صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
المؤلف : أبو السعود ، محمد بن محمد بن مصطفى العمادي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

{ ظَنَنتُ أَنّى ملاق حِسَابِيَهْ } فالتعبيرُ بالوحي كما ينبىء عنه قوله تعالى : { قُضِىَ الامر } الخ ، وقيل : هو بمعناه والتعبيرُ بالاجتهاد والحكمُ بقضاء الأمر أيضاً اجتهاديٌّ { اذكرنى } بما أنا عليه من الحال والصفة { عِندَ رَبّكَ } سيّدِك وصِفْني له بصفتي التي شاهدتَها { فَأَنْسَاهُ الشيطان } أي أنسى الشرابيَّ بوسوسته وإلقائه في قلبه أشغالاً تعوقه عن الذكر وإلا فالإنساءُ في الحقيقة لله عز وجل والفاءُ للسببية فإن توصيتَه عليه السلام المتضمنةَ للاستعانة بغيره سبحانه كانت باعثةً لما ذكر من الإنساء { ذِكْرَ رَبّهِ } أي ذكرَ الشرابيِّ له عليه السلام عند الملِك ، والإضافة لأدنى ملابسةٍ ، أو ذكرَ إخبارِ ربِّه { فَلَبِثَ } أي يوسف عليه السلام بسبب ذلك الإنساءِ أو القول { فِى السجن بِضْعَ سِنِينَ } البِضْعُ ما بين الثلاث إلى التسع من البَضْع وهو القطعُ ، وأكثرُ الأقاويل أنه لبث فيه سبعَ سنين ، وروي عن النبي عليه السلام : « رحم الله أخي يوسفَ لو لم يقُل اذكُرْني عند ربِّك لما لبث في السجن سبعاً بعد الخمس » والاستعانةُ بالعباد وإن كانت مرخصةً لكن اللائقَ بمناصب الأنبياءِ عليهم السلام الأخذُ بالعزائم .

(3/439)


وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43)

{ وَقَالَ الملك } أي الريّانُ { إِنّى أرى } أي رأيت وإيثارُ صيغة المضارعِ لحكاية الحالِ الماضية { سَبْعَ بقرات سِمَانٍ } جمعُ سمينٍ وسمينة ككرام في جمع كريم وكريمة ، يقال : رجالٌ كرام ونسوةٌ كِرامٌ { يَأْكُلُهُنَّ } أي أكلهن والعدولُ إلى المضارع لاستحضار الصورةِ تعجيباً والجملةُ حالٌ من البقرات أو صفةٌ لها { سَبْعٌ عِجَافٌ } أي سبعُ بقراتٍ عجافٍ وهي جمعُ عجفاءَ والقياس عُجْفٌ لأن فعلاء وأفعل لا يجمع على فِعال ولكن عُدل به عن القياس حملاً لأحد النقيضين على الآخر وإنما لم يقل سبعُ عجافٍ بالإضافة لأن التمييزَ موضوعٌ لبيان الجنس والصفةُ ليست بصالحة لذلك فلا يقال ثلاثةُ ضخامٍ وأربعةُ غلاظٍ ، وأما قولُك : ثلاثةُ فرسانٍ وخمسةُ ركبانٍ فلجرَيان الفارسِ والراكب مَجرى الأسماءِ . روي أنه رأى سبعَ بقراتٍ سمان خرجن من نهر يابسٍ وخرج عَقيبَهن سبعُ بقراتٍ عجافٍ في غاية الهُزال فابتلعت العجافُ السمانَ { وَسَبْعَ سنبلات خُضْرٍ } قد انعقد حبُّها { وَأُخَرَ يابسات } أي وسبعاً أخَرَ يابساتٍ قد أدركت والْتَوَتْ على الخضر حتى غلبتها على ما روي ، ولعل عدمَ التعرضِ لذكره للاكتفاء بما ذكر من حال البقرات { ياأيها الملأ } خطابٌ للأشراف من العلماء والحكماء { أَفْتُونِى فِى رؤياى } هذه أي عبِّروها وبيِّنوا حكمَها وما تؤول إليه من العاقبة والتعبير عن التعبير بالإفتاء لتشريفهم وتفخيمِ أمر رؤياه { إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } أي تعلمون عبارةَ جنسِ الرؤيا علماً مستمراً وهي الانتقالُ من الصور الخيالية المشاهدةِ في المنام إلى ما هي صورٌ وأمثلةٌ لها من الأمور الآفاقيةِ أو الأنفسيةِ الواقعةِ في الخارج من العبور وهو المجاوزةُ ، تقول : عبَرْتُ النهرَ إذا قطعتُه وجاوزتُه ونحوه أوّلتها أي ذكرتُ مآلَها وعَبْرتُ الرؤيا عبارةً أثبتُ من عبّرتها تعبيراً ، والجمعُ بين الماضي والمستقبلِ للدلالة على الاستمرار كما أشير إليه ، واللامُ للبيان أو لتقوية العاملِ المؤخَّرِ لرعاية الفواصِلِ أو لتضمين تعبُرون معنى فعلٍ متعدَ باللام كأنه قيل : إن كنتم تنتدِبون لعبارتها ويجوز أن يكون للرؤيا خبر كان كما يقال : فلان لهذا الأمر إذا كان مستقلاً به متمكناً منه وتعبرون خبرٌ آخر .

(3/440)


قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ (44) وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ (45)

{ قَالُواْ } استئنافٌ مبني على السؤال كأنه قيل : فماذا قال الملأُ للملك؟ فقيل : قالوا : هي { أضغاث أَحْلاَمٍ } أي تخاليطُها جمع ضِغْث وهو في الأصل ما جمع من أخلاط النبات وحُزِم ثم استعير لما تجمعه القوةُ المتخيِّلة من أحاديث النفس ووساوسِ الشيطان وتريها في المنام ، والأحلامُ جمع حلُم وهي الرؤيا الكاذبةُ التي لا حقيقةَ لها والإضافةُ بمعنى مِنْ أي هي التي أضغاثٌ من أحلام ، أخرَجوها من جنس الرؤيا التي لها عاقبةٌ تؤول إليها ويعتنى بأمرها وجمعوها وهي رؤيا واحدةٌ مبالغةً في وصفها بالبطلان كما في قولهم : فلانٌ يركبُ الخيلَ ويلبَس العمائم لمن لا يملِك إلا فرساً واحداً وعمامة فردةً ، أو لتضمّنها أشياءَ مختلفةً من البقرات السبعِ السمانِ العجاف والسنابل السبعِ الخُضر والأُخَرِ اليابسات فتأمل حسنَ موقعِ الأضغاثِ مع السنابل فللَّه درُّ شأنِ التتزيل { وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الاحلام } أي المنامات الباطلةِ التي لا أصل لها { بعالمين } لا لأن لها تأويلاً ولكن لا نعلمه بل لأنه لا تأويلَ لها وإنما التأويلُ للمنامات الصادقةِ ويجوز أن يكون ذلك اعترافاً منهم بقصور علمِهم وأنهم ليسوا بنحاريرَ في تأويل الأحلامِ مع أن لها تأويلاً كما يُشعر به عدولُهم عما وقع في كلام الملك من العبارة المُعْربة عن مجرد الانتقالِ من الدالّ إلى المدلول حيث لم يقولوا بتعبير الأحلام أو عبارتها إلى التأويل المنبىءِ عن التصرُّف والتكلّف في ذلك لما بين الآئلِ والمآلِ من البُعد ، ويؤيده قولُه عز وجل : { أَنَاْ أُنَبّئُكُمْ بِتَأْوِيلِه } .
{ وَقَالَ الذى نَجَا مِنْهُمَا } أي من صاحبَيْ يوسف وهو الشرابيّ { وادكر } بغير المعجمة وهو الفصيحُ ، وعن الحسن بالمعجمة أي تذكر يوسفَ عليه السلام وشؤونَه التي شاهدها ووصيته بتقريب رؤيا الملك وإشكال تأويلِها على الملأ { بَعْدَ أُمَّةٍ } أي مدة طويلةٍ وقرىء إمةٍ بالكسر وهي النعمةُ أي بعد ما أنعم عليه بالنجاة وأمة أي نسيان والجملةُ حالٌ من الموصول أو من ضميره في الصلة ، وقيل : معطوفةٌ على نجا وليس ذلك لأن حق كلَ من الصفة والصلةِ أن تكون معلومة الانتسابِ إلى الموصوف والموصولِ عند المخاطبِ كما عند المتكلم ، ولذلك قيل : إن الصفاتِ قبل العلم بها أخبارٌ والأخبار بعد العلم بها صفاتٌ ، وأنت تدري أن تذكّره بعد أمةٍ إنما عُلم بهذه الجملة فلا مجال لنظمه مع نجاته المعلومةِ قبلُ في سلك الصلة { أَنَاْ أُنَبّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ } أي أخبركم به بالتلقي عمن عنده علمُه لا من تلقاء نفسي ولذلك لم يقل أنا أفتيكم فيها وعقبّه بقوله : { فَأَرْسِلُونِ } أي إلى يوسفَ وإنما لم يذكُرْه ثقةً بما سبق من التذكر وما لحِق من قوله :

(3/441)


يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا فِي سَبْعِ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ لَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ (46) قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ (47)

{ يُوسُفُ أَيُّهَا الصديق } أي أُرسل إليه فأتاه فقال : يا يوسف ووصفَه بالمبالغة في الصدق حسبما شاهده وذاق أحوالَه وجرّبها لكونه بصدد اغتنامِ آثارِه واقتباس أنوارِه فهو من باب براعة الاستهلال { أَفْتِنَا فِى سَبْعِ بقرات سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعِ سنبلات خُضْرٍ وَأُخَرَ يابسات } أي في رؤيا ذلك وإنما لم يصرّح به لوضوح مرامِه بقرينة ما سبق من معاملتهما ولدَلالة مضمونِ الحادثة عليه حيث لا إمكان لوقوعه في عالم الشهادةِ ، أي بيِّنْ لنا مآلَها وحكمَها ، وحيث عاين علوَّ رتبتِه عليه السلام في الفضل عبّر عن ذلك بالإفتاء ولم يقل كما قال هو وصاحبُه أولاً : نبّئنا بتأويله وفي قوله : أفتنا مع أنه المستفتي وحده وإشعارٌ بأن الرؤيا ليست له بل لغيره ممن له ملابسةٌ بأمور العامة وأنه في ذلك مَعْبرٌ وسفيرٌ كما آذن بذلك حيث قال : { لَّعَلّى أَرْجِعُ إِلَى الناس } أي إلى الملك ومن عنده أو إلى أهل البلد إن كان السجنُ في الخارج كما قيل فأُنبّئهم بذلك { لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ } ذلك ويعملون بمقتضاه أو يعلمون فضلَك ومكانك مع ما أنت فيه من الحال فتتخلّصَ منه وإنما لم يبُتَّ القولَ في ذلك مجاراةً معه على نهج الأدب واحترازاً عن المجازفة إذ لم يكن على يقين من الرجوع فربما اختُرم دونه أو لعل المنايا دون ما تعدّاني ، ولا مِنْ علمهم بذلك فربما لم يعلموه .
{ قَالَ } استئنافٌ مبني على السؤال كأنه قيل : فماذا قال يوسفُ عليه السلام في التأويل؟ فقيل : قال : { تَزْرَعُونَ سَبْعُ سِنِينَ دَأَبًا } قرىء بفتح الهمزة وسكونِها وكلاهما مصدرُ دأب في العمل إذ جدّ فيه وتعِب ، وانتصابُه على الحالية من فاعل تزرعون أي دائبين أو تدأبون دأباً على أنه مصدرٌ مؤكدٌ لفعل هو الحال .
أوّلَ عليه السلام البقراتِ السمانَ والسنبلاتِ الخضْرَ بستينَ مخاصيبَ والعجافَ واليابساتِ بسنينَ مُجدبةٍ فأخبرهم بأنهم يواظبون سبعَ سنين على الزراعة ويبالغون فيها إذ بذلك يتحقق الخِصْبُ الذي هو مصداقُ البقراتِ السمان وتأويلُها ، ودلهم في تضاعيف ذلك على أمر نافعٍ لهم فقال : { فَمَا حَصَدتُّمْ } أي في كل سنة { فَذَرُوهُ فِى سُنبُلِهِ } ولا تَذْروه كيلا يأكلَه السوسُ كما هو شأنُ غلالِ مصرَ ونواحيها ، ولعله عليه السلام استدل على ذلك بالسنبلات الخُضرِ وإنما أمرهم بذلك إذ لم يكن معتاداً فيما بينهم ، وحيث كانوا معتادين للزراعة لم يأمرهم بها وجعلَها أمراً محققَ الوقوع وتأويلاً للرؤيا مصداقاً لما فيها من البقرات السمان { إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تَأْكُلُونَ } في تلك السنسن وفيه إرشادٌ منه عليه السلام لهم إلى التقليل في الأكل والاقتصارِ على استثناء المأكولِ دون البَذْر لكون ذلك معلوماً من قوله : تزرعون سبعَ سنين ، وبعد إتمام ما أمرهم به شرَع في بيان بقيةِ التأويلِ التي يظهر منها حكمةُ الأمر المذكور فقال :

(3/442)


ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ (48) ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيهِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيهِ يَعْصِرُونَ (49)

{ ثُمَّ يَأْتِى } وهو عطفٌ على تزرعون فلا وجه لجعله بمعنى الأمر حثاً لهم على الجد والمبالغة في الزراعة ، على أنه يحصل بالإخبار بذلك أيضاً { مِن بَعْدِ ذلك } أي من بعد السنين السبعِ المذكوراتِ وإنما لم يقل من بعدهن قصداً إلى الإشارة إلى وصفهن فإن الضمير ساكتٌ عن أوصاف المرجعِ بالكلية { سَبْعٌ شِدَادٌ } أي سبعُ سنينَ صعابٌ على الناس { يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ } من الحبوب المتروكةِ في سنابلها ، وفيه تنبيهٌ على أن أمرَه عليه السلام بذلك كان لوقت الضرورة وإسنادُ الأكل إليهن مع أنه حالُ الناس فيهن مجازيٌّ كما في نهارُه صائمٌ ، وفيه تلويحٌ بأنه تأويلٌ لأكل العجافِ السمانَ واللام في لهن ترشيحٌ لذلك فكأن ما ادُّخر في السنابل من الحبوب شيءٌ قد هُيِّيء وقُدِّم لهن كالذي يقدَّم للنازل وإلا فهو في الحقيقة مقدَّمٌ للناس فيهن { إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّا تُحْصِنُونَ } تُحرِزون مبذوراً للزراعة .
{ ثُمَّ يَأْتِى مِن بَعْدِ ذلك } أي من بعد السنين الموصوفةِ بما ذكر من الشدة وأكلِ الغلال المدَّخرة { عَامٌ } لم يعبّر عنه بالسنة تحاشياً عن المدلول الأصليِّ لها من عام القحط وتنبيهاً من أول الأمرِ على اختلاف الحالِ بينه وبين السوابق { فِيهِ يُغَاثُ الناس } من الغيث أي يُمطَرون يقال : غِيثت البلادُ إذا مُطرت في وقت الحاجة أو من الغوث ، يقال : أغاثنا الله تعالى أي أمدنا برفع المكاره حين أظلّتنا { وَفِيهِ يَعْصِرُونَ } أي ما مِن شأنه أن يُعصر من العنب والقصَب والزيتون والسمسم ونحوِها من الفواكة لكثرتها . والتعرضُ لذكر العصر مع جواز الاكتفاءِ عنه بذكر الغيث المستلزمِ له عادة كما اكتُفي به عن ذكر تصرِفهم في الحبوب إما لأن استلزامَ الغيثِ له ليس كاستلزامه للحبوب إذ المذكوراتُ يتوقف صلاحُها على مبادٍ أخرى غيرِ المطر ، وإما لمراعاة جانبِ المستفتي باعتبار حالتِه الخاصة به بشارةً له وهي التي يدور عليها حسنُ موقع تغليبِه على الناس في القراءة بالفوقانية ، وقيل : معنى يعصرون يحلبون الضروعَ ، وتكريرُ فيه إما للإشعار باختلاف أوقاتِ ما يقع فيه من الغيث والعصر زماناً وهو ظاهرٌ وعنواناً فإن الغيثَ والغوثَ من فضل الله تعالى والعصرُ من فعل الناس ، وإما لأن المقام مقامُ تعداد منافعِ ذلك العام ولأجله قُدّم في الموضعين على الفعلين فإن المقصودَ الأصليَّ بيان أنه يقع في ذلك العام هذا النفعُ وذاك النفعُ لا بيانُ أنهما يقعان في ذلك العام يفيده التأخير ، ويجوز أن يكون التقديمُ للقصر على معنى أن غيثهم وعصرَهم في سائر السنين بمنزلة العدمِ بالنسبة إلى عامهم ذلك وأن يكون ذلك في الأخير لمراعاة الفواصلِ وفي الأول لرعاية حالِه ، وقرىء يُعصَرون على البناء للمفعول من عصره إذا أنجاه وهو المناسبُ للإغاثة ويجوز أن يكون المبنيُّ للفاعل أيضاً منه كأنه قيل : فيه يغاث الناسُ وفيه يُغيثون أي يغيثهم الله ويغيثُ بعضُهم بعضاً ، وقيل : معنى يُعصَرون يمطَرون من أعصرت السحابةُ إما بتضمين أعصرت معنى مطرَت وتعديتِه وإما بحذف الجارِّ وإيصالِ الفعل ، على أن الأصلَ أعصرت عليهم ، وأحكامُ هذا العام المبارك ليست مستنبَطةً من رؤيا الملكِ وإنما تلقاها عليه السلام من جهة الوحي فبشَّرهم بها بعد ما أوّل الرؤيا بما أول وأمرَهم بالتدبير اللائقِ في شأنه إبانةً لعلو كعبِه ورسوخِ قدمِه في الفضل وأنه محيطٌ بما لم يخطُر ببال أحدٍ فضلاً عما يُرى صورتُه في المنام على نحو قوله لصاحبيه عند استفتائِهما في منامهما :

(3/443)


{ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ } وإتماماً للنعمة عليهم حيث لم يشاركه عليه السلام في العلم بوقوعها أحدٌ ولو برؤية ما يدل عليها في المنام .

(3/444)


وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (50) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ الْآَنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (51)

{ وَقَالَ الملك } بعد ما جاءه السفيرُ بالتعبير وسمع منه ما سمع من نقير وقِطمير { ائتونى بِهِ } لِما علم من علمه وفضله { فَلَمَّا جَاءهُ } أي يوسفَ { الرسول } واستدعاه إلى الملك { قَالَ ارجع إلى رَبّكَ } أي سيدك { فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللاَّتِى قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } أي ففتشه عن شأنهن وإنما لم يقل : فاسأله أن يفتش عن ذلك حثاً للملك على الجد في التفتيش ليتبين براءتُه ويتضح نزاهتُه إذ السؤالُ مما يهيج الإنسانَ على الاهتمام في البحث للتفصّي عما توجه إليه وأما الطلب فمما قد يتسامح ويُتساهل فيه ولا يبالى به وإنما لم يتعرض لامرأة العزيزِ مع ما لقِيَ من مقاساة الأحزان ومعاناة الأشجانِ محافظةً على مواجب الحقوق واحترازاً عن مكرها حيث اعتقدها مقيمةً في عُدوة العداوة ، وأما النسوةُ فقد كان يطمع في صَدْعهن بالحق وشهادتِهن بإقرارها بأنها راودتْه عن نفسه فاستعصم ولذلك اقتصر على وصفهن بتقطيع الأيدي ولم يصرّح بمراودتهن له وقولِهن : أطع مولاتك واكتفي بالإيماء إلى ذلك بقوله : { إِنَّ رَبّى بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ } مجاملةً معهن واحترازاً عن سوء قالتِهن عند الملكِ وانتصابِهن للخصومة مدافعةً عن أنفسهن متى سمعن بنسبته لهن إلى الفساد { قَالَ } استئنافٌ مبني على السؤال كأنه قيل : فماذا كان بعد ذلك؟ فقيل : قال الملكُ إثَر ما بلّغه الرسولُ الخبر وأحضرهن : { مَا خَطْبُكُنَّ } أي شأنكن وهو الأمرُ الذي يحِق لعُظْمه أن يخاطِبَ المرءُ فيه صاحبه { إِذْ رَاوَدتُنَّ يُوسُفَ } وخادعتُنّه { عَن نَّفْسِهِ } ورغبتُنّه في إطاعة مولاته هل وجدتُن فيه شيئاً من سوء وريبة؟ { قُلْنَ حَاشَ للَّهِ } تنزيهاً له وتعجباً من نزاهته وعفته { مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِن سُوء } بالغْن في نفي جنس السوءِ عنه بالتنكير وزيادة من { قَالَتِ امرأت العزيز } وكانت حاضرةً في المجلس وقيل : أقبلت النسوةُ عليها يقرِّرنها ، وقيل : خافت أن يشهَدْن عليها بما قالت لهن : { وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ فاستعصم وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونًا مّن الصاغرين } فأقرت قائلة : { الآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ } أي ثبت واستقرَّ أو تبيّن وظهر بعد خفاء ، قاله الخليل ، وقيل : هو مأخوذ من الحِصة وهي القطعة من الجملة أي تبين حصةُ الحقِّ من حصة الباطل كما تتبين حِصصُ الأراضي وغيرها ، وقيل : بان وظهر من حصّ شعرَه إذا استأصله بحيث ظهرت بشرةُ رأسه ، وقرىء على البناء للمفعول من حَصحَص البعيرُ مباركَه أي ألقاها في الأرض للإناخة قال :
فحصحَص في صُمّ الصفا ثفَناتِه ... وناء بسلمى نوأةً ثم صمّما
والمعنى أُقرَّ الحقُّ في مقرّه ووُضع في موضعه ولم ترِدْ بذلك مجردَ ظهور ما ظهر بشهادتهن من مطلق نزاهتِه عليه السلام فيما أحاط به علمُهن من غير تعرض لنزاهته في سائر المواطنِ خصوصاً فيما وقع فيه التشاجرُ بمحضر العزيز ، ولا بحثٍ عن حال نفسها وما صنعت في ذلك بل أرادت ظهورَ ما هو متحققٌ في نفس الأمر وثبوتِه من نزاهته عليه السلام في محل النزاعِ وخيانتِها فقالت : { أَنَاْ راودته عَن نَّفْسِهِ } لا أنه راودني عن نفسي { وَإِنَّهُ لَمِنَ الصادقين } أي في قوله حين افتريت عليه هي راودتني عن نفسي وأرادت بالآن زمانَ تكلّمها بهذا الكلام لا زمانَ شهادتِهن فتأمل أيها المنصفُ هل ترى فوق هذه المرتبةِ نزاهةً حيث لم تتمالك الخُصماء من الشهادة بها ، والفضلُ ما شهدت بهِ الخصماءُ وإنما تصدى عليه السلام لتمهيد هذه المقدمة قبل الخروج ليُظهر براءةَ ساحتِه مما قُذف به لا سيما عند العزيزِ قبل أن يحُلّ ما عقَده كما يُعرب عنه قوله عليه السلام لما رجع إليه الرسولُ وأخبره بكلامهن .

(3/445)


ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ (52) وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53)

{ ذلك } أي ذلك التثبيتُ المؤدي إلى ظهور حقيقة الحال { لِيَعْلَمَ } أي العزيز { أَنّى لَمْ أَخُنْهُ } في حرمته كما زعمه لا علماً مطلقاً فإن ذلك لا يستدعي تقديمَ التفتيشِ على الخروج من السجن بل قبل ما ذكر من نقص ما أبرمه ولعله لمراعاة حقوقِ السيادةِ لأن المباشرَة للخروج من حبسه قبل ظهورِ بُطلانِ ما جعله سبباً له وإن كان ذلك بأمر الملك مما يوهم الافتياتَ على رأيه ، وأما أن يكون ذلك لئلا يُتمكن من تقبيح أمرِه عند ذلك تمحلاً لإمضاء ما قضاه فلا يليق بشأنه عليه السلام في الوثوق بأمره والتوكل على ربه جل جلاله { بالغيب } أي بظهر الغيبِ وهو حالٌ من الفاعل أو المفعول أي لم أخُنه وأنا غائبٌ عنه أو وهو غائبٌ عني أو ظرف أي بمكان الغيب وراءَ الأستار والأبوابِ المغلقة ، وأياً ما كان فالمقصودُ بيانُ كمالِ نزاهتِه عن الخيانة وغايةِ اجتنابه عنها عند تعاضد أسبابِها { وَأَنَّ الله } أي وليعلم أنه تعالى { لاَ يَهْدِى كَيْدَ الخائنين } أي لا يُنفِذه ولا يسدّده بل يُبطله ويُزهِقه أو لا يهديهم في كيدهم إيقاعاً للفعل على الكيد مبالغة كما في قوله تعالى : { يضاهئون قَوْلَ الذين كَفَرُواْ } أي يضاهئونهم في قولهم ، وفيه تعريضٌ بامرأته في خيانتها أمانتَه وبه في خيانته أمانةَ الله تعالى حين ساعدها على حبسه بعد ما رأوا آياتِ نزاهتِه عليه السلام ويجوز أن يكون ذلك لتأكيد أمانته وأنه لو كان خائناً لما هدى الله عز وجل أمره وأحسن عاقبتَه .
{ وَمَا أُبَرّىء نَفْسِى } أي لا أنزّهها عن السوء قاله عليه السلام هضماً لنفسه الكريمة البريئةِ عن كل سوء وربأً بمكانها عن التزكية والإعجاب بحالها عند ظهورِ كمالِ نزاهتِها على أسلوب قوله عليه السلام : « أنا سيد ولد آدم ولا فخر » أو تحديثاً بنعمة الله عز وجل عليه وإبرازاً لسره المكنونِ في شأن أفعال العبادِ أي لا أنزهها عن السوء من حيث هي هي ، ولا أُسند هذه الفضيلةَ إليها بمقتضى طبعِها من غير توفيقٍ من الله عز وعلا { أَنَّ النفس } البشريةَ التي من جملتها نفسي في حد ذاتِها { لامَّارَةٌ بالسوء } مائلةٌ إلى الشهوات مستعمِلةٌ للقوى والآلاتِ في تحصيلها بل إنما ذلك بتوفيق الله وعصمته ورحمتِه كما يفيده قوله : { إِلاَّ مَا رَحِمَ رَبّى } من النفوس التي يعصمها من الوقوع في المهالك ومن جملتها نفسي أو هي أمارةٌ بالسوء في كل وقت إلا وقتَ رحمةِ ربي وعصمتِه لها ، وقيل : الاستثناءُ منقطعٌ أي لكنْ رحمةٌ بي هي التي تصرِف عنها السوء كما في قوله تعالى : { وَلاَ هُمْ يُنقَذُونَ إِلاَّ رَحْمَةً } { إِنَّ رَبّى غَفُورٌ رَّحِيمٌ } عظيمُ المغفرة لما يعتري النفوسَ بموجب طباعِها ومبالِغٌ في الرحمة لها بعصمتها من الجريان بمقتضى ذلك ، وإيثارُ الإظهار في مقام الإضمارِ مع التعرض لعنوان الربوبيةِ لتربية مبادىءِ المغفرةِ والرحمة ، وقيل : إلى هنا من كلام امرأةِ العزيز ، والمعنى ذلك الذي قلتُ ليعلم يوسفُ عليه السلام أني لم أخُنه ولم أكذِب عليه في حال الغَيبة وجئت بما هو الحقُّ الواقعُ وما أبرىء نفسي مع ذلك من الخيانة حيث قلت في حقه ما قلت وفعلتُ به ما فعلت ، إن كل نفس لأمارةٌ بالسوء إلا ما رحم ربي أي إلا نفساً رحِمها الله بالعصمة كنفس يوسفَ إن ربي غفورٌ لمن استغفر لذنبه واعترف به رحيمٌ له ، فعلى هذا يكون تأنّيه عليه السلام في الخروج من السجن لعدم رضاه عليه السلام بملاقاة الملكِ وأمرُه بَيْنَ بينَ ففعل ما فعل حتى يتبين نزاهتُه وأنه إنما سجن بظلم عظيم مع ما له من الفضل ونباهةِ الشأن ليتلقاه الملك بما يليق به من الإعظام والإجلال وقد وقع .

(3/446)


وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)

{ وَقَالَ الملك ائتونى بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ } أجعله خالصاً { لِنَفْسِى } وخاصاً بي { فَلَمَّا كَلَّمَهُ } أي فأتَوا به ، فحُذف للإيذان بسرعة الإتيانِ به فكأنه لم يكن بين الأمرِ بإحضاره والخطابِ معه زمانٌ أصلاً ، والضميرُ المستكنُّ في ( كلّمه ) ليوسف ، والبارزُ للملك أي فلما كلّمه يوسفُ إثرَ ما أتاه فاستنطقه وشاهد منه ما شاهد { قَالَ إِنَّكَ اليوم لَدَيْنَا مِكِينٌ } ذو مكانةٍ ومنزلةٍ رفيعة { أَمِينٌ } مؤتمنٌ على كل شيء ، ( واليومَ ) ليس بمعيار لمدة المكانةِ والأمانةِ بل هو آنُ التكلم والمرادُ تحديد مبدئهما احترازاً عن احتمال كونِهما بعد حين . روي أنه عليه السلام لما جاءه الرسولُ خرج من السجن ودعا لأهله واغتسل ولبِس ثياباً جُدُداً فلما دخل على الملك قال : «اللهم إني أسألك بخيرك من خيره ، وأعوذ بعزتك وقدرتِك من شرّه وشرِّ غيره» ثم سلم عليه ودعا له بالعبرانية فقال : ما هذا اللسانُ؟ قال : لسانُ آبائي ، وكان الملك يعرف سبعين لساناً فكلّمه بها فأجابه بجميعها فتعجّب منه فقال : أحب أن أسمعَ منك رؤياي فحكاها ونعت له البقراتِ والسنابلَ وأماكنَها على ما رآها فأجلسه على السرير وفوّض إليه أمرَه ، وقيل : توفي قطفيرُ في تلك الليالي فنصّبه منصِبه وزوجه راعيل فوجدها عذراءَ وولدت له إفراييم وميشا ولعل ذلك إنما كان بعد تعيينِه عليه السلام لِما عُيّن له من أمر الخزائنِ كما يعرب عنه قوله عز وجل : { قَالَ اجعلنى على خَزَائِنِ الارض } أي أرض مصرَ أي ولِّني أمرَها من الإيراد والصرف { إِنّى حَفِيظٌ } لها ممن لا يستحقها { عَلِيمٌ } بوجوه التصرّفِ فيها ، وفيه دليل على جواز طلبِ الولايةِ إذا كان الطالبُ ممن يقدر على إقامة العدلِ وإجراءِ أحكامِ الشريعة وإن كان من يد الجائرِ أو الكافر .
وعن مجاهد أنه أسلم الملكُ على يده عليه السلام ، ولعل إيثارَه عليه السلام لتلك الولايةِ خاصة إنما كان للقيام بما هو أهمُّ أمورِ السلطنة إن ذاك من تدبير أمرِ السنين حسبما فُصل في التأويل لكونه من فروع تلك الولايةِ لا لمجرد عمومِ الفائدة كما قيل ، وإنما لم يُذكر إجابةُ الملكِ إلى ما سأله عليه السلام من جعله على خزائن الأرضِ إيذاناً بأن ذلك أمرٌ لا مردَّ له غنيٌّ عن التصريح به لا سيما بعد تقديمِ ما يندرج تحته من أحكام السلطنةِ بحذافيرها من قوله : إنك اليوم لدينا مكين أمين للتنبه على أن كلَّ ذلك من الله عز وجل وإنما الملكُ آلة في ذلك كما قيل .

(3/447)


وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيْثُ يَشَاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (57) وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (58)

{ وكذلك } أي مثلَ ذلك التمكينِ البليغ { مَكَّنَّا لِيُوسُفَ } أي جعلنا له مكاناً { فِى الارض } أي أرض مصرَ . روي أنها كانت أربعين فرسخاً في أربعين وفي التعبير عن الجعل المذكورِ بالتمكين في الأرض مسنداً إلى ضميره عزّ سلطانُه من تشريفه عليه السلام والمبالغة في كمال ولايتِه ، والإشارةِ إلى حصول ذلك من أول الأمرِ لا أنه حصل بعد السؤال ما لا يخفى { يَتَبَوَّأُ مِنْهَا } ينزل من بلادها { حَيْثُ يَشَاء } ويتخذه مباءةً وهو عبارةٌ عن كمال قدرته على التصرف فيها ودخولها تحت ملكتِه وسلطانه فكأنها منزلُه يتصرف فيها كما يتصرف الرجل في منزله . وقرأ ابن كثير بالنون . روي أن الملك توّجهُ وختمه بخاتمه وردّاه بسيفه ووضع له سريراً من ذهب مكللاً بالدر والياقوت فقال عليه السلام : أما السريرُ فأشدُّ به مُلكك ، وأما الخاتمُ فأدبّر به أمرك ، وأما التاجُ فليس من لباسي ولا لباس آبائي ، فقال : قد وضعتُه إجلالاً لك وإقراراً بفضلك فجلس على السرير ودانت له الملوكُ وفوّض إليه الملكُ أمرَه وأقام العدلَ بمصر وأحبتْه الرجالُ والنساء وباع من أهل مصر في سِني القحطِ الطعامَ في السنة الأولى بالدنانير والدراهم ، وفي الثانية بالحِليِّ والجواهر ، وفي الثالثة بالدوابّ ثم بالضِّياع والعَقار ثم برقابهم حتى استرقّهم جميعاً فقالوا : ما رأينا كاليوم ملكاً أجلَّ وأعظمَ منه ثم أعتقهم وردّ إليهم أموالَهم وكان لا يبيع من أحد من الممتارين أكثرَ من حمل بعير تقسيطاً بين الناس { نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا } بعطائنا في الدنيا من المُلك والغِنى وغيرهما من النعم { مَّن نَّشَاء } بمقتضى الحكمةِ الداعية إلى المشيئة { وَلاَ نُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } بل نوفّيه بكماله ، وفيه إشعارٌ بأن مدارَ المشيئةِ المذكورةِ إحسانُ مَنْ تصيبه الرحمة المرموقةُ وأنها أجرٌ له ولدفع توهم انحصارِ ثمرات الإحسانِ فيما ذكر من الأجر ، قيل على سبيل التوكيد : { وَلأَجْرُ الاخرة } أي أجرهم في الآخرة فالإضافة للملابسة وهو النعيمُ المقيم الذي لا نفاد له { خَيْرٌ } لهم أي للمحسنين المذكورين وإنما وضع موضعَه الموصولُ فقيل : { لّلَّذِينَ ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } تنبيهاً على أن المراد بالإحسان إنما هو الإيمانُ والثباتُ على التقوى المستفادُ من جمع صيغتي الماضي والمستقبل .
{ وَجَاء إِخْوَةُ يُوسُفَ } ممتارين لما أصاب أرضَ كنعانَ وبلادَ الشام ما أصاب أرضَ مصر وقد كان أرسلهم يعقوبُ عليه السلام جميعاً غيرَ بنيامين { فَدَخَلُواْ عَلَيْهِ } أي على يوسف وهو في مجلس ولايته { فَعَرَفَهُمْ } لقوة فهمِه وعدم مباينةِ أحوالِهم السابقة لحالهم يومئذ لمفارقته إياهم وهم رجالٌ وتشابُه هيئاتهم وزِيِّهم في الحالين ولكون هِمَّته معقودةً بهم وبمعرفة أحوالهم لا سيما في زمن القحط ، وعن الحسن ما عرفهم حتى تعرّفوا له { وَهُمْ لَهُ مُنكِرُونَ } أي والحالُ أنهم منكرون له لطول العهدِ وتبايُنِ ما بين حاليه عليه السلام في نفسه ومنزلته وزِيِّه ولاعتقادهم أنه هلك وحيث كان إنكارُهم له أمراً مستمراً في حالتي المحضَر والمَغيب أُخبر عنه بالجملة الاسميةِ بخلاف عرفانِه عليه السلام إياهم .

(3/448)


وَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ قَالَ ائْتُونِي بِأَخٍ لَكُمْ مِنْ أَبِيكُمْ أَلَا تَرَوْنَ أَنِّي أُوفِي الْكَيْلَ وَأَنَا خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (59)

{ وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمْ } أي أصلحهم بعدّتهم من الزاد وما يحتاج إليه المسافر وأوْقَر ركائبَهم بما جاءوا له من المِيرة وقرىء بكسر الجيم { قَالَ ائتونى بِأَخٍ لَّكُمْ مّنْ أَبِيكُمْ } لم يقل بأخيكم مبالغةً في إظهار عدم معرفتِه لهم ولعله عليه السلام إنما قاله لِما قيل من أنهم سألوه عليه السلام جَملاً زائداً على المعتاد لبنيامين فأعطاهم ذلك وشرطهم أن يأتوا به لا لما قيل من أنه لما رأَوْه وكلموه بالعبرية قال لهم : من أنتم فإني أنكركم؟ فقالوا له : نحن قومٌ من أهل الشام رعاةٌ أصابنا الجَهدُ فجئنا نمتار ، فقال لهم : لعلكم جئتم عُيوناً؟ فقالوا : معاذ الله نحن إخوةٌ بنو أبٍ واحد وهو شيخٌ كبيرٌ صدّيق نبيٌّ من الأنبياء اسمُه يعقوبُ ، قال : كم أنتم؟ قالوا : كنا اثني عشر فهلك منا واحدٌ ، فقال : كم أنتم هاهنا؟ قالوا : عشرة ، قال : فأين الحادي عشر؟ قالوا : هو عند أبيه يتسلّى به عن الهالك ، قال : فمن يشهدُ لكم أنكم لستم عيوناً وأن ما تقولون حقٌ؟ قالوا : نحن ببلاد لا يعرِفنا فيها أحد فيشهدَ لنا ، قال : فدعُوا بعضَكم عندي رهينةً وائتوني بأخيكم من أبيكم وهو يحمل رسالةً من أبيكم حتى أصدِّقَكم ، فاقترعوا فأصاب القرعةُ شمعونَ فخلّفوه عنده . . . إذ لا يساعده ورودُ الأمر بالإتيان به عند التجهيزِ ولا الحثُّ عليه بإيفاء الكيل ولا الإحسانُ في الإنزال ولا الاقتصارُ على منع الكيل على تقدير عدمِ الإتيان به ولا جعلُ بضاعتهم في رحالهم لأجل رجوعِهم ولا عِدَتُهم بالإتيان به بطريق المراودة ولا تعليلُهم عند أبيهم إرسالَ أخيهم بمنع الكيل من غير ذكر الرسالةِ على أن استبقاء شمعونَ لو وقع لكان ذلك طامةً ينسى عندها كل قيل وقال .
{ أَلاَ تَرَوْنَ أَنّى أُوفِى الكيل } أُتمُّه لكم ، وإيثارُ صيغة الاستقبالِ مع كون هذا الكلامِ بعد التجهيز للدِلالة على أن ذلك عادةٌ له مستمرَّة { وَأَنَاْ خَيْرُ المنزلين } جملة حالية أي ألا ترون أني أوفي الكيلَ لكم إيفاءً مستمراً والحالُ أني في غاية الإحسانِ في إنزالكم وضيافتِكم وقد كان الأمرَ كذلك ، وتخصيصُ الرؤية بالإيفاء لوقوع الخطابِ في أثنائه ، وأما الإحسانُ في الإنزال فقد كان مستمراً فيما سبق ولحِق ولذلك أُخبر عنه بالجملة الاسميةِ ولم يقل عليه السلام بطريق الامتنانِ بل لحثّهم على تحقيق ما أمرهم به ، والاقتصارُ في الكيل على ذكر الإيفاءِ لأن معاملته عليه السلام معهم في ذلك كمعاملته مع غيرهم في مراعاة مواجبِ العدل ، وأما الضيافةُ فليس للناس فيها حقٌّ فخصهم في ذلك بما شاء .

(3/449)


فَإِنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ فَلَا كَيْلَ لَكُمْ عِنْدِي وَلَا تَقْرَبُونِ (60) قَالُوا سَنُرَاوِدُ عَنْهُ أَبَاهُ وَإِنَّا لَفَاعِلُونَ (61) وَقَالَ لِفِتْيَانِهِ اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا إِذَا انْقَلَبُوا إِلَى أَهْلِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (62) فَلَمَّا رَجَعُوا إِلَى أَبِيهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الْكَيْلُ فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا نَكْتَلْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (63)

{ فَإِن لَّمْ تَأْتُونِى بِهِ فَلاَ كَيْلَ لَكُمْ عِندِى } ( من بعدُ ) فضلاً عن إيفائه { وَلاَ تَقْرَبُونِ } بدخول بلادي فضلاً عن الإحسان في الإنزال والضيافةِ وهو إما نهيٌ أو نفيٌ معطوفٌ على محل الجزاءِ ، وفيه دليلٌ على أنهم كانوا على نية الامتيازِ مرة بعد أخرى وأن ذلك كان معلوماً له عليه السلام { قَالُواْ سنراود عَنْهُ أَبَاهُ } أي سنخادعه عنه ونحتال في انتزاعه من يده ونجتهد في ذلك ، وفيه تنبيهٌ على عزة المطلبِ وصعوبةِ مناله { وَإِنَّا لفاعلون } ذلك غيرَ مفرِّطين فيه ولا متوانين أو لقادرون عليه لا تتعانى به .
{ وَقَالَ } يوسف { لِفِتْيَانِهِ } غلمانه الكيالين جمع فتى وقرىء لفِتيته وهي جمعُ قلةٍ له { اجعلوا بضاعتهم فِى رِحَالِهِمْ } فإنه وكّل بكل رجل رجلاً يعبِّىء فيه بضاعتَهم التي شرَوا بها الطعامَ وكانت نعالاً وأدَماً وإنما فعله عليه السلام تفضّلاً عليهم وخوفاً من أن لا يكون عند أبيه ما يرجِعون به مرة أخرى وكل ذلك لتحقيق ما يتوخاه من رجوعهم بأخيه كما يُؤذن به قوله : { لَعَلَّهُمْ يَعْرِفُونَهَا } أي يعرِفون حقَّ ردِّها والتكرم في ذلك أو لكي يعرِفوها وهو ظاهرُ التعلق بقوله : { إِذَا انقلبوا إلى أَهْلِهِمْ } فإن معرفتَهم لها مقيّدةٌ بالرجوع وتفريغِ الأوعية قطعاً ، وأما معرفةُ حقِّ التكرم في ردها فهي وإن كانت في ذاتها غيرَ مقيدةٍ بذلك لكن لما كان ابتداؤها حينئذ قُيّدت به { لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } حسبما أمرتهم به فإن التفضلَ عليهم بإعطاء البدلين ولا سيما عند إعوازِ البِضاعةِ من أقوى الدواعي إلى الرجوع ، وما قيل إنما فعله عليه السلام لما لم يرَ من الكرم أن يأخذ من أبيه وإخوته ثمناً فكلامٌ حقٌّ في نفسه ولكن يأباه التعليلُ المذكور ، وأما أن عِلّية الجعل المذكورِ للرجوع من حيث أن ديانتَهم تحمِلُهم على رد البضاعةِ لأنهم لا يستحِلّون إمساكها فمدارُه حُسبانُهم أنها بقِيت في رحالهم نسياناً وظاهرٌ أن ذلك مما لا يخطر ببال أحد أصلاً فإن هيئة التعبيةِ تنادي بأن ذلك بطريق التفضّل ، ألا يرى أنهم كيف جزموا بذلك حين رأوها وجعلوا ذلك دليلاً على التفضلات السابقة كما ستحيط به خبراً
{ فَلَمَّا رَجِعُوا إلى أَبِيهِمْ قَالُواْ } قبل أن يشتغلوا بفتح المتاع { قَالُواْ يأَبَانَا مُنِعَ مِنَّا الكيل } أي فيما بعد ، وفيه ما لا يخفى من الدلالة على كون الامتيار مرةً بعد مرة معهوداً فيما بينهم وبينه عليه السلام { فَأَرْسِلْ مَعَنَا أَخَانَا } بنيامين إلى مصر وفيه إيذانٌ بأن مدارَ المنع عدمُ كونِه معهم { نَكْتَلْ } بسببه من الطعام ما نشاء . وقرأ حمزةُ والكسائي بالياء على إسناده إلى الأخ لكونه سبباً للاكتيال أو يكتلْ لنفسه مع اكتيالنا { وَإِنَّا لَهُ لحافظون } من أن يصيبَه مكروهٌ .

(3/450)


قَالَ هَلْ آَمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنْ قَبْلُ فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظًا وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (64) وَلَمَّا فَتَحُوا مَتَاعَهُمْ وَجَدُوا بِضَاعَتَهُمْ رُدَّتْ إِلَيْهِمْ قَالُوا يَا أَبَانَا مَا نَبْغِي هَذِهِ بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا وَنَمِيرُ أَهْلَنَا وَنَحْفَظُ أَخَانَا وَنَزْدَادُ كَيْلَ بَعِيرٍ ذَلِكَ كَيْلٌ يَسِيرٌ (65)

{ قَالَ هَلْ امَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ على أَخِيهِ } يوسف { مِن قَبْلُ } وقد قلتم في حقه أيضاً ما قلتم ثم فعلتم به ما فعلتم فلا أثق بكم ولا بحفظكم وإنما أفوّض الأمر إلى الله { فالله خَيْرٌ حافظا } وقرىء حِفظاً ، وانتصابُهما على التمييز ، والحالية على القراءة الأولى توهم تقيّد الخيريةِ بتلك الحالة { وَهُوَ أَرْحَمُ الرحمين } فأرجو أن يرحمني بحفظه ولا يجمعَ عليّ مصيبتين ، وهذا كما ترى ميلٌ منه عليه السلام إلى الإذن والإرسالِ لما رأى فيه من المصلحة .
{ وَلَمَّا فَتَحُواْ متاعهم وَجَدُواْ بضاعتهم رُدَّتْ إِلَيْهِمْ } أي تفضّلاً وقد علموا ذلك بما مر من دَلالة الحال وقرىء بنقل حركةِ الدالِ المدغمة إلى الراء كما قيل في قيل وكيل { قَالُواْ } استئنافٌ مبني على السؤال كأنه قيل : ماذا قالوا حينذ؟ فقيل : قالوا لأبيهم ولعله كان حاضراً عند الفتح : { يأَبَانَا مَا نَبْغِى } إذا فُسّر البغيُ بالطلب فما إما استفهاميةٌ منصوبةٌ به فالمعنى ماذا نبتغي وراء ما وصفنا لك من إحسان الملِك إلينا وكرمِه الداعي إلى امتثال أمرِه والمراجعةِ إليه في الحوايج وقد كانوا أخبروه بذلك وقالوا له : إنا قدِمنا على خير رجلٍ أنزلنا وأكرَمنا كرامةً لو كان رجلاً من آل يعقوبَ ما أكرمْنا كرامتَه ، وقوله تعالى : { هذه بضاعتنا رُدَّتْ إِلَيْنَا } جملةٌ مستأنفةٌ موضِّحةٌ لما دل عليه الإنكارُ من بلوغ اللطفِ غايتَه كأنهم قالوا : كيف لا وهذه بضاعتُنا ردّها إلينا تفضلاً من حيث لا ندري بعد ما منّ عليها من المنن العظامِ هل من مزيد على هذا فنطلبَه؟ ولم يريدوا به الاكتفاءَ بذلك مطلقاً أو التقاعدَ عن طلب نظائرِه بل أرادوا الاكتفاءَ به في استيجاب الامتثالِ لأمره والالتجاءِ إليه في استجلاب المزيدِ كما أشرنا إليه وقوله تعالى : { رُدَّتْ إِلَيْنَا } حالٌ من بضاعتُنا والعامل معنى الإشارةِ وإيثار صيغةِ البناءِ للمفعول للإيذان بكمال الإحسانِ الناشىءِ عن كمال الإخفاءِ المفهومِ من كمال غفلتهم عنه بحيث لم يشعُروا به ولا بفاعله ، وقوله عز وجل : { وَنَمِيرُ أَهْلَنَا } أي نجلُب إليهم الطعامَ من عند الملكِ ، معطوفٌ على مقدَّر ينسحب عليه ردُّ البضاعة أي فنستظهر بها ونمير أهلنا { وَنَحْفَظُ أَخَانَا } من المكاره حسبما وعدْنا فما يصيبه من مكروه { وَنَزْدَادُ } أي بواسطته ، ولذلك وُسّط الإخبارُ بحفظه بين الأصلِ والمزيد { كَيْلَ بَعِيرٍ } أي وُسْقَ بعيرٍ زائداً على أوساق أباعِرِنا على قضية التقسيط .
{ ذلك } أي ما يحمِله أباعرُنا { كَيْلٌ يَسِيرٌ } أي مكيلٌ قليلٌ لا يقوم بأَوْدنا فهو استئنافٌ ، وقيل : تعليل لما سبق ، كأنه قيل : أيُّ حاجة إلى الازدياد؟ فقيل ما قيل ، أو ذلك الكيلُ الزائد شيءٌ قليلٌ لا يضايقنا فيه الملِكُ أو سهلٌ عليه لا يتعاظمه أو أيُّ مطلب نطلُب من مهماتنا ، والجملةُ الواقعة بعده توضيحٌ وبيانٌ لما يُشعِرُ به الإنكارُ من كونهم فائزين ببعض المطالبِ أو متمكنين من تحصيله فكأنهم قالوا : بضاعتُنا حاضرةٌ فنستظهر بها ونمير أهلَنا ونحفظ أخانا فما يصيبه شيءٌ من المكاره ونزداد بسببه غيرَ ما نكتاله لأنفسنا كيلَ بعير فأيَّ شيء نبتغي وراءَ هذه المباغي ، وقرىء ما تبغي على خطاب يعقوبَ عليه السلام أي أيَّ شيء تبغي وراء هذه المباغي المشتملةِ على سلامة أخينا وسَعة ذاتِ أيدينا أو وراءَ ما فعل بنا الملكُ من الإحسان داعياً إلى التوجّه إليه ، والجملةُ الاستئنافيةُ موضحةٌ لذلك أو أيَّ شيء تبغي شاهداً على صدقنا فيما وصفنا لك من إحسانه ، والجملةُ المذكورةُ عبارةٌ عن الشاهد المدلولِ عليه بفحوى الإنكارِ .

(3/451)


وإما نافية فالمعنى ما نبغي شيئاً غيرَ ما رأينا من إحسان الملِك في وجوب المراجعةِ إليه ، أو ما نبغي غيرَ هذه المباغي ، وقيل : ما نطلب منك بضاعةً أخرى والجملة المستأنفةُ تعليلٌ له . وأما إذا فُسِّر البغيُ بمجاوزة الحدِّ فما نافيةٌ فقط والمعنى ما نبغي في القول وما نتزيّد فيما وصفْنا من إحسان الملك إلينا وكرمِه الموجبِ لما ذكر ، والجملةُ المستأنفةُ لبيان ما ادّعَوْا من عدم البغي ، وقوله : ونمير أهلَنا عطفٌ على ما نبغي أي ما نبغي فيما ذكرنا من إحسانه وتحصيلِ أمثالِه من مَيْر أهلِنا وحفظِ أخينا فإن ذلك أهونُ شيء بواسطة إحسانِه ، وقد جوز أن يكون كلاماً مبتدأً أي جملةً اعتراضيةً تذييليةً على معنى وينبغي أن نميرَ أهلَنا ، وشبّه ذلك بقولك : سعَيْتُ في حاجة فلان ويجب أن أسعى . وأنت خبيرٌ بأن شأن الجملِ التذييلية أن تكون مؤكّدةً لمضمون مصدرٍ ومقرِّرةً له كما في المثال المذكورِ ، وقولِك : فلانٌ ينطِق بالحق فالحقُّ أبلجُ ، وأن قوله : ونمير الخ ، وإن ساعدَنا في حمله على معنى ينبغي أن نمير أهلَنا بمعزل من ذلك أو ما نبغي في الرأي وما نعدل عن الصواب فيما نشير به عليك من إرسال أخينا معنا ، والجملُ إلى آخرها تفصيلٌ وبيانٌ لعدم بغيهم وإصابةِ رأيهم ، أي بضاعتُنا حاضرةٌ نستظهر بها ونمير أهلنا ونصنع كيت وذيت فتأمل .

(3/452)


قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ فَلَمَّا آَتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ قَالَ اللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ (66)

{ قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ } بعد ما عاينْتُ منكم ما عاينت { حتى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مّنَ الله } أي ما أتوثق به من جهة الله عز وجل ، وإنما جعله مَوثِقاً منه تعالى لأن تأكيدَ العهود به مأذونٌ فيه من جهته تعالى فهو إذن منه عز وجل { لَتَأْتُنَّنِى بِهِ } جوابُ القسم إذ المعنى حتى تحلِفوا بالله لتأتنني به { إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } أي إلا أن تُغلبوا فلا تطيقوا به أو إلا أن تهلِكوا وأصلُه من إحاطة العدوِّ فإن مَنْ أحاط به العدوُّ فقد هلك غالباً وهو استئناءٌ من أعم الأحوال أو أعمِّ العلل على تأويل الكلامِ بالنفي الذي ينساق إليه أي لتأتُنني به ولا تمتنِعُنَّ منه في حال من الأحوال أو لعلة من العلل إلا حالَ الإحاطة بكم ، ونظيرُه قولُهم : أقسمت عليك لَما فعلْتَ وإلا فعلتَ أي ما أريد منك إلا فعلَك ، وقد جُوز الأولُ بلا تأويل أيضاً أي لتأتُنني به على كل حالٍ إلا حال الإحاطةِ بكم . وأنت تدري أنه حيث لم يكن الإتيانُ به من الأفعال الممتدة الشاملةِ للأحوال على سبيل المعيةِ كما في قولك : لألزَمنّك إلا أن تُعطِيني حقي ، ولم يكن عليه السلام يريد مقارنته على سبيل البدلِ لما عدا الحالِ المستثناة كما إذا قلت : صَلِّ إلا أن تكون محدِثاً بل مجرد تحققِه ووقوعِه من غير إخلال به كما في قولك : لأحُجنَّ العامَ إلا أن أُحصر فإن مرادَك إنما هو الإخبار بعدم منعِ ما سوى حالِ الإحصار عن الحج لا الإخبارُ بمقارنته لتلك الأحوالِ على سبيل البدلِ كما هو مرادُك في مثال الصلاة كأن اعتبارَ الأحوالِ معه من حيث عدمُ منعها منه ، فآل المعنى إلى التأويل المذكور { فَلَمَّا ءاتَوْهُ مَوْثِقَهُمْ } عهدهم من الله حسبما أراد يعقوبُ عليه السلام { قَالَ الله على مَا نَقُولُ } أي على ما قلنا في أثناء طلب الموْثِق وإيتائه من الجانبين . وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ لاستحضار صورتِه المؤدّي أي تثبتهم ومحافظتِهم على تذكّره ومراقبتِه { وَكِيلٌ } مطلعٌ رقيبٌ يريد به عرضَ ثقتِه بالله تعالى وحثَّهم على مراعاة ميثاقهم .

(3/453)


وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (67)

{ وَقَالَ } ناصحاً لهم لمّا أزمع على إرسالهم جميعاً { الذين ءامَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ } مصر { مِن بَابٍ وَاحِدٍ } نهاهم عن ذلك حِذاراً من إصابة العين ، فإنهم كانوا ذوي جمالٍ وشارةٍ حسنة وقد كانوا تجمّلوا في هذه الكرّة أكثرَ مما في المرة الأولى وقد اشتهروا في مصر بالكرامة والزلفى لدى الملِك بخلاف النَّوْبة الأولى فكانوا مَئِنّةً لدنوّ كل ناظر وطُموح كل طامح ، وإصابةُ مُعْين بتقدير العزيز الحكيم ليست مما يُنكر وقد ورد عنه عليه السلام : « إن العينَ حق » وعنه عليه السلام : « إنَّ العينَ لتُدخِلُ الرجلَ القبرَ والجملَ القِدْرَ » وقد كان عليه السلام يعوّذ الحسنين رضي الله عنهما بقوله : « أعيذكما بكلمات الله التامة من كل شيطانٍ وهامّة ومن كل عين لامّة » وكان عليه السلام يقول : « كان أبوكما يعوّذ بها إسماعيلَ وإسحاقَ عليهم السلام » رواه البخاري في صحيحه وقد شهدت بذلك التجارِبُ .
ولمّا لم يكن عدمُ الدخول من باب واحد مستلزماً للدخول من أبواب متفرّقة وكان في دخولهم من بابين أو ثلاثةٍ بعضُ ما في الدخول من باب واحد من نوع اجتماعٍ مصحِّحٍ لوقوع المحذورِ قال : { وادخلوا مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرّقَةٍ } بياناً لِما المرادُ بالنهي وإنما لم يكتف بهذا الأمر مع كونه مستلزماً له إظهاراً لكمال العنايةِ وإيذاناً بأنه المرادُ بالأمر المذكور لا تحقيقاً لشيء آخر { وَمَا أُغْنِى عَنكُمْ } أي لا أنفعكم ولا أدفع عنكم بتدبيري { مّنَ الله مِن شَىْء } أي شيئاً مما قضى عليكم فإن الحذرَ لا يمنع القدَر ولم يرد به عليه السلام إلغاءَ الحذر بالمرة كيف لا وقد قال عز قائلاً : { وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة } وقال : { خُذُواْ حِذْرَكُمْ } بل أراد بيانَ أن ما وصاهم به ليس مما يستوجب المرادَ لا محالة بل هو تديبرٌ في الجملة وإنما التأثيرُ وترتُّبُ المنفعةِ عليه من العزيز القدير وأن ذلك ليس بمدافعة للقدر بل هو استعانةٌ بالله تعالى وهربٌ منه إليه .
{ إِنِ الحكم } مطلقاً { أَلاَ لِلَّهِ } لا يشاركه أحد ولا يمانعه شيء { عَلَيْهِ } لا على أحد سواه { تَوَكَّلْتُ } في كل ما آتي وأذر ، وفيه دَلالةٌ على أن ترتيبَ الأسباب غيرُ مُخلَ بالتوكل { وَعَلَيْهِ } دون غيره { فَلْيَتَوَكَّلِ المتوكلون } جُمع بين الحرْفين في عطف الجملةِ على الجملة مع تقديم الصلة للاختصاص مقيَّداً بالواو عطف فعلٍ غيرِه من تخصيص التوكل بالله عز وجل على فعل نفسه وبإلقاء سببية فعلِه لكونه نبياً لفعل غيره من المقتدين به فيدخل فيهم بنوه دخولاً أولياً وفيه ما لا يخفى من حسن هدايتِهم وإرشادِهم إلى التوكل فيما هم بصدده على الله عز وجل غيرَ مغترّين بما وصاهم من التدبير .

(3/454)


وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (68)

{ وَلَمَّا دَخَلُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُم } من الأبواب المتفرقة من البلد ، قيل : كانت له أربعةُ أبوابٍ فدخلوا منها وإنما اكتُفى بذكره لاستلزامه الانتهاءَ عما نُهوا عنه { مَا كَانَ } ذلك الدخولُ { يُغْنِى } فيما سيأتي عند وقوعِ ما وقع { عَنْهُمْ } عن الداخلين لأن المقصودَ به استدفاعُ الضرر عنهم ، والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل لتحقيق المقارنةِ الواجبةِ بين جوابِ لمّا ومدخولِه فإن عدمَ الإغناءِ بالفعل إنما يتحقق عند نزولِ المحذورِ لا وقت الدخول ، وإنما المتحققُ حينئذ ما أفاده الجمعُ المذكور من عدم كونِ الدخولِ المذكورِ مغْنياً فيما سيأتي فتأمل { مِنَ الله } من جهته { مِن شَىْءٍ } أي شيئاً مما قضاه مع كونه مَظِنةً لذلك في بادي الرأي حيث وصّاهم به يعقوبُ عليه السلام وعمِلوا بموجبه واثقين بجدواه من فضل الله تعالى ، فليس المرادُ بيانَ سببية الدخولِ المذكور لعدم الإغناءِ كما في قوله تعالى : { فَلَمَّا جَاءهُمْ نَذِيرٌ مَّا زَادَهُمْ إِلاَّ نُفُوراً } فإن مجيءَ النذير هناك سببٌ لزيادة نفورِهم بل بيانُ عدم سببيته للإغناء مع كونها متوقعةً في بادي الرأي كما في قولك : حلف أن يُعطيَني حقي عند حلولِ الأجلِ فلما حل لم يُعطني شيئاً ، فإن المرادَ بيانُ عدمِ سببية حلولِ الأجلِ للإعطاء مع كونها مرجُوّةً بموجب الحلِف لا بيانُ سببيته لعدم الإعطاءِ فالمآلُ بيانُ عدمِ ترتبِ الغرضِ المقصود على التدبير المعهودِ مع كونه مرجوَّ الوجود لا بيانُ ترتبِ عدمِه عليه ، ويجوز أن يراد ذلك أيضاً بناءً على ما ذكره عليه السلام في تضاعيف وصيّتِه من أنه لا يُغني عنهم من الله شيئاً فكأنه قيل : ولمّا فعلوا ما وصاهم به لم يُفِدْ ذلك شيئاً ووقع الأمر حسبما قال عليه السلام فلقُوا ما لقُوا فيكون من باب وقوعِ المتوقع فتأمل .
{ إِلاَّ حَاجَةً } استثناءٌ منقطعٌ أي ولكنْ حاجةً وحرازةً كائنة { فِى نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا } أي أظهرها ووصّاهم بها دفعاً للخاطرة غيرَ معتقدٍ أن للتدبير تأثيراً في تغيير التقديرِ ، وقد جعل ضميرُ الفاعل في قضاها للدخول على معنى أن ذلك الدخولَ قضى حاجةً في نفس يعقوبَ وهي إرادتُه أن يكون دخولُهم من أبواب متفرقةٍ ، فالمعنى ما كان ذلك الدخولُ يغني عنهم من جهة الله تعالى شيئاً ولكن قضى حاجةً حاصلةً في نفس يعقوبَ بوقوعه حسب إرادتِه فالاستثناءُ منقطعٌ أيضاً وعلى التقديرين لم يكن للتدبير فائدةٌ سوى دفعِ الخاطرة ، وأما إصابةُ العين فإنما لم تقع لكونها غيرَ مقدّرةٍ عليهم لا لأنها اندفعت بذلك مع كونها مقضيّةً عليهم { وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ } جليلٍ { لّمَا عَلَّمْنَاهُ } لتعليمنا إياه بالوحي ونصْبِ الأدلةِ لم يعتقِدْ أن الحذرَ يدفع القَدر وأن التديبرَ له حظٌ من التأثير حتى يتبينَ الخللُ في رأيه عند تخلفِ الأثر أو حيث بتّ القولَ بأنه لا يغني عنهم من الله شيئاً فكان الحالُ كما قال . وفي تأكيد الجملةِ بإن واللامِ وتنكيرِ العلْم وتعليلِه بالتعليم المسند إلى ذاته سبحانه من الدلالة على جلالة شأنِ يعقوبَ عليه السلام وعلوِّ مرتبة علمِه وفخامته ما لا يخفى { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } أسرارَ القدر ويزعمُون أنه يغني عنه الحذرُ ، وأما ما يقال من أن المعنى لا يعلمون إيجابَ الحذر مع أنه لا يغني شيئاً من القدر فيأباه مقام بيان تخلّفِ المطلوب عن المبادىء .

(3/455)


وَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ قَالَ إِنِّي أَنَا أَخُوكَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (69) فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السِّقَايَةَ فِي رَحْلِ أَخِيهِ ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذِّنٌ أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ (70) قَالُوا وَأَقْبَلُوا عَلَيْهِمْ مَاذَا تَفْقِدُونَ (71)

{ وَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ اوَى إِلَيْهِ أَخَاهُ } بنيامينَ أي ضمه إليه في الطعام أو في المنزل أو فيهما . روي أنهم لما دخلوا عليه قالوا له : هذا أخونا قد جئناك به ، فقال لهم : أحسنتم وستجدون ذلك عندي فأكرمهم ثم أضافهم وأجلسهم مثنى مثنى فبقي بنيامين وحيداً فبكى وقال : لو كان أخي يوسفُ حياً لأجلسني معه ، فقال يوسف : بقيَ أخوكم فريداً وأجلسه معه على مائدته وجعل يؤاكله ثم أنزل كلَّ اثنين منهم بيتاً فقال : هذا لا ثانيَ معه فيكون معي فبات يوسف يضمه إليه ويَشمُّ رائحته حتى أصبح وسأله عن ولده فقال : لي عشرةُ بنينَ اشتققْتُ أسماءهم من اسم أخٍ لي هلك ، فقال له : أتُحِب أن أكون أخاك بدلَ أخيك الهالِك؟ قال : من يجدُ أخاً مثلك ولكن لم يلدْك يعقوبُ ولا راحيل ، فبكى يوسف وقام إليه وعانقه وتعرف إليه وعند ذلك { قَالَ إِنّى أَنَاْ أَخُوكَ } يوسف { فَلاَ تَبْتَئِسْ } أي فلا تحزن { بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } بنا فيما مضى فإن الله تعالى قد أحسن إلينا وجمعنا بخير ولا تُعلِمْهم بما أعلمتك ، قاله ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، وعن وهْبٍ أنه لم يتعرّف إليه بل قال له : أنا أخوك بدل أخيك المفقودِ ومعنى فلا تبتئس لا تحزنْ بما كنت تلقى منهم من الحسد والأذى فقد أمِنْتَهم . وروي أنه قال له : فأنا لا أفارقك ، قال : قد علمتُ باغتمام والدي بي فإذا حبستُك يزاد غمُّه ولا سبيل إلى ذلك إلا أن أنسُبَك إلى ما لا يجمُل ، قال : لا أبالي فافعل ما بدا لك ، قال : أدُسّ صاعي في رَحْلك ثم أنادي عليك بأنك سرقتَه ليتهيّأ لي ردُّك بعد تسريحِك معهم ، قال : افعلْ .
{ فَلَمَّا جَهَّزَهُمْ بِجَهَازِهِمْ جَعَلَ السقاية } أي المشرَبةَ ، قيل : كانت مشربة جعلت صاعاً يكال به ، وقيل : كانت تسقى بها الدوابُّ ويكال بها الحبوب وكانت من فضة ، وقيل : من ذهب ، وقيل : من فضة مموّهة بالذهب ، وقيل : كانت إناءً مستطيلاً تشبه المكّوك الفارسيَّ الذي يلتقي طرفاه يستعمله الأعاجم ، وقيل : كانت مرصّعة بالجواهر { فِى رَحْلِ أَخِيهِ } بنيامين وقرىء وجعل على حذف جواب لما تقديره أمهلهم حتى انطلقوا { ثُمَّ أَذَّنَ مُؤَذّنٌ } نادى منادٍ { أَيَّتُهَا العير } وهي الإبلُ التي عليها الأحمالُ لأنها تعير أي تذهب وتجيءُ ، وقيل : هي قافلة الحمير ثم كثُر حتى قيل لكل قافلة عِيرٌ كأنها جمع عَيْر وأصلها فعل مثل سَقْف وسُقُف ففعل به ما فعل ببِيض وغِيد ، والمراد أصحابُها كما في قوله عليه السلام : «يا خيلَ الله اركبي» ، روي أنهم ارتحلوا وأمهلهم يوسفُ حتى انطلقوا منزلاً ، وقيل : خرجوا من العمارة ثم أمر بهم فأُدرِكوا ونودوا { إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ } هذا الخطابُ إن كان بأمر يوسف فلعله أريد بالسرقة أخذُهم له من أبيه ودخول بنيامين فيه بطريق التغليب وإلا فهو من قبل المؤذّن بناء على زعمه والأولُ هو الأظهرُ الأوفق للسياق ، وقرأ اليماني سارقون بلا لام { قَالُواْ } أي الإخوة { وَأَقْبَلُواْ عَلَيْهِمْ } جملةٌ حالية من ضمير قالوا جيء بها للدلالة على انزعاجهم مما سمعوه لمباينته لحالهم { مَّاذَا تَفْقِدُونَ } أي تعدَمون ، تقول : فقَدت الشيء إذا عدِمته بأن ضل عنك لا بفعلك والمآل ماذا ضاع عنكم ، وصيغة المستقبل لاستحضار الصورة وقرىء تُفقِدون من أفقدته إذا وجدته فقيداً وعلى التقديرين فالعدولُ عما يقتضيه الظاهرُ من قولهم : ماذا سُرق منكم لبيان كمال نزاهتِهم بإظهار أنه لم يُسْرق منهم شيء فضلاً أن يكونوا هم السارقين له وإنما الممكنُ أن يضيع منهم شيء فيسألوهم أنه ماذا ، وفيه إرشادٌ لهم إلى مراعاة حسنِ الأدب والاحتراز عن المجازفة ونسبة البُرَآء إلى ما لا خير فيه لا سيما بطريق التوكيد فلذلك غيروا كلامهم حيث

(3/456)


قَالُوا نَفْقِدُ صُوَاعَ الْمَلِكِ وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (72) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ (73)

{ قَالُواْ } فى جوابهم { نَفْقِدُ صُوَاعَ الملك } ولم يقولوا سرقتموه أو سرق وقرئ صاع وصوع وصوع بفتح الصاد وضمها وبإهمال العين وإعجامها من الصياغة ثم قالوا تربية لما تلقوه من قبلهم وإراءة لاعتقاد أنه إنما بقى فى رحلهم اتفاقا { وَلِمَن جَآءَ بِهِ } من عند نفسه مظهراً له قبل التفتيش { حِمْلُ بَعِيرٍ } من الطعام جعلا له لا على نية تحقيق الوعد لجزمهم بامتناع وجود الشرط وعزمهم على ما لا يخفى من أخذ من وجد فى رحله { وَأَنَاْ بِهِ زَعِيمٌ } كفيل أؤديه إليه وهو قول المؤذن { قَالُواْ تالله } الجمهور على أن التاء بدل من الواو ولذلك لا تدخل إلا على الجلالة المعظمة أو الرب المضاف إلى الكعبة أو الرحمن فى قول ضعيف ولو قلت تالرحيم لم يجز وقيل من الباء وقيل أصل بنفسها وأياً ما كان ففيه تعجب { لَقَدْ عَلِمْتُمْ } علماً جازماً مطابقاً للواقع { مَّا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي الأرض } أى لنسرق فإنه من أعظم أنواع الإفساد أو لنفسد فيها أى إفساد كان مما عز أو هان فضلا عما نسبتمونا إليه من السرقة ونفى المجئ للإفساد وإن لم يكن مستلزماً لما هو مقتضى المقام من نفى الإفساد مطلقاً لكنهم جعلوا المجئ الذى يترتب عليه ذلك ولو بطريق الاتفاق مجيئاً لغرض الإفساد مفعولا لأجله ادعاء إظهار لكمال قبحه عندهم وتربية لاستحالة صدوره عنهم كما قيل فى قوله تعالى { ما يبدل القول لدى وما أنا بظلاَّمٍ للعبيد } الدال بظاهره على نفى المبالغة فى الظلم دون نفى الظلم فى الجملة الذى هو مقتضى المقام من أن المعنى إذا عذبت من لا يستحق التعذيب كنت ظلاماً مفرطاً فى الظلم فكأنهم قالوا إن صدر عنا إفساد كان مجيئنا لذلك مريدين به تقبيح حاله وإظهار كمال نزاهتهم عنه يعنون أنه قد شاع بينكم فى كرتى مجيئنا ما نحن عليه وقد كانوا على غاية ما يكون من الديانة والصيانة فيما يأتون ويذرون حتى روى أنهم دخلوا مصر وأفواه رواحلهم مكمومة لئلا تتناول زرعا أو طعاماً لأحد وكانوا مثابرين على فنون الطاعات وعلمتم بذلك أنه لا يصدر عنا إفساد { وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ } أى ما كنا نوصف بالسرقة قط وإنما حكموا بعلمهم ذلك لأن العلم بأحوالهم الشاهدة يستلزم العلم بأحوالهم الغائبة وإنما لم يكتفوا بنفى الأمرين المذكورين بل استشهدوا بعلمهم بذلك إلزاماً للحجة عليهم وتحقيقاً للتعجب المفهوم من تاء القسم .

(3/457)


قَالُوا فَمَا جَزَاؤُهُ إِنْ كُنْتُمْ كَاذِبِينَ (74) قَالُوا جَزَاؤُهُ مَنْ وُجِدَ فِي رَحْلِهِ فَهُوَ جَزَاؤُهُ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (75) فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِنْ وِعَاءِ أَخِيهِ كَذَلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ (76)

{ قَالُواْ } أي أصحاب يوسف عليه السلام { فَمَا جَزَاؤُهُ } الضمير للصُّواع على حذف المضاف أي فما جزاء سرقتِه عندكم وفي شريعتكم { إِن كُنتُمْ كاذبين } لا في دعوى البراءةِ عن السرقة فإنهم صادقون فيها بل فيما يستلزمه ذلك من نفي كون الصواعِ فيهم كما يؤذِن به قوله عز وجل : { قَالُواْ جَزؤُهُ مَن وُجِدَ } أي أخْذُ مَنْ وُجد الصواع { فِى رَحْلِهِ } حيث ذكر بعنوان الوُجدان في الرحل دون عنوان السرقةِ وإن كان مستلزِماً لها في اعتقادهم المبنيِّ على قواعد العادة ، ولذلك أجابوا بما أجابوا فإن الأخذَ والاسترقاقَ سنةً إنما هو جزاءُ السارقِ دون من وُجد في يده مالُ غيره كيفما كان فتأمل واحمِلْ كلام كل فريقٍ على ما لا يزاحِم رأيَه فإنه أقربُ إلى معنى الكيد وأبعدُ من الافتراء ، وقوله تعالى : { فَهُوَ جَزَاؤُهُ } تقريرٌ لذلك الحكمِ أي فأخذُه جزاؤه كقولك : حقُّ الضيف أن يكرم فهو حقه ، ويجوز أن يكون جزاؤه مبتدأً والجملة الشرطية كما هي خبرُه على إقامة الظاهر مُقامَ المضمر ، والأصل جزاؤُه من وجد في رحله ، فهو على أن الأول لمن والثاني للظاهر الذي وضع موضعه { كذلك } أي مثل ذلك الجزاءِ الأوفى { نَجْزِى الظالمين } بالسرقة ، تأكيدٌ للحكم المذكور غِبَّ تأكيدٍ وبيانٌ لقبح السرقة ولقد فعلوا ذلك ثقةً بكمال براءتِهم عنها وهم عما فُعل غافلون .
{ فَبَدَأَ } يوسف بعد ما رجَعوا إليه للتفتيش { بِأَوْعِيَتِهِمْ } بأوعية الإخوةِ العشرةِ أي بتفتيشها { قَبْلَ } تفتيش { وِعَاء أَخِيهِ } بنيامين لنفي التهمة . روي أنه لما بلغت النوبةُ إلى وعائه قال : ما أظن هذا أخذ شيئاً ، فقالوا : والله لا نترُكه حتى تنظرَ في رحله فإن أطيبُ لنفسك وأنفسنا { ثُمَّ استخرجها } أي السقاية أو الصُّواعَ فإنه يذكر ويؤنث { مِن وِعَاء أَخِيهِ } لم يقل منه على رجع الضميرِ إلى الوعاء أو من وعائه على رجعه إلى أخيه قصداً إلى زيادة كشفٍ وبيان ، وقرىء بضم الواو بقلبها همزة كما في أشاح في وشاح { كذلك } نُصب على المصدرية والكافُ مقحمةٌ للدَلالة على فخامة المشارِ إليه وكذا ما في ذلك من معنى البُعد أي مثلَ ذلك الكيدِ العجيبِ وهو عبارةٌ عن إرشاد الإخوةِ إلى الإفتاء المذكورِ بإجرائه على ألسنتهم وبحملهم عليه بواسطة المستفتين من حيث لم يحتسبوا فمعنى قوله عز وجل : { كِدْنَا لِيُوسُفَ } صنعنا له ودبّرنا لأجل تحصيل غرضِه من المقدمات التي رتبها من دس الصُواعِ وما يتلوه ، فاللام ليست كما في قوله : { فَيَكِيدُواْ لَكَ كَيْدًا } فإنها داخلة على المتضرِّر على ما هو الاستعمالُ الشائع وقوله تعالى : { مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِى دِينِ الملك } استئنافٌ وتعليلٌ لذلك الكيدِ وصُنعه لا تفسيرٌ وبيانٌ له كما قيل ، كأنه قيل : لماذا فعل ذلك؟ فقيل : لأنه لم يكن ليأخذ أخاه بما فعله في دين الملِكِ في أمر السارق أي في سلطانه ، قاله ابن عباس ، أو في حكمه وقضائِه ، قاله قتادة ، إلا به لأن جزاءَ السارقِ في دينه إنما كان ضربَه وتغريمَه ضعفَ ما أخذ دون الاسترقاق والاستعباد كما هو شريعةُ يعقوبَ عليه السلام فلم يكن يتمكن بما صنعه من أخذ أخيه بالسرقة التي نسبها إليه حال من الأحوال { إِلاَّ أَن يَشَاء الله } أي إلا حالَ مشيئتِه التي هي عبارةٌ عن إرادته لذلك الكيدِ أو إلا حالَ مشيئتِه للأخذ بذلك الوجهِ ، ويجوز أن يكون الكيدُ عبارةً عنه وعن مباديه المؤدِّية إليه جميعاً من إرشاد يوسفَ وقومِه إلى ما صدر عنهم من الأفعال والأقوالِ حسبما شرح مرتباً لكن لا على أن يكون القصرُ المستفادُ من تقديم المجرورِ مأخوذاً بالنسبة إلى غيره مطلقاً على معنى مثلَ ذلك الكيدِ كدنا لا كيداً آخرَ إذ لا معنى لتعليله بعجز يوسفَ عن أخذ أخيه في دين الملكِ في شأن السارقِ قطعاً إذ لا علاقة بين مطلقِ الكيد ودينِ الملك في أمر السارق أصلاً بالنسبة إلى بعضه على معنى مثلَ ذلك الكيدِ البالغ إلى هذا الحد كدنا له ولم نكتف ببعض من ذلك لأنه لم يكن يأخذ أخاه في دين الملك به إلا حالَ مشيئتِنا له بإيجاد ما يجري مجرى الجزءِ الصّوري من العلة التامة وهو إرشادُ إخوتِه إلى الإفتاء المذكور ، وعلى هذا ينبغي أن يحمل القصرُ في تفسير من فسر قوله تعالى : { كِدْنَا لِيُوسُفَ } بقوله : علّمناه إياه وأوحينا به إليه أي مثلَ ذلك التعليم المستتبعِ لما شرح مرتباً علّمناه دون بعض من ذلك فقط الخ ، وعلى كل حال فالاستئناءُ من أعم الأحوال كما أشير إليه ، ويجوز أن يكون من أعم العلل والأسبابِ أي لم يكن يأخذ أخاه لعلة من العلل أو بسبب من الأسباب إلا لعلة مشيئتِه تعالى أو إلا بسبب مشيئتِه تعالى ، وأياً ما كان فهو متصلٌ لأن أخذَ السارق إذا كان ممن يرى ذلك ويعتقده ديناً لا سيما عند رضاه وإفتائِه به ليس مخالفاً لدين الملِك ، وقد قيل : معنى الاستئناءِ إلا أن يشاء الله أن يجعل ذلك الحكمَ حكمَ الملكِ .

(3/458)


وأنت تدري أن المرادَ بدينه ما عليه حينئذ فتغييرُه مُخِلٌّ بالاتصال وإرادةُ مطلقِ ما يتدين به أعمّ منه ومما يحدث تفضي إلى كون الاستثناءِ من قبيل التطبيقِ بالمحال إذ المقصودُ بيانُ عجزِ يوسفَ عليه السلام عن أخذ أخيه حينئذ ولم تتعلق المشيئةُ بالجعل المذكورِ إذ ذاك وإرادةُ عجزِه مطلقاً تؤدي إلى خلاف المراد فإن استثناءَ حال المشيئةِ المذكورة من أحوال عجزه عليه السلام مما يُشعر بعدم الحاجةِ إلى الكيد المذكور فتدبر . وقد جُوّز الانقطَاعُ أي لكنْ أخذُه بمشيئة الله تعالى وإذنِه في دين غيرِ دينِ الملك .

(3/459)


{ نَرْفَعُ درجات } أي رتباً كثيرةً عاليةً من العلم وانتصابُها على المصدرية أو الظرفية أو على نزع الخافضِ أي إلى درجات والمفعول قوله تعالى : { مَّن نَّشَاء } أي نشاء رفعَه حسبما تقتضيه الحكمةُ وتستدعيه المصلحةُ كما رفعنا يوسف ، وإيثارُ صيغة الاستقبالِ للإشعار بأن ذلك سنةٌ مستمرةٌ غيرُ مختصةٍ بهذه المادة والجملةُ مستأنفةٌ لا محل لها من الإعراب { وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ } من أولئك المرفوعين { عَلِيمٌ } لا ينالون شأوَه واعلم أنه إن جعل الكيدُ عبارةً عن المعنيَيْن الأولين فالمرادُ برفع يوسفَ عليه السلام ما اعتُبر فيه بالشرطية أو الشطرية من إرشاده عليه السلام إلى دس الصّواع في رحل أخيه وما يتفرع عليه من المقدمات المرتبة لاستبقاء أخيه مما يتم من قِبَله ، والمعنى أرشدنا إخوته إلى الإفتاء المذكور لأنه لم يكن متمكناً من أخذ أخيه بدونه ، أو أرشدنا كلاًّ منهم ومِنْ يوسف وأصحابه إلى ما صدر عنهم ولم نكتف بما تم من قِبل يوسف فقط لأنه لم يكن متمكناً من أخذ أخيه بذلك فقوله تعالى : { نَرْفَعُ درجات } إلى قوله تعالى : { عَلِيمٌ } توضيحٌ لذلك على معنى أن الرفع المذكورَ لا يوجب تمامَ مرامِه إذ ليس ذلك بحيث لا يعزُب عن علمه شيءٌ بل إنما نرفع كلَّ من نرفع حسب استعدادِه ، وفوق كلِّ واحدٍ منهم عليمٌ لا يقادر علمُه ولا يكتنه كنهُه يَرفع كلاًّ منهم إلى ما يليق به من معارج العلمِ ومدارجِه وقد رَفع يوسفَ إلى ما يليق به من الدرجات العاليةِ وعلم أن ما حواه دائرةُ علمِه لا يفي بمرامه فأرشد إخوتَه إلى الإفتاء المذكورِ فكان ما كان ، وكأنه عليه السلام لم يكن على يقين من صدوره الإفتاء المذكورِ عن إخوته وإن كان على طمع منه فإن ذلك إلى الله عز وجل وجوداً وعلماً ، والتعرضُ لوصف العلم لتعيين جهةِ الفوقية ، وفي صيغة المبالغةِ مع التنكير والالتفاتِ إلى الغَيبة من الدلالة على فخامة شأنِه عز وعلا وجلالةِ مقدارِ علمِه المحيطِ ما لا يخفى . وأما إن جعل عبارةً عن التعليم المستتبعِ للإفتاء المذكور فالرفعُ عبارةٌ عن ذلك التعليم والإفتاءِ وإن لم يكن داخلاً تحت قدرتِه عليه السلام لكنه كان داخلاً تحت علمِه بواسطة الوحي والتعليم ، والمعنى مثلَ ذلك التعليم البالغِ إلى هذا الحد علّمناه ولم نقتصر على تعليمِ ما عدا الإفتاءَ الذي سيصدر عن إخوته إذ لم يكن متمكناً من أخذ أخيه إلا بذلك فقوله : { نَرْفَعُ درجات مَّن نَّشَاء } توضيحٌ لقوله : كدنا وبيانٌ لأن ذلك من باب الرفعِ إلى الدرجات العاليةِ من العلم ومدحٌ ليوسف برفعه إليها ، وقوله وفوق كل ذي علم عليمٌ تذييلٌ له أي نرفع درجاتٍ عاليةً من العلم من نشاء رفعَه وفوق كلَ منهم عليمٌ هو أعلى درجةً . قال ابن عباس رضي الله عنهما : فوق كلِّ عالمٍ عالمٌ إلى أن ينتهيَ العلم إلى الله تعالى ، والمعنى إن إخوة يوسف عليه السلام كانوا علماءَ إلا أن يوسفَ عليه السلام أفضلُ منهم ، وقرىء درجاتِ مَنْ نشاء بالإضافة ، والأولُ أنسبُ بالتذييل حيث نُسب فيه الرفعُ إلى من نسب إليه الفوقية لا إلى درجتِه ويجوز أن يكون العليمُ في هذا التفسير أيضاً عبارةً عن الله عز وجل أي وفوق كلَ من أولئك المرفوعين عليمٌ يرفع كلاًّ منهم إلى درجته اللائقةِ به والله تعالى أعلم .

(3/460)


قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ (77)

{ قَالُواْ إِن يَسْرِقْ } يعنون بنيامين { فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِن قَبْلُ } يريدون به يوسفَ عليه السلام وما جرى عليه من جهة عمّتِه على ما قيل من أنه كانت تحضِنه فلما شب أراد يعقوبُ عليه السلام انتزاعَه منها وكانت لا تصبِر عنه ساعةً وكانت لها منطقةٌ ورثتها من أبيها إسحاقَ عليه السلام فاحتالت لاستبقاء يوسفَ عليه السلام فعمَدت إلى المنطقة فحزمَتْها عليه من تحت ثيابه ثم قالت : فقدتُ منطقة إسحاقَ عليه السلام فانظروا مَنْ أخذها فوجدوها محزومةً على يوسف فقالت : إنه لي سَلَم أفعل به ما أشاء فخلاّه يعقوبُ عليه السلام عندها حتى ماتت ، وقيل : كان أخذ في صِباه صنماً لأبي أمِّه فكسره وألقاه في الجيف ، وقيل : دخل كنيسة فأخذ تمثالاً صغيراً من ذهب كانوا يعبُدونه فدفنه { فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ } أي أكنّ الحزازةَ الحاصلة مما قالوا { فِى نَفْسِهِ } لا أنه أسرّها لبعض أصحابه كما في قوله تعالى : { وَأَسْرَرْتُ لَهُمْ إِسْرَاراً } { وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ } لا قولاً ولا فعلاً صفحاً عنهم وحِلماً وهو تأكيد لما سبق .
{ قَالَ } أي في نفسه وهو استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من الإخبار بالإسرار المذكور كأنه قيل : فماذا قال في نفسه في تضاعيف ذلك الإسرارِ؟ فقيل : قال : { أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً } أي منزلةً حيث سرقتم أخاكم من أبيكم ثم طفِقتم تفترون على البريء ، وقيل : بدل من أسرها والضمير للمقالة المفسرة بقوله : { أَنْتُمْ شَرٌّ مَّكَاناً } { والله أَعْلَمْ بِمَا تَصِفُونَ } أي عالمٌ علماً بالغاً إلى أقصى المراتب بأن الأمرَ ليس كما تصفون من صدور السرقةِ منا بل إنما هو افتراءٌ علينا فالصيغةُ لمجرد المبالغة لا لتفضيل علمِه عز وجل على علمهم كيف لا وليس لهم بذلك من علم .

(3/461)


قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (78) قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنَا مَتَاعَنَا عِنْدَهُ إِنَّا إِذًا لَظَالِمُونَ (79) فَلَمَّا اسْتَيْئَسُوا مِنْهُ خَلَصُوا نَجِيًّا قَالَ كَبِيرُهُمْ أَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ وَمِنْ قَبْلُ مَا فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (80)

{ قَالُواْ } عندما شاهدوا مخايلَ أخْذِ بنيامين مستعطِفين { قَالُواْ يأَيُّهَا العزيز إِنَّ لَهُ أَبًا } لم يريدوا بذلك الإخبارَ بأن له أباً ذلك معلومٌ مما سبق وإنما أرادوا الإخبار بأن له أباً { شَيْخًا كَبِيرًا } في السن لا يكاد يستطيع فراقَه وهو عَلالةٌ به يتعلل عن شقيقه الهالك { فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ } فلسنا عنده بمنزلته من المحبة والشفقة { إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المحسنين } إلينا فأتمم إحسانَك بهذه التتمة أو المتعوّدين بالإحسان فلا تغيّر عادتك .
{ قَالَ مَعَاذَ الله } أي نعوذ بالله معاذاً من { أَن نَّأْخُذَ } فحُذف الفعلُ وأُقيم مُقامَه المصدرُ مضافاً إلى المفعول به بعد حذفِ الجارِّ { إِلاَّ مَن وَجَدْنَا متاعنا عِندَهُ } لأن أخْذنا له إنما هو بقضية فتواكم فليس لنا الإخلالُ بموجبها ، وإيثارُ صيغة التكلم مع الغير كون الخطابِ من جانب إخوتِه على التوحيد من باب السلوكِ إلى سنن الملوك ، أو للإشعار بأن الأخذَ والإعطاءَ ليس مما يُستبدّ به بل هو منوطٌ بآراء أولي الحلِّ والعقد ، وإيثارُ ( مَنْ وجدنا متاعنا عنده ) دون مَنْ سرق متاعنا لتحقيق الحقِّ والاحتراز عن الكذب في الكلام مع تمام المرام فإنهم لا يحمِلون وُجدان الصُّواعِ في الرحل على محمل غيرِ السرقة { إِنَّا إِذَاً } أي إذا أخذنا غيرَ من وجدنا متاعنا عنده ولو برضاه { لظالمون } في مذهبكم وما لنا ذلك ، وهذا المعنى هو الذي أريد بالكلام في أثناء الحوارِ ، وله معنى باطنٌ هو أن الله عز وجل إنما أمرني بالوحي أن آخذَ بنيامينَ لمصالحَ علمها الله في ذلك فلو أخذتُ غيرَه كنت ظالماً وعاملاً بخلاف الوحي .
{ فَلَمَّا استيأسوا مِنْهُ } أي يئسوا من يوسف وإجابتِه لهم أشدَّ يأس بدِلالة صيغة الاستفعال ، وإنما حصَلت لهم هذه المرتبةُ من اليأس لِما شاهدوه من عَوْذه بالله مما طلبوه الدالِّ على كون ذلك عنده في أقصى مراتب الكراهةِ وأنه مما يجب أن يُحترز عنه ويُعاذَ منه بالله عز وجل ومن تسميته ظلماً بقوله : { إِنَّا إِذًا لظالمون } { خَلَصُواْ } اعتزلوا وانفردوا عن الناس { نَجِيّاً } أي ذوي نجوى على أن يكون بمعنى النجوى والتناجي أو فوجاً نجياً على أن يكون بمعنى المناجى كالعشير والسمير بمعنى المعاشر والمسامر ومنه قوله تعالى : { وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيّاً } ويجوز أن يقال : هم نَجيٌّ ، كما يقال : هم صديق لأنه بزنة المصادر من الزفير والزئير { قَالَ كَبِيرُهُمْ } في السن وهو روبيلُ أو في العقل وهو يهوذا أو رئيسهم وهو شمعون { أَلَمْ تَعْلَمُواْ } كأنهم أجمعوا عند التناجي على الانقلاب جملةً ولم يرضَ به فقال منكِراً عليهم : ألم تعلموا { أَنَّ أَبَاكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَّوْثِقًا مّنَ الله } عهداً يوثق به وهو حِلفُهم بالله تعالى ، وكونُه من الله لإذنه فيه وكونِ الحلف باسمه الكريم { وَمِن قَبْلُ } أي ومن قبل هذا { مَا فَرَّطتُمْ فِى يُوسُفَ } قصرتم في شأنه ولم تحفظوا عهدَ أبيكم وقد قلتم : وإنا له لناصحون ، وإنا له لحافظون ، وما مزيدةٌ أو مصدرية ، ومحلُّ المصدر النصبُ عطفاً على مفعول تعلموا أي ألم تعلموا أخذَ أبيكم عليكم موثقاً وتفريطَكم السابقَ في شأن يوسف عليه السلام ، ولا ضير في الفصل بين العاطفِ والمعطوفِ بالظرف وقد جوّز النصبُ عطفاً على اسم أن والخبر في يوسف أو من قبل على معنى ألم تعلموا أن تفريطَكم السابق وقع في شأن يوسف عليه السلام أو أن تفريطَكم الكائنَ أو كائناً في شأن يوسف عليه السلام وقع من قبل ، وفيه أن مقتضى المقام إنما هو الإخبارُ بوقوع ذلك التفريطِ لا بكون تفريطِهم السابقِ واقعاً في شأن يوسف كما هو مفادُ الأول ، ولا بكون تفريطِهم الكائنِ في شأنه واقعاً من قبل كما هو مفادُ الثاني على أن الظرفَ المقطوعَ عن الإضافة لا يقع خبراً ولا صفة ولا صلة ولا حالاً عند البعض كما تقرر في موضعه ، وقيل : محلُّه الرفعُ على الابتداء والخبرُ من قبلُ وفيه ما فيه ، وقيل : ما موصولةٌ أو موصوفة ومحلها النصبُ أو الرفعُ والحقُّ هو النصبُ عطفاً على مفعول تعلموا أي ما فرطتموه بمعنى قدمتموه في حقه من الخيانة ، وأما النصبُ عطفاً على اسم أن أو الرفعُ على الابتداء فقد عرفتَ حاله { فَلَنْ أَبْرَحَ الارض } متفرِّعٌ على ما ذكَره وذكره إياهم من ميثاق أبيه وقوله :

(3/462)


{ لَتَأْتُنَّنِى بِهِ إِلاَّ أَن يُحَاطَ بِكُمْ } أي فلن أفارق أرضَ مصرَ جارياً على قضية الميثاق { حتى يَأْذَنَ لِى أَبِى } في البَراح بالانصراف إليه وكأن أيمانَهم كانت معقودةً على عدم الرجوعِ بغير إذن يعقوبَ عليه السلام { أَوْ يَحْكُمَ الله لِى } بالخروج منها على وجه لا يؤدّي إلى نقض الميثاقِ أو بخلاص أخي بسبب من الأسباب . روي أنهم كلموا العزيز في إطلاقه فقال روبيلُ : أيها الملك لترُدَّن إلينا أخانا أو لأصِيحن صَيْحةً لا تبقى بمصرَ حاملٌ إلا ألقت ولدها ووقعت كل شعرة في جسده فخرجت من ثيابه وكان بنو يعقوب إذا غضِبوا لا يطاقون خلا أنه إذا مس مَنْ غضب واحدٌ منهم سكن غضبُه ، فقال يوسف لابنه : قم إلى جنبه فَمُسّه فَمَسَّه فقال روبيل : مَنْ هذا؟ إن في هذا البلد بَذْراً من بَذر يعقوب { وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين } إذ لا يحكم إلا بالحق والعدل .

(3/463)


ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ حَافِظِينَ (81)

{ ارجعوا } أنتم { إلى أَبِيكُمْ فَقُولُواْ يأَبَانَا إِنَّ ابنك سَرَقَ } على ظاهر الحالِ وقرىء سُرق أي نسب إلى السرقة { وَمَا شَهِدْنَا } عليه { إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا } وشاهدنا أن الصُواعَ استُخرجت من وعائه { وَمَا كُنَّا لِلْغَيْبِ } أي باطن الحال { حافظين } فما ندري أن حقيقةَ الأمرِ كما شاهدنا أم بخلافه ، أو وما كنا عالمين حين أعطيناك المَوْثِقَ أنه سيسرِق أو أن نلاقيَ هذا الأمر أو أنك تصاب به كما أُصبت بيوسف .

(3/464)


وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (82) قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ (84)

{ واسئل القرية التى كُنَّا فِيهَا } أي مصرَ أو قريةً بقربها لحِقهم المنادي عندها أي أرسلْ إلى أهلها واسألهم عن القصة { والعير التى أَقْبَلْنَا فِيهَا } أي أصحابَها فإن القصة معروفةٌ فيما بينهم وكانوا قوماً من كنعان من جيران يعقوبَ عليه السلام ، وقيل : من صنعاء { وِإِنَّا لصادقون } تأكيدٌ في محل القسم { قَالَ } أي يعقوبُ عليه السلام وهو استئنافٌ مبني على سؤال نشأ مما سبق فكأنه قيل : فماذا كان عند قولِ المتوقّف لإخوته ما قال؟ فقيل : قال يعقوبُ عندما رجَعوا إليه فقالوا له ما قالوا وإنما حُذف للإيذان بأن مسارعتَهم إلى قبوله ورجوعَهم به إلى أبيهم أمرٌ مسلَّم غنيٌّ عن البيان ، وإنما المحتاجُ إليه جوابُ أبيهم { بَلْ سَوَّلَتْ } أي زيّنت وسهّلت وهو إضرابٌ لا عن صريح كلامهم فإنهم صادقون في ذلك عما يتضمنه من ادعاء البراءة عن التسبب فيما نزل به وأنه لم يصدرُ عنهم ما يؤدي إلى ذلك من قول أو فعل كأنه قيل : لم يكن الأمرُ كذلك بل زينت { لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا } من الأمور فأتيتموه يريد بذلك فُتياهم بأخذ السارق بسرقته { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } أي فأمري صبرٌ جميل أو فصبرٌ جميل أجملُ { عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا } بيوسف وأخيه والمتوقِّف بمصر { إِنَّهُ هُوَ العليم } بحالي وحالهم { الحكيم } الذي لم يبتلِني إلا لحكمة بالغة .
{ وتولى } أي أعرض { عَنْهُمْ } كراهةً لما سمع منهم { وَقَالَ يَا أَسَفاً على يُوسُفَ } الأسفُ أشدُّ الحزن والحسرةُ ، أضافه إلى نفسه والألفُ بدلٌ من الياء فناداه أي يا أسفي تعالَ فهذا أوانُك وإنما تأسف على يوسف مع أن الحادثَ مصيبةٌ أخويه لأن رُزْأَه كان قاعدةَ الأرزاءِ غضاً عنده وإن تقادم عهده آخذاً بمجامع قلبه لا ينساه ولأنه كان واثقاً بحياتهما عالماً بمكانهما طامعاً في إيابهما ، وأما يوسفُ فلم يكن في شأنه ما يحرك سلسلةَ رجائِه سوى رحمةِ الله وفضلِه .
وفي الخبر : ( لم تُعطَ أمةٌ من الأمم إنا لله وإنا إليه راجعون إلا أمةُ محمدٍ عليه الصلاة والسلام ألا يُرى إلى يعقوبَ حين أصابه ما أصابه لم يسترجِعْ بل قال ما قال ) والتجانسُ بين لفظي الأسَف ويوسف مما يزيد النظمَ الكريم بهجةً كما في قوله عز وجل : { وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ } وقوله : { اثاقلتم إِلَى الارض أَرَضِيتُم } وقوله : { ثُمَّ كُلِى مِن كُلّ الثمرات } { وَجِئْتُكَ مِن سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ } ونظائرها { وابيضت عَيْنَاهُ مِنَ الحزن } الموجبِ للبكاء فإن العَبْرة إذا كثُرت محقَت سوادَ العين وقلبتْه إلى بياض كدِر . قيل : قد عميَ بصرُه ، وقيل : كان يدرك إدراكاً ضعيفاً . روي أنه ما جفّت عينا يعقوبَ من يوم فراقِ يوسفَ إلى حين لقائه ثمانين عاماً وما على وجه الأرض أكرمُ على الله عز وجل من يعقوب عليه السلام ، وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( أنه سأل جبريلَ عليه السلام :

(3/465)


" ما بلغ من وجد يعقوبَ عليه السلام على يوسف؟» قال : وجْدَ سبعين ثكلى ، قال : «فما كان له من الأجر؟» قال : أجرُ مائةِ شهيد وما ساء ظنُّه بالله ساعةً قط " وفيه دليل على جواز التأسف والبكاءِ عند النوائبِ فإن الكفَّ عن ذلك مما لا يدخل تحت التكليف فإنه قل من يملك نفسه عند الشدائد ، ولقد بكى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على ولده آبراهيمَ وقال : " القلبُ يحزن والعين تدمَع ولا نقول ما يُسخِط الربَّ وإنا عليك يا إبراهيمُ لمحزونون " وإنما الذي لا يجوز ما يفعله الجهلةُ من الصياح والنياحة ولطْمِ الخدودِ والصدور وشقِّ الجيوبِ وتمزيقِ الثياب ، وعن النبي عليه السلام أنه بكى على ولد بعضِ بناتِه وهو يجود بنفسه ، فقيل : يا رسول الله تبكي وقد نَهَيتنا عن البكاء؟ فقال : " ما نهيتُكم عن البكاء وإنما نهيتُكم عن صوتين أحمقين صوتٍ عند الفرَح وصوت عند الترَح " { فَهُوَ كَظِيمٌ } مملوءٌ من الغيظ على أولاده مُمسِكٌ له في قلبه لا يُظهره ، فعيل بمعنى مفعول بدليل قوله تعالى : { وَهُوَ مَكْظُومٌ } من كظمَ السِّقاءَ إذا شده على ملئه أو بمعنى فاعل كقوله : { والكاظمين الغيظ } من كظم الغيظَ إذا اجترعه وأصله كظم البعيرُ جِرَّتَه إذا ردها في جوفه .

(3/466)


قَالُوا تَاللَّهِ تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ (85) قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (87)

{ قَالُواْ تَالله تَفْتَأُ } أي لا تفتأ ولا تزال { تَذْكُرُ يُوسُفَ } تفجّعاً عليه فحُذف النفي كما في قوله :
فَقُلْتُ يَمينُ الله أَبْرَحُ قَاعِداً ... لعدم الالتباس بالإثبات فإن القسمَ إذا لم يكن معه علامةُ الإثبات يكون على النفي البتةَ { حتى تَكُونَ حَرَضاً } مريضاً مُشْفياً على الهلاك ، وقيل : الحَرضُ مَنْ أذابه هم أو مرض وهو في الأصل مصدرٌ ولذلك لا يؤنث ولا يثنى ولا يجمع والنعت منه بالكسر كدنِف وقد قرىء به وبضمتين كجُنُب وغَرِب { أَوْ تَكُونَ مِنَ الهالكين } أي الميتين { قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثّى } البثّ أصعبُ الهم الذي لا يصبر عليه صاحبُه فيبثّه إلى الناس أي ينشره فكأنهم قالوا له ما قالوا بطريق التسلية والإشكاءِ ، فقال لهم : إني لا أشكو ما بي إليكم أو إلى غيركم حتى تتصدّوا لتسليتي وإنما أشكو همي { وَحُزْنِى إِلَى الله } تعالى ملتجئاً إلى جنابه متضرِّعاً لدى بابه في دفعه وقرىء بفتحتين وضمتين { وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } من لطفه ورحمته فأرجو أن يرحمني ويلطُفَ بي ولا يُخيِّب رجائي أو أعلمَ وحياً أو إلهاماً من جهته ما لا تعلمون من حياة يوسف . قيل : رأى ملكَ الموتِ في المنام فسأله عنه فقال : هو حي ، وقيل : علم من رؤيا يوسف عليه السلام أنه سيخرّ له أبواه وإخوتُه سجّداً .
{ يبَنِىَّ اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ } أي تعرّفوا وهو تفعُّلٌ من الحَسّ وقرىء بالجيم من الجسّ وهو الطلب أي تطلبوا { مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ } أي من خبرهما ولم يذكر الثالثِ لأن غَيبته اختياريةٌ لا يعسُر إزالتها { وَلاَ تَايْئَسُواْ مِن رَّوْحِ الله } لا تقنَطوا من فرجه وتنفيسه وقرىء بضم الراء أي من رحمته التي يُحيي بها العبادَ وهذا إرشادٌ لهم إلى بعض ما أُبهم في قوله : { وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } ثم حذرهم عن ترك العمل بموجب نهيه بقوله : { يبَنِىَّ اذهبوا فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَايْئَسُواْ مِن } لعدم علمِهم بالله تعالى وصفاتِه فإن العارفَ لا يقنط في حال من الأحوال .

(3/467)


فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالُوا يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ (88) قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (89)

{ فَلَمَّا دَخَلُواْ عَلَيْهِ } أي على يوسف بعد ما رجعوا إلى مصر بموجب أمرِ أبيهم وإنما لم يُذكر ذلك إيذاناً بمسارعتهم إلى ما أمروا به وإشعاراً بأن ذلك أمرٌ محققٌ لا يفتقر إلى الذكر والبيان { قَالُواْ ياأَيُّهَا العزيز } أي الملكُ القادرُ المتمنع { مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضر } الهُزالُ من شدة الجوع { وَجِئْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ } مدفوعةٍ يدفعها كلُّ تاجر رغبةً عنها واحتقاراً لها من أزجَيتُه إذا دفعتُه وطردتُه والريحُ تزجي السحابَ . قيل : كانت بضاعتُهم من متاع الأعراب صوفاً وسمناً ، وقيل : الصنوبرَ وحبةَ الخضراء ، وقيل : سُويقُ المُقْل والأقِطُ ، وقيل : دراهمَ زيوفاً لا تؤخذ إلا بوضيعة وإنما قدّموا ذلك ليكون ذريعةً إلى إسعاف مرامهم ببعث الشفقةِ وهو العطفُ والرأفة وتحريكُ سلسلة المرحمة .
ثم قالوا { فَأَوْفِ لَنَا الكيل } أي أتممْه لنا { وَتَصَدَّقْ عَلَيْنَا } بردّ أخينا إلينا ، قاله الضحاك وابن جريج وهو الأنسبُ بحالهم نظراً إلى أمر أبيهم ، أو بالإيفاء أو بالمسامحة وقَبول المُزجاة أو بالزيادة على ما يساويها تفضلاً وإنما سمَّوه تصدقاً تواضعاً أو أرادوا التصدقَ فوق ما يعطيهم بالثمن بناء على اختصاص حُرمة الصدقة بنبينا عليه الصلاة والسلام وإنما لم يبدأوا بما أُمروا به استجلاباً للرأفة وللشفقة ليبعثوا بما قدّموا من رقة الحالِ رقةَ القلب والحنُوَّ على أن ما ساقوه كلامٌ ذو وجهين ، فإن قولهم : وتصدّق علينا { إِنَّ الله يَجْزِى المتصدقين } يحتمل الحملَ على المحملين فلعله عليه السلام حمله على المحمل الأول ولذلك { قَالَ } مجيباً عما عرّضوا به وضمّنوه كلامَهم من طلب ردِّ أخيهم { هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ } وكان الظاهرُ أن يتعرضَ لما فعلوا بأخيه فقط ، وإنما تعرض لما فعلوا بيوسف لاشتراكهما في وقوع الفعلِ عليهما ، فإن المراد بذلك إفرادُهم له عن يوسف وإذلالُه بذلك حتى كان لا يستطيع أن يكلمهم إلا بعجز وذِلةٍ أي هل تُبتم عن ذلك بعد علمِكم بقبحه؟ فهو سؤالٌ عن الملزوم والمرادُ لازمُه { إِذْ أَنتُمْ جاهلون } بقبحه فلذلك أقدمتم على ذلك أو جاهلون عاقبتَه وإنما قاله نصحاً لهم وتحريضاً على التوبة وشفقةً عليهم لمّا رأى عجزَهم وتمسكنَهم لا معاتبةً وتثريباً ، ويجوز أن يكون هذا الكلامُ منه عليه السلام منقطعاً عن كلامهم وتنبيهاً لهم على ما هو حقُّهم ووظيفتهم من الإعراض عن جميع المطالب والتمحضِ في طلب بنيامين بل يجوز أن يقف عليه السلام بطريق الوحي أو الإلهام على وصية أبيه وإرسالِه إياهم للتحسس منه ومن أخيه فلما رآهم قد اشتغلوا عن ذلك قال ما قال ، وقيل : أعطَوه كتابَ يعقوبَ عليه السلام وقد كتب فيه : «كتابٌ من يعقوبَ إسرائيلِ الله بن إسحاقَ ذبيحِ الله بن إبراهيمَ خليل الله إلى عزيز مصرَ أما بعد فإنا أهلُ بيتٍ موكلٍ بنا البلاءُ أما جدّي فشُدت يداه ورجلاه فرُمي به في النار فنجّاه الله تعالى وجُعلت النار له برداً وسلاماً وأما أبي فوُضع السكينُ على قفاه ليُقتل ففداه الله تعالى وأما أنا فكان لي ابنٌ وكان أحبَّ أولادي إلىّ فذهب به إخوتُه إلى البرية ثم أتَوْني بقميصه ملطخاً بالدم فقالوا : قد أكله الذئبُ فذهبت عيناي من بكائي عليه ثم كان لي ابنٌ وكان أخاه من أمه وكنت أتسلى به فذهبوا به ثم رجعوا وقالوا : إنه سرَق وأنك حبستَه وإنا أهلُ بيت لا نسرِق ولا نلد سارقاً فإن رددتَه عليَّ وإلا دعوتُ عليك دعوةً تُدرك السابعَ من ولدَك والسلام» .

(3/468)


فلما قرأه لم يتمالكْ وعيل صبرُه فقال لهم ما قال ، وقيل : لما قرأه بكى وكتب الجواب : اصبِر كما صبروا تظفرْ كما ظفِروا .
{

(3/469)


قَالُوا أَئِنَّكَ لَأَنْتَ يُوسُفُ قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهَذَا أَخِي قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (90) قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آَثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ (91) قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (92)

{ قَالُواْ أَءنَّكَ لأَنتَ يُوسُفُ } استفهامُ تقريرٍ ولذلك أكدوه بأن واللام قالوه استغراباً وتعجباً ، وقرىء إنك بالإيجاب ، قيل : عرفوه بروائه وشمائله حين كلمهم به ، وقيل : تبسم فعرفوه بثناياه ، وقيل : رفع التاجَ عن رأسه فرأوا علامةً بقَرنه تشبه الشامة البيضاء وكان لسارةَ ويعقوبَ مثلُها وقرىء أإنك أو أنت يوسف على معنى أئنك يوسف أو أنت يوسف ، فحذف الأولُ لدلالة الثاني عليه وفيه زيادةُ استغراب { قَالَ أَنَاْ يُوسُفُ } جواباً عن مسألتهم وقد زاد عليه قوله : { وهذا أَخِى } أي من أبويّ مبالغةً في تعريف نفسه وتفخيماً لشأن أخيه وتكملةً لما أفاده قوله : هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه؟ حسبما يفيده قولُه : { قَدْ مَنَّ الله عَلَيْنَا } فكأنه قال : هل علمتم ما فعلتم بنا من التفريق والإذلالِ؟ فأنا يوسفُ وهذا أخي قد منّ الله علينا بالخلاص عما ابتُلينا به ، والاجتماعِ بعد الفُرقةِ ، والعزة بعد الذِلة ، والأُنس بعد الوحشة ، ولا يبعد أن يكون فيه إشارةٌ إلى الجواب عن طلبهم لرد بنيامين بأنه أخي لا أخوكم فلا وجهَ لطلبكم ، ثم علل ذلك بطريق الاستئنافِ التعليلي بقوله : { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ } أي يفعل التقوى في جميع أحوالِه أو يقِ نفسه عما يوجب سخطَ الله تعالى وعذابه { وَيِصْبِرْ } على المحن أو على مشقة الطاعاتِ أو عن المعاصي التي تستلذها النفس { فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } أي أجرهم ، وإنما وُضع المظهرُ موضع المضمرِ تنبيهاً على أن المنعوتين بالتقوى والصبر موصوفون بالإحسان .
{ قَالُواْ تالله لَقَدْ اثَرَكَ الله عَلَيْنَا } اختارك وفضلك علينا بما ذكرت من النعوت الجليلة { وَإِن كُنَّا } وإن الشأن كنا { لخاطئين } لمتعمِّدين للذنب إذ فعلنا بك ما فعلنا ولذلك أعزك وأذلنا ، وفيه إشعارٌ بالتوبة والاستغفار ولذلك { قَالَ لاَ تَثْرَيبَ } أي لا عتْبَ ولا تأنيب { عَلَيْكُمْ } وهو تفعيل من الثرب وهو الشحمُ الغاشي للكرِش ومعناه إزالته كما أن التجليد إزالةُ الجلد والتقريعُ إزالة القرع لأنه إذا ذهب كان ذلك غايةَ الهُزال فضرب مثلاً للتقريع الذي يذهب بماء الوجوه وقوله عز وعلا : { اليوم } منصوب بالتثريب أو بالمقدر خبراً لِلا أي لا أثر بكم أو لا تثريبَ مستقرٌ عليكم اليوم الذي هو مظنةٌ له فما ظنُّكم بسائر الأيام أو بقوله : { يَغْفِرَ الله لَكُمْ } لأنه حينئذ صفح عن جريمتهم وعفا عن جريرتهم بما فعلوا من التوبة { وَهُوَ أَرْحَمُ الرحمين } يغفر الصغائرَ والكبائرَ ويتفضل على التائب بالقَبول ، ومن كرمه عليه الصلاة والسلام أن إخوتَه أرسلوا إليه إنك تدعونا إلى طعامك بكرةً وعشياً ونحن نستحيي منك بما فرَط منا فيك ، فقال عليه الصلاة والسلام : إن أهلَ مصرَ وإن ملكت فيهم كانوا ينظرون إليّ بالعين الأولى ويقولون : سبحان من بلّغ عبداً بيع بعشرين درهماً ما بلّغ ، ولقد شرُفت بكم الآن وعظُمتُ في العيون حيث علم الناسُ أنكم إخوتي وأني من حفدة إبراهيم عليه السلام .

(3/470)


اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ (93) وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ (94) قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (95) فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (96)

{ اذهبوا بِقَمِيصِى هذا } قيل : هو الذي كان عليه حينئذ ، وقيل : هو القميصُ المتوارَث الذي كان في التعويذ أمره جبريلُ بإرساله إليه وأوحى إليه أن فيحَ ريحِ الجنةِ لا يقع على مبتلىً إلا عُوفي { فَأَلْقُوهُ على وَجْهِ أَبِى يَأْتِ بَصِيرًا } يكن بصيراً أو يأت إليَّ بصيراً ، وينصره قوله : { وَأْتُونِى بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ } أي بأبي وغيره ممن ينتظمه لفظُ الأهل جميعاً من النساء والذراري . قيل : إنما حمل القميصَ يهوذا وقال : أنا أحزنتُه بحمل القميصِ ملطخاً بالدم إليه فأُفرِحه كما أحزنته ، وقيل : حمله وهو حافٍ حاسرٌ من مصر إلى كنعان وبينهما مسيرةُ ثمانين فرسخاً .
{ وَلَمَّا فَصَلَتِ العير } خرجت من عريش مصر ، يقال : فصَل من البلد فصولاً إذا انفصل منه وجاوز حيطانَه ، وقرأ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما انفصل العير { قَالَ أَبُوهُمْ } يعقوبُ عليه الصلاة والسلام لمن عنده { إِنّى لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ } أوجده الله سبحانه ما عبق بالقميص من ريح يوسف من ثمانين فرسخاً حين أقبل به يهوذا { لَوْلاَ أَن تُفَنّدُونِ } أي تنسُبوني إلى الفند وهو الخرفُ وإنكارُ العقل وفسادُ الرأي مِنُ هرمٍ ، يقال : شيخٌ مفنّد ولا يقال عجوزٌ مفنّدة إذ لم تكن في شبيبتها ذاتَ رأي فتُفَنّد في كِبَرها ، وجواب لولا محذوف أي لصدقتموني { قَالُواْ } أي الحاضرون عنده { تالله إِنَّكَ لَفِى ضلالك القديم } لفي ذهابك عن الصواب قدُماً في إفراط محبتِك ليوسف ولَهجِك بذكره ورجائِك للقائه وكان عندهم أنه قد مات .
{ فَلَمَّا أَن جَاء البشير } وهو يهوذا { أَلْقَاهُ } أي ألقى البشيرُ القميصَ { على وَجْهِهِ } أي وجه يعقوب أو ألقاه يعقوبُ على وجه نفسه { فارتد } عاد { بَصِيراً } لما انتعش فيه من القوة { قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَّكُمْ } يعني قولَه : إني لأجد ريحَ يوسف ، فالخطابُ لمن كان عنده بكنعان أو قولَه : ولا تيأسوا من رَوْح الله فالخطابُ لبنيه وهو الأنسب بقوله : { إِنّى أَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } فإن مدارَ النهي المذكورِ إنما هو العلمُ الذي أوتي يعقوبُ من جهة الله سبحانه وعلى هذا يجوز أن يكون هذا مقولَ القولِ أي ألم أقل لكم حين أرسلتكم إلى مصرَ وأمرتُكم بالتحسس ونهيتُكم عن اليأس من رَوْح الله تعالى وأعلم من الله ما لا تعلمون من حياة يوسف عليه الصلاة والسلام . روي أنه سأل البشيرَ : كيف يوسف؟ فقال : هو ملِكُ مصرَ ، قال : ما أصنع بالمُلك ، على أي دينٍ تركتَه؟ قال : على دين الإسلام ، قال : الآن تمت النِّعمة .

(3/471)


قَالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (98) فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ (99)

{ قَالُواْ يَا أَبَانَا استغفر لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خاطئين } ومن حق من اعترف بذنبه أن يُصفح عنه ويُستغفرَ له فكأنهم كانوا على ثقة من عفوه عليه الصلاة السلام ولذلك اقتصروا على استدعاء الاستغفار وأدرجوا ذلك في الاستغفار .
{ قَالَ سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبّى إِنَّهُ هُوَ الغفور الرحيم } وهذا مُشعرٌ بعفوه ، قيل : أخّر الاستغفارَ إلى وقت السحر ، وقيل : إلى ليلة الجمعة ليتحرّى به وقت الإجابة ، وقيل : أخّره إلى أن يستحِلَّ لهم من يوسف عليه الصلاة والسلام أو يعلم أنه قد عفا عنهم فإن عفوَ المظلوم شرطُ المغفرة ، ويعضُده أنه روي عنه أنه استقبل القِبلة قائماً يدعو وقام يوسفُ خلفه يؤمّن وقاموا خلفَهما أذلةً خاشعين عشرين سنة حتى إذا بلغ جهدَهم وظنوا أنها الهلكة نزل جبريل عليه الصلاة والسلام فقال : إن الله قد أجاب دعوتَك في ولدك وعقدوا مواثيقهم بعدك على النبوة فإن صح ثبتت نبوتُهم وإن ما صدر عنهم إنما صدر قبل الاستنباء . وقيل : المرادُ الاستمرارُ على الدعاء فقد روي أنه كان يستغفر كلَّ ليلةِ جمعةٍ في نيّف وعشرين سنة ، وقيل : قام إلى الصلاة في وقت السحر ، فلما فرَغ رفع يديه فقال : اللهم اغفِرْ لي جزَعي على يوسف وقلةَ صبري عنه واغفِر لولدي ما أتوا إلى أخيهم فأوحى الله إليه أن الله قد غفر لك ولهم أجمعين .
{ فَلَمَّا دَخَلُواْ على يُوسُفَ } روي أنه وجّه يوسفُ إلى أبيه جَهازاً ومائتي راحلةٍ ليتجهز إليه بمن معه فاستقبله يوسفُ والملكُ في أربعة آلاف من الجند والعُظماء وأهلِ مصرَ بأجمعهم فتلقّوا يعقوبَ عليه الصلاة والسلام وهو يمشي متوكئاً على يهوذا فنظر إلى الخيل والناس فقال : يا يهوذا ، أهذا فرعونُ مصرَ؟ قال : لا بل ولدُك ، فلما لِقيه قال عليه الصلاة والسلام : السلامُ عليك يا مذهبَ الأحزان ، وقيل : قال له يوسف : يا أبت بكَيتَ عليّ حتى ذهب بصرُك ألم تعلم أن القيامةَ تجمعنا؟ فقال : بلى ، ولكني خشِيتُ أن يسلَبَ دينُك فيُحالَ بيني وبينك ، وقيل إن يعقوبَ وولدَه دخلوا مصرَ وهم اثنان وسبعون ما بين رجلٍ وامرأةٍ وكانوا حين خرجوا مع موسى ستَّمائةِ ألفٍ وخمسَمائةٍ وبضعةً وسبعين رجلاً سوى الذرية والهرمى وكانت الذريةُ ألفَ ألفٍ ومائتي ألف .
{ إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ } أي أباه وخالتَه وتنزيلُها منزلةَ الأمِّ كتنزيل العمِّ منزلةَ الأب في قوله عز وجل : { وإله آبَائِكَ إبراهيم وإسماعيل وإسحاق } أو لأن يعقوبَ عليه الصلاة والسلام تزوّجها بعد أمّه ، وقال الحسن وابنُ إسحاق : كانت أمُّه في الحياة فلا حاجة إلى التأويل ، ومعنى آوى إليه ضمّهما إليه واعتنقهما وكأنه عليه الصلاة والسلام ضَرب في الملتقى مضرباً فنزل فيه فدخلوا عليه فآواهما إليه { وَقَالَ ادخلوا مِصْرَ إِن شَاء الله ءامِنِينَ } من الشدائد والمكاره قاطبةً والمشيئةُ متعلقةٌ بالدخول على الأمن .

(3/472)


وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (100)

{ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ } عند نزولِهم بمصر { عَلَى العرش } على السرير تكرِمةً لهما فوق ما فعله لإخوته { وَخَرُّواْ لَهُ } أي أبواه وإخوتُه { سُجَّدًا } تحية له فإنه كان السجودُ عندهم جارياً مجرى التحيةِ والتكرمةِ كالقيام والمصافحةِ وتقبيلِ اليد ونحوِها من عادات الناس الفاشية في التعظيم والتوقير ، وقيل : ما كان ذلك إلا انحناءً دون تعفيرِ الجباه ، ويأباه الخرُورُ ، وقيل : خروا لأجله سجداً لله شكراً ويرده قوله تعالى : { وَقَالَ يأَبَتِ هذا تَأْوِيلُ رؤياى } التي رأيتها وقصصتها عليك { مِن قَبْلُ } في زمن الصِّبا { قَدْ جَعَلَهَا رَبّى حَقّا } صدقاً واقعاً بعينه ، والاعتذارُ بجعل يوسفَ بمنزله القِبلة وجعلِ اللام كما في قوله :
أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صلى لقبلتكم ... تعسفٌ لا يخفى ، وتأخيرُه عن الرفع على العرش ليس بنص في ذلك لأن الترتيبَ الذكريَّ لا يجب كونُه على وفق الترتيب الوقوعيِّ فلعل تأخيرَه عنه ليصل به ذكرُ كونِه تعبيراً لرؤياه وما يتصل به من قوله : { وَقَدْ أَحْسَنَ بَى } المشهورُ استعمالُ الإحسان بإلى ، وقد يستعمل بالباء أيضاً كما في قوله عز اسمُه : { وبالوالدين إحسانا } وقيل : هذا بتضمين لَطَف وهو الإحسانُ الخفيُّ كما يؤذن به قوله تعالى : { إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء } وفيه فائدة لا تخفى أي لطَف بي محسناً إليَّ غيرَ هذا الإحسان { إِذْ أَخْرَجَنِى مِنَ السجن } بعدما ابتُليت به ولم يصرِّح بقصة الجُبّ حِذاراً من تثريب إخوتِه لأن الظاهرَ حضورُهم لوقوع الكلام عَقيب خرورهم سجّداً واكتفاءً بما يتضمنه قوله تعالى : { وَجَاء بِكُمْ مّنَ البدو } أي البادية { مِن بَعْدِ أَن نَّزغَ الشيطان بَيْنِى وَبَيْنَ إِخْوَتِى } أي أفسد بيننا بالإغواء وأصلُه من نخْس الرائضِ الدابةَ وحملِها على الجري ، يقال : نزَغه ونسَغه إذا نخسَه ولقد بالغ عليه الصلاة والسلام في الإحسان حيث أسند ذلك إلى الشيطان { إِنَّ رَبّى لَطِيفٌ لّمَا يَشَاء } أي لطيفُ التدبير لأجله رفيقٌ حتى يجيء على وجه الحِكمة والصواب ، ما من صعبٍ إلا وهو بالنسبة إلى تدبيره سهلٌ { إِنَّهُ هُوَ العليم } بوجود المصالح { الحكيم } الذي يفعل كلّ شيء على قضية الحكمة . روي أن يوسف أخذ بيد يعقوبَ عليهما الصلاة والسلام فطاف به في خزائنه فأدخله في خزائن الورِقِ والذهب وخزائن الحِليّ وخزائن الثياب وخزائنِ السلاح وغيرِ ذلك ، فلما أدخله خزائنَ القراطيس قال : يا بني ما أعقّك ، عندك هذه القراطيسُ وما كتبت إلي على ثماني مراحلَ؟ قال : أمرني جبريلُ ، قال : أو ما تسأله ، قال : أنا أبسطُ إليه مني فسأله قال جبريلُ : الله تعالى أمرني بذلك لقولك : أخاف أن يأكلَه الذئب ، قال : فهلا خِفْتني . ورُوي أن يعقوب عليه الصلاة والسلام أقام معه أربعاً وعشرين سنة ثم مات وأوصى أن يدفِنه بالشام إلى جنب أبيه إسحاقَ فمضى بنفسه ودفنه ثمةَ ثم عاد إلى مصرَ وعاش بعد أبيه ثلاثاً وعشرين سنة فلما تم أمرُه وعلِم أنه لا يدوم له تاقت نفسُه إلى المُلك الدائم الخالد فتمنى الموت فقال :

(3/473)


رَبِّ قَدْ آَتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (101) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (102)

{ رَبّ قَدْ اتَيْتَنِى مِنَ الملك } أي بعضاً منه عظيماً وهو ملكُ مصرَ { وَعَلَّمْتَنِى مِن تَأْوِيلِ الاحاديث } أي بعضاً من ذلك كذلك إن أريد بتعليم تأويلِ الأحاديث تفهيمُ غوامضِ أسرارِ الكتب الإلهية ودقائقِ سنن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فالترتيبُ ظاهر ، وأما إن أريد به تعليمُ تعبيرِ الرؤيا كما هو الظاهرُ فلعل تقديمَ إيتاءِ الملك عليه في الذكر لأنه بمقام تعدادِ النعم الفائضةِ عليه من الله سبحانه والمُلك أعرقُ في كونه نعمةً من التعليم المذكور وإن كان ذلك أيضاً نعمةً جليلةً في نفسه ، ولا يمكن تمشيةُ هذا الاعتذارِ فيما سبق لأن التعليمَ هناك واردٌ على نهج العلة الغائيةِ للتمكين فإن حُمل على معنى التمليك لزم تأخرُه عنه ، وأما الواقعُ هاهنا فمجردُ التأخيرِ في الذكر والعطفُ بحرف الواو ، ولا يستدعي ذلك الترتيبَ في الوجود { فَاطِرَ السموات وَالأَرْضِ } مُبدعَهما وخالقَهما ، نُصب على أنه صفةٌ للمنادى ، أو منادى آخرُ وصفه تعالى به بعد وصفِه بالربوبية مبالغةً في ترتيب مبادىء ما يعقُبه من قوله : أَنْتَ وَلِيِّي } مالكُ أموري { فِى الدنيا والاخرة } أو الذي يتولاني بالنعمة فيهما وإذ قد أتممتَ عليّ نعمة الدنيا { تَوَفَّنِى } اقبِضْني { مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِى بالصالحين } من آبائي أو بعامة الصالحين في الرتبة والكرامةِ فإنما تتم النعمةُ بذلك ، قيل : لما دعا توفاه الله عز وجل طيباً طاهراً فتخاصم أهلُ مصرَ في دفنه وتشاحّوا في ذلك حتى همّوا بالقتال فرأوا أن يصنعوا له تابوتاً من مَرمر فجعلوه فيه ودفنوه في النيل ليمُرَّ عليه ثم يصلَ إلى مصر ليكونوا شرعاً واحداً في التبرك به ، ووُلد له أفراييم وميشا ، ولأفراييم نونٌ ، ولنونٍ يوشعُ فتى موسى عليه الصلاة والسلام ولقد توارثت الفراعنة من العمالقة بعده مصر ولم يزل بنو إسرائيلَ تحت أيديهم على بقايا دين يوسفَ وآبائِه إلى أن بعث الله تعالى موسى عليه الصلاة والسلام .
{ ذلك } إشارةٌ إلى ما سبق من نبأ يوسفَ ، وما فيه من معنى البُعد لما مر مراراً من الدِلالة على بُعد منزلتِه أو كونه بالانقضاء في حكم البعيدِ والخطابُ للرسول صلى الله عليه وسلم وهو مبتدأ خبرُه { مِنْ أَنبَاء الغيب } الذي لا يحوم حوله أحدٌ وقوله : { نُوحِيهِ إِلَيْكَ } خبرٌ بعد خبر أو حال من الضمير في الخبر ويجوز أن يكون ذلك اسماً موصولاً و ( من أبناء الغيب ) صلتَه ويكون الخبرُ نوحيه إليك { وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ } يريد إخوةَ يوسف عليه الصلاة والسلام { إِذْ أَجْمَعُواْ أَمْرَهُمْ } وهو جعلهم إياه في غيابة الجب { وَهُمْ يَمْكُرُونَ } به ويبغون له الغوائلَ حتى تقف على ظواهر أسرارِهم وبواطنها وتطّلع على سرائرهم طُراً وتحيط بما لديهم خُبراً ، وليس المرادُ مجردَ نفي حضورِه عليه الصلاة والسلام في مشهد إجماعِهم ومكرِهم فقط ، بل في سائر المشاهدِ أيضاً ، وإنما تخصيصُه بالذكر لكونه مطْلعَ القصة وأخفى أحوالِها كما ينبىء عنه قوله : وهم يمكرون ، والخطابُ وإن كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم لكنِ المرادُ إلزامُ المكذبين والمعنى ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ، إذ لا سبيل إلى معرفتك إياه سوى ذلك إذ عدمُ سماعِك ذلك من الغير وعدمُ مطالعتِك للكتب أمرٌ لا يشك فيه المكذِّبون أيضاً ولم تكن بين ظَهرانِيهم عند وقوعِ الأمر حتى تعرِفه كما هو فتبلّغَه إليهم ، وفيه تهكم بالكفار فكأنهم يشكون في ذلك فيدفع شكهم ، وفيه أيضاً إيذانٌ بأن ما ذكر من النبأ هو الحقُّ المطابق للواقع ، وما ينقُله أهلُ الكتاب ليس على ما هو عليه يعني أن مثلَ هذا التحقيقِ بلا وحي لا يُتصوّر إلا بالحضور والمشاهدة وإذ ليس ذلك بالحضور فهو بالوحي ، ومثلُه قوله تعالى :

(3/474)


{ وَمَا * لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أقلامهم أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ } وقولُه : { وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الغربى إِذْ قَضَيْنَا إلى مُوسَى الامر }

(3/475)


وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (103) وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ (104) وَكَأَيِّنْ مِنْ آَيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (105) وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (106) أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (107)

{ وَمَا أَكْثَرُ الناس } يريد به العمومَ أو أهلَ مكة { وَلَوْ حَرَصْتَ } أي على إيمانهم وبالغت في إظهار الآياتِ القاطعةِ الدالةِ على صدقك { بِمُؤْمِنِينَ } لتصميمهم على الكفر وإصرارِهم على العناد ، روي أن اليهود وقريشاً لما سألوا عن قصة يوسفَ وعدوا أن يُسْلموا فلما أخبرهم بها على موافقة التوراةِ فلم يسلموا حزِن النبيُّ صلى الله عليه وسلم فقيل له ذلك { وَمَا تَسْأَلُهُمْ عَلَيْهِ } أي على الإنباء أو على القرآن { مِنْ أَجْرٍ } من جُعْل كما يفعله حَمَلةُ الأخبار { إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ } عظةٌ من الله تعالى { للعالمين } كافة لا أن ذلك مختصٌّ بهم .
{ وَكَأَيّن مِن ءايَةٍ } أي كأي عددٍ شئت من الآيات والعلاماتِ الدالةِ على وجود الصانِع ووحدتِه وكمال علمِه وقدرتِه وحكمته غيرِ هذه الآيةِ التي جئتَ بها { فِي السموات والارض } أي كائنةٍ فيهما من الأجرام الفلكية وما فيها من النجوم وتغيّر أحوالها ومن الجبال والبحار وسائرِ ما في الأرض من العجائب الفائتةِ للحصر { يَمُرُّونَ عَلَيْهَا } أي يشاهدونها ولا يعبأون بها ، وقرىء برفع ( الأرضِ ) على الابتداء ويمرّون خبره وقرىء بنصبها على معنى ويطؤون الأرضَ يمرون عليها وفي مصحف عبد اللَّه والارض يَمْشُونَ عَلَيْهَا والمراد ما يرَون فيها من آثار الأمم الهالكةِ وغيرُ ذلك من الآيات والعبر { وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } غيرُ ناظرين إليها ولا متفكّرين فيها { وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله } في إقرارهم بوجوده وخالقيته { إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ } بعبادتهم لغيره أو باتخاذهم الأحبارَ والرهبانَ أرباباً أو بقولهم باتخاذه تعالى ولداً سبحانه وتعالى عن ذلك علواً كبيراً ، أو بالنور والظلمة ، وهي جملةٌ حالية أي لا يؤمن أكثرُهم إلا في حال شركِهم ، قيل : نزلت الآيةُ في أهل مكة ، وقيل : في المنافقين ، وقيل : في أهل الكتاب .
{ أَفَأَمِنُواْ أَن تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مّنْ عَذَابِ الله } أي عقوبةٌ تغشاهم وتشمَلُهم { أَوْ تَأْتِيَهُمُ الساعة بَغْتَةً } فجأةً من غير سابقةِ علامة { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بإتيانها غير مستعدّين لها .

(3/476)


قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (108) وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الْآَخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا أَفَلَا تَعْقِلُونَ (109) حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (110)

{ قُلْ هذه سَبِيلِى } وهي الدعوةُ إلى التوحيد والإيمان بالإخلاص وفسّرها بقوله : { أَدْعُو إلى الله على بَصِيرَةٍ } بيانٍ وحجةٍ واضحةٍ غيرِ عمياءَ أو هي حالٌ من الضمير في سبيلي والعاملُ فيها معنى الإشارة { أَنَاْ } تأكيدٌ للمستكن في أدعو أو على بصيرة لأنه حال منه ، أو مبتدأ خبرُه على بصيرة { وَمَنِ اتبعنى } عطف عليه { وَسُبْحَانَ الله وَمَا أَنَاْ مِنَ المشركين } مؤكد لما سبق من الدعوة إلى الله { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالاً } رد لقولهم { وَلَوْ شَاء الله لاَنزَلَ ملائكة } { نُّوحِى إِلَيْهِمْ } كما أوحينا إليك وقرىء بالياء { مّنْ أَهْلِ القرى } لأنهم أعلمُ وأحلم ، وأهلُ البوادي فيهم الجهلُ والجفاءُ والقسوة .
{ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِى الارض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عاقبة الذين مِن قَبْلِهِمْ } من المكذبين بالرسل والآياتِ فيحذَروا تكذيبك { وَلَدَارُ الاخرة } أي الساعةُ أو الحياة الآخرة { خَيْرٌ لّلَّذِينَ اتقوا } الشركَ والمعاصيَ { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } فتستعملوا عقولَكم لتعرِفوا خيريةَ دارِ الآخرة ، وقرىء بالياء على أنه غيرُ داخل تحت قل . { حتى إِذَا استيئس الرسل } غايةٌ لمحذوف دل عليه السياقُ أي لا يغُرّنهم تماديهم فيما هم فيه من الدعة والرخاء فإن مَنْ قبلهم قد أُمهلوا حتى أيِسَ الرسل عن النصر عليهم في الدنيا أو عن إيمانهم لانهماكم في الكفر وتماديهم في الطغيان من غير وازع { وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ } كذَّبتْهم أنفسُهم حين حدثتْهم بأنهم يُنْصرون عليهم أو كذّبهم رجاؤهم فإنه يوصف بالصدق والكذب والمعنى أن مدة التكذيبِ والعداوة من الكفار وانتظارَ النصر من الله تعالى قد تطاولت وتمادت حتى استشعروا القُنوطَ وتوهّموا أن لا نصر لهم في الدنيا { جَاءهُمْ نَصْرُنَا } فجأة ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وظنوا أنهم قد أُخلِفوا ما وعدهم الله من النصر فإن صح ذلك عنه فلعله أراد بالظن ما يخطُر بالبال من شبه الوسوسة وحديثِ النفس ، وإنما عبر عنه بالظن تهويلاً للخطب ، وأما الظنُّ الذي هو ترجّحُ أحدِ الجانبين على الآخر فلا يُتصوّر ذلك من آحاد الأمة فما ظنُّك بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام وهم هم ومنزلتُهم في معرفة شؤونِ الله سبحانه منزلتُهم ، وقيل : الضميران للمُرسل إليهم . وقيل : الأول لهم ، والثاني للرسل ، وقرىء بالتشديد أي ظن الرسلُ أن القوم كذّبوهم فيما وعدوهم وقرىء بالتخفيف على بناء الفاعل على أن الضميرين للرسل أي ظنوا أنهم كذَبوا عند قومهم فيما حدّثوا به لِما تراخى ولم يرَوا له أثراً أو على أن الأول لقومهم { فَنُجّىَ مَن نَّشَاء } هم الرسلُ والمؤمنون بهم وقرىء فننجّي على لفظ المستقبل بالتخفيف والتشديد وقرىء فنجا { وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ القوم المجرمين } إذا نزل بهم وفيه بيانٌ لمن تعلق بهم المشيئة .

(3/477)


لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (111)

{ لَقَدْ كَانَ فِى قَصَصِهِمْ } أي قَصص الأنبياء وأممِهم ، وينصره قراءةُ من قرأ بكسر القاف أو قصص يوسفَ وإخوتِه { عِبْرَةٌ لاّوْلِى الالباب } لذوي العقول المبرّأةِ عن شوائب أحكام الحِس { مَا كَانَ } أي القرآنُ المدلولُ عليه بما سبق دَلالة واضحةً { حَدِيثًا يفترى ولكن } كان { تَصْدِيقَ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ } من الكتب السماوية ، وقرىء بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوف أي ولكن هو تصديقُ الذي بين يديه { وَتَفْصِيلَ كُلّ شَىْء } مما يحتاج إليه في الدين إذ ما من أمر دينيّ إلا وهو يستند إلى القرآن بالذات أو بوسط { وهدى } من الضلالة { وَرَحْمَةً } ينال بها خيرُ الدارين { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } أي يصدّقونه لأنهم المنتفعون به ، وأما مَنْ عداهم فلا يهتدون بهداه ولا ينتفعون بجدواه ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « علّموا أرقاءَكم سورةَ يوسف فإنه أيُّما مسلمٍ تلاها وعلّمها أهلَه وما ملكت يمينَه هوّن الله عليه سكراتِ الموتِ وأعطاه القوة أن لا يحسُد مسلماً »

(3/478)


المر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (1) اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (3)

( سورة الرعد ) { المر } اسمٌ للسورة ومحلُّه إما الرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي هذه السورةُ بهذا الاسمِ وهو أظهرُ من الرفع على الابتداء إذ لم يسبِق العلَم بالتسمية كما مر مراراً وقوله تعالى : { تِلْكَ } على الوجه الأول مبتدأ مستقلٌ وعلى الوجه الثاني مبتدأ ثانٍ أو بدل من الأول أشير به إليه إيذاناً بفخامته . وإما النصبُ بتقدير فعلٍ يناسب المقامَ نحوُ اقرأ أو اذكر ، فتلك مبتدأٌ كما إذا جعل آلمر مسروداً على نمط التعديدِ أو بمعنى أنا الله أعلمُ وأرى على ما رُوي عن ابن عباس رضي الله عنهما ، والخبر على التقادير قوله تعالى : { آياتِ الكتاب } أي الكتابِ العجيب الكامل الغنيِّ عن الوصف به المعروفِ بذلك من بين الكتب الحقيقِ باختصاص اسم الكتابِ فهو عبارةٌ عن جميع القرآن أو عن الجميع المنزّل حينئذ حسبما مر في مطلع سورةِ يونُسَ إذ هو المتبادرُ من مطلق الكتابِ المستغني عن النعت ، وبه يظهر ما أريد من وصف الآياتِ بوصف ما أضيفت إليه من نعوت الكمالِ بخلاف ما إذا جُعل عبارةً عن السورة فإنها ليست بتلك المثابة من الشهرة في الاتصاف بذلك ، المغنية عن التصريح بالوصف على أنها عبارةٌ عن جميع آياتِها فلا بد من جعل ( تلك ) إشارةً إلى كل واحدةٍ منها ، وفيه ما لا يخفى من التعسف الذي مر تفصيلُه في سورة يونس .
{ والذى أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبّكَ } أي الكتابَ المذكور بكماله لا هذه السورةُ وحدها { الحق } الثابتُ المطابق للواقع في كل ما نطق به ، الحقيقُ بأن يُخَصّ به الحقّيةُ لعراقته فيها ، وليس فيه ما يدل على أن ما عداه ليس بحق أصلاً على أن حقّيتَه مستتبِعةٌ لحقية سائرِ الكتبِ السماوية لكونه مصدّقاً لما بين يديه ومهيمِناً عليه ، وفي التعبير عنه بالموصول وإسنادِ الإنزال إليه بصيغة المبنيِّ للمفعول والتعرّضِ لوصف الربوبية مضافاً إلى ضميره عليه السلام من الدلالة على فخامة المنزَّل التابعةِ لجلالة شأنِ المنزَّل وتشريفِ المنزَّل إليه والإيماءِ إلى وجه بناءِ الخبر ما لا يخفى { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ } بذلك الحقِّ المبين ، لإخلالهم بالنظر والتأملِ فيه ، فعدمُ إيمانهم متعلقٌ بعنوان حقّيتِه لأنه المرجِعُ للتصديق والتكذيب لا بعنوان كونِه منزلاً كما قيل ولأنه واردٌ على طريقة الوصفِ دون الإخبار .
{ الله الذى رَفَعَ السموات } أي خلقهن مرتفعاتٍ على طريقة قولِهم : سبحان من كبّر الفيل وصغّر البعوض ، لا أنه رفعها بعد أن لم تكن كذلك ، والجملةُ مبتدأ وخبرٌ كقوله : { وَهُوَ الذى مَدَّ الأرض } { بِغَيْرِ عَمَدٍ } أي بغير دعائمَ جمع عِماد كإهاب وأَهَب وهو ما يُعمَد به أي يُسند ، يقال : عمَدتُ الحائطَ أي أدعمته ، وقرىء عُمُد على جمع عَمود بمعنى عماد كرُسُل ورسول ، وإيرادُ صيغةِ الجمع لجمع السموات ، لا لأن المنفيَّ عن كل واحدة منها عَمدٌ لا عماد { تَرَوْنَهَا } استئنافٌ استُشهد به على ما ذكر من رفع السموات بغير عمد ، وقيل : صفة لعَمَدٍ جيء بها إيهاماً لأن لها عمداً غيرَ مرئيةٍ هي قدرة الله تعالى .

(3/479)


{ ثُمَّ استوى } أي استولى { عَلَى العرش } بالحفظ والتدبير أو استوى أمرُه وعن أصحابنا أن الاستواءَ على العرش صفةٌ لله عز وجل بلا كيف ، وأياً ما كان فليس المرادُ به القصدَ إلى إيجاد العرش وخلقِه فلا حاجة إلى جعل كلمة ثم للتراخي في الرتبة { وَسَخَّرَ الشمس والقمر } ذللهما وجعلهما طائعَين لما أريد منهما من الحركات وغيرها { كُلٌّ } من الشمس والقمر { يَجْرِى } حسبما أريد منها { لاِجَلٍ مُّسَمًّى } لمدة معينةٍ فيها تتم دورتُه كالسنة للشمس والشهر للقمر ، فإن كلاًّ منهما يجري كلَّ يوم على مدار معينٍ من المدارات اليوميةِ أو لمدة ينتهي فيها حركاتُهما ويخرج جميعُ ما أريد منهما من القوة إلى الفعل ، أو لغاية يتم عندها ذلك والجملةُ بيانٌ لحكم تسخيرهما .
{ يُدَبّرُ } بما صنع من الرَّفْع والاستواء والتسخير أي يقضي ويقدّر حسبما تقتضيه الحكمةُ والمصلحة { الأمر } أمرَ الخلق كلَّه وأمرَ ملكوتِه وربوبيتِه { يُفَصّلُ الآيات } الدالةَ على كمال قدرتِه وبالغِ حكمتِه أي يأتي بها مفصلةً وهي ما ذكر من الأفعال العجيبةِ وما يتلوها من الأوضاع الفلكيةِ الحادثةِ شيئاً فشيئاً المستتبعةِ للآثار الغريبة في السُّفليات على موجب التدبيرِ والتقديرِ ، فالجملتان إما حالان من ضمير استوى وقوله : { وَسَخَّرَ الشمس والقمر } من تتمة الاستواءِ وإما مفسّرتان له أو الأولى حالٌ منه والثانية من الضمير فيه أو كلاهما من ضمائر الأفعالِ المذكورة وقوله : { كُلٌّ يَجْرِى لاِجَلٍ مُّسَمًّى } من تتمة التسخيرِ أو خبران عن قوله : الله خبراً بعد خبر ، والموصولُ صفةٌ للمبتدأ جيء به للدلالة على تحقيق الخبرِ وتعظيمِ شأنِه كما في قول الفرزدق
إن الذي سمك السماءَ بنى لنا ... بيتاً دعائمُه أعزُّ وأطول
{ لَعَلَّكُمْ } عند معاينتِكم لها وعثورِكم على تفاصيلها { بِلِقَاء رَبّكُمْ } بملاقاته للجزاء { تُوقِنُونَ } فإن من تدبّرها حقَّ التدبر أيقن أن من قدَر على إبداع هذه الصنائعِ البديعةِ على كل شيء قديرٌ وأن لهذه التدبيراتِ المتينة عواقبَ وغاياتٍ لا بد من وصولها وقد بُيّنتْ على ألسنة الأنبياءِ عليهم السلام أن ذلك ابتلاءٌ للمكلفين ثم جزاؤهم حسب أعمالِهم فإذن لا بد من الإيقان بالجزاء ، ولمّا قرر الشواهدَ العلوية أردفها بذكر الدلائلِ السفلية فقال : { وَهُوَ الذى مَدَّ الأرض } أي بسطها طولاً وعَرضاً ، قال الأصم : المد هو البسطُ إلى ما لا يدرك منتهاه فيه دَلالةٌ على بعد مداها وسَعةِ أقطارها { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ } أي جبالاً ثوابتَ في أحيازها من الرُّسوّ وهو ثباتُ الأجسام الثقيلة ، ولم يُذكر الموصوفُ لإغناء غلبة الوصفِ بها عن ذلك ، وانحصارُ مجيءِ فواعل جمعاً لفاعل في فوارسَ وهوالكَ ونواكسَ إنما هو في صفات العقلاءِ وأما في غيرهم فلا يراعى ذلك أصلاً كما في قوله تعالى :

(3/480)


{ أَيَّامًا معدودات } وقوله : { الحج أَشْهُرٌ معلومات } إلى غير ذلك ، فلا حاجة إلى أن يُجعل مفردُها صفةً لجمع القلة أعني أجبُلاً ويعتبر في جمع الكثرة أعني جبالاً انتظامُها لطائفة من جموع القلة وتنزيلُ كلَ منها منزلة مفردِها كما قيل على أنه لا مجال لذلك فإن جمعيةَ كلَ من صيغتي الجمعَين إنما هي باعتبار الأفرادِ التي تحتها لا باعتبار انتظام جمعِ القلةِ للأفراد وجمعِ الكثرة لجموع القِلة فكلٌّ منهما جمعُ جبلٍ لا أن جبالاً جمعُ أجبل ، كما أن طوائفَ جمعُ طائفة ولا إلى أن يُلتجأَ إلى جعل الوصفِ المذكور بالغلبة في عداد الأسماءِ التي تُجمع على فواعل كما ظن ، على أنه لا وجه له لما أن الغلبةَ إنما هي في الجمع دون المفردِ ، والتعبيرُ عن الجبال بهذا العنوانِ لبيان تفرّعِ قرارِ الأرض على ثباتها { وأنهارا } مجاريَ واسعةً ، والمرادُ ما يجري فيها من المياه ، وفي نظمها مع الجبال في مفعولية فعلٍ واحد إشارةٌ إلى أن الجبالَ منشأٌ للأنهار وبيانٌ لفائدة أخرى للجبال غيرِ كونها حافظةً للأرض عن الاضطراب المُخِلّ بثبات الأقدام وتقلّب الحيوان متفرّعةً على تمكنه وتقلّبه وهي تعيُّشُه بالماء والكلأ .
{ وَمِن كُلّ الثمرات } متعلقٌ بجعل في قوله تعالى : { جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثنين } أي اثنيْنيّةً حقيقيةً وهما الفرادنِ اللذان كلٌّ منهما زوجُ الآخر وأكّد به الزوجين لئلا يُفهم أن المرادَ بذلك الشفْعان إذ يطلق الزوجُ على المجموع ولكنْ اثنينيةً اعتبارية ، أي جعل من كل نوع من أنواع الثمرات الموجودة في الدنيا ضربين وصِنفين إما في اللون كالأبيض والأسود أو في الطعم كالحُلو والحامض . أو في القدر كالصغير والكبير ، أو في الكيفية كالحار والبارد وما أشبه ذلك ، ويجوز أن يتعلق بجعَلَ الأولِ ، ويكونَ الثاني استئنافاً لبيان كيفيةِ ذلك الجعْل { يُغْشِى اليل النهار } استعارةٌ تبعيةٌ تمثيليةٌ مبنيَّةٌ على تشبيه إزالةِ نورِ الجو بالظلمة بتغطية الأشياءِ الظاهرةِ بالأغطية ، أي يستر النهارَ بالليل . والتركيب وإن احتمل العكسَ أيضاً بالحمل على تقديم المفعولِ الثاني على الأول فإن ضوء النهار أيضاً ساترٌ لظلمة الليلِ إلا أن الأنسبَ بالليل أن يكون هو الغاشي ، وعدُّ هذا في تضاعيف الآيات السفلية وإن كان تعلقُه بالآيات العلوية ظاهراً باعتبار أن ظهورَه في الأرض فإن الليل إنما هو ظلُّها وفيما فوق موقعِ ظلها لا ليلَ أصلاً ولأن الليل والنهار لهما تعلقٌ بالثمرات من حيث العقدُ والإنضاج على أنهما أيضاً زوجان متقابلان مثلُها وقرىء يُغشّي من التغشية { إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي فيما ذكر من مد الأرضِ وإيتادِها بالرواسي وإجراءِ الأنهار وخلق الثمرات وإغشاءِ الليل النهارَ ، وفي الإشارة بذلك تنبيهٌ على عظم شأنِ المشار إليه في بابه { لاَيَاتٍ } باهرةً وهي آثارُ تلك الأفاعيل البديعةِ جلت حكمةُ صانعِها ، ( ففي ) على معناها فإن تلك الآثارَ مستقرةٌ في تلك الأفاعيل منوطةٌ بها ، ويجوز أن يُشار بذلك إلى تلك الآثار المدلولِ عليها بتلك الأفاعيل ( ففي ) تجريدية { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } فإن التفكر فيها يؤدّي إلى الحكم بأن تكوين كلَ من ذلك على هذا النمط الرائِق والأسلوب اللائق لا بد له من مكوّن قادرٍ حكيم يفعل ما يشاء ويختار ما يريد لا معقِّبَ لحكمه وهو الحميد المجيد .

(3/481)