صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)


الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
المؤلف : أبو السعود ، محمد بن محمد بن مصطفى العمادي
مصدر الكتاب : موقع التفاسير
http://www.altafsir.com
[ الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع ]

إن قلتَ : النفيُ المستفادُ من الاستفهام الإنكاريّ فيما نحن فيه بمنزلة صريحِ النفي ولا ريب في أن الأولويةَ هناك معتبرةٌ بالنسبة إلى النفي ، ألا يُرى أن الأولى بالتحقق فيما ذُكر من مثال النفي عند الحالةِ المسكوتِ عنها أعني عدمَ الغِنى هو عدمُ الإعطاءِ لا نفسُه فكان ينبغي أن يكون الأولى بالتحقيق فيما نحن فيه عند عدمِ الكراهةِ عدمُ العَوْدِ لا نفسُه ، إذ هو الذي يدل عليه قولُنا : أنعود؟ لأنه في معنى لا نعود ، فلمَ اختلف الحالُ بينهما؟ قلتُ : لِما أن مناطَ الأولويةِ هو الحكمُ الذي أريد بيانُ تحققِه على كل حالٍ وذلك في مثال النفي عدمُ الإعطاءِ المستفادِ من الفعل المنفي المذكور ، وأما فيما نحن فيه فهو نفسُ العودِ المستفادِ من الفعل المقدرِ إذ هو الذي يقتضيه الكلامُ السابقُ أعني قولَهم : ( لتعودُن ) وأما الاستفهامُ فخارجٌ عنه واردٌ عليه لإبطال ما يفيده ونفيِ ما يقتضيه لا أنه من تمامه كما في صورة النفي ، وتوضيحُه أن بين النفيين فرقاً معنوياً تختلف به أحكامُهما التي من جملتها ما ذُكر من اعتبار الأولوية في أحدهما بالنسبة إلى نفسه ، وفي الآخر بالنسبة إلى متعلَّقه ولذلك لا تستقيم إقامةُ أحدِهما مُقامَ الآخَر على وجه الكلية ، ألا يُرى أنك لو قلت مكانَ أنعود فيها الخ ، لا نعود فيها ولو كنا كارهين لاختلَّ المعنى اختلالاً فاحشاً ، لأن مدلولَ الأولِ نفيُ العَوْد المقيدِ بحال الكراهة ومدلولَ الثاني تقييدُ العودِ المنفيِّ بها وذلك لأن حرفَ النفي يباشر نفسَ الفعلِ وينفيه ، وما يُذكر بعده يرجِعُ إليه من حيث هو منفيٌّ . وأما همزةُ الاستفهامِ فإنها تباشر الفعلَ بعد تقيُّدِه بما بعده ، لما أن دِلالتَها على الإنكار والنفي ليست بدلالة وضعيةٍ كدِلالة حرفِ النفي حتى يتعلقَ معناها بنفس الفعلِ الذي يليها ، ويكونَ ما بعده راجعاً إليه من حيث هو منفيٌّ ، بل هي دِلالةٌ عقليةٌ مستفادةٌ من سياق الكلامِ فلا بد أن يكون ما يُذكر بعد الفعلِ من موانعه ودواعي إنكارِه ونفيِه حتماً ليكون قرينةً صارفةً للهمزة عن حقيقتها إلى معنى الإنكارِ والنفي ، ثم لما كان المقصودُ نفيَ الحُكم على كل حال مع الاقتصار على ذكر بعضٍ منها مغنٍ عن ذكر ما عداها لاستلزام تحقّقِه معه تحققه مع غيره بطريق الأولوية وكانت حالُ الكراهةِ عند كونها قيداً لنفس العَوْدِ كذلك أي مغنياً عن ذكر سائرِ الأحوالِ ضرورة أن تحققَ العَوْدِ في حال الكراهةِ مستلزِمٌ لتحققه في حال عدمِها البتةَ ، وعند كونِها قيداً لنفيه بخلاف ذلك أي غيرُ مغنٍ عن ذكر غيرِها ضرورة أن نفيَ العودِ في حال الكراهةِ لا يستلزم بقية في غيرهابل الأمرُ بالعكس فإن نفيَه في حال الإرادةِ مستلزمٌ لنفيه في حال الكراهةِ قطعاً .

(3/16)


استقام الأول لإفادته نفيَ العودِ في الحالتين مع الاقتصار على ذِكْر ما هو مغنٍ عن ذكر الآخر ، ولم يستقم الثاني لعدم إفادتِه إياه على الوجه المذكور . إن قيل : فما وجهُ استقامتِهما جميعاً عند ذكرِ المعطوفَيْن معاً حيث يصِحّ أن يقال : لا نعودُ فيها لو لم نكن كارهين ولو كنا كارهين كما يصح أن يقال : أنعودُ فيها لو لم نكن كارهين ولو كنا كارهين مع أن المقدّر في حكم الملفوظِ قلنا : وجهُها أن كلاًّ منهما يفيد معنىً صحيحاً في نفسه لا أن معنى أحدِهما عينُ معنى الآخر أو متلازمان متفقانِ في جميع الأحكام ، كيف لا ومدلولُ الأولِ أن العودَ منتفٍ في الحالتين ومدلولُ الثاني أن العودَ في الحالتين منتفٍ وكلا المعنيين صحيحٌ في نفسه مصحِّحٌ لنفي العَوْدِ في الحالتين مع الاقتصار على ذكر حالة الكراهة على عكس المعنى الأول فإنه مصحِّحٌ لنفيه فيهما مع الاقتصار على ذكر حالةِ الإرادة .

(3/17)


قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89)

{ قَدِ افترينا عَلَى الله كَذِبًا } أي كذباً عظيماً لا يُقادَر قدرُه { إِنْ عُدْنَا فِى مِلَّتِكُمْ } التي هي الشركُ ، وجوابُ الشرطِ محذوفٌ لدِلالة ما قبله عليه أي إن عدنا في ملتكم { بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا } فقد افترينا على الله كذباً عظيماً حيث نزعُم حينئذ أن لله تعالى نِداً وليس كمثله شيءٌ وأنه قد تبين لنا أن ما كنا عليه من الإسلام باطلٌ وأن ما كنتم عليه من الكفر حقٌّ وأيُّ افتراءٍ أعظمُ من ذلك؟ وقيل : إنه جوابُ قسمٍ حذف عنه اللامُ تقديره والله لقد افترينا الخ { وَمَا يَكُونُ لَنَا } أي وما يصِحّ وما يستقيم لنا { أَن نَّعُودَ فِيهَا } في حال من الأحوال أو في وقت من الأوقات { إِلاَّ أَن يَشَاء الله } أي إلا حالَ مشيئةِ الله تعالى أي وقتَ مشيئتِه تعالى لعَوْدنا فيها وذلك مما لا يكاد يكون كما ينبىء عنه قوله تعالى : { رَبَّنَا } فإن التعرضَ لعنوان ربوبيتِه تعالى لهم مما ينبىء عن استحالة مشيئتِه تعالى لارتدادهم قطعاً وكذا قوله تعالى : { بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا الله مِنْهَا } فإن تنجيتَه تعالى لهم منها من دلائل عدمِ مشيئتِه لعَودِهم فيها وقيل : معناه إلا أن يشاء الله خِذلانَنا . وقيل : فيه دليلٌ على أن الكفرَ بمشيئته تعالى وأياً ما كان فليس المرادُ بذلك بيانَ أن العودَ فيها في حيز الإمكانِ وخطرِ الوقوعِ بناءً على كون مشيئتِه تعالى كذلك بل بيانُ استحالةِ وقوعِها كأنه قيل : وما كان لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربُّنا وهيهاتَ ذلك بدليل ما ذُكر من موجبات عدم مشيئتِه تعالى له { وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْء عِلْمًا } فهو محيطٌ بكل ما كان وما سيكون من الأشياء التي من جملتها أحوالُ عبادِه وعزائمُهم ونياتُهم وما هو اللائقُ بكل واحدٍ منهم فمُحالٌ من لطفه أن يشاء عَودَنا فيها بعد ما نجانا منها مع اعتصامنا به خاصةً حسبما ينطِق به قوله تعالى : { عَلَى الله تَوَكَّلْنَا } أي في أن يثبتَنا على ما نحن عليه من الإيمان ويُتمَّ علينا نعمتَه بإنجائنا من الإشراك بالكلية ، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ في موقع الإضمارِ للمبالغة في التضرع والجُؤار ، وقوله تعالى : { رَبَّنَا افتح بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بالحق } إعراضٌ عن مقاولتهم إثرَ ما ظهر له عليه الصلاة والسلام أنهم من العتو والعِناد بحيث لا يُتصور منهم الإيمانُ أصلاً ، وإقبالٌ على الله تعالى بالدعاء لفصل ما بينه وبينهم بما يليق بحال كلَ من الفريقين أي احكم بيننا بالحق ، والفَتاحَةُ الحكومة ، أو أظهرْ أمرنا حتى ينكشِفَ ما بيننا وبينهم ويتميز المُحقُّ من المبطِل من فتَحَ المُشكلَ إذا بيّنه { وَأَنتَ خَيْرُ الفاتحين } تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله على المعنيين .

(3/18)


وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90)

{ وَقَالَ الملا الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ } عطفٌ على قال الملأ الذين الخ ، ولعل هؤلاء غيرُ المستكبرين ودونهم في الرتبة شأنُهم الوساطةُ بينهم وبين العامةِ والقيامُ بأمورهم حسبما يراه المستكبرون ، ويجوز أن يكون عينَ الأولين ، وتغييرُ الصلةِ لما أن مدارَ قولِهم هذا هو الكفرُ كما أن مناطَ قولِهم السابقِ هو الاستكبارُ أي قال أشرافُهم الذين أصروا على الكفر لأعقابهم بعد ما شاهدوا صلابةَ شعيبٍ عليه السلام ومن معه من المؤمنين في الإيمان وخافوا أن يستتبعوا قومَهم تثبيطاً لهم عن الإيمان به وتنفيراً لهم عنه على طريقة التوكيدِ القسَمي والله { لَئِنِ اتبعتم شُعَيْبًا } ودخلتم في دينه وتركتم دينَ آبائِكم { إِنَّكُمْ إِذاً لخاسرون } أي في الدين لاشترائكم الضلالةَ بهداكم أو في الدنيا لفوات ما يحصُل لكم بالبخْس والتطفيف ، وإذن حرفُ جوابٍ وجزاء معترِضٌ بين اسم إن وخبرِها والجملةُ سادةٌ مسدَّ جوابي الشرطِ والقسمِ الذي وطَّأَتْه اللام .

(3/19)


فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آَسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93) وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94)

{ فَأَخَذَتْهُمُ الرجفة } أي الزلزلة وهكذا في سورة العنكبوت وفي سورة هود : { وَأَخَذَتِ الذين ظَلَمُواْ الصَّيْحَةُ } أي صيحةُ جبريلَ عليه السلام ، ولعلها من مبادىء الرجفةِ فأُسند هلاكُهم إلى السبب القريبِ تارةً وإلى البعد أخرى { فَأَصْبَحُواْ فِي دَارِهِمْ } أي في مدينتهم وفي سورة هودٍ في ديارهم { جاثمين } أي ميّتين لازمين لأماكنهم لا بَراحَ لهم منها { الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا } استئنافٌ لبيان ابتلائِهم بشؤم قولِهم فيما سبق : { لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين ءامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَا } وعقوبتِهم بمقابلته ، والموصولُ مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى : { كَأَن لَّمْ يَغْنَوْاْ فِيهَا } أي استُؤصِلوا بالمرة وصاروا كأنهم لم يقيموا بقريتهم أصلاً أي عوقبوا بقولهم ذلك وصاروا هم المُخرَجين من القرية إخراجاً لا دخولَ بعده أبداً وقوله تعالى : { الذين كَذَّبُواْ شُعَيْبًا كَانُواْ هُمُ الخاسرين } استئنافٌ آخرُ لبيان ابتلائِهم بعقوبة قولِهم الأخيرِ ، وإعادةُ الموصولِ والصلةِ كما هي لزيادة التقريرِ والإيذانِ بأن ما ذكر في حيز الصلةِ هو الذي استوجب العقوبتين أي الذين كذبوه عليه السلام عوقبوا بمقالتهم الأخيرة فصاروا هم الخاسرين للدنيا والدين لا المتبعون له عليه الصلاة والسلام ، وبهذا القصر اكتُفي عن التصريح بإنجائه عليه الصلاة والسلام كما وقع في سورة هود من قوله تعالى : { وَلَمَّا جَاء أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا والذين ءامَنُواْ مَعَهُ } الخ .
{ فتولى عَنْهُمْ وَقَالَ ياقوم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رسالات رَبّى وَنَصَحْتُ لَكُمْ } قاله عليه الصلاة والسلام بعد ما هلكوا تأسفاً بهم لشدة حزنِه عليهم ثم أنكر على نفسه ذلك فقال : { فَكَيْفَ ءاسى } أحزن حزناً شديداً { على قَوْمٍ كافرين } أي مُصِرِّين على الكفر ليسوا أهلَ حزنٍ لاستحقاقهم ما نزل عليهم بكفرهم ، أو قاله اعتذاراً عن عدم شدة حزنِه عليهم ، والمعنى لقد بالغتُ في الإبلاغ والإنذار وبذلتُ وُسعي في النصح والإشفاقِ فلم تُصدِّقوا قولي فكيف آسى عليكم وقرىء إيسى بإمالتين .
{ وَمَا أَرْسَلْنَا فِى قَرْيَةٍ مّن نَّبِىٍّ } إشارةٌ إجمالية إلى بيان أحوالِ سائرِ الأمم إثرَ بيان أحوالِ الأممِ المذكورة تفصيلاً ، ومِنْ مزيدةٌ لتأكيد النفي والصفةُ محذوفةٌ أي من نبي كُذِّب أو كذَّبه أهلُها { إِلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا } استثناءٌ مفرغٌ من أعم الأحوالِ ، وأخذنا في محل النصب من فاعل أرسلنا والفعلُ الماضي لا يقع بعد إلا بأحد شرطين إما تقديرِ قد كما في هذه الآية أو مقارَنةِ قد ، كما في قولك : ما زيد إلا قد قام والتقديرُ وما أرسلنا في قرية من القرى المُهلَكة نبياً من الأنبياء في حال من الأحوال إلا حالَ كونِنا آخذين أهلَها { بالبأساء } بالبؤس والفقرِ { والضراء } بالضُّرّ والمرض ، لكن لا على معنى أن ابتداءَ الإرسالِ مقارِنٌ للأخذ المذكورِ بل على أنه مستتبِعٌ له غيرُ منفكَ عنه بالآخرة لاستكبارهم عن اتباع نبيِّهم وتعزُّزِهم عليه حسبما فعلت الأممُ المذكورة { لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ } كي يتضرعوا ويتذللوا ويحُطّوا أرديةَ الكِبْر والعزةِ عن أكتفاهم كقوله تعالى : { وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إلى أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ فأخذناهم بالبأساء والضراء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ }

(3/20)


ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آَبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95) وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آَمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97)

ثُمَّ بَدَّلْنَا } عطفٌ على أخذنا داخلٌ في حكمه { مَكَانَ السيئة } التي أصابتهم للغاية المذكورةِ { الحسنة } أي أعطيناهم بدلَ ما كانوا فيه من البلاء والمحنةِ الرخاءَ والسعةَ كقوله تعالى : { وبلوناهم بالحسنات والسيئات } { حتى عَفَواْ } أي كثُروا عَدداً وعُدداً من عفا النباتُ إذا كثر وتكاثف وأبطرتْهم النعمة { وَقَالُواْ } غيرَ واقفين على أن ما أصابهم من الأمرين ابتلاءٌ من الله سبحانه { قَدْ مَسَّ ءابَاءنَا الضراء والسراء } كما مسّنا ذلك ، وما هو إلا من عادة الدهرِ يعاقِب في الناس بين الضراءِ والسراء من غير أن يكون هناك داعيةٌ تؤدي إليهما أو تِبعةٌ تترتب عليهما ، ولعل تأخيرَ السراءِ للإشعار بأنها تعقُب الضراءَ فلا ضيرَ فيها { فأخذناهم } إثرَ ذلك { بَغْتَةً } فجأةً أشدَّ الأخذِ وأفظعَه { وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ } بذلك ولا يُخطِرُ ببالهم شيئاً من المكاره كقوله تعالى : { حتى إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوتُواْ } الآية ، وليس المرادُ بالأخذ بغتةً إهلاكَهم طرفة عينٍ كإهلاك عادٍ وقومِ لوطٍ بل ما يعُمّه وما يمضي بين الأخذ وإتمام الإهلاكِ أياماً كدأب ثمود .
{ وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى } أي القرى المُهلَكة المدلولَ عليها بقوله تعالى : { فِى قَرْيَةٍ } وقيل : هي مكةُ وما حولها من القُرى المنتظمةِ لما ذكر هاهنا انتظاماً أولياً { ءامَنُواْ } بما أوحيَ إلى أنبيائهم معتبِرين بما جرى عليهم من الابتلاء بالضراء والسراء { واتقوا } أي الكفرَ والمعاصيَ أو اتقَوْا ما أُنذروا به على ألسنة الأنبياءِ ولم يُصِرّوا على ما فعلوا من القبائح ولم يحمِلوا ابتلأَ الله تعالى على عادات الدهر وقال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : وحَّدوا الله واتقَوا الشر { لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بركات مّنَ السماء والارض } لوسّعنا عليهم الخيرَ ويسّرناه لهم من كل جانبٍ مكانَ ما أصابهم من فنون العقوباتِ التي بعضُها من السماء وبعضُها من الأرض . وقيل : المرادُ المطرُ والنباتُ وقرىء لفتّحنا بالتشديد للتكثير { ولكن كَذَّبُواْ } أي ولكن لم يؤمنوا ولم يتقوا وقد اكتُفي بذكر الأولِ لاستلزامه للثاني { فأخذناهم بِمَا كَانُواْ يَكْسِبُونَ } من أنواع الكفرِ والمعاصي التي من جملتها قولُهم : قد مس آباءَنا الخ ، وهذا الأخذُ عبارةٌ عما في قوله تعالى : { فأخذناهم بَغْتَةً } لا عن الجدب والقَحطِ كما قيل فإنهما قد زالا بتبديل الحسنةِ مكانَ السيئة .
{ أَفَأَمِنَ أَهْلُ القرى } أي أهلُ القرى المذكورةِ ، على وضع المُظهرِ موضِعَ المُضمر للإيذان بأن مدارَ التوبيخِ أمْنُ كلِّ طائفةٍ ما أتاهم من البأس لا أمنُ مجموعِ الأمم ، فإن كلَّ طائفةٍ منهم أصابهم بأسٌ خاصٌّ بهم لا يتعداهم إلى غيرهم كما سيأتي ، والهمزةُ لإنكار الواقعِ واستقباحِه لا لإنكار الوقوعِ ونفيِه كما قاله أبو شامةَ وغيرُه لقوله تعالى : { فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون } والفاءُ للعطف على أخذناهم وما بينهما اعتراضٌ توسّط بينهما للمسارعة إلى بيان أن الأخذَ المذكورَ مما كسبتْه أيديهم والمعنى أبعدَ ذلك الأخذِ أمِنَ أهلُ القرى { أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بياتا } أي تبييتاً أو وقتَ بياتٍ أي مَبيتاً أو مبيتين وهو في الأصل مصدرٌ بمعنى البيتوتة ويجيء بمعنى التبييتِ كالسلام بمعنى التسليم { وَهُمْ نَائِمُونَ } حالٌ من ضميرهم البارزِ أو المستترِ في بياتاً .

(3/21)


أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (100)

{ أَوَ أَمِنَ أَهْلُ القرى } إنكارٌ بعد إنكارٍ للمبالغة في التوبيخ والتشديدِ ولذلك لم يقل : أفأمن أهلُ القرى أي يأتيهم بأسنا بياتاً وهم نائمون أو ضحىً وهم يلعبون ، وقرىء أوْ بسكون الواوِ على الترديد { أَن يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى } أي ضحوةَ النهارِ وهو في الأصل ضوءُ الشمسِ إذا ارتفعت { وَهُمْ يَلْعَبُونَ } أي يلهُون من فرط الغفلةِ أو يشتغلون بما لا ينفعهم كأنهم يلعبون { أَفَأَمِنُواْ مَكْرَ الله } تكريرٌ للنكير لزيادة التقريرِ ، ومكرُ الله تعالى استعارةٌ لاستدراجه العبدَ وأخذِه من حيث لا يحتسب ، والمرادُ به إتيانُ بأسِه تعالى في الوقتين المذكورين ولذلك عُطف الأولُ والثالثُ بالفاء فالإنكارُ فيهما متوجهٌ إلى ترتب الأمنِ على الأخذ المذكور ، وأما الثاني فمن تتمة الأولِ { فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ الله إِلاَّ القوم الخاسرون } أي الذين خسِروا أنفسَهم وأضاعوا فطرةَ الله التي فطرَ الناسَ عليها والاستعدادَ القريبَ المستفادَ من النظر في الآيات { أَوَ لَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الارض مِن بَعْدِ أَهْلِهَا } أي يخلُفون مَنْ خلا قبلهم من الأمم المُهلَكة ويرثون ديارَهم والمرادُ بهم أهلُ مكةَ ومَنْ حولها ، وتعديةُ فعل الهداية باللام إما لتنزيلها منزلةَ اللازم كأنه قيل : أغفلَوا ولم يُغفل الهداية لهم؟ الخ ، وإما لأنها بمعنى التبيينِ والمفعولُ محذوفٌ والفاعلُ على التقديرين هو الجملةُ الشرطية أي أوَ لمْ يبيَّن لهم مآلُ أمرِهم { أَن لَّوْ نَشَاء أصبناهم بِذُنُوبِهِمْ } أي أن الشأنَ لو نشاء أصبْناهم بجزاء ذنوبِهم أو بسبب ذنوبِهم كما أصبنا مَنْ قبلهم وقرىء نَهدِ بنون العظمة فالجملة مفعولُه { وَنَطْبَعُ على قُلُوبِهِمْ } عطفٌ على ما يُفهم من قوله تعالى : { أَوَ لَمْ يَهْدِ } كأنه قيل : لا يهتدون أو يغفُلون عن الهداية أو عن التفكر والتأمل ، أو منقطعٌ عنه بمعنى ونحن نطبع ولا يجوز عطفُه على أصبناهم على أنه بمعنى طبعنا لإفضائه إلى نفي الطبْعِ عنهم لأنه في سياق جوابِ لو { فَهُمْ لاَ يَسْمَعُونَ } أي أخبارَ الأممِ المهلَكة فضلاً عن التدبر والنظرِ فيها والاغتنامِ بما في تضاعيفها من الهداية .

(3/22)


تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ (101)

{ تِلْكَ القرى } جملةٌ مستأنفةٌ جاريةٌ مجرى الفذلكةِ لما قبلها من القِصص منبئةٌ عن غاية غَوايةِ الأممِ المذكورة وتماديهم فيها بعد ما أتتهم الرسلُ بالمعجزات الباهرة ، وتلك إشارةٌ إلى قرى الأمم المُهلَكة على أن اللامَ للعهد وهو مبتدأٌ وقوله تعالى : { نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنبَائِهَا } خبرُه ، وصيغة المضارع للإيذان بعدم انقضاءِ القصة بعد ، ومِنْ للتبعيض ، أي بعضُ أخبارها التي فيها عظةٌ وتذكيرٌ .
وقيل : تلك مبتدأ والقرى خبرُه وما بعده حالٌ أو خبرٌ بعد خبرٍ عند من يجوز كون الخبر الثاني جملةً كما في قوله تعالى : { فَإِذَا هِىَ حَيَّةٌ تسعى } وتصديرُ الكلام بذكر القرى وإضافةُ الأنباء إليها مع أن المقصوصَ أنباءُ أهلِها والمقصودُ بيانُ أحوالهم حسبما يُعرب عنه قوله تعالى : { وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُهُم بالبينات } لما أن حكايةَ هلاكِهم بالمرة على وجه الاستئصالِ بحيث يشمل أماكنَهم أيضاً بالخسف بها والرجفةِ وبقائِها خاويةً معطلةً أهولُ وأفظعُ . والباء في قوله تعالى : { بالبينات } متعلقةٌ إما بالفعل المذكور على أنها للتعدية وإما بمحذوف وقع حالاً من فاعله أي ملتبسين بالبينات لكن لا بأن يأتيَ كلُّ رسولٍ ببينة واحدة بل ببينات كثيرة خاصةٍ به معينةٍ حسبَ اقتضاءِ الحكمة ، فإن مراعاة انقسامِ الآحاد إنما هي فيما بين الرسل وضميرِ الأممِ ، والجملةُ مستأنفةٌ مبينةٌ لكمال عُتوِّهم وعنادِهم أي وبالله لقد جاء كلَّ أمةٍ من تلك الأممِ المُهلَكة رسولُهم الخاصُّ بهم بالمعجزات البيّنةِ المتكثرة المتواردةِ عليهم الواضحةِ الدِلالةِ على صحة رسالتِه الموجبةِ للإيمان حتماً ، وقوله تعالى : { فَمَا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ } بيانٌ لاستمرار عدمِ إيمانِهم في الزمان الماضي لا لعدم استمرارِ إيمانِهم ، وترتيبُ حالتِهم هذه على مجيء الرسلِ بالبينات بالفاء لما أن الاستمرارَ على فعل من الأفعال بعد ورودِ ما يوجب الإقلاعَ عنه وإن كان استمراراً على فعل من الأفعال بعد ورود ما يوجب الإقلاع عنه وإن كان عليه في الحقيقة لكنه بحسب العنوانِ فعلٌ جديدٌ وصنعٌ حادثٌ نحوُ وعظتُه فلم ينزجِرْ ودعوتُه فلم يُجب ، واللامُ لتأكيد النفي أي فما صح وما استقام لقوم من أولئك الأقوامِ في وقت من الأوقات أن يؤمنوا بكل ، وكان ذلك ممتنعاً منهم إلى أنْ لَقوُا ما لقوُا لغاية عتوِّهم وشدةِ شكيمتِهم في الكفر والطغيانِ ، ثم إن كان المحكيُ عنهم آخرَ حالِ كلِّ قومغ منهم فالمرادُ بعدم إيمانِهم المذكور هاهنا إصرارُهم على ذلك بعد اللتيا والتي وبما أشير إليه بقوله تعالى : { بِمَا كَذَّبُواْ مِن قَبْلُ } تكذيبُهم من لدن مجيءِ الرسل إلى وقت الإصرارِ والعناد ، وإنما لم يُجعل ذلك مقصوداً بالذات كالأول بل جُعل صلةً للموصول إيذاناً بأنه بيّنٌ بنفسه ، وإنما المحتاجُ إلى البيان عدمُ إيمانِهم بعد تواترِ البينات الظاهرةِ وتظاهُر المعجزاتِ الباهرةِ التي كانت تَضْطرُّهم إلى القَبول لو كانوا من أصحاب العقولِ ، والموصولُ الذي تعلق به الإيمانُ والتكذيبُ سلباً وإيجاباً عبارةٌ عن جميع الشرائعِ التي جاء بها كلُّ رسولٍ أصولِها وفروعِها ، وإن كان المحكيُّ جميعَ أحوالِ كل قوم منهم فالمرادُ بما ذكر أولاً كفرُهم المستمرُّ من حين مجيءِ الرسل الخ ، وبما أشير إليه آخِراً تكذيبُهم قبل مجيئِهم فلا بد من جعل الموصولِ المذكورِ عبارةً عن أصول الشرائعِ التي أجمعت عليها الرسلُ قاطبةً ودعَوا أُمَمهم إليها آثِرَ ذي أثيرٍ لاستحالة تبدّلِها وتغيّرِها ، مثلُ ملةِ التوحيد ولوازمِها ، ومعنى تكذيبهم بها قبل مجيءِ رسلهم أنهم ما كانوا في زمن الجاهليةِ بحيث لم يسمعوا كلمةَ التوحيد قط بل كانت كلُّ أمةٍ من أولئك الأمم يتسامعون بها من بقايا مَنْ قبلهم فيكذّبونها ، ثم كانت حالتُهم بعد مجيءِ رسلِهم كحالتهم قبل ذلك كأن لم يُبعثْ إليهم أحدٌ ، وتخصيصُ التكذيب وعدمُ الإيمان بما ذُكر من الأصول لظهور حالِ الباقي بدِلالة النصِّ ، فإنهم حين لم يؤمنوا بما أجمعت عليه كافةُ الرسلِ فلأَنْ لا يؤمنوا بما تفرَّد به بعضُهم أولى ، وعدمُ جعلِ التكذيبِ مقصوداً بالذات لما أن ما عليه يدور فلكُ العذابِ والعقابِ هو التكذيبُ الواقعُ بعد الدعوةِ حسبما يعرب عنه قوله تعالى :

(3/23)


{ وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حتى نَبْعَثَ رَسُولاً } وإنما ذُكر ما وقع قبلها بياناً لعراقتهم في الكفر والتكذيب ، وعلى كلا التقديرين فالضمائرُ الثلاثة متوافقةٌ في المرجِع ، وقيل : ضميرُ كذبوا راجعٌ إلى أسلافهم ، والمعنى فما كان الأبناءُ ليؤمنوا بما كذب به الآباءُ ، ولا يخفى ما فيه من التعسف ، وقيل : المرادُ ما كانوا ليؤمنوا لو أحييناهم بعد إهلاكِهم ورددناهم إلى دار التكليفِ بما كذبوا من قبلُ كقوله تعالى : { وَلَوْ رُدُّواْ لعادوا لِمَا نُهُواْ عَنْهُ } وقي : الباء للسببية وما مصدريةٌ أي بسبب تعوُّدِهم تكذيبَ الحقِّ وتمرّنِهم عليه قبل بعثةِ الرسلِ ، ولا يرِدُ عليه هاهنا ما ورد في سورة يونُسَ من مخالفة الجمهورِ بجعل ما المصدريةِ من قبيل الأسماء كما هو رأيُ الأخفشِ وابنِ السرّاج ليرجِعَ إليه الضميرُ في به .
{ كذلك } أي مثلَ ذلك الطبعِ الشديدِ المُحكَم { يَطْبَعُ الله على قُلُوبِ الكافرين } أي من المذكورين وغيرهم فلا يكاد يؤثر فيها الآياتُ والنذرُ ، وفيه تحذير للسامعين ، وإظهارُ الاسم الجليلِ بطريق الالتفاتِ لتربية المهابة وإدخالِ الروعة .

(3/24)


وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102) ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآَيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103)

{ وَمَا وَجَدْنَا لاِكْثَرِهِم } أي أكثرِ الأممِ المذكورين ، واللامُ متعلقةٌ بالوُجدان كما في قولك : ما وجدتُ له مالاً أي ما صادفت له مالاً ولا لقِيته ، أو بمحذوف وقع حالاً من قوله تعالى : { مَّنْ عَهْدٍ } لأنه في الأصل صفةٌ للنكرة فلما قُدّمت عليها انتصبت حالاً ، والأصلُ ما وجدنا عهداً كائناً لأكثرهم ومِنْ وفاء عهدٍ فإنهم نقضوا ما عاهدوا الله عليه عند مساسِ البأساء والضراءِ قائلين : لئن أنجيتنا من هذه لنكونَنّ من الشاكرين ، فتخصيصُ هذا الشأنِ بأكثرهم ليس لأن بعضَهم كانوا يوفون بعهودهم بل لأن بعضَهم كانوا لا يعهدون ولا يوفون ، وقيل : المرادُ بالعهد ما عهِد الله تعالى إليهم من الإيمان والتقوى بنصب الآياتِ وإنزالِ الحُجج ، وقيل : ما عهِدوا عند خطابِ { أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ } فالمرادُ بأكثرهم كلُّهم ، وقيل : الضميرُ للناس والجملةُ اعتراضٌ فإن أكثرَهم لا يوفون بالعهد بأي معنى كان { وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ } أي أكثرُ الأمم أي علِمناهم كما في قولك : وجدتُ زيداً ذا حِفاظ وقيل : الأول أيضاً كذلك ، وإن مخففةٌ من إنّ وضميرُ الشأن محذوفٌ أي إن الشأنَ وجدناهم { لفاسقين } خارجين عن الطاعة ناقضين للعهود ، وعند الكوفيين أنّ إنْ نافيةٌ واللامُ بمعنى إلا أي ما وجدناهم إلا فاسقين .
{ ثُمَّ بَعَثْنَا مِن بَعْدِهِم موسى } أي أرسلناه من بعد انقضاء وقائعِ الرسل المذكورين أو من بعد هلاكِ الأممِ المحكيةِ ، والتصريحُ بذلك مع دِلالة ( ثم ) على التراخي للإيذان بأن بعثه عليه الصلاة والسلام جرى على سَنن السُنةِ الإلهية من إرسال الرسلِ تترى ، وتقديمُ الجارِّ والمجرور على المفعول الصريحِ لما مر مراراً من الاعتناء بالمقدم والتشويقِ إلى المؤخر { بئاياتنا } متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً من مفعول بعثنا ، أو صفةٌ لمصدره أي بعثناه عليه الصلاة والسلام ملتبساً بآياتنا أو بعثناه بَعْثاً ملتبساً بها ، وهي الآياتُ التِسعُ المُفَصَّلاتُ التي هي : العصا ، واليدُ البيضاء ، والسِّنونَ ، ونقصُ الثمرات ، والطُّوفانُ ، والجرادُ ، والقُمّلُ ، والضفادِعُ ، والدم ، حسبما سيأتي على التفصيل { إلى فِرْعَوْنَ } هو لقبٌ لكل من ملَك مِصْرَ من العمالقة كما أن كِسرى لقبٌ لكل من ملك فارسَ ، وقيصرَ لكل مَنْ ملك الروم واسمُه قابوسُ ، وقيل : الوليدُ بنُ مصعبِ بن الريان { وَمَلَئِهِ } أي أشرافِ قومِه ، وتخصيصُهم بالذكر مع عموم رسالتِه عليه الصلاة والسلام لقومه كافةً حيث كانوا جميعاً مأمورين بعبادة ربِّ العالمين عزَّ سلطانُه ، وتركِ العظيمةِ الشنعاءِ التي كان يدّعيها الطاغيةُ وتقبلها منه فئتُه الباغية لأصالتهم في تدبير الأمور واتباعِ غيرِهم لهم في الورود والصدور { فَظَلَمُواْ بِهَا } أي كفروا بها ، أُجري الظلمُ مُجرى الكفرِ لكونهما من واد واحدٍ ، أو ضُمّن معنى الكفرِ أو التكذيبِ أي ظلموا كافرين بها أو مكذِّبين بها ، أو كفروا بها مكان الإيمانِ الذي هو من حقها لوضوحها ولهذا المعنى وُضع ظلَموا موضِعَ كفروا وقيل : ظلموا أنفسَهم بسببها بأن عرّضوها للعذاب الخالد ، أو ظلموا الناسَ بصدهم عن الإيمان بها ، والمرادُ به الاستمرارُ على الكفر بها إلى أن لقُوا من العذاب ما لقُوا ، ألا يُرى إلى قوله تعالى : { فانظر كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين } فكما أن ظلمهم بها مستتبعٌ لتلك العاقبةِ الهائلةِ كذلك حكايةُ ظلمِهم بها مستتبعٌ للأمر بالنظر إليها ، وكيف خبرُ كان قُدّم على اسمها لاقتضائه الصدارةَ والجملةُ في حيز النصب بإسقاط الخافضِ أي فانظر بعين عقلِك إلى كيفية ما فعلنا بهم ، ووضعُ المفسدين موضعَ ضميرِهم للإيذان بأن الظلم مستلزِمٌ للإفساد .

(3/25)


وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104) حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105)

{ وَقَالَ مُوسَى } كلامٌ مبتدأٌ مَسوقٌ لتفصيل ما أُجمل فيما قبله من كيفية إظهار الآياتِ وكيفيةِ عاقبة المفسدين { يافرعون إِنِّي رَسُولٌ } أي إليك { مِن رَّبّ العالمين } على الوجه الذي مر بيانه { حَقِيقٌ عَلَى أَن لا أَقُولَ عَلَى الله إِلاَّ الحق } جوابٌ عما ينساق إليه الذهنُ من حكاية ظلمِهم بالآيات من تكذيبه إياه عليه الصلاة والسلام في دعوى الرسالةِ وكان أصلُه حقيقٌ على أن لا أقول الخ ، كما هو قراءة نافع فقلب للأمن من الإلباس كما في قول من قال :
وتشقى الرماحُ بالضياطرة الحُمُر ... أو لأن ما لزِمك فقد لزِمتَه ، أو للإغراق في الوصف بالصدق ، والمعنى واجبٌ عليّ القولُ الحقُّ أن أكون أنا قائلُه لا يَرضَى إلا بمثلي ناطقاً به ، أو ضُمّن حقيقٌ معنى حريص ، أو وُضِعَ على موضعَ الباءِ لإفادة التمكنِ كقولهم : رميتُ على القوس وجئتُ على حال حسنةٍ ، ويؤيده قراءة أبي بالباء وقرىء حقيق أن لا أقول وقوله تعالى : { قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيّنَةٍ مّن رَّبّكُمْ } استئنافٌ مقرِّرٌ لما قبله من كونه رسولاً من رب العالمين وكونِه حقيقاً بقول الحقِّ ولم يكن هذا القول منه عليه الصلاة والسلام وما بعده من جواب فرعون إثرَ ما ذكر هاهنا بل بعد ما جرى بينهما من المحاورة المحكيةِ بقوله تعالى : { قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا } الآيات ، وقوله تعالى : { وَمَا رَبُّ العالمين } الآيات ، وقد طُوي هاهنا ذكرُه للإيجاز ، ومِنْ متعلقة إما بجئتُكم على أنها لابتداء الغايةِ مجازاً وإما بمحذوف وقع صفةً لبينة مفيدةً لفخامتها الإضافية المؤكدةِ لفخامتها الذاتية المستفادةِ من التنوين التفخيمي ، وإضافةُ اسمِ الرب إلى المخاطبين بعد إضافتِه فيما قبله إلى العالمين لتأكيد وجوبِ الإيمان بها { فَأَرْسِلْ مَعِىَ بَنِى إسراءيل } أي فخلّهم حتى يذهبوا معي إلى الأرض المقدسةِ التي هي وطنُ آبائِهم وكان قد استعبدهم بعد انقراضِ الأسباطِ يستعملهم ويكلفهم الأفاعيلَ الشاقة فأنقذهم الله تعالى بموسى عليه الصلاة والسلام وكان بين اليوم الذي دخل يوسفُ مصرَ واليومِ الذي دخله موسى عليهما السلام أربعُمائة عام ، والفاءُ لترتيب الإرسالِ أو الأمرِ به على ما قبله من رسالته عليه السلام ومجيئِه بالبينة .

(3/26)


قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآَيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109)

{ قَالَ } استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال ينساق إليه الكلامُ كأنه قيل : فماذا قال فرعونُ له عليه السلام حين قال له ما قال؟ فقيل : قال : { قَالَ إِن كُنتَ جِئْتَ بِآية } أي من عند مَنْ أرسلك كما تدعيه { فَأْتِ بِهَا } أي فأحضِرْها حتى تُثبت بها رسالتَك { إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } في دعواك ، فإن كونَك من جملة المعروفين بالصدق يقتضي إظهارَ الآيةِ لا محالة { فألقى عَصَاهُ فَإِذَا هِىَ ثُعْبَانٌ مُّبِينٌ } أي ظاهرٌ أمرُه لا يُشك في كونه ثعباناً وهو الحيةُ العظيمةُ ، وإيثارُ الجملةِ الاسميةِ للدِلالة على كمال سرعةِ الانقلاب وثباتِ وصفِ الثُعبانية فيها كأنها في الأصل كذلك . وروي أنه لما ألقاها صارت ثعباناً أشعَرَ فاغراً فاه بين لَحْيَيهِ ثمانون ذراعاً وَضع لَحيَه الأسفلَ على الأرض والأعلى على سور القصرِ ، ثم توجه نحو فرعون فهرب منه وأحدث فانهزم الناسُ مزدحمين فمات منهم خمسةٌ وعشرون ألفاً فصاح فرعونُ : يا موسى أنشُدك بالذي أرسلك خُذْه وأنا أؤمن بك وأرسلُ معك بني إسرائيلَ فأخذه فعاد عصا { وَنَزَعَ يَدَهُ } أي من جيبه أو من تحت إِبطِه { فَإِذَا هِىَ بَيْضَاء للناظرين } أي بيضاءُ بياضاً نورانياً خارجاً عن العادة يجتمع عليه النَّظارةُ تعجباً من أمرها ، وذلك ما يروى أنه أرى فرعونَ يدَه وقال : ما هذه؟ فقال : يدُك ، ثم أدخلها جيبه وعليه مدرّعةُ صوفٍ ونزعها فإذا هي بيضاءُ بياضاً نورانياً غلب شعاعُه شعاعَ الشمس وكان عليه السلام آدمَ شديدَ الأدَمةِ ، وقيل : بيضاء للناظرين لا أنها كانت بيضاءَ في جِبِلّتها .
{ قَالَ الملا مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ } أي الأشرافُ منهم وهم أصحابُ مشورتِه { إِنَّ هذا لساحر عَلِيمٌ } أي مبالغٌ في علم السحر ماهرٌ فيه ، قالوه تصديقاً لفرعون وتقريراً لكلامه فإن هذا القولَ بعينه مَعْزيٌّ في سورة الشعراء إليه .

(3/27)


يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114)

{ يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مّنْ أَرْضِكُمْ } أي من أرض مصرَ { فَمَاذَا تَأْمُرُونَ } بفتح النون وما في ماذا في محل النصب على أنه مفعول ثان لتأمرون بحذف الجار ، والأولُ محذوف والتقديرُ بأي شيء تأمرونني ، وهذا من كلام فرعونَ كما في قوله تعالى : { ذلك لِيَعْلَمَ أَنّى لَمْ أَخُنْهُ بالغيب } أي فإذا كان كذلك فماذا تشيرون عليّ في أمره؟ وقيل : قاله الملأ بطريق التبليغِ إلى العامة فقوله تعالى : { قَالُواْ أَرْجِهْ وَأَخَاهُ } على الأول وهو الأظهرُ حكايةً لكلام الملأ الذين شاورهم فرعونُ وعلى الثاني لكلام العامة الذين خاطبهم الملأ ويأباه أن الخطابَ لفرعون وأن المشاورةَ ليست وظائفَهم أي أخِّرْه وأخاه ، وعدمُ التعرض لذكره لظهور كونِه معه حسبما تنادي به الآياتُ الأُخَرُ ، والمعنى أخِّرْ أمرَهما وأصدِرْهما عنك حتى ترى رأيك فيهما وتدبرَ شأنهما ، وقرىء أرجِئْه وأرجِهِ من أرْجَأَه وأرْجاه { وَأَرْسِلْ فِى المدائن حاشرين } قيل : هي مدائنُ صعيدِ مصرَ وكان رؤساءُ السحرةِ ومَهَرتُهم بأقصى مدائنِ الصعيد . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهم كانوا سبعين ساحراً أخذوا السحرَ من رجلين مجوسيين من أهل نينَوى مدينةِ يونسَ عليه السلام بالمَوْصِل ، ورُد ذلك بأن المجوسيةَ ظهرت بزرادَشْت وهو إنما جاء بعد موسى عليه الصلاة والسلام { يَأْتُوكَ بِكُلّ ساحر عَلِيمٍ } أي ماهرٍ في السحر ، وقرىء بكل سحّار عليم ، والجملةُ جوابُ الأمر .
{ وَجَاء السحرة فِرْعَوْنَ } بعد ما أرسل إليهم الحاشرين وإنما لم يصرَّح به حسبما في قوله تعالى : { فَأَرْسَلَ فِرْعَونُ فِى المدائن حاشرين } للإيذان بمسارعة فرعونَ إلى الإرسال ومبادرةِ الحاشرين والسحرة إلى الامتثال .
{ قَالُواْ } استئنافٌ منوطٌ بسؤال نشأ من مجيء السحرةِ كأنه قيل : فماذا قالوا له عند مجيئِهم إياه؟ فقيل : قالوا مدْلين بما عندهم واثقين بغلبتهم : { إِنَّ لَنَا لاجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الغالبين } بطريق الإخبارِ بثبوت الأجرِوإيجابِه كأنهم قالوا : لا بد لنا من أجر عظيم حينئذ ، أو بطريق الاستفهامِ التقريري بحذف الهمزة وقرىء بإثباتها ، وقولُهم : ( إن كنا ) لمجرد تعيينِ مناطِ ثبوتِ الأجرِ لا لترددهم في الغلبة ، وتوسيطُ الضميرِ وتحليةُ الخبر باللام للقصر أي إن كنا نحن الغالبين لا موسى { قَالَ نَعَمْ } وقوله تعالى : { وَإِنَّكُمْ لَمِنَ المقربين } عطف على محذوف سد مسدَّه حرفُ الإيجابِ كأنه قال : إن لكم لأجراً وإنكم مع ذلك لمن المقربين للمبالغة في الترغيب . روي أنه قال لهم : تكونون أولَ من يدخُل مجلسي وآخِرَ من يخرُج منه .

(3/28)


قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120)

{ قَالُواْ } استئنافٌ كما مر كأنه قيل : فماذا فعلوا بعد ذلك؟ فقيل : قالوا متصدّين لشأنهم مخاطِبين لموسى عليه السلام : { ياموسى إِمَّا أَن تُلْقِىَ } ما تلقي أولاً { وَإِمَّا أَن نَّكُونَ نَحْنُ الملقين } أي لِما نُلقي أولاً ، أو الفاعلين للإلقاء أولاً ، خيّروه عليه السلام بالبدء بالإلقاءِ مراعاةً للأدب وإظهاراً للجلادة وأنه لا يختلف حالُهم بالتقديم والتأخير ، ولكن كانت رغبتُهم في التقديم كما ينبىء عنه تغييرُهم للنظم بتعريف الخبر ، وتوسيطُ ضميرِ الفصل وتأكيدِ الضمير المتصل { قَالَ أَلْقَوْاْ } غيرَ مبالٍ بأمرهم أي ألقوا ما تُلقُون { فَلَمَّا أَلْقُوْاْ } ما ألقَوْا { سَحَرُواْ أَعْيُنَ الناس } بأن خيّلوا إليهم ما لا حقيقةَ له { واسترهبوهم } أي بالغوا في إرهابهم { وَجَاءو بِسِحْرٍ عَظِيمٍ } في بابه . روي أنهم ألقَوا حِبالاً غلاظاً وخشَباً طِوالاً كأنها حياتٌ ملأت الواديَ وركِبَ بعضُها بعضاً .
{ وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِىَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ } الفاءُ فصيحة أي فألقاها فصارت حيةً فإذا هي الآية وإنما حُذف للإشعار بمسارعة موسى عليه السلام إلى الإلقاء وبغاية سرعةِ الانقلاب كأن لقْفَها لما يأفكون قد حصل متصلاً بالأمر بالإلقاء ، وصيغةُ المضارعِ لاستحضار صورةِ اللقْفِ الهائلةِ والإفك الصِّرْفِ والقلب عن الوجه المعتاد ، وما موصولةٌ أو موصوفةٌ والعائدُ محذوفٌ أي ما يأفِكونه ويزوّرونه ، أو مصدريةٌ وهي مع الفعل بمعنى المفعول . روي أنها لما تلقّفت مِلءَ الوادي من الخشب والحِبال ورفعها موسى فرجعت عصاً كما كانت وأَعدم الله تعالى بقدرته الباهرةِ تلك الأجرامَ العظامَ أو فرَّقها أجزاءً لطيفةً قالت السحرة : لو كان هذا سحراً لبقِيَتْ حبالُنا وعِصِيُّنا { فَوَقَعَ الحق } أي فثبت لظهور أمره { وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي ظهر بطلانُ ما كانوا مستمرِّين على عمله { فَغُلِبُواْ } أي فرعونُ وقومُه { هُنَالِكَ } أي في مجلسهم { وانقلبوا صاغرين } أي صاروا أذلأَ مبهوتين أو رجَعوا إلى المدينة أذلأَ مقهورين ، والأولُ هو الظاهرُ لقوله تعالى : { وَأُلْقِىَ السحرة ساجدين } فإن ذلك كان بمحضر من فرعون قطعاً أي خروا سجداً كأنما ألقاهم مُلْقٍ لشدة خرورِهم كيف لا وقد بهرهم الحقُّ واضْطَّرّهم إلى ذلك .

(3/29)


قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122) قَالَ فِرْعَوْنُ آَمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آَذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125)

{ قَالُواْ ءامَنَّا بِرَبّ العالمين * رَبّ موسى وهارون } أبدلوا الثانيَ من الأول لئلا يُتوهم أن مرادَهم فرعون . عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال : لما آمنت السحرةُ اتبع موسى من بني إسرائيلَ ستُّمائةِ ألف .
{ قَالَ فِرْعَوْنُ } منكِراً على السحرة موبِّخاً لهم على ما فعلوه : { آمَنْتُم بِهِ } بهمزة واحدة إما على الإخبار المحضِ المتضمِّنِ للتوبيخ أو على الاستفهام التوبيخيِّ بحذف الهمزةِ كما مر في إن لنا لأجراً ، وقد قرىء بتحقيق الهمزتين معاً بتحقيق الأولى وتسهيلِ الثانية بيْنَ بيْنٍ أي آمنتم بالله تعالى { قَبْلَ أَنْ ءاذَنَ لَكُمْ } أي بغير أن آذنَ لكم كما في قوله تعالى : { لَّوْ كَانَ البحر مِدَاداً لكلمات رَبّى لَنَفِدَ } لا أن الإذنَ منه ممكنٌ في ذلك { إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ } يعني أن ما صنعتموه ليس مما اقتضى الحالُ صدورَه عنكم لقوة الدليلِ وظهور المعجزة بل هو حيلةٌ احتملتموها مع مواطأة موسى { فِى المدينة } يعني مصرَ قبل أن تخرجوا إلى الميعاد . روي أن موسى عليه الصلاة والسلام وأميرَ السحرةِ التقيا فقال له موسى : أرأيتَك إن غلبتُك أتؤمن بي وتشهد أن ما جئتُ به الحقُّ ، فقال الساحرُ : والله لئن غلبتَني لأومننَّ بك وفرعونُ يسمعهما ، وهو الذي نشأ عنه هذا القول { لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا } أي القِبْطَ وتخلُصَ هي لك ولبني إسرائيلَ ، وهاتان شبهتان ألقاهما إلى أسماع عوامِّ القِبطِ عند معاينتهم لارتفاع أعلامِ المعجزةِ ومشاهدتِهم لخضوع أعناقِ السحرةِ لها وعدم تمالُكِهم من أن يؤمنوا بها ليمنعهم بهما عن الإيمان بنبوة موسى عليه الصلاة والسلام بإراءة أن إيمانَ السحرةِ مبنيٌّ على المواضعة بينهم وبين موسى وأن غرضَهم بذلك إخراجُ القوم من المدينة وإبطالُ مُلْكِهم ، ومعلومٌ أن مفارقةَ الأوطانِ المألوفةِ والنعمةِ المعروفةِ مما لا يُطاق به فجمع اللعينُ بين الشبهتين تثبيتاً للقِبطَ على ما هم عليه وتهييجاً لعداوتهم له عليه الصلاة والسلام ثم عقبهما بالوعيد ليُريَهم أن له قوةً وقدرةً على المدافعة فقال : { فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } أي عاقبة ما فعلتم ، وهذا وعيدٌ ساقه بطريق الإجمالِ للتهويل ثم عقبه بالتفصيل فقال : { لاقَطّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مّنْ خِلاَفٍ } أي من كل شقَ طرَفاً { ثُمَّ لاَصَلّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } تفصيحاً لكم وتنكيلاً لأمثالكم . وقيل : هو أول من سن ذلك فشرعه الله تعالى لقُطّاع الطريق تعظيماً لجُرمهم ولذلك سماه الله تعالى محاربةً لله ورسوله .
{ قَالُواْ } استئنافٌ مَسوقٌ للجواب عن سؤال ينساق إليه الذهنُ كأنه قيل : فماذا قال السحرةُ عندما سمِعوا وعيدَ فرعونَ؟ هل تأثروا به أو تصلبوا فيما هم فيه من الدين؟ فقيل : قالوا ثابتين على ما أحدثوا من الإيمان : { إِنَّا إلى رَبّنَا مُنقَلِبُونَ } أي بالموت لا محالة فسواءٌ كان ذلك من قِبَلك أو لا فلا نبالي بوعيدك أو إنا إلى رحمة ربنا وثوابِه منقلبون إن فعلتَ بنا ذلك كأنهم استطابوه شَغَفاً على لقاء الله تعالى أو إنا جميعاً إلى ربنا منقلبون فيحكم بيننا وبينك .

(3/30)


وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آَمَنَّا بِآَيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآَلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128)

{ وَمَا تَنقِمُ مِنَّا } أي وما تُنكر وتَعيب منا { إِلا أَنْ ءامَنَّا بئايات رَبِّنَا لَمَّا جَآءَتْنَا } وهو خيرُ الأعمال وأصلُ المفاخر ليس مما يتأتى لنا العدولُ عنه طلباً لمرضاتك ثم أعرضوا عن مخاطبته إظهاراً لما في قلوبهم من العزيمة على ما قالوا وتقريراً له ففزِعوا إلى الله عز وجل وقالوا : { رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا } أي أفِضْ علينا من الصبر ما يغمُرنا كما يغمرُ الماءُ أو صُبّ علينا ما يُطَهّرنا من أوضار الأوزار وأدناسِ الآثام وهو الصبرُ على وعيد فرعون { وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ } ثابتين على ما رزقنا من الإسلام غيرَ مفتونين من الوعيد . قيل : فَعل بهم ما أوعدهم به وقيل : لم يقدر عليه لقوله تعالى : { أَنتُمَا وَمَنِ اتبعكما الغالبون }
{ وَقَالَ الملا مِن قَوْمِ فِرْعَونَ } مخاطِبين له بعد ما شاهدوا من أمر موسى عليه السلام { أَتَذَرُ موسى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِى الارض } أي في أرض مصرَ بتغيير الناسِ عليك وصرفِهم عن متابعتك { وَيَذَرَكَ } عطفٌ على يُفسدوا ، أو جوابُ الاستفهام بالواو كما في قول الحطيئة :
ألم أكُ جارَكم ويكونَ بيني ... وبينكم المودةُ والإخاءُ
أي أيكونُ منك تركُ موسى ويكونَ تركُه إياك؟ وقرىء بالرفع عطفاً على أنذرُ أو استئنافاً أو حالاً ، وقرىء بالسكون كأنه قيل : يفسدوا ويذرْك كقوله تعالى : { فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن } { وَءالِهَتَكَ } ومعبوداتِك ، قيل : إنه كان يعبد الكواكبَ وقيل : صنع لقومه أصناماً وأمرهم بأن يعبُدوها تقرباً إليه ولذلك قال : أنا ربكم الأعلى ، وقرىء وإلهتك أي عبادتَك { قَالَ } مجيباً لهم { سَنُقَتّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِى نِسَاءهُمْ } كما كنا نفعل بهم ذلك من قبلُ ليُعلم أنا على ما كنا عليه من القهر والغلبةِ ولا يُتَوَهّم أنه المولودُ الذي حكم المنجمون والكهنةُ بذهاب مُلكِنا على يديه وقرىء سنقتل بالتخفيف { وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قاهرون } كما كنا لم يتغير حالُنا أصلاً وهم مقهورون تحت أيدينا كذلك { قَالَ موسى لِقَوْمِهِ } تسليةً لهم وعِدةً بحسن العاقبة حين سمعوا قولَ فرعون وتضجّروا منه { استعينوا بالله واصبروا } على ما سمعتم من أقاويله الباطلة { إِنَّ الارض للَّهِ } أي أرضَ مصرَ أو جنسَ الأرض وهي داخلةٌ فيها دخولاً أولياً { يُورِثُهَا مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ والعاقبة لِلْمُتَّقِينَ } الذين أنتم منهم وفيه إيذانٌ بأن الاستعانةَ بالله تعالى والصبرَ من باب التقوى وقرىء والعاقبةَ بالنصب عطفاً على اسم إن .

(3/31)


قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) وَلَقَدْ أَخَذْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130)

{ قَالُواْ } أي بنو إسرائيلَ { أُوذِينَا } أي من جهة فرعونَ { مِن قَبْلِ أَن تَأْتِيَنَا } أي بالرسالة ، يعنون بذلك قتلَ أبنائِهم قبل مولدِ موسى عليه الصلاة والسلام وبعدَه { وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا } أي رسولاً ، يعنون به ما توعدهم به من إعادة قتلِ الأبناءِ وسائر ما كان يفعل بهم لعداوة موسى عليه السلام من فنون الجَوْر والظلمِ والعذاب ، وأما ما كانوا يُستعبَدون به ويُمتهنون فيه من أنواع الخَدَم والمِهَن كما قيل فليس مما يلحقهم بواسطته عليه السلام فليس لذكره كثيرُ ملابسة بالمقام { قَالَ } أي موسى عليه الصلاة والسلام لما رأى شدةَ جَزَعِهم مما شاهدوه مسلياً لهم بالتصريح بما لَوَّح به في قوله : إن الأرض لله ، الخ { عسى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ } الذي فعل بكم ما فعل وتوعّدكم بإعادته { وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِى الارض } أي يجعلَكم خلفاءَ في أرض مصرَ { فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ } أحسناً أم قبيحاً فيجازيَكم حسبما يظهر منكم من الأعمال ، وفيه تأكيدٌ للتسلية وتحقيقٌ للأمر . قيل : لعل الإتيانَ بفعل الطمع لعدم الجزمِ منه عليه السلام بأنهم هم المستخلَفون بأعيانهم أو أولادُهم ، فقد روي أن مصرَ إنما فتحت في زمن داودَ عليه السلام ولا يساعده قوله تعالى : { وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الارض ومغاربها } فإن المتبادرَ استخلافُ أنفسِ المستضعفين لا استخلافُ أولادِهم ، وإنما مجيءُ فعلِ الطمعِ للجري على سنن الكبرياء .
{ وَلَقَدْ أَخَذْنَا ءالَ فِرْعَوْنَ بالسنين } شروعٌ في تفصيل مبادي الهلاكِ الموعودِ وإيذانٌ بأنه تعالى لم يُمهِلْهم بعد ذلك ولم يكونوا في خفْضٍ ودَعَةٍ بل رُتّبت أسبابُ هلاكِهم فتحولوا من حال إلى حال إلى أن حل بهم عذابُ الاستئصالِ ، وتصديرُ الجملة بالقسم لإظهار الاعتناءِ بمضمونها ، والسنونَ جمعُ سنة والمرادُ بها عامُ القحطِ وفيها لغتانِ أشهرُهما إجراؤها مُجرى المذكرِ السالمِ فيرفع بالواو ويُنصَب ويُجرُّ بالياء ويحذف نونُه بالإضافة . واللغةُ الثانية إجراءُ الإعراب على النون ولكن مع الياء خاصةً إما بإثبات تنوينِها أو بحذفه . قال الفراء : هي في هذه اللغةِ مصروفةٌ عند بني عامرٍ وغيرُ مصروفةٍ عند بني تميم ، ووجهُ حذف التنوينِ التخفيفُ وحينئذ لا يُحذف النونُ للإضافة وعلى ذلك جاء قوله الشاعر :
دعانيَ من نجدٍ فإن سنينَه ... لعِبْنَ بنا شيباً وشيَّبْننا مُرْدا
وجاء الحديث : « اللهم اجعلْها عليهم سنينَ كسِني يوسُفَ » ، وسنينَ كسنينِ يوسف باللغتين { وَنَقْصٍ مّن الثمرات } بإصابة العاهات . عن كعبٍ يأتي على الناس زمانٌ لا تحمل النخلةُ إلا ثمرةً ، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أما السنونَ فكانت لباديتهم وأهلِ ماشيتِهم وأما نقصُ الثمرات فكان في أمصارهم { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } كي يتذكروا ويتعظوا بذلك ويقِفوا على أن ذلك لأجل معاصيهم وينزجروا عما هم عليه من العُتوِّ والعناد . قال الزجاج : إن أحوالَ الشدةِ ترقِّقُ القلوب وترغّب فيما عند الله عز وجل وفي الرجوع إليه تعالى ، ألا يُرى إلى قوله تعالى : { وَإِذَا مَسَّهُ الشر فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ } وقد مر تحقيقُ القول في لعل وفي محلها في تفسير قوله تعالى : { لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ } في أوائل سورة البقرة .

(3/32)


فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132)

وقوله تعالى : { فَإِذَا جَاءتْهُمُ الحسنة } الخ ، بيانٌ لعدم تذكّرِهم وتماديهم في الغي أي فإذا جاءتهم السعةُ والخِصْبُ وغيرُهما من الخيرات { قَالُواْ لَنَا هذه } أي لأجلنا واستحقاقِنا لها { وَإِن تُصِبْهُمْ سَيّئَةٌ } أي جدْبٌ وبلاء { يَطَّيَّرُواْ بموسى وَمَن مَّعَهُ } أي يتشاءموا بهم ويقولوا : ما أصابتنا إلا بشؤمهم وهذا كما ترى شاهدٌ بكمال قساوةِ قلوبِهم ونهايةِ جهلِهم وغباوتِهم فإن الشدائدَ ترقّقُ القلوبَ وتُلين العرائِكَ لا سيما بعد مشاهدةِ الآياتِ وقد كانوا بحيث لم يؤثر فيهم شيءٌ منها بل ازدادوا عتوّاً وعِناداً ، وتعريفُ الحسنةِ وذِكرُها بأداة التحقيقِ للإيذان بكثرة وقوعِها وتعلقِ الإرادةِ بها بالذات كما أن تنكيرَ السيئةِ وإيرادَها بحرف الشكِّ للإشعار بنُدرة وقوعِها وعدم تعلّقِ الإرادةِ بها إلا بالعَرَض وقوله تعالى : { أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِندَ الله } استئنافٌ مَسوقٌ من قِبَله تعالى لرد مقالتِهم الباطلةِ وتحقيقِ الحقِّ في ذلك ، وتصديرُه بكلمة التنبيهِ لإبراز كمالِ العنايةِ بمضمونه ، أي ليس سببُ خيرِهم إلا عنده تعالى وهو حكمُه ومشيئتُه المتضمنةُ للحِكَم والمصالحِ ، أو ليس شؤمِهم وهو أعمالُهم السيئةُ إلا عنده تعالى أي مكتوبةٌ لديه فإنها التي ساقت إليهم ما يسوؤهم لا ما عداها ، وقرىء إنما طَيرُهم وهو اسمٌ جمعُ طائرٍ وقيل : جمعٌ له { ولكن أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ } ذلك فيقولون ما يقولون مما حُكي عنهم ، وإسنادُ عدمِ العلمِ إلى أكثرهم للإشعار بأن بعضَهم يعلمون أن ما أصابهم من الخير والشرِّ من جهة الله تعالى أو يعلمون أن ما أصابهم من المصائب والبلايا ليس إلا بما كسبتْ أيديهم ولكن لا يعلمون بمقتضاه عِناداً واستكباراً .
{ وَقَالُواْ } شروعٌ في بيان بعضٍ آخَرَ مما أُخذ به آلُ فرعونَ من فنون العذاب التي هي في أنفسها آياتٌ بيناتٌ . وعدمُ ارعوائِهم مع ذلك عما كانوا عليه من الكفر والعناد أي قالوا بعد ما أرادوا ما أرادوا من شأن العصا والسنينَ ونقصِ الثمرات : { مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ } كلمةُ مهما تستعمل للشرط والجزاءِ وأصلُها ما الجزائية ضُمت إليها ما المزيدةُ للتأكيد كما ضُمّت إلى أين وإن في { أَيْنَمَا تَكُونُواْ } { أَمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ } خلا أن ألِفَ الأولى قُلبت هاءً حذَراً من تكرير المتجانسين . هذا هو الرأيُ السديدُ ، وقيل : مه كلمةٌ يصوِّتُ بها الناهي ضُمّت إليها ما الشرطيةُ ومحلُّها الرفعُ بالابتداء أو النصبُ بفعل يفسره ما بعدها ، أي أيُّ شيءٍ تظهره لدينا وقوله تعالى : { مّنْ ءايَةٍ } بيانٌ لهما ، وتسميتُهم إياها آيةً لمجاراتهم على رأي موسى عليه السلام واستهزائِهم بها وللإشعار بأن عنوانَ كونِها آيةً لا يؤثر فيهم وقوله تعالى : { لّتَسْحَرَنَا بِهَا } إظهارٌ لكمال الطغيانِ والغلوّ فيه وتسميةِ الإرشادِ إلى الحق بالسحر وتسكير الأبصار ، والضميران المجروران راجعان إلى مهما وتذكيرُ الأولِ لمراعاة جانب اللفظِ لإبهامه ، وتأنيثُ الثاني للمحافظة على جانب المعنى لتبيينه بآية كما في قوله تعالى : { مَّا يَفْتَحِ الله لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلاَ مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلاَ مُرْسِلَ لَهُ } { فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ } بمصدِّقين لك ومؤمنين لنبوتك .

(3/33)


فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آَيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَا مُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134)

{ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ } عقوبةً لجرائمهم لا سيما لقولهم هذا { الطوفان } أي الماءَ الذي طاف بهم وغشِيَ أماكنَهم وحروثَهم من مطر أو سَيل ، وقيل : هو الجُدَريّ . وقيل : المَوَتان . وقيل : الطاعون { والجراد والقمل } قيل : هو كبارُ القردان وقيل : أولادُ الجراد قبل نباتِ أجنحتِها { والضفادع والدم } رُوي أنهم مُطروا ثمانيةَ أيام في ظلمة شديدةٍ لا يستطيع أن يخرُج أحدٌ من بيته ودخل الماءُ بيوتَهم حتى قاموا فيه إلى تراقيهم ولم يدخل بيوتَ بني إسرائيلَ منه قطرةٌ وهي في خلال بيوتِهم وفاض الماءُ على أرضهم وركدَ فمنعَهم من الحرْث والتصرّف ودام ذلك سبعةَ أيام فقالوا له عليه الصلاة والسلام : ادعُ لنا ربك يكشفْ عنا ونحن نؤمنُ بك فدعا فكُشف عنهم فنبت من العشب والكلأ ما لم يُعهَدْ قبله ، ولم يؤمنوا فبعث الله عليهم الجرادَ فأكل زروعَهم وثمارَهم وأبوابهم وسقوفهم وثيابَهم ففزِعوا إليه عليه الصلاة والسلام لما ذكر فخرج إلى الصحراء وأشار بعصاه نحو المشرقِ والمغربِ فرجعت إلى النواحي التي جاءت منها فلم يؤمنوا فسلط الله تعالى عليهم القُمّلَ فأكل ما أبقته الجرادُ وكان يقع في أطعمتهم ويدخُل بين ثيابهم وجلودِهم فيمُصّها ففزِعوا إليه ثالثاً فرفع عنهم فقالوا : قد تحققنا الآن أنك ساحرٌ ثم أرسل الله عليهم الضفادع بحيث لا يكشف ثوبٌ ولا طعام إلا وجدت فيه وكانت تمتلىء منها مضاجعُهم وتثب إلى قدروهم وهي تغلي وإلى أفواههم عند التكلم ففزعوا إليه رابعاً وتضرعوا فأخذ عليهم العُهود فدعا فكشف الله عنهم فنقضوا العهدَ فأرسل الله عليهم الدمَ فصارت مياههم دماءً حتى كان يجتمع القِبطيُّ والإسرائيليُّ على إناء فيكون ما يليه دماً وما يلي الإسرائيليّ ماءً على حاله ويمص من فم الإسرائيليِّ فيصير دماً في فيه ، وقيل : سلط الله عليهم الرُّعاف { ءايات } حال من المنصوبات المذكورة { مّفَصَّلاَتٍ } مبينات لا يشكل على عاقل أنها آيات الله تعالى ونقمته وقيل : مفرقات بعضها من بعض لامتحان أحوالهم وكان بين كل آيتين منها شهر وكان امتداد كل واحدة منها أسبوعاً وقيل : إنه عليه السلام لبث فيهم بعد ما غلب السحرة عشرين سنة يريهم هذه الآيات على مهل { فاستكبروا } أي عن الإيمان بها { وَكَانُواْ قَوْماً مُّجْرِمِينَ } جملة معترضة مقررة لمضمون ما قبلها .
{ وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرجز } أي العذاب المذكور على التفصيل فاللامُ للجنس المنتظمِ لكل واحدةٍ من الآيات المفصلة ، أي كلما وقع عليهم عقوبةٌ من تلك العقوبات قالوا في كل مرة { قَالُواْ يا موسى ادع لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِندَكَ } أي بعهده عندك وهو النبوةُ أو بالذي عهِد إليك أن تدعوَه فيجيبَك كما أجابك في آياتك ، وهو صلةٌ لادْعُ أو حالٌ من الضمير فيه ، بمعنى ادعُ الله متوسلاً إليه بما عهد عندك ، أو متعلقٌ بمحذوف دل عليه التماسُهم ، مثلُ أسعِفْنا إلى ما نطلب بحق ما عندك أو قسم أجيب بقوله تعالى : { لَئِن كَشَفْتَ عَنَّا الرجز } الذي وقع علينا { لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِى إسراءيل } أي أقسَمْنا بعهد الله عندك لئن كشفت الخ .

(3/34)


فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136) وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137)

{ فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرجز إلى أَجَلٍ هُم بالغوه } أي إلى حد من الزمان هم بالغوه فمعذَّبون بعده أو مُهلَكون { إِذَا هُمْ يَنكُثُونَ } جوابُ لمّا أي فلما كشفنا عنهم فاجأوا النّكْثَ من غير تأمل وتوقف { فانتقمنا مِنْهُمْ } أي فأردنا أن ننتقم منهم لِما أسلفوا من المعاصي والجرائم ، فإن قوله تعالى : { فأغرقناهم } عينُ الانتقام منهم فلا يصح دخولُ الفاء بينهم ويجوزُ أن يكون المرادُ مطلقَ الانتقام منهم والفاءُ تفسيرية كما في قوله تعالى : { وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبّ } الخ { فِي اليم } في البحر الذي لا يُدرك قعرُه وقيل : في لُجّته { بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِين } تعليلٌ للإغراق أي كان إغراقُهم بسبب تكذيبِهم بآياتِ الله تعالى وإعراضِهم عنها وعدمِ تفكرِهم فيها بحيث صاروا كالغافلين عنها بالكلية ، والفاءُ وإن دلت على ترتب الإغراقِ على ما قبله من النكْثِ لكنه صرّح بالتعليل إيذاناً بأن مدارَ جميعِ ذلك تكذيبُ آياتِ الله تعالى والإعراضُ عنها ليكون ذلك مَزْجرةً للسامعين عن تكذيب الآياتِ الظاهرةِ على يد رسولِ الله صلى الله عليه وسلم والإعراضِ عنها .
{ وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ } أي بالاستبعاد وذبحِ الأبناءِ ، والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبلِ للدِلالة على استمرار الاستضعافِ وتجدّدِه وهم بنو إسرائيلَ ذُكروا بهذا العُنوانِ إظهاراً لكمال لُطفِه تعالى بهم وعظيمِ إحسانِه إليهم في رفعهم من حضيض المذلةِ إلى أوْج العزة { مشارق الارض ومغاربها } أي جانبيها الشرقيَّ والغربيَّ حيث ملَكها بنو إسرائيلَ بعد الفراعنةِ والعمالقةِ وتصرّفوا في أكنافها الشرقيةِ والغربية كيف شاؤوا ، وقوله تعالى : { التى بَارَكْنَا فِيهَا } أي بالخِصْب وسَعةِ الأرزاقِ ، صفةٌ للمشارق والمغارب ، وقيل : للأرض وفيه ضعفٌ للفصل بين الصفةِ والموصوفِ بالمعطوف كما في قولك : قام أم هند وأبوها العاقلةُ { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبّكَ الحسنى } وهي وعدُه تعالى إياهم بالنصر والتمكين كما ينبىء عنه قوله تعالى : { وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الذين استضعفوا فِى الارض وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوارثين } وقرىء كلماتُ لتعدد المواعيدِ ومعنى تمت مضَت واستمرت { على بَنِى إِسْرءيلَ بِمَا صَبَرُواْ } أي بسبب صبرِهم على الشدائد التي كابدوها من جهة فرعونَ وقمِه { وَدَمَّرْنَا } أي خرّبنا وأهلكنا { مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ } من العِمارات والقصورِ أي ودمرنا الذي كان فرعونُ يصنعه على أن فرعونَ اسمُ كان ويصنع خبرٌ مقدمٌ والجملة الكونيةُ صلةُ ما والعائدُ محذوفٌ ، وقيل : اسمُ كان ضميرٌ عائدٌ إلى ما الموصولةِ ويصنع مُسندٌ إلى فرعون والجملة خبرُ كان والعائدُ محذوف أيضاً والتقدير ودمرنا الذي كان هو يصنعُه فرعونُ الخ ، وقيل : كان زائدةٌ وما مصدريةٌ والتقديرُ ما يصنع فرعون الخ ، وقيل : كان زائدةٌ كما ذكر وما موصولةٌ اسميةٌ والعائد محذوف تقديره ودمرنا الذي يصنعه فرعون الخ أي صُنعَه ، والعدولُ إلى صيغة المضارعِ على هذين القولين لاستحضار الصورة { وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ } من الجنات أو ما كانوا يرفعونه من البُنيان كصرح هامانَ وقرىء يعرُشون بضم الراءِ والكسرُ أفصح وهذا آخِرُ قصةِ فرعونَ وقومه .

(3/35)


وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آَلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139)

وقوله عز وجل : { وَجَاوَزْنَا بِبَنِى إسراءيل البحر } شروعٌ في قصة بني إسرائيلَ وشرحِ ما أحدثوه من الأمور الشنيعةِ بعد أن أنقذهم الله عز وجل من مَلَكة فرعون ومنّ عليهم من النعم العظامِ الموجبةِ للشكر وأراهم من الآيات الكبارِ ما تخِرّ له شمُّ الجبال تسليةً لرسول الله صلى الله عليه وسلم وإيقاظاً للمؤمنين حتى لا يغفُلوا عن محاسبة أنفسِهم ومراقبةِ أحوالِهم . وجاوز بمعنى جاز ، وقرىء جوّزنا بالتشديد وهو أيضاً بمعنى جاز فعُدّي بالباء أي قطعنا بهم البحر . روي أنه عبر بهم موسى عليه السلام يوم عاشوراءَ بعد ما أهلك الله تعالى فرعون فصاموه شكراً لله عز وجل { فَاتُواْ } أي مروا { على قَوْمٍ } قيل : كانوا من لَخْمٍ ، وقيل : من العمالقة الكنعانيين الذين أُمر موسى عليه السلام بقتالهم { يَعْكُفُونَ على أَصْنَامٍ لَّهُمْ } أي يواظبون على عبادتها ويلازمونها ، وقرىء بكسر الكاف ، قال ابن جريج : كانت أصنامُهم تماثيلَ بقرٍ وهو أولُ شأن العجل { قَالُواْ } عندما شاهدوا أحوالَهم { ياموسى اجعل لَّنَا إلها } مثالاً نعبُده { كَمَا لَهُمْ ءالِهَةٌ } الكافُ متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لإلها وما موصولة ولهم صلتها وآلهة بدل من وما والتقدير اجعل لنا إلها كائناً كالذي استقر هو لهم { قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } تعجب ( عليه السلام ) من قولهم هذا إثرَ ما شاهدوا من الآية الكبرى والمعجزةِ العُظمى فوصفهم بالجهل المطلقِ إذ لا جهل أعظمُ مما ظهر منهم ، وأكده بقوله : { إِنَّ هَؤُلآء } يعني القومَ الذين يعبدون تلك التماثيلَ { مُتَبَّرٌ } أي مُدمّرٌ مكسَّرٌ { مَّا هُمْ فِيهِ } أي من الدين الباطلِ أي يُتبرّ الله تعالى ويهدِم دينَهم الذي هم عليه عن قريب ويحطّم أصنامَهم ويتركها رُضاضاً ، وإنما جيء بالجملة الاسميةِ للدلالةِ على التحقق { وباطل } أي مضمحلٌّ بالكلية { مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } من عبادتها وإن كان قصدُهم بذلك التقريبَ إلى الله تعالى فإنه كفرٌ محضٌ ، وليس هذا كما في قوله تعالى : { وَقَدِمْنَا إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاء مَّنثُوراً } كما تُوهم فإن المرادَ به أعمالُ البِرِّ التي عمِلوها في الجاهلية فإنها في أنفسها حسناتٌ لو قارنت الإيمانَ لاستتبعت أجورَها وإنما بطَلت لمقارنتها الكفرَ ، وفي إيقاع ( هؤلاءِ ) اسماً لإن وتقديمِ الخبر من الجملة الواقعةِ خبراً لها وسْمٌ لعبدة الأصنامِ بأنهم هم المُعرَّضون للتبار وأنه لا يعدوهم البتةَ وأنه لهم ضربةُ لازبٍ ليحذّرهم عاقبةَ ما طلبوا ويُبغِضَ إليهم ما أحبوا .

(3/36)


قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آَلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (141) وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142)

{ قَالَ أَغَيْرَ الله أَبْغِيكُمْ إلها } شروعٌ في بيانِ شؤونِ الله تعالى الموجبةِ لتخصيص العبادةِ به تعالى بعد بيانِ أن ما طلبوا عبادتَه مما لا يمكن طلبُه أصلاً لكونه هالكاً باطلاً ، ولذلك وسّط بينهما قال مع كونِ كلَ منهما كلامَ موسى عليه الصلاة والسلام ، والاستفهامُ للإنكار والتعجب والتوبيخِ وإدخالُ الهمزةِ على غير للإيذان بأن المنكَرَ هو كونُ المبْغيِّ غيرَه تعالى لما أنه لاختصاص الإنكار بغيره تعالى دون إنكارِ الاختصاصِ بغيره تعالى ، وانتصابُ غير على أنه مفعولُ أبغي بحذف اللام أي أبغي لكم أي أطلب لكم غيرَ الله تعالى ، وإلها تمييزٌ أو حال أو على الحالية من إلها وهو المفعولُ لأبغي على أن الأصلَ أبغي لكم إلها غيرَ الله فغيرَ الله صفةٌ لإلها فلما قُدّمت صفةُ النكرةِ انتصبت حالاً { وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى العالمين } أي والحالُ أنه تعالى خصكم بنعمٍ لم يُعطِها غيرَكم ، وفيه تنبيهٌ على ما صنعوا من سوء المعاملةِ حيث قابلوا تخصيصَ الله تعالى إياهم من بين أمثالِهم بما لم يستحقوه تفضلاً بأن عمَدوا إلى أخسّ شيءٍ من مخلوقاته فجعلوه شريكاً له تعالى . تباً لهم ولما يعبدون .
{ وَإِذَ أنجيناكم } تذكيرٌ لهم من جهته سبحانه بنعمة الإنجاءِ من ملَكة فرعون وقرىء نجّينا كم من التنجية ، وقرىء أنجاكم فيكون مَسوقاً من جهة موسى عليه الصلاة والسلام أي واذكروا وقت إنجائِنا إياكم { مّنْ ءالِ فِرْعَوْنَ } من ملَكتهم لا بمجرد تخليصِكم من أيديهم وهم على حالهم في المَكِنة والقدرة بل بإهلاكهم بالكلية وقوله تعالى : { يَسُومُونَكُمْ سُوء العذاب } من سامه خسفاً أي أولاه إياه أو كلفه إياه ، وهو إما استئنافٌ لبيان ما أنجاهم منه أو حالٌ من المخاطَبين أو من آل فرعون أو منهما معاً لاشتماله على ضميريهما وقوله تعالى : { يُقَتّلُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ } بدلٌ من يسومونكم مُبين أو مفسّرٌ له { وَفِى ذلكم } الإنجاءِ أو سوءِ العذاب { بَلاءٌ } أي نعمةٌ أو محنة { مّن رَّبّكُمْ } من مالك أمرِكم فإن النعمةَ والنقِمةَ كلتاهما منه سبحانه وتعالى { عظِيمٌ } لا يقادَر قدرُه { وواعدنا موسى ثلاثين لَيْلَةً } روي أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيلَ وهم بمصرَ إن أهلك الله عدوَّهم أتاهم بكتاب فيه بيانُ ما يأتون وما يذرون فلما هلك فرعونُ سأل موسى عليه السلام ربه الكتابَ فأمره بصوم ثلاثين يوماً وهو شهرُ ذي القَعدة فلما أتمّ الثلاثين أنكر خُلوفَ فيه فتسوّك فقالت الملائكةُ : كنا نشم من فيك رائحةَ المسك فأفسدته بالسواك ، وقيل : أوحى الله تعالى إليه أما علمتَ أن ريحَ فمِ الصائمِ أطيبُ عندي من ريح المِسْك فأمره الله تعالى بأن يزيد عليها عشرةَ أيامٍ من ذي الحِجّة لذلك ، وذلك قوله تعالى : { وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ } والتعبير عنها بالليالي لأنها غُرَرُ الشهور ، وقيل : أمره الله تعالى بأن يصوم ثلاثين يوماً وأن يعمل فيها بما يقرّبه من الله تعالى ثم أنزلت عليه التوراةُ في العشر وكلم فيها وقد أُجمل ذكر الأربعين في سورة البقرة وفُصِّل هاهنا وواعدنا بمعنى وعدْنا وقد قرىء كذلك وقيل : الصيغةُ على بابها بناءً على تنزيل قَبول موسى عليه السلام منزلةَ الوعدِ ، وثلاثين مفعولٌ ثانٍ لواعدنا بحذف المضافِ أي إتمامَ ثلاثين ليلةً { فَتَمَّ ميقات رَبّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } أي بإلغاء أربعين ليلة { وَقَالَ موسى لاِخِيهِ هارون } حين توجه إلى المناجاة حسبما أُمر به { اخلفنى } أي كن خليفتي { فِى قَوْمِى } وراقِبْهم فيما يأتون وما يذرون { وَأَصْلِحْ } ما يحتاج إلى الإصلاح من أمورهم أو كن مصلحاً { وَلاَ تَتَّبِعْ سَبِيلَ المفسدين } أي لا تتبع مَنْ سلك الإفسادَ ولا تُطِعْ من دعاك إليه .

(3/37)


وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143)

{ وَلَمَّا جَاء موسى لميقاتنا } لوقتنا الذي وقتناه ، واللامُ للاختصاص ، أي اختَصَّ مجيئُه بميقاتنا { وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ } من غير واسطةٍ كما يكلم الملائكة عليهم السلام ، وفيما روي أنه عليه الصلاة والسلام كان يسمع ذلك من كل جهةٍ تنبيهٌ على أن سماعَ كلامِه عز وجل ليس من جنس سماعِ كلام المحدّثين { قَالَ رَبّ أَرِنِى أَنظُرْ إِلَيْكَ } أي أرني ذاتَك بأن تمكِّنَنء من رؤيتك أو تتجلى لي فأنظرَ إليك وأراك . هو دليلٌ على أن رؤيتَه تعالى جائزةٌ في الجملة لما أن طلبَ المستحيلِ مستحيلٌ من الأنبياء لا سيما ما يقتضي الجهلَ بشؤون الله تعالى ولذلك رده بقوله : لن تراني دون لن أرى ولن أُرِيَك ولن تنظُرَ إليّ تنبيهاً على أنه قاصرٌ عن رؤيته لتوقفها على معد في الرائي ولم يوجد فيه ذلك بعدُ ، وجعلُ السؤالِ لتبكيت قومِه الذين قالوا : أرنا الله جهرةً خطأٌ إذ لو كانت الرؤيةُ ممتنعةً لوجب أن يُجهِّلَهم ويُزيحَ شبهتَهم كما فعل ذلك حين قالوا : { اجعل لَّنَا إلها } وأن لا يتبعَ سبيلَهم كما قال لأخيه : ولا تتبعْ سبيلَ المفسدين ، والاستدلالُ بالجواب على استحالتها أشدُّ خطأً إذ لا يدل الإخبارُ بعدم رؤيتِه إياه على أنه لا يراه أبداً وأنه لا يراه غيرُه أصلاً فضلاً عن أن يدل على استحالتها دعوى الضرورةِ مكابرة أو جهل لحقيقة الرؤية .
{ قَالَ } استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من الكلام كأنه قيل : فماذا قال ربُّ العزة حين قال موسى عليه السلام ما قال؟ فقيل : قال : { لَن تَرَانِى ولكن انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِى } استدراكٌ لبيان أنه لا يُطيق بها ، وفي تعليقها باستقرار الجبلِ أيضاً دليلٌ على الجواز ضرورةَ أن المعلَّق بالممكن ممكنٌ والجبلُ قيل : هو جبل أردن { فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ } أي ظهرت له عظمتُه وتصدّى له اقتدارُه وأمرُه وقيل : أُعطي الجبلُ حياةً ورؤيةً حتى رآه { جَعَلَهُ دَكّا } مدكوكاً مُفتّتاً ، والدكُّ والدقُّ أخَوَان كالشك والشق وقرىء دكاً أي أرضاً مستويةً ومنه ناقةٌ دكاءُ للتي لا سنامَ لها ، وقرىء دُكاً جمعُ دكّاءَ أي قطعاً { وَخَرَّ موسى صَعِقًا } مغشياً عليه من هول ما رآه { فَلَمَّا أَفَاقَ } الإفاقةُ رجوعُ العقلِ والفهم إلى الإنسان بعد ذهابِهما بسبب من الأسباب { قَالَ } تعظيماً لما شاهده { سبحانك } أي تنزيهاً لك من أن أسألك شيئاً بغير إذنٍ منك { تُبْتُ إِلَيْكَ } أي من الجراءة والإقدامِ على السؤال بغير إذن { وَأَنَاْ أَوَّلُ المؤمنين } أي بعظمتك وجلالِك وقيل : أولُ من آمن بأنك لا تُرى في الدنيا وقيل : بأنه لا يجوز السؤال بغير إذن منك .

(3/38)


قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آَتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145)

قَالَ يَا موسى } استئنافٌ مَسوقٌ لتسليته عليه الصلاة والسلام من عدم الإجابةِ إلى سؤال الرؤيةِ كأنه قيل : إن منعتُك الرؤيةَ فقد أعطيتك من النعم العظامِ ما لم أعْطِ أحداً من العالمين فاغتنِمْها وثابرْ على شكرها { إِنْى اصطفيتك } أي اخترتُك واتخذتُك صفوةً وآثرتُك { عَلَى الناس } أي المعاصِرين لك . وهارونُ وإن كان نبياً كان مأموراً باتباعه وما كان كَليماً ولا صاحبَ شرعٍ { برسالاتي } أي بأسفار التوراةِ وقرىء برسالتي { وبكلامي } وبتكليمي أياك بغير واسطة { فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ } من شرف النبوةِ والحكمة { وَكُنْ مّنَ الشاكرين } على ما أُعطيت من جلائل النعمِ ، قيل : كان سؤالُ الرؤيةِ يوم عرفةَ وإعطاءُ التوراةِ يومَ النحر { وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الالواح مِن كُلّ شَىْء } أي مما يحتاجون إليه من أمور دينِهم { مَّوْعِظَةً وَتَفْصِيلاً لّكُلّ شَىْء } بدلٌ من الجارّ والمجرور أي كتبنا له كلَّ شيءٍ من المواعظ وتفصيلِ الأحكام ، واختُلف في عدد الألواحِ وفي جوهرها ومقدارِها فقيل : إنها كانت عشَرةَ ألواحٍ وقيل : سبعةً وقيل : لوحين وأنها كانت من زُمُرُّذَةٍ جاء بها جبريلُ عليه السلام وقيل : من زَبَرْجَدةٍ خضراءَ أو ياقوتةٍ حمراءَ . وقيل : أمر الله تعالى موسى بقطعها من صخرة صمّاءَ ليَّنها له فقطعها بيده وشققها بأصابعه . وعن الحسن رضي الله عنه كانت من خشب نزلت من السماء فيها التوراةُ وأن طولَها كان عشَرةَ أذرُع . وقيل : أُنزلت التوراةُ وهي سبعون وِقْرَ بعيرٍ يقرأ الجزءُ منه في سنة لم يقرأها إلا أربعةُ نفرٍ : موسى ويوشعُ وعُزيرٌ وعيسى عليهم السلام . وعن مقاتل رضي الله عنه كُتب في الألواح إني أنا الله الرحمن الرحيم لا تشرِكوا بي شيئاً ولا تقطعوا السبيلَ ولا تزْنوا ولا تعقُّوا الوالدين { فَخُذْهَا } على إضمار قولٍ معطوف على كتبنا أي فقلنا خذها { بِقُوَّةٍ } بجدَ وعزيمة وقيل : هو بدلٌ من قوله تعالى : { فَخُذْ مَا ءاتَيْتُكَ } والضميرُ للألواح أو لكل شيءٍ لأنه بمعنى الأشياء أو للرسالة أو للتوراة .
{ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُواْ بِأَحْسَنِهَا } أي بأحسنِ ما فيها كالعفو والصبر لالإضافة إلى الاقتصاص والانتصارِ على طريقة الندبِ والحثِّ على اختيار الأفضل كما في قوله تعالى : { واتبعوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مّن رَّبّكُمْ } أو بواجباتها فإنها أحسنُ من المباح ، وقيل : المعنى يأخذوا بها ، و ( أحسن ) صلةٌ . قال قُطرُب : أي بحسَنها وكلُّها حسنٌ كقوله تعالى : { وَلَذِكْرُ الله أَكْبَرُ } وقيل : هو أن تُحمل الكلمةُ المحتملةُ لمعنيين أو لمعان على أشبه محتمَلاتِها بالحق وأقربِها إلى الصواب { سَأُوْرِيكُمْ دَارَ الفاسقين } تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى قومه عليه الصلاة والسلام بطريق الالتفاتِ حملاً لهم على الجد في الامتثال بنا أُمروا به ، إما على نهج الوعيدِ والترهيب على أن المرادَ بدار الفاسقين أرضَ مصرَ وديارُ عادٍ وثمودَ وأضرابِهم فإن رؤيتها وهي خاليةٌ عن أهلها خاويةٌ على عروشها موجبةٌ للاعتبار والانزجارِ عن مثل أعمالِ أهلِها كيلا يحِلَّ بهم ما حل بأولئك وإما على نهج الوعدِ والترغيبِ على أن المرادَ بدار الفاسقين إما أرضُ مصرَ خاصةً أو مع أرض الجبابرةِ والعمالقةِ بالشام فإنها أيضاً مما أتيح لبني إسرائيلَ وكُتب لهم حسبما ينطِق به قولُه عز وجل : { العالمين يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } ومعنى الإراءةِ الإدخالُ بطريق الإيراثِ ، ويؤيده قراءةُ مَنْ قرأ سأوُرثكم بالثاء المثلثة كما في قوله تعالى : { وَأَوْرَثْنَا القوم الذين كَانُواْ يُسْتَضْعَفُونَ مشارق الارض ومغاربها } وقرىء سأُوريكم ولعله من أورَيْتُ الزندَ أي سأبيِّنُها بكم .

(3/39)


سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آَيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146)

وقوله تعالى : { سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي الذين يَتَكَبَّرُونَ فِي الارض } استئنافٌ مَسوقٌ لتحذيرهم عن التكبر الموجبِ لعدم التفكرِ في الآيات التي هي ما كتب في ألواح التوراةِ من المواعظ والأحكامِ أو ما يعمُّها وغيرَها من الآيات التكوينيةِ التي من جملتها ما وعد إراءَته من الفاسقين ومعنى صرفِهم عنها الطبعُ على قلوبهم بحيث لا يكادون يتفكرون فيها ولا يعتبرون بها لإصرارهم على ما هم عليه من التكبر والتجبر كقوله تعالى : { فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ } وتقديمُ الجارِّ والمجرور على المفعول الصريحِ لإظهار الاعتناءِ بالمقدم والتشويقِ إلى المؤخر مع أن في المؤخَّرِ نوعَ طُولٍ يُخِل تقديمُه بتجاوب أطرافِ النظمِ الجليلِ أي سأطبع على قلوب الذين يعدّون أنفسَهم كُبراءَ ويرَوْن لهم على الخلق مزِيةً وفضلاً فلا ينتفعون بآياتي التنزيليةِ والتكوينيةِ ولا يغتنمون مغانمَ آثارِها ، فلا تسلُكوا مسلكَهم فتكونوا أمثالَهم ، وقي : المعنى سأصرِفهم عن إبطالها وإن اجتهدوا كما اجتهد فرعونُ في إبطال ما رآه من الآيات فأبى الله تعالى إلا إحقاقَ الحقِّ وإزهاقَ الباطل ، وعلى هذا فالأنسبُ أن يُرادَ بدار الفاسقين أرضُ الجبابرةِ والعمالقةِ المشهورين بالفسق والتكبر في الأرض وبإراءتها للمخاطَبين إدخالُهم الشامَ وإسكانُهم في مساكنهم ومنازلِهم حسبما نطَق به قولُه تعالى : { العالمين يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الاْرْضَ المُقَدَّسَةَ الَّتِى كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ } ويكون قولُه تعالى : { سَأَصْرِفُ عَنْ ءاياتي } الخ ، جواباً عن سؤال مقدر ناشىءٍ من الوعد بإدخال الشامِ على أن المرادَ بالآيات ما تُلي آنفاً ونظائرُه ، وبصرفهم عنها إزالتُهم عن مَقام معارضتِها وممانعتِها لوقوع أخبارِها وظهور أحكامِها وآثارِها بإهلاكهم على يد موسى عليه الصلاة والسلام حين سار بعد التّيهِ بمن بقيَ من بني إسرائيلَ أو بذرياتهم على اختلاف الروايتين إلى أريحا ويوشعُ بنُ نونٍ في مقدمته ففتحها واستقر بنو إسرائيلَ بالشام وملكوا مشارقَها ومغاربَها كأنه قيل : كيف يرون دارهم وهم فيها؟ فقيل : سأُهلِكُهم ، وإنما عدل إلى الصَرْف ليزدادوا ثقةً بالآيات واطمئناناً بها وقوله تعالى : { بِغَيْرِ الحق } إما صلةٌ للتكبر أي يتكبرون بما ليس بحق وهو دينُهم الباطلُ وظلمُهم المُفْرِطُ أو متعلق بمحذوف هو حالٌ من فاعله أي يتكبرون ملتبسين بغير الحق وقوله تعالى { وَإِن يَرَوا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها } عطفٌ على يتكبرون داخلٌ معه في حُكم الصلةِ والمرادُ بالآية إما المنزلةُ فالمرادُ برؤيتها مشاهدتُها بسماعها أو ما يعمُّها من المعجزات فالمرادُ برؤيتها مطلقُ المشاهَدةِ المنتظمةِ للسماع والإبصار ، أي وإن يشاهِدوا كلَّ آيةٍ من الآيات لا يؤمنوا بها على عموم النفي لا على نفي العُموم أي كفروا بكل واحدة منها لعدم اجتلائِهم إياها كما هي وهذا كما ترى يؤيد كونَ الصرفِ بمعنى الطبع وقوله تعالى : { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الرشد لاَ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } عطفٌ على ما قبله داخلٌ في حكمه أي لا يتوجهون إلى الحق ولا يسلُكون سبيله أصلاً لاستيلاء الشيطنةِ عليهم ومطبوعيّتِهم على الانحراف والزيغ ، وقرىء بفتحتين وقرىء الرشادِ وثلاثتُها لغات كالسُّقْم والسقام { وَإِن يَرَوْاْ سَبِيلَ الغى يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً } أي يختارونه لأنفسهم مسلَكاً مستمراً لا يكادون يعدِلون عنه لموافقته لأهوائهم الباطلةِ وإفضائه بهم إلى شهواتهم { ذلك } إشارةٌ إلى ما ذكر من تكبُّرهم وعدمِ إيمانهم بشيء من الآيات وإعراضِهم عن سبيل الرشدِ وإقبالِهم التامّ إلى سبيل الغيِّ ، وهو مبتدأٌ خبرُه قوله تعالى : { بِأَنَّهُمْ } أي حاصلٌ بسبب أنهم { كَذَّبُواْ بئاياتنا } الدالةِ على بطلان ما اتصفوا به من القبائح وعلى حقية أضدادِها { وَكَانُواْ عَنْهَا غافلين } لا يتفكرون فيها وإلا لما فعلوا ما فعلوا من الأباطيل ، ويجوز أن يكون إشارةً إلى ما ذُكر من الصرف ولا يمنعُه الإشعارُ بعلّية ما في حيز الصلةِ كيف لا وقد مر أن ذلك في قوله تعالى :

(3/40)


{ ذلك بِمَا عَصَواْ } الآية ، يجوزُ أن يكون إشارةً إلى ضرب الذلةِ والمسكنةِ والبَوْءِ بالغضب العظيمِ مع كون ذلك معللاً بالكفر بآيات الله صريحاً ، وقيل : محلُّ اسمِ الإشارةِ النصبُ على المصدر ، أي سأصرفهم ذلك الصَّرْفَ بسبب تكذيبِهم بآياتنا وغفلتِهم عنها .

(3/41)


وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآَخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147) وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148)

{ والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا وَلِقَاء الاخرة } أي وبلقائهم الدارَ الآخرةَ أو لقائهم ما وعده الله تعالى في الآخرة من الجزاء ومحلُّ الموصولِ الرفعُ على الابتداء وقوله تعالى : { حَبِطَتْ أعمالهم } خبرُه أي ظهر بُطلانُ أعمالِهم التي كانوا عمِلوها من صلة الأرحامِ وإغاثةِ الملهوفين ونحوِ ذلك ، أو حبطت بعد ما كانت مرجُوَّةَ النفعِ على تقدير إيمانهم بها { هَلْ يُجْزَوْنَ } أي لا يُجزون { إِلاَّ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } أي الإجزاءَ ما كانوا يعمَلونه من الكفر والمعاصي .
{ واتخذ قَوْمُ موسى مِن بَعْدِهِ } أي من بعد ذهابِه إلى الطور { مِنْ حُلِيّهِمْ } متعلقٌ باتخذ كالجارِّ الأول لاختلاف معنييهما فإن الأولَ للابتداء والثاني للتبعيض أو للبيان ، أو الثاني متعلقٌ بمحذوف وقع حالاً مما بعده إذ لو تأخر لكان صفةً له وإضافةُ الحُلِيِّ إليهم مع أنها كانت للقِبْط لأدنى الملابسة حيث كانوا استعاروها من أربابها قُبيل الغرقِ فبقِيَتْ في أيديهم . وأما أنهم ملكوها بعد الغرقِ فذلك منوطٌ بتملك بني إسرائيلَ غنائمَ القِبطِ وهم مستأمَنون فيما بينهم فلا يساعده قولُهم : { حُمّلْنَا أَوْزَاراً مّن زِينَةِ القوم } والحلي بضم الحاء وكسر اللام جمعُ حَلْيٍ كثَدْيٍ وثُدِيّ وقرىء بكسر الحاء بالإتباع كدِليّ وقرىء حَلْيِهم على الإفراد وقوله تعالى : { عِجْلاً } مفعولُ اتخذ أُخِّر عن المجرور لما مر من الاعتناء بالمقدم والتشويق إلى المؤخر مع ما فيه من نوع طولٍ يُخِلُّ تقديمُه بتجاوب أطرافِ النظمِ الكريم ، وقيل : هو متعدَ إلى اثنين بمعنى التصيير والمفعول الثاني محذوفٌ أي إلها وقوله تعالى : { جَسَداً } بدلٌ من عجلاً أي جُثةً ذاتَ دمٍ ولحمٍ أو جسداً من ذهب لا روحَ معه وقوله تعالى : { لَّهُ خُوَارٌ } أي صوتُ بقر ، وقرىء بالجيم والهمزة وهو الصياح نعتٌ لعجلاً . روي أن السامريَّ لما صاغ العجلَ ألقى في فمه تراباً من أثر فرسِ جبريلَ عليه الصلاة والسلام وقد كان أخذه عنه فلْقِ البحر أو عند توجُّهِه إلى الطور ، فصار حيّاً وقيل : صاغه بنوع من الحيل فيدخُلُ الريحُ في جوفه فيصوِّت ، والأنسبُ بما في سورة طه هو الأولُ وإنما نُسبَ اتخاذُه إليهم وهو فعلُه إما لأنه واحدٌ وإما لأنهم رضُوا به فكأنهم فعلوه وإما لأن المرادَ بالاتخاذ اتخاذُهم إياه إلها لا صنعُه وإحداثُه { أَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّهُ لاَ يُكَلّمُهُمْ } استئنافٌ مَسوقٌ لتقريعهم وتشنيعِهم وتركيكِ عقولِهم وتسفيهِهم فيما أقدموا عليه من المنكر الذي هو اتخاذُه إلها ، أي ألم يرَوا أنه ليس فيه شيءٌ من أحكام الألوهية حيث لا يكلمهم { وَلاَ يَهْدِيهِمْ سَبِيلاً } بوجه من الوجوه فكيف اتخذوه إلها وقوله تعالى : { اتخذوه } أي فعلوا ذلك { وَكَانُواْ ظالمين } أي واضعين للأشياء في غير موضعِها فلم يكن هذا أولَ منكرٍ فعلوه ، والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ وتكريرٌ اتخذوه لتثنية التشنيعِ وترتيبِ الاعتراض عليه .

(3/42)


وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149)

{ وَلَمَّا سُقِطَ فَى أَيْدِيهِمْ } أي ندِموا على ما فعلوا غايةَ الندمِ فإن ذلك كنايةٌ عنه لأن النادمَ المتحسِّرَ يعَضُّ يدَه غماً فتصير يدُه مسقوطاً فيها ، وقرىء سقَطَ على البناء للفاعل بمعنى وقع العضُّ فيها فاليدُ حقيقةٌ ، وقال الزجاج : معناه سقَط الندمُ في أنفسهم إما بطريق الاستعارةِ بالكناية أو بطريق التمثيل { وَرَأَوْاْ أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّواْ } باتخاذ العجلِ أي تبيّنوا بحيث تيقنوا بذلك حتى كأنهم رأَوْه بأعينهم ، وتقديمُ ذكرِ ندمِهم على هذه الرؤيةِ مع كونه متأخراً عنها للمسارعة إلى بيانه والإشعارِ بغاية سُرعتِه كأنه سابقٌ على الرؤية { قَالُواْ } والله { لَئِن لَّمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا } بإنزال التوبةِ المكفرة { وَيَغْفِرْ لَنَا } ذنوبَنا بالتجاوز عن خطيئتنا ، وتقديمُ الرحمةِ على المغفرة مع أن التخليةَ حقُّها أن تقدمَ على التحلية إما للمسارعة إلى ما هو المقصودُ الأصليّ وإما لأن المرادَ بالرحمة مطلقُ إرادةِ الخير بهم وهو مبدأٌ لإنزال التوبةِ المكفرة لذنوبهم ، واللامُ في لئن موطئةٌ للقسم كما أشير إليه وفي قوله تعالى : { لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } لجواب القسمِ ، وما حُكي عنهم من الندامة والرؤية والقولِ وإن كان بعد ما رجَع موسى عليه الصلاة والسلام إليهم كما ينطِق به الآياتُ الواردة في سورة طه لكن أريد بتقديمه عليه حكايةُ ما صدر عنهم من القول والفعلِ في موضع واحد .

(3/43)


وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150)

{ وَلَمَّا رَجَعَ موسى إلى قَوْمِهِ } شروعٌ في بيان ما جرى من موسى عليه السلام بعد رجوعِه من الميقات إثرَ بيانِ ما وقع من قومه بعده ، وقولُه تعالى : { غضبان أَسِفًا } حالان من موسى عليه السلام أو الثاني من المستكنّ في غضبانَ والآسِفُ الشديدُ الغضبِ وقيل : الحزين { قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِى مِن بَعْدِى } أي بئسما فعلتم من بعد غَيْبتي حيث عبدتم العجلَ بعد ما رأيتم فعلي من توحيد الله تعالى ونفيِ الشركاءِ عنه وإخلاصِ العبادةِ له أو من حملكم على ذلك وكفِّكم عما طمَحَت نحوه أبصارُكم حيث قلتم : اجعلْ لنا إلها كما لهم آلهةٌ ومن حق الخلفاءِ أن يسيروا بسيرة المستخلِفِ فالخطابُ للعبَدَة من السامريِّ وأشياعِه ، أو بئسما قمتم مَقامي ولم ترعوا عهدي حيث لم تكفوا العبَدَةَ عما فعلوا ، فالخطابُ لهارونَ ومن معه من المؤمنين كما ينبىء عنه قوله تعالى : { قَالَ يَا هارون مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّواْ أَن لا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِى } ويجوز أن يكون الخطابُ للكل على أن المرادَ بالخليفة ما يعم الأمرين المذكورين ، وما نكرةٌ موصوفةٌ مفسِّرةٌ لفاعل بئس المستكنِّ فيه والمخصوصُ بالذم محذوفٌ تقديره بئس خلافةً خلفتمونيها من بعدي خلافتُكم { أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبّكُمْ } أي تركتموه غيرَ تام على تضمين عجِلَ معنى سبَق ، يقال : عجِل عن الأمر إذا تركه غيرَ تام أو أعجِلتم وعدَ ربِّكم الذي وعدنيه من الأربعين وقدّرتم موتي وغيّرتم بعدي كما غيرت الأممُ بعد أنبيائِهم { وَأَلْقَى الالواح } طرحها من شدة الغضبِ وفرطِ الضجر حميةً للدين . روي أن التوراةَ كانت سبعةَ أسباعٍ في سبعة ألواح فلما ألقاها انكسرت فرفعت ستةُ أسباعِها التي كان فيها تفصيلُ كلِّ شيءٍ وبقي سُبعٌ كان فيه المواعظُ والأحكامُ { وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ } بشعر رأسِه عليهما السلام { يَجُرُّهُ إِلَيْهِ } حال من ( أخذ ) ، فعلَه عليه السلام توهما أنه قصّر في كفهم ، وهارونُ كان أكبرَ منه عليهما السلام بثلاث سنينَ وكان حَمولاً ولذلك كان أحبَّ إلى بني إسرائيل .
{ قَالَ } أي هارون لموسى عليهما السلام { ابن أُمَّ } بحذف حرف النداءِ ، وتخصيصُ الأم بالذكر مع كونهما شقيقين لما أن حقّ الأمِّ أعظمُ وأحقُّ بالمراعاة مع أنها كانت مؤمنةً وقد قاست فيه المخاوفَ والشدائد وقرى بكسر الميم بإسقاط الياءِ تخفيفاً كالمنادى لمضافِ إلى الياء وقراءةُ الفتح لزيادة التخفيف أو لتشبيهه بخمسةَ عشرَ { إِنَّ القوم استضعفونى وَكَادُواْ يَقْتُلُونَنِى } إزاحةً لتوهم التقصيرِ في حقه ، والمعنى بذلتُ جُهدي في كفهم حتى قهروني واستضعفوني وقاربوا قتلي { فَلاَ تُشْمِتْ بِىَ الاعداء } أي فلا تفعلْ بي ما يكون سبباً لشماتتهم بي { وَلاَ تَجْعَلْنِى مَعَ القوم الظالمين } أي معدوداً في عدادهم بالمؤاخذة أو النسبة إلى التقصير ، وهذا يؤيد كونَ الخطابِ للكل ، أو لا تعتقد أني واحدٌ من الظالمين مع براءتي منهم ومن ظلمهم .

(3/44)


قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152)

{ قَالَ } استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من حكاية اعتذارِ هارونَ عليه السلام كأنه قيل : فماذا قال موسى عند ذلك؟ فقيل : قال : { رَبّ اغفر لِى } أي ما فعلتُ بأخي من غير ذنبٍ مقرِّرٍ من قِبَله { وَلأَخِى } إن فرَطَ منه تقصيرٌ ما في كفهم عما فعلوه من العظيمة ، استغفرَ عليه السلام لنفسه ليُرضِيَ أخاه ويُظهر للشامتين رضاه لئلا تتم شماتتُهم به ولأخيه للإيذان بأنه محتاجٌ إلى الاستغفار حيث كان يجب عليه أن يقاتلَهم { وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ } بمزيد الإنعامِ بعد غُفران ما سلف منا { وَأَنتَ أَرْحَمُ الرحمين } فلا غَرْوَ في انتظامنا في سلك رحمتِك الواسعةِ في الدنيا والآخرة ، والجملةُ اعتراضٌ تذييليٌّ مقرِّرٌ لما قبله . { إِنَّ الذين اتخذوا العجل } أي تمّوا على اتخاذه واستمروا على عبادته كالسامريِّ وأشياعِه من الذين أُشربوه في قلوبهم كما يُفصح عنه كونُ الموصولِ الثاني عبارةً عن التائبين فإن ذلك صريحٌ في أن الموصولَ الأولَ عبارةٌ عن المصِرّين { سَيَنَالُهُمْ } أي في الآخرة { غَضَبٌ } أي عظيمٌ لا يقادر قدرُه مستتبِعٌ لفنون العقوباتِ لما أن جريمتَهم أعظمُ الجرائم وأقبحُ الجرائر وقوله تعالى : { مّن رَّبّهِمُ } أي مالكِهم ، متعلقٌ بينالُهم أو بمحذوف هو نعتٌ لغضب مؤكد لما أفاده التنوينُ من الفخامة الذاتيةِ بالفخامة الإضافية ، أي كائنٌ من ربهم { وَذِلَّةٌ فِى الحياة الدنيا } هي ذلةُ الاغترابِ التي تُضرب بها الأمثالُ والمسكنةُ المنتظمةُ لهم ولأولادهم جميعاً ، والذلةُ التي اختص بها السامريُّ من الانفراد عن الناس والابتلاء بلا مِساس . يروى أن بقاياهم اليومَ يقولون ذلك ، وإذا مس أحدَهم أحدٌ غيرُهم حُمّاً جميعاً في الوقت ، وإيرادُ ما نالهم في حيز السين مع مُضِيِّه بطريق تغليب حالِ الأخلافِ على حال الأسلاف ، وقيل : المرادُ بهم التائبون ، وبالغضب ما أُمروا به من قتل أنفسِهم ، واعتُذر عن السين بأن ذلك حكايةٌ عما أخبر الله تعالى به موسى عليه السلام حين أخبره بافتتان قومِه واتخاذِهم العجلَ بأنه سينالهم غضبٌ من ربهم وذلةٌ فيكون سابقاً على الغضب ، وأنت خبيرٌ بأن سباقَ النظم الكريم وسياقَه نابيان عن ذلك نُبوّاً ظاهراً ، كيف لا وقوله تعالى : { وكذلك نَجْزِى المفترين } ينادي على خلافه فإنهم شهداءُ تائبون فكيف يمكن وصفُهم بعد ذلك بالافتراء؟ وأيضاً ليس يجزي الله تعالى كلَّ المفترين بهذا الجزاءِ الذي ظاهرُه قهرٌ وباطنُه لطفٌ ورحمة ، وقيل : المرادُ بهم أبناؤهم المعاصِرون لرسول الله صلى الله عليه وسلم فإن تعييرَ الأبناءِ بأفاعيلِ الآباء مشهورٌ معروفٌ ، منه قولُه تعالى : { وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا } الآية ، وقولُه تعالى : { وَإِذْ قُلْتُمْ ياموسى } الآية ، والمرادُ بالغضب الغضبُ الأخرويُّ وبالذلة ما أصابهم من القتل والإجلاءِ وضربِ الجزية عليهم ، وقيل : المرادُ بالموصول المتّخِذون حقيقةً وبالضمير في ينالُهم أخلافُهم ولا ريب في أن توسيطَ حالِ هؤلاء في تضاعيف بيانِ حالِ المتخِذين من قبيل الفصل بين الشجرِ ولِحائه .

(3/45)


وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآَمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153) وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154) وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ أَنْتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ (155)

{ والذين عَمِلُواْ السيئات } أيَّ سيئةٍ كانت . { ثُمَّ تَابُواْ } عن تلك السيئات { مِن بَعْدِهَا } أي من بعد عملها { وَءامَنُواْ } إيماناً صحيحاً خالصاً واشتغلوا بإقامة ما هو من مقتضياته من الأعمال الصالحةِ ولم يُصِرُّوا على ما فعلوا كالطائفة الأولى { إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا } أي من بعد تلك التوبةِ المقرونةِ بالإيمان { لَغَفُورٌ } للذنوب وإن عظُمت وكثُرت { رَّحِيمٌ } مبالِغٌ في إفاضة فنونِ الرحمةِ الدنيويةِ والأخروية ، والتعرّضُ لعنوان الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضميره عليه السلام للتشريف .
{ وَلَمَّا سَكَتَ عَن مُّوسَى الغضب } شروعٌ في بيان بقيةِ الحكايةِ إثرَ ما بيّن تحزب القوم إلى مصر وتائب والإشارةِ إلى مآل كلَ منهما إجمالاً أي لما سكن عنه الغضبُ باعتذار أخيه وتوبةِ القوم ، وهذا صريحٌ في أن ما حُكي عنهم من الندم وما يتفرّع عليه كان بعد مجيءِ موسى عليه الصلاة والسلام ، وفي هذا النظم الكريمِ من البلاغة والمبالغةِ بتنزيل الغضبِ الحاملِ له على ما صدر عنه من الفعل والقول منزلةَ الآمرِ بذلك المُغري عليه بالتحكم والتشديد ، والتعبيرِ عن سكوته بالسكوت ما لا يخفى ، وقرىء سَكَن وسكَت وأسكتَ على أن الفاعل هو الله تعالى أو أخوه أو التائبون { أَخَذَ الالواح } التي ألقاها { وَفِى نُسْخَتِهَا } أي فيما نُسخ فيها وكُتب ، فُعلة بمعنى مفعول كالخُطبة وقيل : فيما نسخ منها أي من الألواح المنكسرة { هُدًى } أي بيانٌ للحق { وَرَحْمَةً } للخلق بإرشادهم إلى ما فيه الخيرُ والصلاح { لّلَّذِينَ هُمْ لِرَبّهِمْ يَرْهَبُونَ } اللامُ الأولى متعلقةٌ بمحذوف هو صفةٌ لرحمة أي كائنةٌ لهم أو هي لامُ الأجَل أي هدى ورحمةٌ لأجلِهم ، والثانيةُ لتقوية عمل الفعلِ المؤخّر كما في قوله تعالى : { إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ } أو هي أيضاً لامُ العلة والمفعولُ محذوفٌ أي يرهبون المعاصيَ لأجل ربهم لا للرياء والسمعة { واختار موسى قَوْمَهُ } شروعٌ في بيان كيفية استدعاءِ التوبةِ وكيفية وقوعِها واختار يتعدّى إلى اثنين ثانيهما مجرورٌ بمن أي اختار من قومه بحذف الجارّ والمجرور وإيصالِ الفعل إلى المجرور كما في قوله :
اختارك الناسَ إذْ رثَّتْ خلائِقُهم ... واعتلّ مَنْ كان يُرجَى عنده السُّولُ
أي اختارك من الناس { سَبْعِينَ رَجُلاً } مفعولٌ لاختار أُخِّر عن الثاني لما مر مراراً من الاعتناء بالمقدم والتشويقِ إلى المؤخر { لميقاتنا } الذي وقتناه بعد ما وقع من قومه ما وقع لا لميقاتِ الكلام الذي ذكر قبل ذلك كما قيل . قال السدي : أمره الله تعالى بأن يأتيَه في ناس من بني إسرائيلَ يعتذرون إليه من عبادة العجلِ ووعدهم موعداً فاختار عليه السلام من قومه سبعين رجلاً . وقال محمد بن إسحَاقَ : اختارهم ليتوبوا إليه تعالى مما صنعوه ويسألوه التوبةَ على مَنْ تركوهم وراءهم من قومهم ، قالوا : اختار عليه الصلاة والسلام من كل سِبطٍ ستةً فزاد اثنانِ فقال : ليتخَلَّفْ منكم رجلان فتشاحّوا فقال عليه الصلاة والسلام : إن لمن قعد مثلَ أجرِ من خرج فقعد كالبُ ويوشَعُ وذهب من الباقين وأمرهم أن يصوموا ويتطهروا ويُطهِّروا ثيابهم فخرج بهم إلى طور سَيْنا فلما دنَوا من الجبل غشِيَه غمامٌ فدخل موسى بهم الغمامَ وخرّوا سُجّداً فسمِعوه تعالى يكلم موسى يأمرُه وينهاه حسبما يشاءُ وهو الأمرُ بقتل أنفسِهم توبةً { فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرجفة } مما اجترأوا عليه من طلب الرؤيةِ فإنه يروى أنه لما انكشف الغمامُ أقبلوا إلى موسى عليه السلام وقالوا : لن نؤمنَ لك حتى نرى الله جهرةً فأخذتهم الرجفةُ أي الصاعقةُ أو رجفةُ الجبل فصُعِقوا منها أي ماتوا ولعلهم أرادوا بقولهم : لن نؤمنَ لك ، لن نصدِّقك في أن الآمِرَ بما سمعنا الأمرَ بقتل أنفسِهم هو الله تعالى حتى نراه حيث قاسوا رؤيتَه تعالى على سماع كلامِه قياساً فاسداً فحين شاهد موسى تلك الحالةَ الهائلة .

(3/46)


{ قَالَ رَبّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مّن قَبْلُ } أي حين فرّطوا في النهي عن عبادة العجلِ وما فارقوا عبَدَتَه حين شاهدوا إصرارَهم عليها { وإياى } أيضاً حين طلبتُ منك الرؤيةَ أي لو شئتَ إهلاكَنا بذنوبنا لأهلكتَنا حينئذ ، أراد به عليه السلام تذكيرَ العفوِ السابقِ لاستجلاب العفوِ اللاحقِ فإن الاعترافَ بالذنب والشكرَ على النعمة مما يربِط العتيدَ ويستجلب المزيد ، يعني إنا كنا مستحقين للإهلاك ولم يكن من موانعه إلا عدمُ مشيئتِك إياه فحيث لطَفْتَ بنا وعفوتَ عنا تلك الجرائمَ فلا غروَ في أن تعفوَ عنا هذه الجريمةَ أيضاً ، وحملُ الكلام على التمني يأباه قوله تعالى : { أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السفهاء مِنَّا } أي الذين لا يعلمون تفاصيلَ شؤونِك ولا يتثبتون في المداحض ، والهمزةُ إما لإنكار وقوعِ الإهلاكِ ثقةً بلطف الله عز وجل كما قاله ابن الأنباري أو للاستعطاف كما قاله المبرد أي لا تهلكنا { إِنْ هِىَ إِلاَّ فِتْنَتُكَ } استئنافٌ مقررٌ لما قبله واعتذارٌ عما صنعوا ببيان منشأ غلطِهم أي ما الفتنةُ التي وقع فيها السفهاءُ وقالوا بسببها ما قالوا من العظيمة إلا فتنتُك أي محنتُك وابتلاؤك حيث أسمعتهم كلامَك فافتتنوا بذلك ولم يتثبتوا فطمِعوا فيما فوق ذلك تابعين للقياس الفاسد وقوله تعالى : { تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاء وَتَهْدِى مَن تَشَاء } إما استئنافٌ مبينٌ لحُكم الفتنةِ أو حالٌ من فتنتك أي حالَ كونِها مضِلاًّ بها الخ ، أي تُضل بسببها من تشاء إضلالَه فلا يهتدي إلى التثبت وتهدي من تشاء هِدايتَه إلى الحق فلا يتزلزل في أمثالها فيقوى بها إيمانُه { أَنتَ وَلِيُّنَا } أي القائمُ بأمورنا الدنيويةِ والأخرويةِ وناصرُنا وحافظُنا لا غيرُك { فاغفر لَنَا } ما قارفناه من المعاصي والفاءُ لترتيب الدعاءِ على ما قبله من الولاية كأنه قيل : فمن شأن الوليِّ المغفرةُ والرحمةُ ، وقيل : إن إقدامَه عليه الصلاة والسلام على أن يقول : إن هي إلا فتنتُك الخ ، جراءةٌ عظيمةٌ فطلب من الله تعالى غفرانها والتجاوزَ عنها { وارحمنا } بإفاضةِ آثارِ الرحمةِ الدنيويةِ والأخروية علينا { وَأَنتَ خَيْرُ الغافرين } اعتراضٌ تذييليٌّ مقررٌ لما قبله من الدعاء ، وتخصيصُ المغفرةِ بالذكر لأنها الأهمُّ بحسب المقام .

(3/47)


وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآَخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآَيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156)

{ واكتب لَنَا } أي عيِّنْ لنا وقيل : أوجِبْ وحقِّقْ وأثبتْ { فِى هذه الدنيا حَسَنَةٌ } أي نعمةً وعافيةً أو خَصلة حسنةً . قال ابن عباس رضي الله عنهما : اقبَلْ وِفادتَنا ورُدَّنا بالمغفرة والرحمة { وَفِي الاخرة } أي واكتبْ لنا فيها أيضاً حسنةً وهي المثوبةُ الحسنى والجنة { إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ } أي تُبْنا وأنبْنا إليك ، من هاد يهودُ إذا رجَع وقرىء بكسر الهاء من هاده يهيدُه إذا حرَّكه وأماله ويحتمل أن يكون مبنياً للفاعل أو للمفعول بمعنى أمَلْنا أنفسَنا أو أمِلْنا إليك ، وتجويزُ أن تكون القراءةُ المشهورة على بناء المفعول على لغة من يقول : عودَ المريضُ مع كونها لغةً ضعيفةً مما لا يليق بشأن التنزيل الجليل ، والجملةُ استئنافٌ مَسوقٌ لتعليل الدعاءِ فإن التوبةَ مما يوجب قَبولَه بموجَب الوعدِ المحتوم ، وتصديرُها بحرف التحقيقِ لإظهار كمالِ النشاطِ والرغبةِ في التوبة ، والمعنى إنا تُبنا ورجَعْنا عما صنعنا من المعصية العظيمةِ التي جئناك للاعتذار عنها وعما وقع هاهنا من طلب الرؤية ، فبعيدٌ من لطفك وفضلك أن لا تقبل توبة التائبين . قيل : لما أخذتْهم الرجفةُ ماتوا جميعاً فأخذ موسى عليه الصلاة والسلام يتضرع إلى الله تعالى حتى أحياهم ، وقيل : رجَفوا وكادت تَبينُ مفاصلُهم وأشرفوا على الهلاك فخاف موسى عليه الصلاة والسلام فبكى فكشفها الله تعالى عنهم .
{ قَالَ } استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال ينساق إليه الكلامُ كأنه قيل : فماذا قال الله تعالى عند دعاءِ موسى عليه السلام؟ فقيل : قال : { عَذَابِى أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاء } لعله عز وجل حين جعل توبةَ عبدةِ العجلِ بقتلهم أنفسَهم ضمّن موسى عليه السلام دعاءَه التخفيفَ والتيسير حيث قال : واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة أي خَصلةً حسنةً عاريةً عن المشقة والشدة فإن في قتل أنفسهم من العذاب والتشديد ما لا يخفى ، فأجاب تعالى بأن عذابي شأنُه أن أُصيبَ به من أشاء تعذيبَه من غير دخل لغيري فيه وهم ممن تناولَتْه مشيئتي ، ولذلك جُعلت توبتُهم مشوبةً بالعذاب الدنيوي { وَرَحْمَتِى وَسِعَتْ كُلَّ شَىْء } أي شأنُها أن تسَعَ في الدنيا المؤمنَ والكافرَ بل كلَّ ما يدخل تحت الشيئية من المكلفين وغيرِهم وقد نال قومَك نصيبٌ منها في ضمن العذاب الدنيوي ، وفي نسبة الإصابة إلى العذاب بصيغة المضارعِ ونسبةِ السعةِ إلى الرحمة بصيغة الماضي إيذانٌ بأن الرحمةَ مقتضى الذاتِ وأما العذابُ فبمقتضى معاصي العباد ، والمشيئةُ معتبرةٌ في جانب الرحمةِ أيضاً وعدمُ التصريحِ بها للإشعار بغاية الظهور ، ألا يُرى إلى قوله تعالى : { فَسَأَكْتُبُهَا } أي أُثبتها وأعيِّنُها فإنه متفرعٌ على اعتبار المشيئةِ كأنه قيل : فإذا كان الأمرُ كذلك أي كما ذكر من إصابة عذابي وسَعةِ رحمتي لكل من أشاء فسأكتبُها كَتْبةً كائنة كما دعوتَ بقولك : واكتب لنا في هذه الخ ، أي سأكتبها خالصةً غيرَ مشوبةٍ بالعذاب الدنيوي { لّلَّذِينَ يَتَّقُونَ } أي الكفر والمعاصي إما ابتداء أو بعد ملامستها وفيه تعريض بقومه كأنه قيل : لا لقومك لأنهم غير متقين فيكفيهم ما قدر لهم من الرحمة وإن كانت مقارنة للعذاب الدنيوي { وَيُؤْتُونَ الزكواة } وفيه أيضا تعريضٌ بهم حيث كانت الزكاةُ شاقةً عليهم ، ولعل الصلاةَ إنما لم تذكَرْ مع إنافتها على سائر العبادات اكتفاءً عنها بالاتقاء الذي هو عبارةٌ عن فعل الواجبات بأسرها وتركِ المنكرات عن آخرها ، وإيرادُ إيتاءِ الزكاة لما مر من التعريض { والذين هُم بئاياتنا } جميعاً { يُؤْمِنُونَ } إيماناً مستمراً من غير إخلالٍ بشيء منها ، وفيه تعريضٌ بهم وبكفرهم بالآيات العظامِ التي جاء بها موسى عليه الصلاة والسلام وبما سيجيء بعد ذلك من الآيات البيناتِ كتظليل الغمامِ وإنزالِ المنِّ والسلوى وغيرِ ذلك .

(3/48)


وتكريرُ الموصول مع أن المرادَ به عينُ ما أريد بالموصول الأولِ دون أن يقال : ويؤمنون بآياتنا عطفاً على يؤتون الزكاة كما عُطف هو على يتقون لما أشير إليه من القَصْر بتقديم الجار والمجرور أي هم بجميع آياتنا يؤمنون لا ببعضها دون بعض .

(3/49)


الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آَمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)

{ الذين يَتَّبِعُونَ الرسول } الذي نوحي إليه كتاباً مختصاً به { النبى } أي صاحبَ المعجزة ، وقيل : عنوانُ الرسالةِ بالنسبة إليه تعالى وعنوانُ النبوة بالنسبة إلى الأمة { الامى } بضم الهمزة نسبةً إلى الأم ، كأنه باقٍ على حالته التي وُلد عليها من أمّه ، أو إلى أمة العرب كما قال عليه الصلاة والسلام : « إنا أمةٌ لا نحسُب ولا نكتب » أو إلى أم القرى ، وقرىء بفتح الهمزة أي الذي لم يمارس القراءةَ والكتابة وقد جمع مع ذلك علومَ الأولين والآخِرين ، والموصولُ بدلٌ من الموصول الأولِ بدلَ الكلِّ أو منصوبٌ على المدح أو مرفوع عليه أي أعني الذين ، أو هم الذين ، وأما جعلُه مبتدأً على أن خبرَه يأمرُهم أو أولئك هم المفلحون فغيرُ سديد { الذى يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا } باسمه ونعوتِه بحيث لا يشكّون أنه هو لذلك عدل عن أن يقال : يجدون اسمَه أو وصفه مكتوباً { عِندَهُمُ } زيد هذا لزيادة التقريرِ وأن شأنه عليه الصلاة والسلام حاضرٌ عندهم لا يَغيب عنهم أصلاً { فِي التوراة والإنجيل } اللذيْن تُعِبِّد بهما بنو إسرائيلَ سابقاً ولاحقاً والظرفان متعلقان بيجدونه أو بمكتوباً وذكرُ الإنجيلِ قبل نزولِه من قبيل ما نحن فيه من ذكر النبي عليه الصلاة والسلام والقرآنِ الكريم قبل مجيئِهما { يَأْمُرُهُم بالمعروف وينهاهم عَنِ المنكر } كلامٌ مستأنفٌ لا محل له من الإعراب قاله الزجاج متضمنٌ لتفصيل بعض أحكامِ الرحمةِ التي وعد فيما سبق بكتبها إجمالاً ، فإن ما بُيّن فيه من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحلالِ الطيبات وتحريمِ الخبائث وإسقاطِ التكاليف الشاقةِ كلُّها من آثار رحمتِه الواسعة ، وقي : في محل النصبِ على أنه حال مقدرةٌ من مفعول يجدونه أو من النبي أو من المستكن في مكتوباً ، أو مفسِّرٌ لمكتوباً أي لما كُتب { وَيُحِلُّ لَهُمُ الطيبات } التي حُرِّمت عليهم بشؤم ظلمِهم { وَيُحَرّمُ عَلَيْهِمُ الخبئث } كالدم ولحمِ الخِنزيرِ والربا والرشوة { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ والاغلال التى كَانَتْ عَلَيْهِمْ } أي يخفف عنهم ما كُلّفوه من التكاليف الشاقةِ التي هي من قَبيل ما كتب عليهم حينئذ من كون التوبةِ بقتل النفسِ وتعيين القصاصِ في العمد والخطأ من غير شرعِ الدية ، وقطع الأعضاءِ الخاطئةِ وقرضِ موضعِ النجاسة من الجلد والثوب وإحراقِ الغنائم وتحريمِ السبت . وعن عطاء أنه كانت بنو إسرائيلَ إذا قاموا يصلون لبِسوا المُسوحَ وغلّوا أيديَهم إلى أعناقهم ، وربما ثقَبَ الرجلُ تَرْقُوتَه وجعل فيها طرف السلسلةِ وأثقلها إلى السارية يحبِس نفسه على العبادة ، وقرىء آصارَهم ، أصلُ الإصرِ الثقلُ الذين يأسِرُ صاحبه من الحَراك .
{ فالذين ءامَنُواْ بِهِ } تعليمٌ لكيفية اتّباعِه عليه الصلاة والسلام وبيانٌ لعلو رتبةِ متّبعيه واغتنامِهم مغانمَ الرحمةِ الواسعةِ في الدارين إثرَ بيانِ نعوتِه الجليلة والإشارةِ إلى إرشاده عليه الصلاة والسلام إياهم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإحلالِ الطيبات وتحريمِ الخبائث ، أي فالذين آمنوا بنبوته وأطاعوه في أوامره ونواهيه { وَعَزَّرُوهُ } أي عظّموه ووقّروه وأعانوه بمنع أعدائه عنه وقرىء بالتخفيف وأصلُه المنعُ ومنه التعزير { وَنَصَرُوهُ } على أعدائه في الدين { واتبعوا النور الذى أُنزِلَ مَعَهُ } أي مع نبوته وهو القرآنُ ، عبّر عنه بالنور المنبىءِ عن كونه ظاهراً بنفسه ومُظهِراً لغيره أو مظهِراً للحقائق كاشفاً عنها لمناسبة الاتّباعِ ، ويجوزُ أن يكون معه متعلقاً باتّبعوا أي واتّبعوا القرآنَ المنزلَ مع اتباعه عليه الصلاة والسلام بالعمل بسنته وبما أمَر به ونهى عنه أو اتبعوا القرآنَ مصاحبين له في اتباعه { أولئك } إشارةٌ إلى المذكورين من حيث اتصافُهم بما فُصّل من الصفات الفاضلةِ للإشعار بعلّيتها للحُكم ، وما فيه من معنى البُعدِ للإيذان بعلو درجتِهم وسُموِّ طبقتِهم في الفضل والشرفِ أو أولئك المنعوتون بتلك النعوتِ الجليلة { هُمُ المفلحون } أي هم الفائزون بالمطلوب الناجون عن الكروب لا غيرُهم من الأمم فيدخُل فيهم قومُ موسى عليه الصلاة والسلام دخولاً أولياً حيث لم ينجُوا عما في توبتهم من المشقة الهائلةِ وبه يتحقق التحقيقُ ويتأتّى التوفيقُ والتطبيقُ بين دعائِه عليه الصلاة والسلام وبين الجوابِ لا بمجرد ما قيل من أنه لما دعا لنفسه ولبني إسرائيلَ أجيب بما هو منطوٍ على توبيخ بني إسرائيلَ على استجازتهم الرؤيةَ على الله عز وجل وعلى كفرهم بآياته العظامِ التي أجراها على يد موسى عليه الصلاة والسلام وعرّض بذلك في قوله تعالى :

(3/50)


{ والذين هُم بئاياتنا يُؤْمِنُونَ } وأريد أن يكون استماعُ أوصافِ أعقابِهم الذين آمنوا برسول الله صلى الله عليه وسلم وبما جاء به كعبد اللَّه بن سلام وغيرِه من أهل الكتابين لطفاً بهم وترغيباً في إخلاص الإيمانِ والعمل الصالح .

(3/51)


قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآَمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158)

{ قُلْ ياأيها الناس إِنّى رَسُولُ الله إِلَيْكُمْ } لما حُكي ما في الكتابين من نعوت رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وشرف مَنْ يتّبعه من أهلهما ونيلِهم لسعادة الدارين أُمر عليه الصلاة والسلام ببيان أن تلكَ السعادةَ غيرُ مختصةٍ بهم بل شاملةٌ لكل من يتبعه كائناً مَنْ كان ببيان عمومِ رسالتِه للثقلين مع اختصاص رسالةِ سائرِ الرسلِ عليهم السلام بأقوامهم وإرسالِ موسى عليه السلام إلى فرعونَ وملئِه بالآيات التسعِ إنما كان لأمرهم بعبادة ربِّ العالمين عز سلطانُه وتركِ العظيمةِ التي كان يدّعيها الطاغيةُ ويقبلها منه فئتُه الباغيةُ وبإرسال بني إسرائيلَ من الأسر والقسرِ ، وأما العملُ بأحكام التوراةِ فمختصٌّ ببني إسرائيل { جَمِيعاً } حالٌ من الضمير في إليكم { الذى لَهُ مُلْكُ السموات والارض } منصوبٌ أو مرفوعٌ على المدح أو مجرورٌ على أنه صفةٌ للجلالة وإن حيل بينهما بما هو متعلقٌ بما أضيف إليه فإنه في حكم المتقدّمِ عليه وقوله تعالى : { لاَ إله إِلاَّ هُوَ } بيانٌ لما قبله فإن مَنْ ملَك العالمَ كان هو الإله لا غيرُه وقوله تعالى : { يُحْيِي وَيُمِيتُ } لزيادة ألوهيتِه والفاءُ في قوله تعالى : { فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ } لتفريع الأمرِ على ما تمهّد وتقرّر من رسالته عليه الصلاة والسلام ، وإيرادُ نفسِه عليه الصلاة والسلام بعنوان الرسالةِ على طريقة الالتفاتِ إلى الغَيْبة للمبالغة في إيجاب الامتثالِ بأمره ، وصفُ الرسول بقوله : { النبى الامى } لمدحه عليه الصلاة والسلام بهما ولزيادة تقريرِ أمرِه وتحقيقِ أنه المكتوبُ في الكتابين ، ووصفُه بقوله تعالى : { الذى يُؤْمِنُ بالله وكلماته } أي ما أنزل إليه وإلى سائر الرسلِ عليهم السلام من كُتُبه ووحيِه لحمل أهلِ الكتابين على الامتثال بما أُمروا به ، والتصريحُ بإيمانه بالله تعالى للتنبيه على أن الإيمانَ به تعالى لا ينفك عن الإيمان بكلماته ولا يتحقق إلا به ، وقرىء وكلمتِه على إرادة الجنسِ أو القرآنِ تنبيهاً على أن المأمورَ به هو الإيمانُ به عليه الصلاة والسلام من حيث أنزل عليه القرآنُ لا من حيثيةٍ أخرى ، أو على أن المرادَ بها عيسى عليه الصلاة والسلام تعريضاً باليهود وتنبيهاً على أن من لم يؤمن به لم يُعتدَّ بإيمانه { واتبعوه } أي في كل ما يأتي وما يذر من أمور الدين { لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ } علةٌ للفعلين أو حالٌ من فاعليها أي رجاءً لاهتدائكم إلى المطلوب أو راجين له ، وفي تعليقه بهما إيذانٌ بأن من صدّقه ولم يتبعْه بالتزام أحكام شريعتِه فهو بمعزل من الاهتداء مستمرٌّ على الغي والضلالة .

(3/52)


وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)

{ وَمِن قَوْمِ مُوسَى } كلامٌ مبتدأٌ مسوقٌ لدفع ما عسى يُوهِمه تخصيصُ كَتْبِ الرحمة والتقوى والإيمان بالآيات بمتّبعي رسولِ الله صلى الله عليه وسلم من حِرمانِ أسلافِ قومِ موسى عليه السلام من كل خير وبيانِ أن كلَّهم ليسوا كما حُكيت أحوالُهم بل منهم { أُمَّةٌ يَهْدُونَ } أي الناسَ { بالحق } أي ملتبسين به أو يهدونهم بكلمة الحق { وَبِهِ } أي بالحق { يَعْدِلُونَ } أي في الأحكام الجاريةِ فيما بينهم ، وصيغةُ المضارعِ في الفعلين لحكاية الحالِ الماضيةِ ، وقيل : هم الذين آمنوا بالنبي صلى الله عليه وسلم ويأباه أنه قد مر ذكرُهم فيما سلف ، وقيل : إن بني إسرائيلَ لما بالغوا في العتُوّ والطغيان حتى اجترأوا على قتل الأنبياءِ عليهم السلام تبرّأ سِبطٌ منهم مما صنعوا واعتذروا وسألوا الله تعالى أن يفرِّق بينهم وبين أولئك الطاغين ففتح الله تعالى لهم نفقاً في الأرض فساروا فيه سنةً ونصفاً حتى خرجوا من وراء الصين ، وهم اليوم هنالك حنفاءُ مسلمون يستقبلون قِبلتَنا وقد ذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريلَ عليه السلام ذهب به ليلة الإسراءِ نحوَهم فكلمهم فقال جبريلُ عليه السلام : هل تعرِفونَ من تكلمون؟ قالوا : لا ، قال : هذا محمد النبي الأمي ، فآمنوا به وقالوا : يا رسول الله إن موسى أوصانا مَنْ أدرك منكم أحمدَ فليقرأ مني عليه السلام فرد محمدٌ على موسى عليهما السلامَ ثم أقرأهم عشرَ سورٍ من القرآن نزلت بمكةَ ولم تكن نزلت يومئذ فريضةٌ غيرَ الصلاة والزكاة وأمرهم أن يُقيموا مكانهم وكانوا يسْبِتون فأمرهم أن يجمعوا ويتركوا السبْتَ هذا ، وأنت خبيرٌ بأن تخصيصَهم بالهداية من بين قومِه عليه السلام مع أن منهم مَنْ آمن بجميع الشرائعِ لا يخلو عن بعد .

(3/53)


وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160)

{ وقطعناهم } أي قومَ موسى لا الأمةَ المذكورةَ منهم ، وقرىء بالتخفيف وقوله تعالى : { اثنتى عَشْرَةَ } ثاني مفعولي قطع لتضمّنه معنى التصيير ، والتأنيثُ للحمل على الأمة أو القِطعة ، أي صيرناهم اثنتي عشْرةَ أمةً أو قطعةً متميزاً بعضُها من بعض ، أو حالٌ من مفعوله أي فرقناهم معدودين هذا العددَ ، وقوله تعالى : { أَسْبَاطًا } بدلٌ منه ولذلك جُمع ، أو مميزٌ له على أن كل واحدة من اثنتي عشرةَ قطعةً أسباطٌ لا سبطٌ وقرىء عشِرة بكسر الشين وقوله تعالى : { أُمَمًا } على الأول بدلٌ بعد بدل أو نعتٌ لأسباطاً وعلى الثاني بدل من أسباطاً { وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى إِذِ استسقاه قَوْمُهُ } حين استولى عليهم العطشُ في التيه الذي وقعوا فيه بسوء صنيعِهم لا بمجرد استسقائِهم إياه عليه الصلاة والسلام بل باستسقائه لهم لقوله تعالى : { وَإِذِ استسقى موسى لِقَوْمِهِ } وقولُه تعالى : { أَنِ اضرب بّعَصَاكَ الحجر } مفسرٌ لفعل الإيحاءِ وقد مر بيانُ شأنِ الحَجَر في تفسير سورة البقرة { فانبجست } عطفٌ على مقدر ينسحب عليه الكلامُ قد حذف تعويلاً على كمال الظهورِ وإيذاناً بغاية مسارعتِه عليه السلام إلى الامتثال وإشعاراً بعدم تأثير الضربِ حقيقةً وتنبيهاً على كمال سرعةِ الانبجاسِ وهو الانفجارُ كأنه حصل إثرَ الأمر قبل تحقق الضربِ كما في قوله تعالى : { اضرب بّعَصَاكَ البحر فانفلق } أي فضرب فانبجست { مِنْهُ اثنتا عَشْرَةَ عَيْنًا } بعدد الأسباطِ وأما ما قيل من أن التقديرَ فإن ضربت فقد انبجست فغيرُ حقيقٍ بجزالة النظمِ التنزيلي ، وقرىء عشَرة بكسر الشين وفتحها { قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ } كلُّ سبطٍ ، عبّر عنهم بذلك إيذاناً بكثرة كل واحدٍ من الأسباط { مَّشْرَبَهُمْ } أي عينَهم الخاصةَ بهم { وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الغمام } أي جعلناها بحيث تُلقي عليهم ظلَّها تسير في التيه بسيرهم وتسكُن بإقامتهم وكان ينزل بالليل عمودٌ من نار يسيرون بضوئه .
{ وَأَنزَلْنَا عَلَيْهِمُ المن والسلوى } أي الترنجين والسمانى . قيل : كان ينزل عليهم المنُّ مثلَ الثلج من الفجر إلى الطلوع لكل إنسانٍ صاعٌ وتبعث الجَنوبُ عليهم السُّمانى فيذبح الرجل منهم ما يكفيه { كُلُواْ } أي وقلنا لهم : كلوا { مِن طَيّبَاتِ مَا رزقناكم } أي مستلذاته ، وما موصولةً كانت أو موصوفةً عبارةٌ عن المن والسلوى { وَمَا ظَلَمُونَا } رجوعٌ إلى سنن الكلامِ الأولِ بعد حكايةِ خطابِهم ، وهو معطوفٌ على جملة محذوفةٍ للإيجاز والإشعارِ بأنه أمرٌ محققٌ غنيٌّ عن التصريح به أي فظلموا بأن كفروا بتلك النعم الجليلةِ وما ظلمونا بذلك { ولكن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ } إذ لا يتخطاهم ضررُه ، وتقديمُ المفعولِ لإفادة القصْرِ الذي يقتضيه النفيُ السابقُ وفيه ضربٌ من التهكم بهم ، والجمعُ بين صيغتي الماضي والمستقبلِ للدِلالة على تماديهم فيما هم فيه من الظلم والكفر .

(3/54)


وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162)

{ وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ } منصوب بمضمر خوطب به النبيُّ عليه الصلاة والسلام وإيرادُ الفعلِ على البناء للمفعول مع استناده إليه تعالى كما يفصِحُ عنه ما وقع في سورة البقرة من قوله تعالى : { وَإِذْ قُلْنَا } للجري على سنن الكبرياء والإيذان بالغِنى عن التصريح به لتعين الفاعلِ ، وتغييرُ النظمِ بالأمر بالذكر للتشديد في التوبيخ أي اذكر لهم وقت قولِه تعالى لأسلافهم : { اسكنوا هذه القرية } منصوب على المفعولية ، يقال : سكنت الدارَ وقيل : على الظرفية اتساعاً ، وهي بيتُ المقدس وقيل : أريحا وهي قريةُ الجبارين وكان فيها قومٌ من بقية عادٍ يقال لهم : العمالقةُ ( على ) رأسهم عوجُ بنُ عنقٍ وفي قوله تعالى : { اسكنوا } إيذانٌ بأن المأمورَ به في سورة البقرة هو الدخولُ على وجه السُّكنى والإقامة ، ولذلك اكتُفي به عن ذكر رغداً في قوله تعالى : { وَكُلُواْ مِنْهَا } أي من مطاعمها وثمارِها على أن من بعيضيةٌ أو منها على أنها ابتدائية { حَيْثُ شِئْتُمْ } أي من نواحيها من غير أن يزاحمَكم فيها أحدٌ فإن الأكلَ المستمرَّ على هذا الوجه لا يكون إلا رغداً واسعاً ، وعطفُ كلوا على اسكُنوا بالواو لمقارنتها زماناً بخلاف الدخولِ فأنه مقدمٌ على الأكل ولذلك قيل هناك : فكلوا { وَقُولُواْ حِطَّةٌ } أي مسألتُنا أو أمرُك حِطةٌ لذنوبنا وهي فِعلة من الحَطّ كالجِلسة { وادخلوا الباب } أي بابَ القرية { سُجَّدًا } أي متطامنين مُخبتين أو ساجدين شكراً على إخراجهم من التيه ، وتقديمُ الأمر بالدخول على الأمر بالقول المذكور في سورة البقرة غيرُ مُخلَ بهذا الترتيب لأن المأمورَبه هو الجمعُ بين الفعلين من غير اعتبارِ الترتيبِ بينهما ثم إن كان المرادُ بالقرية أريحاءَ فقد روي أنهم دخلوها حيث سار إليها موسى عليه السلام بمن بقي من بني إسرائيلَ أو بذراريهم على اختلاف الروايتين ففتحها كما مر في سورة المائدة ، وأما إن كان بيتَ المقدس فقد رُوي أنهم لم يدخُلوه في حياة موسى عليه السلام فقيل : المرادُ بالباب بابُ القُبة التي كانوا يصلّون إليها { نَّغْفِرْ لَكُمْ خطيئاتكم } وقرىء خطاياكم كما في سورة البقرة ، وتُغفَرْ لكم خطيئاتُكم وخطاياكم وخطيئتُكم على البناء للمفعول { سَنَزِيدُ المحسنين } عِدةٌ بشيئين بالمغفرة وبالزيادة ، وطرحُ الواوا هاهنا لا يُخِل بذلم لأنه استئنافٌ مترتبٌ على تقدير سؤال نشأ من الإخبار بالغفران كأنه قيل : فماذا لهم بعد الغفرانِ؟ فقيل : سنزيد وكذلك زيادةٌ منهم زيادةَ بيان .
{ فَبَدَّلَ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ } بما أمروا به من التوبة والاستغفارِ حيث أعرضوا عنه ووضعوا موضعَه { قَوْلاً } آخرَ مما لا خيرَ فيه . روي أنهم دخلوه زاحفين على أستاههم وقالوا مكانَ حطةٌ : حنطةٌ وقيل : قالوا بالنبطية حطاً شمقاثاً يعنون حنطةً حمراءَ استخفافاً بأمر الله تعالى واستهزاءً بموسى عليه الصلاة والسلام ، وقوله تعالى : { غَيْرَ الذى قِيلَ لَهُمْ } نعتٌ لقولاً ، صرّح بالمغايرة مع دِلالة التبديلِ عليها قطعاً تحقيقاً للمخالفة وتنصيصاً على المغايرة من كل وجه { فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ } إثرَ ما فعلوا ما فعلوا من غير تأخير ، وفي سورة البقرة

(3/55)