صدر هذا الكتاب آليا بواسطة الموسوعة الشاملة
(اضغط هنا للانتقال إلى صفحة الموسوعة الشاملة على الإنترنت)
الكتاب : إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم |
قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15)
{ قَالَ } استئنافٌ كما سلف ، والفاء في قوله تعالى : { فاهبط مِنْهَا } لترتيب الأمرِ على ما ظهر من اللعين من مخالفة الأمرِ وتعليلِه بالأباطيل وإصرارِه على ذلك ، أي فاهبِطْ من الجنة ، والإضمار قبل ذكرِها لشهرة كونِه من سكانها قال ابن عباس رضي الله عنهما : كانوا في عدْنٍ لا في جنة الخلد ، وقيل : من زمرة الملائكةِ المعزّزين فإن الخروجَ من زمرتهم هبوطٌ وأيُّ هبوط ، وفي سورة الحجر : { فاخرج مِنْهَا } وأما ما قيل من أن المرادَ الهبوطُ من السماء فيردّه أن وسوستَه لآدمَ عليه السلام كانت بعد هذا الطردِ فلا بد أن يُحمل على أحد الوجهين قطعاً ، وتكونُ وسوستُه على الوجه الأول بطريق النداءِ من باب الجنة كما رُوي عن الحسن البصري ، وقوله تعالى : { فَمَا يَكُونُ لَكَ } أي فمما يصح ولا يستقيم لك ولا يليقُ بشأنك { أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا } أي في الجنة أو في زمرة الملائكة . تعليلٌ للأمر بالهبوط فإن عدمَ صحةِ أن يتكبر فيها علةٌ للأمر المذكور ، فإنها مكانُ المطيعين الخاشعين ولا دِلالة فيه على جواز التكبُّر في غيرها ، وفيه تنبيه على أن التكبرَ لا يليق بأهل الجنةِ وأنه تعالى إنما طرده لتكبُّره لا لمجرد عصيانِه وقوله تعالى : { فاخرج } تأكيدٌ للأمر بالهبوط متفرِّغٌ على علته وقوله تعالى : { إِنَّكَ مِنَ الصاغرين } تعليلٌ للأمر بالخروج مُشعرٌ بأنه لتكبره ، أي من الأذلاء وأهلِ الهوانِ على الله تعالى وعلى أوليائه لتكبُّرك . وعن عمر رضي الله عنه ( من تواضَع لله رفع الله حكمتَه وقال : انتعش أنعشك الله ، ومن تكبر وعَدا طَوْرَه وهَصَه الله إلى الأرض ) . (2/473)
{ قَالَ } استئنافٌ كما مر مبنيٌّ على سؤال نشأ مما قبله ، كأنه قيل : فماذا قال اللعينُ بعد ما سمع هذا الطردَ المؤكد؟ فقيل : قال : { أَنظِرْنِى } أي أمهلني ولا تُمِتْني { إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } أي آدمُ وذرّيتُه للجزاء بعد فنائِهم ، وهو وقتُ النفخةِ الثانية ، وأراد اللعينُ بذلك أن يجد فُسحةً لإغوائهم ويأخُذَ منهم ثأرَه وينجُوَ من الموت لاستحالته بعد البعث { قَالَ } استئنافٌ كما سلف { إِنَّكَ مِنَ المنظرين } ورودُ الجوابِ بالجملة الاسميةِ مع التعرض لشمول ما سأله لآخرين على وجه يُشعر بأن السائلَ تبَعٌ لهم في ذلك صريحٌ في أنه إخبارٌ بالإنظار المقدرِ لهم أزلاً لا إنشاءٌ لإنظار خاصَ به إجابةً لدعائه وأن استنظارَه كان طلباً لتأخير الموتِ إذ به يتحقق كونُه من جملتهم لا لتأخير العقوبةِ كما قيل أي إنك من جملة الذين أخّرتُ آجالَهم أزلاً حسبما تقتضيه الحِكمةُ التكوينيةُ إلى وقت فناءٍ غيرَ ما استثناه الله تعالى من الخلائق وهو النفخةُ الأولى لا إلى وقت البعثِ الذي هو المسؤول ، وقد تُرك التوقيتُ للإيجاز ثقةً بما وقع في سورة الحجر وسورة ص كما ترك ذكرُ النداء والفاءُ في الاستنظار والإنظار تعويلاً على ما ذُكر فيهما بقوله عز وجل :
{ رَبّ فَأَنظِرْنِى إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ المنظرين * إلى يَوْمِ الوقت المعلوم } وفي إنظاره ابتلاءٌ للعباد وتعريضٌ للثواب . (2/474)
إن قلتَ لا ريبَ في أن الكلامَ المحكيَّ له عند صدورِه عن المتكلم حالةٌ مخصوصةٌ تقتضي ورودَه على وجه خاصَ من وجوه النظمِ بحيث لو أخل بشيء من ذلك سقط الكلامُ عن رتبة البلاغةِ البتة ، فالكلامُ الواحدُ المحكيُّ على وجوه شتى إن اقتضى الحالُ ورودَه على وجه معينٍ من تلك الوجوهِ الواردةِ عند الحكاية فذلك الوجهُ هو المطابقُ لمقتضى الحالِ والبالغُ إلى رتبة البلاغةِ دون ما عداه من الوجوه ، إذا تمهّد هذا فنقولُ : لا يخفى أن استنظارَ اللعينِ إنما صدر عنه مرةً واحدةً لا غيرُ ، فمقامُه إن اقتضى إظهارَ الضراعةِ وترتيبَ الاستنظار على ما حاق به من اللعن والطردِ على نهج استدعاءِ الجبْرِ في مقابلة الكسر كما هو المتبادرُ من قوله : رب فأنظرني حسبما حُكي عنه في السورتين ، فما حكي هاهنا يكون بمعزل من المطابقة لمقتضى الحال فضلاً عن العروج إلى معارج الإعجازِ ، قلنا : مقامُ استنظاره مُقتضٍ لما ذُكر من إظهار الضراعةِ وترتيب الاستنظارِ على الحِرمان المدلولِ عليه بالطرد والرجم ، وكذا مقامُ الإنظارِ مقتضٍ لترتيب الإخبارِ بالإنظار على الاستنظار وقد طُبّق الكلامُ عليه في تينك السورتين ووُفّي كلُّ واحد من مقامَي الحكايةِ والمحكيِّ جميعاً حظَّه . وأما هاهنا فحيث اقتضى مقامُ الحكايةِ مجردَ الإخبار بالاستنظار والإنظارِ سيقت الحكايةُ على نهج الإيجاز والاختصارِ من غير تعرّضٍ لبيان كيفيةِ كل واحدٍ منهما عند المخاطبة والحِوار ، إن قلت : فإذن لا يكونُ ذلك نقلاً للكلام على ما هو عليه ولا مطابقاً لمقتضى المقامِ قلنا : الذي يجب اعتبارُه في نقل الكلامِ إنما هو أصلُ معناه ونفسُ مدلولِه الذي يفيده ، وأما كيفيةُ إفادتِه له فليس مما يجب مراعاتُه عند النقل البتة ، بل قد تراعى وقد لا تراعى حسب اقتضاءِ المقامِ ، ولا يقدح في أصل الكلامِ تجريدُه عنها بل قد يراعى عند نقلِه كيفياتٍ وخصوصياتٍ لم يُراعِها المتكلمُ أصلاً ولا يُخلُّ ذلك بكون المنقولِ أصلَ المعنى ، ألا يُرى أن جميعَ المقالات المنقولةِ في القرآن الكريمِ إنما تحكى بكيفيات واعتباراتٍ لا يُكاد يَقدِر على مراعاتها مَنْ تكلم بها حتماً ، وإلا لأمكن صدورُ الكلام المعجِزِ عن البشر فيما إذا كان المحكيُّ كلاماً ، وأما عدمُ مطابقتِه لمقتضى الحالِ فمنشؤه الغفلةُ عما يجب توفيرُ مقتضاه من الأحوال ، فإن مَلاكَ الأمرِ هو مقامُ الحكايةِ ، وأما مقام وقوعِ المحكيِّ فإن كان مقتضاه موافقاً لمقتضى مقامِ الحكايةِ يُوفَّى كلُّ واحدٍ من المقامين حقَّه كما في سورة الحجر وسورة ص ، فإن مقامَ الحكايةِ فيهما لمّا كان مقتضياً لبسط الكلامِ وتفصيلِه على الكيفيات التي وقع عليها رُوعيَ حقُّ المقامين معاً ، وأما في هذه السورةِ الكريمةِ فحيث اقتضى مقامُ الحكايةِ الإيجازَ رُوعيَ جانبُه .
ألا يُرى أن المخاطبَ المنكِرَ إذا كان ممن لا يفهم إلا أصلَ المعنى وجب على المتكلم أن يجرِّد كلامَه عن التأكيد وسائرِ الخواصِّ والمزايا التي يقتضيها المقامُ ويخاطِبَه بما يناسبه من الوجوه لكنه مع ذلك يجب أن يقصِدَ معنى زائداً يفهمه سامعٌ آخرُ بليغٌ هو تجريدُه عن الخواصِّ رعايةً لمقتضى حالِ المخاطَبِ في الفهم ، وبذلك يرتقي كلامُه عن رتبة أصواتِ الحيواناتِ كما حُقِّق في مقامه فإذا وجب مراعاةُ مقامِ الحكايةِ مع إفضائها إلى تجريد الكلامِ عن الخواص والمزايا بالمرة فما ظنُّك بوجوب مراعاتِه مع تحلية الكلام بمزايا أُخَرَ يرتقي بها إلى رتبة الإعجازِ لا سيما إذا وُفّيَ حقَّ مقامِ وقوعِ المحكيِّ في السورتين الكريمتين وكان هذا الإيجازُ مبنياً عليه وثقة به؟ (2/475)
قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16)
{ قَالَ } استئنافٌ كأمثاله { فَبِمَا أَغْوَيْتَنِى } الباءُ للقسم كما في قوله تعالى : { فَبِعِزَّتِكَ لاَغْوِيَنَّهُمْ } فإن إغواءَه تعالى إياه أثرٌ من آثار قُدرتِه عز وجل وحُكمٌ من أحكام سلطانِه تعالى ، فمآلُ الإقسامِ بهما واحدٌ ، فلعل اللعينَ أقسم بهما جميعاً فحكى تارةً قسَمَه بأحدهما وأخرى بالآخر ، والفاءُ لترتيب مضمونِ الجملةِ على الإنظار ، وما مصدريةٌ أي فأقسم بإغوائك إياي { لاقْعُدَنَّ لَهُمْ } أو للسببية على أن الباءَ متعلقةٌ بفعل القسمِ المحذوفِ لا بقوله : { لاقْعُدَنَّ لَهُمْ } كما في الوجه الأول ، فإن اللام تصُدّ عن ذلك أي فبسبب إغوائِك إياي لأجلهم أُقسم بعزتك لأقعُدّن لآدمَ وذرِّيتِه ترصّداً بهم كما يقعُد القُطّاع للقطع على السابلة { صراطك المستقيم } الموصِلَ إلى الجنة وهو دينُ الإسلام ، فالقعودُ مجازٌ متفرِّعٌ على الكناية ، وانتصابُه على الظرفية كما في قوله : (2/476)
كما عَسَلَ الطريقَ الثعلبُ ... وقيل : على نزع الجارِّ تقديرُه على صراطك كقولك : ضرب زيد الظهرَ والبطنَ .
ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) وَيَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19)
{ ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ } أي من الجهات الأربعِ التي يُعتاد هجومُ العدوِّ منها مثلُ قصدِه إياهم للتسويل والإضلال من أي وجهٍ يتيسر بإتيان العدوِّ من الجهات الأربعِ ولذلك لم يُذكر الفوقُ والتحتُ . وعن ابن عباس رضي الله عنهما ( مِنْ بَيْنِ أيدِيهِمْ ) من قِبَل الآخرةِ . و ( من خلفهم ) من جهة الدنيا ، و ( عن أيمانِهِم وعن شمائلهم ) من جهة حسناتِهم وسيئاتِهم . وقيل : من بين أيديهم من حيث يعلمون ويقدِرون على التحرز منه ، ومن خلفهم من حيث لا يعلمون ولا يقدرون ، وعن أيمانهم وعن شمائلهم من حيث يتيسر لهم أن يعلموا ويتحرزواولكن لم يفعلوا لعدم تيّقظهم واحتياطِهم ومن حيث لا يتيسر لهم ذلك ، وإنما عُدِّي الفعلُ إلى الأوَّلَيْن بحرف الابتداء لأنه منهما متوجهٌ إليهم وإلى الآخَرَين بحرف المجاوزة فإن الآتيَ منهما كالمنحرف المتجافي عنهم المارِّ على عَرضهم ، ونظيرُه جلست عن يمينه { وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين } أي مطيعين وإنما قاله ظناً لقوله تعالى : { وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ } لما رأى منهم مبدأ الشرِّ متعدداً ومبدأَ الخيرِ واحداً ، وقيل : سمعه من الملائكة عليهم السلام . (2/477)
{ قَالَ } استئناف كما سلف مراراً { أَخْرَجَ مِنْهَا } أي من الجنة أو من السماء أو من بينِ الملائكة { مَذْءومًا } أي مذموماً من ذَأَمه إذا ذمّه ، وقرىء مَذوماً كَمَسول في مسؤل ، أو كَمَكول في مكيل ، من ذامه يذيمه ذيماً { مَّدْحُورًا } مطروداً { لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ } اللامُ موطئةٌ للقسم وجوابه { لامْلانَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ } وهو سادٌّ مسدَّ جوابِ الشرط ، وقرىء لِمَنْ تبعك بكسر اللام على أنه خبرُ ( لأملأن ) على معنى لِمَنْ تبعك هذا الوعيدُ ، أو علةٌ لاخرُجْ و ( لأملأن ) جوابٌ محذوفٌ ومعنى ( منكم ) منك ومنهم على تغليب المخاطب { وَ يَا ءادَمَ } أي وقلنا كما وقع في سورة البقرة ، وتصديرُ الكلامِ بالنداء للتنبيه على الاهتمام بتلقّي المأمورِ به ، وتخصيصُ الخطابِ به عليه السلام للإيذان بأصالته في تلقي الوحي وتعاطي المأمور به { اسكن أَنتَ وَزَوْجُكَ الجنة } هو من السكَن الذي هو عبارةٌ عن اللَّبْثِ والاستقرارِ والإقامةِ لا من السكون الذي هو ضدُّ الحركة ، وأنت ضميرٌ أُكّد به المستكنُّ ليصحَّ العطفُ عليه ، والفاءُ في قوله تعالى : { فَكُلاَ مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا } لبيان المرادِ مما في سورة البقرة من قوله تعالى : { وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا } من أن ذلك كان جمعاً مع الترتيب ، وقوله تعالى : { مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا } في معنى منها حيث شئتما ، ولم يُذكر هاهنا ( رَغَداً ) ثقةً بما ذكر هناك ، وتوجيهُ الخطابِ إليهما لتعميم التشريفِ والإيذانِ بتساويهما في مباشرة المأمورِ به فإن حوّاءَ أُسوةٌ له عليه السلام في حق الأكلِ بخلاف السكنِ فإنها تابعةٌ له فيه ولتعليق النهي بها صريحاً في قوله تعالى : { وَلاَ تَقْرَبَا هذه الشجرة } وقرىء هذي وهو الأصلُ لتصغيره على ذَيّا والهاءُ بدلٌ من الياء { فَتَكُونَا مِنَ الظالمين } إما جزمٌ على العطف أو نصبٌ على الجواب .
فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآَتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22)
{ فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشيطان } أي فعل الوسوسةَ لأجلهما أو تكلم لهما كلاماً خفياً متدارَكاً متكرّراً ، وهي في الأصل الصوتُ الخفي كالهيمنة والخشخشة ومنه وسوَسَ الحَلْيُ وقد سبق بيانُ كيفيةِ وسوستِه في سورة البقرة { لِيُبْدِيَ لَهُمَا } أي ليُظهر لهما واللامُ للعاقبة أو للغرض على أنه أراد بوسوسته أن يسوءَهما بانكشاف عورتيهما ، ولذلك عبّر عنهما بالسوأة وفيه دليلٌ على أن كشف العورةِ في الخلوة وعند الزوجِ من غير حاجة قبيحٌ مستهجَنٌ في الطباع { مَا وُريَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا } ما غُطي وسُتر عنهما من عوراتهما وكانا لا يَرَيانها من أنفسهما ولا أحدُهما من الآخر ، وإنما لم تُقلب الواوُ المضمومةُ همزةً في المشورة كما قلبت في أويصِل : تصغير واصل لأن الثانيةَ مدةٌ ، وقرىء سَوَاتِهما بحذف الهمزة وإلقاءِ حركتها على الواو ، وبقلبها واواً وإدغام الواو الساكنة فيها { وَقَالَْ عطف على وسوس بطريق البيان { مَا نهاكما رَبُّكُمَا عَنْ هذه الشجرة } أي عن أكلها { إِلا أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ } أي إلا كراهةَ أن تكونا ملكين { أَوْ تَكُونَا مِنَ الخالدين } الذين لا يموتون أو يخلدون في الجنة ، وليس فيه دلالةٌ على أفضلية الملائكةِ عليهم السلام لما أن من المعلوم أن الحقائقَ لا تنقلب وإنما كانت رغبتُهما في أن يحصُل لهما أوصافُ الملائكةِ من الكمالات الفطريةِ والاستغناء عن الأطعمة والأشربة وذلك بمعزل من الدِلالة على الأفضلية بالمعنى المتنازَعِ فيه . (2/478)
{ وَقَاسَمَهُمَا إِنّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين } أي أقسم لهما ، وصيغةُ المغالبة للمبالغة ، وقيل : أقسما له بالقَبول وقيل : قالا له : أتقسم بالله أنك لمن الناصحين؟ وأقسم لهما فجُعل ذلك مقاسمة { فدلاهما } فنزّلهما على الأكل من الشجرة ، وفيه تنبيهٌ على أنه أهبطهما بذلك من درجة عاليةٍ فإن التدليةَ والإدلأَ إرسالُ الشيء من الأعلى إلى الأسفل { بِغُرُورٍ } بما غرّهما به من القسم ، فإنهما ظنا أن أحداً لا يُقسِم بالله كاذباً أو ملتبسين الغرور { فَلَمَّا ذَاقَا الشجرة بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتهمَا } أي فلما وجدا طعمَها آخِذَين في الأكل منها أخذْتهما العقوبةُ وشؤمُ المعصية فتهافت عنهما لباسُهما وظهرت لهما عوراتُهما ، واختلف في أن الشجرة كانت السنبلةَ أو الكرْمَ أو غيرَهما وأن اللباسَ كان نوراً أو ظفراً { وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ } طفِق من أفعال الشروعِ والتلبس كأخذ وجعل وأنشأ وعلِق وهَبْ وانبرى أي أخذا يَرْقعَان ويُلزِقان ورقةً فوق ورقة { عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الجنة } قيل : كان ذلك ورقَ التينِ وقرىء يُخصِفان من أخصف أي يخصفان أنفسَهما ويُخَصِّفان من التخصيف ويَخِصّفان أصله يختصفان .
{ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا } مالكُ أمرِهما بطريق العتاب والتوبيخِ { أَلَمْ أَنْهَكُمَا } وهو تفسيرٌ للنداء فلا محل له من الإعراب أو معمولٌ لقول محذوفٍ أي وقال أو قائلاً : ألم أنهَكُما؟ { عَن تِلْكُمَا الشجرة } ما في اسم الإشارةِ من معنى البُعد لما أنه إشارةٌ إلى الشجرة التي نُهي عن قُربانها { وَأَقُل لَّكُمَا } عطفٌ على أنهَكما أي ألم أقل لكما : { إِنَّ الشيطان لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ } وهذا عتابٌ وتوبيخٌ على الاغترار بقول العدوِّ كما أن الأولَ عتابٌ على مخالفة النهي ، قيل : فيه دليلٌ على أن مطلقَ النهي للتحريم ، ولكما متعلقٌ بعدو لما فيه من معنى الفعل أو بمحذوف هو حالٌ من عدوٌّ ، ولم يُحك هذا القولُ هاهنا ، وقد حُكي في سورة طه بقوله تعالى :
{ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ } الآية . روي أنه تعالى قال لآدمَ : ألم يكنْ فيما منحتُك من شجر الجنة مندوحةٌ عن هذه الشجرة؟ فقال : بلى ، وعزتك ولكن ما ظننتُ أن أحداً من خلقك يحلِفُ بك كاذباً ، قال : فبعزتي لأُهبِطنك إلى الأرض ثم لا تنال العيشَ إلا كدّاً فأُهبط وعُلّم صنعةَ الحديد وأُمر بالحَرْثِ فحرَثَ وسقَى وحصَد وداس وذرَى وعجَن وخَبَز . (2/479)
قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25)
{ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا } أي ضرّرناها بالمعصية والتعريضِ للإخراج من الجنة { وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا } ذلك { وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين } وهو دليلٌ على أن الصغائرَ يُعاقب عليها إن لم تُغفرْ ، وقالت المعتزلةُ : لا يجوز المعاقبةُ عليها مع اجتناب الكبائرِ ، ولذلك حمَلوا قولَهما ذلك على عادات المقربين في استعظام الصغيرِ من السيئات واستصغارِ العظيمِ من الحسنات . (2/480)
{ قَالَ } استئناف كما مر مراراً { اهبطوا } خطابٌ لآدمَ وحواءَ وذريتِهما ، أو لهما ولإبليسَ ، كُرر الأمرُ تبعاً لهما ليعلمَ أنهم قرناءُ أبداً ، أو أُخبر عما قال لهم مفرّقاً كما في قوله تعالى : { يأَيُّهَا الرسل كُلُواْ مِنَ الطيبات } ولم يُذكر هاهنا قَبولُ توبتِهما ثقةً بما ذكر في سائر المواضع { بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } جملةٌ حالية من فاعل اهبطوا أي مُتعادِين { وَلَكُمْ فِى الارض مُسْتَقَرٌّ } أي استقرارٌ أو موضعُ استقرارٍ { ومتاع } أي تمتعٌ وانتفاع { إلى حِينٍ } هو حينُ انقضاءِ آجالِكم .
{ قَالَ } أُعيد الاستئنافُ إما للإيذان بعدم اتصالِ ما بعده بما قبله كما في قوله تعالى : { قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا المرسلون } إثرَ قوله تعالى : { قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبّهِ إِلاَّ الضآلون } وقوله تعالى : { قَالَ أَرَءيْتَكَ هذا الذى كَرَّمْتَ عَلَىَّ } بعد قوله تعالى : { قَالَ أَءسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا } وإما لإظهار الاعتناءِ بمضمون ما بعده من قوله تعالى : { فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ } أي للجزاءِ كقوله تعالى : { مِنْهَا خلقناكم وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أخرى }
يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27)
{ يا بني آدم } خطابٌ للناس كافةً ، وإيرادُهم بهذا العنوان مما لا يخفى سرُّه { قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا } أي خلقناه لكم بتدبيرات سماويةٍ وأسبابٍ نازلةٍ منها ، ونظيرُه { وَأَنزَلَ لَكُمْ مّنَ } الخ ، وقوله تعالى : { بالقسط وَأَنزْلْنَا الحديد } { يوارى سَوْآتكم } التي قصد إبليسُ إبداءَها من أبويكم حتى اضطُروا إلى خصف الأوراق وأنتم مستغنون عن ذلك . وروي أن العرب كانوا يطوفون بالبيت عرايا ويقولون : لا نطوف بثياب عصينا الله تعالى فيها فنزلت . ولعل ذكر قصةِ آدمَ عليه السلام حينئذ للإيذان بأن انكشافَ العورة أولُ سوءٍ أصاب الإنسان من قِبَل الشيطان ، وأنه أغواهم في ذلك كما أغوى أبويهم { وَرِيشًا } ولباساً تتجملون به ، والريشُ الجمالُ وقيل : مالاً ، ومنه ترّيش الرجلُ أي تموّل وقرىء رياشاً وهو جمعُ ريشٍ كشِعْب وشِعاب { وَلِبَاسُ التقوى } أي خشيةُ الله تعالى ، وقيل : الإيمانُ ، وقيل : السمتُ الحسَنُ ، وقيل : لباسُ الحرب ، ورفعُه بالابتداء خبرُه جملةُ { ذلك خَيْرٌ } أو خبرٌ وذلك صفتُه كأنه قيل : ولباسُ التقوى المشارُ إليه خيرٌ وقرىء ولباسَ التقوى بالنصب عطفاً على لباساً { ذلك } أي إنزالُ اللباس { مِنْ آيات الله } دالةٌ على عظيم فضلِه وعميمِ رحمتِه { لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ } فيعرِفون نعمتَه أو يتّعظون فيتورّعون عن القبائح . (2/481)
{ يا بني آدم } تكريرُ النداءِ للإيذان بكمال الاعتناءِ بمضمون ما صدر به ، وإيرادُهم بهذا العنوان مما لا يخفى سببُه { لاَ يَفْتِنَنَّكُمُ الشيطان } أي لا يوقِعنّكم في الفتنة والمحنة بأن يمنعَكم من دخول الجنة { كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُم مّنَ الجنة } نعتٌ لمصدر محذوفٍ أي لا يفتِننّكم فتنةً مثلَ إخراجِ أبويكم ، وقد جُوّز أن يكون التقديرُ لا يُخرِجَنكم بفتنته إخراجاً مثلَ إخراجِه لأبويكم ، والنهيُ وإن كان متوجهاً إلى الشيطان لكنه في الحقيقة متوجِّهٌ إلى المخاطبين كما في قولك : لا أُرَينّك هاهنا ، وقد مر تحقيقُه مراراً { يَنزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتهما } حال من أبويكم أو من فاعل أخرج ، وإسنادُ النزعِ إليه للتسبيب ، وصيغةُ المضارعِ لاستحضار الصورة ، وقوله تعالى : { إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ } أي جنودُه وذريتُه استئنافٌ لتعليل النهي وتأكيدِ التحذيرِ لا منه { مِنْ حَيْثُ لاَ تَرَوْنَهُمْ } ( من ) لابتداء غايةِ الرؤيةِ ، وحيث ظرفٌ لمكان انتفاءِ الرؤية ولا ترَوْنهم في محل الجرِّ بإضافة الظرفِ إليه ، ورؤيتُهم لنا من حيث لا نراهم لا تقتضي امتناعَ رؤيتِنا لهم مطلقاً واستحالةَ تمثّلِهم لنا .
{ إِنَّا جَعَلْنَا الشياطين } جُعل قبيلُه من جملته فجُمع { أَوْلِيَاء لِلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ } أي جعلناهم بما أوجدنا بينهم من المناسبة أو بإرسالهم عليهم وتمكينِهم من إغوائهم وحملِهم على ما سوّلوا لهم أولياءَ أي قُرناءَ مسلّطين عليهم ، والجملة تعليلٌ آخرُ للنهي وتأكيدٌ للتحذير إثرَ تحذير .
وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29)
{ وَإِذَا فَعَلُواْ فاحشة } جملةٌ مبتدأة لا محل لها من الإعراب ، وقد جُوّز عطفُها على الصلة ، والفاحشةُ الفَعلةُ المتناهيةُ في القبح ، والتاء لأنها مُجراةٌ على الموصوف المؤنث أو للنقل من الوصفية إلى الاسمية ، والمرادُ بها عبادةُ الأصنامِ وكشفُ العورة في الطواف ونحوُهما . (2/482)
{ قَالُواْ } جواباً للناهين عنها { وَجَدْنَا عَلَيْهَا ءابَاءنَا والله أَمَرَنَا بِهَا } محتجين بأمرين : تقليدِ الآباءِ والافتراءِ على الله سبحانه ، ولعل تقديمَ المقدم للإيذان منهم بأن آباءَهم إنما كانوا يفعلونها بأمر الله تعالى بها على أن ضمير ( أمرنا ) لهم ولآبائهم ، فحينئذ يظهر وجهُ الإعراض عن الأول في رد مقالتِهم بقوله تعالى : { قُلْ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء } فإن عادتَه تعالى جاريةٌ على الأمر بمحاسن الأعمالِ والحثِّ على مراضي الخِصال ، ولا دِلالةَ فيه على أن قبحَ الفعلِ بمعنى ترتبِ الذم عليه عاجلاً والعقابِ آجلاً عقلي فإن المرادَ بالفاحشة ما ينفِر عنه الطبعُ السليم ويستنقِصُه العقلُ المستقيم ، وقيل : هما جوابا سؤالين مترتبين كأنه قيل لما فعلوها : لم فعلتم؟ فقالوا : وجدنا عليها آباءَنا ، فقيل : لمَ فعلها آباؤُكم؟ فقالوا : الله أمرنا بها ، وعلى الوجهين يُمنع التقليدُ إذا قام الدليلُ بخلافه لا مطلقاً { أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } من تمام القولِ المأمورِ به ، والهمزةُ لإنكار الواقعِ واستقباحِه وتوجيهُ الإنكارِ والتوبيخِ إلى قولهم عليه تعالى ما لا يعلمون صدورَه عنه تعالى مع أن بعضَهم يعلمون عدمَ صدورِه عنه تعالى مبالغةٌ في إنكار تلك الصورةِ فإن إسنادَ ما لم يُعلم عنه تعالى إليه تعالى إذا كان مُنكراً فإسنادُ ما عُلم عدمُ صدورِه عنه إليه عز وجل أشدُّ قبحاً وأحقُّ بالإنكار .
{ قُلْ أَمَرَ رَبّي بالقسط } بيانٌ للمأمور به إثرَ نفي ما أُسند أمرُه إليه تعالى من الأمور المنهيِّ عنها ، والقسطُ العدلُ وهو الوسَطُ من كل شيء ، المتجافي عن طرفي الإفراطِ والتفريط .
{ وَأَقِيمُواْ وُجُوهَكُمْ } وتوجهوا إلى عبادته مستقيمين غيرَ عادلين إلى غيرها ، أو أقيموا وجوهَكم نحو القِبلة { عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } في كل وقت سجودٍ أو مكانِ سجودٍ وهو الصلاةُ أو في أي مسجدٍ حضَرتْكم الصلاةُ وعنده ولا تؤخروها حتى تعودوا إلى مساجدكم { وادعوه } واعبدوه { مُخْلِصِينَ لَهُ الدين } أي الطاعةَ فإن مصيرَكم إليه بالآخرة { كَمَا بَدَأَكُمْ } أي أنشأكم ابتداءً { تَعُودُونَ } إليه بإعادته فيجازيكم على أعمالكم وإنما شُبه الإعادةُ بالإبداء تقريراً لإمكانها والقدرةِ عليها ، وقيل : كما بدأكم من التراب تعودون إليه ، وقيل : حفاةً عراة غُرْلاً تعودون إليه وقيل : كما بدأكم مؤمناً وكافراً يعيدكم .
فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33)
{ فَرِيقًا هدى } بأن وفقهم للإيمان { وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضلالة } بمقتضى القضاءِ السابقِ التابعِ للمشيئة المبنيةِ على الحِكَم البالغةِ ، وانتصابُه بفعل مُضمرٍ يفسِّره ما بعده أي وخذل فريقاً { إِنَّهُمُ اتخذوا الشياطين أَوْلِيَاء مِن دُونِ الله } تعليلٌ لخِذلانه أو تحقيقٌ لضلالتهم { وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ } فيه دِلالةٌ على أن الكافرَ المُخطِىءَ والمعانِدَ سواءٌ في استحقاق الذمِّ وللفارق أن يحمِلَه على المقصِّر في النظر . (2/483)
{ يابنى ءادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ } أي ثيابَكم لمواراة عورتِكم { عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ } أي طوافٍ أو صلاةٍ ، ومن السنة أن يأخذ الرجلُ أحسنَ هيئتِه للصلاة وفيه دليل على وجوب سترِ العورة في الصلاة { وَكُلُواْ واشربوا } مما طاب لكم . روي أن بني عامرٍ كانوا في أيام حجِّهم لا يأكلون الطعام إلا قوتاً ولا يأكلون دسماً يعظِّمون بذلك حجهم فهمّ المسلمون بمثله فنزلت { وَلاَ تُسْرِفُواْ } بتحريم الحلالِ أو بالتعدّي إلى الحرام أو بالإفراط في الطعامِ والشّرَه عليه ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : كُلْ ما شئت والبَسْ ما شئت ما أخطأتْك خصلتانِ : سَرَفٌ ومَخِيلة . وقال علي بن الحسين بن واقد : ( جمع الله الطبَّ في نصف آية ) فقال : { كُلُواْ واشربوا وَلاَ تُسْرِفُواْ } { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المسرفين } أي لا يرتضي فعلَهم .
{ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله } من الثياب وما يُتجمَّل به { التى أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ } من النبات كالقُطن والكتّان ، والحيوانِ كالحرير والصوفِ ، والمعادن كالدروع { والطيبات مِنَ الرزق } أي المستلذاتِ من المآكل والمشارب ، وفيه دليلٌ على أن الأصل في المطاعم والملابس وأنواعِ التجمُّلات الإباحةُ ، لأن الاستفهامَ في مَنْ إنكاريٌّ { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التى أَخْرَجَ } بالأصالة ، والكفرةُ وإن شاركوهم فيها فبِالتَّبع { خَالِصَةً يَوْمَ القيامة } لا يشاركهم فيها غيرُهم وانتصابُه على الحالية ، وقرىء بالرفع على أنه خبرٌ بعد خبر { كَذَلِكَ نُفَصِلُ الآيات لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } أي مثلَ هذا التفصيلِ نفصِّلُ سائرَ الأحكامِ لقوم يعلمون ما في تضاعيفها من المعاني الرائقة .
{ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبّيَ الفواحش } أي ما تفاحش قبحُه من الذنوب ، وقيل : ما يتعلق منها بالفروج { مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } بدلٌ من الفواحش أي جهرَها وسرَّها { والإثم } أي ما يوجب الإثمَ وهو تعميمٌ بعد تخصيص ، وقيل : هو شربُ الخمر { والبغى } أي الظلم أو الكِبْر أُفرد بالذكر للمبالغة في الزجر عنه { بِغَيْرِ الحق } متعلق بالبغي مؤكدٌ له معنى { وَأَن تُشْرِكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سلطانا } تهكّمٌ بالمشركين وتنبيهٌ على تحريم اتباعِ ما لا يدل عليه برهان { وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } بالإلحاد في صفاته والافتراء عليه كقولهم : { والله أَمَرَنَا بِهَا } وتوجيهُ التحريم إلى قولهم عليه تعالى ما لا يعلمون وقوعَه لا ما يعلمون عدمَ وقوعِه قد مر سرُّه .
وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34) يَا بَنِي آَدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آَيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35)
{ وَلِكُلّ أُمَّةٍ } من الأمم المُهلَكة { أَجَلٌ } حدٌّ معينٌ من الزمان مضروبٌ لِمَهلِكهم { فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ } إن جعل الضميرُ للأمم المدلولِ عليها بكل أمة فإظهارُ الأجل مضافاً إليه لإفادة المعنى المقصودِ الذي هو بلوغُ كلِّ أمةٍ أجلَها الخاصَّ بها ومجيئِه إياها بواسطة اكتسابِ الأجل بالإضافة عموماً يفيده معنى الجمعية كأنه قيل : إذا جاءهم آجالُهم بأن يجيء كلَّ واحدة من تلك الأمم أجلُها الخاصُّ بها ، وإن جُعل لكل أمةٍ خاصةً كما هو الظاهرُ فالإظهارُ في موقع الإضمارِ لزيادة التقريرِ ، والإضافةُ إلى الضمير لإفادة أكملِ التمييزِ أي إذا جاءها أجلُها الخاصُّ بها . (2/484)
{ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ } عن ذلك الأجلِ { سَاعَةً } أي شيئاً قليلاً من الزمان فإنها مَثلٌ في غاية القلة منه لا يتأخرون أصلاً ، وصيغةُ الاستفعال للإشعار بعجزهم وحِرمانهم عن ذلك مع طلبهم له { وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } أي ولا يتقدمون عليه وهو عطفٌ على يستأخرون لكن لا لبيان انتفاءِ التقدمِ مع إمكانه في نفسه كالتأخر ، بل للمبالغة في انتفاء التأخّرِ بنظمه في سلك المستحيلِ عقلاً كما في قوله سبحانه : { وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ إِنّى تُبْتُ الان وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } فإن من مات كافراً مع ظهور أن لا توبةَ له رأساً قد نُظم في عدم القبولِ في سلك مَنْ سوّفها إلى حضور الموتِ إيذاناً بتساوي وجودِ التوبة حينئذ وعدمِها بالمرة . وقيل : المرادُ بالمجيء الدنوُّ بحيث يمكن التقدمُ في الجملة كمجيء اليومِ الذي ضُرب لهلاكهم ساعةٌ فيه وليس بذاك . وتقديمُ بيانِ انتفاءِ الاستئخار لما أن المقصودَ بالذات بيانُ عدمِ خلاصِهم من العذاب ، وأما ما في قوله تعالى : { مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَخِرُونَ } من سبْق السبْقِ في الذكر فلِما أن المرادَ هناك بيانُ تأخيرِ إهلاكِهم مع استحقاقهم له حسبما ينبىء عنه قولُه تعالى : { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الامل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } فالأهمُّ هناك بيانُ انتفاءِ السبْق .
{ وَلِكُلّ أُمَّةٍ } من الأمم المُهلَكة { أَجَلٌ } حدٌّ معينٌ من الزمان مضروبٌ لِمَهلِكهم { فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ } إن جعل الضميرُ للأمم المدلولِ عليها بكل أمة فإظهارُ الأجل مضافاً إليه لإفادة المعنى المقصودِ الذي هو بلوغُ كلِّ أمةٍ أجلَها الخاصَّ بها ومجيئِه إياها بواسطة اكتسابِ الأجل بالإضافة عموماً يفيده معنى الجمعية كأنه قيل : إذا جاءهم آجالُهم بأن يجيء كلَّ واحدة من تلك الأمم أجلُها الخاصُّ بها ، وإن جُعل لكل أمةٍ خاصةً كما هو الظاهرُ فالإظهارُ في موقع الإضمارِ لزيادة التقريرِ ، والإضافةُ إلى الضمير لإفادة أكملِ التمييزِ أي إذا جاءها أجلُها الخاصُّ بها .
{ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ } عن ذلك الأجلِ { سَاعَةً } أي شيئاً قليلاً من الزمان فإنها مَثلٌ في غاية القلة منه لا يتأخرون أصلاً ، وصيغةُ الاستفعال للإشعار بعجزهم وحِرمانهم عن ذلك مع طلبهم له { وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ } أي ولا يتقدمون عليه وهو عطفٌ على يستأخرون لكن لا لبيان انتفاءِ التقدمِ مع إمكانه في نفسه كالتأخر ، بل للمبالغة في انتفاء التأخّرِ بنظمه في سلك المستحيلِ عقلاً كما في قوله سبحانه :
{ وَلَيْسَتِ التوبة لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السيئات حتى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الموت قَالَ إِنّى تُبْتُ الان وَلاَ الذين يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ } فإن من مات كافراً مع ظهور أن لا توبةَ له رأساً قد نُظم في عدم القبولِ في سلك مَنْ سوّفها إلى حضور الموتِ إيذاناً بتساوي وجودِ التوبة حينئذ وعدمِها بالمرة . وقيل : المرادُ بالمجيء الدنوُّ بحيث يمكن التقدمُ في الجملة كمجيء اليومِ الذي ضُرب لهلاكهم ساعةٌ فيه وليس بذاك . وتقديمُ بيانِ انتفاءِ الاستئخار لما أن المقصودَ بالذات بيانُ عدمِ خلاصِهم من العذاب ، وأما ما في قوله تعالى : { مَّا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَخِرُونَ } من سبْق السبْقِ في الذكر فلِما أن المرادَ هناك بيانُ تأخيرِ إهلاكِهم مع استحقاقهم له حسبما ينبىء عنه قولُه تعالى : { ذَرْهُمْ يَأْكُلُواْ وَيَتَمَتَّعُواْ وَيُلْهِهِمُ الامل فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } فالأهمُّ هناك بيانُ انتفاءِ السبْق . (2/485)
{ يا بني آدم } تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى كافة الناس اهتماماً بشأن ما في حيّزه { إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ } هي إنْ الشرطيةُ ضُمَّت إليها ( ما ) لتأكيد معنى الشرطِ ، ولذلك لزِمت فعلَها النونُ الثقيلةُ أو الخفيفةُ ، وفيه تنبيه على أن إرسالَ الرسلِ أمرٌ جائزٌ لا واجبٌ عقلاً { رُسُلٌ مّنكُمْ } الجارُّ متعلقٌ بمحذوف هو صفةٌ لرسلٌ أي كائنون من جنسكم ، وقولُه تعالى : { يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ ءاياتى } صفةٌ أخرى لرسلٌ أي يبيِّنون لكم أحكامي وشرائعي ، وقولُه تعالى : { فَمَنِ اتقى وَأَصْلَحَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } جملةٌ شرطيةٌ وقعت جواباً للشرط أي فمن اتقى منكم التكذيبَ وأصلح عملَه فلا خوف الخ ، وكذا قولُه تعالى :
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37)
{ والذين كَذَّبُواْ بئاياتنا واستكبروا عَنْهَا أُوْلَئِكَ أصحاب النار هُمْ فِيهَا خالدون } أي والذين كذبوا منكم بآياتنا ، وإيرادُ الاتقاءِ في الأول للإيذان بأن مدارَ الفلاحِ ليس مجردَ عدمِ التكذيبِ بل هو الاتقاءُ والاجتنابُ عنه ، وإدخالُ الفاءِ في الجزء الأولِ دون الثاني للمبالغة في الوعد والمسامحةِ في الوعيد . (2/486)
{ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افترى عَلَى الله كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بئاياته } أي تقوَّل عليه تعالى ما لم يقُلْه أو كذّب ما قاله ، أي هو أظلمُ من كل ظالمٍ وقد مر تحقيقه مراراً { أولئك } إشارةٌ إلى الموصول ، والجمعُ باعتبار معناه كما أن إفرادَ الفعلين باعتبار لفظِه ، وما فيه من معنى البُعد للإيذان بتماديهم في سوء الحالِ ، أي أولئك الموصوفون بما ذُكر من الافتراء والتكذيب { يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مّنَ الكتاب } أي مما كُتب لهم من الأرزاق والأعمارِ ، وقيل : الكتابُ اللوحُ ، أي ما أُثبت لهم فيه وأياً ما كان فمِن الابتدائيةُ متعلقةٌ بمحذوف وقع حالاً من نصيبهم ، أي ينالُهم نصيبُهم كائناً من الكتاب وقيل : نصيبُهم من العذاب وسوادِ الوجه وزُرقةِ العيون ، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : كُتب لمن يفتري على الله سوادُ الوجهِ قال تعالى : { وَيَوْمَ القيامة تَرَى الذين كَذَبُواْ عَلَى الله وُجُوهُهُم مُّسْوَدَّةٌ } وقوله تعالى : { حتى إِذَا جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا } أي ملكُ الموتِ وأعوانُه { يَتَوَفَّوْنَهُمْ } أي حالَ كونِهم مُتوفِّين لأرواحهم يؤيد الأول ، فإن حتى وإن كانت هي التي يُبتدَأ بها الكلامُ لكنها غايةٌ لما قبلها فلا بد أن يكون نصيبُهم مما يتمتعون بها إلى حين وفاتِهم أي ينالهم نصيبُهم من الكتاب إلى أن يأتيَهم ملائكةُ الموتِ فإذا جاءتهم { قَالُواْ } لهم { أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ الله } أي أين الآلهةُ التي كنتم تعبُدونها في الدنيا؟ و ( ما ) وقعت موصولةً بأين في خط المصحف وحقُّها الفصلُ لأنها موصولة { قَالُواْ } استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ من حكاية سؤالِ الرسل ، كأنه قيل : فماذا قالوا عند ذلك؟ فقيل : قالوا : { ضَلُّواْ عَنَّا } أي غابوا عنا أي لا ندري مكانَهم { وَشَهِدُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ } عطفٌ على قالوا أي اعترفوا على أنفسهم { أَنَّهُمْ كَانُواْ } أي في الدنيا { كافرين } عابدين لما لا يَستحِق العبادةَ أصلاً حيث شاهدوا حالَه وضلالَه ولعله أريد بوقت مجيءِ الرسل وحالِ التوفي الزمانُ الممتدُّ من ابتداء المجيءِ والتوفي إلى انتهائه يوم الجزاءِ بناءً على تحقق المجيءِ والتوفي في كل ذلك الزمان بقاءً وإن كان حدوثُهما في أوله فقط ، أو قُصد بيانُ غاية سرعةِ وقوعِ البعثِ والجزاء كأنهما حاصلان عند ابتداءِ التوفي كما ينبىء عنه قوله عليه الصلاة والسلام : « من مات فقد قامت قيامتُه » وإلا فهذا السؤال والجوابُ وما ترتب عليهما من الأمر بدخول النارِ وما جرى بين أهلها من التلاعُن والتقاولِ إنما يكون بعد البعثِ لا محالة .
قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40)
{ قَالَ } أي الله عز وجل يوم القيامة بالذات أو بواسطة الملك { ادخلوا فِى أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم } أي كائنين من جملة أممٍ مصاحبين لهم { مّنَ الجن والإنس } يعني كفارَ الأمم الماضيةِ من النوعين { فِى النار } متعلقٌ بقوله : { أَدْخِلُواْ } { كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ } من الأمم السابقةِ واللاحقةِ فيها { لَّعَنَتْ أُخْتَهَا } التي ضللت بالاقتداء بها { حَتَّى إِذَا اداركوا فِيهَا جَمِيعًا } أي تداركوا وتلاحقوا في النار { قَالَتْ أُخْرَاهُمْ } دخولاً أو منزلةً وهو الأتباعُ { لاولاهم } أي لأجلهم إذِ الخطابُ مع الله تعالى لا معهم { رَبَّنَا هَؤُلاء أَضَلُّونَا } سنّوا لنا الضلالَ فاقتدَيْنا بهم { فَآتِهِم عَذَاباً ضِعْفاً } أي مضاعفاً { مِنَ النار } لأنهم ضلّوا وأضلوا { قَالَ لِكُلّ ضِعْفٌ } أما القادةُ فلِما ذُكر من الضلال والإضلالِ ، وأما الأتباعُ فلكفرهم وتقليدِهم { ولكن لاَّ تَعْلَمُونَ } أي مالَكم وما لِكُلّ فريقٍ من العذاب وقرىء بالياء { وَقَالَتْ أولاهم } أي مخاطِبين { لأُخْرَاهُمْ } حين سمعوا جوابَ الله تعالى لهم { فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ } أي فقد ثبت أن لا فضلَ لكم علينا وإنا وإياكم متساوون في الضلال واستحقاقِ العذاب { فَذُوقُواْ العذاب } أي العذابَ المعهودَ المضاعفَ { بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ } من قول القادة . (2/487)
{ إِنَّ الذين كَذَّبُواْ بئاياتنا } مع وضوحها { واستكبروا عَنْهَا } أي عن الإيمان بها والعملِ بمقتضاها { لاَ تُفَتَّحُ لَهُمْ أبواب السماء } أي لا تُقبل أدعيتُهم ولا أعمالُهم أو لا تعْرُج إليها أرواحُهم كما هو شأنُ أدعيةِ المؤمنين وأعمالِهم وأرواحِهم والتاء في ( تُفتّح ) لتأنيث الأبواب على أن الفعلَ للآيات ، وبالياء على أنه لله تعالى { وَلاَ يَدْخُلُونَ الجنة حتى يَلِجَ الجمل فِى سَمّ الخياط } أي حتى يدخُلَ ما هو مثلُه في عِظَم الجِرْم فيما هو عَلمٌ في ضيق المسلَك وهو ثُقبةُ الإبرة ، وفي كون الجملِ مما ليس من شأنه الولوجُ في سمِّ الإبرة مبالغةٌ في الاستبعاد . وقرىء الجُمّل كالقمّل والجُمَل كالنُغَر والجُمل كالقُفل والجَمَل كالنصَب والجَمْل كالحبل وهي الحبلُ الغليظ من القنب وقيل : حبلُ السفينة ، وسُمّ بالضم والكسر وقرىء في سَمّ المَخيط وهو الخِياط أي ما يُخاط به كالحِزام والمحزم { وكذلك } أي ومثلَ ذلك الجزاءِ الفظيع { نَجْزِى المجرمين } أي جنسَ المجرمين وهم داخلون في زُمرتهم دخولاً أولياً .
لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)
{ لَهُم مّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ } أي فراشٌ من تحتهم ، والتنوينُ للتفخيم ومن تجريدية { وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ } أي أغطيةٌ والتنوينُ للبدل عن الإعلال عند سيبويهِ وللصرْفِ عند غيره ، وقرىء غواشِ على إلغاء المحذوف كما في قوله تعالى : { وَلَهُ الجوار } { وكذلك } ومثلَ ذلك الجزاءِ الشديد { نَجْزِى الظالمين } عبّر عنهم بالمجرمين تارةً وبالظالمين أخرى إشعاراً بأنهم بتكذيبهم الآياتِ اتّصفوا بكل واحدٍ من ذيْنِك الوصفين القبيحين ، وذكرُ الجُرم مع الحِرمان من دخول الجنةِ والظلم مع التعذيب بالنار للتنبيه على أنه أعظمُ الجرائمِ والجرائرِ . { والذين ءامَنُواْ } أي بآياتنا أو بكل ما يجب أن يُؤمَنَ به فيدخُل فيه الآياتُ دخولاً أولياً وقوله تعالى : { وَعَمِلُواْ الصالحات } أي الأعمالَ الصالحةَ التي شُرعت بالآيات ، وهذا بمقابلة الاستكبارِ عنها { لاَ نُكَلّفُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا } اعتراضٌ وُسّط بين المبتدإِ الذي هو الموصولُ والخبرِ الذي هو الجملةُ { أُوْلَئِكَ أصحاب الجنة } للترغيب في اكتساب ما يؤدي إلى النعيم المقيم ببيان سهولةِ منالِه وتيسُّر تحصيلِه ، وقرىء لا تُكَلَّف نفسٌ ، واسمُ الإشارةِ مبتدأٌ ، وأصحابُ الجنةِ خبرُه والجملةُ خبرٌ للمبتدإ الأولِ ، أو اسمُ الإشارةِ بدلٌ من المبتدأ الأولِ الذي هو الموصولُ والخبرُ أصحابُ الجنة . وما فيه من معنى البُعد للإيذان ببعد منزلتِهم في الفضل والشرف { هُمْ فِيهَا خالدون } حالٌ من أصحاب الجنة وقد جوز كونُه حالاً من الجنة لاشتماله على ضميرها والعاملُ معنى الإضافةِ أو اللام المقدرةِ أو خبرٌ ثانٍ لأولئك على رأي من جوّزه وفيها متعلق بخالدون . (2/488)
{ وَنَزَعْنَا مَا فِى صُدُورِهِم مّنْ غِلّ } أي نخرج من قلوبهم أسبابَ الغل أو نطهرها منه حتى لا يكون بينهم إلا التوادُّ . وصيغةُ الماضي للإيذان بتحققه وتقررِه ، وعن علي رضي الله عنه : إني لأرجو أن أكون أنا وعثمانُ وطلحةُ والزبيرُ منهم { تَجْرِى مِن تَحْتِهِمُ الانهار } زيادةٌ في لذتهم وسرورهم ، والجملةُ حالٌ من الضمير في صدورهم والعاملُ إما معنى الإضافة وإما العاملُ في المضاف أو حال من فاعل نزعنا والعاملُ نزعنا وقيل : هي مستأنفةٌ للإخبار عن صفة أحوالِهم { وَقَالُواْ الحمد لِلَّهِ الذى هَدَانَا لهذا } أي لِما جزاؤُه هذا { وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِىَ } أي لهذا المطلبِ الأعلى أو لمطلب من المطالب التي هذا من جملتها { لَوْلا أَنْ هَدَانَا الله } ووفقنا له ، واللام لتأكيد النفي وجوابُ لولا محذوفٌ ثقةً بدِلالة ما قبله عليه ، ومفعولُ نهتدي وهدانا الثاني محذوفٌ لظهور المرادِ أو لإرادة التعميمِ كما أشير إليه ، والجملةُ مستأنَفةٌ أو حالية وقرىء ما كنا لنهتديَ الخ ، بغير واو على أنها مبيِّنة ومفسرةٌ للأولى .
{ لَقَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا } جوابُ قسمٍ مقدر قالوه تبجّحاً واغتباطاً بما نالوه وابتهاجاً بإيمانهم بما جاءتهم الرسلُ عليهم السلام والباء في قوله تعالى : { بالحق } إما للتعدية فهي متعلقةٌ بجاءت أو للملابسة فهي متعلقةٌ بمقدرٍ وقع حالاً من الرسل أي والله لقد جاءوا بالحق أو لقد جاءوا ملتبسين بالحق { وَنُودُواْ } أي نادتهم الملائكةُ عليهم السلام { أَن تِلْكُمُ الجنة } أنْ مفسرةٌ لما في النداء من معنى القولِ أو مخففةٌ من أنّ وضمير الشأنِ محذوفٌ ، ومعنى البُعدِ في اسم الإشارةِ إما لأنهم نوُدوا عند رؤيتِهم إياها من مكان بعيد ، وإما رفع منزلتِها وبُعدِ رتبتِها ، وإما للإشعار بأنها تلك الجنةَ التي وُعدوها في الدنيا { أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ } في الدنيا من الأعمال الصالحةِ أي أُعطيتموها بسبب أعمالِكم أو بمقابلة أعمالِكم والجملةُ حال من الجنة والعاملُ معنى الإشارةِ على أن ( تلكم الجنةُ ) مبتدأٌ وخبرٌ ، أو الجنةُ صفةٌ والخبرُ أورثتموها .
وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآَخِرَةِ كَافِرُونَ (45) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46)
{ وَنَادَى أصحاب الجنة أصحاب النار } تبجحاً بحالهم وشماتةً بأصحاب النار وتحسيراً لهم لا لمجرد الإخبارِ بحالهم والاستخبارِ عن حال مخاطَبيهم { أَن قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقّا } حيث نلنا هذا المنالَ الجليلَ { فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقّا } حُذف المفعولُ من الفعل الثاني إسقاطاً لهم عن رتبة التشريفِ بالخطاب عند الوعدِ ، وقيل : لأن ما ساءهم من الموعود لم يكن بأسره مخصوصاً بهم وعداً كالبعث والحسابِ ونعيمِ الجنة ، فإنهم قد وجدوا جميعَ ذلك حقاً وإن لم يكن وعدُه مخصوصاً بهم { قَالُواْ نَعَمْ } أي وجدناه حقاً ، وقرىء بكسر العين وهي لغةٌ فيه { فَأَذَّنَ مُؤَذّنٌ } قيل : هو صاحبُ الصُّور { بَيْنَهُمْ } أي بين الفريقين { أَن لَّعْنَةُ الله عَلَى الظالمين } بأنْ المخفَّفةِ أو المفسِّرةِ ، وقرىء بأنّ المشددةِ ونصْبِ ( لعنةُ ) وقرى إنّ بكسر الهمزة على إرادة القولِ أو إجراء أذّن مُجرى قال { الذين يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } صفةٌ مقرِّرةٌ للظالمين ، أو رفعٌ على الذم أو نصْبٌ عليه { وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا } أي يبغون لها عِوَجاً بأن يصفوها بالزيغ والميلِ عن الحق وهو أبعدُ شيء منهما والعِوَجُ بالكسر في المعاني والأعيان ما لم يكن منتصباً وبالفتح ما كان في المنتصِب كالرُّمحِ والحائط { وَهُم بالاخرة كافرون } غيرُ معترفين . (2/489)
{ وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ } أي بين الفريقين كقوله تعالى : { فَضُرِبَ بَيْنَهُم بِسُورٍ } أو بين الجنة والنار ليمنعَ وصولُ أثرِ إحداهما إلى الأخرى { وَعَلَى الاعراف } أي على أعراف الحجابِ وأعاليه وهو السورُ المضروبُ بينهما جمعُ عُرف مستعار من عُرف الفرس وقيل : العرف ما ارتفع من الشيء فإنه بظهوره أعرفُ من غيره { رِجَالٌ } طائفةٌ من الموحدين قصّروا في العمل فيجلسون بين الجنة والنارِ حتى يقضيَ الله تعالى فيهم ما يشاء ، وقيل : قومٌ عَلَت درجاتُهم كالأنبياء والشهداء والأخيارِ والعلماءِ من المؤمنين ، أو ملائكةٌ يُرَون في صور الرجال { يَعْرِفُونَ كُلاًّ } من أهل الجنة والنار { بسيماهم } بعلامتهم التي أعلمهم الله تعالى بها كبياض الوجهِ وسوادِه ، فعلى من سام إبِلَه إذا أرسلها في المرعى مُعْلَمةً ، أو مِنْ وَسَم ، بالقلب ، كالجاه من الوجه ، وإنما يعرفون ذلك بالإلهام أو بتعليم الملائكة { وَنَادَوْاْ } أي رجالُ الأعراف { أصحاب الجنة } حين رأوهم { أَن سلام عَلَيْكُمْ } بطريق الدعاءِ والتحية أو بطريق الإخبارِ بنجاتهم من المكارة { لَمْ يَدْخُلُوهَا } حالٌ من فاعل نادَوْا أو من مفعوله وقوله تعالى : { وَهُمْ يَطْمَعُونَ } حال من فاعل يدخلوها أي نادوهم وهم لم يدخلوها حال كونهم طامعين في دخولها مترقبين له ، أي لم يدخلوها وهم في وقت عدمِ الدخول طامعون .
وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49)
{ وَإِذَا صُرِفَتْ أبصارهم تِلْقَاء أصحاب النار } أي إلى جهتهم ، وفي عدم التعرضِ لتعلق أنظارِهم بأصحاب الجنةِ والتعبيرِ عن تعلق أبصارِهم بأصحاب النارِ بالصرف إشعارٌ بأن التعلقَ الأولَ بطريق الرغبة والميل الثاني بخلافه { قَالُواْ } متعوذين بالله تعالى من سوء حالِهم { رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القوم الظالمين } أي في النار ، وفي وصفهم بالظلم دون ما هم عليه حينئذ من العذاب وسوءِ الحال الذي هو الموجبُ للدعاء إشعارٌ بأن المحذورَ عندهم ليس نفيَ العذابِ فقط بل مع ما يوجبه ويؤدي إليه من الظلم . (2/490)
{ ونادى أصحاب الاعراف } كرر ذكرهم مع كفاية الإضمار لزيادة التقرير { رِجَالاً } من رؤساء الكفارِ حين رأَوْهم فيما بين أصحابِ النار { يَعْرِفُونَهُمْ بسيماهم } الدالةِ على سوء حالِهم يومئذ وعلى رياستهم في الدنيا { قَالُواْ } بدلٌ من نادى { مَا أغنى عَنكُمْ } ( ما ) استفهامية للتوبيخ والتقريع أو نافية { جَمْعُكُمْ } أي أتباعُكم وأشياعُكم أو جمعُكم للمال { وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ } ما مصدريةٌ أي ما أغنى عنكم جمعُكم واستكبارُكم المستمرُّ عن قَبول الحقِّ ، أو على الخلق وهو الأنسبُ بما بعده ، وقرىء تستكثرون من الكثرة أي من الأموال والجنود .
{ أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ } من تتمة قولِهم للرجال ، والإشارةُ إلى ضعفاء المؤمنين الذين كانت الكفرةُ يحتقرونهم في الدنيا ويحلِفون صريحاً أنهم لا يدخُلون الجنةَ أو يفعلون ما ينبىء عن ذلك كما في قوله تعالى : { أَوَ لَمْ تَكُونُواْ أَقْسَمْتُمْ مّن قَبْلُ مَا لَكُمْ مّن زَوَالٍ } { ادخلوا الجنة } تلوينٌ للخطاب وتوجيهٌ له إلى أولئك المذكورين أي ادخُلوا الجنة على رُغم أنوفِهم { لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمُ } بعد هذا { وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ } أو قيل لأصحاب الأعراف : ادخُلوا الجنةَ بفضل الله تعالى بعد أن حُبسوا وشاهدوا أحوالَ الفريقين وعرفوهم وقالوا لهم ما قالوا . والأظهرُ أن لا يكون المرادُ بأصحاب الأعرافِ المقصِّرين في العمل لأن هذه المقالاتِ وما تتفرع هي عليه من المعرفة لا يليق بمن لم يتعيّنْ حالُه بعدُ ، وقيل : لما عيّروا أصحابَ النار أقسموا أن أصحابَ النار أقسموا أن أصحابَ الأعرافِ لا يدخُلون الجنة فقال الله تعالى أو الملائكةُ رداً عليهم : { أهؤلاء } الخ ، وقرىء ادخَلوا ودَخَلوا على الاستئناف وتقديرُه دخلوا الجنةَ مقولاً في حقهم لا خوفٌ عليكم .
وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآَيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51) وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52)
{ ونادى أصحاب النار أصحاب الجنة } بعد أن استقر بكل من الفريقين القرارُ واطمأنت به الدار { أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ الماء } أي صُبّوه ، وفي دَلالةٌ على أن الجنة فوق النار { أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله } من سائر الأشربةِ ليُلائِمَ الإفاضة ، أو من الأطعمة على أن الإفاضةَ عبارةٌ عن الإعطاء بكثرة { قَالُواْ } استئنافٌ مبنيٌّ على السؤال كأنه قيل : فماذا قالوا؟ فقيل : قالوا : { إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين } أي منعهما منهم منعاً كلياً فلا سبيل إلى ذلك قطعاً { الذين اتخذوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا } كتحريم البَحيرة والسائبةَ ونحوِهما والتصديةِ حولَ البيت ، واللهوُ صرفُ الهمِّ إلى ما لا يحسُن أن يُصْرفَ إليه ، واللعبُ طلبُ الفرحِ بما لا يحسن أن يُطلب { وَغَرَّتْهُمُ الحياة الدنيا } بزخارفها العاجلةِ { فاليوم ننساهم } نفعل بهم ما يفعل الناسي بالمنسيِّ من عدم الاعتدادِ بهم وتركِهم في النار تركاً كلياً ، والفاء في فاليوم فصيحةٌ وقوله تعالى : { كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هذا } في محل النصبِ على أنه نعتٌ لمصدر محذوفٍ ، أي ننساهم نسياناً مثلَ نسيانِهم لقاءَ يومِهم هذا حيث لم يُخطِروه ببالهم ولم يعتدّوا له ، وقولُه تعالى : { وَمَا كَانُواْ بئاياتنا يَجْحَدُونَ } عطفٌ على ما نسوا أي وكما كانوا منكرين بأنها من عند الله تعالى إنكاراً مستمراً . (2/491)
{ وَلَقَدْ جئناهم بكتاب فصلناه } أي بيّنا معانيَه من العقائد والأحكامِ والمواعظ ، والضميرُ للكفرة قاطبةً والمرادُ بالكتاب الجنسُ أو للمعاصِرين منهم والكتابُ هو القرآن { على عِلْمٍ } حالٌ من فاعل فصلناه أي عالمين بوجه تفصيلِه حتى جاء حكيماً أو من مفعوله أي مشتملاً على علم كثير ، وقرىء فضلناه أي على سائر الكتب عالمين بفضله { هُدًى وَرَحْمَةً } حال من المفعول { لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } لأنهم المغتنمون لآثاره المقتبسون من أنواره .
هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53) إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54)
{ هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ } أي ما ينتظر هؤلاءِ الكفرةُ بعدم إيمانِهم به إلا ما يؤول إليه أمرُه من تبيّن صدقِه بظهور ما أخبر به من الوعد والوعيد { يَوْمَ يَأْتِى تَأْوِيلُهُ } وهو يومُ القيامة { يَقُولُ الذين نَسُوهُ مِن قَبْلُ } أي تركوه ترْكَ المنسيِّ من قبل إتيانِ تأويلِه { قَدْ جَاءتْ رُسُلُ رَبّنَا بالحق } أي قد تبين أنهم قد جاءوا بالحق { فَهَل لَّنَا مِن شُفَعَاء فَيَشْفَعُواْ لَنَا } اليوم ويدفعوا عنا العذاب { أَوْ نُرَدُّ } أي هل نرد إلى الدنيا وقرىء بالنصب عطفاً على فيشفعوا أو لأن أو بمعنى إلى أن ، فعلى الأول المسؤولُ أحدُ الأمرين ، إما الشفاعةُ الدفع للعذاب أو الرد إلى الدنيا وعلى الثاني أن يكون لهم شفعاءُ إما لأحد الأمرين أو لأمر واحد هو الرد { فَنَعْمَلَ } بالنصب على أنه جواب الاستفهام الثاني وقرىء بالرفع أي فنحن نعمل { غَيْرَ الذى كُنَّا نَعْمَلُ } أي في الدنيا { قَدْ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ } بصرف أعمارِهم التي هي رأسُ مالِهم إلى الكفر والمعاصي { وَضَلَّ عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ } أي ظهر بطلانُ ما كانوا يفترونه من أن الأصنامَ شركاءُ الله تعالى وشفعاؤهم يوم القيامة . (2/492)
{ إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذى خَلَقَ السموات والارض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ } شروعٌ في بيان مبدأ الفطرةِ إثرَ بيانِ معادِ الكفَرة أي إن خالقَكم ومالكَكم الذي خلق الأجرامَ العلوية والسفليةَ في ستة أوقات كقوله تعالى : { وَمَن يُوَلّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } أو في مقدار ستةِ أيامٍ فإن المتعارفَ أن اليومَ زمانُ طلوعِ الشمسِ إلى غروبها ، ولم تكن هي حينئذ وفي خلق الأشياء مدرجاً مع القدرة على إبداعها دفعةُ دليلٍ على الاختيار واعتبارٌ للنُظّار وحثٌّ على التأني في الأمور { ثُمَّ استوى عَلَى العرش } أي استوى أمرُه واستولى وعن أصحابنا أن الاستواءَ على العرش صفة الله تعالى بلا كيف والمعنى أنه تعالى استوى على العرش على الوجه الذي عناه منزهاً عن الاستقرار والتمكن ، والعرشُ الجسم المحيط بسائر الأجسام سمي به لارتفاعه أو للتشبيه بسرير الملِك فإن الأمورَ والتدابير تنزِل منه وقيل : الملك .
{ يَغْشَى اللَّيْلَ النَّهَارَ } أي يغطّيه به ولم يُذكر العكسُ للعلم به أو لأن اللفظَ يحتملهما ولذلك قرىء بنصب الليلَ ورفع النهار وقرىء بالتشديد للدلالة على التكرار { يَطْلُبُهُ حَثِيثًا } أي يعقُبه سريعاً كالطالب له لا يفصل بينهما شيء ، والحثيثُ فعيل من الحث وهو صفةُ مصدرٍ محذوفٍ ، أو حال من الفاعل أو من المفعول بمعنى حاثاً أو محثوثاً { والشمس والقمر والنجوم مسخرات بِأَمْرِهِ } أي خلقهن حال كونهِن مسخراتٍ بقضائه وتصريفِه ، وقرىء كلُّها بالرفع على الابتداء والخبر { أَلاَ لَهُ الخلق والامر } فإنه الموجدَ للكل والمتصرِّفَ فيه على الإطلاق { تَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين } أي تعالى بالوحدانية في الألوهية وتعظّم بالتفرد في الربوبية .
وتحقيقُ الآية الكريمةِ والله تعالى أعلم أن الكفرةَ كانوا كانوا متخذين أرباباً فبيّن لهم أن المستحِقَّ للربوبية واحدٌ هو الله تعالى لأنه الذي له الخلقُ والأمرُ فإنه تعالى خلق العالمَ على ترتيب قويمٍ وتدبيرٍ حكيم فأبدع الأفلاكَ ثم زينها بالشمس والقمر والنجومِ كما أشار إليه بقوله تعالى : { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سموات فِى يَوْمَيْنِ } وعمَد إلى الأجرام السفليةِ فخلق جسماً قابلاً للصور المتبدّلةِ والهيئاتِ المختلفة ثم قسمها لصور نوعيةٍ متباينةِ الآثار والأفعالِ وأشار إليه بقوله تعالى : { خَلَقَ الارض فِى يَوْمَيْنِ } أي ما في جهة السُّفلِ في يومين ثم أنشأ أنواعَ المواليدِ الثلاثةِ بتركيب موادِّها أولاً وتصويرِها ثانياً كما قال بعد قوله تعالى : { خَلَقَ الارض فِى يَوْمَيْنِ } { وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِىَ مِن فَوْقِهَا وبارك فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أقواتها فِى أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ } أي مع اليومين الأولين لِما فُصّل في سورة السجدة ثم لمّا تم له عالمُ المُلك عمَد إلى تدبيره كالملك الجالس على سريره فدبر الأمرَ من السماء إلى الأرض بتحريك الأفلاكِ وتسيير الكواكبِ وتكويرِ الليالي والأيامِ ، ثم صرّح بما هو فذلكةُ التقريرِ ونتيجتُه فقال تعالى : { أَلاَ لَهُ الخلق والامر تَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين } ثم أمر بأن يدعوُه مخلِصين متذلِّلين فقال : (2/493)
ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56)
{ ادعوا رَبَّكُمْ } الذي قد عَرَفتم شؤونَه الجليلة { تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } أي ذوي تضرّعٍ وخُفية فإن الإخفاءَ دليلُ الإخلاص { إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ المعتدين } أي لا يحب دعاءَ المجاوزين لما أُمروا به في كل شيء ، فيدخُل فيه الاعتداءُ في الدعاء دخولاً أولياً ، وقد نُبِّه به على أن الداعيَ يجب أن لا يطلُب ما لا يليق به كرتبة الأنبياءِ والصعودِ إلى السماء ، وقيل : هو الصياحُ في الدعاء والإسهابُ فيه . وعن النبي صلى الله عليه وسلم : " سيكونُ قومٌ يعتدون في الدعاء وحسْبُ المرءِ أن يقول : اللهم إني أسألُك الجنةَ وما قرَّب إليها من قول وعملٍ ، وأعوذُ بك من النار وما قرّب إليها من قول وعمل " ثم ( قرأ ) «إنَّهُ لا يحبُّ المعتدين . (2/494)
{ { وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الارض } بالكفر والمعاصي { بَعْدَ إصلاحها } ببعث الأنبياء عليهم السلام وشرْعِ الأحكام { وادعوه خَوْفًا وَطَمَعًا } أي ذوي خوفٍ نظراً لقصور أعمالِكم وعدمِ استخقاقِكم ، وطمَعٍ نظراً إلى سَعة رحمتِه ووفورِ فضلِه وإحسانِه { إِنَّ رَحْمَةَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِين } في كل شيء ، ومن الإحسان في الدعاء أن يكون مقروناً بالخوف والطمع ، وتذكيرُ قريبٌ لأن الرحمةَ بمعنى الرحم أو لأنه صفةٌ لمحذوف أي أمرٌ قريبٌ أو على تشبيهه بفعيل الذي هو بمعنى مفعول أو الذي هو مصدر كالنقيض والصهيل ، أو للفرق بين القريب من النسَب والقريب من غيره أو لاكتسابه التذكيرَ من المضاف إليه كما أن المضافَ يكتسب التأنيثَ من المضاف إليه .
وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58)
{ وَهُوَ الذى يُرْسِلُ الرياح } عطفٌ على الجملة السابقةِ وقرىء الريحَ { بُشْرًا } تخفيف بُشُر جمعُ بشير أو مبشّرات ، وقرىء بفتح الباءِ على أنه مصدرُ بَشَره ، بمعنى باشرات أو للبِشارة ، وقرىء نُشُراً بالنون المضمومة جمع نَشور أي ناشرات ونَشْراً على أنه مصدرٌ في موقع الحال بمعنى ناشرات أو مفعولٌ مطلقٌ ، فإن الإرسالَ والنَّشرَ متقاربان { بَيْنَ يَدَىْ رَحْمَتِهِ } قُدّامَ رحمتِه التي هي المطرُ فإن الصَّبا تُثير السحابَ والشَّمالَ تجمعُه والجَنوبَ تدُرّه والدَّبورَ تفرّقه { حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ } أي حملت ، واشتقاقُه من القِلة فإن المُقِلَّ للشيء يستقِلّه { سَحَابًا ثِقَالاً } بالماء ، جَمَعه لأنه بمعنى السحائب { سقناه } أي السحاب ، وإفرادُ الضميرِ لإفراد اللفظ { لِبَلَدٍ مَّيّتٍ } أي لأجله ولمنفعته أو لإحيائه أو لسقيه وقرىء ميْتٍ { فَأَنزَلْنَا بِهِ الماء } أي بالبلد أو بالسحاب أو بالسَّوْق أو بالريح ، والتذكيرُ بتأويل المذكور وكذلك قوله تعالى : { فَأَخْرَجْنَا بِهِ } ويحتمل أن يعود الضميرُ إلى الماء وهو الظاهرُ ، وإذا كان للبلد فالباءُ للإلصاق في الأول والظرفية في الثاني وإذا كان لغيره فهي للسببية { مِن كُلّ الثمرات } أي من كل أنواعها ( وألوانها ) { كذلك نُخْرِجُ الموتى } الإشارةُ إلى إخراج الثمراتِ أو إلى إحياء البلدِ الميتِ ، أي كما نحييه بإحداث القوةِ الناميةِ فيه وتطريتِها بأنواعِ النباتِ والثمراتِ نخرج الموتى من الأحداث ونحييها بردّ النفوسِ إلى موادّ أبدانِها بعد جَمعِها وتطريتها بالقُوى والحواسّ { لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } بطرح إحدى التاءين أي تتذكرون فتعلمون أن مَنْ قدَرَ على ذلك قدَرَ على هذا من غير شبهة . (2/495)
{ والبلد الطيب } أي الأرضُ الكريمةُ التربة { يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبّهِ } بمشيئته وتيسيرِه ، عبَّر عن كثرة النباتِ وحسنِه وغزارةِ نفعه لأنه أوقعه في مقابلة قولِه تعالى : { والذى خَبُثَ } من البلاد كالسبخة والحرَّة { لاَ يَخْرُجُ إِلاَّ نَكِدًا } قليلاً عديمَ النفع ، ونصبُه على الحال والتقديرُ والبلدُ الذي خبُث لا يخرُج نباتُه إلا نكِداً ، فحُذف المضافُ وأقيم المضافُ إليه مُقامَه فصار مرفوعاً مستتراً وقرىء لا يُخرِج إلا نكداً أي لا يخرجه البلدُ إلا نكداً فيكون إلا نكداً مفعولَه ، وقرىء نَكَداً على المصدر أي ذا نَكَدٍ ، ونَكْداً بالإسكان للتخفيف { كذلك } أي مثلَ ذلك التصريفِ البديعِ { نُصَرّفُ الايات } أي نرددها ونكررها { لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ } نعمةَ الله تعالى فيتفكرون فيها ويعتبرون بها ، وهذا كما ترئ مثلٌ لإرسال الرسلِ عليهم السلام بالشرائع التي هي ماءُ حياةِ القلوبِ إلى المكلَّفين المنقسِمين إلى المقتبِسين من أنوارها والمحرومين من مغانمِ آثارِها ، وقد عُقّب ذلك بما يحققه ويقرّره من قصص الأممِ الخاليةِ بطريق الاستئناف فقيل :
لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي ضَلَالَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (61)
{ لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلى قَوْمِهِ } هو جوابُ قسمٍ محذوفٍ أي والله لقد أرسلنا الخ ، واطّرادُ استعمالِ هذه اللامِ مع قد لكون مدخولِها مَظِنّةً للتوقع الذي هو معنى قد ، فإن الجملة القسَميةَ إنما تُساق لتأكيد الجملةِ المُقسَم عليها ، ونوحٌ هو ابنُ لمك بن متوشلح بن أخنوخ وهو إدريسُ النبيُّ عليهما السلام . قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : بُعث عليه السلام على رأس أربعين سنةً من عمره ولبِث يدعو قومه تسعَمِائةٍ وخمسين سنةً وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنةً فكان عمرُه ألفاً ومائتين وأربعين سنة . وقال مقاتل : بعث وهو ابنُ مائةِ سنةٍ وقيل : وهو ابنُ مائتين وخمسين سنةً ومكث يدعو قومَه تسعمائة وخمسين سنة وعاش بعد الطوفان مائتين وخمسين سنة فكان عمُرُه ألفاً وأربَعَمِائةٍ وخمسين سنة { فَقَالَ ياقوم اعبدوا الله } أي اعبدوه وحدَه ، وتركُ التقييدِ به للإيذان بأنها العبادةُ حقيقةً ، وأما العبادةُ بالإشراك فليست من العبادة في شيء وقوله تعالى : { مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ } أي من مستحِقَ للعبادة ، استئنافٌ مَسوقٌ لتعليل العبادةِ المذكورةِ أو الأمرِ بها ، وغيرُه بالرفع صفةٌ لإله باعتبار محلِّه الذي هو الرفع على الابتداء أو الفاعلية ، وقرى بالجر باعتبار لفظه ، وقرىء بالنصب على الاسثناء وحكمُ غيرٍ حكمُ الاسمِ الواقعِ بعد إلا أي ما لكم من إله إلا إياه كقولك : ما في الدار من أحد إلا زيداً أو غيرَ زيدٍ ، فمن إله إن جعل مبتدأً فلكم خبرُه ، أو خبرُه محذوفٌ ولكم للتخصيص والتبيين أي ما لكم في الوجود أو في العالم إله غيرُ الله { إِنّى أَخَافُ عَلَيْكُمْ } أي إن لم تعبُدوه حسْبما أُمرت به { عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } هو يومُ القيامة أو يومُ الطوفان ، والجملةُ تعليلٌ للعبادة ببيان الصارفِ عن تركها إثرَ تعليلِها ببيان الداعي إليها ، ووصفُ اليومِ بالعِظَم لبيان عظيمِ ما يقع فيه وتكميلِ الإنذار . (2/496)
{ قَالَ الملا مِن قَوْمِهِ } استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من حكاية قولِه عليه الصلاة والسلام كأنه قيل : فماذا قالوا له عليه الصلاة والسلام في مقابلة نصحِه؟ فقيل : قال الرؤساءُ من قومه والأشرافُ الذين يملأون صدورَ المحافل بإجرامهم والقلوبَ بجلالهم وهيبتِهم والأبصارَ بجمالهم وأُبّهتهم { إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضلال } أي ذهاب عن طريق الحقِّ والصواب ، والرؤيةُ قلبيةٌ ومفعولاها الضميرُ والظرفُ { مُّبِينٌ } بيّنٌ كونُه ضلالاً .
{ قَالَ } استئناف كما سبق { يَاقَوْمِ } ناداهم بإضافتهم إليه استمالةً لقلوبهم نحو الحق { لَيْسَ بِى ضلالة } أيُّ شيءٍ ما من الضلال ، قصد عليه الصلاة والسلام تحقيقَ الحق في نفي الضلالِ عن نفسه رداً على الكفرة حيث بالغوا في إثباته له عليه الصلاة والسلام حيث جعلوه مستقراً في الضلال الواضِحِ كونُه ضلالاً ، وقوله تعالى : { وَلَكِنّي رَسُولٌ مِن رَّبّ العالمين } استدراكٌ مما قبله باعتبار ما يستلزِمه من كونه في أقصى مراتبِ الهداية ، فإن رسالةَ ربِّ العالمين مستلزِمةٌ لا محالة ، كأنه قيل : ليس بي شيءٌ من الضلال ولكني في الغاية القاصيةِ من الهداية . ومن لابتداء الغايةِ مجازاً متعلقةٌ بمحذوف هو صفةٌ لرسولٌ مؤكدةٌ لما يفيده التنوينُ من الفخامة الذاتي بالفخامة الإضافيةِ أي رسولٌ وأيُّ رسولٍ كائنٌ من رب العالمين .
أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64)
{ أُبَلّغُكُمْ رسالات رَبّى } استئنافٌ مَسوقٌ لتقرير رسالتِه وتفصيلِ أحكامِها وأحوالِها وقيل : صفة أخرى لرسولٌ على طريقة : (2/497)
أنا الذي سمّتني أمي حيدَره ... وقرىء أبْلِغُكم من الإبلاغ ، وجمعُ الرسالاتِ لاختلاف أوقاتِها أو لتنوّع معانيها ، أو لأن المرادَ بها ما أوحيَ إليه وإلى النبيين من قبله ، وتخصيصُ ربوبيتِه تعالى به عليه الصلاة والسلام بعد بيانِ عمومِها للعالمين للإشعار بعلة الحُكمِ الذي هو تبليغُ رسالتِه تعالى إليهم فإن ربوبيتَه تعالى به عليه الصلاة والسلام من موجبات امتثالِه بأمره تعالى بتبليغ رسالتِه تعالى إليهم { وَأَنصَحُ لَكُمْ } عطفٌ على أبلّغُكم مبينٌ لكيفية أداءِ الرسالةِ ، وزيادةُ اللامِ مع تعدّي النُصحِ بنفسه للدلالة على إمحاض النصيحةِ لهم وأنها لمنفعتهم ومصلحتِهم خاصةً ، وصيغةُ المضارعِ للدِلالة على تجدد نصيحتِه لهم كما يعرف عنه قوله تعالى : { رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً ونَهَارًا } وقولُه تعالى : { وَأَعْلَمُ مِنَ الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ } عطفٌ على ما قبله وتقريرٌ لرسالته عليه الصلاة والسلام ، أي أعلم من جهة الله تعالى بالوحي ما لا تعلمونه من الأمور الآتيةِ ، أو أعلم من شؤونه عز وجل وقدرتِه القاهرةِ وبطشِه الشديدِ على أعدائه وأن بأسَه يُردّ عن القوم المجرمين ما لا تعلمون . قيل : كانوا لا يسمعون بقوم حل بهم العذابُ قبلَهم فكانوا غافلين آمنين لا يعلمون ما علِمه نوحٌ عليه السلام بالوحي .
{ أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ } جوابٌ ورد لمّا اكتُفيَ عن ذكره بقولهم : { إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضلال مُّبِينٍ } من قولهم : { مَا نَرَاكَ إِلاَّ بَشَرًا مّثْلَنَا } وقولِهم : { لَوْ شَاء الله لاَنزَلَ ملائكة } والهمزةُ للإنكار والواوُ للعطف على مقدر ينسحب عليه الكلامُ كأنه قيل : استبعدتم وعجِبتم من أن جاءكم ذكرٌ أي وحيٌ أو موعظةٌ من مالك أموركم ومربّيكم { على رَجُلٍ مّنكُمْ } أي على لسان رجلٍ من جنسكم كقوله تعالى : { مَا وَعَدتَّنَا على رُسُلِكَ } وقلتم لأجل ذلك ما قلتم من أن الله تعالى لو شاء لأنزل ملائكة { لِيُنذِرَكُمْ } علةٌ للمجيء أي ليحذرَكم عاقبةَ الكفر والمعاصي { وَلِتَتَّقُواْ } عطفٌ على العلة الأولى مترتبةٌ عليها { وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } عطف على العلة الثانية مترتبةٌ عليها ، أي ولتتعلق بكم الرحمةُ بسبب تقواكم . وفائدةُ حرفِ الترجّي التنبيه على عزة المطلبِ وأن التقوى غيرُ موجبةٍ للرحمة بل هي منوطةٌ بفضل الله تعالى وأن المتقيَ ينبغي أن لا يعتمد على تقواه ولا يأمنَ عذابَ الله عز وجل .
{ فَكَذَّبُوهُ } أجمعوا على تكذيبه في دعوى النبوةِ وما نزل عليه من الوحي الذي بلّغه إليهم وأنذرهم بما في تضاعيفه ، واستمرّوا على ذلك هذه المدةَ المتطاولةَ بعد ما كرر عليه الصلاة والسلام عليهم الدعوةَ مراراً ، فلم يزدهم دعاؤُه إلا فراراً حسبما نطق به قولُه تعالى : { رَبّ إِنّى دَعَوْتُ قَوْمِى لَيْلاً وَنَهَاراً } الآيات ، إذ هو الذي يعقُبه الإنجاءُ والإغراقُ لا مجلادُ التكذيب { فأنجيناه والذين مَعَهُ } من المؤمنين ، قيل : كانوا أربعين رجلاً وأربعين امرأةً وقيل : تسعةً : أبناؤُه الثلاثة وستةٌ ممّن آمن به ، وقوله تعالى : { فِى الفلك } متعلقٌ بالاستقرار في الظرف أي استقروا في الظرف ، أي استقروا معه في الفلك أو صحِبوه فيه ، أو بفعل الإنجاء أي أنجيناهم في السفينة ، ويجوز أن يتعلق بمُضْمر وقع حالاً من الموصول أو من ضميره في الظرف { وأغرقنا الذين كذَّبُوا بِآيَاتِنَا } أي استمروا على تكذيبها ، وليس المرادُ بهم الملأَ المتصدِّين للجواب فقط بل كلَّ من أصرّ على التكذيب منهم ومن أعقابهم ، وتقديمُ ذكرِ الإنجاءِ على الإغراق للمسارعة إلى الإخبار به ، والإيذانِ بسبق الرحمةِ التي هي مقتضى الذاتِ ، وتقدُّمِها على الغضب الذي يظهر أثرُه بمقتضى جرائمِهم { إِنَّهُمْ كَانُواْ قَوْماً عَمِينَ } عُمْيَ القلوبِ غيرَ مستبصرين .
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : عمِيَتْ قلوبُهم عن معرفة التوحيد والنبوةِ والمعاد ، وقرىء عامِينَ والأولُ أدلُّ على الثبات والقرار . (2/498)
وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65)
{ وإلى عَادٍ } متعلقٌ بمضمر معطوفٍ على قوله تعالى : { أَرْسَلْنَا } في قصة نوح عليه السلام وهو الناصبُ لقوله تعالى : { أخاهم } أي وأرسلنا إلى عاد أخاهم أي واحداً منهم في النسَب لا في الدين كقولهم : يا أخا العرب ، وقيل : العاملُ فيهما الفعلُ المذكور فيما سبق وأخاهم معطوف على نوحاً والأولُ أدنى وأياً ما كان فلعل تقديمَ المجرورِ هاهنا على المفعول الصريح للحِذار عن الإضمار قبل الذكر يرشدك إلى ذلك ما سيأتي من قوله تعالى : { وَلُوطاً } الخ ، فإن قومَه لمّا لم يُعهدوا باسمٍ معروف يقتضي الحالُ ذكرَه عليه السلام مضافاً إليهم كما في قصة عادٍ وثمودَ ومدينَ خولف في النظم الكريم بين قصتِه عليه السلام وبين القصصِ الثلاثِ ، وقولُه تعالى : { هُودًا } عطفُ بيانٍ لأخاهم وهو هودُ بنُ عبدِ اللَّه بنِ رباحِ بن الخلودِ بنِ عاذِ بنِ غوصٍ بنِ إرَمَ بنِ سامِ بنِ نوحٍ عليه السلام ، وقيل : هود بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح بن عم أبي عاد وإنما جعل منهم لأنهم أفهمُ لكلامه وأعرفُ بحاله في صدقه وأمانتِه وأقربُ إلى اتباعه { قَالَ } استئنافٌ مبنيٌّ على سؤال نشأ من حكاية إرسالِه عليه السلام إليهم كأنه قيل : فماذا قال لهم؟ فقيل : قال : { قَالَ يَا قَومِ اعبدوا الله } أي وحده كما يُعرِب عنه قوله تعالى : { مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ } فإنه استئنافٌ جارٍ مَجرى البيانِ للعبادة المأمورِ بها . والتعليلُ لها أو للأمر بها كأنه قيل : خُصّوه بالعبادة ولا تشركوا به شيئاً إذ ليس لكم إله سواه . وغيرُه بالرفع صفةٌ لإله باعتبار محلِّه ، وقرىء بالجر حملاً له على لفظه { أَفَلاَ تَتَّقُونَ } إنكارٌ واستبعادٌ لعدم اتقائِهم عذابَ الله تعالى بعد ما علموا ما حل بقوم نوحٍ ، والفاء للعطف على مقدر يقتضيه المقامُ أي ألا تتفكرون أو أتغفُلون فلا تتقون ، فالتوبيخُ على المعطوفين معاً أو أتعلمون ذلك فلا تتقون فالتوبيخُ على المعطوف فقط وفي سورة هودٍ : { أَفَلاَ تَعْقِلُونَ } ولعله عليه السلام خاطبهم بكل منهما وقد اكتُفي بحكاية كلَ منهما في موطن عن حكايته في موطن آخرَ كما لم يذكر هاهنا ما ذكر هناك من قوله تعالى : { إِنْ أَنتُمْ إِلاَّ مُفْتَرُونَ } وقِسْ على ذلك حالَ بقيةِ ما ذُكر وما لم يُذكر من أجزاء القصةِ بل حالَ نظائرِه في سائر القصصِ لا سيما في المحاورات الجاريةِ في الأوقات المتعددة والله أعلم . (2/499)
قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) قَالَ يَا قَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69)
{ قَالَ الملأ الذين كَفَرُواْ مِن قَوْمِهِ } استئنافٌ كما مر وإنما وُصف الملأُ بالكفر إذْ لم يكن كلُّهم على الكفر كملأ قومِ نوحٍ بل كان منهم من آمن به عليه السلام ولكن كان يكتُم إيمانَه كمرثد بن سعد ، وقيل : وُصفوا به لمجرد الذم { إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ } أي متمكناً في خِفّة عقلٍ راسخاً فيها حيث فارقتَ دينَ آبائِك ، ألا إنهم هم السفهاءُ ولكن لا يعلمون { وِإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الكاذبين } أي فيما ادعيْتَ من الرسالة ، قالوه لعراقتهم في التقليد وحِرمانِهم من النظر الصحيح { قَالَ } مستعطفاً لهم ومستميلاً لقلوبهم مع ما سمع منهم ما سمع من الكلمة الشنعاءِ الموجبةِ لتغليظ القولِ والمشافهةِ بالسوء { ياقوم لَيْسَ بِى سَفَاهَةٌ } أي شيءٌ منها ولا شائبةٌ من شوائبها { وَلَكِنّي رَسُولٌ مِن رَّبّ العالمين } استدراكٌ مما قبله باعتبار ما يستلزمه ويقتضيه من كونه في الغاية القصوى من الرُّشد والأناةِ والصدقِ والأمانة ، فإن الرسالةَ من جهة ربِّ العالمين موجبةٌ لذلك حتماً ، كأنه قيل : ليس بي شيءٌ مما نسبتموني إليه ولكني في غاية ما يكون الرشدُ والصِّدقُ . ولم يصرِّحْ بنفي الكذِب اكتفاءً بما في حيز الاستدراك . و ( من ) لابتداء الغايةِ مجازاً متعلقةٌ بمحذوف وقع صفةً لرسولٌ مؤكدةً لما أفاده التنوينُ من الفخامة الذاتية بالفخامة الإضافية ، وقولُه تعالى : { أُبَلّغُكُمْ رسالات رَبّى } استئنافٌ سيق لتقرير رسالتِه وتفصيلِ أحوالِها ، وقيل : صقةٌ أخرى لرسولٌ والكلامُ في إضافة الربِّ إلى نفسه عليه السلام بعد إضافته إلى العالمين وكذا في جمع الرسالاتِ كالذي مر في قصة نوحٍ عليه السلام ، وقرىء أُبْلِغُكم من الإبلاغ { وَأَنَاْ لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ } معروفٌ بالنصح والأمانةِ مشهورٌ بين الناس بذلك ، وإنما جيء بالجملة الاسميةِ دِلالةً على الثبات والاستمرار وإيذاناً بأن من هذا حالُه لا يحوم حولَه شائبةُ السفاهةِ والكذب . (2/500)
{ أَوَ عَجِبْتُمْ أَن جَاءكُمْ ذِكْرٌ مّن رَّبّكُمْ } الكلامُ فيه كالذي مر في قصة نوح عليه السلام { على رَجُلٍ مّنكُمْ } أي من جنسكم { لِيُنذِرَكُمْ } ويحذرَكم عاقبةَ ما أنتم عليه من الكفر والمعاصي حتى نسبتموني إلى السفاهة والكذبِ ، وفي إجابة الأنبياءِ صلواتُ الله وسلامُه عليهم أجمعين من يشافِهُهم بما لا خير فيه من أمثال تلك الأباطيلِ بما حُكيَ عنهم من المقالات الحقة المعربة عن نهاية الحلم والرزانة وكمالِ الشفقةِ والرأفة ، من الدلالة على حيازتهم القدحَ المُعلَّى من مكارم الأخلاق ما لا يخفى مكانُه .
{ واذكروا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاء } شروعٌ في بيان ترتيبِ أحكامِ النصح والأمانةِ والإنذارِ وتفصيلِها ، وإذ منصوبٌ باذكروا على المفعولية دون الظرفية ، وتوجيهُ الأمر بالذكر إلى الوقت دون ما وقع فيه من الحوادث مع أنها المقصودةُ بالذات للمبالغة في إيجاب ذكرِها لما أن إيجابَ ذكرِ الوقت إيجابٌ لذكر ما فيه بالطريق البرهاني ، ولأن الوقتَ مشتملٌ عليها ، فإذا استُحضر كانت هي حاشرةً بتفاصيلها كأنها مشاهَدةٌ عياناً ، ولعله معطوفٌ على مقدر كأنه قيل : لا تعجبوا من ذلك أو تدبروا في أمركم واذكروا وقتَ جعْلِه تعالى إياكم خلفاءَ { مِن بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ } أي في مساكنهم أو الأرض بأن جعلكم ملوكاً ، فإن شدادَ بنَ عاد ممن ملك معمورةَ الأرضِ من رمل عالِجٍ إلى شجر عمان { وَزَادَكُمْ فِى الخلق } أي في الإبداع والتصوير أو في الناس { بَسْطَةً } قامةً وقوةً فإنه لم يكن في زمانهم مثلُهم في عِظَم الأجرام ، قال الكلبي والسدي كانت قامةُ الطويلِ منهم مائةَ ذراعٍ وقامةُ القصير ستين ذراعاً { فاذكروا ءالآء الله } التي أنعم بها الله عليكم من فنون النَّعماءِ التي هذه من جملتها .
وهذا تكريرٌ للتذكير لزيادة التقرير ، وتعميمٌ إثرَ تخصيص { لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } كي يؤديَكم ذلك إلى الشكر المؤدّي إلى النجاة من الكروب والفوزِ بالمطلوب . (3/1)
قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آَبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآَبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71)
{ قَالُواْ } مجيبين عن تلك النصائحِ العظيمة { أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ الله وَحْدَهُ } أي لنخُصّه بالعبادة { وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ ءابَاؤُنَا } أنكروا عليه عليه السلام مجيئَه لتخصيصه تعالى بالعبادة والإعراضِ عن عبادة الأوثان انهماكاً في التقليد وحباً لما ألِفوه وألِفوا أسلافَهم عليه . ومعنى المجيء إما مجيئُه عليه السلام مِنْ مُتَعَبَّده ومنزلِه وإما من السماء على التهكم وإما القصدُ والتصدّي مجازاً كما يقال في مقابلِه : ذهب يشتمني من غير إرادةِ معنى الذهاب { فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا } من العذاب المدلولِ عليه بقوله تعالى : { أَفَلاَ تَتَّقُونَ } { إِن كُنتَ مِنَ الصادقين } أي في الإخبار بنزول العذابِ ، وجوابُ ( إن ) محذوفٌ لدلالة المذكورِ عليه أي فائتِ به . (3/2)
{ قال قد وقع عليكم } أي وجب وحق أو نزل بإصراركم هذا بناءً على تنزيل المتوقَّع منزلةَ الواقعِ كما في قوله تعالى : { أتى أمرُ الله } { من ربكم } أي من جهته تعالى . وتقديمُ الظرف الأولِ على الثاني مع أن مبدأ الشيءِ متقدمٌ على منتهاه للمسارعة إلى بيان إصابةِ المكروهِ لهم ، وكذا تقديمُه على الفاعل الذي هو قوله تعالى : { رجس } مع ما فيه من التشويق إلى المؤخّر ، ولأن فيه نوعَ طولٍ بما عُطف عليه من قوله تعالى : { وغضبٌ } فربما يُخِل تقديمُها بتجاوب النظمِ الكريم ، والرجسُ العذابُ من الارتجاس الذي هو الاضطرابُ ، والغضب إرادةُ الانتقامِ ، وتنوينُهما للتفخيم والتهويل { أتجادلونني في أسماء } عاريةٍ عن المسمى { سميتموها } أي سميتم بها { أنتم وآباؤكم } إنكارٌ ( واستقباح ) لإنكارهم مجيئَه عليه السلام داعياً لهم إلى عبادة الله تعالى وحده وتركِ عبادةِ الأصنام أي أتجادلونني في أشياءَ سمَّيتموها آلهةً ليست هي إلا محضُ الأسماءِ من غير أن يكون فيها من مصداق الإلهية شيءٌ ما لأن المستحِقَّ ببمعبودية بالذات ليس إلا من أوجد الكلَّ وأنها لو استحقت لكان ذلك بجعله تعالى إما بإنزال آيةٍ أو نصبِ حُجةٍ وكلاهما مستحيلٌ ، وذلك قوله تعالى : { ما نزل الله بها من سلطان } وإذ ليس ذلك في حيز الإمكانِ تحققَ بُطلانُ ما هم عليه { فانتظروا } مترتبٌ على قوله تعالى : { قد وقع عليكم } أي فانتظروا ما تطلُبونه بقولكم : فائتنا بما تعدنا ، الخ { إني معكم من المنتظرين } لما يَحِلُّ بكم . والفاء في قوله تعالى :
فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72)
{ فأنجيناه } فصيحةٌ كما في قوله تعالى : { فانفجرت } أي فوقع ما وقع فأنجيناه { والذين معه } أي في الدين { برحمة } أي عظيمةٍ لا يقادَر قدرُها ، وقوله تعالى : { منا } أي من جهتنا متعلقٌ بمحذوف هو نعتٌ لرحمةٍ مؤكِّدٌ لفخامتها الذاتية المنفهمةِ من تنكيرها بالفخامة الإضافية { وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا } أي استأصلْنا بالكلية ودمرناهم عن آخرهم { وما كانوا مؤمنين } عطفٌ على كذبوا داخلٌ معه في حكم الصلةِ ، أي أصرّوا على الكفر والتكذيبِ ولم يرعووا عن ذلك أبداً ، وتقديمُ حكايةِ الإنجاءِ على حكاية الإهلاكِ قد مر سرُّه ، وفيه تنبيهٌ على أن مناطَ النجاةِ هو الإيمانُ بالله تعالى وتصديقُ آياتِه كما أن مدارَ البوارِ هو الكفرُ والتكذيب . وقصتُهم أن عاداً قومٌ كانوا باليمن بالأحقاف ، وكانوا قد تبسّطوا في البلاد ما بين عُمان إلى حضْرَمَوتَ ، وكانت لهم أصنامٌ يعبُدونها صداً وصمود والهبا فبعث الله تعالى إليهم هوداً نبياً وكان من أوسطهم وأفضلهم حسباً فكذبوه وازدادوا عُتوّاً وتجبّراً فأمسك الله عنهم القطرَ ثلاثَ سنينَ حتى جهَدوا وكان الناس إذا نزل بهم بلاءٌ طلبوا إلى الله الفرجَ منه عند بيتِه الحرامِ مسلِمُهم ومشركُهم ، وأهلُ مكةَ ( كانوا ) إذ ذاك العماليقَ أولادَ عمليقَ بنِ لاوذَ بنِ سامِ بنِ نوح وسيدُهم معاويةُ بنُ بكرٍ فجهزّت عادٌ إلى مكة من أماثلهم سبعين رجلاً منهم قيلُ بنُ عنز ومَرثدُ بن سعد الذي كان يكتُم إسلامَه فلما قدِموا نزلوا على معاويةَ بنِ بكر وهو بظاهر مكة خارجاً عن الحرم فأنزلهم وأكرمهم وكانوا أخوالَه وأصهارَه فأقاموا عنده شهراً يشربون الخمرَ وتغنّيهم قينتا معاوية فلما رأى طولَ مقامِهم وذهولَهم باللهو عما قدموا له أهمّه ذلك وقال : قد هلك أخوالي وأصهاري وهؤلاء على ما هم عليه وكان يستحيي أن يكلمهم خشيةَ أن يظنوا به ثِقَلَ مُقامهم عليه فذكر ذلك للقينتين فقالتا : قل شعراً نغنيهم به لا يدرون مَنْ قاله ، فقال معاوية : (3/3)
ألا يا قِيلُ ويحكَ قم فهينِم ... لعل الله يسقينا غماما
فيسقي أرضَ عادٍ إن عادا ... قَدَ أمسَوْا لا يُبِينون الكلاما
فلما غنتا به قال : إن قومَكم يتغوّثون من البلاء الذي نزل بهم وقد أبطأتم عليهم فادخُلوا الحرَم واستسقوا لقومكم فقال لهم مرثدُ بن سعد : والله لا تُسقَون بدعائكم ولكن إن أطعتم نبيكم إلى الله تعالى سُقِيتم وأظهر إسلامَه فقالوا لمعاوية : احبِس عنا مرثداً لا يقدَمَن معنا فإنه قد اتبع دينَ هود وترك ديننا ثم دخلوا مكة فقال قيلُ : اللهم اسقِ عاداً ما كنت تسقيهم فأنشأ الله تعالى سحاباتٍ ثلاثاً : بيضاءَ وحمراءَ وسوداءَ ثم ناداه منادٍ من السماء : يا قيلُ اختر لنفسك ولقومك فقال : اخترت السوداءَ فإنها أكثرُهن ماءً فخرجت على عاد من واد يقال له : المغيث فاستبشَروا بها وقالوا : هذا عارضٌ مُمطرُنا فجاءتهم منها ريحٌ عقيمٌ فأهلكتهم ونجا هودٌ والمؤمنون معه فأتَوا مكةَ فعبدوا الله تعالى فيها إلى أن ماتوا .
وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آَيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73)
{ وإلى ثمودَ أخاهم صالحاً } عطف على ما سبق من قوله تعالى : { وإلى عاد أخاهم هوداً } موافقٌ له في تقديم المجرورِ على المنصوب ، وثمودُ قبيلةٌ من العرب سُمُّوا باسم أبيهم الأكبرِ ثمودَ بنِ عابرِ بن إرَمَ بنِ سام بنِ نوحٍ عليه السلام وقيل : إنما سُمُّوا بذلك لقلة مائِهم من الثمْدُ وهو الماء القليل ، وقرىء بالصرف بتأويل الحيّ وكانت مساكنُهم الحِجْرَ بين الحجاز والشام إلى وادي القُرى وإخوةُ صالح عليه السلام لهم من حيث النسبُ كهودٍ عليه السلام فإنه صالحُ بنُ عبيد بنِ أسف بنِ ماسحِ بن عبيد بن حاذر بن ثمود ، ولما كان الإخبارُ بإرساله عليه السلام إليهم مَظِنةً لأن يُسأل ويقال : فماذا قال لهم؟ قيل جواباً عنه بطريق الاستئناف { قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره } وقد مر الكلامُ في نظائره { قد جاءتكم بينة } أي آيةٌ ومعجزةٌ ظاهرة شاهدةٌ بنبوّتي ، وهي من الألفاظِ الجاريةِ مجرى الأبطحِ والأبرق في الاستغناء عن ذكر موصوفاتِها حالةَ الإفراد ، والجمع كالصالح إفراداً وجمعاً وكذلك الحسنةُ والسيئة سواءٌ كانتا صفتين للأعمال أو المثوبة أو الحالة من الرخاء والشدة ، ولذلك أوُلِيَت العوامل وقوله تعالى : { من ربكم } متعلّقٌ بجاءتكم أو بمحذوف هو صفةٌ لبينةٌ كما مر مراراً ، والمرادُ بها الناقةُ وليس هذا الكلام منه عليه السلام أولَ ما خاطبهم إثرَ دعوتِهم إلى التوحيد ، بل إنما قاله بعد ما نصحهم وذكّرهم بنعم الله تعالى فلم يقبلوا كلامَه وكذبوه ، ألا يُرى إلى ما في سورة هود من قوله تعالى : { هو أنشأكم من الأرض واستعْمَركم فيها } إلى آخر الآيات . روي أنه لما أُهلكت عادٌ عَمَرت ثمودُ بلادَها وخلفوهم في الأرض وكثُروا وعُمِّروا أعماراً طِوالاً حتى إن الرجلَ كان يبني المسكن المُحْكَم فينهدمُ في حياته فنحتوا البيوتَ من الجبال وكانوا في سعة ورخاءٍ من العيش فعتَوْا على الله تعالى وأفسدوا في الأرض وعبدوا الأوثانَ فبعث الله تعالى إليهم صالحاً وكانوا قوماً عرباً وصالحٌ من أوسطهم نسباً ، فدعاهم إلى الله عز وجل فلم يتبعْه إلا قليلٌ منهم مستضعَفون فحذرهم وأنذرهم فسألوه آية فقال : أيةَ آيةٍ تريدون؟ قالوا : تخرج معنا إلى عيدنا في يوم معلومٍ لهم من السنة فتدعو إلهك وندعو آلهتنا فإن استُجيب لنا اتبعتَنا فقال صالح عليه السلام : نعم ، فخرج معهم ودعَوْا أوثانَهم وسألوا الإجابة فلم تُجبْهم ثم قال سيدهم جندعُ بن عمرو وأشار إلى صخرة منفردة في ناحية الجبل يقال لها الكاثبة : أخرِجْ لنا من هذه الصخرةِ ناقةً مخترِجةً جوفاءَ وبراءً ، والمخترِجةُ التي شاكلت البُخْت ، فإن فعلت صدقناك وأجبناك فأخذ صالح عليه السلام عليهم المواثيق : لئن فعلتُ ذلك لتؤمِنُن ولتُصدِّقُنّ قالوا : نعم ، فصلى ودعا ربه فتمخّضت الصخرةُ تمخّض النَتوجِ بولدها فانصدعت عن ناقة عُشَراءَ جوفاء وبراءٍ كما وصفوا لا يعلم ما بين جنبيها إلا الله تعالى ، وعظماؤهم ينظرون ثم نُتِجت ولداً مثلَها في العِظَم ، فآمن به جُندع ورهطٌ من قومه ومنع أعقابَهم ناسٌ من رؤوسهم أن يؤمنوا فمَكثت الناقةُ مع ولدها ترعى الشجرَ وتشرب الماءَ وكانت ترِدُ غِباً ، فإذا كان يومُها وضَعتْ رأسَها في البئر فما ترفعها حتى تشربَ كلَّ ما فيها ثم تتفحج فيحتلبون ما شاؤوا حتى تمتلىء أوانيهم فيشربون ويدّخرون وكانت إذا وقع الحرُّ تصيّفت بظهر الوادي فيهرب منها أنعامُها فتهبِط إلى بطنه ، وإذا وقع البردُ تشتت بطن الوادي فتهرب مواشيهم إلى ظهره ، فشق ذلك عليهم وزيَّنَت عَقرَها لهم امرأتانِ عنيزةُ أمُّ غنم وصدفةُ بنتُ المختار لِما أضرَّت به من مواشيهما وكانتا كثيرتي المواشي فعقروها واقتسموا لحمها وطبخوه فانطلق سَقْبُها حتى رقيَ جبلاً اسمُه قارةُ فرَغا ثلاثاً وكان صالح عليه السلام قال لهم : أدركوا الفصيلَ عسى أن يرفع عنكم العذابَ فلم يقدروا عليه فانفجت الصخررُ بعد رغائه فدخلها فقال لهم صالح : تُصبحون غداً ووجوهُكم مصفّرة ، وبعد غد ووجوهُكم محمرةٌ واليوم الثالث ووجوهكم مُسودة ثم يصبّحكم العذاب فلما رأوا العلاماتِ طلبوا أن يقتُلوه فأنجاه الله تعالى إلى أرض فلَسطينَ ، ولما كان اليومُ الرابع وارتفع الضحى تحنّطوا بالصبر وتكفنوا بالأنْطاع فأتتهم صيحةٌ من السماء ورجفةٌ من الأرض فتقطّعت قلوبُهم فهلكوا وقوله تعالى : { هذه ناقة الله لكم آية } استئنافٌ مسوقٌ لبيان البينة وإضافةُ الناقةِ إلى الاسم الجليلِ لتعظيمها ولمجيئها من جهته تعالى بلا أسباب معهودةٍ ووسائطَ معتادة ولذلك كانت آيةً وأيَّ آية ، ولكم بيانٌ لمن هي آيةٌ له ، وانتصابُ آيةً على الحالية والعاملُ فيها معنى الإشارة ، ويجوز أن يكون ( ناقةُ الله ) بدلاً من هذه أو عطفَ بيانٍ له أو مبتدأ ثانياً ، ولكم خبراً عاملاً في آية { فذروها } تفريعٌ على كونها آيةً من آيات الله تعالى فإن ذلك مما يوجب عدم التعرّضِ لها { تأكل في أرض الله } جوابُ الأمر أي الناقةُ ناقةُ الله والأرضُ أرضُ الله تعالى فاتركوها تأكلْ ما تأكلُ في أرض ربِّها فليس لكم أن تحولوا بينها وبينها . (3/4)
وقرىء تأكلُ بالرفع على أنه في موضع الحالِ أي آكلةً فيها ، وعدمُ التعرض للشرب إما للاكتفاء عنه بذكر الأكلِ أو لتعميمه له أيضاً كما في قوله : (3/5)
علفتُها تِبْناً وماءً بارداً ... وقد ذكرتُ ذلك في قوله تعالى : { لها شِرْبٌ ولكم شربُ يومٍ معلوم } { ولا تمسوها بسوء } نُهي عن المس الذي هو مقدمةُ الإصابةِ بالشرّ الشامل لأنواع الأذيةِ ونُكِّر السوءُ مبالغةً في النهي ، أي لا تتعرضوا لها بشيء مما يسوؤها أصلاً ولا تطرُدوها ولا تُريبوها إكراماً لآية الله { فيأخذكم عذاب أليم } جوابٌ للنهي . ويُروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحِجر في غزوة تبوك قال لأصحابه : « لا يدخُلنّ أحدٌ منكم القريةَ ولا تشربوا من مائها ولا تدخُلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين أن يصيبَكم مثلُ الذي أصابهم » وقال عليه الصلاة والسلام لعلي رضي الله عنه : « يا علي أتدري من أشقى الأولين؟ » قال : الله ورسولُه أعلم ، قال : « عاقرُ ناقةِ صالح ، أتدري من أشقى الآخِرين؟ » قال : الله ورسولُه أعلم ، قال « قاتلُك . »
وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آَلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74)
{ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد } أي خلفاءَ في الأرض أو خلَفاً لهم كما مر { وبوأكم في الأرض } أي جعل لكم مَباءةً ومنزلاً في أرض الحِجْر بين الحجازِ والشام { تتخذون من سهولها قصوراً } استئنافٌ مبينٌ لكيفية التبوِئةِ أي تبنون في سهولها قصوراً رفيعةً أو تبنون من سهولة الأرض بما تعملون منها من الرِهْص واللِبن والآجُرّ { وتنحِتون الجبال } أي الصخورَ وقرىء تنحَتون بفتح الحاء وتنحاتون بإشباع الفتحة كما في قوله : (3/6)
ينباعُ من ذِفْرَى أسيلٍ حرّةٍ ... والنحتُ نجْرُ الشيءِ الصُّلب ، فانتصابُ الجبالِ على المفعولية وانتصابُ قوله تعالى : { بيوتاً } على أنها حالٌ مقدرةٌ منها كما تقول : خِطْتُ هذا الثوبَ قميصاً ، وقيل : انتصابُ الجبالِ على إسقاط الجار أي من الجبال وانتصابُ بيوتاً على المفعولية ، وقد جوّز أن يُضمَّن النحتُ معنى الاتخاذِ فانتصابُهما على المفعولية ، وقيل : كانوا يسكُنون السهولَ في الصيف والجبالَ في الشتاء { فاذكروا آلاء الله } التي أنعم بها عليكم مما ذكر أو جميعَ آلائِه التي هذه من جملتها { ولا تعثوا في الأرض مفسدين } فإن حقَّ آلائِه تعالى أن تُشكَرَ ولا تُهملَ ولا يُغْفلَ عنها فكيف بالكفر والعِثيِّ في الأرض بالفساد .
قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آَمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آَمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77)
{ قال الملأ الذين استكبروا من قومه } أي عتَوْا وتكبروا ، استئنافٌ كما سلف وقرىء بالواو عطفاً على ما قبله من قوله تعالى : { يا قوم } الخ ، واللامُ في قوله تعالى : { للذين استضعفوا } للتبليغ وقوله تعالى : { لمن آمن منهم } بدلٌ من الموصول بإعادة العاملِ بدلَ الكلِّ إن كان ضميرُ منهم لقومه ، وبدلَ البعضِ إن كان للذين استُضعفوا على أن مِن المستضعفين مَنْ لم يؤمن ، والأولُ هو الوجهُ ، إذ لا داعيَ إلى توجيه الخطابِ أولاً إلى جميع المستضعفين مع أن المجاوبةَ مع المؤمنين منهم على أن الاستضعافَ مختصٌّ بالمؤمنين ، أي قالوا للمؤمنين الذين استَضْعفوهم واسترذلوهم : { أتعلمون أن صالحاً مرسل من ربه } وإنما قالوه بطريق الاستهزاءِ بهم { قالوا إنا بما أرسل به مؤمنون } عدَلوا عن الجواب الموافِقِ لسؤالهم بأن يقولوا : نعم أو نعلم أنه مرسلٌ منه تعالى مسارعةً إلى تحقيق الحقِّ وإظهارِ ما لهم من الإيمان الثابتِ المستمرِّ الذي تنبىء عنه الجملةُ الاسميةُ وتنبيهاً على أن أمرَ إرسالِه من الظهور بحيث لا ينبغي أن يُسألَ عنه ، وإنما الحقيقُ بالسؤال عنه هو الإيمانُ به { قال الذين استكبروا } أعيد الموصولُ مع صلته مع كفاية الضميرِ إيذاناً بأنهم قد قالوا ما قالوه بطريق العتُوِّ والاستكبار { إنا بالذي آمنتم به كافرون } وإنما لم يقولوا : إنا بما أرسل به كافرون إظهاراً لمخالفتهم إياهم ورداً لمقالتهم { فعقروا الناقة } أي نحروها ، أُسند العقرُ إلى الكل مع أن المباشِرَ بعضُهم للملابسة أن لأن ذلك لما كان برضاهم فكأنه فَعلَه كلُّهم ، وفيه من تهويل الأمرِ وتفظيعِه بحيث أصابت غائلتُه الكلَّ ما لا يخفى { وعتوا عن أمر ربهم } أي استكبروا عن امتثاله وهو ما بلّغهم صالح عليه السلام من الأمر والنهي . (3/7)
{ وقالوا } مخاطِبين له عليه السلام بطريق التعجيزِ والإفحامِ على زعمهم { يا صالح ائتنا بما تعدنا } أي من العذاب ، والإطلاقُ للعلم به قطعاً { إن كنت من المرسلين } فإن كونَك من جملتهم يستدعي صدقَ ما تقول من الوعد والوعيد .
فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (78) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا قَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79) وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80)
{ فأخذتهم الرجفة } أي الزلزلةُ لكن لا إثرَ ما قالوا بعد ما جرى عليهم من مبادىء العذابِ في الأيام الثلاثةِ حسبما مر تفصيلُه { فأصبحوا في دارهم } أي صاروا في أرضهم وبلدِهم أو في مساكنهم { جاثمين } خامدين موتى لا حَراكَ بهم ، وأصلُ الجثومِ البروكُ ، يقال : الناسُ جثومٌ أي قعود لا حَراك بهم ولا ينبِسون نبْسةً ، قال أبو عبيدة : الجثومُ للناس والطير ، والبروكُ للإبل ، والمرادُ كونُهم كذلك عند ابتداءِ نزولِ العذابِ بهم من غير اضطرابٍ ولا حركة كما يكون عند الموت المعتاد ، ولا يخفى ما فيه من شدة الأخذِ وسرعةِ البطش . (3/8)
اللهم إنا بك نعوذ من نزول سخطِك وحُلولِ غضبِك . وجاثمين خبرٌ لأصبحوا والظرفُ متعلقٌ به ، ولا مساغ لكونه خبراً وجاثمين حالاً لإفضائه إلى كون الإخبارِ بكونهم في دارهم مقصوداً بالذات وكونِهم جاثمين قيداً تابعاً له غيرَ مقصودٍ بالذات . قيل : حيث ذُكرت الرجفةُ وُحِّدت الدارُ ، وحيث ذُكرت الصيحةُ جمعت لأن الصيحةَ كانت من السماء فبلوغُها أكثرُ وأبلغُ من الزلزلة فقُرن كلٌّ منهما بما هو أليقُ به { فتولى عنهم } إثرَ ما شاهد ما جرى عليهم تولى مغتماً متحسّراً على ما فاتهم من الإيمان متحزناً عليهم { وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم } بالترغيب والترهيبِ وبذلتُ فيكم وُسْعي ولكن لم تقبلوا مني ذلك وصيغةُ المضارع في قوله تعالى : { ولكن لا تحبون الناصحين } حكايةُ حالٍ ماضيةٍ أي شأنُكم الاستمرارُ على بغض الناصحين وعدامتِهم ، خاطبهم عليه الصلاة والسلام بذلك خطابَ رسولِ الله عليه الصلاة والسلام أهلَ قلَيبِ بدرٍ حيث قال : « إنا وجدْنا ما وعدنا ربُّنا حقاً فهل وجدتم ما وعد ربكم حقاً؟ » وقيل : إنما تولى عنهم قبل نزولِ العذاب بهم عند مشاهدتِه عليه الصلاة والسلام لعلاماته تولى ذاهباً عنهم منكراً لإصرارهم على ما هم عليه . وروي أن عَقرَهم الناقةَ كان يوم الأربِعَاءِ ونزل بهم العذابُ يوم السبت ، وروي أنه خرج في مائة وعشرة من المسلمين وهو يبكي فالتفت فرأى الدخانَ ساطعاً فعلم أنهم قد هلَكوا وكانوا ألفاً وخمسَمائةِ دارٍ ، وروي أنه رجع بمن معه فسكنوا ديارَهم .
{ ولوطاً } منصوبٌ بفعل مضمر على ما سبق ، وعدمُ التعرُّضِ للمرسل إليهم مقدماً على المنصوب حسبما وقع فيما سبق وما لحِق قد مر بيانُه في قصة هودٍ عليه السلام ، وهو لوطُ بنُ هارانَ بن تارح بنُ أخي إبراهيمَ كان من أرض بابلَ من العراق مع عمه إبراهيمَ فهاجر إلى الشام فنزل فلسطينَ وأنزل لوطاً الأردُنّ وهي كورةٌ بالشام فأرسله الله تعالى إلى أهل سَدومَ وهي بلدٌ بحِمْصَ ، وقوله تعالى : { إذ قال لقومه } ظرفٌ للمضمر المذكورِ أي أرسلنا لوطاً إلى قومه وقت قولِه لهم الخ ، ولعل تقييدَ إرسالِه عليه السلام بذلك لما أن إرسالَه إليهم لم يكن في أول وصولِه إليهم ، وقيل : هو بدلٌ من لوطاً بدلَ اشتمالٍ على أن انتصابَه باذكر ، أي اذكرْ وقتَ قولِه عليه السلام لقومه : { أتأتون الفاحشة } بطريق الإنكارِ التوبيخيِّ التقريعيِّ أي أتفعلون تلك الفعلةَ المتناهيةَ في القبح المتماديةِ في الشرية والسوء { ما سبقكم بها } ما عمِلها قبلكم على أن الباء للتعدية كما في قوله تعالى : { من أحد } مزيدةٌ لتأكيد النفي وإفادةِ معنى الاستغراقِ ، وفي قوله تعالى : { من العالمين } للتبعيض ، والجملةُ مستأنفةٌ مسوقة لتأكيد النكيرِ وتشديدِ التوبيخِ والتقريعِ ، فإن مباشرةَ القبيحِ قبيحٌ واختراعَه أقبحُ ، ولقد أنكر الله تعالى عليهم أولاً إتيانَ الفاحشةِ ثم وبخهم بأنهم أولُ من عمِلها فإن سبكَ النظمِ الكريمِ وإن كان على نفي كونِهم مسبوقين من غير تعرّضٍ لكونهم سابقين ، لكن المرادَ أنهم سابقون لكل مَنْ عداهم من العالمين كما مر تحقيقه مراراً في نحو قوله تعالى :
{ ومن أظلم ممن افترى على الله كذباً } أو مسوقةٌ جواباً عن سؤال مقدر كأنه قيل من جهتهم : لم لا نأتيها؟ فقيل بياناً للعلة وإظهاراً للزاجر : ما سبقكم بها أحدٌ لغاية قُبْحِها وسوءِ سبيلها فكيف تفعلونها؟ قال عمرو بن دينار : ما نزَا ذكرٌ على ذكر حتى كان قومُ لوط . قال محمد بنُ إسحاق : كانت لهم ثمارٌ وقُرى لم يكن في الدنيا مثلُها فقصدهم الناسُ فآذَوْهم فعرض لهم إبليسُ في صورة شيخٍ فقال : إن فعلتم بهم كذا وكذا نجَوْتم منهم فأبَوْا فلما ألحّ الناسُ عليهم قصدوهم فأصابوا غِلْماناً صِباحاً فأخبثوا فاستحكم فيهم ذلك ، قال الحسن : كانوا لا يفعلون ذلك إلا بالغرباء ، وقال الكلبي : أول من فُعل به ذلك الفعلُ إبليسُ الخبيثُ حيث تمثل لهم في صورة شابٍ جميل فدعاهم إلى نفسه ثم عبثوا بذلك العمل . (3/9)
إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82)
{ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرجال } خبرٌ مستأنفٌ لبيان تلك الفاحشةِ وقرىء بهمزتين صريحتين وبتليين الثانيةِ بغير مدَ وبمد أيضاً على أنه تأكيدٌ للإنكار السابقِ وتشديدٍ للتوبيخ ، وفي زيادة إنّ واللامِ مزيدُ توبيخٍ وتقريعٍ ، وكان ذلك أمرٌ لا يتحقق صدورُه عن أحد فيؤكد تأكيداً قوياً ، وفي إيراد لفظِ الرجالِ دون الغِلمان والمُرْدان ونحوِهما مبالغةً في التوبيخ وقوله تعالى : { شَهْوَةً } مفعول له أو مصدرٌ في موقع الحالِ ، وفي التقييد بها وصفُهم بالبهيمية الصِّرْفة وتنبيهٌ على أنّ العاقلَ ينبغي له أن يكون الداعيَ له المباشرَ طلبُ الولد وبقاءُ النوعِ لا قضاءُ الشهوةِ . ويجوز أن يكون المرادُ الإنكارَ عليهم وتقريعَهم على اشتهائهم تلك الفعلةَ الخبيثةَ المكروهة كما ينبىء عنه قوله تعالى : { مّن دُونِ النساء } أي متجاوزين النساءَ اللاتي هن محلُّ الاشتهاء كما ينبىء عنه قوله تعالى : { هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ } { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } إضرابٌ عن الإنكار المذكورِ إلى الإخبار بحالهم التي أفضَتْهم إلى ارتكاب أمثالِها وهي اعتيادُ الإسرافِ في كل شيءٍ أو عن الإنكار عليها إلى الذم على جميع معايبِهم ، أو عن محذوف أي لا عذرَ لكم فيه بل أنتم قومٌ عادتُكم الإسراف . (3/10)
{ وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ } أي المستكبرين منهم المتولين للأمر والنهي المتصدِّين للعقد والحل وقوله تعالى : { إِلاَّ أَن قَالُواْ } استثناءٌ مفرَّغٌ من أعم الأشياء أي ما كان جواباً من جهة قومِه شيءٌ من الأشياء إلا قولُهم أي لبعضهم الآخرين المباشِرين للأمور معرضين عن مخاطبته عليه السلام { أَخْرِجُوهُم } أي لوطاً ومن معه من أهله المؤمنين { مّن قَرْيَتِكُمْ } أي إلا هذا القولُ الذي يستحيل أن يكون جواباً لكلام لوطٍ عليه السلام . وقرىء برفع جواب على أنه اسمُ كان و ( إلا أن قالوا ) الخ ، خبرُها وهو أظهرُ وإن كان الأولُ أقوى في الصناعة لأن الأعرفَ أحقُّ بالاسمية .
وأياً ما كان فليس المرادُ أنه لم يصدُرْ عنهم بصدد الجوابِ عن مقالات لوطٍ عليه السلام ومَواعظِه إلا هذه المقالةُ الباطلةُ كما هو المتسارعُ إلى الإفهام بل أنه لم يصدُرْ عنهم في المرة الأخيرة من مرات المحاورات الجارية بينهم وبينه عليه السلام إلا هذه الكلمةُ الشنيعةُ ، وإلا فقد صدر عنهم قبل ذلك كثيرٌ من التُرَّهات حسبما حُكي عنهم في سائر السورِ الكريمة وهذا هو الوجهُ في نظائره الواردةِ بطريق القصر ، وقوله تعالى : { إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } تعليلٌ للأمر بالإخراج ، ووصفُهم بالتطهر للاستهزاء والسخرية بهم وبتطهرهم من الفواحش والخبائث والافتخارِ بما هم فيه من القذارة كما هو ديدنُ الشُطّار والدُعّار .
فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (84) وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85)
{ فأنجيناه وَأَهْلَهُ } أي المؤمنين منهم { إِلاَّ امرأته } استثناءٌ من أهله فإنها كانت تُسِرّ بالكفر { كَانَتْ مِنَ الغابرين } أي الباقين في ديارهم الهالِكين فيها ، والتذكيرُ للتغليب ولبيان استحقاقِها لما يستحقه المباشِرون للفاحشة ، والجملةُ استئنافٌ وقع جواباً عن سؤال نشأ عن استثنائها من حكم الإنجاءِ ، كأنه قيل : فماذا كان حالُها؟ فقيل : كانت من الغابرين { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَّطَرًا } أي نوعاً من المطر عجيباً وقد بينه قوله تعالى : { وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مّن سِجّيلٍ } قال أبو عبيدة : مُطر في الرحمة وأُمطِر في العذاب . وقال الراغب : مُطر في الخير وأُمطر في العذاب ، والصحيح أن أَمطَرنا بمعنى أرسلنا عليهم إرسالَ المطر . قيل : كانت المؤتَفِكةُ خمسَ مدائن ، وقيل : كانوا أربعةَ آلافٍ بين الشام والمدينة فأمطر الله عليهم الكِبريتَ والنارَ ، وقيل : خَسَف بالمقيمين منهم وأُمطرت الحجارةُ على مسافريهم وشُذّاذهم ، وقيل : أُمطر عليهم ثم خُسِف بهم . ورُوي أن تاجراً منهم كان في الحرَم فوقف الحجرُ له أربعين يوماً حتى قضى تجارتَه وخرج من الحرم فوقع عليه ، وروي أن امرأتَه التفتت نحوَ ديارِها فأصابها حَجَرٌ فماتت { فانظر كَيْفَ كَانَتْ عاقبة المجرمين } خطابٌ لكل من يتأتى منه التأملُ والنظرُ تعجيباً من حالهم وتحذيراً من أعمالهم . (3/11)
{ وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْباً } عطفٌ على قوله : { وإلى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا } وما عُطف عليه ، وقد روعيَ هاهنا ما في المعطوف عليه في تقديم المجرورِ على المنصوب ، أي وأرسلنا إليهم وهم أولادُ مدينَ بنِ إبراهيمَ عليه السلام وشعيبُ بنُ ميكائيلَ بنِ يشجَر بنِ مدينَ ، وقيل : شعيبُ بنُ ثويبِ بنِ مدينَ ، وقيل : شعيبُ بنُ يثرونَ بنِ مدينَ ، وكان يقال له : خطيبُ الأنبياء لحسن مراجعتِه قومَه وكانوا أهلَ بخسٍ للمكاييل والموازين مع كفرهم { قَالَ } استئنافٌ مبنيٌ على سؤال نشأ عن حكاية إرسالِه إليهم كأنه قيل : فماذا قال لهم؟ فقيل : قال : { فَقَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُم مّنْ إله غَيْرُهُ } مر تفسيرُه مراراً { قَدْ جَاءتْكُم بَيّنَةٌ } أي معجزةٌ وقوله تعالى : { مّن رَّبّكُمْ } متعلقٌ بجاءتْكم أو بمحذوف هو صلةٌ لفاعله مؤكدةٌ لفخامته الذاتيةِ المستفادةِ من تنكيره بفخامته الإضافيةِ ، أي بينةٌ عظيمةٌ ظاهرةٌ كائنةٌ من ربكم ومالِك أمورِكم ولم يُذكرْ معجزتُه عليه السلام في القرآن العظيم كما لم يُذكر أكثرُ معجزاتِ النبي صلى الله عليه وسلم فمنها ما روي من محاربة عصا موسى عليه السلام التّنّينَ حين دفع إليه غنمَه ومنها ولادةُ الغنمِ الدرعَ خاصة حين وعد أن يكون له الدرعُ من أولادها ، ومنها وقوعُ عصا آدمَ عليه السلام على يده في المرات السبعِ لأن كلَّ ذلك كان قبل أن يُستنبأ موسى عليه السلام . وقيل : البينةُ مجيئُه عليه السلام كما في قوله تعالى : { قَالَ ياقوم أَرَأَيْتُمْ إِن كُنتُ على بَيّنَةٍ مّن رَّبّى }
أي حجةٌ واضحةٌ وبرهانٌ نيِّرٌ ، عبّر بهما عما آتاه الله من النبوة والحكمة { فَأَوْفُواْ الكيل } أي المكيالَ كما وقع في سورة هودٍ ويؤيده قولُه تعالى : { والميزان } فإن المتبادرَ منه الآلةُ وإن جاز كونُه مصدراً كالمعيار وقيل : آلةَ الكيل والوزن على الإضمار ، والفاءُ لترتيب الأمرِ على مجيء البينةِ ويجوز أن تكون عاطفةً على اعبدوا فإن عبادةَ الله تعالى موجبةٌ للاجتناب عن المناهي التي معظمُها بعد الكفرِ البخْسِ الذي كانوا يباشرونه { وَلاَ تَبْخَسُواْ الناس أَشْيَاءهُمْ } التي تشترونها بهما معتمدين على تمامهما أيَّ شيءٍ كان وأيَّ مقدارٍ كان ، فإنهم كانوا يبخسون الجليلَ والحقيرَ والقليلَ والكثيرَ ، وقيل : كانوا مكّاسين لا يدَعون شيئاً إلا مكَسوه ، قال زهير : (3/12)
أفي كل أسواقِ العراقِ إِتاوة ... وفي كل ما باع امرؤٌ مَكْسُ درهمِ
{ وَلاَ تُفْسِدُواْ فِى الارض } أي بالكفر والحيف { بَعْدَ إصلاحها } بعد ما أصلح أمرَها وأهلَها الأنبياءُ وأتابعُهم بإجراء الشرائعِ ، أو أصلحوا فيها وإضافتُه إليها كإضافة مكرِ الليلِ والنهار { ذلكم خَيْرٌ لَّكُمْ } إشارةٌ إلى العمل بما أمرَهم به ونهاهم عنه ، ومعنى الخيريةِ إما الزيادةُ مطلقاً أو في الإنسانية وحسنِ الأُحدوثة وما يطلُبونه من التكسب والربح لأن الناسَ إذا عرفوهم بالأمانة رغِبوا في معاملتهم ومُتاجَرَتِهم { إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } أي مصدّقين لي في قولي هذا .
وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آَمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86)
{ وَلاَ تَقْعُدُواْ بِكُلّ صراط تُوعِدُونَ } أي بكل طريقٍ من طرق الدِّين كالشيطان . وصراطُ الحقِّ وإن كان واحداً لكنه يتشعب إلى معارفَ وحدودٍ وأحكامٍ وكانوا إذا رأَوْا أحداً يشرَع في شيء منها منعوه . وقيل : كانوا يجلِسون على المراصد فيقولون لمن يريد شعيباً إنه كذابٌ لا يفتنَنَّك عن دينك ويتوعّدون لمن آمن به وقيل : يقطعون الطريق { وَتَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله } أي السبيلِ الذي قعَدوا عليه فوقع المُظهرُ موقعَ المضمرِ بياناً لكل صراطٍ ودلالةً على عِظم ما يصدون عنه وتقبيحاً لما كانوا عليه ، أو الإيمانِ بالله أو بكل صراط على أنه عبارة عن طرق الدين وقوله تعالى : { مَنْ ءامَنَ بِهِ } مفعول تصدون على إعمال الأقربِ ، ولو كان مفعولَ توعِدون لقيل : وتصُدونهم ، وتوعِدون حالٌ من الضمير في تقعدوا { وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا } أي وتطلبون لسبيل الله عوجاً بإلقاء الشُبَهِ أو بوصفها للناس بأنها مُعْوجةٌ وهي أبعدُ شيءٍ من شائبة الاعوجاج . (3/13)
{ واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلاً فَكَثَّرَكُمْ } بالبركة في النسل والماء { وانظروا كَيْفَ كَانَ عاقبة المفسدين } من الأمم الماضيةِ كقوم نوحٍ ومَنْ بعدهم من عاد وثمودَ وأضرابِهم واعتبِروا بهم .
وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آَمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88)
{ وَإِن كَانَ طَائِفَةٌ مّنكُمْ ءامَنُواْ بالذى أُرْسِلْتُ بِهِ } من الشرائع والأحكام { وَطَائِفَةٌ لَّمْ يْؤْمِنُواْ } أي به أو لم يفعلوا الإيمان { فاصبروا حتى يَحْكُمَ الله بَيْنَنَا } أي بين الفريقين بنصر المُحقّين على المبطلين فهو وعدٌ للمؤمنين ووعيدٌ للكافرين { وَهُوَ خَيْرُ الحاكمين } إذ لا معقِّبَ لحكمه ولا حَيْفَ فيه . (3/14)
{ قَالَ الملا الذين استكبروا مِن قَوْمِهِ } استئنافٌ مبنيٌ على سؤال ينساق إليه المقالُ كأنه قيل : فماذا قالوا بعد ما سمعوا هذه المواعظَ من شعيبٍ عليه السلام؟ فقل : قال أشرافُ قومِه المستكبرون متطاولين عليه عليه السلام غيرَ مكتفِين بمجرد الاستعصاءِ عليه والامتناعِ من الطاعة له بل بالغين من العُتوّ والاستكبارِ إلى أن قصَدوا استتباعَه عليه السلام فيما هم فيه وأتباعَه المؤمنين واجترأوا على إكراههم عليه بوعيد النفي وخاطبوه بذلك على طريقة التوكيدِ القسمي : { لَنُخْرِجَنَّكَ ياشعيب والذين ءامَنُواْ } بنسبة الإخراجِ إليه عليه السلام أولاً وإلى المؤمنين ثانياً بعطفهم عليه تنبيهاً على أصالته عليه السلام في الإخراج وتبعيتِهم له فيه كما ينبىء عنه قوله تعالى : { مَعَكَ } فإنه متعلقٌ بالإخراج لا بالإيمان وتوسيطُ النداءِ باسمه العَلَميِّ بين المعطوفَين لزيادة التقريرِ والتهديدِ الناشئةِ من غاية الوقاحةِ والطغيان ، أي والله لنُخرجنّك وأتباعَك { مِن قَرْيَتِنَا } بغضاً لكم ودفعاً لفتنتكم المترتبةِ على المساكنة والجِوارِ ، وقوله تعالى : { أَوْ لَتَعُودُنَّ فِى مِلَّتِنَا } عطفٌ على جواب القسم ، أي والله ليكونن أحدُ الأمرين البتة ، على أن المقصِدَ الأصليَّ هو العَوْدُ ، وإنما ذُكر النفيُ والإجلاءُ لمحض القسر والإلجاءِ كما يُفصِحُ عنه عدمُ تعرُّضِه عليه السلام لجواب الإخراجِ كأنهم قالوا : لا ندعكم فيما بيننا حتى تدخُلوا في ملتنا ، وإدخالُهم له عليه السلام في خطاب العَوْدِ مع استحالة كونِه عليه السلام في ملتهم قبل ذلك إنما هو بطريق تغليبِ الجماعةِ على الواحد وإنما لم يقولوا : أو لنُعيدنّكم على طريقة ما قبله لِما أن مُرادَهم أن يعودوا إليها بصورة الطواعيةِ حِذارَ الإخراجِ باختيار أهونِ الشرَّين لا إعادتُهم بسائر وجوهِ الإكراهِ والتعذيب .
{ قَالَ } استئنافٌ كما سبق أي قال عليه السلام رداً لمقالتهم الباطلةِ وتكذيباً لهم في أَيْمانهم الفاجرة : { أَوْ لَوْ كُنَّا كارهين } على أن الهمزةَ لإنكار الوقوعِ ونفيِه لا لإنكار الواقعِ واستقباحِه كالتي في قوله تعالى : { أَوْ لَوْ جِئْتُكَ بِشَىء مُّبِينٍ } ويجوز أن يكون الاستفهامُ فيه باقياً على حاله وقد مر مراراً أن كلمةَ لو في مثل هذا المقامِ ليست لبيان انتفاءِ الشيءِ في الزمن الماضي لانتفاء غيرِه فيه فلا يلاحظ لها جوابٌ قد حذف تعويلاً على دِلالة ما قبلها عليه ملاحظةً قصديةً إلا عند القصدِ إلى بيان الإعرابِ على القواعد الصناعيةِ بل هي لبيان تحققِ ما يفيده الكلامُ السابقُ بالذات أو بالواسطة من الحُكم الموجَب أو المنفي على كل حال مفروضٍ من الأحوال المقارنةِ له على الإجمال بإدخالها على أبعدها منه وأشدِّها منافاةً له ليظهر بثبوته أو انتفائِه معه ثبوتُه أو انتفاؤُه مع ما عداه من الأحوال بطريق الأولويةِ لِما أن الشيءَ متى تحقق مع المنافي القويِّ فلأَن يتحققَ مع غيره أولى ولذلك لا يُذكرُ معه شيءٌ من سائر الأحوال ويُكتفى عنه بذكر الواو العاطفةِ للجملة على نظيرتها المقابلةِ لها الشاملةِ لجميع الأحوالِ المغايرةِ لها عند تعدّدِها ، وهذا معنى قولِهم : إنها لاستقصاء الأحوالِ على سبيل الإجمالِ ، وهذا المعنى ظاهرٌ في الخبر الموجَبِ والمنفيِّ والأمرِ والنهي كما في قولك : فلانٌ جوادٌ يعطي ولو كان فقيراً أو بخيلٌ لا يعطي ولو كان غنياً ، وكقولك : أحسنْ إليه ولو أساء إليك ولا تُهِنْه ولو أهانك لبقائه على حاله سالماً عما يغيّره ، وأما فيما نحنُ فيه ففية نوعُ خفاءٍ لتغيّره بورود الإنكارِ عليه ، لكن الأصلَ في الكل واحدٌ إلا أن كلمةَ لو في الصور المذكورةِ متعلقةٌ بنفس الفعل المذكورِ قبلها وأن ما يُقصد بيانُ تحققِه على كل حال هو نفسُ مدلولِه وأن الجملةَ حالٌ من ضميره أو مما يتعلق به وأن ما في حيز لو مقرّرٌ على ما هو عليه من الاستبعاد ، بخلاف ما نحن فيه ، لما أن كلمةَ لو متعلقةٌ فيه بفعل مقدرٍ يقتضيه المذكورُ وأن ما يُقصد بيانُ تحققِه على كل حال هو مدلولُه لا مدلولُ المذكورِ وأن الجملةَ حالٌ من ضميره لا من ضمير المذكورِ كما سيأتي أو المقصودُ الأصلي إنكارُ مدلولِه من حيث مقارنتُه للحالة المذكورةِ ، وأما تقديرُ مقارنته لغيرها فلتوسيع الدائرةِ وأن ما في حيز ( لو ) لا يقصد استبعادُه في نفسه بل يقصد الإشعارُ بأنه أمرٌ مقرّرٌ إلا أنه أُخرج مُخرَجَ الاستبعادِ مبالغةً في الإنكار من جهة أن العودَ مما يُنكر عند كونِ الكراهةِ أمراً مستعداً فكيف به عند كونِها أمراً محققاً ومعاملةً مع المخاطَبين على معتقدَهم لاستنزالهم من رتبة العِناد؟ وليس المرادُ بالكراهة مجردَ كراهةِ المؤمنين للعود في ملة الكفرِ ابتداءً حتى يقال إنها معلومةٌ لهم فكيف تكون مستبعدةً عندهم بل إنما هي كراهتُهم له بعد وعيدِ الإخراجِ الذي جُعل قريناً للقتل في قوله تعالى :
{ وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا } الآية ، فإنهم كانوا يستبعدونها ويطمَعون في أنهم حينئذ يختارون العَوْدَ خشيةَ الإخراجِ ، إذ رُب مكروهٍ يُختار عند حلولِ ما هو أشدُّ منه وأفظعُ ، والتقديرُ : أنعودُ فيها لو لم نكن كارهين ولو كنا كارهين غيرَ مبالين بالإكراه؟ فالجملةُ في محل النصب على الحالية من ضمير الفعل المقدرِ حسبما أُشير إليه ، إذ مآلُه : أنعود فيها حالَ عدمِ الكراهةِ ، وحالُ الكراهةِ إنكارٌ لما تفيده كلمتُهم الشنيعةُ بإطلاقها من العَوْد على أي حالة كانت ، غيرَ أنه اكتُفِيَ بذكر الحالة الثانيةِ التي هي أشدُّ الأحوالِ منافاةً للعود وأكثرُها بُعداً منه تنبيهاً على أنها هي الواقعةُ في نفس الأمر ، وثقةً بإغنائها عن ذكر الأولى إغناءً واضحاً لأن العودَ الذي تعلق به الإنكارُ حين تحققَ مع الكراهة على ما يوجبه كلامُهم فلأن يتحققَ مع عدمها أولى . (3/15)