صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
المؤلف : أبو السعود ، محمد بن محمد بن مصطفى العمادي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118)

{ وَعَلَى الثلاثة الذين خُلّفُواْ } أي وتاب الله على الثلاثة الذين أُخِّر أمرُهم عن أمر أبي لُبابةَ وأصحابِه حيث لم يقبَلْ معذرتَهم مثلَ أولئك ولا رُدَّتْ ولم يُقطَعْ في شأنهم بشيء إلى أن نزل فيهم الوحيُ وهم كعبُ بنُ مالكٍ وهلالُ بنُ أميةَ ومَرارةُ بنُ الربيع ، وقرىء خَلَّفوا أي خلَّفوا الغازين بالمدينة أو فسَدوا ، من الخالفة وخُلوف الفم ، وقرىء على المخلّفين والأولُ هو الأنسبُ لأن قوله تعالى : { حتى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الارض } غايةٌ للتخليف ولا يناسبُه إلا المعنى الأولُ ، أي خُلّفوا وأخّر أمرُهم إلى أن ضاقت عليهم الأرضُ { بِمَا رَحُبَتْ } أي برُحبها وسَعتِها لإعراض الناسِ عنهم وانقطاعِهم عن مفاوضتهم وهو مثلٌ لشدة الحَيْرة كأنه لا يستقِرُّ به قرارٌ ولا تطمئن له دار { وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنفُسُهُمْ } أي إذا رجَعوا إلى أنفسهم لا يطمئنّون بشيء لعدم الأنسِ والسرورِ واستيلاءِ الوحشة والحَيْرة { وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ } أي علِموا أنه لا ملجأَ من سُخطه تعالى إلا إلى استغفاره { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } أي وفقّهم للتوبة { لِيَتُوبُواْ } أو أنزل قَبولَ توبتِهم ليصيروا من جملة التوّابين أو رجَع عليهم بالقَبول والرَّحمة مرةً بعد أخرى ليستقيموا على توبتهم { إِنَّ الله هُوَ التواب } المبالغُ في قَبول التوبةِ كمّاً وكيفاً وإن كثُرت الجناياتُ وعظمُت { الرحيم } المتفضل عليهم بفنون الآلاءِ مع استحقاقهم لأفانينِ العقاب . رُوي أن ناساً من المؤمنين تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم مَنُ بدا له وكره مكانه فلحِق به عليه الصلاة والسلام . عن الحسن رضي الله عنه أنه قال : بلغني أنه كان لأحدهم حائطٌ كان خيراً من ألف درهم فقال : يا حائطاه ما خلّفني إلا ظلُّك وانتظارُ ثمارِك اذهبْ فأنت في سبيل الله ولم يكن لآخرَ إلا أهلُه فقال : يا أهلاه ما بطّأني ولا خلّفني إلا الفتنُ بك فلا جرَم والله لأكابدنّ الشدائدَ حتى ألحقَ برسول الله صلى الله عليه وسلم فتأبط زادَه ولحِق به عليه الصلاة والسلام ، قال الحسن رضي الله عنه : كذلك والله المؤمنُ يتوب من ذنوبه ولا يُصِرُّ عليها ( وعن أبي ذر الغفاري أن بعيرَه أبطأ به فحمَل متاعَه على ظهره واتّبع أثرَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ماشياً فقال عليه الصلاة والسلام لما رأى سوادَه : «كنْ أبا ذر» فقال الناسُ : هو ذلك فقال عليه الصلاة والسلام : " رحِم الله أبا ذر يمشي وحدَه ويموت وحده ويُبعث وحده " ( وعن أبي خيثمةَ أنه بلغ بستانُه وكانت له امرأةٌ حسناءُ فرَشت له في الظل وبسَطت له الحصيرَ وقرّبت إليه الرطَبَ والماءَ الباردَ فنظر فقال : ظلٌ ظليلٌ ورُطبٌ يانعٌ وماء باردٌ وامرأةٌ حسناء ورسولُ الله صلى الله عليه وسلم في الضِحّ والريح ، ما هذا بخير ، فقام ورحل ناقتَه وأخذ سيفَه ورُمحَه ، ومرَّ كالريح ، فمد رسولُ الله صلى الله عليه وسلم طْرفَه إلى الطريق فإذا براكب يزهاه السرابُ ، فقال : «كن أبا خيثمةَ» فكانَهُ ففرِح به رسول الله واستغفرَ له ) ومنهم من بقيَ لم يلحَقْ به عليه الصلاة والسلام منهم الثلاثة .

(3/220)


قال كعب رضي الله عنه : لما قفَل رسولُ الله صلى الله عليه وسلم سلّمتُ عليه فرد عليّ كالمغضب بعد ما ذكرني ، وقال : «ياليت شعري ما خلّف كعباً» فقيل له : ما خلفه إلا حسنُ بُردَيه والنظرُ في عِطْفيه فقال عليه الصلاة والسلام : ما أعلم إلا فضلاً وإسلاماً» ونهى عن كلامنا أيها الثلاثةُ فتنكر لنا الناسُ ولم يكلمنا أحدٌ من قريب ولا بعيد فلما مضت أربعون ليلةً أُمرنا أن نعتزل نساءَنا ولا نقرَبَهن فلما تمت خمسون ليلةً إذا أنا بنداء من ذُروة سلعٍ : أبشرْ يا كعبُ بنَ مالكٍ فخرَرْتُ لله ساجداً وكنتُ كما وصفني ربي وضاقت عليهم الأرضُ بما رحبت وضاقت عليهم أنفسُهم وتتابعت البِشارةُ فلبست ثوبي وانطلقتُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا هو جالسٌ في المسجد وحوله المسلمون فقام إليّ طلحةُ بنُ عبيد اللَّه يُهرْوِل إلي حتى صافحني وقال : لتهنِكَ توبةُ الله عليك فلن أنساها لطلحةَ رضي الله عنه وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يستنير استنارةَ القمر : «أبشر يا كعبُ بخير يوم مر عليك منذ ولدتْك أمُّك» ثم تلا علينا الآية . وعن أبي بكر الوراق أنه سئل عن التوبة النَّصوح فقال : أن تَضيق على التائب الأرضُ بما رحبَتْ وتضيقَ عليه نفسُه كتوبة كعب بن مالك وصاحبيه .

(3/221)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (119) مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (120)

{ يأيها الذين آمنوا } خطابٌ عام يندرج فيه التائبون اندراجاً أولياً وقيل : لمن تخلف عليه من الطلقاء عن غزوة تبوكَ خاصة { اتقوا الله } في كل ما تأتون وما تذرون فيدخل فيه المعاملةُ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمر المغازي دخولاً أولياً { وَكُونُواْ مَعَ الصادقين } في إيمانهم وعهودِهم أو في دين الله نيةً وقولاً وعملاً أو في كل شأنٍ من الشؤون فيدخل ما ذُكر ، أو في توبتهم وإنابتهم فيكون المرادُ بهم حينئذ هؤلاء الثلاثةَ وأضرابَهم . وعن ابن عباس رضي الله عنهما أنه خطابٌ لمن آمن من أهل الكتابِ أي كونوا مع المهاجرين والأنصارِ وانتظِموا في سلكهم في الصدق وسائرِ المحاسن ، وقرىء من الصادقين .
{ مَا كَانَ لاهْلِ المدينة } ما صح وما استقام لهم { وَمَنْ حَوْلَهُمْ مّنَ الاعراب } كمزينةَ وجهينةَ وأشجعَ وغِفارٍ وأضرابهِم { أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ الله } عند توجهِه عليه الصلاة والسلام إلى الغزو { وَلاَ يَرْغَبُواْ } على النصب وقد جُوِّز الجزمُ { بِأَنفُسِهِمْ عَن نَّفْسِهِ } أي لا يصرِفوها عن نفسه الكريمةِ ولا يصونوها عما لم يصُن عنه نفسَه بل يكابدوا معه ما يكابده من الأهوال والخطوب ، والكلامُ في معنى النهي وإن كان على صورة الخبر { ذلك } إشارةٌ إلى ما دل عليه الكلامُ من وجوب المشايعة { بِأَنَّهُمْ } بسبب أنهم { لاَ يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ } أي عطشٌ يسير { وَلاَ نَصَبٌ } ولا تعب ما { وَلاَ مَخْمَصَةٌ } أي مجاعةٌ وهي ما لا يستباح عنده المحرمات من مراتبها ، فإن الظمأَ والنصبَ اليسيرين حين لم يخلُوَا من الثواب فلأَنْ لا يخلو ذلك منه أولى فلا حاجة إلى تأكيد النفي بتكرير كلمة لا ، ويجوز أن يراد بها تلك المرتبةُ ويكونُ الترتيبُ بناءً على كثرة الوقوع وقِلّته فإن الظمأَ أكثرُ وقوعاً من المخمصة بالمعنى المذكور فتوسيطُ كلمةِ لا حينئذ ليس لتأكيد النفي بل للدلالة على استقلال كلِّ واحدٍ منها بالفضيلة والاعتداد به { فِى سَبِيلِ الله } وإعلاء كلمتِه { وَلاَ يَطَأُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الكفار } أي لا يدوسون بأرجلهم وحوافِر خيولِهم وأخفافِ رواحلِهم دَوْساً أو مكاناً يداس { وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَّيْلاً } مصدرٌ كالقتل والأسرِ والنهب أو مفعول أي شيئاً يُنال من قِبَلهم { إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ بِهِ } أي بكل واحدٍ من الأمور المعدودة { عَمَلٌ صَالِحٌ } وحسنةٌ مقبولةٌ مستوجبةٌ بحكم الوعد الكريمِ للثواب الجميلِ ونيل الزُّلفى ، والتنوينُ للتفخيم وكونُ المكتوبِ عينَ ما فعلوه من الأمور لا يمنع دخولَ الباء ، فإن اختلافَ العنوان كافٍ في ذلك { إِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ المحسنين } على إحسانهم ، تعليلٌ لما سلف من الكتب والمرادُ بالمحسنين إما المبحوثُ عنهم ووضعُ المظهرِ موضِعَ المضمرِ لمدحهم والشهادةِ عليهم بالانتظام في سلك المحسنين وأن أعمالَهم من قبيل الإحسانِ وللإشعار بعلية المأخَذ للحكم ، وإما جنسُ المحسنين وهم داخلون فيه دخولاً أولياً .

(3/222)


وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121) وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (122)

{ وَلاَ يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً } ولو تمرةً أو علاقةَ سَوْط { وَلاَ كَبِيرَةً } كما أنفق عثمانُ رضى الله عنه والترتيب باعتبار ما ذُكر من كثرة الوقوعِ وقلته وتوسيطُ لا للتنصيص على استبداد كلَ منهما بالكتْب والجزاءِ لا لتأكيد النفي كما في قوله عز وجل : { وَلاَ يَقْطَعُونَ } أي لا يجتازون في مسيرهم { وَادِيًا } وهو في الأصل كلُّ منفرَجٍ من الجبال والآكامِ يكون منفذاً للسيل ، اسمُ فاعلٍ من ودَى إذا سال ثم شاع في الأرض على الإطلاق { إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ } ذلك الذي فعلوه من الإنفاق والقطع { لِيَجْزِيَهُمُ الله } بذلك { أَحْسَنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أحسنَ جزاءِ أعمالِهم أو جزاءَ أحسنِ أعمالِهم .
{ وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً } أي ما صح وما استقام لهم أن ينفِروا جميعاً لنحو غزْوٍ أو طلب علمٍ كما لا يستقيم لهم أن يتثبّطوا جميعاً فإن ذلك مُخِلٌّ بأمر المعاش .
{ فَلَوْلاَ نَفَرَ } فهلا نفَر { مِن كُلّ فِرْقَةٍ } أي طائفة كثيرة { مِنْهُمْ } كأهل بلدةٍ أو قبيلةٍ عظيمة { طَائِفَةٌ } أي جماعة قليلة { لّيَتَفَقَّهُواْ فِى الدين } أي يتكلفوا الفَقاهةَ فيه ويتجشموا مشاقَّ تحصيلِها { وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ } أي وليجعلوا غايةَ سعيِهم ومرمى غرضِهم من ذلك إرشادَ القومِ وإنذارَهم { إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ } وتخصيصُه بالذكر لأنه أهم ، وفيه دليلٌ على أن التفقهَ في الدين من فروض الكفايةِ وأن يكون غرضُ المتعلمِ الاستقامةَ والإقامةَ لا الترفعَ على العباد والتبسّط في التلاد كما هو ديدن أبناء الزمان والله المستعان { لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ } إرادةَ أن يحذروا عما ينذَرون واستدلوا به على أن أخبارَ الآحادِ حجةٌ لأن عمومَ كلِّ فرقةٍ يقتضي أن ينفِرَ من كل ثلاثةٍ تفردوا بقرية طائفةٌ إلى التفقه لتنذر قرقتَها كي يتذكروا ويحذروا فلو لم يعتبر الإخبارُ ما لم يتواتر لم يُفِدْ ذلك ، وقد قيل : للآية وجهٌ آخرُ وهو أن المؤمنين لما سمعوا ما نزل في المتخلفين سارعوا إلى النفير رغبةً ورهبةً وانقطعوا عن التفقه فأُمروا أن ينفِر من كل فرقةٍ طائفةٌ إلى الجهاد ويبقى أعقابُهم يتفقهون حتى لا ينقطع الفقهُ الذي هو الجهادُ الأكبرُ لأن الجدالَ بالحجة هو الأصلُ والمقصودُ من البعثة ، فالضميرُ في ليتفقهوا ولينذِروا لبواقي الفِرَق بعد الطوائفِ النافرةِ للغزو ، وفي رجعوا للطوائف ، أي ولينذر البواقي قومَهم النافرين إذا رجَعوا إليهم بما حصلوا في أيام غَيبتهم من العلوم .

(3/223)


يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (123) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124)

{ ياأيها الذين ءامَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مّنَ الكفار } أُمروا بقتال الأقربِ منهم فالأقرب كما أُمر عليه الصلاة والسلام أولاً بإنذار عشيرتِه فإن الأقربَ أحقُّ بالشفقة والاستصلاحِ . قيل : هم اليهودُ حوالي المدينة كبني قرُيظةَ والنَّضير وخيبَر ، وقيل : الرومُ فإنهم كانوا يسكنون الشامَ وهو قريبٌ من المدينة بالنسبة إلى العراق وغيره { وَلِيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً } أي شدة وصبراً على القتال وقرىء بفتح الغين كسَخْطة وبضمها وهما لغتان فيها { واعلموا أَنَّ الله مَعَ المتقين } بالعصمة والنصرة والمرادُ بهم إما المخاطَبون ، ووضعُ الظاهرِ موضعَ الضمير للتنصيص على أن الإيمانَ والقتالَ على الوجه المذكور من باب التقوى والشهادةِ بكونه من ومرة المتقين ، وإما الجنس وهم داخلون فيه دخولاً أولياً والمرادُ بالمعية الولايةُ الدائمةُ ، وقد ذُكر وجهُ دخولِ مع على المتبوع في قوله تعالى : { إِنَّ الله مَعَنَا } { وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ } من سور القرآن { فَمِنْهُمْ } أي من المنافقين { مَن يِقُولُ } لإخوانه ليثبِّتهم على النفاق أو لعوامّ المؤمنين وضعفتِهم ليصُدّهم عن الإيمان { أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه } السورةُ { إيمانا } وقرىء بنصب أيَّكم على تقدير فعلٍ يفسِّره المذكورُ أي أيُّكم زادتْه هذه الخ ، وإيرادُ الزيادةِ مع أنه لا إيمانَ فيهم أصلاً باعتبار اعتقادِ المؤمنين حسبما نطَق به قوله تعالى : { إِنَّمَا المؤمنون الذين إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ ءاياته زَادَتْهُمْ إيمانا } { فَأَمَّا الذين ءامَنُواْ } جوابٌ من جهته سبحانه وتحقيقٌ للحق وتعيينٌ لحالهم عاجلاً وآجلاً أي فأما الذين آمنوا بالله تعالى وبما جاء من عنده { فَزَادَتْهُمْ إيمانا } بزيادة العلمِ اليقينيِّ الحاصلِ من التدبر فيها . والوقوفِ على ما فيها من الحقائق وانضمامِ إيمانِهم بما فيها بإيمانهم السابق { وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ } بنزولها وبما فيه من المنافع الدينيةِ والدنيوية .

(3/224)


وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (125) أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (127)

{ وَأَمَّا الذين فِى قُلُوبِهِم مَّرَضٌ } أي كفرٌ وسوءُ عقيدة { فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلى رِجْسِهِمْ } أي كُفراً بها مضموماً إلى الكفر بغيرها وعقائدَ باطلةً وأخلاقاً ذميمةً كذلك { وَمَاتُواْ وَهُمْ كافرون } واستحكم ذلك إلى أن يموتوا عليه { أَوْ لاَ يَرَوْنَ } الهمزةُ للإنكار والتوبيخ والواوُ للعطف على مقدر أي ألا ينظُرون ولا يرَوْن { أَنَّهُمْ } أي المنافقين { يُفْتَنُونَ فِى كُلّ عَامٍ } من الأعوام { مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ } والمرادُ مجردُ التكثيرِ لا بيانُ الوقوع حسب العدِّ المزبورِ ، أي يُبتلَوْن بأفانينِ البليات من المرض والشدةِ وغيرِ ذلك مما يذكّر الذنوبَ والوقوفَ بين يدي رب العزة فيؤدي إلى الإيمان به تعالى أو بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيعاينون ما ينزل عليه من الآيات لا سيما القوارعُ الزائدةُ للإيمان الناعيةُ عليهم ما فيهم من القبائح المخزيةِ لهم { ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ } عطف على لا يَرَوْن داخلٌ تحت الإنكار والتوبيخِ وكذا قوله تعالى : { وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ } والمعنى أو لا يَرَون افتتانَهم الموجبَ لإيمانهم ثم لا يتوبون عما هم عليه من النفاق ولا هم يتذكرون بتلك الفِتن الموجبةِ للتذكر والتوبة ، وقرىء بالتاء والخطابُ للؤمنين والهمزةُ للتعجيب أي ألا تنظرون ولا ترَوْن أحوالَهم العجيبة التي هي افتتانُهم على وجه التتابعِ وعدمَ التنبّهِ لذلك فقوله تعالى : { ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ } وما عطف عليه معطوفٌ على يفتنون .
{ وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ } بيان لأحوالهم عند نزولِها وهم في مجال تبليغِ الوحي كما أن الأولَ بيانٌ لمقالاتهم وهم غائبون عنه { نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ } تغامزوا بالعيون إنكاراً لها أو سخريةً بها أو غيظاً لما فيها من مخازيهم { هَلْ يَرَاكُمْ مّنْ أَحَدٍ } أي قائلين : هل يراكم أحدٌ من المسلمين لننصرف ، مظهرين أنهم لا يصطبرون على استماعها ويغلبُ عليهم الضحِكُ فيفتَضِحون أو ترامقوا يتشاورون في تدبير الخروجِ والانسلال لِواذاً يقولون : هل يراكم من أحد إن قمتم من المجلس ، وإيرادُ ضمير الخطابِ لبعث المخاطَبين على الجد في انتهاز الفرصةِ فإن المرءَ بشأنه أكثرُ اهتماماً منه بشأن أصحابِه كما في قوله تعالى : { وَلْيَتَلَطَّفْ وَلاَ يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا } وقيل : المعنى وما أنزلت سورةٌ في عيوب المنافقين { ثُمَّ انصرفوا } عطفٌ على نظَر بعضُهم والتراخي باعتبار وُجدانِ الفرصةِ والوقوفِ على عدمِ رؤيةِ أحدٍ من المؤمنين ، أي انصرفوا جميعاً عن محفِل الوحيِ خوفاً من الافتضاح أو غير ذلك { صَرَفَ الله قُلُوبَهُم } أي عن الإيمان حسَب انصرافِهم عن المجلس ، والجملةُ اختباريةٌ أو دعائية { بِأَنَّهُمْ } أي بسبب أنهم { قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ } لسوء الفهم أو لعدم التدبّر .

(3/225)


لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129)

{ لَقَدْ جَاءكُمْ } الخطابُ للعرب { رَّسُولٌ } أي رسول عظيمُ الشأن { مّنْ أَنفُسِكُمْ } من جنسكم عربيٌّ قرشيٌّ مثلُكم وقرىء بفتح الفاء أي أشرفِكم وأفضِلكم { عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ } أي شاقٌّ شديدٌ عليه عَنَتُكم ولقاؤكم المكروهَ فهو يخاف عليكم سوءَ العاقبةِ والوقوعَ في العذاب ، وهذا من نتائج ما سلف من المجانسة { حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ } في إيمانكم وصلاحِ حالِكم { بالمؤمنين } منكم ومن غيركم { رَءوفٌ رَّحِيمٌ } قدِّم الأبلغُ منهما وهي الرأفةُ التي هي عبارةٌ عن شدة الرحمةِ محافظةً على الفواصل { فَإِن تَوَلَّوْاْ } تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى النبي صلى الله عليه وسلم تسليةً له أي إن أعرضوا عن الإيمان بك { فَقُلْ حَسْبِىَ الله } فإنه يكفيك ويُعينك عليهم { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } استئناف مقرِّرٌ لمضمون ما قبله { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ } فلا أرجو ولا أخاف إلا منه { وَهُوَ رَبُّ العرش العظيم } أي المُلك العظيمِ أو الجِسم الأعظمِ المحيط الذي تنزل منه الأحكامُ والمقادير ، وقرىء العظيمُ بالرفع . وعن أبي هريرة أن آخِرَ ما نزل هاتان الآيتان . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : « ما نزل القرآنُ إلا آيةً آيةً وحرفاً حرفاً ما خلا سورةَ براءةٌ وسورةَ { قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ } فإنهما أُنزلتا عَليّ ومعهما سبعون ألفَ صفٍ من الملائكة »

(3/226)


الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (1)

( سورة يونس عليه السلام مكية وهى مائة وتسع آيات ) .
{ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيم } { الر } بتفخيم الراءِ المفتوحةِ وقرىء بالإمالة إجراءً للأصلية مُجرى المنقلبة عن الياء وقرىء بينَ بين وهو إما مسرودٌ على نمط التعديدِ بطريق التحدّي على أحد الوجهين المذكورين في فاتحة سورة البقرة فلا محلَّ له من الإعراب وإما اسمٌ للسورة كما عليه إطباقُ الأكثرِ فمحلُّه الرفعُ على أنه خبرٌ لمبتدأ محذوفٍ أي هذه السورةُ مسماةٌ بألر ، وهو أظهرُ من الرفع على الابتداء لعدم سبق العلمِ بالتسمية بعدُ ، فحقُّها الإخبارُ بها لا جعلُها عنوانَ الموضوع لتوقفه على علم المخاطب بالانتساب كما مر . والإشارةُ إليها قبل جَرَيانِ ذكرها لِما أنها باعتبار كونِها على جناح الذكْرِ وبصدده صارت في حكم الحاضِر كما يقال : هذا ما اشترى فلان ، أو النصب بتقدير فعل لائقٍ بالمقام نحوُ اذكر أو اقرأ ، وكلمةُ { تِلْكَ } إشارةٌ إليها إما على تقدير كونِ الر مسرودةً على نمط التعديدِ فقد نُزّل حضورُ مادتِها التي هي الحروفُ المذكورةُ منزلةَ ذكِرها فأشير إليها كأنه قيل : هذه الكلماتُ المؤلفةُ من جنس هذه الحروفِ المبسوطةِ الخ ، وأما تقدير كونِه اسماً للسورة فقد نوّهتُ بالإشارة إليها بعد تنويهِها بتعيين اسمِها أو الأمر بذكرها أو بقراءتها ، وما في اسم الإشارة من معنى البُعد للتنبيه على بُعد منزلِتها في الفخامة ومحلُّه الرفعُ على أنه مبتدأ خبرُه قوله تعالى : { آيَات الكتاب } وعلى تقدير كون الر مبتدأً فهو مبتدأٌ ثانٍ أو بدلٌ من الأول والمعنى هي آياتٌ مخصوصةٌ منه مترجمةٌ باسم مستقلٍ والمقصودُ ببيانِ بعضيَّتِها منه وصفُها بما اشتهر اتصافُه به من النعوت الفاضلةِ والصفاتِ الكاملةِ ، والمرادُ بالكتاب إما جميعُ القرآنِ العظيم وإن لم ينزل الكلُّ حينئذ إما باعتبار تعيّنِه وتحققِه في علم الله عز وعلا أو في اللوح أو باعتبار أنه أُنزل جملةً إلى السماء الدنيا كما هو المشهورُ فإن فاتحةَ الكتاب كانت مسماةً بهذا الاسم وبأم القرآن في عهد النبوة ولمّا يحصُلِ المجموعُ الشخصي إذ ذاك فلا بد من ملاحظة كلَ من الكتاب القرآن بأحد الاعتباراتِ المذكورةِ وما جميعُ القرآنِ النازلِ وقتئذ المتفاهَمِ بين الناسِ إذ ذاك فإنه كما يُطلق على المجموع الشخصيّ يُطلق على مجموع ما نزل في كل عصرٍ ، ألا يُرى إلى ما رُوي عن جابر رضي الله عنه أنه قال : ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يجمع بين الرجلين من قتلى أحُدٍ في ثوب واحد ثم يقول : «أيُّهم أكثرُ أخذاً للقرآن؟» فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد فإن ما يفهمه الناسُ من القرآن في ذلك الوقت ويحافظون على التفاوت في أخذه إنما هو المجموعُ النازلُ حينئذ من غير ملاحظةٍ لتحقق المجموعِ الشخصيِّ في علم الله سبحانه أو في اللوح ولا لنزوله جملةً إلى السماء الدنيا .

(3/227)


{ الحكيم } ذي الحِكمة وصُف به لاشتماله على فنون الحِكَم الباهرةِ ونُطقِه بها ، أو هو من باب وصفِ الكلامِ بصفة صاحبِه أو من باب الاستعارة المكنيةِ المبنيةِ على تشبيه الكتابِ بالحكيم الناطق بالحكمة ، هذا وقد جعل الكتابُ عبارةً عن نفس السورةِ ، وكلمةُ تلك إشارةٌ إلى ما في ضمنها من الآي فإنها في حكم الحاضرِ لا سيما بعد ذكر ما يتضمنها من السورة عند بيان اسمِها أو الأمرِ بذكرها أو بقراءتها ، وينبغي أن يكون المشارُ إليه حينئذ كلَّ واحدةٍ منها لا جميعَها من حيث هو جميعٌ لأنه عينُ السورةِ فلا يكون للإضافة وجهٌ ولا لتخصيص الوصفِ بالمضاف إليه حكمةٌ فلا يتأتى ما قُصد من مدح المضافِ بما للمضاف إليه من صفات الكمال ولأن في بيان اتصافِ كلَ منها بالكمال من المبالغة ما ليس في بيان اتصافِ الكلِّ بذلك ، والمتبادرُ من الكتاب عند الإطلاقِ وإن كان كلُّه بأحد الوجهين المذكورين لكنّ صحةَ إطلاقِه على بعضه أيضاً مما لا ريب فيها ، والمعهودُ المشهورُ وإن كان اتصافُ الكل بأحد الاعتبارين بما ذُكر من نعوت الكمالِ إلا أن شهرةَ اتصافِ كل سورةٍ منه بما اتصف به الكلُّ مما لا ينكر ، وعليه يدور تحققُ مدحِ السورةِ بكونها بعضاً من القرآن الكريم إذ لولا أن بعضَه منعوتٌ بنعت كلِّه داخلٌ تحت حكمهِ لما تسنى ذلك ، وفيه ما لا يخفى من التكلف والتعسف .

(3/228)


أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ (2)

{ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا } الهمزةُ لإنكار تعجّبِهم ولتعجب السامعين منه لكونه في غير محلِّه ، والمرادُ بالناس كفارُ مكةَ ، وإنما عبِّر عنهم باسم الجِنسِ من غير تعرُّضٍ لكفرهم مع أنه المدارُ لتعجبهم كما تُعُرِّض له في قوله عز وجل : { قَالَ الكافرون } الخ لتحقيق ما فيه الشركةُ بينهم وبين رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وتعيينِ مدارِ التعجبِ في زعمهم ثم تبيينِ خطئِهم وإظهارِ بطلانِ زعمِهم بإيراد الإنكارِ والتعجيب ، واللامُ متعلقةٌ بمحذوف وقع حالاً من عجباً وقيل : بعجباً على التوسع المشهورِ في الظروف ، وقيل : المصدرُ إذا كان بمعنى اسم الفاعلِ أو اسمِ المفعول جاز تقديمُ معمولِه عليه ، وقيل : متعلقةٌ بكان وهو مبنيٌّ على دلالة كان الناقصةِ على الحدث { أَنْ أَوْحَيْنَا } اسمُ كان قُدِّم عليه خبرُها اهتماماً بشأنه لكونه مدارَ الإنكارِ والتعجيبِ وتشويقاً إلى المؤخَّر ولأن في الاسم ضربَ تفصيلٍ ففي مراعاة الأصلِ نوعُ إخلالٍ يتجاوب أطرافِ الكلام ، وقرىء برفع عجب على أنه الاسمُ وهو نكرةٌ والخبرُ أن أوحينا وهو معرفةٌ لأن أن مع الفعل في تأويل المصدرِ المضافِ إلى المعرفة البتةَ والمختارُ حينئذ أن تجعل كان تامةٌ وأن أوحينا متعلقاً بعجبٌ على حذف حرف التعليل أي أحدث للناس عجبٌ لأن أوحينا أو من أن أوحينا ، أو بدلاً من عجبٌ لكن لا على توجيه الإنكارِ والتعجيب إلى حدوثه بل إلى كونه عجباً ، فإن كونَ الإبدال في حكم تنحيةِ المبدَلِ منه ليس معناه إهدارَه بالمرة وإنما قيل : للناس لا عند الناس للدِلالة على أنهم اتخذوه أعجوبةً لهم ، وفيه من زيادة تقبيحِ حالِهم ما لا يخفى { إلى رَجُلٍ مّنْهُمْ } أي إلى بشر من جنسهم كقولهم : أبعث الله بشراً رسولاً أو من حيث المال لا من عظمائهم كقولهم : { لَوْلاَ نُزّلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ } وكلا الوجهين من ظهور البطلانِ بحيث لا مزيد عليه . أما الأولُ فلأن بعثَ الملَكِ إنما يكون عند كون المبعوثِ إليهم ملائكةً كما قال سبحانه : { قُل لَوْ كَانَ فِى الارض ملائكة يَمْشُونَ مُطْمَئِنّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مّنَ السماء مَلَكًا رَّسُولاً } وأما عامة البشر فهم بمعزل من استحقاق المفاوضةِ الملكية كيف لا وهي منوطةٌ بالتناسب والتجانس ، فبعثُ الملَكِ إليهم مزاحِمٌ للحكمة التي عليها يدور فلكُ التكوين والتشريع وإنما الذي تقتضيه الحكمةُ أن يُبعث الملكُ من بينهم إلى الخواصّ المختصين بالنفوس الزكية المؤيَّدين بالقوة القدسيةِ المتعلّقين بكلا العالَمين الروحانيِّ والجُسماني ليتلقَّوْا من جانب ويُلْقوا إلى جانب . وأما الثاني فلما أن مناطَ الاصطفاء للنبوة والرسالةِ هو التقدُم في الاتصاف بما ذكر من النعوت الجميلةِ والصفاتِ الجليلة والسبْقِ في إحراز الفضائلِ العلية وحيازةِ الملَكات السنية جِبِلّةً واكتساباً ، ولا ريب لأحد منهم في أنه عليه الصلاة والسلام في ذلك الشأنِ في غاية الغاياتِ القاصيةِ ونهايةِ النهاياتِ النائيةِ ، وأما التقدمُ في الرياسات الدنيويةِ والسبْقِ في نيل الحظوظِ الدنية فلا دخلَ له في ذلك قطعاً بل له إخلالٌ به غالباً قال عليه الصلاة والسلام :

(3/229)


« لو كانت الدنيا تزنُ عند الله جَناحَ بعوضةٍ ما سقى الكافرَ منها شربةَ ماء »
{ أَنْ أَنذِرِ الناس } أن مصدريةٌ لجواز كونِ صلتِها أمراً كما في قوله تعالى : { وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ } وذلك لأن الخبرَ والإنشاءَ في الدلالة على المصدر سيانِ فساغ وقوعُ الأمرِ والنهي صلةً حسبَ وقوعِ الفعل فلا يجرد عند ذلك عن معنى الأمرِ والنهي نحوَ تجرُّدِ الصلةِ الفعليةِ عن معنى المضيِّ والاستقبالِ ، ووجوبُ كونِ الصلةِ في الموصول الاسميِّ خبريةً إنما هو للتوصل بها إلى وصف المعارفِ بالجمل لا لقصور في دلالة الإنشاءِ على المصدر ، أو مفسرةٌ إذ الإيحاءُ فيه معنى القولِ وقد جوز كونُها مخفّفة من المثقّلة على حذف ضميرِ الشأنِ والقولِ من الخبر والمعنى أن الشأنَ قولُنا : أنذر الناسَ ، والمرادُ به جميعُ الناسِ كافةً لا ما أريد بالأول وهو النكتةُ في إيثار الإظهارِ على الإضمار ، وكونُ الثاني عينَ الأولِ عند إعادة المعرفةِ ليس على الإطلاق { وَبَشّرِ الذين ءامَنُواْ } بما أوحيناه وصدّقوه { أَنَّ لَهُمْ } أي بأن لهم { قَدَمَ صِدْقٍ } أي سابقةً ومنزلةً رفيعة { عِندَ رَبّهِمْ } وإنما عبر عنها بها إذ بها يحصُل السبْقُ والوصولُ إلى المنازل الرفيعةِ كما يعبر عن النعمة باليد لأنها تعطى بها ، وقيل : مقامَ صدقٍ ، والوجهُ أن الوصولَ إلى المقام إنما يحصُل بالقدم وإضافتُها إلى الصدق للدلالة على تحققها وثباتِها ، وللتنبيه على أن مدارَ نيلِ ما نالوه من المراتب العليةِ هو صدقُهم فإن التصديقَ لا ينفك عن الصدق { قَالَ الكافرون } هم المتعجبون ، وإيرادُهم هاهنا بعنوان الكفر مما لا حاجة إلى ذكر سببِه ، وتركُ العاطفِ لجرَيانه مَجرى البيانِ للجملة التي دخلت عليها همزةُ الإنكار أو لكونه استئنافاً مبنياً على السؤال ، كأنه قيل : ماذا صنعوا بعد التعجبِ هل بقُوا على التردد والاستبعادِ أو قطعوا فيه بشيء؟ فقيل : قال : الكافرون على طريقة التأكيدِ : { إِنَّ هَذَا } يعنون به ما أوحيَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من القرآن الحكيم المنطوي على الإنذار والتبشير { لَسِحْرٌ مُّبِينٌ } أي ظاهرٌ وقرىء لساحْر على أن الإشارةَ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقرىء ما هذا إلا سحرٌ مبينٌ ، وهذا اعترافٌ من حيث لا يشعرون بأن ما عاينوه خارجٌ عن طَوْق البشر نازلٌ من جناب خلاق القُوى والقدَر ولكنهم سمَّوه بما قالوا تمادياً في العناد كما هو ديدنُ المكابرِ اللَّجوجِ ودأبُ المُفحَمِ المحجوج .

(3/230)


إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3)

{ إِنَّ رَبَّكُمُ } كلامٌ مستأنفٌ سيق لإظهار بطلانِ تعجُّبهم المذكورِ وما بنَوا عليه من المقالة الباطلةِ غِبَّ الإشارةِ إليه بالإنكار والتعجيبِ وحُقّق فيه حقيةُ ما تعجبوا منه وصِحّةُ ما أنكروه بالتنبيه الإجمالي على بعض ما يدل عليها من شؤون الخلقِ والتقديرِ وأحوالِ التكوينِ والتدبيرِ ، ويُرشدهم إلى معرفتها بأدنى تذكيرٍ لاعترافهم به من غير نكيرٍ لقوله تعالى : { قُلْ مَن رَّبُّ السموات السبع وَرَبُّ العرش العظيم سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ } وقوله تعالى : { قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء والارض } إلى قوله تعالى : { وَمَن يُدَبّرُ الامر فَسَيَقُولُونَ الله } أي إن ربكم ومالكَ أمرِكم الذي تتعجبون من أن يرسِل إليكم رجلاً منكم بالإنذار والتبشيرِ وتُعدّون ما أوحيَ إليه من الكتاب الحكيم سحراً هو { الله الذى خَلَقَ السموات والارض } وما فيهما من أصول الكائنات { فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } أي في ستة أوقاتٍ أو في مقدار ستةِ أيام معهودةٍ فإن نفسَ اليوم الذي هو عبارةٌ عن زمان كونِ الشمس فوق الأرض مما لا يتصور تحققُه حين لا أرضَ ولا سماء ، وفي خلقها مدرّجاً مع القدرة التامةِ على إبداعها دفعةً دليلٌ على الاختيار واعتبارٌ للنظّار وحثٌّ لهم على التأنيّ في الأحوال والأطوار ، وأما تخصيصُ ذلك بالعدد المعينِ فأمرٌ قد استأثر بعلم ما يستدعيه علامُ الغيوب جلت قدرتُه ودقتْ حكمتُه وإيثارُ صيغةِ الجمعِ في السموات لما هو المشهورُ من الإيذان بأنها أجرامٌ مختلفةُ الطباعِ متباينةُ الآثارِ والأحكام { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } العرشُ هو الجسمُ المحيطُ بسائر الأجسامِ سمِّي به لارتفاعه أو للتشبيه بسرير الملِك فإن الأوامرَ والتدابير منه تنزل ، وقيل : هو المُلك ومعنى استوائِه سبحانه عليه استيلاؤُه عليه أو استواءُ أمرِه . وعن أصحابنا أن الاستواءَ على العرش صفةٌ له سبحانه بلا كيف . والمعنى أنه سبحانه استوى على العرش على الوجه الذي عناه منزَّهاً عن التمكن والاستقرار ، وهذا بيانٌ لجلالة مُلكه وسلطانِه بعد زمان عظمةِ شأنِه وسَعة قدرتِه بما مر من خلق هاتيك الأجرامِ العظام .
{ يُدَبّرُ الامر } التدبيرُ النظرُ في أدبار الأمورِ وعواقبِها لتقعَ على الوجه المحمودِ والمرادُ هاهنا التقديرُ على الوجه الأتمِّ الأكملِ والمرادُ بالأمر أمرُ ملكوتِ السمواتِ والأرضِ والعرشِ وغيرُ ذلك من الجزيئات الحادثةِ شيئاً فشيئاً على أطوار شتى وأنحاء لا تكاد تحصى من المناسبات والمبايناتِ في الذوات والصفاتِ والأزمنةِ والأوقاتِ أي يقدّر ما ذُكر من أمر الكائناتِ الذي ما تعجبوا منه من أمر البعث والوحي فردٌ من جملته وشُعبةٌ من دوحته ، ويهييء أسبابَ كل منها حدوثاً وبقاءً في أوقاتها المعينةِ ويرتب مصالحَها على الوجه الفائقِ والنمطِ اللائقِ حسبما تقتضيه الحكمةُ وتستدعيه المصلحةُ ، والجملةُ في محل النصبِ على أنها حالٌ من ضمير استوى وقد جوز كونُها خبراً ثانياً لإن أو مستأنفةٌ لا محل لها من الإعراب مبنيةٌ على سؤال نشأ من ذكر الاستواءِ على العرش المنبىءِ عن إجراء أحكامِ المُلك .

(3/231)


وعلى كل حال فإيثارُ صيغةِ المضارعِ للدلالة على تجدد التدبيرِ واستمرارِه وقوله عز وجل : { مَا مِن شَفِيعٍ } بيانٌ لاستبداده سبحانه في التقدير والتدبيرِ ونفيٌ للشفاعة على أبلغ الوجوهِ فإن نفيَ جميعِ أفرادِ الشفيعِ بمن الاستغراقية يستلزم نفيَ الشفاعةِ على أتم الوجوه كما في قوله تعالى : { لاَ عَاصِمَ اليوم مِنْ أَمْرِ الله } وهذا بعد قوله تعالى : { يُدَبّرُ الامر } جارٍ مجرى قوله تعالى : { وَهُوَ يُجْيِرُ وَلاَ يُجَارُ عَلَيْهِ } عقيب قوله تعالى : { قُلْ مَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَىْء } وقوله تعالى { إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ } استثناءٌ مفرغٌ من أعم الأوقاتِ أي ما من شفيع يشفع لأحد في وقت من الأوقات إلا بعد إذنِه المبنيِّ على الحكمة الباهرةِ ، وذلك عند كون الشفيع من المصطَفْين الأخيارِ والمشفوعُ له ممن يليق بالشفاعة كقوله تعالى : { يَوْمَ يَقُومُ الروح والملائكة صَفّاً لاَّ يَتَكَلَّمُونَ إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحمن وَقَالَ صَوَاباً } وفيه من الدِلالة على عظمة جلالِه سبحانه ما لا يخفى { ذلكم } إشارةٌ إلى المعلوم بتلك العظمةِ أي ذلكم العظيمُ الشأنِ المنعوتُ بما ذكر من نعوت الكمالِ التي عليها يدور استحقاقُ الألوحية { الله } وقوله تعالى : { رَبُّكُمْ } بيانٌ له أو بدلٌ منه أو خبرٌ ثانٍ لاسم الإشارةِ ، وهذا بعد بيانِ أن ربَّهم الله الذي خلق السمواتِ والأرضَ الخ ، لزيادة التقريرِ والمبالغةِ في التذكير ولتفريع الأمرِ بالعبادة عليه بقوله تعالى : { فاعبدوه } أي وحّدوه من غير أن تشركوا به شيئاً من ملَك أو نبيَ فضلاً عن جماد لا يُبصر ولا يَسمع ولا يضر ولا ينفع وآمِنوا بما أنزله إليكم { أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ } أي تعلمون أن الأمرَ كما فُصل فلا تتذكرون ذلك حتى تقِفوا على فساد ما أنتم عليه فترتدوا عنه .

(3/232)


إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4)

{ إِلَيْهِ } لا إلى أحد سواه استقلالاً أو اشتراكاً { مَرْجِعُكُمْ } أي بالبعث كما ينبىء عنه قوله تعالى : { جَمِيعاً } فإنه خالٍ من الضمير المجرورِ لكونه فاعلاً في المعنى أي إليه رجوعُكم مجتمعين والجملةُ كالتعليل لوجوب العبادة { وَعَدَ الله } مصدرٌ مؤكدٌ لنفسه لأن قوله عز وجل : { إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ } وعد منه سبحانه بالبعث أو لفعل مقدر أي وعَدَ الله وعداً ، وأياً ما كان فهو دليلٌ على أن المرادَ بالمرجِع هو الرجوعُ بالبعث لأن ما بالموت بمعزل من الوعد كما أنه بمعزل من الاجتماع وقرىء بصيغة الفعل { حَقّاً } مصدرٌ آخرُ مؤكدٌ لما دل عليه الأول { إِنَّهُ يَبْدَأُ الخلق } وقرىء يُبدِىء { ثُمَّ يُعِيدُهُ } وهو استئنافٌ عُلّل به وجوبُ المرجعِ إليه سبحانه وتعالى فإن غايةَ البدءِ والإعادةِ وهو جزاءُ المكلّفين بأعمالهم حسنةً أو سيئةً ، وقرىء بالفتح أي لأنه ، ويجوز كونُه منصوباً بما نصب وعدَ الله أي وعَد الله وعداً بدءَ الخلقِ الخلق ثم إعادتَه ، ومرفوعاً بما نصب حقاً أي حق بدءُ الخلقِ الخ { ليجزى الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ } أي بالعدل وهو حالٌ من فاعل يجزي أي ملتبساً بالعدل أو متعلق بيجزي أي ليجزيَهم بقسطه ويوفيَهم أجورَهم ، وإنما أُجمل ذلك إيذناً بأنه لا يفي به الحصرُ أو بقسطهم وعدلِهم عند إيمانِهم ومباشرتِهم للأعمال الصالحة وهو الأنسبُ بقوله عز وجل : { والذين كَفَرُواْ لَهُمْ شَرَابٌ مّنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُواْ يَكْفُرُونَ } فإن معناه ويجزي الذين كفروا بسبب كفرِهم ، وتكريرُ الإسناد بجعل الجملةِ الظرفية خبراً للموصول لتقوية الحكمِ والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبلِ للدلالة على مواظبتهم على الكفر ، وتغييرُ النظمِ للإيذان بكمال استحقاقِهم للعقاب وأن التعذيبَ بمعزل عن الانتظام في سلك العلةِ الغائيّة للخلق بدءاً وإعادةً وإنما يحيقُ ذلك بالكفرة على موجَبِ سوءِ اختيارِهم ، وأما المقصودُ الأصليُّ من ذلك فهو الإثابة .

(3/233)


هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (5)

{ هُوَ الذى جَعَلَ الشمس ضِيَاء } تنبيهٌ على الاستدلال على وجوده تعالى ووحدتِه وعلمِه وقدرتِه وحكمتِه بآثار صُنعِه في النّيِّريْن بعد التنبيه على الاستدلال بما مر من إبداع السمواتِ والأرضِ والاستواءِ على العرش وغيرِ ذلك وبيانٌ لبعض أفرادِ التدبيرِ الذي أشير إليه إشارةً إجماليةً وإرشادٌ إلى أنه حيث دبّرت أمورُهم المتعلقة بمعاشهم هذا التدبيَر البديعَ فلأن يدبّرَ مصالحَهم المتعلقةَ بالمعاد بإرسال الرسولِ وإنزالِ الكتابِ وتبيينِ طرائقِ الهدى وتعيينِ مهاوي الردى أولى وأحرى ، والجعلُ إن جُعل بمعنى الإنشاءِ والإبداعِ فضياءً حالٌ من مفعوله أي خلقها حالَ كونِها ذاتَ ضياءٍ على حذف المضافِ أو ضياءً محضاً للمبالغة ، وإن جُعل بمعنى التصييرِ فهو مفعولُه الثاني أي جعلها ضياءً على أحد الوجهين المذكورين لكن لا بعد أن كانت خاليةً عن تلك الحالةِ بل أبدعها كذلك كما في قولهم : ضيِّقْ فم الركية ووسِّعْ أسفلها ، والضياءُ مصدرٌ كقيام أو جمعُ ضوءٍ كسياط وسَوْط وياؤه منقلبة من الواو لانكسار ما قبلها وقرىء ضِئاء بهمزتين بينهما ألفٌ بتقديم اللام على العين .
{ والقمر نُوراً } الكلامُ فيه كالكلام في الشمس والضياءُ أقوى من النور وقيل : ما بالذات ضوءٌ وما بالعرَض نور ، ففيه إشعارٌ بأن نورَه مستفادٌ من الشمس { وَقَدَّرَهُ } أي قدّر له وهيأ { مَنَازِلَ } أو قدّر مسيرَه في منازلَ أو قدره ذا منازلَ على تضمين التقديرِ معنى التصييرِ ، وتخصيصُ القمر بهذا التقديرِ لسرعة سيرِه ومعاينةِ منازِله وتعلقِ أحكامِ الشريعة به وكونِه عمدةً في تواريخ العرب ، وقد جُعل الضميرُ لكل منهما وهي ثمانيةٌ وعشرون منزلاً ، ينزل القمرُ كل ليلةٍ في واحد منها لا يتخطّاه ولا يتقاصر عنه على تقدير مستوٍ لا يتفاوت ، يسير فيها من ليلة المستهلِّ إلى الثامنة والعشرين فإذا كان في آخر منازلِه دقّ واستقوس ثم يستسرّ ليلتين أو ليلةً إذا نقص الشهرُ ويكون مقامُ الشمس في كل منزلةٍ منها ثلاثةَ عشرَ يوماً ، وهذه المنازلُ هي مواقعُ النجومِ التي نسَبت إليها العربُ الأنواءَ المستمطَرةَ وهي السرطانُ والبطينُ والثريا الدبَرانُ الهقعةُ الهنعةُ الذراعُ النثرةُ الطرفُ الجبهةُ الزبرةُ الصّرفةُ العواءُ السّماك الغفرُ الزبانى الإكليلُ القلبُ الشوْلةُ النعائمُ البلدةُ سعدُ الذابحُ سعدُ بلَع سعدُ السعودِ سعدُ الأخبيةِ فرغُ الدلوِ المقدّم فرغُ الدلو المؤخّرُ الرّشا وهو بطن الحوت { لّتَعْلَمُواْ } إما بتعاقب الليلِ والنهارِ المنوطَين بطلوع الشمسِ وغروبِها أو باعتبار نزولِ كلَ منهما في تلك المنازل { عَدَدَ السنين } التي يتعلق بها غرضٌ علميٌّ لإقامة مصالحِكم الدينية والدنيوية { والحساب } أي حسابَ الأوقاتِ من الأشهر والأيام والليالي وغيرِ ذلك مما نيط به شيءٌ من المصالح المذكورةِ ، وتخصيصُ العدد بالسنين والحسابِ بالأوقات لما أنه لم يُعتبرْ في السنينَ المعدودةِ معنى مغايرٌ لمراتب الأعداد كما اعتُبر في الأوقات المحسوبةِ ، وتحقيقُه أن الحسابَ إحصاءُ ما له كميةٌ انفصاليةٌ بتكرير أمثالِه من حيث يتحصل بطائفة معيّنةٍ منها حدٌّ معيَّنٌ له اسمٌ خاصٌّ وحكمٌ مستقلٌّ كالسنة المتحصِّلةِ من اثنى عشرَ شهراً قد تحصل كلٌّ من ذلك من ثلاثين يوماً قد تحصّل كلٌ من ذلك من أربع وعشرين ساعةً مثلاً ، والعدُّ مجردُ إحصائِه بتكرير أمثالِه من غير اعتبارِ أن يتحصل بذلك شيءٌ كذلك ، ولما لم يُعتبر في السنين المعدودةِ تحصُّلُ حدَ معيَّنٍ له اسمٌ خاصٌّ غيرُ أسامي مراتبِ الأعدادِ وحكم مستقلٌّ أضيف إليها العدد وتحصّلُ مراتبِ الأعدادِ من العشرات والمئاتِ والألوفِ اعتباريٌّ لا يُجدي في تحصل المعدودِ نفعاً وحيث اعتُبر في الأوقات المحسوبةِ وتحصلَ ما ذُكر من المراتب التي لها أسامٍ خاصةٌ وأحكامٌ مستقلةٌ علّق بها الحسابُ المنبىءُ عن ذلك والسنةُ من حيث تحقّقُها في نفسها مما يتعلق به الحسابُ وإنما الذي يتعلق به العدُّ طائفةٌ منها وتعلقُه في ضمن ذلك بكل واحدةٍ من تلك الطائفةِ ليس من الحيثية المذكورةِ أعني حيثيةَ تحصّلِها من عدة أشهرٍ قد تحصل كلُّ واحدٍ منها من عدة أيامٍ قد حصل كلٌ منها بطائفة من الساعات فإن ذلك وظيفةُ الحسابِ بل من حيث إنها فردٌ من تلك الطائفةِ المعدودةِ من غير أن يُعتبرَ معها شيءٌ غيرُ ذلك ، وتقديمُ العددِ على الحساب مع أن الترتيبَ بين متعلّقيهما وجوداً وعلماً على العكس لأن العلمَ المتعلّقَ بعدد السنين علمٌ إجماليٌّ بما تعلق به الحسابُ تفصيلاً وإن لم تتّحِد الجهةُ ، أو لأن العددَ من حيث إنه لم يعتبر فيه تحصُّلُ أمرٍ آخرَ حسبما حُقق آنفاً نازلٍ من الحساب الذي اعتُبر فيه ذلك منزلةَ البسيطِ من المركب { مَا خَلَقَ الله ذلك } أي ما ذكر من الشمس والقمر على ما حُكي من الأحوال وفيه إيذانٌ بأن معنى جعلِهما على تلك الأحوالِ والهيئاتِ ليس إلا خلقَهما كذلك كما أشير إليه ، ولا يقدح في ذلك أن استفادةَ القمرِ النورَ من الشمس أمرٌ حادثٌ فإن المرادَ بجعله نوراً إنما هو جعلُه بحيث يتصف بالنور عند وجودِ شرائطِ الاتصافِ به بالفعل { إِلاَّ بالحق } استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم أحوالِ الفاعل أو المفعول أي ما خلق ذلك ملتبساً بشيء من الأشياء إلا ملتبساً بالحق مراعياً لمقتضى الحِكمة البالغةِ أو مراعىً فيه ذلك ، وهو ما أشير إليه إجمالاً من العلم بأحوال السنينَ والأوقاتِ المنوطِ به أمورُ معاملاتِهم وعباداتِهم { يُفَصّلُ الآيات } أي الآياتِ التكوينيةَ المذكورةَ أو جميعَ الآياتِ فيدخلُ فيها الآياتُ المذكورةُ دخولاً أولياً أو يفصل الآياتِ التنزيليةَ المنبِّهة على ذلك ، وقرىء بنون العظمة { لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } الحكمةَ في إبداع الكائناتِ فيستدلون بذلك على شؤون مُبدعِها جل وعلا أو يعلمون ما في تضاعيف الآياتِ المنزلةِ فتؤمنون بها ، وتخصيصُ التفصيلِ بهم لأنهم المنتفِعون به .

(3/234)


إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (6)

{ إِنَّ فِى اختلاف اليل والنهار } تنبيهٌ آخرُ إجماليٌّ على ما ذكر أي في تعاقبهما وكونِ كلَ منهما خِلْفةً للآخر بحسب طلوعِ الشمسِ وغروبِها التابعين لحركات السموات وسكونِ الأرضِ أو في تفاوتهما في أنفسهما بازدياد كلَ منهما بانتقاص الآخرِ وانتقاصِه بازدياده باختلاف حالِ الشمسِ بالنسبة إلينا قُرباً وبعداً بحسب الأزمنة ، أو في اختلافهما وتفاوتِهما بحسب الأمكنةِ إما في الطول والقِصَر فإن البلادَ القريبةَ من القُطب الشماليِّ أيامُها الصيفيةُ أطولُ ولياليها الصيفية أقصرُ من أيام البلاد البعيدةِ منه ولياليها ، وإما في أنفسها فإن كروية الأرضِ تقضي أن يكون بعضُ الأماكن ليلاً وفي مقابله نهاراً { وَمَا خَلَقَ الله فِى السماوات والارض } من أصناف المصنوعات { لاَيَاتٍ } عظيمةً أو كثيرةً دالةً على وجود الصانعِ تعالى ووحدتِه وكمالِ علمِه وقدرتِه وبالغِ حكمتِه التي من جملة مقتضياتِها ما أنكروه من إرسال الرسول صلى الله عليه وسلم وإنزالِ الكتابِ والبعثِ والجزاء { لِّقَوْمٍ يَتَّقُونَ } خصّهم بذلك لأن الداعيَ إلى النظر والتدبر إنما هو تقوى الله تعالى والحذرُ من العاقبة فهم الوافقون على أن جميعَ المخلوقاتِ آياتٌ دون غيرِهم { وَكَأَيّن مِن ءايَةٍ فِى السماوات والارض يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ }

(3/235)


إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ (7)

{ إَنَّ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } بيانٌ لمآل أمرِ مَنْ كفر بالبعث وأعرضَ عن البينات الدالةِ عليه بعد تحقيقِ أن مرجِعَ الكلِّ إليه تعالى وأنه يعيدهم بعد بدئِهم للجزاء ثواباً وعقاباً وتفصيلِ بعض الآياتِ الشاهدة بذلك ، والمرادُ بلقائه إما الرجوعُ إليه تعالى بالبعث أو لقاءُ الحساب كما في قوله عز وعلا : { إِنّى ظَنَنتُ أَنّى ملاق حِسَابِيَهْ } وأياً ما كان ففيه مع الالتفات إلى ضمير الجلالةِ من تهويل الأمر ما لا يخفى والمرادُ بعدم الرجاءِ عدمُ التوقعِ مطلقاً المنتظمِ لعدم الأملِ وعدمِ الخوف فإن عدمَهما لا يستدعي عدمَ اعتقادِ وقوعِ المأمولِ والخوف أي لا يتوقعون الرجوعَ إلينا أو لقاءَ حسابِنا المؤدِّي إما إلى حسن الثوابِ أو إلى سوء العذابِ فلا يأمُلون الأولَ وإليه أشير بقوله عز وجل : { وَرَضُواْ بالحياة الدنيا } فإنه منبىءٌ عن إيثار الأدنى الخسيسِ على الأعلى النفيسِ كقوله تعالى : { ياأيها الذين ءامَنُواْ مَا لَكُمْ } ولا يخافون الثانيَ وإليه أشير بقوله تعالى : { واطمأنوا بِهَا } أي سكَنوا فيها سكونَ مَنْ لا بَراحَ له منها آمنين مِن اعتراء المزعجاتِ غيرَ مُخطرين ببالهم ما يسوؤهم من عذابنا ، وقيل : المرادُ بالرجاء معناه الحقيقيُّ وباللقاء حسنُ اللقاءِ أي لا يأمُلون حسنَ لقائِنا بالبعث والإحياءِ بالحياة الأبدية ورضُوا بدلاً منها ومما فيها من فنون الكراماتِ السنيةِ بالحياة الدنيا الدنيةِ الفانيةِ واطمأنوا بها أي سكَنوا إليها مُكِبّين عليها قاصرين مجامعَ هِممِهم على لذائذها وزخارفِها من غير صارفٍ يَلويهم ولا عاطفٍ يَثنيهم ، وإيثارُ الباءِ على كلمة إلى المنبئة عن مجرد الوصولِ والانتهاء للإيذان بتمام الملابسةِ ودوام المصاحبةِ والمؤانسة ، وحملُ الرجاءِ على الخوف فقط يأباه كلمةُ الرضا بالحياة الدنيا فإنها مُنبئةٌ عما ذُكر من ترك الأعلى وأخذِ الأدنى ، واختيارُ صيغةِ الماضي في الصلتين الأخيرتين للدِلالة على التحقق والتقّررِ كما أن اختيارَ صيغةِ المستقبلِ في الأولى للإيذان باستمرارِ عدم الرجاء .
{ والذين هُمْ عَنْ ءاياتنا } المفصلةِ في صحائف الأكوانِ حسبما أشير إلى بعضها أو آياتِنا المنزلِة المنبّهةِ على الاستشهاد بها المتفقةِ معها في الدلالة على حقية ما لا يرجونه من اللقاء المترتبِ على البعث وعلى بطلان ما رضُوا به واطمأنوا إليه من الحياة الدنيا { غافلون } يتفكرون فيها أصلاً وإن نُبّهوا على ذلك وذُكّروا بأنواع القوارعِ لانهماكهم فيما يصُدهم عنها من الأحوال المعدودةِ ، وتكريرُ الموصولِ للتوسل به إلى جعل صلتِه جملةً اسميةً منبئةً عما هم عليه من استمرار الغفلةِ ودوامِها ، وتنزيلُ التغايرِ الوصفيِّ منزلةَ التغايرِ الذاتي إيذاناً بمغايرة الوصفِ الأخير للأوصاف الأُوَل واستقلالِه باستتباع العذابِ .
هذا وأما ما قيل من أن العطفَ إما لتغاير الوصفين والتنبيهِ على أن الوعيدَ على الجمع بين الذهولِ عن الآيات رأساً والانهماكِ في الشهوات بحيث لا يخطُر ببالهم الآخرةُ أصلاً وإما لتغاير الفريقين والمرادُ بالأولين من أنكر البعثَ ولم يُرد إلا الحياةَ الدنيا وبالآخِرين مَنْ ألهاه حبُّ العاجل عن التأمل في الآجل فكلامٌ ناءٍ عن السداد فليُتأملْ .

(3/236)


أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8) إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (9)

{ أولئك } الموصوفون بما ذكر من صفات السوء { مَأْوَاهُمُ } أي مسكنُهم ومقرُّهم الذي لا بَراحَ لهم منه { النار } لا ما اطمأنوا بها من الحياة الدنيا ونعيمُها { بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من الأعمال القلبيةِ المعهودةِ وما يستتبعه من أصناف المعاصي والسيئاتِ أو بكسبهم إياها ، والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل للدِلالة على الاستمرار التجددي والباء متعلقةٌ بمضمون الجملةِ الأخيرةِ الواقعةِ خبراً عن اسم الإشارةِ وهو مع خبرِه خبرٌ لإن في قوله تعالى : { إَنَّ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } الخ .
{ إِنَّ الذين ءامَنُواْ } أي فعلوا الإيمانَ أو آمنوا بما يشهَد به الآياتُ التي غفَل عنها الغافلون أو بكل ما يجب أن يؤمَنَ به فيندرجُ فيه ذلك اندراجاً أولياً { وَعَمِلُواْ الصالحات } أي الأعمالَ الصالحةَ في أنفسها اللائقةَ بالإيمان ، وإنما تُرك ذكرُ الموصوف لجريانها مَجرى الأسماءِ { يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ } أُوثر الالتفاتُ تشريفاً لهم بإضافة الربِّ وإشعاراً بعلة الهِداية { بِإِيمَانِهِمْ } أي يهديهم بسبب إيمانِهم إلى مأواهم ومقصِدِهم وهي الجنةُ ، وإنما لم تُذكر تعويلاً على ظهورها وانسياقِ النفسِ إليها لا سيما بملاحظة ما سبق من بيان مأوى الكفَرة وما آواهم إليه من أعمالهم السيئةِ ومشاهدةِ ما لحق من التلويح والتصريحِ ، وفي النظم الكريم إشعارٌ بأن مجردَ الإيمانِ والعملِ الصالحِ لا يكفي في الوصول إلى الجنةَ بل لا بد بعد ذلك من الهداية الربانية وأن الكفرَ والمعاصيَ كافيةٌ في دخول النارِ ثم إنه لا نزاعَ في أن المرادَ بالإيمان الذي جعل سبباً لتلك الهداية هو إيمانُهم الخاصُّ المشفوعُ بالأعمال الصالحةِ لا الإيمانُ المجردُ عنها ولا ما هو أعمُّ منهما ، إلا أن ذلك بمعزل عن الدِلالة على خلاف ما عليه أهلُ السنةِ والجماعة من أن الإيمانَ الخاليَ عن العمل الصالحِ يُفضي إلى الجنة في الجملة ولا يخلّد صاحبُه في النار فإن منطوقَ الآيةِ الكريمةِ أن الإيمانَ المقرونَ بالعمل الصالحِ سببٌ للهداية إلى الجنة ، وأما أن كلَّ ما هو سببٌ لها يجب أن يكون كذلك فلا دلالةَ لها ولا لغيرها عليه قطعاً ، كيف لا وقولُه عز وجل : { الذين ءامَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إيمانهم بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الامن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ } منادٍ بخلافه فإن المرادَ بالظلم هو الشركُ كما أطبق عليه المفسرون والمعنى لم يخلِطوا إيمانَهم بشرك ، ولئن حُمل على ظاهره أيضاً يدخُل في الاهتداء من آمن ولم يعمل صالحاً ثم مات قبل أن يظلم بفعل حرامٍ أو بترك واجب { تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الانهار } أي بين أيديهم كقوله سبحانه : { وهذه الانهار تَجْرِى مِن تَحْتِى } وهم على سرر مرفوعةٍ وأرائِكَ مصفوفةٍ ، والجملةُ مستأنفةٌ أو خبرٌ ثانٍ لإن أو حالٌ من مفعول يهديهم على تقدير كون المهديِّ إليه ما يريدونه في الجنة كما قيل ، وقيل : يهديهم ويسدّدهم للاستقامة على سلوك السبيلِ المؤدي إلى الثواب والجنة ، وقوله : { تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الانهار } جارٍ مجرى التفسيرِ والبيان فإن التمسكَ بحبل السعادةِ في حكم الوصولِ إليها وقيل : يهديهم إلي إدراك الحقائقِ البديعةِ بحسب القوةِ العملية كما قال عليه الصلاة والسلام : « من عمل بما علم ورّثه الله علم ما لم يعلم » { فِي جنات النعيم } خبر آخر أو حال أخرى منه أو من الأنهار أو متعلق بتجري أو بيهدي فالمراد بالمهدى إليه إما منازلهم في الجنة أو ما يريدونه فيها .

(3/237)


دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (10) وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11)

{ دَعْوَاهُمْ } أي دعاؤُهم وهو مبتدأٌ وقوله عز وجل : { فِيهَا } متعلقٌ به وقوله تعالى : { سبحانك اللهم } خبرُه أي دعاؤهم هذا الكلامُ وهو معمولٌ لمقدر لا يجوز إظهارُه والمعنى اللهم إنا نسبّحك تسبيحاً ، ولعلهم يقولونه عندما عاينوا فيها من تعاجيبِ آثارِ قدرتِه تعالى ونتائجِ رحمتِه ورأفتِه ما لا عينٌ رأتْ ولا أذنٌ سمعت ولا خطرَ على قلب بشر تقديساً لمقامه تعالى عن شوائب العجز والنقصانِ وتنزيهاً لوعده الكريمِ عن سمات الخُلف { وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا } التحيةُ التكرمةُ بالحالة الجليلة أصلُها أحياك الله حياةً طيبة ، أي ما يحيي به بعضُهم بعضاً أو تحيةُ الملائكةِ إياهم كما في قوله تعالى : { يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سلام } أو تحيةُ الله عز وجل لهم كما في قوله تعالى : { سَلاَمٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ } { سلام } أي سلامةٌ من كل مكروه { دعواهم فِيهَا } أي خاتمةُ دعائِهم { أَنِ الحمد للَّهِ رَبّ العالمين } أي أن يقولوا ذلك نعتاً له عز وجل بصفات الإكرام إثرَ نعتِه تعالى بصفات الجلال ، أي دعاؤهم منحصِرٌ فيما ذُكر إذ ليس لهم مطلبٌ مترقّبٌ حتى ينتظموا في سلك الدعاء ، وأن هي المخففةُ من أنّ المثقلة أصلُه أنه الحمدُ لله فحُذف ضميرُ الشأنِ كما في قوله :
أنْ هالكٌ كلُّ من يحفى وينتعلُ ... وقرىء أنّ الحمدَ لله بالتشديد ونصبِ الحمدُ ولعل توسيط ذكرِ تحيتِهم عند الحكايةِ بين دعائِهم وخاتمتِه للتوسل إلى ختم الحكايةِ بالتحميد تبرّكاً مع أن التحيةَ ليست بأجنبية على الإطلاق ، ودعوى كونِ ترتيبِ الوقوعِ أيضاً كذاك بأن كانوا حين دخلوا الجنةَ وعاينوا عظمة الله تعالى وكبرياءَه مجدّوه ونعتوه بنعوت الجلالِ ثم حياهم الملائكةُ بالسلامة من الآفات والفوزِ بأصناف الكراماتِ أو حياهم بذلك ربُّ العزةِ فحمِدوه تعالى وأثنَوا عليه يأباها إضافةُ الآخرِ إلى دعواهم وقد جوز أن يكون المرادُ بالدعاء العبادةَ كما في قوله تعالى : { وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ } الخ ، إيذاناً بأنْ لا تكليفَ في الجنة أي ما عبادتُهم إلا أن يسبحوه ويحمَدوه وليس ذلك بعبادة إنما يُلْهمونه وينطِقونه تلذذاً ولا يساعده تعيينُ الخاتمة .
{ وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ } هم الذين لا يرجون لقاءَ الله تعالى لإنكارهم البعثَ وما يترتب عليه من الحساب والجزاءِ ، أشير إلى بعض من عظائمِ معاصيهم المتفرّعةِ على ذلك وهو استعجالُهم بما أُوعدوا به من العذاب تكذيباً واستهزاءً وإيرادُهم باسم الجنسِ لما أن تعجيلَ الخيرِ لهم ليس دائراً على وصفهم المذكور إذ ليس كلُّ ذلك بطريق الاستدراجِ أي لو يعجل الله لهم { الشر } الذي كانوا يستعجلون به فإنهم كانوا يقولون : { اللهم إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مّنَ السماء أَوِ ائتنا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ } ونحو ذلك وقوله تعالى { استعجالهم بالخير } نصبَ على أنه مصدرٌ تشبيهيٌّ وُضع موضِعَ مصدرٍ ناصبِه دلالةً على اعتبار الاستعجالِ في جانب المشبّهِ كاعتبار التعجيلِ في جانب المشبه به وإشعاراً بسرعة إجابتِه تعالى لهم حتى كان استعجالُهم بالخير نفسَ تعجيلِه لهم ، والتقديرُ ولو يعجل الله لهم الشرَّ عند استعجالِهم به تعجيلاً مثلَ تعجيلِه لهم الخيرَ عند استعجالِهم به فحُذف ما حذف تعويلاً على دلالة الباقي عليه { لَقُضِىَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ } لأدى إليهم الأجلَ الذي عيّن لعذابهم وأُميتوا وأهلِكوا بالمرة وما أُمهلوا طرفةَ عينٍ ، وفي إيثار صيغةِ المبنيِّ للمفعول جريٌ على سنن الكبرياءِ مع الإيذان بتعيين الفاعلِ ، وقرىء على البناء للفاعل كما قرىء لقضينا ، واختيارُ صيغةِ الاستقبال في الشرط وإن كان المعنى على المضيِّ لإفادة أن عدم قضاءِ الأجلِ لاستمرار عدمِ التعجيل ، فإن المضارعَ المنفيَّ الواقعَ موقعَ الماضي ليس بنص في إفادة انتفاءِ استمرارِ الفعل بل قد يفيد استمرارَ انتفائِه أيضاً بحسب المقامِ كما حقق في موضعه ، واعلم أن مدارَ الإفادةِ في الشرطية أن يكون التالي أمراً مغايراً للمقدّم في نفسه مترتباً عليه في الوجود كما في قوله عز وجل :

(3/238)


{ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِى كَثِيرٍ مّنَ الامر لَعَنِتُّمْ } فإن العنَتَ أي الوقوعَ في المشقة والهلاكِ أمرٌ مغايرٌ لطاعته عليه الصلاة والسلام لهم مترتبٌ عليها في الوجود أو يكون فرداً كاملاً من أفراده ممتازاً عن البقية بأمر يخصّه كما في الأجزية المحذوفة في مثل قولِه تعالى : { وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ على رَبّهِمْ } وقوله تعالى : { وَلَوْ ترى إِذْ وُقِفُواْ عَلَى النار } وقوله تعالى : { وَلَوْ ترى إِذِ المجرمون } ونظائرِها أي لرأيت أمراً هائلاً فظيعاً أو نحوَ ذلك وكما في قوله تعالى : { وَلَوْ يُؤَاخِذُ الله الناس بِمَا كَسَبُواْ مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ } إذا فسر الجوابُ بالاستئصال فإنه فردٌ كاملٌ من أفراد مطلقِ المؤاخذة قد عبّر عنه بما لا مزيدَ عليه في الدلالة على الشدة والفظاعةِ ، فحسنُ موقعِه في معرض التالي للمؤاخذة المطلقةِ وأما ما نحن فيه من القضاء فليس بأمر مغايرٍ لتعجيل الشرِّ في نفسه ، وهو ظاهرٌ بل هو إما نفسُه أو جزئيٌّ منه كسائر جزئياتِه من غير مزّيةٍ له على البقية إذا لم يُعتبر في مفهومه ما ليس مفهوم تعجيلِ الشرِّ من الشدة والهولِ فلا يكونُ في ترتّبه عليه وجوداً أو عدماً مزيدُ فائدةٍ مصحِّحة لجعله تالياً له فالحقُّ أن المقدمَ ليس نفسَ التعجيلِ المذكورِ بل هو إرادتُه المستتبعةِ للقضاء المذكورِ وجوداً وعدماً كما في قوله تعالى : { لَوْ يُؤَاخِذُهُم بِمَا كَسَبُواْ لَعَجَّلَ لَهُمُ العذاب } أي لو يريد مؤاخذتهم ، فإن تعجيلَ العذاب لهم نفسُ المؤاخذةِ أو جزئيٌّ من جزئياتها غيرُ ممتازٍ عن البقية فليس في بيان ترتبِه عليها وجوداً أو عدماً مزيدُ وإنما الفائدة في ترتبه على إرادتها حسبما ذكر ، وأيضاً في ترتب التالي على إرادة المقدمِ ما ليس في ترتبه على نفسه من الدِلالة على المبالغة وتهويلِ الأمر والدلالةِ على أن الأمور منوطةٌ بإرادته تعالى المبنيّة على الحِكم البالغة { فَنَذَرُ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } بنون العظمة الدالة على التشديد في الوعيد وهو عطفٌ على مقدر تنبىء عنه الشرطيةُ كأنه قيل : لكن لا نفعل ذلك لما تقتضيه الحكمةُ فنتركهم إمهالاً واستدراجاً { فِي طغيانهم } الذي هو عدمُ رجاءِ اللقاء ، وإنكارُ البعثِ والجزاءِ وما يتفرع على ذلك من أعمالهم السيئةِ ومقالاتهم الشنيعة { يَعْمَهُونَ } أي يترددون ويتحيرون ففي وضع الموصولِ موضعَ الضمير نوعٌ بيانٍ للطغيان بما في حيز الصلةِ وإشعارٌ بعليّته للترك والاستدارج .

(3/239)


وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (12) وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (13)

{ وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر } أي أصابه جنسُ الضرِّ من مرض وفقرٍ وغيرِهما من الشدائد إصابةً يسيرة { دَعَانَا } لكشفه وإزالتِه { لِجَنبِهِ } حالٌ من فاعل دعا بشهادة ما عُطف عليه من الحالين واللام بمعنى على كما في قوله تعالى : { يَخِرُّونَ لِلاْذْقَانِ } أي دعانا كائناً على جنبه أي مضطجعاً { أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا } أي في جميع الأحوالِ مما ذُكر وما لم يذكر ، وتخصيصُ المعدوداتِ بالذكر لعدم خلوِّ الإنسانِ عنها عادةً أو دعانا في جميع أحوالِ مرضِه على أنه المرادُ بالضر خاصة مُضجَعاً عاجزاً عن القعود وقاعداً غيرَ قادرٍ على النهوض وقائماً لا يستطيع الحَراك { فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ } الذي مسه غِبَّ ما دعانا حسبما ينبىء عنه الفاء { مَرَّ } أي مضى واستمرَّ على طريقته التي كان ينتحيها قبل مساسِ الضرِّ ونسيَ حالةَ الجَهْدِ والبلاءِ ، أو مر عن موقف الضراعةِ والابتهالِ ونأى بجانبه { كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا } أي كأنه لم يدعُنا فخُفف وحُذف ضميرُ الشأن كما في قوله :
كأنْ لم يكن بين الحَجون إلى الصفا ... والجملةُ التشبيهيةُ في محل النصبِ على الحالية من فاعل مرّ أي مرّ مشبَّهاً بمن لم يدْعنا { إلى ضُرّ } أي إلى كشف ضرَ { مَسَّهُ } وهذا وصفٌ للجنس باعتبار حال بعضِ أفرادِه ممن هو متصفٌ بهذه الصفات { كذلك } نصبٌ على المصدرية وذلك إشارةٌ إلى مصدر الفعلِ الآتي ، وما فيه من معنى البعدِ للتفخيم والكافُ مقحَمةٌ للدلالة على زيادة فخامةِ المشارِ إليه إقحاماً لا يكاد يُترَك في لغة العرب ولا في غيرها ومن ذلك قولهم : مثلُك لا يَبخلُ مكان أنت لا تبخل أي مثلَ ذلك التزيينِ العجيب { زُيّنَ لِلْمُسْرِفِينَ } أي للموصوفين بما ذكر من الصفات الذميمةِ وإسرافُهم لما إن الله تعالى إنما أعطاهم القُوى والمشاعرَ ليصرِفوها إلى مصارفها ويستعملوها فيما خُلقت له من العلوم والأعمالِ الصالحة ، فلما صرفوها إلى ما لا ينبغي وهي رأسُ مالِهم فقد أتلفوها وأسرفوا إسرافاً ظاهراً ، والتزيينُ إما من جهة الله سبحانه على طريقه التخليةِ والخِذلانِ أو من الشيطان بالوسوسة والتسويل { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من الاعراض عن الذكر والدعاءِ والانهماكِ في الشهوات ، وتعلقُ الآيةِ الكريمة بما قبلها من حيث إن في كل منهما إملاءً للكفرة على طريقة الاستدراجِ بعد الأنقاذِ من الشر المقدّرِ في الأولى ومن الضرِّ المقررِ في الأخرى .
{ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون } أي القرونَ الخاليةَ مثلَ قومِ نوحٍ وعادٍ وأضرابِهم و ( من ) في قوله تعالى : { مِن قَبْلِكُمْ } متعلقةٌ بأهلكنا أي أهلكناهم من قبل زمانِكم والخطابُ لأهل مكةَ على طريقة الالتفاتِ للمبالغة في تشديد التهديدِ بعد تأييدِه بالتوكيد القسمي { لَمَّا ظَلَمُواْ } ظرفٌ للإهلاك أي أهلكناهم حين فعلوا الظلمَ بالتكذيب والتمادي في الغي والضلالِ من غير تأخير ، وقوله تعالى : { وَجَاءتْهُمْ رُسُلُهُم } حالٌ من ضمير ظلموا بإضمار قد ، وقوله تعالى : { بالبينات } متعلقٌ بجاءتهم على أن الباءَ للتعدية أو بمحذوف وقع حالاً من رسلهم ، دالةٌ على إفراطهم في الظلم وتناهيهم في المكابرة ، أي ظلموا بالتكذيب وقد جائتهم رسلُهم بالآيات البينةِ الدالةِ على صدقهم أو ملتبسين بها حين لا مجالَ للتكذيب ، وقد جُوِّز أن يكون قولُه تعالى : { وَجَاءتْهُمْ } عطفاً على ظلموا فلا محلَّ له من الإعراب عند سيبويه ، وعند غيره محلُّه الجرُّ لأنه معطوفٌ على ما هو مجرورٌ بإضافة الظرفِ إليه ، وليس الظلمُ منحصراً في التكذيب حتى يُحتاج إلى الاعتذار بأن الترتيبَ للذكرى لا يجب كونُه على وفق الترتيبِ الوقوعيّ كما في قوله تعالى :

(3/240)


{ وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى العرش وَخَرُّواْ لَهُ } الخ ، بل هو محمولٌ على سائر أنواعِ الظلم والتكذيبُ مستفادٌ من قوله تعالى : { وَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } على أبلغ وجهٍ وآكده فإن اللامَ لتأكيد النفي أي وما صح وما استقام لهم أن يؤمنوا لفساد استعدادِهم وخذلانِ الله تعالى إياهم لعلمه بأن الألطافَ لا تنجع فيهم ، والجملةُ على الأول عطفٌ على ظلموا لأنه إخبارٌ بإحداث التكذيب ، وهذا بالإصرار عليه ، وعلى الثاني عطفٌ على ما عطف عليه ، وقيل : اعتراضٌ بين الفعلِ وما يجري مَجرى مصدرِه التشبيهيِّ أعني قولَه تعالى : { كذلك } فإن الجزاءَ المشارَ إليه عبارةٌ عن مصدره أي مثلَ ذلك الجزاءِ الفظيعِ أي الإهلاكِ الشديدِ الذي هو الاستئصالُ بالمرة { نَجْزِي القوم المجرمين } أي كلَّ طائفةٍ مجرمة ، وفيه وعيدٌ شديدٌ وتهديدٌ أكيدٌ لأهل مكةَ لاشتراكهم لأولئك المهلَكين في الجرائم والجرائر التي هي تكذيبُ الرسولِ والإصرارُ عليه وتقريرٌ لمضمون ما سبق من قوله تعالى : { وَلَوْ يُعَجّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير } وقرىء بالياء على الالتفات إلى الغَيبة وقد جُوِّز أن يكون المرادُ بالقوم المجرمين أهلَ مكةَ على طريقة وضع الظاهرِ موضعَ ضميرِ الخطابِ إيذاناً بأنهم أعلامٌ في الإجرام ويأباه كلَّ الإباء .

(3/241)


ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (14)

قولُه عز وجل : { ثُمَّ جعلناكم خلائف فِى الارض مِن بَعْدِهِم } فإنه صريحٌ في أنه ابتداءٌ تعرّضَ لأمورهم وأن ما بينّ فيه إنما هو مبادي أحوالِهم لاختبار كيفياتِ أعمالِهم على وجه يُشعر باستمالتهم نحوَ الإيمان والطاعةِ فمُحالٌ أن يكون ذلك إثرَ بيانِ منتهى أمرِهم وخطابِهم ببتّ القولِ بإهلاكهم لكمال إجرامِهم والمعنى ثم استخلفناكم في الأرض من بعد إهلاكِ أولئك القرونِ التي تسمعون أخبارَها وتشاهدون آثارَها استخلافَ من يَختبر { لِنَنظُرَ } أي لنعاملَ معاملةَ من ينظُر { كَيْفَ تَعْمَلُونَ } فهي استعارةٌ تمثيلية ، وكيف منصوبٌ على المصدرية بتعملون لا بننظر فإن ما فيه من معنى الاستفهام مانعٌ من تقدم عاملِه عليه أي أيَّ عملٍ أو على الحالية أي على أيّ حالٍ تعملون الأعمالَ اللائقةَ بالاستخلاف من أوصاف الحُسن كقوله عز وعلا : { لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً } ففيه إشعارٌ بأن المرادَ بالذات والمقصودَ الأصليَّ من الاستخلاف إنما هو ظهورُ الكيفياتِ الحسنةِ للأعمال الصالحةِ ، وأما الأعمالُ السيئةُ فبمعزل من أن تصدُرَ عنهم لا سيما بعد ما سمِعوا أخبارَ القرونِ المهلَكه وشاهَدوا آثارَ بعضِها فضلاً عن أن يُنظمَ ظهورُها في سلك العلة الغائيةِ للاستخلاف ، وقيل : منصوبٌ على أنه مفعولٌ به أي أيَّ عملٍ تعملون أخيراً أم شراً فنعاملَكم بحسبه فلا يكون في كلمة كيف حينئذ دلالةٌ على أن المعتبرَ في الجزاء جهاتُ الأعمالِ وكيفياتُها لا ذواتُها كما هو رأيُ القائل بل تكون حينئذ مستعارةً لمعنى أيّ شيء .

(3/242)


وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)

{ وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ } التفاتٌ من خطابهم إلى الغَيبة إعراضاً عنهم وتوجيهاً للخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتعديد جناياتِهم المضادةِ لما أريد منهم بالاستخلاف ، من تكذيب الرسولِ والكفر بالآيات البيناتِ وغيرِ ذلك كدأب مَنْ قبلهم من القرون المهلَكة ، وصيغةُ المضارعِ للدِلالة على تجدد جوابِهم الآتي حسبَ تحددِ التلاوة { ءاياتنا } الدالةُ على حقية التوحيدِ وبُطلانِ الشركِ ، والإضافةُ لتشريف المضافِ والترغيبِ في الإيمان به والترهيبِ عن تكذيبه { بينات } حالَ كونِها واضحاتِ الدِلالةِ على ذلك ، وإيرادُ فعل التلاوةِ مبنياً للمفعول مسنداً إلى الآيات دون رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ببنائه للفاعل للإشعار بعدمِ الحاجةِ لتعيّن التالي وللإيذان بأن كلامَهم في نفس المتلوِّدون التالي { قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا } وضعَ الموصولُ موضعَ الضميرِ إشعاراً بعلّية ما في حيز الصلةِ العظيمةِ المحكيةِ عنهم وأنهم إنما اجترءوا عليها لعدم خوفِهم من عقابه تعالى يوم اللقاءِ لإنكارهم له ولما هو من مباديه من البعث وذماً لهم بذلك أي قالوا لمن يتلوها عليهم وهو رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وإنما لم يذكر إيذاناً بتعينه { ائت بِقُرْءانٍ غَيْرِ هذا } أشاروا بهذا إلى القرآنِ المشتملِ على تلك الآياتِ لا إلى نفسها فقط قصداً إلى إخراج الكلِّ من البين أي ائت بكتاب آخرَ نقرؤه ليس فيه ما نستبعده من البعث والحسابِ والجزاءِ وما نكرهه من ذم آلهتِنا ومعايبِها والوعيدِ على عبادتها { أَوْ بَدّلْهُ } بتغيير ترتيبِه بأن تجعلَ مكانَ الآيةِ المشتملةِ على ذلك آيةً آخرى خاليةً عنها وإنما قالوه كيداً وطمعاً في المساعدة ليتوسلوا به إلى الإلزام والاستهزاء به { قُلْ } لهم { مَا يَكُونُ لِى } أي ما يصح وما يستقيم لي ولا يمكنني أصلاً { أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى } أي من قبل نفسي وهو مصدرٌ استعمل ظرفاً ، وقرىء بفتح التاءِ وقصر الجواب ببيان امتناعِ ما اقترحوه على اقتراحهم الثاني للإيذان بأن استحالةَ ما اقترحوه أولاً من الظهور بحيث لا حاجة إلى بيانها وأن التصدّيَ لذلك مع كونه ضائعاً ربما يُعد من قبيل المجاراةِ مع السفهاء إذ لا يصدُر مثلُ ذلك الاقتراحِ عن العقلاء ، ولأن ما يدل على استحالة الثاني يدل على استحالة الأولِ بالطريق الأولى .
{ إِنْ أَتَّبِعُ } أي ما أتبع في شيء مما آتي وأذَرُ { إِلاَّ مَا يُوحَى إِلَىَّ } من غير تغيير له في شيء أصلاً على معنى قصرِ حالِه عليه السلام على اتباع ما يوحى إليه لا قصرِ اتباعِه على ما يوحى إليه كما هو المتبادرُ من ظاهر العبارةِ كأنه قيل : ما أفعل إلا اتباعَ ما يوحى إلي وقد مر تحقيقُ المقامِ في سورة الأنعام ، وهو تعليلٌ لصدر الكلامِ ، فإن مَنْ شأنُه اتباعُ الوحي على ما هو عليه لا يستبد بشيء دونه قطعاً ، وفيه جوابٌ للنقض بنسخ بعضِ الآياتِ ببعض وردٌّ لما عرّضوا به عليه الصلاة والسلام بهذا السؤال من أن القرآنَ كلامُه عليه الصلاة والسلام ولذلك قيّد التبديلُ في الجواب بقوله : { مِن تِلْقَاء نَفْسِى } وسماه عصياناً عظيماً مستتبِعاً لعذاب عظيم بقوله تعالى : { إِنّى أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبّى عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } فإنه تعليلٌ لمضمون ما قبله من امتناع التبديلِ واقتصارِ أمرِه عليه الصلاة والسلام على اتباع الوحي ، أي أخاف إن عصيتُه تعالى بتعاطي ما ليس لي من التبديل من تلقاء نفسي والإعراضِ عن اتباع الوحي عذابَ يوم عظيم هو يومُ القيامة أو يومُ اللقاءِ الذي لا يرجونه ، وفيه إشعارٌ بأنهم استوجبوه بهذا الاقتراحِ .

(3/243)


والتعرضُ لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام لتهويل أمرِ العصيان وإظهارِ كمالِ نزاهتِه عليه السلام عنه ، وإيرادُ اليوم بالتنوين التفخيميّ ووصفُه بالعظم لتهويل ما فيه من العذاب وتفظيعِه ، ولا مساغَ لحمل مُقترَحِهم على التبديل والإتيانِ بقرآن آخرَ من جهة الوحي بتفسير قوله تعالى : { مَا يَكُونُ لِى أَنْ أُبَدّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِى } بأنه لا يتسهّلُ لي أن أبدلَه بالاستدعاء من جهة الوحي ، ما أتبع إلا ما يوحى إليّ من غير صنعٍ ما من الاستدعاء وغيرِه من قِبلي ، لأنه يرده التعليلُ المذكورُ لا لأن المقترَحَ حينئذٍ ليس فيه معصيةٌ أصلاً كما تُوُهم ، فإن استدعاءَ تبديلِ الآياتِ النازلِة حسبما تقتضيه الحكمةُ التشريعيةُ بعضِها ببعض ، لا سيما بموجب اقترحِ الكفرة مما لا ريبَ في كونه معصيةً بل لأنه ليس فيه معصيةُ الافتراءِ مع أنها المقصودةُ بما ذُكر في التعليل ، ألا يُرى إلى ما بعده من الآيتين الكريمتين فإنه صريحٌ في أن مقترحَهم الإتيانُ بغير القرآنِ وتبديلُه بطريق الافتراءِ وأن زعمَهم في الأصل أيضاً كذلك .

(3/244)


قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (16)

وقوله عز وجل : { قُل لَّوْ شَاء الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ } تحقيقٌ لحقية القرآنِ وكونِه من عند الله تعالى إثرَ بيانِ بطلانِ ما اقترحوا الإتيانَ به واستحالتِه عبارةً ودلالةً ، وإنما صدر بالأمر المستقلِّ مع كونه داخلاً تحت الأمرِ السابقِ إظهاراً لكمال الاعتناءِ بشأنه وإيذاناً باستقلاله مفهوماً وأسلوباً ، فإنه برهانٌ دالٌّ على كونه بأمر الله تعالى ومشيئتِه كما سيأتي ، وما سبق مجردُ إخبارٍ باستحالة ما اقترحوه ، ومفعولُ شاء محذوفٌ ينبىء عنه الجزاءُ لا غيرُ ذلك كما قيل فإن مفعولَ المشيئةِ إنما يحذف إذا وقعت شرطاً وكان مفعولُها مضمونَ الجزاءِ ولم يكن في تعلقها به غرابةٌ كما في قوله :
لو شئتُ أن أبكي دماً لبكَيتُه ... حيث لم يحُذف لفقدان الشرطِ الأخيرِ ولأن المستلزِمَ للجزاء أعني عدمَ تلاوتِه عليه الصلاة والسلام للقرآن عليهم إنما هو مشيئتُه تعالى له لا مشيئتُه لغير القرآن ، والمعنى أن الأمرَ كلَّه منوطٌ بمشيئته تعالى وليس لي منه شيء قط ، ولو شاء عدمَ تلاوتي له عليكم لا بأن شاء عدمَ تلاوتي له من تلقاء نفسي بل بأن يُنزِلْه عليّ ولم يأمُرْني بتلاوته كما ينبىء عنه إيثارُ التلاوة على القراءة ما تلوتُه عليكم { وَلا أَدْرَاكُمْ بِهِ } أي ولا أعلمَكم به بواسطتي ، والتالي وهو عدمُ التلاوةِ والإدراءِ منتفٍ فينتفي المقدّم أعني مشيئتَه عدمَ التلاوة ، ولا يخفى أنها مستلزمةٌ لعدم مشيئتِه التلاوة قطعاً ، فانتفاؤُها مستلزمٌ لانتفائه حتماً وانتفاءُ عدمِ مشيئتِه التلاوةَ إنما يكون بتحقق مشيئةِ التلاوةِ فثبت أن تلاوتَه عليه الصلاة والسلام للقرآن بمشيئته تعالى وأمرِه ، وإنما قيدنا الإدراءَ بكونه بواسطته عليه الصلاة والسلام لأن عدمَ الإعلامِ مطلقاً ليس من لوازم الشرطِ الذي هو مشيئةُ عدمِ تلاوتِه عليه السلام فلا يجوز نظمُه في سلك الجزاءِ ، وفي إسناد عدمِ الإدراءِ إليه تعالى المنبىءِ عن استناد الإدراءِ إليه تعالى إيذانٌ بأنْ لا دخلَ له عليه السلام في ذلك حسبما يقتضيه المقامُ ، وقرىء ولا أدرَأْنُكم ولا أدرَأَكم بالهمزة فيهما على لغة من يقول : أعطأتُ وأرضأتُ في أعطيت وأرضيتُ أو على أنه من الدرء بمعنى الدفعِ أي ولا جعلتُكم بتلاوته عليكم خصَماءَ تدرَؤُني بالجِدال ، وقرىء ولا أنذرتُكم به وقرىء لأدْرَاكم بلام الجوابِ ، أي لو شاء الله ما تلوتُه عليكم أنا ولأَعلَمكم به على لسان غيري ، على معنى أنه الحقُّ الذي لا محيصَ عنه ، لو لم أُرسل به أنا لأُرسل به غيري البتة ، أو على معنى أنه تعالى يمُنّ على من يشاء فخصّني بهذه الكرامة .
{ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً } تعليلٌ للملازمة المستلزِمةِ لكون تلاوتِه بمشيئة الله تعالى وأمره حسبما بيّن آنفاً ، لكن لا بطريق الاستدلالِ عليها بعدم تلاوتِه عليه الصلاة والسلام فيما سبق بسبب مشيئتِه تعالى إياه بل بطريق الاستشهادِ عليها بما شاهدوا منه عليه الصلاة والسلام في تلك المدةِ الطويلةِ من الأمور الدالةِ على استحالة كونِ التلاوةِ من جهته عليه الصلاة والسلام بلا وحيٍ ، وعمراً نُصب على التشبيه بظرف الزمانِ ، والمعنى قد أقمتُ فيما بينكم دهراً مديداً مقدارَ أربعين سنةً تحفظون تفاصيلَ أحوالي طرّاً وتحيطون بما لديّ خبراً { مِن قَبْلِهِ } أي من قبل نزولِ القرآن لا أتعاطى شيئاً مما يتعلق به لا من حيث نظمه المعجز ولا من حيث معناه الكاشفُ عن أسرار الحقائقِ وأحكامِ الشرائع { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } أي ألا تلاحِظون ذلك فلا تعقلون امتناعَ صدورِه عن مثلي ، ووجوبَ كونِه منزلاً من عند الله العزيز الحكيم فإنه غيرُ خافٍ على من له عقلٌ سليمٌ .

(3/245)


والحق الذي لا محيدَ عنه أن مَنْ له أدنى مَسَكةٍ من العقل إذا تأمل في أمره عليه الصلاة والسلام وأنه نشأ فيما بينهم هذا الدهرَ الطويلَ من غير مصاحبةِ العلماء في شأن من الشؤون ولا مراجعةٍ إليهم في فن من الفنون ولا مخالطةِ البلغاءِ في المفاوضة والحِوار ولا خوضٍ معهم في إنشاء الخُطبِ والأشعار ثم أتى بكتاب بهَرتْ فصاحتُه كلَّ فصيح فائقٍ وبزّت بلاغتُه كلَّ بليغٍ رائقٍ أو علا نظمُه كلَّ منثور ومنظومٍ وحوى فحواه بدائعَ أصنافِ العلومِ ، كاشفٌ أسرارَ الغيبِ من وراء أستارِ الكمُون ناطقٌ بأخبار ما قد كان وما سيكون ، مصدقٌ لما بين يديه من الكتب المنزلةِ مهيمنٌ عليها في أحكامها المُجْملة والمفصّلة لا يبقى عنده شائبةُ اشتباهٍ في أنه وحيٌ منزلٌ من عند الله ، هذا هو الذي اتفقت عليه كلمةُ الجمهور ، ولكن الأنسبَ ببناء الجوابِ فيما سلف على مجرد امتناعِ صدورِ التغيير والتبديلِ عنه عليه الصلاة والسلام لكونه معصيةً موجبةً للعذاب العظيم واقتصارِ حالِه عليه الصلاة والسلام على اتباع الوحي وامتناعِ الاستبدادِ بالرأي من غير تعرضٍ هناك ولا هاهنا لكون القرآنِ في نفسه أمراً خارجاً عن طَوْق البشرِ ولا لكونه عليه الصلاة والسلام غيرَ قادرٍ على الإتيان بمثله أن يُستشهدَ هاهنا على المطلب بما يلائم ذلك من أحواله المستمرةِ في تلك المدةِ المتطاولةِ من كمال نزاهتِه عليه الصلاة والسلام عما يوهم شائبةَ صدورِ الكذبِ والافتراءِ عنه في حق أحدٍ كائناً مَنْ كان كما ينبىء عنه تعقيبُه بتظليم المفتري على الله تعالى ، والمعنى قد لبثتُ فيما بين ظَهْرانيكم قبل الوحي لا أتعرض لأحد قط بتحكم ولا جدالٍ ولا أحوم حولَ مقالٍ فيه شائبةُ شبهةٍ فضلاً عما فيه كذبٌ أو افتراءٌ ، ألا تلاحظون فلا تعقِلون أن مَنْ هذا شأنُه المطردُ في هذا العهد البعيدِ مستحيلٌ أن يقتريَ على الله عز وجل ويتحكم على كافة الخلقِ بالأوامر والنواهي الموجبةِ لسلب الأموالِ وسفكِ الدماءِ ونحو ذلك ، وأن ما أتى به وحيٌ مبينٌ تنزيلٌ من رب العالمين .

(3/246)


فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (17) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (18)

وقوله عز وجل : { فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا } استفهامٌ إنكاريٌّ معناه الجحدُ أي لا أحدَ أظلمُ منه على معنى أنه أظلم من كل ظالم ، وإن كان سبكُ التركيب مفيداً لإنكار أن يكون أحدٌ أظلم منه من غير تعرضٍ لإنكار المساواةِ ونفيها ، فإنه إذا قيل : مَنْ أفضلُ من فلان أو لا أعلمَ منه يُفهم منه حتماً أنه أفضلُ من كل فاضل وأعلمُ من كل عالم ، وزيادةُ قوله تعالى : { كَذِبًا } مع أن الافتراءَ لا يكون إلا كذلك للإيذان بأن ما أضافوه إليه ضِمْناً وحملوه عليه الصلاة والسلام صريحاً مع كونه افتراءً على الله تعالى كذبٌ في نفسه ، فربّ افتراءٍ يكون كذبُه في الإسناد فقط كما إذا أسند ذنبُ زيدٍ إلى عمرو ، وهذا للمبالغة منه عليه الصلاة والسلام في التفادي عما ذُكر من الافتراء على الله سبحانه { أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ } فكفر بها ، وهذا تظليمٌ للمشركين بتكذيبهم للقرآن وحملِهم على أنه من جهته عليه الصلاة والسلام ، والفاءُ لترتيب الكلامِ على ما سبق من بيان كونِ القرآنِ بمشيئته تعالى وأمرِه ، فلا مجال لحمل الافتراءِ باتخاذ الولدِ والشريك ، أي وإذا كان الأمرُ كذلك فمن افترى عليه تعالى بأن يختلقَ كلاماً فيقول : هذا من عند الله أو يبدل بعضَ آياتِه تعالى ببعض كما تجوّزون ذلك في شأني ، وكذلك مَن كذب بآياته تعالى كما تفعلونه أظلمُ من كل ظالم { إِنَّهُ } الضمير للشأن وقع اسماً لإن والخبرُ ما يعقُبه من الجملة ، ومدارُ وضعِه موضعَه ادعاءُ شهرتِه المغنيةِ عن ذكره ، وفائدةُ تصديرِها به الإيذانُ بفخامة مضمونِها مع ما فيه من زيادة تقريرِه في الذهن فإن الضميرَ لا يُفهم منه من أول الأمرِ إلا شأنٌ مبْهمٌ له خطرٌ فيبقى الذهنُ مترقباً لما يعقُبه فيتمكن عند ورودِه عليه فضلُ تمكنٍ ، فكأنه قيل : إن الشأنَ هذا أي { لاَ يُفْلِحُ المجرمون } أي لا ينجُون من محذور ولا يظفَرون بمطلوب ، والمرادُ جنسُ المجرمين فيندرج فيه المفتري والمكذب اندراجاً أولياً .
{ وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ الله } حكايةٌ لجناية أخرى لهم نشأتْ عنها جنايتُهم الأولى معطوفةٌ على قوله تعالى : { وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ } الآية ، عطفَ قصةٍ على قصة ، ومن دون متعلقٌ بيعبدون ومحلُّه النصبُ على الحالية من فاعله أي متجاوزين الله سبحانه لا بمعنى تركِ عبادتِه بالكلية بل بمعنى عدم الاكتفاءِ بها وجعلها قريناً لعبادة الأصنامِ كما يُفصح عنه سياقُ النظمِ الكريم { مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } أي ما ليس من شأنه الضرُّ والنفعُ من الأصنام التي هي جمادات ، وما موصولةٌ أو موصوفةٌ ، وتقديمُ نفي الضررِ لأن أدنى أحكامِ العبادةِ دفعُ الضررِ الذي هو أولُ المنافع ، والعبادةُ أمرٌ حادث مسبوقٌ بالعدم الذي هو مظِنّةُ الضرر فحيث لم تقدِر الأصنامُ على الضرر لم يوجد لإحداث العبادة سببٌ ، وقيل : لا يضرّهم إن تركوا عبادتَها ولا ينفعهم إن عبدوها .

(3/247)


كان أهلُ الطائفِ يعبُدون اللاتَ وأهلُ مكةَ عزى ومَناةَ وهُبَل وإسافاً ونائلةً { وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شفعاؤنا عِندَ الله } عن النضْر بن الحارثِ إذا كان يوم القيامة يشفع لى اللاتُ . قيل : إنهم كانوا يعتقدون أن المتوليَ لكل إقليمٍ روحٌ معينٌ من أرواح الأفلاكِ فعيّنوا لذلك الروحِ صنماً معيناً من الأصنام واشتغلوا بعبادته ومقصودُهم ذلك الروحُ ثم اعتقدوا أن ذلك الروحَ يكون عند الإله الأعظمِ مشتغلاً بعبوديته وقيل : إنهم كانوا يعبدون الكواكبَ فوضعوا لها أصناماً معينة واشتغلوا بعبادتها قصداً إلى عبادة الكواكبِ ، وقيل : إنهم وضعوا طلسماتٍ معينةً على تلك الأصنام ثم تقربوا إليها ، وقيل : إنهم وضعوا هذه الأصنامَ على صور أنبيائِهم وأكابرِهم وزعموا أنهم متى اشتغلوا بعبادة هذه التماثيلِ فإن أولئك الأكابرَ يشفعون لهم عند الله تعالى .
{ قُلْ } تبكيتاً لهم { أَتُنَبّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ } أي أتخبرونه بما لا وجودَ له أصلاً وهو كونُ الأصنامِ شفعاءَهم عند الله تعالى إذ لولاه لعلمه علامُ الغيوبِ ، وفيه تقريعٌ لهم وتهكّمٌ بهم وبما يدعونه من المُحال الذي لا يكاد يدخُل تحت الصحة والإمكانِ ، وقرىء أتنبِّيون بالتخفيف وقوله تعالى : { فِي السموات وَلاَ فِى الارض } حالٌ من العائد المحذوفِ في يعلم مؤكدةٌ للنفي ، لأن ما لا يوجد فيهما فهو منتفٍ عادة { سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ } عن إشراكهم المستلزمِ لتلك المقالةِ الباطلةِ أو عن شركائهم الذين يعتقدونهم شفعاءَهم عند الله تعالى وقرىء تُشركون بتاء الخطاب على أنه من جملة القولِ المأمورِ به ، وعلى الأول هو اعتراضٌ تذييليٌّ من جهته سبحانه وتعالى .

(3/248)


وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (19)

{ وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً } بيانٌ لأن التوحيدَ والإسلامَ ملةٌ قديمةٌ أجمعت عليها الناسُ قاطبة فطرةً وتشريعاً وأن الشركَ وفروعَه جهالاتٌ ابتدعها الغواةُ خلافاً للجمهور وشقاً لعصا الجماعةِ ، وأما حملُ اتحادِهم على الاتفاق على الضلال عند الفترةِ واختلافُهم على ما كان منهم من الاتباع والإصرارِ فمما لا احتمالَ له ، أي وما كان الناسُ كافةً من أول الأمرِ إلا متفقين على الحق والتوحيد من غير اختلافٍ ، وذلك من عهد آدمَ عليه الصلاة والسلام إلى أن قتل قابيلُ هابيلَ ، وقيل : إلى زمن إدريسَ عليه السلام وقيل : إلى زمن نوحٍ عليه السلام وقيل : من حينِ الطوفانِ حينَ لم يذر الله من الكافرين دياراً إلى أن ظهر فيما بينهم الكفرُ ، وقيل : من لدُنْ إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام إلى أن أظهر عمْرُو بنُ لحيَ عبادةَ الأصنام ، فالمرادُ بالناس العربُ خاصةً وهو الأنسب بإيراد الآيةِ الكريمة إثرَ حكايةِ ما حُكي عنهم من الهَنات وتنزيهِ ساحةِ الكبرياء عن ذلك { فاختلفوا } بأن كفرَ بعضُهم وثبت آخرون على ما هم عليه فخالف كلٌّ من الفريقين الآخرَ لا أن كلاًّ منهما أحدث ملةً على حدة من ملل الكفرِ مخالفةً لملة الآخر ، فإن الكلامَ ليس في ذلك الاختلافِ إذ كلٌّ منهما مبطِلٌ حينئذ فلا يُتصوَّر أن يقضى بينهما بإبقاء المُحقّ وإهلاكِ المبطل ، والفاء التعقيبيةُ لا تنافي امتدادَ زمانِ الاتفاقِ إذ المرادُ بيانُ وقوعِ الاختلاف عقيبَ انصرامِ مدةِ الاتفاقِ لا عقيبَ حدوثِ الاتفاق { وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبّكَ } بتأخير القضاءِ بينهم أو بتأخير العذابِ الفاصل بينهم إلى يوم القيامة فإنه يومُ الفصل { لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ } عاجلاً { فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } بتمييز الحقِّ من الباطل بإبقاء الحقِّ وإهلاكِ المبطل . وصيغةُ الاستقبال لحكاية الحالِ الماضيةِ وللدلالة على الاستمرار .

(3/249)


وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (20) وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آَيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (21)

{ وَيَقُولُونَ } حكاية لجناية أخرى لهم معطوفةٌ على قوله تعالى : { وَيَعْبُدُونَ } وصيغةُ المضارعِ لاستحضار صورةِ مقالتهم الشنعاءِ والدلالةِ على الاستمرار والقائلون أهلُ مكة { لَوْلاَ أُنزِلَ عَلَيْهِ ءايَةٌ مّن رَّبّهِ } أرادوا آيةً من الآيات التي اقترحوها كأنهم لفرط العتوِّ والفساد ونهايةِ التمادي في المكابرة والعِناد لم يعدّوا البيناتِ النازلةَ عليه عليه الصلاة والسلام من جنس الآياتِ واقترحوا غيرَها مع أنه قد أُنزل عليه من الآيات الباهرةِ والمعجزاتِ المتكاثرةِ ما يضطرهم إلى الانقياد والقبولِ لو كانوا من أرباب العقولِ { فَقُلْ } لهم في الجواب { إِنَّمَا الغيب للَّهِ } اللامُ للاختصاص العلميِّ دون التكوينيِّ فإن الغيبَ والشهادةَ في ذلك الاختصاصِ سيان والمعنى أن ما اقترحتموه زعمتم أنه من لوازمِ النبوة وعلّقتم إيمانَكم بنزوله من الغيوب المختصّة بالله تعالى لا وقوف لي عليه { فانتظروا } نزولَه { إِنّى مَعَكُم مّنَ المنتظرين } أي لما يفعل الله بكم لاجترائكم على مثل هذه العظيمةِ من جحود الآياتِ واقتراحِ غيرِها وجعلُ الغيبِ عبارةً عن الصارف عن إنزال الآياتِ المقترحةِ يأباه ترتيبُ الأمرِ بالانتظار على اختصاص الغيبِ به تعالى . { وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً } صِحةً وسَعةً { مّن بَعْدِ ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ } أي خالطتْهم حتى أحسوا بسوء أثرِها فيهم ، وإسنادُ المساسِ إلى الضراء بعد إسنادِ الإذاقةِ إلى ضمير الجلالِة من الآداب القرآنيةِ كما في قوله تعالى : { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } ونظائرِه . وقيل : سلط الله تعالى على أهل مكةَ القحطَ سبع سنينَ حتى كادوا يهلِكون ثم رحمهم بالحَيا فطفقوا يطعنون في آياته تعالى ويعادون رسولَه عليه الصلاة والسلام ويكيدونه وذلك قوله تعالى : { وَإِذَا لَهُم مَّكْرٌ فِى آيَاتِنَا } أي بالطعن فيها وعدمِ الاعتداد بها والاحتيالِ في دفعها ، وإذا الأولى شرطيةٌ والثانيةُ جوابُها كأنه قيل : فاجأوا وقوع المكرِ منهم وتنكيرُ مكرٌ للتفخيم ، وفي متعلقةٌ بالاستقرار الذي يتعلق به اللام { قُلِ الله أَسْرَعُ مَكْرًا } أي أعجلُ عقوبةً أي عذابُه أسرعُ وصولاً إليكم مما يأتي منكم في دفع الحقِّ ، وتسميةُ العقوبةِ بالمكر لوقوعها في مقابلة مكرِهم وجوداً أو ذكراً { إِنَّ رُسُلَنَا } الذين يحفظون أعمالَكم والإضافةُ للتشريف { يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ } أي مكرَكم أو ما تمكُرونه وهو تحقيقٌ للانتقام منهم وتنبيهٌ على أن ما دبروا في إخفائه غيرُ خافٍ على الحفَظة فضلاً عن العليم الخبير ، وصيغةِ الاستقبال في الفعلين للدِلالة على الاستمرار التجدّدي والجملةُ تعليلٌ من جهته تعالى لأسرعية مكرِه سبحانه غيرُ داخل في الكلام الملقن كقوله تعالى : { وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً } فإن كتابةَ الرسلِ لما يمكرون من مبادىء بطلانِ مكرِهم وتخلف أثرِه عنه بالكلية وفيه من المبالغة ما لا يوصف ، وتلوينُ الخطاب بصرفه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إليهم للتشديد في التوبيخ ، وقرىء على لفظ الغَيبة فيكون حينئذٍ تعليلاً لما ذُكر أو للأمر .

(3/250)


هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22)

{ هُوَ الذى يُسَيّرُكُمْ } كلامٌ مستأنفٌ مسوقٌ لبيان جنايةٍ أخرى لهم مبنيةٍ على ما مر آنفاً من اختلاف حالِهم حسب اختلافِ ما يعتريهم من السراء والضراءِ ، أي يمكّنكم من السير تمكيناً مستمراً عند الملابسة به وقبلها { فِى البر } مشاةً ورُكباناً وقرىء ينشُركم من النشر ومنه قوله عز وجل : { بَشَرٌ تَنتَشِرُونَ } { والبحر حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك } أي السفن فإنه جمعُ فَلك على زنة أُسْد جمعُ أسَد لا على وزن قفل ، وغايةُ التسييرِ ليست ابتداءَ ركوبِهم فيها بل مضمونُ الشرطيةِ بتمامه كما ينبىء عنه إيثارُ الكونِ المؤذنِ بالدوام على الركوب المُشعِرِ بالحدوث { وَجَرَيْنَ } أي السفن { بِهِمُ } بالذين فيها ، والالتفاتُ إلى الغَيبة للإيذان مما لهم من سوء الحالِ الموجبِ للإعراض عنهم كأنه يُذكر لغيرهم مساوىءُ أحوالِهم ليعجِّبهم منها ويستدعيَ منه الإنكارَ والتقبيحَ ، وقيل : ليس فيه التفاتٌ بل معنى قوله تعالى : { حتى إِذَا كُنتُمْ فِى الفلك } إذا كان بعضُكم فيها إذ الخطابُ للكل ومنهم المسيَّرون في البر ، فالضميرُ الغائبُ عائدٌ إلى ذلك المضافِ المقدر كما في قوله تعالى : { أَوْ كظلمات فِى بَحْرٍ لُّجّىّ يغشاه } أي أو كذى ظلماتٍ يغشاه موجٌ { بِرِيحٍ طَيّبَةٍ } ليّنةِ الهُبوب موافقةٍ لمقصدهم { وَفَرِحُواْ بِهَا } بتلك الريحِ لطيبها وموافقتها { جَاءتْهَا } جوابُ إذا والضميرُ المنصوبُ للريح الطيبةِ أي تلقتْها واستولتْ عليها من طرف مخالِفٍ لها فإن الهبوبَ على وفقها لا يسمى مجيئاً لريح أخرى عادةً بل هو اشتدادٌ للريح الأولى وقيل : للفُلك والأول أظهرُ لاستلزامه للثاني من غير عكس لأن الهبوبَ على طريقة الريح اللينةِ يعد مجيئاً بالنسبة إلى الفُلك دون الريح اللينة مع أنه لا يستتبع تلاطمَ الأمواجِ الموجبِ لمجيئها من كل مكان ، ولأن التهويلَ في بيان استيلائِها على ما فرحوا به وعلَّقوا به حبالَ رجائِهم أكثرُ { رِيحٌ عَاصِفٌ } أي ذاتُ عصْفٍ وقيل : العصُوفُ مختصٌّ بالريح فلا حاجة إلى الفارق وقيل : الريحُ قد يذكّر { وَجَاءهُمُ الموج } في الفلك { مّن كُلّ مَكَانٍ } أي من أمكنة مجيءِ الموجِ عادةً ولا بُعدَ في مجيئه من جميع الجوانبِ أيضاً إذ لا يجب أن يكون مجيئُه من جهة هبوبِ الريح فقط بل قد يكون من غيرها بحسب أسبابٍ تتفق له { وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ } أي هلَكوا فإن ذلك مثلٌ في الهلاك أصلُه إحاطةُ العدو بالحيّ أو سدّت عليهم مسالكُ الخلاص { دَّعَوَا الله } بدلٌ من ظنوا بدل اشتمال لما بينهما من الملابسة والتلازم أو استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال ينساقُ إليه الأذهانُ كأنه قيل : فماذا صنعوا؟ فقيل : دعوُا الله { مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } من غير أن يشركوا به شيئاً من آلهتهم لا مخصّصين لدعاء به تعالى فقط بل للعبادة أيضاً فإنهم بمجرد تخصيصِ الدعاء به تعالى لا يكونون مخلِصين له الدين .
{ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا } اللامُ موطئةٌ للقسم على إرادة القولِ أي قائلين : والله لئن أنجيتنا { مِنْ هذه } الورطة { لَنَكُونَنَّ } البتةَ بعد ذلك أبداً { مِنَ الشاكرين } لنعمك التي من جملتها هذه النعمةُ المسؤولةُ وقيل : الجملةُ مفعولُ دعَوا لأن الدعاءَ من قبيل القولِ والأولُ هو الأَولى لاستدعاء الثاني لاقتصار دعائِهم على ذلك فقط وفي قوله : { لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين } من المبالغة في الدِلالة على كونهم ثابتين في الشكر مثابرين عليه منتظِمين في سلك المنعوتين بالشكر الراسخين فيه ما ليس في أن يقال لنشكُرن .

(3/251)


فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (23)

{ فَلَمَّا أَنجَاهُمْ } مما غشِيَهم من الكُربة والفاءُ للدِلالة على سرعة الإجابة { إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِى الارض } أي فاجئوا الفسادَ فيها وسارعوا إليه متراقين في ذلك متجاوزين عما كانوا عليه من حدود العيثِ ، من قولهم : بغى الجرحُ إذا ترامى في الفساد ، وزيادةُ في الأرض للدِلالة على التجدد والاستمرارِ وقوله تعالى : { بِغَيْرِ الحق } تأكيدٌ لما يفيده البغيُ أو معناه أنه بغير الحقِّ عندهم أيضاً بأن يكون ذلك ظلماً ظاهراً لا يخفى قبحُه على أحد كما في قوله تعالى : { وَيَقْتُلُونَ النبيين بِغَيْرِ الحق } وأما ما قيل من أنه للاحتراز عن البغي بحق كتخريب الغزاةِ ديارَ الكفرة وقطعِ أشجارِهم وإحراق زرعِهم فلا يساعده النظمُ الكريم لابتنائه على كون البغي بمعنى إفسادِ صورةِ الشيء وإبطالِ منفعتِه دون ما ذكر من المعنى اللائق بحال المفسدين .
{ يَا أَيُّهَا الناس } توجيهٌ للخطاب إلى أولئك الباغين للتشديد في التهديد والمبالغةِ في الوعيد { إِنَّمَا بَغْيُكُمْ } الذي تتعاطَوْنه وهو مبتدأ وقوله تعالى : { على أَنفُسِكُمْ } خبرُه أي عليكم في الحقيقة لا على الذين تبغون عليهم وإن ظُنَّ كذلك وقوله تعالى : { مَّتَاعَ الحياة الدنيا } بيانٌ لكون ما فيه من المنفعة العاجلةِ شيئاً غيرَ معتدَ به سريعَ الزوال دائمَ الوبال ، وهو نصبٌ على أنه مصدرٌ مؤكدٌ لفعل مقدر بطريق الاستئنافِ أي تتمتعون متاعَ الحياةِ الدنيا وقيل : على أنه مصدرٌ وقع موقِعَ الحال أي متمتعين بالحياة الدنيا والعاملُ هو الاستقرارُ الذي في الخبر لا نفسُ البغي لأنه يؤدي إلى الفصل بين المصدرِ ومعمولِه بالخبر ولا يخبر عن الموصولِ إلا بعد تمامِ صلتِه وأنت خبيرٌ بأنه ليس في تقييد كونِ بغيهم على أنفسهم بحال تمتعِهم بالحياة الدنيا معنىً يعتدّ به ، وقيل : على أنه ظرفُ زمانٍ نحو مقدمَ الحاجِّ أي زمنَ متاعِ الحياةِ الدنيا وفيه ما مر بعينه ، وقيل : على أنه مفعولٌ لفعل دل عليه المصدرُ أي تبغون متاعَ الحياة الدنيا ولا يخفى أنه لا يدل على البغي بمعنى الطلَب وجعلُ المصدر أيضاً بمعناه مما يُخلُّ بجزالة النظمِ الكريم لأن الاستئنافَ لبيان سوءِ عاقبةِ ما حُكيَ عنهم من البغي المفسّر بالإفساد المفْرطِ اللائقِ بحالهم فأيُّ مناسبةٍ بينه وبين البغي بمعنى الطلب؟ وجعلُ الأول أيضاً بمعناه مما يجب تنزيهُ ساحةِ التنزيلِ عنه وقيل : على أنه مفعولٌ له أي لأجل متاعِ الحياة الدنيا والعاملُ ما ذكر من الاستقرار ، وفيه أن المعلّلَ بما ذُكر نفسُ البغي لا كونُه على أنفسهم ، وقيل : العاملُ فيه فعلٌ مدلولٌ عليه بالمصدر أي تبغون لأجل متاعِ الحياةِ الدنيا على أن الجملةَ مستأنفةٌ ، وقيل : على أنه مفعولٌ صريحٌ للمصدر وعلى أنفسكم ظرفٌ لغوٌ متعلقٌ به ، والمرادُ بالأنفس الجنسُ والخبرُ محذوفٌ لطول الكلامِ والتقديرُ إنما بغيُكم على أبناء جنسِكم متاعَ الحياة الدنيا محذورٌ أو ظاهرُ الفساد أو نحوُ ذلك ، وفيه ما مر من ابتنائه على ما يليق بالمقام من كون البغي بمعنى الطلب .

(3/252)


نعم لو جُعل نصبُه على العلة أي إنما بغيُكم على أبناء جنسِكم لأجل متاعِ الحياةِ الدنيا محذورٌ كما اختاره بعضُهم لكان له وجهٌ في الجملة لكن الحقَّ الذي تقتضيه جزالةُ التنزيلِ إنما هو الأولُ وقرىء متاعُ بالرفع على أنه الخبرُ والظرفُ صلةٌ للمصدر أو خبرٌ ثانٍ لمبتدإٍ محذوفٍ أي هو متاعُ الخ ، كما في قوله تعالى : { إِلاَّ سَاعَةً مّن نَّهَارٍ بَلاَغٌ } أي هذا بلاغٌ فالمرادُ بأنفسهم على الوجه الأول أبناءُ جنسِهم وإنما عبّر عنهم بذلك هزاً لشفقتهم عليهم وحثاً لهم على ترك إيثارِ التمتعِ المذكورِ على حقوقهم ولا مجال للحمل على الحقيقة لأن كونَ بغيهم وَبالاً عليهم ليس بثابت عندهم حسبما يقتضيه ما حُكي عنهم ولم يُخبَر به بعدُ حتى يُجعلَ من تتمة الكلام ويجعل كوُنه متاعاً مقصودَ الإفادِة ، على أن عنوانَ كونِه وبالاً عليهم قادحٌ في كونه متاعاً فضلاً عن كونه من مبادي ثبوتِه للمبتدأ كما هو المتبادرُ من السَّوْق .
وأما كونُ البغي على أبناء الجنسِ فمعلومُ الثبوتِ عندهم ومتضمنٌ لمبادىء التمتعِ من أخذ المالِ والاستيلاءِ على الناس وغيرِ ذلك ، وأما على الوجهين الأخيرين فلا موجبَ للعدول عن الحقيقة فإن المبتدأَ إما نفسُ البغي أو الضميرُ العائدُ إليه من حيث هو هو لا من حيث كونُه وبالاً عليهم كما في صورة كونِ الظرفِ صلةً للمصدر فتدبر . وقرىء متاعاً الحياةَ الدنيا ، أما نصبُ متاعاً فعلى ما مر وأما نصبُ الحياةَ فعلى أنه بدلٌ من متاعاً بدلَ اشتمالٍ ، وقيل : على أنه مفعولٌ به لمتاعاً إذا لم يكن انتصابُه على المصدرية لأن المصدرَ المؤكدَ لا يعمل . عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : « لا تمكُرْ ولا تُعِن ماكراً ولا تبغِ ولا تُعن باغياً ولا تنكُث ولا تُعِن ناكثاً » وكان يتلوها وقال محمد بن كعب : ثلاثٌ من كنّ فيه كنّ عليه : البغيَ والنكثَ والمكر قال تعالى : { إِنَّمَا بَغْيُكُمْ على أَنفُسِكُمْ } { وَمَا يَمْكُرُونَ إِلاَّ بِأَنفُسِهِمْ } { فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ على نَفْسِهِ } وعنه عليه الصلاة والسلام : « وأسرعُ الخير ثواباً صلةُ الرحم وأعجلُ الشر عقاباً البغيُ واليمينُ الفاجرة » وروي ( ثنتان يعجّلهما الله تعالى في الدنيا البغيُ وعقوقُ الوالدين ) وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما ( لو بغى جبلٌ على جبل لدُكّ الباغي ) { ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ } عطفٌ على ما مر من الجملة المستأنفةِ المقدرةِ كأنه قيل : تتمتعون متاعَ الحياة الدنيا ثم ترجِعون إلينا وإنما غُيّر السبكُ إلى الجملة الاسمية مع تقديم الجارِّ والمجرور للدِلالة على الثبات والقصرِ { فَنُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا على الاستمرار من البغي وهو وعيدٌ بالجزاء والعذابِ كقول الرجل لمن يتوعّده : سأخبرك بما فعلت ، وفيه نكتةٌ خفيةٌ مبنيةٌ على حِكمة أبيةٍ وهي أن كلَّ ما يظهر في هذه النشأةِ من الأعيان والأعراضِ فإنما يظهر بصورة مغايرةٍ لصورته الحقيقيةِ التي بها يظهر في النشأة الآخرة فإن المعاصيَ مثلاً سمومٌ قاتلةٌ قد برزت في الدنيا بصورة تستحسنها نفوسُ العصاةِ وكذا الطاعاتُ مع كونها أحسنَ الأحاسن قد ظهرت عندهم بصور مكروهةٍ ولذلك قال عليه الصلاة والسلام :

(3/253)


« حُفت الجنةُ بالمكارة وحفّت النارُ بالشهوات » فالبغي في هذه النشأة وإن برز بصورة تشتهيها البغاةُ وتستحسنها الغواةُ لتمتعهم به من حيث أخذُ المالِ والتشفّي من الأعداء ونحوُ ذلك لكن ذلك ليس بتمتع في الحقيقة بل هو تضرّر من حيث لا يحتسبون وإنما يظهرُ لهم ذلك عند إبرازِ ما كانوا يعملونه من البغي بصورته الحقيقيةِ المضادّةِ لِما كانوا يشاهدونه على ذلك من الصورة وهو المرادُ بالتنبئة المذكورةِ والله سبحانه وتعالى أعلم .

(3/254)


إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (25)

{ إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا } كلامٌ مستأنف مسوقٌ لبيان شأنِ الحياةِ الدنيا وقصرِ مدة التمتعِ بها وقربِ زمانِ الرجوع الموعودِ ، وقد شبِّه حالُها العجبية الشأنِ البديعةُ المثالِ المنتظمةُ لغرابتها في سلك الأمثالِ في سرعة تقضِّيها وانصرامِ نعيمها غِبَّ إقبالِها واغترارِ الناسِ بها بحال ما على الأرض من أنواع النباتِ في زوال رونقِها ونضارتِها فجأةً وذهابِها حُطاماً لم يبق لها أثرٌ أصلاً بعد ما كانت غضّةً طرية قد التف بعضُها ببعض وزُيِّنت الأرضُ بألوانها وتقوّت بعد ضعفِها بحيث طمِع الناسُ وظنوا أنها سلِمت من الجوائح ، وليس المشبَّهُ به ما دخله الكافُ في قوله عز وجل : { كَمَاء أَنزَلْنَاهُ مِنَ السماء فاختلط بِهِ نَبَاتُ الارض } بل ما يفهم من الكلام فإنه من التشبيه المركب { مِمَّا يَأْكُلُ الناس والانعام } من البقول والزروعِ والحشيش { حتى إِذَا أَخَذَتِ الارض زُخْرُفَهَا } جُعلت الأرضُ في تزينها بما عليها من أصناف النباتاتِ وأشكالِها وألوانِها المختلفة المونقةِ آخذةً زخْرُفَها على طريقة التمثيلِ بالعروس التي قد أخذت من ألوان الثيابِ والزَّيْن فتزيّنت بها { وازينت } أصله تزينت فأدغم ، وقرىء على الأصل وقرىء وأزْينت كأغيلت من غير إعلالٍ والمعنى صارت ذاتَ زينةٍ وازْيانَّت كابياضّت { وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا } متمكنون من حصدها ورفعِ غَلّتها { أَتَاهَا أَمْرُنَا } جوابُ إذا أي ضرب زرعَها ما يجتاحه من الآفات والعاهات { لَيْلاً أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا } أي زرعَها وسائرَ ما عليها { حَصِيداً } أي شبيهاً بما حُصد من أصله { كَأَن لَّمْ تَغْنَ } كأن لم يغنَ زرعُها والمضافُ محذوفٌ للمبالغة وقرىء بتذكير الفعل { بالامس } أي فيما قبلُ بزمان قريبٍ فإن الأمسَ مثلٌ في ذلك كأنه قيل : لم تغنَ آنفاً { كذلك } أي مثلَ ذلك التفصيلِ البديعِ { نُفَصّلُ الآيات } أي الآيات القرآنيةَ التي من جملتها هذه الآيةُ المنبهةُ على أحوال الحياةِ الدنيا أي نوضّحها ونبيِّنها { لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ } في تضاعيفها ويقفون على معانيها ، وتخصيصُ تفصيلِها بهم لأنهم المنتفعون بها ، ويجوز أن يرادَ بالآيات ما ذُكر في أثناء التمثيلِ من الكائنات والفاسداتِ وبتفصيلها تصريفُها على الترتيب المحكيِّ إيجاداً وإعداماً فإنها آياتٌ وعلاماتٌ يستدل بها من يتفكر فيها على أحوال الحياةِ الدنيا حالاً ومآلاً .
{ والله يَدْعُو إلى دَارِ السلام } ترغيبٌ للناس في الحياة الأخرويةِ الباقيةِ إثرَ ترغيبهم عن الحياة الدنيوية الفانية أي يدعو الناسَ جميعاً إلى دار السلامةِ عن كل مكروهٍ وآفةٍ وهي الجنةُ ، وإنما ذُكرت بهذا الاسم لذكر الدنيا بما يقابله من كونها معَرْضاً للآفات أو إلى دار الله تعالى وتخصيصُ الإضافةِ التشريفية بهذا الاسم الكريمِ للتنبيه على ذلك أو إلى دار يسلّم الله أو الملائكةُ فيها على من يدخلها أو يسلم بعضُهم علي بعض { وَيَهْدِى مَن يَشَاء } هدايتَه منهم { إلى صراط مُّسْتَقِيمٍ } موصلٍ إليها وهو الإسلامُ والتزودُ بالتقوى ، وفي تعميم الدعوة وتخصيصِ الهدايةِ بالمشيئة دليلٌ على أن الأمرَ غيرُ الإرادة وإن من أصر على الضلالة لم يُرِد الله رشده .

(3/255)


لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (26) وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (27)

{ لّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ } أي أعمالَهم أي عمِلوها على الوجه اللائقِ وهو حسنُها الوصفيُّ المستلزمُ لحسنها الذاتي ، وقد فسره رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بقوله : « أن تعبدَ الله كأنك تراه فإن لم تكنْ تراه فإنه يراك » { الحسنى } أي المثوبةُ الحسنى { وَزِيَادَةٌ } أي ما يزيد على تلك المثوبة تفضلاً لقوله عز اسمه : { وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ } وقيل : الحسنى مثلُ حسناتِهم والزيادةُ عشرُ أمثالهِا إلى سبعمائة ضعفٍ وأكثر ، وقيل : الزيادةُ مغفرةٌ من الله ورِضوانٌ ، وقيل : الحُسنى الجنةُ والزيادة اللقاء { وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ } أي لا يغشاها { قَتَرٌ } غبرةٌ فيها سوادٌ { وَلاَ ذِلَّةٌ } أي أثرُ هوانٍ وكسوفُ بالٍ ، والمعنى لا يرهقهم ما يرهَق أهلَ النار أو لا يرهَقُهم ما يوجب ذلك من الحزن وسوءِ الحالِ ، والتنكيرُ للتحقير أيْ شيءٌ منهما والجملةُ مستأنفةٌ لبيان أمنِهم من المكاره إثرَ بيان فوزِهم بالمطالب والثاني وإن اقتضى الأولَ إلا أنه ذُكر إذكاراً بما ينقذهم الله تعالى منه برحمته ، وتقديمُ المفعولِ على الفاعل للاهتمام بيان أن المصونَ من الرهَق أشرفُ أعضائِهم وللتشويق إلى المؤخر فإن ما حقُّه التقديمُ إذا أُخّر تبقى النفسُ مترقبةً لوروده فعند ورودِه عليها يتمكن عندها فضلُ تمكن ولأن في الفاعل ضربَ تفصيلٍ كما في قوله تعالى : { يَخْرُجُ مِنْهُمَا الُّلؤْلُؤُ وَالمَرْجَانُ } وقوله عز وجل : { وَجَاءكَ فِى هذه الحق وَمَوْعِظَةٌ وذكرى لِلْمُؤْمِنِينَ } { أولئك } إشارةٌ إلى المذكروين باعتبار اتصافِهم بالصفات المذكورةِ ، وما في اسم الإشارةِ من معنى البُعدِ للإيذان بعلو درجتِهم وسموّ طبقتِهم أي أولئك الموصوفون بما ذكر من النعوت الجميلةِ الفائزون بالمثوبات الناجون عن المكاره { أصحاب الجنة هُمْ فِيهَا خالدون } بلا زوالٍ دائمون بلا انتقال .
{ والذين كَسَبُواْ السيئات } أي الشركَ والمعاصيَ وهو مبتدأٌ بتقدير المضافِ خبرُه قوله تعالى : { جَزَاء سَيّئَةٍ بِمِثْلِهَا } أي جزاءُ الذين كسبوا السيئاتِ أن يجازى سيئةً واحدةً بسيئة مثلها ، لا يزاد عليها كما يزاد في الحسنة ، وتغييرُ السبكِ حيث لم يقل : وللذين كسبوا السيئاتِ السوآى لمراعاة ما بين الفريقين من كمال التنائي والتبايُن ، وإيرادُ الكسب للإيذان بأن ذلك إنما هو لسوء صنيعِهم وبسبب جنايتِهم على أنفسهم ، أو الموصولُ معطوفٌ على الموصول الأولِ كأنه قيل : وللذين كسبوا السيئاتِ جزاءُ سيئةٍ بمثلها كقولك : في الدار زيدٌ والحجرةِ عمروٌ وفيه دلالةٌ على أن المرادَ بالزيادة الفضلُ { وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ } وأيُّ ذلةٍ كما ينبىء عنه التنوينُ التفخيميُّ ، وفي إسناد الرَهق إلى أنفسهم دون وجوهِهم إيذانٌ بأنها محيطةٌ بهم غاشيةٌ لهم جميعاً وقرىء يرهَقهم بالياء التحتانية { مَّا لَهُمْ مّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ } أي لا يعصِمُهم أحدٌ من سُخطه وعذابِه تعالى أو ما لهم من عنده تعالى مَن يعصمهم كما يكون للمؤمنين ، وفي نفي العاصمِ من المبالغة في نفي العصمةِ ما لا يخفى ، والجملةُ مستأنفةٌ أو حال من ضمير ترهقهم { كَأَنَّمَا أُغْشِيَت وُجُوههم قطعاً مِنَ اللَّيْلِ } لفرط سوادِها وظلمتِها { مُظْلِماً } حالٌ من الليل والعاملُ فيه أغشيت لأنه العاملُ في قِطَعاً وهو موصوفٌ بالجار والمجرور والعاملُ في الموصوف عاملٌ في الصفة ، أو معنى الفعلِ في ( مِنَ الليل ) وقرىء قِطْعاً بسكون الطاء وهو طائفة من الليل قال :

(3/256)


افتحي الباب وانظُري في النجوم ... كم علينا من قِطْع ليلٍ بهيم
فيجوزُ كونُ مظلماً صفةً له أو حالاً منه وقرىء كأنما يغشى وجوهَهم قِطعٌ من الليل مظلمٌ ، والجملةُ كما قبلها مستأنفةٌ أو حال من ضمير ترهقهم { أولئك } أي الموصوفون بما ذكر من الصفات الذميمة { أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } وحيث كانت الآيةُ الكريمةُ في حق الكفارِ بشهادة السياقِ والسباقِ لم يكن فيها تمسك للوعيدية .

(3/257)


وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (28)

{ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ } كلامٌ مسأنفٌ مسوقٌ لبيان بعضٍ آخرَ من أحوالهم الفظيعةِ ، وتأخيرُه في الذكر مع تقدمه في الوجود على بعض أحوالِهم المحكيةِ سابقاً للإيذان باستقلال كلَ من السابق واللاحقِ بالاعتبار ، ولو روعيَ الترتيبُ الخارجيُّ لعُدَّ الكلُّ شيئاً واحداً كما مر في قصة البقرة ولذلك فصل عما قبله ، ويومَ منصوبٌ على المفعولية بمضمر أي أنذرْهم أو ذكرْهم ، وضمير نحشُرهم لكلا الفريقين الذين أحسنوا والذين كسبوا السيئاتِ لأنه المتبادرُ من قوله تعالى : { جَمِيعاً } ومن أفراد الفريقِ الثاني بالذكر في قوله تعالى : { ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُواْ } أي نقول للمشركين من بينهم ولأن توبيخَهم وتهديدَهم على رؤوس الأشهادِ أفظعُ والإخبارُ بحشر الكلِّ في تهويل اليومِ أدخل ، وتخصيصُ وصفِ إشراكهم بالذكر في حيز الصلةِ من بين سائر ما اكتسبوه من السيئات لابتناء التوبيخِ والتقريعِ عليه مع ما فيه من الإيذان بكونه معظمَ جناياتِهم وعمدةَ سيئاتِهم ، وقيل : للفريق الثاني خاصةً فيكون وضعُ الموصولِ موضعَ الضميرِ لما ذكر آنفاً { مَكَانَكُمْ } نُصب على أنه في الأصل ظرفٌ لفعيل أقيم مُقامه لا على أنه اسمُ فعل ، وحركتُه حركةُ بناءٍ كما هو رأيُ الفارسي ، أي الزَموه حتى تنظُروا ما يفعل بكم { أَنتُمْ } تأكيدٌ للضمير المنتقل إليه من عامله لسده مسدَّه { وَشُرَكَاؤُكُمْ } عطفٌ عليه وقرىء بالنصب على أن الواوَ بمعنى مع { فَزَيَّلْنَا } من زيّلت الشيء مكانه أُزيِّله أي أزلتُه ، والتضعيف للتكثير لا للتعدية وقرىء فزايلنا بمعناه نحو كلّمتُه وكالمته وهو معطوفٌ على نقول ، وإيثارُ صيغةِ الماضي للدِلالة على التحقق المورِّثِ لزيادة التوبيخِ والتحسيرِ ، والفاءُ للدِلالة على وقوع التزييل ومباديه عقيبَ الخطابِ من غير مُهلةٍ إيذاناً بكمال رخاوةِ ما بين الفريقين من العلاقة والوصلةِ أي ففرقنا { بَيْنَهُمْ } وقطّعنا أقرانَهم والوصائل التي كانت بينهم في الدنيا لكن لا من الجانبين بل من جانب العبَدةِ فقط لعدم احتمالِ شمولِ الشركاءِ للشياطين كما سيجيء فخابت آمالُهم وانصرمت عُرى أطماعِهم وحصل لهم اليأسُ الكليُّ من حصول ما كانوا يرجونه من جهتهم ، والحالُ وإن كانت معلومةً لهم من حين الموتِ والابتلاءِ بالعذاب لكن هذه المرتبةَ من اليقين إنما حصلت عند المشاهدةِ والمشافهةِ ، وقيل : المرادُ بالتزييل التفريقُ الحسيُّ أي فباعدنا بينهم بعد الجمعِ في الموقفِ وتبرُّؤ شركائِهم منهم ومن عبادتهم كما في قوله تعالى : { أَيْنَ مَا كُنتُمْ تُشْرِكُونَ مِن دُونِ الله قَالُواْ ضَلُّواْ عَنَّا } فالواو حينئذ في قوله تعالى : { وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ } حاليةٌ بتقدير كلمةِ قد عند من يشترطها وبدونه عند غيرِه ولا عاطفة كما في التفسير الأول لاستدعاء المحاورةِ المحاضرةَ الفائتةَ بالمباعدة وليس في ترتيب التزييلِ بهذا المعنى على الأمر بلزوم المكانِ ما في ترتيبه عليه بالمعنى الأول من النكتة المذكورةِ ليُصار لأجل رعايتِها إلى تغيير الترتيبِ الخارجيِّ فإن المباعدةَ بعد المحاورةِ حتماً ، وأما قطعُ الأقران والعلائق فليس كذلك بل ابتداؤُه حاصلٌ من حين الحشر ، بل بعضُ مراتبه حاصلٌ قبله أيضاً وإنما الحاصلُ عند المحاورةِ أقصاها كما أشير إليه اعتداداً بما في تقديمه من التغيير لا سيما مع رعاية ماذكر من النكتة ، ولو سلم تأخرُ جميعِ مراتبِه عن المحاورة فمراعاةُ تلك النكتةِ كافيةٌ في استدعاء تقديمِه عليها ويجوز أن تكون حاليةً على هذا التقديرِ أيضاً ، والمرادُ بالشركاء قيل : الملائكةُ وعُزيرٌ والمسيحُ وغيرُهم ممن عبدوه من أولي العلم ففيه تأييدٌ لرجوع الضميرِ إلى الكل وقولهم :

(3/258)


{ مَّا كُنتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ }
عبارةٌ عن تبرئهم من عبادتهم وأنهم إنما عبدوا في الحقيقة أهواءَهم وشياطينَهم الذين أغوَوْهم لأنها الآمرةُ لهم بالإشراك دونهم كقولهم : { سبحانك أَنتَ وَلِيُّنَا مِن دُونِهِمْ } الآية ، وقيل : الأصنامُ يُنطِقها الله الذي أنطق كلَّ شيء فتُشافِهُهم بذلك مكانَ الشفاعةِ التي كانوا يتوقعونها .

(3/259)


فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (29) هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (30)

{ فكفى بالله شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ } فإنه العليمُ الخبير { إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لغافلين } أي عن عبادتكم لنا ، وتركهُ للظهور وللإيذان بكمال الغفلةِ عنها ، والغفلةُ عبارةٌ عن عدم الارتضاءِ وإلا فعدمُ شعورِ الملائكةِ بعبادتهم لهم غيرُ ظاهرٍ وهذا يقطع احتمالَ كونِ المرادِ بالشركاء الشياطينَ كما قيل فإن ارتضاءَهم بإشراكهم مما لا ريب فيه وإن لم يكونوا مُجْبِرين لهم على ذلك وإنْ مخففةٌ من إنّ واللامُ فارقة { هُنَالِكَ } أي في ذلك المقام الدهِش ، أو في ذلك الوقت على استعارة ظرفِ المكان للزمان { تبلو } أي تختبر وتذوق { تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ } مؤمنةً كانت أو كافرةً سعيدةً أو شقية { مَّا أَسْلَفَتْ } من العمل وتعاينه بكُنهه مستتبِعاً لآثاره من نفع أوضُرَ وخيرٍ أو شر ، وأما ما علِمتْ من حالها من حين الموتِ والابتلاءِ بالعذاب في البرزخ فأمرٌ مجملٌ وقرىء نبلو بنونِ العظمةِ ونصبِ كلُّ وإبدالِ ما منه أي نعاملها معاملةَ من يبلوها ويتعرّفُ أحوالَها من السعادة والشقاوةِ باختبار ما أسلفت من العمل ، ويجوزُ أن يُراد نُصيب بالبلاء أي العذاب كلَّ نفسٍ عاصيةٍ بسبب ما أسلفت من الشر فيكون ما منصوبةً بنزع الخافضِ وقرىء تتلو أي تتبع لأن عملَها هو الذي يهديها إلى طريق الجنةِ أو إلى طريق النارِ ، أو تقرأ في صحيفه أعمالِها ما قدمت من خير أو شر { وَرُدُّواْ } الضمير الذين أشركوا على أنه معطوفٌ على زيلنا وما عطف عليه قوله عز وجل : { هُنَالِكَ تَبْلُواْ } الخ ، اعتراضٌ في أثناء الحكايةِ مقرّرٌ لمضمونها { إِلَى الله } أي جزائه وعقابه { مولاهم } ربِّهم { الحق } أي المتحقق الصادِق ربوبيتُه لا ما اتخذوه باطلاً وقرىء الحقَّ بالنصب على المدح كقولهم : الحمدُ لله أهلَ الحمد أو على المصدر المؤكد .
{ وَضَلَّ عَنْهُم } وضاع أي ظهر ضَياعُه وضلالُه لا أنه كان قبل ذلك غيرَ ضالٍ ، أو ضل في اعتقادهم أيضاً { مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } من أن آلهتَهم تشفع لهم أو ما كانوا يدعون أنها آلهةٌ ، هذا وجُعل الضميرُ في رُدوا للنفوسِ المدلولِ عليها بكل نفسٍ على أنه معطوفٌ على تبلو وأن العدولَ إلى الماضي للدِلالة على التحقق والتقرر ، وأن إيثارَ صيغةِ الجمعِ للإيذان بأن ردّهم إلى الله يكون على طريقة الاجتماعِ لا يلائمه التعرُّض لوصف الحقيةِ في قوله تعالى : { مولاهم الحق } فإنه للتعريض بالمردودين حسبما أشير إليه ، ولئن اكتُفيَ فيه بالتعريض ببعضهم أو حُمل ( الحقِّ ) على معنى العدل في الثواب والعقاب فقوله عز وجل : { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } مما لا مجال فيه للتدارك قطعاً ، فإن ما فيه من الضمائر الثلاثةِ للمشركين فليزم التفكيكُ حتماً وتخصيصُ ( كلُّ نفس ) بالنفوس المشتركةِ مع عموم البلوى للكل يأباه مقامُ تهويلِ المقام والله تعالى أعلم .

(3/260)


قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31)

{ قُلْ } أي لأولئك المشركين الذين حُكيت أحوالُهم وبيّن ما يؤدي إليه أعمالُهم احتجاجاً على حقية التوحيدِ وبُطلانِ ما هم عليه من الإشراك { مَن يَرْزُقُكُم مّنَ السماء والارض } أي منهما جميعاً فإن الأرزاقَ تحصُل بأسباب سماوية وموادَّ أرضيةٍ أو من كل واحدة منهما توسعةً عليكم وقيل : مِنْ لبيان كلمة مَنْ على حذف المضافِ أي مِنْ أهل السماء والأرض { أَم مَّنْ يَمْلِكُ السمع والابصار } أم منقطعةٌ وما فيها من كلمة بل للإضراب عن الاستفهام الأولِ لكن لا على طريقة الإبطالِ بل على وجه الانتقالِ وصرفِ الكلام عنه إلى استفهام آخرَ تنبيهاً على كفايته فيما هو المقصودُ ، أي من يستطيع خلقَهما وتسويتَهما على هذه الفطرةِ العجبيةِ أو من يحفظهما من الآفات مع كثرتها وسرعة انفعالِهما من أدنى شيءٍ يصيبهما { وَمَن يُخْرِجُ الحى مِنَ الميت وَيُخْرِجُ الميت مِنَ الحى } أي ومن يحيي ويميت أو ومن ينشىء الحيوانَ من النطفة والنطفةَ من الحيوان { وَمَن يُدَبّرُ الامر } أي ومن يلي تدبيرَ أمرِ العالم جميعاً ، وهو تعميمٌ بعد تخصيصِ بعضِ ما اندرج تحته من الأمور الظاهرةِ بالذكر { فَسَيَقُولُونَ } بلا تلعثم ولا تأخير { الله } إذ لا مجال للمكابرة لغاية وضوحِه ، والخبرُ محذوف أي الله يفعل ما ذكر من الأفاعيل لا غيرُه .
{ فَقُلْ } عند ذلك تبكيتاً لهم { أَفَلاَ تَتَّقُونَ } الهمزةُ لإنكار عدمِ الاتقاء بمعنى إنكارِ الواقع كما في أتضرب أباك؟ لا بمعنى إنكار الوقوع في أأضربُ أبي؟ والفاء للعطف على مقدر ينسحب عليه النظمُ الكريمُ أي أتعلمون ذلك فلا تقون أنفسَكم عذابَه الذي ذَكر لكم بما تتعاطَونه من إشراككم به ما لا يشاركه في شيء مما ذُكر من خواصّ الإلهية .

(3/261)


فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (34)

{ فَذَلِكُمُ } فذلكةٌ لما تقدم أي ذلكم الذي اعترفتم باتصافه بالنعوت المذكورةِ وهو مبتدأٌ وقوله تعالى : { الله } خبرُه وقوله تعالى : { رَبُّكُمْ } أي مالكُكم ومتولي أمورِكم على الإطلاق بدلٌ منه أو بيان له ، وقوله تعالى : { الحق } صفةٌ له أي ربكم الثابتُ ربوبيتُه والمتحققُ ألوهيتُه تحققاً لا ريب فيه { فَمَاذَا } يجوز أن يكون الكلُّ اسماً واحداً قد غلب فيه الاستفهامُ على اسم الإشارةِ وأن يكون ذا موصولاً بمعنى الذي أي ما الذي { بَعْدَ الحق } أي غيرُه بطريق الاستعارةِ ، وإظهارُ الحق إما لأن المرادَ به غيرُ الأول وإما لزيادة التقريرِ ومراعاةِ كمالِ المقابلةِ بينه وبين الضلالِ ، والاستفهامُ إنكاريٌّ بمعنى الوقوعِ ونفيِه أي ليس غيرُ الحق { إِلاَّ الضلال } الذي لا يختاره أحدٌ فحيث ثبت أن عبادةَ من هو منعوتٌ بما ذكر من النعوت الجميلةِ حقٌّ ظهر أن ما عداها من عبادة الأصنامِ ضلالٌ محضٌ إذ لا واسطة بينهما ، وإنما سُميت ضلالاً مع كونها من أعمال الجوارحِ باعتبار ابتنائِها على ما هو ضلالٌ من الاعتقاد ، والرأيُ هذا على تقدير كونِ الحقِّ عبارةً عن التوحيد ، وأما على تقدير كونِه عبارةً عن الأول فالمرادُ بالضلال هو الأصنامُ لا عبادتُها ، والمعنى فماذا بعد الربِّ الحقِّ الثابتِ ربوبيّتُه إلا الضلالُ أي الباطلُ الضائعُ المضمحلُّ ، وإنما سمي بالمصدر مبالغةً كأنه نفسُ الضلالِ والضياعِ وهذا أنسبُ بقوله تعالى : { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } على التفسير الثاني .
{ فأنى تُصْرَفُونَ } استفهامٌ إنكاريٌّ بمعنى إنكارِ الواقعِ واستبعادِه والتعجيبِ منه ، وفيه من المبالغة ما ليس في توجيه الإنكارِ إلى نفس الفعلِ لأن كلَّ موجودٍ لا بد من أن يكون وجودُه على الحال من الأحوال قطعاً فإذا انتفى جميعُ أحوالِ وجودِه فقد انتفى وجودُه على الطريق البرهاني كما مر مراراً ، والفاءُ لترتيب الإنكارِ على ما قبله أي كيف تُصرفون من الحق الذي لا محيدَ عنه وهو التوحيدُ إلى الضلال عن السبيل المستبينِ وهو الإشراكُ وعبادةُ الأصنام أو من عبادة ربكم الحقِّ الثابتِ ربوبيتُه إلى عبادة الباطلِ الذي سمعتم ضلالَه وضياعَه في الآخرة ، وفي إيثار صيغةِ المبنيِّ للمفعول إيذانٌ بأن الانصرافَ من الحق إلى الضلال مما لا يصدُر عن العاقل بإرادته وإنما يقع عند وقوعِه بالقسر من جهة صارفٍ خارجيَ .
{ كذلك } أي كما حقت الربوبيةُ لله تعالى أو كما أنه ليس بعد الحقِّ إلا الضلالُ أو أنهم مصروفون عن الحق { حَقَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ } وحكمُه وقضاؤُه { عَلَى الذين فَسَقُواْ } أي تمردوا في الكفر وخرجوا من أقصى حدودِه { أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } بدلُ الكلمةِ أو تعليلٌ لحقيتها والمرادُ بها العِدَةُ بالعذاب .
{ قُلْ هَلْ مِن شُرَكَائِكُمْ } احتجاجٌ آخرُ على حقية التوحيدِ وبطلانِ الإشراكِ بإظهار كونِ شركائِهم بمعزل من استحقاق الإلهية ببيان اختصاصِ خواصِّها من بدء الخلقِ وإعادتِه به سبحانه وتعالى وإنما لم يُعطف على ما قبله إيذاناً باستقلاله في إثبات المطلوبِ ، والسؤالُ للتبكيت والإلزامِ وقد جُعلت أهليةُ الإعادةِ وتحققُها لوضوح مكانِها وسُنوحِ برهانِها بمنزلة بدءِ الخلقِ فنُظمت في سلكه حيث قيل : { مَّن يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ } إيذاناً بتلازمهما وجوداً وعدماً يستلزم الاعترافَ بها وإن صدهم عن ذلك ما بهم من المكابرة والعِناد ، ثم أُمر عليه الصلاة والسلام بأن يبين لهم مَنْ يفعل ذلك فقيل له : { قُلِ الله يَبْدَأُ الخلق ثُمَّ يُعِيدُهُ } أي هو يفعلهما لا غيرُ كائناً ما كان لا بأن ينوبَ عليه الصلاة والسلام عنهم في ذلك كما قيل لأن القولَ المأمورَ به غيرُ ما أريد منهم من الجواب وإن كان مستلزِماً له إذ ليس المسؤولُ عنه مَنْ يبدأ الخلق ثم يعيده كما في قوله تعالى :

(3/262)