صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم |
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (99) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (100)
{ وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِى الارض } تحقيقٌ لدروان إيمانِ كافةِ المكلفين وجوداً وعدماً على قُطب مشيئتِه تعالى مطلقاً إثرَ بيانِ تبعيةِ كفرِ الكفرةِ لكلمته ومفعولُ المشيئة محذوفٌ لوجود ما يقتضيه من وقوعها شرطاً وكونِ مفعولها مضمونَ الجزاء وأن لا يكونَ في تعلقها به غرابةٌ كما هو المشهورُ أي لو شاء سبحانه إيمانَ من في الأرض من الثقلين لآمن { كُلُّهُمْ } بحيث لا يشِذّ عنهم أحد { جَمِيعاً } مجتمعين على الإيمان لا يختلفون فيه لكنه لا يشاؤه لكونه مخالفاً للحِكمة التي عليها بُنيَ أساسُ التكوين والتشريع وفيه دِلالةٌ على أنه من شاء الله إيمانَه يؤمن لا محالة { أَفَأَنتَ تُكْرِهُ الناس } على ما لم يشأ الله منهم حسبما ينبىء عنه حرفُ الامتناعِ في الشرطية والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلام كأنه قيل : أربُّك لا يشاء ذلك فأنت تُكرههم { حتى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ } فيكون الإنكارُ متوجهاً إلى ترتيب الإكراهِ المذكورِ على عدم مشيئته تعالى ويجوز أن تكون الفاء لترتيب الإنكارِ على عدم مشيئته تعالى بناء على أن الهمزة متأخرة في الاعتبار وإنما قدمت لاقتضائها الصدارة كما هو رأيُ الجمهورِ وأياً ما كان فالمشيئةُ على إطلاقها إذ لا فائدةَ بل لا وجهَ لاعتبار عدمِ مشيئة الإلجاءِ خاصة في إنكار الترتيبِ عليه أو ترتيب الإنكارِ عليه وفي إيلاء الاسم حرف الاستفهام إيذان بأن الإكراهَ أمرٌ ممكنٌ لكن الشأنَ في المكرَه مَنْ هو وما هو إلا هو وحده لا يشارك فيه لأنه القادرُ على أن يفعل في قلوبهم ما يضطرهم إلى الإيمان وذلك غيرُ مستطاعٍ للبشر وفيه إيذانٌ باعتبار الإلجاءِ في المشيئة كما أشير إليه { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ } بيانٌ لتبعية إيمانِ النفوس المؤمنةِ لمشيئته تعالى وجوداً بعد بيانِ الدوران الكليِّ عليها وجوداً وعدماً أي ما صح وما استقام لنفس من النفوس التي علم الله تعالى أنها تؤمنُ { أَن تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } أي بتسهيله ومنحِه للألطاف وإنما خُصت النفسُ بمن ذُكر ولم يُجعل من قبيل قولِه تعالى : { وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله } لأن الاستثناءَ مفرَّغٌ من أعم الأحوال أي ما كان لنفس أن تؤمن في حال من أحوالها إلا حالَ كونِها ملابسةً بإذنه تعالى فلا بد من كون الإيمانِ مما يؤول إليه حالُها كما أن الموتَ مآلٌ لكل نفس بحيث لا محيصَ لها عنه فلا بد من تخصيص النفسِ بمن ذكر فإن النفوسَ التي علم الله أنها لا تؤمنُ ليس لها حالٌ تؤمن فيها حتى يستثنى تلك الحال من غيرها { وَيَجْعَلُ الرجس } أي الكفر بقرينة ما قبله عبر عنه بالرجس الذي هو عبارةٌ عن القبيح المستقذَر المستكرَه لكونه علماً في القبح والاستكراه وقيل : هو العذاب أو الخِذلان المؤدي إليه وقرىء بنون العظمة وقرىء بالزاي أي يجعل الكفرَ ويبقيه { عَلَى الذين لاَ يَعْقِلُونَ } لا يستعملون عقولهم بالنظر في الحجج والآيات أو لا يعقلون دلائله وأحكامه لما على قلوبهم من الطبع فلا يحصُل لهم الهدايةُ التي عبّر عنها بالإذن فيبقَون مغمورين بقبائح الكفرِ والضلال أو مقهورين بالعذاب والنَّكال والجملةُ معطوفةٌ على مقدر ينسحب عليه النظمُ الكريم كأنه قيل : فيأذن لهم بمنح الألطافِ ويجعل الخ . (3/307)
قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (101) فَهَلْ يَنْتَظِرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (102) ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ (103)
{ قُلْ } مخاطِباً لأهل مكةَ بعثاً لهم على التدبر في ملكوت السمواتِ والأرض وما فيهما من تعاجيب الآياتِ الأنفسية والآفاقية ليتضحَ لك أنهم من الذين لا يعقِلون وحقّت عليهم الكلمة { انظروا } أي تفكروا وقرىء بنقل حركةِ الهمزةِ إلى لام قل { مَاذَا فِى السموات والارض } أي أيُّ شيءٍ بديعٍ فيهما من عجائب صُنعه الدالةِ على وحدته وكمالِ قدرتِه على أن ماذا جعل بالتركيب اسماً واحداً مغلّباً فيه الاستفهامُ على اسم الإشارةِ فهو مبتدأٌ خبرُه الظرفُ ويجوز أن يكون ( ما ) مبتدأ وذا بمعنى الذي والظرفُ صلته والجملةُ خبرٌ للمبتدأ وعلى التقديرين فالمبتدأ والخبرُ في محل النصبِ بإسقاط الخافضِ وفعلُ النظر معلقٌ بالاستفهام { وَمَا تُغْنِى } أي ما تنفع وقرىء بالتذكير { الايات } وهي التي عبر عنها بقوله تعالى : { مَاذَا فِى السموات والارض } { والنذر } جمع نذير على أنه فاعل بمعنى منذر أو على أنه مصدر أي لا تنفع الآيات والرسل المنذرون أو الإنذارات { عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } في علم الله تعالى وحكمه فما نافية والجملة إما حالية أو اعتراضية ويجوز كون ما استفهاميةً إنكاريةً في موضع النصبِ على المصدرية أي أي إغناء تغني الخ ، فالجملة حينئذ اعتراضية { فَهَلْ يَنتَظِرُونَ } أي مشركوا مكة وأضرابهم { إِلاَّ مِثْلَ أَيَّامِ الذين خَلَوْاْ } أي إلا يوماً مثل أيام الذين خلوا { مِن قَبْلِهِمُ } من مشركي الأممِ الماضية أي مثل وقائعهم ونزول بأس الله بهم إذ لا يستحقون غيره من قولهم أيام العرب لوقائعها { قُلْ } تهديداً لهم { فانتظروا } ما هو عاقبتكم { إِنّى مَعَكُم مّنَ المنتظرين } لذلك { ثُمَّ نُنَجّى رُسُلَنَا } بالتشديد وقرىء بالتخفيف وهو عطفٌ على مقدر يدل عليه قوله : مثل أيام الذين خلَوا وما بينهما اعتراضٌ جيء به مسارعةً إلى التهديد ومبالغة في تشديد الوعيد كأنه قيل : أهلكنا الأمم نجينا رسلنا المرسلة إليهم . (3/308)
{ والذين ءامَنُواْ } وصيغةُ الاستقبالِ لحكاية الأحوالِ الماضية لتهويل أمرها باستحضار صورِها وتأخيرُ حكايةِ التنجيةِ عن حكاية الإهلاكِ على عكس ما في قوله تعالى : { فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِى الفلك } الخ ، ونظائِره الواردةِ في مواقعَ عديدة ليتصل به قولُه عز وجل : { كذلك } أي مثل ذلك الإنجاء { حَقّاً عَلَيْنَا } اعتراض بين العامل والمعمول أي حق ذلك حقاً وقيل : بدل من المحذوف الذي ناب عنه كذلك أي إنجاء مثل ذلك حقاً والكاف متعلقة بقوله تعالى : { نُنَجِّى المؤمنين } أي من كل شدة وعذاب والجملة تذييل لما قبلها مقرر لمضمونه والمرادُ بالمؤمنين إما الجنسُ المتناول للرسل عليهم السلام وإما الأتباعُ فقط وإنما لم يذكر إنجاء الرسل إيذاناً بعدم الحاجة إليه وأياً ما كان ففيه تنبيهٌ على أن مدارَ النجاة هو الإيمان .
قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (104) وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (105) وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106)
{ قُلْ } لجمهور المشركين { يأَيُّهَا الناس } أوثر الخطاب باسم الجنس مصدراً بحرف التنبيه تعميماً للتبليغ وإظهاراً لكمال العناية بشأن ما بلغ إليهم { إِن كُنتُمْ فِى شَكّ مّن دِينِى } الذي أتعبّد الله عز وجل به وأدعوكم إليه ولم تعلموا ما هو وما صفتُه { فَلاَ أَعْبُدُ الذين تَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } في وقت من الأوقات { ولكن أَعْبُدُ الله الذى يَتَوَفَّاكُمْ } ثم يَفعل بكم ما يفعل من فنون العذاب أي فاعلموا أنه تخصيصُ العبادةِ به ورفضُ عبادةِ ما سواه من الأصنام وغيرِها مما تعبدونه جهلاً ، وتقديمُ تركِ عبادةِ الغير على عبادته تعالى لتقدم التخليةِ على التحلية كما في كلمة التوحيد ، وللإيذان بالمخالفة من أول الأمر أو إن كنتم في شك من صحة ديني وسَدادِه فاعلموا أن خلاصتَه إخلاصُ العبادة لمن بيده الإيجادُ والإعدام دون ما هو بمعزل منهما من الأصنام فاعِرضوها على عقولكم وأجيلوا فيها أفكارَكم وانظُروا فيها بعين الإنصافِ لتعلموا أنه حقٌّ لا ريب فيه بالشك مع كونهم قاطعين بعدم الصحةِ للإيذان بأن أقصى ما يمكن عروضُه للعاقل في هذا الباب هو الشكُّ في صحته ، وأما القطعُ بعدمها فمما لا سبيلَ إليه وإن كنتم في شك من ثباتي على الدين فاعلموا أني لا أتركه أبداً { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المؤمنين } بما دل عليه العقلُ ونطق به الوحيُ وهو تصريحٌ بأن ما هو عليه من دين التوحيدِ ليس بطريق العقلِ الصِّرْفِ بل بالإمداد السماويِّ والتوفيق الإلهي ، وحذفُ حرفِ الجر من ( أن ) يجوز أن يكون من باب الحذفِ المطردِ مع أنْ وأنّ ، وأن يكون خاصاً بفعل الأمرِ كما في قوله : (3/309)
أمرتُك الخيرَ فافعلْ ما أُمِرْت به ... { وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ } عطفٌ على أن أكونَ خلا أن صلةَ أن محكيةٌ بصيغة الأمرِ ولا ضيرَ في ذلك لأن مناطَ جوازِ وصلها بصيغ الأفعال دلالتُها على المصدر ، وذلك لا يختلف بالخبرية والطلبيةِ ، ووجوبُ كونِ الصلةِ خبريةً في الموصول الاسميِّ إنما هو للتوصل إلى وصف المعارفِ بالجمل وهي لا توصف إلا بالجمل الخبرية ، وليس الموصولُ الحرفيُّ كذلك أي وأُمرتُ بالاستقامة في الدين والاستبدادِ فيه بأداء المأمورِ به والانتهاءِ عن المنهيِّ عنه أو باستقبال القبلةِ في الصلاة وعدمِ الالتفات إلى اليمين والشمال { حَنِيفاً } حالٌ من الدين أو الوجه أي مائلاً عن الأديان الباطلة { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ المشركين } عطفٌ على أقم داخلٌ تحت الأمرِ أي لا تكونن منهم اعتقاداً ولا عملاً وقوله عز وعلا : { وَلاَ تَدْعُ } عطف على قوله تعالى : { قُلْ ياأيها الناس } غير داخل تحت الأمر وقيل : على ما قبله من النهي والوجهُ هو الأولُ لأن ما بعده من الجمل إلى آخر الآيتين متسقةٌ لا يمكن فصلُ بعضِها عن بعض كما ترى ولا وجهَ لإدراج الكلِّ تحت الأمرِ ، وهو تأكيدٌ للنهي المذكورِ وتفصيلٌ لما أجمل فيه إظهاراً لكمال العنايةِ بالأمر وكشفاً عن وجه بُطلان ما عليه المشركون أي لا تدْعُ { مِن دُونِ الله } استقلالاً ولا اشتراكاً { مَا لاَ يَنفَعُكَ } إذا دعوتَه بدفع مكروهٍ أو جلبِ محبوب { وَلاَ يَضُرُّكَ } إذا تركتَه بسلب المحبوبِ دفعاً أو رفعاً أو بإيقاع المكروهِ ، وتقديمُ النفعِ على الضرر غنيٌّ عن بيان السبب { فَإِن فَعَلْتَ } أي ما نُهيتَ عنه من دعاء ما لا ينفع ولا يضر ، كنّى به عنه تنويهاً لشأنه عليه السلام وتنبيهاً على رفعة مكانِه من أن يُنسَب إليه عبادةُ غير الله سبحانه ولو في ضمن الجملةِ الشرطية { فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ الظالمين } جزاءٌ للشرط وجوابٌ لسؤال من يسأل عن تَبِعة ما نُهي عنه .
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (107) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (108)
{ وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ } تقريرٌ لما أورد في حيز الصلة من سلب النفعِ من الأصنام وتصويرٌ لاختصاصه به سبحانه { فَلاَ كاشف لَهُ } عنك كائناً من كان وما كان { إِلاَّ هُوَ } وحده فيثبت عدمُ كشفِ الأصنامِ بالطريق البرهاني وهو بيانٌ لعدم النفعِ برفع المكروهِ المستلزِمِ لعدم النفعِ بجلب المحبوبِ استلزاماً ظاهراً فإن رفعَ المكروهِ أدنى مراتبِ النفعِ فإذا انتفى انتفى النفعُ بالكلية . (3/310)
{ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ } تحقيقٌ لسلب الضررِ الواردِ في حيز الصلةِ ، أي إن يُرِدْ أن يصيبَك بخير { فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ } الذي من جملته ما أرادك به من الخير فهو دليلٌ على جواب الشرطِ لا نفسُ الجواب ، وفيه إيذانٌ بأن فيضانَ الخير منه تعالى بطريق التفضّل من غير استحقاقٍ عليه سبحانه أي لا أحدَ يقدِر على رده كائناً ما كان فيدخل فيه الأصنامُ دخولاً أولياً وهو بيانٌ لعدم ضُرِّها بدفع المحبوبِ قبلَ وقوعِه المستلزمِ لعدم ضُّرِّها برفعه أو بإيقاع المكروهِ استلزاماً جلياً ، ولعل ذكرَ الإرادةِ مع الخير والمسِّ مع الضر مع تلازم الأمرين للإيذان بأن الخيرَ مُراد بالذات وأن الضُرَّ إنما يَمسُّ من يَمَسّه لما يوجبه من الدواعي الخارجيةِ لا بالقصد الأوليّ أو أريد معنى الفعلين في كلَ من الضر والخير وأنه لا رادَّ لما يريد منهما ولا مزيلَ لما يصيب به منهما فأوجزَ الكلامَ بأن ذكرَ في أحدهما المسَّ وفي الآخر الإرادةَ ليدل بما ذكر في كل جانبٍ على ما تُرك في الجانب الآخر على أنه قد صرّح بالإصابة حيث قيل : { يُصَيبُ بِهِ } إظهاراً لكمال العنايةِ بجانب الخير كما ينبىء عنه تركُ الاستثناءِ فيه أي يصيب بفضله الواسعِ المنتظمِ لما أرادك به من الخير ، وجعلُ الفضلِ عبارةً عن ذلك الخير بعينه على أن يكون من باب وضعِ المُظهرِ في موضع المُضمَرِ لما ذُكر من الفائدة يأباه قوله عز وجل : { مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ } فإن ذلك ينادي بعموم الفضل ، وقوله عز قائلاً : { وَهُوَ الغفور الرحيم } تذييلٌ لقوله تعالى : { يُصَيبُ بِهِ } الخ ، مقرِّرٌ لمضمونه ، والكلُّ تذييلٌ للشرطية الأخيرةِ محققٌ لمضمونها .
{ قُلْ } مخاطباً لأولئك الكفرةِ بعد ما بلّغتهم ما أوحيَ إليك { ياأيها الناس قَدْ جَاءكُمُ الحق مِن رَّبّكُمْ } وهو القرآنُ العظيمُ المشتمِلُ على محاسن الأحكامِ التي من جملتها ما مر آنفاً من أصول الدينِ واطلعتم على ما في تضاعيفه من البينات والهدى ولم يبقَ عذرٌ { فَمَنُ اهتدى } بالإيمان به والعملِ بما في مطاويه { فَإِنَّمَا يَهْتَدِى لِنَفْسِهِ } أي منفعةُ اهتدائِه لها خاصة { وَمَن ضَلَّ } بالكفر به والإعراض عنه { فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا } أي فوبالُ الضلالِ مقصورٌ عليها ، والمرادُ تنزيهُ ساحةِ الرسالةِ عن شائبة غرضٍ عائد إليه عليه السلام من جلب نفعٍ أو دفع ضرَ كما يلوح به إسنادُ المجيء إلى الحق من غير إشعارٍ بكون ذلك بواسطته { وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ } بحفيظ موصولٍ إلى أمركم وإنما أنا بشيرٌ ونذير .
وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (109)
{ واتبع } اعتقاداً وعملاً وتبليغاً { مَا يوحى إِلَيْكَ } على نهج التجددِ والاستمرارِ من الحق المذكورِ المتأكِّدِ يوماً فيوماً ، وفي التعبير عن بلوغه إليهم بالمجيء وإليه عليه السلام بالوحي تنبيهٌ على ما بين المرتبتين من التنائي { واصبر } على ما يعتريك من مشاقِّ التبليغِ { حتى يَحْكُمَ الله } بالنُصرة عليهم أو بالأمر بالقتال { وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ } إذ لا يمكن الخطأ في حكمه لاطّلاعه على السرائر اطّلاعَه على الظواهر . عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : « من قرأ سورةَ يونُسَ أُعطيَ له من الأجر عشرَ حسناتٍ بعدد من صَدَّقَ بيونُسَ وكذّب به وبعدد مَنْ غرِق مع فرعونَ » والحمدُ لله وحده . (3/311)
الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آَيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (1)
( سورة هود عليه السلام ) (3/312)
( مكية وهى مائة وثلاث وعشرون آية )
{ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم } { الر } محلُّه الرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ ، وقيل : على أنه مبتدأٌ والأولُ هو الأظهرُ كما أشير إليه في سورة يونُسَ ، أو النصبُ بتقدير فعلٍ يناسب المقامَ نحو اذكُر أو اقرأ على تقدير كونِه اسماً للسورة على ما عليه إطباقُ الأكثرِ ، أو لا محلَّ له من الإعراب مسرودٌ على نمط التعديدِ حسبما فُصِّل في أخوَاته ، وقوله تعالى : { كِتَابٌ } خبرٌ له على الوجه الثاني ، ولمبتدأ محذوفٍ على الوجوه الباقيةِ { أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ } نُظمت نظماً مُتْقناً لا يعتريه خللٌ بوجه من الوجوه أو جُعلت حكيمةً لانطوائها على جلائل الحِكَم البالغةِ ودقائِقها أو مُنعت من النسخ بمعنى التغييرِ مطلقاً أو أُيّدت بالحُجج القاطعةِ الدالةِ على كونها من عند الله عز وجل أو على ثبوتِ مدلولاتِها فالمرادُ بالآيات جميعُها أو على حقية ما تشتمل عليه من الأحكام الشرعيةِ فالمرادُ بها بعضُها المشتملُ عليها كما إذا فُسِّر الأحكامُ بالمنع من النسخ بمعنى تبديلِ الحُكمِ الشرعيِّ خاصةً ، وأما تفسيرُه بالمنع من الفساد أخذاً من قولهم : أحكمتَ الدابة إذا وضعتَ عليها الحَكَمة لتمنعَها من الجِماح ففيه إيهامُ ما لا يكاد يليقُ بشأن الآياتِ الكريمةِ من التداعي إلى الفساد لولا المانع ، وفي إسناد الإحكامِ على الوجوه المذكورةِ إلى آيات الكتابِ دون نفسِه لا سيما على الوجوه الشاملةِ لكل آية منه من حسن الموقعِ والدِلالة على كونه في أقصى غاية منه ما لا يخفى { ثُمَّ فُصّلَتْ } أي جُعلت فصولاً من الأحكام والدلائل والمواعظِ والقِصصِ أو فُصّل فيها مَهمّاتُ العبادِ في المعاش والمعادِ على الإسناد المجازيِّ والتفسيرُ بجعلها آيةً آيةً لا يساعده ، لأن ذلك من الأوصاف الأوليةِ فلا يناسب عطفُه على أحكامها بكلمة التراخي ، وأما المعنيان الأوّلانِ فهما وإن كانا مع الأحكام زماناً حيث لم تزَل الآياتُ مُحكمةً مفصّلة لا أنها أُحكِمَتْ أو فُصِّلَت بعد أن لم تكن كذلك ، إذ الفعلانِ من قَبيل قولِهم : سبحان من صغّر البَعوضَ وكبّر الفيلَ ، إلا أنهما حيث كانا من صفات الآياتِ باعتبار نسبةِ بعضِها إلى بعض على وجه يستتبِعُ أحكاماً مخصوصةً وآثاراً معتدًّا بها ، وبملاحظة مصالحِ العبادِ ناسبَ أن يشار إلى تراخي رتبتِهما عن رتبة الإحكام ، وإن حُمل جعلُها آية آيةً على معنى تفريقِ بعضِها عن بعض يكونُ من هذا القبيل إلا أنه ليس في مثابته في استتباع ما يستتبعه من الأحكام والآثارِ ، أو فُرّقت في التنزيل منجّمة بحسب المصالحِ فإن أريد تنزيلُها المنجَّمُ بالفعل فالتراخي زمانيٌّ وإن أريد جعلُها في نفسها بحيث يكون نزولُها منجّماً حسبما تقتضيهِ الحِكمةُ والمصلحةُ فهو رُتبيٌّ لأن ذلك وصفٌ لازمٌ لها حقيقٌ بأن يُرتَّبَ على وصف إحكامِها وقرىء أحكمتُ آياتِه ثم فصّلتُ على صيغة التكلم وعن عكرمة والضحاك ثم فصلت أي فرّقت بين الحق والباطل .
{ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ } صفةٌ للكتاب وُصف بها بعد ما وصُف بإحكام آياتِه وتفصيلِها الدالّين على رتبتِه من حيث الذاتُ إبانةً لجلالة شأنِه من حيث الإضافةُ ، أو خبرٌ للمبتدأ المذكور أو المحذوفِ ، أو صلةٌ للفعلين وفي بنائها للمفعول ثم إيرادِ الفاعلِ بعنوان الحِكمة البالغةِ والإحاطةِ بجلائلها ودقائِقها منكراً بالتنكير التفخيميّ وربطِهما به لا على النهج المعهودِ في إسناد الأفاعيلِ إلى فواعلها مع رعاية حسنِ الطباقِ من الجزالة والدلالة على فخامتهما وكونِهما على أكمل ما يكون ما لا يُكتنه كُنهُه . (3/313)
أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (2) وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ (3)
{ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله } مفعولٌ له حُذف عنه اللامُ مع فقدان الشرطِ ، أعني كونَه فعلاً لفاعل الفعلِ المعللِ جرياً على سنن القياسِ المطّردِ في حذف حرفِ الجرِّ مع أن المصدريةِ ، كأنه قيل : كتابٌ أُحكمت آياتُه ثم فُصّلت لئلا تعبدوا إلا الله ، أي لتترُكوا عبادةَ غيرِ الله عز وجل وتتمحّضوا في عبادته ، فإن الإحكامَ والتفصيلَ على ما فُصّل من المعاني مما يدعوهم إلى الإيمان والتوحيدِ وما يتفرع عليه من الطاعات قاطبةً . وقيل : أنْ مفسرةٌ لما في التفصيل من معنى القولِ أي قيل : لا تعبدوا إلا الله { إِنَّنِى لَكُمْ مِّنْهُ } من جهة الله تعالى { نَّذِيرٌ } أُنذركمَ عذابَه إن لم تتركو ما أنتم عليه من الكفر وعبادةِ غيرِ الله تعالى { وَبَشِيرٌ } أبشركم بثوابه إن آمنتم به وتمحّضتم في عبادته ، ولمّا ذُكر شؤون الكتابِ من إحكام آياتهِ وتفصيلِها وكونِ ذلك من قِبَل الله تعالى وأُورد معظمُ ما نُظم في سلك الغايةِ والأمرِ من التوحيد وتركِ الإشراك وُسِّط بينه وبين قرينيه أعني الاستغفارَ والتوبة ذِكرُ أن من نُزّل عليه ذلك الكتابُ مرسَلٌ من عند الله تعالى لتبليغ أحكامِه وترشيحِها بالمؤيدات من الوعد والوعيدِ للإيذان بأن التوحيدَ في أقصى مراتبِ الأهمية حتى أُفرد بالذكر وأُيِّد إيجابُه بالخطاب غِبَّ الكتابِ مع تلويح بأنه كما لا يتحقق في نفسه إلا مقارِناً للحُكم برسالته عليه السلام كذلك في الذكر لا ينفكّ أحدُهما عن الآخر ، وقد رُوعيَ في سَوق الخطابِ بتقديم الإنذار على التبشير ما رُوعيَ في الكتاب من تقديم النفي على الإثبات والتخليةِ على التحليةِ لتجاوب أطرافِ الكلامِ ، ويجوز أن يكون قوله تعالى : { أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله } كلاماً منقطعاً عما قبله وارداً على لسانه عليه السلام إغراءً لهم على اختصاصه تعالى بالعبادة كأنه عليه السلام قال : « تركَ عبادةِ غيرِ الله » أي الزموه ، على معنى اترُكوا عبادةَ غيرِ الله تركاً مستمراً إنني لكم من جهة الله تعالى نذيرٌ وبشير ، أي نذير أنذرُكم من عقابه على تقدير استمرارِكم على الكفر وبشيرٌ أبشرّكم بثوابه على تقدير تركِكم له وتوحيدِكم ، ولما سيق إليهم حديثُ التوحيدِ وأُكد ذلك بخطاب الرسولِ صلى الله عليه وسلم على وجه الإنذارِ والتبشيرِ شُرع في ذكر ما هو من تتماته على وجه يتضمّن تفصيلَ ما أجمل وصف البشير والنذير فقيل : (3/314)
{ وَأَنِ استغفروا رَبَّكُمْ } وهو معطوفٌ على أن لا تعبدوا على ما ذكر من الوجهين فعلى الأول أنْ مصدريةٌ لجواز كون صلتِها أمراً أو نهياً كما في قوله تعالى : { وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا } لأن مدارَ جوازِ كونِها فعلاً إنما هو دلالتُه على المصدر وهو موجودٌ فيهما ، ووجوبِ كونِها خبريةً في صلة الموصول الاسميِّ إنما هو للتوصل إلى وصف المعارفِ بالجمل وهي لا توصف بها إلا إذا كانت خبريةً ، وأما الموصولُ الحرفيُّ فليس كذلك ، ولما كان الخبرُ والإنشاءُ في الدلالة على المصدر سواءً ساغ وقوعُ الأمرِ والنهي صلةً حسبما ساغ وقوعُ الفعلِ فيتجرد عند ذلك عن معنى الأمر والنهي نحوُ تجرّدِ الصلةِ الفعليةِ عن معنى المضيِّ والاستقبال { ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } عطف على استغفروا والكلامُ فيه كالكلام فيه والمعنى فُعل ما فُعل من الإحكام والتفصيلِ لتخصّوا الله تعالى بالعبادة وتطلُبوا منه سَتر ما فرَط منكم من الشرك ثم ترجِعوا إليه بالطاعة أو تستمرّوا على ما أنتم عليه من التوحيد والاستغفارِ أو تستغفروا من الشرك وتتوبوا من المعاصي ، وعلى الثاني أنْ مفسرةٌ أي قيل في أثناء تفصيلِ الآياتِ : لا تعبدوا إلا الله واستغفِروه ثم توبوا إليه ، والتعرّضُ لوصف الربوبيةِ تلقينٌ للمخاطَبين وإرشادٌ لهم إلى طريق الابتهالِ في السؤال وترشيحٌ لما يعقُبه من التمتيع وإيتاءِ الفضلِ بقوله تعالى : { يُمَتّعْكُمْ مَّتَاعًا حَسَنًا } أي تمتيعاً ، وانتصابُه على أنه مصدرٌ حذف منه الزوائدُ كقوله تعالى :
{ أَنبَتَكُمْ مّنَ الارض نَبَاتاً } أو على أنه مفعولٌ به وهو اسمٌ لما يُتمتّع به من منافع الدنيا من الأموال والبنينَ وغيرِ ذلك ، والمعنى يُعِيْشُكم عَيشاً مرضياً لا يفوتكم فيه شيءٌ مما تشتهون ولا ينغصُه شيءٌ من المكدرات { إلى أَجَلٍ مُّسَمًّى } مقدّرٍ عند الله عز وجل وهو آخرُ أعمارِكم ، ولما كان ذلك غايةً لا يطمح وراءَها طامحٌ جرى التمتيعُ إليها مجرى التأييدِ عادةً أو لا يهلككم بعذاب الاستئصال { وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ } في الطاعة والعملِ { فَضْلَهُ } جزاءَ فضلِه إما في الدنيا أو في الآخرة ، وهذه تكملةٌ لما أُجمل من التمتيع إلى أجل مسمًّى وتبيينٌ لما عسى يعسُر فهمُ حكمتِه من بعض ما يتفق في الدنيا من تفاوت الحالِ بين العاملين ، فرب إنسانٍ له فضلٌ طاعةٌ وعملٌ لا يُمتّع في الدنيا أكثرَ مما مُتِّع آخرُ دونه في الفضل ، وربما يكون المفضولُ أكثرَ تمتيعاً فقيل : ويُعطِ كلَّ فاضلٍ جزاءَ فضلِه ، إما في الدنيا كما يتفق في بعض المواد وإما في الآخرة ، وذلك مما لا مرد له وهذا ضربُ تفصيلٍ لما أُجمل فيما سبق من البشارة ، ثم شرُع في الإنذار فقيل : { وَإِن تَوَلَّوْاْ } أي تتولوا عما أُلقي إليكم من التوحيد والاستغفار والتوبةِ ، وإنما أُخّر عن البشارة جرياً على سنن تقدمِ الرحمةِ على الغضب أو لأن العذابَ قد علّق بالتولي عما ذكر من التوحيد والاستغفارِ والتوبةِ وذلك يستدعي سابقةَ ذكرِه ، وقرىء تُوَلّوا من ولى { فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ } بموجب الشفقة والرأفةِ أو أتوقع { عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } هو القيامةُ وُصف بالكِبَر كما وصف بالعِظَم في قوله تعالى : { أَلا يَظُنُّ أُوْلَئِكَ أَنَّهُمْ مَّبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ } إما لكونه كذلك في نفسه أو وُصف بوصف ما يكون فيه كما وُصفَ بالثقل في قوله تعالى : { ثَقُلَتْ فِى السموات والارض } وقيل : يوُم الشدائد وقد ابتلُوا بقَحطٍ أكلوا فيه الجيَفَ ، وأياً ما كان ففي إضافةِ العذابِ إليه تهويلٌ وتفظيعٌ له . (3/315)
إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (4)
{ إلى الله مَرْجِعُكُمْ } رجوعُكم بالموت ثم البعثِ للجزاء في مثل ذلك اليومِ لا إلى غيره { وَهُوَ على كُلّ شَىْء قَدِيرٌ } فيندرج في تلك الكلية قدرتُه على إماتتكم ثم بعثِكم وجزائِكم فيعذبكم بأفانينِ العذابِ وهو تقريرٌ لما سلف من كِبر اليوم وتعليلٌ للخوف ، ولمّا أُلقيَ إليهم فحوى الكتابِ على لسان النبي صلى الله عليه وسلم وسيق إليهم ما ينبغي أن يُساقَ من الترغيب والترهيبِ وقع في ذهن السامعِ أنهم بعدما سمِعوا مثلَ هذا المقالِ الذي تخِرُّ له صمُّ الجبالِ هل قابلوه بالإقبال أم تمادَوا فيما كانوا عليه من الإعراض والضلالِ ، فقيل مصدّراً بكلمة التنبيهِ إشعاراً بأن ما يعقُبها من هَناتهم أمرٌ يجب أن يُفهم ويتعجَّبَ منه . (3/316)
أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (5)
{ أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ } يزْورُّون عن الحق وينحرفون عنه أي يستمرون على ما كانوا عليه من التولّي والإعراضِ لأن مَنْ أعرض عن شيء ثنى عنه صدرَه وطوى عنه كشحَه ، وهذا معنىً جزْلٌ مناسبٌ لما سبق ، وقد نحا نحوَه العلامةُ الزَّمَخْشَريُّ ولكن حيث لم يصلُح التولي سبيلاً للاستخفاء في قوله عز وجل : { لِيَسْتَخْفُواْ مِنْهُ } التَجأ إلى إضمار الإرادةِ حيث قال : ويريدون ليستخفوا من الله تعالى فلا يُطْلِعَ رسولَه والمؤمنين على إعراضهم ، وجعلُه في قَوْد المعنى إليه من قبيل الإضمارِ في قوله تعالى : { اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق } أي فضرب فانفلق ، ولا يخفى أن انسياقَ الذهنِ إلى توسيط الإرادةِ بين ثنْيِ الصدورِ وبين الاستخفاءِ ليس كانسياقِه إلى توسيط الضربِ بين الأمرِ به وبين الانفلاقِ ، ولعل الأظهرَ أن معناه يعطِفون صدورَهم على ما فيها من الكفر والإعراضِ عن الحق وعداوةِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم بحيث يكون ذلك مخفياً مستوراً فيها كما تُعطف الثيابَ على ما فيها من الأشياء المستورةِ ، وإنما لم يذكرْ ذلك استهجاناً بذكره أو إيماءً إلى أن ظهورَه مغنٍ عن ذكره أو ليذهبَ ذهنُ السامعِ إلى كل ما لا خيرَ فيه من الأمور المذكورةِ ، فيدخلُ فيه ما ذكر من تولّيهم عن الحق الذي أُلقيَ إليهم دخولاً أولياً ، فحينئذ يظهر وجهُ كونِ ذلك سبباً للاستخفاء ، ويؤيده ما رُوي عن ابن عباسٍ رضي الله عنهما أنها نزلت في الأخنس بنِ شُرَيقٍ وكان رجلاً حلوَ المنطِق حسنَ السياقِ للحديث يُظهر لرسول الله صلى الله عليه وسلم المحبةَ ويُضمِرُ في قلبه ما يضادُّها وقال ابن شداد إنها نزلتْ في بعض المنافقين كان إذا مر برسول الله صلى الله عليه وسلم ثنى صدرَه وظهرَه وطأطأ رأسَه وغطَّى وجهَه كيلا يراه النبيُّ صلى الله عليه وسلم فكأنه إنما كان يصنع ما يصنع لأنه رآه النبيُّ صلى الله عليه وسلم لم يمكِنْه التخلّفُ عن حضور مجلِسه والمصاحبةِ معه ، وربما يؤدّي ذلك إلى ظهور ما في قلبه من الكفر والنفاقِ ، وقرىء يَثْنَوْني صدورُهم بالياء والتاء من اثنونى افعوعل من الثَنْي كاحلولي من الحلاوة ، وهو بناءُ مبالغةٍ ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما لَتثْنَوني ، وقرىء تثنون وأصله تَثَّنْوِنُ من تفْعَوعِلُ من الثِّنِّ وهو ما هشّ من الكلأ وضعُف يريد مطاوعةَ صدورِهم للثني كما يثنى الهشُّ من النبات ، أو أراد ضعفَ إيمانِهم ورَخاوةَ قلوبِهم ، وقرىء تثْنِئنّ من اثنانّ افعالَّ منه ثم همزٌ ، كما قيل : ابياضّت وادهامّت وقرىء تثْنوِي بون ترعوي . (3/317)
{ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ } أي يتغطَّوْن بها للاستخفاء على ما نقل عن ابن شداد ، أو حين يأوون إلى فُرُشِهم ويتدثّرون بثيابهم فإن ما يقع حينئذٍ حديثُ النفس عادةً ، وقيل : كان الرجلُ من الكفار يدخُل بيته ويُرخي سِتره ويحْني ظهرَه ويتغشّى بثوبه ويقول : هل يعلم الله ما في قلبي؟ { يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ } أي يُضمِرون في قلوبهم { وَمَا يُعْلِنُونَ } أي يستوي بالنسبة إلى علمه المحيطِ سِرُّهم وعلنُهم فكيف يخفى عليه ما عسى يُظهرونه وإنما قدم السرُّ على العلن نعياً عليهم من أول الأمر ما صنعوا وإيذاناً بافتضاحهم ووقوعِ ما يحذَرونه وتحقيقاً للمساواة بين العِلْمين على أبلغ وجهٍ فكأن علمَه بما يسّرونه أقدمُ منه بما يعلنونه ، ونظيرُه قوله تعالى :
{ قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِى صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ الله } حيث قدّم فيه الإخفاءُ على الإبداء على عكس ما وقع في قوله تعالى : { وَإِن تُبْدُواْ مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ الله } إذ لم يتعلق بإشعار أن المحاسبةَ بما يُخفونه أولى منها بما يُبْدونه غرضٌ ، بل الأمرُ بالعكس ، وأما هاهنا فقد تعلق بإشعار كونِ تعلقِ علمِه تعالى بما يُسرّونه أولى منه بما يعلنونه غرضٌ مُهِمٌّ مع كونهما على السوية ، كيف لا وعلمُه تعالى بمعلوماته ليس بطريق حصولِ الصورةِ بل وجودُ كلِّ شيءٍ في نفسه علمٌ بالنسبة إليه تعالى ، وفي هذا المعنى لا يختلف الحالُ بين الأشياء البارزةِ والكامنةِ ، وأما قوله تعالى : { وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ } فحيث كان وارداً بصدد الخطابِ مع الملائكة عليهم السلام المنزهِ مقامُهم عن اقتضاء التأكيدِ والمبالغةِ في الإخبار بإحاطة علمِه تعالى بالظاهر والباطن لم يُسلَكْ فيه ذلك المسلكُ مع أنه وقع الغُنيةُ عنه بما قبله من قوله عز وجل : { إِنِي أَعْلَمُ غَيْبَ السموات والارض } ويجوز أن يكون ذلك باعتبار أن مرتبةَ السرِّ متقدمة على مرتبة العلن إذ ما من شيء يُعلن إلا وهو أو مباديه قبل ذلك مضمرٌ في القلب ، فتعلقُ علمِه سبحانه بحالته الأولى متقدمٌ على تعلقه بحالته الثانية { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور } تعليلٌ لما سبق وتقريرٌ له واقع موقعَ الكبرى من القياس ، وفي صيغة الفعيلِ وتحليةِ الصدورِ بلام الاستغراقِ والتعبيرِ عن الضمائر بعنوان صاحبيها من البراعة ما لا يصفه الواصفون كأنه قيل : إنه مبالغٌ في الإحاطة بمضمرات جميعِ الناسِ وأسرارِهم الخفيةِ المستكنّةِ في صدورهم بحيث لا تفارقها أصلاً ، فكيف يخفى عليه ما يُسرّون وما يعلنون ، ويجوز أن يُراد بذات الصدورِ القلوبُ من قوله تعالى : { ولكن تعمى القلوب التى فِى الصدور } والمعنى أنه عليمٌ بالقلوب وأحوالِها فلا يخفى عليه سرٌّ من أسرارها . (3/318)
وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6)
{ وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الارض إِلاَّ عَلَى الله رِزْقُهَا } غذاؤُها اللائقُ بها من حيث الخلقُ ومن حيث الإيصالُ إليها بطريق طبيعيَ أو إراديَ لتكفّله إياه تفضلاً ورحمةً ، وإنما جيء به على طريق الوجوبِ اعتباراً لسبق الوعدِ وتحقيقاً لوصوله إليها البتة ، وحملاً للمكلّفين على الثقة به تعالى والإعراضِ عن إتعاب النفس في طلبه { وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا } محلَّ قرارِها في الأصلاب { وَمُسْتَوْدَعَهَا } موضعَها في الأرحام وما يجري مجراها من البيض ونحوِها ، وإنما خُصَّ كلٌّ من الاسمين بما خُصَّ به من المحلَّين لأن النطفةَ بالنسبة إلى الأصلاب في حيزها الطبيعيِّ ومنشئِها الخلقيِّ ، وأما بالنسبة إلى الأرحام وما يجري مجراها فهي مُودعةٌ فيها إلى وقت معين ، أو مسكنَها من الأرض حين وُجدت بالفعل ومُودَعها من الموادّ والمقارِّ حين كانت بعدُ بالقوة ، ولعل تقديمَ محلِّها باعتبار حالتِها الأخيرةِ لرعاية المناسبةِ بينها وبين عنوانِ كونِها دابةً في الأرض والمعنى ما من دابة في الأرض إلا يرزُقها الله تعالى حيث كانت من أماكنها يسوقُه إليها ويعلم موادَّها المتخالفةَ المتدرِّجة في مراتب الاستعداداتِ المتفاوتةِ المتطورةِ في الأطوارِ المتباينة ومقارَّها المتنوعةَ ويُفيض عليها في كل مرتبةٍ ما يليق بها من مبادي وجودِها وكمالاتِها المتفرِّعةِ عليه ، وقد فُسر المستودَعُ بأماكنها في الممات ، ولا يلائمه مقامُ التكفّل بأرزاقها { كُلٌّ } من الدواب ورزقِها ومستقرِّها ومستودعِها { فِى كتاب مُّبِينٍ } أي مُثْبتٍ في اللوح المحفوظِ البيِّن لمن ينظر فيه من الملائكة عليهم السلام أو المُظهِرِ لما أُثبت فيه للناظرين ، ولمّا انتهى الأمرُ إلى أنه سبحانه محيطٌ بجميع أحوالِ ما في الأرض من المخلوقات التي لا تكاد تحصى من مبدأ فطرتِها إلى منتهاها اقتضى الحالُ التعرّضَ لمبدأ خلقِ السمواتِ والأرضَ والحكمةِ الداعية إلى ذلك فقيل : (3/319)
وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7)
{ وَهُوَ الذى خَلَقَ السموات والارض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } السمواتِ في يومين والأرضَ في يومين وما عليها من أنواع الحيواناتِ والنباتِ وغيرِ ذلك في يومين حسبما فُصِّل في سورة حم السجدةُ ولم يُذكر خلقُ ما في الأرض لكونه من تتمات خلقِها وهو السرُّ في جعل زمان خلقِه تتمةً لزمان خلقِها في قوله تعالى : { فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ } أي في تتمة أربعةِ أيام . والمرادُ بالأيام الأوقاتُ كما في قوله تعالى : { مِنْ * يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } أي في ستة أوقاتٍ أو مقدارِ ستةِ أيامٍ فإن اليومَ في المتعارَف زمانُ كونِ الشمسِ فوق الأرضِ ، ولا يُتصوَّر ذلك حين لا أرضَ ولا سماءَ ، وفي خلقها مدرجاً مع القدرة التامةِ على خلقها دفعةً دليلٌ على أنه قادرٌ مختارٌ واعتبارٌ للنُظّار وحثٌّ على التأنّي في الأمور . وأما تخصيصُ ذلك بالعدد المعيَّنِ فأمرٌ استأثر بعلم ما يقتضيه علامُ الغيوب جلت حِكمتُه ، وإيثارُ صيغةِ الجمعِ في السموات لما هو المشهورُ من الإشارة إلى كونها أجراماً مختلفةَ الطبائعِ ومتفاوتةَ الآثارِ والأحكام { وَكَانَ عَرْشُهُ } قبل خلقِهما { عَلَى الماء } ليس تحته شيءٌ غيرُه سواءٌ كان بينهما فُرجةٌ أو كان موضوعاً على متنه كما ورد في الأثر ، فلا دلالةَ فيه على إمكان الخلاء ، كيف لا ولو دلّ لدلّ على وجوده لا على إمكانه فقط ولا على كون الماءِ أولَ ما حدث في العالم بعد العرش ، وإنما يدلّ على أن خلقَهما أقدمُ من خلق السموات والأرضِ من غير تعرضٍ للنسبة بينهما { لِيَبْلُوَكُمْ } متعلقٌ بخلق أي خلق السمواتِ والأرضَ وما فيهما من المخلوقات التي من جملتها أنتم ورتب فيهما جميع ما تحتاجون إليه من مبادي وجودِكم وأسبابِ معايشِكم وأودع في تضاعيفهما من تعاجيب الصنائعِ والعبرِ ما تستدلون به على مطالبكم الدينيةِ ليعاملَكم معاملةَ من يبتليكم { أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } فيحازيَكم بالثواب والعقاب غِبّ ما تبين المحسنُ من المسيء وامتازت درجاتُ أفرادِ كلَ من الفريقين حسب امتيازِ طبقاتِ علومِهم واعتقاداتِهم المترتبة على أنظارهم فيما نُصب من الحُجج والدلائل والأماراتِ والمخايلِ ومراتب أعمالِهم المتفرِّعة على ذلك فإن العملَ غيرُ مختصَ بعمل الجوارح ، ولذلك فسره عليه السلام بقوله : « أيكم أحسنُ عقلاً وأورعُ عن محارم الله وأسرعُ في طاعة الله؟ » فإن لكل من القلب والقالَبِ عملاً مخصوصاً به فكما أن الأولَ أشرفُ من الثاني فكذا الحالُ في عمله كيف لا ولا عملَ بدون معرفةِ الله عز وجل الواجبةِ على العباد آثرَ ذي أثيرٍ وإنما طريقُها النظريُّ التفكرُ في بدائع صنائعِ الملِكِ الخلاقِ والتدبّرِ في آياتة البيناتِ المنصوبةِ في الأنفس والآفاق ، ولا طاعة بدون فهم ما في مطاوي الكتابِ الحكيم من الأوامر والنواهي وغيرِ ذلك مما له مدخلٌ في الباب . (3/320)
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لا تفضلوني على يونس بنِ متى فإنه كان يُرفع له كلَّ يومٍ مثلُ عملِ أهلِ الأرض » قالوا : وإنما كان ذلك التفكرَ في أمر الله عز وجل الذي هو عملُ القلبِ لأن أحداً لا يقدر على أن يعملَ في اليوم بجوارحه مثلَ عملِ أهلِ الأرض ، وتعليقُ فعلِ البلوى أي تعقيبُه بحرف الاستفهام لا التعليقُ المشهورُ الذي يقتضي عدمَ إيرادِ المفعولِ أصلاً مع اختصاصه بأفعال القلوبِ لما فيه من معنى العلمِ باعتبار عاقبتِه كالنظرِ ونظائرِه ، ولذلك أُجريَ مُجراه بطريق التمثيلِ أو الاستعارةِ التبعية ، وإيرادُ صيغةِ التفضيلِ مع أن الابتلأَ شاملٌ للفريقين باعتبار أعمالهِم المنقسمةِ إلى الحسن والقبيحِ أيضاً لا إلى الحسن والأحسنِ فقط للإيذان بأن المرادَ بالذات والمقصودَ الأصليَّ مما ذكر من إبداع تلك البدائعِ على ذلك النمطِ الرائعِ إنما هو ظهورُ كمالِ إحسانِ المحسنين وأن ذلك لكونه على أتم الوجوهِ اللائقةِ وأكملِ الأساليب الرائقةِ يوجب العملَ بموجبه بحيث لا يَحيدُ أحدٌ عن سَننه المستبينِ بل يهتدي كلُّ فردٍ إلى ما يُرشد إليه من مطلق الإيمانِ والطاعةِ ، وإنما التفاوتُ بينهم في مراتبهما بحسب القوةِ والضَّعفِ والكثرةِ والقلة ، وأما الإعراضُ عن ذلك والوقوعُ في مهاوي الضلالِ فبمعزلٍ من الاندراج تحت الوقوعِ فضلاً عن أن ينتظِم ظهورُه في سلك العلةِ الغائيةِ لذلك الصنعِ البديعِ ، وإنما هو عملٌ يصدُر عن عامله بسوء اختيارِه من غير مصحِّحٍ له ولا تقريب ، ولا يخفى ما فيه من الترغيب في الترقي إلى معارج العلومِ ومدارجِ الطاعات والزجرِ عن مباشرة نقائضِها والله تعالى أعلم . { وَلَئِن قُلْتَ إِنَّكُمْ مَّبْعُوثُونَ مِن بَعْدِ الموت } على ما يوجبه قضيةُ الابتلاءِ ليترتبَ عليه الجزاءُ المتفرِّعُ على ظهور مراتبِ الأعمال { لَّيَقُولَنَّ الذين كَفَرُواْ } إن وُجِّه الخطاب في قوله تعالى : { إِنَّكُمْ } إلى جميع المكلّفين بالموصول مع صلته للتخصيص أي ليقولَن الكافرون منهم ، وإن وجِّه إلى الكافرين منهم فهو واردٌ على طريقة الذم . (3/321)
{ إِنْ هذا إِلاَّ سِحْرٌ مُّبِينٌ } أي مثلُه في الخديعة أو البطلان ، وهذا إشارةٌ إلى القول المذكورِ أو إلى القرآن فإن الإخبارَ عن كونهم مبعوثين وإن لم يجب كونُه بطريق الوحي المتلوِّ إلا أنهم عند سماعِهم ذلك تخلّصوا إلى القرآن لإنبائه عنه في كل موضعٍ ، وكونِه علَماً عندهم في ذلك فعمَدوا إلى تكذيبه وتسميتِه سحراً تمادياً منهم في العناد وتفادياً عن سَنن الرشاد ، وقيل : هو إشارةٌ إلى نفس البعثِ ولا يلائمه التسميةُ بالسحر ، فإنه إنما يُطلقُ على شيء موجودٍ ظاهراً لا أصلَ له في الحقيقة ، ونفسُ البعثِ عندهم معدومٌ بحتٌ ، وتعلّقُ الآيةِ الكريمةِ بما قبلها إما من حيث إن البعثَ كما أشير إليه من تتمات الابتلاءِ المذكورِ فكأنه قيل : الأمرُ كما ذكر ومع ذلك إن أخبرتهم بمقدمة فذّةٍ من مقدماته وقضيةٍ فردةٍ من تتماته لا يتلعثمون في الرد ويعدّون ذلك من قبيل ما لا صِحةَ له أصلاً فضلاً عن تصديق ما هذه من تتماته ، وإما من حيث إن البعثَ خلقٌ جديد فكأنه قيل : وهو الذي خلق جميعَ المخلوقاتِ ابتداءً لهذه الحكمة البالغةِ ومع ذلك إن أخبرتهم بأنه يعيدهم تارةً أخرى وهو أهونُ عليه يقولون ما يقولون فسبحان الله عما يصفون ، وقرأ حمزةُ والكسائيُّ إلا ساحرٌ على أن الإشارةَ إلى القائل أو إلى القرآن على أسلوب شعرٌ شاعرٌ وقرىء بالفتح على تضمين قلتَ معنى ذكرتَ أو على أن أنك بمعنى عنك في علّك ، أي ولئن قلتَ : لعلكم مبعوثون على أن الرجاءَ والتوقعَ باعتبار حالِ المخاطبين أي توقّعوا ذلك ولا تبُتّوا القولَ بإنكاره أو على أنه مجاراةٌ معهم في الكلام على نهج المساعدةِ لئلا يسارعوا إلى اللَّجاج والعِنادِ ريثما قَرعَ أسماعَهم بتُّ القولِ بخلاف ما ألِفوا وألفَوْا عليه آباءَهم من إنكار البعثِ ويكون ذلك أدعى لهم إلى التأمل والتدبّر وما فعلوه قاتلهم الله أنى يؤفكون .
وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (8) وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (9)
{ وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ العذاب } المترتِّبَ على بعثهم أو العذابَ الموعود في قوله تعالى : { وَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ } وقيل : عذابُ يومِ بدر ، وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قتلُ جبريلَ عليه السلام للمستهزِئين ، والظاهرُ أن المرادَ به العذابُ الشاملُ للكفرة دون ما يُخَصّ ببعض منهم ، على أنه لم يكن موعوداً يستعجل منه المجرمون { إلى أُمَّةٍ مَّعْدُودَةٍ } إلى طائفة من الأيام قليلةٍ لأن ما يحصُره العدُّ قليلٌ { لَّيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ } أي أيُّ شيءٍ يمنعه من المجيء فكأنه يريده فيمنعه مانعٌ وإنما كانوا يقولونه بطريق الاستعجالِ استهزاءً لقوله تعالى : { مَّا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } ومرادُهم إنكارُ المجيءِ والحبْسِ رأَساً لا الاعترافُ به والاستفسارُ عن حابسه { أَلاَ يَوْمَ يَأْتِيهِمْ } ذلك { لَيْسَ مَصْرُوفاً } محبوساً { عَنْهُمْ } على معنى أنه لا يرفعه رافعٌ أبداً إن أريد به عذابُ الآخرة أو لا يدفعه عنكم دافعٌ بل هو واقعٌ بكم إن أريد به عذابُ الدنيا ، ويومَ منصوبٌ بخبر ليس مقدماً عليه ، واستدل به البصريون على جواز تقديمِه على ليس إذ المعمولُ تابعٌ للعامل فلا يقع إلا حيث يقعُ متبوعُه ، ورُدَّ بأن الظرفَ يجوز فيه ما لا يجوز في غيره توسّعاً وبأنه قد يُقدّم المعمولُ حيث لا مجالَ لتقدم العامِلِ كما في قوله تعالى : { فَأَمَّا اليتيم فَلاَ تَقْهَرْ * وَأَمَّا السائل فَلاَ تَنْهَرْ } فإن اليتيمَ والسائلَ مع كونهما منصوبين بالفعلين المجزومين قد تقدما على لا الناهيةِ مع امتناع تقدمِ الفعلين عليهما . قال أبو حيان : وقد تتبعتُ جملةً من دواوين العربِ فلم أظفَرْ بتقديم خبرِ ليس عليها ولا بتقديمِ معمولِه إلا ما دل عليه ظاهرُ هذه الآيةِ الكريمةِ وقولُ الشاعر : (3/322)
فيأبى فما يزدادُ إلا لجاجة ... وكنتُ أبياً في الخنا لست أُقدِمُ
{ وَحَاقَ بِهِم } أي أحاط بهم { مَا كَانُواْ بِهِ يَسْتَهْزِءونَ } أي العذابُ الذي كانوا يستعجلون به استهزاءً ، وفي التعبير عنه بالموصول تهويلٌ لمكانه وإشعارٌ بعليّة ما ورد في حيز الصلةِ من استهزائهم به لنزوله وإحاطتِه ، والتعبيرُ عنها بالماضي واردٌ على عادة الله تعالى في أخباره لأنها في تحققها وتيقُّنها بمنزلة الكائنةِ الموجودةِ ، وفي ذلك من الفخامة والدلالةِ على علو شأنِ المُخْبَرِ به ما لا يخفى . { وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإنسان مِنَّا رَحْمَةً } أي أعطيناه نعمةً من صحة وأمْنٍ وجِدَةٍ وغيرها وأوصلناها إليه بحيث يجد لذّتها { ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ } أي سلبناه إياها ، وإيرادُ النزعِ للإشعار بشدة تعلُّقِه بها وحِرْصِه عليها { أَنَّهُ } شديدُ القنوطِ من رَوْح الله قَطوعٌ رجاءَه من عَود أمثالِها عاجلاً أو آجلاً بفضل الله تعالى لقلة صبرِه وعدمِ توكلِه عليه وثقتِه به { لَيَئُوسٌ كَفُورٌ } عظيمُ الكُفرانِ لِما سلف من النعم ، وفيه إشارةٌ إلى أنّ النزْعَ إنما كان بسبب كفرانِهم بما كانوا يتقلّبون فيه من نعم الله عز وجل ، وتأخيره عن وصف يأسِهم مع تقدمه عليه لرعاية الفواصلِ على أن اليأسَ من فضل الله سبحانه وقطعَ الرجاءِ عن إفاضة أمثالِه في العاجل وإيصالِ أجرِه في الآجل من باب الكُفران للنعمة السالفة أيضاً .
وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (10) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (11)
{ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاء بَعْدَ ضَرَّاء مَسَّتْهُ } كصِحّة بعد سَقَم وجِدَةٍ بعد عدمٍ وفرجٍ بعد شدة ، وفي التعبير عن ملابسة الرحمةِ والنعماءِ بالذوق المُؤْذِنِ بلذتهما وكونِهما مما يُرْغب فيه ، وعن ملابسة الضراءِ بالمسِّ المُشْعِرِ بكونها في أدنى ما ينطلق عليه اسمُ الملاقاة من مراتبها ، وإسنادُ الأولِ إلى الله عز وجل دون الثاني ، ما لا يخفى من الجزالة والدِلالةِ على أن مرادَه تعالى إنما هو إيصالُ الخير المرغوبِ فيه على أحسن ما يكون ، وأنه إنما يريد بعباده اليُسرَ دون العسرِ وإنما ينالهم ذلك بسوء اختيارِهم نيلاً يسيراً كأنما يلاصقُ البشرَةَ من غير تأثيرٍ ، وأما نزعُ الرحمةِ فإنما صدَر عنه بقضية الحِكمةِ الداعية إلى ذلك وهي كفرانُهم بها كما سبق ، وتنكيرُ الرحمة باعتبار لحُوقِ النزْعِ بها { لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السيئات عَنّي } أي المصائبُ التي تسوءني ولن يعترِيَني بعدُ أمثالُها كما هو شأنُ أولئك الأشرارِ ، فإن الترقّبَ لورود أمثالِها مما يكدّر السرورَ وينغّص العيش { إِنَّهُ لَفَرِحٌ } بطِرٌ وأشِرٌ بالنعم مغترٌّ بها { فَخُورٌ } على الناس بما أوتيَ من النعم مشغولٌ بذلك عن القيام بحقها ، واللامُ في لئن في الآيات الأربعِ موطّئةٌ للقسم ، وجوابُه سادٌّ مسدَّ جوابِ الشرط . (3/323)
{ إِلاَّ الذين صَبَرُواْ } على ما أصابهم من الضراء سابقاً أو لاحقاً إيماناً بالله واستسلاماً لقضائه { وَعَمِلُواْ الصالحات } شكراً على آلائه السالفةِ والآنفةِ ، واللامُ في الإنسان إما لاستغراق الجنسِ فالاستثناءُ متصلٌ أو للعهد فمُنقطعٌ { أولئك } إشارةٌ إلى الموصول باعتبار اتّصافِه بما في حيز الصلة ، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بعلوّ درجتِهم وبُعدِ منزلِتهم في الفضل أي أولئك الموصوفون بتلك الصفاتِ الحميدة { لَهُم مَّغْفِرَةٌ } عظيمةٌ لذنوبهم وإن جمّت { وَأَجْرٌ } ثوابٌ لأعمالهم الحسنة { كَبِيرٌ } ووجهُ تعلّقِ الآياتِ الثلاثِ بما قبلهن من حيث إن إذاقةَ النَّعماءِ ومِساسَ الضّراءِ فصلٌ من باب الابتلاءِ واقعٌ موقعَ التفصيلِ من الإجمال الواقعِ في قوله تعالى : { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } والمعنى أن كلاًّ من إذاقة النَّعماءِ ونزعِها مع كونه ابتلاءً للإنسان أيشكُر أم يكفُر لا يهتدي إلى سنن الصواب بل يحَيد في كلتا الحالتين عنه إلى مهاوي الضلالِ فلا يَظهرُ منه حسنُ عملٍ إلا من الصابرين الصالحين أو من حيث إن إنكارَهم بالبعث واستهزاءَهم بالعذاب بسبب بطرِهم وفخرِهم كأنه قيل : إنما فعلوا ما فعلوا لأن طبيعةَ الإنسانِ مجبولةٌ على ذلك .
فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (12) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (13)
{ فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يوحى إِلَيْكَ } من البينات الدالةِ على حقية نبوَّتِك المناديةِ بكونها من عند الله عز وجل لمن له أُذنٌ واعية { وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } أي عارضٌ لك ضِيقُ صَدرٍ بتلاوته عليهم وتبليغِه إليهم في أثناء الدعوةِ والمُحاجّة { أَن يَقُولُواْ } لأن يقولوا تعامِياً عن تلك البراهينِ التي لا تكاد تخفى صحّتُها على أحد ممن له أدنى بصيرةٍ ، وتمادياً في العِناد على وجه الاقتراح { لَوْلاَ أُنُزِلَ عَلَيْهِ كَنزٌ } مالٌ خطيرٌ مخزونٌ يدل على صدقه { أَوْ جَاء مَعَهُ مَلَكٌ } يصدّقه . قيل : قاله عبدُ اللَّه بنُ أميةَ المخزوميُّ ، وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رؤساءَ مكةَ قالوا : يا محمد اجعل لنا جبالَ مكةَ ذهباً إن كنت رسولاً ، وقال آخرون : ائتِنا بالملائكة يشهدوا بنبوتك فقال : «لا أقدِر على ذلك» فنزلت فكأنه عليه الصلاة والسلام لما عاين اجتراءَهم على اقتراح مثلِ هذه العظائمِ ، غيرَ قانعين بالبينات الباهرةِ التي كانت تَضْطرّهم إلى القَبول لو كانوا من أرباب العقولِ وشاهدَ ركوبَهم من المكابرة مَتنَ كلِّ صَعْبٍ وذَلولٍ مسارعين إلى المقابلة بالتكذيب والاستهزاءِ وتسميتِها سحراً مُثّل حالُه عليه الصلاة والسلام بحال من يُتوقّع منه أن يضيقَ صدرُه بتلاوة تلك الآيات الساطعةِ عليهم وتبليغِها إليهم فحُمل على الحذر منه بما في لعل من الإشفاق فقيل : { إِنَّمَا أَنتَ نَذِيرٌ } ليس عليك إلا الإنذارُ بما أوحي إليك غيرَ مبالٍ بما صدر عنهم من الرد والقَبولِ { والله على كُلّ شَىْء وَكِيلٌ } يحفَظ أحوالَك وأحوالَهم فتوكلْ عليه في جميع أمورِك فإنه فاعلٌ بهم ما يليق بحالهم ، والاقتصار على النذير في أقصى غايةٍ من إصابة المَحزّ { أَمْ يَقُولُونَ افتراه } إضرابٌ بأمْ المنقطعةِ عن ذكر تركِ اعتدادِهم بما يوحى وتهاونِهم به وعدمِ اقتناعِهم بما فيه من المعجزات الظاهرةِ الدالةِ على كونه من عند الله عز وجل وعلى حقية نبوتِه عليه الصلاة والسلام وشروعٌ في ذكر ارتكابِهم لما هو أشدُّ منه وأعظمُ ، وما فيها من معنى الهمزةِ للتوبيخ والإنكارِ والتعجيب ، والضميرُ المستكنُّ في افتراه للنبي صلى الله عليه وسلم والبارزُ لما يوحى أي بل أيقولون افتراه وليس من عند الله . (3/324)
{ قُلْ } إن كان الأمرُ كما تقولون { فَاتُواْ } أنتم أيضاً { بِعَشْرِ سُوَرٍ مّثْلِهِ } في البلاغة وحُسنِ النظمِ وهو نعتٌ لسُوَر أي أمثالِه ، وتوحيدُه إما باعتبار مماثلةِ كلِّ واحدةٍ منها أو لأن المطابقةَ ليست بشرط ، حتى يوصَفُ المثنى بالمفرد كما في قوله تعالى : { أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا } أو للإيماء إلى أن وجهَ الشبهِ ومدارَ المماثلةِ في الجميع شيءٌ واحدٌ هو البلاغةُ المؤديةُ إلى مرتبة الإعجازِ فكأن الجميعَ واحدٌ { مُفْتَرَيَاتٍ } صفةٌ أخرى لسُور أُخِّرت عن وصفها بالمماثلة لما يوحى لأنها الصفةُ المقصودةُ بالتكليف إذ بها يظهر عجزُهم وقعودُهم عن المعارضة ، وأما وصفُ الافتراء فلا يتعلق به غرضٌ يدور عليه شيءٌ في مقام التحدِّي وإنما ذُكر على نهج المساهلةِ وإرخاءِ العِنانِ ، ولأنه لو عُكس الترتيبُ لربما تُوُهّم أن المرادَ هو المماثلةُ في الافتراء ، والمعنى فأتوا بعشر سورٍ مماثلةٍ له في البلاغة مختلفاتٍ من عند أنفسِكم إن صحّ أني اختلقتُه من عندي ، فإنكم أقدرُ على ذلك مني لأنكم عرَبٌ فصحاءُ بلغاءُ قد مارستم مبادىءَ ذلك من الخُطَب والأشعارِ وحفِظتم الوقائعَ والأيامَ وزاولتم أساليبَ النظْمِ والنثر .
{ وادعوا } للاستظهار في المعارضة { مَنِ استطعتم } دعاءَه والاستعانةَ به من آلهتكم التي تزعُمون أنها مُمِدّةٌ لكم في كل ما تأتون وما تذرون ، والكهنةِ ومَدارِهِكم الذين تلجأون إلى آرائهم في المُلمّات ليُسعدوكم فيها { مِن دُونِ الله } متعلق بادعوا أي متجاوزين الله تعالى { إِن كُنتُمْ صادقين } في أني افتريتُه فإن ذلك يستلزِمُ إمكانَ الإتيانِ بمثله وهو أيضاً يسلِزمُ قدرتَكم عليه ، والجوابُ محذوفٌ يدل عليه المذكور . (3/325)
فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (14)
{ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ } أي لم يفعلوا ما كُلِّفوه من الإتيان بمثله كقوله تعالى : { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ } وإنما عُبِّر عنه بالاستجابة إيماءً إلى أنه عليه الصلاة والسلام على كمال أمنٍ من أمره ، كأن أمرَه لهم بالإتيان بمثله دعاءٌ لهم إلى أمر يريد وقوعَه ، والضميرُ في لكم للرسول عليه الصلاة والسلام والجمعُ للتعظيم كما في قول من قال : (3/326)
وإن شئتِ حرمتُ النساءَ سواكمُ ... أوْ له وللمؤمنين لأنهم أتباعٌ له عليه الصلاة والسلام في الأمر بالتحدّي ، وفيه تنبيهٌ لطيفٌ على أن حقَّهم ألا ينفكوا عنه عليه الصلاة والسلام ويناصِبوا معه لمعارضة المعارِضين كما كانوا يفعلونه في الجهاد وإرشادٌ إلى أن ذلك مما يفيد الرسوخَ في الإيمان والطُمأنينةَ في الإيقان ، ولذلك رُتّب عليه قولُه عز وجل : { فاعلموا } أي اعلموا حين ظهر لكم عجزُهم عن المعارضة مع تهالُكهم عليها علماً يقيناً متاخِماً لعين اليقينِ بحيث لا مجالَ معه لشائبة ريبٍ بوجه من الوجوه ، كأن ما عداه من مراتب العلمِ ليس بعلم لكن لا للإشعار بانحطاطِ تلك المراتبِ بل بارتفاع هذه المرتبةِ وبه يتّضح سرُّ إيرادِ كلمةِ الشكِّ مع القطعِ بعدم الاستجابةِ فإن تنزيلَ سائرِ المراتبِ منزلةَ العدمِ مستتبِعٌ لتنزيل الجزْمِ بعدم الاستجابةِ منزلةَ الشكِّ فيه ، أو اثبُتوا واستمِرّوا على ما كنتم عليه من العلم { إِنَّمَا أُنزِلَ } ملتبساً { بِعِلْمِ الله } المخصوصِ به بحيث لا تحوم حوله العقولُ والأفهامُ مستبداً بخصائصِ الإعجازِ من جهتي النظمِ الرائقِ والإخبار بالغيب { وَأَن لاَّ إله إِلاَّ هُوَ } أي واعلموا أيضاً ألا شريكَ له في الألوهية وأحكامِها ولا يقدِر على ما يقدر عليه أحدٌ { فَهَلْ أَنتُمْ مُّسْلِمُونَ } أي مخلصون في الإسلام أو ثابتون عليه؟ وهذا من باب التثبيتِ والترقيةِ إلى معارج اليقينِ ، ويجوز أن يكونَ الخطابُ في الكل للمشركين من جهة الرسولِ صلى الله عليه وسلم داخلاً تحت الأمر بالتحدّي ، والضميرُ في لم يستجيبوا لمن استطعتم أي فإن لم يستجبْ لكم آلهتُكم وسائرُ مَنْ إليهم تجأرون في مُهمّاتكم ومُلماتكم إلى المعاونة والمظاهَرَةِ فاعلموا أن ذلك خارجٌ عن دائرة قُدْرةِ البشر وأنه مُنزّلٌ من خالق القُوى والقدر ، فإيرادُ كلمةِ الشكِّ حينئذ مع الجزم بعدمِ الاستجابة من جهة آلهتِهم تهكّمٌ بهم وتسجيلٌ عليهم بكمال سخافةِ العقلِ ، وترتيبُ الأمرِ بالعلم على مجرد عدمِ الاستجابة من حيث إنه مسبوقٌ بالدعاء المسبوقِ بعجزهم واضطرارِهم فكأنه قيل : فإن لم يستجيبوا لكم عند التجائِكم إليهم بعد ما اضطُررتم إلى ذلك وضاقت عليكم الحيلُ وعيَّتْ بكم العللُ أو من حيث إن مَنْ يستمدّون بهم أقوى منهم في اعتقادهم ، فإذا ظهر عجزُهم بعدم استجابتِهم وإن كان ذلك قبلَ ظهورِ عجزِ أنفِسهم يكون عجزُهم أظهرَ وأوضحَ ، واعلموا أيضاً أن آلهتَكم بمعزل عن رتبة الشِرْكة في الألوهية وأحكامِها فهل أنتم داخلون في الإسلام إذْ لم يبْقَ بعدُ شائبةُ شبهةٍ في حقِّيته وفي بُطلان ما كنتم فيه من الشرك فيدخُلُ فيه الإذعانُ لكون القرآنِ من عند الله تعالى دخولاً أولياً أو منقادون للحق الذي هو كونُ القرآنِ من عند الله تعالى وتاركون لما كنتم فيه من المكابرة والعِناد ، وفي هذا الاستفهامِ إيجابٌ بليغٌ لما فيه من معنى الطلب والتنبيهِ على قيام الموجبِ وزوالِ العذر وإقناطٌ من أن يجبُرَهم آلهتُهم من بأس الله عز سلطانُه ، هذا والأول أنسبُ لما سلف من قوله تعالى :
{ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ } ولما سيأتي من قوله تعالى : { فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مّنْهُ } وأشدُّ ارتباطاً بما يعقُبه كما ستحيط به خُبراً . (3/327)
مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآَخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (16)
{ مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا } أي ما يزيِّنها ويحسِّنها من الصحة والأمنِ والسعةِ في الرزق وكثرةِ الأولادِ والرياسةِ وغيرِ ذلك ، والمرادُ بالإرادة ما يحصُل عند مباشرةِ الأعمالِ لا مجردُ الإرادةِ القلبية لقوله تعالى : { نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا } وإدخالُ كان عليها للدِلالة على استمرارها منهم بحيث لا يكادون يريدون الآخِرةَ أصلاً ، وليس المرادُ بأعمالهم أعمالَ كلِّهم فإنه لا يجد كلُّ متمنَ ما يتمناه ولا كلُّ أحدٍ ينال كلَّ ما تهواه ، فإن ذلك منوطٌ بالمشيئة الجاريةِ على قضية الحِكمة كما نطَق به قولُه تعالى : { مَّن كَانَ يُرِيدُ العاجلة عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ } ولا كلَّ أعمالِهم بل بعضَها الذي يترتب عليه الأمورُ المذكورةُ بطريق الأجرِ والجزاءِ من أعمال البرِّ وقد أُطلقت وأريد بها ثمراتُها ، فالمعنى نوصِلُ إليهم ثمراتِ أعمالِهم في الحياة الدنيا كاملةً ، وقرىء يُوفِّ على الإسناد إلى الله عز وجل وتُوَفَّ بالفوقانية على البناء للمفعول ورفعِ أعمالَهم ، وقرىء نُوْفي بالتخفيف والرفع لكون الشرط ماضياً كقوله : (3/328)
وإن أتاه خليلٌ يومَ مسغَبة ... يقولُ لا غائبٌ مالي ولا حرِمُ
{ وَهُمْ فِيهَا } أي في ( الحياة ) الدنيا { لاَ يُبْخَسُونَ } أي لا يُنقَصون ، وإنما عبّر عن ذلك بالبخْس الذي هو نقصُ الحقِّ مع أنه ليس لهم شائبةُ حقَ فيما أوتوه كما عبّر عن إعطائه بالتوفية التي هي إعطاءُ الحقوقِ مع أن أعمالَهم بمعزل من كونها مستوجبةً لذلك بناءً للأمر على ظاهر الحالِ ومحافظةً على صور الأعمالِ ومبالغةً في نفي النقص ، كأن ذلك نقصٌ لحقوقهم فلا يدخُل تحت الوقوعِ والصدورِ عن الكريم أصلاً ، والمعنى أنهم فيها خاصةً لا يُنقصون ثمراتِ أعمالِهم وأجورَها نقصاً كلياً مطرداً ولا يُحرَمونها حِرماناً كلياً ، وأما في الآخرة فهم في الحِرمان المطلقِ واليأسِ المحقق كما ينطِق به قوله تعالى : { أولئك } فإنه إشارةٌ إلى المذكورين باعتبار إرادتِهم الحياةَ الدنيا أو باعتبار توْفيتِهم أجورَهم من غير بخسٍ أو باعتبارهما معاً . وما فيه من معنى البُعدِ للإيذان ببُعد منزلتِهم في سوء الحالِ أي أولئك المُريدون للحياة الدنيا وزينتِها المُوَفَّوْن فيها ثمراتِ أعمالِهم من غير بخس { الذين لَيْسَ لَهُمْ فِى الاخرة إِلاَّ النار } لأن هِممَهم كانت مصروفةً إلى الدنيا وأعمالَهم مقصورةً على تحصيلها وقد اجتنَوْا ثمرتَها ولم يكونوا يريدون بها شيئاً آخرَ ، فلا جرمَ لم يكن لهم في الآخرة إلا النارُ وعذابُها المخلّد { وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا } أي ظهر في الآخرة حُبوطُ ما صنعوه من الأعمال التي كانت تؤدِّي إلى الثواب لو كانت معمولةً للآخرة أو حبط ما صنعوه في الدنيا من أعمال البِرِّ إذ شرْطُ الاعتدادِ بها الإخلاصُ { وباطل } أي في نفسه { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } في أثناء تحصيلِ المطالبِ الدنيويةِ ، ولأجل أن الأولَ من شأنه استتباعُ الثوابِ والأجرِ وأن عدمَه لعدم مقارنتِه للإيمان والنيةِ الصحيحةِ وأن الثانيَ ليس له جهةٌ صالحة قطُّ عُلّق بالأول الحُبوطُ المؤذِنُ بسقوط أجرِه بصيغة الفِعل المنبىءِ عن الحدوث وبالثاني البُطلانُ المُفصِحُ عن كونه بحيث لا طائلَ تحته أصلاً بالاسمية الدالةِ على كون ذلك وصفاً لازماً له ثابتاً فيه ، وفي زيادة كان في الثاني دون الأول إيماءٌ إلى أن صدورَ البرِّ منهم وإن كان لغرض فاسدٍ ليس في الاستمرار والدوامِ كصدور الأعمالِ التي هي من مقدّمات مطالبِهم الدنية ، وقُرىء وبطَل على الفعل أي ظهر بطلانُه حيث علم هناك أن ذلك وما يستتبعه من الحظوط الدنيويةِ مما لا طائلَ تحته أو انقطع أثرُه الدنيويُّ فبطَل مطلقاً ، وقرىء وباطلاً ما كانوا يعملون على أن ما إبهاميةٌ أو في معنى المصدر كقوله :
ولا خارجاً مِنْ فِيَّ زورُ كلامِ ... وعن أنس رضي الله عنه أن المرادَ بقوله تعالى : { مَن كَانَ يُرِيدُ } الخ اليهودُ والنصارى إن أعطَوا سائلاً أو وصَلوا رحِماً عُجّل لهم جزاءُ ذلك بتوسعة في الرزق وصِحةٍ في البدن ، وقيل : هم الذين جاهدوا من المنافقين مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسْهم لهم في الغنائم ، وأنت خبيرٌ بأن ذلك إنما كان بعد الهجرةِ ، والسورةُ مكيةٌ ، وقيل : هم أهلُ الرياءِ . يقال للقرّاء منهم : أردتَ أن يقال فلانٌ قارىءٌ فقد قيل ذلك وهكذا لغيره ممن يعمل أعمالَ البِرِّ لا لوجه الله تعالى فعلى هذا لا بد من تقييد قوله : { لَيْسَ لَهُمْ إِلاَّ النار } بأنْ ليس لهم بسبب أعمالِهم الريائيةِ إلا ذلك ، والذي تقتضيه جزالةُ النظمِ الكريمِ أن المرادَ به مطلقُ الكفَرة بحيث يندرِجُ فيهم القادحون في القرآن العظيمِ اندراجاً أولياً فإنه عز وعلا لما أمر نبيَّه عليه الصلاة والسلام والمؤمنين بأن يزدادوا علماً ويقيناً بأن القرآنَ منزلٌ بعلم الله وبأن لا قُدرةَ لغيره على شيء أصلاً وهيّجهم على الثبات على الإسلام والرسوخِ فيه عند ظهورِ عجزِ الكفرةِ وما يدْعون من دون الله عن المعارضة وتبيّن أنهم ليسوا على شيء أصلاً اقتضى الحالُ أن يتعرّض لبعض شؤونِهم الموهمةِ لكونهم على شيء في الجملة من نيلهم الحظوظَ العاجلةَ واستيلائهم على المطالب الدنيويةِ وبيانِ أن ذلك بمعزل عن الدلالة عليه ، ولقد بُيِّن ذلك أيَّ بيانٍ ثم أعيد الترغيبُ فيما ذكر من الإيمان بالقرآن والتوحيدِ والإسلام فقيل : (3/329)
أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (17)
{ أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } أي برهانٍ نيِّرٍ عظيمِ الشأنِ يدل على حقية ما رَغّب في الثبات عليه من الإسلام وهو القرآنُ ، وباعتباره أو بتأويل البرهانِ ذُكر الضميرُ الراجعُ إليها في قوله تعالى : { وَيَتْلُوهُ } أي يتبعه { شَاهِدٌ } يشهد بكونه من عند الله تعالى وهو الإعجازُ في نظمه المطّردِ في كل مقدارِ سورةٍ منه أو ما وقع في بعض آياتِه من الإخبار بالغيب ، وكلاهما وصفٌ تابعٌ له شاهدٌ بكونه من عند الله عز وجل غيرَ أنه على التقدير الأولِ يكون في الكلامِ إشارةٌ إلى حال رسولِ الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين في تمسّكهم بالقرآن عند تبيُّنِ كونِه منزلاً بعلم الله بشهادة الإعجاز { مِنْهُ } أي من القرآنِ غيرَ خارجٍ عنه أو من جهة الله تعالى فإن كلاًّ منهما واردٌ من جهته تعالى للشهادة ، ويجوز على هذا التقديرِ أن يراد بالشاهد المعجزاتُ الظاهرةُ على يدَيْ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم فإن ذلك أيضاً من الشواهد التابعةِ للقرآن الواردةِ من جهته تعالى ، فالمرادُ بَمنْ في قوله تعالى : { أَفَمَنِ } كلُّ من اتصف بهذه الصفةِ الحميدةِ فيدخُل فيه المخاطَبون بقوله تعالى { فاعلموا *** فَهَلْ أَنتُمْ } دخولاً أولياً وقيل : هو النبيُّ صلى الله عليه وسلم ، وقيل : مؤمنو أهلِ الكتاب كعبد اللَّه بن سلام وأضرابِه ، وقيل : المرادُ بالبينة دليلُ العقلِ وبالشاهد القرآنُ فالضمير في منه لله تعالى ، أو البينةُ القرآنُ ويتلوه من التلاوة والشاهدُ جبريلُ أو لسانُ النبي صلى الله عليه وسلم على أن الضميرَ له أو من التُّلُوّ والشاهدُ مَلَكٌ يحفظ ، والأَوْلى هو الأولُ ، ولما كان المرادُ بتلوّ الشاهدِ للبرهان إقامةَ الشهادة بصحته وكونِه من عند الله تابعاً له بحيث لا يفارقه في مشهد من المشاهد فإن القرآنَ بيِّنةٌ باقيةٌ على وجه الدهرِ مع شاهدها الذي يشهد بأمرها إلى يوم القيامةِ عند كلِّ مؤمنٍ وجاحدٍ عُطف كتابُ موسى في قوله عز قائلاً : { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ موسى } على فاعله مع كونه مقدَّماً عليه في النزول فكأنه قيل : أفمن كان على بينةٍ من ربه ويشَهد به شاهدٌ منه وشاهدٌ آخرُ مِنْ قبله هو كتابُ موسى ، وإنما قُدّم في الذكر المؤخَّرِ في النزول لكونه وصفاً لازماً له غيرَ مفارِقٍ عنه ولعراقته في وصف التلوِّ ، والتنكيرُ في ( بينةٍ ) و ( شاهدٌ ) للتفخيم { إِمَاماً } أي مؤتماً به في الدين ومقتدىً ، وفي التعرض لهذا الوصفِ بصدد بيانِ تلوِّ الكتابِ ما لا يخفى من تفخيم شأنِ المَتْلوِّ { وَرَحْمَةً } أي نعمةً عظيمة على من أُنزل إليهم ومَنْ بعدهم إلى يوم القيامة باعتبار أحكامِه الباقيةِ المؤيَّدةِ بالقرآن العظيمِ وهما حالان من الكتاب . (3/330)
{ أولئك } الموصوفون بتلك الصفةِ الحميدةِ وهو الكونُ على بينة من الله ، ولِما أن ذلك عبارةٌ عن مطلق التمسكِ بها وقد يكون ذلك بطريق التقليدِ لمن سلف من عظماء الدين من غير عُثورٍ على دقائق الحقائقِ وصفهم بأنهم { يُؤْمِنُونَ بِهِ } أي يصدقونه حقَّ التصديقِ حسبما تشهد به الشواهدُ الحقّة المعربةُ عن حقيته { وَمن يَكْفُرْ بِهِ } أي بالقرآن ولم يصدِّق بتلك الشواهد الحقَّةِ { مّن الاحزاب } من أهل مكةَ ومن تحزّب معهم على رسول الله صلى الله عليه وسلم { فالنار مَوْعِدُهُ } يردّها لا محالة حسبما نطَق به قوله تعالى :
{ لَيْسَ لَهُمْ فِى الاخرة إِلاَّ النار } وفي جعلها موعداً إشعارٌ بأن له فيها ما لا يوصف من أفانين العذابِ { فَلاَ تَكُ فِى مِرْيَةٍ مّنْهُ } أي في شك من أمر القرآنِ وكونِه من عند الله عز وجل حسبما شهِدت به الشواهدُ المذكورةُ وظهر فضلُ من تمسك به { أَنَّهُ الحق مِن رَّبّكَ } الذي يربِّيك في دينك ودنياك { ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ } بذلك إما لقصور أنظارِهم واختلالِ أفكارِهم وإما لعنادهم واستكبارِهم ، فمَنْ في قوله تعالى : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } مبتدأٌ حُذف خبرُه لإغناء الحالِ عن ذكره وتقديرُه أفمن كان على بينة من ربه كأولئك الذين ذُكرت أعمالَهم وبُيِّن مصيرُهم ومآلُهم ، يعني أن بينهما اتفاقاً عظيماً بحيث لا يكاد يتراءى ناراهما ، وإيرادُ الفاءِ بعد الهمزةِ لإنكار ترتّبِ توهّم المماثلةِ على ما ذكر من صفاتهم وعُدّد من هَناتهم كأنه قيل : أبعدَ ظهورِ حالِهم في الدنيا والآخرة كما وُصف يُتوهم المماثلةُ بينهم وبين مَنْ كان على أحسن ما يكون في العاجل والآجل كما في قوله تعالى : { أفاتخذتم مّن دُونِهِ أَوْلِيَاء } أي أبعدَ أن علمتموه ربَّ السمواتِ والأرض اتخذتم من دونه أولياءَ وقولِه تعالى : { أَفَمَن يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَبّكَ الحق كَمَنْ هُوَ أعمى } (3/331)
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (18) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (19) أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (20)
{ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِباً } بأن نسَب إليه ما لا يليق به كقولهم للملائكة بناتُ الله تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً وقولِهم لآلهتهم : { هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله } يعني أنهم مع كفرهم بآيات الله تعالى مفترون عليه كذباً ، وهذا التركيُب وإن كان سبكُه على إنكار أن يكون أحدٌ أظلمَ منهم من غير تعرضٍ لإنكار المساواةِ ونفيِها ولكنّ المقصودَ به قصداً مطرداً إنكارُ المساواةِ ونفيُها وإفادةُ أنهم أظلم من كل ظالمٍ كما ينبىء عنه ما سيتلى من قوله عز وجل : { لاَ جَرَمَ أَنَّهُمْ فِى الاخرة هُمُ الاخسرون } فإذا قيل : مَنْ أكرمُ من فلان أو لا أفضلَ منه فالمرادُ منه حتماً أنه أكرمُ من كل كريمٍ وأفضلُ من كل فاضل { أولئك } الموصوفون بالظلم البالغِ الذي هو الافتراءُ على الله تعالى ، وبهذه الإشارة حصَلت الغُنيةُ عن إسناد العَرضِ إلى أعمالهم واكتُفي بإسناده إليهم حيث قيل : { يُعْرَضُونَ } لأن عرضَهم من تلك الحيثيةِ وبذلك العنوانِ عرضٌ لأعمالهم على وجهٍ أبلغَ فإن عرضَ العاملِ بعمله أفظعُ من عرض عملِه مع غَيْبته { على رَبّهِمْ } الحقِّ ، وفيه إيماءٌ إلى بطلان رأيِهم في اتخاذهم أرباباً من دون الله عز وجل { وَيَقُولُ الاشهاد } عند العَرْض من الملائكة والنبيين أو من جوارحهم وهو جمعُ شاهد أو شهيد كأصحاب وأشراف { هَؤُلاء الذين كَذَبُواْ على رَبّهِمْ } بالافتراء عليه كأن ذلك أمرٌ واضحٌ غنيٌّ عن الشهادة بوقوعه ، وإنما المحتاجُ إلى الشهادة تعيينُ مَنْ صدر عنه ذلك فلذلك لا يقولون : هؤلاء كذبوا على ربهم ويجوز أن يكون المرادُ بالأشهاد الحضّارَ وهم جميعُ أهلِ الموقفِ على ما قاله قتادة ومقاتل ويكون قولُهم : هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ذماً لهم بذلك لا شهادةً عليهم كما يُشعر به قوله تعالى : { وَيَقُولُ } دون { وَيُشْهِدُ } الخ ، وتوطئةً لما يعقُبه من قوله تعالى : { أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } بالافتراء المذكورِ ويجوز أن يكون هذا على الوجه الأولِ من كلام الله تعالى وفيه تهويلٌ عظيمٌ لما يحيق بهم من عاقبة ظلمِهم اللهم إنا نعوذُ بك من الخِزْي على رؤوس الأشهادِ { الذين يَصُدُّونَ } أي كلَّ من يقدِرون على صدّه أو يفعلون الصد { عَن سَبِيلِ الله } عن دينه القويمِ { وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } انحرافاً أي يصفونها بذلك وهي أبعدُ شيءٍ منه أو يبغون أهلَها أن ينحرفوا عنها يقال : بغَيتك خيراً أو شراً أي طلبتُ لك ، وهذا شاملٌ لتكذيبهم بالقرآن وقولِهم إنه ليس من عند الله { وَهُمْ بالاخرة هُمْ كافرون } أي يصِفونها بالعِوَج والحالُ أنهم كافرون بها لا أنهم يؤمنون بها ويزعُمون أن لها سبيلاً سوياً يهدون الناسَ إليه ، وتكريرُ الضمير لتأكيد كفرِهم واختصاصِهم به كأن كفرَ غيرِهم ليس بشيء عند كفرهم { أولئك } مع ما وُصف من أحوالهم الموجيةِ للتدمير { لَمْ يَكُونُواْ مُعْجِزِينَ } الله تعالى مُفْلِتين بأنفسهم من أخذه لو أراد ذلك { فِى الارض } مع سَعتها وإن هربوا منها كل مَهْرب . (3/332)
{ وَمَا كَانَ لَهُمْ مّن دُونِ الله مِنْ أَوْلِيَاء } ينصُرونهم من بأسه ولكن أُخِّر ذلك لحكمة تقتضيه ، والجمعُ إما باعتبار أفراد الكفَرة كأنه قيل : وما كان لأحد منهم من وليَ أو باعتبار تعدّدِ ما كانوا يدعون من دونه الله تعالى فيكون ذلك بياناً لحال آلهتِهم من سقوطها عن رتبة الولاية { يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب } استئنافٌ يتضمن حكمةَ تأخيرِ المؤاخذة وقرأ ابنُ كثير ، وابنُ عامرٍ ، ويعقوبُ بالتشديد { مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع } لفَرْط تصامِّهم عن الحق وبُغضِهم له كأنهم لا يقدرون على السمع ، ولما كان قبحُ حالِهم في عدم إذعانِهم للقرآن الذي طريقُ تلقّيه السمعُ أشدَّ منه في عدم قَبولِهم لسائر الآياتِ المنوطةِ بالإبصار ، بالغَ في نفي الأولِ عنهم حيث نفى عنهم الاستطاعةَ واكتفى في الثاني بنفي الإبصارِ فقال تعالى : { وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ } لتعاميهم عن آيات الله المبسوطةِ في الأنفس والآفاقِ وهو استئنافٌ وقع تعليلاً لمضاعفة العذابِ وقيل : هو بيانٌ لما نُفي من ولاية الآلهةِ فإن ما لا يسمع ولا يُبصر بمعزل من الولاية ، وقوله تعالى : { يُضَاعَفُ لَهُمُ العذاب } اعتراضٌ وسِّط بينهما نعياً عليهم من أول الأمرِ سوءَ العاقبة . (3/333)
أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (21) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآَخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ (22) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (23)
{ أولئك } المنعوتون بما ذكر من القبائح { الذين خَسِرُواْ أَنفُسَهُم } باشتراء عبادةِ الآلهةِ بعبادة الله عز سلطانُه { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من الآلهة وشفاعتِها أو خسِروا ما بذلوا وضاع عنهم ما حصَلوا فلم يبقَ معهم سوى الحسرةِ والندامة { لاَ جَرَمَ } فيه ثلاثةُ أوجةٍ : ( الأولُ ) أن لا نافيةٌ لما سبق وجَرَم فعلٌ بمعنى حقَّ وأن مع ما في حيزه فاعلُه والمعنى لا ينفعهم ذلك الفعلُ حقَّ { أَنَّهُمْ فِى الاخرة هُمُ الاخسرون } وهذا مذهبُ سيبويه ، ( والثاني ) جرَمَ بمعنى كسب وما بعده مفعولُه ، وفاعلُه ما دل عليه الكلامُ أي كسب ذلك خُسرانَهم فالمعنى ما حصل من ذلك إلا ظهورُ خُسرانِهم ( والثالثُ ) أن لا جرم بمعنى لا بد أنهم في الآخرة هم الأخسرون ، وأياً ما كان فمعناه أنهم أخسرُ من كل خاسر فتبين أنهم أظلمُ من كل ظالم ، وهذه الآياتُ الكريمة كما ترى مقرِّرةٌ لما سبق من إنكار المماثلةِ بين مَنْ كان على بينة من ربه وبين مَنْ كان يريد الحياةَ الدنيا أبلغَ تقريرٍ فإنهم حيث كانوا أظلمَ من كل ظالمٍ وأخسَر من كل خاسرٍ لم يُتصوَّرْ مماثلةٌ بينهم وبين أحدٍ من الظَّلَمةِ الأخسرين فما ظنُّك بالمماثلة بينهم وبين مَنْ هو في أعلى مدارجِ الكمالِ ولما ذُكر فريقُ الكفارِ وأعمالُهم وبيّن مصيُرهم ومآلُهم شُرع في بيان حالِ أضدادِهم أعني فريقَ المؤمنين وما يؤول إليه أمرُهم من العواقب الحميدةِ تكملةً لما سلف من محاسنهم المذكورة في قوله تعالى : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } الآية ، ليتبينَ ما بينهما من التباين البيِّنِ حالاً ومآلاً فقيل : { إِنَّ الذين ءامَنُواْ } أي بكل ما يجب أن يؤمَن به فيندرج تحتَه ما نحن بصدده من الإيمان بالقرآن الذي عبّر عنه بالكون على بينة من الله وإنما يحصُل ذلك باستماع الوحي والتدبرِ فيه ومشاهدةِ ما يؤدِّي إلى ذلك في الأنفس والآفاقِ ، أو فعلوا الإيمان كما في يُعطي ويمنع { وَعَمِلُواْ الصالحات وَأَخْبَتُواْ إلى رَبّهِمْ } أي اطمأنوا إليه وانقطعوا إلى عبادته بالخضوع والتواضعِ من الخَبْت وهي الأرضُ المطمئنة ومعنى أخبت دخل في الخَبْت . وأنجدَ دخلَ في تِهامةَ ونجدٍ { أولئك } المنعوتون بتلك النعوتِ الجميلة { أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون } دائمون وبعد بيانِ تباينِ حاليهما عقلاً أريد بيانُ تبايُنِهما حِساً فقيل : (3/334)
مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (24)
{ مَثَلُ الفريقين } المذكورين أي حالُهما العجيبُ لأن المثَلَ لا يُطلق إلا على ما فيه غرابةٌ من الأحوال والصفات { كالاعمى والاصم والبصير والسميع } أي كحال هؤلاءِ فيكون ذواتُهم كذواتهم ، والكلامُ وإن أمكن أن يُحمَلَ على تشبيه الفريقِ الأولِ بالأعمى وبالأصمِّ وتشبيهِ الفريقِ الثاني بالبصير وبالسميع لكن الأدخلَ في المبالغة والأقربَ إلى ما يشير إليه لفظُ المثل والأنسبَ بما سبق من وصف الكفرةِ بعدم استطاعةِ السمع وبعدم الإبصارِ ، أن يُحمل على تشبيه الفريقِ الأولِ بمن جمع بين العَمى والصمَم ، وتشبيهُ الفريقِ الثاني بمَن جمع بين البصر والسمع على أن تكون الواوُ في قوله تعالى : { والاصم } وفي قوله : { والسميع } لعطف الصفةِ على الصفة كما في قول من قال : (3/335)
إلى الملك القَرْمِ وابنِ الهُمام ... وليثِ الكتبيةِ في المُزْدَحَمْ
وأياً ما كان فالظاهرُ أن المرادَ بالحال المدلولِ عليها بلفظ المَثَل وهي التي يدور عليها أمرُ التشبيهِ ما يلائم الأحوالَ المذكورةَ المعتبرةَ في جانب المشبهِ به من تعامي الفريقِ الأولِ عن مشاهدة آياتِ الله المنصوبةِ في العالم والنظرِ إليها بعين الاعتبارِ وتصامِّهم عن استماع آياتِ القرآنِ الكريم وتلقّيها بالقبول حسبما ذكر في قوله تعالى : { مَا كَانُواْ يَسْتَطِيعُونَ السمع وَمَا كَانُواْ يُبْصِرُونَ } وإنما لم يُراعَ هذا الترتيبُ هنا لكون الأعمى أظهرَ وأشهرَ في سوء الحالِ من الأصم ، ومن استعمال الفريقِ الثاني لكل من أبصارهم وأسماعِهم فيما ذكر كما ينبغي المدلولُ عليه بما سبق من الإيمان والعملِ الصالحِ والإخبات حسبما فسر به فيما مر فلا يكون التشبيهُ تمثيلياً لا جميع الأحوال المعدودةِ لكل من الفريقين مما ذكر وما يؤدي إليه من العذاب المضاعَف والخسران البالغِ في أحدهما ومن النعيم المقيم في الآخر ، فإن اعتبارَ ذلك ينزِعُ إلى كون التشبيهِ تمثيلياً بأن يُنتزَعَ من حال الفريقِ الأول في تصامّهم وتعاميهم المذكورَيْن ووقوعِهم بسبب ذلك في العذاب المضاعفِ والخُسران الذي لا خسرانَ فوقه هيئةٌ فتشبّه بهيئة منتزَعةٍ ممن فقَد مَشْعَرَيْ البصر والسمعِ فتخبَّط في مسلَكه فوقع في مهاوي الردى ولم يجِدْ إلى مقصِده سبيلاً وينتزَعَ من حال الفريق الثاني في استعمال مشاعرِهم في آيات الله تعالى حسبما ينبغي وفوزِهم بدار الخلودِ هيئةٌ فتشبّه بهيئة متنزَعةٍ ممن له بصَرٌ وسمع يستعملهما في مَهمّاته فيتهدي إلى سبيله وينال مَرامه { هَلْ يَسْتَوِيَانِ } يعني الفريقين المذكورين والاستفهامُ إنكاريٌّ مذكّر لما سبق من إنكار المماثلةِ في قوله عز وجل : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ } الآية { مَثَلاً } أي حالاً وصفةً وهو تمييزٌ من فاعل يستويان { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أي أتشكّون في عدم الاستواءِ وما بينهما من التباين أو أتغفُلون عنه فلا تتذكرونه بالتأمل فيما ضُرب لكم من المثل فيكون الإنكارُ وارداً على المعطوفَيْن معاً أو أتسمعون هذا فلا تتذكرون فيكون راجعاً إلى عدم التذكر بعد تحققِ ما يوجب وجودَه وهو المثل المضروبُ كما في قوله تعالى :
{ وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن } فإن الفاءَ لإنكار الانقلابِ بعد تحقق ما يوجب عدمَه من علمهم بخلوّ الرسلِ قبل رسولِ الله صلى الله عليه وسلم أو أفلا تفعلون التذكرَ أو أفلا تعقِلون ومعنى الهمزةِ إنكارُ عدمِ التذكرِ واستبعادُ صدوره عن المخاطبين وأنه ليس مما يصح أن يقع لا من قبيل الإنكارِ في قوله تعالى : { أَفَمَن كَانَ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّهِ } وقولِه تعالى : { هَلْ يَسْتَوِيَانِ } فإن ذلك لنفي المماثلة ونفي الاستواء . ولما بيَّن من فاتحة السورةِ الكريمةِ إلى هذا المقامِ أنها كتابٌ محكمُ الآياتِ مفصَّلُها نازلٌ في شأن التوحيدِ وتركِ عبادةِ غيرِ الله سبحانه وأن الذي أنزل عليه نذيرٌ وبشيرٌ من جهته تعالى وقرر في تضاعيف ذلك ما له مدخَلٌ في تحقيق هذا المرامِ من الترغيب والترهيبِ وإلزامِ المعاندين بما يقارنه من الشواهد الحقةِ الدالةِ على كونه من عند الله تعالى وتسليةِ الرسولِ صلى الله عليه وسلم مما عراه من ضيق الصدرِ العارضِ له من اقتراحاتهم الشنيعةِ وتكذيبِهم له وتسميتِهم للقرآن تارةً سحراً وأخرى مفترًى وتثبيتِه عليه الصلاة والسلام والمؤمنين على التمسك به والعملِ بموجبه على أبلغِ وجهٍ وأبدعِ أسلوبٍ شَرع في تحقيق ما ذُكر وتقريرِه بذكر قصصِ الأنبياءِ صلواتُ الله عليهم أجمعين المشتملةِ على ما اشتمل عليه فاتحةُ السورةِ الكريمةِ ليتأكد ذلك بطريقين ( أحدُهما ) أن ما أُمر به من التوحيد وفروعِه مما أطبق عليه الأنبياءُ قاطبةً ، ( والثاني ) أن ذلك إنما علِمه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بطريق الوحي فلا يبقى في حقيته كلامٌ أصلاً وليتسلّى بما يشاهده من معاناة الرسلِ قبله من أممهم ومقاساتِهم الشدائدَ من جهتهم فقيل : (3/336)
وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ إِنِّي لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (25)
{ وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ } الواوُ ابتدائيةٌ واللامُ جوابُ قسمٍ محذوفٍ وحرفُه الباءُ لا الواو كما في سورة الأعراف لئلا يجتمعَ واوان ، ولا يكاد تُطلق هذه اللامُ إلا مع قد لأنها مظِنّةُ التوقعِ وأن المخاطبَ إذا سمِعها توقع وقوعَ ما صُدّر بها ، ونوحٌ هو ابن لمك بن متوشلخ بن إدريسَ عليهما السلام وهو أولُ نبي بُعث بعده . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : بعث عليه الصلاة والسلام على رأس أربعين من عُمره ولبث يدعو قومَه تسعمائة وخمسين سنةً وعاش بعد الطوفانِ ستين سنةً وكان عمرُه ألفاً وخمسين سنة ، وقال مقاتل : بعث وهو ابنُ مائةِ سنةٍ ، وقيل : وهو ابنُ خمسين سنة ، وقيل : وهو ابنُ مائتين وخمسين سنةً ومكث يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة { إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ } بالكسر على إرادة القولِ أي فقال أو قائلا ، وقرأ ابن كثير ، وأبو عمْروٍ ، والكسائيُّ ، بالفتح على إضمار حرف الجرِّ أي أرسلناه ملتبساً بذلك الكلامِ وهو إني لكم نذيرٌ بالكسر فلما اتصل به الجارُّ فُتح كما فُتح في كأن والمعنى على الكسر وهو قولك : إن زيداً كالأسد واقتُصر على ذكر كونِه عليه الصلاة والسلام نذيراً لا لأن دعوتَه عليه الصلاة والسلام كانت بطريق الإنذارِ فقط ، ألا يُرى إلى قوله تعالى : { فَقُلْتُ استغفروا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السماء عَلَيْكُمْ مُّدْرَاراً } الخ ، بل لأنهم لم يغتنموا مغانمَ إبشارِه عليه الصلاة والسلام { مُّبِينٌ } أبيِّن لكم موجباتِ العذابِ ووجهَ الخلاصِ منه لأن الإنذارَ إعلامُ المحذورِ لا لمجرد التخويفِ والإزعاجِ بل للحذر منه فيتعلق صفتُه بكلا وصفَيه . (3/337)
أَنْ لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (26) فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ (27)
{ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ الله } أي بألا تعبدوا على أنّ أنْ مصدريةٌ والباءُ متعلقةٌ بأرسلنا ولا ناهية أي أرسلناه ملتبساً بنهيهم عن الشرك إلا أنه وُسّط بينهما بيانُ بعضِ أوصافِه وأحوالِه عليه الصلاة والسلام وهو كونه نذيراً مبيناً ليكون أدخلَ في القَبول ولم يُفعلْ ذلك في صدر السورة لئلا يُفرَّقَ بين الكتاب ومضمونِه بما ليس من أوصافه وأحوالِه ، أو مفسرةٌ متعلقةٌ به أو بنذير أو مفعولٌ لمبين وعلى قراءة الفتح بدلٌ من أني لكم نذيرٌ مبينٌ وتعيينٌ لما يوجب وقوعَ المحذورِ وتبيينٌ لوجه الخلاصِ وهو عبادةُ الله تعالى وقوله تعالى : { إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } تعليلٌ لموجب النهي وتصريحٌ بالمحذور وتحقيقٌ للإنذار ، والمرادُ به يومُ القيامةِ أو يومُ الطوفان ، ووصفُه بالأليم على الإسناد المجازي للمبالغةِ ، كما في : نهارُه صائمٌ ، وهذه المقالةُ وما في معناها مما قاله عليه الصلاة والسلام في أثناء الدعوةِ على ما عُزِي إليه في سائر السور لما لم تصدر عنه عليه الصلاة والسلام مرةً واحدة بل كان يكرّرها عليهم في تلك المدةِ المتطاولةِ على ما نظق به قولُه تعالى : { رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً } الآيات . . . عطفٌ على فعل الإرسالِ المقارِن لها أو القولِ المقدّرِ بعده جوابُهم المتعرِّضُ لأحوال المؤمنين الذين اتبعوه عليه الصلاة والسلام بعد اللتيا والتي بالفاء التعقيبيةِ فقيل : { فَقَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قِوْمِهِ } أي الأشرافُ منهم من قولهم : فلانٌ مليءٌ بكذا أي مُطيقٌ له لأنهم مُلِئوا بكفايات الأمورِ أو لأنهم ملأوا القلوبَ هيبةً والمجالسَ أُبّهةً أو لأنهم مُلئوا بالأحلام والآراءِ الصائبةِ ، ووصفُهم بالكفر لذمهم والتسجيلِ عليهم بذلك من أول الأمر لا لأن بعضَ أشرافِهم ليسوا بكفرة { مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } مُرادُهم ما أنت إلا بشرٌ مثلُنا ليس فيك مزيةٌ تخصُّك من دوننا بما تدعيه من النبوة ولو كان كذلك لرأيناه لا أن ذلك محتملٌ ولكن لا نراه وكذا الحالُ في قولهم : { وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِىَ الرأى } فالفعلان من رؤية العينِ وقوله تعالى : { إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } حالٌ من المفعول وكذا قوله : { اتبعك } في موضع الحالِ منه إما على حاله أو بتقدير قد عند من يشترط ذلك ، ويجوز أن يكون من رؤية القلبِ وهو الظاهرُ فهما المفعولُ الثاني وتعلُّقُ الرأي في الأول بالمثلية لا بالبشرية فقط ، وإنما لم يبتّوا القول بذلك مع جزمهم به وإصرارِهم عليه إراءةً بأن ذلك لم يصدُر عنه جُزافاً بل بعد التأملِ في الأمر والتدبرِ فيه ولذلك اقتَصروا على ذكر الظن فيما سيأتي وتعريضاً من أول الأمرِ برأي المتبعين فكأن قولَهم : { وَمَا نَرَاكَ } جوابٌ عما يرِد عليهم من أنه عليه الصلاة والسلام ليس مثلَهم حيث عاين دلائلَ نبوته واغتنم اتباعُه مَنْ له عينٌ تُبصر وقلبٌ يدرك فزعَموا أن هؤلاء أراذلُنا أي أخِسّاؤنا وأدانينا جمعُ أرذلٍ فإنه صار بالغلبة جارياً مجرى الاسم كالأكبر والأكابر أو جمعُ أرذُلٍ جمعُ رَذْلٍ كأكالِب وأكلُب وكلْب يعنون أنه لا عبرة باتباعهم لك إذ ليس لهم رزانةُ عقل ولا أصالةُ رأيٍ وقد كان ذلك منهم في بادي الرأي أي ظاهرِه من تعمّق ، من مَبْدُوّ أو في أوله من البدء والياء مبدلةٌ من الهمزة لانكسار ما قبلها وقد قرأه أبو عمرو بها وانتصابُه على الظرفية على حذف المضافِ أي وقتَ حدوثِ بادي الرأي والعاملُ فيه اتبعك وإنما استرذلوهم مع كونهم أولي الألبابِ الراجحةِ لفقرهم فإنهم لما لم يعلموا إلا ظاهرَ الحياةِ الدنيا كان الأشرفُ عندهم الأكثرَ منها حظاً والأرذلُ من حُرمها ولم يفقَهوا أن ذلك لا يزن عند الله جناحَ بعوضةٍ وأن النعيم إنما هو نعيمُ الآخرة والأشرفُ من فاز به والأرذلُ من حُرمه نعوذ بالله تعالى من ذلك . (3/338)
{ وَمَا نرى لَكُمْ } أي لك ولمتّبعيك فغلّب المخاطَب على الغائبين { عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } يعنون أن اتباعَهم لك لا يدل على نبوتك ولا يُجديهم فضيلةً تَستتبع اتباعَنا لكم واقتصارَهم هاهنا على ذكر عدمِ رؤيةِ الفضلِ بعد تصريحِهم برذالتهم فيما سبق باعتبار حالِهم السابقِ واللاحقِ ، ومرادُهم أنهم كانوا أراذلَ قبل اتباعهم لك ولا نرى فيهم وفيك بعد الاتباع فضيلةً علينا { بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذبين } جميعاً لكون كلامكم واحداً ودَعْواكم واحدةً ، أو إياك في دعوى النبوةِ وإياهم في تصديقِك واقتصارُهم على الظنّ احترازٌ منهم عن نسبتهم إلى المجازفة ومجاراةٌ معه عليه الصلاة والسلام بطريق الإرادة على نهج الإنصاف . (3/339)
قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآَتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (28)
{ قَالَ يَا قَوْمِ أَرَءيْتُمْ } أي أخبروني وفيه إيماءٌ إلى ركاكة رأيِهم المذكور { إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ } برهانٍ ظاهر { مّن رَّبّى } وشاهدٍ يشهد بصِحّة دعواي { وَآتَانِى رَحْمَةً مِّنْ عِندِهِ } هي النبوةُ ، ويجوز أن تكون هي البينةَ نفسَها جيء بها إيذاناً بأنها مع كونها بينةً من الله تعالى رحمةٌ ونعمةٌ عظيمة من عنده ، فوجْهُ إفرادِ الضمير في قوله تعالى : { فَعُمّيَتْ عَلَيْكُمْ } حينئذ ظاهرٌ وإن أريد بها النبوةُ وبالبينة البرهانُ الدالُّ على صحتها فالإفرادُ لإرادة كلِّ واحدةٍ منهما أو لكون الضميرِ للبينة والاكتفاءِ بذلك لاستلزام خفائِها خفاءَ النبوةِ ، أو لتقدير فعلٍ آخرَ بعد البينة ، ومعنى عُمِّيت أُخفيت ، وقرىء عمِيَت ومعناه خَفِيت ، وحقيقتُه أن الحجةَ كما تجعل مُبصِرة وبصيرةً تجعلُ عمياءَ ، لأن الأعمى لا يهتدي ولا يهدي غيرَه ، وفي قراءة أُبيّ فعمّاهما عليكم على الإسناد إلى الله عز وجل { أَنُلْزِمُكُمُوهَا } أي أنُكرِهُكم على الاهتداء بها ، وهو جوابُ أرأيتم وسادٌّ مسدَّ جوابِ الشرطِ ، وقرأ أبو عمرو بإخفاء حركةِ الميمِ ، وحيث اجتمع ضميران منصوبان وقد قُدِّم أعرفُهما جاز في الثاني الوصلُ والفصلُ ، فوصل كما في قوله تعالى : { فَسَيَكْفِيكَهُمُ الله } { وَأَنتُمْ لَهَا كارهون } لا تختارونها ولا تتأملون فيها ، ومحصولُ الجوابِ أخبروني إن كنتُ على حجة ظاهرةِ الدِلالة على صِحّة دعواي إلا أنها خافيةٌ عليكم غيرُ مُسلَّمةٍ عندكم ، أيمكنُنا أن نكرِهَكم على قَبولها وأنتم معرضون عنها غيرَ متدبِّرين فيها أي لا يكون ذلك ، وظاهرُه مُشعِرٌ بصدوره عنه عليه الصلاة والسلام بطريق إظهارِ اليأسِ عن إلزامهم القعودَ عن مُحاجَّتهم كقوله تعالى : { وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى } الخ ، لكنه محمولٌ على أن مرادَه عليه الصلاة والسلام ردُّهم عن الإعراض عنها وحثُّهم على التدبّر فيها بصرف الإنكارِ إلى الإلزام حالَ كراهتِهم لها لا إلى الإلزام مطلقاً ، هذا ويجوز أن يكون المرادُ بالبينة دليلَ العقلِ الذي هو ملاكُ الفضل ، وبحسبه يمتاز أفرادُ البشرِ بعضُها من بعض وبه يناط الكرامةُ عند الله عز وجل والاجتباءُ للرسالة ، وبالكون عليها التسمكُ به والثباتُ عليه وبخفائها على الكفرة على أن الضميرَ للبينة عدمُ إدراكِهم لكونَه عليه الصلاة والسلام عليها وبالرحمة النبوةُ التي أنكروا اختصاصَه عليه السلام بها بين ظَهرانيهم ، والمعنى أنكم زعمتم أن عهدَ النبوةِ لا يناله إلا من له فضيلةٌ على سائر الناسِ مستتبِعةٌ لاختصاصه به دونهم ، أخبروني إن امتزتُ عنكم بزيادة مزيةٍ وحيازةِ فضيلةٍ من ربي وآتاني بحسبها نبوةً منه فخفِيَتْ عليكم تلك البينةُ ولم تُصيبوها ولم تنالوها ولم تعلموا حيازتي لها وكوني عليها إلى الآن حتى زعمتم أني مثلُكم وهي متحققةٌ في نفسها أنلزمكم قبولَ نبوتي التابعةِ لها والحالُ أنكم كارهون لذلك فيكون الاستفهامُ للحمل على الإقرار ، وهو الأنسبُ بمقام المُحاجّةِ وحينئذٍ يكون كلامُه عليه الصلاة والسلام جواباً عن شُبَههم التي أدرجوها في خلال مقالِهم من كونه عليه السلام بشراً ، قصارى أمره أن يكون مثلَهم من غير فضلٍ له عليهم وقطعاً لشأفة آرائِهم الركيكة . (3/340)
وَيَا قَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (29)
{ وَيَا قَوْمِ لاَّ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ } أي على ما قلته في أثناء دعوتِكم { مَالاً } تؤدّونه إليّ بعدِ إيمانِكم واتباعِكم لي فيكونَ ذلك أجراً لي في مقابلة اهتدائِكم { إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله } الذي يُثيبني في الآخرة ، وفي التعبير عنه حين نُسب إليهم بالمال ما لا يخفى من المزية { وَمَا أَنَاْ بِطَارِدِ الذين ءامَنُواْ } جوابٌ عما لوّحوا به بقولهم : { وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا } من أنه لو اتبعه الأشرافُ لوافقوهم وأن اتّباعَ الفقراءِ مانعٌ لهم عن ذلك كما صرّحوا به في قولهم : { أَنُؤْمِنُ لَكَ واتبعك الارذلون } فكان ذلك التماساً منهم لطردهم وتعليقاً لإيمانهم به عليه الصلاة والسلام بذلك أنفَةً من الانتظام معهم في سلك واحد { إِنَّهُمْ مُّلاَقُو رَبّهِمْ } تعليلٌ لامتناعه عليه السلام عن طردهم أي إنهم فائزون في الآخرة بلقاء الله عز وجل كأنه قيل : لا أطرُدهم ولا أُبعِدُهم عن مجلسي لأنهم مقرَّبون في حضرة القدسِ ، والتعرّضُ لوصف الربوبيةِ لتربية وجوبِ رعايتِهم وتحتّمِ الامتناعِ عن طردهم ، أو مصدِّقون في الدنيا بلقاء ربِّهم موقنون به عالِمون أنهم ملاقوه لا محالة فكيف أطرُدهم . وحملُه على معنى أنهم يلاقونه فيجازيهم على ما في قلوبهم من إيمان صحيحٍ ثابتٍ كما ظهر لي أو على خلاف ذلك مما تعرِفونهم به من بناء إيمانِهم على بادي الرأي من غير نظرٍ وتفكّر ، وما عليّ أن أشقَّ عن قلوبهم وأتعرَّفَ سرَّ ذلك منهم حتى أطرُدَهم إن كان الأمرُ كما تزعُمون يأباه الجزمُ بترتّب غضب الله عز وجل على طردهم كما سيأتي وأيضاً فهم إنما قالوا إن اتباعَهم لك إنما هو بحسب بادي الرأي بلا تأمل وتفكرٍ ، وهذا لا يكاد يصلُح مداراً للطرد في الدنيا ولا للمؤاخذة في الآخرة ، غايتُه أن لا يكونوا في مرتبة الموقنين ، وادعاءُ أن بناءَ الإيمانِ على ظاهر الرأي يؤدّي إلى الرجوع عنه عند التأملِ فكأنهم قالوا إنهم اتبعوك بلا تأمل فلا يثبُتون على دينك بل يرتدون عنه تعسفٌ لا يخفى . (3/341)
{ ولكنى أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ } بكل ما ينبغي أن يُعلم ، ويدخُلُ فيه جهلُهم بلقاء الله عز وجل وبمنزلتهم عنده وباستيجاب طردِهم لغضب الله كما سيأتي وبركاكة رأيِهم في التماس ذلك وتوقيفِ إيمانهم عليه أنفةً عن الانتظام معهم في سلك واحدٍ وزعماً منهم أن الرذالة بالفقر والشرفَ بالغنى . وإيثارُ صيغةِ الفعلِ للدلالة على التجدد والاستمرارِ ، أو تتسافهون على المؤمنين بنسبتهم إلى الخَساسة .
وَيَا قَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (30) وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (31)
{ وياقوم مَن يَنصُرُنِى مِنَ الله } بدفْع حلولِ سخطِه عني { إِن طَرَدتُّهُمْ } فإن ذلك أمرٌ لا مردَّ له لكون الطرد ظلماً موجباً لحلول السّخط قطعاً ، وإنما لم يُصرَّح به إشعاراً بأنه غنيٌّ عن البيان لا سيما غِبَّ ما قُدّم ما يلوحُ به من أحوالهم فكأنه قيل : مَنْ يدفعُ عني غضبَ الله تعالى إن طردتُهم وهم بتلك المثابةِ من الكرامة والزُلفى كما ينبىء عنه قوله تعالى : { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أي أتستمرّون على ما أنتم عليه من الجهل المذكورِ فلا تتذكرون ما ذُكر من حالهم حتى تعرِفوا أن ما تأتونه بمعزل عن الصواب ، ولكون هذه العلةِ مستقلةً بوجه مخصوصٍ ظاهر الدلالةِ على وجوب الامتناعِ عن الطرد أُفردت عن التعليل السابقِ وصُدّرت بيا قوم { وَلا أَقُولُ لَكُمْ } حين أدّعي النبوة { عِندِى خَزَائِنُ الله } أي رزقُه وأموالُه حتى تستدلوا بعدمها على كذبي بقولكم : { وَمَا نرى لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كاذبين } فإن النبوةَ أعزُّ من أن تنال بأسباب دنيويةٍ ودعواها بمعزل عن ادعاء المالِ والجاه { وَلا أَعْلَمُ الغيب } أي لا أدعي في قولي : { إِنَّى لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ } { إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } علمَ الغيبِ حتى تسارعوا إلى الإنكار والاستبعاد . (3/342)
{ وَلا أَقُولُ إِنّى مَلَكٌ } حتى تقولوا : { مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } فإن البشريةَ ليست من موانع النبوةِ بل من مباديها يعني أنكم اتخذتم فُقدانَ هذه الأمورِ الثلاثة ذريعةً إلى تكذيبي والحال أني لا أدعي شيئاً من ذلك ولا الذي أدّعيه يتعلق بشيء منها وإنما يتعلق بالفضائل النفسانيةِ التي بها تتفاوت مقاديرُ البشرِ { وَلا أَقُولُ } مساعدةً لكم كما تقولون { لِلَّذِينَ تَزْدَرِى أَعْيُنُكُمْ } أي تقتحِمهم وتحتقرِهم من زراه إذا عابه ، وإسنادُ الازدراءِ إلى أعينهم ( إما ) بالنظر إلى قولهم : { وَمَا نَرَاكَ اتبعك إِلاَّ الذين هُمْ أَرَاذِلُنَا } وإما للإشعار بأن ذلك لقصور نظرِهم ولو تدبروا في شأنهم ما فعلوا ذلك أي لا أقول في شأن الذين استرذلتموهم لفقرهم من المؤمنين { لَن يُؤْتِيَهُمُ الله خَيْرًا } في الدنيا أو في الآخرة فعسى الله أن يُؤتيهَم خيري الدارين .
إن قلتَ : هذا القولُ ليس مما تستنكره الكفرةُ ولا مما يتوهمون صدورَه عنه عليه السلام أصالةً أو استتباعاً كادعاء المِلْكية وعلمِ الغيب وحيازة الخزائنِ مما نفاه عليه الصلاة والسلام عن نفسه بطريق التبرؤ والتنزه عنه فمِنْ أيِّ وجه عطُف نفيُه على نفيها؟ قلتُ : من جهة أن كِلا النفيَيْن ردٌّ لقياسهم الباطلِ الذي تمسّكوا به فيما سلف فإنهم زعَموا أن النبوةَ تستتبع الأمورَ المذكورةَ وأنها لا تتسنى ممن ليس على تلك الصفات فإن العثورَ على مكانها واغتنامَ مغانمِها ليس من دأب الأراذلِ فأجاب عليه الصلاة والسلام بنفي ذلك جميعاً فكأنه قال : «لا أقول وجودُ تلك الأشياءِ من مواجب النبوةِ ولا عدمُ المالِ والجاهِ من موانع الخير» { الله أَعْلَمُ بِمَا فِى أَنفُسِهِمْ } من الإيمان ، وإنما اقتُصر على نفي القولِ المذكورِ من أنه عليه الصلاة والسلام جازمٌ بأن الله سبحانه سيؤتيهم خيراً عظيماً في الدارين وأنهم على يقين راسخٍ في الإيمان جرياً على سنن الإنصافِ من القوم واكتفاءً بمخالفة كلامِهم وإرشاداً لهم إلى مسلك الهدايةِ بأن اللائقَ لكل أحدٍ أن لا يبُتَّ القولَ إلا فيما يعلمه يقيناً ويبني أمورَه على الشواهد الظاهرةِ ولا يجازف فيما ليس فيه على بينة ظاهرة { إِنّى إِذاً } أي إذا قلتُ ذلك { لَّمِنَ الظالمين } لهم بحطِّ مرتبتِهم ونقصِ حقوقِهم أو من الظالمين لأنفسهم بذلك فإن وبالَه راجعٌ إلى أنفسهم وفيه تعريضٌ بأنهم ظالمون في ازدرائهم واسترذالِهم ، وقيل : إذا قلتُ شيئاً مما ذكر من ادّعاء المِلْكية وعلمِ الغيب وحيازةِ الخزائن ، وهو بعيدٌ لأن تبعةَ تلك الأقوالِ مغنيةٌ عن التعليل بلزوم الانتظامِ في زمرة الظالمين .
قَالُوا يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (32) قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (33) وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (34)
{ قَالُواْ يا نُوحٌ قَدْ جَادَلْتَنَا } خاصمتنا { فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } أي أطَلْته أو أتيتَه بأنواعه فإن إكثارَ الجدالِ يتحقق بعد وقوعِ أصلِه فلذلك عُطف عليه بالفاء أو أردتَ ذلك فأكثرتَه كما في قوله تعالى : { فَإِذَا قَرَأْتَ القرءان فاستعذ بالله } ولما حجّهم عليه الصلاة والسلام وأبرز لهم بيناتٍ واضحةَ المدلولِ وحُججاً تتلقاها العقولُ بالقَبول وألقمهم الحجرَ برد شُبهِهم الباطلةِ ضاقت عليهم الحيلُ وعيّت بهم العللُ وقالوا : { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } من العذاب المعجّلِ أو العذابِ الذي أشير إليه في قوله : { إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ } على تقدير أن لا يكون المرادُ باليوم يومَ القيامة { إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } فيما تقول { قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِن شَاء } يعني أن ذلك ليس موكولاً إليّ ولا هو مما يدخُل تحت قدرتي وإنما يتولاه الله الذي كفرتم به وعصيتموه يأتيكم به عاجلاً أو آجلاً إنْ تعلَّق به مشيئتُه التابعةُ للحكمة ، وفيه ما لا يخفى من تهويل الموعودِ فكأنه قيل : الإتيانُ به أمرٌ خارجٌ عن دائرة القُوى البشرية وإنما يفعله الله عز وجل . (3/343)
{ وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } بالهرب أو بالمدافعة كما تدافعونني في الكلام { وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى } النُصحُ كلمةٌ جامعةٌ لكل ما يدور عليه الخيرُ من قول أو فعل ، وحقيقتُه إمحاضُ إرادةِ الخيرِ والدِلالةِ عليه ، ونقيضُه الغشُّ وقيل : هو إعلامُ موقع الغَيِّ ليُتّقى وموضعِ الرشد ليقتفى { إِنْ أَرَدْتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ } شرطٌ حذف جوابُه لدلالة ما سبق عليه ، والتقديرُ إن أردتُ أن أنصحَ لكم لا ينفعُكم نُصحي وهذه الجملةُ دليلٌ على ما حذف من جواب قولِه تعالى : { إِن كَانَ الله يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ } والتقديرُ إن كان يريد أن يُغوِيَكم فإن أردتُ أن أنصحَ لكم لا ينفعكم نصحي ، هذا على ما ذهب إليه البصريون من عدم تقديم الجزاءِ على الشرطِ ، وأما على ما ذهب إليه الكوفيون من جوازه فقوله عز وعلا : { وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِى } جزاءٌ للشرط الأولِ ، والجملةُ جزاءٌ للشرط الثاني وعلى التقديرين فالجزاءُ متعلّقٌ بالشرط الأولِ وتعلّقه به معلّقٌ بالشرط الثاني ، وهذا الكلامُ متعلِّقٌ بقولهم : { قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا } صدر عنه عليه الصلاة والسلام إظهاراً للعجز عن إلزامهم بالحجج والبيناتِ لتماديهم في العناد ، وإيذاناً بأن ما سبق منه ليس بطريق الجدالِ والخصامِ بل بطريق النصيحةِ لهم والشفقةِ عليهم وبأنه لم يألُ جهداً في إرشادهم إلى الحق وهدايتِهم إلى سبيله المستبينِ وإمحاضِ النصحِ لهم ولكن لا ينفعهم ذلك عند إرادة الله تعالى لإغوائهم ، وتقييدُ عدمِ نفع النصحِ بإرادته مع أنه محققٌ لا محالة للإيذان بأن ذلك النصحَ منه مقارِنٌ للإرادة والاهتمامِ به ولتحقيق المقابلةِ بين ذلك وبين ما وقع بإزائه من إرادته تعالى لإغوائهم ، وإنما اقتُصر في ذلك على مجرد إرادةِ الإغواءِ دون نفسِه حيث لم يقل : إن كان الله يغويكم مبالغةً في بيان غلبةِ جنابِه عز وعلا حيث دل ذلك على أن نُصحَه المقارِنَ للاهتمام به لا يُجديهم عند مجردِ إرادةِ الله سبحانه لإغوائهم ، فكيف عند تحقيقِ ذلك وخلقِه فيهم .
وزيادةُ كان للإشعار بتقدم إرادتِه تعالى زماناً كتقدّمها رتبةً وللدلالة على تجدّدها واستمرارِها ، وإنما قُدّم على هذا الكلامِ ما يتعلق بقولهم : { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } من قوله تعالى : { إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ الله إِن شَاء } رداً عليهم من أول الأمرِ وتسجيلاً عليهم بحلول العذابِ مع ما فيه من اتصال الجوابِ بالسؤال ، وفيه دليلٌ على أن إرادتَه تعالى يصِحّ تعلقُها بالإغواء وأن خلافَ مرادِه غيرُ واقع ، وقيل : معنى أن يغويَكم يُهلكَكم ، من غوَى الفصيلُ غوًى إذا بشِم وهلك { هُوَ رَبُّكُمْ } خالقُكم ومالكُ أمركم { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } فيجازيكم على أعمالكم لا محالة . (3/344)
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ (35) وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آَمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (36) وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (37)
{ أَمْ يَقُولُونَ افتراه } قال ابن عباس رضي الله عنهما : يعني نوحاً عليه الصلاة والسلام ، ومعناه بل أيقولُ قومُ نوحٍ إن نوحاً افترى ما جاء به مسنِداً إياه إلى الله عز وجل { قُلْ } يا نوح { إِنِ افتريته } بالفرض البحْت { فَعَلَىَّ إِجْرَامِى } إثمي ووبالُ إجرامي وهو كسبُ الذنب وقرىء بلفظ الجمع ، وينصُره أن فسّره الأولون بآثامي { وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تُجْرَمُونَ } من إجرامكم في إسناد الافتراءِ إليّ ، فلا وجهَ لإعراضكم عني ومعاداتِكم لي . وقال مقاتلٌ : يعني محمداً عليه الصلاة والسلام ومعناه بل أيقولُ مشركو مكةَ افترى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم خبرَ نوحٍ فكأنه إنما جيء به في تضاعيف القصةِ عند سَوْق طرفٍ منها تحقيقاً لحقيتها وتأكيداً لوقوعها وتشويقاً للسامعين إلى استماعها ، لا سيما وقد قُصَّ منها طائفةٌ متعلقةٌ بما جرى بينه عليه السلام وبين قومِه من المُحاجَّة وبقِيَتْ طائفةٌ مستقلّةٌ متعلقةٌ بعذابهم . (3/345)
{ وَأُوحِىَ إلى نُوحٍ أَنَّهُ لَن يُؤْمِنَ مِن قَوْمِكَ } أي المُصِرِّين على الكفر وهو إقناطٌ له عليه السلام من إيمانهم وإعلامٌ لكونه كالمُحال الذي لا يصِحّ توقّعُه { إِلاَّ مَنْ قَدْ آمَنَ } إلا من قد وُجد منه ما كان يُتوقَّع من إيمانه ، وهذا الاستثناءُ على طريقة قولِه تعالى : { إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ } { فَلاَ تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ } أي لا تحزَنْ حزْنَ بائسٍ مستكينٍ ولا تغتمَّ بما كانوا يتعاطَوْنه من التكذيب والاستهزاء والإيذاءِ في هذه المدة الطويلةِ فقد انتهى أفعالُهم وحان وقتُ الانتقامِ منهم { واصنع الفلك } ملتبساً { بِأَعْيُنِنَا } أي بحفظنا وكلاءتِنا كأن معه من الله عز وجل حُفّاظاً وحرّاساً يكلؤنه بأعينهم من التعدّي من الكفرة ومن الزيغ في الصنعة { وَوَحْيِنَا } إليك كيف تصنعُها وتعليمِنا وإلهامِنا . عن ابن عباس رضي الله عنهما لم يعلمْ كيف صنعةُ الفُلك ، فأوحى الله تعالى إليه أن يصنعَها مثلَ جُؤجُؤ الطائر ، والأمرُ للوجوب إذ لا سبيل إلى صيانة الروحِ من الغرق إلا به فيجب كوجوبها ، واللامُ إما للعهد بأن يُحملَ على أن هذا مسبوقٌ بوحي الله تعالى إليه عليه السلام أنه سيهلكهم بالغرق وينجّيه ومَنْ معه بشيء سيصنعه بأمره تعالى ووحيِه ، مِنْ شأنه كيتَ وكيت واسمُه كذا ، وإما للجنس . قيل : صنعها عليه الصلاة والسلام في سنتين ، وقيل : في أربعمائة سنة ، وكانت من خشب الساج وجُعلت ثلاثةَ بطونٍ حُمل في البطن الأول الوحوشُ والسباعُ والهوامُّ ، وفي البطن الأوسطِ الدوابُّ والأنعام ، وفي البطن الأعلى جنسُ البشر هو ومَنْ معه مع ما يحتاجون إليه من الزاد ، وحَمل معه جسدَ آدمَ عليه الصلاة والسلام ، وقيل : جَعل في الأول الدوابَّ والوحوشَ وفي الثاني الإنسَ وفي الأعلى الطيرَ ، قيل : كان طولُها ثلاثمائة ذراعٍ وعَرْضُها خمسين ذراعاً وسَمْكُها ثلاثين ذراعاً .
وقال الحسنُ : كان طولُها ألفاً ومائتي ذراعٍ وعَرضُها ستَّمائةِ ذراعٍ . وقيل : إن الحَواريين قالوا لعيسى عليه الصلاة والسلام : لو بعثت لنا رجلاً شهد السفينةَ يحدثنا عنها ، فانطلق بهم حتى انتهى إلى كثيب من تراب فأخذ كفاً من ذلك الترابِ فقال : أتدرون مَنْ هذا؟ قالوا : الله ورسولُه أعلم ، قال هذا كعبُ بنُ حام قال : فضرب بعصاه فقال : قم بإذن الله فإذا هو قائمٌ ينفض التراب عن رأسه وقد شاب ، فقال له عيسى عليه الصلاة والسلام : أهكذا هلكْتَ؟ قال : لا ، متُّ وأنا شابٌّ ولكني ظننتُ أنها الساعة فمِنْ ثَمَّةَ شِبْتُ ، فقال : حدثنا عن سفينة نوحٍ ، قال : كان طولُها ألفاً ومائتي ذراعٍ وعَرضُها ستمائة ذراع ، وكانت ثلاثَ طبقاتٍ طبقةٌ للدواب والوحش وطبقةٌ للإنس وطبقةٌ للطير ، ثم قال : عُدْ بإذن الله تعالى كما كنت فعاد تراباً . (3/346)
{ وَلاَ تخاطبنى فِى الذين ظَلَمُواْ } أي لا تراجِعْني فيهم ولا تدعُني ياستدفاع العذابِ عنهم وفيه من المبالغة ما ليس فيما لو قيل : ولا تدعُني فيهم ، وحيث كان فيه ما يلوح بالسبيبة أُكّد التعليلُ فقيل : { إِنَّهُمْ مُّغْرَقُونَ } أي محكومٌ عليهم بالإغراق قد مضى به القضاءُ وجفّ القلمُ فلا سبيل إلى كفه ولزِمتْهم الحُجةُ فلم يبقَ إلا أن يُجعلوا عِبرةً للمعتبرين ومثلاً للآخرين .
وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ قَالَ إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (38)
{ وَيَصْنَعُ الفلك } حكايةُ حالٍ ماضيةٍ لاستحضار صورتِها العجيبةِ ، وقيل : تقديرُه وأخذ يصنع الفلكَ أو أقبل بصنعها فاقتصر على يصنع ، وأياً ما كان ففيه ملاءمةٌ للاستمرار المفهومِ من الجملة الواقعةِ حالاً من ضميره ، أعني قوله تعالى : { وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ مّن قَوْمِهِ سَخِرُواْ مِنْهُ } استهزأوا به لعمله السفينةَ إما لأنهم ما كانوا يعرِفونها ولا كيفيةَ استعمالِها والانتفاعِ بها فتعجبوا من ذلك وسخِروا منه ، وإما لأنه كان يصنعها في برّية بهماءَ في أبعد موضعٍ من الماء وفي وقت عزَّتْه عِزَةٌ شديدة وكانوا يتضاحكون ويقولون : يا نوحُ صرتَ نجاراً بعد ما كنت نبياً ، وقيل : لأنه عليه الصلاة والسلام كان يُنذرهم الغرقَ فلما طال مكثُه فيهم ولم يشاهِدوا منه عيناً ولا أثراً عدّوه من باب المُحال ثم لما رأوا اشتغالَه بأسباب الخلاصِ من ذلك فعلوا ما فعلوا ، ومدارُ الجميعِ إنكارُ أن يكون لعمله عليه الصلاة والسلام عاقبةٌ حميدةٌ مع ما فيه من تحمل المشاقِّ العظيمة التي لا تكاد تُطاق واستجهالِه عليه السلام في ذلك { قَالَ إِن تَسْخَرُواْ مِنَّا } مستجهلين لنا فيما نحن فيه { فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ } أي نستجهلكم فيما أنتم عليه ، وإطلاقُ السخريةِ عليه للمشاكلة ، وجمعُ الضمير في منا إما لأن سخريتَهم منه عليه الصلاة والسلام سخريةٌ من المؤمنين أيضاً أو لأنهم كانوا يسخرون منهم أيضاً إلا أنه اكتُفيَ بذكر سُخريتِهم منه عليه الصلاة والسلام ، ولذلك تعرض الجميعُ للمجازاة في قوله تعالى : { فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنكُمْ } الخ ، فتكافأ الكلامُ من الجانبين ، وتعليقُ استجهالِه عليه الصلاة والسلام إياهم بما فعلوا من السُّخرية باعتبار إظهارِه ومشافهتِه عليه الصلاة والسلام إياهم بذلك وإلا فعَدُّه عليه الصلاة والسلام إياهم جاهلين فيها يأتون ويذرون أمرٌ مطّردٌ لا تعلُّق له بسخريتهم منهم لكنه عليه الصلاة والسلام لم يكن يتصدى لإظهاره جرياً على نهج الأخلاقِ الحميدةِ ، وإنما أظهره جزاءً بما صنعوا بعد اللتيا والتي ، فإن سخريتَهم كانت مستمرةً ومتجدّدةً حسب تجدُّدِ مرورِهم عليه ، ولم يكن يُجيبهم في كل مرة ، وإلا لقيل : ويقول إن تسخروا منّا الخ ، بل إنما أجابهم بعد بلوغِ أذاهم الغايةَ كما يؤذِن به الاستئنافُ ، فكأن سائلاً سأل فقال : فما صنع نوحٌ عند بلوغِهم منه هذا المبلغ؟ فقيل : قال : إن تسخروا منا أي إن تنسُبونا فيما نحن بصدده من التأهب والمباشرةِ لأسباب الخلاصِ من العذاب إلى الجهل وتسخَروا منا لأجله فإنا ننسُبكم إليه فيما أنتم فيه من الإعراض عن استدفاعه بالإيمان والطاعة ، ومن الاستمرار على الكفر والمعاصي والتعّرضِ لأسباب حلولِ سخطِ الله تعالى التي من جملتها استجهالُكم إيانا وسخريتُكم منا . (3/347)
والتشبيهُ في قوله تعالى : { كَمَا تَسْخَرُونَ } إما في مجرد التحققِ والوقوعِ أو في التجدد والتكررِ حسبما صدر عن ملإٍ غبَّ ملإٍ لا في الكيفيات والأحوالِ التي لا تليق بشأن النبيِّ عليه الصلاة والسلام فكلا الأمرَين واقعٌ في الحال ، وقيل : نسخر منكم في المستقبل سُخريةً مثلَ سُخريتِكم إذا وقع عليكم الغرقُ في الدنيا والحرقُ في الآخرة ، ولعل مرادَه نعاملُكم معاملةَ مَنْ يفعل ذلك لأن نفسَ السُّخرية مما لا يكاد يليق بمنصِب النبوةِ ، ومع ذلك لا سَدادَ له لأن حالَهم إذ ذاك ليس مما يلائمه السُّخريةُ أو ما يجري مجراها فتأمّلْ .
فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذَابٌ مُقِيمٌ (39) حَتَّى إِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آَمَنَ وَمَا آَمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)
{ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن يَأْتِيهِ عَذَابٌ يُخْزِيهِ } وهو عذابُ الغَرَقِ { وَيَحِلُّ عَلَيْهِ } حلولَ الدَّيْن المؤجل { عَذَابٌ مُّقِيمٌ } هو عذابُ النارِ الدائمُ وهو تهديدٌ بليغٌ ، و ( مَنْ ) عبارةٌ عنهم ، وهي إما استفهاميةٌ في حيز الرفعِ أو موصولةٌ في محل النصبِ بتعلمون وما في حيِّزها سادٌّ مسدَّ مفعولين أو مفعولٍ واحدٍ إن جُعل العلمُ بمعنى المعرفةِ ، ولما كان مدارُ سخريتِهم استجهالَهم إياه عليه الصلاة والسلام في مكابدة المشاقِّ الفادحةِ لدفع ما لا يكاد يدخُل تحت الصِّحةِ على زعمهم من الطوفان ومقاساةِ الشدائِد في بناء السفينةِ وكانوا يعدّونه عذاباً قيل بعد استجهالِهم فسوف تعلمون مَنْ يأتيه العذابُ يعني أن أُباشرُه ليس فيه عذابٌ لاحقٌ بي فسوف تعلمون مَنِ المعذَّبُ ، ولقد أصاب العلمُ بعد استجهالِهم محزّه ، ووصفُ العذاب بالإخزاء لما في الاستهزاء والسخريةِ من لُحوق الخِزْي والعارِ عادة ، والتعرُّضُ لحلول العذاب المقيمِ للمبالغة في التهديد ، وتخصّصُه بالمؤجل وإيرادُ الأول بالإتيان في غاية الجزالة . (3/348)
{ حتى إِذَا جَاء أَمْرُنَا } حتى هي التي يُبتدأ بها الكلامُ دخلت على الجملة الشرطيةِ وهي مع ذلك غايةٌ لقوله : { وَيَصْنَعُ } وما بينهما حالٌ من الضمير فيه ، وسخِروا منه جوابٌ لكلما ، وقال استئنافٌ على تقدير سؤال سائلٍ كما ذكرناه وقيل : هو الجوابُ وسِخروا منه بدلٌ من مرّ أو صفةٌ لملأ وقد عرفت أن الحقَّ هو الأولُ لأن المقصودَ بيانُ تناهيهم في إيذائه عليه الصلاة والسلام وتحمُّلِه لأذيَّتهم لا مسارعتُه عليه الصلاة والسلام إلى جوابهم كلما وقع منهم ما يؤذيه من الكلام { وَفَارَ التنور } نبعَ منه الماءُ وارتفع بشدة كما تفور القِدْرُ بغَليانها ، والتنّورُ تنّورُ الخبز ، وهو قول الجمهور . روي أنه قيل لنوح عليه الصلاة والسلام : إذا رأيتَ الماءَ يفورُ من التنور فاركبْ ومن معك في السفينة فلما نبع الماءُ أخبرتْه امرأتُه فركب ، وقيل : كان تنورَ آدمَ عليه الصلاة والسلام وكان من حجارة فصار إلى نوح ، وإنما نبع منه وهو أبعدُ شيء من الماء على خرق العادةِ وكان في الكوفة في موضع مسجدها عن يمين الداخلِ مما يلي باب كِنْدة ، وكان عملُ السفينةِ في ذلك الموضع ، أو في الهند أو في موضع بالشام يقال له عين وردة ، وعن ابن عباس رضى الله عنهما وعِكرمةَ والزُّهري أن التنورَ وجهُ الأرض ، وعن قتادةَ أشرفُ موضع في الأرض أي أعلاه ، وعن علي رضى الله تعالى عنه فار التنور طلع الفجرُ { قُلْنَا احمل فِيهَا } أي في السفينة وهو جوابُ إذا { مِن كُلّ } أي من كل نوعٍ لا بد منه في الأرض { زَوْجَيْنِ } الزوجُ ما له مشاكلٌ من نوعه فالذكرُ زوجٌ للأنثى كما هي زوجٌ له وقد يُطلق على مجموعهما فيقابل الفرد ، ولإزالة ذلك الاحتمالِ قيل : { اثنين } كلٌّ منهما زوجٌ للآخر وقرىء على الإضافة ، وإنما قُدم ذلك على أهله وسائرِ المؤمنين لكونه عريقاً فيما أُمر به من الحمل لأنه يحتاج إلى مزاولة الأعمالِ منه عليه الصلاة والسلام في تمييز بعضِه من بعض وتعيينِ الأزواج ، فإنه رُوي أنه عليه الصلاة والسلام قال : يا رب كيف أحْمل من كلَ زوجين اثنين فحشر الله تعالى إليه السباعَ والطيرَ وغيرَهما فجعل يضرِب بيديه في كل جنس فيقع الذكرُ في يده اليمنى والأنثى في اليسرى فيجعلهما في السفينة ، وأما البشرُ فإنما يدخلُ الفُلكَ باختياره فيخِفّ فيه معنى الحَمْل ، أو لأنها إنما تحمِلُ بمباشرة البشر وهم إنما يدخُلونها بعد حلمهم إياها .
{ وَأَهْلَكَ } عطفٌ على زوجين أو على اثنين والمرادُ امرأتُه وبنوه ونساؤهم { إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول } بأنه من المغرَقين بسبب ظلمِهم في قوله تعالى : { وَلاَ تخاطبنى فِى الذين ظَلَمُواْ } الآية ، والمرادُ به ابنُه كنعان وأمُّه واعلةُ فإنهما كانا كافرين والاستثناءُ منقطِعٌ إن أريد بالأهل الأهلُ إيماناً وهو الظاهرُ كما ستعرفه أو متصلٌ إن أريد به الأهلُ قرابة ويكفي في صحة الاستثناءِ المعلوميةُ عند المراجعةِ إلى أحوالهم والتفحّصُ عن أعمالهم ، وجيء بعلى لكون السابقِ ضارًّا لهم كما جيء باللام فيما هو نافعٌ لهم من قوله عز وجل : { وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا المرسلين } وقوله : { إِنَّ الذين سَبَقَتْ لَهُمْ مّنَّا الحسنى } { وَمَنْ ءامَنَ } من غيرهم ، وإفرادُ الأهلِ منهم للاستثناءِ المذكورِ ، وإيثارُ صيغةِ الإفراد في آمن محافظةً على لفظ مَنْ للإيذان بقلتهم كما أعرب عنه قولُه عز قائلاً : { وَمَا ءامَنَ مَعَهُ إِلاَّ قَلِيلٌ } قيل : كانوا ثمانيةً ، نوحٌ عليه الصلاة والسلام وأهلُه وبنوه الثلاثةُ ونساؤُهم . وعن ابن إسحاقَ كانوا عشرةً ، خمسةَ رجالٍ وخمسَ نسوةٍ ، وعنه أيضاً أنهم كانوا عشرةً سوى نسائِهم وقيل : كانوا اثنين وسبعين رجلاً وامرأةً ، وأولادُ نوحٍ سامٌ وحامٌ ويافث ونساؤُهم فالجميع ثمانيةٌ وسبعون نصفُهم رجالٌ ونصفُهم نساء ، واعتبارُ المعيةِ في إيمانهم للإيماء إلى المعية في مقرّ الأمانِ والنجاة . (3/349)
وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (41) وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (42)
{ وَقَالَ } أي نوحٌ عليه الصلاة والسلام لمن معه من المؤمنين كما ينبىء عنه قوله تعالى : { إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } ولو رجع الضميرُ إلى الله تعالى لناسب أن يقال : إن ربكم ، ولعل ذلك بعد إدخالِ ما أُمر بحمله في الفلك من الأزواج كأنه قيل : فحمَلَ الأزواجَ أو أدخلها في الفلك وقال للؤمنين : { اركبوا فِيهَا } كما يأتي مثلُه في قوله تعالى : { وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ } والركوبُ العلوُّ على شيء متحرّكٍ ، ويتعدّى بنفسه ، واستعمالُه هاهنا بكلمة في ليس لأن المأمورَ به كونُهم في جوفها لا فوقَها كما ظُن فإن أظهرَ الروايات أنه عليه السلام جعل الوحوشَ ونظائرَها في البطن الأسفلِ والأنعامَ في الأوسطِ وركب هو ومن معه في الأعلى بل لرعاية جانبِ المحلية والمكانيةِ في الفلك ، والسرُّ فيه أن معنى الركوبِ العلوُّ على شيء له حركةٌ إما إراديةٌ كالحيوان أو قسريةٌ كالسفينة والعجَلة ونحوهما ، فإذا استُعمل في الأول يوفر له حظُّ الأصل فيقال : ركبتُ الفرسَ ، وعليه قوله عز من قائل : { والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا } وإن استُعمل في الثاني يلوح بمحلية المفعول بكلمة في فيقال : ركبت في السفينة ، وعليه الآيةُ الكريمة وقولُه عز قائلاً : { فَإِذَا رَكِبُواْ فِى الفلك } وقوله تعالى : { فانطلقا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِى السفينة خَرَقَهَا } { بِسْمِ اللَّهِ } متعلقٌ باركبوا حالٌ من فاعله أي اركبوا مسمِّين الله تعالى ، أو قائلين : بسم الله { مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } نصبٌ على الظرفية أي وقتَ إجرائِها وإرسائِها على أنهما اسما زمانٍ أو مصدران كالإجراء والإرساءِ بحذف الوقتِ كقولك : آتيك خفوقَ النجمِ أو اسما مكانٍ انتصبا بما في { بِسْمِ اللَّهِ } من معنى الفعل أو إرادةِ القول ، ويجوز أن يكون { بِسْمِ اللَّهِ * مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } مستقلةً من مبتدأ وخبر في موضع الحالِ من ضمير الفلك أي اركبوا فيها مُجراةً ومُرساةً باسم الله بمعنى التقدير كقوله تعالى : { ادخلوها *** خالدين } أو جملةٌ مقتضبةٌ على أن نوحاً أمرهم بالركوب فيها ثم أخبرهم بأن إجراءَها وإرساءَها باسم الله تعالى فيكونان كلامين له عليه الصلاة والسلام . قيل : كان عليه السلام إذا أراد أن يُجرِيَها يقول : بسم الله فتجري وإذا أراد أن يرسيَها يقول : بسم الله فترسو ، ويجوز أن يكون الاسمُ مقْحماً كما في قوله : (3/350)
إلى الحولِ ثم اسمُ السلامِ عليكما ... ويراد بالله إجراؤُها وإرساؤُها أي بقدرته وأمرِه ، وقرىء مُجرِيها على صيغة الفاعل مجرورَي المحلِّ صفتين لله عز وجل ومَجراها ومَرْساها بفتح الميم مصدرين أو زمانين أو مكانين من جرى ورسا { إِنَّ رَبّى لَغَفُورٌ } للذنوب والخطايا { رَّحِيمٌ } بعباده ولذلك نجاكم من هذه الطآمّة والداهية العامّة ، ولولا ذلك لما فعله وفيه دِلالةٌ على أن نجاتَهم ليست بسبب استحقاقِهم لها بل بمحض فضلِ الله سبحانه وغفرانِه ورحمتِه على ما عليه رأيُ أهل السنة .
{ وَهِىَ تَجْرِى بِهِمْ } متعلقٌ بمحذوف دلّ عليه الأمرُ بالركوب أي فركِبوا فيها مُسمّين وهي تجري ملتبسةً بهم { فِى مَوْجٍ كالجبال } وهو ما ارتفع من الماء عند اضطرابِه ، كلُّ موجةٍ من ذلك كجبل في ارتفاعها وتراكُمِها ، وما قيل من أن الماءَ طبّق ما بين السماء والأرضِ وكانت السفينةُ تجري في جوفه كالحوت فغيرُ ثابتٍ ، والمشهورُ أنه علا شوامخَ الجبالِ خمسة عشرَ ذراعاً أو أربعين ذراعاً ، ولئن صح ذلك فهذا الجريانُ إنما هو قبل أن يتفاقم الخطبُ كما يدل عليه قوله تعالى : (3/351)
{ ونادى نُوحٌ ابنه } فإن ذلك إنما يُتصوَّر قبل أن تنقطِعَ العلاقةُ بين السفينةِ والبرِّ ، إذ حينئذ يمكن جرَيانُ ما جرى بين نوحٍ عليه الصلاة والسلام وبين ابنِه من المفاوضة بالاستدعاء إلى السفينة والجوابِ باعتصامٍ بالجبل ، وقرىء ابنَها وابنَه بحذف الألفِ على أن الضميرَ لأمرأته وكان ربيبَه وما يقال من أنه كان لغير رِشدةٍ لقوله تعالى : { فَخَانَتَاهُمَا } فارتكابُ عظيمةٍ لا يقادر قدرُها فإن جنابَ الأنبياءِ صلواتُ الله تعالى عليهم وسلامُه أرفعُ من أن يشارَ إليه بأصبَع الطعنِ وإنما المرادُ بالخيانة الخيانةُ في الدين ، وقرىء ابناهْ على الندبة ولكونها حكايةً سُوّغ حذفُ حرفها . وأنت خبيرٌ بأنه لا يلائمه الاستدعاءُ إلى السفينة فإنه صريحٌ في أنه لم يقع في حياته يأسٌ بعْدُ { وَكَانَ فِى مَعْزِلٍ } أي في كان عزَل فيه نفسَه عن أبيه وإخوتِه وقومِه بحيث لم يتناولْه الخطابُ باركبوا ، واحتاج إلى النداء المذكورِ ، وقيل : في معزل عن الكفار قد انفرد عنهم وظن نوحٌ أنه يريد مفارقتَهم ولذلك دعاه إلى السفينة ، وقيل : كان ينافق أباه فظن أنه مؤمنٌ ، وقيل : كان يعلم أنه كافرٌ إلى ذلك الوقتِ لكنه عليه الصلاة والسلام ظن أنه عند مشاهدةِ تلك الأهوالِ ينزجرُ عما كان عليه ويقبل الإيمانَ ، وقيل : لم يكن الذي تقدّم من قوله تعالى : { إِلاَّ مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القول } نصاً في كون ابنِه داخلاً تحته بل كان كالمُجمل فحملتْه شفقةُ الأبوة على ذلك { أَوْ بَنِى } بفتح الياء اقتصاراً عليه من الألف المُبْدلةِ من ياء الإضافةِ في قولك : يا بنيا وقرىء بكسر الياء اقتصاراً عليه من ياء الإضافة أو سقطت الياءُ والألفُ لالتقاء الساكنين لأن الراءَ بعدهما ساكنة { اركب مَّعَنَا } قرأ أبو عمْرو ، والكسائيُّ ، وحفص ، بإدغام الباء في الميم لتقاربهما في المخرج ، وإنما أطلق الركوبُ عن ذكر الفُلك لتعينها وللإيذان بضيق المقامِ حيث حال الجريضُ دون القريض مع إغناء المعيةِ عن ذلك { وَلاَ تَكُن مَّعَ الكافرين } أي في المكان وهو وجهُ الأرض خارجَ الفلك لا في الدين وإن كان ذلك مما يوجبه كما يوجب ركوبُه معه عليه الصلاة والسلام كونَه معه في الإيمان لأنه عليه الصلاة والسلام بصدد التحذيرِ عن الهَلَكة فلا يلائمه النهيُ عن الكفر .