صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم |
{ قُلْ مَن رَّبُّ السموات والارض قُلِ الله } حتى يكونَ القولُ المأمورُ بين عينِ الجوابِ الذي أريد منهم ويكونَ عليه الصلاة والسلام نائباً عنهم في ذلك بل إنما هو وجودُ مَنْ يفعل البدءَ والإعادةَ من شركائهم فالجوابُ المطلوبُ منهم لا غير نعم أمر عليه الصلاة والسلام بأن يضمِّنه مقالتَه إيذاناً بتعينه وتحققِه وإشعاراً بأنهم لا يجترئون على التصريح به مخافةَ التبكيتِ وإلقامِ الحجر لا مكابرةً ولَجاجاً فتدبر . وإعادهُ الجملةِ في الجواب السابق لمزيد التأكيدِ والتحقيق { فأنى تُؤْفَكُونَ } الإفكُ الصرْفُ والقلبُ عن الشيء وقد يُخصّ بالقلب عن الرأي وهو الأنسبُ بالمقام أي كيف تُقلبون من الحق إلى الباطل ، والكلامُ فيه كما ذكر في تُصرفون . (3/263)
قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ قُلِ اللَّهُ يَهْدِي لِلْحَقِّ أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمْ مَنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى فَمَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (35)
{ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ } احتجاجٌ آخرُ على ما ذكر جيء به إلزاماً لهم غِبَّ إلزامٍ وإفحاماً إثرَ إفحام وفصلُه عما قبله لما ذُكر من الدلالة على استقلاله { مَّن يَهْدِى إِلَى الحق } أي بوجه من الوجوه فإن أدنى مراتبِ المعبودية هدايةُ المعبودِ لعبَدته إلى ما فيه صلاحُ أمرِهم وأما تعيينُ طريقِ الهدايةِ وتخصيصُه بنصب الحجج وإرسالِ الرسلِ والتوفيقِ للنظر والتدبر كما قيل فمُخِلٌّ بما يقتضيه المقام من كمال التبكيتِ والإلزامِ فإن العجزَ عن الهداية على وجه خاصَ لا يستلزم العجزَ عن مطلق الهدايةِ . وهدى كما يُستعمل بكلمة إلى لتضمّنه معنى الانتهاءِ يُستعمل باللام للدلالة على أن المنتهى غايةُ الهداية وأنها لم تتوجه نحوه على سبيل الاتفاق ولذلك استُعمل بها ما أسند إلى الله تعالى حيث قيل : { قُلِ الله يَهْدِى لِلْحَقّ } أي هو يهدي له دون غيره وذلك بما ذكر من نصب الأدلةِ والحججِ وإرسالِ الرسل وإنزال الكتبِ والتوفيقِ للنظر والتدبر وغيرِ ذلك من فنون الهداياتِ ، والكلامُ في الأمر بالسؤال والجوابِ كما مر فيما مر { أَفَمَن يَهْدِى إِلَى الحق } وهو الله عز وجل { أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّى } بكسر الهاء أصله يهتدي فأُدغم وكُسرت الهاء لالتقاء الساكنين وقرىء بكسر الياء إتباعاً لها لحركة الهاء وقرىء بفتح الهاء نقلاً لحركة التاء إليها أي لا يهتدي بنفسه فضلاً عن هداية غيرِه ، وفيه من المبالغة ما لا يخفى وإنما نُفي عنه الاهتداءُ مع أن المفهومَ مما سبق نفيُ الهدايةِ لما أن نفيَها مستتبعٌ لنفيه غالباً فإن من اهتدى إلى الحق لا يخلو عن هداية غيرِه في الجملة وأدناها كونُه قدوةً له بأن يراه فيسلُكَ مسلَكَه من حيث لا يدري ، والفاءُ لترتيب الاستفهامِ على ما سبق من تحقق هدايتِه تعالى صريحاً وعدمِ هدايةِ شركائِهم المفهومِ من القصر ومن عدم الجوابِ المنبىء عن الجواب بالعدم فإن ذلك مما يَضطرهم إلى الجواب الحقِّ لا لتوجُّبِه الاستفهامَ إلى الترتيب كما يقع في بعض المواقعِ فإن ذلك مختصٌّ بالإنكاري كما في قوله تعالى : { أَفَمَنِ اتبع رضوان الله } الخ ونحوه ، والهمزةُ متأخرةٌ في الاعتبار وإنما تقديمُها في الذكر لإظهار عراقتِها في اقتضاء الصدارةِ كما هو رأيُ الجمهورِ حتى لو كان السؤالُ بكلمة أي لأخِّرت حتماً ، ألا يُرى إلى قوله تعالى : { فَأَىُّ الفريقين أَحَقُّ بالامن } إثرَ تقديرِ ما يُلجىء المشركين إلى الجواب من حالهم وحالِ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرىء لا يهدي بمعنى لا يهتدي لمجيئه لازماً أو لا يهدي غيرَه ، وصيغةُ التفضيلِ إما على حقيقتها والمفضلُ عليه محذوف كما اختاره مكي والتقدير أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع ممن لا يهدي أم من لا يهدي أحق الخ . (3/264)
وإما بمعنى حقيقتي كما اختاره أبو حيان ، وأياً ما كان فالاستفهامُ للإلزام وأن يُتَّبعَ في حيز النصب ، أو الجرِّ بعد حذفِ الجارِّ على الخلاف المعروفِ أي بأن يتبع { إِلا أَنْ يَهْدِى } استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأحوالِ أي لا يهتدي أو لا يهتدي غيره في حال من الأحوال إلا حالَ هدايتِه تعالى له إلى الاهتداء أو إلى هداية الغير ، وهذا حالُ أشرافِ شركائِهم من الملائكة والمسيحِ وعزيرٍ عليهم السلام وقيل : المعنى أم من لا يهتدي من الأوثان إلى مكان فينتقلُ إليه إلا أن يُنقل إليه أو إلا أن ينقُلَه الله تعالى من حاله إلى أن يجعله حيواناً مكلفاً فيهديَه . وقرىء إلا أن يهتدي من التفعيل للمبالغة { فَمَا لَكُمْ } أي أيُّ شيءٍ لكم في اتخاذكم هؤلاء شركاءَ لله سبحانه وتعالى والاستفهامُ للإنكار التوبيخيِّ وفيه تعجيبٌ من حالهم وقوله تعالى : { كَيْفَ تَحْكُمُونَ } أي بما يقضي صريحُ العقل ببطلانه إنكارٌ لحكمهم الباطلِ وتعجبٌ منه وتشنيعٌ لهم بذلك ، والفاءُ لترتيب كلا الإنكارين على ما ظهر من وجوب اتباعِ الهادي إلى الحق . (3/265)
إن قلت : التبكيتُ بالاستفهام السابقِ إنما يظهر في حق من يعكسُ جوابَه الصحيحَ فيحكم بأحقية من لا يَهدي بالاتباع دون مَنْ يهدي ، وهم ليسوا حاكمين بأحقية شركائِهم لذلك دون الله سبحانه وتعالى بل باستحقاقهما جميعاً مع رجحان جانبه تعالى حيث يقولون : هؤلاء شفعاؤُنا عند الله قلتُ : حكمُهم باستحقاقه تعالى للاتباع بطريق الاشتراكِ حكمٌ منهم بعدم استحقاقِه تعالى لذلك بطريق الاستقلال فصاروا حاكمين باستحقاق شركائِهم له دون الله تعالى من حيث لا يحتسبون .
وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنًّا إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (36)
{ وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ } كلامٌ مبتدأٌ غيرُ داخلٍ في حيز الأمرِ مَسوقٌ من قِبله تعالى لبيان عدمِ فهمِهم لمضمون ما أفحمهم وألقمهم الحجرَ من البرهان النيّر الموجبِ لاتباع الهادي إلى الحق الناعي عليهم بطلانَ حكمِهم وعدمَ تأثرِهم من ذلك لعدم اهتدائِهم إلى طريق العلم أصلاً أي ما يتبع أكثرهم في معتقداتهم ومحارواتِهم { إِلاَّ ظَنّا } واهياً من غير التفاتٍ إلى فرد من أفراد العِلم فضلاً عن أن يسلُكوا مسالكَ الأدلةِ الصحيحةِ الهادية إلى الحق المبنيةِ على المقدمات اليقينية الحقةِ فيفهموا مضمونَها ويقفوا على صحتها وبُطلانِ ما يخالفها من أحكامهم الباطلةِ فيحصُل التبكيتُ والإلزامُ فالمراد بالاتباع مطلقُ الاعتقادِ الشامل لما يقارن القَبولَ والانقيادَ وما لا يقارنه ، وبالقصر ما أشير إليه من أن لا يكونَ لهم في أثنائه اتباعٌ لفرد من أفراد العلمِ والتفاتٌ إليه ، ووجهُ تخصيصِ هذا الاتباعِ بأكثرهم الإشعارُ بأن بعضَهم قد يتبعون العلم فيقفون على حقية التوحيدِ وبطلانِ الشركِ لا يقبلونه مكابرةً وعناداً فيحصل بالنسبة إليهم التأثرُ من البرهان المزبورِ وإن لم يُظهروه وكونُهم أشدَّ كفراً وأكثرَ عذاباً من الفريق الأولِ لا يقدح فيما يُفهم من فحوى الكلامِ عُرفاً من كون أولئك أسوأَ حالاً من غيرهم ، إذ المعتبرُ سوءُ الحالِ من حيث الفهمُ والإدراكُ لا من حيث الكفرُ والعذابُ ، أو ما يتبع أكثرُهم مدةَ عمرِهم إلا ظناً ولا يتركونه أبداً ، فإن حرفَ النفي الداخلِ على المضارع يُفيد استمرارَ النفي بحسب المقامِ فالمرادُ بالاتباع حينئذٍ هو الإذعانُ والانقيادُ والقصرُ باعتبار الزمان ، ووجهُ تخصيصِ هذا الاتباعِ بأكثرهم مع مشاركة المعاندين لهم في ذلك التلويحُ بما سيكون من بعضهم من اتباع الحقِّ والتوبةِ كما سيأتي هذا وقد قيل : المعنى وما يتبع أكثرُهم في إقرارهم بالله تعالى إلا ظناً غيرَ مستندٍ إلى برهان عندهم وقيل : وما يتبع أكثرُهم في قولهم للأصنام : إنها آلهةٌ إلا ظناً ، والمرادُ بالأكثر الجميعُ فتأمل . وقيل : الضميرُ في أكثرهم للناس فلا حاجةَ إلى التكلف { إَنَّ الظن لاَ يُغْنِى مِنَ الحق } من العلم اليقينيِّ والاعتقادِ الصحيحِ المطابقِ للواقع { شَيْئاً } من الإغناء ، ويجوز أن يكون مفعولاً به ، ومن الحق حالاً فيه والجملةُ استئنافٌ ببيان شأنِ الظنِّ وبُطلانِه ، وفيه دِلالةٌ على وجوب العلمِ في الأصول وعدمِ جوازِ الاكتفاءِ بالتقليد { إِنَّ الله عَلَيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } وعيدٌ لهم على أفعالهم القبيحةِ فيندرج تحتها ما حُكي عنهم من الإعراض عن البراهين القاطعةِ والاتباعِ للظنون الفاسدةِ اندراجاً أولياً ، وقرىء تفعلون بالالتفات إلى الخطاب لتشديد الوعيد . (3/266)
وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآَنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (37)
{ وَمَا كَانَ هذا القرءان } شروعٌ في بيان ردِّهم للقرآن الكريم إثرَ بيانِ ردهم للأدلة العقليةِ المندرجةِ في تضاعيفه ، أي وما صح وما استقام أن يكون هذا القرآنُ المشحونُ بفنون الهداياتِ المستوجبةِ للاتّباع التي من جملتها هاتيك الحججُ البينةُ الناطقةُ بحقية التوحيدِ وبطلان الشرك { أَنٍ يُفْتَرَى مِن دُونِ الله } أي افتراءً من الخلق أي مفترىً منهم سُمّي بالمصدر مبالغة { ولكن تَصْدِيقَ الذى بَيْنَ يَدَيْهِ } من الكتب الإلهية المشهودِ على صدقها أي مصدّقاً لها كيف لا وهو لكونه معجزاً دونها عيارٌ عليها شاهدٌ بصحتها ، ونصبُه بأنه خبرُ كان مقدراً وقد جوّز كونُه علةً لفعل محذوفٍ تقديرُه لكن أنزله الله تصديقَ الخ وقرىء بالرفع على تقدير المبتدإ أي ولكن هو تصديقُ الخ { وَتَفْصِيلَ الكتاب } عطفٌ عليه نصباً ورفعاً أي وتفصيلَ ما كُتب وأثبت من الحقائق والشرائع { لاَ رَيْبَ فِيهِ } خبرٌ ثالثٌ داخلٌ في حكم الاستدراكِ أي منتفياً عنه الريبُ أو حالٌ من الكتاب وإن كان مضافاً إليه فإنه مفعولٌ في المعنى أو استئنافٌ لا محلَّ له من الإعراب { مِن رَّبّ العالمين } خبرٌ آخرُ أي كائناً من رب العالمين ، أو متعلقٌ بتصديق أو بتفصيل أو بالفعل المعللِ بهما ، و ( لا ريب فيه ) اعتراضٌ كما في قولك : زيد لا شك فيه كريمٌ أو حالٌ من الكتاب أو من الضمير في فيه ، ومساقُ الآية الكريمةِ بعد المنعِ عن اتباع الظنِّ لبيان ما يجب اتباعُه . (3/267)
أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (38) بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (39)
{ أَمْ يَقُولُونَ افتراه } أي بل أيقولون افتراه محمد عليه الصلاة والسلام والهمزةُ لإنكار الواقِع واستبعادِه { قُلْ } تبكيتاً لهم وإظهاراً لبطلان مقالتِهم الفاسدةِ إن كان الأمر كما تقولون { فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مّثْلِهِ } أي في البلاغة وحسنِ الصياغةِ وقوةِ المعنى على وجه الافتراءِ فإنكم مثلي في العربية والفصاحةِ وأشدُّ تمرناً مني في النظم والعبارة ، وقرىء بسورةِ مثلِه على الإضافة أي بسورة كتابٍ مثلِه { وادعوا } للمظاهرة والمعاونة { مَنِ استطعتم } دعاءَه والاستعانةَ به من آلهتكم التي تزعُمون بأنها مُمِدةٌ لكم في المُهمات والمُلماتِ ، ومدارِهِكم الذين تلجأون إلى آرائهم في كل ما تأتون وما تذرون { مِن دُونِ الله } متعلقٌ بادعوا ، ودون جارٍ مجرى أداةِ الاستثناءِ وقد مر تفصيله في قوله تعالى : { وادعوا شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ الله } أي ادعُوا سواه تعالى من استطعتم من خلقه فإنه لا يقدِر عليه أحدٌ وأخرجه سبحانه من حكم الدعاءِ للتنصيص على براءتهم منه تعالى وكونِهم في عُدوة المضادة والمُشاقّة لا لبيان استبدادِه تعالى بالقدرة على ما كُلّفوه فإن ذلك مما يوهم أنهم لو دعَوْه تعالى لأجابهم إليه { إِن كُنتُمْ صادقين } أي في أني افتريته فإن ذلك مستلزمٌ لإمكان الاتيانِ بمثله وهو أيضاً مستلزِمٌ لقدرتكم عليه ، والجوابُ محذوفٌ لدلالة المذكور عليه . (3/268)
{ بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ } إضرابٌ وانتقالٌ عن إظهار بطلانِ ما قالوا في حق القرآن العظيم بالتحدِّي إلى إظهاره ببيانِ أنه كلامٌ ناشيءٌ عن جهلهم بشأنه الجليلِ ( فما ) عبارةٌ عن كله لا عما فيه من ذكر البعث والجزاءِ وما يخالف دينَهم كما قيل ، فإنه مما يجب تنزيهُ ساحةِ التنزيلِ عن مثله أي سارعوا إلى تكذيبه آثرَ ذي أثيرٍ من غير أن يتدبروا فيه ويقِفوا على ما في تضاعيفه من الشواهد الدالةِ على كونه كما وُصف آنفاً ويعلموا أنه ليس مما يمكن أن يكون له نظيرٌ يقدر عليه المخلوقُ ، والتعبيرُ عنه بما لم يحيطوا بعلمه دون أن يقال : بل كذبوا به من غير أن يحيطوا بعلمه أو نحو ذلك للإيذان بكمال جهلِهم به وأنهم لم يعلموه إلا بعنوان عدمِ العلمِ به وبأن تكذيبَهم به إنما هو بسبب عدم علمِهم به لما أن إدارةَ الحكم على الموصول مشعرةٌ بعلية ما في حيز الصلةِ له { وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ } عطف على الصلة أو حالٌ من الموصول أي ولم يقِفوا بعدُ على تأويله ولم يبلُغ أذهانَهم معانيه الرائقةُ المنبئةُ عن علو شأنِه ، والتعبيرُ عن ذلك بإتيان التأويل للإشعار بأن تأويلَه متوجّهٌ إلى الأذهان منساقٌ إليها بنفسه أو لم يأتِهم بعدُ تأويلُ ما فيه من الإخبار بالغيوب حتى يتبين أنه صدقٌ أم كذبٌ . والمعنى أن القرآنَ معجزٌ من جهة النظمِ والمعنى ومن جهة الإخبار بالغيب ، وهم قد فاجأوا تكذيبَه قبل أن يتدبروا نظمَه ويتفكروا في معناه أو ينتظروا وقوعَ ما أخبر به من الأمور المستقبلةِ ، ونفيُ إتيان التأويل بكلمة لمّا الدالةِ على التوقع بعد نفي الإحاطةِ بعلمه بكلمة لم لتأكيد الذمِّ وتشديد التشنيعِ فإن الشناعةَ في تكذيب الشيء قبل علمِه المتوقّعِ إتيانُه أفحشُ منها في تكذيبه قبل علمِه مطلقاً ، والمعنى أنه كان يجب عليهم أن يتوقفوا إلى زمان وقوعِ المتوقَّعِ فلم يفعلوا ، وأما أن المتوقعَ قد وقع بعدُ وأنهم استمرّوا عند ذلك أيضاً على ما هم عليه أو لا فلا تعرّضَ له هاهنا والاستشهادُ عليه بعدم انقطاعِ الذمِّ أو ادعاءُ أن قولَهم افتراه تكذيبٌ بعد التدبر ناشىءٌ من عدم التدبر فتدبر ، كيف لا وهم لم يقولوه بعد التحدي بل قبل وادعاءُ كونِه مسبوقاً بالتحدي الواردِ في سورة البقرة يردّه أنها مدنية وهذه مكيةٌ وإنما الذي يدل عليه ما سيتلى عليك من قوله تعالى : { وَمِنهُمْ مَّن يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ } الخ ، وقوله تعالى : { كذلك } الخ ، وصفٌ لحالهم المحكيِّ وبيانٌ لما يؤدّي إليه من العقوبة أي مثلَ ذلك التكذيبِ المبنيِّ على بادي الرأي والمجازفةِ من غير تدبرٍ وتأمل { كَذَّبَ الذين مِن قَبْلِهِمْ } أي فعلوا التكذيبَ أو كذبوا ما كذبوا من المعجزات التي ظهرت على أيدي أنبيائِهم أو كذبوا أنبياءَهم { فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة الظالمين } وهم الذين من قبلهم من المكذبين ، وإنما وضع المُظهرُ موضعَ المضمر للإيذان بكون التكذيبِ ظلماً أو بعليته لإصابة ما أصابهم من سوء العاقبةِ وبدخول هؤلاء الظالمين في زُمرتهم جزماً ووعيداً دخولاً أولياً .
وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ (40)
وقوله عز وجل : { وَمِنْهُمُ } الخ ، وصفٌ لحالهم بعد إتيانِ التأويل المتوقع ، إذ حينئذٍ يمكن تنويعُهم إلى المؤمِن به وغير المؤمن ضرورةَ امتناعِ الإيمان بشيء من غير علمٍ به واشتراكِ الكلِّ في التكذيب والكفرِ به قبل ذلك حسبما أفاده قولُه تعالى : { بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ } أي ومن هؤلاء المكذبين { مَن يُؤْمِنُ بِهِ } عند الإحاطةِ بعلمه وإتيانِ تأويله وظهورِ حقّيتِه بعد ما سعَوا في المعارضة ورازُوا قواهم فيها فتضاءلت دونها أو بعد ما شاهدوا وقوعَ ما أَخبر به كما أَخبر به مراراً ، ومعنى الإيمانِ به إما الاعتقادُ بحقيته فقط أي يصدّق به في نفسه ويعلم أنه حقٌّ ولكنه يعاند ويكابر وهؤلاءِ هم الذين أُشير بقصْر اتباعِ الظنِّ على أكثرهم إلى أنهم يعلمون الحقَّ على التفسير الأول كما أشير إليه فيما سلف ، وإما الإيمانُ الحقيقيُّ أي سيؤمن به ويتوب عن الكفر وهم الذي أشير بالقصْر المذكورِ على التفسير الثاني إلى أنهم سيتبعون الحقَّ كما مر { وَمِنْهُمْ مَّن لاَّ يُؤْمِنُ بِهِ } أي لا يصدق به في نفسه كما لا يصدّق به ظاهراً لفرْط غباوتِه المانعةِ عن الإحاطة بعلمه كما ينبغي وإن كان فوق مرتبةِ عدمِ الإحاطةِ به أصلاً أو لسخافة عقلِه واختلالِ تمييزِه وعجزِه عن تخليص علومِه من مخالطة الظنونِ والأوهام التي ألِفَها فيبقى على ما كان عليه من الشك ، وهذا القدرُ من الإحاطة وإتيانِ التأويلِ كافٍ في مقابلة ما سبق من عدم الإحاطةِ بالمرة ، وهؤلاء هم الذين أريدوا فيما سلف بقوله عز وجل : { وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلاَّ ظَنّا } على التفسير الأول ، أو لا يؤمِن به فيما سيأتي بل يموت على كفره معانداً كان أو شاركاً ، وهم المستمرّون على اتباع الظن على التفسير الثاني من غير إذعانٍ للحق وانقيادٍ له { وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بالمفسدين } أي بكلا الفريقين على الوجه الأول لا بالمعاندين فقط كما قيل ، لاشتراكهما في أصل الإفسادِ المستدعي لاشتراكهما في الوعيد ، أو بالمُصرّين الباقين على الكفر على الوجه الثاني من المعاندين والشاكين . (3/269)
وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (41) وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (42) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ (43)
{ وَإِن كَذَّبُوكَ } أي إن استمروا على تكذيبك وأصروا عليه حسبما أُخبر عنهم بعد إلزامِ الحجةِ بالتحدي { فَقُل لّى عَمَلِى وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ } أي تبرأ منهم فقد أعذرتَ كقوله تعالى : { فَإِنْ عَصَوْكَ فَقُلْ إِنّى بَرِىء } والمعنى لي جزاءُ عملي ولكم جزاءُ عملِكم حقاً كان أو باطلاً ، وتوحيدُ العمل المضافِ إليهم باعتبار الاتحادِ النوعيِّ ولمراعاة كمالِ المقابلة { أَنتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَاْ بَرِىء مّمَّا تَعْمَلُونَ } تأكيدٌ لما أفادته لامُ الاختصاص من عدم تعدّي جزاءِ العمل إلى غير عاملِه أي لا تؤاخَذون بعملي ولا أؤاخذ بعملكم ، ولما فيه من إيهام المتاركةِ وعدم التعرضِ لهم قيل : إنه منسوخٌ بآية السيف . (3/270)
{ وَمِنْهُمْ مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } بيانٌ لكونهم مطبوعاً على قلوبهم بحيث لا سبيل إلى إيمانهم ، وإنما جمع الضميرُ الراجعُ إلى كلمة مَنْ رعايةً لجانب المعنى كما أفرد فيما سيأتي محافظةً على ظاهر اللفظِ ، ولعل ذلك للإيماء إلى كثرة المستمعين بناءً على عدم توقفِ الاستماع على ما يتوقف عليه النظرُ من المقابلة وانتفاءِ الحجاب والظُلمة ، أي ومنهم ناسٌ يستمعون إليك عند قراءتِك القرآنَ وتعليمِك الشرائعَ { أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصم } همزةُ الاستفهامِ إنكاريةٌ والفاءُ عاطفةٌ وليس الجمعُ بينهما لترتيب إنكارِ الإسماعِ كما هو رأيُ سيبوبهِ والجمهور على أن يجعل تقديمُ الهمزة على الفاء لاقتضائها الصدارةَ كما تقرر في موضعه بل لإنكار ترتُّبِه عليه حسبما هو المعتادُ لكن لا بطريق العطفِ على الفعل المذكورِ لأدائه إلى اختلال المعنى ، لأنه إما صلةٌ أو صفةٌ وأياً ما كان فالعطفُ عليه يستدعي دخولَ المعطوفِ في حيزه وتوجّهَ الإنكارِ إليه من تلك الحيثية ولا ريب في فسادة ، بل بطريق العطفِ على مقدر مفهومٍ من فحوى النظمِ ، كأنه قيل : أيستمعون إليك فأنت تسمعهم لا إنكاراً لاستماعهم فإنه أمر محقق بل إنكاراً لوقوع الاستماعِ عقيبَ ذلك وترتبِه عليه حسب العادةِ الكليةِ بل نفياً لإمكانه أيضاً كما ينبىء عنه وضع الصمِّ موضعَ ضميرِهم ووصفِهم بعدم العقلِ بقوله تعالى : { وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ } أي ولو انضم إلى صممهم عدمُ عقولِهم لأن الأصمَّ العاقلَ ربما تفرس إذا وصل إلى صِماخه صوتٌ وأما إذا اجتمع فقدانُ السمع فقد تم الأمر { وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ } ويعاين دلائلَ نبوّتك الواضحة { أَفَأَنتَ } أي أعقيبَ ذلك أنت تهديهم وإنما قيل : { تَهْدِى العمى } تربيةً لإنكار هدايتِهم وإبرازاً لوقوعها في معرض الاستحالةِ وقد أكد ذلك حيث قيل : { وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ } أي ولو انضم إلى عدم البصَر عدمُ البصيرة فإن المقصودَ من الإبصارِ الاعتبارُ والاستبصارُ ، والعمدةُ في ذلك هي البصيرةُ ولذلك يحدس الأعمى المستبصرُ ويتفطن لما لا يدركه البصيرُ الأحمقُ فحيث اجتمع فيهم الحمَقُ والعمى فقد انسد عليهم بابُ الهدى ، وجوابُ لو في الجملتين محذوف لدلالة قوله تعالى : { تُسْمِعُ الصم } و { تَهْدِى العمى } عليه وكلٌّ منهما معطوفةٌ على جملة مقدرةٍ مقابلةٍ لها في الفحوى كلتاهما في موضع الحال من مفعول الفعلِ السابق ، أي أفأنت تسمع الصم لو كانوا يعقلون ولو كانوا لا يعقلون ، أفأنت تهدي العميَ لو كانوا يبصرون ولو كانوا لا يبصرون ، أي على كل حال مفروضٍ ، وقد حذفت الأولى في الباب حذفاً مطرداً لدِلالة الثانية عليها دِلالةً واضحةً فإن الشيءَ إذا تحقق عند تحققِ المانعِ أو المانع القويِّ فلأَنْ يتحققَ عند عدمِه أو عند تحققِ المانعِ الضعيفِ أولى ، وعلى هذه النُكتةِ يدور ما في لو وأن الوصلتين من التأكيد وقد مر الكلام في قوله تعالى : { وَلَوْ كَرِهَ } ونظائرِه مراراً .
إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (44)
{ إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس } إشارةٌ إلى أن ما حكيَ عنهم من عدم اهتدائِهم إلى طريق الحقِّ وتعطّلِ مشاعرِهم من الإدراك ليس لأمر مستندٍ إلى الله عز وجل من خلقهم مؤفي المشاعرِ ونحو ذلك بل إنما هو من قِبلهم أي لا ينقُصهم { شَيْئاً } مما نيط به مصالحُهم الدينيةُ والدنيويةُ وكمالاتُهم الأولويةُ والأُخْروية من مبادىء إدراكِهم وأسبابِ علومِهم من المشاعر الظاهرةِ والباطنةِ والإرشادِ إلى الحق بإرسال الرسلِ وإنزالِ الكتب بل يوفيهم ذلك من غير إخلالٍ بشيء أصلاً { ولكن الناس } وقرىء بالتخفيف ورفعِ الناس ، وضع الظاهرُ موضَع الضمير لزيادة تعيينٍ وتقريرٍ ، أي لكنهم بعدم استعمالِ مشاعِرهم فيما خُلقت له وإعراضِهم عن قبول دعوةِ الحق وتكذيبِهم للرسل والكتب { أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } أي ينقُصون ما ينقصون مما يُخِلّون به من مبادىء كمالِهم وذرائعِ اهتدائِهم ، وإنما لم يُذكر لما أن مرمى الغرضِ إنما هو قصرُ الظلمِ على أنفسهم لا بيانُ ما يتعلق به الظلمُ ، والتعبيرُ عن فعلهم بالنقص مع كونِه تفويتاً بالكلية وإبطالاً بالمرة لمراعاة جانبِ قرينتِه ، قولُه عز وجل : { أَنفُسِهِمْ } إما تأكيدٌ للناس فيكونُ بمنزلة ضمير الفصلِ في قوله تعالى : { وَمَا ظلمناهم ولكن كَانُواْ هُمُ الظالمين } في قصر الظالمية عليهم وإما مفعولٌ ليظلمون حسبما وقع سائر المواقع ، وتقديمُه عليه لمجرد الاهتمامِ به مع مراعاة الفاصلةِ من غير قصدٍ إلى قصر المظلوميةِ عليهم على رأي من لا يرى التقديمَ موجباً للقصر فيكون كما في قوله تعالى : { وَمَا ظلمناهم ولكن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } من غير قصر للظلم لا على الفاعل ولا على المفعول ، وأما على رأي من يراه موجباً له فلعل إيثارَ قصرِها دون قصرِ الظالمية عليهم للمبالغة في بيان بطلان أفعالِهم وسخافةِ عقولِهم لما أن أقبحَ الأمرين عند اتحادِ الفاعلِ والمفعولِ وأشدَّهما إنكاراً عند العقل ونفرةً لدى الطبع وأوجبَهما حذراً منه عند كل أحدٍ هو المظلوميةُ لا الظالمية ، على أن قصرَ الأولى عليهم مستلزِمٌ لما يقتضيه ظاهرُ الحالِ من قصر الثانية عليهم ضرورةَ أنه إذا لم يظِلمْ أحدٌ من الناس إلا نفسَه يلزم أن لا يظلِمَه إلا نفسُه ، إذ لو ظلمه غيرُه يلزم كونُ ذلك الغيرِ ظالماً لغير نفسِه ، والمفروضُ أن لا يظلم أحدٌ إلا نفسَه فاكتُفي بالقصر الأولِ عن الثاني مع رعاية ما ذكر من الفائدة ، وصيغةُ المضارع للاستمرار نفياً وإثباتاً ، فإن حرفَ النفي إذا دخل على المضارع يفيد بحسب المقامِ استمرارَ النفي لا نفيَ الاستمرارِ ، ألا يرى أن قولكَ : ما زيدا ضربتُ يدل على اختصاص النفي لا على نفي الاختصاص ، ومساقُ الآيةِ الكريمةِ لإلزام الحجةِ ويجوز أن يكون للوعيد فالمضارعُ المنفيُّ للاستقبال والمُثبتُ للاستمرار ، والمعنى أن الله لا يظلِمُهم بتعذيبهم يومَ القيامة شيئاً من الظلم ولكنهم أنفسَهم يظلِمون ظلماً مستمراً ، فإن مباشرتَهم المستمرةَ للسيئات الموجبةِ للتعذيب عينُ ظلمِهم لأنفسهم ، وعلى الوجهين فالآيةُ الكريمة تذييلٌ لما سبق . (3/271)
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (45) وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ (46)
{ وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ } منصوبٌ بمضمر وقرىء بالنون على الالتفات أي اذكر لهم أو أنذِرْهم يوم يحشرهم { كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ } أي كأنهم لم يلبثوا { إِلاَّ سَاعَةً مّنَ النهار } أي شيئاً قليلاً منه فإنها مثَلٌ في غاية القِلة ، وتخصيصُها بالنهار لأن ساعاتِه أعرفُ حالاً من ساعاتِ الليلِ ، والجملةُ في موقع الحال من ضمير المفعولِ أي يحشرهم مشبَّهين في أحوالهم الظاهرةِ للناس بمَنْ لم يلبَثْ في الدنيا ولم يتقلب في نعيمها إلا ذلك القدرَ اليسيرَ فإن مَنْ أقام بها دهراً وتمتع بمتاعها لا يخلو عن بعض آثارِ نعمةٍ وأحكامِ بهجةٍ منافيةٍ لما بهم من رثاثة الهيئةِ وسوء الحالِ ، أو بمن لم يلبَث في البرزخ إلا ذلك المقدارَ ففائدة التقييدِ بيانُ كمالِ يُسرِ الحشرِ بالنسبة إلى قدرته تعالى ولو بعد دهرٍ طويلٍ وإظهارِ بطلانِ استبعادِهم وانكارِهم بقولهم : أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمبعوثون؟ ونحوِ ذلك ، أو بيانُ تمامِ الموافقةِ بين النشأتين في الأشكال والصورِ فإن قلةَ اللُّبثِ في البرزخ من موجبات عدمِ التبدلِ والتغيرِ فيكون قوله عز وعلا : { يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ } بياناً وتقريراً له لأن التعارفَ مع طول العهدِ ينقلب تناكراً ، وعلى الأول يكون استئنافاً أي يعرِف بعضُهم بعضاً كأنهم لم يتفارقوا إلا قليلاً ، وذلك أولَ ما خرجوا من القبور ، إذ هم حينئذٍ على ما كانوا عليه من الهيئة المتعارَفةِ فيما بينهم ثم ينقطع التعارفُ بشدة الأهوالِ المذهلة واعتراءِ الأحوالِ المُعضلة المغيِّرةِ للصور والأشكالِ المبدّلة لها من حال إلى حال { قَدْ خَسِرَ الذين كَذَّبُواْ بِلِقَاء الله } شهادةٌ من الله سبحانه وتعالى على خُسرانهم وتعجبٌ منه ، وقيل : حالٌ من ضمير يتعارفون على إرادة القولِ ، والتعبيرُ عنهم بالموصول مع كون المقامِ مقامَ إضمارٍ لذمهم بما في حيز الصلةِ ، والإشعارُ بعليته لما أصابهم ، والمرادُ بلقاء الله إن كان مطلقَ الحسابِ والجزاءِ أو حسنَ اللقاءِ فالمراد بالخسران الوضيعةُ ، والمعنى وضَعوا في تجاراتهم ومعاملاتهم واشترائِهم الكفرَ بالإيمان والضلالةَ بالهدى ومعنى قوله تعالى : { وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ } ما كانوا عارفين بأحوال التجارةِ مهتدين لطرقها وإن كان سوءَ اللقاءِ فالخَسارُ الهلاك والضلالُ أي قد ضلوا وهلكوا بتكذيبهم وما كانوا مهتدين إلى طريق النجاة . (3/272)
{ وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ } أصله إن نُرِكَ وما مزيدةٌ لتأكيد معنى الشرطِ ومِنْ ثَمةَ أُكد الفعلُ بالنون أي بنُصرتك بأن نُظهرَ لك { بَعْضَ الذى نَعِدُهُمْ } أي وعدناهم من العذاب ونعجِّلَه في حياتك فتراه ، والعدولُ إلى صيغة الاستقبالِ لاستحضار الصورةِ أو للدلالة على التجدد والاستمرارِ أي نعِدُهم وعداً متجدداً حسبما تقتضيه الحكمةُ من إنذارٍ غِبَّ إنذار ، وفي تخصيص البعضِ بالذكر رمزٌ إلى العِدَة بإراءةِ بعضِ الموعودِ ، وقد أراه يومَ بدر { أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ } قبل ذلك { فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } أي كيفما دارت الحالُ أريناك بعضَ ما وعدناهم أو لا فإلينا مرجعُهم في الدنيا والآخرةِ فننجزُ ما وعدناهم البتةَ ، وقيل : المذكورُ جوابٌ للشرط الثاني كأنه قيل : فإلينا مرجعُهم فنريكَه في الآخرة وجوابُ الأول محذوفٌ لظهوره أي فذاك { ثُمَّ الله شَهِيدٌ على مَا يَفْعَلُونَ } من الأفعال السيئةِ التي حُكيت عنهم ، والمرادُ بالشهادة إما مقتضاها ونتيجتُها وهي معاقبتُه تعالى إياهم وإما إقامتُها وأداؤُها بإنطاق الجوارحِ ، وإظهارُ اسمِ الجلالةِ لإدخال الروعةِ وتربيةِ المهابةِ وتأكيدِ التهديد ، وقرىء ثَمّةَ أي هناك .
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (47) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (48) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلَا نَفْعًا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (49)
{ وَلِكُلّ أُمَّةٍ } من الأمم الخالية { رَّسُولٌ } يُبعث إليهم بشريعة خاصةٍ مناسبة لأحوالهم ليدعُوَهم إلى الحق { فَإِذَا جَاء رَسُولُهُمْ } فبلغهم ما أُرسل به فكذبوه وخالفوه { قُضِىَ بَيْنَهُمْ } أي بين كلِّ أمةٍ ورسولِها { بالقسط } بالعدل وحُكم بنجاة الرسول والمؤمنين به وإهلاك المكذِبين كقوله تعالى : { وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } { وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ } في ذلك القضاءِ المستوجِب لتعذبهم لأنه من نتائج أعمالِهم أو ولكل أمةٍ من الأمم يوم القيامةِ رسولٌ تُنسَبُ إليه وتدعى به فإذا جاء رسولُهم الموقفَ ليشهدَ عليهم بالكفر والإيمان كقوله عز وجل : { وَجِىء بالنبيين والشهداء وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ } (3/273)
{ وَيَقُولُونَ متى هذا الوعد } استعجالاً لما وُعدوا من العذاب على طريقة الاستهزاءِ به والإنكارِ حسبما يرشد إليه الجوابُ لا طلباً لتعيين وقتِ مجيئِه على وجه الإلزام كما في سورة الملك { إِن كُنتُمْ صادقين } أي في أنه يأتينا والخطابُ للرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين يتلون عليهم الآياتِ المتضمنةَ للوعد المذكورِ ، وجوابُ الشرط محذوفٌ اعتماداً على ما تقدم حسبما حُذف في مثل قوله تعالى : { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } فإن الاستعجالَ في قوة الأمرِ بالإتيان عجلةً كأنه قيل : فليأتنا عجَلةً إن كنتم صادقين ، ولِما فيه من الإشعار بكون إتيانِه بواسطة النبيِّ صلى الله عليه وسلم قيل : { قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِى ضَرّا وَلاَ نَفْعًا } أي لا أقدِر على شيء منهما بوجه من الوجوه ، وتقديمُ الضر لِما أن مساقَ النظمِ لإظهار العجزِ عنه ، وأما ذكرُ النفعِ فلتوسيع الدائرةِ تكملةً للعجز ، وما وقع في سورة الأعرافِ من تقديم النفعِ للإشعار بأهميته والمقامُ مقامُه ، والمعنى إني لا أملك شيئاً من شؤوني رداً وإيراداً مع أن ذلك أقربُ حصولاً فكيف أملك شؤونَكم حتى أتسبّبَ في إتيان عذابِكم الموعودِ { إِلاَّ مَا شَاء الله } استثناءٌ منقطعٌ أي ولكن ما شاء الله كائناً وحملُه على الاتصال على معنى إلا ما شاء الله أن املِكَه يأباه مقامُ التبُّرؤ من أن يكون له عليه السلام دخلٌ في إتيان الوعدِ فإن ذلك يستدعي بيانَ كونِ المتنازَعِ فيه مما لا يشاء الله أن يملِكه عليه السلام ، وجعلُ ( ما ) عبارةً عن بعض الأحوالِ المعهودةِ المنوطةِ بالأفعال الاختياريةِ المفوضة إلى العباد على أن يكون المعنى لا أملك لنفسي شيئاً من الضر والنفعِ إلا ما شاء الله أن أملِكه منهما من الضر والنفعِ المترتبَيْن على الأكل والشربِ عدماً ووجوداً تعسّفٌ ظاهرٌ ، وقوله تعالى : { لِكُلّ أُمَّةٍ أَجَلٌ } بيانٌ لما أُبهم في الاستثناء وتقييدٌ لما في القضاء السابقِ من الإطلاق المُشعِر بكون المقضيِّ به أمراً مُنجزاً غيرَ متوقَّفٍ على شيء غيرِ مجيءِ الرسولِ وتكذيبِ الأمة أي لكل أمةٍ أمة ممن قُضي بينهم وبين رسولِهم أجلٌ معينٌ خاصٌّ بهم لا يتعدى إلى أمة أخرى مضروبٍ لعذابهم يحِلّ بهم عند حلولِه { إِذَا جَاء أَجَلُهُمْ } إن جُعل الأجلُ عبارةً عن حد معينٍ من الزمان فمعنى مجيئِه ظاهرٌ ، وإن أريد به ما امتدّ إليه من الزمان فمجيئُه عبارةٌ عن انقضائِه إذ هناك يتحقق مجيئُه بتمامه ، والضميرُ إن جُعل للأمم المدلولِ عليها بكل أمةٍ فإظهارُ الأجلِ مضافاً إليه لإفادة المعنى المقصودِ الذي هو بلوغُ كل أمةٍ أجلَها الخاصِّ بها ، ومجيئُه إياها بعينها من بين الأممِ بواسطة اكتسابِ الأجل بالإضافة عموماً يفيده معنى الجمعيةِ كأنه قيل : إذا جاءهم آجالُهم بأن يجيءَ كلَّ واحدةٍ من تلك الأممِ أجلُها الخاصُّ بها ، وإن جُعل لكل أمةٍ خاصةً كما هو الظاهرُ فالإظهارُ في موقع الإضمارِ لزيادة التقريرِ ، والإضافةُ إلى الضمير لإفادة كمالِ التعيين أي إذا جاءها أجلُها الخاصُّ بها { فَلاَ يَسْتَأْخِرُونَ } عن ذلك الأجلِ { سَاعَةً } أي شيئاً قليلاً من الزمان فإنها مثَلٌ في غاية القلةِ منه أي لا يتأخرون عنه أصلاً ، وصيغةُ الاستفعال للإشعار بعجزهم عن ذلك مع طلبهم له { وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } أي لا يتقدمون عليه وهو عطفٌ على يستأخرون لكنْ لا لبيان انتفاءِ التقدم مع إمكانه في نفسه كالتأخر ، بل للمبالغة في انتفاءِ التأخرِ بنظمه في سلك المستحيلِ عقلاً كما في قوله سبحانه وتعالى :
{ وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ إِنّى تُبْتُ الان وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } فإن من مات كافراً مع ظهور أن لا توبةَ له رأساً قد نُظم في عدم قَبولِ التوبةِ في سلك من سوّفها إلى حضور الموتِ إيذاناً بتساوي وجودِ التوبةِ حينئذٍ وعدِمها بالمرة ، كما مر في سورة الأعراف ، وقد جُوز أن يراد بمجيء الأجلِ دنوُّه بحيث يمكن التقدمُ في الجملة كمجيء اليومِ الذي ضُرب لهلاكهم ساعةٌ معينةٌ منه لكن ليس في تقييد عدمِ الاستئخار بدنوه مزيدُ فائدةٍ ، وتقديمُ بيان انتفاءِ الاستئخار على بيان انتفاءِ الاستقدامِ لأن المقصودَ الأهمَّ بيانُ عدمِ خلاصِهم من العذاب ولو ساعةً وذلك بالتأخر ، وأما ما في قوله تعالى : { مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَخِرُونَ } من سبق السبْقِ في الذكر فلما أن المرادَ هناك بيانُ سرِّ تأخيرِ عذابِهم مع استحقاقهم له حسبما ينبيء عنه قوله عز وجل : { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الامل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } فالأهمُّ إذ ذاك بيانُ انتفاءِ السبقِ كما ذكر هناك . (3/274)
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (50)
{ قُلْ } لهم غِبَّ ما بيّنتَ كيفيةَ جريانِ سنةِ الله عز وجل فيما بين الأمم على الإطلاق ونبهتَهم على أن عذابَهم أمرٌ مقررٌ محتومٌ لا يتوقف إلا على مجيء أجله المعلومِ إيذاناً بكمال دنوِّه وتنزيلاً له منزلةَ إتيانِه حقيقة { أَرَءيْتُمْ } أي أخبروني { إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ } الذي تستعجلون به { بَيَاتًا } أي وقتَ بياتٍ واشتغالٍ بالنوم { أَوْ نَهَارًا } أي عند اشتغالِكم بمشاغلكم حسبما عُيِّن لكم من الأجل بمقتضى المشيئةٍ التابعةِ للحكمة كما عيّن لسائر الأممِ المهلَكة ، وقوله عز وجل : { مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ المجرمون } جوابٌ للشرط بحذف الفاءِ كما في قولك : إن أتيتُك ماذا تطعمني؟ والمجرمون موضوعٌ موضعَ المضمر لتأكيد الإنكارِ ببيان مباينةِ حالِهم للاستعجال ، فإن حقَّ المجرمِ أن يَهلك فزَعاً من إتيان العذابِ فضلاً عن استعجاله ، والجملةُ الشرطيةُ متعلقةٌ بأرأيتم ، والمعنى أخبروني إن أتاكم عذابُه تعالى أيَّ شيءٍ تستعجلون منه سبحانه والشيءُ لا يمكن استعجالُه بعد إتيانِه ، والمرادُ به المبالغةُ في إنكار استعجالِه بإخراجه عن حيز الإمكانِ ، وتنزيلُه في الاستحالة منزلةَ استعجالِه بعد إتيانِه بناءً على تنزيل تقرر إتيانِه ودنوِّه منزلةَ إتيانه حقيقةً كما أشير إليه ، وهذا الإنكارُ بمنزلة النهي في قوله عز وعلا : { أتى أَمْرُ الله فَلاَ تَسْتَعْجِلُوهُ } خلا أن التنزيلَ هناك صريحٌ وهنا ضمنيٌّ كما في قول من قال لغريمه الذي يتقضّاه حقَّه : أرأيتَ إن أعطيتُك حقَّك فماذا تطلُب مني؟ يريد المبالغةَ في إنكار التقاضي بنظمه في سلك التقاضي بعد الإعطاءِ بناءً على تنزيل تقرّرِه منزلةَ نفسِه . (3/275)
أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آَمَنْتُمْ بِهِ آَلْآَنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (51) ثُمَّ قِيلَ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (52)
وقوله عز وجل : { أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ ءامَنْتُمْ بِهِ } إنكارٌ لإيمانهم بنزول العذابِ بعد وقوعِه حقيقةً داخلٌ مع ما قبله من إنكار استعجالِهم به بعد إتيانِه حكماً تحت القولِ المأمورِ به أي أبعد ما وقع العذابُ وحل بكم حقيقةً آمنتم به حين لا ينفعُكم الإيمانُ إنكاراً لتأخيره إلى هذا الحد وإيذاناً باستتباعه للندم والحسرةِ ليُقلعوا عما هم عليه من العناد ويتوجهوا نحوَ التدارُك قبل فوتِ الوقتِ ، فتقديمُ الظرفِ للقصر ، وقيل : ماذا يستعجل منه متعلِّقٌ بأرأيتم ، وجوابُ الشرطِ محذوفً أي تندموا على الاستعجال أو تعرِفوا خطأه ، والشرطيةُ اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون الاستخبار ، وقيل : الجوابُ قوله تعالى : { أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ } الخ ، والاستفهاميةُ الأولى اعتراضٌ والمعنى أخبروني إن أتاكم عذابُه آمنتم به بعد وقوعِه حين لا ينفعكم الإيمانُ ثم جيء بكلمة التراخي دِلالةً على الاستبعاد ، ثم زيد أداةُ الشرطِ دِلالةً على استقلاله بالاستبعاد وعلى أن الأولَ كالتمهيد له وجيء ( بإذا ) مؤكداً ( بما ) ترشيحاً لمعنى الوقوعِ وزيادةً للتجهيل وأنهم لم يؤمنوا إلا بعد أن لم ينفعْهم الإيمانُ البتةَ وقولُه تعالى : (3/276)
{ الئان } استئنافٌ من جهته تعالى غيرُ داخل تحت القول الملقن مَسوقٌ لتقرير مضمونِ ما سبق على إرادة القولِ ، أي قيل لهم عند إيمانهم بعد وقوعِ العذاب : آلآن آمنتم به؟ إنكاراً للتأخير وتوبيخاً عليه ببيان أنه لم يكن ذلك لعدم سبق الإنذارِ به ولا للتأمل والتدبرِ في شأنه ولا لشيء آخرَ مما عسى يُعدّ عذراً في التأخير ، كان ذلك على طريق التكذيبِ والاستعجالِ به على وجه الاستهزاءِ ، وقرىء آلان بحذف الهمزةِ وإلقاء حركتِها على اللام وقوله تعالى : { وَقَدْ كُنتُم بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ } أي تكذيباً واستهزاءً ، جملةٌ وقعت حالاً من فاعل آمنتم المقدرِ لتشديد التوبيخِ والتقريعِ وزيادةِ التنديمِ والتحسيرِ ، وتقديمُ الجارِّ والمجرور على الفعل لمراعاة الفواصلِ دون القصرِ ، وقوله تعالى : { ثُمَّ قِيلَ } الخ ، تأكيدٌ للتوبيخ والعتابِ بوعيد العذابِ والعقابِ وهو عطفٌ على ما قدّر قبل آلآن { لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ } إن وضعوا الكفرُ والتكذيبُ موضعَ الإيمان والتصديقِ ، أو ظلموا أنفسَهم بتعريضها للعذاب والهلاكِ ، ووضعُ الموصول موضع الضمير لذمهم بما في حيز الصلة والإشعارِ بعلّيته لإصابة ما أصابهم { ذُوقُواْ عَذَابَ الخلد } المؤلمَ على الدوام { هَلْ تُجْزَوْنَ } اليوم { إِلاَّ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } في الدنيا من أصناف الكفر والمعاصي التي من جملتها ما مرّ من الاستعجال .
وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (53) وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (54)
{ وَيَسْتَنْبِئُونَكَ } أي يستخبرونك فيقولون على طريقة الاستهزاءِ أو الإنكار : { أَحَقٌّ هُوَ } أحقٌّ خبرٌ قُدم على المبتدإ الذي هو الضميرُ للاهتمام به ويؤيده قوله تعالى : { إِنَّهُ لَحَقٌّ } أو مبتدأٌ والضميرُ مرتفعٌ به سادٌّ مسدَّ الخبر ، والجملةُ في موقع النصب بيستنبئونك ، وقرىء أألحقُّ هو ، تعريضاً بأنه باطلٌ كأنه قيل : أهو الحق لا الباطل؟ أو أهو الذي سميتموه الحقَّ؟ { قُلْ } لهم غيرَ ملتفتٍ إلى استهزائهم مغضياً عما قصدوا وبانياً للأمر على أساس الحكمة { إِى وَرَبّى } ( إي ) من حروف الإيجابِ بمعنى نعم في القسم خاصةً كما أن هل بمعنى قد في الاستفهام خاصةً ، ولذلك يوصل بواوه { إِنَّهُ } أي العذابُ الموعودُ { لَحَقُّ } لثابتٌ البتةَ ، أُكّد الجوابُ بأتم وجوهِ التأكيدِ حسب شدةِ إنكارِهم وقوتِه ، وقد زيد تقريراً وتحقيقاً بقوله عز اسمُه : { وَمَا أَنتُم بِمُعْجِزِينَ } أي بفائتين العذابَ بالهرب وهو لاحقٌ بكم لا محالة وهو إما معطوفٌ على جواب القسم أو مستأنفٌ سيق لبيانِ عجزِهم عن الخلاص مع ما في من التقدير المذكور { وَلَوْ أَنَّ لِكُلّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ } بالشرك أو التعدّي على الغير أو غيرِ ذلك من أصناف الظلمِ ولو مرةً حسبما يفيده كونُ الصفةِ فعلاً { مَّا فِى الارض } أي ما في الدنيا من خزائنها وأموالِها ومنافعها قاطبةً بما كثُرت { لاَفْتَدَتْ بِهِ } أي لجعلتْه فديةً لها من العذاب من افتداه بمعنى فداه { وَأَسَرُّواْ } أي النفوسُ المدلولُ عليها بكل نفسٍ ، والعدولُ إلى صيغة الجمعِ مع تحقق العمومِ في صورة الإفرادِ أيضاً لإفادة تهويلِ الخطبِ بكون الإسرارِ بطريق المعيةِ والاجتماع ، وإنما لم يُراعَ ذلك فيما سبق لتحقيق ما يتوخى من فرض كونِ جميعِ ما في الأرض لكل واحدةٍ من النفوس ، وإيثارُ صيغةِ جمعِ المذكرِ لحمل لفظ النفسِ على الشخص أو لتغليب ذكورِ مدلولِه على إناثه { الندامة } على ما فعلوا من الظلم أي أخفَوْها ولم يظهروها لكن لا للاصطبار والتجلد هيهاتَ ولاتَ حينَ اصطبارٍ بل لأنهم بُهتوا { لَمَّا رَأَوُاْ العذاب } أي عند معاينتِهم من فظاعة الحالِ وشدةِ الأهوالِ ما لم يكونوا يحتسبوا فلم يقدروا على أن ينطِقوا بشيء ، ( فلما ) بمعنى حين منصوبٌ بأسرّوا أو حرفُ شرطٍ حذف جوابُه لدِلالة ما تقدم عليه ، وقيل : أسرها رؤساؤُهم ممن أضلوهم حياءً منهم وخوفاً من توبيخهم ، ولكن الأمرَ أشدُّ من أن يعترِيَهم هناك شيءٌ غيرَ خوفِ العذاب ، وقيل : أسروا الندامةَ أخلصوها لأن إسرارها إخلاصُها أو لأن سرَّ الشيءِ خالصتُه حيث تخفى ويُضَنّ بها ، ففيه تهكمٌ بهم . وقيل : أظهروا الندامةَ من قولهم : أسرَّ الشيء وأشره إذا أظهره حين عيل صبرُه وفنِيَ تجلُّده { وَقُضِىَ بَيْنَهُمْ } أي أُوقع القضاءُ بين الظالمين من المشركين وغيرِهم من أصناف أهل الظلمِ بأن أُظهر الحقُّ سواءٌ كان من حقوق الله سبحانه أو من حقوق العبادِ من العباد من الباطل ، وعومل أهلُ كل منهما بما يليق به { بالقسط } بالعدل ، وتخصيصُ الظلم بالتعدي وحملُ القضاء على مجرد الحكومةِ بين الظالمين والمظلومين من غير أن يُتعرَّضَ لحال المشركين وهم أظلمُ الظالمين لا يساعدُه المقامُ فإن مقتضاه كونُ الظلم عبارةً عن الشرك أو عما يدخُل فيه دخولاً أولياً { وَهُمْ } أي الظالمون { لاَ يُظْلَمُونَ } فيما فعل بهم من العذاب بل هو من مقتضيات ظلمِهم ولوازمِه الضرورية . (3/277)
أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَلَا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (55) هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (56) يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (57)
{ أَلا إِنَّ للَّهِ مَا فِى السموات والارض } أي ما وجد فيهما داخلاً في حقيقتهما أو خارجاً عنهما متمكناً فيهما ، وكلمةُ ما لتغليب غيرِ العقلاءِ على العقلاء ، فهو تقريرٌ لكمال قدرتِه سبحانه على جميع الأشياءِ وبيانٌ لاندراج الكلِّ تحت ملكوتِه يتصرف فيه كيفما يشاء إيجاداً وإعداماً وإثابةً وعقاباً . (3/278)
{ أَلاَ إِنَّ وَعْدَ الله } إظهارُ الاسمِ الجليلِ لتفخيم شأنِ الوعدِ والإشعارِ بعلة الحكم ، وهو إما بمعنى الموعودِ أي جميعِ ما وُعد به كائناً ما كان فيندرج فيه العذابُ الذي استعجلوه وما ذُكر في أثناء بيان حالِه اندراجاً أولياً ، أو بمعناه المصدريِّ أي وعدَه بجميع ما ذكر فمعنى قولِه تعالى : { حَقٌّ } على الأول ثابتٌ واقعٌ لا محالة وعلى الثاني مطابقٌ للواقع ، وتصديرُ الجملتين بحرفي التنبيهِ والتحقيقِ للتسجيل على تحقق مضمونِها المقرِّر لمضمون ما سلف من الآيات الكريمة والتنبيهِ على وجوب استحضارِه والمحافظةِ عليه { ولكن أَكْثَرَهُمْ } لقصور عقولِهم واستيلاءِ الغفلة عليهم والفهمِ بالأحوال المحسوسةِ المعتادة { لاَّ يَعْلَمُونَ } ذلك فيقولون ما يقولون ويفعلون ما يفعلون { هُوَ يُحْىِ وَيُمِيتُ } في الدنيا من غير دخلٍ لأحد في ذلك { وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } في الآخرة بالبعث والحشرِ { يأَيُّهَا الناس } التفاتٌ ورجوعٌ إلى استمالتهم نحوَ الحق واستنزالِهم إلى قَبوله واتباعه غِبَّ تحذيرِهم من غوائل الضلالِ بما تُليَ عليهم من القوارع الناعيةِ عليهم سوءَ عاقبتِهم وإيذانٌ بأن جميعَ ذلك مسوقٌ لمصالحهم ومنافعِهم { قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ } هي والوعظُ والوعظة التذكيرُ بالعواقب سواءٌ كان بالزجر والترهيبِ أو بالاستمالة والترغيبِ وكلمة من في قوله تعالى : { مّن رَّبّكُمْ } ابتدائيةٌ متعلقةٌ بجاءتكم أو تبعيضيةٌ متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لموعظة أي موعظةٌ كائنةٌ من مواعظ ربِّكم ، وفي التعرض لعنوان الربوبيةِ من حسن الموقِع ما لا يخفى { وَشِفَاء لِمَا فِى الصدور وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لّلْمُؤْمِنِينَ } أي كتاب جامعٌ لهذه الفوائد والمنافِع فإنه كاشفٌ عن أحوال الأعمالِ حسناتِها وسيئاتِها مرغب في الأولى ورادِعٌ عن الأخرى ومبينٌ للمعارف الحقةِ التي هي شفاءٌ لما في الصدور من الأدواء القلبيةِ كالجهل والشكِّ والشِّرْكِ والنفاق وغيرِها من العقائد الزائغةِ وهادٍ إلى طريق الحقِّ واليقين بالإرشاد إلى الاستدلال بالدلائل المنصوبةِ في الآفاق والأنفسِ وفي مجيئه رحمةً للمؤمنين حيث نجَوا به من ظلمات الكفرِ والضلال إلى نور الإيمانِ وتخلصوا من دركاتِ النيرانِ وارتقَوا إلى درجات الجنانِ ، والتنكيرُ في الكل للتفخيم .
قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آَللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (59)
{ قُلْ } تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأمرَ الناسَ بأن يغتنموا ما في مجيء القرآن العظيمِ من الفضل والرحمة { بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ } المرادُ بهما إما ما في مجيء القرآنِ من الفضل والرحمةِ وإما الجنسُ وهما داخلان فيه دخولاً أولياً ، والباء متعلقةٌ بمحذوف ، وأصلُ الكلام ليفرَحوا بفضل الله وبرحمته للإيذان باستقلالها في استيجاب الفرحِ ثم قُدّم الجارُّ والمجرورُ على الفعل لإفادة القصرِ ثم أُدخل عليه الفاءُ لإفادة معنى السببيةِ فصار بفضل الله وبرحمته فليفرَحوا ثم قيل : { فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ } للتأكيد والتقريرِ ثم حُذف الفعلُ الأول لدلالة الثاني عليه والفاءُ الأولى جزائيةٌ والثانيةُ للدلالة على السببية والأصلُ إن فرِحوا بشيء فبذلك ليفرحوا لا بشيء آخرَ ، ثم أُدخل الفاءُ للدلالة على السببية ثم حذف الشرطُ ، ومعنى البُعد في اسم الإشارةِ للدلالة على بُعد درجةِ فضل الله تعالى ورحمتِه ويجوز أن يراد بفضل الله وبرحمته فلْيعتنوا فبذلك فليفرحوا ، ويجوز أن يتعلق الباءُ بجاءتكم أي جاءتكم موعظةٌ بفضل الله وبرحمته فبذلك أي فبمجيئها فليفرَحوا وقرىء فلتفرحوا وقرأ أُبيّ : فافرَحوا ، وعن أُبي بن كعب أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم تلا : «قل بفضلِ الله وبرحمتِهِ» فقالَ : «بكتاب الله والإسلامِ» ، وقيل : فضلُه الإسلامُ ورحمتُه ما وعَد عليه . (3/279)
{ هُوَ } أي ما ذكر من فضل الله ورحمته { خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ } من حُطام الدنيا وقرىء تجمعون أي فبذلك فليفرَحِ المؤمنون هو خير مما تجمعون أيها المخاطَبون .
{ قُلْ أَرَءيْتُمْ } أي أخبروني { مَّا أَنزَلَ الله لَكُمْ مّن رّزْقٍ } ( ما ) منصوبةُ المحلِّ بما بعدها أو بما قبلها واللامُ للدِلالة على أن المرادَ بالرزق ما حل لهم ، وجعلُه منزلاً لأنه مقدّرٌ في السماء محصّلٌ هو أو ما يتوقف عليه وجوداً أو بقاءً بأسباب سماويةٍ من المطر والكواكبِ في الإنضاج والتلوين { فَجَعَلْتُمْ مّنْهُ } أي جعلتم بعضَه { حَرَامًا } أي حكمتم بأنه حرامٌ { وَحَلاَلاً } أي وجعلتم بعضَه حلالاً أي حكمتم بحِلّه مع كون كلِّه حلالاً وذلك قولُهم : { هذه أنعام وَحَرْثٌ حِجْرٌ } الآية ، وقولهم : { مَا فِى بُطُونِ هذه الانعام خَالِصَةٌ لِّذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ على أزواجنا } ونحوُ ذلك ، وتقديمُ الحرامِ لظهور أثرَ الجعلِ فيه ودورانِ التوبيخِ عليه { قُلْ } تكريرٌ لتأكيد الأمرِ بالاستخبار أي أخبروني { الله أَذِنَ لَكُمْ } في ذلك الجعلِ فأنتم فيه ممتثلون بأمره تعالى { أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ } أم متصلةٌ والاستفهامُ للتقرير والتبكيتِ لتحقق العلمِ بالشق الأخير قطعاً كأنه قيل : أم لم يأذنْ لكم بل تفترون عليه سبحانه ، فأظهر الاسمَ الجليلَ وقدّم على الفعل دِلالةً على كمال قبحِ افترائِهم وتأكيداً للتبكيت إثرَ تأكيدٍ مع مراعاة الفواصلِ ، ويجوز أن يكون الاستفهامُ للإنكار وأمْ منقطعةً ، ومعنى بل فيها الإضرابُ والانتقال من التوبيخ والزجرِ بإنكار الإذنِ إلى ما تفيده همزتُها من التوبيخ على الافتراء عليه سبحانه وتقريرِه ، وتقديمُ الجارِّ والمجرور على هذا يجوز أن يكون للقصر كأنه قيل : بل أعلى الله تعالى خاصة تفترون .
وَمَا ظَنُّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَشْكُرُونَ (60) وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآَنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (61)
{ وَمَا ظَنُّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب } كلامٌ مسوقٌ من قِبَله تعالى لبيان هولِ ما سيلقَونه غيرُ داخلٍ تحت القولِ المأمورِ به والتعبيرُ عنهم بالموصول في موقع الإضمارِ لقطع احتمالِ الشق الأولِ من التردد والتسجيلِ عليهم بالافتراء وزيادةِ الكذب مع أن الافتراءَ لا يكون إلا كذباً لإظهار كمالِ قبحِ ما افتعلوا وكونِه كذباً في اعتقادهم أيضاً ، وكلمةُ ( ما ) استفهاميةٌ وقعت مبتدأً وظن خبرُها ومفعولاه محذوفان وقوله عز وجل : { يَوْمُ القيامة } ظرفٌ لنفس الظنِّ ، أي أيُّ شيءٍ ظنُّهم في ذلك اليوم ، يومَ عرضِ الأفعال والأقوالِ والمجازاة عليها مثقالاً بمثقال ، والمرادُ تهويلُه وتفظيعُه بهول ما يتعلق به مما يُصنع بهم يومئذ ، وقيل : هو ظرفٌ لما يتعلق به ظنُّهم اليومَ من الأمور التي ستقع يوم القيامة تنزيلاً له ولِما فيه من الأحوال لكمال وضوحِ أمرِه في التقرير والتحققِ منزلةَ المسلم عندهم أي أيُّ شيء ظنُّهم لما سيقع يوم القيامة؟ أيحسبون أنهم لا يُسألون عن افترائهم أو لا يجازون عليه أو يجازون جزاءً يسيراً ولأجل ذلك يفعلون ما يفعلون؟ كلا إنهم لفي أشدِّ العذاب لأن معصيتَهم أشدُّ المعاصي ، ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً ، وقرىء على لفظ الماضي ، أي أيُّ ظنَ ظنوا يوم القيامة؟ وإيرادُ صيغةِ الماضي لأنه كائنٌ فكأنه قد كان { إِنَّ الله لَذُو فَضْلٍ } أي عظيم لا يُكتنه كنهُه { عَلَى الناس } أي جميعاً حيث أنعم عليهم بالعقل المميّز بين الحقِّ والباطلِ والحسَنِ والقبيحِ ورحِمهم بإنزال الكتبِ وإرسالِ الرسلِ وبيّن لهم الأسرارَ التي لا تستقلُ العقولُ في إدراكها وأرشدهم إلى ما يُهمّهم من أمر المعاشِ والمعاد { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ } تلك النعمةَ الجليلةَ فلا يصرِفون قُواهم ومشاعرَهم إلى ما خُلقت له ولا يتبعون دليلَ الشرعِ فيما لا يدرك إلا به ، وقد تفضل عليهم ببيان ما سيلقَوْنه يوم القيامة فلا يلتفتون إليه فيقعون فيما يقعون فهو تذييلٌ لما سبق مقرِّرٌ لمضمونه . (3/280)
{ وَمَا تَكُونُ فِى شَأْنٍ } أي في أمر ، من شأنْتُ شأْنه أي قصدتُ قصدَه مصدر بمعنى المفعول { وَمَا تَتْلُواْ مِنْهُ } الضميرُ للشأنِ والظرفُ صفةٌ لمصدر محذوفٍ أي تلاوةً كائنةً من الشأن إذ هي معظمُ شؤونِه عليه السلام أو للتنزيل ، والإضمارُ قبل الذكر لتفخيم شأنِه ، ومن ابتدائيةٌ أو تبعيضيةٌ أو لله عز وجل ومن ابتدائيةٌ والتي في قوله تعالى : { مِن قُرْءانٍ } مزيدةٌ لتأكيد النفيِ أو ابتدائيةٌ على الوجه الأول وبيانية أو تبعيضيةٌ على الثاني والثالث { وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ } تعميمٌ للخطاب إثرَ تخصيصِه بمقتضى الكلِّ وقد رُوعي في كل من المقامين ما لا يليق به حيث ذُكر أولاً من الأعمال ما فيه فخامةٌ وجلالةٌ وثانياً ما يتناول الجليلَ والحقيرَ { إِلاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا } استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم أحوال المخاطبين بالأفعال الثلاثة أي ما تلابِسون بشيء منها حال من الأحوال إلا حالَ كونِنا رُقباءَ مطّلعين عليه حافظين له { إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ } أي تخوضون وتندفعون فيه ، وأصلُ الإفاضة الاندفاعُ بكثرة أو بقوة ، وحيث أريد بالأفعال السابقةِ الحالةُ المستمرَّةُ الدائمةُ المقارنةُ للزمان الماضي أيضاً أوثر في الاستثناء صيغةُ الماضي وفي الظرف كلمةُ إذ التي تفيد المضارعَ معنى الماضي { وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبّكَ } أي لا يبعُد ولا يغيب على علمه الشامل ، وفي التعرض لعنوان الربوبيةِ من الإشعار باللطف ما لا يخفى وقرىء بكسر الزاءِ { مِن مّثْقَالِ ذَرَّةٍ } كلمةُ مِنْ مزيدةٌ لتأكيد النفي أي ما يعزُب عنه ما يساوي في الثقل نملةً صغيرةً أو هباءً { فِي الارض وَلاَ فِى السماء } أي في دائرة الوجودِ والإمكان فإن العامة لا تعرِف سواهما ممكناً ليس في أحدهما أو متعلِّقاً بهما ، وتقديمُ الأرضِ لأن الكلامَ في حال أهلِها والمقصودُ إقامةُ البرهانِ على إحاطة علمِه تعالى بتفاصيلها وقوله تعالى : { وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك وَلا أَكْبَرَ إِلاَّ فِى كِتَابٍ مُّبِينٍ } كلامٌ برأسه مقرِّرٌ لما قبله ولا نافيةٌ للجنس وأصغرَ اسمُها وفي كتاب خبرُها وقرىء بالرفع على الابتداء والخبر ( في كتاب ) .
ومن عطفَ على لفظ مثقالِ ذرةٍ وجعل الفتحَ بدلَ الكسرِ لامتناع الصرف أو على محله مع الجار جعلَ الاستثناءَ منقطعاً كأنه قيل : لا يعزُب عن ربك شيءٌ ما ، لكنْ جميعُ الأشياء في كتاب مبين فكيف يعزُب عنه شيٌ منها؟ وقيل : يجوز أن يكون الاستثناءُ متصلاً ويعزُب بمعنى يَبينُ ويصدُر والمعنى لا يصدُر عنه تعالى شيءٌ إلا وهو في كتابٌ مبين . والمراد بالكتاب المبين اللوحُ المحفوظ . (3/281)
أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)
{ أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء الله } بيانٌ على وجه التبشير والوعدِ نتيجةٌ لأعمال المؤمنين وغايةٌ لما ذكر قبله من كونه تعالى مهيمناً على نبيه عليه السلام وأمتِه في كل ما يأتون وما يذرون وإحاطةِ علمه سبحانه بجميع ما في السماء والأرض وكونِ الكلِّ مثبتاً في الكتاب المبين بعد ما أشير إلى فظاعة حالِ المفترين على الله تعالى يوم القيامة وما سيعتريهم من الهول إشارةٌ إجماليةٌ على طريق التهديدِ والوعيد ، وصُدّرت الجملةُ بحرفي التنبيه والتحقيق لزيادة تقريرِ مضمونِها ، والوليُّ لغة القريبُ والمرادُ بأولياء الله خُلّصُ المؤمنين لقربهم الروحاني منه سبحانه وتعالى كما سيفصح عنه تفسيرهم { لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ } في الدارين من لُحوق مكروه { وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } من فواتِ مطلوبِ أي لا يعتريهم ما يوجب ذلك لا أنه يعتريهم لكنهم لا يخافون ولا يحزنون ولا أنه لا يعتريهم خوفٌ وحزنٌ أصلاً بل يستمرون على النشاط والسرورِ ، كيف لا واستشعارُ الخوفِ والخشيةِ استعظاماً لجلال الله سبحانه وهيبتِه واستقصاراً للجد والسعي في إقامة حقوقِ العبوديةِ من خصائص الخواصِّ والمقرَّبين ، والمرادُ بيانُ دوامِ انتفائِهما لا بيانُ انتفاءِ دوامِهما كما يوهمه كونُ الخبرِ في الجملة الثانية مضارِعاً لما مر مراراً من أن النفيَ وإن دخل على نفس المضارِع يفيد الاستمرارَ والدوامَ بحسب المقام ، وإنما لا يعتريهم ذلك لأن مقصِدَهم ليس إلا طاعةَ الله تعالى ونيلَ رضوانِه المستتبِعِ للكرامة والزُّلفى ، وذلك مما لا ريب في حصوله ولا احتمالَ لفواته بموجب الوعدِ بالنسبة إليه تعالى ، وأما ما عدا ذلك من الأمور الدنيويةِ المترددةِ بين الحصول والفوات فهي بمعزل من الانتظام في سلك مقصِدهم وجوداً وعدماً حتى يخافوا من حصول ضارِّها أو يحزنوا بفوات نافعِها . (3/282)
الَّذِينَ آَمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)
وقوله عز وجل : (3/283)
{ الذين ءامنوا } أي بكل ما جاء من عند الله تعالى : { وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } أي يقون أنفسَهم عما يحِقّ وقايتُها عنه من الأفعال والتروك وقايةً دائمةً حسبما يفيده الجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبلِ ( وهو ) بيانٌ وتفسيرٌ لهم وإشارةٌ إلى ما به نالوا ما نالوا على طريقة الاستئنافِ المبنيِّ على السؤال ، ومحلُّ الموصولِ الرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ كأنه قيل : مَنْ أولئك وما سببُ فوزِهم بتلك الكرامةِ؟ فقيل : هم الذين جمعوا بين الإيمانِ والتقوى المُفْضِيَيْن إلى كل خير المُنْحِيَيْن عن كل شر وقيل : محلُّه النصبُ أو الرفعُ على المدح أو على أنه وصفٌ مادحٌ للأولياء ، ولا يقدح في ذلك توسطُ الخبرِ ، والمرادُ بالتقوى المرتبةُ الثالثةُ منها الجامعةُ لما تحتها من مرتبة التوقي عن الشرك التي يفيدها الإيمانُ أيضاً ومرتبةِ التجنبِ عن كل ما يُؤثم من فعل وترك ، أعني تنزهَ الإنسانِ عن كل ما يشغل سرَّه عن الحق والتبتلِ إليه بالكلية وهي التقوى الحقيقيُّ المأمورُ به في قوله تعالى : { مّسْتَقِيمٍ ياأيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ } وبه يحصُل الشهودُ والحضورُ والقُرب الذي عليه يدورُ إطلاقُ الاسمِ عليه ، وهكذا كان حالُ كل من دخل معه عليه السلام تحت الخطاب بقوله عز وجل : { وَلاَ تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ } خلا أن لهم في شأن التبتّلِ والتنزّهِ درجاتٍ متفاوتةً حسب تفاوتِ درجاتِ استعدادتِهم الفائضةِ عليهم بموجب المشيئةِ المبنيةِ على الحِكَم الأبيةِ أقصاها ما انتهى إليه هممُ الأنبياءِ عليهم السلام حتى جمعوا بذلك بين رياستي النبوة والولايةِ يعُقْهم التعلقُ بعالم الأشباح عن الاستغراقِ في عالم الأرواح ولم تصُدَّهم الملابسةُ بمصالح الخلقِ عن التبتل إلى جناب الحقِّ لكمال استعدادِ نفوسِهم الزكيةِ المؤيدةِ بالقوة القدسيةِ ، فمَلاكُ أمرِ الولاية هو التقوى المذكورُ فأولياءُ الله هم المؤمنون المتقون ، ويقرُب منه ما قيل من أنهم الذين تولّى الله هدايتَهم بالبرهان وتولَّوُا القيامَ بحق عبوديةِ الله تعالى والدعوةِ إليه ولا يخالفه ما قيل من أنهم الذين يُذكرُ الله برؤيتهم لما رُوي عن سعيد بن جبير أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم سُئل مَنْ أولياءُ الله فقال : « هم الذين يُذكرُ الله برؤيتهم أي بسَمْتهم وإخباتهم وسكينتهم » ، ولا ما قيل من أنهم المتحابّون في الله لما رُوي ( عن عمرَ رضي الله عنه أنه قال : سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : « إن من عبادِ الله عباداً ليسوا بأنبياءَ ولا شهداءَ يغبِطُهم الأنبياءُ والشهداءُ يوم القيامة لمكانهم من الله » قالوا : يا رسولَ الله خبِّرنا من هم وما أعمالُهم فلعلنا نحبّهم ، قال : « هم قوم تحابُّوا في الله على غير أرحامٍ منهم ولا أموالٍ يتعاطَونها فوالله إن وجوهَهم لنورٌ وإنهم لعلى منابرَ من نور لا يخافون إذا خاف الناسُ ولا يحزنون إذا حزِن الناسُ »
فإن ما ذكر من حسن السَّمْت والسكينةِ المذكِّرةِ لله تعالى والتحابِّ في الله سبحانه من الأحكام الدنيويةِ اللازمة للإيمان والتقوى والآثارِ الخاصّةِ بهما الحقيقةِ بالتخصيص بالذكر لظهورها وقُربها من أفهام الناسِ قد أورد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم كلاًّ من ذلك حسبما يقتضيه مقامُ الإرشادِ والتذكيرِ ترغيباً للسائلين أو غيرِهم من الحاضرين فيما خصه بالذكر هناك من أحكامهم فلعلَّ الحاضرين أولاً كانوا محتاجين إلى إصلاح الحالِ من جهة الأقوالِ والأفعال والملابس ونحو ذلك ، والحاضرين ثانياً مفتقرين إلى تأليف قلوبِهم وعطِفها نحوَ المؤمنين الذين لا علاقة بينهم وبينهم من جهة النسبِ والقرابةِ وتأكيدِ ما بينهم من الأخوة الدينية ببيان عِظَم شأنِها ورفعةِ مكانتها وحُسن عاقبتِها ليُراعوا حقوقَها ويهجُروا من لا يوافقهم في الدين من أرحامهم ، وأما ما ذكر من أنه يغبِطُهم الأنبياءُ فتصويرٌ لحسن حالِهم على طريقة التمثيلِ . قال الكواشي : وهذا مبالغةٌ ، والمعنى لو فُرض قومٌ بهذه الصفة لكانوا هؤلاء وقيل : أولياءُ الله الذين يتولّونه بالطاعة ويتولاهم بالكرامة وجُعل قوله عز وجل : { الذين ءامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ } تفسيرا لتولّيهم إياه تعالى . (3/284)
لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآَخِرَةِ لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (64)
وقوله عز وجل : { لَهُمُ البشرى فِي الحياة الدنيا وَفِي الاخرة } تفسيراً لتولّيه تعالى إياهم ولا ريب في أن اعتبارَ القيد الأخيرِ في مفهوم الولايةِ عيرُ مناسبٍ لمقام ترغيبِ المؤمنين في تحصيلها والثباتِ عليها وبشارتِهم بآثارها ونتائجها مخِلٌّ بذلك إذ التحصيلُ إنما يتعلق بالمقدور والاستبشارُ لا يحصل إلا بما عُلم بوجود سببِه والقيدُ المذكور ليس بمقدور لهم حتى يحصّلوا الولاية بتحصيله ولا بمعلوم لهم عند حصولِه حتى يعرفوا حصولَ الولايةِ لهم ويستبشروا بمحاسنِ آثارِها بل التولي بالكرامة عينُ نتيجةِ الولاية فاعتبارُه في عنوان الموضوعِ ثم الإخبارُ بعدم الخوفِ والحزنِ مما لا يليق بشأن التنزيلِ الجليلِ ، فالذي يقتضيه نظمُه الكريمُ أن الأولَ تفسيرٌ للأولياء حسبما شُرح والثاني بيانٌ لما أولاهم من خيرات الدارين بعد بيانِ إنجائِهم من شرورهما ومكارههما ، والجملةُ مستأنفةٌ كما سبق كأنه قيل : هل لهم وراء ذلك من نعمة وكرامةٍ؟ فقيل لهم ما يسرّهم في الدارين ، وتقديمُ الأول لما أن التخليةَ سابقةٌ على التحلية مع ما فيه من مراعاة حقِّ المقابلةِ بين حسن حالِ المؤمنين وسوء حالِ المفترين ، وتعجيلُ إدخالِ المسرّةِ بتبشير الخلاصِ عن الأهوال وتوسيطُ البيانِ السابق بين بشارةِ الخلاص عن المحذور وبشارةِ الفوز بالمطلوب لإظهار كمالِ العناية بتفسير الأولياءِ مع الإيذان بأن انتفاءَ الخوف والحزنِ لاتقائهم عما يؤدّي إليهما من الأسباب ، والبُشرى مصدرٌ أريد به المبشَّرُ به من الخيرات العاجلةِ كالنصر والفتحِ والغنيمة وغيرُ ذلك والآجلةِ الغنيةِ عن البيان ، وإيثارُ الإبهام والإجمالِ للإيذان بكونه وراءَ البيان والتفصيلِ ، والظرفان في موقع الحالِ منه والعاملُ ما في الخبر من معنى الاستقرارِ أي لهم البشرى حالَ كونها في الحياة الدنيا وحالَ كونِها في الآخرة أي عاجلةً وآجلةً ، أو من الضمير المجرور أي حالَ كونِهم في الحياة الخ ، ومن البشرى العاجلةِ الثناءُ الحسنُ والذكرُ الجميلُ ومحبةُ الناس . (3/285)
عن أبي ذر رضي الله عنه قلت : يا رسولَ الله الرجلُ يعمل العملَ لله ويحبه الناسُ فقال عليه السلام : « تلك عاجلُ بشرى المؤمنين » هذا وقيل : البشرى مصدرٌ والظرفان متعلقان به . أما البُشرى في الدنيا فهي البشاراتُ الواقعةُ للمؤمنين المتقين في غير موضع من الكتاب المبين . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : « هي الرؤيا الصالحةُ يراها المؤمنُ أو تُرى له » وعنه عليه الصلاة والسلام : « ذهبت النبوةُ وبقيت المبشِّراتُ » وعن عطاء : لهم البشرى عند الموت تأتيهم الملائكةُ بالرحمة قال الله تعالى : { تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ الملئكة أَلاَّ تَخَافُواْ وَلاَ تَحْزَنُواْ وَأَبْشِرُواْ بالجنة } وأما البشرى في الآخرة فتلقِّي الملائكةِ إياهم مسلمين مبشَّرين بالفوز والكرامة وما يرون من بياض وجوهِهم وإعطاء الصحائفِ بأيْمانهم وما يقرؤون منها وغيرُ ذلك من البشارات فتكون هذه بِشارةً بما سيقع من البشارات العاجلةِ والآجلةِ المطلوبة لغاياتها لا لذواتها ، ولا يخفى أن صرفَ البشارة الناجزةِ عن المقاصد بالذات إلى وسائلها مما لا يساعده جلالةُ شأنِ التنزيل الكريم { لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ الله } لا تغييرَ لأقواله التي من جملتها مواعيدُه الواردةُ بشارةً للمؤمنين المتقين فتدخل فيها البشاراتُ الواردةُ هاهنا دخولاً أولياً ويثبُت امتناعُ الإخلافِ فيها ثبوتاً قطعياً ، وعلى تقدير كونِ المراد بالبشرى الرؤيا الصالحةَ فالمرادُ بعدم تبديل كلماتهِ تعالى ليس عدَم الخُلفِ بينهما وبين نتائجِها الدنيوية والأخرويةِ بل عدَم الخُلفِ بينهما وبين ما دل على ثبوتها ووقوعِها فيما سيأتي بطريق الوعد من قوله تعالى : { لَهُمُ البشرى } فتدبر .
{ ذلك } إشارةٌ إلى ما ذكر من أن لهم البشرى في الدارين { هُوَ الفوز العظيم } الذي لا فوزَ وراءَه وفيه تفسيرٌ فيما سبق ، وهاتيك الجملة والتي قبلها اعتراضٌ لتحقيق المبشَّر وتعظيمٌ شأنه ، وليس من شرطه أن يكون بعده كلامٌ متصل بما قبله ، أو هذه تذييلٌ والسابقة اعتراضٌ . (3/286)
وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (65) أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (66)
{ وَلاَ يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ } تسليةٌ للرسول صلى الله عليه وسلم عما كان يلقاه من جهتهم من الأذية الناشئةِ عن مقالاتهم الموحشةِ وتبشيرٌ له عليه الصلاة والسلام بأنه عز وجل ينصُره ويُعزّه عليهم ، إثرَ بيانِ أن له ولأتباعه أمْناً من كل محذورٍ وفوزاً بكل مطلوبٍ ، وقرىء ولا يُحْزِنك من أحزنه وهو في الحقيقة نهيٌ له عليه السلام عن الحزن كأنه قيل : لا تحزنْ بقولهم ولا تُبالِ بتكذيبهم وتشاورِهم في تدبير هلاكِك وإبطالِ أمرِك وسائرِ ما يتفوهون به في شأنك مما لا خيرَ فيه ، وإنما وُجِّه النهيُ إلى قولهم للمبالغة في نهيه عليه السلام عن الحزن لما أن النهيَ عن التأثير نهيٌ عن التأثر بأصله ونفيٌ له بالمرة وقد يوجّه النهيُ إلى اللازم والمرادُ هو النهيُ عن الملزوم كما في قولك : لا أُرَيَّنك هاهنا ، وتخصيصُ النهي عن الحزن بالإيراد مع شمول النفي السابقِ للحزن أيضاً لما أنه لم يكن فيه عليه السلام شائبةُ خوفٍ حتى ينهى عنه وربما كان يعنى به عليه السلام في بعض الأوقاتِ نوعُ حزنٍ فسُلِّيَ عن ذلك ، وقوله تعالى : { إِنَّ العزة } تعليلٌ للنهي على طريقة الاستئنافِ أي الغلبةَ والقهرَ { للَّهِ جَمِيعاً } أي في ملكته وسلطانِه لا يملك أحدٌ شيئاً منها أصلاً لا هم ولا غيرُهم فهو يقهرُهم ويعصِمُك منهم وينصُرك عليهم وقد كان كذلك فهي من جملة المبشرات العاجلة ، وقرىء بفتح ( أن ) على صريح التعليلِ أي لأن العزة لله { هُوَ السميع العليم } يسمع ما يقولون في حقك ويعلم ما يعزمون عليه وهو مكافِئُهم بذلك . { أَلا إِنَّ للَّهِ مَن فِى السموات وَمَن فِى الارض } أي العقلأَ من الملائكة والثقلين ، وتخصيصُهم بالذكر للإيذان بعدم الحاجةِ إلى التصريح بغيرهم فإنهم مع شرفهم وعلو طبقتهم إذا كانوا عبيداً له سبحانه مقهورين تحت قهرِه وملكته فما عداهم من الموجودات أولى بذلك وهو مع ما فيه من التأكيد لما سبق من اختصاص العزة بالله تعالى الموجبِ لسلوته عليه السلام وعدمِ مبالاتِه بالمشركين وبمقالاتهم تمهيدٌ لما لحِق من قوله تعالى : (3/287)
{ وَمَا يَتَّبِعُ الذين يَدْعُونَ مِن دُونِ الله شُرَكَاء } وبرهانٌ على بطلان ظنونِهم وأعمالِهم المبنيةِ عليها ، وما إما نافيةٌ وشركاءَ مفعولُ يتّبع ومفعولُ يدْعون محذوفٌ لظهوره أي ما يتّبع الذين يدعون من دون الله شركاءَ شركاءَ في الحقيقة وإن سمَّوْها شركاءَ فاقتُصر على أحدهما لظهور دلالتِه على الآخر ، ويجوز أن يكون المذكورُ مفعولَ يدعون ويكون مفعولُ يتّبع محذوفاً لانفهامه من قوله تعالى : { إِن يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظن } أي ما يتبعونه يقيناً إنما يتبعون ظنَّهم الباطلَ ، وإما موصولةٌ معطوفةٌ على مَنْ كأنه قيل : والله ما يتبعه الذين يدعون من دون الله شركاءَ أي وله شركاؤهم ، وتخصيصُهم بالذكر مع دخولهم فيما سبق عبارةٌ أو دلالةٌ للمبالغة في بيان بطلانِ اتباعِهم وفسادِ ما بنَوْه عليه من ظنهم شركاءَهم معبودين مع كونهم عبيداً له سبحانه ، وإما استفهاميةٌ أي وأيُّ شيءٍ يتّبعون أي لا يتبعون إلا الظنَّ والخيالَ الباطلَ كقوله تعالى :
{ مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ أَسْمَاء سَمَّيْتُمُوهَا } الخ ، وقرىء تدعون بالتاء فالاستفهامُ للتبكيت والتوبيخ كأنه قيل : وأي شيءٍ يتّبع الذين تدعونهم شركاءَ من الملائكة والنبيين تقريراً لكونهم متّبعين لله تعالى مطيعين له وتوبيخاً لهم على اقتدائهم بهم في ذلك كقوله تعالى : { أُولَئِكَ الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبّهِمُ الوسيلة } ثم صُرف الكلامُ عن الخطاب إلى الغَيبة فقيل : إنْ يتبعُ هؤلاء المشركون إلا الظنَّ ولا يتبعون ما يتبعه الملائكةُ والنبيون من الحق { وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَخْرُصُونَ } يكذبون فيما ينسُبونه إليه سبحانه ويحزَرون ويقدّرون أنهم شركاءُ تقديراً باطلاً . (3/288)
هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (67) قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (68)
{ هُوَ الذى جَعَلَ لَكُمُ اليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ والنهار مُبْصِراً } تنبيهٌ على تفرّده تعالى بالقدرة الكاملةِ والنعمةِ الشاملة ليدلّهم على توحّده سبحانه باستحقاق العبادة ، وتقريرٌ لما سلف من كون جميعِ الموجوداتِ الممكنةِ تحت قدرتِه وملكته المفصِحِ عن اختصاص العزةِ به سبحانه ، والجعلُ إن كان بمعنى الإبداعِ والخلق فمبصِراً حالٌ وإلا ( فلكم ) مفعولُه الثاني ، أو هو حالٌ كما في الوجه الأولِ والمفعولُ الثاني لتسكنوا فيه ، أو هو محذوفٌ يدل عليه المفعولُ الثاني من الجملة الثانيةِ كما أن العلةَ الغائيّةَ منها محذوفةٌ اعتماداً على ما في الأولى ، والتقديرُ هو الذي جعل لكم الليلَ مظلماً لتسكُنوا فيه والنهارَ مبصِراً لتتحركوا فيه لمصالحكم كما سيجيء نظيره في قوله تعالى : { وَإِن يَمْسَسْكَ الله بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ } الآية ، فحُذف في كل واحد من الجانبين ما ذكر في الآخر اكتفاءً بالمذكور عن المتروك ، وإسنادُ الإبصار إلى النهار مجازيٌّ كالذي في : نهارُه صائمٌ { إِنَّ فِى ذَلِكَ } أي في جعل كلَ منهما كما وُصف أو فيهما ، وما في اسم الإشارةِ من معنى البُعد للإيذان ببُعد منزلةِ المشارِ إليه وعلوِّ رتبته { لاَيَاتٍ } عجيبةً كثيرةً أو آياتٍ أُخَرَ غيرَ ما ذكر { لِّقَوْمٍ يَسْمَعُونَ } أي هذه الآياتِ المتلوةَ ونظائرَها المنبّهةَ على تلك الآيات التكوينيةِ الآمرةِ بالتأمل فيها سماعَ تدبرٍ واعتبار فيعملون بمقتضاها ، وتخصيصُ الآيات بهم مع أنها منصوبة لمصلحة الكل لما أنهم المنتفعون بها { قَالُواْ } شروعٌ في ذكر ضربٍ آخرَ من أباطيلهم وبيانُ بطلانه { اتخذ الله وَلَدًا } أي تبنّاه { سبحانه } تنزيهٌ وتقديس له عما نسبوا إليه وتعجيبٌ من كلمتهم الحمقاء { هُوَ الغنى } على الإطلاق عن كل شيءٍ في كل شيء وهو علةٌ لتنزيهه سبحانه وإيذانٌ بأن اتخاذَ الولدِ من أحكام الحاجةِ وقوله عز وجل : { لَّهُ مَا فِي السموات وَمَا فِي الارض } أي من العقلاء وغيرِهم ، تقريرٌ لغناه وتحقيقٌ لمالكيته تعالى لكل ما سواه وقوله تعالى : { إِنْ عِندَكُمْ مّن سُلْطَانٍ } أي حجة { بهذا } أي بما ذكر من قولهم الباطلِ وتوضيحٌ لبطلانه بتحقيق سلامةِ ما أقيم من البرهان الساطِع عن المعارض ، فِمنْ في قوله تعالى : { مّن سلطان } زائدةٌ لتأكيد النفي وهو مبتدأٌ والظرفُ المقدم خبرُه أو مرتفعٌ على أنه فاعلٌ للظرف لاعتماده على النفي وبهذا متعلقٌ إما بسلطان لأنه بمعنى الحجةِ والبرهانِ وإما بمحذوف وقعَ صفةً له وإما بما في ( عندكم ) من معنى الاستقرارِ ، كأنه قيل : إن عندكم في هذا القول من سلطان ، والالتفاتُ إلى الخطاب لمزيد المبالغةِ في الإلزام والإفحام وتأكيدِ ما في قوله تعالى : { أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } من التوبيخ والتقريعِ على جهلهم واختلاقِهم ، وفيه تنبيه على أن كل مقالةٍ لا دليلَ عليها فهي جهالةٌ وأن العقائدَ لا بد لها من برهان قطعيَ وأن التقليدَ بمعزل من الاعتداد به . (3/289)
قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (69) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (70)
{ قُلْ } تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليبين لهم سوءَ مغبّتِهم ووخامةَ عاقبتِهم { إِنَّ الذين يَفْتَرُونَ عَلَى الله الكذب } أي في كل أمر فيدخل ما نحن بصدده من الافتراء بنسبة الولدِ والشريكِ إليه سبحانه دخولاً أولياً { لاَ يُفْلِحُونَ } أي لا ينجُون من مكروه ولا يفوزون بمطلوب أصلاً وتخصيصُ عدم النجاةِ والفوز بما يندرج في ذلك من عدم النجاةِ من النار وعدمِ الفوز بالجنة لا يناسب مقامَ المبالغة في الزجر عن الافتراء عليه سبحانه { متاع فِى الدنيا } كلامٌ مستأنفٌ سيق لبيان أن ما يتراءى فيهم بحسب الظاهرِ من نيل المطالبِ والفوزِ بالحظوظ الدنيويةِ على الإطلاق أو في ضمن افترائِهم بمعزل من أن يكون من جنس الفلاحِ كأنه قيل : كيف لا يُفلحون وهم في غِبطة ونعيم؟ فقيل : هو متاعٌ يسير في الدنيا وليس بفوز بالمطلوب ، ثم أشير إلى انتفاء النجاةِ عن المكروه أيضاً بقوله عز وعلا : { ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ } أي بالموت . { ثُمَّ نُذِيقُهُمُ العذاب الشديد بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } فيبقَوْن في الشقاء المؤبدِ بسبب كفرِهم المستمرِّ أو بكفرهم في الدنيا فأين هم من الفلاح ، وقيل : المبتدأُ المحذوف حياتُهم أو تقلُّبهم ، وقد قيل : إنه افتراؤُهم ، ولا يخفى أن المتاعَ إنما يطلق على ما يكون مطبوعاً عند النفسِ مرغوباً فيه في نفسه يُتمتع ويُنتفع به ، وإنما عدمُ الاعتدادِ به لسرعة زوالهِ ، ونفسُ الافتراء عليه سبحانه أقبحُ القبائح عند النفس فضلاً عن أن يكون مطبوعاً عندها وعده كذلك باعتبار إجراءِ حكمِ ما يؤدي إليه من رياستهم عليه مما لا وجهَ له ، فالوجهُ ما ذكر أولاً ، وليس ببعيد ما قيل : أن المحذوفَ هو الخبرُ أي لهم متاعُ والآية إما مسوقةٌ من جهة الله تعالى لتحقيق عدم إفلاحِهم غيرُ داخلةٍ في الكلام المأمورِ به كما يقتضيه ظاهرُ قولِه تعالى : { ثُمَّ نُذِيقُهُمُ } وإما داخلةٌ فيه على أن النبي عليه الصلاة والسلام مأمورٌ بنقله وحكايتِه عنه عز وجل . (3/290)
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآَيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (71)
{ واتل عَلَيْهِمْ } أي على المشركين من أهل مكةَ وغيرِهم لتحقيق ما سبق من أنهم لا يفلحون وأن ما يتمعون به على جناح الفواتِ وأنهم مشرِفون على العذاب الخالد { نَبَأَ نُوحٍ } أي خبرَه الذي له شأنٌ وخطر مع قومه الذين هم أضرابُ قومِك في الكفر والعنادِ ليتدبروا ما فيه من زوال ما تمتعوا به من النعيم وحلولِ عذابِ الغرق الموصولِ بالعذاب المقيمِ لينزجروا بذلك عما هم عليه من الكفر أو تنكسر شدةُ شكيمتهم أو يعترف بعضُهم بصحة نبوءتِك بأن عرفوا أن ما تتلوه موافقٌ لما ثبت عندهم من غير مخالفةٍ بينهما أصلاً مع علمهم بأنك لم تسمَعْ ذلك من أحد ليس إلا بطريق الوحي ، وفيه من تقرير ما سبق من كون الكلِّ لله سبحانه واختصاصِ العزةِ به تعالى وانتفاءِ الخوفِ والحزن عن أوليائه عز وعلا قاطبةً وتشجيعِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وحملِه على عدم المبالاة بهم وبأقوالهم وأفعالهم ما لا يخفى . (3/291)
{ إِذْ قَالَ } معمولٌ لنبأَ أو بدلٌ منه بدلَ اشتمالٍ ، وأياً ما كان فالمرادُ بعضُ نَبئِه عليه السلام لا كلُّ ما جرى بينه وبين قومه واللامُ في قوله تعالى : { لِقَوْمِهِ } للتبليغ { ياقوم إِن كَانَ كَبُرَ } أي عظمُ وشقّ { عَلَيْكُمْ مَّقَامِى } أي نفسي كما يقال : فعلتُه لمكان فلان ، أي لفلان ومنه قوله تعالى : { وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبّهِ } أي خاف ربَّه أو قيامي ومُكثي بين ظَهْرانيكم مدةً طويلة أو قيامي { وَتَذْكِيرِى بِآيَاتِ الله } فإنهم كانوا إذا وعَظوا الجماعةَ يقومون على أرجلهم والجماعةُ قعودٌ ليظهر حالُهم ويُسمع مقالُهم { فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ } جوابٌ للشرط أي دمت على تخصيص التوكلِ به تعالى ، ويجوز أن يراد به إحداثُ مرتبةٍ مخصوصة من مراتب التوكل { فَأَجْمِعُواْ أَمْرَكُمْ } عطفٌ على الجواب ، والفاءُ لترتيب الأمرِ بالإجماع على التوكل لا لترتيب نفسِ الإجماعِ عليه أو هو الجوابُ وما سبق جملةٌ معترضةٌ ، والإجماعُ العزم قيل : هو متعدَ بنفسه وقيل : فيه حذفٌ وإيصال . قال السدوسي : أجمعتُ الأمرَ أفصحُ من أجمعت عليه وقال أبو الهيثم : أجمع أمرَه جعله مجموعاً بعد ما كان متفرقاً ، وتفرُّقُه أنه يقول : مرة أفعلُ كذا وأخرى أفعل كذا وإذا عزم على أمر واحدٍ فقد جمعه أي جعله جميعاً { وَشُرَكَاءكُمْ } بالنصب على أن الواو بمعنى مع كما تدل عليه القراءةُ بالرفع عطفاً على الضمير المتصل تنزيلاً للفصل منزلةَ التأكيدِ ، وإسنادُ الإجماعِ إلى الشركاء على طريقة التهكم ، وقيل : إنه عطفٌ على أمرَكم بحذف المضافِ أي أمرَ شركائِكم وقيل : منصوبٌ بفعل محذوفٍ أي وادعوا شركاءَكم وقد قرىء كذلك وقرىء فاجْمعوا من الجمع ، أي فاعزِموا على أمركم الذين تريدون بي من السعي في إهلاكي واحتشِدوا فيه على أي وجه يمكنكم { ثُمَّ لاَ يَكُنْ أَمْرُكُمْ } ذلك { عَلَيْكُمْ غُمَّةً } أي مستوراً من غمّه إذا ستره ، بل مكشوفاً مشهوراً تجاهرونني به فإن السرَّ إنما يُصار إليه لسد باب تدارُك الخلاصِ بالهرب أو نحوه ، فحيث استحال ذلك في حقي لم يكن للسر وجهٌ وإنما خاطبهم عليه السلام بذلك إظهاراً لعدم المبالاةِ بهم وأنهم لم يجدوا إليه سبيلاً وثقةً بالله سبحانه وبما وعده من عصمته وكَلاءتِه ، فكلمةُ ثمّ للتراخي في الرتبة ، وإظهارُ الأمر في موقع الإضمارِ لزيادة تقريرٍ يقتضيها مقامُ الأمرِ بالإظهار الذي يستلزمه النهيُ عن التستر والإسرار ، قيل : المرادُ بأمرهم ما يعتريهم من جهته عليه السلام من الحال الشديدةِ عليهم المكروهةِ لديهم ، والغُمة والغمّ كالكُربة والكرب وثم للتراخي الزماني ، والمعنى لا يكن حالُكم عليكم غمةً وتخلّصوا بإهلاكي من ثِقَل مقامي وتذكيري ، ولا يخفى أنه لا يساعده قولُه عز وجل { ثُمَّ اقضوا إِلَىَّ وَلاَ تُنظِرُونَ } أي أدّوا إليّ أي أحكِمُوا ذلك الأمرَ الذي تريدون بي ولا تمهلوني كقوله تعالى :
{ وَقَضَيْنَآ إِلَيْهِ ذَلِكَ الامر } أو أدوا إلي ما هو حقٌّ عليكم عندكم من إهلاكي كما يقضي الرجلُ غريمَه ، فإن توسيطَ ما يحصل بعد الإهلاك بين الأمر بالعزم على مباديه وبين الأمر بقضائه من قبيل الفصلِ بين الشجرِ ولِحائِه ، وقرىء أفضوا بالفاء أي انتهوا إليّ بشرّكم أو ابرُزوا إليّ ، من أفضى إذا خرج إلى الفضاء . (3/292)
فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (72) فَكَذَّبُوهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَجَعَلْنَاهُمْ خَلَائِفَ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُنْذَرِينَ (73)
{ فَإِن تَوَلَّيْتُمْ } الفاءُ لترتيب التولِّي على ما سبق فالمرادُ به إما الاستمرارُ عليه وإما إحداثُ التولّي المخصوصِ ، أي إن أعرضتم عن نصيحتي وتذكيري إثرَ ما شاهدتم مني من مخايل صحةِ ما أقول ودلائلِها التي من جملتها دعوتي إياكم جميعاً إلى تحقيق ما تريدون بي من السوء غيرَ مبالٍ بكم وبما يأتي منكم وإحجامُكم من الإجابة علماً منكم بأني على الحق المبين مؤيدٌ من عند الله العزيز { فَمَا سَأَلْتُكُمْ } بمقابلة وعظي وتذكيري { مِنْ أَجْرٍ } تؤدّونه إلي حتى يؤدي ذلك إلى توليكم إما لاتهامكم إياي بالطمع والسؤالِ وإما لثقلِ دفع المسؤولِ عليكم أو حتى يضرّني توليكم المؤدِّي إلى الحرمان ، فالأولُ لإظهار بطلان التولي ببيان عدمِ ما يصححه والثاني لإظهار عدم مبالاتِه عليه السلام بوجوده وعدمه ، وعلى التقديرين فالفاء الجزائيةُ لسببية الشرطِ لإعلام مضمونِ الجزاءِ لا لنفسه ، والمعنى إن توليتم فاعلموا أن ليس في مصحِّح له ولا تأثّرٍ منه وقوله عز وجل : { إِنْ أَجْرِىَ إِلاَّ عَلَى الله } ينتظم المعنيين جميعاً خلا أنه على الأول تأكيدٌ وعلى الثاني تعليلٌ لاستغنائه عليه السلام عنه أي ما ثوابي على العِظة والتذكير إلا عليه تعالى يُثيبني به آمنتم أو توليتم { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ المسلمين } المنقادين لحكمه لا أخالف أمرَه ولا أرجو غيرَه أو المستسلمين لكل ما يصيب من البلاء في طاعة الله تعالى { فَكَذَّبُوهُ } فأصروا على ما هم عليه من التكذيب بعدما ألزمهم الحجةَ وبيّن لهم المَحَجّةَ وحقق أن تولّيَهم ليس له سببٌ غيرُ التمردِ والعناد فلا جرم حقت عليهم كلمةُ العذاب { فَنَجَّيْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ فِى الفلك } من المسلمين وكانوا ثمانين { وَجَعَلْنَاهُمْ خَلاَئِفَ } من الهالكين { وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا } أي بالطوفان ، وتأخيرُ ذكره عن ذكر الإنجاءِ والاستخفاف حسبما وقع في قوله عز وعلا : { وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مّنَّا وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ } وغيرِ ذلك من الآيات الكريمة لإظهار كمالِ العناية بشأنِ المقدّمِ ولتعجيل المسرةِ للسامعين وللإيذان بسبق الرحمةِ التي هي من مقتضيات الربوبية على الغضب الذي هو من مستتبعات جرائمِ المجرمين { فانظر كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المنذرين } تهويلٌ لما جرى عليهم وتحذيرٌ لمن كذب الرسولَ عليه الصلاة والسلام وتسليةٌ له صلى الله عليه وسلم . (3/293)
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ نَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِ الْمُعْتَدِينَ (74)
{ ثُمَّ بَعَثْنَا } أي أرسلنا { مِن بَعْدِهِ } أي من بعد نوحٍ عليه السلام { رُسُلاً } التنكير للتفخيم ذاتاً ووصفاً أي رسلاً كراماً ذوي عددٍ كثير { إلى قَوْمِهِمْ } أي إلى أقوامهم لكن لا بأن أرسلنا كلَّ رسولٍ منهم إلى أقوام الكل أو إلى قوم ما ، أيَّ قومٍ كانوا بل كلُّ رسولٍ إلى قومه خاصة مثلُ هودٍ إلى عاد وصالحٍ إلى ثمودَ وغير ذلك ممن قُصَّ منهم ومن لم يُقَصّ { فَجَاءوهُم } أي جاء كلُّ رسولٍ قومَه المخصوصين به { بالبينات } أي المعجزات الواضحةِ الدالةِ على صدق ما قالوا والباءُ إما متعلقةٌ بالفعل المذكورِ على أنها للتعدية أو بمحذوف وقع حالاً من ضمير جاءوا أي ملتبسين بالبينات ، لكن لا بأن يأتيَ كلُّ رسولٍ ببينة واحدة بل ببينات كثيرة خاصةٍ به معينةٍ له حسب اقتضاءِ الحِكمة فإنَّ مراعاةَ انقسامِ الآحاد إلى الآحاد إنما هي فيما بين ضميري جاءوهم كما أشير إليه { فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } بيانٌ لاستمرار عدمِ إيمانهم في الزمان الماضي لا لعدم استمرارِ إيمانِهم كما مر مثلُه في هذه السورة الكريمة غيرَ مرة أي فما صح وما استقام لقوم من أولئك الأقوامِ في وقت من الأوقات أن يؤمنوا بل كان ذلك ممتنعاً منهم لشدة شكيمتِهم في الكفر والعناد ، ثم إن كان المحكيُّ آخرَ حال كلِّ قومٍ حسبما يدل عليه حكايةُ قوم نوحٍ فالمراد بعدم إيمانِهم المذكورِ هاهنا إصرارُهم على ذلك بعد اللتيا والتي وبما أشير إليه في قوله عز وجل : { بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ مِن قَبْلُ } تكذيبُهم من حيث مجيءِ الرسلِ إلى زمان الإصرارِ والعناد وإنما لم يُجعل ذلك مقصوداً بالذات كالأول حيث جُعل صلةً للموصول إيذاناً بأنه بيِّنٌ بنفسه غنيٌّ عن البيان ، وإنما المحتاجُ إلى ذلك عدمُ إيمانِهم بعد تواترِ البيناتِ الظاهرةِ وتظاهُرِ المعجزاتِ الباهرةِ التي كانت تَضْطَرُّهم إلى القَبول لو كانوا من أصحاب العقول ، والموصولُ الذي تعلق به الإيمانُ والتكذيب سلباً وإيماناً عبارةٌ عن جميع الشرائعِ التي جاء بها كلُّ رسولٍ أصولِها وفروعِها . (3/294)
وإن كان المحكيُّ جميعَ أحوالِ كل قومٍ منهم فالمرادُ بما ذُكر أولاً كفرُهم المستمرُّ من حين مجيءِ الرسلِ إلى آخره ، وبما أشير إليه آخراً تكذيبُهم قبل مجيئِهم فلا بد من كون الموصولِ المذكور عبارةً عن أصول الشرائعِ التي أجمعت عليها الرسلُ قاطبةً ودعَوا أممَهم إليها آثرَ ذي أثيرٍ لاستحالة تبدلِها وتغيرها مثلُ ملة التوحيد ولوازمِها ، ومعنى تكذيبهم بها قبل مجيء رسلهم أنهم ما كانوا في زمن الجاهلية بحيث لم يسمعوا بكلمة التوحيد قط بل كان كلُّ قومٍ من أولئك الأقوام يتسامعون بها من بقايا من قبلهم كثمودَ من بقايا عادٍ وعادٍ من بقايا قوم نوحٍ عليه السلام فيكذبونها ثم كانت حالتُهم بعد مجيء الرسلِ كحالتهم قبل ذلك كأن لم يُبعث إليهم أحدٌ ، وتخصيصُ التكذيبِ وعدمِ الإيمان بما ذكر من الأصول لظهور حال الباقي بدِلالة النص ، فإنهم حيث لم يؤمنوا بما أجمعت عليه كافةُ الرسلِ فلأَن لا يؤمنوا بما تفرَّد به بعضُهم أولى ، وعدمُ جعل هذا التكذيبِ مقصوداً بالذات لِما أن عليه يدورُ أمرُ العذابِ والعقابِ عند اجتماعِ المكذِّبين هو التكذيبُ الواقعُ بعد الدعوةِ حسبما يُعرب عنه قوله تعالى :
{ وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } وإنما ذُكر ما وقع قبلها بياناً لعراقتهم في الكفر والتكذيبِ ، وعلى التقديرين فالضمائرُ الثلاثةُ متوافقةٌ في المرجع ، وقيل : ضميرُ كذبوا راجعٌ إلى قوم نوحٍ عليه السلام ، والمعنى فما كان قومُ الرسلِ ليؤمنوا بما كَذب بمثله قومُ نوح ، ولا يخفى ما فيه من التعسف ، وقيل : الباءُ للسببية أي بسبب تعوُّدِهم تكذيبَ الحقِّ وتمرُّنِهم عليه قبل بعثة الرسلِ ، ولا يخفى أن ذلك يؤدّي إلى مخالفة الجمهورِ من جعل ما المصدريةِ من قبيل الأسماءِ كما هو رأيُ الأخفشِ وابنِ السرّاج ليرجِع إليها الضميرُ وفي إرجاعه إلى الحق بادعاء كونِه مركوزاً في الأذهان ما لا يخفى من التعسف { كذلك } أي مثلَ ذلك الطبعِ المُحكَم { نَطْبَعُ } بنون العظمةِ وقرىء بالياء على أن الضميرَ لله سبحانه { على قُلوبِ المعتدين } المتجاوزين عن الحدود المعهودةِ في الكفر والعناد المتجافين عن قَبول الحق وسلوكِ طريقِ الرشادِ ، وذلك بخذلانهم وتخليتهم وشأنَهم لانهماكهم في الغيّ والضلالِ وفي أمثال هذا دلالةٌ على أن الأفعالَ واقعةٌ بقدرة الله تعالى وكسب العبد . (3/295)
ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ بِآَيَاتِنَا فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (75) فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (76)
{ ثُمَّ بَعَثْنَا } عطفٌ على قوله تعالى : { ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِ رُسُلاً إلى قَوْمِهِمْ } عطفَ قصةٍ على قصة { مّن بَعْدِهِمْ } أي من بعد أولئك الرسلِ عليهم السلام { موسى وهارون } خُصّت بعثتُهما عليهما السلام بالذكر ولم يُكتفَ باندراج خبرِهما فيما أشير إليه إجمالاً من أخبار الرسل عليهم السلام مع أقوامهم وأُوثر في ذلك ضربُ تفصيلٍ إيذاناً بخطر شأنِ القصةِ وعِظَمِ وقعها كما في نبأ نوح عليه السلام { إلى فِرْعَوْنَ وَمَلإِيْهِ } أي أشرافِ قومِه ، وتخصيصُهم بالذكر لأصالتهم في إقامة المصالحِ والمُهمّات ومراجعةِ الكل إليهم في النوازل والملمات { بئاياتنا } أي ملتبسين بها وهي الآياتُ المفصّلات في الأعراف { فاستكبروا } الاستكبارُ ادعاءُ الكِبْر من غير استحقاقٍ والفاءُ فصيحة أي فأتيَاهم فبلغاهم الرسالةَ فاستكبروا عن اتباعهما وذلك قولُ اللعين لموسى عليه السلام : { أَلَمْ نُرَبّكَ فِينَا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ } الخ ، { وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله أي كانوا معتادين لارتكاب الذنوبِ العظامِ فإن الإجرامَ مؤذنٌ بعظم الذنبِ ومنه الجِرمُ أي الجثة فلذلك اجترأوا على ما اجترأوا عليه من الاستهانة برسالةِ الله تعالى ، وحملُ الاستكبارِ على الامتناع عن قَبول الآيات لا يساعده قولُه عز وعلا : { فَلَمَّا جَاءهُمُ الحق مِنْ عِندِنَا قَالُواْ إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ } فإنه صريحٌ في أن المرادَ باستكبارهم ما وقع منهم قبل مجيءِ الحقِّ الذي سمَّوه سحراً أعني العصا واليدَ البيضاءَ كما ينبىء عنه سياقُ النظمِ الكريم وذلك أولُ ما أظهره عليه السلام من الآياتِ العظام والفاء فيه أيضاً فصيحةٌ معربةٌ عما صرّح به في مواضعَ أُخَرَ كأنه قيل : قال موسى : { قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيّنَةٍ مّن رَّبّكُمْ } إلى قوله تعالى : { فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء للناظرين } فلما جاءهم الحقُّ من عندنا وعرَفوه قالوا من فَرْط عتوِّهم وعِنادِهم : إن هذا لسحرٌ مبين ، أي ظاهرٌ كونُه سحراً ، أو فائقٌ في بابه واضحٌ فيما بين أضرابِه ، وقرىء لساحر . (3/296)
قَالَ مُوسَى أَتَقُولُونَ لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَكُمْ أَسِحْرٌ هَذَا وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُونَ (77) قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آَبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ (78) وَقَالَ فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (79) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (80) فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ (81)
{ قَالَ موسى } استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال تنساق إليه الأذهانُ كأنه قيل : فماذا قال لهم موسى حينئذٍ؟ فقيل : قال على طريقة الاستفهامِ الإنكاريِّ التوبيخيِّ : { أَتقُولُونَ لِلْحَقّ } الذي هو أبعدُ شيءٍ من السحر الذي هو الباطلُ البحتُ { لَمَّا جَاءكُمْ } أي حين مجيئِه إياكم ووقوفِكم عليه أو من أول الأمر من غير تأمل وتدبرٍ ، وكلا الحالين مما ينافي القولَ المذكور ، والمقولُ محذوفٌ ثقةً بدِلالة ما قبله وما بعده عليه وإيذاناً بأنه مما لا ينبغي أن يُتفوَّه به ولو على نهج الحكاية ، أي أتقولون له ما تقولون من أنه سحرٌ يعني به أنه مما لا يمكن أن يقوله قائلٌ ويتكلمَ به متكلمٌ أو القول بمعنى العيب والطعن ، من قولهم : فلان يخاف القالَةَ ، وبين الناسِ تقاولٌ إذا قال بعضهم لبعض ما يسوؤه ونظيرُه الذكرُ في قوله تعالى : { سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ } الخ ، فيُستغنى عن المفعول أي أتعيبونه وتطعنون فيه وعلى الوجهين فقوله عز وجل : { أَسِحْرٌ هذا } إنكارٌ مستأنفٌ من جهته عليه السلام لكونه سحراً وتكذيبٌ لقولهم وتوبيخٌ لهم على ذلك إثرَ توبيخٍ وتجهيلٌ بعد تجهيلٍ ، أما على الأول فظاهرٌ وأما على الثاني فوجهُ إيثارِ إنكارِ كونه سحراً على إنكار كونِه معيباً بأن يقال مثلاً : أفيه عيبٌ حسبما يقتضيه ظاهرُ الإنكارِ السابق التصريحَ بالرد عليهم في خصوصية ما عابوه به بعد التنبيهِ بالإنكار السابقِ على أن ليس فيه شائبةُ عيبٍ ما وما في هذا من معنى القربِ لزيادة تعيينِ المشارِ إليه واستحضارِ ما فيه من الصفات الدالةِ على كونه آيةً باهرةً من آيات الله المناديةِ على امتناع كونِه سحراً أي أسحرٌ هذا الذي أمرُه واضحٌ مكشوفٌ وشأنُه مشاهَدٌ معروفٌ بحيث لا يرتاب فيه أحدٌ ممن له عين مبُصِرةٌ وتقديمُ الخبر للإيذان بأنه مُنْصَبُّ الإنكارِ ولما استلزَم كونُه سحراً كونَ من أتى به ساحراً أكِّد الإنكارُ السابق وما فيه من التوبيخ والتجهيل بقوله عز وجل : { وَلاَ يُفْلِحُ الساحرون } وهو جملةٌ حالية من ضمير المخاطَبين والرابطُ هو الواو بلا ضمير كما في قول من قال : (3/297)
جاء الشتاءُ ولست أملِك عُدّةً ... وقولِك : جاء وحده زيدٌ ولم تطلُع الشمس أي أتقولون للحق إنه سحرٌ والحالُ أنه لا يُفلح فاعلُه أي لا يظفَر بمطلوب ولا ينجو من مكروه فكيف يمكن صدورُه من مثلي من المؤيَّدين من عند الله العزيزِ الحكيم الفائزين بكل مطلب الناجين من كل محذورٍ وقوله تعالى : { أَسِحْرٌ هذا } جملةٌ معترضةٌ بين الحال وصاحبِها أكّد بها الإنكارُ السابقُ ببيان استحالةِ كونه سحراً بالنظر إلى ذاته قبل بيانِ استحالتِه بالنظر إلى صدوره عنه عليه السلام هذا ، وأما تجويزُ أن يكون الكلُّ مقولَ القولِ على أن المعنى أجئتما السحر تطلُبان به الفلاحَ ولا يفلح الساحرون؟ فمما لا يساعده النظمُ الكريم أصلاً أما أولاً فلأن ما قالوا هو الحكمُ بأنه سحرٌ من غير أن يكون فيه دِلالةٌ على ما تعسف فيه من المعنى بوجه من الوجوه فصرفُ جوابِه عليه السلام عن صريح ما خاطبوه به إلى ما لا يُفهم منه أصلاً مما يجب تنزيهُ النظمِ التنزيليِّ عن الحمل على أمثاله وأما ثانياً فلأن التعرضَ لعدم إفلاحِ السحرةِ على الإطلاق من وظائف من يتمسك بالحق المبينِ دون الكثرةِ المتشبثين بأذيال بعضٍ منهم في معارضته عليه السلام ولو كان ذلك من كلامهم لناسب تخصيصَ عدم الإفلاح بمن زعموه ساحراً بناءً على غلبة من يأتون به من السحرة وأما ثالثاً فلأن قولَه عز وجل : { قَالُواْ أَجِئْتَنَا } الخ ، مسوقٌ لبيان أنه عليه السلام ألقمهم الحجرَ فانقطعوا عن الإتيان بكلام له تعلقٌ بكلامه عليه السلام فضلاً عن الجواب الصحيحِ واضطروا إلى التشبّث بذيل التقليدِ الذي هو دأبُ كل عاجزٍ محجوجٍ وديدنُ كلِّ عاجزٍ على أنه استئنافٌ وقع جواباً عما قبله من كلامه عليه السلام على طريقة قوله تعالى : { قَالَ موسى } الخ ، حسبما أشير إليه ، كأنه قيل : فماذا قالوا لموسى عليه السلام عندما قال لهم ما قال؟ فقيل : قالوا عاجزين عنه المحاجّة : أجئتنا { لِتَلْفِتَنَا } أي لتصْرِفنا فإن الفتلَ واللفتَ أخوَان { عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءابَاءنَا } أي من عبادة الأصنامِ ، ولا ريب في أن ذلك إنما يتسنى بكون ما ذكر من تتمة كلامِه عليه السلام على الوجه الذي شرح إذ على تقدير كونِه محكياً من قِبَلهم يكون جوابُه عليه السلام خالياً من التبكيت الملجىءِ لهم إلى العدول عن سنن المُحاجّة ولا ريب في أنه لا علاقةَ بين قولِهم : أجئتنا الخ ، وبين انكارِه عليه السلام لما حُكيَ عنهم مصححةٌ لكونه جواباً عنه { وَتَكُونَ لَكُمَا الكبرياء } أي المُلكُ أو التكبرُ على الناس باستتباعهم وقرىء ويكون بالياء التحتانية .
وكلمة «في» في قوله تعالى : { فِى الارض } أي أرض مصرَ متعلقةٌ بتكون أو بالكبرياء أو بالاستقرار في لكما لوقوعه خبراً أو بمحذوف وقع حالاً من الكبرياء أو من الضمير في لكما لتحمُّله إياه { وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } أي بمصدّقين فيما جئتما به وتثنيةُ الضمير في هذين الموضعين بعد إفرادِه فيما تقدم من المقامين باعتبار شمولِ الكبرياءِ لهما عليهما السلام واستلزامِ التصديقِ لأحدهما التصديقَ للآخر ، وأما اللفتُ والمجيءُ له فحيث كانا من خصائص صاحب الشريعةِ أسند إلى موسى عليه السلام خاصة { وَقَالَ فِرْعَوْنُ } توحيدُ الفعلِ لأن الأمرَ من وظائف فرعونَ أي قال لملئه يأمرُهم بترتيب مبادي إلزامِهما عليهما السلام الفعل بعد اليأسِ من إلزامهما عليهما السلام بالفعل بعد اليأسِ من إلزامهما بالقول : { ائتونى بِكُلّ ساحر عَلِيمٍ } بفنون السحر حاذقٍ ماهرٍ فيه ، وقرىء سحار { فَلَمَّا جَاء السحرة } عطف على مقدر يستدعيه المقامُ قد حذف إيذاناً بسرعة امتثالِهم لأمر فرعونَ كما هو شأنُ الفاء الفصيحة في كل مقام أي فأتَوا به فلما جاؤا { قَالَ لَهُمْ موسى } لكن لا في ابتداء مجيئِهم بل بعد ما قالوا له عليه السلام ما حُكي عنهم في السور الأُخَرِ من قولهم : (3/298)
{ إِمَّا أَن تُلْقِىَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين } ونحو ذلك { أَلْقُواْ مَا أَنتُمْ مُّلْقُونَ } أي ملقون له كائناً ما كان من أصناف السحر { فَلَمَّا أَلْقُوْاْ } ما ألقَوْا من العِصِيّ والحبالِ واسترهبوا الناسَ وجاؤوا بسحر عظيم { قَالَ } لهم { موسى } غيرَ مكترثٍ بهم وبما صنعوا { مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر } ما موصولةٌ وقعت مبتدأ والسحرُ خبرُه أي هو السحرُ لا ما سماه فرعونُ وقومه من آيات الله سبحانه أو هو من جنس السحرِ يُريهم أن حالَه بيِّن لا يُعبأ به كأنه قال : ما جئتم به مما لا ينبغي أن يجاء به ، وقرىء أالسحر على الاستفهام فما استفهاميةٌ أي أيُّ شيء جئتم به أهو السحرُ الذي يعرِف حالَه كلُّ أحدٍ ولا يتصدى له عاقلٌ؟ وقرىء ما جئتم به سحرٌ وقرىء ما أتيتم به سحرٌ ودلالتُهما على المعنى الثاني في القراءة المشهورة أظهرُ { إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ } أي سيمحقه بالكلية بما يُظهره على يدي من المعجزة فلا يبقى له أثرٌ أصلاً أو سيظهر بطلانُه للناس والسين للتأكيد { إِنَّ الله لاَ يُصْلِحُ عَمَلَ المفسدين } أي عملَ جنسِ المفسدين على الإطلاق فيدخل فيه السحرُ دخولاً أولياً أو عملُكم فيكون من باب وضعِ المظهرِ موضعَ المضمرِ للتسجيل عليهم بالإفساد والإشعارِ بعلة الحكم ، وليس المرادُ بعدم إصلاحِ عملِهم عدَم جعل فسادِهم صلاحاً بل عدمَ إثباتِه وإتمامِه أي لا يُثبته ولا يُكمله ولا يُديمه بل يمحقه ويُهلكه ويسلِّط عليه الدمارَ ، والجملةُ تعليلٌ لما سبق من قوله : { إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ } والكلُّ اعتراضٌ تذييليٌّ وفيه دليلٌ على أن السحر إفسادٌ وتمويهٌ لا حقيقةٌ له . (3/299)
وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ (82) فَمَا آَمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (83)
{ وَيُحِقُّ الله الحق } عطفٌ على قوله : سيبطله أي يثبته ويقوّيه ، وإظهارُ الاسم الجليلِ في المقامين الأخيرين لإلقاء الروعةِ وتربيةِ المهابةِ { بكلماته } بأوامره وقضاياه وقرىء بكلمته { وَلَوْ كَرِهَ المجرمون } ذلك والمرادُ بهم كلُّ من اتصف بالإجرام من السحَرة وغيرِهم . (3/300)
{ فَمَا ءامَنَ لموسى } معطوفٌ على مقدر قد فصل في مواقعَ أُخَرَ ، أي فألقى عصاه فإذا هي تلقَف ما يأفِكون الخ ، وإنما لم يذكر تعويلاً على ذلك وإيثاراً للإيجاز وإيذاناً بأن قوله تعالى : { إِنَّ الله سَيُبْطِلُهُ } مما لا يحتمل الخُلفَ أصلاً وعطفُه على ذلك بالفاء مع كونه عدماً مستمراً من قبيل ما في قوله عز وجل : { فاتبعوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ } وما في قولك : وعظتُه فلم يتعظ وصِحتُ به فلم ينزجِرْ والسرُّ في ذلك أن الإتيانَ بالشيء بعد ورودِ ما يوجب الإقلاعَ عنه وإن كان استمراراً عليه لكنه بحسب العنوانِ فعلٌ جديدٌ وصنعٌ حادثٌ أي فما آمن له عليه السلام بمشاهدة تلك الآياتِ القاهرة { إِلاَّ ذُرّيَّةٌ مّن قَوْمِهِ } أي إلا أولادٌ من أولاد قومِه بني إسرائيلَ حيث دعا الآباءَ فلم يجيبوه خوفاً من فرعون وأجابتْه طائفةٌ من شبانهم ، وقيل : الضميرُ لفرعون والذريةُ طائفةٌ من شبانهم آمنوا به عليه السلام أو مؤمنُ آلِ فرعونَ وامرأتُه آسيةُ وخازنُه وامرأتُه وما شطتُه وهو بعيد { على خَوْفٍ } أي كائنين على خوف عظيم { مِن فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِم } الضميرُ لفرعون والجمعُ لما هو المعتادُ في ضمائر العظماءِ ولا يأباه مقامُ بيانِ علوِّه في الفساد وغلوِّه في الشر والتسلطِ على العباد ، أو لأن المرادَ به آلُه كما يقال : ربيعةُ ومضرُ أو للذرية أو للقوم أي على خوف من فرعونَ ومن أشراف بني إسرائيلَ حيث كانوا يمنعون أعقابَهم خوفاً من فرعونَ عليهم وعلى أنفسهم { أَن يَفْتِنَهُمْ } أي يعذّبَهم وهو بدلُ اشتمالٍ أو مفعولُ خوفٍ فإن إعمالَ المصدرِ المنكّر كثيرٌ كما في قوله عز وجل : { أَوْ إِطْعَامٌ فِى يَوْمٍ ذِى مَسْغَبَةٍ * يَتِيماً } أو مفعولٌ له بعد حذفِ اللامِ ، وإسنادُ الفعلِ إلى فرعون خاصةً لأنه الآمرُ بالتعذيب { وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الارض } لغالبٌ في أرض مصرَ { وَإِنَّهُ لَمِنَ المسرفين } في الظلم والفسادِ بالقتلِ وسفكِ الدماءِ أو في الكبر والعتوِّ حتى ادّعى الربوبيةَ واسترقَّ أسباطَ الأنبياءِ ، والجملتانِ اعتراضٌ تذييليٌّ مؤكدٌ لمضمون ما سبق .
وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ (84) فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (85) وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (86) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآَ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (87)
{ وَقَالَ مُوسَى } لما رأى تخوّفَ المؤمنين منه { ياقوم إِن كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ } أي صدقتم به وبآياته { فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ } وبه ثقِوا ولا تخافوا أحداً غيرَه فإنه كافيكم كلَّ شرَ وضُرّ { إِن كُنْتُم مُّسْلِمِينَ } مستسلمين لقضاءِ الله تعالى مخلِصين له ، وليس هذا من تعليق الحُكمِ بشرطين فإن المعلَّقَ بالإيمان وجوبُ التوكلِ عليه تعالى فإنه المقتضي له ، والمشروط بالإسلام وجودُه فإنه لا يتحقق مع التخليد ، ونظيرُه : إنْ أحسنَ إليك زيدٌ فأحسنْ إليه إن قدَرتَ عليه { فَقَالُواْ } مجيبين له عليه السلام من غير تعلثم في ذلك { عَلَى الله تَوَكَّلْنَا } لأنهم كانوا مؤمنين مخلِصين ثم دعَوا ربَّهم قائلين : { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا فِتْنَةً } أي موقعَ فتنةٍ { لّلْقَوْمِ الظالمين } أي لا تسلِّطْهم علينا حتى يعذّبونا أو يفتنونا عن ديننا أو يُفتَتنوا بنا ويقولوا : لو كان هؤلاء على الحق لَما أصيبوا وقوله تعالى : { وَنَجّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ القوم الكافرين } دعاءٌ منهم بالإنجاء من سوء جوارِهم وشؤمِ مصاحبتِهم بعد الإنجاءِ من ظلمهم ، عبّر عنهم بالكفر بعدما وُصفوا بالظلم ، وفي ترتيب الدعاءِ على التوكل تلويحٌ بأن الداعَي حقُّه أن يبنيَ دعاءَه على التوكل على الله تعالى { وَأَوْحَيْنَا إلى موسى وَأَخِيهِ أَن تَبَوَّءا } أنْ مفسرةٌ لأنّ في الوحي معنى القولِ أي اتخذا مَباءةً { لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا } تسكُنون فيها وترجِعون إليها للعبادة { واجعلوا } أنتما وقومكما { بُيُوتِكُمْ } تلك { قِبْلَةَ } مصلّىً وقيل : مساجدَ متوجهةً نحو القِبلة يعني الكعبةَ فإن موسى عليه السلام كان يصلي إليها { وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ } أي فيها ، أُمروا بذلك في أول أمرهم لئلا يظهرَ عليهم الكفرةُ فيؤذوهم ويفتِنوهم عن دينهم { وَبَشّرِ المؤمنين } بالنصرة في الدنيا إجابةً لدعوتهم والجنةِ في العقبى ، وإنما ثُنِّيَ الضميرُ أولاً لأن التبوُّؤَ للقوم واتخاذَ المعابد مما يتولاه رؤساءُ القوم بتشاور ، ثم جُمع لأن جعلَ البيوتِ مساجدَ والصلاةَ فيها مما يفعله كلُّ أحدٍ ، ثم وُحِّد لأن بشارةَ الأمةِ وظيفةُ صاحبِ الشريعة ، ووضعُ المؤمنين موضعَ ضميرِ القوم لمدحهم بالإيمان والإشعار بأنه المدارُ في التبشير . (3/301)
وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آَتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (88) قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (89) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آَمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آَمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (90)
{ وَقَالَ موسى رَبَّنَا إِنَّكَ ءاتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأهُ زِينَةً } أي ما يُتزَيَّن به من اللباس والمراكبِ ونحوِها { وَأَمْوَالاً } وأنواعاً كثيرةً من المال { فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِك } دعاءٌ عليهم بلفظ الأمرِ بما عُلم بممارسة أحوالِهم أنه لا يكون غيرُه ، كقولك : لعن الله إبليسَ ، وقيل : اللامُ للعاقبة وهي متعلقةٌ بآتيتَ أو للعلة لأن إيتاءَ النعم على الكفر استدراجٌ وتثبيت على الضلال ولأنهم لما جعلوها ذريعةً إلى الضلال فكأنهم أُوتوها ليُضلوا فيكون ربَّنا تكريراً للأول تأكيداً أو تنبيهاً على أن المقصودَ عرضُ ضلالِهم وكفرانِهم تقدمةً لقوله تعالى : { رَبَّنَا اطمس على أموالهم } الطمسُ المحوُ وقرىء بضم الميم أي أهلكْها { واشدد على قُلُوبِهِمْ } أي اجعلها قاسيةً واطبَع عليها حتى لا تنشرحَ للإيمان كما هو قضيةُ شأنهم { فَلاَ يُؤْمِنُواْ } جوابٌ للدعاء أو دعاءٌ بلفظ النهي أو عطفٌ على ليضلوا وما بينهما دعاء معترض { حتى يَرَوُاْ العذاب الاليم } أي يعاينوه ويوقنوا به بحيث لا ينفعهم ذلك إذ ذاك { قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا } يعني موسى وهارون عليهما السلام لأنه كان يؤمن كما يشعر به إضافةُ الرب إلى ضمير المتكلم مع الغير في المواقعِ الثلاثةِ { فاستقيما } فاثبُتا على ما أنتما عليه من الدعوة وإلزام الحجةِ ولا تستعجلا فإن ما طلبتما كائنٌ في وقته لا محالة . ( روي أنه مكث فيهم بعد الدعاء أربعين سنة ) . (3/302)
{ وَلاَ تَتَّبِعَانّ سَبِيلَ الذين لاَ يَعْلَمُونَ } أي بعادات الله سبحانه في تعليق الأمور بالحكم والمصالح أو سبيل الجهلةِ في الاستعجال أو عدمِ الوثوق بوعد الله تعالى وقرىء بالنون الخفيفةِ وكسرِها لالتقاء الساكنين ، ولا تتْبعانِ من تبع ولا تتّبعانِ أيضاً { وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إسراءيل البحر } هو من جاوز المكانَ إذا تخطاه وخلفه والباء للتعدية أي جعلناهم مجاوزين البحرَ بأن جعلناه يبساً وحفِظناهم حتى بلغوا الشط وقرىء جوّزنا وهو من التجويز المرادفِ للمجاوزة لا مما هو بمعنى التنفيذ نحو ما وقع في قول الأعشى :
كما جوّز السّكِّيَّ في الباب فيتقُ ... وإلا لقيل : وجوزنا بني إسرائيلَ في البحر ولخلا النظمُ الكريم عن الإيذان بانفصالهم عن البحر وبمقارنة العنايةِ الإلهية لهم عنَوا الجوازَ كما هو المشهور في الفرق بين أذهبه وذهَب به { فَأَتْبَعَهُمْ } يقال : تبِعتُه حتى أتبعتُه إذا كان سبقك فسبقتَه أي أدركهم ولحِقهم { فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ } حتى تراءت الفئتان وكاد يجتمع الجمعان { بَغْيًا وَعَدْوًا } ظلماً واعتداءً أي باغين وعادين أو للبغي والعدوان وقرىء وعدواً وذلك أن موسى عليه السلام خرج ببني إسرائيلَ على حين غفلةٍ من فرعون فلما سمع به تبِعهم حتى لحِقهم ووصل إلى الساحل وهم قد خرجوا من البحر ومسلُكهم باق على حاله يبَساً فسلكه بجنوده أجمعين فلما دخل آخرُهم وهم أولُهم بالخروج غشِيهم من اليم ما غشيهم { حتى إِذَا أَدْرَكَهُ الغرق } أي لحِقه وألجمه { قَالَ ءامَنتُ أَنَّهُ } أي بأنه والضميرُ للشأن وقرىء أنه على الاستئناف بدلاً من آمنت وتفسيراً له { لا إله إِلاَّ الذى ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إسراءيل } لم يقل كما قاله السحرةُ : آمنا بربّ العالمين ربَّ موسى وهارون بل عبر عنه تعالى بالموصول وجعل صلتُه إيمانَ بني إسرائيل به تعالى للإشعار برجوعه عن الاستعصاء وباتباعه لمن كان يستتبعهم طمعاً في القبَول والانتظامِ معهم في سلك النجاة { وَأَنَاْ مِنَ المسلمين } أي الذين أسلموا نفوسَهم لله أي جعلوها سالمةً خالصةً له تعالى وأراد بهم إما بني إسرائيلَ خاصةً وأما الجنسَ وهم داخلون فيه دخولاً أولياً ، والجملةُ على الأول عطفٌ على آمنت ، وإيثار الاسميةِ لادعاء الدوامِ والاستمرارِ وعلى الثاني يحتمل الحاليةَ أيضاً من ضمير المتكلمِ أي آمنتُ مخلصاً لله منتظماً في سلك الراسخين فيه ، ولقد كُرّر المعنى الواحد بثلاث عباراتٍ حرصاً على القبول المفضي إلى النجاة وهيهاتَ هيهاتَ بعد ما فات وأتى ما هو آتٍ .
آَلْآَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (91)
وقوله عز وجل : { الئان } مقولٌ لقول مقدرٍ معطوفٍ على قال أي فقيل : آلآن ، وهو إلى قوله تعالى : { ءايَةً } حكايةٌ لما جرى منه سبحانه من الغضب على المخذول ومقابلة ما أظهره بالرد على وجه الإنكارِ التوبيخيَّ على تأخيره وتقريعِه بالعصيان والإفساد وغير ذلك وفي حذف الفعل المذكورِ وإبرازِ الخبرِ المحكيِّ في صورة الإنشاءِ من الدِلالة على عظم السخطِ وشدةِ الغضبِ ما لا يخفى كما يُفصح عنه ما روي من أن جبريل دس فاه عند ذلك بحال البحر وسده به فإنه تأكيدٌ للرد القوليّ بالرد الفعليِّ ولا ينافيه تعليلُه بمخافة إدراكِ الرحمةِ فيما نقل أنه قال للنبي عليهما السلام : فلو رأيتَني يا محمدُ وأنا آخذٌ من حال البحرِ فأدُسّه في فيه مخافةَ أن تدركه الرحمةُ إذ المرادُ بها الرحمةُ الدنيويةُ أي النجاة التي هي طِلْبةُ المخذولِ وليس من ضرورة إدراكِها صحةُ الإيمان كما في إيقان قومِ يونسَ عليه السلام حتى يلزمَ كراهتُه ما لا يتصور في شأن جبريلَ عليه السلام من الرضا بالكفر إذ لا استحالةَ في ترتيب هذه الرحمةِ على مجرد التفوّه بكلمة الإيمانِ وإن كان ذلك في حالة البأسِ واليأس فيحمل دسُّه عليه السلام على سد باب الاحتمالِ البعيد لكمال الغيظِ وشدةِ الحرْدِ فتدبر والله الموفق ، وحقُّ العاملِ في الظرف أن يقدر مؤخراً ليتوجه الإنكارُ والتوبيخُ إلى تأخير الإيمانِ إلى حد يمتنعُ قبولُه فيه أي آلآن نؤمن حين يئستَ من الحياة وأيقنتَ بالممات وقوله عز وعلا : { وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ } حال من فاعل الفعل المقدَّر جيء به لتشديد التوبيخِ والتقريعِ على تأخير الإيمانِ إلى هذا الآن ببيان أنه لم يكن تأخيرُه لعدم بلوغِ الدعوةِ إليه ولا للتأمل والتدبر في دلائله وآياتِه ولا لشيء آخرَ مما عسى يُعدُّ عذراً في التأخير بل كان ذلك على طريقة الردِّ والاستعصاءِ والإفساد فإن قوله تعالى : { وَكُنتَ مِنَ المفسدين } عطفٌ على عصيت داخلٌ في حيز الحال أي وكنت من الغالين في الضلال والإضلالِ عن الإيمانِ كقوله تعالى : { الذين كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ الله زدناهم عَذَابًا فَوْقَ العذاب بِمَا كَانُواْ يُفْسِدُونَ } فهذا عبارةٌ عن فساده الراجعِ إلى نفسه والساري إلى غيره من الظلم والتعدي وصدِّ بني إسرائيلَ عن الإيمان والأولُ عن عصيانه الخاصِّ به . (3/303)
فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آَيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آَيَاتِنَا لَغَافِلُونَ (92) وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ فَمَا اخْتَلَفُوا حَتَّى جَاءَهُمُ الْعِلْمُ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (93)
{ فاليوم نُنَجّيكَ } أي نخرجك مما وقع فيه قومُك من قعر البحرِ ونجعلك طافياً وفي التعبير عنه بالتنجية تلويحٌ بأن مرادَه بالإيمان هو النجاةُ كما مر وتهكمٌ به ، أو نلقيك على نجوة من الأرض ليراك بنو إسرائيلَ وقرىء نُنْجيك من الإنجاء ونُنَحِّيك بالحاء من التنحية أو نلقيك بناحية الساحل { بِبَدَنِكَ } في موضع الحالِ من ضمير المخاطَب أي ننجيك ملابساً ببدنك فقط لا مع روحك كما هو مطلوبُك فهو تخييبٌ له وحسمٌ لأطماعه بالمرة أو عارياً عن اللباس أو كاملاً سوياً أو بدِرْعك وكانت له دروعٌ من الذهب يعرف بها وقرىء بأبدانك أي بأجزاء بدنك كلها كقولهم : هوى بأجرامه أو بدروعك كأنه كان مُظاهِراً بينها { لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ ءايَةً } لمن وراءك علامةً وهم بنو إسرائيلَ إذ كان في نفوسهم من عظمته ما خُيِّل أنه لا يهلِك حتى يُروى أنهم لم يصدقوا موسى عليه السلام حين أخبرهم بغرقه إلى أن عاينوه مطروحاً على ممرهم من الساحل أو تكون لمن يأتي بعدك من الأمم إذا سمعوا مآلَ أمرِك ممن شاهدك عبرةً ونكالاً من الطغيان أو حجةً تدلهم على أن الإنسانَ وإن بلغ الغايةَ القصوى من عظم الشأنِ وعلوِّ الكبرياء وقوةِ السلطان فهو مملوكٌ مقهورٌ بعيد عن مظانّ الربوبيةِ وقرىء لمن خَلَفك فعلاً ماضياً أي لمن خلفك من الجبابرة ، وقرىء لمن خلقك بالقاف أي لتكون لخالقك آيةً كسائر الآيات فإن إفرادَه سبحانه إياك بالإلقاء إلى الساحل دليلٌ على أنه قصد منه كشفَ تزويرِك وإماطةَ الشبهةِ في أمرك وبرهانٌ نيِّرٌ على كمال علمِه وقدرتِه وحكمتِه وإرادتِه ، وهذا الوجهُ محتملٌ على القراءة المشهورة أيضاً وفي تعليل تنجيته بما ذكر إيذانٌ بأنها ليست لإعزازه أو لفائدة أخرى عائدةٍ إليه بل لكمال الاستهانة به وتفضيحِه على رؤوس الأشهاد وزيادةِ تفظيعِ حالِه كمن يُقتل ثم يُجرُّ جسدُه في الأسواق أو يدار برأسه في البلاد ، واللامُ الأولى متعلقةٌ بننجّيك والثانيةُ بمحذوف وقع حالاً من آية أي كائنةً لمن خلفك { وَإِن كثيراً مِنَ النَّاسِ عَن آيَاتِنَا لَغَافِلُون } لا يتفكرون بها ولا يعتبرون بها وهو اعتراضٌ تذييليٌّ جيء به عند الحكايةِ تقريراً لفحوى الكلامِ المحكيِّ { وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِى إسراءيل } كلامٌ مستأنَفٌ سيق لبيان النعم الفائضةِ عليهم إثرَ نعمةِ الإنجاء على الإجمال وإخلالهم بشكرها وأداءِ حقوقها أي أسكناهم وأنزلناهم بعدما أنجيناهم وأهلكنا أعداءَهم { مُبَوَّأَ صِدْقٍ } أي منزِلاً صالحاً مرْضياً وهو الشامُ ومصرُ ملكوهما بعد الفراعنةِ والعمالقةِ وتمكنوا في نواحيهما حسبما نطقَ به قولهُ تعالى : { وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الارض ومغاربها التى بَارَكْنَا فِيهَا } { وَرَزَقْنَاهُمْ مّنَ الطيبات } أي اللذائذ { فَمَا اختلفوا } في أمر دينهم { حتى جَاءهُمُ العلم } أي إلا بعد ما جاءهم العلم بقراءتهم التوراةَ وعلمِهم بأحكامها أو في أمر محمدٍ عليه الصلاة والسلام { إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِى بَيْنَهُمْ يَوْمَ القيامة فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } فيميزُ بين المُحِق والمبطل بالإثابة والتعذيب . (3/304)
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (94) وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخَاسِرِينَ (95) إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (96)
{ فَإِن كُنتَ فِي شَكّ } أي في شك ما يسير على الفرْض والتقدير ، فإن مضمونَ الشرطيةِ إنما هو تعليقُ شيءٍ بشيء من غير تعرُّضٍ لإمكان شيءٍ منهما كيف لا وقد يكون كلاهما ممتنعاً كقوله عز وجل : { قُلْ إِن كَانَ للرحمن وَلَدٌ فَأَنَاْ أَوَّلُ العابدين } وقوله تعالى : { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } ونظائرِهما { مّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ } من القصص التي من جملتها قصةُ فرعون وقومِه وأخبارُ بني إسرائيلَ { فَاسْأَلِ الذين يَقْرَءونَ الكتاب مِن قَبْلِكَ } فإن ذلك محققٌ عندهم ثابتٌ في كتبهم حسبما ألقَينا إليك والمرادُ إظهارُ نبوتِه عليه السلام بشهادة الأحبارِ حسبما هو المسطورُ في كتبهم وإن لم يكن إليه حاجة أصلاً أو وصفُ أهلِ الكتاب بالرسوخ في العلم بصحة نبوتِه عليه السلام أو تهييجه عليه السلام وزيادةِ تثبيتِه على ما هو عليه من اليقين لا تجويزِ صدورِ الشك منه عليه السلام ولذلك قال عليه السلام : « لا أشُكُّ ولا أسأَلُ » وقيل : المرادُ بالموصول مؤمنو أهلِ الكتاب كعبد اللَّه بن سلام وتميمٍ الداري وكعبٍ وأضرابِهم وقيل : الخطابُ للنبي عليه السلام والمرادُ أمتُه أو لكل من يسمع أي إن كنت أيها السامعُ في شك مما أنزلنا إليك على لسان نبيِّنا ، وفيه تنبيهٌ على أن من خالجتْه شبهةٌ في الدين ينبغي أن يسارِعَ إلى حلها بالرجوع إلى أهل العلمِ فاسأل الذين يقرؤون الكتاب { لَقَدْ جَاءكَ الحق } الذي لا محيدَ عنه ولا ريبَ في حقيته { مِن رَبّكَ } وظهرَ ذلك بالآيات القاطعةِ التي لا يحوم حولَها شائبةُ الارتيابِ ، وفي التعرّض لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام من التشريف ما لا يخفى { فَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الممترين } بالتزلزل عما أنت عليه من الجزم واليقينِ ودُمْ على ذلك كما كنت من قبل { وَلاَ تَكُونَنَّ مِنَ الذين كَذَّبُواْ بآيات الله } من باب التهييج والإلهابِ ، والمرادُ به إعلامُ أن التكذيبَ من القبح والمحذوريةِ بحيث ينبغي أن يُنهى عنه من لا يُتصورُ إمكانُ صدورِه عنه فكيف بمن يمكن اتصافُه به وفيه قطعٌ لأطماع الكفرة { فَتَكُونَ } بذلك { مّنَ الخاسرين } أنفساً وأعمالاً { إِنَّ الذين حَقَّتْ عَلَيْهِمْ } شروعٌ في بيان سرِّ إصرارِ الكفرة على ما هم عليه من الكفر والضلالِ أي ثبتت ووجبتْ بمقتضى المشيئةِ على الحكمة البالغة { كَلِمَةُ رَبِّكَ } حكمُه وقضاؤه بأنهم يموتون على الكفر ويخلدون في النار كقوله تعالى : { ولكن حَقَّ القول مِنْى لاَمْلانَّ جَهَنَّمَ } إلى آخره { لاَ يُؤْمِنُونَ } أبداً إذ لا كذِبَ لكلامه ولا انتقاضَ لقضائه أي لا يؤمنون إيماناً نافعاً واقعاً في أوانه فيندرج فيهم المؤمنون عند معاينةِ العذابِ مثلَ فرعونَ باقياً عند الموتِ فيدخل فيهم المرتدون . (3/305)
وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آَيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (97) فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آَمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آَمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (98)
{ وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ ءايَةٍ } واضحةُ المدلولِ مقبولةٌ لدى العقولِ لأن سببَ إيمانِهم وهو تعلقُ إرادته تعالى به مفقودٌ لكنّ فقدانَه ليس لمنعٍ منه سبحانه مع استحقاقهم له بل لسوء اختيارِهم المتفرِّعِ على عدم استعدادِهم لذلك { حتى يَرَوُاْ العذاب الاليم } كدأب آلِ فرعونَ وأضرابهم { فَلَوْلاَ كَانَتْ } كلامٌ مستأنفٌ لتقرير ما سبق من استحالة إيمانِ من حقت عليهم كلمتُه تعالى لسوءِ اختيارِهم مع تمكنهم من التدارك فيكونُ الاستثناءُ الآتي بياناً لكون قومِ يونسَ عليه السلام ممن لم يحِقَّ عليه الكلمةُ لاهتدائهم إلى التدارك في وقته ولولا بمعنى هلاّ وقرىء كذلك أي فهلاّ كانت { قَرْيَةٌ } من القرى المهلَكة { ءامَنتْ } قبل معاينةِ العذابِ ولم تؤخِّرْ إيمانَها إلى حين معاينتِه كما فعل فرعونُ وقومُه { فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا } بأن يقبَله الله تعالى منها ويكشِفَ بسببه العذابَ عنها { إِلاَّ قَوْمَ يُونُسَ } استثناءٌ منقطعٌ أي لكن قومُ يونسَ { لَمَّا ءامَنُواْ } أولَ ما رأوا أمارةَ العذابِ ولم يؤخِّروا إلى حلوله { كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الخزى فِى الحياة الدنيا } بعد ما أظلهم وكاد يحِلّ بهم ويجوز أن تكونَ الجملةُ في معنى النفي كما يُفصح عنه حرفُ التحضيض فيكون الاستئناءُ متصلاً إذِ المرادُ بالقرى أهاليها كأنه قيل : ما آمنت طائفةٌ من الأمم الماضيِة فينفعهم إيمانُهم إلا قومَ يونَس عليه السلام فيكون قوله تعالى : { لَمَّا ءامَنُواْ } استئنافاً لبيان نفعِ إيمانِهم ويؤيده قراءةُ الرفعِ على البدلية { وَمَتَّعْنَاهُمْ } بمتاع الدنيا بعد كشفِ العذاب عنهم { إلى حِينٍ } مقدرٍ لهم في علم الله سبحانه . رُوي أن يونسَ عليه السلام بُعث إلى نينوى من أرض الموْصِل فكذبوه فذهب عنهم مغاضباً فلما فقَدوه خافوا نزولَ العذاب فلبِسوا المُسوحَ وعجّوا أربعين ليلةً وقيل : قال لهم يونسُ عليه السلام : أجلُكم أربعون ليلةً فقالوا : إن رأينا أسبابَ الهلاك آمنّا بك فلما مضَتْ خمسٌ وثلاثون أغامت السماء غيماً أسودَ هائلاً يدخّن دُخاناً شديداً ثم يهبِط حتى يغشى مدينتَهم ويسودّ سطوحُهم فلبِسوا المسوحَ وبرزوا إلى الصعيد بأنفسهم ونسائِهم وصِبيانهم وداوبّهم وفرقوا بين النساء والصبيان والدواب وأولادِها فحنّ بعضُها إلى بعض وعلت الأصواتُ والعجيجُ وأظهروا الإيمانَ والتوبةَ وتضرَّعوا إلى الله تعالى فرحمهم وكشف عنهم وكان ذلك يومَ عاشوراءَ يومَ الجمعة . وعن ابن مسعود رضي الله عنه بلغ من توبتهم أن ترادّوا المظالمَ حتى إن الرجل كان يقتلع الحجرَ وقد وضع عليه أساسَ بنائه فيرده إلى صاحبه وقيل : خرجوا إلى شيخ من بقية علمائِهم فقالوا : قد نزل بنا العذابُ فما ترى فقال لهم : قولوا : يا حيُّ حين لا حيَّ ويا حيُّ محييَ الموتى ويا حيُّ لا إله إلا أنت فقالوا ، فكشف عنهم . وعن الفضيل بن عياض قالوا : إن ذنوبَنا قد عظُمت وجلّت وأنت أعظمُ منها وأجلُّ افعل بنا ما أنت أهلُه ولا تفعلْ بنا ما نحن أهلُه . (3/306)