صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
المؤلف : أبو السعود ، محمد بن محمد بن مصطفى العمادي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (60)

{ إِنَّمَا الصدقات } شروعٌ في تحقيق حقِّيةِ ما صنعه الرسولُ صلى الله عليه وسلم من القسمة ببيان المصارفِ وردٌّ لمقالة القالةِ في ذلك وحسمٌ لأطماعهم الفارغة المبنيةِ على زعمهم الفاسدِ ببيان أنهم بمعزل من الاستحقاق ، أي جنسُ الصدقات المشتملةِ على الأنواع المختلفة { لِلْفُقَرَاء والمساكين } أي مخصوصةٌ بهؤلاء الأصنافِ الثمانيةِ الآتية لا تتجاوزهم إلى غيرهم ، كأنه قيل : إنما هي لهم لا لغيرهم فما للذين لا علاقةَ بينها وبينهم يقولون فيها ما يقولون وما سوّغ لهم أن يتكلموا فيها وفي قاسمها؟ والفقيرُ من له أدنى شيءٍ والمسكينُ من لا شيء له هو المرويُّ عن أبي حنيفة رضي الله عنه وقد قيل : على العكس ولكل منهما وجهٌ يدل عليه { والعاملين عَلَيْهَا } الساعين في جمعها وتحصليها { والمؤلفة قُلُوبُهُمْ } هم أصنافٌ فمنهم أشرافٌ من العرب كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستألفهم ليُسلموا فيرضَخ لهم ومنهم قومٌ أسلموا ونيّاتُهم ضعيفةٌ فيؤلّف قلوبَهم بإجزال العطاء كعيينةَ بنِ حصن ، والأقرعِ بن حابس ، والعباسِ بن مرداس ، ومنهم من يُترقَّب بإعطائهم إسلامُ نظرائِهم ، ولعل الصنفَ الأولَ كان يعطيهم الرسولُ صلى الله عليه وسلم من خُمس الخُمسِ الذي هو خالصُ مالَه ، وقد عد منهم من يؤلَّف قلبُه بشيء منها على قتال الكفار وما نعي الزكاة وقد سقط سهمُ هؤلاء بالإجماع لما أن ذلك كان لتكثير سوادِ الإسلامِ فلما أعزّه الله عز وعلا وأعلى كلمتَه استُغنيَ عن ذلك { وَفِي الرقاب } أي وللصَّرف في فك الرقاب بأن يُعانَ المكاتَبون بشيء منها على أداء نجومِهم ، وقيل : بأن يُفدَى الأُسارى وقيل : بأن يُبتاع منها الرقابُ فتُعتق ، وأياً ما كان فالعدولُ عن اللام لعدم ذكرِهم بعنوان مصحّحٍ للمالكية والاختصاص كالذين من قبلهم أو للإيذان بعدم قرارِ ملكِهم فيما أعطوا كما في الوجهين الأولين أو بعدم ثبوتِه رأساً كما في الوجه الأخير أو للإشعار برسوخهم في استحقاق الصدقةِ لما أن ( في ) للظرفية المنبئةِ عن إحاطتهم بها وكونِهم محلَّها ومركزَها .
{ والغارمين } أي الذين تداينوا لأنفسهم في غير معصيةٍ إذا لم يكن لهم نصابٌ فاضلٌ عن ديونهم وكذلك عند الشافعيِّ رضي الله عنه غُرمٍ لإصلاح ذاتِ البين وإطفاءِ الثائرة بين القبيلتين وإن كانوا أغنياء { وَفِى سَبِيلِ الله } أي فقراءِ الغزاةِ والحجيج والمنقطَعِ بهم { وابن السبيل } أي المسافر المنقطِع عن ماله ، وتكريرُ الظرف في الأخيرين للإيذان بزيادة فضلِهما في الاستحقاق أو لما ذكر من إيرادهما بعنوان غيرِ مصحَّحٍ للمالكية والاختصاص فهذه مصارفُ الصدقاتِ ، فللمتصدق أن يدفع صدقتَه إلى كل واحدٍ منهم وأن يقتصرَ على صنف منهم لأن اللام لبيان أنهم مصارفُ لا تخرُج عنهم لا لإثبات الاستحقاق ، وقد روي ذلك عن عمرَ وابنِ عباس وحذيفةَ رضي الله عنهم وعند الشافعيِّ لا يجوز إلا أن يُصرَف إلى ثلاثة من تلك الأصناف { فَرِيضَةً مّنَ الله } مصدرٌ مؤكدٌ لما دل عليه صدْرُ الآية أي فرَضَ لهم الصدقاتِ فريضةً . ونُقل عن سيبويه أنه منصوبٌ بفعله مقدراً أي فرَض الله ذلك فريضةً أو حالٌ من الضمير المستكنّ في قوله : للفقراء ، أي إنما الصدقاتُ كائنةٌ لهم حالَ كونها فريضةً أي مفروضة { والله عَلِيمٌ } بأحوال الناسِ ومراتبِ استحقاقِهم { حَكِيمٌ } لا يفعلُ إلا ما تقتضيه الحِكمةُ من الأمور الحسنةِ التي من جملتها سَوْقُ الحقوقِ إلى مستحقّيها .

(3/180)


وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (61)

{ وَمِنْهُمُ الذين يُؤْذُونَ النبى } نزلت في فِرقة من المنافقين قالوا في حقه عليه الصلاة والسلام ما لا ينبغي فقال بعضُهم : لا تفعلوا فإنا نخاف أن يبلُغه ذلك فيقعَ بنا فقال الجُلاَسُ بنُ سُوَيْد : نقول ما شئنا ثم نأتيه فننكر ما قلنا ونحلِف فيصدقنا بما نقول ، إنما محمدٌ أذُنٌ سامعة وذلك قوله عز وجل { وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ } أي سمع كلَّ ما قيل من غير أن يتدبَّرَ فيه ويميّزَ بين ما يليق بالقَبول لمساعدة أَمارات الصدقِ له وبين ما لا يليق به ، وإنما قالوه لأنه عليه الصلاة والسلام كان لا يواجههم بسوء ما صنعوا ويصفَحُ عنهم حِلماً وكرماً فحملوه على سلامة القلبِ وقالوا ما قالوا { قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ } من قبيل رجلُ صدقٍ في الدلالة على المبالغة في الجودة والصلاح ، كأنه قيل : نعم هو أذنٌ ولكن نِعمَ الأذُنُ ، ويجوز أن يكون المرادُ أذناً في الخير والحقِّ وفيما ينبغي سماعُه وقَبولُه لا في غير ذلك كما يدل عليه قراءةُ رحمةٍ بالجر عطفاً عليه أي هو أذنُ خيرٍ ورحمةٍ لا يسمع غيرَهما ولا يقبله ، وقرىء أذْن بسكون الذال فيهما وقرىء أذن خير على أنه صفةٌ أو خبرٌ ثان وقوله عز وجل { يُؤْمِنُ بالله } تفسيرٌ لكونه أذنَ خيرٍ لهم أي يصدق بالله تعالى لما قام عنده من الأدلة الموجبةِ له ، وكونُ ذلك خيراً للمخاطَبين كما أنه خيرٌ للعالمين مما لا يخفى { وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } أي يصدّقهم لِما علم فيهم من الخلوص ، واللامُ مزيدةٌ للتفرقة بين الإيمان المشهورِ وبين الإيمان بمعنى التسليمِ والتصديق كما في قوله تعالى : { أَنُؤْمِنُ لَكَ } الخ وقوله تعالى : { فَمَا ءامَنَ لموسى } الخ .
{ وَرَحْمَةً } عطفٌ على أذنُ خيرٍ أي وهو رحمةٌ بطريق إطلاقِ المصدرِ على الفاعل للمبالغة { لّلَّذِينَ ءامَنُواْ مِنكُمْ } أي للذين أظهروا الإيمانَ منكم حيث يقبله منهم لكن لا تصديقاً لهم في ذلك بل رفقاً بهم وترحماً عليهم ولا يكشف أسرارَهم ولا يهتِك أستارَهم ، وإسنادُ الإيمان إليهم بصيغة الفعلِ بعد نسبتِه إلى المؤمنين بصيغة الفاعل المنبئةِ عن الرسوخ والاستمرارِ للإيذان بأن إيمانَهم أمرٌ حادثٌ ما له من قرار ، وقرىء بالنصب على أنها علةٌ لفعل دلَّ عليه أذنُ خيرٍ أي يأذن لكم رحمةً { والذين يُؤْذُونَ رَسُولَ الله } بما نُقل عنهم من قولهم : هو أذنٌ ونحوِه ، وفي صيغة الاستقبالِ المُشعِرة بترتب الوعيدِ على الاستمرار على ما هم عليه إشعارٌ بقبول توبتِهم كما أفصح عنه قولُه تعالى فيما سيأتي : { فَإِن يَتُوبُواْ يَكُ خَيْراً لَّهُمْ } { لَهُمْ } بما يجترئون عليه من أذيَّته عليه الصلاة والسلام كما ينبىء عنه بناءُ الحُكمِ على الموصول { عَذَابٌ أَلِيمٌ } وهذا اعتراضٌ مَسوقٌ من قِبَله عز وجل على نهج الوعيدِ غيرُ داخلٍ تحت الخطابِ وفي تكرير الإسنادِ بإثبات العذابِ الأليم لهم ثم جعلِ الجملةِ خبراً للموصول ما لا يخفى من المبالغة ، وإيرادُه عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالةِ مضافاً إلى الاسم الجليلِ لغاية التعظيمِ والتنبيهِ على أن أذيته راجعةٌ إلى جنابه عز وجل موجبةٌ لكمال السخطِ والغضب .

(3/181)


يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ (62) أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (63)

{ يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ } الخطابُ للمؤمنين خاصةً وكان المنافقون يتكلمون بالمطاعن ثم يأتونهم فيعتذرون إليهم ويؤكدون معاذيرَهم بالأيمان ليعذُروهم ويرضَوا عنهم أي يحلفون لكم أنهم ما قالوا ما نُقل إليهم مما يورث أذاةَ النبيِّ صلى الله عليه وسلم وأما التخلفُ عن الجهاد فليس بداخل في هذا الاعتذارِ { لِيُرْضُوكُمْ } بذلك ، وإفرادُ إرضائِهم بالتعليل مع أن عمدةَ أغراضِهم إرضاءُ الرسول صلى الله عليه وسلم وقد قبِل عليه الصلاة والسلام ذلك منهم ولم يكذّبْهم للإيذان بأن ذلك بمعزل من أن يكون وسيلةً إلى إرضائه عليه الصلاة والسلام وأنه صلى الله عليه وسلم إنما لم يكذبهم رفقاً بهم وستراً لعيوبهم لا عن رضا بما فعلوه كما أشير إليه { والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ } أي أحقُّ بالإرضاء ولا يتسنى ذلك إلا بالطاعة والمتابعةِ وإيفاءِ حقوقِه عليه الصلاة والسلام في باب الإجلالِ والإعظامِ مَشهداً ومَغيباً وأما ما أتَوا به من الأَيمان الفاجرة فإنما يرضى به من انحصر طريقُ علمِه في الأخبار إلى أن يجيءَ الحقُّ ويزهَقَ الباطلُ . والجملةُ نصبٌ على الحالية من ضمير يحلفون أي يحلفون لكم لإرضائكم والحالُ أنه تعالى ورسولُه أحقُّ بالإرضاء منكم أي يُعرضون عما يُهِمُّهم ويجديهم ويشتغلون بما لا يَعنيهم ، وإفرادُ الضمير في يُرْضوه إما للإيذان بأن رضاه عليه الصلاة السلام مندرجٌ تحت رضاه سبحانه وإرضاؤُه عليه الصلاة والسلام إرضاءٌ له تعالى لقوله تعالى : { مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله } وإما لأنه مستعارٌ لاسم الإشارةِ الذي يشار به إلى الواحد والمتعدد بتأويل المذكور كما في قول رؤبة :
فيها خطوطٌ من سوادٍ وبَلَق ... كأنه في الجلد توليعُ البهقْ
أي كأن ذلك . لا يقال أيُّ حاجةٍ إلى الاستعارة بعد التأويل المذكورِ لأنا نقول : لولا الاستعارةُ لم يتسنَّ التأويل لما أن الضميرَ لا يتعرض إلا لذات ما يرجِع إليه من غير تعرضٍ لوصف من أوصافه التي من جملتها المذكوريةُ وإنما المتعرضُ لها اسمُ الإشارةِ وإما لأنه عائدٌ إلى رسوله ، والكلامُ جملتان حُذف خبرُ الأولى لدلالة خبرِ الثانية عليه كما ذهب إليه سيبويه ، ومنه قولُ من قال :
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راضٍ والرأيُ مختلف
أو إلى الله على أن المذكورَ خبرُ الجملة الأولى وخبرُ الثانيةِ محذوفٌ كما هو رأي المبرد { إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ } جوابُه محذوفٌ تعويلاً على دِلالة ما سبق عليه أي إن كانوا مؤمنين فليُرْضوا الله ورسولَه بما ذكر فإنهما أحقُّ بالإرضاء .
{ أَلَمْ يَعْلَمُواْ } أي أولئك المنافقون ، والاستفهامُ للتوبيخ على ما أقدَموا عليه من العظيمة مع علمهم بسوء عاقبتِها ، وقُرىء بالتاء على الالتفات لزيادةِ التقريعِ والتوبيخ أي ألم يعلموا بما سمعوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم من فنون القوارعِ والإنذارات { أَنَّهُ } أي الشأنَ { مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ } المحادَّةُ من الحدّ كالمُشاقّة من الشَّق والمعاداةُ من العُدوة بمعنى الجانبِ فإن كلَّ واحدٍ من مباشري كلِّ الأًفعالِ المذكورة في محل غيرِ محلِّ صاحبِه ، ومَنْ شرطيةٌ جوابُها قوله تعالى : { فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } على أن خبرَه محذوفٌ أي فحَقٌّ أن له نارَ جهنم ، وقرىء بكسر الهمزةِ والجملةُ الشرطيةُ في محلّ الرفعِ على أنها خبرٌ لأن وهي مع خبرها سادةٌ مسدَّ مفعولي يعلموا ، وقيل : المعنى فله ، وإنّ تكريرٌ للأولى تأكيداً لطول العهدِ لا من باب التأكيدِ اللفظيِّ المانعِ للأولى من العمل ، ودخولُ الفاءِ كما في قول من قال :

(3/182)


لقد علم الحيُّ اليمانُونَ أنني ... إذا قلتُ : أما بعدُ ، أني خطيبُها
وقد جوّز أن يكون فإن له معطوفاً على أنه ، وجوابُ الشرط محذوفٌ تقديرُه ألم يعلموا أنه من يحاددِ الله ورسولَه يهلِكْ فإن له الخ ، ورُدّ بأن ذلك إنما يجوز عند كونِ فعلِ الشرط ماضياً أو مضارعاً مجزوماً بلم { خَالِداً فِيهَا } حالٌ مقدّرةٌ من الضمير المجرورِ إن اعتُبر في الظرف ابتداءُ الاستقرار وحدوثُه وإن اعتبر مطلقُ الاستقرارِ فالأمرُ ظاهر { ذلك } أشير إلى ما ذكر من العذاب الخالدِ بذلك إيذاناً ببُعد درجتِه في الهول والفظاعةِ { الخزى العظيم } الخزيُ الذلُّ والهوانُ المقارِنُ للفضيحة والندامة ، وهي ثمراتُ نفاقِهم حيث يفتضحون على رؤوس الأشهادِ بظهورها ولُحوقِ العذاب الخالدِ بهم ، والجملةُ تذييلٌ لما سبق .

(3/183)


يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (64) وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآَيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65)

{ يَحْذَرُ المنافقون أَن تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ } في شأنهم فإن ما نزل في حقهم نازلٌ عليهم { سُورَةٌ تُنَبّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِم } من الأسرار الخفيةِ فضلاً عما كانوا يُظهِرونه فيما بينهم من أقاويل الكفرِ والنفاقِ ، ومعنى تَنْبئتِها إياهم بما في قلوبهم مع أنه معلومٌ لهم وأن المحذورَ عندهم إطلاعُ المؤمنين على أسرارهم لا إطلاعُ أنفسِهم عليها أنها تُذيع ما كانوا يُخفونه من أسرارهم فتنتشرُ فيما بين الناس فيسمعونها من أفواه الرجالِ مُذاعةً ، فكأنها تخبرهم بها أو المرادُ بالتنبئة المبالغةُ في كون السورة مشتملةً على أسرارهم كأنها تعلم من أحوالهم الباطنةِ ما لا يعلمونه فتنبئهم بها وتنعي عليهم قبائحَهم ، وقيل : معنى يحذر لِيحذر ، وقيل : الضميران الأولان للمؤمنين والثالث للمنافقين ولا يبالى بالتفكيك عند ظهورِ الأمرِ بعَوْد المعنى إليه أي يحذر المنافقون أن تنزَّلَ على المؤمنين سورةٌ تخبرهم بما في قلوب المنافقين وتهتِك عليهم أستارَهم . قال أبو مسلم : كان إظهارُ الحذرِ منهم بطريق الاستهزاءِ فإنهم كانوا إذا سمعوا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يذكر كلَّ شيء ويقول إنه بطريق الوحي يكذبونه ويستهزئون به ولذلك قيل : { قُلْ استهزءوا } أي افعلوا الاستهزاءَ وهو أمر تهديد { إِنَّ الله مُخْرِجٌ } أي من القوة إلى الفعل أو من الكُمون إلى البروز { مَّا تَحْذَرُونَ } أي ما تحذرونه من إنزال السورةِ ومن مخازيكم ومثالبِكم المستكنةِ في قلوبكم الفاضحةِ لكم على ملأ الناسِ ، والتأكيدُ لرد إنكارِهم بذلك لا لدفع ترددِهم في وقوع المحذورِ إذ ليس حذرُهم بطريق الحقيقة { وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ } عما قالوا { لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } رُوي أنه عليه الصلاة والسلام كان يسير في غزوة تبوكَ وبين يديه ركبٌ من المنافقين يستهزئون بالقرآن وبالرسول صلى الله عليه وسلم ويقولون : انظُروا إلى هذا الرجل يريد أن يفتتحَ حُصون الشامِ وقصورَها هيهاتَ هيهات . فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك فقال : «احبِسوا على الركب» فأتاهم فقال : «قلتم كذا ، وكذا؟» فقالوا : يا نبيَّ الله لا والله ما كنا في شيء من أمرك ولا من أمر أصحابِك ولكن كنا في شيء مما يخوض فيه الركبُ ليقصُرَ بعضنا على بعض السفر { قُلْ } غيرَ ملتفتٍ إلى اعتذارهم ناعياً عليهم جناياتِهم منزِّلاً لهم منزلةَ المعترفِ بوقوع الاستهزاء موبخاً لهم على أخطائهم موقعَ الاستهزاء { أَبِاللهِ وَرَسُولِهِ كُنتُم تَسْتَهْزِئُون } حيث عقب حرف التقرير بالمستهزأ به ولا يستقيم ذلك إلا بعد تحققِ الاستهزاءِ وثبوتِه .

(3/184)


لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (66) الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (67) وَعَدَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللَّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (68)

{ لاَ تَعْتَذِرُواْ } لا تشتغلوا بالاعتذار وهو عبارةٌ عن محو أثرِ الذنبِ فإنه معلومُ الكذبِ بيِّنُ البطلان { قَدْ كَفَرْتُمْ } أظهرتم الكفر بإيذاء الرسولِ صلى الله عليه وسلم والطعن فيه { بَعْدَ إيمانكم } بعد إظهارِكم له { إِن نَّعْفُ عَن طَائِفَةٍ مّنْكُمْ } لتوبتهم وإخلاصِهم أو تجنّبهم ( عن ) الإيذاء والاستهزاءِ ، وقرىء إن يعفُ على إسناد الفعلِ إلى الله سبحانه وقرىء على البناء للمفعول مسنَداً إلى الظرف بتذكير الفعلِ وبتأنيثه أيضاً ذهاباً إلى المعنى كأنه قيل : إن ترحم طائفةٌ { نُعَذّبْ } بنون العظمة وقرىء بالياء على البناء للفاعل وبالتاء على البناء للمفعول مسنداً إلى ما بعده { طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُواْ مُجْرِمِينَ } مصِرِّين على الإجرام وهو غيرُ التائبين أو مباشرين له وهم غير المجتنبين . قال محمد بن إسحاقَ : الذي عُفي عنه رجلٌ واحدٌ هو يحيى بنُ حُمَيِّر الأشجعيُّ لما نزلت هذه الآيةُ تاب عن نفاقه وقال : اللهم إني لا أزال أسمع آيةً تقشعر منها الجلودُ وتجِبُ منها القلوب اللهم اجعل وفاتي قتلاً في سبيلك لا يقولُ أحدٌ : أنا غسلتُ أنا كفنتُ أنا دفنتُ فأصيب يومَ اليمامة فما أحدٌ من المسلمين إلا عُرِفَ مصرعُه غيرَه .
{ المنافقون والمنافقات } التعرّضُ لأحوال الإناثِ للإيذان بكمال عراقتِهم في الكفر والنفاق { بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ } أي متشابهون في النفاق والبُعدِ عن الإيمان كأبعاض الشيء الواحدِ بالشخص ، وقيل : أريد به نفيُ أن يكونوا من المؤمنين وتكذيبُهم في حلفهم بالله إنهم لمنكم وتقريرٌ لقوله تعالى : { وَمَا هُم مّنكُمْ } وقوله تعالى : { يَأْمُرُونَ بالمنكر } أي بالكفر والمعاصي { وَيَنْهَوْنَ عَنِ المعروف } أي عن الإيمان والطاعةِ استئنافٌ مقررٌ لمضمون ما سبق ومُفصِحٌ عن مضادة حالِهم لحال المؤمنين أو خبرٌ ثان { وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ } أي عن المبرات والإنفاق في سبيل الله فإن قبضَ اليد كنايةٌ عن الشح { نَسُواْ الله } أغفلوا ذكرَه { فَنَسِيَهُمْ } فتركهم من رحمته وفضلِه وخذلَهم ، والتعبيرُ عنه بالنسيان للمشاكلة { إِنَّ المنافقين هُمُ الفاسقون } الكاملون في التمرد والفسقِ الذي هو الخروجُ عن الطاعة والانسلاخُ عن كل خيرٍ والإظهارُ في موقع الإضمار لزيادة التقرير كما في قوله تعالى :
{ وَعَدَ الله المنافقين والمنافقات والكفار } أي المجاهرين { نَارَ جَهَنَّمَ خالدين فِيهَا } مقدرين الخلود فيها { هِىَ حَسْبُهُمْ } عقاباً وجزاءً وفيه دليلٌ على عظم عقابِها وعذابِها { وَلَعَنَهُمُ الله } أي أبعدهم من رحمته وأهانهم ، وفي إظهار الاسمِ الجليلِ من الإيذان بشدة السخط ما لا يخفى { وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ } أي نوعٌ من العذاب غيرَ عذابِ النار دائمٌ لا ينقطع أبداً أو لهم عذاب مقيمٌ في الدنيا لا ينفك عنهم وهو ما يقاسونه من تعب النفاقِ الذي هم منه في بلية دائمةٍ لا يأمنون ساعةً من خوف الفضيحةِ ونزولِ العذاب إن اطُّلع عن أسرارهم .

(3/185)


كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (69)

{ كالذين مِن قَبْلِكُمْ } التفاتٌ من الغَيبة إلى الخطاب للتشديد والكافُ في محل الرفعِ على الخبرية ، أي أنتم مثلُ الذين مِن قبلكم { كَانُواْ أَشَدَّ مِنكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أموالا وأولادا } تفسيرٌ وبيانٌ لِشَبَههم بهم وتمثيلٌ لحالهم بحالهم { فاستمتعوا } تمتعوا ، وفي صيغة الاستفعالِ ما ليس في صيغة التفعلِ من الاستزادة والاستدامةِ في التمتع { بخلاقهم } بنصيبهم من ملاذ الدنيا ، واشتقاقُه من الخَلْق بمعنى التقدير وهو ما قُدّر لصاحبه { فَاسْتَمْتَعْتُمْ بخلاقكم كَمَا اسْتَمْتَعَ } الكاف في محل النصبِ على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي استمتاعاً كاستمتاع { الذين مِنْ قَبْلِكُم بخلاقهم } ذمّ الأولين باستمتاعهم بحظوظهم الخسيسةِ من الشهوات الفانيةِ والتهائِهم بها عن النظر في العواقب الحقةِ واللذائذ الحقيقيةِ تمهيداً لذم المخاطبين بمشابهتهم إياهم واقتفائِهم أثرَهم { وَخُضْتُمْ } أي دخلتم في الباطل { كالذي خَاضُواْ } أي كالذين بإسقاط النونِ أو كالفوج الذي أو كالخوض الذي خاضوه { أولئك } إشارةٌ إلى المتصفين بالأوصاف المعدودةِ من المشبَّهين والمشبَّهة بهم لا إلى الفريق الأخير فقط فإن ذلك يقتضي أن يكون حُبوطُ أعمالِ المشبهين وخسرانُهم مفهومَين ضمناً لا صريحاً ويؤدي إلى خلوّ تلوينِ الخطابِ عن الفائدة إذ الظاهرُ حينئذ أولئكم والخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لكل من يصلُح للخطاب أي أولئك الموصوفون بما ذكر من الأفعال الذميمة .
{ حَبِطَتْ أعمالهم } ليس المرادُ بها أعمالَهم المعدودةَ كما يُشعر به التعبيرُ عنهم باسم الإشارةِ فإن غائلتَها غنيةٌ عن البيان بل أعمالَهم التي كانوا يستحقون بها أجوراً حسنةً لو قارنت الإيمان ، أي ضاعت وبطَلت بالكلية ولم يترتب عليها أثرٌ { فِى الدنيا والاخرة } بطريق المثوبةِ والكرامةِ ، أما في الآخرة فظاهرٌ وأما في الدنيا فلأنّ ما يترتب على أعمالهم فيها من الصحةِ والسعة وغيرِ ذلك حسبما ينبىء عنه قولُه عز وجل : { مَن كَانَ يُرِيدُ الحياة الدنيا وَزِينَتَهَا نُوَفّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ } ليس ترتبُه عليها على طريقه المثوبةِ والكرامة بل بطريق الاستدراج { وَأُوْلئِكَ } أي الموصوفون بحُبوط الأعمالِ في الدارين { هُمُ الخاسرون } الكاملون في الخسران في الدارين الجامعون لمباديه وأسبابِه طراً فإنه قد ذهبت رؤوسُ أموالِهم التي هي أعمالُهم فيما ضرَّهم ولم تنفعْهم قطّ ولو أنها ذهبت فيما لا يضرهم ولا ينفعهم لكفى به خسراناً ، وإيرادُ اسمِ الأشارة في الموضعين للإشعار بعلية الأوصافِ المُشارِ إليها للحبوط والخسران .

(3/186)


أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (70) وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (71)

{ أَلَمْ يَأْتِهِمْ } أي المنافقين { نَبَأُ الذين مِن قَبْلِهِمْ } أي خبرُهم الذي له شأنٌ وهو ما فعل بهم والاستفهامُ للتقرير والتحذير { قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إبراهيم وأصحاب مَدْيَنَ } وهم قومُ شعيبٍ { والمؤتفكات } قَرْياتُ قومِ لوطٍ ائتفَكَت بهم أي انقلبت بهم فصار عاليها سافلَها وأُمطروا حجارةً من سجيل وقيل : قرياتُ المكذبين بهم وائتفاكُهن انقلابُ أحوالِهن من الخير إلى الشر { أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بالبينات } استئنافٌ لبيان نبئهم { فَمَا كَانَ الله لِيَظْلِمَهُمْ } الفاءُ للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلامُ ويستدعيه النظامُ أي فكذبوهم فأهلكهم الله تعالى فما ظلمهم بذلك ، وإيثارُ ما عليه النظمُ الكريمُ للمبالغة في تنزيه ساحةِ السُّبحان عن الظلم ، أي ما صح وما استقام له أن يظلِمهم ولكنهم ظلموا أنفسَهم ، والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبل في قوله عز وجل : { ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } للدِلالة على استمرار ظلمِهم حيث لم يزالوا يعرِّضونها للعقاب بالكفر والتكذيب ، وتقديمُ المفعول لمجرد الاهتمام به مع مراعاة الفاصلةِ من غير قصدٍ إلى قصر المظلومية عليهم على رأي من لا يرى التقديمَ موجباً للقصر فيكون كما في قوله تعالى : { وَمَا ظلمناهم ولكن ظَلَمُواْ أَنفُسَهُمْ } من غير قصر للظلم على الفاعل أو المفعول وسيجيء لهذا مزيدُ بيان في قوله سبحانه : { إِنَّ الله لاَ يَظْلِمُ الناس شَيْئًا ولكن الناس أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ }
{ والمؤمنون والمؤمنات بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ } بيانٌ لحسن حالِ المؤمنين والمؤمنات حالاً ومآلاً إثرَ بيانِ قبحِ حالِ أضدادِهم عاجلاً وآجلاً ، والتعبيرُ عن نسبة هؤلاء بعضِهم إلى بعض بالولاية وعن نسبة أولئك بمن الاتصالية للإيذان بأن نسبةَ هؤلاء بطريق القرابة الدينيةِ المبنية على المعاقدة المستتبعةِ للآثار من المعونة والنصرة وغيرِ ذلك ونسبةُ أولئك بمقتضى الطبيعةِ والعادة { يَأْمُرُونَ بالمعروف وَيَنْهَوْنَ عَنِ المنكر } أي جنسِ المعروف والمنكرِ المنتظمَين لكل خير وشر { وَيُقِيمُونَ الصلاة } فلا يزالون يذكرون الله سبحانه فهو في مقابلة ماسبق من قوله تعالى : نسُوا الله { وَيُؤْتُونَ الزكواة } بمقابلة قوله تعالى : { وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ } { وَيُطِيعُونَ الله وَرَسُولَهُ } أي في كل أمر ونهي ، وهو بمقابله وصفِ المنافقين بكمال الفسقِ والخروج عن الطاعة { أولئك } إشارة إلى المؤمنين والمؤمنات باعتبار اتصافِهم بما سلف من الصفات الفاضلة وما فيه من معنى البعدِ للإشعار ببُعد درجتِهم في الفضل أي أولئك المنعوتون بما فصل من النعوت الجليلة { سَيَرْحَمُهُمُ الله } أي يُفيض عليهم آثارَ رحمتِه من التأييد والنصرة البتة لما أن السين مؤكدةٌ للوقوع كما في قولك : سأنتقم منك { أَنَّ الله عَزِيزٌ } تعليلٌ للوعد أي قويٌّ قادرٌّ على إعزاز أوليائه وقهر أعدائه { حَكِيمٌ } يبني أحكامَه على أساس الحِكمةِ الداعيةِ إلى إيصال الحقوقِ من النعمة والنقمة إلى مستحقيها من أهل الطاعة وأهلِ المعصية وهذا وعدٌ للمؤمنين متضمِّنٌ لوعيد المنافقين كما أن ما سبق في شأن المنافقين من قوله تعالى : { فَنَسِيَهُمْ } وعيدٌ لهم متضمنٌ لوعد المؤمنين فإن منعَ لطفِه تعالى عنهم لطفٌ في حق المؤمنين .

(3/187)


وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (72)

{ وَعَدَ الله المؤمنين والمؤمنات } تفصيلٌ لآثار رحمتِه الدنيوية ، والإظهارُ في موقع الإضمارِ لزيادة التقريرِ والإشعارِ بعلية وصفِ الإيمان لحصول ماتعلق به الوعدُ ، وعدمُ التعرض لذكر ما مر من الأمر بالمعروف وغيرِ ذلك للإيذان بأنه من لوازمه ومستتبِعاته أي وعَدهم وعداً شاملاً لكل أحدٍ منهم على اختلاف طبقاتِهم في مراتب الفضل كيفاً وكماً { جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا } فإن كلَّ أحد منهم فائزٌ بها لا محالة { ومساكن طَيّبَةً } أي وعد بعضَ الخواصِّ الكمل منهم منازل تستطيبها النفوس أو يطيب فيها العيش . في الخبر ( أنها قصورٌ من اللؤلؤ والزبرجدِ والياقوتِ الأحمر ) { فِى جنات عَدْنٍ } هي أبهى أماكنِ الجناتِ وأسناها . عن النبي صلى الله عليه وسلم : « عدْنٌ دارُ الله لم ترها عينٌ ولم تخطُرْ على قلب بشر لا يسكنها غيرُ ثلاثة النبيون والصديقون والشهداء يقول الله تعالى : طوبى لمن دخلك » وعن ابن عمرو رضى الله عنهما إن في الجنة قصراً يقال له عدْن حوله البروج والمروج وله خمسةُ آلاف باب على كل باب خمسةُ آلافِ حَوْراء لا يدخُله إلا نبيٌّ أو صدّيقٌ أو شهيد ، وعن ابن مسعود رضى الله عنه هي بُطنانُ الجنة وسُرَّتُها . فعدن على هذا عَلَم . وقيل : هو بمعناه اللغوي أعني الإقامة والخلود فمرجِعُ العطفِ إلى اختلاف الوصفِ وتغايُرِه فكأنه وصَفه أولاً بأنه من جنس ما هو أشرفُ الأماكنِ المعروفة عندهم من الجنات ذاتِ الأنهار الجارية ليميل إليها طباعُهم أولَ ما يقرع أسماعَهم ، ثم وصفه بأنه محفوفٌ بطيب العيشِ مُعرّى عن شوائب الكدوراتِ التي لا تكاد تخلو عنها أماكنُ الدنيا وفيها ما تشتهي الأنفسُ وتلذ الأعينُ ثم وصفه بأنه دارُ إقامةٍ وثباتٍ في جوار العلّيين لا يعتريهم فيها فناءٌ ولا تغيُّرٌ ثم وعدهم بما هو أعلى من ذلك كله فقال : { ورضوان مّنَ الله } أي وشيء يسيرٌ من رضوانه تعالى { أَكْبَرُ } إذ عليه يدور فوزُ كل خيرٍ وسعادة وبه يُناط نيلُ كلِّ شرفٍ وسيادة ولعل عدمَ نظمِه في سلك الوعد مع عزته في نفسه لأنه متحققٌ في ضمن كل موعودٍ ولأنه مستمرٌّ في الدارين . روي أنه تعالى يقول لأهل الجنة : ( هل رضِيتم؟ فيقولون : ما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعطِ أحداً من خلقك فيقول : أنا أُعطيكم أفضلَ من ذلك قالوا : وأيُّ شيء أفضلُ من ذلك قال : أُحِلُّ عليكم رضواني فلا أسخطُ عليكم أبداً .
{ ذلك } إشارةٌ إلى ذكرُه وما فيه من معنى البعد للإيذان ببُعدِ درجتِه في العِظَم والفخامة { هُوَ الفوز العظيم } دون مايعده الناس فوزاً من حظوظ الدنيا فإنها مع قطع النظرِ عن فنائها وتغيُّرِها وتنغُّصِها وتكدّرِها ليست بالنسبة إلى أدنى شيءٍ من نعيم الآخرة بمثابة جناحِ البعوض ، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « لو كانَتِ الدنيَا تَزِنُ عِنْدَ الله جَنَاحَ بَعُوضَةٍ ما سقى الكافرَ منها شربة ماء » ونِعِمّا قال من قال :
تالله لو كانت الدنيا بأجمعها ... تبقي علينا ويأتي رزقُها رغَدا
ما كان من حق حرٍ أن يذِلّ بها ... فكيف وهي متاعٌ يضمحلّ غدا

(3/188)


يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (73) يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ وَهَمُّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ وَإِنْ يَتَوَلَّوْا يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (74)

{ ياأيها النبى جاهد الكفار } أي المجاهرين منهم بالسيف { والمنافقين } بالحجة وإقامة الحدود { واغلظ عَلَيْهِمْ } في ذلك ولا تأخُذْك بهم رأفة . قال عطاء : نسَخت هذه الآيةُ كلَّ شيء من العفو والصفح { وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } جملةٌ مستأنفةٌ لبيان آجل أمرِهم إثرَ بيانِ عاجلِه ، وقيل : حالية { وَبِئْسَ المصير } تذييلٌ لما قبله والمخصوصُ بالذم محذوف { يَحْلِفُونَ بالله مَا قَالُواْ } استئنافٌ لبيان ما صدر عنهم من الجرائمِ الموجبةِ لما مر من الأمر بالجهاد والغِلظة عليهم ودخولِ جهنم . ( روي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أقام في غزوة تبوكَ شهرين ينزلِ عليه القرآنُ ويَعيب المنافقين المتخلّفين فيسمعه مَنْ كان منهم معه عليه الصلاة والسلام فقال الجُلاَّس بنُ سويد منهم : لئن كان ما يقول محمد حقاً لإخواننا الذين خلّفناهم وهم سادتُنا وأشرافنا فنحن شرٌّ من الحمير ) ، فقال عامر بن قيس الأنصاري للجلاس : أجل والله إن محمداً لصادقٌ وأنت شرٌّ من الحمار ، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستُحضر فحلف بالله ما قال فرفع عامرٌ يده فقال : اللهم أنزِل على عبدك ونبيِّك تصديقَ الصادق وتكذيبَ الكاذب فنزل . وإيثارُ صيغةِ الاستقبالِ في يحلفون لاستحضار الصورةِ أو للدلالة على تكرير الحلف ، وصيغةُ الجمعِ في قالوا مع أن القائلَ هو الجلاس للإيذان بأن بقيتَهم برضاهم بقوله : صاروا بمنزلة القائل .
{ وَلَقَدْ قَالُواْ كَلِمَةَ الكفر } هي ما حُكي آنفاً والجملةُ مع ما عطف عليها اعتراضٌ { وَكَفَرُواْ بَعْدَ إسلامهم } أي وأظهروا ما في قلوبهم من الكفر بعد إظهارِهم الإسلامَ { وَهَمُّواْ بِمَا لَمْ يَنَالُواْ } هو الفتكُ برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد وذلك أنه ( توافقَ خمسةَ عشرَ منهم على أن يدفعوه عليه الصلاة والسلام عن راحلته إذا تسنّم العقبةَ بالليل وكان عمارُ بنُ ياسر آخذاً بخِطام راحلته يقودها وحذيفةُ بنُ اليمان خلفها يسوقُها فبينما هما كذلك إذ سمع حذيفة بوقع أخفافِ الإبل وبقعقعة السلاحِ فالتفت فإذا قومٌ متلثّمون فقال : إليكم إليكم يا أعداءَ الله فهربوا ) . وقيل : هم المنافقون همّوا بقتل عامر لرده على الجلاس ، وقيل : أرادوا أن يتوِّجوا عبدَ اللَّه بنَ أبيِّ بنِ سَلول وإن لم يرضَ به رسولُ الله صلى الله عليه وسلم { وَمَا نَقَمُواْ } أي وما أنكروا وما عابوا أو ما وجدوا ما يورث نَقِمتَهم { إِلا أَنْ أَغْنَاهُمُ الله وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ } سبحانه وتعالى وذلك أنهم كانوا حين قدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم المدينةَ في غاية ما يكون من ضنْك العيشِ لا يركبون الخيلَ ولا يحوزون الغنيمة فأثروا بالغنائم وقُتل للجلاس مولى فأمر رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بديته اثنى عشَرَ ألفَ درهم فاستغنى ، والاستثناء مفرَّغٌ من أعم المفاعيل أو من أعم العلل أي وما أنكروا شيئاً من الأشياء إلا إغناءَ الله تعالى إياهم أو وما أنكروا لعلة من العلل إلا لإغناء الله إياهم { فَإِن يَتُوبُواْ } عما هم عليه من الكفر والنفاق { يَكُ خَيْراً لَّهُمْ } في الدارين .

(3/189)


قيل : لما تلاها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم قال الجلاس : يا رسول الله لقد عرض الله عليّ التوبةَ والله لقد قلت وصدق عامرٌ فتاب الجلاسُ وحسُنت توبته { وَإِن يَتَوَلَّوْا } أي استمروا على ما كانوا عليه من التولي والإعراض عن الدين أو أعرضوا عن التوبة بعد هذا العرض { يُعَذّبْهُمُ الله عَذَابًا أَلِيمًا فِى الدنيا } بالقتل والأسرِ والنهب وغيرِ ذلك من فنون العقوبات { والاخرة } بالنار وغيرها من أفانين العقاب { وَمَا لَهُمْ فِى الارض } مع سعتها وتباعُدِ أقطارِها وكثرة أهلِها المصحّحة لوجدان ما نُفيَ بقوله عز وجل : { مِن وَلِيّ وَلاَ نَصِيرٍ } ينقذهم من العذاب بالشفاعة أو المدافعة .

(3/190)


وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آَتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (75) فَلَمَّا آَتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (76) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (77)

{ وَمِنْهُمُ } بيانٌ لقبائح بعضٍ آخرَ منهم { مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ } لنؤتين الزكاةَ وغيرَها من الصدقات { وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصالحين } قال ابن عباس رضى الله تعالى عنهما : يريد الحج وقرىء بالنون الخفيفة فيهما . قيل : نزلت في ثعلبةَ بنِ حاطب أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله : ادعُ الله أن يرزُقَني مالاً فقال عليه الصلاة والسلام : " يا ثعلبةُ قليلٌ تؤدّي حقه خيرٌ من كثير لا تطيقه " فراجعه وقال : والذي بعثك بالحق لئن رزقني الله مالاً لأعطين كلَّ ذي حق حقَّه فدعا له فاتخذ غنماً فنمت كما ينمي الدودُ حتى ضاقت بها المدينةُ فنزل وادياً وانقطع عن الجماعة والجمعة فسأل عنه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقيل : كثرُ مالُه حتى لا يسعُه وادٍ فقال : «يا ويحَ ثعلبةَ» فبعث مصدِّقين لأخذ الصدقات فاستقبلها الناسُ بصدقاتهم ومرا بثعلبةَ فسألاه الصدقة وأقرآه كتابَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم الذي فيه الفرائضُ فقال : ما هذه إلا أختُ الجزية وقال : ارجعا حتى أرى رأيي وذلك قوله عز وجل : { فَلَمَّا ءاتَاهُمْ مّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ } أي منعوا حق الله منه { وَتَوَلَّواْ } أي أعرضوا عن طاعة الله سبحانه فلما رجعا قال لهما رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يكلماه : «يا ويحَ ثعلبةَ» مرتين فنزلت فجاء ثعلبةُ بالصدقة فقال عليه الصلاة والسلام : «إن الله منعني أن أقبل منك» فجعل يحثو التراب على رأسه فقال عليه الصلاة والسلام : «هذا عملُك قد أمرتك فلم تُطعني» فقُبض عليه الصلاة والسلام فجاء بها إلى أبي بكر رضى الله عنه فلم يقبلها وجاء بها إلى عمرَ رضي الله عنه في خلافته فلم يقبلها وهلك في خلافة عثمانَ رضي الله عنه وقيل : نزلت فيه وفي سهل بن الحارثِ وجَدِّ بنِ قيس ومعتب بن قُشير والأول هو الأشهرُ { وَهُم مُّعْرِضُونَ } جملة معترضة أي وهم قوم عادتُهم الإعراضُ أو حالية أي تولوا بإجرامهم وهم معرضون بقلوبهم .
{ فَأَعْقَبَهُمْ } أي جعل الله عاقبةَ فعلِهم ذلك { نِفَاقاً } راسخاً { فِى قُلُوبِهِمْ إلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ } إلى يوم موتِهم الذي يلقون الله تعالى عنده أو يلقَون فيه جزاءَ عملِهم وهو يومُ القيامة وقيل : فأورثهم البخلَ نفاقاً متمكناً في قلوبهم ولا يلائمه قوله عز وجل : { بِمَا أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ } أي بسبب إخلافِهم ما وعده تعالى من التصدق والسلاح { وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ } أي وبكونهم مستمرِّين على الكذب في جميع المقالاتِ التي من جملتها وعدُهم المذكورُ ، وتخصيصُ الكذبِ به يؤدّي إلى تخلية الجمعِ بين صيغتي الماضي والمستقبلِ عن المزية فإن تسببَ الإعقابِ المذكورِ بالإخلاف والكذب يقضي بإسناده إلى الله عز وجل إذ لا معنى لكونهما سببين لإعقاب البخلِ للنفاق ، والتحقيقُ أنه لما كانت الفاءُ الدالةُ على الترتيب والتفريعِ منبئةً عن ترتب إعقابِ النفاقِ المخلّدِ على أفعالهم المحكيةِ عنهم من المعاهدة بالتصدق والصلاح والبخل والتولي والإعراض وفيها ما لا دخل له في الترتيب المذكور كالمعاهدة أزيح ما في ذلك من الإبهام بتعيين ما هو المدارُ في ذلك والله تعالى أعلم وقرىء بتشديد الذال .

(3/191)


أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (78) الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79)

{ أَلَمْ يَعْلَمُواْ } أي المنافقون أو من عاهد الله وقرىء بالتاء الفوقانية خطاباً للمؤمنين فالهمزةُ على الأول للإنكار والتوبيخِ والتهديد أي ألم يعلموا { أَنَّ الله يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ } أي ما أسرُّوا به في أنفسهم وما تناجَوا به فيما بينهم من المطاعن وتسميةِ الصدقةِ جزيةً وغيرِ ذلك مما لا خيرَ فيه ، وسرُّ تقديمِ السر على النجوى سيظهر في قوله سبحانه : { وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة } { وَأَنَّ الله علام الغيوب } فلا يخفى عليه شيءٌ من الأشياء حتى اجترأوا على ما اجترأوا عليه من العظائم ، وإظهارُ اسمِ الجلالةِ في الموقعين لإلقاء الروعةِ وتربيةِ المهابةِ ، وفي إيراد العلم المتعلّق بسرهم ونجواهم بصيغة الفِعلِ الدالِّ على الحدوث والتجدد ، والعلمِ المتعلقِ بالغيوب الكثيرةِ الدائمةِ بصيغة الاسم الدالِّ على الدوام والمبالغة من الفخامة والجزالةِ ما لا يخفى وعلى الثاني لتقرير عِلمِ المؤمنين بذلك وتنبُّههم على أنه تعالى مؤاخِذُهم ومجازيهم بما علم من أعمالهم { الذين يَلْمِزُونَ } نصبٌ أو رفع على الذم ، ويجوز جرُّه على البدلية من الضمير في سرَّهم ونجواهم وقرىء بضم الميم وهي لغة أي يعيبون { المطوعين } أي المتطوعين المتبرِّعين { مِنَ المؤمنين } حالٌ من المطّوعين وقوله تعالى : { فِي الصدقات } متعلق بيلمزون . ( روي أن رسولَ الله صلى الله عليه وسلم حث الناسَ على الصدقة فأتى عبدُ الرحمن بنُ عوف بأربعين أوقيةً من ذهب وقيل : بأربعةِ آلافِ درهم وقال : لي ثمانيةُ آلافٍ فأقرضتُ ربي أربعة وأمسكتُ لعيالي أربعة ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «بارك الله لك فيما أعطيت وفيما أمسكت» فبارك له حتى صولحت تُماضِرُ رابعةُ نسائِه عن ربع الثمن على ثمانين ألفاً ، وتصدق عاصمُ بنُ عدي بمائة وَسْقٍ من تمر وجاء أبو عقيل الأنصاري بصاع من تمر ، فقال : بتُّ ليلتي أجرُّ بالجرير على صاعين فتركت صاعاً لعيالي وجئت بصاع فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ينثُره على الصدقات فلمَزَهم المنافقون وقالوا : ما أعطى عبدُ الرحمن وعاصمٌ إلا رياءً وإنْ كان الله ورسولُه لغنيَّيْن عن صاع أبي عقيل ولكنه أحب أن يذكِّر بنفسه ليعطى من الصدقات فنزلت ) .
{ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ } عطف على المطوعين أي ويلمزون الذين لا يجدون إلا طاقاتِهم وقرىء بفتح الجيم وهو مصدر جهد في الأمر إذا بالغ فيه وقيل : هو بالضم الطاقةُ وبالفتح المشقة { فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ } عطف على يلمِزون أي يهزءون بهم والمرادُ بهم الفريقُ الأخير { سَخِرَ الله مِنْهُمْ } إخبارٌ بمجازاته تعالى إياهم على ما فعلوا من السخرية والتعبيرُ عنها بذلك للمشاكلة { وَلَهُمْ } أي ثابت لهم { عَذَابٌ أَلِيمٌ } التنوينُ للتهويل والتفخيم ، وإيرادُ الجملةِ اسميةً للدلالة على الاستمرار .

(3/192)


اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (80)

{ استغفر لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ } إخبارٌ باستواء الأمرَين الاستغفارُ لهم وتركُه في استحالة المغفرة ، وتصويرُه بصورة الأمر للمبالغة في بيان استوائِهما كأنه عليه الصلاة والسلام أُمر بامتحان الحالِ بأن يستغفر تارة ويتركَ أخرى ليظهرَ له جليةُ الأمر كما في قوله عز وجل : { قُلْ أَنفِقُواْ طَوْعاً أَوْ كَرْهاً لَّن يُتَقَبَّلَ مِنكُمْ } { إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ } بيانٌ لاستحالة المغفرة بعد المبالغةِ في الاستغفار إثرَ بيانِ الاستواءِ بينه وبين عدمِه . ( روي أن عبدَ اللَّه بنَ عبدِ اللَّه بنِ أُبيّ وكان من المخلِصين سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرض أبيه أن يستغفرَ له ففعل عليه الصلاة والسلام فنزلت فقال عليه الصلاة والسلام محافظةً على ما هو الأصلُ من أن مراتبَ الأعداد حدودٌ معينةٌ يخالف حكمُ كلَ منها حكمَ ما فوقها : « إن الله قد رخّص لي فسأزيد على السبعين » فنزلت { سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ الله لَهُمْ } وقد شاع استعمالُ السبعةِ والسبعين والسبعِمائةِ في مطلق التكثيرِ لاشتمال السبعة على جملة أقسام العددِ فكأنها العددُ بأسره وقيل : هي أكملُ الأعدادِ لجمعها معانيَها ولأن الستة أولُ عددٍ تامَ لتعادل أجزائِها الصحيحةِ إذ نصفُها ثلاثة وثلثُها اثنان وسدسُها واحد وجملتها ستةٌ وهي مع الواحد سبعةٌ فكانت كاملةً إذ لا مرتبةَ بعد التمام إلا الكمالُ ثم السبعون غايةُ الكمالِ إذ الآحادُ غايتُها العشرات والسبعُمائة غايةُ الغايات .
{ ذلك } إشارةٌ إلى امتناع المغفرةِ لهم ولو بعد المبالغةِ في الاستغفار ، أي ذلك الامتناعُ ليس لعدم الاعتدادِ باستغفارك بل { بِأَنَّهُمْ } أي بسبب أنهم { كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ } كفراً متجاوزاً عن الحد كما يلوح به وصفُهم بالفسق في قوله تعالى عز وجل : { والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين } فإن الفسقَ في كل شيء عبارةٌ عن التمرُّد والتجاوز عن حدوده أي لا يهديهم هدايةً مُوصلةً إلى المقصد البتةَ لمخالفة ذلك للحكمة التي عليها يدور فلكُ التكوينِ والتشريعِ ، وأما الهدايةُ بمعنى الدِلالة على ما يوصِل إليه فهي متحققةٌ لا محالة ولكنهم بسوء اختيارِهم لم يقبلوها فوقعوا فيما وقعوا ، وهو تذييلٌ مؤكدٌ لما قبله من الحُكم فإن مغفرةَ الكافرِ إنما هي بالإقلاع عن الكفر والإقبالِ إلى الحق ، والمنهمكُ فيه المطبوعُ عليه بمعزل من ذلك ، وفيه تنبيهٌ على عذر النبيِّ صلى الله عليه وسلم في استغفاره لهم وهو عدمُ يأسِه من إيمانهم حيث لم يعلم أنهم مطبوعون على الغي والضلالِ إذ الممنوعُ هو الاستغفارُ لهم بعد تبيُّن حالِهم كما سيتلى من قوله عز وجل : { مَا كَانَ لِلنَّبِىّ } الآية .

(3/193)


فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلَافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (81) فَلْيَضْحَكُوا قَلِيلًا وَلْيَبْكُوا كَثِيرًا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (82)

{ فَرِحَ المخلفون } أي الذين خلّفهم النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالإذن لهم في القعود عند استئذانِهم أو خلّفهم الله بتثبيطه إياهم لِما علم في ذلك من الحِكمة الخفية أو خلّفهم كسلُهم أو نفاقُهم { بِمَقْعَدِهِمْ } متعلقٌ بفرِحَ أي بقعودهم وتخلّفِهم عن الغزو { خلاف رَسُولِ الله } أي خلفه وبعد خروجِه حيث خرج ولم يخرُجوا يقال : أقام خلافَ الحيِّ أي بعدهم ، ظعنوا ولم يظعَن ، ويؤيده قراءةُ من قرأ خلفَ رسولِ الله ، فانتصابُه على أنه ظرفٌ لمقعدهم إذ لا فائدة في تقييد فرحِهم بذلك ، وقيل : هو بمعنى المخالفة ويعضُده قراءة من قرأ خُلفَ رسولِ الله بضم الخاء فانتصابُه على أنه مفعولٌ له والعاملُ إما ( فرح ) أي فرحوا لأجل مخالفتِه عليه الصلاة والسلام بالقعود وإما ( مقعدِهم ) أي فرحوا بقعودهم لأجل مخالفته عليه الصلاة والسلام أو على أنه حالٌ والعامل أحدُ المذكورَيْن أي فرحوا مخالفين له عليه الصلاة والسلام أو فرحوا بالقعود مخالفين له عليه الصلاة والسلام { وَكَرِهُواْ أَن يجاهدوا بأموالهم وَأَنْفُسِهِمْ فِى سَبِيلِ الله } لا إيثاراً للدعةِ والخفْضِ على طاعة الله تعالى فقط بل مع ما في قلوبهم من الكفر والنفاقِ ، فإن إيثارَ أحدِ الأمرين قد يتحقق بأدنى رُجْحانٍ منه من غير أن يبلُغ الآخرُ مرتبةَ الكراهيةِ وإنما أوثر ما عليه النظمُ الكريمُ على أن يقال : وكرهو أن يخرُجوا إلى الغزو إيذاناً بأن الجهادَ في سبيل الله مع كونه من أجلّ الرغائبِ وأشرفِ المطالبِ التي يجب أن يتنافسَ فيها المتنافسون قد كرهوه كما فرحوا بأقبح القبائحِ الذي هو القعودُ خلافَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم { وَقَالُواْ } أي لإخوانهم تثبيتاً لهم على التخلف والقعودِ وتواصياً فيما بينهم بالشر والفساد أو للمؤمنين تثبيطاً لهم عن الجهاد ونهياً عن المعروف وإظهاراً لبعض العللِ الداعيةِ لهم إلى ما فرِحوا به من القعود ، فقد جمَعوا ثلاثَ خلالٍ من خصال الكفر والضلالِ : الفرحُ بالقعودِ وكراهيةُ الجهاد ونهيُ الغير عن ذلك { لاَ تَنفِرُواْ فِى الحر } فإنه لا يستطاع شدّتُه { قُلْ } رداً عليهم وتجهيلاً لهم { نَارُ جَهَنَّمَ } التي ستدخُلونها بما فعلتم { أَشَدُّ حَرّا } مما تحذرون من الحر المعهودِ وتحذّرون الناسَ منه ، فما لكم لا تحذَرونها وتعرِّضون أنفسَكم لها بإيثار القعودِ على النفير { لَّوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ } اعتراضٌ تذييلىٌّ من جهته سبحانه وتعالى غيرُ داخلٍ تحت القولِ المأمور به مؤكدٌ لمضمونه وجوابُ لو إما مقدرٌ أي لو كانوا يفقهون أنها كذلك ، أو كيف هي أو إنْ آل مآلُهم إليها لَما فعلوا ، أو لتأثروا بهذا الإلزامِ ، وإما غيرُ منويَ على أن لو لمجرد التمني المنبىء عن امتناع تحققِ مدخولِها أي لو كانوا من أهل الفَطانةِ والفِقه كما في قوله عز وجل :

(3/194)


{ قُلِ انظروا مَاذَا فِى السموات والارض وَمَا تُغْنِى الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } { فَلْيَضْحَكُواْ قَلِيلاً وَلْيَبْكُواْ كَثِيرًا } إخبارٌ عن عاجل أمرِهم وآجلِه من الضحِك القليلِ والبكاءِ الطويلِ المؤدِّي إليه أعمالُهم السيئةُ التي من جملتها ما ذكر من الفرح ، والفاءُ لسببية ما سبق للإخبار بما ذُكر من الضحِك والبكاءِ لا لنفسهما ، إذ لا يُتصوَّر السببيةُ في الأول أصلاً ، وقليلاً وكثيراً منصوبان على المصدرية أو الظرفية أي ضَحِكاً قليلاً وبكاءً كثيراً أو زماناً قليلاً وزماناً كثيراً ، وإخراجُه في صورة الأمرِ للدِلالة على تحتم وقوعِ المُخبَرِ به ، فإن أمرَ الآمرِ المطاعِ مما لا يكاد يتخلّف عنه المأمورُ به خلا أن المقصودَ إفادتُه في الأول هو وصفُ القِلة فقط وفي الثاني وصفُ الكثرةِ مع الموصوف .
يروى أن أهلَ النفاق يبكون في النار عمُرَ الدنيا لا يرقأ لهم دمعٌ ولا يكتحلون بنوم . ويجوز أن يكون الضحِكُ كنايةً عن الفرح والبكاءُ عن الغم وأن تكون القِلةُ عبارةً عن العدم والكثرةُ عن الدوام { جَزَاء بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من فنون المعاصي ، والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبلِ للدلالة على الاستمرار التجدّدي ما داموا في الدنيا ، وجزاءً مفعولٌ له للفعل الثاني أي ليبكوا جزاءً أو مصدرٌ حُذف ناصبُه أي يُجزَون بما ذكر من البكاء الكثيرِ جزاءً بما كسبوا من المعاصي المذكورة .

(3/195)


فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ (83) وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ (84)

{ فَإِن رَّجَعَكَ الله } الفاء لتفريع الأمرِ الآتي على ما بيِّن من أمرهم والفعلُ من الرجْع المتعدّي دون الرجوع اللازم أي فإن ردّك الله تعالى { إلى طَائِفَةٍ مّنْهُمْ } أي إلى المنافقين من المتخلفين في المدينة فإنّ تخلّف بعضهم إنما كان لعذر عائقٍ مع الإسلام أو إلى من بقيَ من المنافقين المتخلفين بأن ذهب بعضُهم بالموت أو بالغَيبة عن البلد أو بأن لم يستأذِن البعضُ . عن قتادة أنهم كانوا اثنيْ عشرَ رجلاً قيل فيهم ما قيل { فاستأذنوك لِلْخُرُوجِ } معك إلى غزوة أخرى بعد غزوتِك هذه { فَقُلْ } إخراجاً لهم عن ديوان الغُزاةِ وإبعاداً لمحلهم عن محفِل صُحبتِك { لَّن تَخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا وَلَن تقاتلوا مَعِىَ عَدُوّا } من الأعداء ، وهو إخبارٌ في معنى النهي للمبالغة وقد وقع كذلك { إِنَّكُمْ } تعليلٌ لما سلف أي لأنكم { رَضِيتُمْ بالقعود } أي عن الغزوة وفرِحتم بذلك { أَوَّلَ مَرَّةٍ } هي غزوةُ تبوكَ { فاقعدوا } الفاءُ لتفريع الأمرِ بالقعود بطريق العقوبةِ على ما صدر عنهم من الرضا بالقعود أي إذا رضِيتم بالقعود أولَ مرة فاقعُدوا من بعدُ { مَعَ الخالفين } أي المتخلّفين الذين ديدنُهم القعودُ والتخلفُ دائماً وقرىء الخَلِفين على القصر ، فكان محوُ أساميهم من دفتر المجاهدين ولزُّهم في قَرن الخالفين عقوبةً لهم أيَّ عقوبةٍ ، وتذكيرُ اسم التفضيل المضاف إلى المؤنث هو الأكثرُ الدائرُ على الألسنة فإنك لا تكاد تستمع قائلاً يقول : هي كبرى امرأةٍ أو أُولى مرة .
{ وَلاَ تُصَلّ على أَحَدٍ مّنْهُم مَّاتَ } صفةٌ لأحد وإنما جيء بصيغة الماضي تنبيهاً على تحقق الوقوعِ لا محالة { أَبَدًا } متعلقٌ بالنهي أي لا تدْعُ ولا تستغفرْ لهم أبداً { وَلاَ تَقُمْ على قَبْرِهِ } أي لا تقِفْ عليه للدفن أو للزيارة والدعاء . ( روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يقوم على قبور المنافقين ويدعو لهم فلما مرِض رأسُ النفاق عبدُ اللَّه بنُ أُبيِّ بنِ سَلول بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليأتيَه فلما دخل عليه قال عليه السلام : « أهلكك حبُّ اليهود » فقال : يا رسول بعثتُ إليك لتستغفرَ لي لا لتؤنِّبني وسأله أن يكفِّنه في شِعاره الذي يلي جلدَه ويصليَ عليه ، فلما مات دعاه ابنُه وكان مؤمناً صالحاً فأجابه عليه السلام تسليةً له ومراعاةً لجانبه وأرسل إليه قميصَه فكُفّن فيه فلما همّ بالصلاة أو صلّى نزلت ) وعن عمرَ رضي الله عنه أنه قال : لما هلك عبدُ اللَّه بن أبيّ ووضعناه ليصلى عليه قام رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فقلت : أتصلي على عدوّ الله القائلِ يومَ كذا كذا وكذا والقائلِ يوم كذا كذا وكذا وعدّدتُ أيامَه الخبيثةَ فتبسم عليه السلام وصلى عليه ثم مشى معه وقام على حُفرته حتى دُفن فوالله ما لبث إلا يسيراً حتى نزل { وَلاَ تُصَلّ } الخ فما صلى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بعد ذلك على منافق ولا قام على قبره ، وإنما لم يُنْهَ عن التكفين بقميصه صلى الله عليه وسلم لأن الضنَّةَ بالقميص كانت مظِنّةَ الإخلالِ بالكرم على أنه كان مكافأةً لقميصه الذي كان ألبسه العباسَ رضي الله تعالى عنه حين أُسر ببدر والخبرُ مشهور { إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بالله وَرَسُولِهِ } تعليلٌ للنهي على معنى أن الاستغفارَ للميت والوقوفَ على قبره إنما يكون لاستصلاحه وذلك مستحيلٌ في حقهم لأنهم استمرّوا على الكفر بالله ورسوله مدةَ حياتِهم { وَمَاتُواْ وَهُمْ فاسقون } أي متمرِّدون في الكفر خارجون عن حدوده كما بين من معنى الفسق .

(3/196)


وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ (85) وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آَمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (86)

{ وَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وأولادهم } تكريرٌ لما سبق وتقريرٌ لمضمونه بالإخبار بوقوعه ويجوز أن يكون هذا في حق فريقٍ غيرِ الفريقِ الأولِ ، وتقديمُ الأموالِ في أمثال هذه المواقعِ على الأولاد مع كونهم أعزَّ منها إما لعموم مِساسِ الحاجةِ إليها بحسب الذاتِ وبحسب الأفراد والأوقات ، فإنها مما لا بد منه لكل أحدٍ من الآباء والأمهاتِ والأولادِ في كل وقت وحينٍ حتى إن من له أولادٌ ولا مالَ له فهو وأولادُه في ضيق ونَكالٍ وأما الأولادُ فإنما يَرغب فيهم مَنْ بلغ مبلغَ الأُبوةِ وإما لأن المالَ مناطٌ لبقاء النفسِ والأولادُ لبقاء النوعِ وإما لأنها أقدمُ في الوجود من الأولاد لأن الأجزاءَ المَنويةَ إنما تحصُل من الأغذية كما سيأتي في سورة الكهف { أَنَّمَا يُرِيدُ الله } بما متعهم به من الأموال والأولاد { أَن يُعَذّبَهُمْ بِهَا فِى الدنيا } بسبب معاناتِهم المشاقَّ ومكابدتِهم الشدائدَ في شأنها { وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون } أي فيموتوا كافرين باشتغالهم بالتمتع بها والالتهاء عن النظر والتدبّرِ في العواقب .
{ وَإِذَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ } من القرآن ويجوز أن يُراد بها بعضُها { أَنْ آمِنُواْ بِاللهِ } ( أنْ ) مفسرةٌ لما في الإنزال من معنى القولِ والوحي ، أو مصدريةٌ حذف عنها الجارُّ أي بأن آمِنوا { وجاهدوا مَعَ رَسُولِهِ } لإعزاز دينِه وإعلاءِ كلمتِه { استأذنك أُوْلُواْ الطول مِنْهُمْ } أي ذووا الفضل والسَّعةِ والقُدرة على الجهاد بدناً ومالاً { وَقَالُواْ } عطفٌ تفسيريٌّ لاستأذنك مغنٍ عن ذكر ما استأذنوا فيه يعني القعودَ { ذَرْنَا نَكُنْ مَّعَ القاعدين } أي الذين قعدوا عن الغزو لما بهم من عذر .

(3/197)


رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (87) لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (89) وَجَاءَ الْمُعَذِّرُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ وَقَعَدَ الَّذِينَ كَذَبُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (90)

{ رَضُواْ } استئنافٌ لبيان سوءِ صنيعِهم وعدمِ امتثالِهم لكلا الأمرين وإن لم يرُدّوا الأول صريحاً { بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف } مع النساء اللاتي شأنُهن القعودُ ولزومُ البيوتِ ، جمعُ خالفةٍ وقيل : الخالفةُ من لا خير فيه { وَطُبِعَ على قُلُوبِهِمْ فَهُمْ } بسبب ذلك { لاَّ يَفْقَهُونَ } ما في الإيمان بالله وطاعتِه في أوامره ونواهيه واتباعِ رسولِه عليه السلام والجهادِ من السعادة وما في أضداد ذلك من الشقاوة { لكن الرسول والذين ءامَنُواْ مَعَهُ } بالله وبما جاء من عنده تعالى ، وفيه إيذانٌ بأنهم ليسوا من الإيمان بالله في شيء وإن لم يُعرضوا عنه صريحاً إعراضَهم عن الجهاد باستئذانهم في القعود { جاهدوا بأموالهم وَأَنفُسِهِمْ } أي إنْ تخلّف هؤلاء عن الغزو فقد نهَدَ إليه ونهضَ له من هو خيرٌ منهم وأخلصُ نيةً ومعتقَداً وأقاموا أمرَ الجهادِ بكلا نوعيه كقوله تعالى : { فَإِن يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلاء فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْماً لَّيْسُواْ بِهَا بكافرين } { وَأُوْلئِكَ } المنعوتون بالنعوت الجليلة { لَهُمْ } بواسطة نعوتِهم المزبورة { الخَيْرَاتِ } أي منافعُ الدارين النصرُ والغنيمةُ في الدنيا والجنةُ والكرامة في العُقبى ، وقيل : الحورُ كقوله عز قائلاً : { فِيهِنَّ خيرات حِسَانٌ } وهي جمعُ خَيْرة تخفيف خيّرة { وأولئك هُمُ المفلحون } أي الفائزون بالمطلوب لا مَنْ حاز بعضاً من الحظوظ الفانية عما قليل ، وتكريرُ اسمِ الإشارة تنويهٌ لشأنهم وربْءٌ لمكانهم { أَعَدَّ الله لَهُمْ } استئنافٌ لبيان كونِهم مفلحين أي هيأ لهم في الآخرة { جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الانهار خالدين فِيهَا } حالٌ مقدرةٌ من الضمير المجرورِ والعامل أعدّ { ذلك } إشارةٌ إلى ما فُهم من إعداد الله سبحانه لهم الجناتِ المذكورةَ من نيل الكرامةِ العظمى { الفوز العظيم } الذي لا فوزَ وراءه .
{ وَجَاء المعذرون مِنَ الاعراب لِيُؤْذَنَ لَهُمْ } شروعٌ في بيان أحوالِ منافقي الأعرابِ إثرَ بيانِ منافقي أهلِ المدينةِ ، والمعذّرون من عذّر في الأمر إذا قصّر فيه وتوانى ولم يجِدَّ ، وحقيقتُه أن يوهِمَ أن له عذراً فيما يفعل ولا عذرَ له أو المعتذرون بإدغام التاءِ في الذال ونقلِ حركتِها إلى العين وهم المعتذرون بالباطل ، وقرىء المُعْذِرون من الإعذار وهو الاجتهاد في العذرُ والاحتشادُ فيه ، قيل : هم أسَدٌ وغطَفانُ قالوا : إن لنا عيالاً وإن بنا لجَهداً فائذن لنا في التخلف . وقيل : هم رهطُ عامِر بنِ الطفيل قالوا : إن غزَوْنا معك أغار أعرابُ طيءٍ على أهالينا ومواشينا فقال عليه السلام : « سيغنيني الله تعالى عنكم » وعن مجاهد : نفرٌ من غِفارٍ اعتذروا فلم يعذُرهم الله سبحانه . وعن قتادة : اعتذروا بالكذب . وقرىء المُعّذّرون بتشديد العين والذال من تعذر بمعنى اعتذر وهو لحنٌ إذ التاءُ لا تُدغم في العين إدغامَها في الطاء والزاي والصاد في المطّوعين وازّكى واصّدق . وقيل : أريد بهم المعتذرون بالصحة وبه فُسّر المعذّرون والمُعْذِرون أي الذين لم يُفرطوا في العذر { وَقَعَدَ الذين كَذَبُواْ الله وَرَسُولَهُ } وهم منافقوا الأعرابِ الذين لم يجيئوا ولم يعتذروا فظهر أنهم كذبوا الله ورسولَه بادعائهم الإيمانَ والطاعة { سَيُصِيبُ الذين كَفَرُواْ مِنْهُمْ } أي من الأعراب أو من المعذّرين فإن منهم من اعتذر لكسله لا لكفره { عَذَابٌ أَلِيمٌ } بالقتل والأسرِ في الدنيا والنارِ في الآخرة .

(3/198)


لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (91) وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92)

{ لَّيْسَ عَلَى الضعفاء وَلاَ على المرضى } كالهرمى والزَّمْنى { وَلاَ عَلَى الذين لاَ يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ } لفقرهم كمُزَينةَ وجُهينة وبني عذرة { حَرَجٌ } إثمٌ في التخلف { إِذَا نَصَحُواْ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ } وهو عبارةٌ عن الإيمان بهما والطاعةِ لهما في السر والعلنِ وتولِّيهما في السراء والضراءِ والحبِّ فيهما والبغضِ فيهما كما يفعل المَوْلى الناصحُ بصاحبه { مَا عَلَى المحسنين مِن سَبِيلٍ } استئنافٌ مقرِّرٌ لمضمون ما سبق أي ليس عليهم جناحٌ ولا إلى معاتبتهم سبيلٌ ، ومن مزيدةٌ للتأكيد ، ووضْعُ المحسنين موضِعَ الضمير للدِلالة على انتظامهم بنُصحهم لله ورسولِه في سلك المحسنين ، أو تعليلٌ لنفي الحرجِ عنهم ، أي ما على جنس المحسنين من سبيل وهم من جملتهم { والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تذييلٌ مؤيدٌ لمضمون ما ذُكر مشيرٌ إلى أن بهم حاجةً إلى المغفرة وإن كان تخلُّفهم بعذر .
{ وَلاَ عَلَى الذين إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ } عطفٌ على المحسنين كما يُؤذِن به قولُه عز وجل فيما سيأتي : { إِنَّمَا السبيل } الآية ، وقيل : عطفٌ على الضعفاء وهم البكّاؤون ، سبعةٌ من الأنصار : معقِلُ بنُ يسارَ وصخرُ بنُ خنساءَ وعبدُ اللَّه بنُ كعبٍ وسالمُ بنُ عميرٍ وثعلبةُ بنُ غنمةَ وعبدُ اللَّه بنُ معقِلٍ وعلبةُ بنُ زيد أتوْا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم فقالوا : نذرْنا الخروجَ فاحمِلنا على الخِفافِ المرقوعة والنعالِ المخصوفة نغْزُ معك فقال عليه السلام : «لا أجد» ، فتولَّوا وهم يبكون ، وقيل : هم بنو مُقرِّن معقِلٌ وسويدٌ ونُعمانُ وقيل : أبو موسى الأشعريُّ وأصحابُه رضي الله عنه تعالى عنهم { قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ } حالٌ من الكاف في أتوك بإضمار قد وما عامةٌ لِما سألوه عليه السلام وغيرَه مما يُحمل عليه عادة وفي إيثار ( لا أجد ) على ليس عندي من تلطيف الكلامِ وتطييبِ قلوبِ السائلين ما لا يخفى كأنه عليه السلام يطلب ما يسألونه على الاستمرار فلا يجده { تَوَلَّوْاْ } جوابُ إذا { وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ } أي تسيل بشدة { مِنَ الدمع } أي دمعاً فإن من البيانية مع مجرورها في حيز النصب على التمييز وهو أبلغُ من يفيض دمعُها لإفادتها أن العينَ بعينها صارت دمعاً فيّاضاً والجملةُ حاليةٌ وقوله عزّ اسمُه : { حَزَناً } نُصب على العلية أو الحالية أوالمصدرية لفعل دل عليه ما قبله أي تفيض للحزن فإن الحزنَ يُسند إلى العين مجازاً كالفيض ، أو تولوا له أو حزِنين أو يحزنون حزناً فتكون هذه الجملةُ حالاً من الضمير في تفيض { أَلاَّ يَجِدُواْ } على حذف لامٍ متعلقة بحَزَناً أو تفيض أي لئلا يجدوا { مَا يُنْفِقُونَ } في شراء ما يحتاجون إليه إذ لم يجدوه عندك .

(3/199)


إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (93) يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (94)

{ إِنَّمَا السبيل } بالمعاتبة { عَلَى الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ } في التخلف { وَهُمْ أَغْنِيَاء } واجدون لأُهبة الغزوِ مع سلامتهم { رَضُواْ } استئنافٌ تعليليٌّ لما سبق كأنه قيل : ما بالهم استأذنوا وهم أغنياء؟ فقيل : رضوا { بِأَن يَكُونُواْ مَعَ الخوالف } الذين شأنُهم الضَّعة والدناءة { وَطَبَعَ الله على قُلُوبِهِمْ } أي خذلهم فغفَلوا عن وخامة العاقبة { فَهُمُ } بسبب ذلك { لاَّ يَعْلَمُونَ } أبداً غائلةَ ما رضُوا به وما يستتبعه آجلاً كما لم يعلموا بخساسة شأنِه عاجلاً .
{ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ } استئنافٌ لبيان ما يتصدَّوْن له عند القفولِ إليهم . روي أنهم كانوا بضعةً وثمانين رجلاً فلما رجع عليه السلام إليهم جاؤوا يعتذرون إليه بالباطل والخطابُ لرسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابهِ فإنهم كانوا يعتذرون إليهم أيضاً لا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط أي يعتذرون إليكم في التخلف { إِذَا رَجَعْتُمْ } من الغزو منتهين { إِلَيْهِمُ } وإنما لم يقل إلى المدينة إيذاناً بأن مدارَ الاعتذار هو الرجوعُ إليهم لا إلى الرجوع إلى المدينة فلعل منهم مَنْ بادر إلى الاعتذار قبل الرجوعِ إليها { قُلْ } تخصيصُ هذا الخطابِ برسول الله صلى الله عليه وسلم بعد تعميمِه فيما سبق لأصحابه أيضاً لِما أن الجوابَ وظيفتُه عليه السلام ، وأما اعتذارُهم فكان شاملاً للمسلمين شمولَ الرجوعِ لهم { لاَ تَعْتَذِرُواْ } أي لا تفعلوا الاعتذارَ كقوله تعالى : { اخسئوا فِيهَا وَلاَ تُكَلّمُونِ } أو لا تعتذروا بما عندكم من المعاذير ، وأما التعرُّضُ لعنوان كذبها فلا يساعُده قوله تعالى : { لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ } أي لن نصدِّقَكم في ذلك أبداً فإنه استئنافٌ تعليليٌّ للنهي مبنيٌّ على سؤال نشأ من قِبَلهم متفرّعٌ على ادعاء الصّدقِ في الاعتذار كأنهم قالوا : لمَ نعتذر؟ فقيل : لأنا لا نصدقكم أبداً فيكون عبثاً إذ لا يترتب عليه غرضُ المعتذِر وقوله عز وجل : { قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ } تعليلٌ لانتفاء التصديقِ أي أُعلِمْنا بالوحي بعضَ أخباركم المنافيةِ للتصديق مما باشرتموه من الشر والفساد وأضمرتموه في ضمائركم وهيأتموه للإبراز في معرِض الاعتذارِ من الأكاذيب ، وجمعُ ضميرِ المتكلم في الموضعين للمبالغة في حسم أطماعِهم من التصديق رأساً ببيان عدمِ رواج اعتذارِهم عند أحدٍ من المؤمنين أصلاً فإن تصديقَ البعض لهم ربما يطمعهم في تصديق الرسولِ صلى الله عليه وسلم أيضاً بواسطة المصدِّقين وللإيذان بأن افتضاحَهم بين المؤمنين كافة { وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ } فيما سيأتي أتُنيبون إليه تعالى مما أنتم فيه من النفاق أم تثبُتون وكأنه استتابةٌ وإمهالٌ للتوبة ، وتقديمُ مفعول الرؤية على ما عطف على فاعله من قوله تعالى : { وَرَسُولُهُ } للإيذان باختلاف حالِ الرؤيتين وتفاوتِهما وللإشعار بأن مدارَ الوعيد هو علمُه عز وجل بأعمالهم { ثُمَّ تُرَدُّونَ } يوم القيامة { إلى عالم الغيب والشهادة } للجزاء بما ظهر منكم من الأعمال ، ووضعُ المُظهرِ موضعَ المضمرِ لتشديد الوعيدِ فإن علمَه سبحانه وتعالى بجميع أعمالِهم الظاهرةِ والباطنةِ وإحاطتَه بأحوالهم البارزةِ والكامنةِ مما يوجب الزجرَ العظيم { فَيُنَبّئُكُمْ } عند ردِّكم إليه ووقوفِكم بين يديه { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } أي بما كنتم تعملونه في الدنيا على الاستمرار من الأعمال السيئةِ السابقةِ واللاحقة ، على أن ما موصولةٌ والعائدُ إليها محذوفٌ أو بعملكم على أنها مصدريةٌ ، والمرادُ بالتنبئة بذلك المجازاةُ به ، وإيثارُها عليها لمراعاة ما سبق من قوله تعالى : { قَدْ نَبَّأَنَا الله } الخ ، فإن المنبأَ به الأخبارُ المتعلِّقةُ بأعمالهم وللإيذان بأنهم ما كانوا عالمين في الدنيا بحقيقة أعمالِهم وإنما يعلمونها يومئذ .

(3/200)


سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (95) يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (96)

{ سَيَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ } تأكيداً لمعاذيرهم الكاذبةِ وتقريراً لها ، والسين للتأكيد ، والمحلوفُ عليه محذوفٌ يدل عليه الكلامُ وهو ما اعتذروا به من الأكاذيب ، والجملةُ بدلٌ من يعتذرون أو بيانٌ له { إِذَا انقلبتم } أي انصرفتم من الغزو { إِلَيْهِمُ } ومعنى الانقلابِ هو الرجوعُ والانصرافُ مع زيادة معنى الوصولِ والاستيلاء ، وفائدةُ تقييدِ حَلفِهم به الإيذانُ بأنه ليس لدفع ما خاطبهم النبي عليه السلام به من قوله تعالى : { لاَ تَعْتَذِرُواْ } الخ ، بل هو أمرٌ متبدأ { لِتُعْرِضُواْ } وتصفحوا { عَنْهُمْ } صفحَ رضا فلا توبّخوهم ولا تعاتبوهم كما يُفصح عنه قوله تعالى : { لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ } { فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ } لكن لا إعراضَ رضا كما هو طِلْبتُهم بل إعراضَ اجتنابٍ ومقتٍ كما يعرب عنه قوله عز وجل : { إِنَّهُمْ رِجْسٌ } فإنه صريحٌ في أن المرادَ بالإعراض عنهم إما الاجتنابُ عنهم لما فيهم من الرجس الروحاني ، وإما تركُ استصلاحِهم بترك المعاتبةِ لأن المقصودَ بها التطهيرُ بالحمل على الإنابة ، وهؤلاء أرجاسٌ لا تقبل التطهير ، فلا يُتعرّضُ لهم بها وقوله عز وعلا : { وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ } إما من تمام التعليلِ فإن كونَهم من أهل النارِ من دواعي الاجتناب عنهم وموجباتِ تركِ استصلاحِهم باللوم والعتاب ، وإما تعليلٌ مستقلٌ أي وكفتْهم النارُ عتاباً وتوبيخاً فلا تتكلفوا أنتم في ذلك { جَزَاء } نُصب على أنه مصدرٌ مأكدٌ لفعل مقدر من لفظه وقع حالاً أي يُجزَون جزاءً أو لمضمون الجملةِ السابقة فإنها مفيدةٌ لمعنى المجازاةِ قطعاً كأنه قيل : مجزيّون جزاءً { بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } في الدنيا من فنون السيئاتِ أو على أنه مفعولٌ له { يَحْلِفُونَ لَكُمْ } بدلٌ مما سبق ، وعدمُ ذكر المحلوفِ به لظهوره أي يحلِفون به لظهوره أي يحلفون به تعالى { لِتَرْضَوْاْ عَنْهُمْ } بحلفهم وتستديموا عليهم ما كنتم تفعلون بهم .
{ فَإِن تَرْضَوْاْ عَنْهُمْ } حسبما راموا وساعدتموهم في ذلك { فَإِنَّ الله لاَ يرضى عَنِ القوم الفاسقين } أي فإن رضاكم عنهم لا يُجديهم نفعاً لأن الله ساخطٌ عليهم ولا أثرَ لرضاكم عند سخطِه سبحانه ، ووضعُ الفاسقين موضعَ ضميرِهم للتسجيل عليهم بالخروج عن الطاعة المستوجبِ لما حل بهم من السُخط وللإيذان بشمول الحُكمِ لمن شاركهم في ذلك والمرادُ به نهيُ المخاطبين عن الرضا عنهم والاغترارِ بمعاذيرهم الكاذبةِ على أبلغ وجهٍ وآكدِه فإن الرضا عمن لا يرضى عنه الله تعالى مما لا يكاد يصدرُ عن المؤمن ، وقيل ذلك لئلا يَتوهمَ متوهمٌ أن رضا المؤمنين من دواعي رضا الله تعالى . قيل : هم جدُّ بنُ قيس ومعتبُ بنُ قشير وأصحابُهما وكانوا ثمانين منافقاً فقال النبي صلى الله عليه وسلم للمؤمنين حين قدم المدينةَ : « لا تجالسوهم ولا تكلموهم » ، وقيل : جاء عبد اللَّه بن أبي يحلف أن لا يتخلفُ عنه أبداً .

(3/201)


الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (97) وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (98)

{ الاعراب } هي صيغةُ جمعٍ وليست بجمع للعرب قاله سيبويه لئلا يلزمَ كونُ الجمع أخصَّ من الواحد فإن العربَ هو هذا الجيلُ الخاصُّ سواء سكنَ البواديَ أم القرى ، وأما الأعرابُ فلا يطلق إلا على من يسكن البواديَ ولهذا نسب إلى الأعراب على لفظه فقيل : أعرابيٌّ وقال أهلُ اللغة : رجلٌ عربيٌ وجمعُه العَرَبُ كما يقال : مَجوسيٌّ ويهوديٌّ ثم يحذف ياء النسب في الجمع فيقال : المجوس واليهود ورجلٌ أعرابي ويجمع على الأعراب والأعاريب أي أصحاب البدو { أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا } من أهل الحضَر لجفائهم وقسوةِ قلوبهم وتوحُّشهم ونشئِهم في معزل من مشاهدة العلماء ومفاوضتهم ، وهذا من باب وصف الجنسِ بوصف بعض أفرادِه كما في قوله تعالى : { وَكَانَ الإنسان كَفُورًا } إذ ليس كلُّهم كما ذُكر على ما ستحيط به خُبراً { وَأَجْدَرُ أَن لا يَعْلَمُواْ } أي أحقُّ وأخلقُ بأن لا يعلموا { حُدُودَ مَا أَنزَلَ الله على رَسُولِهِ } لبعدهم عن مجلسه صلى الله عليه وسلم وحِرمانِهم من مشاهدة معجزاتِه ومعاينةِ ما ينزل عليه من الشرائع في تضاعيف الكتابِ والسنة { والله عَلِيمٌ } بأحوال كلَ من أهل الوَبر والمدَر { حَكِيمٌ } فيما يصيب به مسيئَهم ومحسنَهم من العقاب والثواب .
{ وَمِنَ الاعراب } شروعٌ في بيان تشعّبِ جنسِ الأعرابِ إلى فريقين وعدم انحصارِهم في الفريق المذكورِ كما يتراءى من ظاهر النظم الكريم ، وشرحٌ لبعض مثالبِ هؤلاء المتفرعةِ على الكفر والنفاق بعد بيانِ تماديهم فيهما ، وحملُ الأعراب على الفريق المذكورِ خاصةً وإن ساعده كونُ من يحكي حالَه بعضاً منهم وهم الذين بصدد الإنفاقِ من أهل النفاقِ دون فقرائِهم أو أعرابِ أسدٍ وغطفانَ وتميم كما قيل لكن لا يساعده ما سيأتي من قوله تعالى : { وَمِنَ الاعراب مَن يُؤْمِنُ } الخ ، فإن أولئك ليسوا من هؤلاء قطعاً وإنما هم من الجنس أي ومن جنس الأعرابِ الذي نُعت بنعت بعضِ أفردِه { مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ } من المال أي يعُدّ ما يصرِفه في سبيل الله ويتصدق به صورةً { مَغْرَمًا } أي غرامةً وخُسراناً لازماً إذ لا ينفقه احتساباً ورجاءً لثواب الله تعالى ليكون له مغنماً وإنما ينفقه رياءً وتقيّةً فهي غرامةٌ محضةٌ ، وما في صيغة الاتخاذِ من معنى الاختيارِ والانتفاعِ بما يتخذ إنما هو باعتبار غرضِ المنفقِ من الرياء والتقيةِ لا باعتبار ذاتٍ منفِقَةٍ أعني كونَها غرامة { وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدوائر } أصلُ الدائرة ما يحيط بالشيء والمرادُ ما لا محيص عنه من مصائب الدهرِ أي ينتظر بكم دوائرَ الدهرِ ونُوَبَه ودَوَلَه ليذهب غلَبتُكم عليه فليتخلص مما ابتُلي به { عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء } دعاءٌ عليهم بنحو ما أرادوا بالمؤمنين على نهج الاعتراض كقوله سبحانه : { غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ } بعد قول اليهود ما قالوا والسوءُ مصدرٌ ثم أطلق على كل ضُرَ وشر وأضيفت إليه الدائرةُ ذماً كما يقال : رجلُ سوءٍ لأن مَن دارت عليه يذمّها ، وهي من باب إضافةِ الموصوفِ إلى صفتِه فوصفت في الأصل بالمصدر مبالغةً ثم أضيفت إلى صفتِها كقوله عز وجل : { مَا كَانَ أَبُوكِ امرأ سَوْء } وقيل : معنى الدائرةِ يقتضي معنى السَّوءِ فإنما هي إضافةُ بيانٍ وتأكيدٍ كما قالوا : «شمسُ النهارِ ولَحْيا رأسِه» وقرىء بالضم وهو العذابُ كما قيل له سيئة { والله سَمِيعٌ } لما يقولونه عند الإنفاقِ مما لا خيرَ فيه { عَلِيمٌ } بما يُضمِرونه من الأمور الفاسدةِ التي من جملتها أن يتربّصوا بكم الداوائرَ وفيه من شدة الوعيد ما لا يخفى .

(3/202)


وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (99)

{ وَمِنَ الاعراب } أي من جنسهم على الإطلاق { مَن يُؤْمِنُ بالله واليوم الاخر وَيَتَّخِذُ } أي يأخذ لنفسه على وجه الاصطفاءِ والادخارِ { مَا يُنفِقُ } أي ينفقه في سبيل الله تعالى { قربات } أي ذرائعَ إليها وللإيذان بما بينهما من كمال الاختصاصِ جُعل كأنه نفسُ القرُبات ، والجمعُ باعتبار أنواعِ القرُباتِ أو أفرادِها ، وهي ثاني مفعولَي يتخذ وقولُه تعالى : { عندَ الله } صفتُها أو ظرفٌ ليتخذ { وصلوات الرسول } أي وسائلَ إليها فإنه عليه الصلاة والسلام كان يدعو للمتصدِّقين بالخير والبركة ويستغفرُ لهم ولذلك سُنّ للمُصدِّق أن يدعوَ للمتصدِّق عند أخذِ صدقتِه لكن ليس له أن يصليَ عليه كما فعله عليه الصلاة والسلام حين قال : «اللهم صلَّ على آل أبي أوْفى» فإن ذلك منصِبُه فله أن يتفضلَ به على من يشاء ، والتعرُّضُ لوصف الإيمان بالله واليوم الآخر في الفريق الأخيرِ مع أن مساقَ الكلامِ لبيان الفرقِ بين الفريقين في شأن اتخاذِ ما ينفقانه حالاً ومآلاً وأن ذكرَ اتخاذِه ذريعةً إلى القربات والصلوات مغنٍ عن التصريح بذلك لكمال العنايةِ بإيمانهم وبيانِ اتصافِهم به وزيادةِ الاعتناءِ بتحقيق الفرق بين الفرقين من أول الأمرِ ، وأما الفريقُ الأولُ فاتصافُهم بالكفر والنفاقِ معلومٌ من سياق النظم الكريمِ صريحاً { أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ } شهادةٌ لهم من جناب الله تعالى بصحة ما اعتقدوه وتصديقٌ لرجائهم ، والضميرُ لما ينفَق والتأنيثُ باعتبار الخبرِ مع ما مر من تعدّده بأحد الوجهين ، والتنكيرُ للتفخيم المغني عن الجمع أي قربةٌ عظيمةٌ لا يُكتَنه كُنهُها . وفي إيراد الجملةِ اسميةً وتصديرِها بحرفي التنبيةِ والتحقيقِ من الجزالة ما لا يخفى ، والاقتصارُ على بيان كونِها قربةً لهم لأنها الغايةُ القصوى وصلواتُ الرسول من ذرائعها ، وقوله تعالى : { سَيُدْخِلُهُمُ الله فِى رَحْمَتِهِ } وعدٌ لهم بإحاطة رحمتِه الواسعةِ بهم وتفسيرٌ للقربة كما أن قوله عز وعلا : { والله سَمِيعٌ عَلِيمٌ } وعيدٌ للأولين عَقيبَ الدعاءِ عليهم والسينُ للدلالة على تحقق ذلك وتقررِه البتةَ وقوله تعالى : { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } تعليلٌ لتحقق الوعدِ على نهج الاستئنافِ التحقيقيّ قيل هذا في عبد اللَّه ذي البجادَيْن وقومِه ، وقيل : في بني مُقَرِّنٍ من مُزينةَ وقيل : في أسلمَ وغِفارٍ وجهُينةَ . وروى أبو هريرة رضى الله عنه أنه قال رسولُ الله صلى الله عليه وسلم : " أسلمُ وغفارٌ وشيءٌ من جُهينةَ ومُزينةَ خيرٌ عند الله يومَ القيامة من تميمٍ وأسدِ بنِ خزيمةَ وهوازِنَ وغَطَفان "

(3/203)


وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ (101)

{ والسابقون الاولون مِنَ المهاجرين } بيانٌ لفضائل أشرافِ المسلمين إثرَ بيانِ فضيلةِ طائفةٍ منهم ، والمرادُ بهم الذين صلَّوا إلى القبلتين أو الذين شهِدوا بدْراً أو الذين أسلموا قبل الهجرة { والانصار } أهلُ بَيْعةِ العقبةِ الأولى وكانوا سبعين رجلاً والذين آمنوا حين قدم عليهم أبو زُرارةَ مصعبُ بنُ عمير . وقرىء بالرفع عطفاً على والسابقون { والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ } أي ملتبسين به ، والمرادُ به كلُّ خَصلةٍ حسنة وهم اللاحقون بالسابقين من الفريقين على أن ( من ) تبعيضيةٌ أو الذين اتبعوهم بالإيمان والطاعةِ إلى يوم القيامة ، فالمرادُ بالسابقين جميعُ المهاجرين والأنصارِ ومن بيانية { رَّضِىَ الله عَنْهُمْ } خبرٌ للمبتدأ أي رضي الله عنهم بقَبول طاعتِهم وارتضاءِ أعمالِهم { وَرَضُواْ عَنْهُ } بما نالوه من رضاه المستتبِعِ لجميع المطالبِ طراً { وَأَعَدَّ لَهُمْ } في الآخرة { جنات تَجْرِي تَحْتَهَا الانهار } وقرىء من تحتها كما في سائر المواقع { خالدين فِيهَا أَبَداً } من غير انتهاءٍ { ذلك الفوز العظيم } الذي لا فوزَ وراءه وما في اسم الإشارةِ من معنى البُعد لبيان بُعدِ منزلتِهم في مراتب الفضلِ وعظمِ الدرجةِ من مؤمني الأعراب .
{ وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مّنَ الاعراب } شروعٌ في بيان أحوالِ منافقي أهلِ المدينة ومن حولها من الأعراب بعد بيانِ حالِ أهلِ الباديةِ أي ممن حول بلدتِكم { منافقون } «وهم جهينةُ ومزينةُ وأسلمُ وأشجَعُ وغفارٌ» كانوا نازلين حولها { وَمِنْ أَهْلِ المدينة } عطفٌ على ممن حولكم عطفَ مفردٍ على مفرد وقوله تعالى : { مَرَدُواْ عَلَى النفاق } إما جملةٌ مستأنفةٌ لا محل لها من الإعراب مَسوقةٌ لبيان غلوِّهم في النفاق إثرَ بيانِ اتصافِهم به وإما صفةٌ للمبتدأ المذكورِ فُصل بينهما وبينه بما عُطفَ على خبره ، أو صفةٌ لمحذوف أقيمت هي مُقامه وهو مبتدأ خبرُه من أهل المدينة كما في قوله :
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا ... والجملةُ عطفٌ على الجملة السابقة أي ومن أهل المدينةِ قومٌ مردوا على النفاق أي تمهّروا فيه من مرَن فلانٌ على عمله ومرَد عليه إذا درب به وضرِي حتى لانَ عليه ومهَر فيه ، غير أن مرَدَ لا يكاد يستعمل إلا في الشر ، فالتمرّدُ على الوجهين الأولين شاملٌ للفريقين حسب شمولِ النفاقِ وعلى الوجه الأخير خاصٌّ بمنافقي أهلِ المدينةِ وهو الأظهر والأنسبُ بذكر منافقي أهلِ البادية أولاً ثم ذكرِ منافقي الأعرابِ المجاورين للمدينة ثم ذكرِ منافقي أهلِها والله تعالى أعلم وقوله عز شأنه : { لاَ تَعْلَمُهُمْ } بيانٌ لتمرّدهم أي تعرفِهم أنت لكن لا بأعيانهم وأسمائِهم وأنسابِهم بل بعنوان نفاقِهم يعني أنهم بلغوا من المهارة في النفاق والتنوُّق في مراعاة التقيةِ والتحامي عن مواقع التهم إلى مبلغ يخفى عليك حالُهم مع ما أنت عليه من علو الكعبِ وسموِّ الطبقة في كمال الفِطنةِ وصِدقِ الفِراسةِ ، وفي تعليق نفي العلمِ بهم مع أنه متعلقٌ بحالهم مبالغةٌ في ذلك وإيماءٌ إلى أن ما هم فيه من صفة النفاقِ لعَراقتهم ورسوخِهم فيها صارت بمنزلة ذاتياتِهم أو مشخَّصاتِهم بحيث لا يُعَدّ من لا يعرِفهم بتلك الصفة عالماً بهم ، وحُمل عدم علمِه عليه الصلاة والسلام بأعيانهم على عدم علمِه عليه الصلاة والسلام بعد مجيء هذا البيانِ على أنه عليه الصلاة والسلام يعلم أن فيهم منافقين لكن لا يعلمهم بأعيانهم وهو مع كونه خلافَ الظاهر عارٍ عما ذكر من المبالغة .

(3/204)


وقوله عز وجل : { نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ } تقريرٌ لما سبق من مهارتهم في فن النفاقِ أي لا يقف على سرائرهم المركوزةِ في ضمائرهم إلا مَنْ لا تخفى عليه خافيةٌ لِما هم عليه من شدة الاهتمامِ بإبطان الكفرِ وإظهارِ الإخلاصِ ، وفي تعليق العلمِ بهم مع أن المقصودَ بيانُ تعلقِه بحالهم ما مر في تعليق نفيِه بهم ، وقولُه عز شأنُه : { سَنُعَذّبُهُم } وعيدٌ لهم وتحقيقٌ لعذابهم حسبما علم الله فيهم من موجباته ، والسين للتأكيد { مَّرَّتَيْنِ } عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قام خطيباً يوم الجمعة فقال : «اخرُجْ يا فلانُ فإنك منافقٌ اخرجْ يا فلان فإنك منافقٌ» فأخرج ناساًوفضحَهم فهذا هو العذابُ الأولُ ، والثاني إما القتلُ وإما عذابُ القبرِ أو الأولُ هو القتلُ والثاني عذابُ القبرِ أو الأولُ أخذُ الزكاةِ لما أنهم يعُدّونها مغرماً بحتاً والثاني نهكُ الأبدان وإتعابُها بالطاعات الفارغةِ عن الثواب . ولعل تكريرَ عذابِهم لما فيهم من الكفر المشفوعِ بالنفاق أو النفاقِ المؤكدِ بالتمرد فيه ، ويجوز أن يكون المرادُ بالمرتين مجردَ التكثيرِ كما في قوله تعالى : { ثُمَّ اْرجِعِ البَصَرَ كَرَّتَيْنِ } أي كرةً بعد أخرى { ثُمَّ يُرَدُّونَ } يوم القيامة { إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ } هو عذابُ النارِ ، وفي تغيير السبكِ بإسناد عذابِهم السابقِ إلى نونِ العظمةِ حسب إسنادِ ما قبله من العلم وإسناد ردِّهم إلى العذاب الللاحقِ إلى أنفسهم إيذانٌ باختلافهم حالاً وأن الأولَ خاصٌّ بهم وقوعاً وزماناً يتولاه سبحانه وتعالى والثاني شاملٌ لعامة الكفرةِ وقوعاً وزماناً وإن اختلفت طبقاتُ عذابِهم .

(3/205)


وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (102)

{ وَءاخَرُونَ } بيانٌ لحال طائفةٍ من المسلمين ضعيفةِ الهِمَمِ في أمور الدينِ وهو عطفٌ على منافقون أي ومنهم يعني وممن حولَكم ومن أهل المدينة قومٌ آخرون { اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ } التي هي تخلُّفهم عن الغزو ، وأيثارُ الدعةِ عليه والرضا بسوء جِوارِ المنافقين ، وندموا على ذلك ولم يعتذروا بالمعاذير الكاذبةِ ولم يُخفوا ما صدر عنهم من الأعمال السيئةِ كما فعله من اعتاد إخفاءَ ما فيه وإبرازَ ما ينافيه من المنافقين الذين اعتذروا بما لا خيرَ فيه من المعاذير المؤكدةِ بالأيمان الفاجرةِ حسب ديدنِهم المألوفِ ( وهم رهطٌ من المتخلفين أوثقوا أنفسَهم على سواري المسجدِ عندما بلغهم ما نزل في المتخلّفين فقدم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم فدخل المسجد فصلى ركعتين حسب عادتِه الكريمةِ ورآهم كذلك فسأل عن شأنهم فقيل : أنهم أقسموا أن لا يَحُلوا أنفسَهم حتى تحُلَّهم فقال عليه الصلاة والسلام : « وأنا أقسم أن لا أحُلَّهم حتى أُومرَ فيهم » فنزلت ) { خَلَطُواْ عَمَلاً صالحا } هو ما سبق منهم من الأعمال الصالحةِ والخروجِ إلى المغازي السابقةِ وغيرِها وما لحِق من الاعتراف بذنوبهم في التخلف عن هذه المرة وتذمُّمِهم وندامتِهم على ذلك وتخصيصُه بالاعتراف لا يناسب الخلْطَ لا سيما على وجه يُؤذِن بتوارد المختلطَيْن وكونِ كلَ منهما مخلوطاً ومخلوطاً به كما يؤذن به تبديلُ الواوِ بالباء في قوله تعالى : { وَآخَرَ سَيِّئاً } فإن قولك : خلطتُ الماءَ باللبن يقتضي إيرادَ الماءِ على اللبن دون العكس وقولك : خلطتُ الماءَ واللبنَ معناه إيقاعُ الخلطِ بينهما من غير دلالةٍ على اختصاص أحدِهما بكونه مخلوطاً والآخرِ بكونه مخلوطاً به ، وتركُ تلك الدلالةِ للدلالةِ على جعل كلَ منهما متصفاً بالوصفين جميعاً وذلك فيما نحن فيه بورود كلَ من العملين على الآخر مرةً بعد أخرى ، والمرادُ بالعمل السيء ما صدر عنهم من الأعمال السيئة أولاً وآخراً . وعن الكلبي التوبةُ والإثمُ وقيل : الواوُ بمعنى الباء كما في قولهم : بعتُ الشاءَ شاةً ودرهماً بمعنى شاةً بدرهم { عَسَى الله أَن يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } أي يقبل توبتَهم المفهومةَ من اعترافِهم بذنوبهم { إِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ } يتجاوز عن سيئات التائبِ ويتفضل عليه وهو تعليلٌ لما تفيده كلمةُ عسى من وجوب القَبولِ فإنها للإطماع الذي هو من أكرم الأكرمين إيجابٌ وأيُّ إيجاب .

(3/206)


خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (103)

{ خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً } روي أنهم لما أُطلقوا قالوا : يا رسولَ الله هذه أموالُنا التي خلَّفتْنا عنك فتصدقْ بها وطهِّرْنا فقال عليه الصلاة والسلام : « ما أُمرتُ أن آخذَ من أموالكم شيئاً » فنولت فليست هي الصدقةُ المفروضةُ لكونها مأموراً بها ولِما رُوي أنه عليه الصلاة والسلام أخذ منهم الثلثَ وتركَ لهم الثلثين فوقع ذلك بياناً لِما في صدقةً من الإجمال ، وإنما هي كفارةٌ لذنوبهم حسبما ينبىء عنه قولُه عز وجل : { تُطَهّرُهُمْ } أي عما تلطخوا به من أوضار التخلفِ ، والتاءُ للخطاب والفعل مجزومٌ على أنه جواب للأمر وقرىء بالرفع على أنه حالٌ من ضمير المخاطبِ في خذ أو صفةٌ لصدقةً والتاء للخطاب أو للصدقة والعائدُ على الأول محذوفٌ ثقةً بما بعده وقرىء تُطْهِرهم من أطْهره بمعنى طَهّره { وَتُزَكّيهِمْ بِهَا } بإثبات الياءِ وهو خبرٌ لمبتدإٍ محذوفٍ والجملةُ حال من الضمير في الأمر أو في جوابه ، أي وأنت تزكيهم بها أي تُنْمي بتلك الصدقةِ حسناتِهم إلى مراتب المخلِصين أو أموالَهم أو تبالغ في تطهيرهم ، هذا على قراءة الجزم في تطهرْهم وأما على قراءة الرفع فسواءٌ جُعلت التاءُ للخطاب أو للصدقة وكذا جعلت الجملةُ الأولى حالاً من ضمير المخاطَب أو صفةً للصدقة على الوجهين فالثانيةُ عطفٌ على الأولى حالاً وصفةً من غير حاجةٍ إلى تقدير المبتدأ لتوجيه دخولِ الوالو في الجملة الحالية { وَصَلّ عَلَيْهِمْ } أي واعطِف عليهم بالدعاء والاستغفار لهم { ءانٍ } وقرىء صلواتِك مراعاةً لتعدد المدعوِّ لهم { صلواتك سَكَنٌ لَّهُمْ } تسكُن نفوسُهم إليها وتطمئن قلوبُهم بها ويثقون بأنه سبحانه قبل توبتَهم ، والجملةُ تعليلٌ للأمر بالصلاة عليهم { والله سَمِيعٌ } يسمع ماصدر عنهم من الاعتراف بالذنب والتوبةِ والدعاء { عَلِيمٌ } بما في ضمائرهم من الندم والغمّ لما فرَط منهم ومن الإخلاص في التوبة والدعاء أو سميع يجيب دعاءَك لهم عليم بما تقتضيه الحكمةُ ، والجملةُ حينئذ تذييلٌ للتعليل مقررٌ لمضمونه ، وعلى الأول تذييلٌ لما سبق من الآيتين محقِّقٌ لما فيهما .

(3/207)


أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (104) وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)

{ أَلَمْ يَعْلَمُواْ } وقرىء بالتاء ، والضمير إما للتائبين فهو تحقيقٌ لما سبق من قبول توبتِهم وتطهيرِ الصدقة وتزكيتِها لهم ، وتقريرٌ لذلك وتوطينٌ لقلوبهم ببيان أن المتوليَ لقبول توبتِهم وأخذِ صدقاتِهم هو الله سبحانه وإن أُسند الأخذُ والتطهيرُ والتزكيةُ إليه عليه الصلاة والسلام أي ألم يعلمْ أولئك التائبون { أَنَّ الله هُوَ يَقْبَلُ التوبة } الصحيحةَ الخالصةَ { عَنْ عِبَادِهِ } المخلِصين فيها ويتجاوز عن سيئاتهم كما يُفصح عنه كلمةُ عن والمرادُ بهم إما أولئك التائبون ، ووضعُ المظهرِ في موضع المضمرِ للإشعار بعلّية العبادةِ لقبولها ، وإما كافةُ العباد وهم داخلون في ذلك دخولاً أولياً { وَيَأْخُذُ الصدقات } أي يقبل صدقاتِهم على أن اللامَ عوضٌ عن المضاف إليه أو جنسُ الصدقاتِ المندرجُ تحته صدقاتُهم اندراجاً أولياً أي هو الذي يتولى قَبولَ التوبةِ وأخذَ الصدقاتِ وما يتعلق بها من التطهير والتزكية ، وإن كنتَ أنتَ المباشرَ لها ظاهراً ، وفيه من تقرير ما ذكر ورفعِ شأنِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم على نهج قوله تعالى : { إِنَّ الذين يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ الله } ما لا يخفى { وَأَنَّ الله هُوَ التواب الرحيم } تأكيدٌ لما عُطف عليه وزيادةُ تقريرٍ لما يقرره مع زيادةِ معنى ليس فيه ، أي ألم يعلموا أنه المختصُّ المستأثرُ ببلوغ الغايةِ القصوى من قبول التوبةِ والرحمةِ وأن ذلك سُنةٌ مستمرةٌ له وشأنٌ دائم ، والجملتان في حيز النصبِ بيعلموا بسدّ كلِّ واحدةٍ منهما مسدّ مفعوليه . وإما لغير التائبين من المؤمنين فقد روي أنهم قالوا لما تِيب على الأولين : هؤلاء الذين تابوا كانوا بالأمس معنا لا يكلَّمون ولا يجالَسون فما لهم فنزلت . أي ألم يعلموا ما للتائبين من الخصال الداعيةِ إلى التكرِمة والتقريبِ والانتظامِ في سلك المؤمنين والتلقّي يحسن القَبولِ والمجالسة فهو ترغيبٌ لهم في التوبة والصدقة .
وقوله تعالى : { وَقُلِ اعملوا } زيادةُ ترغيبٍ لهم في العمل الصالحِ الذي من جملته التوبةُ وللأولين في الثبات على ما هم عليه أي قل لهم بعد ما بان لهم شأنُ التوبةِ : اعملوا ما تشاؤون من الأعمال فظاهرُه ترخيصٌ وتخييرٌ وباطنُه ترغيبٌ وترهيبٌ وقوله عز وجل : { فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ } أي خيراً كان أو شراً وتعليلٌ لما قبله وتأكيدٌ للترغيب والترهيب ، والسينُ للتأكيد { وَرَسُولُهُ } عطفٌ على الاسم الجليل وتأخيرُه عن المفعول للإشعار بما بين الرؤيتين من التفاوت .
{ والمؤمنون } في الخبر ( لو أن رجلاً عمل في صخرة لا باب لها ولا كوة لخرج عمله إلى الناس كائناً ما كان ) . والمعنى أن أعمالَكم غيرُ خافيةٍ عليهم كما رأيتم وتبين لكم ، ثم إن كان المرادُ بالرؤية معناها الحقيقيَّ فالأمرُ ظاهرٌ وإن أريد بها مآلُها من الجزاء خيراً أو شراً فهو خاصٌّ بالدنيوي من إظهار المدحِ والثناءِ والذكرِ الجميلِ والإعزازِ ونحو ذلك من الأجزية وأضدادها { وَسَتُرَدُّونَ } أي بعد الموتِ { إلى عالم الغيب والشهادة } في وضع الظاهِرِ موضِعَ المضمَرِ من تهويل الأمرِ وتربية المهابةِ ما لا يخفى .

(3/208)


ووجهُ تقديمِ الغيبِ في الذكر لسعة عالَمِه وزيادةِ خطرِه على الشهادة غنيٌّ عن البيان . وقيل : إن الموجوداتِ الغائبةَ عن الحواس عللٌ أو كالعلل للموجودات المحسوسةِ والعلمُ بالعلل علةٌ للعلم بالمعلومات فوجب سبقُ العلمِ بالغيب على العلم بالشهادة . وعن ابن عباس رضي الله عنهما الغيبُ ما يُسِرّونه من الأعمال ، والشهادةُ ما يظهرونه كقوله تعالى : { يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ } فالتقديمُ حينئذ لتحقيق أن نسبةَ علمِه المحيطِ بالسر والعلنِ واحدةٌ على أبلغ وجهٍ وآكَدِه لا لإيهام أن علمَه سبحانه بما يسرونه أقدمُ منه بما يعلنونه كيف لا وعلمه سبحانه بمعلوماته منزهٌ عن أن يكون بطريق حصولِ الصورة بل وجودُ كل شيءٍ وتحققُه في نفسه علمٌ بالنسبة إليه تعالى ، وفي هذا المعنى لا يختلف الحالُ بين الأمور البارزةِ والكامنةِ ، وإما للإيذان بأن رتبةَ السرِّ متقدمةٌ على رتبة العلن ، إذ ما من شيء يُعلن إلا وهو أو مباديه القريبةُ أو البعيدةُ مضمرٌ قبل ذلك في القلب فتعلقُ علْمِه تعالى به في حالته الأولى متقدمٌ على تعلقه به في حالته الثانية { فَيُنَبّئُكُمْ } عقّب الردّ الذي هو عبارةٌ عن الأمر الممتد إلى يوم القيامة { بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } قبل ذلك في الدنيا والمرادُ بالتنبئة بذلك الجزاءُ بحسَبه إن خيراً فخيرٌ وإن شراً فشر فهو وعدٌ ووعيد .

(3/209)


وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (106) وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (107)

{ وَءاخَرُونَ } عطفٌ على آخرون قبله أي ومن المتخلفين من أهل المدينةِ ومَنْ حولها من الأعراب قومٌ آخرون غيرُ المعترفين المذكورين { مُرْجَوْنَ } وقرىء مُرْجَئون من أرجيتُه وأرجأتُه أي أخرتُه ومنه المُرْجِئة الذين لا يقطعون بقبول التوبة { لاْمْرِ الله } في شأنهم . قال ابن عباس رضي الله عنهما : هم كعبُ بنُ مالك ومَرارةُ بنُ الربيع وهلالُ بنُ أميةَ لم يسارعوا إلى التوبة والاعتذار كما فعل أبو لُبابةَ وأصحابُه من شد أنفسِهم على السواري وإظهارِ الغمّ والجزَعِ والندمِ على ما فعلوا فوقَفهم رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ونهى أصحابَه عن أن يسلّموا عليهم ويكلموهم وكانوا من أصحاب بدر فهجروهم ، والناسُ في شأنهم على اختلاف فمن قائلٍ : هلكوا وقائل : عسى الله أن يغفرَ لهم فصاروا عندهم مُرجَئين لأمره تعالى { إِمَّا يُعَذّبُهُمْ } إن بقوُا على ما هم عليه من الحال وقيل : إن أصروا على النفاق وليس بذاك فإن المذكورين ليسوا من المنافقين { وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ } إن خلَصت نيتُهم وصحت توبتُهم والجملةُ في محل النصبِ على الحالية أي منهم هؤلاء إما معذَّبين وإما مَتوباً عليهم ، وقيل : آخرون مبتدأٌ ومرجون صفتُه وهذه الجملةُ خبره { والله عَلِيمٌ } بأحوالهم { حَكِيمٌ } فيما فعل بهم من الإرجاء وما بعده وقرىء والله غفور رحيم { والذين اتخذوا مَسْجِدًا } عطفٌ على ما سبق أي ومنهم الذين أو نصبٌ على الذم وقرىء بغير واو لأنها قصة على حيالها { ضِرَارًا } أي مضارّةً للمؤمنين وانتصابُه على أنه مفعولٌ ثانٍ لاتخذوا أو على أنه مصدرٌ مؤكدٌ لفعل مقدر منصوبٍ على الحالية أي يضارّون بذلك ضراراً أو على أنه مصدرٌ بمعنى الفاعل وقع حالاً من ضمير اتخذوا أي مضارِّين للمؤمنين . ( روي أن بني عمرو بنِ عَوْف لما بنَوا مسجدَ قُباءَ بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يأتيهَم فيصليَ بهم في مسجدهم فلما فعله عليه الصلاة والسلام حسدتْهم إخوتُهم بنو غنم بنِ عوف وقالوا : نبني مسجداً ونرسل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي فيه ، ويصلي فيه أبو عامرٍ الراهب أيضاً إذا قدم من الشام ) وهو الذي سماه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم الفاسقَ ( وقد كان قال لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم أُحد : لا أجد قوماً يقاتلونك إلا قاتلتُك معهم فلم يزل يفعل ذلك إلى يوم حنين فلما انهزمت هوازنُ يومئذ ولّى هارباً إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا بما استعدتم من قوة وسلاح فإني ذاهبٌ إلى قيصرَ وآتٍ بجنود ومخرجٌ محمداً وأصحابَه من المدينة ) ( فبنَوا مسجداً إلى جنب مسجد قباءَ وقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم : بنينا مسجداً لذي العلّة والحاجةِ والليلةِ المطيرة والشاتية ونحن نحب أن تصليَ لنا فيه وتدعوَ لنا بالبركة فقال عليه الصلاة والسلام :

(3/210)


« إني على جناح سفر وحالِ شُغْلٍ وإذا قدِمنا إن شاء الله تعالى صلينا فيه » فلما قفَل عليه الصلاة والسلام من غزوة تبوكَ سألوه إتيانَ المسجد فنزلت عليه فدعا بمالك بنِ الدخشم ومعنِ بن عدي وعامر بنِ السكن ووحشي فقال لهم : « انطلقوا إلى هذا المسجد الظالمِ أهلُه فاهدِموه وأحرِقوه » ففعلوا وأمر أن يتخذ مكانه كُناسةٌ تلقى فيها الجيفُ والقُمامة وهلك أبو عامر الفاسقُ بالشام بقِنَّسْرين ) { وَكُفْراً } تقوية للكفر الذي يُضمِرونه { وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المؤمنين } الذين كانوا يصلون في مسجد قباءَ مجتمعين فيغص بهم فأرادوا أن يتفرقوا وتختلف كلمتُهم { وَإِرْصَادًا } إعداداً وانتظاراً وترقباً { لّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ } وهو الراهبُ الفاسقُ أي لأجله حتى يجيءَ فيصليَ فيه ويظهرَ على رسول الله صلى الله عليه وسلم { مِن قَبْلُ } متعلقٌ باتخذوا أي اتخذوا من قبل أن ينافقوا بالتخلف حيث كانوا بنوه قبل غزوة تبوك ، أو بحارب أي جارٍ بهما قبل اتخاذِ هذا المسجد { وَلَيَحْلِفَنَّ إِنْ أَرَدْنَا } أي ما أردنا ببناء هذا المسجد { إِلاَّ الحسنى } إلا الخَصلةَ الحسنى وهي الصلاةُ وذكرُ الله والتوسعةُ على المصلين أو إلا الإرادةَ الحسنى { والله يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لكاذبون } في حلِفهم ذلك .

(3/211)


لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (108)

{ لاَ تَقُمْ } للصلاة { فِيهِ } في ذلك المسجدِ حسبما دعَوْك إليه { أَبَدًا لَّمَسْجِدٌ أُسّسَ } أي بُني أصلُه { عَلَى التقوى } يعني مسجدَ قباءَ أسسه رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وصلى فيه أيامَ مقامِه بقباء وهي يومُ الاثنين والثلاثاءِ والأربعاءِ والخميسِ وخرج يومَ الجمعة ، وقيل : هو مسجدُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة وعن أبي سعيد رضي الله عنه سألت النبيَّ صلى الله عليه وسلم عن المسجد الذي أُسس على التقوى فأخذ حصباءَ فضرب بها الأرضَ وقال : «مسجدُكم هذا مسجدُ المدينة» ، واللامُ إما للابتداء أو للقسم المحذوفِ أي والله لَمسجدٌ ، وعلى التقديرين فمسجدٌ مبتدأٌ وما بعده صفتُه وقوله تعالى : { مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ } أي من أيام تأسيسِه ، متعلقٌ بأسس وقوله تعالى : { أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ } أي للصلاة وذكرِ الله تعالى خبرُه وقوله تعالى : { فِيهِ رِجَالٌ } جملةٌ مستأنفةٌ مبينةٌ لأحقّيته لقيامه عليه الصلاة والسلام فيه من جهة الحال بعد بيانِ أحقيتِه له من حيث المحلُّ ، أو صفةٌ أخرى للمبتدأ أو حالٌ من الضمير في فيه وعلى كل حالٍ ففيه تحقيقٌ وتقريرٌ لاستحقاقه القيامَ فيه والمرادُ بكونه أحق نفس كونه حقيقاً به إذ لا استحقاقَ في مسجد الضرارِ رأساً وإنما عبر عنه بصيغة التفضيلِ لفضله في نفسه أو الأفضلية في الاستحقاق المتناولِ لما يكون باعتبار زعمِ الباني ومن يشايعُه في الاعتقاد وهو الأنسب بما سيأتي { يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ } من المعاصي والخصالِ الذميمةِ لمرضاة الله سبحانه وقيل : من الجنابة فلا ينامون عليه .
{ والله يُحِبُّ المطهرين } أي يرضى عنهم ويُدْنيهم من جنابه إدناءَ المحبِّ حبيبَه . قيل : ( لما نزلت مشى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ومعه المهاجرون حتى وقف على باب مسجد قباءَ فإذا الأنصارُ جلوسٌ فقال : " أمؤمنون أنتم؟ " فسكت القومُ ثم أعادها فقال عمرُ رضي الله تعالى عنه : يا رسولَ الله إنهم لمؤمنون وأنا معهم فقال عليه الصلاة والسلام : " أترضَوْن بالقضاء؟ " قالوا نعم قال أتشكرون في الرخاء؟ قالوا : نعم ، قال عليه الصلاة والسلام : " أتصبِرون على البلاء؟ " قالوا : نعم ، قال عليه الصلاة والسلام : " مؤمنون وربِّ الكعبة " فجلس ثم قال : " يا معشرَ الأنصار إن الله عز وجل قد أثنى عليكم فما الذي تصنعون عند الوضوء وعند الغائط؟ " فقالوا : نُتبعُ الغائطَ الأحجارَ الثلاثة ثم نتبع الأحجارَ الماءَ ، فتلا النبيُّ عليه الصلاة والسلام { فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ } وقرىء أن يطّهروا بالإدغام وقيل : هو عام في التطهر عن النجاسات كلِّها وكانوا يُتبعون الماءَ إثرَ البول . وعن الحسن رضي الله عنه هو التطهرُ عن الذنوب بالتوبة وقيل : يحبّون أن يتطهروا بالحُمّى المكفرةِ لذنوبهم فحُمُّوا عن آخرهم .

(3/212)


أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (109)

{ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ } على بناء الفعلِ للفاعل والنصبِ ، وقرىء على البناء للمفعول والرفعِ وقرىء أُسسُ بنيانِه على الإضافة جمع أساس ، وإءَساسُ بالفتح والكسر جمع أُسّ وقرىء أَساسُ بنيانِه جمع أُس أيضاً وأُسُّ بنيانِه ، وهي جملةٌ مستأنفة مبينةٌ لخيرية الرجالِ المذكورين من أهل مسجد قُباء والهمزةُ للإنكار والفاء للعطف على مقدر أي أبعدَ ما عَلِمَ حالَهم : مَنْ أسّس بنيانَ دينِه { على تقوى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ } أي على قاعدةٍ محكمة هي التقوى من الله وابتغاءُ مرضاتِه بالطاعة ، والمرادُ بالتقوى درجتُها الثانية التي هي التوقّي عن كل ما يُؤثِمَ من فعل أو ترك ، وقرىء تقوىً بالتنوين على أن الألف للإلحاق دون التأنيث { خَيْرٌ أَمِّن أَسَّسَ بُنْيَانَهُ } تركُ الإضمار للإيذان باختلاف البُنيانين ذاتاً مع اختلافهما وصفاً وإضافةً { على شَفَا جُرُفٍ هَارٍ } الشفا الحَرْف والشفير والجُرُف ما جرفه السيلُ أي استأصله واحتفَر ما تحته فبقىَ واهياً يريد الانهدام ، والهارُ الهائرُ المتصدِّعُ المشرِفُ إلى السقوط من هار يهورُ ويهار أو هار يهير قُدّمت لامُه على عينه فصار كغازٍ ورامٍ وقيل : حذفت عينه اعتباطاً أي بغير موجب فجرى وجوهُ الإعرابِ على لامه { فانهار بِهِ فِى نَارِ جَهَنَّمَ } مثّل ما بنَوا عليه أمرَ دينِهم في البُطلان وسرعةِ الانطماسِ بما ذُكر ثم رشّح بانهياره في النار ، ووُضع بمقابلة الرضوانِ تنبيهاً على أن تأسيسَ ذلك على أمر يحفظه من النار ويوصله إلى الرضوان ومقتضياتِه التي أدناها الجنةُ وتأسيسَ هذا على ما هو بصدر الوقوعِ في النار ساعةً فساعة ثم مصيرُهم إليها لا محالة . وقرىء جُرْف بسكون الراء { والله لاَ يَهْدِى القوم الظَّالِمِينَ } أي لأنفسهم أو الواضعين للأشياء في غير مواضِعها أي لا يُرشدهم إلى ما فيه نجاتُهم وصلاحُهم إرشاداً موجباً له لا محالة ، وأما الدلالةُ على ما يرشدهم إليه إن استرشدوا به فهو متحققٌ بلا اشتباه .

(3/213)


لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (110) إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (111)

{ لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الذى بَنَوْاْ } البنيانُ مصدرٌ أُريد به المفعولُ ، ووصفُه بالموصول الذي صلتُه فعله للإيذان بكيفية بنائِهم له وتأسيسِه على أوهن قاعدةٍ وأوهى أساسٍ وللإشعار بعلة الحُكم ، أي لا يزال مسجدُهم ذلك مبنياً ومهدوماً { رِيبَةً فِى قُلُوبِهِمْ } أي سببَ ريبةٍ وشكَ في الدين كأنه نفسُ مُريبِه . أما حالَ بنيانه فظاهرٌ لِما أن اعتزالَهم من المؤمنين واجتماعَهم في مجمع على حياله يُظهرون فيه ما في قلوبهم من آثار الكفرِ والنفاقِ ويدبِّرون فيه أمورَهم ويتشاورون في ذلك ، ويُلقي بعضُهم إلى بعض ما سمعوا من أسرار المؤمنين مما يزيدهم ريبة وشكاً في الدين ، وأما حالَ هدمِه فلما أنه رسَخ به ما كان في قلوبهم من الشر وتضاعفت آثارُه وأحكامُه أو سبّب ريبةً في أمرهم حيث ضعُفت قلوبُهم ووهَى اعتقادُهم بخفاء أمرِهم على أمر المؤمنين لأنهم أظهروا من أمرهم بعد البناءِ أكثرَ مما كانوا يُظهرونه قبل ذلك وقت اختلاطِهم بالمؤمنين وساءت ظنونُهم بأنفسهم فلما هُدم بنيانُهم تضاعف ذلك الضَّعفُ وتقوّى وصاروا مُرتابين في أن رسول الله صلى الله عليه وسلم هل يتركهم على ما كانوا عليه من قبل أو يأمرُ بقتلهم ونهبِ أموالِهم . وقال الكلبي : معنى ريبةً حسرةً وندامة . وقال السدي وحبيب والمبرد : لا يزال هدمُ بنيانِهم حزازةً وغيظاً في قلوبهم { إِلاَّ أَن تَقَطَّعَ } من التفعل بحذف إحدى التاءين أي إلا أن تتقطع { قُلُوبِهِمْ } قِطعاً وتتفرّقَ أجزاءً بحيث لا يبقى لها قابليةُ إدراكٍ وإضمار قطعاً ، وهو استثناءٌ من أعم الأوقاتِ أو أعم الأحوال ومحلُّه النصبُ على الظرفية أي لا يزال بنيانُهم ريبةً في كل الأوقات أو كلِّ الأحوال إلا وقتَ تقطُّع قلوبهم أو حالَ تقطعِ قلوبِهم ، فحينئذ يسْلُون عنها وأما ما دامت سالمةً فالريبةُ باقيةٌ فيها فهو تصويرٌ لامتناع زوالِ الريبةِ عن قلوبهم ، ويجوزُ أن يكون المرادُ حقيقةً تقطُّعُها عند قتلِهم أو في القبور أو في النار ، وقرىء تُقَطّع على بناء المجهول من التفعيل وعلى البناء للفاعل منه على خطاب النبي صلى الله عليه وسلم أي إلا أن تُقطِّع أنت قلوبَهم بالقتل ، وقرىء على البناء للمجهول من الثلاثي مذكراً ومؤنثاً وقرىء إلى تقطُّعِ قلوبهم وإلى أن تُقطِّع قلوبَهم على الخطاب ، وقرىء ولو قُطِّعت قلوبُهم على إسناد الفعل مجهولاً إلى قلوبهم ولو قَطَّعتَ قلوبَهم على الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم أو لكل أحد يصلُح للخطاب . وقيل : إلا أن يتوبوا توبةً تتقطّع بها قلوبُهم ندماً وأسفاً على تفريطهم { والله عَلِيمٌ } بجميع الأشياءِ التي من جملتها ما ذكر من أحوالهم { حَكِيمٌ } في جميع أفعالِه التي من زمرتها أمرُه الواردُ في حقهم .
{ إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم } ترغيبٌ للمؤمنين في الجهاد ببيان فضيلتِه إثرَ بيانِ حالِ المتخلفين عنه ، ولقد بولغ في ذلك على وجه لا مزيدَ عليه حيث عبّر عن قَبول الله تعالى من المؤمنين أنفسَهم وأموالَهم التي بذلوها في سبيله تعالى وإثابتِه إياهم بمقابلتها الجنةَ بالشراء على طريقة الاستعارةِ التبعية ثم جُعل المبيعُ الذي هو العُمدةُ والمقصِدُ في العقد أنفُسَ المؤمنين وأموالَهم والثمنُ الذي هو الوسيلةُ في الصفقة الجنةُ ولم يُجعل الأمرُ على العكس بأن يقال : إن الله باع الجنةَ من المؤمنين بأنفسهم وأموالهم ليدل على أن المقصِد في العقد هو الجنةُ وما بذله المؤمنون في مقابلتها من الأنفس والأموال وسيلةٌ إليها إيذاناً بتعليق كمالِ العنايةِ بهم وبأموالهم ثم إنه لم يقل بالجنة بل قيل : { بِأَنَّ لَهُمُ الجنة } مبالغةً في تقرير وصولِ الثمنِ إليهم واختصاصِه بهم كأنه قيل : بالجنة الثابتةِ لهم المختصةِ بهم .

(3/214)


وأما ما يقال من أن ذلك لمدح المؤمنين بأنهم بذلوا أنفسَهم وأموالَهم بمجرد الوعدِ لكمال ثقتِهم بوعده تعالى وأن تمامَ الاستعارةِ موقوفٌ على ذلك إذ لو قيل : بالجنة لاحتمل كونُ الشراء حقيقةً لأنها صالحةٌ للعِوضية بخلاف الوعيدِ بها فليس بشيء لأن مناطَ دِلالةِ ما عليه النظمُ الكريمُ على الوعد ليس كونُه جملةً ظرفيةَ مصدّرةً بأن فإن ذلك بمعزل من الدلالة على الاستقبال بل هو الجنةُ التي يستحيل وجودُها في الدنيا ولو سلم ذلك يكون العوضُ الجنةَ الموعودَ بها { يقاتلون فِى سَبِيلِ الله } استئنافٌ لكن لا لبيان ما لأجله الشراءُ ولا لبيان نفسِ الاشتراء لأن قتالَهم في سبيل الله تعالى ليس باشتراء الله تعالى منهم أنفسَهم وأموالَهم بل هو بذلٌ لهما في ذلك بل لبيان البيعِ الذي يستدعيه الاشتراءُ المذكورُ كأنه قيل : كيف يبيعون أنفسَهم وأموالَهم بالجنة؟ فقيل : يقاتلون في سبيل الله وهو بدلٌ منهم لأنفسهم وأموالهم إلى جهة الله سبحانه وتعريضٌ لهما للهلاك وقوله تعالى : { فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } بيانٌ لكون القتالِ في سبيل الله بذلاً للنفس وأن المقاتِلَ في سبيله باذلٌ لها وإن كانت سالمةً غانمة ، فإن الإسنادَ في الفعلين ليس بطريق اشتراطِ الجمعِ بينهما ولا اشتراطِ الاتصافِ بأحدهما البتةَ بل بطريق وصفِ الكلِّ بحال البعضِ فإنه يتحقق القتالُ من الكل سواءٌ وجد الفعلان أو أحدَهما منهم أو من بعضهم بل يتحقق ذلك وإن لم يصدُرْ منهم أحدُهما أيضاً كما إذا وُجدت المضاربةُ ولم يوجد القتلُ من أحد الجانبين أو لم توجد المضاربةُ أيضاً فإنه يتحقق للجهادُ بمجرد العزيمة والنفير وتكثيرِ السواد ، وتقديمُ حالةِ القاتلية على حالة المقتوليةِ للإيذان بعدم الفرقِ بينهما في كونهما مصداقاً لكون القتالِ بذلاً للنفس وقرىء بتقديم المبنيِّ للمفعول رعايةً لكون الشهادة عريقةً في الباب وإيذاناً بعدم مبالاتِهم بالموت في سبيل الله تعالى بل بكونه أحبَّ إليهم من السلامة كما قيل في حقهم :

(3/215)


لا يفرحون إذا نالت رماحهم ... قوماً وليسوا مَجازيعاً إذا نِيلوا
لا يقع الطعنُ إلا في نحورِهم ... وما لهم عن حِياض الموتِ تهليلُ
وقيل : في يقاتلون الخ معنى الأمر كما في قوله تعالى : { وتجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ } { وَعْدًا عَلَيْهِ } مصدرٌ مؤكدٌ لما يدل عليه كونُ الثمنِ مؤجلاً { حَقّاً } نعتٌ لوعداً والظرفُ حال منه لأنه لو تأخر لكان صفةً له وقوله تعالى : { فِي التوراة والإنجيل والقرءان } متعلقٌ بمحذوف وقعَ صفةً لوعداً أي وعداً مثبتاً في التوراة والإنجيل كما هو مثبتٌ في القرآن { وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله } اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله من حقية الوعدِ على نهج المبالغةِ في كونه سبحانه أوفى بالعهد من كل وافٍ فإن اختلافَ الميعاد مما لا يكاد يصدُر عن كرام الخلقِ مع إمكان صدورِه عنهم فكيف بجناب الخلاقِ الغنيِّ عن العالمين جل جلاله وسبكُ التركيب وإن كان على إنكارِ أن يكون أحدٌ أوفى بالعهد منه تعالى من غير تعرّضٍ لإنكار المساواةِ ونفيها لكن المقصودَ به قصداً مطرداً إنكارُ المساواةِ ونفيُها قطعاً فإذا قيل : مَنْ أكرمُ من فلان؟ أو لا أفضلَ منه ، فالمرادُ به حتماً أنه أكرمُ من كل كريمٍ وأفضلُ من كل فاضل { فاستبشروا } التفاتٌ إلى الخطاب تشريفاً لهم على تشريف وزيادةً لسرورهم على سرور ، والاستبشارُ إظهارُ السرور ، والسينُ فيه ليس للطلب ، كاستوقَدَ وأوقد ، والفاء لترتيب الاستبشارِ أو الأمر به على ما قبله أي فإذا كان كذاك فسُرّوا نهايةَ السرور وافَرحوا غايةَ الفرحِ بما فُزتم به من الجنة ، وإنما قيل : { بِبَيْعِكُمُ } مع أن الابتهاجَ به باعتبار أدائِه إلى الجنةِ لأن المرادَ ترغيبُهم في الجهاد الذي عبّر عنه بالبيع وإنما لم يُذكر العقدُ بعنوان الشراءِ لأن ذلك من قبل الله سبحانه لا من قبلهم ، والترغيبُ إنما يكون فيما يتم من قبلهم ، وقوله تعالى : { الذى بَايَعْتُمْ بِهِ } لزيادة تقرير بيعِهم وللإشعار بكونه مغايراً لسائر البياعات فإنه بيعٌ للفاني بالباقي ولأن كِلا البدلين له سبحانه وتعالى . عن الحسن رضي الله عنه أنفُساً هو خلقها وأموالاً هو رزقها . روي أن الأنصارَ لما بايعوه عليه الصلاة والسلام على العقبة قال عبدُ اللَّه بنُ رواحةَ رضي الله تعالى عنه : اشترِطْ لربك ولنفسك ما شئت . قال عليه الصلاة والسلام : " أشترطُ لربي أن تعبُدوه ولا تشرِكوا به شيئاً ، وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون به أنفسَكم " ، قال : فإذا فعلنا ذلك فما لنا؟ قال : «لكم الجنة» ، قالوا : ربِحَ البيعُ لا نُقيل ولا نستقيل . ومر برسول الله صلى الله عليه وسلم أعرابيٌّ وهو يقرأها قال : كلامُ مَنْ؟ قال : «كلامُ الله عز وجل» قال : بيعٌ والله مُربحٌ لا نُقيله ولا نستقيله ، فخرج إلى الغزو واستُشهد . { وَذَلِكَ } أي الجنةُ التي جعلت ثمناً بمقابلة ما بذلوا من أنفسهم وأموالِهم { هُوَ الفوز العظيم } الذي لا فوزَ أعظمُ منه ، وما في ذلك من معنى البُعد إشارةٌ إلى بُعد منزلةِ المشارِ إليه وسموِّ رتبتِه في الكمال ، ويجوز أن يكون ذلك إشارةً إلى البيع الذي أُمروا بالاستبشار به ويجعل ذلك كأنه نفسُ الفوز العظيم أو يُجعل فوزاً في نفسه ، فالجملةُ على الأول تذييلٌ للآية الكريمة وعلى الثاني لقوله تعالى : { فاستبشروا } مقرِّرٌ لمضمونه .

(3/216)


التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (112)

{ التائبون } رُفع على المدح أي هم التائبون يعني المؤمنين المذكورين كما يدل عليه القراءةُ بالياء نصباً على المدح ويجوز أن يكون مجروراً على أنه صفةٌ للمؤمنين ، وقد جوِّز الرفع على الابتداء والخبرُ محذوفٌ أي التائبون من أهل الجنةِ أيضاً وإن لم يجاهدوا كقوله تعالى : { وَكُلاًّ وَعَدَ الله الحسنى } ويجوز أن يكون خبرُه قولَه تعالى : { العابدون } وما بعده خبرٌ بعد خبرٍ أي التائبون من الكفر على الحقيقة هُمُ الجامعون لهذه النعوتِ الفاضلةِ أي المخلِصون في عبادة الله تعالى { الحامدون } لنَعمائه أو لما نابهم من السراء والضراء { السائحون } الصائمون لقوله عليه الصلاة والسلام : « سياحةُ أمتي الصومُ » شبّه بها لأنه عائقٌ عن الشهوات أو لأنه رياضةٌ نفسانيةٌ يُتوسّل بها إلى العثور على خفايا المُلك والملَكوتِ وقيل : هم السائحون في الجهاد وطلبِ العلم { الركعون الساجدون } في الصلاة { الامرون بالمعروف } بالإيمان والطاعة { والناهون عَنِ المنكر } عن الشرك والمعاصي ، والعطفُ فيه للِدلالة على أن المتعاطِفَيْن بمنزلة خَصلةٍ واحدة وأما قوله تعالى : { والحافظون لِحُدُودِ الله } أي فيما بيّنه وعيّنه من الحقائق والشرائع عَملاً وحمْلاً للناس عليه فلئلاً يُتوهمَ اختصاصُه بأحد الوجهين { وَبَشّرِ المؤمنين } أي الموصوفين بالنعوت المذكورةِ ، ووضعُ المؤمنين موضعَ ضميرِهم للتنبيه على أن مِلاك الأمرِ هو الأيمانُ وأن المؤمن الكاملَ مَنْ كان كذلك ، وحُذف المبشَّرُ به للإيذان بخروجه عن حد البيانِ ، وفي تخصيص الخطابِ بالأولين إظهارُ زيادةِ اعتناءٍ بأمرهم من الترغيب والتسلية .

(3/217)


مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (114)

{ مَا كَانَ لِلنَّبِىّ والذين ءامَنُواْ } بالله وحده ، أي ما صح لهم في حكم الله عز وجل وحكمتِه وما استقام { أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ } به سبحانه { وَلَوْ كَانُواْ } أي المشركين { أُوْلِى قربى } أي ذوي قرابةٍ لهم ، وجوابُ لو محذوفٌ لدلالة ما قبله عليه والجملةُ معطوفةٌ على جملة أخرى قبلها محذوفةٍ حذفاً مطّرداً كما بُيّن في قوله تعالى : { وَلَوْ كَرِهَ الكافرون } ونظائرِه . روي أنه عليه الصلاة والسلام قال لعمه أبي طالب لما حضرتْه الوفاةُ : « يا عمّ قل كلمةً أحُاجُّ لك بها عند الله » فأبي فقال عليه الصلاة والسلام : « لا أزال أستغفرُ لك ما لم أُنُهَ عنه » فنزلت . وقيل : لما افتتَح مكةَ خرج إلى الأبواء فزار قبرَ أمِّه ثم قام مستعبِراً فقال : « إني استأذنتُ ربي في زيارة قبرِ أمّي فأذِن لي ، واستأذنتُه في الاستغفار لها فلم يأذَنْ لي ، وأنزل علي الآيتين » { مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ } أي للنبي عليه الصلاة والسلام والمؤمنين { أَنَّهُمْ } أي المشركين { أصحاب الجحيم } بأن ماتوا على الكفر أو نزل الوحيُ بأنهم يموتون على ذلك { وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأَبِيهِ } بقوله : { واغفر لاِبِى } والجملةُ استئنافٌ مَسوقٌ لتقرير ما سبق ودفعِ ما يتراءى بحسب الظاهرِ من المخالفة ، وقرىء وما استغفر إبراهيمُ لأبيه ، وقرىء وما يستغفر إبراهيمُ على حكاية الحال الماضية وقوله تعالى : { إِلاَّ عَن مَّوْعِدَةٍ } استثناءٌ مفرَّعٌ من أعم العللِ أي لم يكن استغفارُه عليه السلام لأبيه آزرَ ناشئاً عن شيء من الأشياء إلا عن موعدة { وَعَدَهَا } إبراهيمُ عليه الصلاة والسلام { إياه } أي أباه وقد قرىء كذلك بقوله : { لاَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } وقولِه : { سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِي } بناءً على رجاء إيمانِه لعدم تبيُّنِ حقيقةِ أمرِه وإلا لما وعدها إياه كأنه قيل : وما كان استغفارُ إبراهيمَ لأبيه إلا عن موعدة مبْنيةٍ على عدم تبيُّنِ أمرِه كما ينبىء عنه قولُه تعالى : { فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ } أي لإبراهيمَ بأن أوحِيَ إليه أنه مُصِرٌّ على الكفر غيرُ مؤمنٍ أبداً ، وقيل : بأن مات على الكفر والأولُ هو الأنسبُ بقوله تعالى : { أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ } فإن وصفَه بالعداوة مما يأباه حالةُ الموت { تَبَرَّأَ مِنْهُ } أي تنزّه عن الاستغفار له وتجانبَ كلَّ التجانب ، وفيه من المبالغة ما ليس في تركه ونظائرِه { إِنَّ إبراهيم لاوَّاهٌ } لكثيرُ التأوّهِ وهو كنايةٌ عن كمال الرأفةِ ورقةِ القلب { حَلِيمٌ } صبورٌ على الأذية والمحنة ، وهو استئنافٌ لبيان ما كان يدعوه عليه الصلاة والسلام إلى ما صدر عنه من الاستغفار ، وفيه إيذانٌ بأن إبراهيمَ عليه الصلاة والسلام كان أواهاً حليماً فلذلك صدَر عنه ما صدر من الاستغفار قبل التبينِ فليس لغيره أن يأتسيَ به في ذلك ، وتأكيدٌ لوجوب الاجتناب عنه بعد التبين بأنه عليه الصلاة والسلام تبرأ منه بعد التبينِ وهو في كمال رقةِ القلبِ والحلم ، فلا بد أن يكون غيرُه أكثرَ منه اجتناباً وتبرُّؤاً ، وأما أن الاستغفارَ قبل التبينِ لو كان غيرَ محظورٍ لما استُثنيَ من الائتساء به في قوله تعالى : { إِلاَّ قَوْلَ إبراهيم لأَبِيهِ لاَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ } فقد حُقق في سورة مريم بإذن الله تعالى .

(3/218)


وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (115) إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (116) لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (117)

{ وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً } أي ليس من عادته أن يصفَهم بالضلال عن طريق الحق ويُجريَ عليهم أحكامَه { بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ } للإسلام { حتى يُبَيّنَ لَهُم } بالوحي صريحاً أو دِلالةً { مَّا يَتَّقُونَ } أي ما يجب اتقاؤُه من محظورات الدينِ فلا ينزجروا عما نُهوا عنه ، وأما قبل ذلك فلا يسمى ما صدَر عنهم ضلالاً ولا يؤاخَذون به فكأنه تسليةٌ للذين استغفروا للمشركين قبل ذلك ، وفيه دليلٌ على أن الغافَل غيرُ مكلفٍ بما لا يستبدُّ بمعرفته العقلُ { إِنَّ الله بِكُلّ شَىْء عَلِيمٌ } تعليلٌ لما سبق أي أنه تعالى عليمٌ بجميع الأشياءِ التي من جملتها حاجتُهم إلى بيان قُبحِ ما لا يستقلُّ العقلُ في معرفته فيبيِّنُ لهم ذلك كما فعل هاهنا { إِنَّ الله لَهُ مُلْكُ السموات والارض } من غير شريك له فيه { إِنَّ الله لَهُ مُلْكُ السماوات والارض يُحْىِ وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِن دُونِ اللهِ مِن وَلِيٍّ وَلاَ نَصِيرٍ } لمّا منعهم من الاستغفار للمشركين وإن كانوا أولي قربى وضمّن ذلك التبرُّؤَ منهم رأساً بيَّن لهم أن الله تعالى مالكُ كلِّ موجودٍ ومتولي أمورِه والغالبُ عليه ، ولا يتأتى لهم نصرٌ ولا ولايةٌ إلا منه تعالى ليتوجهوا إليه متبرِّئين عما سواه غيرَ قاصدين إلا إياه { لَقَدْ تَابَ الله على النبى } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : هو العفوُ عن إذنه للمنافقين في التخلف عنه { والمهاجرين والانصار } قيل : هو في حق زلاتٍ سبقت منهم يوم أحُدٍ ويوم حُنينٍ ، وقيل : المرادُ بيانُ فضلِ التوبةِ وأنه ما من مؤمن إلا وهو محتاجٌ إليها حتى النبيُّ صلى الله عليه وسلم لِما صدرَ عنه في بعض الأحوالِ من ترك الأَوْلى { الذين اتبعوه } ولم يتخلفوا عنه ولم يُخِلّوا بأمر من أوامره { فِى سَاعَةِ العسرة } أي في وقتها ، والتعبيرُ عنه بالساعة لزيادة تعيينِه وهي حالُهم في غزوة تبوكَ كانوا في عُسرةٍ من الظَّهر ، يعتقِبُ عشرةٌ على بعير واحد ، ومن الزاد تزوّدوا التمرَ المدوّد والشعيرَ المسوّس والإهالة الزَّنِخة ، وبلغت بهم الشدةُ إلى أن اقتسم التمرةَ اثنان وربما مصّها الجماعةُ ليشربوا عليها الماء المتغيِّرَ ، وفي عسرة من الماء ، حتى نحَروا الإبلَ واعتصروا فروثَها وفي شدة زمانٍ من حِمارة القَيظ ومن الجدب والقَحط والضيقة الشديدةِ ، ووصفُ المهاجرين والأنصارِ بما ذكر من اتباعهم له عليه الصلاة والسلام في مثل هاتيك المراتبِ من الشدة للمبالغة في بيان الحاجةِ إلى التوبة فإنه ذلك حيث لم يُغنهم عنها فلأَنْ لا يستغنيَ عنها غيرُهم أولى وأحرى { مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مّنْهُمْ } بيانٌ لتناهي الشدة وبلوغِها إلى ما لا غايةَ وراءَها وهو إشرافُ بعضهم على أن يَميلوا إلى التخلف عن النبي عليه الصلاة والسلام وفي كاد ضميرُ الشأنِ أو ضميرُ القوم الراجعُ إليه الضميرُ في منهم ، وقرىء بتأنيث الفعل وقرىء من بعد ما زاغت قلوبُ فريقٍ منهم يعني المتخلفين من المؤمنين كأبي لُبابةَ وأضرابِه { ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ } تكريرٌ للتأكيد وتنبيهٌ على أنه يتاب عليهم من أجل ما كابدوا من العُسرة والمرادُ أنه تاب عليهم لكيدودتهم { إِنَّهُ بِهِمْ رَءوفٌ رَّحِيمٌ } استئنافٌ تعليليٌ فإن صفةَ الرأفةِ والرحمةِ من دواعي التوبةِ والعفوِ ويجوز كونُ الأولِ عبارةً عن إزالة الضررِ والثاني عن إيصالِ المنفعةِ وأن يكون أحدُهما للسوابق والآخَرُ لِلّواحق .

(3/219)