صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم |
قَالَ سَآَوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (43)
{ قَالَ سَآوِى إلى جَبَلٍ } من الجبال { يَعْصِمُنِى } بارتفاعه { مِنَ الماء } زعماً منه أن ذلك كسائر المياهِ في أزمنة السيولِ المعتادةِ التي ربما يُتّقى منها بالصعود إلى الرُّبى ، وأنى له ذلك وقد بلغ السيلُ الزبى وجهلاً بأن ذلك إنما كان لإهلاك الكفرةِ وألاّ محيصَ من ذلك الفكر المُحالِ ، وكان مقتضى الظاهرِ أن يجيب بما ينطبقُ عليه كلامُه ويتعرّضَ لنفي ما أثبته للجبل من كونه عاصماً له من الماء بأن يقولَ : لا يعصِمُك منه مفيداً لنفي وصفِ العصمةِ عنه فقط من غير تعرضٍ لنفيه عن غيره ولا لنفي الموصوف ( بالعصمة ) أصلاً لكنه عليه الصلاة والسلام حيث { قَالَ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله } سلك طريقةَ نفي الجنسِ المنتظِمِ لنفي جميعِ أفرادِ العاصمِ ذاتاً وصفةً كما في قولهم : ليس فيه داعٍ ولا مجيبٌ أي أحدٌ من الناس للمبالغة في نفي كونِ الجبلِ عاصماً بالوجهين المذكورَين وزادَ اليومَ للتنبيه على أنه ليس كسائر الأيامِ التي تقع فيها الوقائعُ وتُلِمُّ فيها المُلِماتُ المعتادةُ التي ربما يُتخلّص من ذلك بالالتجاء إلى بعض الأسبابِ العادية ، وعبّر عن الماء في محلّ إضمارِه بأمرِ الله أي عذابِه الذي أشير إليه حيث قيل : حتى إذا جاء أمرُنا تفخيماً لشأنه وتهويلاً لأمره وتنبيهاً لابنه على خطئه في تسميته ماءً ويوهم أنه كسائر المياهِ التي يُتفصَّى منها بالهرب إلى بعض المهاربِ المعهودةِ وتعليلاً للنفي المذكورِ فإن أمرَ الله لا يغالَب وعذابَه لا يُرَدّ وتمهيداً لحصر العِصمةِ في جناب الله عز جارُه بالاستثناء كأنه قيل : لا عاصمَ من أمر الله إلا هو إنما قيل : { إِلاَّ مَن رَّحِمَ } تفخيماً لشأنه الجليلِ بالإبهام ثم التفسيرِ وبالإجمال ثم التفصيل ، وإشعاراً بعلّية رحمتِه في ذلك بموجب سبقِها على غضبه وكلُّ ذلك لكمال عنايتِه عليه الصلاة والسلام بتحقيق ما يتوخاه من نجاة ابنِه ببيان شأنِ الداهيةِ وقطعِ أطماعِه الفارغةِ وصرفِه عن التعليل بما لا يغني عنه شيئاً وإرشادِه إلى العياذ بالمَعاذ الحقِّ عزَّ حِماهُ وقيل : لا مكانَ يعصِم من أمر الله إلا مكانُ من رحمه الله وهو الفُلك ، وقيل : معنى لا عاصم لا ذا عصمةٍ إلا من رحمه الله تعالى { وَحَالَ بَيْنَهُمَا الموج } أي بين نوحٍ وبين ابنِه فانقطع ما بينهما من المجاوبة لا بين ابنِه وبين الجبل لقوله تعالى : { فَكَانَ مِنَ المغرقين } إذ هو إنما يتفرع على حيلولة الموجِ بينه عليه الصلاة والسلام وبين ابنه لا بينه وبين الجبلِ لأنه بمعزل من كونه عاصماً وإن لم يحُلْ بينه وبين الملتِجىءِ إليه موجٌ ، وفيه دِلالةٌ على هلاك سائرِ الكفرةِ على أبلغ وجهٍ فكان ذلك أمراً مقرَّرَ الوقوعِ غيرَ مفتقِرٍ إلى البيان ، وفي إيراد كان دون صار مبالغةٌ في كونه منهم . (3/352)
وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (44)
{ وَقِيلَ ياأرض ابلعى } أي انشَفي ، استُعير له من ازدراد الحيوان ما يأكلُه للدِلالة على أن ذلك ليس كالنشف المعتادِ التدريجيّ { مَاءكِ } أي ما على وجهك من ماء الطوفانِ دون المياهِ المعهودةِ فيها من العيون والأنهارِ ، وعبّر عنه فيما سلف بأمر الله تعالى لأن المقامَ مقامُ النقص والتقليلِ لا مقامُ التفخيمِ والتهويلِ { وياسماء أَقْلِعِى } أي أمسِكي عن إرسال المطرِ ، يقال : أقلعت السماءُ إذا انقطع مطرُها وأقلعت الحُمّى أي كفّت { وَغِيضَ الماء } أي نقص ما بين السماءِ والأرضِ من الماء { وَقُضِىَ الامر } أي أُنجز ما وعد الله تعالى نوحاً من إهلاك قومِه وإنجائِه بأهله أو أُتِمَّ الأمر { واستوت } أي استقرّت الفلكُ { عَلَى الجودى } هو جبلٌ بالمَوْصِل أو بالشام أو بآمل . روي أنه عليه الصلاة والسلام ركب في الفلك في عاشر رجبٍ ونزل عنها في عاشر المحرَّم فصام ذلك اليوم شكراً فصار سُنّةً { وَقِيلَ بُعْدًا لّلْقَوْمِ الظالمين } أي هلاكاً لهم ، والتعرضُ لوصف الظلمِ للإشعار بعليته للهلاك ولتذكيره ما سبق من قوله تعالى : { وَلاَ تخاطبنى فِى الذين ظَلَمُواْ إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } ولقد بلغت الآيةُ الكريمةُ من مراتب الإعجازِ قاصيتَها وملكت من غُرر المزايا ناصيتَها وقد تصدّى لتفصيلها المتقنون ، ولعمري إن ذلك فوق ما يصفه الواصفون فحريٌّ بنا أن نوجزَ الكلامَ في هذا البابِ ونفوّضَ الأمر إلى تأمل أولي الألباب ، والله عنده علم الكتاب . (3/353)
وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46)
{ وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ } أي أراد ذلك بدليل الفاء في قوله تعالى : { فَقَالَ رَبّ إِنَّ ابنى مِنْ أَهْلِى } وقد وعدتني إنجاءَهم في ضمن الأمرِ بحملهم في الفلك أو النداءُ على الحقيقة والفاءُ لفتصيل ما فيه من الإجمال ، { وَإِنَّ وَعْدَكَ الحق } أي وعدَك ذلك ، أو إنّ كلَّ وعدِه حقٌّ لا يتطرق إليه خُلْفٌ فيدخل فيه الوعدُ المعهُود دخولاً أولياً { وَأَنتَ أَحْكَمُ الحاكمين } لأنك أعلمُهم وأعدلُهم أو أنت أكثرُ حكمةً من ذوي الحِكَم على أن الحاكمَ من الحِكمة كالدارع من الدِرْع ، وهذا الدعاءُ منه عليه الصلاة والسلام على طريقة دعاءِ أيوبَ عليه الصلاة والسلام : { إِذْ نادى رَبَّهُ أَنّى مَسَّنِىَ الضر وَأَنتَ أَرْحَمُ الراحمين } { قَالَ يَا نُوحٌ } لما كان دعاؤه عليه الصلاة والسلام بتذكير وعدِه جل ذكرُه مبنياً على كون كنعانَ من أهله نُفيَ أولاً كونُه منهم بقوله تعالى : { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } أي ليس منهم أصلاً لأن مدار الأهليةِ هو القرابةُ الدينية ولا علاقةَ بين المؤمن والكافرِ أو ليس من أهلك الذين أمرتُك بحملهم في الفلك لخروجه عنهم بالاستثناء ، وعلى التقديرين ليس هو من الذين وُعد بإنجائهم ثم علل عدمُ كونِه منهم على طريقة الاستئنافِ التحقيقي بقوله تعالى : { إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح } أصله إنه ذو عملٍ غيرِ صالح فجُعل نفسَ العملِ مبالغةً كما في قول الخنساء : (3/354)
فإنما هي إقبالٌ وإدبارُ ... وإيثارُ غيرُ صالحٍ على فاسد إما لأن الفاسدَ ربما يطلق على ما فسد ومن شأنُه الصلاحُ فلا يكون نصاً فيما هو من قبيل الفاسدِ المحضِ كالقتل والمظالم ، وإما للتلويح بأن نجاةَ من نجا إنما هي لصلاحه ، وقرأ الكسائي ، ويعقوب ، إنه عمِلَ غيرَ صالحٍ أي عملاً غيرَ صالح ، ولما كان دعاؤه عليه الصلاة والسلام مبنياً على ما ذكر من اعتقاد كونِ كنعانَ من أهله وقد نُفيَ ذلك وحُقّق ببيان عِلّته فُرّع على ذلك النهيُ عن سؤال إنجائِه ، إلا أنه جيء بالنهي على وجه عامٍ يندرجُ فيه ذلك اندراجاً أولياً فقيل : { فَلاَ تَسْأَلْنى } أي إذا وقفتَ على جلية الحالِ فلا تطلُب مني { مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } أي مطلباً لا تعلم يقيناً أن حصولَه صوابٌ وموافقٌ للحكمة على تقدير كونِ ( ما ) عبارةً عن المسؤول الذي هو مفعولٌ للسؤال أو طلباً لا تعلم أنه صوابٌ على تقدير كونِه عبارةً عن المصدر الذي هو مفعولٌ مطلقٌ فيكون النهيُ وارداً بصريحه في كلَ من معلوم الفسادِ ومشتبِهِ الحالِ ويُفهم ، ويجوز أن يكون المعنى ما ليس لك علمٌ بأنه صوابٌ أو غيرُ صوابٍ فيكون النهيُ وارداً في مشتبِهِ الحالِ ويُفهمُ منه حالُ معلوم الفساد بالطريق الأولى ، وعلى التقديرين فهو عامٌ يندرج تحته ما نحن فيه كما ذكرناه ، وهذا كما ترى صريحٌ في أن نداءَه عليه الصلاة والسلام ربَّه عز وعلا ليس استفساراً عن سبب عدمِ إنجاءِ ابنِه مع سبق وعدِه بإنجاء أهلِه وهو منهم كما قيل ، فإن النهيَ عن استفسار ما لم يُعلم غيرُ موافقٍ للحكمة ، إذا عدمُ العلمِ بالشيء داعٍ إلى الاستفسار عنه لا إلى تركه بل هو دعاءٌ منه لإنجاء ابنِه حين حال الموجُ بينهما ولم يَعلم بهلاكه بعدُ ، إما بتقريبه إلى الفُلك بتلاطم الأمواجِ أو بتقريبها إليه ، وقيل : أو بإنجائه في قُلّة الجبل ، ويأباه تذكيرُ الوعدِ في الدعاء فإنه مخصوصٌ بالإنجاء في الفلك وقوله تعالى :
{ لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله إِلاَّ مَن رَّحِمَ } ومجرّدُ حيلولةِ الموجِ بينهما لا يستوجب هلاكَه فضلاً عن العلم به لظهور إمكانِ عصمةِ الله تعالى إياه برحمته وقد وعد بإنجاء أهلِه ولم يكن ابنُه مجاهراً بالكفر كما ذكرناه حتى لا يجوز عليه السلام أن يدعوَه إلى الفُلك أو يدعوَ ربّه لإنجائه ، واعتزالُه عنه عليه الصلاة والسلام وقصدُه الالتجاء إلى الجبل ليس بنص في الإصرار على الكفر لظهور جوازِ أن يكون ذلك لجهله بانحصار النجاة في الفُلك وزعمِه أن الجبلَ أيضاً يجري مجراه أو لكراهة الاحتباسِ في الفلك بل قوله : { سَآوِى إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِى مِنَ الماء } بعد ما قال نوحٌ عليه الصلاة والسلام : { وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين } ربما يُطمعه عليه السلام في إيمانه حيث لم يقل : أكونُ معهم أو سنأوي أو يعصمنا ، فإن إفرادَ نفسه بنسبة الفعلين المذكورَيْن بما يشعر بانفراده من الكافرين واعتزالِه عنهم وامتثالِه ببعض ما أمره به نوحٌ عليه الصلاة والسلام ، إلا أنه عليه الصلاة والسلام لو تأمل في شأنه حقَّ التأملِ وتفحّص عن أحواله في كل ما يأتي ويذر لما اشتبه عليه أنه ليس بمؤمن وأنه المستثنى من أهله ، ولذك قيل : { إِنّى أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين } فعبّر عن ترك الأولى بذلك ، وقرىء فلا تسألنِ بغير ياءِ الإضافةِ وبالنون الثقيلة بياء وبغير ياء . (3/355)
قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47)
{ قَالَ رَبّ إِنّى أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ } أي أطلب منك من بعدُ { مَا لَيْسَ لِى بِهِ عِلْمٌ } أي مطلوباً لا أعلم أن حصولَه مقتضي الحِكمة أو طلباً لا أعلم أنه صوابٌ سواءٌ كان معلومَ الفسادِ أو مشتبِهَ الحالِ أو لا أعلمُ أنه صوابٌ أو غيرُ صوابٍ على ما مر ، وهذه توبةٌ منه عليه السلام مما وقع منه وإنما لم يقُلْ : أعوذ بك منه أو من ذلك مبالغةً في التوبة وإظهاراً للرغبة والنشاطِ فيها وتبركاً بذكر ما لقّنه الله تعالى ، وهو أبلغُ من أن يقول : أتوبُ إليك أن أسألَك لما فيه من الدِلالة على كون ذلك أمراً هائلاً محذوراً لا محيصَ منه إلا بالعوذ بالله تعالى وأن قدرتَه قاصرةٌ عن النجاة من المكاره إلا بذلك { وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِى } ما صدر عني من السؤال المذكورِ { وَتَرْحَمْنِى } بقَبول توبتي { أَكُن مّنَ الخاسرين } أعمالاً بسبب ذلك ، فإن الذهولَ عن شكر الله تعالى لا سيما عند وصولِ مثلِ هذه النعمةِ الجليلةِ التي هي النجاةُ وهلاكُ الأعداءِ والاشتغالَ بما لا يعني خصوصاً بمبادي خلاصِ من قيلَ في شأنه إنه عملٌ غيرُ صالحٍ والتضرّعَ إلى الله تعالى في أمره معاملةٌ غيرُ رابحةٍ أو خسرانٌ مبينٌ . (3/356)
وتأخيرُ ذكرِ هذا النداءِ عن حكاية الأمرِ الواردِ على الأرض والسماءِ وما يتلوه من زوال الطوفانِ وقضاءِ الأمر واستواءِ الفُلك على الجوديّ والدعاءِ بالهلاك على الظالمين مع أن حقَّه أن يُذكر عَقيبَ قوله تعالى : { فَكَانَ مِنَ المغرقين } حسبما وقع في الخارج إذ حينئذ يُتصوّر الدعاءُ بالإنجاء لا بعد العلمِ بالهلاكِ ليس لما قيل من استقلاله بغرض مُهمَ هو جعلُ قرابةِ الدين غامرةً لقرابة النسبِ ، وأن لا يقدّم في الأمور الدينيةِ الأصوليةِ إلا بعد اليقينِ قياساً على ما وقع في قصة البقرةِ من تقديم ذكرِ الأمرِ بذبحها على ذكر القتيلِ الذي هو أولُ القصةِ وكان حقُّها أن يقالَ : وإذ قتلتم نفساً فادّارأتم فيها فقلنا : اذبحوا بقرةً فاضرِبوه ببعضها كما قُرّر في موضعه فإن تغييرَ الترتيبِ هناك للدِلالة على كمال سوءِ حالِ اليهودِ بتعديد جناياتِهم المتنوعةِ وتثنية التقريعِ عليهم بكل نوع على حدة فقوله تعالى : { وَإِذْ قَالَ موسى لِقَوْمِهِ إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً } الخ ، لتقريعهم على الاستهزاء وتركِ المسارعةِ إلى الامتثال وما يتبع ذلك وقوله تعالى : { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا } الخ ، للتقريع على قتل النفسِ المحرمةِ وما يتبعه من الأمور العظيمةِ ، ولو قُصت القِصةُ على ترتيبها لفات الغرضُ الذي هو تثنيةُ التقريعِ ولظُن أن المجموعَ تقريعٌ واحدٌ وأما ما نحن فيه فليس مما يمكن أن يراعى فيه مثلُ تلك النكتةِ أصلاً ، وما ذكر من جعل القرابةِ الدينيةِ غامرةً للقرابة النسبية الخ ، لا يفوت على تقدير سَوْقِ الكلامِ على ترتيب الوقوعِ أيضاً بل لأن ذكرَ هذا النداءِ كما ترى مستدعٍ لذكر ما مر من الجواب المستدعي لذكر ما مر من توبته عليه الصلاة والسلام المؤدِّي ذكرُها إلى ذكر قَبولها في ضمن الأمرِ الواردِ بنزوله عليه الصلاة والسلام من الفلك بالسلام والبركاتِ الفائضةِ عليه وعلى المؤمنين حسبما سيجيء مفصلاً ، ولا ريب في أن هذه المعانيَ آخذٌ بعضُها بحُجْزةِ بعض بحيث لا يكاد يُفرَّق الآياتُ الكريمة المنطويةُ عليها بعضُها من بعض وأن ذلك إنما يتم بتمام القِصّة ، ولا ريب أن ذلك إنما يكون بتمام الطوفانِ فلا جرم اقتضى الحالُ ذكرَ تمامِها قبلَ هذا النداءِ وذلك إنما يكون عند ذكرِ كونِ كنعانَ من المغرَقين ولهذه النكتة ازداد حسنُ موقعِ الإيجاز البليغِ وفيه فائدةٌ أخرى هي التصريحُ بهلاكه من أول الأمرِ إلى أن يرِد قولُه : { إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ } أنه ينجو بدعائه عليه الصلاة والسلام فنُص على هلاكه من أول الأمرِ ثم ذُكر الأمرُ الواردُ على الأرض والسماءِ الذي هو عبارةٌ عن تعلق الإرادةِ الربانيةِ الأزليةِ بما ذُكر من الغيض والإقلاعِ وبين بلوغِ أمرِ الله محلَّه وجريانِ قضائِه ونفوذ حُكمِه عليهم بهلاك من هلك ونجاةِ من نجا بتمام ذلك الطوفانِ واستواءِ الفُلكِ على الجوديِّ فقُصّت القِصةُ إلى هذه المرتبةِ وبُيّن ذلك أيَّ بيانٍ ثم تعرض لما وقع في تضاعيف ذلك مما جرى بين نوحٍ عليه السلام وبين ربِّ العزة جلت حكمتُه فذُكر بعد توبتِه عليه الصلاة والسلام قبولُها بقوله :
قِيلَ يَا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ مِنَّا وَبَرَكَاتٍ عَلَيْكَ وَعَلَى أُمَمٍ مِمَّنْ مَعَكَ وَأُمَمٌ سَنُمَتِّعُهُمْ ثُمَّ يَمَسُّهُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (48)
{ قِيلَ يانوح اهبط } أي انزل من الفُلك وقرىء بضم الباء { بِسَلامٍ } ملتبساً بسلامة من المكاره كائنةٍ { مِنَّا } أو بسلام وتحيةٍ منا عليك كما قال : سلامٌ على نوح في العالمين { وبركات عَلَيْكَ } أي خيراتٍ ناميةٍ في نسلك وما يقوم به معاشُك ومعاشُهم من أنواع الأرزاق ، وقرىء بركةٍ ، وهذا إعلامٌ وبشارةٌ من الله تعالى بقَبول توبتِه وخلاصِه من الخسران بفيضان أنواعِ الخيراتِ عليه في كل ما يأتي وما يذر { وعلى أُمَمٍ } ناشئةٍ { مّمَّن مَّعَكَ } إلى يوم القيامة متشبعةٍ منهم ، فمن ابتدائيةٌ ، والمرادُ الأممُ المؤمنةُ المتناسلةُ ممن معه إلى يوم القيامة { وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ } أي ومنهم على أنه خبرٌ حذف لِدلالة ما سبق عليه ، فإن إيرادَ الأممِ المبارَكِ عليهم المتشعبةِ منهم نكرةٌ يدل على أن بعضَ مَنْ يتشعّب منهم ليسوا على صفتهم يعني ليس جميعُ من تشعّب منهم مسلماً ومباركاً عليه بل منهم أممٌ ممتّعون في الدنيا معذّبون في الآخرة ، وعلى هذا لا يكون الكائنون مع نوح عليه السلام مسلماً ومبارَكاً عليهم صريحاً وإنما يفهم ذلك من كونهم مع نوح عليه الصلاة والسلام ومن كون ذريّاتِهم كذلك بدلالة النصِّ ، ويجوز أن تكون ( من ) بيانيةً أي وعلى أمم هم الذين معك وإنما سُمّوا أمماً لأنهم أممٌ متحزِّبةٌ وجماعاتٌ متفرِّقةٌ ، أو لأن جميعَ الأممِ إنما تشعّبت منهم فحينئذ يكون المرادُ بالأمم المشارِ إليهم في قوله تعالى : { وَأُمَمٌ سَنُمَتّعُهُمْ } بعضَ الأممِ المتشعبةِ منهم وهي الأممُ الكافرةُ المتناسلةُ منهم إلى يوم القيامة ، ويبقى أمرُ الأممِ المؤمنةِ الناشئةِ منهم مبهماً غيرَ متعرّضٍ له ولا مدلولٍ عليه ، ومع ذلك ففي دِلالة المذكورِ على خبره المحذوفِ خفاءٌ لأن ( من ) المذكورةَ بيانيةٌ والمحذوفةَ تبعيضيةٌ أو ابتدائيةٌ فتأمل { ثُمَّ يَمَسُّهُمْ } إما في الأخرة أو في الدنيا أيضاً { مّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ } . عن محمد بن كعب القرظي دخل في ذلك السلامِ كلُّ مؤمنٍ ومؤمنةٍ إلى يوم القيامة ، وفيما بعده من المتاع والعذابِ كلُّ كافر ، وعن ابن زيد هبطوا والله عنهم راضٍ ثم أَخرج منهم نسلاً منهم من رَحِم ومنهم من عذّب . وقيل : المرادُ بالأمم الممتَّعةِ قومُ هودٍ وصالحٍ ولوطٍ وشعيبٍ عليهم السلام وبالعذاب ما نزل بهم . (3/357)
تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (49)
{ تِلكَ } إشارةٌ إلى ما قُصّ من قصة نوحٍ عليه الصلاة والسلام إما لكونها بتقضّيها في حكم البعيدِ أو للدِلالة على بُعد منزلِتها ، وهي مبتدأٌ خبرُه { مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ } أي من جنسها ، أي ليست من قبيل سائرِ الأنباءِ بل هي نسيجُ وحدِها منفردةٌ عما عداها أو بعضِها { نُوحِيهَا إِلَيكَ } خبرٌ ثانٍ والضمير لها أي مُوحاةٌ إليك أو هو الخبرُ ، ومن أنباء متعلِّقٌ به ، فالتعبير بصيغة المضارع لاستحضار الصورة أو حال من أنباء الغيب أي مُوحاةً إليك { مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلاَ قَوْمُكَ } خبرٌ آخرُ أي مجهولةٌ عندك وعند قومِك { مِنْ قَبْلِ هَذَا } أي من قبل إيحائِنا إليك وإخبارِك بها أو من قبل هذا العلمِ الذي كسبْتَه بالوحي أو من قبلِ هذا الوقتِ أو حالٌ من الهاء في نُوحيها ، أو الكافِ في إليك ، أي جاهلاً أنت وقومُك بها ، وفي ذكر جهلِهم تنبيهٌ على أنه عليه الصلاة والسلام لم يتعلّمْه ، إذا لم يخالِطْ غيرَهم وأنهم مع كثرتهم لم يعلموه فكيف بواحد منهم { فَاصْبِر } متفرِّعٌ على الإيحاء أو العلمِ المستفادِ منه المدلولِ عليه بقوله : { ما كنت تعلمها أنت ولا قومُك من قبل هذا } أي وإذ قد أوحيناها إليك أو علمْتَها بذلك فاصبِرْ على مشاقّ تبليغِ الرسالةِ وأذيَّةِ قومِك كما صبر نوحٌ على ما سمعته من أنواع البلايا في هذه المدة المتطاولةِ ، وهذا ناظرٌ إلى ما سبق من قوله تعالى : { فلعلك تاركٌ بعضَ مايوحى إليك } الخ { إن العاقبة } بالظفر في الدنيا وبالفوز في الآخرة { للمتقين } كما شاهدْتَه في نوحٍ عليه الصلاة والسلام وقومِه ولك فيه أسوةٌ حسنةٌ فهي تسليةٌ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتعليلٌ للأمر بالصبر فإن كونَ العاقبةِ الحميدةِ للمتقين وهو في أقصى درجاتِ التقوى والمؤمنون كلُّهم مّتقون مما يسليه عليه الصلاة والسلام ويهوِّن عليه الخطوبَ ويُذهب عنه ما عسى أن يعتريَه من ضيق صدرِه ، وهذا على تقدير أن يرادَ بالتقوى الدرجةُ الأولى منه أعني التوقّي من العذاب المخلدِ بالتبرؤ من الشرك ، وعليه قوله تعالى : { وألزمَهم كلمةَ التقوى } ويجوز أن يراد الدرجةُ الثالثةُ وهو أن يتنزّه عما يشغل سِرَّه عن الحق ويتبتَّلَ إليه بشراشِره وهو التقوى الحقيقيُّ المطلوبُ بقوله تعالى : { اتقوا الله حقَّ تقاتِه } فإن التقوى بهذا المعنى منطوٍ على الصبر المذكورِ فكأنه قيل : فاصبر فإن العاقبةَ للصابرين . (3/358)
وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50) يَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلَا تَعْقِلُونَ (51) وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52)
{ وإلى عاد } متعلقٌ بمضمر معطوفٌ على قوله تعالى : { أرسلنا } في قصة نوحٍ وهو الناصبُ لقوله تعالى : { أَخَاهُم } أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم أي واحداً منهم في النسَب كقولهم : يا أخا العرب ، وتقديمُ المجرورِ على المنصوب هاهنا للحِذارِ عن الإضمار قبل الذكر ، وقيل : متعلّقٌ بالفعل المذكورِ فيما سبق وأخاهم معطوفٌ على نوحاً وقد مر في سورة الأعراف وقوله تعالى : { هُوداً } عطفُ بيانٍ لأخاهم وكان عليه الصلاة والسلام من جملتهم فإن هودُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ رباحِ بن الخلود بن العوص بن إرمَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ عليه الصلاة والسلام ، وقيل : هودُ بنُ شالح بنِ أرفخشذَ بنِ سامِ بن نوحٍ بنِ عمّ أبي عاد ، وإنما جعل منهم لأنهم أفهمُ لكلامه وأعرفُ بحاله وأرغبُ في اقتفائه { قَالَ } لما كان ذكرُ إرسالِه عليه الصلاة والسلام إليهم مظنةً للسؤال عما قال لهم ودعاهم إليه أُجيب عنه بطريق الاستئنافِ فقيل : { يَا قَوْمِ اعْبدُوا الله } أي وحده كما ينبىء عنه قوله تعالى : { مَا لَكُم مِّنْ إله غَيرُهُ } فإنه استئنافٌ يجري مَجرى البيان للعبادة المأمورِ بها ، والتعليلُ للأمر بها كأنه قيل : خُصّوه بالعبادة ولا تشركوا به شيئاً ، إذ ليس لكم من إله سواه ، وغيرُه بالرفع صفةٌ لإله باعتبار محلِّه وقرىء بالجر حملاً له على لفظه { إِن أَنْتُم } ما أنتم باتخاذكم الأصنامَ شركاءَ له أو بقولكم : إن الله أمرنا بعبادتها { إلاَّ مُفْتَرُون } عليه تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً { يَا قَومِ لاَ أَسْأَلُكُم عَلَيهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي } خاطبَ به كلُّ نبيَ قومَه إزاحةً لما عساهم يتوهّمونه وإمحاضاً للنصيحة فإنها ما دامت مشوبةً بالمطامع بمعزل عن التأثير ، وإيرادُ الموصولِ للتفخيم ، وجعلُ الصلةِ فعلَ الفطرةِ لكونه أقدامَ النعمِ الفائضةِ من جناب الله تعالى المستوجبةِ للشكر الذي لا يتأتى إلا بالجرَيان على موجب أمرِه الغالبِ مُعرِضاً عن المطالب الدنيوية التي من جملتها الأجرُ { أفَلاَ تَعْقِلُون } أي أتغفُلون عن هذه القضيةِ أو ألا تتفكرون فيها فلا تعقِلونها أو أتجهلون كلَّ شيءٍ فلا تعقلون شيئاً أصلاً فإن هذا مما لا ينبغي أن يخفى على أحد من العقلاء . (3/359)
{ ويَا قَومِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُم } اطلُبوا مغفرتَه لما سلف منكم من الذنوب بالإيمان والطاعة { ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ } أي توسّلوا إليه بالتوبة ، وأيضاً التبرُّؤُ من الغير إنما يكون بعد الإيمان بالله تعالى والرغبةِ فيما عنده { يُرْسِلِِ السَّمَاءَ } أي المطرَ { عَلَيكُمْ مِّدْرَاراً } أي كثيرَ الدّرور { ويزدْكُمْ قُوَّةً } مضافةً ومنضمّةً { إِلَى قُوَّتِكُم } أي يضاعفْها لكم ، وإنما رغّبهم بكثرة المطرِ لأنهم كانوا أصحابَ زروعٍ وعمارات ، وقيل : حبس الله تعالى عنهم القطرَ وأعقم أرحامَ نسائِهم ثلاث سنين فوعدهم عليه الصلاة والسلام كثرةَ الأمطارِ وتضاعُفَ القوة بالتناسل ، على الإيمان والتوبة { وَلاَ تَتَوَلَّوْاْ } أي لا تُعرضوا عما دعوتُكم إليه { مُجْرِمِينَ } مصِرِّين على ما كنتم عليه من الإجرام .
قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آَلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (53) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آَلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54)
{ قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ } أي بحجة تدل على صحة دعواك وإنما قالوه لفَرْط عنادِهم وعدمِ اعتدادِهم بما جاءهم من البينات الفائتةِ للحصر . (3/360)
{ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا } أي بتاركي عبادتِها { عَنْ قَوْلِكَ } أي صادرين عنه أي صادراً تركُنا عن ذلك بإسناد حالِ الوصفِ إلى الموصوف ومعناه التعليلُ على أبلغ وجهٍ لِدلالته على كونه علةً فاعليةً ، ولا يفيده الباءُ واللام وهذا كقولهم المنقولِ عنهم في سورة الأعراف { أجئتَنا لنعبُدَ الله وحدَه ونذرَ ما كان يعبُد آباؤُنا } { وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِين } أي بمصدقين في شيء مما تأتي وتذر فيندرج تحته ما دعاهم إليه من التوحيد وتركِ عبادةِ الآلهةِ ، وفيه من الدلالة على شدة الشكيمة وتجاوزِ الحدِّ في العتو ما لا يخفى { إِنْ نَقُولُ إِلاَّ اعْتَرَاكَ } أي ما نقول إلا قولَنا اعتراك أي أصابك { بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ } بجنون لِسبِّك إياها وصدِّك عن عبادتها وحطِّك لها عن رتبة الألوهيةِ والمعبوديةِ بما مر من قولِك : { ما لكم من إله غيرُه إن أنتم إلا مفترون } ، والتنكيرُ في سوءٍ للتقليل كأنهم لم يبالغوا في السوء كما ينبىء عنه نسبةُ ذلك إلى بعض آلهتِهم دون كلِّها ، والجملةُ مقولُ القولِ وإلا لغوٌ لأن الاستثناءَ مفرَّغٌ ، وهذا الكلامُ مقرِّرٌ لما مر من قولهم : { وما نحن بتاركي آلهتِنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين } فإن اعتقادَهم بكونه عليه الصلاة والسلام كما قالوا وحاشاه عن ذلك يوجب عدمَ الاعتدادِ بقوله وعدِّه من قبيل الخُرافاتِ فضلاً عن التصديق والعملِ بمقتضاه ، يعنون إنا لا نعُدّ كلاَمك إلا من قبيل ما لا يحتمل الصِّدقَ والكذِبَ من الهذَيانات الصادرةِ عن المجانين فكيف نصدِّقه ونؤمن به ونعمل بموجبه ، ولقد سلكوا في طريقة المخالفةِ والعناد إلى سبيل الترقّي من الأدنى إلى الأعلى حيث أَخبَروا أولاً عن عدم مجيئِه بالبينة مع احتمال كونِ ما جاء به عليه الصلاة والسلام حجةً في نفسه وإن لم تكن واضحةَ الدِلالة على المراد ، وثانياً عن ترك الامتثالِ بقوله عليه الصلاة والسلام بقولهم : { وما نحن بتاركي آلهتِنا عن قولك } مع إمكان تحققِ ذلك بتصديقهم له عليه الصلاة والسلام في كلامه ثم نفَوا تصديقَهم له عليه الصلاة والسلام بقولهم : { وما نحن لك بمؤمنين } مع كون كلامِه عليه الصلاة والسلام مما يقبل التصديقَ ثم نفَوْا عنه تلك المرتبةَ أيضاً حيث قالوا ما قالوا قاتلهم الله أنى يؤفكون { قَالَ إِنِّي أَُشْهِدُ اللهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ } .
مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (55) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آَخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (56)
{ مِن دُونِهِ } أي من إشراككم من دون الله أي من غير أن ينزِّل به سلطاناً كما قال في سورة الأعراف : { أتجادِلونني في أسماءٍ سمّيتموها أنتم وآباؤكم ما نزّل الله بها من سلطان } أو مما تشركونه من آلهة غيرِ الله ، أجاب به عن مقالتهم الحمقاءِ المبنيةِ على اعتقاد كونِ آلهتِهم مما يضُرُّ أو ينفع وأنها بمعزل من ذلك ، ولما كان ما وقع أولاً منه عليه الصلاة والسلام في حق آلهتِهم من كونها بمعزل عن الألوهية إنما وقع في ضمن الأمرِ بعبادة الله تعالى واختصاصِه بها وقد شق عليهم ذلك وعدّوه مما يورِث شيْناً حتى زعَموا أنها تصيبُه عليه الصلاة والسلام بسوء مجازاةٍ لصنيعه معها صرّح عليه الصلاة والسلام بالحق وصدَع به حيث أُخبر ببراءته القديمةِ عنها بالجملة الاسميةِ المصدّرةِ بإنّ وأَشهد الله على ذلك وأمرهم بأن يسمعوا ذلك ويشهدوا به استهانةً بهم ثم أمرهم بالاجتماع والاحتشادِ مع آلهتهم جميعاً دون بعضٍ منها حسبما يُشعر به قولُهم : { بعضُ آلهتنا } والتعاونِ في إيصال الكيدِ إليه عليه الصلاة والسلام ونهاهم عن الإنظار والإمهالِ في ذلك فقال : { فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لاَ تُنظرون } أي إن صح ما لو حتم به من كون آلهتِكم مما يقدِر على إضرار مَنْ ينال منها ويصُدّ عن عبادتها ولو بطريق ضِمنيَ فإني بريءٌ منها فكونوا أنتم معها جميعاً وباشروا كيدي ثم لا تُمهلوني ولا تسامحوني في ذلك ، فالفاءُ لتفريع الأمرِ على زعمهم في قدرة آلهتِهم على ما قالوا وعلى البراءة كليهما ، وهذا من أعظم المعجزاتِ ، فإنه عليه الصلاة والسلام كان رجلاً مفْرَداً بين الجمِّ الغفير والجمعِ الكثير من عُتاة عادٍ الغلاظِ الشِّدادِ ، وقد خاطبهم بما خاطبهم وحقّرهم وآلهتَهم وهيَّجهم على مباشرة مبادىءِ المُضارّة وحثّهم على التصدِّي لأسباب المُعازّة والمعارّة فلم يقدروا على مباشرة شيءٍ مما كلفوه وظهر عجزُهم عن ذلك ظهوراً بيناً كيف لا وقد التجأ إلى ركن منيعٍ رفيعٍ واعتصم بحبل متينٍ حيث قال : (3/361)
{ إنِّي تَوَكَّلْتُ على الله ربِّي ورَبِّكُم } يعني أنكم وإن بذلتم في مُضارّتي مجهودَكم لا تقدرون على شيء مما تريدون بي فإني متوكلٌ على الله تعالى ، وإنما جيء بلفظ الماضي لكونه أدلَّ على الإنشاء المناسبِ للمقام ، وواثقٌ بكلاءتي وحفظي عن غوائلكم وهو مالكي ومالكُكم لا يصدُر عنكم شيءٌ ولا يصيبني أمرٌ إلا بإرادته ومشيئتِه ثم برهن عليه بقوله : { مَا مِن دَابَّةٍ إلاَّ هُو آخِذٌ بِناصِيتِهَا } أي إلا هو مالكٌ لها قادرٌ عليها يُصرِّفها كيف يشاء غيرَ مستعْصيةٍ عليه فإن الأخذَ بالناصية تمثيلٌ لذلك { إنَّ ربِّي عَلى صِراطٍ مُّسْتَقِيمٍ } تعليلٌ لما يدل عليه التوكلُ من عدم قدرتِهم على إضراره أي هو على الحقّ والعدلِ فلا يكاد يسلِّطكم عليّ إذ لا يَضيعُ عنده معتصِمٌ ولا يفتاتُ عليه ظالمٌ . والاقتصارُ على إضافة الربِّ إلى نفسه إما بطريق الاكتفاءِ لظهور المرادِ وإما لأن فائدةَ كونِه تعالى مالكاً لهم أيضاً راجعةٌ إليه عليه الصلاة والسلام .
فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ وَيَسْتَخْلِفُ رَبِّي قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّونَهُ شَيْئًا إِنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَفِيظٌ (57) وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَنَجَّيْنَاهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (58) وَتِلْكَ عَادٌ جَحَدُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ وَعَصَوْا رُسُلَهُ وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (59)
{ فَإِن تَوَلَّوْاْ } أي تتولَّوا بحذف إحدى التاءين أي أن تستمرّوا على ما كنتم عليه من التولي والإعراض { فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَّا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيْكُمْ } أي لم أعاتَبْ على تفريط في الإبلاغ وكنتم محجوجين بأن بلّغتكم الحقَّ فأبيتم إلا التكذيبَ والجحود { وَيَسْتَخْلِف رَبِّي قَوماً غَيرَكُم } استئنافٌ بالوعيد لهم بأن الله تعالى يهلكهم ويستخلف في ديارهم وأموالِهم قوماً آخرين ، أو عطفٌ على الجواب بالفاء ، ويؤيده قراءةُ ابنِ مسعود رضي الله عنه بالجزْم عطفاً على الموضع ، كأنه قيل : فإن تولّوا يعذُرْني ويُهلكْكم ويستخلفْ مكانكم آخرين ، وفي اقتصار إضافةِ الربِّ عليه عليه السلام رمزٌ إلى اللطف به والتدميرِ للمخاطبين { وَلاَ تَضُرُّونَهُ } بتولّيكم { شَيئاً } من الضرر لاستحالة ذلك عليه ، ومن جَزَمَ ( وَيَسْتخْلفْ ) أسقطت منه النون { إنَّ رَبِّي عَلَى كُلِّ شَيءٍ حَفِيظٌ } أي رقيبٌ مهيمنٌ فلا تخفى عليه أعمالُكم فيجازيكم بحسبها أو حافظٌ مستولٍ على كل شيء فكيف يضُرّه شيءٌ وهو الحافظُ للكل { وَلَمَّا جَاءَ أَمرُنَا } أي نزل عذابُنا ، وفي التعبير عنه بالأمر مضافاً إلى ضميره جل جلاله وعن نزوله بالمجيء ما لا يخفى من التفخيم والتهويلِ أو ورد أمرُنا بالعذاب { نَجَّيْنَا هُوداً وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ } وكانوا أربعةَ آلافٍ { بِرَحْمَةٍ } عظيمةٍ كائنةٍ لهم { مِنَّا } وهي الإيمانُ الذي أنعمنا به عليهم بالتوفيق له والهدايةِ إليه { وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } أي كانت تلك التنجيةُ تنجيةً من عذاب غليظ وهي السَّمومُ التي كانت تدخل أنوفَ الكفرة وتخرج من أدبارهم فتقطعهم إرْباً إرْباً ، وقيل : أريد بالثانية التنجيةُ من عذاب الآخرةِ ولا عذابَ أغلظُ وأشدُّ ، وهذه التنجيةُ وإن لم تكن مقيدةً بمجيء الأمرِ لكن جيء بها تكملةً للنعمة عليهم وتعريضاً بأن المهلَكين كما عُذّبوا في الدنيا بالسَّموم فهم معذبون في الآخرة بالعذاب الغليظ { وَتِلك عَادٌ } أُنّث اسمُ الإشارةِ باعتبار القبيلةِ أو لأن الإشارةَ إلى قبورهم وآثارهِم { جَحَدُوا بِآيَاتِ رَبِّهِم } كفروا بها بعد ما استيقنوها { وَعَصَوْا رُسُلَهُ } جمعَ الرسلَ مع أنه لم يرسِلْ إليهم غيرَ هودٍ عليه الصلاة والسلام تفظيعاً لحالهم وإظهاراً لكمال كفرِهم وعنادِهم ببيان أن عصيانَهم له عليه الصلاة والسلام عصيانٌ لجميع الرسلِ السابقين واللاحقين لاتفاق كلمتِهم على التوحيد { لا نفرِّق بين أحد من رسله } فيجوز أن يراد بالآت ما أتى به هودٌ وغيرُه من الأنبياء عليهم السلام ، وفيه زيادةُ ملاءمةٍ لما تقدم من جميع الآياتِ وما تأخر من قوله : { وَاتَّبَعُوا أَمْرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ } من كبرائهم ورؤسائِهم الدعاةِ إلى الضلال وإلى تكذيب الرسلِ فكأنه قيل : عصَوا كلَّ رسولٍ واتبعوا أمرَ كلِّ جبارٍ ، وهذا الوصفُ ليس كما سبق من جحود الآياتِ وعصيانِ الرسلِ في الشمول لكل فردٍ فردٌ منهم فإن الاتباعَ للأمر من أوصاف الأسافلِ دون الرؤساءِ ، وعنيدٌ فعيلٌ من عنَد عِنْداً وعنَداً إذا طغى والمعنى عصَوا مَنْ دعاهم إلى الهدى وأطاعوا من حداهم إلى الردى . (3/362)
وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ عَادًا كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ (60) وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61)
{ وأُُتْبِعُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً } إبعاداً عن الرحمة وعن كل خير ، أي جُعلت اللعنةُ لازمةً لهم ، وعبّر عن ذلك بالتبعية للمبالغة فكأنها لا تفارقهم وإن ذهبوا كلَّ مذهبٍ بل تدور معهم حيثما داروا ، ولوقوعه في صحبة اتباعهم رؤساءهم يعني أنهم لما اتّبعوهم أُتبعوا ذلك جزاءً لصنيعهم جزاءً وفاقاً { وَيومَ الْقِيَامَةِ } أي أُتبعوا يوم القيامة أيضاً لعنةً وهي عذابُ النارِ المخلد حُذفت لدِلالة الأولى عليها ، وللإيذان بكون كلَ من اللغتين نوعاً برأسه لم تُجمعا في قرن واحد بأن يقال : وأتبعوا في هذه الدنيا ويومَ القيامة لعنةً كما في قوله تعالى : { واكتبْ لنا في هذه الدنيا حسنةً وفي الآخرة } إيذاناً باختلاف نوعي الحسنتين ، فإن المرادَ بالحسنة الدنيويةِ نحوُ الصحةِ والكفافِ والتوفيقِ للخير وبالحسنة الأخروية الثوابُ والرحمةُ { أَلَا إِنَّ عَاداً كَفَرُوا رَبَّهُم } أي بربهم أو نعمةَ ربهم حملاً له على نقيضه الذي هو الشكرُ ، أو جحدوه { ألاَ بُعْداً لِعَادٍ } دعاءٌ عليهم بالهلاك مع كونهم هالكين أيَّ هلاك ، تسجيلاً عليهم باستحقاق الهلاكِ واستيجابِ الدمار ، وتكريرُ حرفِ التنبيهِ وإعادةُ عادٍ للمبالغة في تفظيع حالِهم والحثِّ على الاعتبار بقصتهم { قومِ هُود } عطفُ بيانٍ لعاد فائدتُه التمييزُ عن عادِ إرمَ ، والإيماءُ إلى أن استحقاقَهم للبعد بسبب ما جرى بينهم وبين هودٍ عليه الصلاة والسلام وهم قومُه . (3/363)
{ وإلى ثمود أخاهُم صالحاً } عطفٌ على ما سبق من قوله تعالى : { وإلى عادٍ أخاهُم هُوداً } وثمودٌهي قبيلةٌ من العرب سُمّوا باسم أبيهم الأكبرِ ثمودَ بنِ عابر بن إرمَ بنِ سام وقيل : إنما سُمّوا بذلك لقلة مائِهم من الثَّمْد وهو الماءُ القليل ، وصالح عليه الصلاة والسلام هو ابنُ عبيدِ بنِ آسف بنِ ماشج بن عبيدِ بن جادر بن ثمودَ ، ولما كان الإخبارُ بإرساله إليهم مظِنّةً لأن يسأل ويقال : ماذا قال لهم؟ قيل جواباً عنه بطريق الاستئنافِ : { قالَ يَا قوم اعْبدُوا الله } أي وحدَه وعلل ذلك بقوله : { مَا لَكُم مِّن إله غيرُهُ } ثم زيد فيما يبعثهم على الإيمان والتوحيدِ ويحثّهم على زيادة الإخلاصِ فيه بقوله : { هُو أنشَأَكُم مِّن الأَرْضِ } أي هو كوّنكم وخلقَكم منها لا غيرُه ، قصرُ قلبٍ أو قصرُ إفرادٍ فإن خلق آدمَ عليه الصلاة والسلام منها خلقٌ لجميع أفرادِ البشر منها لما مر مراراً من أن خِلقتَه عليه الصلاة والسلام لم تكن مقصورةً على نفسه بل كانت أُنموذجاً منطوياً على خلق جميعِ ذرياتِه التي ستوجد إلى يوم القيامة انطواءً إجمالياً ، وقيل : إن خلقَ آدمَ عليه الصلاة والسلام وإنشاءَ موادِّ النطَفِ التي منها خُلق نسلُه من التراب إنشاءٌ لجميع الخلقِ من الأرض فتدبر { واسْتَعمرَكُم } من العمر أي عمّركم واستبقاكم { فِيهَا } أو من العِمارة أي أقدركم على عِمارتها أو أمركم بها ، وقيل : هو من العمرى بمعنى أعمرَكم فيها ديارَكم ويرِثها منكم بعد انصرامِ أعمارِكم أو جعلكم معمِّرين ديارَكم تسكُنونها مدةَ عمرِكم ثم تتركونها لمثلكم { فاسْتغفِرُوه ثُمَّ تُوبُوا إِلَيه } فإن ما فُصل من فنون الإحسانِ داعٍ إلى الاستغفار عما وقع منهم من التفريط والتوبةِ عما كانوا يباشرونه من القبائح ، وقد زيد في بيان ما يوجب ذلك فقيل : { إنَّ رَبِّي قَرِيب } أي قريبُ الرحمةِ كقوله تعالى :
{ إن رحمةَ الله قريبٌ من المحسنين } { مُّجِيبٌ } لمن دعاه وسأله ، وقد روعيَ في النظم الكريمِ نكتةٌ حيث قُدّم ذكرُ العلةِ الباعثةِ المتقدمةِ على الأمر بالاستغفار والتوبةِ وأُخّر عنه ذكرُ الغائيةِ المتأخرةِ عنهما في الوجود أعني الإجابة . (3/364)
قَالُوا يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63)
{ قَالُوا يا صَالِحُ قد كُنتَ فينَا مَرْجُوّاً } أي كنا نرجو منك لِما كنا نرى منك من دلائل السَّداد ومخايلِ الرشاد أن تكون لنا سيداً ومستشاراً في الأمور . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : فاضلاً خيّراً نقدّمك على جميعنا . وقيل : كنا نرجو أن تدخُلَ في ديننا وتوافقَنا على ما نحن عليه . { قَبْلَ هَذَا } الذي باشرتَه من الدعوة إلى التوحيد وتركِ عبادةِ الآلهة ، أو قبل هذا الوقتِ فكأنهم لم يكونوا إلى الآن على يأس من ذلك ولو بعد الدعوةِ إلى الحق فالآن قد انصرَم عنك رجاؤُنا . وقرأ طلحةُ مرجُوءاً بالمد والهمزة { أَتَنْهَانا أَن نَعْبُد مَا يَعبد آبَاؤنا } أي عبَدوه ، والعدولُ إلى صيغة المضارعِ لحكاية الحالِ الماضية { وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ } من التوحيد وتركِ عبادةِ الأوثانِ وغيرِ ذلك من الاستغفار والتوبة { مُرِيبٍ } أي مُوقعٌ في الريبة ، مِنْ أرابه أي أوقعه في الريبة ، أي قلقِ النفسِ وانتفاءِ الطمُأنينة أو من أراب إذا كان ذا رِيبةٍ وأيَّهما كان فالإسنادُ مجازيٌّ والتنوينُ فيه وفي ( شك ) للتفخيم . (3/365)
{ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَءيْتُمْ } أي أخبروني { إِن كُنتُ } في الحقيقة { على بَيّنَةٍ } أي حجةٍ ظاهرةٍ وبرهانٍ وبصيرة { مّن رَّبّى } مالكي ومتولّي أمري { وَآتَانِى مِنْهُ } من جهته { رَحْمَةً } نبوّةً ، وهذه الأمورُ وإن كانت محقّقة الوقوعِ لكنها صُدّرت بكلمة الشك اعتباراً لحال المخاطبين ورعايةً لحسن المحاوَرةِ لاستنزالهم عن المكابرة { فَمَن يَنصُرُنِى مِنَ الله } أي ينجِّيني من عذابه ، والعدولُ إلى الإظهار لزيادة التهويلِ والفاءُ لترتيب إنكارِ النُّصرةِ على ما سبق من إيتاء النبوةِ وكونِه على بينة من ربه على تقدير العصيانِ حسبما يُعرب عنه قوله تعالى : { إِنْ عَصَيْتُهُ } أي بالمساهلة في تبليغ الرسالةِ والمجاراةِ معكم فيما تأتون وتذرون فإن العصيانَ ممنْ ذلك شأنُه أبعدُ والمؤاخذةَ عليه ألزمُ وإنكارَ نُصرتِه أدخل { فَمَا تَزِيدُونَنِى } إذن باستتباعكم إيايَ كما ينبىء عنه قولُهم : { قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّا قَبْلَ هذا } أي لا تفيدونني إذ لم يكن فيه أصلُ الخُسران حتى يزيدوه { غَيْرَ تَخْسِيرٍ } أي غيرَ أن تجعلوني خاسراً بإبطال أعمالي وتعريضي لسخط الله تعالى أو فما تزيدونني بما تقولون غيرَ أن أنسُبَكم إلى الخسران وأقولَ لكم : إنكم الخاسرون ، فالزيادةُ على معناه ، والفاءُ لترتيب عدمِ الزيادةِ على انتفاء الناصِرِ المفهومِ من إنكاره على تقدير العصيان مع تحقق ما ينفيه من كونه عليه الصلاة السلام على بينة من ربه وإيتائِه النبوةَ .
وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (64) فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65)
{ وَيَا قَومِ هذه نَاقَةُ الله } الإضافةُ للتشريف والتنبيهِ على أنها مفارقةٌ لسائر ما يجانسها من حيث الخِلْقةُ ومن حيث الخلق { لَكُم آية } معجزةً دالّةً على صدق نبوّتي وهي حالٌ من ناقةُ الله والعاملُ ما في هذه من معنى الفعلِ ولكم حالٌ من آيةً متقدمةٌ عليها لكونها نكرةً ، ولو تأخرت لكانت صفةً لها ويجوز أن يكون ناقةُ الله بدلاً من هذه أو عطفَ بيان ولكم خبراً وعاملاً في آية { فَذَرُوهَا } خلّوها وشأنَها { تَأْكُلْ فِى أَرْضِ الله } ترعى نباتَها وتشرب ماءَها ، وإضافةُ الأرضِ إلى الله تعالى لتربية استحقاقِها لذلك وتعليلِ الأمرِ بتركها وشأنَها { وَلاَ تَمَسُّوهَا بِسُوء } بولغ في النهي عن التعرّض لها بما يضرها حيث نُهيَ عن المس الذي هو من مبادىء الإصابةِ ونُكر السوءِ أي لا تضرِبوها ولا تطرُدوها ولا تقرَبوها بشيء من السوء فضلاً عن عَقرها وقتلِها { فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ } أي قريبُ النزول . ورُوي أنهم طلبوا منه أن يُخرج من صخرة تسمّى الكائبةَ ناقةً عُشَراءَ مخترِجةً جوفاءَ وبَراءً ، وقالوا : إن فعلتَ ذلك صدقناك فأخذ صالحٌ عليه الصلاة والسلام عليهم مواثيقَهم : لئن فعلتُ ذلك لتؤمِنُنّ؟ فقالوا : نعم ، فصلى ودعا ربَّه فتمخَّضت الصخرةُ تمخّضَ النَّتوجِ بولدها فانصدعت عن ناقة عُشراءَ كما وصفوا وهم ينظُرون ثم أنتجت ولداً مثلَها في العِظَم فآمن به جُندُعُ بنُ عمْروٍ في جماعة ، ومَنَع الباقين من الإيمان دوأبُ بنُ عمرو والحُبابُ صاحبُ أوثانهم وربابُ كاهنُهم فمكثت الناقةُ مع ولدها ترعى الشجرَ وتردُ الماءَ غِبًّا فما ترفع رأسَها من البئر حتى تشربَ كلَّ ما فيها ثم تتفحّج فيحلُبون ما شاءوا حتى تمتلىء أوانيهم فيشربون ويدّخرون وكانت تصيِّف بظهر الوادي فتهرُب منها أنعامُهم إلى بطنه وتشتو ببطنه فتهرب مواشيهم إلى ظهره فشق عليهم ذلك . (3/366)
{ فَعَقَرُوهَا } قيل : زَيَّنت عقرَها لهم عُنيزةُ أمُّ غَنَم وصدَقةُ بنتُ المختارِ فعقروها واقتسموا لحمها فرقِيَ سَقْبُها جبلاً اسمه قارة فرَغاً ثلاثاً ، فقال صالح لهم : أدرِكوا الفصيلَ عسى أن يرفعَ عنكم العذاب فلم يقدِروا عليه وانفجرت الصخرةُ بعد رغائِه فدخلها { فَقَالَ } لهم صالح { تَمَتَّعُواْ } أي عيشوا { فِى دَارِكُمْ } أي في منازلكم أو في الدنيا { ثلاثة أَيَّامٍ } قيل : قال لهم : تصبح وجوهُكم غداً مصفرّةً وبعد غدٍ مُحمرَّةً واليومَ الثالثَ مُسودةً ثم يصبّحكم العذابُ { ذلك } إشارةٌ إلى ما يدل عليه الأمرُ بالتمتع ثلاثةَ أيامٍ من نزول العذاب عَقيبَها ، والمرادُ بما فيه من معنى البُعد تفخيمُه { وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } أي غيرُ مكذوبٍ فيه فخُذف الجارُّ للاتساع المشهور كقوله :
ويومٍ شهِدناه سليماً وعامراً ... أو غيرُ مكذوب ، كأن الواعدَ قال له : أفي بك فإن وفى به صدّقه وإلا كذّبه ، أو وعدٌ غيرُ كذِبٍ على أنه مصدرٌ كالمجلود والمعقول .
فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (66) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (67) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (68)
{ فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } أي عذابُنا أو أمرُنا بنزوله وفيه ما لا يخفى من التهويل { نَجَّيْنَا صالحا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ } متعلقٌ بنجينا أو بآمنوا { بِرَحْمَةٍ } بسبب رحمةٍ عظيمة { مِنَّا } وهي بالنسبة إلى صالح النبوةُ وإلى المؤمنين الإيمانُ كما مر أو ملتبسين برحمة ورأفةٍ منا { وَمِنْ خِزْىِ يَوْمِئِذٍ } أي ونجيناهم من خزي يومِئذٍ ، وهو هلاكُهم بالصيحة كقوله تعالى : { وَنَجَّيْنَاهُمْ مّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ } على معنى أنه كانت تلك التنجيةُ تنجيةً من خزي يومئذ ، أي من ذِلته ومهانتِه أو ذلِّهم وفضيحتِهم يومَ القيامة كما فسر به العذابُ الغليظُ فيما سبق فيكون المعنى ونجيناهم من عذاب يومِ القيامةِ بعد تنجيتِنا إياهم من عذاب الدنيا ، وعن نافع بالفتح على اكتساب المضافِ البناءَ من المضاف إليه هنا وفي المعارج في قوله تعالى : { مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ } وقرىء بالتنوين ونصبِ يومئذ { إِنَّ رَبَّكَ } الخطاب لرسول الله صلى الله عليه وسلم { هُوَ القوى العزيز } القادر على كل شيء والغالبُ عليه لا غيرُه ولكون الإخبارِ بتنجية الأولياءِ لا سيما عند الإنباءِ بحلول العذابِ أهمَّ ذكَرَها أولاً ثم أخبر بهلاك الأعداءِ فقال : { وَأَخَذَ الذين ظَلَمُواْ } عدل عن المضمر إلى المظهر تسجيلاً عليهم بالظلم وإشعاراً بعلّيته لنزول العذابِ بهم { الصيحة } أي صيحةُ جبريلَ عليه الصلاة والسلام ، وقيل : أتتهم من السماء صحيةٌ فيها صوتُ كلِّ صاعقةٍ وصوتُ كلِّ شيء في الأرض فتقطعت قلوبُهم في صدورهم وفي سورة الأعراف : { فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة } ولعلها وقعت عَقيبَ الصيحةِ المستتبِعةِ لتموُّج الهواء { فَأَصْبَحُواْ } أي صاروا { فِى دِيَارِهِمْ } أي بلادهم أو مساكنِهم { جاثمين } هامدين موتى لا يتحركون ، والمرادُ كونُهم كذلك عند ابتداءِ نزولِ العذابِ بهم من غير اضطرابٍ وحركةٍ كما يكون ذلك عند الموتِ المعتاد ولا يخفى ما فيه من الدلالة على شدة الأخذِ وسرعتِه ، اللهم إنا نعوذ بك من حلول غضبِك . (3/367)
قيل : لما رأوا العلاماتِ التي بيّنها صالحٌ من اصفرار وجوهِهم واحمرارِها واسودادِها عمَدوا إلى قتله عليه الصلاة والسلام فنجاه الله تعالى إلى أرض فلسطين ولما كان ضحوةُ اليوم الرابع وهو يوم السبت تحنّطوا وتكفّنوا بالأنطاع فأتتهم الصيحةُ فتقطعت قلوبُهم فهلكوا { كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ } أي كأنهم لم يقيموا { فِيهَا } في بلادهم أو في مساكنهم ، وهو في موقع الحالِ أي أصبحوا جاثمين مماثلين لمن لم يوجَدْ ولم يُقِمْ في مقام قطُّ { أَلا إِنَّ ثَمُودَ } وُضع موضعَ الضمير لزيادة البيانِ ، ونوّنه أبو بكرٍ هنا وفي النجم وقرأ حفصٌ هنا وفي الفرقان والعنكبوت بغير تنوين { كَفرُواْ رَبَّهُمْ } صرح بكفرهم مع كونه معلوماً مما سبق من أحوالهم تقبيحاً لحالهم وتعليلاً لاستحقاقهم بالدعاء عليهم بالبعد والهلاكِ في قوله تعالى : { أَلاَ بُعْدًا لّثَمُودَ } وقرأ الكسائي بالتنوين .
وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (69) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (70)
{ وَلَقَدْ جَاءتْ رُسُلُنَا إبراهيم } وهم الملائكةُ . عن ابن عباس رضي الله عنهما أنهم جبريلُ وملكانِ . وقيل : هم جبريلُ وميكائيلُ وإسرافيلُ عليهم السلام . وقال الضحاك : كانوا تسعةً ، وعن محمد بن كعب جبريلُ ومعه سبعةٌ . وعن السدي أحدَ عشرَ على صور الغلمان الوِضاءِ وجوهُهم . وعن مقاتل كانوا اثني عشر ملَكاً وإنما أسند إليهم مطلقُ المجيءِ بالبشرى دون الإرسالِ لأنهم لم يكونوا مرسَلين إليه عليه السلام بل إلى قوم لوطٍ لقوله تعالى : { إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ } ، وإنما جاؤوه لداعية البُشرى ولما كان المقصودُ في السورة الكريمةِ ذكرَ سوءِ صنيعِ الأممِ السالفةِ مع الرسل المرسلةِ إليهم ولحوقِ العذابِ بهم بسبب ذلك ولم يكن جميعُ قومِ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام ممن لحق بهم العذابُ بل إنما لحِق بقوم لوطٍ منهم خاصةً غيّر الأسلوبُ المطردُ فيما سبق من قوله تعالى : { وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا } { وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا } ثم رُجع إليه حيث قيل : { وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْباً } { بالبشرى } أي ملتبسين بها قيل : هي مطلقُ البشرى المنتظمةِ للبشارة بالولد من سارَةَ لقوله تعالى : { فبشرناها بإسحاق } الآية ، وقولِه تعالى : { فبشرناه بغلام حَلِيمٍ } وقوله : { وَبَشَّرُوهُ بغلام عَلَيمٍ } وللبشارة بعدم لحوقِ الضررِ به لقوله تعالى : { فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبراهيم الروع وَجَاءتْهُ البشرى } لظهور تفرّعِ المجادلةِ على مجيئها كما سيأتي وقيل : هي البشارةُ بهلاك قوم لوطٍ ويأباه مجادلتُه عليه الصلاة والسلام في شأنهم ، والأظهرُ أنها البشارةُ بالولد وستعرِف سرَّ تفرُّعِ المجادلةِ على ذلك ولما كان الإخبارُ بمجيئهم بالبشرى مظِنةً لسؤال السامِع بأنهم ما قالوا أجيب بأنهم { قَالُواْ سَلاَماً } أي سلّمنا أو نسلّم عليك سلاماً ويجوز أن يكون نصبُه بقالوا أي قالوا قولاً ذا سلامٍ أو ذكروا سلاماً { قَالَ سلام } أي عليكم سلامٌ أو سلامٌ عليكم حياهم بأحسن من تحيتهم وقرىء سَلِم كحَرِم في حرام ، وقرأ ابن أبي عبلة قال : سلاماً وعنه أنه قرأ بالرفع فيهما { فَمَا لَبِثَ } أي إبراهيم { أَن جَاء بِعِجْلٍ } أي في المجيء به أو ما لبث مجيئَه بعجل { حَنِيذٍ } أي مشويٌّ بالرَّضْف في الأُخدود وقيل : سمين يقطُر وَدَكُه لقوله : بعجل سمين من حنذت الفرس إذا عرقته بالجِلال . (3/368)
{ فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لاَ تَصِلُ إِلَيْهِ } لا يُمدون إليه أيديَهم للأكل { نَكِرَهُمْ } أي أنكرهم يقال : نكِرَه وأنكره واستنكره بمعنى ، وإنما أنكرهم لأنهم كانوا إذا نزل بهم ضيفٌ ولم يأكُلْ من طعامهم ظنوا أنه لم يجىء بخير ، وقد روي أنهم كانوا ينكُتون بقداح كانت في أيديهم في اللحم ولا تصل إليه أيديهم وهذا الإنكارُ منه عليه الصلاة والسلام راجعٌ إلى فعلهم المذكور وأما إنكارُه المتعلقُ بأنفسهم فلا تعلقَ له برؤية عدمِ أكلِهم ، وإنما وقع ذلك عند رؤيتِه لهم لعدم كونِهم من جنس ما كان يعهده من الناس ، ألا يُرى إلى قوله تعالى في سورة الذاريات :
{ سلام قَوْمٌ مُّنكَرُونَ } { وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ } أي أحسّ أو أضمَر من جهتهم { خِيفَةً } لما ظُنّ أن نزولَهم لأمر أنكره الله تعالى عليه أو لتعذيب قومِه ، وإنما أُخّر المفعولُ الصريحُ على الظرف ، لأن المرادَ الإخبارُ بأنه عليه الصلاة والسلام أوجس من جهتهم شيئاً هو الخيفةُ لا أنه أوجس الخِيفةَ من جهتهم لا من جهة غيرِهم ، وتحقيقُه أن تأخيرَ ما حقُّه التقديمُ يوجب ترقّبَ النفسِ إليه فيتمكن عند ورودِه عليها فضلُ تمكن { قَالُواْ لاَ تَخَفْ } ما قالوه بمجرد ما رأوا منه مخايلَ الخوفِ إزالةً له منه بل بعد إظهارِه عليه الصلاة والسلام له قال تعالى في سورة الحِجر : { قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ } ولم يُذكر ذلك هاهنا اكتفاءً بذلك { إِنَّا أُرْسِلْنَا } ظاهرُه أنه استئنافٌ في معنى التعليلِ للنهي المذكورِ كما أن قولَه تعالى : { إِنَّا نُبَشّرُكَ } تعليلٌ لذلك فإن إرسالَهم إلى قوم آخرين يوجب أمنَهم من الخوف أي أُرسلنا بالعذاب { إلى قَوْمِ لُوطٍ } خاصةً إلا أنه ليس كذلك فإن قوله تعالى : { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون قَالُواْ إِنَّآ أُرْسِلْنَآ إلى قَوْمٍ مُّجْرِمِينَ } صريحٌ في أنهم قالوه جواباً عن سؤاله عليه الصلاة والسلام ، وقد أُوجز الكلامُ اكتفاء بذلك . (3/369)
وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (71) قَالَتْ يَا وَيْلَتَا أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (72)
{ وامرأته قَائِمَةٌ } وراءَ الستر بحيث تسمع محاورتَهم أو على رؤوسهم للخدمة حسبما هو المعتادُ ، والجملةُ حالٌ من ضمير قالوا أي قالوه وهي قائمةٌ تسمع مقالتَهم { فَضَحِكَتْ } سروراً بزوال الخوفِ أو بهلاك أهلِ الفساد أو بهما جميعاً ، وقيل : بوقوع الأمرِ حسبما كانت تقولُ فيما سلف ، فإنها كانت تقولُ لإبراهيمَ اضمُمْ إليك لوطاً فإني أرى أن العذابَ نازلٌ بهؤلاء القوم ، وقيل : ضحكت حاضَتْ ، ومنه ضحِكت الشجرةُ إذا سال صمغُها وهو بعيد ، وقرىء بفتح الحاء { فبشرناها بإسحاق } أي عقّبنا سرورَها بسرور أتمَّ منه على ألسنة رسلِنا { وَمِن وَرَاء إسحاق يَعْقُوبَ } بالنصب على أنه مفعولٌ لما دل عليه قولُه : بشرناها أي ووهبنا لها من وراء إسحاقَ يعقوبَ ، وقرىء بالرفع على الابتداء خبرُه الظرف أي من بعد إسحاقَ يعقوبُ مولودٌ أو موجودٌ ، وكلا الاسمين داخلٌ في البشارة كيحيي أو واقعٌ في الحكاية بعد أن وُلدا فسمِّيا بذلك ، وتوجيهُ البِشارة هاهنا إليها مع أن الأصلَ في ذلك إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام وقد وُجِّهت إليه حيث قيل : { فبشرناه بغلام حَلِيمٍ } { وَبَشَّرُوهُ بغلام عَلَيمٍ } للإيذان بأن ما بُشّر به يكون منهما ولكونها عقيمةً حريصةً على الولد . (3/370)
{ قَالَتْ } استئنافٌ وردَ جواباً عن سؤال مَنْ سأل وقال : فما فعلت إذ بُشِّرت بذلك؟ فقيل : قالت : { ياويلتا } أصلُ الويلِ الخزيُ ثم شاع في كل أمرٍ فظيع ، والألفُ مُبْدلةٌ من ياء الإضافةِ كما في يا لهفا ويا عجَبا ، وقرأ الحسن على الأصل ، وأمالها أبو عمرو ، وعاصمٌ ، في رواية ومعناه يا ويلتي احضُري فهذا أوانُ حضورِك وقيل : هي ألفُ النُّدبةِ ويوقف عليها بهاء السكْت { ءأَلِدُ وَأَنَاْ عَجُوزٌ } بنتُ تسعين أو تسعٍ وتسعين سنةً { وهذا } الذي تشاهدونه { بَعْلِى } أي زوجي ، وأصلُ البعلِ القائمُ بالأمر { شَيْخًا } وكان ابنَ مائةٍ وعشرين سنةً ، ونصبُه على الحال والعاملُ معنى الإشارةِ وقرىء بالرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ أي هو شيخٌ أو خبرٌ بعد خبرٍ ، أو هو الخبرُ وبعلي بدلٌ من اسمِ الإشارةِ أو بيانٌ له ، وكلتا الجملتين وقعت حالاً من الضمير في أألد لتقرير ما فيه من الاستبعاد وتعليلِه ، أي أألد وكلانا على حالة منافيةٍ لذلك ، وإنما قُدّمت بيانُ حالِها على بيان حالِه عليه الصلاة والسلام لأن مُباينةَ حالِها لما ذُكر من الولادة أكثرُ ، إذ ربما يولد للشيوخ من الشوابِّ ، أما العجائزُ داؤُهن عَقامٌ ولأن البشارةَ متوجهةٌ إليها صريحاً ، ولأن العكسَ في البيان ربما يُوهم من أول الأمر نسبةَ المانِع من الولادة إلى جانب إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام وفيه ما لا يخفى من المحذور ، واقتصارُ الاستبعادِ على ولادتها من غير تعرضٍ لحال النافلةِ لأنها المستبعَد ، وأما ولادةُ ولدِها فلا يتعلق بها استبعادٌ { إِنَّ هَذَا } أي ما ذُكر من حصول الولد من هَرِمَين مثلِنا { لَشَىْء عَجِيبٌ } بالنسبة إلى سنة الله تعالى المسلوكةِ فيما بين عباده ، وهذه الجملةُ لتعليل الاستبعادِ بالنسبة إلى قُدرته سبحانه وتعالى .
قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ (73) فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (74)
{ قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ الله } أي قدرتِه وحكمتِه أو تكوينه أو شأنِه أنكروا عليها تعجيباً من ذلك لأنها كانت ناشئةً في بيت النبوة ومهبِطِ الوحي والآيات ، ومظهَرِ المعجزة والأمورِ الخارقةِ للعادات فكان حقُّها أن تتوقرَ ولا يزدهِيَها ما يزدهي سائرَ النساء من أمثال هذه الخوارقِ من ألطاف الله تعالى الخفيةِ ولطائفِ صنعِه الفائضةِ على كل أحدٍ مما يتعلق بذلك مشيئتُه الأزليةُ لا سيما على أهل بيتِ النبوة الذين ليست مرتبتُهم عند الله سبحانه كمراتب سائرِ الناس وأن تسبحَ الله تعالى وتحمَدَه وتمجِّدَه وإلى ذلك أشاروا بقوله تعالى : { رَّحْمَةِ الله } التي وسِعتْ كلَّ شيءٍ واستتبعت كلَّ خير ، وإنما وُضع المظهرُ موضعَ المضمر لزيادة تشريفِها { وبركاته } أي خيراتُه الناميةُ المتكاثرةُ في كل بابٍ التي من جملتها هبةُ الأولادِ ، وقيل : الرحمةُ النبوةُ والبركاتُ الأسباطُ من بني إسرائيلَ لأن الأنبياءَ منهم وكلُّهم من ولد إبراهيمَ عليهم الصلاة والسلام { عَلَيْكُمْ أَهْلَ البيت } نصبَ على المدح أو الاختصاصِ لأنهم أهلُ بيتِ خليلِ الرحمن ، وصرفُ الخطاب من صيغة الواحدة إلى جمع المذكر لتعميم حكمِه لإبراهيمَ عليه الصلاة والسلام أيضاً ليكون جوابُهم لها جواباً له أيضاً إن خطر بباله مثلُ ما خطر ببالها ، والجملة كلامٌ مستأنَفٌ عُلّل به إنكارُ تعجُّبها كأنه قيل : ليس المقامُ مقامَ التعجيبِ فإن الله تعالى على كل شيء قديرٌ ولستم يا أهل بيتِ النبوةِ والكرامةِ والزلفى كسائر الطوائفِ بل رحمتُه المستتبِعةُ لكل خيرٍ الواسعةُ لكل شيء ، وبركاتُه أي خيراتُه الناميةُ الفائضةُ منه بواسطة تلك الرحمةِ الواسعةِ لازمةٌ لكم لا تفارقكم { إِنَّهُ حَمِيدٌ } فاعلٌ ما يستوجب الحمدَ { مَّجِيدٌ } كثيرُ الخير والإحسان إلى عباده . والجملةُ لتعليل ما سبق من قوله : { قَالُواْ أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ } (3/371)
{ فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبراهيم الروع } أي ما أوجس منهم من الخِيفه واطمأن قلبُه بعِرفانهم وعرفانِ سببِ مجيئِهم ، والفاءُ لربط بعض أحوالِ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام ببعضٍ غِبَّ انفصالِها بما ليس بأجنبي من كل وجهٍ بل له مدخلٌ تامٌّ في السباق والسياق ، وتأخيرُ الفاعلِ عن الظرف لأنه مصبُّ الفائدةِ ، فإن بتأخير ما حقُّه التقديمُ تبقى النفسُ منتظرةً إلى وروده فيتمكن فيها عند ورودِه إليها فضلُ تمكّنٍ { وَجَاءتْهُ البشرى } إن فُسِّرت البُشرى بقولهم : لا تخف فسببيّهُ ذهابِ الخوفِ ومجيءِ السرور للمجادلة المدلولِ عليها بقوله تعالى : { يجادلنا فِى قَوْمِ لُوطٍ } أي جادل رسلَنا في شأنهم . وعُدل إلى صيغة الاستقبالِ لاستحضار صورتِها أو طفِقَ يجادلنا ظاهرةٌ ، وأما إن فُسّرت ببشاره الولدِ أو بما يعُمها فلعل سببيّتَها لها من حيث إنها تفيد زيادةَ اطمئنانِ قلبه بسلامته وسلامةِ أهلهِ كافةً ، ومجادلتُه إياهم أنه قال لهم حين قالوا له : إنا مُهلكو أهلِ هذه القريةِ : أرأيتم لو كان فيها خمسون رجلاً من المؤمنين أتُهلكونها؟ قالوا : لا ، قال : فأربعون؟ قالوا : لا ، فثلاثون؟ قالوا : لا ، حتى بلغ العشرةَ قالوا : لا ، قال : أرأيتم إن كان فيها رجلٌ مسلمٌ أتهلكونها؟ قالوا : لا ، فعند ذلك قال : إن فيها لوطاً قالوا : نحن أعلمُ بمن فيها لنُنجِّينه وأهلَه .
إن قيل : المتبادرُ من هذا الكلامِ أن يكون إبراهيمُ عليه السلام قد علِم أنهم مرسَلون لإهلاك قومِ لوطٍ قبل ذهابِ الرَّوع عن نفسه ولكن لم يقدِر على مجادلتهم في شأنهم لاشتغاله بشأن نفسِه فلما ذهب عنه الروعُ فرَغ لها مع أن ذهابَ الروعِ إنما هو قبل العِلم بذلك لقوله تعالى : { قَالُواْ لاَ تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إلى قَوْمِ لُوطٍ } قلنا : كان لوطٌ عليه السلام على شريعة إبراهيمَ عليه السلام وقومُه مكلّفين بها فلما رأى من الملائكة ما رأى خاف على نفسه وعلى كافة أمتِه التي من جملتهم قومُ لوط ، ولا ريب في تقدم هذا الخوفِ على قولهم : لا تخف ، وأما الذي علمه عليه السلام بعد النهي عن الخوف فهو اختصاصُ قومِ لوطٍ بالهلاك لا دخولُهم تحت العموم فتأملْ والله الموفق . (3/372)
إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ (75) يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آَتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (76) وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (77)
{ إِنَّ إبراهيم لَحَلِيمٌ } غيرُ عَجولٍ على الانتقام ممن أساء إليه { أَوَّاهٌ } كثيرُ التأوّه على الذنوب والتأسفِ على الناس { مُّنِيبٌ } راجعٌ إلى الله تعالى والمقصودُ بتعداد صفاتِه الجميلةِ المذكورةِ بيانُ ما حَمله عليه السلام على ما صدر عنه من المجادلة . (3/373)
{ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ } أي قالت الملائكةُ : يا إبراهيمُ { أَعْرِضْ عَنْ هذا } الجدالِ { إِنَّهُ } أي الشأنَ { قَدْ جَاء أَمْرُ رَبّكَ } أي قَدَرُه الجاري على وفق قضائِه الأزليِّ الذي هو عبارةٌ عن الإرادة الأزليةِ والعنايةِ الإلهية المقتضيةِ لنظام الموجوداتِ على ترتيب خاصَ حسب تعلُّقِها بالأشياء في أوقاتها ، وهو المعبّر عنه بالقدر { وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ } لا بجدال ولا بدعاء ولا بغيرهما . { وَلَمَّا جَاءتْ رُسُلُنَا لُوطاً } قال ابن عباس رضي الله عنهما : انطلَقوا من عند إبراهيمَ عليه السلام إلى لوط عليه السلام وبين القريتين أربعةُ فراسخَ ودخلوا عليه في صور غِلمانٍ مُرْدٍ حسانِ الوجوه فلذلك { سِىء بِهِمْ } أي ساءه مجيئُهم لظنه أنهم أناسٌ فخاف أن يقصِدهم قومُه ويعجِزَ عن مدافعتهم ، وقرأ نافعٌ وابن عامر ، والكسائي وأبو عمرو : سيء وسيئت بإشمام السينِ الضمَّ . روي أن الله تعالى قال للملائكة : «لا تُهلكوهم حتى يشهد عليهم لوطٌ أربعَ شهادات» فلما مشى معهم منطلقاً بهم إلى منزله قال لهم : أما بلغكم أمرُ هذه القريةِ؟ قالوا : وما أمرُها؟ قال : أشهد بالله إنها لشرُّ قريةٍ في الأرض عملاً ، يقول ذلك أربعَ مراتٍ فدخلوا معه منزلَه ولم يعلم بذلك أحدٌ فخرجت امرأتُه فأخبرت به قومَها وقالت : إن في بيت لوطٍ رجالاً ما رأيتُ مثلَ وجوهِهم قط { وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } أي ضاق بمكانهم صدرُه أو قلبُه أو وسعُه وطاقتُه وهو كنايةٌ عن شدة الانقباض للعجز عن مدافعة المكروهِ والاحتيال فيه ، وقيل : ضاقت نفسُه عن هذا الحادثِ ، وذِكرُ الذرعِ مثلٌ وهو المساحة ، وكأنه قدْرُ البدنِ مجازاً أي إن بدنَه ضاق قدرُه من احتمال ما وقع ، وقيل : الذراعُ اسمٌ للجارحة من المِرْفق إلى الأنامل ، والذرْعُ مدُّها ، ومعنى ضيقِ الذرع في قوله تعالى : { وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا } قصرُها كما أن معنى سعتِها وبسطتها طولُها ، ووجهُ التمثيلِ بذلك أن القصيرَ الذراعِ إذا مدها ليتناول ما يتناول الطويلُ الذراعِ تقاصر عنه وعجِز عن تعاطيه ، فضُرب مثلاً للذي قصُرت طاقتُه دون بلوغِ الأمر { وَقَالَ هذا يَوْمٌ عَصِيبٌ } شديدٌ ، من عصَبه إذا شدّه .
وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (78) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (79) قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آَوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (80)
{ وَجَاءهُ } أي لوطاً وهو في بيته مع أضيافه { قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ } أي يسرعون كأنما يُدفعون دفعاً لطلب الفاحشة من أضيافه ، والجملةُ حالٌ من قومه وكذا قوله تعالى : { وَمِن قَبْلُ } أي من قبلِ هذا الوقت { كَانُواْ يَعْمَلُونَ السيئات } أي جاءوا مسرعين والحال أنهم كانوا منهمكين في علم السيئات فضَرُوا بها وتمرّنوا فيها حتى لم يبقَ عندهم قباحتُها ولذلك لم يستحيُوا مما فعلوا من مجيئهم مهرِعين مجاهرين { قَالَ يَا قَوْمِ هَؤُلاء بَنَاتِى هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } فتزوّجُوهن وكانوا يطلُبونهن من قبلُ ولا يُجيبهم لخبثهم وعدمِ كفاءتِهم لا لعدم مشروعيتِه فإن تزويجَ المسلماتِ من الكفار كان جائزاً وقد زوج النبيُّ عليه الصلاة والسلام ابنتيه من عُتبةَ بنِ أبي لهبٍ ، وأبي العاص بنِ الربيع قبل الوحي وهما كافران ، وقيل : كان لهم سيدان مطاعان فأراد أن يزوجَهما ابنتيه وأيا ما كان فقد أراد به وقايةَ ضيفِه وذلك غايةُ الكرم ، وقيل : ما كان ذلك القولُ منه مُجرًى على الحقيقة من إرادة النكاحِ بل كان ذلك مبالغةً في التواضع لهم وإظهاراً لشدة امتعاضِه مما أرادوه عليه طمعاً في أن يستحيوا منه ويرِقّوا له إذا سمعوا ذلك فينزجروا عما أقدموا عليه مع ظهور الأمر واستقرارِ العلم عنده وعندهم بأن لا مناكحةَ بينهم وهو الأنسبُ بقولهم : لقد علمتَ ما لنا في بناتك من حق كما ستقف عليه { فاتقوا الله } بترك الفواحش أو بإيثارهن عليهم { وَلاَ تُخْزُونِ فِى ضَيْفِى } أي لا تفضحوني في شأنهم فإن إخزاءَ ضيفِ الرجل وجارِه إخزاءٌ له أو لا تخجلوني من الخَزاية وهي الحياء { أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ } يهتدي إلى الحق الصريح ويرعوي عن الباطل القبيح . (3/374)
{ قَالُواْ } معرضين عما نصحهم به من الأمر بتقوى الله والنهي عن إخزائه مجيبين عن أول كلامه { لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِى بَنَاتِكَ مِنْ حَقّ } مستشهدين بعلمه بذلك يعنون إنك قد علمتَ ألا سبيلَ إلى المناكحة بيننا وبينك وما عرْضُك إلا عرضٌ سابرِيّ ولا مطمعَ لنا في ذلك { وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ } من إتيان الذُكرانِ ، ولما يئس عليه السلام من ارعوائهم عما هم عليه من الغي { قَالَ لَوْ أَنَّ لِى بِكُمْ قُوَّةً } أي لفعلتُ بكم ما فعلت وصنعتُ ما صنعت كقوله تعالى : { وَلَوْ أَنَّ قُرْانًا سُيّرَتْ بِهِ الجبال أَوْ قُطّعَتْ بِهِ الارض أَوْ كُلّمَ بِهِ الموتى } { أَوْ اوِى إلى رُكْنٍ شَدِيدٍ } عطفٌ على أن لي بكم إلى آخره لما فيه من معنى الفعلِ أي لو قوِيتُ على دفعكم بنفسي أو أويت إلى ناصر عزيزٍ قويّ أتمنّع به عنكم ، شَبّهه بركن الجبل في الشدة والمنعة . وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : « رحِم الله أخي لوطاً كان يأوي إلى ركن شديد » روي أنه عليه السلام أغلق بابَه دون أضيافِه وأخذ يجادلهم من وراء الباب فتسوّروا الجدارَ فلما رأت الملائكةُ ما على لوط من الكرب .
قَالُوا يَا لُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ (81)
{ قَالُواْ } أي الرسل لمّا شاهدوا عجزَه عن مدافعة قومِه { يالوط إِنَّا رُسُلُ رَبّكَ لَن يَصِلُواْ إِلَيْكَ } بضرر ولا مكروهٍ فافتح الباب ودعنا وإياهم ففتح الباب فدخلوا فاستأذن جبريلُ عليه السلام ربَّه ربَّ العزة جل جلاله في عقوبتهم فأذِن له فقام في الصورة التي يكون فيها فنشر جناحَه وله جناحان وعليه وشاح من دُرّ منظوم وهو برّاقُ الثنايا فضرب بجناحه وجوهَهم فطمَس أعينَهم وأعماهم كما قال عز وعلا : { فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ } فصاروا لا يعرِفون الطريق فخرجوا وهم يقولون : النجاءَ فإن في بيت لوطٍ قوماً سحَرة { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ } بالقطع ، من الإسراء ، وقرأ ابن كثير ، ونافع ، بالوصل حيث جاء في القرآن من السُّرى ، والفاءُ لترتيب الأمر بالإسراءِ على الإخبار برسالتهم المؤذنِة بورود الأمرِ والنهي من جنابه عز وجل إليه عليه السلام { بِقِطْعٍ مّنَ اليل } في طائفة منه . (3/375)
{ وَلاَ يَلْتَفِتْ مِنكُمْ } أي لا يتخلفْ أو لا ينظُرْ إلى ورائه { أَحَدٌ } منك ومن أهلك ، وإنما نُهوا عن ذلك ليجدّوا في السير فإن من يلتفتُ إلى ما وراءه لا يخلو عن أدنى وقفةٍ أو لئلا ترَوا ما ينزل من العذاب فترِقّوا لهم { إِلاَّ امرأتك } استثناءٌ من قوله تعالى : { فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ } ويؤيده أنه قرىء فأسرِ بأهلك بِقطْع من الليل إلا امرأتَك ، وقرىء بالرفع على البدل من أحدٌ ، فالالتفاتُ بمعنى التخلف ، لا بمعنى النظر إلى الخَلف كيلا يلزمَ التناقضُ بين القراءتين المتواترتين فإن النصبَ يقتضي كونَه عليه السلام غيرَ مأمورٍ بالإسراء بها ، والرفعَ كونَه مأموراً بذلك ، والاعتذارُ بأن مقتضى الرفعِ إنما هو مجردُ كونِها معهم وذلك لا يستدعي الأمرَ بالإسراء بها حتى يلزمَ المناقضةَ لجواز أن تسريَ هي بنفسها كما يُرى أنه عليه السلام لما أَسْرى بأهله تبِعَتْهم فلما سمعت هدّة العذابِ التفتت وقالت : يا قوماه فأدركها حجرٌ فقتلها وأن يسرِيَ بها عليه السلام من غير أمرٍ بذلك إذ موجبُ النصبِ إنما هو عدمُ الأمر بالإسراء بها لا النهيُ عن الإسراء بها حتى يكونَ عليه السلام بالإسراء بها مخالفاً للنهي لا يجدي نفعاً لأن انصرافَ الاستثناءِ إلى الالتفات يستدعي بقاءَ الأهل على العموم فيكون الإسراءُ بها مأموراً به قطعاً ، وفي حمل الأهليةِ في إحدى القراءتين على الأهلية الدينية وفي الأخرى على النسَبية مع أن فيه ما لا يخفى من التحكم والاعتساف كرٌّ على ما فُرّ منه من المناقضة ، فالأَولى حينئذ جعلُ الاستثناءِ على القراءتين من قوله : { لا يَلْتَفِتْ } مثلَ الذي في قوله تعالى : { مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ } فإن ابنَ عامر قرأه بالنصب وإن كان الأفصحَ الرفعُ على البدل ، ولا بُعد في كون أكثرِ القراءِ على غير الأفصح ولا يلزم من ذلك أمرُها بالالتفات بل عدمُ نهيِها عنه بطريق الاستصلاح ولذلك علله على طريقة الاستئنافِ بقوله : { إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ } من العذاب ، وهو إمطارُ الأحجار وإن لم يصبْها الخسفُ ، والضميرُ في إنه للشأن وقوله تعالى : { مُصِيبُهَا } خبرٌ وقوله : { مَا أصابهم } مبتدأٌ والجملةُ خبرٌ لإن الذي اسمُه ضميرُ الشأنِ ، وفيه ما لا يخفى من تفخيم شأنِ ما أصابهم ، ولا يحسُن جعلُ الاستثناءِ منقطعاً على قراءة الرفع .
{ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح } أي موعدَ عذابِهم وهلاكهم ، تعليلٌ للأمر بالإسراء والنهيِ عن الالتفات المُشعرِ بالحث على الإسراع { أَلَيْسَ الصبح بِقَرِيبٍ } تأكيد للتعليل فإن قربَ الصبح داعٍ إلى الإسراع في الإسراء للتباعد عن مواقع العذاب ، وروي أنه قال للملائكة : متى موعدُ هلاكِهم؟ قالوا : الصبحُ ، قال : أريد أسرعَ من ذلك فقالوا ذلك . وإنما جُعل ميقاتُ هلاكِهم الصبحَ لأنه وقتُ الدعةِ والراحةِ فيكون حلولُ العذاب حينئذ أفظعَ ولأنه أنسبُ بكون ذلك عبرةً للناظرين . (3/376)
فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (82) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (83)
{ فَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } أي وقتُ عذابِنا وموعدُه وهو الصبح { جَعَلْنَا عاليها } أي عاليَ قُرى قومِ لوطٍ وهي التي عبّر عنها بالمؤتفكات ، وهي خمسُ مدائنَ فيها أربعُمائةِ ألفِ ألفٍ { سَافِلَهَا } أي قلبناها على تلك الهيئةِ وجُعل عالِيها مفعولاً أولَ للجعل وسافلَها مفعولاً ثانياً له وإن تحقق القلبُ بالعكس أيضاً لتهويل الأمرِ وتفظيعِ الخطبِ لأن جعلَ عالِيها الذي هو مَقارُّهم ومساكنُهم سافلَها أشدُّ عليهم وأشقُّ من جعل سافِلها عاليَها وإن كان مستلزِماً له . روي أنه جعلَ جبريلُ عليه السلام جناحَه في أسفلها ثم رفعها إلى السماء حتى سمع أهلُ السماء نُباحَ الكلاب وصياحَ الديَكةِ ثم قلبها عليهم ، وإسنادُ الجعلِ والإمطار إلى ضميره سبحانه باعتبار أنه المسبّبُ لتفخيم الأمرِ وتهويلِ الخطب { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا } على أهل المدائنِ أو شُذّاذهم { حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ } من طين متحجّر كقوله : { حِجَارَةً مّن طِينٍ } وأصله سنك كل فعُرّب وقيل : هو من أسْجله إذا أرسله أو أدرّ عطيتَه والمعنى : منْ مثْلِ الشيءِ المرسَل أو مثلَ العطيةِ في الإدرار أو من السِّجِلّ أي مما كتب الله تعالى أن يعذبهم به ، وقيل : أصله من سِجّينٍ أي من جهنم فأبدلت نونه لاماً { مَّنْضُودٍ } نُضِد في السماء نضْداً معدًّا للعذاب ، وقيل : يُرسَل بعضُه إثرَ بعضٍ كقِطار الأمطار { مُّسَوَّمَةً } مُعْلمةً للعذاب . وقيل : معلمةً ببياض وحُمرة أو بسِيما تتميز به عن حجارة الأرض أو باسم مَنْ ترمى به { عِندَ رَبّكَ } في خزائنه التي لا يتصرّف فيها غيرُه عز وجل { وَمَا هِىَ } أي الحجارةُ الموصوفة { مِنَ الظالمين } من كل ظالمٍ { بِبَعِيدٍ } فإنهم بسبب ظلمِهم مستحقون لها وملابَسون بها ، وفيه وعيدٌ شديد لأهل الظلمِ كافةً . وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سأل جبريلَ عليه السلام فقال : يعني ظالمي أمتِك ما من ظالم منهم إلا وهو بمعرض حجرٍ يسقط عليه من ساعة إلى ساعة . وقيل : الضميرُ للقُرى أي هي قريبةُ من ظالمي مكةَ يمرّون بها في مسايرهم وأسفارِهم إلى الشام ، وتذكيرُ البعيدِ على تأويل الحجارة بالحجر أو إجرائه على موصوف مذكّرٍ أي بشي بعيد أو بمكان بعيد فإنها وإن كانت في السماء وهي في غاية البُعد من الأرض إلا أنها حين هَوَت منها فهي أسرعُ شيء لحُوقاً بهم فكأنها بمكان قريبٍ منهم . أو لأنه على زِنة المَصْدرِ كالزفير والصهيل والمصادر يستوي في الوصف بها المذكرُ والمؤنث . (3/377)
وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (84) وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (85)
{ إلى مَدْيَنَ } أي أولاد مدينَ بنِ إبراهيم عليه السلام أو جعل اسماً للقبيلة بالغلبة أو أهلِ مدينَ وهو بلدٌ بناه مدينُ فسُمّي باسمه { أخاهم } أي نسيبَهم { شُعَيْبًا } وهو ابن ميكيلَ بنِ يشجُرَ بنِ مدينَ وكان يقال له خطيبُ الأنبياءِ لحسن مراجعتِه قومَه ، والجملةُ معطوفةٌ على قوله تعالى : { إلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صالحا } أي وأرسلنا إلى مدينَ أخاهم شعيباً { قَالَ } استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ عن صدر الكلام فكأنه قيل : فماذا قال لهم؟ فقيل : قال كما قال مَنْ قبله من الرسل عليهم السلام { يَا قَومِ اعبدوا الله } وحدَه ولا تشركوا به شيئاً { مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ } تحقيقٌ للتوحيد وتعليلٌ للأمر به وبعد ما أمرهم بما هو مَلاكُ أمر الدينِ وأولُ ما يجب على المكلّفين نهاهم عن ترتيب مبادىءِ ما اعتادوه من البَخْس والتطفيف عادةً مستمرةً فقال : { وَلاَ تَنقُصُواْ المكيال والميزان } كي تتوسلوا بذلك إلى بخس حقوقِ الناس { إِنّى أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ } أي ملتبسين بثروة واسعةٍ تُغنيكم عن ذلك أو بنعمة من الله تعالى حقها أن تقابل بغير ما تأتونه من المسامحة والتفضل على الناس شكراً عليها أو أراكم بخير فلا تُزيلوه بما أنتم عليه من الشر على كل حال ، علةٌ للنهي عُقّبت بعلة أخرى أعني قولَه عز وجل : { وَإِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ } إن لم تنتهوا عن ذلك { عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ } لا يشِذّ منه شاذٌّ منكم ، وقيل : عذابَ يومٍ مُهلك من قوله تعالى : { وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ } وأصلُه من إحاطة العدو ، والمرادُ عذابُ يومِ القيامة أو عذابُ الاستئصالِ ، ووصفُ اليومِ بالإحاطة وهي حالُ العذاب على الإسناد المجازيِّ وفيه من المبالغة ما لا يخفى ، فإن اليومَ زمانٌ يشتمل على ما وقع فيه من الحوادث فإذا أحاط بعذابه فقد اجتمع للمعذَّب ما اشتمل عليه منه كما إذا أحاط بنعيمه ، ويجوز أن يكون هذا تعليلاً للأمر والنهي جميعاً { وياقوم أَوْفُواْ المكيال والميزان بالقسط } أي بالعدل من غير زيادةٍ ولا نقصانٍ فإن الزيادةَ في الكيل والوزنِ وإن كان تفضّلاً مندوباً إليه لكنها في الآلة محظورةٌ كالنقص ، فلعل الزائدَ للاستعمال عند الاكتيالِ والناقصَ للاستعمال وقت الكيل ، وإنما أُمر بتسويتهما وتعديلِهما صريحاً بعد النهي عن نقصهما مبالغةً في الحمل على الإيفاء والمنعِ من البخس وتنبيهاً على أنه لا يكفيهم مجردُ الكفِّ عن النقص والبخسِ بل يجب عليهم إصلاحُ ما أفسدوه وجعلوه معياراً لظلمهم وقانوناً لعدوانهم { وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس } بسبب نقصِهما وعدم اعتدالِهما { أَشْيَاءهُمْ } التي يشترونها بهما ، وقد صرّح بالنهي عن البخس بعد ما عُلم ذلك في ضمن النهي عن نقص المعيار والأمرِ بإيفائه اهتماماً بشأنه وترغيباً في إيفاء الحقوقِ بعد الترهيبِ والزجر عن نقصها ، ويجوز أن يكون المرادُ بالأمر بإيفاء المكيالِ والميزان الأمرَ بإيفاء المَكيلاتِ والموزوناتِ ، ويكونُ النهيُ عن البخس عاماً للنقص في المقدار وغيره تعميماً بعد التخصيص كما في قوله تعالى : { وَلاَ تَعْثَوْاْ فِى الارض مُفْسِدِينَ } فإن العَثَى يعم نقصَ الحقوقِ وغيرَه من أنواع الفسادِ ، وقيل : البخسُ المكسُ كأخذ العشورِ في المعاملات . قال زهير بن أبي سلمى : (3/378)
أفي كل أسواقِ العراقِ إتاوة ... وفي كل ما باع امرؤٌ مَكْسُ دِرهمِ
والعثى في الأرض السرقةُ وقطعُ الطريق والغارةُ ، وفائدةُ الحال إخراجُ ما يُقصد به الإصلاحُ كما فعله الخضرُ عليه السلام من خرق السفينةِ وقتلِ الغلام ، وقيل : معناه ولا تعثَوا في الأرض مفسدين أمْرَ آخرتِكم ومصالحَ دينكم .
بَقِيَّةُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (86) قَالُوا يَا شُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (87)
{ بَقِيَّتُ الله } أي ما أبقاه لكم من الحلال بعد التنزّةِ عن تعاطي المحرمات { خَيْرٌ لَّكُمْ } مما تجمعون بالبخس والتطفيفِ فإن ذلك هباءٌ منثور بل شرٌّ محض وإن زعمتم أن فيه خيراً كقوله تعالى : { يَمْحَقُ الله الربا وَيُرْبِى الصدقات } { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } بشرط أن تؤمنوا فإن خيريّتَها باستتباع الثوابِ مع النجاة ، وذلك مشروطٌ بالإيمان لا محالة أو إن كنتم مصدقين لي في مقالتي لكم ، وقيل : الطاعاتُ كقوله عز وجل : { والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ } وقرىء تقيةُ الله بالفوقانية وهي تقواه عن المعاصي { وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ } أحفظكم من القبائح أو أحفظ عليكم أعمالَكم فأجازيَكم وإنما أنا ناصحٌ مبلِّغٌ وقد أعذرتُ إذ أنذرتُ ولم آلُ في ذلك جهداً أو ما أنا بحافظ ومستبْقٍ عليكم نِعمَ الله تعالى إن لم تتركوا ما أنتم عليه من سوء الصنيع . (3/379)
{ قَالُواْ ياشعيب أصلواتك تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا } من الأوثان أجابوا بذلك أمرَه عليه السلام إياهم بعبادة الله وحدَه المتضمنَ لنهيهم عن عبادة الأصنامِ ولقد بالغوا في ذلك وبلغوا أقصى مراتبِ الخلاعة والمُجون والضلال حيث لم يكتفوا بإنكار الوحي الآمرِ بذلك حتى ادّعَوا أن لا أمرَ به من العقل واللُّب أصلاً وأنه من أحكام الوسوسةِ والجنون ، وعلى ذلك بنوا استفهامَهم وقالوا بطريق الاستهزاءِ : أصلاتُك التي هي من نتائج الوسوسةِ وأفاعيلِ المجانين تأمُرك بأن نترك عبادةَ الأوثانِ التي توارَثْناها أباً عن جد؟ وإنما جعلوه عليه السلام مأموراً مع أن الصادرَ عنه إنما هو الأمرُ بعبادة الله وغيرُ ذلك من الشرائع ، لأنه عليه السلام لم يكن يأمرهم بذلك من تلقاء نفسه بل من جهة الوحي وأنه كان يعلمهم بأنه مأمورٌ بتبليغه إليهم ، وتخصيصُهم بإسناد الأمر إلى الصلاة من بين سائر أحكامِ النبوة لأنه عليه الصلاة والسلام كان كثيرَ الصلاةِ معروفاً بذلك ، وكانوا إذا رأوه يصلي يتغامزون ويتضاحكون فكانت هي من بين سائر شعائرِ الدينِ ضِحْكةً لهم وقرىء أصلواتُك { أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِى أَمْوَالِنَا مَا نَشَآء } جوابٌ عن أمره عليه السلام بإيفاء الحقوقِ ونهيِه عن البخس والنقصِ معطوفٌ على ما ، أي أو أن نتركَ أن نفعلَ في أموالنا ما نشاء من الأخذ والإعطاءِ والزيادةِ والنقصِ ، وقرىء بالتاء في الفعلين عطفاً على مفعول تأمُرك أي أصلاتك تأمرك أن تفعل أنت في أموالنا ما تشاء ، وتجويزُ العطفِ على ما قيل يستدعي أن يراد بالترك معنيان متخالفان ، والمرادُ بفعله عليه السلام إيحابُ الإيفاءِ والعدلِ في معاملاتهم لا نفسُ الأيفاء ، فإن ذلك ليس من أفعاله عليه السلام بل من أفعالهم ، وإنما لم نقُلْ عطفاً على أن نترُك لأن الترك ليس مأموراً به على الحقيقة ، بل المأمورُ به تكليفُه عليه السلام إياهم وأمرُه بذلك ، والمعنى أصلاتُك تأمرُك أن تكلِّفَنا أن نترك ما يعبدُ آباؤُنا ، وحملُه على معنى أصلاتُك تأمرك بما ليس في وُسعك وعُهدتك من أفاعيل غيرِك ليكون ذلك تعريضاً منهم بركاكة رأيِه عليه السلام واستهزاءً به من تلك الجهةِ يأباه دخولُ الهمزةِ على الصلاة دون الأمرِ ويستدعي أن يصدُر عنه عليه السلام في أثناء الدعوةِ ما يدل على ذلك أو يوهمه وأبى ذلك فتأمل .
وقرىء بالنون في الأول والتاء في الثاني عطفاً على أن نترك أي أو أن نفعل نحن في أموالنا عند المعاملةِ ما تشاء أنت من التسوية والإيفاء (3/380)
{ إِنَّكَ لاَنتَ الحليم الرشيد } وصفوه عليه السلام بالوصفين على طريقة التهكم ، وإنما أرادوا بذلك وصفَه بضدّيهما كقول الخزَنة : { ذُقْ إِنَّكَ أَنتَ العزيز الكريم } ويجوز أن يكون تعليلاً لما سبق من استبعاد ما ذكروه على معنى إنك لأنت الحليمُ الرشيد على زعمك ، وأما وصفُه بهما على الحقيقة فيأباه مقامُ الاستهزاء ، اللهم إلا أن يُراد بالصلاة الدينُ كما قيل .
قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ (88)
{ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ } أي حجة واضحةٍ وبرهانٍ نيِّر ، عبّر عما آتاه الله تعالى من النبوة والحكمة رداً على مقالتهم الشنعاءِ في جعلهم أمرَه ونهيَه غيرَ مستندٍ إلى سند { مّن رَّبّى } ومالكِ أموري ، وإيرادُ حرفِ الشرط مع جزمه عليه السلام بكونه على ما هو عليه من البينات والحججِ لاعتبار حال المخاطَبين ومراعاةِ حُسنِ المحاورةِ معهم كما ذكرناه في نظائره { وَرَزَقَنِى مِنْهُ } أي من لديه { رِزْقًا حَسَنًا } هو النبوةُ والحِكمةُ أيضاً عبّر عنهما بذلك تنبيهاً على أنهما مع كونهما بينةً رزقٌ حسنٌ ، كيف لا وذلك مناطُ الحياةِ الأبديةِ له ولأمته ، وجوابُ الشرط محذوفٌ يدل عليه فحوى الكلامِ أي أتقولون والمعنى إنكم نظمتموني في سلك السفهاءِ والغُواةِ وعددتم ما صدر عني من الأوامر والنواهي من قبيل ما لا يصِح أن يتفوّه به عاقل وجعلتموه من أحكام الوسوسةِ والجنون واستهزأتم بي وبأفعالي حتى قلتم إن أمرتُكم به من التوحيد وتركِ عبادة الأصنامِ والاجتنابِ عن البخس والتطفيفِ ليس مما يأمر به آمرُ العقلِ ويقضي به قاضي الفِطنة ، وإنما تأمُر به صلاتُك التي هي من أحكام الوسوسةِ والجنون فأخبروني إن كنت من جهة ربي ومالكِ أمورِي ثابتاً على النبوة والحِكمةِ التي ليس وراءَها غايةٌ للكمال ولا مطمَحٌ لطامح ورزقني بذلك رزقاً حسناً أتقولون في شأني وشأنِ أفعالي ما تقولون مما لا خيرَ فيه ولا شرَّ وراءه هذا هو الجوابُ الذي يستدعيه السباقُ والسياقُ ويساعده النظمُ الكريمُ . (3/381)
وأما ما قيل من أن المحذوفَ أيصِحّ لي أن لا آمرَكم بترك عبادةِ الأوثانِ والكفِّ عن المعاصي ، أو أهل يسعْ لي مع هذا الإنعام الجامعِ للسعادات الروحانيةِ والجُسمانية أن أخونَ في وحيه وأخالفَه في أمره ونهيِه فبمعزل من ذلك ، وإنما يناسب تقديرُه إن حمل كلامُهم على الحقيقة وأريد بالصلاة الدينُ على معنى : أدينُك يأمرُك أن تكلفنا بترك عبادةِ آلهتِنا القديمة وتركِ التصرّفِ المطلق في أموالنا وتخالفنا في ذلك وتشُقَّ عصانا ، وهذا مما لا ينبغي أن يصدُر عنك فإنك أنت المشهورُ بالحلم الفاضلِ والرشدِ الكاملِ فيما بيننا كما كان قولُ قومِ صالح { قَدْ كُنتَ فِينَا مَرْجُوّا قَبْلَ هذا } مسروداً على ذلك النمطِ فأُجيبوا بما أجيبوا به ، وعلى هذا الوجهِ يكون المرادُ بالرزق الحسنِ الحلالَ الذي آتاه الله تعالى ، والمعنى حينئذ أخبروني إن كنت نبياً من عند الله تعالى ورزقني مالاً حلالاً أستغني به عن العالمين أيصِحّ أن أخالف أمرَه وأوافقَكم فيما تأتون وما تذرون .
{ وَمَا أُرِيدُ } بنهيي إياكم عما أنهاكم عنه من البخس والتطفيف { أَنْ أُخَالِفَكُمْ إلى مَا أنهاكم عَنْهُ } أي أقصِدَه بعد ما ولَّيتم عنه وأستبِدَّ به دونكم .
يقال : خالفت زيداً إلى كذا إذا قصدتُه وهو مولَ عنه وخالفتُه عن كذا إذا كان الأمرُ على العكس { إِنْ أُرِيدُ } بما أباشره من الأمر والنهي { إِلاَّ الإصلاح } إلا أن أُصلِحَكم بالنصيحة والموعظة { مَا استطعت } أي مقدارَ ما استطعتُه من الإصلاح ، والتقييدُ به للاحتراز عن الاكتفاء بالإصلاح في الجملة لا عن إرادة ما ليس في وُسعه منه { وَمَا تَوْفِيقِى } أي كوني موفقاً لتحقيق ما أنتحيه من إصلاحكم { إِلاَّ بالله } أي بتأييده ومعونتِه بل الإصلاحُ من حيث الخلقُ مستندٌ إليه سبحانه وإنما أنا من مباديه الظاهرةِ قاله عليه السلام تحقيقاً للحق وإزاحةً لما عسى يوهمه إسنادُ الاستطاعةِ إليه بإرادته من استبداده بذلك { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } في ذلك مُعرِضاً عما عداه فإنه القادرُ على كل مقدورٍ وما عداه عاجزٌ محْضٌ في حد ذاتِه بل معدومٌ ساقطٌ عن درجة الاعتبار بمعزل عن مرتبة الاستمدادِ به والاستظهار { وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } أي أرجِعُ فيما أنا بصدده ، ويجوز أن يكون المرادُ وما كوني موفقاً لإصابة الحقِّ والصوابِ في كل ما آتي وأذر إلا بهدايته ومعونتِه عليه توكلتُ ، وهو إشارةٌ إلى محض التوحيدِ الذاتي والفعليِّ وإليه أنيب ، أي عليه أقبل بشراشِر نفسي في مجامع أموري . وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ على الماضي الأنسبِ للتقرر والتحقّقِ كما في التوكل لاستحضار الصورةِ والدلالةِ على الاستمرار ، ولا يخفى ما في جوابه عليه السلام من مراعاة لطفِ المراجعةِ ورِفق الاستنزالِ والمحافظةِ على قواعد حسنِ المجاراة والمحاورَة وتمهيدِ معاقدِ الحقِّ بطلب التوفيقِ من جناب الله تعالى والاستعانةِ في أموره ، وحسمِ أطماعِ الكفار وإظهار الفراغِ عنهم وعدمِ المبالاة بمعاداتهم ، وأما تهديدُهم بالرجوع إلى الله تعالى للجزاء كما قيل فلا لأن الإنابةَ إنما هي الرجوعُ الاختياريُّ بالفعل إلى الله تعالى لا الرجوعُ الاضطراريُّ للجزاء أو ما يعمه . (3/382)
وَيَا قَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89)
{ وياقوم لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ } أي لا يَكسِبنّكم ، من جرَمتُه ذنباً مثلُ كسبته مالاً { شِقَاقِى } معاداتي وأصلُهما أن أحد المتعادِيَين يكون في عُدوةٍ وشقَ والآخرُ في آخرَ { أَن يُصِيبَكُمُ } مفعولٌ ثانٍ ليجرمنكم أي لا تكسِبْكم معاداتُكم لي أن يصيبكم { مّثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ } من الغرق { أَوْ قَوْمَ هُودٍ } من الريح { أَوْ قَوْمَ صالح } من الصيحة والرجفةِ ، وقرأ ابن كثير بضم الياء من أجرمتُه ذنباً إذا جعلته جارِماً له أي كاسباً وهو منقول من جرم المتعدي إلى مفعول واحد كما نقل أكسبه المالَ من كسب المالَ فكما لا فرق بين كسبته مالاً وأكسبته إياه لا فرق جرَمته ذنباً وأجرمتُه إياه في المعنى ، إلا أن الأولَ أصحُ وأدور على ألسنة الفصحاءِ وقرأ أبو حيوة مثلَ ما أصاب بالفتح لإضافته إلى غير متمكن كقوله : (3/383)
لم يمنع الشربَ منها غير أن نطَقت ... حمامةٌ في غصون ذاتُ أوقالِ
وهذا وإن كان بحسب الظاهرِ نهياً للشقاق عن كسب إصابةِ العذابِ لكنه في الحقيقة نهيٌ للكفرة عن مشاقّته عليه السلام على ألطف أسلوبٍ وأبدعِه كما مر في سورة المائدة عند قوله تعالى : { وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ } الآية { وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مّنكُم بِبَعِيدٍ } زماناً أو مكاناً ، فإن لم تعتبروا بمن قبلَهم من الأمم المعدودةِ فاعتبروا بهم ، فكأنه إنما غير أسلوبَ التحذيرِ بهم ولم يصرِّح بما أصابهم بل اكتفى بذكر قربِهم إيذاناً بأن ذلك مغنٍ عن ذكره لشهرة كونِه منظوماً في سِمْطِ ما ذُكر من دواهي الأممِ المرقومة أو ليسوا ببعيد منكم في الكفر والمعاصي فلا يبعُد أن يُصيبَكم مثلُ ما أصابكم ، وإفرادُ البعيدِ مع تذكيره لأن المراد وما إهلاكُهم على نية المضافِ أو وما هم بشيء بعيد ، لأن المقصودَ إفادةُ عدم بعدِهم على الإطلاق لا من حيث خصوصيةُ كونِهم قوماً أو ما هم في زمان بعيد أو مكان بعيد ، ولا يبعُد أن يكون ذلك لكونه على زنة المصادر كالنهيق والشهيق ، ولما أنذرهم عليه السلام بسوء عاقبة صنيعِهم عقّبه طمعاً في ارعوائهم عما كانوا فيه يعمهون من طغيانهم بالحمل على الاستغفار والتوبة فقال :
وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ (90) قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (91)
{ واستغفروا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } مر تفسيرُ مثله في أول السورة { إِنَّ رَبّى رَحِيمٌ } عظيمُ الرحمة للتائبين { وَدُودٌ } مبالِغٌ في فعل ما يفعل البليغُ المودةَ بمن يودّه من اللطف والإحسانِ ، وهذا تعليلٌ للأمر بالاستغفار والتوبةِ وحثٌّ عليهما { قَالُواْ يَا شُعَيْبٌ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مّمَّا تَقُولُ } الفِقهُ غرضِ المتكلّم من كلامه أي ما نفهم مرادَك ، وإنما قالوه بعد ما سمعوا منه دلائلَ الحقِّ المبينِ على أحسن وجهٍ وأبلغِه وضاقت عليهم الحيلُ وعيّتْ بهم العلل ، فلم يجدوا إلى محاورته سبيلاً سوى الصدودِ عن منهاج الحقِّ والسلوكِ إلى سبيل الشقاءِ كما هو ديدَنُ المُفحَمِ المحجوجِ يقابل البيناتِ بالسبّ والإبراق والإرعاد ، فجعلوا كلامَه المشتملَ على فنون الحِكَم والمواعظِ وأنواعِ العلومِ والمعارفِ من قبيل ما لا يُفقه معناه ولا يُدرك فحواه وأدمجوا في ضمن ذلك أن في تضاعيفه ما يستوجب أقصى ما يكون من المؤاخذة والعقاب ، ولعل ذلك ما فيه من التحذير من عواقب الأممِ السالفة ولذلك قالوا : { وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا } فيما بيننا { ضَعِيفاً } لا قوة لك ولا قدرةَ على شيء من الضر والنفعِ والإيقاعِ والدفع { وَلَوْلاَ رَهْطُكَ } لولا مراعاةُ جانبِهم لا لولاهم يمانعوننا ويدافعوننا { لرجمناك } فإن ممانعةَ الرهطِ وهو اسمٌ للثلاثة إلى السبعة أو إلى العشرة لهم وهم ألوفٌ مؤلفةٌ مما لا يكاد يُتوّهم وقد أيد ذلك بقوله عز وجل : { وَمَا أَنتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ } مُكْرمٌ محْترمٌ حتى نمتنع من رجمك ، وإنما نكفُ عنه للمحافظة على حرمة رهطِك الذين ثبتوا على ديننا ولم يختاروك علينا ولم يتبعوك دوننا ، وإيلاءُ الضميرِ حرفَ النفي وإن لم يكن الخبرُ فعلياً غيرَ خالٍ عن الدِلالة على رجوع النفي إلى الفاعل دون الفعلِ لا سيما قرينة قولِه : ولولا رهطُك كأنه قيل : وما أنت علينا بعزيز بل رهطُك هم الأعزةُ علينا وحيث كان غرضُهم من عظيمتهم هذه عائداً إلى نفي ما فيه عليه السلام من القوة والعزةِ الربّانيّتين حسبما يوجبه كونُه على بينة من ربه مؤيَّداً من عنده ويقتضيه قضيةُ طلبِ التوفيقِ منه والتوكلِ عليه والإنابةِ إليه وإلى إسقاط ذلك كلِّه عن درجة الاعتدادِ به والاعتبار . (3/384)
قَالَ يَا قَوْمِ أَرَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَاتَّخَذْتُمُوهُ وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (92) وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ (93)
{ قَالَ } عليه السلام في جوابهم { ياقوم أَرَهْطِى أَعَزُّ عَلَيْكُم مّنَ الله } فإن الاستهانةَ بمن لا يَتعزّز إلا به عز وجل استهانةٌ بجنابه العزيز وإنما أنكر عليهم أعزِّيّةَ رهطِه منه تعالى مع أن ما أثبتوه هو مطلقُ عزةِ رهطِه لا أعزّيتُهم منه عز وجل مع الاشتراك في أصل العزةِ لتثنية التقريعِ وتكريرِ التوبيخِ حيث أنكر عليهم أولاً ترجيح جنب الرهطِ على جنبة الله تعالى حظاً من العزة أصلاً { واتخذتموه } بسبب عدم اعتدادِكم بمن لا يرِدُ ولا يصدُر إلا بأمره { وَرَاءكُمْ ظِهْرِيّاً } أي شيئاً منبوذاً وراء الظهر منسياً لا يبالى به ، منسوبٌ إلى الظهر ، والكسر لتغيير النسب كالإِمسيّ في النسبة إلى الأمس { إِنَّ رَبّى بِمَا تَعْمَلُونَ } من الأعمال السيئة التي من جملتها عدمُ مراعاتِكم لجانبه { مُحِيطٌ } لا يخفى عليه منها خافيةٌ وإن جعلتموه منسياً فيجازيكم عليها . ويحتمل أن يكون الإنكارُ للرد والتكذيب فإنهم لما ادَّعَوا أنهم لا يكفّون عن رجمه عليه السلام لقوته وعزّتِه بل لمراعاة جانب رهطِه ردّ عليهم ذلك بأنكم ما قدَّرتم الله حقَّ قدرِه العزيزِ ولم تراعوا جنابَه القويَّ فكيف تراعون جانبَ رهطي الأذلة { وَيَا قَوْمِ اعْمَلُوا } لما رأى عليه السلام إصرارَهم على الكفر وأنهم لا يرعوون عما هم عليه من المعاصي حتى اجترأوا على العظيمة التي هي الاستهانةُ به والعزيمةُ على رجمه لولا حُرمةُ رهطِه ، قال لهم على طريقة التهديد : اعملوا { على مَكَانَتِكُمْ } أي على غاية تمكّنِكم واستطاعتِكم يقال : مكُن مكانةً إذا تمكّن أبلغَ التمكّن وإنما قاله عليه السلام رداً لما ادَّعَوا أنهم أقوياءُ قادرون على رجمه وأنه ضعيفٌ فيما بينهم لا عزةَ له ، أو على ناحيتكم وجِهَتكم التي أنتم عليها من قولهم : مكانٌ ومكانة كمقام ومقامة ، والمعنى اثبُتوا على ما أنتم عليه من الكفر والمشاقّةِ لي وسائرِ ما أنتم عليه مما لا خيرَ فيه وابذُلوا جهدكم في مضارّتي وإيقافي ما في نيتكم وإخراج ما في أمنيتكم من القوة إلى الفعل { إِنّى عامل } على مكانتي حسبما يؤيدني الله ويوفقني بأنواع التأييدِ والتوفيق { سَوْفَ تَعْلَمُونَ } لما هدّدهم عليه السلام بقوله : اعمَلوا على مكانتكم إني عاملٌ كان مظِنّةَ أن يسألَ منهم سائلٌ فيقولَ : فماذا يكون بعد ذلك؟ فقيل : سوف تعلمون { مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } وصَف العذابَ بالإخزاء تعريضاً بما أوعدوه عليه السلام به من الرجم فإنه مع كونه عذاباً فيه خِزيٌ ظاهرٌ حيث لا يكون إلا بجناية عظيمةٍ توجبه { وَمَنْ هُوَ كَاذِبٌ } عطفٌ على مَنْ يأتيه لا على أنه قسيمُه بل حيث أوعدوه بالرجم وكذبوه قيل : سوف تعلمون مَن المعذَّبُ ومن الكاذب ، وفيه تعريضٌ بكذبهم في ادعائهم القوةَ والقُدرةَ على رجمه عليه السلام وفي نسبته إلى الضعف والهوانِ وفي ادعائهم الإبقاءَ عليه جانبِ الرهطِ ، والاختلافُ بين المعطوفَين بالفعلية والاسميةِ لأن كذبَ الكاذبِ بمرتقَبٍ كإتيان العذاب بل إنما المرتقَبُ ظهورُ الكذبِ السابق المستمرّ . و ( من ) إما استفهاميةٌ معلِّقةٌ للعلم عن العمل كأنه قيل : سوف تعلمون أيُّنا يأتيه عذابٌ يُخزيه وأيُّنا كاذبٌ ، وإما موصولةٌ أي سوف تعرِفون الذي يأتيه عذابٌ والذي هو كاذب { وارتقبوا } وانتظروا مآلَ ما أقول . { إِنّى مَعَكُمْ رَقِيبٌ } منتظرٌ ، فعيل بمعنى الراقب كالصريم ، أو المراقب كالشعير أو المرتقب كالرفيع وفي زيادة معكم إظهارٌ منه عليه السلام لكمال الوثوق بأمره . (3/385)
وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (94) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (95)
{ وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا } أي عذابُنا كما ينبىء عنه قوله تعالى : { سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } أو وقتُه فإن الارتقابَ مؤذِنٌ بذلك { نَجَّيْنَا شُعَيْبًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا } وهي الإيمانُ الذي وفقناهم له أو بمرحمة كائنةٍ منّا لهم ، وإنما ذكر بالواو كما في قصة عاد لِما أنه لم يسبِقْه فيها ذكرُ وعدٍ يجري مجرى السببِ المقتضي لدخول الفاءِ في معلوله كما في قصتي صالحٍ ولوط . فإنه قد سبق هنالك سابقةُ الوعد بقوله : { ذلك وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ } وقوله : { إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصبح } { وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ } عدل إليه عن الضمير تسجيلاً عليهم بالظلم وإشعاراً بأن ما أخذهم إنما أخذهم بسبب ظلمِهم الذي فُصّل فيما سبق فنونُه { الصيحة } قيل : صاح بهم جبريلُ عليه السلام فهلكوا ، وفي سورة الأعراف { فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة } ، وفي سورة العنكبوت { فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة } أي الزلزلة ، ولعلها من روادف الصيحةِ المستتبِعة لتموّج الهواء المفضي إليها كما مر فيما قبل { فَأَصْبَحُواْ فِى دِيَارِهِمْ جاثمين } ميتين لازمين لأماكنهم لا بَراحَ لهم منها ، ولمّا لم يُجعل متعلَّقُ العلمِ في قوله تعالى : { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ } الخ ، نفسَ مجيءِ العذابِ بل من يجيئه ذلك جُعل مجيئُه بعد ذلك أمراً مسلَّمَ الوقوعِ غنياً عن الإخبار به حيث جعل شرطاً وجُعل تنجيةُ شعيبٍ عليه السلام وإهلاكُ الكفرة جواباً له ومقصودَ الإفادة ، وإنما قدّم تنجيتُه اهتماماً بشأنها وإيذاناً بسبق الرحمةِ التي هي مقتضى الربوبيةِ على الغضب الذي يظهر أثرُه بموجب جرائرِهم وجرائمهم { كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ } أي لم يقيموا { فِيهَا } متصرفين في أطرافها متقلبين في أكنافها { أَلاَ بُعْدًا لّمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ } العدولُ عن الإضمار إلى الإظهار ليكون أدلَّ على طغيانهم الذي أدّاهم إلى هذه المرتبةِ وليكون أنسبَ بمن شُبّه هلاكُهم بهلاكهم أعني ثمود ، وإنما شُبّه هلاكُهم بهلاكهم لأنهما أُهلكتا بنوع من العذاب وهو الصيحة ، غير أن هؤلاءِ صيح بهم من فوقهم وأولئك من تحتهم وقرىء بعُدت بالضم على الأصل فإن الكسرَ تغييرٌ لتخصيص معنى البُعد بما يكون سببَ الهلاك والبعدُ مصدرٌ لهما والبُعدُ مصدرٌ للمكسور . (3/386)
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآَيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (96) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (97)
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بئاياتنا } وهي الآياتُ التسعُ المفصّلاتُ التي هي العصا واليدُ البيضاءُ والطوفانُ والجرادُ والقُمّلُ والضفادعُ والدمُ ونقصُ الثمراتِ والأنفسِ ومن جعلهما آيةً واحدةً وعدّ منها إظلالَ الجبل وليس كذلك فإنه لقبول أحكامِ التوراةِ حين أباه بنو إسرائيلَ ، والباءُ متعلقةٌ بمحذوف وقع حالاً من مفعول أرسلنا أو نعتاً لمصدره المؤكّد أي أرسلناه حال كونِه ملتبساً بآياتنا أو أرسلناه إرسالاً ملتبساً { وسلطان مُّبِينٍ } هو المعجزاتُ الباهرةُ منها أو هو العصا ، والإفرادُ بالذكر لإظهار شرفِها لكونها أبهرَها أو المرادُ بالآيات ما عداها أو هما عبارتان عن شيء واحد ، أي أرسلناه بالجامع بين كونِه آياتِنا وبين كونِه سلطاناً له على نبوّته واضحاً في نفسه أو موضّحاً إياها ، من أبان لازماً ومتعدّياً ، أو هو الغلبةُ والاستيلاءُ كقوله تعالى : { وَنَجْعَلُ لَكُمَا سلطانا } ويجوز أن يكون المرادُ ما بيّنه عليه السلام في تضاعيف دعوتِه حين قال له فرعونُ : { مِنْ * رَبّكُمَا } { فَمَا بَالُ القرون الاولى } من الحقائق الرائقةِ والدقائقِ اللائقةِ وجعلُه عبارةً عن التوراة وإدراجُها في جملة الآيات يردّه قولُه عز وجل : { إلى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ } فإن نزولَها إنما كان بعد مهلِك فرعونَ وقومِه قاطبةً ليعمل بها بنو إسرائيلَ فيما يأتون وما يذرون ، وأما فرعونُ وقومُه فإنما كانوا مأمورين بعبادة ربِّ العالمين عزَّ سلطانُه وتركِ العظيمةِ الشنعاءِ التي كان يدعيها الطاغيةُ وتقبلها منه فئتُه الباغية ، وبإرسال بني إسرائيلَ من الأسر والقسْرِ ، وتخصيصُ ملئه بالذكر مع عموم رسالتِه عليه السلام لقومه كافة لأصالتهم في الرأي وتدبيرِ الأمور واتباعِ غيرِهم لهم في الورود والصدور ، وإنما لم يصرَّح بكفر فرعونَ بآيات الله تعالى وانهماكه فيما كان عليه من الضلال والإضلال بل اقتصر على ذكر شأن ملئِه فقال : { فاتبعوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ } أي أمرَه بالكفر بما جاء به موسى عليه السلام من الحق المبين للإيذان بوضوح حالِه فكأن كفرَه وأمْرَ ملئِه بذلك أمرٌ محققُ الوجودِ غيرُ محتاجٍ إلى الذكر صريحاً ، وإنما المحتاجُ إلى ذلك شأن ملئِه المترددين بين هادٍ إلى الحق وداعٍ إلى الضلال فنعى عليهم سوءَ اختيارِهم ، وإيرادُ الفاء في اتّباعهم المترتبِ على أمر فرعونَ المبنيِّ على كفره المسبوقِ بتبليغ الرسالةِ للإشعار بمفاجأتهم في الاتباع ومسارعةِ فرعونَ إلى الكفر وأمرِهم به ، فكأن ذلك كلّه لم يتراخَ عن الإرسال والتبليغِ بل وقع جميعُ ذلك في وقت واحد فوقع إثرَ ذلك اتباعُهم . ويجوز أن يرادَ بأمر فرعونَ شأنُه المشهورُ وطريقتُه الزائغةُ فيكون معنى فاتبعوا فاستمرّوا على الاتّباع ، والفاءُ مثلُ ما في قولك : وعظتُه فلم يتعظْ وصِحْتُ به فلم ينزجِرْ ، فإن الإتيانَ بالشيء بعد ورودِ ما يوجب الإقلاعَ عنه وإن كان استمراراً عليه لكنه بحسب العُنوانِ فعلٌ جديدٌ وصنعٌ حادثٌ فتأمل . وتركُ الإضمارِ لدفع توهُّمِ الرجوعِ إلى موسى عليه السلام من أول الأمرِ ولزيادة تقبيحِ حال المتبعين ، فإن فرعونَ علَمٌ في الفساد والإفساد والضلالِ والإضلال فاتباعُه لفَرْط الجهالِة وعدمِ الاستبصار ، وكذا الحالُ في قوله تعالى : { وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ } الرُّشدُ ضدُّ الغِيّ وقد يراد به محموديّةُ العاقبةِ فهو على الأول بمعنى المُرشد حقيقةٌ لغويةٌ والإسنادُ مجازيٌّ وعلى الثاني مجازٌ والإسناد حقيقيٌّ . (3/387)
يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْوِرْدُ الْمَوْرُودُ (98) وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (99) ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (100)
{ يَقْدُمُ قَوْمَهُ } جميعاً من الأشراف وغيرِهم { يَوْمُ القيامة } أي يتقدّمهم ، من قدَمه بمعنى تقدّمه وهو استئنافٌ لبيان حالِه في الآخرة أي كما كان قدوةً لهم في الضلال كذلك يتقدمهم إلى النار وهم يتبعونه ، أو لتوضيح عدمِ صلاحِ مآلِ أمرِه وسوءِ عاقبتِه { فَأَوْرَدَهُمُ النار } أي يوردهم ، وإيثارُ صيغةِ الماضي للدلالة على تحقق الوقوعِ لا محالة ، شُبّه فرعونُ بالفارط الذي يتقدم الواردةَ إلى الماء ، وأتباعُه بالواردة ، والنارُ بالماء الذي يرِدُونه ثم قيل : { وَبِئْسَ الورد المورود } أي بئس الوردُ الذي يرِدونه النارُ ، لأن الورد إنما يراد لتسكين العطشِ وتبريدِ الأكباد والنارُ على ضد ذلك . (3/388)
{ واتبعوا } أي الملأُ الذين اتّبعوا أمرَ فرعون { فِى هذه } أي في الدنيا { لَّعْنَةُ } عظيمةً حيث يلعنهم مَنْ بعدهم من الأمم إلى يوم القيامة { وَيَوْمَ القيامة } أيضاً حيث يلعنهم أهلُ الموقفِ قاطبةً فهي تابعةٌ لهم حيثما ساروا دائرةٌ معهم أينما داروا في الموقف ، فكما اتّبعوا فرعونَ اتّبعتْهم اللعنةُ في الدارين جزاء وفاقاً ، واكتُفي ببيان حالِهم الفظيعِ وشأنِهم الشنيعِ عن بيان حالِ فرعونَ إذ حين كان حالُهم هكذا فما ظنُّك بحال مَن أغواهم وألقاهم في هذا الضلال البعيد وحيث كان شأنُ الأتباع أن يكونوا أعواناً للمتبوع جُعلت اللعنةُ رِفداً لهم على طريقة التهكّم فقيل : { بِئْسَ الرفد المرفود } أي بئس العونُ المُعانُ ، وقد فُسر الرفدُ بالعطاء ولا يلائمه المقام ، وأصلُه ما يضاف إلى غيره ليُعمِّده والمخصوصُ بالذم محذوفٌ أي رفدُهم وهي اللعنةُ في الدارين ، وكونُه مرفوداً من حيث أن كلَّ لعنة منها مُعِيْنةٌ ومُمِدّةٌ لصاحبتها ومؤيدةٌ لها .
{ ذلك } إشارةٌ إلى ما قُص من أنباء الأممِ وبعده باعتبار تقضّيه في الذكر والخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهو مبتدأٌ خبرُه { مِنْ أَنْبَاء القرى } المهلَكة بما جنتْه أيدي أهلِها { نَقُصُّهُ عَلَيْكَ } خبرٌ بعد خبرٍ أي ذلك النبأُ بعضُ أنباءِ القرى مقصوصٌ عليك { مِنْهَا } أي من تلك القرى { قَائِمٌ وَحَصِيدٌ } أي ومنها حصيد ، حُذف لدلالة الأولِ عليه ، شُبّه ما بقيَ منها بالزرع القائمِ على ساقه وما عفا وبطَل بالحصيد ، والجملةُ مستأنفةٌ لا محل لها من الإعراب .
وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آَلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101) وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (102) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآَخِرَةِ ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (103) وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (104)
{ وَمَا ظلمناهم } بأن أهلكناهم { ولكن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } بأن جعلوها عُرضةً للهلاك باقتراف ما يوجبه { فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ } فما نفعتهم ولا دفعتْ بأسَ الله تعالى عنهم { التى يَدْعُونَ مِن } أي يعبدونها { دُونِ الله } أُوثر صيغةُ المضارعِ حكايةً للحال الماضيةِ أو دِلالةً على استمرار عبادتِهم لها { مِن شَىْء } في موضع المصدرِ أي شيئاً من الإغناء { لَّمَّا جَاء أَمْرُ رَبّكَ } أي حين مجيءِ عذابِه وهو منصوبٌ بأغنت ، وقرىء آلهتُهم اللاتي ويُدْعَون على البناء للمجهول { وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ } أي إهلاك وتخسير فإنهم إنما هلكوا وخسِروا بسبب عبادتِهم لها . (3/389)
{ وكذلك } أي ومثلَ ذلك الأخذِ الذي مر بيانُه ، وهو رفعٌ على الابتداء وخبرُه قوله : { أَخْذُ رَبّكَ } وقرىء أخذَ ربُّك فمحلُّ الكافِ النصبُ على أنه مصدرٌ مؤكد { إِذَا أَخَذَ القرى } أي أهلَها وإنما أُسند إليها للإشعار بَسَريان أثرِه إليها حسبما ذُكر ، وقرىء إذْ أخذ { وَهِىَ ظالمة } حالٌ من القرى وهي في الحقيقة لأهلها لكنها لما أُقيمت مُقامَهم في الأخذ أُجريت الحالُ عليها وفائدتُها الإشعارُ بأنهم إنما أُخذوا بظلمهم ليكون ذلك عبرةً لكل ظالم { إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ } وجميع صعب على المأخوذ لا يرجى منه الخلاص وفيه ما لا يخفى من التهديد والتحذير { إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي في أخذه تعالى للأمم الغابرةِ أو في قصصهم { لآيَةً } لعبرةً { لّمَنْ خَافَ عَذَابَ الاخرة } فإنه المعتبرُ به حيث يُستدل بما حاق بهم من العذاب الشديد بسبب ما عملوا من السيئات على أحوال عذابِ الآخرة ، وأما من أنكر الآخرةَ وأحال فناءَ العالم وزعم أن ليس هو ولا شيءٌ من أحواله مستنداً إلى الفاعل المختارِ وأن ما يقع فيه من الحوادث فإنما يقع لأسباب تقتضيه من أوضاع فلكيةٍ تتفق في بعض الأوقاتِ لا لما ذُكر من المعاصي التي يقترفها الأممُ الهالكة فهو بمعزل من هذا الاعتبارِ ، تباً لهم ولما لهم من الأفكار { ذلك } إشارةٌ إلى يوم القيامةِ المدلول عليه بذكر الآخرة { يَوْمٌ مَّجْمُوعٌ لَّهُ الناس } للمحاسبة والجزاءِ ، والتغييرُ للدلالة على ثبات معنى الجمعِ وتحقق وقوعِه لا محالة وعدم انفكاك الناس عنه فهو أبلغ من قوله تعالى : { يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الجمع } { وَذَلِكَ } أي يومُ القيامة مع ملاحظة عنوانِ جمعِ الناس له { يَوْمٌ مَّشْهُودٌ } أي مشهود فيه حيث يشهد فيه أهلُ السموات والأرضين فاتُسع فيه بإجراء الظرفِ مُجرى المفعولِ به كما في قوله :
في محفل من نواصي الناس مشهود ... أي كثيرٌ شاهدوه ولو جُعل نفسُ اليوم مشهوداً لفات ما هو الغرضُ من تعظيم اليومِ وتهويلِه وتمييزِه عن غيره فإن سائرَ الأيام أيضاً كذلك { وَمَا نُؤَخّرُهُ } أي ذلك اليومَ الملحوظَ بعُنوانيْ الجمعِ والشهود { إِلاَّ لاِجَلٍ مَّعْدُودٍ } إلا لانقضاء مدةٍ قليلةٍ مضروبةٍ حسبما تقتضيهِ الحكمة .
يَوْمَ يَأْتِ لَا تَكَلَّمُ نَفْسٌ إِلَّا بِإِذْنِهِ فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ (105) فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (106) خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (107)
{ يَوْمَ يَأْتِ } أي حين يأتي ذلك اليومُ المؤخَّرُ بانقضاء أجلِه كقوله تعالى : { أَوْ تَأْتِيَهُمُ الساعة } وقيل : يومَ يأتي الجزاءُ الواقعُ فيه ، وقيل : أي الله عز وجل فإن المقام مقامُ تفخيمِ شأنِ اليوم وقرىء بإثبات الياء على الأصل { لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ } أي لا تتكلم بما ينفع وينجّي من جواب أو شفاعةٍ ، وهو العاملُ في الظرف أو الانتهاء المحذوفِ في قوله تعالى : { إِلاَّ لاِجَلٍ مَّعْدُودٍ } أي ينتهي الأجل يوم يأتي أو المضمر المعهود أعني أذكر { إِلاَّ بِإِذْنِهِ } عز سلطانه في التكلم كقوله تعالى : { لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن } وهذا في موطن من مواطنِ ذلك اليومِ وقولُه عز وجل : { هذا يَوْمُ لاَ يَنطِقُونَ * وَلاَ يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ } في موقف آخرَ من مواقفه كما أن قولَه سبحانه : { يَوْمَ تَأْتِى كُلُّ نَفْسٍ تجادل عَن نَّفْسِهَا } في آخرَ منها أو المأذونُ فيه الجواباتُ الحقةُ والممنوعُ عنه الأعذار الباطلةُ ، نعم قد يُؤذن فيها أيضاً لإظهار بطلانِها كما في قول الكفرة : { والله رَبّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ } ونظائرِه { فَمِنْهُمْ شَقِىٌّ } وجبت له النارُ بموجب الوعيد { وَسَعِيدٌ } أي ومنهم سعيدٌ ، حُذف الخبرُ لِدلالة الأولِ عليه وهو من وجبت له الجنةُ بمقتضى الوعد ، والضميرُ لأهل الموقفِ المدلولِ عليهم بقوله : { لاَ تَكَلَّمُ نَفْسٌ } أو للناس ، وتقديمُ الشقيِّ على السعيد لأن المقامَ مقامُ التحذير والإنذار . (3/390)
{ فَأَمَّا الذين شَقُواْ } أي سبَقَت لهم الشقاوةُ { فَفِى النار } أي مستقرّون فيها { لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ } الزفيرُ إخراجُ النفَسِ والشهيقُ ردُّه وجاء استعمالُهما في أول النهيق وآخرِه قال الشماخ يصف حمارَ الوحش :
بعيدُ مدى التطريب ، أولُ صوتِه ... زفيرٌ ويتلوه شهيقٌ مُحشرَجُ
والمرادُ بهما وصفُ شدةِ كربِهم وتشبيهُ حالِهم بحال من استولت على قلبه الحرارةُ وانحصر فيه روحُه أو تشبيهُ صراخِهم بأصواتِ الحميرِ وقرىء شقوا بالضم والجملةُ مستأنفةٌ كأن سائلاً قال : ما شأنُهم فيها؟ فقيل : لهم فيها كذا وكذا ، أو منصوبةُ المحلِّ على الحالية من النار أو من الضمير في الجار والمجرور كقوله عز اسمُه : { خالدين فِيهَا } خلا أنه إن أريد حدوثُ كونِهم في النار فالحالُ مقدرةٌ { مَا دَامَتِ السموات والارض } أي مدةَ دوامِها وهذا التوقيتُ عبارةٌ عن التأبيد ونفيِ الانقطاع بناءً على منهاج قولِ العرب : ما دام تعار وما أقام ثَبيرٌ وما لاح كوكب وما اختلف الليلُ والنهار وما طما البحرُ وغيرُ ذلك من كلمات التأبيد لا تعليقِ قرارِهم فيها بدوام هذه السمواتِ والأرض فإن النصوصَ القاطعةَ دالةٌ على تأبيد قرارِهم فيها وانقطاعِ دوامِهما وإن أريد التعليقُ فالمراد سمواتُ الآخرة وأرضُها كما يدل على ذلك النصوصُ كقوله تعالى : { يَوْمَ تُبَدَّلُ الارض غَيْرَ الارض } وقولِه تعالى : { وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الارض نَتَبَوَّأُ مِنَ الجنة حَيْثُ نَشَاء } وجزم كلُّ أحدٍ بأن أهلَ الآخرةِ لا بد لهم من مِظلّة ومِقلّة دائمتين يكفي في تعليق دوامِ قرارِهم فيها بدوامهما ، ولا حاجة إلى الوقوف على تفاصيل أحوالِهما وكيفياتهما { إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } استثناءٌ من الخلود على طريقة قوله تعالى :
{ لاَ يَذُوقُونَ فِيهَا الموت إِلاَّ الموتة الاولى } وقوله : { وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ مّنَ النساء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } وقولِه تعالى : { حتى يَلِجَ الجمل فِى سَمّ الخياط } غير أن استحالة الأمورِ المذكورةِ معلومةٌ بحكم العقلِ ، واستحالةَ تعلّق المشيئةِ بعدم الخلودِ معلومةٌ بحكم النقل يعني أنهم مستقرّون في النار في جميع الأزمنةِ إلا في زمان مشيئةِ الله تعالى لعدم قرارِهم فيها وإذ لا إمكان لتلك المشيئةِ ولا لزمانها بحكم النصوصِ القاطعة الموجبةِ للخلود فلا إمكانَ لانتهاء مدةِ قرارِهم فيها ولدفع ما عسى يُتوّهم من كون استحالةِ تعلق مشيئةِ الله تعالى بعدم الخلود بطريق الوجوبِ على الله تعالى قال : { إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لّمَا يُرِيدُ } يعني أنه في تخليد الأشقياءِ في النار بحيث يستحيل وقوعُ خلافةِ فعالٌ بموجب إرادته قاضٍ بمقتضى مشيئتِه الجارية على سنن حكمته الداعيةِ إلى ترتيب الأجزيةِ على أفعال العبادِ ، والعدولُ من الإضمار إلى الإظهار لتربية المهابةِ وزيادةِ التقريرِ ، وقيل : هو استثناءُ من الخلود في عذاب النار فإنهم لا يخلّدون فيه بل يعذبون بالزمهرير وبأنواع أُخَرَ من العذاب وبما هو أغلظُ منها كلِّها وهو سَخَطُ الله تعالى عليهم وخَسْؤه لهم وإهانتُه إياهم ، وأنت تدري أنا وإن سلّمنا أن المرادَ بالنار ليس مطلقَ دارِ العذاب المشتملةِ على أنواع العذابِ بل نفسَ النار فما خلا عذابَ الزمهريرِ من تلك الأنواعِ مقارِنٌ لعذاب النار فلا مِصداقَ في ذلك للاستثناء ، ولك أن تقول إنهم ليسوا بمخلدين في العذاب الجُسماني الذي هو عذابُ النار بل لهم من أفانين العذاب ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وهي العقوباتُ والآلامُ الروحانية التي لا يقف عليها في هذه الحياة الدنيا المنغمِسون في أحكام الطبيعةِ المقصورُ إدراكُهم على ما ألِفوا من الأحوال الجُسمانية ، وليس لهم استعدادٌ لتلقّي ما وراء ذلك من الأحوال الروحانيةِ إذا ألقيَ إليهم ، ولذلك لم يتعرّض لبيانه واكتُفي بهذه المرتبةِ الإجماليةِ المنبئةِ عن التهويل ، وهذه العقوباتُ وإن كانت تعتريهم وهم في النار لكنهم ينسَوْن بها عذابَ النارِ ولا يُحِسّون به ، وهذه المرتبةُ كافيةٌ في تحقيق معنى الاستثناءِ هذا ، وقد قيل : إلا بمعنى سوى وهو أوفقُ بما ذكر وقيل : ما بمعنى مَنْ على إرادة معنى الوصفيةِ فالمعنى إن الذين شقُوا في النار مقدرين الخلود فيها إلا الذين شاء الله عدم خلودِهم فيها وهم عصاةُ المؤمنين . (3/391)
وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (108)
{ وَأَمَّا الذين سُعِدُواْ فَفِى الجنة خالدين فِيهَا مَا دَامَتِ السموات والارض } الكلامُ فيه كالكلام فيما سبق خلا أنه لم يُذكر هاهنا أن لهم فيها بهجةً وسروراً كما ذكر في أهل النارِ من أنه لهم فيها زفيرٌ وشهيق لأن المقام مقامُ التحذيرِ والإنذار { إِلاَّ مَا شَاء رَبُّكَ } إنْ حمل على طريقة التعليقِ بالمُحال فقوله سبحانه : { عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ } نُصب على المصدرية من معنى الجملة لأن قوله تعالى : { فَفِى الجنة خالدين فِيهَا } يقتضي إعطاءً وإنعاماً فكأنه قيل : يعطيهم عطاءً وهو إما اسمُ مصدرٍ هو الإعطاءُ أو مصدرٌ بحذف الزوائدِ كقوله تعالى : { أَنبَتَكُمْ مّنَ الارض نَبَاتاً } وإن حُمل على ما أعد الله لعباده الصالحين من النعيم الروحاني الذي عبّر عنه بما لا عينٌ رأت ولا أذن سمِعت ولا خطَر على قلب بشر فهو نصبٌ على الحالية من المفعول المقدر للمشيئة ، أو تمييزٌ فإن نسبةَ مشيئةِ الخروج إلى الله تعالى يحتمل أن تكون على جهة عطاءٍ مجذوذ وعلى جهة عطاءٍ غيرِ مجذوذ فهو رافعٌ للإبهام عن النسبة . قال ابن زيد : أخبرنا الله تعالى بالذي يشاء لأهل الجنةِ فقال : { عَطَاء غَيْرَ مَجْذُوذٍ } ولم يُخبرنا بالذي يشاء لأهل النارِ ويجوز أن يتعلق بكلا النعيمين أو بالأول دفعاً لما يتوهم من ظاهر الاستثناءِ من انقطاعه . (3/392)
فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِمَّا يَعْبُدُ هَؤُلَاءِ مَا يَعْبُدُونَ إِلَّا كَمَا يَعْبُدُ آَبَاؤُهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ نَصِيبَهُمْ غَيْرَ مَنْقُوصٍ (109) وَلَقَدْ آَتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (110)
{ فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ } أي في شك ، والفاءُ لترتيب النهي على ما قُصّ من القصص وبُيّن في تضاعيفها من العواقب الدنيوية والأخروية { مّمَّا يَعْبُدُ هَؤُلاء } أي من جهة عبادةِ هؤلاء المشركين وسوءِ عاقبتها أو من حال ما يعبُدونه من الأوثان في عدم نفعِه لهم . ولمّا كان مَساقُ النظمِ الكريم قبيل الشروعِ في القصص لبيان غايةِ سوءِ حال الكفرةِ وكمالِ حسنِ حال المؤمنين ، وقد ضُرب لهم مثلُ فقيل : { مَثَلُ الفريقين كالاعمى والاصم والبصير والسميع هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلاً أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } وقد قُص عَقيبَ ذلك من أنباء الأممِ السالفة مع رسلهم المبعوثةِ إليهم ما يتذكر به المتذكِّرُ نُهي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم عن كونه في شك من مصير أمرِ هؤلاءِ المشركين في العاجل والآجلِ ثم علل ذلك بطريق الاستئناف فقيل : { مَا يَعْبُدُونَ إِلاَّ كَمَا يَعْبُدُ ءابَاؤهُم } الذين قُصّت عليك قصصُهم { مِن قَبْلُ } أي هم وآباؤُهم سواءٌ في الشرك ، ما يعبدون عبادةً إلا كعبادتهم أو ما يعبدون شيئاً إلا مثلَ ما عبدوه من الأوثان ، والعدولُ إلى صيغة المضارعِ لحكاية الحالِ الماضيةِ لاستحضار صورتِها ، أو مثلَ ما كانوا يعبدونه فحُذف كان لِدلالة قولهِ : ( من قبل ) عليه ، ولقد بلغك ما لحق بآبائهم فسيلحقهم مثلُ ذلك فإن تماثلَ الأسبابِ يقتضي تماثل المسبَّبات { وَإِنَّا لَمُوَفُّوهُمْ } أي هؤلاء الكفرة { نَصِيبَهُمْ } أي حظَّهم المعيَّنَ لهم حسب جرائمِهم وجرائرِهم من العذاب عاجلاً وآجلاً كما وفّينا آباءَهم أنصباءَهم المقدّرة لهم ، أو من الرزق المقسومِ لهم فيكون بياناً لوجه تأخُّرِ العذاب عنهم مع تحقق ما يوجبه { غَيْرَ مَنقُوصٍ } حالٌ مؤكدة من النصيب كقوله تعالى : { ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ } وفائدتُه دفعُ توهّم التجوّزِ وجعلُها مقيدةً له لدفع احتمالِ كونِه منقوصاً في حد نفسه مبنيٌّ على الذهول عن كون العاملِ هو التوفيةَ فتأمل . (3/393)
{ وَلَقَدْ ءاتَيْنَا موسى الكتاب } أي التوراةَ { فاختلف فِيهِ } أي في شأنه وكونِه من عند الله تعالى فآمن به قومٌ وكفر به آخرون فلا تبالِ باختلاف قومِك فيما آتيناك من القرآن وقولِهم : { لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ } وزعمِهم أنك افتريتَه { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ } وهي كلمةُ القضاءِ بإنظارهم إلى يوم القيامةِ على حسب الحِكمةِ الداعيةِ إلى ذلك { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } أي لأوقع القضاءَ بين المختلفين من قومك بإنزال العذابِ الذي يستحقه المبطِلون ليتميّزوا به عن المُحِقّين ، وقيل : بين قوم موسى وليس بذاك { وَإِنَّهُمْ } أي وإن كفارَ قومِك أريد به بعضُ من رجع إليهم ضميرُ بينهم للأمن من الإلباس { لَفِى شَكّ } عظيم { مِنْهُ } أي من القرآن وإن لم يجْرِ له ذكر ، فإن ذكرَ إيتاءِ كتابِ موسى ووقوعِ الاختلافِ فيه لا سيما بصدد التسليةِ ينادي به نداءً غيرَ خفي { مُرِيبٍ } مُوقِع في الريبة .
وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (111) فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (112)
{ وَإِنَّ كُلاًّ } التنوينُ عوضٌ عن المضاف إليه أي وإن كلَّ المختلِفين فيه المؤمنين منهم والكافرين ، وقرأ ابنُ كثير ، ونافعٌ ، وأبو بكر ، بالتخفيف مع الإعمال اعتباراً للأصل { لَّمَّا لَيُوَفّيَنَّهُمْ رَبُّكَ أَعْمَالَهُمْ } أي أجزيةَ أعمالِهم ، واللامُ الأولى موطئةٌ للقسم والثانيةُ جوابٌ للقسم المحذوف ، ولما مركبةٌ من مِنْ الجارة وما الموصولة أو الموصوفة وأصلها لمِن فقلبت النون ميماً للإدغام فاجتمع ثلاث ميماتٍ فحُذفت أولاهن ، والمعنى لَمِن الذي أو لمِنْ خلْقٍ أو لمن فريقٍ والله ليوفينهم ربك وقرىء لما بالتخفيف على أن ما مزيدةٌ للفصل بين اللامين والمعنى إن جميعَهم والله ليوفينهم الآية وقرىء لمًّا بالتنوين أي جميعاً كقوله سبحانه : { أَكْلاً لَّمّاً } وقرأ أبي وإنْ كلٌّ لمّا ليوفينهم على أن نافية ولما بمعنى إلا وقد قرىء به { إِنَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ } أي بما يعمله كلُّ فردٍ من المختلفين من الخير والشر { خَبِيرٌ } بحيث لا يخفى عليه شيءٌ من جلائله ودقائقه ، وهو تعليلٌ لما سبق من توفية أجزيةِ أعمالِهم فإن الإحاطةَ بتفاصيل أعمالِ الفريقين وما يستوجبه كلُّ عمل بمقتضى الحكمةِ من الجزاء المخصوصِ توجب توفيةَ كلِّ ذي حقٍ حقَّه إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشر . (3/394)
{ فاستقم كَمَا أُمِرْتَ } لما بيّن في تضاعيف القصص المَحْكية عن الأمم الماضيةِ سوءُ عاقبة الكفرِ وعصيانِ الرسل وأُشير إلى أن حالَ هؤلاء الكفرةِ في الكفر والضلالِ واستحقاق العذابِ مثلُ أولئك المعذبين وأن نصيبَهم من العذاب واصلٌ إليهم من غير نقص وأن تكذيبَهم للقرآن مثلُ تكذيبِ قوم موسى عليه السلام للتوراة وأنه لو لم تسبِقْ كلمةُ القضاءِ بتأخير عقوبتِهم العامةِ ومؤاخذتِهم التامّةِ إلى يوم القيامة لفُعل بهم ما فُعل بآبائهم من قبلُ وأنهم يُوفَّوْن نصيبَهم غيرَ منقوص وأن كل واحدٍ من المؤمنين والكافرين يوفى جزاءَ عملِه أُمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بالاستقامة كما أمر به في العقائد والأعمالِ المشتركة بينه وبين سائِر المؤمنين ولا سيما الأعمالُ الخاصةُ به عليه السلام من تبليغ الأحكامِ الشرعية والقيامِ بوظائف النبوةِ وتحمّل أعباءِ الرسالةِ بحيث يدخُل تحته ما أمر به فيما سبق من قوله تعالى : { فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } الآية ، وبالجملة فهذا الأمرُ منتظمٌ لجميع محاسنِ الأحكامِ الأصليةِ والفرعية والكمالاتِ النظريةِ والعملية والخروجُ من عُهدته في غاية ما يكون من الصعوبة ولذلك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « شيبتْني سورةُ هود » { وَمَن تَابَ مَعَكَ } أي تاب من الشرك والكفرِ وشاركك في الإيمان وهو المعنيُّ بالمعية وهو معطوفٌ على المستكنّ في قوله : فاستقم ، وحسُن من غير تأكيدٍ لمكان الفاصل القائمِ مَقامَه ، وفي الحقيقة هو مِن عطف الجملةِ على الجملة إذ المعنى وليستقم مَنْ تاب معك ، وقيل : هو منصوبٌ على أنه مفعولٌ معه كما قاله أبو البقاء ، والمعنى استقم مصاحباً لمن تاب معك { وَلاَ تَطْغَوْاْ } ولا تنحرفوا عما حُدّ لكم بإفراط أو تفريط ، فإن كِلا طرفي قصدِ الأمور ذميمٌ ، وإنما سُمّي ذلك طغياناً وهو تجاوزُ الحدِّ تغليظاً أو تغليباً لحال سائرِ المؤمنين على حاله عليه السلام { إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ } فيجازيكم على ذلك وهو تعليلٌ للأمر والنهي ، وفي الآية دِلالةٌ على وجوب اتباعِ المنصوص عليه من غير انحرافٍ بمجرد الرأي فإنه طغيانٌ وضلالٌ ، وأما العملُ بمقتضى الاجتهادِ التابعِ لعلل النصوصِ فذلك من باب الاستقامةِ كما أمر على موجب النصوصِ الآمرةِ بالاجتهاد .