلى الله عليه وسلم كما قالوه عند ظهورِ سائرِ الآياتِ الباهرة ، وفي كلمتي الحصر والإضراب دلالةٌ على أنهم يبتون القولَ بذلك ، وأن ما يرَونه لا حقيقةَ له وإنما هو أمر خُيِّل إليهم بالسحر ، وفي اسميةِ الجملة الثانيةِ دَلالةٌ على دوام مضمونِها ، وإيرادُها بعد تسكير الأبصارِ لبيان إنكارِهم لغير ما يرونه بعيونهم ، فإن عروجَ كل منهم إلى السماء وإن كان مرئياً لغيره فهو معلوم بطريق الوجدانِ مع قطع النظرِ عن الأبصار ، فهم يدعون أن ذلك نوعٌ آخرُ من السحر غيرُ تسكير الأبصار .
{ وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِى السماء بُرُوجًا } قصوراً ينزلها السيارات ، وهي البروجُ الاثنا عشر المشهورةُ المختلفةُ الهيئاتِ والخواصِّ حسبما يدل عليه الرصْدُ والتجرِبة مع ما اتفق عليه الجمهور من بساطة السماء ، والجعلُ إن جُعل بمعنى الخلق والإبداعِ وهو الظاهرُ فالجار متعلقٌ به ، وإن جعل بمعنى التصييرِ فهو مفعولٌ ثانٍ له متعلقٌ بمحذوف أي جعلنا بروجاً كائنة في السماء { وزيناها } أي السماء بتلك البروجِ المختلفةِ الأشكال والكواكب سياراتٍ كانت أو ثوابتَ { للناظرين } إليها ، فمعنى التزيينِ ظاهرٌ ، أو للمتفكرين المعتبرين المستدلين بذلك على قدرة مقدّرها وحكمةِ مدبرّها ، فتزيينُها بترتيبها على نظام بديع مستتبعٍ للآثار الحسنة .
{ وحفظناها مِن كُلّ شيطان رَّجِيمٍ } مَرْميَ بالنجوم فلا يقدر أن يصعَدَ إليها ويوسوسَ في أهلها ويتصرّفَ فيها ويقفَ على أحوالها .
إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20)
{ إِلاَّ مَنِ استرق السمع } محلُّه النصبُ على الاستثناء المتصل إنْ فسّر الحِفظُ بمنع الشياطين عن التعرّضِ لها على الإطلاق والوقوفِ على ما فيها في الجملة ، أو المنقطعِ إن فُسر ذلك بالمنع عن دخولها والتصرف فيها . عن ابن عباس رضي الله عنهما : « أنهم كانوا لا يحجبون عن السموات ، فلما وُلد عيسى عليه السلام مُنعوا من ثلاث سموات ، ولما ولد النبي صلى الله عليه وسلم مُنِعوا من السموات كلِّها » واستراقُ السمعِ اختلاسُه سرًّا ، شُبّه به خَطفتُهم اليسيرةُ من قُطّان السمواتِ بما بينهم من المناسبة في الجوهر ، أو بالاستدلال من الأوضاع { فَأَتْبَعَهُ } أي تبعه ولحِقه { شِهَابٌ } لهبٌ محروقٌ وهو شعلةُ نارٍ ساطعةٌ ، وقد يطلق على الكواكب والسِّنان لما فيهما من البريق { مُّبِينٌ } ظاهرٌ أمرُه للمبصرين . قال معمر : قلت لابن شهاب الزهري : أكان يرمى بالنجوم في الجاهلية؟ قال : نعم ، وإن النجم ينقضّ ويرمى به الشيطانُ فيقتلُه أو يخبِلُه لئلا يعود إلى استراق السمع ، ثم يعود إلى مكانه ، قال : أفرأيت قوله تعالى : { وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مقاعد } الآية ، قال : غُلّظت وشُدّد أمرُها حين بعث رسولُ الله صلى الله عليه وسلم . قال ابن قتيبة : إن الرجمَ كان قبل مبعثِه عليه الصلاة والسلام ، ولكن لم يكن في شدة الحِراسة كما بعدَ مبعثِه عليه الصلاة والسلام ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : إن الشياطينَ يركَبُ بعضُهم بعضاً إلى السماء الدنيا يسترقون السمعَ من الملائكة ، فيُرمَون بالكواكب فلا يخطِىء أبداً ، فمنهم من يُحرق وجهُه وجنبُه ويدُه حيث يشاء الله تعالى ، ومنهم من يخبِلُه فيصير غُولاً فيُضل الناس في البوادي . قال القرطبي : اختلفوا في أن الشهاب هل يقتُل أم لا؟ قال ابن عباس رضي الله عنهما : يجرَح ويحرِق ويخبِلُ ولا يقتُل ، وقال الحسن وطائفةٌ : يقتل ، قال : والأول أصح . (4/68)
{ والأرض مددناها } بسطناها ، وهو بالنصب على الحذف على شريطة التفسير ، ولم يُقرأ بالرفع لرجحان النصب للعطف على الجملة الفعلية ، أعني قوله تعالى : { وَلَقَدْ جَعَلْنَا } الخ ، وليوافِقَ ما بعده ، أعني قوله تعالى : { وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رواسي } أي جبالاً ثوابتَ ، وقد مر بيانه في أول الرعد { وَأَنبَتْنَا فِيهَا } أي في الأرض أو فيها وفي رواسيها { مِن كُلّ شَىْء مَّوْزُونٍ } بميزان الحِكمة ذاتاً وصفةً ومقداراً ، وقيل : ما يوزن من الذهب والفضة وغيرِهما أو من كل شيءٍ مستحسَنٍ مناسب ، أو ما يوزن ويُقدَّر من أبواب النعمة .
{ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا معايش } ما تعيشون به من المطاعم والملابسِ وغيرِهما مما يتعلق به البقاءُ ، وهي بياء صريحة ، وقرىء بالهمزة تشبيهاً له بالشمائل { وَمَن لَّسْتُمْ لَهُ برازقين } عطف على معايش أو على محل لكم ، كأنه قيل : جعلنا لكم معايشَ وجعلنا لكم مَنْ لستم برازقيه من العِيال والمماليك والخدَم والدوابِّ وما أشبهها على طريقة التغليب ، وذِكرُهم بهذا العنوان لرد حسبانُهم أنهم يَكْفون مؤناتِهم ، ولتحقيق أن الله تعالى هو الذي يرزقهم وإياهم ، أو وجعلنا لكم فيها معايشَ ولمن لستم له برازقين .
وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (22) وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (23)
{ وَإِن مّن شَىْء } إن للنفي ومن مزيدة للتأكيد وشيءٍ في محل الرفع على الابتداء ، أي ما من شيء من الأشياء الممكنةِ ، فيدخُل فيه ما ذكر دخولاً أولياً { إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ } الظرفُ خبرٌ للمبتدأ ، وخزائنُه مرتفعٌ به على أنه فاعله لاعتماده ، أو خبر له ، والجملة خبر للمبتدأ الأول ، والخزائنُ جمع الخِزانة وهي ما يحفظ فيه نفائسُ الأموال لا غيرُ ، غلَب في العرف على ما للملوك والسلاطينِ من خزائن أرزاقِ الناس ، شُبِّهت مقدوراتُه تعالى الفائتةُ للحصر المندرجةُ تحت قدرتِه الشاملة في كونها مستورةً عن علوم العالمين ومصونةً عن وصول أيديهم مع كمال افتقارِهم إليها ورغبتِهم فيها ، وكونِها مهيأةً متأتّيةً لإيجاده وتكوينه ، بحيث متى تعلقت الإرادةُ بوجودها وُجدت بلا تأخر بنفائس الأموالِ المخزونةِ في الخزائن السلطانيةِ فذكرُ الخزائن على طريقة الاستعارةِ التخييلية { وَمَا نُنَزّلُهُ } أي ما نُوجِد وما نكوّن شيئاً من تلك الأشياء ملتبساً بشيء من الأشياء { إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ } أي إلا ملتبساً بمقدار معينٍ تقتضيه الحِكمةُ وتستدعيه المشيئةُ التابعة لها ، لا بما تقتضيه القدرةُ فإن ذلك غيرُ متناهٍ ، فإن تخصيصَ كل شيء بصفة معينةٍ وقدرٍ معين ووقتٍ محدود دون ما عدا ذلك ، مع استواء الكلِّ في الإمكان واستحقاقِ تعلّقِ القدرة به ، لا بد له من حكمة تقتضي اختصاصَ كلَ من ذلك بما اختص به ، وهذا البيانُ سرُّ عدمِ تكوينِ الأشياء على وجه الكثرة حسبما هو في خزائن القدرة ، وهو إما عطفٌ على مقدر أي ننزله وما ننزله الخ ، أو حالٌ مما سبق أي عندنا خزائنُ كل شيءٍ ، والحال أنا ما ننزِّله إلا بقدر معلوم ، فالأول لبيان سعةِ القدرةِ والثاني لبيان بالغِ الحِكمة ، وحيث كان إنشاءُ ذلك بطريق التفضّل من العالم العلويِّ إلى العالم السفلي كما في قوله تعالى : { وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ الأنعام ثمانية أزواج } وكان ذلك بطريق التدريج عبّر عنه بالتنزيل ، وصيغةُ المضارع للدلالة على الاستمرار . (4/69)
{ وَأَرْسَلْنَا الرياح } عطفٌ على جعلنا لكم فيها معايشَ ، وما بينها اعتراضٌ لتحقيق ما سبق وترشيحِ ما لحِق أي أرسلنا الرياح { لَوَاقِحَ } أي حواملَ ، شُبّهت الريحُ التي تجيء بالخير من إنشاء سحابٍ ماطرٍ بالحامل كما شُبّه بالعقيم ما لا يكون كذلك ، أو ملقِّحاتٍ بالشجر والسحابِ ، ونظيره الطوائحُ بمعنى المُطيحات في قوله
ومختبطٍ مما تُطيح الطوائحُ ... أي المهلِكات ، وقرىء وأرسلنا الريحَ على إرادة الجنس { فَأَنزَلْنَا مِنَ السمآء } بعد ما أنشأنا بتلك الرياحِ سحاباً ماطراً { مَاء فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ } أي جعلناه لكم سُقياً وهو أبلغُ من سقيناكموه ، لما فيه من الدِلالة على جعل الماءِ معداً لهم ينتفعون به متى شاءوا { وَمَآ أَنْتُمْ لَهُ بخازنين } نفى عنهم ما أثبته لجنابه بقوله : { وَإِن مّن شَىْء إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ } كأنه قيل : نحن القادرون على إيجاده وخزْنِه في السحاب وإنزاله وما أنتم على ذلك بقادرين ، وقيل : ما أنتم بخازنين له بعدما أنزلناه في الغُدران والآبارِ والعيون ، بل نحن نخزنُه فيها لنجعلَها سقياً لكم مع أن طبيعةَ الماء تقتضي الغَوْر .