صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
المؤلف : أبو السعود ، محمد بن محمد بن مصطفى العمادي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (113) وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (114)

{ وَلاَ تَرْكَنُواْ } أي لا تميلوا أدنى ميلٍ { إِلَى الذين ظَلَمُواْ } أي إلى الذين وُجد منهم الظلمُ في الجملة ، ومدارُ النهي هو الظلمُ ، والجمعُ باعتبار جمعيةِ المخاطَبين وما قيل من أن ذلك للمبالغة في النهي من حيث إن كونهم جماعةً مظِنةُ الرخصةِ في مداهنتهم إنما يتم لو كان المرادُ النهيَ عن الركون إليهم من حيث أنهم جماعةٌ وليس كذلك { فَتَمَسَّكُمُ } بسبب ذلك { النار } وإذا كان حالُ الميل في الجملة إلى مَنْ وُجد منه ظلمٌ ما في الإفضاء إلى مِساس النارِ هكذا فما ظنُّك بميل من يميل إلى الراسخين في الظلم والعُدوان ميلاً عظيماً ، ويتهالك على مصاحبتهم ومنادمتِهم ويُلقي شراشِرَه على مؤانستهم ومعاشرتهم ، ويبتهج بالتزيّي بزِيّهم ويمُدّ عينيه إلى زهرتهم الفانية ويغبِطُهم بما أوتوا من القطوف الدانية وهو في الحقيقة من الحبة طفيف ومن جناح البعوض خفيف بمعزل عن أن تميل إليه القلوب ضعُف الطالبُ والمطلوب ، والآيةُ أبلغُ ما يتصور في النهْي عن الظلم والتهديدِ عليه . وخطابُ الرسولِ صلى الله عليه وسلم ومَنْ معه من المؤمنين للتثبيت على الاستقامة التي هي العدلُ فإن الميلَ إلى أحد طرفي الإفراطِ والتفريطِ ظلمٌ على نفسه أو على غيره . وقرىء تركنوا على لغة تميم وتُركَنوا على صيغة البناء للمفعول من أركنه { وَمَا لَكُمْ مّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاء } أي من أنصار يُنقِذونكم من النار ، والجملةُ نصبٌ على الحاليه من قوله : فتمسكم النار ، ونفيُ الأولياءِ ليس بطريق نفي أن يكون لكل واحدٍ منهم أولياءُ حتى يصدُقَ أن يكون له وليٌّ بل لمكان ( لكم ) بطريق انقسامِ الآحادِ على الآحاد لكن لا على معنى نفي استقلالِ كلَ منهم بنصير ، بل على معنى نفيِ أن يكون لواحد منهم نصيرٌ بقرينة المقام { ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ } من جهة الله سبحانه إذ قد سبق في حكمه أن يعذبَكم بركونكم إليهم ولا يُبقيَ عليكم ، وثم لتراخي رتبةِ كونِهم غيرَ منصورين من جهة الله بعدما أوعدهم بالعذاب وأوجبه عليهم ، ويجوز أن يكون منزلاً منزلة الفاءِ بمعنى الاستبعادِ فإنه لما بيّن أن الله تعالى معذبُهم وأن غيرَه لا ينقذهم أنتج أنهم لا يُنصرون أصلاً .
{ وَأَقِمِ الصلاة طَرَفَىِ النهار } أي غدوةً وعشيةً ، وانتصابُه على الظرفيه لكونه مضافاً إلى الوقت { وَزُلَفاً مِّنَ اليل } أي ساعاتٍ منه قريبةً من النهار ، فإنه مِنْ أزلفه إذا قرّبه جمع زُلفة ، عطفٌ على طرفي النهار والمرادُ بصلاتهما صلاةُ الغداة والعصرِ ، وقيل : الظُهر موضعَ العصر لأن ما بعد الزوال عشيٌّ ، وبصلاة الزُلَف المغربُ والعشاء ، وقرىء زُلُفاً بضمتين وضمة وسكون كبُسْر وبُسُر وزُلفى بمعنى زُلفة كقربى بمعنى قربة { إِنَّ الحسنات } التي من جملتها بل عُمدتُها ما أمِرْت به من الصلوات { يُذْهِبْنَ السيئات } التي قلما يخلو منها البشر ، أي يكفرنها وفي الحديث " إن الصلاة إلى الصلاة كفارةٌ لما بينهما ما اجتُنبت الكبائر " وقيل : نزلت في أبي اليَسَر الأنصاريِّ إذ قبّل امرأةً ثم ندِم فأتى رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فأخبره بما فعل فقال عليه الصلاة والسلام : «أنتظرُ أمرَ ربي» فلما صلى صلاةَ العصر نزلت قال عليه السلام : " نعم اذهب فإنها كفارةٌ لما عمِلْت " أو يمنعْن من اقترافها كقوله تعالى : { اتل مَا أُوْحِىَ إِلَيْكَ مِنَ الكتاب } { ذلك } إشارةٌ إلى قوله تعالى : { فاستقم } فما بعده وقيل : إلى القرآن { ذكرى لِلذكِرِينَ } أي عظةٌ للمتعظين .

(3/395)


وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (115) فَلَوْلَا كَانَ مِنَ الْقُرُونِ مِنْ قَبْلِكُمْ أُولُو بَقِيَّةٍ يَنْهَوْنَ عَنِ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّنْ أَنْجَيْنَا مِنْهُمْ وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ (116)

{ واصبر } على مشاقّ ما أُمِرْت به في تضاعيف الأوامرِ السابقةِ وأما ما نُهيَ عنه من الطغيان والركون إلى الذين ظلموا فليس في الانتهاء عنه مشقةٌ فلا وجهَ لتعميم الصبرِ له ، اللهم إلا أن يُراد به ما لا يمكن عادة خلوُّ البشرِ عنه من أدنى ميلٍ بحكم الطبيعةِ عن الاستقامة المأمورِ بها ، ومن يسير ميلٍ بحكم البشرية إلى من وُجد منه ظلمٌ ما فإن في الاحتراز عن أمثاله من المشقة ما لا يخفى { فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } أي يوفيهم أجورَ أعمالهم من غير بخسٍ أصلاً ، وإنما عبِّر عن ذلك بنفي الإضاعةِ مع أن عدمَ إعطاءِ الأجرِ ليس بإضاعةٍ حقيقةً ، كيف لا والأعمالُ غيرُ موجبةٍ للثواب حتى يلزَم من تخلفه عنها ضياعُها ، لبيان كمالِ نزاهتِه تعالى عن ذلك بتصويره بصورة ما يمتنع صدورُه عنه سبحانه من القبائح وإبرازِ الإثابةِ في معرض الأمورِ الواجبة عليه ، وإنما عدل عن الضمير ليكون كالبرهان على المقصود مع إفادة فائدةٍ عامةٍ لكل من يتصف به ، وهو تعليلٌ للأمر بالصبر ، وفيه إيماءٌ إلى أن الصبرَ على ما ذكر من باب الإحسان .
{ فَلَوْلاَ كَانَ } فهلا كان { مّنَ القرون } الكائنةِ { مِن قَبْلِكُمْ } على رأي من جوّز حذفَ الموصولِ مع بعض صلتِه أو كائنةً من قبلكم { أُوْلُو بَقِيَّةٍ } من الرأي والعقلِ أو أولو فضلٍ وخير ، وسُمّيا بها لأن الرجلَ إنما يستبقي مما يخرجه عادة أجودَه وأفضلَه ، فصار مثلاً في الجودة والفضلِ ويقال : فلان من بقيةِ القومِ أي من خيارِهم ، ومنه ما قيل : «في الزوايا خبايا وفي الرجال بقايا» ، ويجوز أن تكون البقيةُ بمعنى البقوى كالتقية من التقوى ، أي فهلا كان منهم ذوو إبقاءٍ على أنفسهم وصيانةٍ لها من سخط الله تعالى وعقابه ، ويؤيده أنه قرىء أولو بقْيةٍ وهي المرّةُ من مصدر بقاه يَبقيه إذا راقبه وانتظره أي أولو مراقبةِ وخشيةٍ من عذاب الله تعالى كأنهم ينتظرون نزولَه لإشفاقهم { يَنْهَوْنَ عَنِ الفساد فِى الارض } الواقعِ منهم حسبَ ما حُكي عنهم { إِلاَّ قَلِيلاً مّمَّنْ أَنجَيْنَا مِنْهُمْ } استثناءٌ منقطعٌ أي لكن قليلاً منهم أنجيناهم لكونهم على تلك الصفةِ على أن مِنْ للبيان لا للتبعيض لأن جميعَ الناجين ناهون ، ولا صحة للاتصال على ظاهر الكلامِ لأنه يكون تحضيضاً لأولي البقية على النهي المذكورِ إلا للقليل من الناجين منهم كما إذا قلت هلاّ قرأ قومُك القرآن إلا الصلحاءَ منهم مريداً لاستثناء الصلحاءِ من المُحضَّضين على القراءة نعم يصح ذلك إن جعل استثناءً من النفي اللازمِ للتحضيض ، فكأنه قيل : ما كان من القرون أولو بقيةٍ إلا قليلاً منهم ، لكنَّ الرفعَ هو الأفصحُ حينئذ على البدلية { واتبع الذين ظَلَمُواْ } بمباشرة الفسادِ وتركِ النهي عنه { مَا أُتْرِفُواْ فِيهِ } أي أُنعموا من الشهوات واهتموا بتحصيلها ، وأما المباشرون فظاهرٌ وأما المساهلون فلِما لهم في ذلك من نيل حظوظِهم الفاسدة .

(3/396)


وقيل : المرادُ بهم تاركو النهي ، وأنت خبيرٌ بأنه يلزم منه عدمُ دخولِ مباشري الفسادِ في الظلم والإجرام عبارةً { وَكَانُواْ مُجْرِمِينَ } أي كافرين فهو بيانٌ لسبب استئصالِ الأمم المُهلَكة وهو فشوُّ الظلمِ واتباعُ الهوى فيهم وشيوعُ ترك النهي عن المنكرات مع الكفر ، وقوله : واتّبع عطفٌ على مضمر دل عليه الكلامُ ، أي لم ينهَوا واتبع الخ فيكون العدولُ إلى المظهر لإدراج المباشرين معهم في الحكم والتسجيلِ عليهم بالظلم ، وللإشعار بعلية ذلك لما حاق بهم من العذاب ، أو على استئنافٍ يترتب على قوله : إلا قليلاً أي إلا قليلاً ممن أنجينا منهم نهَوا عن الفساد وتاركي النهي عنه ، فيكون الإظهارُ مقتضى الظاهِرِ ، وقوله : وكانوا مجرمين عطفٌ على أترفوا أي اتبعوا الإتراف ، وكونُهم مجرمين لأن تابعَ الشهواتِ مغمورٌ بالآثام ، أو أريد بالإجرام إغفالُهم للشكر ، أو على اتبع أي اتبعوا شهواتِهم وكانوا بذلك الاتباعِ مجرمين ، ويجوز أن يكون اعتراضاً وتسجيلاً عليهم بأنهم قومٌ مجرمون ، وقرىء وأُتْبع أي أُتبعوا جزاءَ ما أُترفوا فتكون الواو للحال ويجوز أن يُفسَّر به المشهورةُ ، ويعضُده تقدم الإنجاء .

(3/397)


وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (117)

{ وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ القرى } أي ما صح وما استقام بل استحال في الحكمةِ أن يُهلك القرى التي أهلكها حسب ما بلغك أنباؤها ويُعلم من ذلك حالُ باقيها من القرى الظالمةِ واللام لتأكيد النفي وقوله : { بِظُلْمٍ } أي ملتبساً به ، قيل : هو حالٌ من الفاعل أي ظالماً لها والتنكيرُ للتفخيم والإيذانِ بأن إهلاكَ المصلحين ظلمٌ عظيم والمرادُ تنزيهُ الله تعالى عن ذلك بالكلية بتصويره بصورة ما يستحيل صدورُه عنه تعالى وإلا فلا ظلمَ فيما فعله الله تعالى بعباده كائناً ما كان لِما تقرّر من قاعدة أهلِ السنة وقد مر تفصيلُه في سورة آل عمرانَ عند قولِه تعالى : { وَأَنَّ الله لَيْسَ بظلام لّلْعَبِيدِ } وقوله تعالى : { وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ } حالٌ من المفعول والعاملُ عامله ولكن لا باعتبار تقيّدِه بما وقع حالاً من فاعله أعني بظلم لدلالته على تقيد نفي الإهلاكِ ظلماً بحال كونِ أهلِها مصلحين ، ولا ريب في فساده بل مطلقاً عن ذلك ، وقيل : المرادُ بالظلم الشركُ والباء للسببية أي لا يُهلك القرى بسبب إشراك أهلِها وهم مُصلِحون يتعاطَوْن الحقَّ فيما بينهم ولا يضمُّون إلى شركهم فساداً آخرَ ، وذلك لفرط رحمتِه ومسامحتِه في حقوقه تعالى ، ومن ذلك قدَّم الفقهاءُ عند تزاحم الحقوقِ حقوقَ العبادِ الفقراءِ على حقوق الله تعالى الغنيِّ الحميد ، وقيل : المُلكُ يبقى مع الشرك ولا يبقى مع الظلم ، وأنت تدري أن مقامَ النهي عن المنكرات التي أقبحُها الإشراكُ بالله لا يلائمه ، فإن الشركَ داخلٌ في الفساد في الأرض دخولاً أولياً ، ولذلك كان ينهي كلٌّ من الرسل الذين قُصّت أنباؤهم أمتَه أولاً عن الإشراك ثم عن سائر المعاصي التي كانوا يتعاطَونها ، فالوجهُ حملُ الظلمِ على مطلق الفسادِ الشاملِ للشرك وغيرِه من أصناف المعاصي ، وحملُ الإصلاحِ على إصلاحه والإقلاعِ عنه بكون بعضهم متصدّين للنهي عنه وبعضِهم متوجّهين إلى الاتعاظ غيرَ مُصرِّين على ما هم عليه من الشرك وغيرِه من أنواع الفساد .

(3/398)


وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (118) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (119) وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (120)

{ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً } مجتمعةً على الحق ودين الإسلام بحيث لا يكاد يختلف فيه أحدٌ ولكن لم يشأ ذلك فلم يكونوا متفقين على الحق { وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ } في الحق أي مخالفين له كقوله تعالى : { وَمَا اختلف فِيهِ إِلاَّ الذين أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ البينات بَغْيًا بَيْنَهُمْ } { إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ } إلا قوماً قد هداهم الله تعالى بفضله إلى الحق فاتفقوا عليه ولم يختلفوا فيه أي لم يخالفوه ، وحملُه على مطلق الاختلاف الشاملِ لِما يصدر من المُحق والمُبطل يأباه الاستثناءُ المذكور { ولذلك } أي ولما ذكر من الاختلاف { خَلْقَهُمْ } أي الذين بقُوا بعد الثنيا وهو المختلِفون ، فاللامُ للعاقبة أو للترحم فالضميرُ لمن واللام في معناها أو لهما معاً فالضميرُ للناس كافةً واللام بمعنى مجازيَ عامّ لكلا المعنيين { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ } أي وعيدُه أو قولُه للملائكة { لاَمْلاَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الجنة والناس أَجْمَعِينَ } أي من عُصاتهما أجمعين أو منهما أجمعين لا من أحدهما ، { وَكُلاًّ } أي وكلَّ نبأ فالتنوينُ عوضٌ عن المضاف إليه { نَقُصُّ عَلَيْكَ } نجبرك به وقوله تعالى : { مِنْ أَنْبَاء الرسل } بيانٌ لكُلاًّ وقوله تعالى : { مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } بدلٌ منه والأظهر أن يكون المضافُ إليه المحذوفُ في كلاًّ المفعولَ المطلق لنقصُّ أي كلَّ أسلوبٍ من أساليبه نقصُّ عليك من أنباء الرسل ، وقوله تعالى : { مَا نُثَبّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } مفعولُ نقصّ وفائدتُه التنبيهُ على أن المقصودَ بالاقتصاص زيادةُ يقينه عليه السلام وطُمأنينةُ قلبه وثباتُ نفسه على أداء الرسالة واحتمالِ أذية الكفارِ بالوقوف على تفاصيل أحوالِ الأممِ السالفة في تماديهم في الضلال وما لقيَ الرسلُ من جهتهم من مكابدة المشاقّ { وَجَاءكَ فِى هذه } السورة أو الأنباءِ المقصوصة عليك { الحق } الذي لا محيد عنه { وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ } أي الجامعُ بين كونه حقاً في نفسه وكونهِ موعظةً وذكرى للمؤمنين ولكون الوصفِ الأولِ حالاً له في نفسه حُلّي باللام دون ما هو وصفٌ له بالقياس إلى غيره ، وتقديمُ الظرفِ أعني ( في هذه ) على الفاعل لأن المقصودَ بيانُ منافعِ السورةِ أو الأنباءِ المقصوصةِ فيها واشتمالِها على ما ذكر من المنافع المفصلةِ لا بيانُ كونِ ذلك فيها لا في غيرها ولأن عند تأخيرِ ما حقُّه التقديمُ تبقى النفسُ مترقبةً إليه فيتمكن فيها عند الورودِ فضلُ تمكّنٍ ولأن في المؤخَّر نوعَ طولٍ يُخِلُّ تقديمُه بتجاوب أطرافِ النظمِ الكريم .

(3/399)


وَقُلْ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ (121) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (122) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (123)

{ وَقُل لّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } بهذا الحقِّ ولا يتعظون به ولا يتذكرون { اعملوا على مَكَانَتِكُمْ } على حالكم وجِهتِكم التي هي عدمُ الإيمان { إِنَّا عَامِلُونَ } على حالنا وهو الإيمانُ به والاتعاظُ والتذكرُ به { وانتظروا } بنا الدوائرَ { إِنَّا مُنتَظِرُونَ } أن ينزل بكم نحوُ ما نزل بأمثالكم من الكفرة { وَللَّهِ غَيْبُ السموات والارض وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الامر كُلُّهُ } فيرجع لا محالة أمرُك وأمرُهم إليه وقرىء على البناء للفاعلِ من رجع رجوعاً { فاعبده وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } فإنه كافيك ، والفاءُ لترتيب الأمرِ بالعبادة والتوكلِ على كون مرجعِ الأمور كلِّها إلى الله تعالى ، وفي تأخير الأمرِ بالتوكل عن الأمر بالعبادة إشعارٌ بأنه لا ينفع دونها { وَمَا رَبُّكَ بغافل عَمَّا يَعْمَلُونَ } فيجازيهم بموجبه وقرىء تعملون على تغليب المخاطَب أي أنت وهم فيجازي كلاًّ منك ومنهم بموجب الاستحقاق . عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قرأ سورةَ هودٍ أُعطيَ من الأجر عشرُ حسناتٍ بعدد مَنْ صدّق كلَّ واحدٍ من الأنبياء المعدودين فيها عليهم الصلاة والسلام وبعدد مَنْ كذّبهم وكان يوم القيامة من السعداء بفضل الله سبحانه وتعالى »

(3/400)


الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (1) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآَنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (2) نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآَنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (3)

( سورة يوسف عليه السلام مكية إلا الآيات 1 و 2 و 3 و 7 فمدنية وآياتها 111 )
{ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم } { الر } الكلامُ فيه وفي محله وفيما أريد بالإشارة والآياتِ والكتابِ في قوله تعالى : { تِلْكَ ءايات الكتاب } عيْنُ ما سلف في مطلع سورةِ يونسَ { المبين } من أبان بمعنى بان أي الظاهرِ أمرُه في كونه من عند الله تعالى وفي إعجازه بنوعيه لا سيما الإخبارُ عن الغيب ، أو الواضحِ معانيه للعرب بحيث لا يشتبه عليهم حقائقُه ولا يلتبس لديهم دقائقُه لنزوله على لغتهم أو بمعنى بيّن أي المبين لِما فيه من الأحكام والشرائعِ وخفايا المُلكِ والملكوتِ وأسرارِ النشأتين في الدارين وغيرِ ذلك من الحِكَم والمعارف والقصص ، وعلى تقدير كونِ الكتاب عبارةً عن السورة فإبانتُه إنباؤُه عن قصة يوسفَ عليه السلام ، فإنه قد رُوي أن أحبارَ اليهودِ قالوا لرؤساء المشركين : سلوا محمداً صلى الله عليه وسلم لماذا انتقل آلُ يعقوبَ من الشام إلى مصر ، وعن قصة يوسفَ عليه السلام ففعلوا ذلك . فيكون وصفُ الكتابِ بالإبانة من قبيل براعةِ الاستهلالِ لما سيأتي ولمّا وُصف الكتابُ بما يدل على الشرف الذاتي عُقِّب ذلك بما يدل على الشرف الإضافي فقيل : { إِنَّا أنزلناه } أي الكتابَ المنعوتَ بما ذكر من النعوت الجليلةِ ، فإن كان عبارةً عن الكل وهو الأظهرُ الأنسبُ بقوله تعالى : { قُرْءاناً عَرَبِيّاً } إذ هو المشهورُ بهذا الاسم المعروفِ بهذا النعت المتسارعِ إلى الفهم عند إطلاقِهما فالأمرُ ظاهرٌ ، وإنْ جُعل عبارةً عن السورة فتسميتُها قرآناً لما عَرفته فيما سلف ، والسرُّ في ذلك أنه اسمُ جنسٍ في الأصل يقع على الكل والبعضِ كالكتاب ، أو لأنه مصدرٌ بمعنى المفعول أي أنزلناه حالَ كونِه مقروءاً بلغتكم { لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } أي لكي تفهموا معانيَه طراً وتحيطوا بما فيه من البدائع خُبْراً وتطّلعوا على أنه خارجٌ عن طوق البشر منزَّلٌ من عند خلاق القُوى والقدر . { نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ } أي نخبرك ونحدّثك ، واشتقاقُه من قصَّ أثرَه إذا اتّبعه لأن مَنْ يقُصّ الحديثَ يتْبع ما حفِظ منه شيئاً فشيئاً كما يقال : تلا القرآن لأنه يتْبع ما حفِظ منه آيةً بعد آية { أَحْسَنَ القصص } أي أحسن الاقتصاص فنصبُه على المصدريه وفيه مع بيان الواقعِ إيهامٌ لما في اقتصاص أهلِ الكتاب من القُبح والخلل ، وتركُ المفعولِ إما للاعتماد على انفهامه من قوله عز وجل : { بِمَا أَوْحَيْنَا } أي بإيحائنا { إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ } أي هذه السورةَ فإن كونَها مُوحاةً منبىءٌ عن كون ما في ضمنها مقصوصاً ، والتعرضُ لعنوان قرآنيتِها لتحقيق أن الاقتصاصَ ليس بطريق الإلهامِ أو الوحي غيرَ المتلوِّ وإما لظهوره من سؤال المشركين بتلقين علماءِ اليهودِ ، وأحسنيّتُه لأنه قد اقتُصّ على أبدع الطرائق الرائعةِ الرائقةِ وأعجبِ الأساليب الفائقةِ اللائقةِ كما لا يكاد يخفى على من طالع القصةَ من كتب الأولين والآخرين وإن كان لا يميز الغثّ من السمين ، ولا يفرّق بين الشمال واليمين ، وفي كلمة هذا إيماءٌ إلى مغايرة هذا القرآنِ لما في قوله تعالى : { قُرْءاناً عَرَبِيّاً } بأن يكون المرادُ بذلك المجموعَ فتأمل .

(3/401)


أو نقص عليك أحسنَ ما نقص من الأنباء وهو قصةُ آلِ يعقوبَ عليه السلام على أن القَصصَ فَعَلٌ بمعنى المفعول كالنبأ والخبر ، أو مصدرٌ سُمّي به المفعولُ كالخلْق والصيد ، ونصبُ أحسنَ على المفعولية وأحسنيتُها لتضمنها من الحِكم والعِبر ما لا يخفى كمالُ حسنه { وَإِن كُنتُ } إن مخففةٌ من الثقيلة ، وضميرُ الشأنِ الواقعُ اسماً لها محذوفٌ واللامُ فارقةٌ والجملةُ خبرٌ والمعنى وإنّ الشأن { مِن قَبْلِهِ } من قبل إيحائِنا إليك هذه السورةَ { لَمِنَ الغافلين } عن هذه القصة لم تخطُر ببالك ولم تقرَعْ سمعَك قطُّ ، وهو تعليلٌ لكونه مُوحى ، والتعبيرُ عن عدم العلم بالغفلة لإجلال شأنِ النبيِّ عليه السلام وإن غفَل عنه بعضُ الغافلين .

(3/402)


إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (4)

{ إِذْ قَالَ يُوسُفُ } نُصب بإضمار اذكرْ وشروعٌ في القصة إنجازاً للوعد بأحسنِ الاقتصاصِ ، أو بدلٌ من أحسنَ القصصِ على تقدير كونِه مفعولاً بدلَ اشتمالٍ فإن اقتصاصَ الوقتِ المشتملِ على المقصوص من حيث اشتمالُه عليه اقتصاصٌ للمقصوص ، ويوسُفُ اسمٌ عبريٌّ لا عربيٌّ لخلوّه عن سبب آخرَ غيرِ التعريف ، وفتح السين وكسرها على بعض القراءات بناءً على التلعّب به لا على أنه مضارعٌ بُني للمفعول أو الفاعلِ من آسَف لشهادة المشهورة بعجمته { لأَبِيهِ } يعقوبَ بنِ إسحاقَ بن إبراهيمَ عليهم الصلاة والسلام ، وقد روي عنه عليه السلام : « إن الكريمَ بنَ الكريمِ بنِ الكريمِ بن الكريم يوسفُ بنُ يعقوبَ بنِ إسحاقَ بنِ إبراهيمَ » { يا أبت } أصله يا أبي فعوِّض عن الياء تاءُ التأنيثِ لتناسُبهما في الزيادة فلذلك قُلبت هاءً في الوقف على قراءة ابن كثير ، وأبي عمرو ، ويعقوبَ ، وكسرتُها لأنها عوضٌ عن حرف يناسبها وفتحها ابنُ عامر في كل القرآن لأنها حركةُ أصلها ، أو لأن الأصلَ يا أبتا فحُذف الألفُ وبقيت الفتحة ، وإنما لم يُجز يا أبتي لأنه جمعٌ بين العِوض والمعوَّض ، وقرىء بالضم إجراءً لها مُجرى الألفاظِ المؤنثة بالتاء من غير اعتبار التعويضِ وعدم تسكينها كأصلها لأنها حرفٌ صحيحٌ منزلٌ منزلةَ الاسمِ فيجب تحريكها ككاف الخطاب .
{ إِنّى رَأَيْتُ } من الرؤيا لا من الرؤية لقوله : { لاَ تَقْصُصْ رُءيَاكَ } { هذا تَأْوِيلُ رؤياى } ولأن الظاهرَ أن وقوعَ مثلِ هذه الأمور البديعةِ في عالم الشهادةِ لا يختص برؤية راءٍ دون راءٍ فيكون طامّةً كبرى لا يخفى على أحد من الناس { أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا والشمس والقمر } روي عن جابر رضي الله عنه : ( أن يهودياً جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : أخبرني يا محمد عن النجوم التي رآهن يوسُف عليه السلام ، فسكت النبيُّ عليه السلام فنزل جبريلُ عليه السلام فأخبره بذلك فقال عليه السلام : « إذا أخبرتك بذاك هل تسلم؟ » فقال : نعم ، قال عليه السلام : « جريانُ والطارقُ والذيال وقابسُ وعمودان والفليقُ والمصبحُ والضّروحُ والفرعُ ووثّابُ وذو الكتفين ، رآها يوسف عليه السلام والشمس والقمر ونزلن من السماء وسجَدْن له » فقال اليهوديُّ : إي والله إنها لأسماؤها ) وقيل : الشمس والقمرُ أبواه ، وقيل : أبواه ، وقيل : أبوه وخالتُه والكواكبُ إخوتُه ، وإنما أُخِّر الشمسُ والقمر عن الكواكب لإظهار مزيتِهما وشرفِهما على سائر الطوالعِ بعطفهما عليهما كما في عطف جبريلَ وميكائيلَ على الملائكة عليهم السلام وقد جُوِّز أن تكون الواو بمعنى مع أي رأيت الكواكبَ مع الشمس والقمر ، ولا يبعُد أن يكون ذلك إشارةً إلى تأخر ملاقاتِه عليه السلام لهما عن ملاقاته لإخوته . وعن وهب أن يوسفَ عليه السلام رأى وهو ابنُ سبعِ سنين أن إحدى عشرةَ عصاً طِوالاً كانت مركوزة في الأرض كهيئة الداوة وإذا عصاً صغيرةٌ تثب عليها حتى اقتلعتْها وغلبتْها فوصف ذلك لأبيه فقال : إياك أن تذكرَ هذا لإخوتك ، ثم رأى وهو ابن ثنتي عشرةَ سنةً الشمسَ والقمرَ والكواكبَ تسجُد له فقصّها على أبيه ، فقال : لا تقصَّها عليهم فيبغوا لك الغوائل ، وقيل : كان بين رؤيا يوسفَ ومصير إخوتِه إليه أربعون سنةً ، وقيل : ثمانون { رَأَيْتُهُمْ لِى سَاجِدِينَ } استئنافٌ ببيان حالِهم التي رآهم عليها كأن سائلاً سأل فقال : كيف رأيتهم؟ فأجاب بذلك ، وإنما أُجريت مُجرى العقلاءِ في الضمير لوصفها بوصف العقلاءِ السجود ، وتقديمُ الجار والمجرور لإظهار العنايةِ والاهتمام بما هو الأهمُّ مع ما في ضمنه من رعاية الفاصلة .

(3/403)


قَالَ يَا بُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ (5)

{ قَالَ يَابُنَىَّ } صغّره للشفقه ، أو لها ولصِغَر السن وهو أيضاً استئنافٌ مبنيٌ على سؤال من قال : فماذا قال يعقوبُ بعد سماعِ هذه الرؤيا العجيبةِ؟ ولمّا عرَف يعقوبُ عليه السلام من هذه الرؤيا أن يوسفَ يبلّغه الله تعالى مبلغاً جليلاً من الحكمة ويصطفيه للنبوة وينعم عليه بشرف الدارين كما فعل بآبائه الكرامِ خاف عليه حسَدَ الإخوة وبغيَهم فقال صيانةً لهم من ذلك وله من معاناة المشاقِّ ومقاساةِ الأحزان ، وإن كان واثقاً بأن الله تعالى سيحقق ذلك لا محالة وطمعاً في حصوله بلا مشقة : { لاَ تَقْصُصْ رُءيَاكَ } هي ما في المنام كما أن الرؤيةَ ما في اليقظة ، فُرّق بينهما بحرفي التأنيث كما في القربى والقربة ، وحقيقتُها ارتسامُ الصورةِ المنحدرة من أفق المُتخيّلة إلى الحس المشترك ، والصادقةُ منها إنما تكون باتصال النفسِ بالملكوت لما بينهما من التناسب عند فراغِها من تدبير البدنِ أدنى فراغٍ فتتصور بما فيها مما يليق من المعاني الحاصلةِ هناك ثم إن المتخيلة تحاكيه بصورة تناسبه فترسلها إلى الحس المشتركِ فتصير مشاهِدةً ثم إذا كانت شديدة المناسبة لذلك المعنى بحيث لا يكون التفاوتُ إلا بالكلية والجزئية استغنت الرؤيا عن التعبير وإلا احتاجت إليه { على إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُواْ } نصب بإضمار أن أي فيفعلوا { لَكَ } أي لأجلك ولإهلاكك { كَيْداً } متيناً راسخاً لا تقدر على التفصّي عنه ، أو خفياً عن فهمك لا تتصدى لمدافعته وهذا أوفقُ بمقام التحذير وإن كان يعقوبُ عليه السلام يعلم أنهم ليسوا بقادرين على تحويل ما دلت الرؤيا على وقوعه ، وهذا الأسلوبُ آكدُ من أن يقال : فيكيدوك كيداً ، إذ ليس فيه دِلالةٌ على كون نفس الفعلِ مقصودَ الإيقاع ، وقد قيل : إنما جيء باللام لتضمينه معنى الاحتيالِ المتعدِّي باللام ليفيد معنى المضمَّنِ والمضمّن فيه للتأكيد أي فيحتالوا لك ولإهلاكك حيلةً وكيداً ، والمرادُ بإخوته هاهنا الذين يَخشى غوائلَهم ومكايدَهم بنو عَلاّته الأحدَ عشرَ ، وهم يهوذا وروبيلُ وشمعونُ ولاوي وربالون ويشجُرُ ودينة بنو بعقوب من ليا بنت خالته ودان ونفتالي وجاد وآشر بنوه من سريّتين زلفة وبلهة وهؤلاء هم المشارُ إليهم بالكواكب الأحدَ عشر وأما بنيامين الذي هو شقيقُ يوسفَ عليه السلام وأمُّهما راحيل التي تزوجها يعقوبُ عليه السلام بعد وفاة أختها ليّا أو في حياتها إذ لم يكن جمعُ الأختين إذ ذاك محرماً فليس بداخل تحت هذا النهي إذ لا يتوهم مضرّتُه ولا يُخشى معرّتُه ولم يكن معدوداً معهم في الرؤيا إذ لم يكن معهم في السجود ليوسف والمرادُ نهيُه عن اقتصاص الرؤيا عليهم كلاًّ أو بعضاً .
{ إِنَّ الشيطان للإنسان عَدُوٌّ مُّبِينٌ } ظاهرُ العداوة فلا يألو جهداً في إغواء إخوتِك وإضلالِهم وحملهم على ما لا خير فيه ، وهو استئنافٌ كأن يوسف عليه السلام قال : كيف يصدر ذلك عن إخوتي الناشئين في بيت النبوة؟ فقيل : إن الشيطان يحمِلهم على ذلك ، ولما نبهه عليهما السلام على أن لرؤياه شأناً عظيماً يستتبع منافعَ وحذّره إشاعتَها المؤديةَ إلى أن يحول إخوتُه بينها وبين ظهورِ آثارِها وحصولِها أو يُوعروا سبيلَ وصولِها شرع في تعبيرها وتأويلها على وجه إجمالي فقال :

(3/404)


وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آَلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَى أَبَوَيْكَ مِنْ قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (6)

{ وكذلك } أي ومثلَ ذلك الاجتباءِ البديعِ الذي شاهدتَ آثارَه في عالم المثالِ من سجود تلك الأجرامِ العلوية النيِّرةِ لك ، وبحسَبه وعلى وَفْقه { يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ } يختارك لجناب كبريائِه ويستنبئك افتعال من جباه إذا جمعه ، ويصطفيك على أشراف الخلائقِ وسَراةِ الناس قاطبةً ويُبرز مصداق تلك الرؤيا في عالم الشهادة حسب ما عاينته من غير قصور ، والمرادُ بالتشبيه بيانُ المضاهاةِ المتحققةِ بين الصور المرئيةِ في عالم المثالِ وبين ما وقعت هي صوراً وأشباحاً له من الكائنات الظاهرةِ بحسبها في عالم الشهادة أي كما سُخّرت لك تلك الأجرامُ العظامُ يسخِّرْ لك وجوهَ الناس ونواصيَهم مذعنين لطاعتك خاضعين لك على وجه الاستكانة ، ومرادُه بيانُ إطاعةِ أبويه وإخوتِه له لكنه إنما لم يصرّح به حذراً من إذاعته { وَيُعَلّمُكَ } كلامٌ مبتدأٌ غيرُ داخل تحت التشبيه أراد به عليه السلام تأكيدَ مقالته وتحقيقَها وتوطينَ نفسِ يوسفَ عليه السلام بما أخبر به على طريقة التعبيرِ والتأويل ، كأنه قال وهو يعلمك { مِن تَأْوِيلِ الاحاديث } أي ذلك الجنسِ من العلوم أو طرفاً صالحاً منه فتطلّع على حقيّة ما أقول ، ولا يخفى ما فيه من تأكيد ما سبق والبعثِ على تلقي ما سيأتي بالقبول ، والمرادُ بتأويل الأحاديث تعبيرُ الرؤيا إذ هي أحاديثُ الملَكِ إن كانت صادقةً أو أحاديثُ النفس أو الشيطان إن لم تكن كذلك ، والأحاديثُ اسم جمعٍ للحديث كالأباطيل اسم جمع للباطل لا جمع أُحدوثة ، وقيل : كأنهم جمعوا حديثاً على أحْدِثة ثم جمعوا الجمعَ على أحاديث كقطيع وأقطِعة وأقاطيع ، وقيل : هو تأويلُ غوامضِ كتب الله تعالى وسنن الأنبياء عليهم السلام ، والأولُ هو الأظهرُ ، وتسميةُ التعبير تأويلاً لأنه جُعل المرئيُّ آيلاً إلى ما يذكره المعبِّرُ بصدد التعبير ورجْعِه إليه فكأنه عليه الصلاة والسلام أشار بذلك إلى ما سيقع من يوسف عليه السلام من تعبيره لرؤيا صاحبَيْ السجنِ ورؤيا الملِك وكون ذلك ذريعةً إلى ما يبلّغه الله تعالى إليه من الرياسة العظمى التي عبر عنها بإتمام النعمة ، وإنما عرَف يعقوبُ عليه السلام ذلك منه من جهة الوحي ، أو أراد كونَ هذه الخَصلةِ سبباً لظهور أمرِه عليه السلام على الإطلاق فيجوز حينئذ أن تكون معرفتُه عليه السلام لذلك بطريق الفِراسةِ والاستدلال من الشواهد والدلائل والأَمارات والمخايل بأن مَن وفقه الله تعالى لمثل هذه الرؤيا لا بد من توفيقه لتعبيرها وتأويل أمثالِها وتمييز ما هو آفاقيٌّ منها مما هو أنفُسيٌّ . كيف لا وهي تدل على كمال تمكّن نفسِه عليه السلام في عالم المثال وقوةِ تصرفاتِها فيه فيكون أقبلَ لفيضان المعارفِ المتعلّقة بذلك العالم وبما يحاكيه من الأمور الواقعةِ بحسبها في عالم الشهادةِ وأقوى وقوفاً على النِّسب الواقعة بين الصور المعاينةِ في أحد ذينك العالمين وبين الكائنات الظاهرةِ على وفقها في العالم الآخر ، وأن هذا الشأنَ البديلَ لا بد أن يكون أنموذجاً لظهور أمرِ من اتصف به ومداراً لجريان أحكامِه فإن لكل نبيَ من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معجزةً بها تظهر آثارُه وتجري أحكامُه { وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ } بأن يضم إلى النبوة المستفادةِ من الاجتباء المُلكَ ويجعله تتمة لها ، وتوسيطُ ذكر التعليم المذكور بينهما لكونه من لوازم النبوةِ والاجتباءِ ولرعاية ترتيبِ الوجود الخارجي ولِما أشرنا إليه من كون أثرِه وسيلةً إلى تمام النعمةِ ويجوز أن يعدّ نفسُ الرؤيا من نعم الله تعالى عليه فيكون جميعُ النعم الواصلة إليه من كون أثرِه وسيلةً إلى تمام النعمةِ ، ويجوز أن يُعدَّ نفس الرؤيا من نعم الله تعالى عليه فيكون جميع النعم الواصلة إليه بحسبها مصداقاً لها تماماً لتلك النعمة .

(3/405)


{ وعلى ءالِ يَعْقُوب } وهم أهلُه من بنيه وغيرهم فإن رؤيةَ يوسفَ عليه السلام إخوتَه كواكبَ يهتدى بأنوارها من نعم الله تعالى عليهم لدِلالتها على مصير أمرِهم إلى النبوة فيقع كلُّ ما يخرج من القوة إلى الفعل من كمالاتهم بحسب ذلك تماماً لتلك النعمةِ لا محالة ، وأما إذا أريد بتمام تلك النعمةِ المُلكُ فكونُه كذلك بالنسبة إليهم باعتبار أنهم يغتنمون آثارَه من العزِ والجاهِ والمال ، { كَمَا أَتَمَّهَا على أَبَوَيْكَ } نصبٌ على المصدرية أي ويتم نعمتَه عليك إتماماً كائناً كإتمام نعمتِه على أبويك وهي نعمةُ الرسالةِ والنبوةِ وإتمامُها على إبراهيمَ عليه السلام باتخاذه خليلاً وإنجائه من النار ومن ذبح الولدِ ، وعلى إسحاقَ بإنجائه من الذبح وفدائِه بذِبْحٍ عظيم وبإخراج يعقوبَ والأسباطِ من صُلبه وكلُّ ذلك نعمٌ جليلة وقعت تتمةً لنعمة النبوة . ولا يجب في تحقيق التشبيهِ كونُ ذلك في جانب المشبّه به مثلَ ما وقع في جانب المشبه من كل وجه { مِن قَبْلُ } أي من قبل هذا الوقت أو من قبلك { إِبْرَاهِيمَ * وإسحاق } عطفُ بيانٍ لأبويك ، والتعبيرُ عنهما بالأب من كونهما أبا جدِّه وأبا أبيه للإشعار بكمال ارتباطِه بالأنبياء الكرام عليهم الصلاة والسلام وتذكيرِ معنى : الولدُ سرُّ أبيه ليطمئن قلبُه بما أخبر به في ضمن التعبيرِ الإجمالي لرؤياه ، والاقتصارُ في المشبه به على ذكر إتمام النعمةِ من غير تعرض للاجتباء من باب الاكتفاء فإن إتمامَ النعمةِ يقتضي سابقةَ النعمة المستدعيةِ للاجتباء لا محالة { إِنَّ رَبَّكَ } استئنافٌ لتحقيق مضمونِ الجُمل المذكورةِ أي يفعل ما ذكر لأنه { عَلِيمٌ } بكل شيءٍ فيعلم من يستحق الاجتباءَ وما يتفرَّع عليه من التعليم المذكورِ وإتمامِ النعمةِ العامة على الوجه المذكور { حَكِيمٌ } فاعلٌ لكل شيءٍ حسبما تقتضيه الحكمةُ والمصلحة فيفعل ما يفعل كما يفعل جرياً على سنن علمِه وحكمتِه ، والتعرضُ لعنوان الربوبيةِ في الموضعين لتربية تحققِ وقوعِ ما ذكر من الأفاعيل . هذا وقد قيل في تفسير الآية الكريمةِ : أي وكما اجتباك لمثل هذه الرؤيا الدالةِ على شرف وعزَ وكمالِ نفس يجتبيك ربُّك للنبوة والمُلك أو لأمور عِظامٍ ويُتمُّ نعمتَه عليك بالنبوة أو بأن يصل نعمةَ الدنيا بنعمة الآخرة حيث جعلهم في الدنيا أنبياءَ وملوكاً ونقلهم عنها إلى الدرجات العلا في الجنة كما أتمها على أبويك بالرسالة فتأمل والله الهادي .

(3/406)


لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آَيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ (7) إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (8)

{ لَّقَدْ كَانَ فِى يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ } أي في قصتهم والمرادُ بهم هاهنا إما جميعُهم فإن لبنيامينَ أيضاً حصةً من القصة أو بنو عَلاّته المعدودون فيما سلف إذ عليهم يدور رحاها { ءايات } علاماتٌ عظيمةُ الشأنِ دالةٌ على قدرة الله تعالى القاهرة { لّلسَّائِلِينَ } لكل من سأل عن قصتهم وعرفها أو الطالبين للآيات المعتبرين بها فإنهم الواقفون عليها والمنتفعون بها دون مَنْ عداهم ممن اندرج تحت قوله تعالى : { وَكَأَيّن مِن ءايَةٍ فِى السموات والارض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ } فالمرادُ بالقصة نفسُ المقصوص أو على نبوته عليه السلام لمن سأله من المشركين أو اليهود عن قصتهم فأخبرهم بذلك على ما هي عليه من غير سماعٍ من أحد ولا ممارسةِ شيء من الكتب فالمرادُ بها اقتصاصُها ، وجمعُ الآيات حينئذ للإشعار بأن اقتصاصَ كلِّ طائفةٍ من القصة آيةٌ بينةٌ كافيةٌ في الدلالة على نبوته عليه السلام على نحو ما ذكر في قوله تعالى : { مَّقَامِ إبراهيم } على تقدير كونِه عطفَ بيان لقوله تعالى : { آيَات بَيّنَات } لا لما قيل من أنه لتعدد جهةِ الإعجاز لفظاً ومعنى ، وقرأ ابن كثير آيةٌ وفي بعض المصاحف عبرةٌ وقيل : إنما قص الله تعالى على النبي صلى الله عليه وسلم خبرَ يوسفَ وبغْيَ إخوتِه عليه لِما رأى من بغْي قومه عليه ليتأسّى به { إِذْ قَالُواْ لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ } أي شقيقُه بنيامينُ وإنما لم يذكَرْ باسمه تلويحاً بأن مدار المحبةِ أُخوّتُه ليوسف من الطرفين ، ألا يُرى إلى أنهم كيف اكتفَوا بإخراج يوسفَ من البين من غير تعرُّضٍ له حيث قالوا : اقتلوا يوسف { أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا } وحّد الخبر مع تعدد المبتدأ لأن أفعل من كذا لا يفرّق فيه بين الواحدِ وما فوقه ، ولا بين المذكر والمؤنث ، نعم إذا عُرّف وجب الفرقُ وإذا أضيف جاز الأمران ، وفائدةُ لام الابتداءِ في يوسف تحقيقُ مضمونِ الجملة وتأكيدُه { وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } أي والحالُ أنا جماعةٌ قادرون على الحل والعقد أحقاءُ بالمحبة ، والعُصبة والعِصابة العشَرةُ من الرجال فصاعداً سُمّوا بذلك لأن الأمورَ تُعصَب بهم { إِنَّ أَبَانَا } في ترجيحهما علينا في المحبة مع فضلنا عليهما وكونهما بمعزل من كفاية الأمورِ بالصِّغر والقلة { لَفِى ضلال } أي ذهب عن طريق التعديلِ اللائقِ وتنزيلِ كلَ منا منزلتَه { مُّبِينٍ } ظاهرِ الحال . روي أنه كان أحبَّ إليه لما يرى فيه من مخايل الخيرِ وكان إخوتُه يحسُدونه فلما رأى الرؤيا ضاعف له المحبة بحيث لم يصبِر عنه فتضاعف حسدُهم حتى حملهم على مباشرة ما قُص عنهم .

(3/407)


اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ (9) قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (10)

{ اقتلوا يُوسُفَ أَوِ اطرحوه أَرْضًا } من جملة ما حُكي بعد قوله إذا قالوا وقد قاله بعضٌ منهم مخاطباً للباقين بقضية الصيغة فكأنهم رضُوا بذلك كما يروى أن القائلَ شمعونُ أو دان ، والباقون كانوا راضين إلا من قال : لا تقتلوا الخ ، فجعلوا كأنهم القائلون وأُدرجوا تحت القولِ المسندِ إلى الجميع أو قاله كلُّ واحدٍ منهم مخاطباً للبقية وهو أدلُّ على مسارعتهم إلى ذلك القولِ . وتنكيرُ أرضاً وإخلاؤها من الوصف للإبهام أي أرضاً منكورةً مجهولة بعيدةً من العُمران ولذلك نصبت نصبَ الظروفِ المُبهمة { يَخْلُ } بالجزم جوابٌ للأمر أي يخلُصْ { لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ } فيُقبل عليكم بكلّيته ولا يلتفتْ عنكم إلى غيركم ولا يساهمكم في محبته أحدٌ فذكرُ الوجه لتصوير معنى إقبالِه عليهم { وَتَكُونُواْ } بالجزم عطفاً على يخْلُ أو بالنصب على إضمار أنْ أو الواو بمعنى مع مثل قوله : { وَتَكْتُمُواْ الحق } وإيثارُ الخطابِ في لكم وما بعده للمبالغة في حملهم على القبول فإن اعتناءَ المرءِ بشأن نفسِه واهتمامَه بتحصيل منافعِه أتمُّ وأكمل { مِن بَعْدِهِ } من بعد يوسفَ أي من بعد الفراغِ من أمره أو طرحه { قَوْمًا صالحين } تائبين إلى الله تعالى عما جنيتم أو صالحين مع أبيكم بإصلاح ما بينكم وبينه بعذر تمهّدونه أو صالحين في أمور دنياكم بانتظامها بعده بخلُوّ وجه أبيكم { قَالَ قَائِلٌ مّنْهُمْ } هو يهوذا وكان أحسنَهم فيه رأياً وهو الذي قال : { فَلَنْ أَبْرَحَ الارض } الخ ، وقيل : روبيل وهو استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال من سأل وقال : اتفقوا على ما عُرض عليهم من خصلتي الضّيْع أم خالفهم في ذلك أحدٌ فقيل : قال قائل منهم : { لاَ تَقْتُلُواْ يُوسُفَ } أظهره في مقام الإضمار استجلاباً لشفقتهم عليه أو استعظاماً لقتله وهو هو ، فإنه يروى أنه قال لهم : القتلُ عظيمٌ ولم يصرّح بنهيهم عن الخَصلة الأخرى وأحاله على أولوية ما عرضه عليهم بقوله : { وَأَلْقُوهُ فِى غَيَابَةِ الجب } أي في قعره وغوره . سُمِّي بها لغَيبته عن عين الناظرِ ، والجبّ البئرُ التي لم تُطْوَ بعدُ لأنها أرضٌ جُبّت جباً من غير أن يُزاد على ذلك شيءٌ ، وقرأ نافعٌ في غيابات الجب في الموضعين كأن لتلك الجبّ غياباتٍ أو أراد بالجب الجنسَ أي في بعض غيابات الجبِّ وقرىء غيابات وغيبة { يَلْتَقِطْهُ } يأخذْه على وجه الصيانة عن الضياع والتلف فإن الالتقاطَ أخذُ شيءٍ مشرف على الضياع { بَعْضُ السيارة } أي بعض طائفةٍ تسير في الأرض واللام في السيارة كما في الجب وما فيهما وفي البعض من الإبهام لتحقيق ما يتوخاه من ترويج كلامِه بموافقته لغرضهم الذي هو تنائي يوسفَ عنهم بحيث لا يدرى أثرُه ولا يروى خبرُه وقرىء تلتقطْه على التأنيث لأن بعضَ السيارة سيارةٌ كقوله :
كما شرِقَتْ صدرُ القناةِ من الدمِ ... ومنه قُطعت بعضُ أصابعه { إِن كُنتُمْ فاعلين } بمشورتي ، لم يبُتَّ القول عليهم بل إنما عرض عليهم ذلك تألفاً لقلبهم وتوجيهاً لهم إلى رأيه وحذراً من نسبتهم له إلى التحكم والافتيات ، أو إن كنتم فاعلين ما أزمعتم عليه من إزالته من عند أبيه لا محالة ولما كان هذا مظنةً لسؤال سائل يقول : فما فعلوا بعد ذلك قبِلوا ذلك منه أو لا؟ أجيب بطريق الاستئناف على وجه أُدرج في تضاعيفه قبولُهم له بما سيجيء من قوله : { وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِى غَيَابَةِ الجب } فقيل :

(3/408)


قَالُوا يَا أَبَانَا مَا لَكَ لَا تَأْمَنَّا عَلَى يُوسُفَ وَإِنَّا لَهُ لَنَاصِحُونَ (11) أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13)

{ قَالُواْ يا أَبَانَا } خاطبوه بذلك تحريكاً لسلسلة النسبِ بينه وبينهم وتذكيراً لرابطة الأخوّة بينهم وبين يوسفَ عليه الصلاة والسلام ليتسببوا بذلك إلى استنزاله عليه السلام عن رأية في حفظه منهم لمّا أحس منه بأمارات الحسد والبغي فكأنهم قالوا : { مَا لَكَ } أي أيُّ شيء لك { لاَ تَأْمَنَّا } أي لا تجعلنا أمناءَ { على يُوسُفَ } مع أنك أبونا ونحن بنوك وهو أخونا { وَإِنَّا لَهُ لناصحون } مريدون له الخيرَ ومشفقون عليه ليس فينا ما يُخلُّ بالنصيحة والمِقَة قطُّ والقراءة المشهورةُ بالإدغام والإشمام . وعن نافع رضي الله عنه تركُ الإشمام ومن الشواذ ترك الإدغام { أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَداً } إلى الصحراء { يَرْتَعْ } أي يتسعْ في أكل الفواكه ونحوها فإن الرتع هو الاتساعُ في الملاذ { وَيَلْعَبْ } بالاستباق والتناضل ونظائرِهما مما يُعد من باب التأهّب للغزو ، وإنما عبروا عن ذلك باللعب لكونه على هيئته تحقيقاً لما راموه من استصحاب يوسفَ عليه السلام بتصويرهم له بصورة ما يلائم حاله عليه السلام ، وقرىء نرتعْ ونلعبْ بالنون ، وقرأ ابن كثير نرتِع من ارتعى ونافع بالكسر والياء فيه وفي يلعب وقرىء يُرتِعْ من أرتع ماشيتَه ويرتعِ بكسر العين ويلعبُ بالرفع على الابتداء { وَإِنَّا لَهُ لحافظون } من أن يناله مكروهٌ أكدوا مقالتَهم بأصناف التأكيدِ من إيراد الجملة اسميةً وتحليتها بإنّ واللام وإسنادُ الحفظ إلى كلهم وتقديمُ له على الخبر احتيالاً في تحصيل مقصدهم .
{ قَالَ } استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال من يقول : فماذا قال يعقوبُ عليه السلام؟ فقيل : قال : { إِنّى لَيَحْزُنُنِى } اللامُ للابتداء كما في قوله عز وجل : { وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ } { أَن تَذْهَبُواْ بِهِ } لشدة مفارقتِه عليّ وقلة صبري عنه { و } مع ذلك { أَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذئب } لأن الأرض كانت مَذأبة والحزنُ ألمُ القلب بفوت المحبوبِ والخوفُ انزعاجُ النفسِ لنزول المكروهِ ولذلك أُسند الأولُ إلى الذهاب به المفوِّتِ لاستمرار مصاحبتِه ومواصلتِه ليوسف والثاني إلى ما يُتوقع نزولُه من أكل الذئبِ ، وقيل : رأى في المنام أنه قد شد عليه عليه السلام ذئبٌ وكان يحذَره فقال ذلك ، وقد لقنهم للعلة
إن البلاء موكل بالمنطق ... وقرأ ابن كثير ، ونافع ، في رواية البزي بالهمزة على الأصل ، وأبو عمرو به وقفاً . وعاصم ، وابنُ عامر ، وحمزةُ درجاً وقيل : اشتقاقه من تذاءبت الريحُ إذا هاجت من كل جانب ، وقال الأصمعي : الأمرُ بالعكس وهو أظهر لفظاً ومعنى { وَأَنْتُمْ عَنْهُ غافلون } لاشتغالكم بالرتع واللِّعْب أو لقلة اهتمامِكم بحفظه .

(3/409)


قَالُوا لَئِنْ أَكَلَهُ الذِّئْبُ وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّا إِذًا لَخَاسِرُونَ (14) فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (15)

{ قَالُواْ لَئِنْ أَكَلَهُ الذئب وَنَحْنُ عُصْبَةٌ } أي والحالُ أنا جماعةٌ كثيرةٌ جديرةٌ بأن تُعصَّب بنا الأمورُ العظام وتُكفى الخطوبُ بآرائنا وتدبيراتِنا واللام الداخلةُ على الشرط موطئةٌ للقسم وقوله : { إِنَّا إِذَا لخاسرون } جوابٌ مُجزىءٌ عن الجزاء أي لها لكون ضعفاً وخوَراً وعجزاً أو مستحقون للهلاك إذ لا غَناء عندنا ولا جدوى في حياتنا أو مستحقون لأن يدعى علينا بالخَسار والدمار ويقال : خسّرهم الله تعالى ودمّرهم حيث أكل الذئبُ بعضهم وهم حضور ، وقيل : إن لم نقدِر على حفظه وهو أعزُّ شيء عندنا فقد هلكت مواشينا إذن وخسِرناها ، وإنما اقتصروا على جواب خوف يعقوبَ عليه السلام من أكل الذئب لأنه السببُ القوي في المنع دون الحزن لِقصر مدّته بناء على أنهم يأتون به عن قريب { فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ } أي أزمعوا { أَن يَجْعَلُوهُ } مفعولٌ لأجمعوا يقال : أجمع الأمرَ ومنه { فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ } ولا يستعمل ذلك إلا في الأفعال التي قوِيت الدواعي إلى فعلها { فِى غَيَابَةِ الجب } قيل : هي بئرٌ بأرض الأردنّ ، وقيل : بين مصرَ ومدينَ ، وقيل : على ثلاثة فراسخَ من منزل يعقوبَ عليه السلام بكنعانَ التي هي من نواحي الأردنّ كما أن مدينَ كذلك ، وأما ما يقال من أنها بئرُ بيتِ المقدس فيردّه التعليلُ بالتقاط السيارةِ ومجيئهم أباهم عشاءَ ذلك اليومِ فإن بين منزل يعقوبَ عليه السلام وبين بيت المقدس مراحل . وجوابُ لما محذوفٌ إيذاناً بظهوره وإشعاراً بأن تفصيلَه مما لا يحويه فلكُ العبارة ، ومجملُه فعلوا به من الأذية ما فعلوا . يروى أنهم لما برزوا إلى الصحراء أخذوا يُؤْذونه ويضرِبونه حتى كادوا يقتلونه ، فجعل يصيح ويستغيث ، فقال يهوذا : أما عاهدتموني ألا تقتلوه ، فأتَوا به إلى البئر فتعلق بثيايهم فنزعوها من يديه فدلّوه فيها فتعلق بشفيرها فربطوا يديه ، ونزعوا قميصَه لِما عزموا عليه من تلطيخه بالدم احتيالاً لأبيه ، فقال : يا إخوتاه ردوا عليّ قميصي أتوارى به فقالوا : ادعُ الشمسَ والقمرَ والأحدَ عشر كوكباً تؤنسك ، فدلوه فيها ، فلما بلغ نصفها ألقَوْه ليموت وكان في البئر ماء فسقط فيه ثم أوى إلى صخرة فقام عليها وهو يبكي ، فنادَوه وظن أنها رحمةٌ أدركتهم . فأجابهم فأرادوا أن يرضخوه فمنعهم يهوذا ، وكان يأتيه بالطعام كلَّ يوم . ويروى أن إبراهيمَ عليه السلام حين ألقي في النار وجُرِّد عن ثيابه أتاه جبريلُ عليه السلام بقميص من حرير الجنة فألبسه إياه فدفعه أبراهيمُ إلى إسحاقَ وإسحاقُ إلى يعقوبَ فجعله يعقوبُ في تميمة وعلقها في عنق يوسفَ ، فجاءه جبريل عليه السلام فأخرجه من التميمة فألبسه إياه .
{ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ } عند ذلك تبشيراً له بما يؤول إليه أمره وإزالةً لوحشته وإيناساً له ، قيل : كان ذلك قبل إدراكِه كما أوحي إلى يحيى وعيسى ، وقيل : كان إذ ذاك مدركاً ، قال الحسن رضي الله عنه : كان له سبعَ عشرةَ سنة { لَتُنَبّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هذا } أي لتَتخَلّصن مما أنت فيه من سوء الحالِ وضيقِ المجال ولتُحدِّثن إخوتَك بما فعلوا بك { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بأنك يوسفُ لتبايُن حالَيك : حالِك هذا وحالِك يومئذ لعلو شأنِك وكبرياءِ سلطانِك وبُعد حالِك عن أوهامهم ، وقيل : لبعد العهد المبدِّلِ للهيئات المغيِّرِ للأشكال ، والأولُ أدخلُ في التسلية ، روي أنهم حين دخلوا عليه ممارين فعرفهم وهم له منكرون دعا بالصُّواع فوضعه على يده ثم نقره فطنّ ، فقال : إنه ليُخبرني هذا الجامُ أنه كان لكم أخٌ من أبيكم يقال له يوسفُ وكان يُدْنيه دونكم أونكم انطلقتم به وألقَيتموه في غيابة الجب وقلتم لأبيكم أكله الذئبُ وبعتموه بثمن بخس ، ويجوز أن يتعلق ( وهم لا يشعرون ) بالإيحاء على معنى أنا آنسناه بالوحي وأزلنا عن قلبه الوحشةَ التي أورثوه إياها وهم لا يشعرون بذلك ويحسبون أنه مرهَقٌ مستوحِشٌ لا أنيس له .

(3/410)


وقرىء لننبئنّهم بالنون على أنه وعيدٌ لهم فقوله تعالى : { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } متعلق بأوحينا لا غيرُ .

(3/411)


وَجَاءُوا أَبَاهُمْ عِشَاءً يَبْكُونَ (16) قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِنْدَ مَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ (17)

{ وَجَاءوا أَبَاهُمْ عِشَاءً } آخر النهار وقرىء عُشِيّا وهو تصغير عشى وعُشىً بالضم والقصر جمع أعشى أي عَشْواً من البكاء { يَبْكُونَ } متباكين . روي أنه لما سمع يعقوبُ عليه السلام بكاءهم فزع وقال : ما لكم يا بَنيّ وأين يوسف؟ { قَالُواْ يأَبَانَا إنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ } أي متسابقين في العدْو والرمي وقد يشترك الافتعال والتفاعل كالانتضال والتناضل ونظائرهما { وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَ متاعنا } أي ما نتمتع به من الثياب والأزواد وغيرِهما { فَأَكَلَهُ الذئب } عَقيبَ ذلك من غير مُضيِّ زمانٍ يعتاد فيه التفقدُ والتعهدُ . وحيث لا يكاد يُطرح المتاعُ عادة إلا في مقام يُؤْمن فيه الغوائلُ لم يعُدْ تركُه عليه السلام عنده من باب الغفلة وتركِ الحظ الملتزَم لا سيما إذا لم يبرحوه ولم يغيبوا عنه ، فكأنهم قالوا : إنا لم نقصِّر في محافظته ولم نغفُلْ عن مراقبته بل تركناه في مأمننا ومجمعنا بمرأىً منا لأن ميدانَ السباق لا يكون عادة إلا بحيث يتراءى غايتاه وما فارقناه إلا ساعةً يسيرةً بيننا وبينه مسافةٌ قصيرة فكان ما كان { وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لَّنَا } بمصدّق لنا في هذه المقالة الدالةِ على عدم تقصيرِنا في أمره { وَلَوْ كُنَّا } عندك وفي اعتقادك { صادقين } موصوفين بالصدق والثقةِ لشدة محبتك ليوسف فكيف وأنت سيّءُ الظن بنا غيرُ واثقٍ بقولنا ، وكلمة لو في أمثال هذه المواقعِ لبيان تحقق ما يفيده الكلامُ السابق من الحكم الموجَبِ أو المنفيِّ على كل حال مفروض من الأحوال المقارنةِ له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدِّها منافاةً له ليظهر بثبوته أو انتفائِه معه ثبوتُه أو انتفاؤه مع غيره من الأحوال بطريق الأولوية ، لِما أن الشيءَ متى تحقق مع المنافي القويِّ فلأَنْ يتحققَ مع غيره أولى ، ولذلك لا يُذكر معه شيٌ من سائر الأحوال ويكتفى عنه بذكر الواوِ العاطفةِ للجملة على نظيرتها المقابلةِ لها الشاملةِ لجميع الأحوال المغايرة لها عند تعدّدِها ، وقد مرَّ تفصيله في سورة البقرة عند قوله تعالى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتبعوا مَا أَنزَلَ الله قَالُواْ } وفي سورة الأعراف عند قوله تعالى : { أَوَلَوْ كُنَّا كارهين }

(3/412)


وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (18) وَجَاءَتْ سَيَّارَةٌ فَأَرْسَلُوا وَارِدَهُمْ فَأَدْلَى دَلْوَهُ قَالَ يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (19)

{ وَجَاءوا على قَمِيصِهِ } محلُّه النصبُ على الظرفية من قوله : { بِدَمٍ } أي جاءوا فوق قميصِه بدم كما تقول : جاء على جِماله بأحمال ، أو على الحالية منه والخلاف في تقدم الحال على المجرور فيما إذا لم يكن الحالُ ظرفاً { كَذِبٍ } مصدرٌ وصف به الدمُ مبالغةً ، أو مصدرٌ بمعنى المفعول أي مكذوبٍ فيه أو بمعنى ذي كذب أي ملابِسٍ لكذب ، وقرىء كذباً على أنه حالٌ من الضمير ، أي جاءوا كاذبين أو مفعولٌ له ، وقرأت عائشة رضي الله تعالى عنها بغير المعجمة أي كدر ، وقيل : طريّ ، قال ابن جني : أصلُه من الكدب وهو الفُوف أي البياض الذي يخرج على أظفار الأحداث كأنه دم قد أثر في قميصه . روي أنهم ذبحوا سَخْلةً ولطّخوه بدمها وزلّ عنهم أن يمزقوه ، فلما سمع يعقوبُ بخبر يوسف عليهما السلام صاح بأعلى صوته وقال : أين القميصُ؟ فأخذه وألقاه على وجهه وبكى حتى خضَب وجهَه بدم القميص وقال : تالله ما رأيت كاليوم ذئباً أحلمَ من هذا ، أكل ابني ولم يمزِّقْ عليه قميصه . وقيل : كان في قميص يوسف عليه السلام ثلاثُ آياتٍ كان دليلاً ليعقوب على كذبهم وألقاه على وجهه فارتد بصيراً ودليلاً على براءة يوسف عليه السلام حين قُدّ مِنْ دُبر { قَالَ } استئنافٌ مبني على سؤال فكأنه قيل : ما قال يعقوبُ هل صدقهم فيما قالوا أو لا؟ فقيل : لم يكن ذلك { بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ } أي زينت وسهّلت قاله ابن عباس رضي الله عنهما والتسويلُ تقديرُ شيءٍ في النفس مع الطمع في إتمامه . قال الأزهري : كأنّ التسويلَ تفعيلٌ من سُؤل الإنسان وهو أمنيتُه التي يطلبها فتزين لطالبها الباطلَ وغيرَه ، وأصله مهموز ، وقيل : من السَّوَل وهو الاسترخاء { أمْراً } من الأمور منْكراً لا يوصف ولا يعرف { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ } أي فأمري صبرٌ جميلٌ أو فصبرٌ أجملُ أو أمثلُ . وفي الحديث : " الصبرُ الجميلُ الذي لا شكوى فيه " أي إلى الخلق وإلا فقد قال يعقوبُ عليه السلام : إنما أشكو بثي وحزني إلى الله ، وقيل : سقط حاجباه على عينيه فكان يرفعهما بعصابة ، فقيل له : ما هذا؟ قال : طولُ الزمان وكثرةُ الأحزان فأوحى الله عز وجل إليه : «يا يعقوبُ أتشكوني؟» قال : يا رب خطيئةٌ فاغفِرها لي ، وقرأ أُبيّ فصبراً جميلاً { والله المستعان } أي المطلوبُ منه العونُ وهو إنشاءٌ منه عليه السلام للاستعانة المستمرة { على مَا تَصِفُونَ } على إظهار حال ما تصفون وبيانِ كونِه كذباً ، وإظهارِ سلامتِه فإنه عَلَم في الكذب قال سبحانه : { سبحان رَبّكَ رَبّ العزة عَمَّا يَصِفُونَ } وهو الأليقُ بما سيجيء من قوله تعالى : { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى الله أَن يَأْتِيَنِى بِهِمْ جَمِيعًا } وتفسيرُ المستعانِ عليه باحتمال ما يصفون من هلاك يوسفَ والصبرِ على الرزء فيه يأباه تكذيبُه عليه السلام لهم في ذلك ، ولا تساعدُه الصيغةُ فإنها قد غلَبت في وصف الشيء بما ليس فيه كما أشير إليه .

(3/413)


{ وَجَاءتْ } شروعٌ في بيان ما جرى على يوسف في الجب بعد الفراغِ من ذكر ما وقع بين إخوتِه وبين أبيه ، والتعبيرُ بالمجيء ليس بالنسبة إلى مكانهم فإن كنعانَ ليس بالجانب المصريِّ من مدينَ بل إلى مكان يوسف وفي إيثاره على المرور أو الإتيانِ أو نحوهما إيماءٌ إلى كونه عليه السلام في الكرامة والزلفى عند مليكٍ مقتدرٍ والظاهر أن الجب كان في الأمم المئتاء فإن المتبادر من إسناد المجيء إلى السيارة مطلقاً في قوله عز وجل : { سَيَّارَةٌ } أي رفقةٌ تسير من جهة مدينَ إلى مصرَ وقوعُه باعتبار سيرِهم المعتادِ وهو الذي يقتضيه قوله تعالى فيما سلف : { يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السيارة } وقد قيل إنه كان في قفرة بعيدةٍ من العُمران لم تُمكن إلا للرعاة فأخطأوا الطريقَ فنزلوا قريباً منه ، وقيل : كان ماؤه مِلْحاً فعذُبَ حين ألقي فيه عليه السلام { فَأَرْسَلُواْ وَارِدَهُمْ } الذي يرد الماءَ ويستقي لهم وكان ذلك مالك بنُ ذعر الخزاعيّ وإنما لم يُذكر منتهى الإرسالِ كما لم يذكر منتهى المجيءِ أعني الجب للإيذان بأن ذلك معهودٌ لا يُضرب عنه الذكرُ صفحاً { فأدلى دَلْوَهُ } أي أرسلها إلى الجب والحذفُ لما عرفتَه فتدلى بها يوسف فخرج .
{ قَالَ } استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال يقتضيه الحال { يابشرى هذا غُلاَمٌ } كأنه نادى البُشرى وقال : تعالَيْ ، فهذا أوانُك حيث فاز بنعمة باردةٍ وأيِّ نعمةٍ مكانَ ما يوجد مباحاً من الماء . وقيل : هو اسمُ صاحبٍ له ناداه ليُعينَه على إخراجه ، وقرأ غيرُ الكوفيين يا بشرايَ وأمال فتحةَ الراءِ حمزةُ والكِسائيُّ وقرأ ورشٌ بين اللفظين يا بُشْرَيَّ بالإدغام وهي لغة ، وبشرايْ على قصد الوقف { وَأَسَرُّوهُ } أي أخفاه الواردُ وأصحابُه عن بقية الرفقة ، وقيل : أخفَوا أمرَه ووجدانَهم له في الجب وقالوا لهم : دفعَه إلينا أهلُ الماء لنبيعه لهم بمصرَ ، وقيل : الضميرُ لإخوة يوسفَ وذلك أن يهوذا كان يأتيه كلَّ يوم بطعام فأتاه يومئذ فلم يجدْه فيها فأخبر إخوتَه فأتَوا الرفقةَ وقالوا : هذا غلامُنا أبَقَ منا فاشترَوه منهم وسكت يوسفُ مخافةَ أن يقتُلوه ولا يخفى ما فيه من البعد { بضاعة } نُصب على الحالية أي أخفَوه حالَ كونِه بضاعةً أي متاعاً للتجارة فإنها قطعةٌ من المال بُضعت عنه أي قطعت للتجارة { والله عَلِيمٌ بِمَا يَعْمَلُونَ } وعيدٌ لهم على ما صنعوا من جعلهم مثلَ يوسفَ وهو هو عرضةً للابتذال بالبيع والشراءِ وما دبروا في ذلك من الحيل .

(3/414)


وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُوا فِيهِ مِنَ الزَّاهِدِينَ (20)

{ وَشَرَوْهُ } أي باعوه والضمير للوارد وأصحابه { بِثَمَنٍ بَخْسٍ } زيْفٍ ناقصِ العيار { دراهم } بدل من ثمن أي لا دنانير { مَّعْدُودَةٍ } أي غيرِ موزونة فهو بيانٌ لقلته ونقصانِه مقدا6راً بعد بيان نقصانِه في نفسه إذ المعتادُ فيما لا يبلغ أربعين العدُّ دون الوزن ، فعن ابن عباس رضي الله عنهما أنها كانت عشرين درهماً وعن السدي رضي الله عنه أنها كانت اثنين وعشرين درهماً { وَكَانُواْ } أي البائعون { فِيهِ } في يوسف { مِنَ الزهدين } من الذين لا يرغبون فيما بأيديهم فلذلك باعوه بما ذكر من الثمن البخْسِ ، وسببُ ذلك أنهم التقطوه ، والملتقطُ للشيء متهاونٌ به ، أو غيرُ واثق بأمره يخاف أن يظهر له مستحِقٌّ فينتزعه منه فيبيعه من أول مُساومٍ بأوكسِ ثمن ، ويجوز أن يكون معنى شرَوه اشتروه من إخوته على ما حُكي وهم غير راغبين في شِراه خشية ذهابِ مالِهم لِما ظنّ في آذانهم من الإباق ، والعدولُ على صيغة الافتعال المنبئةِ عن الاتخاذ لما مر من أن أخذَهم إنما كان بطريق البضاعةِ دون الاجتباء والاقتناءِ ، وفيه متعلِّق بالزاهدين إن جُعل اللامُ للتعريف وبيانٌ لما زهدوا فيه إن جُعلت موصولة ، كأنه قيل : في أي شيء زهِدوا؟ فقيل : زهدوا فيه ، لأن ما يتعلق بالصلة لا يتقدم على الموصول .

(3/415)


وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْرَ لِامْرَأَتِهِ أَكْرِمِي مَثْوَاهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (21)

{ وَقَالَ الذى اشتراه مِن مّصْرَ } وهو العزيز الذي كان على خزانته واسمُه قطفيرُ أو إطفير ، وبيانُ كونِه من مصرَ لتربية ما يفرّع عليه من الأمور مع الإشعار بكونه غيرَ من اشتراه من الملتقطين بما ذكر من الثمن البخس ، وكان الملكَ يومئذ الريانُ بنُ الوليد العمليقي ومات في حياة يوسفَ عليه السلام بعد أن آمن به فملَك بعده قابوسُ بنُ مصعب فدعاه إلى الإسلام فأبى ، وقيل : كان الملكُ في أيامه فرعونَ موسى عليه السلام عاش أربعَمائة سنةٍ لقوله عز وجل : { وَلَقَدْ جَاءكُمْ يُوسُفُ مِن قَبْلُ بالبينات } وقيل : فرعونُ موسى من أولاد فرعونِ يوسف ، والآية من قبيل خطاب الأولادِ بأحوال الآباء ، واختلف في مقدار ما اشتراه به العزيز فقيل : بعشرين ديناراً وزوجَيْ نعل وثوبين أبيضين . وقيل : أدخلوه في السوق يعرِضونه فترافعوا في ثمنه حتى بلغ ثمنُه وزنَه مِسْكاً ووزنَه حريراً فاشتراه قطفيرُ بذلك المبلغ وكان سنه إذ ذاك سبعَ عشرةَ سنة وأقام في منزله مع ما مر عليه من مدة لبثه في السجن ثلاثَ عشرةَ سنةً واستوزره الريانُ وهو ابن ثلاثين سنة وآتاه الله العلم والحكمة وهو ابن ثلاثٍ وثلاثين سنة وتوفي وهو ابن مائة وعشرين سنة { لاِمْرَأَتِهِ } راعيل أو زليخا ، وقيل : اسمُها هو الأول والثاني لقبُها واللامُ متعلقةٌ بقال لا باشتراه { أَكْرِمِى مَثْوَاهُ } اجعلي محلَّ إقامتِه كريماً مرضياً والمعنى أحسني تعهّده { عسى أَن يَنفَعَنَا } في ضِياعنا وأموالِنا ونستظهر به في مصالحنا { أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا } أي نتبنّاه وكان ذلك لِما تفرّس فيه من مخايل الرشد والنجابة ، ولذلك قيل : ( أفرسُ الناسِ ثلاثةٌ عزيزُ مصرَ وابنةُ شعيبِ التي قالت : { إِحْدَاهُمَا ياأبت استجره } وأبو بكر حين استخلف عمرَ رضي الله عنهما ) .
{ وكذلك } نُصب على المصدرية وذلك إشارةٌ إلى ما يفهم من كلام العزيزِ ، وما فيه من معنى البُعد لتفخيمه أي مثلَ ذلك التمكينِ البديع { مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِى الارض } أي جعلنا له فيها مكاناً ، يقال : مكّنه فيه أي أثبته فيه ومكّن له فيه ، أي جعل له فيه مكاناً ، ولتقاربهما وتلازُمهما يُستعمل كلٌّ منهما في محل الآخر ، قال عز وجل : { كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مّن قَرْنٍ مكناهم فِى الارض مَا لَمْ نُمَكّن لَّكُمْ } أي ما لم نمكنْكم فيها أو مكنّا لهم في الأرض الخ ، والمعنى كما جعلنا له مثوى كريماً في منزل العزيزِ أو مكاناً علياً في قبله حتى أمرَ امرأتَه دون سائر حواشيه بإكرام مثواه جعلنا له مكانةً رفيعة في أرض مصر ، ولعله عبارةٌ عن جعله وجيهاً بين أهلها ومحبباً في قلوبهم كافة كما في قلب العزيزِ لأنه الذي يؤدّي إلى الغاية المذكورة في قوله تعالى : { وَلِنُعَلّمَهُ مِن تَأْوِيلِ الاحاديث } أي نوفقه لتعبير بعضِ المنامات التي عُمدتُها رؤيا الملِك وصاحبَي السجنِ لقوله تعالى :

(3/416)


{ ذلكما مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى } سواءٌ جعلناه معطوفاً على غاية مقدرة ينساق إليها الكلامُ ويستدعيها النظامُ كأنه قيل : ومثلَ ذلك التمكينِ مكنّا ليوسف في الأرض وجعلنا قلوبَ أهلِها كافة مجالَ محبتِه ليترتب عليه ما ترتب مما جرى بينه وبين امرأةِ العزيز ولنعلمه بعضَ تأويل الأحاديثِ وهو تأويلُ الرؤيا المذكورة فيؤدّي ذلك إلى الرياسة العُظمى ، ولعل ترك المعطوفِ عليه للإشعار بعدم كونه مراداً بالذات أو جعلناه علةً لمعلل محذوفٍ كأنه قيل : ولهذه الحكمةِ البالغةِ فعلنا ذلك التمكينَ دون غيرها مما ليس له عاقبةٌ حميدة . هذا ولا يخفى عليك أن الذي عليه تدور هذه الأمورُ إنما هو التمكينُ في جانب العزيز .
وأما التمكينُ في جانب الناسِ كافةً فتأديتُه إلى ذلك إنما هي باعتبار اشتمالِه على ذلك التمكينِ فإذن الحق أن يكون ذلك إشارةً إلى مصدر قوله تعالى : { مَكَّنَّا لِيُوسُفَ } على أن يكون هو عبارةً عن التمكين في قلب العزيزِ أو في منزله ، وكونُ ذلك تمكيناً في الإرض بملابسة أنه عزيزٌ فيها لا عن تمكين آخرَ يُشبه به كما مر في قوله تعالى : { وكذلك جعلناكم أُمَّةً وَسَطًا } من أن ذلك إشارةٌ إلى مصدر الفعل المذكورِ بعده لا إلى جعل آخرَ يُقصد تشبيهُ هذا الجعْل به فالكاف مقحم للدلالة على فخامة شأن المشار إليه إقحاماً لا يكاد يترك في لغة العرب ولا في غيرها .
ومن ذلك قولُهم : مثلُك لا يبخل ، وهكذا ينبغي أن يُحقق المقامُ ، وأما التمكينُ بمعنى جعلِه مالكاً يتصرف في أرض مصرَ بالأمر والنهي فهو من آثار ذلك التعليم ونتائجِه المتفرِّعةِ كما عرفته لا من مباديه المؤديةِ إليه ، فلا سبيل إلى جعله غايةً له ولم يُعهد منه عليه السلام في تضاعيف قضاياه العملُ بموجب المناماتِ المنبّهة على الحوادث قبل وقوعِها عهداً مصححاً لجعله غايةً لولايته ، وما وقع من التدارك في أمر السنين فإنما هو عملٌ بموجب الرؤيا السابقةِ المعهودة اللهم إلا أن يراد بتعليم تأويلِ الأحاديث ما سبق من تفهيم غوامضِ أسرارِ الكتبِ الإلهية ودقائقِ سننِ الأنبياء عليهم السلام فيكون المعنى حينئذ مكنا له أرضَ مصر ليتصرف فيها بالعدل ولنعلمه معانيَ كتب الله تعالى وأحكامَها ودقائقَ سنن الأنبياء عليهم السلام فيقضي بها فيما بين أهلها ، والتعليمُ الإجماليُّ لتلك المعاني والأحكام وإن كان غيرَ متأخرٍ عن تمكنه بذلك المعنى ألا أن تعليمَ كلِّ معنى شخصيَ يتفق في ضمن الحوادثِ والإرشادِ إلى الحق في كل نازلةٍ من النوازل متأخرٍ عن ذلك صالحٍ لأن يكون غاية له { والله غَالِبٌ على أَمْرِهِ } لا يستعصى عليه أمرٌ ولا يمانعه شيءٌ بل إنما أمرُه لشيء إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكونُ فيدخل في ذلك شؤونُه المتعلقةُ بيوسف دخولاً أولياً ، أو متولَ على أمر يوسفَ لا يكِله إلى غيره وقد أريد به من الفتنة ما أريد مرة غِبَّ مرة فلم يكن إلا ما أراد الله له من العاقبة الحميدة { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } أن الأمرَ كذلك فيأتون ويذرون زعماً منهم أن لهم من الأمر شيئاً وأنى لهم ذلك ، وإن الأمرَ كلَّه لله عز وجل ، أو لا يعلمون لطائفَ صنعِه وخفايا فضله .

(3/417)


وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آَتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (22)

{ وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ } أي منتهى اشتدادِ جسمه وقوتِه وهو سنُّ الوقوف ما بين الثلاثين إلى الأربعين ، وقيل : سنُّ الشباب ومبدأ بلوغِ الحُلُم والأولُ هو الأظهرُ لقوله تعالى : { اتَيْنَاهُ حُكْمًا } حِكمةً وهو العلم المؤيَّدُ بالعمل أو حكماً بين الناس وفقهاً أو نبوة { وَعِلْماً } أي تفقهاً في الدين ، وتنكيرُهما للتفخيم أي حكماً وعلماً لا يُكتنه كُنهُهما ولا يقادَرُ قدرُهما فهما ما آتاه الله تعالى عند تكاملِ قُواه سواءٌ كانا عبارةً عن النبوة والحُكم بين الناس أو غيرِهما ، كيف لا وقد جُعل إيتاؤهما جزاءً لعمله عليه السلام حيث قيل : { وكذلك } أي مثلَ الجزاءِ العجيب { نَجْزِى المحسنين } أي كلَّ من يُحسِن في عمله فيجب أن يكون ذلك بعد انقضاءِ أعمالِه الحسنةِ التي من جملتها معاناةُ الأحزان والشدائدِ ، وقد فُسّر العلمُ بعلم تأويلِ الأحاديث ، ولا صحةَ له إلا أن يُخَصَّ بعلم تأويلِ رؤيا الملِك فإن ذلك حيث كان عند تناهي أيامِ البلاءِ صحّ أن يُعدَّ إيتاؤُه من جملة الجزاء ، وأما رؤيا صاحبَي السجن فقد لبث عليه السلام بعد تعبيرِها في السجن بضعَ سنين . وفي تعليق الجزاءِ المذكورِ بالمحسنين إشعارٌ بعلّية الإحسان له وتنبيهٌ على أنه سبحانه إنما آتاه ما آتاه لكونه محسناً في أعماله متّقياً في عنفوان أمرِه { هَلْ جَزَاء الإحسان إِلاَّ الإحسان }

(3/418)


وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (23)

{ وَرَاوَدَتْهُ التى هُوَ فِى بَيْتِهَا } رجوعٌ إلى شرح ما جرى عليه في منزل العزيزِ بعد ما أمر امرأتَه بإكرام مثواه . وقوله تعالى : { وكذلك مَكَّنَّا لِيُوسُفَ } إلى هنا اعتراضٌ جيء به أُنموذجاً للقصة ليعلم السامعُ من أول الأمر أن ما لقِيه عليه السلام من الفتن التي ستحكى بتفاصيلها له غايةٌ جميلةٌ وعاقبةٌ حميدةٌ وأنه عليه السلام محسِنٌ في جميع أعمالِه لم يصدُر عنه في حالتي السراءِ والضراءِ ما يُخِلُّ بنزاهته ، ولا يخفى أن مدارَ حسنِ التخلصِ إلى هذا الاعتراضِ قبل تمام الآيةِ الكريمةِ إنما هو التمكينُ البالغُ المفهومُ من كلام العزيز ، فإدراجُ الإنجاءِ السابق تحت الإشارةِ بذلك في قوله تعالى : { وكذلك مَكَّنَّا } كما فعله الجمهورُ ناءٍ من التقريب فتأملْ . والمراودةُ المطالبةً من راد يرود إذا جاء وذهب لطلب شيءٍ ومنه الرائدُ لطالب الماءِ والكلأ ، وهي مفاعلةٌ من واحد نحوُ مطالبةِ الدائنِ ومماطلةِ المديونِ ومداواةِ الطبيب ونظائِرها مما يكون من أحد الجانبين الفعلُ ومن الآخر سببُه فإن هذه الأفعالَ وإن كانت صادرةً عن أحد الجانبين لكن لما كانت أسبابُها صادرةً عن الجانب الآخر جُعلت كأنها صادرةٌ عنهما وهذا بابٌ لطيفُ المسلك مبنيٌّ على اعتبار دقيقٍ ، تحقيقُه أن سببَ الشيء يقام مُقامَه ويطلق عليه اسمُه كما في قولهم : كما تدين تدان أي كما تجزي تجزى ، فإن فعل البادي وإن لم يكن جزاءً لكنه لكونه سبباً للجزاء أُطلق عليه اسمُه وكذلك إرادةُ القيامِ إلى الصلاة وإرادةُ قراءةِ القرآنِ حيث كانتا سبباً للقيام والقراءة عُبّر عنهما بهما فقيل : { يَأَيُّهَا الذين ءامَنُواْ إِذَا } { فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان } وهذه قاعدةٌ مطردةٌ مستمرة ، ولمّا كانت أسبابُ الأفعالِ المذكورة فيما نحن فيه صادرةً عن الجانب المقابلِ لجانب فاعلِها فإن مطالبةَ الدائنِ للمماطلة التي هي من جانب الغريم وهي منه للمطالبة التي هي من جانب الدائنِ وكذا مداواةُ الطبيب للمرض الذي هو من جانب المريض وكذلك مراودتُها فيما نحن فيه لجمال يوسفَ عليه السلام ، نُزّل صدورُها عن محالها بمنزلة صدور مسبباتِها التي هي تلك الأفعالُ فبُني الصيغةُ على ذلك وروعيَ جانبُ الحقيقةِ بأن أُسند الفعلُ إلى الفاعل وأُوقع على صاحب السبب فتأملِ ، ويجوز أن يراد بصيغة المغالبةِ مجردُ المبالغة ، وقيل : الصيغةُ على بابها بمعنى أنها طَلبت منه الفعلَ وهو منها التركَ ، ويجوز أن يكون من الرُوَيد وهو الرفقُ والتحمّلُ ، وتعديتُها بعن لتضمينها معنى المخادعة فالمعنى خادعته .
{ عَن نَّفْسِهِ } أي فعلت ما يفعل المخادِع لصاحبه عن شيء لا يريد إخراجَه من يده وهو يحتال أن يأخذه منه وهي عبارةٌ عن التمحّل في مواقعته إياها ، والعدولُ عن التصريح باسمها للمحافظة على السر أو للاستهجان بذكره ، وإيرادُ الموصول لتقرير المراودةِ فإن كونَه في بيتها مما يدعو إلى ذلك ، قيل لواحدةٍ : ما حملك على ما أنت عليه مما لا خيرَ فيه؟ قالت : قربُ الوساد وطولُ السواد ، ولإظهار كمالِ نزاهته عليه السلام فإن عدمَ ميلِه إليها مع دوام مشاهدتِه لمحاسنها واستعصاءه عليها مع كونه تحت ملَكتِها ينادي بكونه عليه السلام في أعلى معارج العفة والنزاهة { وَغَلَّقَتِ الابواب } قيل : كانت سبعةً ولذلك جاء الفعل بصيغة التفعيل دون الإفعال ، وقيل : للمبالغة في الإيثاق والإحكام { وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ } قرىء بفتح الهاء وكسرها مع فتح التاء وبناؤه كبناء أينَ وعيط ، وهيتِ كجَيرِ وهَيتُ كحيث اسم فعل معناه أَقبلْ وبادر ، واللام للبيان أي لك أقول هذا كاللام في هلم لك وقرىء هِئتُ لك على صيغة الفعل بمعنى تهيأتُ ، يقال : هاء يهييءُ كجاء يجيء إذا تهيأ وهُيِّئْتُ لك واللام صلة للفعل { قَالَ مَعَاذَ الله } أي أعوذ بالله مَعاذاً مما تدعينني إليه وهذا اجتنابٌ منه على أتم الوجوه وإشارةٌ إلى التعليل بأنه منكَرٌ هائلٌ يجب أن يُعاذ بالله تعالى للخلاص منه وما ذاك إلا لأنه عليه السلام قد شاهده بما أراه الله تعالى من البرهان النيّر على ما هو عليه في حد ذاتِه من غاية القُبح ونهايةِ السوء ، وقولُه عز وجل : { إِنَّهُ رَبّى أَحْسَنَ مَثْوَاىَ } تعليلٌ للامتناع ببعض الأسباب الخارجيةِ مما عسى يكون مؤثراً عندها وداعياً لها إلى اعتباره بعد التنبيهِ على سببه الذاتي الذي لا تكاد تقبله لما سوّلتْه لها نفسُها ، والضميرُ للشأن ومدارُ وضعه موضعَه ادعاءُ شهرتِه المُغْنيةِ عن ذكره ، وفائدةُ تصدير الجملةِ به الإيذانُ بفخامة مضمونها مع ما فيه من زيادة تقريرِه في الذهن ، فإن الضميرَ لا يفهم منه من أول الأمر إلا شأنٌ مبهمٌ له خطرٌ فيبقى الذهنُ مترقباً لما يعقُبه فيتمكن عند ورودِه له فضلُ تمكّنٍ ، فكأنه قيل : إن الشأنَ الخطيرَ هذا وهو ربي أي سيدي العزيزُ أحسنَ مثواي أي أحسن تعهّدي حيث أمرك بإكرامي فكيف يمكن أن أُسيء إليه بالخيانة في حَرَمه وفيه إرشادٌ لها إلى رعاية حقِّ العزيزِ بألطف وجهٍ ، وقيل : الضميرُ لله عز وجل وربي خبرُ إن وأحسن مثواي خبرٌ ثانٍ أو هو الخبرُ والأولُ بدلٌ من الضمير ، والمعنى أن الحالَ هكذا فكيف أعصيه بارتكاب تلك الفاحشةِ الكبيرةِ وفيه تحذيرٌ لها من عقاب الله عز وجل ، وعلى التقديرين ففي الاقتصار على ذكر هذه الحالةِ من غير تعرّضٍ لاقتضائها الامتناعَ عما دعته إليه إيذانٌ بأن هذه المرتبةَ من البيان كافيةٌ في الدلالة على استحالته وكونه مما لا يدخل تحت الوقوع أصلاً وقوله تعالى : { إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظالمون } تعليلٌ للامتناع المذكورِ غِبَّ تعليل ، والفلاحُ الظفرُ وقيل : البقاءُ في الخير ومعنى أفلح دخل فيه كأصبح وأخواتِه ، والمرادُ بالظالم كلُّ من ظلم كائناً من كان فيدخل في ذلك المجازون للإحسان بالإساءة والعصاةُ لأمر الله تعالى دخولاً أولياً ، وقيل : الزناةُ لأنهم ظالمون لأنفسهم وللمَزْنيِّ بأهله .

(3/419)


وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24)

{ وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ } بمخالطته إذِ الهمُّ لا يتعلق بالأعيان أي قصدتْها وعزمت عليها عزماً جازماً لا يَلويها عنه صارفٌ بعد ما باشرت من مباديها وفعلت ما فعلت من المراودة وتغليقِ الأبواب ودعوتِه عليه السلام إلى نفسها بقولها : هيتَ لك ، ولعلها تصدّت هنالك لأفعال أُخَرَ من بسط يدِها إليه وقصدِ المعانقة وغير ذلك مما يَضْطره عليه السلام إلى الهرب نحوَ الباب ، والتأكيدُ لدفع ما عسى يُتوهم من احتمال إقلاعِها عما كانت عليه بما في مقالته عليه السلام من الزواجر { وَهَمَّ بِهَا } بمخالطتها أي مال إليها بمقتضى الطبيعةِ البشرية وشهوةِ الشباب وكونه ميلاً جبلياً لا يكاد يدخل تحت التكليفِ لا أنه قصدها قصداً اختيارياً ، ألا يُرى إلى ما سبق من استعصامه المُنْبىءِ عن كمال كراهيتِه له ونفرتِه عنه وحُكمه بعدم إفلاح الظالمين وهل هو إلا تسجيلٌ باستحالة صدور الهمِّ منه عليه السلام تسجيلاً محكماً وأنه عبر عنه بالهمّ لمجرد وقوعِه في صحبة همِّها في الذكرِ بطريق المشاكلة لا لشَبَهه به كما قيل ، ولقد أشير إلى تباينهما حيث لم يُلَزّا في قَرن واحد من التعبير بأن قيل : ولقد همّا بالمخالطة أو همّ كلٌّ منهما بالآخر ، وصُدّر الأولُ بما يقرر وجودَه من التوكيد القسمي وعُقّب الثاني بما يعفو أثرَه من قوله عز وجل : { لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } أي حجتَه الباهرةَ الدالة على كمال قبحِ الزنى وسوءِ سبيله ، والمرادُ برؤيته لها كمالُ إيقانِه بها ومشاهدتِه لها مشاهدةً واصلة إلى مرتبة عينِ اليقين الذي تتجلى هناك حقائقُ الأشياء بصورها الحقيقيةِ وتنخلع عن صورها المستعارة التي بها تظهر في هذه النشأة على ما نطق به قولُه عليه السلام : « حُفّت الجنةُ بالمكاره وحفت النار بالشهوات » وكأنه عليه السلام قد شاهد الزنى بموجب ذلك البرهانِ النيّر على ما هو عليه في حد ذاتِه أقبحَ ما يكون وأوجبَ ما يجب أن يُحذر منه ولذلك فعل ما فعل من الاستعصام والحُكمِ بعدم إفلاحِ من يرتكبه ، وجوابُ لولا محذوفٌ يدل عليه الكلام أي لولا مشاهدتُه برهانَ ربه في شأن الزنى لجَرى على موجب ميلِه الجِبليِّ ولكنه حيث كان مشاهداً له من قبلُ استمر على ما هو عليه من قضية البرهان ، وفائدةُ هذه الشرطيةِ بيانُ أن امتناعَه عليه السلام لم يكن لعدم مساعدةٍ من جهة الطبيعة بل لمحض العفةِ والنزاهة مع وفور الدواعي الداخلية وترتبِ المقدّمات الخارجيةِ الموجبةِ لظهور الأحكام الطبيعية .
هذا وقد نص أئمةُ الصناعة على أن لولا في أمثال هذه المواقعِ جارٍ من حيث المعنى لا من حيث الصيغةُ مَجرى التقييدِ للحُكم المطلقِ كما في مثل قوله تعالى : { إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ ءالِهَتِنَا لَوْلاَ أَن صَبْرَنَا عَلَيْهَا }

(3/420)


فلا يتحقق هناك همٌّ أصلاً . وقد جوز أن يكون ( وهم بها ) جوابَ لولا جرياً على قاعدة الكوفيين في جواز التقديم فالهمُّ حينئذ على معناه الحقيقي ، فالمعنى لولا أنه قد شاهد برهانَ ربه لهمَّ بها كما همت به ولكن حيث انتفى عدم المشاهدة بدليل استعصامِه وما يتفرع عليه انتفى الهمُّ رأساً ، هذا وقد فُسّر همُّه عليه السلام بأنه عليه السلام حلّ الهَمَيان وجلس مجلسَ الخِتان وبأنه حل تِكّة سراويلِه وقعد بين شُعَبها ، ورؤيتُه للبرهان بأنه سمع صوتاً : إياك وإياها فلم يكترثْ ثم وثم إلى أن تمثّل له يعقوبُ عليه السلام عاضًّا على أنملته وقيل : ضرب على صدره فخرجت شهوتُه من أنامله ، وقيل : بدت كفٌّ فيما بينهما ليس فيها عضُدٌ ولا مِعصمٌ مكتوبٌ فيها : { وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لحافظين * كِرَاماً كاتبين } فلم ينصرف ، ثم رأى فيها : { وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً } فلم ينتهِ ثم رأى فيها : { واتقوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى الله } فلم يَنْجَع ، فقال الله عز وجل لجبريل : «أدرك عبدي قبل أن يصيب الخطيئة» فانحط جبريل عليه السلام وهو يقول : يا يوسفُ أتعملُ عملَ السفهاء وأنت مكتوبٌ في ديوان الأنبياء؟ وقيل : رأى تمثال العزيزِ ، وقيل : إنْ كلَّ ذلك إلا خرافاتٌ وأباطيلُ تمجُّها الآذانُ وتردُّها العقول والأذهانُ ويلٌ لمن لاكها ولفّقها أو سمعها وصدّقها .
{ كذلك } الكافُ منصوبُ المحلِّ وذلك إشارةٌ إلى الإراءة المدلولِ عليها بقوله تعالى : { لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } أي مثلَ ذلك التبصيرِ والتعريفِ عرفناه برهاننا فيما قبل ، أو إلى التثبيت اللازمِ له أي مثلَ ذلك التثبيتِ ثبتناه { لِنَصْرِفَ عَنْهُ السوء } على الإطلاق فيدخل فيه خيانةُ السيِّد دخولاً أولياً { والفحشاء } والزنى لأنه مفْرِطٌ في القبح وفيه آيةٌ بينةٌ وحجةٌ قاطعةٌ على أنه عليه السلام لم يقع منه همٌّ بالمعصية ولا توجَّه إليها قط ، وإلا لقيل : لنصرِفَه عن السوء والفحشاء ، وإنما توجه إليه ذلك من خارجٍ فصرَفه الله تعالى عنه بما فيه من موجبات العفةِ والعصمةِ فتأمل . وقرىء ليَصرِف على إسناد الصرْف إلى ضمير الرب { إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا المخلصين } تعليلٌ لما سبق من مضمون الجملةِ بطريق التحقيقِ ، والمخلصون هم الذين أخلصهم الله تعالى لطاعته بأن عصمهم عما هو قادحٌ فيها ، وقرىء على صيغة الفاعل وهم الذين أخلصوا دينهم لله سبحانه وعلى كلا المعنيين فهو منتظَمٌ في سلكهم داخلٌ في زمرتهم من أول أمره بقضية الجملةِ الاسميةِ لا أن ذلك حدث له بعد أن لم يكن كذلك فانحسم مادةُ احتمالِ صدورِ الهمِّ بالسوء منه عليه السلام بالكلية .

(3/421)


وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (25)

{ واستبقا الباب } متصلٌ بقوله : { وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلا أَن رَّأَى بُرْهَانَ رَبّهِ } وقولُه : كذلك إلى آخره ، اعتراضٌ جيء به بين المعطوفَيْن تقريراً لنزاهته عليه السلام كقوله تعالى : { وَكَذَلِكَ نُرِى إبراهيم مَلَكُوتَ السموات والارض } والمعنى لقد همت به وأبى هو واستبقا الباب أي تسابقا إلى الباب البراني الذي هو المخلص ، ولذلك وُحّد بعد الجمعِ فيما سلف وحُذف حرفُ الجر وأوصل الفعلُ إلى المجرور نحو وإذا كالوهم ، أو ضُمِّن الاستباقُ معنى الابتدارِ ، وإسناد السبق في ضمن الاستباق إليها مع أن مرادَها مجردُ منعِ يوسف وذا لا يوجب الانتهاء إلى الباب لأنها لما رأته يسرع إلى الباب ليتخلص منها أسرعت هي أيضاً لتسبِقَه إليه وتمنعه عن الفتح والخروج ، أو عبر عن إسراعها إثْرَه بذلك مبالغة .
{ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِن دُبُرٍ } اجتذبتْه من ورائه فانشق طولاً وهو القَدُّ كما أن الشقّ عرضاً هو القَطُّ ، وقد قيل في وصف عليّ رضي الله عنه : «إنه كان إذا اعتلى قدّ وإذا اعترض قطّ» وإسنادُ القدِّ إليها خاصة مع أن لقوة يوسفَ أيضاً دخلاً فيه إما لأنها الجزءُ الأخيرُ للعلة التامةِ وإما للإيذان بمبالغتها في منعه عن الخروج وبذلِ مجهودِها في ذلك لفَوْت المحبوب أو لخوف الافتضاح { وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا } أي صادفا زوجَها وإذْ لم يكن مُلكُه ليوسف عليه السلام صحيحاً لم يقل سيدهما . قيل : ألفياه مقبلاً وقيل : كان جالساً مع ابن عمَ للمرأة { لدى الباب } أي البراني كما مر . روى كعب رضي الله عنه أنه لما هرب يوسفُ عليه السلام جعل فَراشُ القُفلِ يتناثر ويسقط حتى خرج من الأبواب { قَالَتْ } استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال سائل يقول : فماذا كان حين ألفَيا العزيزَ عند الباب؟ فقيل : قالت : { مَا جَزَاء مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا } من الزنى ونحوه { إِلا أَن يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } ما نافية أي ليس جزاؤُه إلا السجنُ أو العذابُ الأليم ، قيل : المرادُ به الضربُ بالسياط ، أو استفهاميةٌ أي أيُّ شيءٍ جزاؤُه غيرُ ذاك أو ذلك ، ولقد أتت في تلك الحالةِ التي تُدهش فيها الفَطِنَ حيث شاهدها العزيزُ على تلك الهيئة المُريبة بحيلة جمعت فيها غرضيها وهما تبرئةُ ساحتِها مما يلوح من ظاهر الحالِ واستنزالُ يوسف عن رأيه في استعصائه عليها وعدمِ مواتاتِه على مرادها بإلقاء الرعبِ في قلبه من مكرها طمعاً في مواقعته لها كرهاً عند يأسِها عن ذلك اختياراً كما قالت : { وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءامُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلْيَكُوناً مِّنَ الصاغرين } ثم إنها جعلت صدورَ الإرادة المذكورةِ عن يوسف عليه السلام أمراً محققاً مفروغاً عنه غنياً عن الإخبار بوقوعه وأن ما هي عليه من الأفاعيل لأجل تحقيق جزائِها فهي تريد إيقاعَه حسبما يقتضيه قانونُ الإيالة ، وفي إبهام المُريد تهويلٌ لشأن الجزاء المذكورِ بكونه قانوناً مطرداً في حق كل أحدٍ كائناً من كان ، وفي ذكر نفسها بعنوان أهلية العزيزِ إعظامٌ للخطب وإغراءٌ له على تحقيق ما تتوخاه بحكم الغضب والحمية .

(3/422)


قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26)

{ قَالَ } استئنافٌ وجوابٌ عما يقال : فماذا قال يوسفُ حينئذ؟ فقيل : قال : { هِىَ رَاوَدَتْنِى عَن نَّفْسِى } أي طالبتني للمواتاة لا أني أردتُ بها سوءاً كما قالت وإنما قاله عليه السلام لتنزيه نفسِه عما أُسند إليه من الخيانة وعدم معرفة حقِّ السيد ودفعِ ما عرضَتْه له من الأمرين ، وفي التعبير عنها بضمير الغَيبة دون الخطاب أو اسم الإشارةِ مراعاةٌ لحسن الأدبِ مع الإيماء إلى الإعراض عنها { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مّنْ أَهْلِهَا } قيل : هو ابنُ عمها ، وقيل : هو الذي كان جالساً مع زوجها لدى الباب ، وقيل : كان حكيماً يرجِعُ إليه الملكُ ويستشيره ، وقد جُوّز أن يكون بعضُ أهلها قد بصُر بها من حيث لا تشعُر فأغضبه الله تعالى ليوسف عليه السلام بالشهادة له والقيامِ بالحق ، وإنما ألقى الله سبحانه الشهادةَ إلى من هو من أهلها ليكون أدلَّ على نزاهته عليه السلام وأنفى للتُّهمة ، وقيل : كان الشاهدُ ابنَ خالٍ لها صبياً في المهد أنطقه الله تعالى ببراءته وهو الأظهر ، فإنه رُوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : « تكلم أربعةٌ وهم صغار ، ابنُ ماشطةَ بنتِ فرعون ، وشاهدُ يوسف ، وصاحبُ جريج ، وعيسى عليه السلام » رواه الحاكم عن أبي هريرة رضي الله عنه وقال : صحيح على شرط الشيخين ، وذكر كونَه من أهلها لبيان الواقع إذ لا يختلف الحالُ في هذه الصورة بين كون الشاهدِ من أهلها أو من غيرهم .
{ إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُلٍ } أي إن عُلم أنه قدّ من قبُلُ ، ونظيره إن أحسنتَ إلى فقد أحسنتُ إليك فيما قبلُ ، فإن معناه : إن تعتدَّ بإحسانك إلي فأعتدُّ بإحساني السابقِ إليك { فَصَدَقَتْ } بتقدير قد ، لأنها تقرب الماضي إلى الحال أي فقد صدقت ، وكذا الحال في قوله : { فَكَذَّبْتَ } وهي وإن لم تصرِّح بأنه عليه السلام أراد بها سوءاً إلا أن كلامَها حيث كان واضحَ الدِلالة عليه ، أُسند إليها الصدقُ والكذب بذلك الاعتبار ، فإنها كما يعرِضان الكلامَ باعتبار منطوقِه يعرضان له باعتبار ما يستلزمه ، وبذلك الاعتبار يعرضان للإنشاءات { وَهُوَ مِنَ الكاذبين } وهذه الشرطية حيث لا ملازمةَ عقليةً ولا عاديةً بين مقدِّمها وتاليها ليست من الشهادة في شيء وإنما ذُكرت توسيعاً للدائرة وإرخاءً للعِنان إلى جانب المرأة بإجراء ما عسى يحتمله الحالُ في الجملة بأن يقع القدُّ من قُبُل بمدافعتها له عليه السلام عن نفسها عند إرادتِه المخالطةَ والتكشفَ مُجرى الظاهرِ الغالبِ الوقوعِ تقريباً لما هو المقصودُ بإقامة الشهادة ، أعني مضمونَ الشرطية الثانية التي هي قوله عز وجل :

(3/423)


وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (28)

{ وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصادقين } إلى التسليم والقَبول عند السامع لكونه أقربَ إلى الوقوع وأدلَّ على المطلوب وإن لم يكن بين طرفيها أيضاً ملازمةٌ ، وحكايةُ الشرطيةِ بعد فعل الشهادةِ لكونها من قبيل الأقوال أو بتقدير القول . أي شهد قائلاً الخ وتسميتُها شهادةً مع أنه لا حكمَ فيها بالفعل بالصدق والكذب لتأديتها مؤداها ، بل لأنها شهادةٌ على الحقيقة ، وحُكمٌ بصدقه وكذبها أما على تقدير كونِ الشاهدِ هو الصبيُّ فظاهرٌ إذ هو إخبارٌ بهما من قِبَل علامِ الغيوب ، والتصويرُ بصورة الشرطية للإيذان بأن ذلك ظاهرٌ من العلائم أيضاً وأما على تقدير كونِه غيرَه فلأن الظاهرَ أن صورةَ الحالِ معلومةٌ له على ما هي عليه إما مشاهدةً أو إخباراً فهو متيقّنٌ بعدم مقدَّم الشرطيةِ الأولى ، وبوجود مقدمِ الشرطيةِ الثانية ومن ضرورته الجزمُ بانتفاء تالي الأولى وبوقوع تالي الثانية ، فإذن هو إخبارٌ بكذبها وصدقِه عليه السلام ولكنه ساق شهادتَه مساقاً مأموناً من الجَرْح والطعن حيث صورها بصورة الشرطية المترددةِ ظاهراً بين نفعها ونفعِه ، وأما حقيقةً فلا تردد فيها قطعاً . لأن الشرطية الأولى تعليقٌ لصدقها بما يستحيل وجودُه من قدّ القميص من قُبُل فيكون مُحالاً لا محالة ، ومن ضرورته تقررُ كذبها ، والثانية تعليقٌ لصدقه عليه السلام بأمر محققِ الوجود وهو القدُّ من دبر فيكون محققاً البتةَ ، وهذا كما قيل فيمن قال لامرأة : زوجيني نفسك ، فقالت : لي زوجٌ فكذبها في ذلك فقالت : إن لم يكن لي زوجٌ فقد زوجتُك نفسي ، فقبل الرجلُ فإذا لا زوج لها فهو نكاحٌ ، إذ تعليقُ الشيء بأمر مقرَّرٍ تنجيزٌ له . وقرىء منْ قُبلُ ومن دُبرُ بالضم لأنهما قطعا عن الإضافة كقبلُ وبعدُ وبالفتح كأنهما جعلا علمين للجهتين فمنعا الصرفَ للتأنيث والعلمية وقرىء بسكون العين .
{ فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِن دُبُرٍ } كأنه لم يكن رأى ذلك بعدُ أو لم يتدبَّرْه فلما تنبه له وعلم حقيقةَ الحال { قَالَ إِنَّهُ } أي الأمرَ الذي وقع فيه التشاجرُ وهو عبارةٌ عن إرادة السوءِ التي أُسندت إلى يوسف وتدبيرِ عقوبته بقولها : ما جزاءُ من أراد بأهلك سوءاً إلى آخره لكن لا من حيث صدورُ تلك الإرادةِ والإسنادُ عنها بل مع قطع النظرِ عن ذلك لئلا يخلُوَ قوله تعالى { مِن كَيْدِكُنَّ } أي من جنس حيلتِكن ومكرِكن أيتها النساءُ لا من غيركن عن الإفادة وتدبيرِ العقوبة وإن لم يمكن تجريدُه عن الإضافة إليها إلا أنها لما صوّرته بصورة الحق أفاد الحكمَ بكونه من كيدهن إفادةً ظاهرةً فتأمل . وتعميمُ الخطاب للتنبيه على أن ذلك خُلُق لهن عريق :
ولا تحسَبا هنداً لها الغدرُ وحدها ... سجيةُ نفسٍ ، كلُّ غانيةٍ هندُ

(3/424)


ورجْعُ الضميرِ إلى قولها : ما جزاءُ من أراد بأهلك سوءاً فقط عدولٌ عن البحث عن أصل ما وقع فيه النزاعُ من أن إرادةَ السوءِ ممن هي إلى البحث عن شُعبة من شُعَبه ، وجعلُه للسوء أو للأمر المعبّر به عن طمعها في يوسف عليه السلام يأباه الخبرُ فإن الكيدَ يستدعي أن يعتبر مع ذلك هَناتٌ أُخرُ من قِبلها كما أشرنا إليه { إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } فإنه ألطفُ وأعلقُ بالقلب وأشدُّ تأثيراً في النفس . وعن بعض العلماء إني أخاف من النساء ما لا أخاف من الشيطان فإنه تعالى يقول : { إِنَّ كَيْدَ الشيطان كَانَ ضَعِيفاً } وقال للنساء : { إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ } ولأن الشيطان يوسوس مُسارقةً وهن يواجِهْن به الرجال .

(3/425)


يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (29) وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (30)

{ يُوسُفَ } حُذف منه حرفُ النداء لقربه وكمالِ تفطُّنه للحديث وفيه تقريبٌ له وتلطيفٌ لمحله { أَعْرِضْ عَنْ هذا } أي عن هذا الأمرِ وعن التحديث به واكتُمْه فقد ظهر صدقُك ونزاهتُك { واستغفرى } أنت يا هذه { لِذَنبِكِ } الذي صدر عنك وثبَتَ عليك { إِنَّكَ كُنتَ } بسبب ذلك { مِنَ الخاطئين } من جملة القوم المتعمّدين للذنب أو من جنسهم ، يقال : خطِىء إذا أذنب عمداً ، وهو تعليلٌ للأمر بالاستغفار ، والتذكيرُ لتغليب الذكورِ على الإناث وكان العزيزُ رجلاً حليماً فاكتفى بهذا القدرِ من مؤاخذتها ، وقيل : كان قليلَ الغَيرة .
{ وَقَالَ نِسْوَةٌ } أي جماعةٌ من النساء وكنّ خمساً : امرأةُ الساقي وامرأةُ الخبّاز وامرأةُ صاحب الدوابِّ وامرأةُ صاحبِ السجنِ وامرأةُ الحاجب ، والنسوةُ اسمٌ مفردٌ لجمع المرأةِ وتأنيثُه غير حقيقي كتأنيث اللُّمَة وهي اسمٌ لجماعة النساء والثُبَة وهي اسم لجماعة الرجال ، ولذلك لم يلحَق فعلَه تاءُ التأنيث { فِى المدينة } ظرفٌ لقال أي أشعْن الأمرَ في مصر أو صفةٌ النسوة { امْرَأَةُ الْعَزِيزِ } أي الملك ، يُرِدْن قطفير ، وإضافتُهن لها إليه بذلك العنوانِ دون أن يصرِّحن باسمها أو اسمِه ليست لقصد المبالغةِ في إشاعة الخبر بحكم أن النفوسَ إلى سماع أخبارِ ذوي الأخطارِ أميلُ كما قيل ، إذ ليس مرادُهن تفضيحَ العزيز بل هي لقصد الإشباعِ في لومها بقولهن : { تُرَاوِدُ فتاها } أي تطالبه بمواقعته لها وتتحمل في ذلك وتخادعه { عَن نَّفْسِهِ } وقيل : تطلب منه الفاحشة ، وإيثارُهن لصيغة المضارع للدلالة على دوام المراودةِ والفتى من الناس الشابُّ وأصله فتيٌ لقولهم : فتيان والفتوة شاذة وجمعه فتية وفتيان ويستعار للمملوك وهو المراد هاهنا وفي الحديث : « لا يقل أحدكم عبدي وأمتي وليقل فتاي وفتاتي » ، وتعبيرُهن عن يوسف عليه السلام بذلك مضافاً إليها لا إلى العزيز الذي لا تستلزم الإضافةُ إليه الهوان بل ربما يشعر بنوع عزةٍ لإبانة ما بينهما من التبايُن البيِّن الناشىءِ عن المالكية والمملوكية ، وكلُّ ذلك لتربية ما مر من المبالغة والإشباعِ في اللوم فإن من لا زوج لها من النساء أو لها زوجٌ دنيءٌ قد تُعذر في مراودة الأخدان لا سيما إذا كان فيهم علوُّ الجناب ، وأما التي لها زوجٌ وأيُّ زوج ، عزيزُ مصرَ فمراودتُها لغيره لا سيما لعبدها الذي لا كفاءةَ بينها وبينه أصلاً وتماديها في ذلك غايةُ الغي ونهايةُ الضلال .
{ قَدْ شَغَفَهَا حُبّا } أي شق حبُّه شَغافَ قلبها وهو حجابُه أو جلدةٌ رقيقةٌ يقال لها لسانُ القلبِ حتى وصل إلى فؤادها ، وقرىء شعَفها بالعين من شعف البعيرَ إذا هنَأَه فأحرقه بالقطِران . وعن الضحاك عن ابن عباس رضي الله عنهما الشغَفُ الحبُّ القاتل والشعف حبٌّ دون ذلك ، وكان الشعبي يقول : الشغفُ حبٌّ والشعفُ جنون والجملةُ خبرٌ ثانٍ أو حال من فاعل تُراود أو من مفعوله ، وأياً ما كان فهو تكريرٌ لِلّوم وتأكيدٌ للعذْل ببيان اختلالِ أحوالِها القلبية كأحوالها القالَبية ، وجعلُها تعليلاً لدوام المراودةِ من حيث الإنية مصيرٌ إلى الاستدلال على الأجلي بالأخفى ، ومن حيث اللُمية ميلٌ إلى تمهيد العذر من قِبلها ولسْن بذلك المقام ، وانتصابُ حباً على التمييز لنقله عن الفاعلية إذ الأصل قد شغفها حبُّه كما أشير إليه { إِنَّا لَنَرَاهَا } أي نعلمها علماً متاخماً للمشاهدة والعِيان فيما صنعت من المراودة والمحبة المفْرِطة مستقرةً { فِى ضلال } عن طريق الرشد والصوابِ أو عن سنن العقل { مُّبِينٌ } واضح لا يخفى كونُه ضلالاً على أحد أو مُظهرٍ لأمرها بين الناس ، فالجملةُ مقرِّرةٌ لمضمون الجملتين السابقتين المسوقتين للوم والتشنيع وتسجيلٌ عليها بأنها في أمرها على خطأ عظيم ، وإنما لم يقُلن إنها لفي ضلال مبين إشعاراً بأن ذلك الحكمَ غيرُ صادر عنهن مجازفةً بل عن علم ورأي مع التلويح بأنهن متنزّهاتٌ عن أمثال ما هي عليه .

(3/426)


فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآَتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (31)

{ فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ } باغتيابهن وسوءِ قالتِهن وقولِهن : امرأةُ العزيز عشِقت عبدَها الكنعاني وهو مَقَتها ، وتسميتُه مكراً لكونه خفيةً منها كمكر الماكر ، وإن كان ظاهراً لغيرها . وقيل : استكْتَمَتْهن سِرَّها فأفشَيْنه عليها ، وقيل : إنما قلن ذلك لتُرِيَهُنّ يوسف عليه السلام { أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ } تدعوهن ، قيل : دعت أربعين امرأةً منهن الخمسُ المذكورات { وَأَعْتَدَت } أي أحضرت وهيأت { لَهُنَّ } أي ما يتكئن عليه من النمارق والوسائد ، أو رتّبت لهن مجلسَ شرابٍ لأنهم كانوا يتكئون للطعام والشراب والحديث كعادة المترَفين ، ولذلك نُهي الرجلُ أن يأكل متّكِئاً . وقيل : متّكأ طعاماً من قولهم : تكأنا عند فلان أي طعِمنا ، قال جميل :
فظلِلْنا بنعمةٍ واتكأنا ... وشرِبْنا الحلالَ من قُلَلِهْ
وعن مجاهد متّكأً طعاماً يُحَزّ حزاً ، كأن المعنى يُعتمد بالسكين عند القطع لأن القاطعَ يتكىء على المقطوع بالسكين ، وقرىء بغير همز وقرىء بالمد بإشباع حركة الكاف كمُنتَزاح في مُنتزَح ويَنْباع في ينبَع وقرىء مُتُكاً وهو الأُترُجّ وأنشدوا :
وأهدت مُتْكةً لبني أبيها ... تخُب بها العَثَمْثمَةُ الوَقاحُ
أو ما يقطع من متَك الشيءَ إذا بتكه إذا تكى { وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّيناً } لتستعمله في قطع ما يُعهد قطعُه مما قدّم بين أيديهن وقرِّب إليهن من اللحوم والفواكه ونحوها وهن متّكئات وغرضُها من ذلك ما سيقع من تقطيع أيديهن { وَقَالَتِ } ليوسف وهن مشغولاتٌ بمعالجة السكاكين وإعمالِها فيما بأيديهن من الفواكه وأضرابها ، والعطفُ بالواو ربما يشير إلى أن قولها : { اخرج عَلَيْهِنَّ } أي ابرُزْ لهن لم يكن عَقيب ترتيب أمورِهن ليتم غرضُها من استغفالهن { فَلَمَّا رَأَيْنَهُ } عطفٌ على مقدر يستدعيه الأمرُ بالخروج وينسحب عليه الكلام أي فخرج عليهن فرأينه وإنما حذف تحقيقاً لمفاجأة رؤيتِهن كأنها تفوت عند ذكرِ خروجِه عليهن كما حُذف لتحقيق السُّرعةِ في قوله عز وجل : { فَلَمَّا رَءاهُ مُسْتَقِرّاً عِندَهُ } بعد قوله : { قَالَ الذى عِندَهُ عِلْمٌ مّنَ الكتاب أَنَاْ ءاتِيكَ } وفيه إيذانٌ بسرعة امتثالِه عليه السلام بأمرها فيما لا يشاهد مضرَّتَه من الأفاعيل { أَكْبَرْنَهُ } عظّمنه وهِبْن حسنَه الفائقَ وجماله الرائعَ الرائقَ فإن فضلَ جمالِه على جمال كلِّ جميلٍ كان كفضل القمرِ ليلة البدرِ على سائر الكواكب . عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « رأيتُ يوسفَ ليلةَ المعراج كالقمر ليلةَ البدر » وقيل : كان يُرى تلألؤُ وجهِه على الجُدران كما يُرى نورُ الشمس على الماء ، وقيل : معنى أكبرْنَ حِضْن والهاء للسكت أو ضمير راجع إلى يوسف عليه السلام على حذف اللام أي حضْن له من شدة الشبَق كما قال المتنبي :
خفِ الله واستُر ذا الجمالَ ببرقع ... فإن لُحْتَ حاضتْ في الخدور العواتقُ
{ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ } أي جرَحْنها بما في أيديهن من السكاكين لفرْط دهشتِهن وخروجِ حركات جوارحِهن ومع ذلك لم يبالين بذلك ولم يشعُرْن به { وَقُلْنَ حَاشَ للَّهِ } تنزيهاً له سبحانه عن صفات النقصِ والعجزِ وتعجباً من قدرته على مثل ذلك الصنعِ البديعِ ، وأصلُه حاشا كما قرأه أبو عمرو في الدرج فحُذفت ألفُه الأخيرةُ تخفيفاً وهو حرفُ جر يفيد معنى التنزيهِ في باب الاستثناء فلا يُستثنى به إلا ما يكون موجباً للتنزيه فوضع موضعَه ، فمعنى حاشا الله تنزيهُ الله وبراءةُ الله وهي قراءة ابن مسعود رضي الله عنه ، واللام لبيان المنزَّه والمبرَّأ عز وجل كما في سُقياً لك ، والدليلُ على وضعه موضعَ المصدر قراءةُ أبي السمال حاشاً بالتنوين وقراءةُ أبي عمرو بحذف الألف الأخيرة وقرأةُ الأعمش بحذف الأولى فإن التصرّفَ من خصائص الاسمِ فيدل على تنزيله منزلتَه ، وعدمُ التنوين لمراعاة أصلِه كما في قولك : جلست مِنْ عن يمينه .

(3/427)


وقولُه : غدت مِنْ عليه منقلبُ الألف إلى الياء مع الضمير وقرىء حاش لله بسكون الشين إتباعاً للفتحة الألفَ في الإسقاط وحاش الإله ، وقيل : حاشا فاعلٌ من الحشا الذي هو الناحية وفاعلُه ضميرُ يوسف أي صار في ناحية من أن يقارف ما رمتْه به لله أي لطاعته أو لمكانه أو جانبَ المعصية لأجل الله { مَا هذا بَشَرًا } على إعمال ما بمعنى ليس وهي لغةُ أهلِ الحجازِ لمشاركتهما في نفي الحالِ وقرىء بشرٌ على لغة تميم وبِشِرًى أي بعبد مشترى لئيم ، نفَين عنه البَشَرية لما شاهدْن فيه من الجمال العبقري الذي لم يُعهدْ مثالُه في البشر وقصَرْنه على الملَكية بقولهن : { إِنْ هذا إِلاَّ مَلَكٌ كَرِيمٌ } بناءً على ما ركَز في العقول مِنْ ألاّ حيَّ أحسنُ من الملك كما ركب فيها أن لا أقبحُ من الشيطان ولذلك لا يزال يُشبَّه بهما كلُّ متناهٍ في الحسن والقبح وغرضُهن وصفُه بأقصى مراتبِ الحسن والجمال .

(3/428)


قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ وَلَئِنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا آَمُرُهُ لَيُسْجَنَنَّ وَلَيَكُونَنْ مِنَ الصَّاغِرِينَ (32)

{ قَالَتْ فذلكن } الفاء فصيحةٌ والخطابُ للنسوة والإشارةُ إلى يوسف بالعنوان الذي وصفْنه به الآن من الخروج في الحسن والجمالِ عن المراتب البشريةِ والانتصار على الملَكية ، فاسمُ الإشارة مبتدأٌ والموصولُ خبرُه والمعنى إن كان الأمرُ قلتنّ فذلكنّ الملكُ الكريمُ النائي عن المراتب البشريةِ هو { الذى لُمْتُنَّنِى فِيهِ } أي عيَّرْتُنّني في الافتتان به حيث رَبَأْتُن بمحلِّي بنسبتي إلى العزيز ووضعتُنَّ قدرَه بكونه من المماليك أو بالعنوان الذي وصفْنه به فيما سبق بقولهن : امرأةُ العزيز عشِقت عبدَها الكَنعاني فهو خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي فهو ذلك العبدُ الكنعانيُّ الذي صورتُنّ في أنفسكن وقلتنّ فيه وفيَّ ما قلتن فالآن قد علمتُنّ من هو وما قولُكن فينا ، وأما ما يقال تعني أنكن لم تصوِّرْنه بحقِّ صورتِه ولو صوّرتُنّه بما عاينتُنّ لعذرتُنّني في الافتتان به فلا يلائمُ المقام فإن مرادَها بدعوتهن وتمهيدِ ما مهَّدَتْه لهن تبكيتُهن وتنديمُهن على ما صدر عنهن من اللوم وقد فعلت ذلك بما لا مزيدَ عليه ، وما ذكر من المقال فحقُّ المعتذر قبل ظهور معذرتِه وقد قيل في تعليل الملَكية : أن الجمعَ بين الجمال الرائقِ والكمال الفائق والعصمةِ البالغةِ من الخواصِّ الملكية وهو أيضاً لا يلائم قولها : { فذلكن الذى لُمْتُنَّنِى فِيهِ } فإن عنوانَ العصمةِ مما ينافي تمشيةَ مرامِها ثم بعدما أقامت عليهن الحجة وأوضحت لديهن عذرَها وقد أصابهن من قِبله عليه السلام ما أصابها باحت لهن ببقية سرِّها فقالت :
{ وَلَقَدْ رَاوَدتُّهُ عَن نَّفْسِهِ } حسبما قلتنّ وسمعتن { فاستعصم } امتنع طالباً للعصمة وهو بناءُ مبالغةٍ يدل على الامتناع البليغِ والتحفّظ الشديد كأنه في عصمة وهو يجتهد في الاستزادة منها كما في استمسك واستجمع الرأيَ وفيه برهانٌ نيِّر على أنه لم يصدُر عنه عليه السلام شيء مُخِلٌّ باستعصامه بقوله : معاذ الله من الهمّ وغيرِه . اعترفت لهن أولاً بما كن يسمعنْه من مراودتها له وأكدتْه إظهاراً لابتهاجها بذلك ثم زادت على ذلك أنه أعرض عنها على أبلغ ما يكون ولم يَمِلْ إليها قط ثم زادت عليه أيضاً أنها مستمرةٌ على ما كانت عليه غير مرغوبة عنه لا بلوم العواذل ولا بإعراض الحبيب فقالت :
{ وَلَئِن لَّمْ يَفْعَلْ مَا ءامُرُهُ } أي آمرُ به فيما سيأتي كما لم يفعل فيما مضى فحُذف الجارُّ وأوصل الفعلُ إلى الضمير كما في أمرتك الخيرَ فالضميرُ للموصول أو أمري إياه أي موجبَ أمري ومقتضاه ، فما مصدرية والضميرُ ليوسف وعبّرت عن مراودتها بالأمر إظهاراً لجريان حكومتِها عليه واقتضاءً للامتثال بأمرها { لَيُسْجَنَنَّ } بالنون المثقلة آثرت بناءَ الفعل للمفعول جرياً على رسم الملوكِ أو إيهاماً لسرعة ترتبِ ذلك على عدم امتثالِه لأمرها كأنه لا يدخُل بينهما فعلُ فاعل { وَلَيَكُونًا } بالمخففة { مِنَ الصاغرين } أي الأذلاء في السجن وقد قرىء الفعلان بالتثقيل ولكن المشهورةَ أولى لأن النونَ كُتبت في المصحف ألفاً على حكم الوقف ، واللامُ الداخلة على حرف الشرطِ موطئةٌ للقسم وجوابُه سادٌّ مسدَّ الجوابين ولقد أتتْ بهذا الوعيدِ المنطوي على فنون التأكيدِ بمحضر منهن ليعلم يوسفُ عليه السلام أنها ليست في أمرها على خُفية ولا خفية من أحد فتضيقَ عليه الحيلُ وتعيا به العللُ وينصحن له ويُرشِدْنه إلى موافقتها . ولما كان هذا الإبراقُ والإرعادُ منها مظِنةً لسؤال سائل يقول : فما صنع يوسفُ حينئذ؟ قيل :

(3/429)


قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33)

{ قَالَ } مناجياً لربه عزَّ سلطانُه { رَبّ السجن } الذي أوعَدَتْني بالإلقاء فيه وقرأ يعقوبُ بالفتح على المصدر { أَحَبُّ إِلَىَّ } أي آثَرُ عندي لأنه مشقةٌ قليلةٌ نافذةٌ إثرَها راحاتٌ جليلةٌ أبديةٌ { مِمَّا يَدْعُونَنِى إِلَيْهِ } من مؤاتاتها التي تؤدي إلى الشقاء والعذابِ الأليم ، وهذا الكلامُ منه عليه السلام مبنيٌّ على ما مر من انكشاف الحقائقِ لديه وبروزِ كلَ منها بصورتها اللائقةِ بها ، فصيغةُ التفضيلِ ليست على بابها إذ ليس له شائبةُ محبةٍ لما دعتْه إليه ، وإنما هو والسجنُ شران أهونُهما وأقربُهما إلى الإيثار السجنُ . والتعبيرُ عن الإيثار بالمحبة لحسم مادةِ طمعِها عن المساعدة خوفاً من الحبس والاقتصار على ذكر السجنِ من حيث إن الصَّغارَ من فروعه ومستتبعاتِه ، وإسنادُ الدعوةِ إليهن جميعاً لأن النسوة رغّبْنه في مطاوعتها وخوَّفْنه من مخالفتها ، وقيل : دعَوْنه إلى أنفسهن ، وقيل : إنما ابتُلي عليه السلام بالسجن لقوله هذا ، وكان الأولى به أن يسألَ الله تعالى العافية ، ولذلك ردّ رسولُ الله صلى الله عليه وسلم على من كان يسأل الصبرَ { وَإِلاَّ تَصْرِفْ } أي إن لم تصرف { عَنّى كَيْدَهُنَّ } في تحبيب ذلك إليّ وتحسينه لديّ بأن تُثبِّتَني على ما أنا عليه من العِصمة والعِفة { أَصْبُ إِلَيْهِنَّ } أي أمِلْ إلى إجابتهن أو إلى أنفسهن على قضية الطبيعةِ وحكم القوةِ الشهوية ، وهذا فزعٌ منه عليه السلام إلى ألطاف الله تعالى جرياً على سُنن الأنبياءِ والصالحين في قصر نيلِ الخيراتِ والنجاة عن الشرور على جناب الله عز وجل وسلبِ القوى والقدر عن أنفسهم ، ومبالغةٌ في استدعاء لطفِه في صرف كيدِهن بإظهار أن لا طاقةَ له بالمدافعة كقول المستغيثِ : أدركْنى وإلا هلكتُ لا أنه يطلب الإجبارَ والإلجاءَ إلى العصمة والعفةِ وفي نفسه داعيةٌ تدعوه إلى هواهن ، والصبْوةُ الميلُ إلى الهوى ومنه الصَّبا لأن النفوسَ تصبو إليها لطيب نسيمِها ورَوْحِها . وقرىء أصبّ إليهن من الصبابة وهي رقةُ الشوق { وَأَكُن مّنَ الجاهلين } الذين لا يعملون بما يعلمون لأن من لا جدوى لعلمه فهو والجاهل سواءٌ أو من السفهاء بارتكابِ ما يدعونني إليه من القبائح لأن الحكيمَ لا يفعل القبيح .

(3/430)


فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (34) ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآَيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (35)

{ فاستجاب لَهُ رَبُّهُ } دعاءَه الذين تضمنه قولُه : وإلا تصرف عني كيدهن الخ ، فإن فيه استدعاءً لصرف كيدِهن على أبلغ وجهٍ وألطفِه كما مر ، وفي إسناد الاستجابة إلى الرب مضافاً إليه عليه السلام ما لا يخفى من إظهار اللطف { فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ } حسب دعائِه وثبّته على العصمة والعفة { إِنَّهُ هُوَ السميع } لدعاء المتضرعين إليه { العليم } بأحوالهم وما يصلحهم .
{ ثُمَّ بَدَا لَهُمْ } أي ظهر للعزيز وأصحابه المتصدّين للحل والعقد ريثما اكتفَوا بأمر يوسف بالكتمان والإعراض عن ذلك { مّن بَعْدِ مَا رَأَوُاْ الآيات } الصارفةَ لهم عن ذلك البداءِ وهي الشواهدُ الدالة على براءته عليه السلام ، وفاعل بدا إما مصدرُه أو الرأي المفهوم من السياق أو المصدر المدلول عليه بقوله : { لَيَسْجُنُنَّهُ } والمعنى بدا لهم بداءٌ أو رأيٌ أو سَجنُه المحتومُ قائلين : والله ليسجُنُنّه فالقسم المحذوف وجوابه معمول للقول المقدر حالاً من ضميرهم ، وما كان ذلك البداءُ إلا باستنزال المرأةِ لزوجها وقتلها منه في الذروة والغارب وكان مطواعةً لها تقوده حيث شاءت ، قال السدي إنها قالت للعزيز : إن هذا العبدَ العبراني فد فضحني في الناس يخبرهم بأني راودتُه عن نفسه فإما أن تأذن لي فأخرجَ فأعتذرَ إلى الناس وإما أن تحبِسه فحبسه ، ولقد أرادت بذلك تحقيقَ وعيدِها لتُلين به عريكتَه وتنقادَ لها قرونته لمّا انصرمت حبالُ رجائها عن استتباعه بعرض الجمالِ والترغيبِ بنفسها وبأعوانها . وقرىء لتسجُنُنه على صيغة الخطاب بأن خاطب بعضُهم العزيزَ ومن يليه أو العزيزَ وحده على وجه التعظيم أو خاطب العزيزَ ومَن عنده مِن أصحاب الرأي المباشرين للسجن والحبس { حتى حِينٍ } إلى حين انقطاعِ قالةِ الناسِ وهذا بادي الرأي عند العزيز وذويه ، وأما عندها فحتى يذلِّلَه السجنُ ويسخره لها ويحسبَ الناسُ أنه المجرمُ وقرىء عتى حين بلغة هذيل .

(3/431)


وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآَخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (36)

{ وَدَخَلَ مَعَهُ } أى فى صحبته { السجن فَتَيَانَ } من فتيان الملك ومماليكه أحدهما شرابيه والآخر خبازه . روى أن جماعة من أهل مصر ضمنوا لهما مالا ليسما الملك فى طعامه وشرابه فأجابهم إلى ذلك ثم إن الساقى نكل عن ذلك ومضى عليه الخباز فسم الخبز فلما حضر الطعام قال الساقى لا تأكل أيها الملك فإن الخبز مسموم وقال الخباز لا تشرب أيها الملك فإن الشراب مسموم فقال الملك للساقى اشربه فشربه فلم يضره وقال للخباز كله فأبى فجرب بدابة فهلكت فأمر بحبسهما فانفق أن أدخلاه معه وتأخير الفاعل عن المفعول لما مر غير مرة من الاهتمام بالمقدم والتشويق إلى المؤخر ليتمكن عند النفس حين وروده عليها فضل تمكن ونظيره تقديم الظرف على المفعول الصريح فى قوله تعالى { فأوجَسَ فى نفسه خِيفة } وتأخير السجن عن الظرف لإيهام العكس أن يكون الظرف خبراً مقدما على المبتدأ وتكون الجملة حالا من فاعل دخل فتأمل { قَالَ أَحَدُهُمَآ } استئناف مبنى على سؤال من يقول ما صنعا بعد ما دخلا معه السجن فأجيب بأنه قال أحدهما وهو الشرابى { إني أرانيا } أى رأيتنى والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة الماضية { أَعْصِرُ خَمْراً } أى عنباً سماه بما يؤول إليه لكونه المقصود من العصر وقيل الخبر بلغة عمان اسم للعنب وفى قراءة ابن مسعود رضى الله عنه أعصر عنباً { وَقَالَ الآخر } وهو الخباز { إِنِّي أراني أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً } تأخير المفعول عن الظرف لما مر آنفاً وقوله { تَأْكُلُ الطير مِنْهُ } أى تنهس منه صفة للخبز أو استئناف مبنى على السؤال { نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ } بتأويل ما ذكر من الرؤ بين أو ما رئى بإجراء الضمير مجرى ذلك بطريق الاستعارة فإن اسم الإشارة يشار به إلى متعدد كما فى قوله
فيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه فى الجلد توليع البهق
أى كائن ذلك والسر فى المصير إلى إجراء الضمير مجرى اسم الإشارة مع أنه لا حاجة إليه بعد تأويل المرجع بما ذكر أو بما رئى أن الضمير إنما يتعرض لنفس المرجع من حيث هو من غير تعرض لحال من أحواله فلا يتسنى تأويله بأحد الاعتبارين إلا بإجرائه مجرى اسم الإشارة الذى يدل على المشار إليه بالاعتبار الذى جرى عليه فى الكلام فتأمل هذا إذا قالاه معاً أو قاله أحدهما من جهتهما ليتعدد المرجع بل عبارة كل منهما نبئنى بتأويله مستفسراً لما رآه وصيغة المتكلم مع الغير واقعة فى الحكاية دون المحكى على طريقة قوله عز وجل { يَأيُّها الرُّسل كُلُوا من الطيبات } فإنَّهم لم يخاطبوا بذلك دفعة بل خوطب كل منهم فى زمانه بصيغة مفردة خاصة به { إِنَّا نَرَاكَ } تعليل لعرض رؤياهما عليه واستفسارها منه عليه السلام { مِنَ المحسنين } من الذين يحيدون عبارة الرؤيا لما رأياه يقص عليه بعض أهل السجن رؤياه فيؤو لها له تأويلا حسناً أو من العلماء لما سمعاه يذكر للناس ما يدل على علمه وفضله أو من المحسنين إلى أهل السجن أى فأحسن إلينا بكشف غمتنا إن كنت قادراً على ذلك .

(3/432)


روى أنه عليه السلام كان إذا مرض منهم رجل قام عليه وإذا ضاق مكانه أوسع له وإذا احتاج جمع له وعن قتادة رضى الله عنه كان فى السجن ناس قد انقطع رجاؤهم وطال حزنهم فجعل يقول أبشروا واصبروا تؤجروا فقالوا بارك الله عليك ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك لقد بورك لنا فى جوارك فمن أنت يا فتى فقال أنا يوسف بن صفى الله يعقوب بن ذبيح الله إسحق بن خليل الله إبراهيم فقال له عامل السجن لو استطعت خليت سبيلك ولكنى أحسن جوارك فكن فى أى بيوت السجن شئت وعن الشعبى أنهما تحالما له ليمتحناه فقال الشرابى أرانى فى بستان فإذا بأصل حبلة عليها ثلاثة عناقيد من عنب فقطعتها وعصرتها فى كأس الملك وسقيته وقال الخباز إنى أرانى وفوق رأسى ثلاث سلال فيها أنواع الأطعمة وإذا سباع الطير تنهس منها .

(3/433)


قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (37)

{ قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ } في مقامكما هذا حسب عادتِكما المطردةِ { إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ } استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوال أي لا يأتيكما طعامٌ في حال من الأحوال إلا حالَ ما نبأتكما به بأن بينتُ لكما ماهيّتَه وكيفيته وسائرَ أحواله { قَبْلَ أَن يَأْتِيَكُمَا } وإطلاقُ التأويل عليه إما بطريق الاستعارةِ فإن ذلك بالنسبة إلى مطلق الطعامِ المُبهمِ بمنزلة التأويلِ بالنظر إلى ما رُئيَ في المنام وشبيهٌ له ، وإما بطريق المشاكلة حسبما وقع في عبارتهما من قولهما : { نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ } ولا يبعُد أن يراد بالتأويل الشيءُ الآئلُ لا المآلُ فإنه في الأصل جعلُ شيءٍ آئلاً إلى شيء آخرَ فكما يجوز أن يراد به الأولُ فالمعنى إلا نبأتُكما بما يؤول إليه من الكلام والخبرِ المطابق للواقع وكان عليه السلام يقول لهما : اليوم يأتيكما طعامٌ صفتُه كيتَ وكيت فيجدانه كذلك ، ومرادُه عليه السلام بذلك بيانُ كلِّ ما يُهمّهما من الأمور المترقَّبة قبل وقوعِها ، وإنما تخصيصُ الطعام بالذكر لكونه عريقاً في ذلك بحسب الحال مع ما فيه من مراعاة حسنِ التخلص إليه مما استعبراه من الرؤيَيَيْن المتعلقتين بالشراب والطعام ، وقد جعل الضميرُ لما قصا من الرؤييين على معنى لا يأتيكما طعامٌ ترزقانِه حسب عادتِكما إلا أخبرتكما بتأويل ما قصصتما عليَّ قبل أن يأتيكما ذلك الطعامُ الموقت مراداً به الإخبارُ بالاستعجال في التنبئة . وأنت خبيرٌ بأن النظم الكريمَ ظاهرٌ في تعدد إتيانِ الطعام والإخبار بالتأويل وتجدُّدِهما وأن المقام مقامُ إظهارِ فضلِه في فنون العلومِ بحيث يدخل في ذلك تأويلُ رؤياهما دخولاً أولياً ، وإنما لم يكتفِ عليه السلام بمجرد تأويلِ رؤياهما مع أن فيه دِلالةً على فضلة لأنهما لما نعتاه عليه السلام بالانتظام في سِمْط المحسنين وأنهما قد علما ذلك حيث قالا : إنا نراك من المحسنين توسّم عليه السلام فيهما خيراً وتوجّهاً إلى قَبول الحق فأريد أن يخرُجَ آثرَ ذي أثيرٍ عما في عُهدته من دعوة الخلقِ إلى الحق فمهّد قبل الخوضِ في ذلك مقدمةً تزيدهما علماً بعظم شأنِه وثقةً بأمره ووقوفاً على طبقته في بدائع العلومِ توسلاً بذلك إلى تحقيق ما يتوخاه ، وقد تخلّص إليها من كلامهما فكأنه قال : تأويلُ ما قصصتماه عليّ في طرف التمام حيث رأيتما مثاله في المنام وإني أبيّن لكما كلَّ جليل ودقيق من الأمور المستقبلة وإن لم يكن هناك مقدمةُ إلمامٍ حتى إن الطعام الموظفَ الذي يأتيكما كلَّ يوم أبيّنه قبل إتيانه ، ثم أخبرهما بأن عمله ذلك ليس من قبيل علوم الكهنةِ والعرّافين ، بل هو فضلٌ إلهيٌّ يؤتيه من يشاء ممن يصطفيه للنبوة فقال :
{ ذلكما } أي ذلك التأويلُ والإخبارُ بالمغيّبات ومعنى البُعد في ذلك للإشارة إلى علو درجتِه وبُعد منزلتِه { مِمَّا عَلَّمَنِى رَبّى } بالوحي والإلهامِ أي بعضٌ منه أو من ذلك الجنسِ الذي لا يحوم حولَ إدراكِه العقولُ ، ولقد دلهما بذلك على أن له علوماً جمةً ، ما سمعاه قطعةٌ من جملتها وشُعبةٌ من دوحتها ، ثم بين أن نيل تلك الكرامةِ بسبب اتباعِه ملةَ آبائِه الأنبياءِ العظامِ وامتناعِه عن الشرك فقال : { إِنّى تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بالله } وهو استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ من قوله : ذلكما مما علمني ربي وتعليلاً له لا للتعليم الواقع صلةً للموصول لتأديته إلى معنى أنه مما علمني ربي لهذا السبب دون غيرِه ، ولا لمضمون الجملةِ الخبرية لأن ما ذُكر بصدد التعليلِ ليس بعلةٍ لكون التأويلِ المذكورِ بعضاً مما علمه ربُّه أو لكونه من جنسه بل لنفس تعليمِ ما علمه فكأنه قيل : لماذا علمك ربُّك تلك العلومَ البديعة؟ فقيل : لأني تركت ملة الكفرةِ أي دينَهم الذي اجتمعوا عليه من الشرك وعبادةِ الأوثان ، والمراد بتركها الامتناعُ عنها رأساً كما يفصح عنه قوله :

(3/434)


{ مَا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَىْء } لا تركُها بعد ملابستها ، وإنما عبّر عنه بذلك لكونه أدخلَ بحسب الظاهرِ في اقتدائهما به عليه السلام ، والتعبيرُ عن كفرهم بالله تعالى بسلب الإيمان به للتنصيص على أن عبادتَهم له تعالى مع عبادة الأوثانِ ليست بإيمان به تعالى كما هو زعمُهم الباطلُ على ما مر في قوله تعالى : { إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح } { وَهُم بالاخرة } وما فيها من الجزاء { هُمْ كافرون } على الخصوص دون غيرِهم لإفراطهم في الكفر .

(3/435)


وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آَبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ مَا كَانَ لَنَا أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا وَعَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (38)

{ واتبعت مِلَّةَ ءابَاءي إبراهيم * وإسحاق وَيَعْقُوبَ } يعني أنه إنما حاز هذه الكمالاتِ وفاز بتلك الكراماتِ بسبب أنه اتبع ملةَ آبائِه الكرامِ ولم يتبع ملةَ قومٍ كفروا بالمبدأ والمعاد وإنما قاله عليه السلام ترغيباً لصاحبيه في الإيمان والتوحيدِ وتنفيراً لهما عما كانا عليه من الشرك والضلالِ ، وقُدّم ذكرُ تركِه لملّتهم على ذكر اتباعِه لملة آبائِه لأن التخليةَ متقدمةٌ على التحلية { مَا كَانَ } أي ما صح وما استقام فضلاً عن الوقوع { لَنَا } معاشرَ الأنبياءِ لقوة نفوسِنا ونور علومِنا { أَن نُّشْرِكَ بالله مِن شَىْء } أيَّ شيءٍ كان من ملك أو جنّي أو إنسي فضلاً عن الجماد البحت { ذلك } أي التوحيدُ المدلولُ عليه بقوله : ما كان لنا أن نشرك بالله من شيء { مِن فَضْلِ الله عَلَيْنَا } أي ناشىءٌ من تأييده لنا بالنبوة وترشيحِه إيانا لقيادة الأمةِ وهدايتِهم إلى الحق وذلك مع كونه من التوحيد ودواعيه نعمةٌ جليلةٌ وفضلٌ عظيم علينا بالذات { وَعَلَى الناس } كافةً بواسطتنا وحيث عبّر عن ذلك بذلك العنوان عبّر عن التوحيد الذي يوجبه بالشكر فقيل : { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ } أي لا يوحّدون فإن التوحيدَ مع كونه من آثار ما ذُكر من التأييد شكرٌ لله عز وجل على تلك النعمةِ وإنما وُضع الظاهرُ موضع الضمير الراجعِ إلى الناس لزيادة توضيحٍ وبيانٍ ولقطع توهمِ رجوعِه إلى المجموع المُوهمِ لعدم اختصاصِ غير الشاكرِ بالناس ، وقيل : ذلك التوحيدُ من فضل الله علينا حيث نصَب لنا أدلةً ننظر فيها ونستدلّ بها على الحق . وقد نصَب مثلَ تلك الأدلةِ لسائر الناس أيضاً ولكن أكثرَهم لا ينظرون ولا يستدلون بها اتّباعاً لأهوائهم فيبقَوْن كافرين غيرَ شاكرين ولك أن تقول : ذلك التوحيدُ من فضل الله علينا حيث أعطانا عقولاً ومشاعرَ نستعملها في دلائلِ التوحيد التي مهدها في الأنفس والآفاقِ وقد أعطى سائرَ الناس أيضاً مثلها ولكن أكثرَهم لا يشكرون أي لا يصرِفون تلك القُوى والمشاعرَ إلى ما خُلقت هي له ولا يستعملونها فيما ذكر من أدلة التوحيدِ الآفاقيةِ والأنفُسية والعقليةِ والنقلية .

(3/436)


يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (39) مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (40)

{ ياصاحبى السجن } أي يا صاحبيَّ في السجن كما تقول : يا سارق الليلةِ ناداهما بعنوان الصحبة في مدار الأشجانِ ودارِ الأحزان التي تصفو فيها المودةُ وتخلُص النصيحةُ ليُقبِلا عليه ويَقبَلا مقالتَه وقد ضرب لهما مثلاً يتضح به الحقُّ عندهما حقَّ اتضاحٍ فقال : { أَأَرْبَابٌ مُّتَّفَرّقُونَ } لا ارتباطَ بينهم ولا اتفاقَ يستعبدُ كما كلٌّ منهم حسبما أراد غيرَ مراقب للآخَرين مع عدم استقلاله { خَيْرٌ } لكما { أَمِ الله } المعبودُ بالحق { الواحد } المتفرد بالألوهية { القهار } الغالبُ الذي لا يغالبه أحدٌ . وبعد ما نبههما على فساد تعددِ الأرباب بين لهما سقوطَ ألهتِهما عن درجة الاعتبار رأساً فضلاً عن الألوهية فقال معمّماً للخطاب لهما ولمن على دينهما : { مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ } أي من دون الله شيئاً { إِلاَّ أَسْمَاءً } فارغةً لا مطابقَ لها في الخارج لأن ما ليس فيه مصداقُ إطلاقِ الاسم عليه لا وجودَ له أصلاً فكانت عبادتُهم لتلك الأسماء فقط { سَمَّيْتُمُوهَا } جعلتموها أسماءً وإنما لم يَذكُر المسمَّياتِ تربيةً لما يقتضيه المقامُ من إسقاطها عن مرتبة الوجودِ وإيذاناً بأن تسميتهم في البطلان حيث كانت بلا مسمّى كعبادتهم حيث كانت بلا معبود { أَنتُمْ وَءابَاؤُكُمُ } بمحض جهلِكم وضلالتِكم { مَّا أَنزَلَ الله بِهَا } أي بتلك التسميةِ المستتبِعة للعبادة { مّن سلطان } من حجة تدل على صحتها { إِنِ الحكم } في أمر العبادة المتفرعةِ على تلك التسمية { إِلاَ لِلَّهِ } عز سلطانُه لأنه المستحقُّ لها بالذات إذ هو الواجبُ بالذات الموجدُ للكل والمالكُ لأمره { أَمَرَ } استئنافٌ مبني على سؤال ناشىءٍ من قوله : إن الحكم إلا لله فكأنه قيل : فماذا حكم الله في هذا الشأن؟ فقيل : أمر على ألسنة الأنبياءِ عليهم السلام { أَلاَّ تَعْبُدُواْ } أي بأن لا تعبُدوا { إِلاَّ إِيَّاهُ } حسبما تقضي به قضيةُ العقل أيضاً { ذلك } أي تخصيصُه تعالى بالعبادة { الدين القيم } الثابتُ المستقيم الذي تعاضدت عليه البراهينُ عقلاً ونقلاً { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ } أن ذلك هو الدينُ القيم لجهلهم بتلك البراهينِ أو لا يعلمون شيئاً أصلاً فيعبدون أسماءً سمَّوها من تلقاء أنفسِهم معْرِضين عن البرهان العقليِّ والسلطانِ النقليِّ .
وبعد تحقيقِ الحقِّ ودعوتِهما إليه وبيانِه لهما مقدارَه الرفيعَ ومرتبةَ علمِه الواسِع شرع في تفسير ما استعبراه ولكونه بحثاً مغايِراً لما سبق فصلُه عنه بتكرير الخطاب فقال :

(3/437)


يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآَخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (41) وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ (42)

{ ياصاحبى السجن أَمَّا أَحَدُكُمَا } وهو الشرابيُّ وإنما لم يعيّنه ثقةً بدلالة التعبير وتوسلاً بذلك إلى إبهام أمرِ صاحبِه حِذارَ مشافهتِه بما يسوءه { فَيَسْقِى رَبَّهُ } أي سيدَه { خَمْرًا } روي أنه عليه السلام قال له : ما رأيت من الكرمة وحسنها فالملكُ وحسنُ حالك عنده وأما القضبان الثلاثة فثلاثةُ أيام تمضي في السجن ثم تخرج وتعود إلى ما كنت عليه . وقرأ عكرمة فيسقى ربُّه على البناء للمفعول أي يُسقى ما يروى به { وَأَمَّا الاخر } وهو الخباز { فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطير مِن رَّأْسِهِ } روي أنه عليه السلام قال له : ما رأيت من السلال ثلاثةُ أيام تمرّ ثم تخرج فتقتل { قُضِىَ } أي تم وأحكم { الامر الذى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } وهو ما رأياه من الرؤييين قطعاً لا مآلُه الذي هو عبارة عن نجاة أحدِهما وهلاكِ الآخر كما يوهمه إسنادُ القضاء إليه إذ الاستفتاءُ إنما يكون في الحادثة لا في حكمِها يقال : استفتى الفقيهَ في الحادثة أي طلب منه بيانَ حكمِها ولا يقال استفتاه في حكمها ، وكذا الإفتاءُ فإنه يقال : أفتى فلانٌ في الواقعة الفلانية بكذا ولا يقال أفتى في حكمها أو جوابها بكذا ، ومما هو علَمٌ في ذلك قولُه تعالى : { يأَيُّهَا الملأ أَفْتُونِى فِى رؤياى } ومعنى استفتائهما فيه طلبُهما لتأويله بقولهما : نبئنا بتأويله وإنما عبر عن عن ذلك بالأمر وعن طلب تأويلِه بالاستفتاء تهويلاً لأمره وتفخيماً لشأنه إذ الاستفتاءُ إنما يكون في النوازل المشكِلة والحُكمِ المبهم الجواب ، وإيثارُ صيغة الاستقبالِ مع سبق استفتائِهما في ذلك لما أنهما بصدده إلى أن يقضيَ عليه السلام من الجواب وطرَه ، وإسنادُ القضاءِ إليه مع أنه من أحوال مآلِه لأنه في الحقيقة عينُ ذلك المآلِ وقد ظهر في عالم المثالِ بتلك الصورةِ ، وأما توحيدُه مع تعدد رؤياهما فواردٌ على حسب ما وحّداه في قولهما : نبئنا بتأويله لا لأن الأمرَ ما اتُّهما به وسُجنا لأجله من سَمِّ الملكِ فإنهما لم يستفتيا فيه ولا فيما هو صورتُه بل فيما هو صورةٌ لمآله وعاقبتِه فتأمل . وإنما أخبرهما عليه السلام بذلك تحقيقاً لتعبيره وتأكيداً له ، وقيل : لما عبّر رؤياهما جحَدا وقالا : ما رأينا شيئاً فأخبرهما إن ذلك كائنٌ أصدقتما أو كذبتما ، ولعل الجحودَ من الخبّاز إذ لا داعيَ إلى جحود الشرابيِّ إلا أن يكون ذلك لمراعاة جانبه .
{ وَقَالَ } أي يوسف عليه السلام { لِلَّذِى ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ } أُوثر على صيغة المضارعِ مبالغةً في الدلالة على تحقق النجاةِ حسبما يفيده قوله تعالى : { قُضِىَ الامر الذى فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ } وهو السرُّ في إيثار ما عليه النظمُ الكريم على أن يقال للذي ظنه ناجياً { مِنْهُمَا } من صاحبيه ، وإنما ذكر بوصف النجاةِ تمهيداً لمناط التوصيةِ بالذكر عند الملكِ وعنوانِ التقربِ المفهوم من التعبير المذكورِ وإن كان أدخلَ في ذلك وأدعى إلى تحقيق ما وصّاه به لكنه ليس بوصف فارقٍ يدور عليه الامتيازُ بينه وبين صاحبه المذكورِ بوصف الهلاكِ ، والظانُّ هو يوسفُ عليه السلام لا صاحبُه لأن التوصيةَ المذكورة لا تدور على ظن الناجي بل على ظن يوسفَ وهو بمعنى اليقينِ كما في قوله تعالى :

(3/438)